Полный текст (1 194 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ فَكَانَ مِنْ (رَمَضَانَ) صَحَّ صَوْمُهُ كَمَا سَبَقَ لِأَنَّهُ أَخْلَصَ النِّيَّةَ لِلْفَرْضِ وَبَنَى عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ الِاسْتِصْحَابُ. فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مِنْ (رَمَضَانَ) بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ فِي لَيْلَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ هَلْ هُوَ مِنْهُ أَوْ مِنْ (رَمَضَانَ) فَعَلَّقَ نِيَّةَ الصَّوْمِ وَقَالَ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ (رَمَضَانَ) صُمْته عَنْ (رَمَضَانَ) وَإِنْ كَانَ مِنْ (شَعْبَانَ) (فَهُوَ تَطَوُّعٌ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ شَعْبَانَ) (وَقَالَ) الرَّافِعِيُّ: إذَا نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ الصَّوْمَ عَنْ (رَمَضَانَ) - مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مِنْهُ نُظِرَ إنْ لَمْ يَسْتَنِدْ عَقْدُهُ إلَى مَا شَرَطْنَا فَلَا عِبْرَةَ بِهِ وَإِنْ اسْتَنَدَ إلَى مَا شَرَطْنَا كَمَا إذَا اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَجْزَأَهُ إذَا بَانَ أَنَّهُ مِنْ (رَمَضَانَ) وَجُعِلَ مِنْ هَذَا بِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى الْحِسَابِ إذَا جَوَّزْنَا بِنَاءَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ وَهُوَ يَرُدُّ قَوْلَ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ وَلَا يُجْزِئُ عَنْ الْفَرْضِ فِي الْأَصَحِّ.
(وَمِنْهُ) لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ لَا يَتَحَقَّقُ بَقَاءَهُ فَأَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَقَالَ: إنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ بَاقِيًا فَهَذَا زَكَاتُهُ وَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَهَذَا صَدَقَةٌ، فَبَانَ بَقَاؤُهُ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمَالِ وَالظَّاهِرُ سَلَامَتُهُ فَاسْتَنَدَ لِهَذَا الْأَصْلِ
стр. 317
وَمِثْلُهُ) : لَوْ أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَقَالَ إنْ كَانَ قَدْ مَاتَ مُوَرِّثِي وَانْتَقَلَ مَالُهُ إلَيَّ إرْثًا فَهَذَا زَكَاتُهُ وَإِلَّا فَصَدَقَةٌ لَمْ يَجْزِهِ عَنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ بَانَ كَوْنُ الْمُوَرِّثِ مَيِّتًا لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَعَدَمُ الْإِرْثِ.
(وَمِنْهُ) لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ بِنِيَّةِ إنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ وُضُوئِي وَإِلَّا فَهُوَ وُضُوءُ تَجْدِيدٍ (ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ) قَدْ تَوَضَّأَ صَحَّ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَدَثِ وَلَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ فَتَوَضَّأَ بِنِيَّةٍ مُتَرَدِّدًا ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ لَمْ يَجْزِهِ وُضُوءُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الطَّهَارَةُ.
(وَمِثْلُهُ) لَوْ رَأَى بَلَلًا فِي ثَوْبِهِ لَمْ يَقْطَعْ بِأَنَّهُ مَنِيٌّ فَاغْتَسَلَ فَنَوَى إنْ كَانَ مَنِيًّا فَعَنْ الْجَنَابَةِ وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ لَمْ يَصِحَّ.
(وَمِنْهُ) ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الصَّوْمِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ كَانَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ بَاقِيًا فَجُمُعَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَظُهْرٌ ثُمَّ بَانَ بَقَاؤُهُ فَوَجْهَانِ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ الصِّحَّةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ.
(مِنْهُ) لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي يَوْمِ الشَّكِّ فَقَالَ إنْ كَانَ مِنْ (رَمَضَانَ) فَعُمْرَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَوَّالٍ فَحَجٌّ فَكَانَ (شَوَّالًا) كَانَ حَجُّهُ صَحِيحًا قَالَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ الْخِلَافَ السَّابِقَ لِقُوَّةِ الْإِحْرَامِ.
