Полный текст (1 194 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
[تَعَارُضُ فَضِيلَتَيْنِ يُقَدَّمُ أَفْضَلُهُمَا]
لَوْ تَعَارَضَ الْبُكُورُ إلَى الْجُمُعَةِ، بِلَا غُسْلٍ (وَتَأْخِيرُهُ) مَعَ الْغُسْلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ تَحْصِيلَ الْغُسْلِ أَوْلَى لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهِ.
وَلَوْ تَعَارَضَ فَضِيلَةُ سَمَاعِ (الْقُرْآنِ مِنْ الْإِمَامِ) مَعَ قِلَّةِ الْجَمَاعَةِ وَعَدَمِ سَمَاعِهِ مَعَ كَثْرَتِهَا، فَالظَّاهِرُ تَفْضِيلُ الْأَوَّلِ
، وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، لَوْ أَتَى بِسُنَنِ الْوُضُوءِ، فَفِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ أَوْلَى، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا هَذَا فِي الْجَمَاعَةِ، أَمَّا الْجُمُعَةُ فَيَنْبَغِي إذَا خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (فَيَجِبُ) عَلَيْهِ لِيُدْرِكَ الْجُمُعَةَ.
وَلَوْ مَلَكَ عَقَارًا وَأَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْهُ، فَهَلْ الْأَوْلَى الصَّدَقَةُ بِهِ حَالًا أَمْ (وَقْفُهُ؟ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ شِدَّةٍ وَحَاجَةٍ فَتَعْجِيلُ) الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَفِيهِ وَقْفُهُ، وَلَعَلَّ الْوَقْفَ أَوْلَى لِكَثْرَةِ (جَدْوَاهُ) ، وَأَطْلَقَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي بَابِ الْوَكَالَةِ مِنْ الْمَطْلَبِ تَقْدِيمَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ بِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ حَظِّ النَّفْسِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ الْوَقْفِ.
وَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا وَرَأَى جَمَاعَةً يُصَلُّونَ إتْمَامًا فَهَلْ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ أَنْ يُصَلِّيَ قَصْرًا مُنْفَرِدًا أَوْ يُصَلِّي جَمَاعَةً إتْمَامًا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمَاعَةً إتْمَامًا فَإِنَّ النَّوَوِيَّ نَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ (﵀) إنَّمَا يُوجِبُ الْقَصْرَ إذَا لَمْ يَقْتَدِ بِمُتِمٍّ (فَإِنْ) اقْتَدَى بِهِ جَازَ لَهُ الْإِتْمَامُ وَالْقَصْرُ.
стр. 282
وَلَوْ تَيَقَّنَ فَاقِدُ الْمَاءِ وُجُودَهُ آخِرِ الْوَقْتِ، فَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي، لَا، وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا قَالُوا: الصَّلَاةُ بِالْوُضُوءِ لَيْسَ أَفْضَلَ مِنْهَا بِالتَّيَمُّمِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ. كَانَ إذَا قَدَّمَهَا بِالتَّيَمُّمِ صَلَّاهَا جَمَاعَةً، وَإِذَا أَخَّرَهَا صَلَّاهَا بِالْوُضُوءِ مُنْفَرِدًا، فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ.
وَلَوْ تَعَارَضَ الْإِتْيَانُ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مُنْفَرِدًا وَالْإِتْيَانُ بِهَا آخِرَهُ جَمَاعَةً (فَقَالَ) أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ بِأَفْضَلِيَّةِ التَّأْخِيرِ وَأَكْثَرُ الْمَرَاوِزَةِ (بِأَفْضَلِيَّةِ) التَّقْدِيمِ، وَتَوَسَّطَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: يَنْبَغِي إنْ فَحُشَ التَّأْخِيرُ فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ، وَإِنْ (خَفَّ) فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ، أَمَّا لَوْ تَحَقَّقَهَا آخِرَ الْوَقْتِ، فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ قَطْعًا؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ أَوْ فَيَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ، كَذَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ إذَا رَجَا الْقُدْرَةَ عَلَيْهِ آخِرَ الْوَقْتِ وَالْعَارِي إذَا (رَجَا السُّتْرَةَ) آخِرَ الْوَقْتِ.
[تَعَارُضُ الْوَاجِبِ وَالْمَسْنُونِ]
ِ، وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ الْمَسْنُونِ يُتْرَكُ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ كَمَا إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ (عَنْ) تَكْرَارِ الْأَعْضَاءِ فِي الطَّهَارَةِ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَكْفِي لِوُضُوئِهِ وَهُوَ عَطْشَانُ وَلَوْ أَكْمَلَ الْوُضُوءَ لَمْ يَفْضُلْ لِلْعَطَشِ شَيْءٌ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْوَاجِبِ لَفَضَلَ لِلْعَطَشِ قَالَهُ الْجِيلِيُّ.
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ (ثَلَاثًا) لَمْ يَكْفِهِ الْمَاءُ قَالَ: يَجِبُ أَنْ يَغْسِلَ مَرَّةً فَلَوْ غَسَلَ (ثَلَاثًا) فَلَمْ يَكْفِ يَتَيَمَّمُ وَلَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ فِي غَرَضِ
стр. 283
التَّثْلِيثِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْكَنَ الْمَرِيضُ الصَّلَاةَ قَائِمًا بِالْفَاتِحَةِ، فَصَلَّى قَاعِدًا بِالسُّورَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ انْتَهَى.
وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيه وَقُلْنَا: يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ حُرِّمَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ السُّنَنِ كَالتَّثْلِيثِ.
وَلَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَتَى بِهَا لَأَدْرَكَ (الرَّكْعَةَ) ، وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى (الْوَاجِبِ) لَأَوْقَعَ الْجَمِيعَ فِي الْوَقْتِ (قَالَ) : فَأَمَّا السُّنَنُ الَّتِي تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ فَلَا شَكَّ (فِي الْإِتْيَانِ) بِهَا، وَأَمَّا غَيْرُهَا، فَالظَّاهِرُ الْإِتْيَانُ بِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ (الصِّدِّيقَ) (﵁) كَانَ يُطَوِّلُ الْقِرَاءَةَ فِي الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهَا إلَّا إذَا أَدْرَكَ رَكْعَةً وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ (٢٥٩) فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُلَبِّيَ يَرُدُّ السَّلَامَ فِي تَلْبِيَتِهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ حَكَاهُ فِي التَّهْذِيبِ.
تَنْبِيهٌ الْخِلَافُ فِي (التَّفْضِيلِ) بَيْنَ الْعُمْرَةِ وَالطَّوَافِ لَا يَتَحَقَّقُ، فَإِنَّ التَّفْضِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ مُتَجَانِسَيْنِ كَمَنْدُوبَيْنِ وَلَا تَفْضِيلَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ
стр. 284
الْعُمْرَةَ لَا تَقَعُ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ لِمَنْ اعْتَمَرُوا، فَرْضَ عَيْنٍ لِمَنْ لَمْ يَعْتَمِرْ وَالْكَلَامُ فِي الطَّوَافِ الْمَسْنُونِ فَكَيْفَ جَاءَ الْخِلَافُ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّ إحْيَاءَ الْكَعْبَةِ (بِالْعُمْرَةِ) لَيْسَ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَاتِ.
[تَعَارُضُ الْمَسْنُونِ وَالْمَمْنُوعِ]
كَالْمُحْرِمِ يَتَوَضَّأُ هَلْ يَأْتِي بِسُنَّةِ تَخْلِيلِ الشَّعْرِ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِ الْحَجِّ: لَا يُخَلِّلُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَسَاقُطِ الشَّعْرِ وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ كَمَا تُكْرَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ لِلصَّائِمِ.
[تَعَارُضُ الْمَانِعِ وَالْمُقْتَضِي]
يُقَدَّمُ الْمَانِعُ؛ (وَلِهَذَا) لَوْ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ مَهْرُهَا وَلَوْ ارْتَدَّ الزَّوْجُ سَقَطَ الشَّطْرُ وَلَوْ ارْتَدَّا مَعًا يَشْطُرُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْمُتْعَةِ
(وَمِنْهَا) : لَوْ اسْتَشْهَدَ الْجُنُبُ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ.
(وَمِنْهَا) : لَوْ اسْتَاكَ الصَّائِمُ لِتَغَيُّرِ فَمِهِ بِسَبَبٍ غَيْرِ الصَّوْمِ (قَالَ) الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: لَا يُكْرَهُ وَالْقِيَاسُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْكَرَاهَةُ.
[تَعَارُضُ الْمَفْسَدَتَيْنِ]
(قَاعِدَةٌ) تَعَارُضُ الْمَفْسَدَتَيْنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَجْمَعُوا عَلَى دَفْعِ الْعُظْمَى فِي ارْتِكَابِ الدُّنْيَا وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مِنْ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ أَنْ تُدْرَأَ أَعْظَمُ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِمَا إذَا تَعَيَّنَ
стр. 285
وُقُوعُ (إحْدَاهُمَا) بِدَلِيلِ (حَدِيثِ «بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ فِي الْمَسْجِدِ لَمَّا نَهَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ زَجْرِهِ» ) وَأَنْ يَحْصُلَ أَعْظَمُ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَرْكِ أَخَفِّهِمَا إذَا تَعَيَّنَ عَدَمُ (إحْدَاهُمَا) قَالَ وَأَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ لَا أَنَّهُ عَامٌّ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ وَوُجِدَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ (إذَا) تَعَارَضَ مَصْلَحَتَانِ حَصَلَتْ الْعُلْيَا مِنْهُمَا بِتَفْوِيتِ الدُّنْيَا قَالَ: وَيُشْكَلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْعَدُوَّ لَوْ نَزَلَ عَلَى بَلَدٍ (وَخَافَ) أَهْلُهُ مِنْ اسْتِئْصَالِهِمْ وَسَأَلَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ مَالَ فُلَانٍ أَوْ امْرَأَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ مَعَ أَنَّ مُفْسِدَةَ الْوَاحِدِ (أَخَفُّ مِنْ مُفْسِدَةِ الْجَمِيعِ) .