(وَمِنْهُ) : لَوْ شَكَّ فِي صَلَاةٍ هَلْ فَاتَتْهُ فَدَخَلَ فِي صَلَاةٍ وَنَوَى عَنْ (الْفَائِتَةِ) إنْ فَاتَتْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَافِلَةٌ جَازَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ فِي بَابِ نِيَّةِ الزَّكَاةِ وَقَالَ: وَلَوْ شَكَّ هَلْ دَخَلَ الْوَقْتُ فَصَلَّى وَقَالَ: عَنْ فَرْضٍ إنْ كَانَ دَخَلَ أَوْ نَافِلَةٍ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ
стр. 318
قَالَ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فَنَافِلَةٌ لَمْ يَجْزِهِ.
وَلَوْ نَوَى (لَيْلَةَ) الثَّلَاثِينَ مِنْ الصَّوْمِ إنْ كَانَ غَدًا مِنْهُ فَعَنْ فَرْضٍ أَوْ (عَنْ) نَافِلَةٍ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَنَافِلَةٌ جَازَ.
(وَاعْلَمْ) : أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَشَارَ إلَيْهَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ وَنَازَعَهُ فِيهَا (الشَّاشِيُّ) فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ (الْمُعْتَمَدِ)
[تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ]
ِ ثَلَاثَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ وَفِي الِانْتِهَاءِ وَفِي الْأَحْكَامِ.
وَصُورَةُ الِابْتِدَاءِ أَنْ يَتَصَرَّفَ (فِيمَا) يَصِحُّ مَعَ مَا يَصِحُّ، وَفِيهَا قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا الصِّحَّةُ فِيمَا يَصِحُّ وَالْبُطْلَانُ فِيمَا يَبْطُلُ (وَالثَّانِي الْبُطْلَانُ فِي الْكُلِّ) وَفِي تَعْلِيلِهِ خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ جَهَالَةُ مَا يَخُصُّ مِلْكَهُ مِنْ الْعِوَضِ.
وَلِلْخِلَافِ فَوَائِدُ وَلِلْقَاعِدَةِ شُرُوطٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْعِبَادَاتِ فَإِنْ كَانَتْ صَحَّ فِيمَا يَصِحُّ (مِنْهُ) قَطْعًا.
وَلِهَذَا
стр. 319
لَوْ تَيَمَّمَ لِفَرْضَيْنِ صَحَّ لِوَاحِدٍ قَطْعًا وَفِي الْآخَرِ خِلَافٌ) ثُمَّ الْمَشْهُورُ يُصَلِّي أَيَّهُمَا أَرَادَ وَقَالَ الدَّارِمِيُّ (يَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ) .
وَلَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ عَامَيْنِ وَمَنَعْنَا تَعْجِيلَ مَا زَادَ عَلَى سَنَةٍ أَجْزَأَ مَا يَقَعُ لِسَنَةٍ وَلَوْ نَوَى حَجَّتَيْنِ انْعَقَدَ بِحَجَّةٍ وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ قَارِنًا.
وَلَوْ نَوَى الْمُتَنَفِّلُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَتَيْنِ انْعَقَدَتْ صَلَاتُهُ بِالرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ خَرَجَ عَنْ الصَّلَاةِ فَلَا يَصِيرُ شَارِعًا فِي الْأَخِيرَتَيْنِ إلَّا بِنِيَّةٍ وَتَكْبِيرَةٍ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ.
وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ زَمَنٍ بِصَوْمٍ وَآخَرَ غَيْرَ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ كَالْعِيدِ اعْتَكَفَهُ وَلَا صَوْمَ عَلَيْهِ.
نَعَمْ لَوْ نَوَى فِي (رَمَضَانِهِ) صَوْمَ جَمِيعِ الشَّهْرِ هَلْ يَصِحُّ صَوْمُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ فِيهِ وَجْهَانِ وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ.
وَلَوْ قَالَ: نَوَيْت الصَّلَاةَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَمْوَاتِ وَظَنَّ أَنَّهُمْ عَشَرَةٌ فَبَانُوا أَحَدَ عَشَرَ أَعَادَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَمِيعِ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى الْحَادِيَ عَشَرَ لَا بِعَيْنِهِ وَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ أَوَّلًا، قَالَهُ فِي الْبَحْرِ.