وَأَجَابَ بِأَنَّ مَصَالِحَ الشَّرْعِ وَمَفَاسِدَهُ مِنْهَا مَا عُلِمَ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّلَةِ وَمِنْهَا مَا لَمْ يُعْلَمْ، كَالتَّعَبُّدَاتِ فَهَذَا مِمَّا لَمْ يُعْلَمْ مَفْسَدَتُهُ وَيَجِبُ أَنْ (نَعْتَقِدَ) أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الَّتِي قُدِّمَتْ عَلَى الِاسْتِئْصَالِ غَيْرُ مَفْسَدَةِ مَالِ فُلَانٍ وَزَوْجَتِهِ عَمَلًا (بِعَادَةِ)
стр. 286
اللَّهِ (تَعَالَى) مَعَ عِبَادِهِ فِي شَرَائِعِهِ نَعَمْ لَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ ثَبَتَ بِالِاجْتِهَادِ كَانَ مُشْكِلًا؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ الْمَعْلُومَةَ دُونَ الْمَجْهُولَةِ، وَمِنْ فُرُوعِهِ: مَا لَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَيْتَةً وَطَعَامَ غَائِبٍ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَيَدَعُ الطَّعَامَ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْمَيْتَةِ بِالنَّصِّ وَطَعَامِ الْغَيْرِ بِالِاجْتِهَادِ.
وَلَوْ اضْطَرَّ الْمُحْرِمُ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا صَيْدًا فَقِيلَ: يَأْكُلُ الصَّيْدَ لِغِلَظِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالْأَصَحُّ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ؛ لِأَنَّهُ فِي الصَّيْدِ (يَرْتَكِبُ) مَحْظُورَيْنِ وَهُمَا الْقَتْلُ وَالْأَكْلُ.
(وَمِنْهَا) : الْخُلْعُ فِي الْحَيْضِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ إنْقَاذَهَا مِنْهُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْسَدَةِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا.
(وَمِنْهَا) : إذَا أُلْقِيَ فِي السَّفِينَةِ نَارٌ وَاسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِي الْهَلَاكِ أَيْ الْمَقَامُ فِي النَّارِ وَإِلْقَاءُ النَّفْسِ فِي الْمَاءِ فَهَلْ يَجُوزُ إلْقَاءُ النَّفْسِ أَوْ يَلْزَمُهُ الْمَقَامُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
[تَعَارُضُ الْمُوجِبِ وَالْمُسْقِطِ]
ِ يُغَلَّبُ الْمُسْقِطُ كَمَا لَوْ جَرَحَهُ جُرْحَيْنِ عَمْدًا وَخَطَأً وَمَاتَ لَا قِصَاصَ.
وَلَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ لَا قِصَاصَ؛ لِتَخَلُّلِ حَالَةٍ تَمْنَعُ مِنْ الْقِصَاصِ فَكَانَ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِهِ.
وَلَوْ تَوَلَّدَ بَيْنَ مَا فِيهِ زَكَاةٌ (كَالْغَنَمِ) وَمَا لَا (زَكَاةَ فِيهِ) (كَالظِّبَاءِ) فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ
стр. 287
وَلَوْ قَذَفَ الْمُبْعِضُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يُحَدُّ أَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ إذَا زَنَى يُحَدُّ حَدَّ الرَّقِيقِ، نَعَمْ الصَّيْدُ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَمَا لَا يَأْكُلُ حَرَامٌ، (وَإِذَا) قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى (التَّغْلِيظِ وَكَذَا الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ يُوجِبُ التَّعْفِيرَ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى) الِاحْتِيَاطِ أَمَّا تَوَلُّدُ الْفِعْلِ بَيْنَ مَضْمُونٍ وَغَيْرِ مَضْمُونٍ كَمَا إذَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ بِالْخِتَانِ فِي الْحَرِّ (وَالْبَرْدِ) فَالْوَاجِبُ جَمِيعُ الضَّمَانِ لِلتَّعَدِّي أَمْ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ الْخِتَانَ وَاجِبٌ وَالْهَلَاكُ (حَصَلَ) بَيْنَ مُسْتَحِقٍّ وَغَيْرِهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي.
(وَمِنْهَا) إذَا ضَرَبَهُ فِي الْحَدِّ (فَأَنْهَرَ) دَمَهُ (فَلَا ضَمَانَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ (مِنْ) رِقَّةِ جِلْدِهِ فَإِنْ عَادَ (وَضَرَبَهُ) فِي مَوْضِعِ إنْهَارِ الدَّمِ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ: فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا جَمِيعُ الدِّيَةِ وَالثَّانِي نِصْفُهَا قَالَهُ فِي الذَّخَائِرِ.
وَلَوْ ضُرِبَ شَارِبٌ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ (فَمَاتَ) وَجَبَ قِسْطُهُ بِالْعَدَدِ، وَفِي قَوْلٍ نِصْفُ دِيَةٍ وَيَجْرِيَانِ فِي قَاذِفٍ جُلِدَ (إحْدَى) وَثَمَانِينَ.
وَلَوْ اشْتَرَكَ حَلَالٌ وَمُحْرِمٌ فِي (جَرْحِ) صَيْدٍ، وَمَاتَ بِهِمَا (لَزِمَ الْمُحْرِمَ نِصْفُ الْجَزَاءِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ) .
стр. 288
[تَعَارُضِ الْخِصَالِ]
إذَا اجْتَمَعَ فِي الصَّلَاةِ حُرٌّ غَيْرُ فَقِيهٍ وَعَبْدٌ فَقِيهٌ، فَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْحُرِّ وَقِيلَ: الرَّقِيقُ وَمَالَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيُّ إلَى التَّسْوِيَةِ وَقَالُوا فِي خِصَالِ الْكَفَاءَةِ: إنَّ النَّقِيصَةَ لَا تَجْبُرُهَا الْفَضِيلَةُ وَلَا يُقَابَلُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَلَا تُزَوَّجُ سَلِيمَةٌ مِنْ الْعُيُوبِ دَنِيَّةٌ بِمَعِيبٍ نَسِيبٍ.
وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ حُرًّا ذِمِّيًّا أَوْ بِالْعَكْسِ فَالْأَصَحُّ الْقِصَاصُ.
[تَعَاطِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ]
وَفِيهِ نَظَرَانِ: (أَحَدُهُمَا) : إنْ (تَعَاطَاهَا) مَعَ الْجَهْلِ بِالتَّحْرِيمِ كَانَ لَهُ حُرْمَةٌ وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ (بِالتَّحْرِيمِ) فَلَا أَثَرَ لَهُ، وَلَوْ رَهَنَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ فَهُوَ مَبِيعٌ مِنْهُ، فَالْبَيْعُ وَالرَّهْنُ فَاسِدَانِ، فَلَوْ كَانَ أَرْضًا فَغَرَسَ فِيهَا الْمُرْتَهِنُ أَوْ بَنَى قَبْلَ (حُلُولِ) وَقْتِ الْبَيْعِ قَلَعَ مَجَّانًا، وَكَذَلِكَ لَوْ غَرَسَ بَعْدَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِفَسَادِ الْبَيْعِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ جَاهِلًا، بِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ، وَحَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ النَّصِّ، وَأَشَارَ إلَى احْتِمَالٍ بِخِلَافِهِ؛ (لِأَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا لَوْ بَاعَهُ أَرْضًا بَيْعًا فَاسِدًا) ، ثُمَّ غَرَسَهَا الْمُشْتَرِي مَعَ عِلْمِهِمَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ فَهَلْ يَقْلَعُ مَجَّانًا أَوْ لَا لِأَنَّ الْبَائِعَ سَلَّطَهُ عَلَى الِانْتِفَاعِ؟ قَالَ
стр. 289
ابْنُ أَبِي الدَّمِ: لَا نَقْلَ عِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قُلْت: تُعْلَمُ مِمَّا قَبْلَهَا وَفِي الْحِلْيَةِ غَرَسَ فِي الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ بَيْعًا فَاسِدًا، أَوْ بَنَى لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ قَلْعُ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، إلَّا (بِشَرْطِ) ضَمَانِ النَّقْصِ، وَلَهُ أَنْ يَبْذُلَ الْقِيمَةَ وَيَتَمَلَّكَهَا عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (﵀) : لَيْسَ لَهُ اسْتِرْجَاعُ الْأَرْضِ وَلَا أَخْذُ قِيمَتِهَا، (وَكَانَ) (أَبُو يُوسُفَ) ، (وَمُحَمَّدٌ) (رَحِمَهُمَا اللَّهُ) يَنْقُضُ الْبِنَاءَ وَيَقْلَعَ الْغِرَاسَ وَيَرُدُّ الْأَرْضَ عَلَى الْبَائِعِ، (قَالَ) الشَّاشِيُّ: وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا وَالْأَوَّلُ حَكَاهُ فِي الْحَاوِي.
وَمِثْلُهُ: لَوْ نَكَحَ السَّفِيهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ، لَا يَجِبُ الْمَهْرُ، كَمَا لَوْ بِيعَ مِنْهُ شَيْءٌ فَأَتْلَفَهُ وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَهْرَ حَقٌّ لِلزَّوْجَةِ، وَقَدْ تَزَوَّجَ وَلَا شُعُورَ لَهَا بِحَالِ الزَّوْجِ فَكَيْفَ يَبْطُلُ حَقُّهَا؟ وَهَذَا بَنَاهُ عَلَى تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِأَعَمِّ مِنْ عِلْمِهَا بِحَالِهِ (أَمْ) لَا، وَفِيهِ خِلَافٌ تَعَرَّضَ لَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
стр. 290
النَّظَرُ الثَّانِي: فِي كَوْنِ الْإِقْدَامِ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ (حَرَامًا) أَمْ لَا؟ لَيْسَ مَشْهُورًا فِي النَّقْلِ وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ يَبْحَثُ فِيهِ وَتَلَقَّاهُ أَصْحَابُهُ عَنْهُ، (وَذَكَرَ) ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطْلَبِ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ الْفَقِيهِ (جَمَالِ الدِّينِ الْوَجِيزِيِّ) حِكَايَةَ وَجْهَيْنِ فِيهِ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَفِي التَّنْبِيهِ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يُزَوِّجَ (غَيْرَهُ) ، فَإِنْ فَعَلَ فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: مَا كَانَ مِنْ الْعُقُودِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَالْإِقْدَامُ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَمَا كَانَ فَسَادُهُ بِالِاجْتِهَادِ فَقَدْ (يُقَالُ) : لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِ يَرَى فَسَادَهُ وَالْأَغْرَبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ: إنَّهُ (إنْ) قَصَدَ تَحْقِيقَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَهُوَ حَرَامٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا كَانَ بِالِاجْتِهَادِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ قَصَدَ (إجْرَاءَ) اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقِ مَعْنَاهُ فَهَذَا لَغْوٌ، وَلَيْسَ بِعَقْدٍ وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ (مَحْمَلٌ) مِنْ (مُلَاعَنَةِ) الزَّوْجَةِ وَنَحْوِهِ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ: بِعْتُك نَفْسَك فَلَا (يُحَرَّمُ) ، وَإِلَّا حُرِّمَ إذْ لَا (مَحْمَلَ) لَهُ غَيْرُ الْمَعْنَى (الشَّرْعِيِّ) أَوْ (الْمُلَاعَنَةِ) وَكِلَاهُمَا حَرَامٌ، وَقَدْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ لِلضَّرُورَةِ
стр. 291
كَالْمُضْطَرِّ يَشْتَرِي الطَّعَامَ بِزِيَادَةٍ (عَلَى) ثَمَنِ الْمِثْلِ، فَالْأَقْيَسُ فِي الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا ثَمَنُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَنْبَغِي لِلْمُضْطَرِّ أَنْ يَحْتَالَ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ بِبَيْعٍ فَاسِدٍ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ الْقِيمَةَ قَطْعًا، وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ الَّذِي يُخْتَبَرُ بِهِ رُشْدُ الصَّبِيِّ فَقَدْ قِيلَ: يَشْتَرِي الْوَلِيُّ شَيْئًا ثُمَّ يَدْفَعُهُ إلَى آخَرَ ثُمَّ يَأْمُرُ الطِّفْلَ بِشِرَائِهِ مِنْهُ.
[تَعَدِّي مَحَلِّ الْحَقِّ إلَى غَيْرِهِ هَلْ يَبْطُلُ بِهِ الْمُسْتَحَقُّ أَوْ يَبْقَى]
(مِنْ) فُرُوعِهِ: لَوْ زُفَّتْ إلَيْهِ الثَّيِّبُ (وَأَرَادَتْ) أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَيَقْضِيَ لِبَقِيَّةِ ضَرَائِرِهَا فَهَلْ يَقْضِي لَهُنَّ السَّبْعَ أَوْ الزَّائِدُ عَلَى (الثَّلَاثِ) الَّتِي لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا لَمْ يَقْضِ لَهُنَّ شَيْئًا فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، لِأَنَّهَا لَمَّا تَعَدَّتْ مَحَلَّ حَقِّهَا سَقَطَ أَصْلُ حَقِّهَا.
وَمِنْهَا، لَوْ كَسَرَ (عَضُدًا) قَطَعَهُ مِنْ الْمِرْفَقِ وَأَخَذَ حُكُومَةَ الْعَضُدِ، لِأَنَّ كَسْرَ الْعِظَامِ لَا قِصَاصَ فِيهِ، فَلَوْ أَرَادَ الْقَطْعَ مِنْ الْكَفِّ فَهَلْ (لَهُ) طَلَبُ أَرْشِ السَّاعِدِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَفَّالُ مُشَبِّهًا لَهُمَا بِالصُّورَةِ السَّابِقَةِ، قَالَ الْإِمَامُ وَمَسْأَلَةُ الزِّفَافِ شَاذَّةٌ عَنْ الْقِيَاسِ، وَالْمُعَوَّلُ فِيهَا عَلَى الْخَبَرِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَشْهَدَ بِهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ نُجَوِّزْ لَهُ الْقَطْعَ مِنْ الْكُوعِ فَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ إذَا قَطَعَ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهُ حُكُومَةُ السَّاعِدِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ، (إذَا) فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ.
стр. 292
وَمِنْهَا الظَّافِرُ بِمَالِهِ، إذَا لَمْ (يُمْكِنْهُ) أَخْذُ حَقِّهِ، إلَّا بِزِيَادَةٍ كَسَبِيكَةٍ تَزِيدُ عَلَى حَقِّهِ لَا يَضْمَنُ الزَّائِدَ فِي الْأَصَحِّ، كَمَا لَا يَضْمَنُ كَسْرَ الْبَابِ (وَثَقْبَ) الْجِدَارِ، إذَا لَمْ يَصِلْ إلَّا بِهِمَا.
وَمِنْهَا؛ إذَا صَلَّى إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ إلَيْهَا وَتَبَاعَدَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، فَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ (الْمَارِّ) فِي الْأَصَحِّ لِتَقْصِيرِهِ، (وَلَكِنْ) لَا يَجُوزُ الْمُرُورُ فِي (هَذِهِ) الْحَالَةِ فِي حَرِيمِ الْمُصَلِّي وَهُوَ قَدْرُ مَكَانِ السُّجُودِ، قَالَهُ (صَاحِبُ الْكَافِي) قِيَاسُهُ جَوَازُ الدَّفْعِ.
وَمِنْهَا أَيَّامُ مِنًى، إذَا قُلْنَا كُلُّهَا عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَرَكَهَا لَزِمَهُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَمَا تَرَكَهُ فِي يَوْمٍ يُقْضَى مِنْ الْغَدِ، وَإِنْ قُلْنَا كُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ كَانَ لِي (أَنْ أَتْرُكَ مِنْ يَوْمِ) (النَّفْرِ) الثَّانِي فَلَا يَلْزَمُنِي إلَّا دَمَانِ لِأَنَّ هَذَا إنَّمَا (يَكُونُ) (لَهُ) إذَا أَتَى بِهِ فِي يَوْمَيْنِ. كَمَا لَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقْضِيهَا قَصْرًا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا، لَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ بِقَدْرٍ لَا يُتَغَابَنُ بِمِثْلِهِ ضَمِنَ لِتَفْرِيطِهِ
стр. 293
وَهَلْ يَضْمَنُ الزَّائِدَ (عَلَى مَا لَا يُتَغَابَنُ أَوْ الْجَمِيعَ) وَجْهَانِ: أَيْ هَلْ يَجْعَلُ الْعُدْوَانَ مَقْصُورًا عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ أَوْ عَامًّا فِي كُلِّ جُزْءٍ (وَالْأَصَحُّ) الثَّانِي، ثُمَّ إذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ بَعْدَمَا غَرِمَ دَفَعَهُ (إلَى) الْمُوَكِّلِ وَاسْتَرَدَّ الْمَغْرُومَ.
وَمِثْلُهُ إذَا أَكَلَ الْمُضَحِّي جَمِيعَ الْأُضْحِيَّةِ الْمُتَطَوِّعِ بِهَا فَهَلْ يَلْزَمُهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَوْ الْجَمِيعُ أَوْ مَا يُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ بِهِ؟ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ.
وَمِنْهَا، لَوْ وَكَّلَهُ بِطَلَاقِ وَاحِدَةٍ فَطَلَّقَ ثِنْتَيْنِ أَوْ (ثَلَاثًا) وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي (آخِرِ) بَابِ التَّفْوِيضِ فِي الطَّلَاقِ، وَحَكَى فِي زِيَادَةِ الرَّوْضَةِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ مَا لِأَنَّهُ (مُتَصَرِّفٌ) بِالْإِذْنِ وَلَمْ يُؤْذَنْ فِي هَذَا.
وَمِنْهَا وَهُوَ خِلَافُ مَا سَبَقَ أَنَّ السَّاعِيَ، إذَا طَلَبَ فَوْقَ الْوَاجِبِ، فَقِيلَ: لَا يُعْطَى شَيْئًا، لِأَنَّهُ صَارَ مُتَعَدِّيًا بِطَلَبِ الزِّيَادَةِ، وَالْأَصَحُّ لَا يُعْطَى الزِّيَادَةَ (خَاصَّةً) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَكِيلَ لَا تَبْطُلُ وَكَالَتُهُ بِطَلَبِ الزَّائِدِ، وَالْوَالِي لَا يَنْعَزِلُ بِالْجَوْرِ.
وَمِنْهَا يَحْرُمُ عَلَى الْقَاضِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ، فَلَوْ (كَانَتْ لَهُ عَادَةٌ) قَبْلَ الْقَضَاءِ بِذَلِكَ جَازَ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ، فَلَوْ زَادَ عَلَى قَدْرِ الْعَادَةِ، امْتَنَعَ الزَّائِدُ فَإِنْ كَانَتْ لَا تَتَمَيَّزُ لَمْ يَجُزْ قَبُولُ الْجَمِيعِ، وَإِنْ كَانَتْ تَتَمَيَّزُ وَجَبَ رَدُّ الزِّيَادَةِ، لِأَنَّهَا حَدَثَتْ بِالْوِلَايَةِ، وَلَا يَجِبُ رَدُّ الْمُعْتَادِ، قَالَهُ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَهُوَ حَسَنٌ
стр. 294
وَكَانَ) يَنْبَغِي جَرَيَانُ وَجْهٍ بِامْتِنَاعِ الْجَمِيعِ (تَخْرِيجًا مِنْ) نَظَائِرِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
وَمِنْهَا إذَا ادَّعَى عَلَى الْخَارِصِ غَلَطًا بِأَكْثَرَ مِمَّا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ (الْمَكِيلَيْنِ) هَلْ يُقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا يَتَفَاوَتُ بَيْنَ الْكَيْلِ الَّذِي يُقْبَلُ عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ كَمَا لَوْ ادَّعَتْ الْمُعْتَدَّةُ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا قَبْلَ زَمَنِ الْإِمْكَانِ (وَرَدَدْنَاهَا) وَأَصَرَّتْ عَلَى الدَّعْوَى حَتَّى جَاءَ زَمَنُ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِانْقِضَائِهَا (لِأَوَّلِهِ) .