وَلَوْ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْنِ أَعْلَاهُمَا ضَعِيفٌ وَوَصَلَ الْبَلَلُ إلَى الْأَسْفَلِ وَقَصَدَهُمَا أَوْ أَطْلَقَ، جَازَ فِي الْأَصَحِّ.
стр. 320
وَمِنْ نَظَائِرهَا أَنْ يَقْصِدَ الْجُنُبُ الْقِرَاءَةَ وَغَيْرَهَا وَالْمُصَلِّي الْقِرَاءَةَ وَالذِّكْرَ لِمُجَرَّدِ التَّفْهِيمِ وَنَحْوِهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى السِّرَايَةِ وَالتَّغْلِيبِ، فَإِنْ كَانَ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَزَوْجَةَ غَيْرِهِ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَعَبْدَ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ فِي الَّذِي يَمْلِكُهُ إجْمَاعًا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مِنْهَا الْوَصِيَّةَ، فَإِنَّهَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ حَتَّى لَوْ أَوْصَى بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَلَا وَارِثَ لَهُ صَحَّ فِي الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ تَخْرِيجٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ فِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ، أَنَّهَا تُبْطِلُ الثُّلُثَ، لِأَنَّ الرَّافِعِيَّ وَالْمُتَوَلِّيَ حَكَيَا وَجْهًا فِيمَا إذَا أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِوَارِثِهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ وَأَبْطَلْنَاهَا لِلْوَارِثِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْآخَرِ تَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِمُبَعَّضٍ وَمَالِكُ الْبَعْضِ وَارِثُهُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ أَوْ كَانَتْ وَقُلْنَا لَا يَدْخُلُ الْكَسْبُ النَّادِرُ الْمُهَايَأَةَ فَالْوَصِيَّةُ لِلْوَارِثِ، فَإِنْ قُلْنَا بِبُطْلَانِهَا بَطَلَتْ، وَلَمْ يُخْرِجُوا نَصِيبَ الْمُبَعَّضِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَفِي التَّتِمَّةِ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ، لَوْ وَهَبَهُ عَبْدًا فَخَرَجَ نِصْفُهُ مُسْتَحَقًّا فَهَلْ يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ الْهِبَةِ فِي الْكُلِّ أَمْ لَا يَبْنِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَبْطُلُ فِيهِ مُعَيَّنًا إمَّا بِالشَّخْصِ أَوْ بِالْجُزْئِيَّةِ، لِيَخْرُجَ صُورَتَانِ وَهُمْ مَنْ خَرَّجَهُمَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
стр. 321
إحْدَاهُمَا) ، إذَا عَقَدَ عَلَى خَمْسِ نِسْوَةٍ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ (وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي أَرْبَعٍ وَيَبْطُلُ فِي وَاحِدَةٍ) ، لِأَنَّهُ لَيْسَتْ هَذِهِ بِأَوْلَى مِنْ هَذِهِ وَغَلِطَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ بِتَخْرِيجِهَا.
(الثَّانِيَةُ) ، إذَا اشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، (فَسَدَ الْبَيْعُ) ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ (يَبْطُلُ فِي وَاحِدٍ وَيَصِحُّ فِي ثَلَاثَةٍ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَغَلِطَ الْبَالِسِيُّ فِي (شَرْحِ التَّنْبِيهِ) بِتَخْرِيجِهَا. وَلَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَرْضٌ مُنَاصَفَةً، فَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا فِيهَا قِطْعَةً مُدَوَّرَةً، وَبَاعَهَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، قَالَ الْبَغَوِيّ، لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي غَيْرِهَا.
وَلَوْ قَالَ، ضَمِنْت لَك الدَّرَاهِمَ الَّتِي لَك عَلَى فُلَانٍ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا فَهَلْ يَصِحُّ فِي ثَلَاثَةٍ: وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ قَالَ أَجَرْتُك كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، هَلْ يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ؟ وَجْهَانِ، وَيَجْرِيَانِ فِي الْإِقْرَارِ بِهَا، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ.
стр. 322
نَعَمْ، يُسْتَثْنَى صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ عَقَدَ الْمُسَابَقَةَ، ثُمَّ ظَهَرَ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ مَنْ لَا يُحْسِنُ الرَّمْيَ، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَبْطُلُ فِيهِ، وَيَسْقُطُ مِنْ الْحِزْبِ الْآخَرِ وَاحِدٌ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَفِي الْبَاقِي قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ تَحَجَّرَ الشَّخْصُ أَكْثَرَ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَى إحْيَائِهِ، فَقِيلَ: يَبْطُلُ فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي، يَصِحُّ فِيمَا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ، وَهُوَ قَوِيٌّ.
الرَّابِعُ: إمْكَانُ التَّوْزِيعِ، فَيَخْرُجُ مَا إذَا بَاعَ مَجْهُولًا وَمَعْلُومًا.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مَا يَبْطُلُ فِيهِ مَعْلُومًا، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَمْ يَصِحَّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُخْبِرُ بِالْقِسْطِ. وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ أَرْضًا مَعَ بَذْرٍ أَوْ زَرْعٍ، لَا يُفْرَدُ بِالْبَيْعِ بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: فِي الْأَرْضِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ.
نَعَمْ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ
стр. 323
إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَوْ بَاعَ الْمَاءَ فِي قَرَارِهِ، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا، (فَقَالَ بِعْتُك هَذِهِ الْقَنَاةَ مَعَ مَائِهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا) ، وَقُلْنَا الْمَاءُ لَا يُمْلَكُ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَاءِ وَفِي الْقَرَارِ قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ مَجْهُولُ الْقَدْرِ.
السَّادِسُ: أَنْ لَا يُخَالِفَ الْإِذْنَ لِيَخْرُجَ مَا لَوْ اسْتَعَارَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ عَلَى عَشَرَةٍ فَرَهَنَهُ بِأَحَدَ عَشَرَ، بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِمُخَالَفَةِ الْإِذْنِ، كَذَا عَلَّلَهُ فِي الرَّافِعِيِّ، وَقَضِيَّتُهُ جَرَيَانُهُ فِي التَّوْكِيلِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، إذَا ضَمَّ إلَيْهِ غَيْرَ الْمَأْذُونِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ، لِيَنْسِجَ لَهُ ثَوْبًا طُولُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ فِي عَرْضٍ مُعَيَّنٍ، فَنَسَجَ أَحَدَ عَشَرَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنْ الْأُجْرَةِ (وَإِنْ جَاءَ بِهِ وَطُولُهُ تِسْعَةٌ، فَإِنْ كَانَ طُولُ السَّدَى عَشَرَةً اسْتَحَقَّ مِنْ الْأُجْرَةِ) بِقَدْرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْسِجَ عَشَرَةً لَتَمَكَّنَ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ طُولُهُ تِسْعَةً لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ الْإِجَارَةِ عَنْ التَّتِمَّةِ.
стр. 324
السَّابِعُ: أَنْ لَا يَبْنِيَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، فَلَوْ أَصْدَقَ الْوَلِيُّ عَنْ الطِّفْلِ عَيْنًا مِنْ مَالِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، صَحَّ فِيهَا فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَبَطَلَ فِي الزَّائِدِ عَلَى وَجْهٍ وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
الثَّامِنُ: أَنْ يُورَدَ عَلَى الْجُمْلَةِ، لِيَخْرُجَ مَا لَوْ قَالَ أَجَرْتُك كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي سَائِرِ الشُّهُورِ قَطْعًا، وَهَلْ يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا وَهَكَذَا لَوْ قَالَ ضَمِنْت نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ، فَالضَّمَانُ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ فَاسِدٌ، وَهَلْ يَصِحُّ فِي نَفَقَةِ يَوْمِهَا أَمْ لَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِنَاءً عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ. فَائِدَةٌ الصَّفْقَةُ تُفَرَّقُ فِي الثَّمَنِ، كَمَا تُفَرَّقُ فِي الْمُثَمَّنِ وَهَذَا مِمَّا لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ، بَلْ اقْتَضَى كَلَامُهُمْ فِي بَابِ (التَّحَالُفِ) أَنَّهَا لَا تُفَرَّقُ فِيهِ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ بِأَنْ قَالَ بِعْتُك بِأَلْفٍ فَقَالَ بَلْ بِأَلْفٍ وَخَمْرٍ، لَكِنْ قَالُوا فِي بَابِ الشُّفْعَةِ فِيمَا إذَا خَرَجَ بَعْضُ الْمُسَمَّى مُسْتَحَقًّا بَطَلَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَفِي الْبَاقِي خِلَافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَبِذَلِكَ يَصِحُّ مَا ذَكَرْنَا.