وَمِنْهَا، لَوْ صَبَّ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ (فَلَا إعَادَةَ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَجِبُ لِعِصْيَانِهِ وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَقْضِي صَلَاةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الثَّانِيَةِ كَمَنْ صَبَّ الْمَاءَ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالتَّيَمُّمِ) مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ (مِمَّا) يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إمْكَانُ (أَدَائِهِ) بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ فِيهِ أَوْجُهٌ.
وَمِنْهَا، (لَوْ أَرَادَ) (النَّظَرَ) لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَحْصُلُ بِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نَظْرَتَيْنِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدَةٍ فَهَلْ يَفْسُقُ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ لَا يَقَعُ بِهَا، فَصَارَتْ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ أَوْ لَا، لِأَنَّ لِهَذِهِ الرُّؤْيَةِ تَأْثِيرًا فِي شَهَادَتِهِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلرُّويَانِيِّ ذَكَرَهُمَا فِي الْبَحْرِ قُبَيْلَ الشَّهَادَاتِ.
стр. 295
وَمِنْهَا، لَوْ أَذِنَ الْوَلِيُّ لِلسَّفِيهِ فِي نِكَاحِ امْرَأَةٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَهْرًا جَازَ لَهُ نِكَاحُهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَوْ أَقَلَّ، فَإِنْ زَادَ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا صَحَّ، وَسَقَطَتْ الزِّيَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إنَّ الْقِيَاسَ بُطْلَانُ الْمُسَمَّى وَالرُّجُوعُ إلَى مَهْرِ الْمِثْلِ.
وَمِنْهَا، لَوْ احْتَاجَ إلَى الضَّبَّةِ فَضَبَّبَ زَائِدًا عَلَى الْحَاجَةِ، فَهَلْ يَأْثَمُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْ عَلَى الزَّائِدِ يَتَّجِهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ.
وَمِنْهَا، إذَا رَفَعَ الذِّمِّيُّ بِنَاءَهُ عَلَى بِنَاءِ الْمُسْلِمِ، فَهَلْ يُهْدَمُ مَا حَصَلَتْ بِهِ التَّعْلِيَةٌ أَوْ الْجَمِيعُ.
وَمِنْهَا، لَوْ تَعَدَّى الْخَارِجُ وَجَاوَزَ الصَّفْحَةَ (أَوْ الْحَشَفَةَ) تَعَيَّنَ الْمَاءُ قَطْعًا، لِنُدُورِهِ سَوَاءٌ الْمُجَاوِزُ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: هَذَا فِي الْمُجَاوِزِ، (وَأَمَّا) غَيْرُ فَفِيهِ الْخِلَافُ حَتَّى يُجْزِئَ فِيهِ الْحَجَرُ عَلَى وَجْهٍ.
[قَصْدُ النُّقْصَانِ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ]
وَعَكْسُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ: قَصْدُ النُّقْصَانِ (عَمَّا) يَسْتَحِقُّهُ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ (مِنْ) فُرُوعِهِ مَا فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ، لَوْ نَوَى أَيْ غَيْرُ دَائِمٍ الْحَدَثِ بِوُضُوئِهِ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً بِعَيْنِهَا، وَلَا يُصَلِّي غَيْرَهَا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، وَصَحَّحَ الصِّحَّةَ، قَالَ أَمَّا إذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ فِي حَقِّ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا أَرْفَعُ فِي حَقِّ غَيْرِهَا، لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ قَوْلًا وَاحِدًا، لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ لَا يَتَجَزَّأُ، وَإِذَا نَفَى بَعْضَهُ نَفِي كُلَّهُ.
стр. 296
[التَّعْدِيلُ فِي الْبَيِّنَةِ هَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ]
ِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَا إذَا قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ هُوَ عَدْلٌ هَلْ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِ وَجْهَانِ مَأْخَذُهُمَا مَا ذَكَرْنَا.
وَلِهَذَا الْفَرْعِ أَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّعْدِيلِ أَوْ الْإِقْرَارِ بِالْعَدَالَةِ، فَإِنْ كَانَ تَعْدِيلًا لَمْ يَثْبُتْ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ وَقَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ يُقْبَلُ قَطْعًا.
[التَّعْرِيضُ]
" التَّعْرِيضُ قَالَ (السَّكَّاكِيُّ) فِي الْمِفْتَاحِ نَوْعٌ مِنْ الْكِنَايَةِ يَكُونُ (مَسُوقًا لِمَوْصُوفٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ) (كَمَا) (يُقَالُ) فِي عَرْضِ مَنْ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ، الْمُؤْمِنُ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي وَيُزَكِّي، وَلَا يُؤْذِي أَخَاهُ (الْمُسْلِمَ) وَيُتَوَصَّلُ بِذَلِكَ إلَى (نَفْيِ) الْإِيمَانِ عَنْ الْمُؤْذِي. وَقَالَ فِي (الْكَشَّافِ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْكِنَايَةِ وَالتَّعْرِيضِ، (أَنَّ) الْكِنَايَةَ أَنْ
стр. 297
يَذْكُرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَالتَّعْرِيضَ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا يَدُلُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْهُ، كَمَا يَقُولُ الْمُحْتَاجُ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهِ جِئْتُك لِأُسَلِّمَ عَلَيْك وَلِأَنْظُرَ إلَى وَجْهِك الْكَرِيمِ فَكَأَنَّهُ إمَالَةُ الْكَلَامِ إلَى غَرَضٍ يَدُلُّ عَلَى الْغَرَضِ وَيُسَمَّى التَّلْوِيحَ، لِأَنَّهُ يَلُوحُ مِنْهُ مَا يُرِيدُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ عِنْدَنَا فِي الْأَحْكَامِ، إلَّا فِي التَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ (كَقَوْلِهِ يَا ابْنَ الْحَلَالِ وَأَمَّا أَنَا فَلَسْت بِزَانٍ، فَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْدَنَا، وَإِنْ نَفَاهُ) خِلَافًا لِمَالِكٍ.
قَالَ (ابْنُ الْعَرَبِيِّ) خَالَفَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَلَا عُذْرَ لَهُ، لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَا فِي الْكِنَايَةِ مِنْ الْإِبْهَامِ.
قُلْت إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ لَا يُوجِبُهُ، وَلَمْ يُخَالَفْ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي حَالَةِ التَّخَاصُمِ مَعَ الْغَيْرِ نِسْبَةُ صَاحِبِهِ إلَى شَيْءٍ وَتَزْكِيَةُ نَفْسِهِ لَا قَذْفُهُ، وَهُوَ وَإِنْ فُهِمَ مِنْهُ الْقَذْفُ فَهُوَ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَهُوَ لَا يَكُونُ حُجَّةً فِي كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَلِأَنَّهُ لَا إشْعَارَ لِلَّفْظِ بِهِ وَإِنَّمَا يُظَنُّ مِنْ خَارِجٍ وَالْحُدُودُ يُحْتَاطُ فِيهَا، فَلَا يَثْبُتُ مُوجِبُهَا إلَّا بِاللَّفْظِ وَلِهَذَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ.
وَمِنْ فُرُوعِهِ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْهَجْوِ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ، لَا يَكُونُ هَجْوًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَجْوًا، كَالصَّرِيحِ، وَقَدْ يَزِيدُ بَعْضُ التَّعْرِيضِ عَلَى التَّصْرِيحِ.
стр. 298
وَمِنْهَا تَعْرِيضُ أَهْلِ الْبَغْيِ بِسَبِّ الْإِمَامِ لَا يَقْتَضِي التَّعْزِيرَ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ: كُلُّ مَا حَرُمَ التَّصْرِيحُ بِهِ لِعَيْنِهِ (فَالتَّعْرِيضُ بِهِ حَرَامٌ أَيْضًا كَالْقَذْفِ وَالْكُفْرِ وَمَا حَلَّ التَّصْرِيحُ بِهِ أَوْ حَرُمَ لَا لِعَيْنِهِ، بَلْ لِعَارِضٍ) فَالتَّعْرِيضُ بِهِ جَائِزٌ كَخِطْبَةِ الْمُعْتَدَّةِ.
وَمِنْهَا التَّعْرِيضُ بِالْقَتْلِ لِمَنْ رَدَدْنَاهُ إلَى الْكُفَّارِ، إذَا شُرِطَ فِي الْهُدْنَةِ، كَقَوْلِ عُمَرَ لِأَبِي جَنْدَلٍ حِينَ رُدَّ لِأَبِيهِ: إنَّ دَمَ أَحَدِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ كَدَمِ الْكَلْبِ.
وَلَيْسَ لَنَا التَّصْرِيحُ بِهِ بِعَيْنِهِ وَمِنْهَا تَعْرِيضُ الْقَاضِي لِمَنْ أَقَرَّ بِعُقُوبَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِالرُّجُوعِ «لِقَوْلِهِ ﵇ لِمَاعِزٍ لَعَلَّك قَبَّلْت أَوْ لَمَسْت» وَلَا يَقُولُ لَهُ ارْجِعْ
стр. 299
بِالتَّصْرِيحِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ أَمْرًا بِالْكَذِبِ.