[التَّقْدِيمُ]
يُقَدَّمُ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا.
فَيُقَدَّمُ لِلْقَضَاءِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ تَفَطُّنًا لِوُجُوهِ (الْحُجَجِ) وَالْأَحْكَامِ.
стр. 325
وَفِي الْحُرُوبِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَكَايِدِهَا وَأَشَدُّ إقْدَامًا عَلَيْهَا وَأَعْرَفُ بِسِيَاسَتِهِ فِيهَا.
وَفِي أَمَانَةِ الْحُكْمِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِتَدْبِيرِ الْأَيْتَامِ، وَتَنْمِيَةِ أَمْوَالِهِمْ.
وَقَدْ يَكُونُ الْوَاحِدُ نَاقِصًا فِي بَابٍ كَامِلًا فِي غَيْرِهِ، كَالْمَرْأَةِ نَاقِصَةٌ فِي الْحُرُوبِ كَامِلَةٌ فِي حَضَانَةِ الطِّفْلِ.
قَالَ فِي الْبَحْرِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عُرَاةٌ وَهُنَاكَ ثَوْبٌ وَأَرَادَ مَالِكُهُ إعَارَتَهُ لَهُمْ فَالْأَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ بِالنِّسَاءِ، ثُمَّ بِالرِّجَالِ، لِأَنَّ عَوْرَتَهُنَّ أَغْلَظُ وَآكَدُ حُرْمَةً، فَكَانَ الْبُدَاءَةُ بِسَتْرِهَا أَوْلَى.
وَمِنْ هَذَا تَقْدِيمُ الْفَقِيهِ عَلَى الْقَارِئِ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِإِقَامَةِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَدَرْءِ مُفْسِدَاتِهَا.
وَقُدِّمَ الْإِمَامُ عَلَى الْجَمِيعِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، فَإِنَّهَا تُقَدَّمُ عَلَى الْخَاصَّةِ.
وَاسْتَشْكَلَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ التَّقْدِيمُ بِالْمَكَانِ كَمَالِكِ الدَّارِ، وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ الْمَكَانَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، فَكَانَ رِعَايَتُهَا أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ حَقِّ الْمَالِكِ وَالْإِمَامِ.
وَلِهَذَا، إذَا اجْتَمَعَتْ فَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَفَضِيلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَكَانِهَا قُدِّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا عَنْ هَذَا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ.»
стр. 326
وَلَوْ أَسَرَ الْكُفَّارُ عَالِمًا وَجَاهِلًا وَلَمْ يُمْكِنْ، إلَّا فَكُّ أَحَدِهِمَا فَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْجَاهِلُ، لِأَنَّ بَقَاءَهُ عِنْدَهُمْ رُبَّمَا يَجُرُّهُ إلَى دُخُولِهِ مَعَهُمْ وَبَقَاءُ الْعَالِمِ عِنْدَهُمْ، رُبَّمَا يَجُرُّ إلَى انْقِيَادِهِمْ إلَى الْحَقِّ بِبَيَانِ الْأَدِلَّةِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْعَالِمُ، لِعُمُومِ نَفْعِنَا بِهِ.
وَمِنْ هَذَا يُبَاحُ، لِخَائِفِ الْعَنَتِ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَى غَيْرِهِ، قَالَ مُجَلِّي، وَهَذَا فِيهِ تَقْدِيمٌ لِلْفَاجِرِ عَلَى الْمُتَّقِي بِسَبَبِ فُجُورِهِ مَعَ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَاجَةِ.
تَقْدِيمُ الْوَاجِبِ ضَرْبَانِ: الْأَوَّلُ: بَعْدَ دُخُولِهِ وَقْتِهِ فَتَعْجِيلُهُ أَفْضَلُ مِنْ تَأْخِيرِهِ.