وَلِلتَّعْرِيضِ قُيُودٌ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ مِنْ أَهْلِ الْجَهْلِ بِالْحَدِّ مِثْلَ قُرْبِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا تَعْرِيضَ نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَتَابِعُوهُ وَعَجِبَ مِنْ إسْقَاطِهِ مِنْ الرَّوْضَةِ مَعَ تَعَرُّضِ الرَّافِعِيِّ لَهُ.
الثَّانِي: أَنْ لَا يُقِرَّ صَرِيحًا، فَإِنْ صَرَّحَ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ تَكْذِيبًا لِنَفْسِهِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ مِنْ تَعْلِيقِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَثْبُتَ بِإِقْرَارِهِ، فَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ، لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشُّهُودِ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ أَيْضًا.
وَمِنْهَا، قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَوْ شَهِدَ
стр. 300
الشَّاهِدُ بِمَجْهُولٍ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِمِثْلِهِ، فَالْقَاضِي لَا يُرْشِدُهُ إلَى الْإِعْلَامِ بِالْمَسْأَلَةِ وَالْبَحْثِ، فَإِنَّ هَذَا تَلْقِينُ الْحُجَّةِ، وَلَوْ نَسَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ إقْرَارًا، لَمْ يُنَبِّهْهُ الْقَاضِي، بَلْ يَتْرُكُهُ يَسْتَرْسِلُ، ثُمَّ يَقْضِي بِمُوجَبِ قَوْلِهِ.
وَالْمُدَّعِي إذَا ذَكَرَ دَعْوَى مَجْهُولَةً لَا تَصِحُّ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَهُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا مَعْلُومَةً وَجْهَانِ: وَظَاهِرُ النَّصِّ: نَعَمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ أَنَّ الدَّعْوَى لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، فَلَا يَضُرُّ الْإِرْشَادُ فِيهَا.
تَعَلُّقُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ لَهُ مَرَاتِبُ تَعَرَّضَ لَهَا الْإِمَامُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الْأُولَى: وَهِيَ أَعْلَاهَا تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالرَّهْنِ فَإِنَّ الْوَثَائِقَ تَتَأَكَّدُ فِي الْأَعْيَانِ، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ رَهْنُ الدُّيُونِ وَانْضَمَّ إلَى ذَلِكَ قَصْدُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي تَحْقِيقِ التَّوَثُّقِ مِنْ حَيْثُ إنْشَاءُ الرَّهْنِ فَلَمَّا تَأَكَّدَتْ الْوَثِيقَةُ امْتَنَعَ تَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ شَيْءٌ.
الثَّانِيَةُ: تَلِي مَا قَبْلَهَا تَعَلُّقُ الْأَرْشِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي قَبْلَ فِدَائِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي امْتِنَاعِ بَيْعِ الْمَرْهُونِ بِغَيْرِ إذْنِ مُرْتَهِنِهِ.
стр. 301
وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي حَقُّ الرَّهْنِ وَحَقُّ الْجِنَايَةِ قُدِّمَ حَقُّ الرَّهْنِ. قُلْت كَذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْمَرْهُونَ إذَا جَنَى يُقَدَّمُ حَقُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُ سِوَى الرَّقَبَةِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي الذِّمَّةِ، وَقَالُوا إذَا أَدَّى بَعْضَ الدَّيْنِ الْمُرْتَهَنِ عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَكَّ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ.
وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي دَوْرِيَّاتِ الْوَصَايَا أَنَّهُ لَوْ أَدَّى بَعْضَ أَرْشِ الْجِنَايَةِ انْفَكَّ مِنْ الْعَبْدِ بِقِسْطِهَا فِي الْأَصَحِّ فَلْيُنْظَرْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
الثَّالِثَةُ: تَعَلُّقُ مُؤَنِ النِّكَاحِ بِكَسْبِ الْعَبْدِ إذَا أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِيهِ. وَسَبَبُ تَأْخِيرِهَا عَمَّا قَبْلَهَا أَنَّ الْأَكْسَابَ مُتَوَقَّعَةٌ وَلَيْسَتْ بِنَاجِزَةٍ حَاصِلَةٍ وَالْوَثَائِقُ يَكْتَفِي بِشَيْءٍ كَائِنٍ حَاصِلٍ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ.
وَيَلْتَحِقُ بِهِ أُخَرُ: (أَحَدُهَا) : الدَّيْنُ يَتَعَلَّقُ بِالتَّرِكَةِ تَعَلُّقَ الْمَرْهُونِ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ وَمُرَاعَاةً لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَفِي قَوْلٍ كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِالْجَانِي لِثُبُوتِهِ بِغَيْرِ رِضَاءِ الْمَالِكِ، وَقَالَ الْفُورَانِيُّ: (هُوَ كَتَعَلُّقِ
стр. 302
الْغُرَمَاءِ بِمَالِ الْمُفْلِسِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُسْتَثْنَى لَوْ أَدَّى) لِوَارِثِهِ قِسْطَ مَا وَرِثَ انْفَكَّ نَصِيبُهُ.
الثَّانِيَةُ: تَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالْمَالِ (وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ بِمَعْنَى أَنَّ الْفُقَرَاءَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ مِقْدَارُ الزَّكَاةِ وَيَصِيرُونَ شُرَكَاءَ رَبِّ الْمَالِ) وَفِي قَوْلٍ كَالرَّهْنِ، وَفِي قَوْلٍ كَالْجَانِي.
[قَاعِدَةٌ مَنْ تَصَرَّفَ فِي عَيْنٍ فِيهَا عُلْقَةٌ لِغَيْرِهِ]
(قَاعِدَةٌ) : مَنْ تَصَرَّفَ فِي عَيْنٍ فِيهَا عُلْقَةٌ لِغَيْرِهِ فَلَهُ حَالَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ الْعُلْقَةُ نَاجِزَةً مُسْتَقِرَّةً، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إنْ ثَبَتَتْ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ قَطْعًا إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْعُلْقَةِ كَبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَكَذَا كُلُّ عَيْنٍ اسْتَحَقَّ حَبْسُهَا لِحَقِّ الْحَابِسِ كَالْقَصَّارِ وَنَحْوِهِ.
وَإِنْ ثَبَتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ أَيْضًا كَبَيْعِ الْعَبْدِ الْجَانِي جِنَايَةً مُتَعَلِّقَةً بِرَقَبَتِهِ. وَمِثْلُهُ بَيْعُ الزَّكَوِيِّ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهُ تَعَلُّقُ شَرِكَةٍ فَالْأَظْهَرُ الْبُطْلَانُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ وَالصِّحَّةُ فِي الْبَاقِي.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْعُلْقَةُ مُنْتَظَرَةً فَلَا نَظَرَ إلَيْهَا بَلْ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ نَظَرًا لِلْحَالِ وَمِنْ ذَلِكَ تَصَرُّفُ الزَّوْجَةِ فِي جَمِيعِ الصَّدَاقِ صَحِيحٌ قَبْلَ الدُّخُولِ مَعَ تَعَرُّضِ نِصْفِهِ لِلسُّقُوطِ
стр. 303
وَتَصَرُّفُ الْوَلَدِ فِيمَا وَهَبَهُ وَالِدُهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ بِالرُّجُوعِ.
وَتَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ صَحِيحٌ مَعَ تَمَكُّنِ الشَّفِيعِ مِنْ نَقْضِهِ وَلَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ الشِّقْصِ الَّذِي لَلشَّرِيك فِيهِ حَقُّ الشُّفْعَةِ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهِ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا كَذَا قَالَهُ (الْفَارِقِيُّ) فِي فَوَائِدِ (الْمُهَذَّبِ) (لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الشَّرِيكِ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ لِيَأْخُذَهُ أَوْ يَذَرَ) .
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لَمْ أَظْفَرَ بِهِ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْخَبَرُ لَا مَحِيصَ عَنْهُ. قُلْت: وَقَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ مُفَارَقَةُ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْآخَرَ فِي الْمَجْلِسِ بِغَيْرِ إذْنِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَفْسَخَ الْآخَرُ أَطْلَقَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَنَّ الْعَقْدَ يَلْزَمُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ هَذَا إذَا أَمْكَنَهُ مُتَابَعَتُهُ فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَفِي الْمُهَذَّبِ أَنَّهُ يَبْطُلُ خِيَارُ الْهَارِبِ دُونَ الْآخَرِ وَعَلَى الْأَوَّلِ هَلْ يَعْصِي الْهَارِبُ نَقَلَ (ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ) أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا
стр. 304
قَالَ بِعِصْيَانِهِ لِإِبْطَالِهِ عَلَى صَاحِبِهِ حَقًّا لَازِمًا. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» لَكِنْ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِعْلُهُ مَعَ أَنَّهُ رَاوِي أَصْلِ (حَدِيثِ الْخِيَارِ) لَكِنْ الْأَخْذُ بِالزَّائِدِ أَوْلَى، وَإِذَا ثَبَتَ التَّحَرُّمُ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ السَّابِقَةِ مَعَ أَنَّ حَقَّهُ مِنْ الْأَخْذِ لَا يَسْقُطُ بِذَلِكَ فَأَوْلَى أَنْ يَنْهَى عَمَّا يُسْقِطُ حَقَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ.
[قَاعِدَةٌ تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِالْعَبْدِ]
ِ: إمَّا أَنْ يَجِبَ بِغَيْرِ رِضَا الْمُسْتَحِقِّ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَبَدَلِ الْمُتْلَفِ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَإِنْ أَتْلَفَ شَيْئًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِكَسْبِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ دُونَ السَّيِّدِ كَبَدَلِ الْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ، إذَا أَتْلَفَهُمَا وَكَالصَّدَاقِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِذِمَّةِ الْعَبْدِ، وَلَا يُطَالَبُ بِهِ، إلَّا إذَا أُعْتِقَ وَلَوْ كُوتِبَ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِرِضَا السَّيِّدِ وَالْمُسْتَحِقِّ وَهُوَ قِسْمَانِ: نِكَاحٌ وَمَالٌ: فَمَا يَلْزَمُهُ
стр. 305
مِنْ النِّكَاحِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَبِجَمِيعِ أَكْسَابِهِ.
وَمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَالِ كَدَيْنِ الْمُعَامَلَةِ وَالْقَرْضِ وَالضَّمَانِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَكَسْبِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ وَلَا يَجْتَمِعُ التَّعَلُّقُ بِالرَّقَبَةِ مَعَ الذِّمَّةِ.
وَلِهَذَا، لَوْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِدَيْنِ جِنَايَةٍ كَغَصْبٍ وَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ.
فَلَوْ تُبِعَ فِيهِ وَبَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ، لَا يُتْبَعُ بِهِ، إذَا عَتَقَ عَلَى الْجَدِيدِ.
وَإِنْ شِئْت فَقُلْ جِنَايَةُ الْعَبْدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (أَحَدُهَا) : مَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ أَنْ يَثْبُتَ بِتَصْدِيقِ السَّيِّدِ، أَوْ بِقِيَامِ بَيِّنَةٍ أَوْ يُقِرُّ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَعَفَا الْمُسْتَحِقُّ عَلَى مَالٍ.
ثَانِيهَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهُ الزَّكَاةُ، إذَا أَتْلَفَهَا الْمُكَاتَبُ فَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ دُيُونُ الْمُعَامَلَةِ فِي الْكِتَابَةِ، إذَا عَجَّزَهُ السَّيِّدُ فَإِنَّ (صَاحِبَ التَّقْرِيبِ) حَكَى قَوْلًا
стр. 306
أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، قَالَ الْإِمَامُ هَذَا إنَّ طَرْدَهُ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ كَانَ قَرِيبًا مِنْ خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، وَإِنْ لَمْ (يَطْرُدْهُ) لَزِمَهُ الْفَرْقُ وَلَمْ نَجِدْهُ قُلْت لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَدَانَ لِتَخْلِيصِ الرَّقَبَةِ، فَلَمَّا عَجَزَ انْعَكَسَ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ، وَلَا كَذَلِكَ (فِي الْمَأْذُونِ، كَذَلِكَ) الْمَهْرُ، حَيْثُ ثَبَتَ فِي الْعَيْبِ وَالْمَغْرُورِ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ فِي الْأَصَحِّ. الثَّالِثُ: مَا سِوَى ذَلِكَ فَيَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ.
[التَّعْلِيقُ]
اعْلَمْ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
فَمِنْهَا مَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ وَالتَّعْلِيقَ، وَمِنْهَا مَا لَا يَقْبَلُهُمَا، وَمِنْهَا مَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ دُونَ التَّعْلِيقِ، وَمِنْهَا بِالْعَكْسِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ أَنَّ التَّعْلِيقَ مَا دَخَلَ عَلَى أَصْلِ الْفِعْلِ بِأَدَاتِهِ، كَإِنْ وَإِذَا، وَالشَّرْطُ مَا جَزَمَ فِيهِ بِالْأَصْلِ، وَشُرِطَ فِيهِ أَمْرٌ آخَرُ.
الْأَوَّلُ: مَا يَقْبَلُهُمَا كَالْعِتْقِ، بِتَعْلِيقِهِ، إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، وَالشَّرْطُ: أَعْتَقْتُك عَلَى أَنْ تَخْدُمَنِي شَهْرًا: نَعَمْ بَيْعُ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ تَعْلِيقُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِإِعْتَاقِهِ نَظَرًا لِمَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ، وَالْكِتَابَةُ تَقْبَلُ الشَّرْطَ، كَإِذَا أَدَّيْت
стр. 307
إلَيَّ كَذَا فِي نَجْمَيْنِ فَأَنْتَ حُرٌّ.
وَمِنْهَا التَّدْبِيرُ وَالْوِصَايَةُ وَالْوِلَايَةُ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوِصَايَةِ، لَوْ قَالَ إذَا مِتُّ أَوْصَيْت إلَيْك، أَوْ إذَا مِتُّ فَفُلَانٌ وَصِيِّي، أَوْ فَقَدْ أَوْصَيْت إلَيْهِ جَازَ.
(قَالَ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ التَّأْمِيرِ وَمِنْ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ ﷺ ) قَالَ «إنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ أُصِيبَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» ، هَذَا
стр. 308
ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَتَحْتَمِلُ الْوَصِيَّةُ التَّعْلِيقَ، كَمَا تَحْتَمِلُ الْجَهَالَاتِ، وَحَكَى فِيهَا الْحَنَّاطِيُّ خِلَافَ تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ وَبِالْمَنْعِ أَجَابَ الرُّويَانِيُّ وَقَالَ، لَوْ قَالَ إذَا مِتُّ، فَقَدْ أَوْصَيْت إلَيْك لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ أَوْصَيْت إلَيْك إذَا مِتُّ، وَقَالَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ، لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَوْدَعْتُك، قَالَ الرُّويَانِيُّ يَجُوزُ، وَالْقِيَاسُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ.
وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْوَصِيَّةِ، فَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ عَنْ الْقَفَّالِ، مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ صِيغَةٍ، لَكِنْ جَزَمَ الصَّيْمَرِيُّ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ بِالْجَوَازِ، فَقَالَ لَوْ قَالَ: إنْ رُزِقْت كَذَا أَوْ سَلِمْت مِنْ سَفَرِي أَوْ صَارَ كَذَا، فَقَدْ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي، جَازَ ذَلِكَ وَيُحْمَلُ عَلَى الشَّرْطِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِجَوَازِ تَعْلِيقِ الْوَصِيَّةِ ابْنُ الرِّفْعَةِ (فِي الْمَطْلَبِ) وَجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ الصَّوْمَ، قَالَ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ الشَّرْطَ، بِأَنْ يَشْرَعَ، فِيهِ وَيَقُولُ إنْ أَبْطَلْته بَطَلَ، وَالتَّعْلِيقُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَوْمٌ.
قُلْت: وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّهُ يَبْطُلُ بِنِيَّةِ الْقَطْعِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، بِخِلَافِ (الصَّلَاةِ) وَقَوْلُهُ (إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَوْمٌ لَيْسَ تَعْلِيقًا لِلصَّوْمِ، بَلْ
стр. 309
تَعْلِيقًا لِلْإِلْزَامِ) وَلَيْسَ مِنْ قَضَايَا الصَّوْمِ فِي شَيْءٍ: نَعَمْ يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ إذَا اسْتَنَدَ إلَى أَصْلٍ كَقَوْلِهِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ نَوَيْت صَوْمَ غَدٍ مِنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ مِنْهُ.
وَالْحَجُّ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ كَإِنْ أَحْرَمَ فُلَانٌ فَقَدْ أَحْرَمْت، وَشَرْطُهُ أَحْرَمْت عَلَى أَنِّي إذَا مَرِضْت فَأَنَا حَلَالٌ.
الثَّانِي: مَا لَا يَقْبَلُهُمَا كَالْأَيْمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالدُّخُولِ فِي الدِّينِ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ فَإِذَا قَالَ أَسْلَمْت عَلَى أَنَّ لِي أَنْ أَشْرَبَ الْخَمْرَ أَوْ أَتْرُكَ الصَّلَاةَ سَقَطَ شَرْطُهُ، وَلَا يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ، فَإِذَا قَالَ إنْ كُنْت فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ كَاذِبًا فَأَنَا مُسْلِمٌ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ لَهُ إسْلَامٌ، لِأَنَّ الدُّخُولَ فِي الدِّينِ يُفِيدُ الْجَزْمَ بِصِحَّتِهِ وَالْمُعَلِّقُ لَيْسَ بِجَازِمٍ.
وَمِنْهُ النِّكَاحُ، لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ زَوَّجْتُك أَوْ زَوَّجْتُك عَلَى أَنْ تَفْعَلَ كَذَا لَمْ يَصِحَّ.
وَمِثْلُهُ الرَّجْعَةُ بِالضَّمَانِ وَمِنْهُ الصَّلَاةُ وَالطَّهَارَةُ، إلَّا فِي الْمُسَافِرِ الْمُقْتَدِي بِمُسَافِرٍ لَا يَعْلَمُ نِيَّتَهُ فَقَالَ إنْ قَصَرَ قَصَرْت، وَإِلَّا أَتْمَمْت لَا يَضُرُّ فِي الْأَصَحِّ.
وَمِنْهُ الصَّوْمُ، لَا يَقْبَلُ شَرْطًا وَلَا تَعْلِيقًا، إلَّا فِيمَا إذَا أَسْنَدَ التَّعْلِيقَ لِأَصْلٍ.
وَمِنْهُ الْفُسُوخُ، لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا، وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ التَّعْلِيقُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْخُلْعِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ فَسْخٌ وَكَذَا الِاخْتِيَارُ فِي نِكَاحِ الزَّائِدَاتِ.
стр. 310
الثَّالِثُ: مَا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ وَيَقْبَلُ الشَّرْطَ وَهُوَ الْبَيْعُ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (أَوْ عَلَى أَنَّهُ) يَأْتِيهِ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ قِيلَ: إنْ جَاءَ فُلَانٌ أَوْ جَاءَ الشَّهْرُ فَقَدْ بِعْتُك لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ نَقْلَ الْمِلْكِ يَسْتَدْعِي الْجَزْمَ وَلَا جَزْمَ مَعَ التَّعْلِيقِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ كَانَ مِلْكِي فَقَدْ بِعْتُكَهُ، لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي أَصْلِ الْبَيْعِ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُهُ كَتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُقْبَلُ الشَّرْطُ فِي الْجُمْلَةِ، لَا كُلُّ شَرْطٍ.
وَمِثْلُهُ الْإِجَارَةُ وَالْوَقْفُ وَالْوَكَالَةُ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَقْفِ وَبَيْنَ الْعِتْقِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إخْرَاجٌ عَنْ الْمِلْكِ بِلَا عِوَضٍ.
قُلْنَا الْفَرْقُ أَنَّ الْوَقْفَ فِيهِ شَائِبَةُ الْمُعَاوَضَةِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ قَبُولِهِ مِنْ الْمُعَيَّنِ وَأَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ عَلَى قَوْلٍ. وَمِنْهُ الْكِتَابَةُ، لِأَنَّهَا مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ. وَمِنْهُ الْإِذْنُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ نَحْوَ بِعْ هَذَا إنْ جَاءَ زَيْدٌ، وَلَيْسَ تَعْلِيقًا لِلْوَكَالَةِ، بَلْ لِلتَّصَرُّفِ، وَلَوْ قَالَ إنْ جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ أَذِنْت لَك لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ وَفِي الْبَيَانِ قَالَ الشَّافِعِيُّ (﵁) فِي الْأُمِّ: لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ كَانَ إقْرَارًا، وَلَوْ قَالَ، إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَلَهُ عَلَيَّ
стр. 311
أَلْفُ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا.
وَالْفَرْقُ أَنَّهُ، إذَا قَالَ عَلَيَّ أَلْفٌ قَدْ أَقَرَّ بِالْأَلْفِ، فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ كَمَحِلِّهَا، فَلَمْ يَبْطُلْ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ، وَإِذَا بَدَأَ بِالشَّرْطِ لَمْ يُقِرَّ بِالْحَقِّ، وَإِنَّمَا عَلَّقَهُ بِالشَّرْطِ، فَلَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَقْدِيمِ الشَّرْطِ وَتَأْخِيرِهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ قَالَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شِئْت، لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا، لِأَنَّ مَا لَا يَلْزَمُ يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِوُجُودِهِ الشَّرْطِ، وَإِنْ قَالَ لَك عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ قَبِلْت إقْرَارِي، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ عِنْدِي لَا يَكُونُ إقْرَارًا، وَلَوْ قَالَ بِعْتُك هَذَا بِأَلْفٍ إنْ شِئْت أَوْ قَبِلْت، فَقَالَ قَبِلْت أَوْ شِئْت كَانَ بَيْعًا، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْبَيْعِ يَقَعُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَبُولِ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ لَمْ يَصِحَّ، فَجَازَ تَعْلِيقُهُ عَلَيْهِ وَالْإِقْرَارُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَبُولِ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، فَلَمْ يَصِحَّ تَعْلِيقُهُ لِوُجُوبِهِ قَبْلَ الشَّرْطِ.
الرَّابِعُ: مَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ عَلَى الشَّرْطِ وَلَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ وَهُوَ الطَّلَاقُ وَالْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ. وَكَذَا الْخُلْعُ إنْ جَعَلْنَاهُ طَلَاقًا. فَتَعْلِيقُ الطَّلَاقِ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَوْ قَالَ طَلَّقْتُك بِشَرْطِ أَنْ تَخْدُمِينِي شَهْرًا، لَمْ يَلْزَمْ الشَّرْطُ.
وَمَثَّلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ عَلَيْك كَذَا،
стр. 312
فَإِنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَلَا يَلْزَمُهَا شَيْءٌ، وَهَذَا (رَأْيُ الْغَزَالِيِّ، لَكِنْ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ، أَنَّهَا إذَا قَبِلَتْ بَانَتْ وَوَجَبَ الْمَالُ وَوَجَّهَ الْغَزَالِيُّ رَأْيَهُ) ، بِأَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ شَرْطٍ وَالطَّلَاقُ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ، وَقَدْ (أَشْكَلَ) هَذَا الْكَلَامُ عَلَى جَمَاعَةٍ، لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ وَبِقَاعِدَةِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقْبَلُ الْإِيقَاعَ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ قَبِلَ الْوُقُوعِ بِالشَّرْطِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهَا الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ فَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَمَعْنَاهُ لَا يَقْبَلُ الشَّرْطَ فِي الْإِيقَاعِ، وَإِنْ قَبِلَهُ فِي الْوُقُوعِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَتَّضِحُ بِالْمِثَالِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَدْخُلِي الدَّارَ أَوْ عَلَى أَنْ لَا تَدْخُلِي وَقَعَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَدْخُلَ (انْتَهَى) .
وَحَاصِلُ قَوْلِهِ الشَّرْطُ فِي الطَّلَاقِ يَلْغُو، لِأَنَّهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ، لَا يَقِفُ عَلَى شَرْطٍ، لِأَنَّ وُقُوفَهُ عَنْ الْوُقُوعِ مَعَ وُقُوعِهِ مُحَالٌ. وَقَدْ يُقَالُ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ جُمْلَتَا شَرْطٍ فِي حُكْمِ كَلَامٍ وَاحِدٍ لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ إلَّا بِهِمَا فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى تَدْخُلَ الدَّارَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَدْخُلِي الدَّارَ فَهَذَا شَرْطٌ (لُغَوِيٌّ لَا صِنَاعِيٌّ)
стр. 313
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ بِعْت وَلِي الْخِيَارُ (ثَلَاثًا) صَحَّ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ الشَّرْطِ (فَإِنَّ) (لَفْظَ فَأَنْتِ طَالِقٌ) هُنَا كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ وَاقِعٌ لَا ارْتِبَاطَ لَهُ بِمَا بَعْدَهُ لَفْظًا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا مَعْنًى، لِأَنَّ شَرْطَ مَنْعِ الْوُقُوعِ، لَا يَدْخُلُ عَلَى الْوَاقِعِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّرْطَ قِسْمَانِ الْتِزَامِيٌّ وَتَعْلِيقِيٌّ: فَأَمَّا (الِالْتِزَامِيُّ) كَطَلَّقْتُكِ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْكِ أَلْفًا، فَلَيْسَ الشَّرْطُ بِصَرِيحِ الْتِزَامٍ بَلْ هُوَ كِنَايَةٌ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ صَرِيحٌ.
وَأَمَّا (التَّعْلِيقِيُّ) ، كَمَا لَوْ قَالَ إنْ (أَعْطَيْتِنِي) أَلْفًا، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الِالْتِزَامِ بِلَا خِلَافٍ.
ضَابِطٌ: مَا كَانَ تَمْلِيكًا مَحْضًا، (لَا يَدْخُلُ التَّعْلِيقُ) فِيهِ قَطْعًا كَالْبَيْعِ لِقَوْلِهِ ( ﷺ ) «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» وَلَا يَتَحَقَّقُ طِيبُ النَّفْسِ عِنْدَ الشَّرْطِ وَمَا كَانَ حِلًّا مَحْضًا يَدْخُلُهُ التَّعْلِيقُ قَطْعًا كَالْعِتْقِ.
وَبَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ مَرَاتِبُ يَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ (كَالْفَسْخِ وَالْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُمَا يُشْبِهَانِ التَّمْلِيكَ وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ وَفِيهِ شَبَهٌ يَسِيرٌ بِالْعِتْقِ فَجَرَى فِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ.
стр. 314
وَأَمَّا التَّعْلِيقُ فِي الْجَعَالَةِ وَالْخُلْعِ وَنَحْوِهِمَا فَلِأَنَّهُ الْتِزَامٌ يُشْبِهُ النَّذْرَ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِلْكٌ وَفِي الْخُلْعِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَمَعْنَى الطَّلَاقِ) .
(فَائِدَتَانِ) : الْأُولَى: لَنَا شَيْءٌ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لَا يُقْبَلُ إلَّا التَّعْلِيقُ دُونَ التَّنْجِيزِ وَهُوَ نَذْرُ التَّبَرُّرِ لَوْ قَالَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي عَلَى كَذَا صَحَّ قَطْعًا، وَلَوْ الْتَزَمَهُ ابْتِدَاءً وَجْهَانِ.
الثَّانِيَةُ: الْأَصْلُ أَنَّ مَا قَبْلَ التَّعْلِيقِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّعْلِيقِ بِالْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا إذَا قَالَ إنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا فَقَدْ أَحْرَمْت فَإِنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَلَوْ عَلَّقَ بِمُسْتَقْبَلٍ فَقَالَ إذَا أَحْرَمَ أَحْرَمْت فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَمَا إذَا قَالَ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنَا مُحْرِمٌ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمَجِيئِهِ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تَعْلَقُ بِالْأَخْطَارِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ (صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ) فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ الْمُعَلَّقِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ
стр. 315
وَنَحْوِهِ وَجْهَيْنِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَقِيَاسُ تَجْوِيزِ تَعْلِيقِ أَصْلِ الْإِحْرَامِ بِإِحْرَامِ الْغَيْرِ تَجْوِيزُ هَذَا لِأَنَّ التَّعْلِيقَ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَيْنِ إلَّا أَنَّ هَذَا تَعْلِيقٌ بِمُسْتَقْبَلٍ وَذَلِكَ (تَعْلِيقٌ) بِمَاضٍ وَمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ مِنْ الْعُقُودِ يَقْبَلُهَا جَمِيعًا.
قُلْت. لَمْ يُجَوِّزُوا تَعْلِيقَ أَصْلِ الْإِحْرَامِ. وَالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ أَصْلُ الْإِحْرَامِ الْعَقْدُ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا عَلَّقَ صِفَتَهُ عَلَى شَرْطٍ يُوجَدُ فِي ثَانِي الْحَالِ فَلَمْ يَضُرَّهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ (جَزْمُهُمْ) فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا، بِانْعِقَادِ أَصْلِ الْإِحْرَامِ فَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ تَعْلِيقُ صِفَةِ إحْرَامِهِ بِصِفَةِ إحْرَامِ زَيْدٍ لَا تَعْلِيقُ أَصْلِ إحْرَامِهِ بِإِحْرَامِهِ.
[تَعْلِيقُ النِّيَّةِ]
ِ وَإِنْ شِئْت فَقُلْ تَرْدِيدُ النِّيَّةِ إنْ اسْتَنَدَ إلَى مَا شَرَطْنَا مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ أَصْلٍ سَابِقٍ لَمْ يَضُرَّ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ لِذَلِكَ بَطَلَ.
(فَمِنْهُ) : لَوْ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ شَكَّ أَنَّهُ قَاصِرٌ (أَمْ) مُتِمٌّ فَقَالَ إنْ قَصَرَ قَصَرْت وَإِلَّا أَتْمَمْت فَقَصَرَ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْمُسَافِرِ الْقَصْرُ فَاسْتَنَدَتْ نِيَّةُ الْقَصْرِ إلَى هَذَا الظَّاهِرِ فَصَحَّ التَّعْلِيقُ.
(وَمِنْهُ) : لَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ إنْ كَانَ (مِنْ رَمَضَانَ)
стр. 316
وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ فَكَانَ مِنْ (رَمَضَانَ) صَحَّ صَوْمُهُ كَمَا سَبَقَ لِأَنَّهُ أَخْلَصَ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ وَبَنَى عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ الِاسْتِصْحَابُ. فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مِنْ (رَمَضَانَ) بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ (رَمَضَانَ) فَعَلَّقَ نِيَّةَ الصَّوْمِ وَقَالَ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ (رَمَضَانَ) صُمْته عَنْ (رَمَضَانَ) وَإِنْ كَانَ مِنْ (شَعْبَانَ) (فَهُوَ تَطَوُّعٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ) (وَقَالَ) الرَّافِعِيُّ: إذَا نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ الصَّوْمَ عَنْ (رَمَضَانَ) - مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْهُ نُظِرَ إنْ لَمْ يَسْتَنِدْ عَقْدُهُ إلَى مَا شَرَطْنَا فَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى مَا شَرَطْنَا كَمَا إذَا اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَجْزَأَهُ إذَا بَانَ أَنَّهُ مِنْ (رَمَضَانَ) وَجُعِلَ مِنْ هَذَا بِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْحِسَابِ إذَا جَوَّزْنَا بِنَاءَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَمِنْهُ) لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ لَا يَتَحَقَّقُ بَقَاءَهُ فَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَقَالَ: إنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ بَاقِيًا فَهَذَا زَكَاتُهُ وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَهَذَا صَدَقَةٌ، فَبَانَ بَقَاؤُهُ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ وَالظَّاهِرُ سَلَامَتُهُ فَاسْتَنَدَ لِهَذَا الْأَصْلِ
стр. 317
وَمِثْلُهُ) : لَوْ أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ إنْ كَانَ قَدْ مَاتَ مُوَرِّثِي وَانْتَقَلَ مَالُهُ إلَيَّ إرْثًا فَهَذَا زَكَاتُهُ وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ لَمْ يَجْزِهِ عَنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ بَانَ كَوْنُ الْمُوَرِّثِ مَيِّتًا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَعَدَمُ الْإِرْثِ.
(وَمِنْهُ) لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ بِنِيَّةِ إنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ وُضُوئِي وَإِلَّا فَهُوَ وُضُوءُ تَجْدِيدٍ (ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ) قَدْ تَوَضَّأَ صَحَّ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَدَثِ وَلَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَتَوَضَّأَ بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ لَمْ يَجْزِهِ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الطَّهَارَةُ.
(وَمِثْلُهُ) لَوْ رَأَى بَلَلًا فِي ثَوْبِهِ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ مَنِيٌّ فَاغْتَسَلَ فَنَوَى إنْ كَانَ مَنِيًّا فَعَنْ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ لَمْ يَصِحَّ.
(وَمِنْهُ) ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الصَّوْمِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ كَانَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ بَاقِيًا فَجُمُعَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَظُهْرٌ ثُمَّ بَانَ بَقَاؤُهُ فَوَجْهَانِ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ الصِّحَّةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ.
(مِنْهُ) لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي يَوْمِ الشَّكِّ فَقَالَ إنْ كَانَ مِنْ (رَمَضَانَ) فَعُمْرَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَوَّالٍ فَحَجٌّ فَكَانَ (شَوَّالًا) كَانَ حَجُّهُ صَحِيحًا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ الْخِلَافَ السَّابِقَ لِقُوَّةِ الْإِحْرَامِ.
(وَمِنْهُ) : لَوْ شَكَّ فِي صَلَاةٍ هَلْ فَاتَتْهُ فَدَخَلَ فِي صَلَاةٍ وَنَوَى عَنْ (الْفَائِتَةِ) إنْ فَاتَتْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَافِلَةٌ جَازَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ فِي بَابِ نِيَّةِ الزَّكَاةِ وَقَالَ: وَلَوْ شَكَّ هَلْ دَخَلَ الْوَقْتُ فَصَلَّى وَقَالَ: عَنْ فَرْضٍ إنْ كَانَ دَخَلَ أَوْ نَافِلَةٍ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ
стр. 318
قَالَ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فَنَافِلَةٌ لَمْ يَجْزِهِ.
وَلَوْ نَوَى (لَيْلَةَ) الثَّلَاثِينَ مِنْ الصَّوْمِ إنْ كَانَ غَدًا مِنْهُ فَعَنْ فَرْضٍ أَوْ (عَنْ) نَافِلَةٍ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَافِلَةٌ جَازَ.
(وَاعْلَمْ) : أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَشَارَ إلَيْهَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَنَازَعَهُ فِيهَا (الشَّاشِيُّ) فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ (الْمُعْتَمَدِ)
[تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ]
ِ ثَلَاثَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ وَفِي الِانْتِهَاءِ وَفِي الْأَحْكَامِ.
وَصُورَةُ الِابْتِدَاءِ أَنْ يَتَصَرَّفَ (فِيمَا) يَصِحُّ مَعَ مَا يَصِحُّ، وَفِيهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الصِّحَّةُ فِيمَا يَصِحُّ وَالْبُطْلَانُ فِيمَا يَبْطُلُ (وَالثَّانِي الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ) وَفِي تَعْلِيلِهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ جَهَالَةُ مَا يَخُصُّ مِلْكَهُ مِنْ الْعِوَضِ.
وَلِلْخِلَافِ فَوَائِدُ وَلِلْقَاعِدَةِ شُرُوطٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنْ كَانَتْ صَحَّ فِيمَا يَصِحُّ (مِنْهُ) قَطْعًا.
وَلِهَذَا
стр. 319
لَوْ تَيَمَّمَ لِفَرْضَيْنِ صَحَّ لِوَاحِدٍ قَطْعًا وَفِي الْآخَرِ خِلَافٌ) ثُمَّ الْمَشْهُورُ يُصَلِّي أَيَّهُمَا أَرَادَ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ (يَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ) .
وَلَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ عَامَيْنِ وَمَنَعْنَا تَعْجِيلَ مَا زَادَ عَلَى سَنَةٍ أَجْزَأَ مَا يَقَعُ لِسَنَةٍ وَلَوْ نَوَى حَجَّتَيْنِ انْعَقَدَ بِحَجَّةٍ وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ قَارِنًا.
وَلَوْ نَوَى الْمُتَنَفِّلُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَتَكْبِيرَةٍ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ.
وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ زَمَنٍ بِصَوْمٍ وَآخَرَ غَيْرَ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ كَالْعِيدِ اعْتَكَفَهُ وَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ.
نَعَمْ لَوْ نَوَى فِي (رَمَضَانِهِ) صَوْمَ جَمِيعِ الشَّهْرِ هَلْ يَصِحُّ صَوْمُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ.
وَلَوْ قَالَ: نَوَيْت الصَّلَاةَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَمْوَاتِ وَظَنَّ أَنَّهُمْ عَشَرَةٌ فَبَانُوا أَحَدَ عَشَرَ أَعَادَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَمِيعِ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى الْحَادِيَ عَشَرَ لَا بِعَيْنِهِ وَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا، قَالَهُ فِي الْبَحْرِ.
وَلَوْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْنِ أَعْلَاهُمَا ضَعِيفٌ وَوَصَلَ الْبَلَلُ إلَى الْأَسْفَلِ وَقَصَدَهُمَا أَوْ أَطْلَقَ، جَازَ فِي الْأَصَحِّ.
стр. 320
وَمِنْ نَظَائِرهَا أَنْ يَقْصِدَ الْجُنُبُ الْقِرَاءَةَ وَغَيْرَهَا وَالْمُصَلِّي الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ لِمُجَرَّدِ التَّفْهِيمِ وَنَحْوِهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى السِّرَايَةِ وَالتَّغْلِيبِ، فَإِنْ كَانَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَزَوْجَةَ غَيْرِهِ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ فِي الَّذِي يَمْلِكُهُ إجْمَاعًا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا الْوَصِيَّةَ، فَإِنَّهَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ صَحَّ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ تَخْرِيجٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ، أَنَّهَا تُبْطِلُ الثُّلُثَ، لِأَنَّ الرَّافِعِيَّ وَالْمُتَوَلِّيَ حَكَيَا وَجْهًا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِوَارِثِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ وَأَبْطَلْنَاهَا لِلْوَارِثِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْآخَرِ تَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِمُبَعَّضٍ وَمَالِكُ الْبَعْضِ وَارِثُهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ أَوْ كَانَتْ وَقُلْنَا لَا يَدْخُلُ الْكَسْبُ النَّادِرُ الْمُهَايَأَةَ فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ، فَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِهَا بَطَلَتْ، وَلَمْ يُخْرِجُوا نَصِيبَ الْمُبَعَّضِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَفِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ، لَوْ وَهَبَهُ عَبْدًا فَخَرَجَ نِصْفُهُ مُسْتَحَقًّا فَهَلْ يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ فِي الْكُلِّ أَمْ لَا يَبْنِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَبْطُلُ فِيهِ مُعَيَّنًا إمَّا بِالشَّخْصِ أَوْ بِالْجُزْئِيَّةِ، لِيَخْرُجَ صُورَتَانِ وَهُمْ مَنْ خَرَّجَهُمَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
следующие страницы →