إلَّا فِي الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعَ مُسْتَثْنَاةٍ، وَإِلَّا إخْرَاجُ زَكَاةِ الْمَالِ لِانْتِظَارِ قَرِيبٍ أَوْ جَارٍ، وَكَذَا زَكَاةُ الْفِطْرِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَقَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَكَذَلِكَ الْهَدْيُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالْإِحْرَامِ وَتَأْخِيرُ ذَبْحِهِ إلَى الْحَرَمِ أَفْضَلُ، وَكَذَا مَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ تَأْخِيرُهُ إلَى فِعْلِهِ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ كَالرَّمْيِ وَالطَّوَافِ.
الثَّانِي: التَّقْدِيمُ عَلَى الْوَقْتِ وَهُوَ جَائِزٌ فِي بَعْضِ عِبَادَاتِ الْمَالِ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ وَتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، كَمَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ الدَّيْنِ قَبْلَ مَحِلِّهِ، بِخِلَافِ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ لَا تُقَدَّمُ قَبْلَ دُخُولِهَا، كَالصَّلَاةِ.
стр. 327
وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ صَوْمُ الثَّلَاثِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (﵀) وَقِيلَ: إنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ بِالْحَدَثِ أَوْ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، لِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، لَمَا جَازَ فِعْلُهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا، فَإِنَّ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ لَا يَتَقَدَّمُ وَقْتُهَا، لَكِنَّهَا جَائِزَةٌ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهَا بِالْحَدَثِ.
وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ: وَمِنْهَا يَجُوزُ الْأَذَانُ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْوَقْتِ، قَالَ الْقَفَّالُ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّعْجِيلِ بِالصُّبْحِ، وَمَبْنَى التَّعْجِيلِ عَلَى وُجُوبِهَا بِأَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَمِنْهَا الْحَجُّ قَبْلَ الِاسْتِطَاعَةِ، ثُمَّ يَسْتَطِيعُ.
وَمِنْ ذَلِكَ الطَّهَارَةُ بِالْمَاءِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ: إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِهَا بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَالصَّبِيُّ إذَا تَوَضَّأَ، ثُمَّ بَلَغَ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْوُضُوءِ عَلَى الصَّحِيحِ، خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ فِي الْمَنْثُورِ.
وَلَوْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ، ثُمَّ بَلَغَ بِالسِّنِّ فِيهَا أَوْ بَعْدَهَا، فَلَا إعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الْإِحْرَامُ، وَمِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الْمِيقَاتِ.
[التَّقَاصُّ]
ُّ إذَا ثَبَتَ لِشَخْصٍ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ مِثْلُهُ.
إمَّا مِنْ جِهَةٍ كَسَلَمٍ وَقَرْضٍ. أَوْ مِنْ جِهَتَيْنِ كَقَرْضٍ وَثَمَنٍ، وَكَانَ الدَّيْنَانِ مُتَّفِقَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ
стр. 328
وَالْحُلُولِ وَسَوَاءٌ اتَّحَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِمَا كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ أَوْ اخْتَلَفَ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْقَرْضِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهُمَا: عِنْدَ النَّوَوِيِّ، وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ التَّقَاصَّ يَحْصُلُ بِنَفْسِ ثُبُوتِ الدَّيْنَيْنِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى الرِّضَا، لِأَنَّ مُطَالَبَةَ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ بِمِثْلِ مَالِهِ عِنَادٌ، لَا فَائِدَةَ فِيهِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَلِأَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِوَارِثِهِ، فَإِنَّ ذِمَّتَهُ تَبْرَأُ بِانْتِقَالِ التَّرِكَةِ لِوَارِثِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهَا فِي (دَيْنِهِ) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ، لِانْتِقَالِ الْعَيْنِ إلَيْهِ.
وَالثَّانِي: يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ إنْ تَرَاضَيَا، وَإِلَّا فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا مُطَالَبَةُ الْآخَرِ.
وَالثَّالِثُ: يَسْقُطُ بِرِضَا أَحَدِهِمَا.
وَالرَّابِعُ: لَا يَسْقُطُ وَلَوْ تَرَاضَيَا.
إذَا عَلِمْت هَذَا " فَلِلتَّقَاصِّ شُرُوطٌ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي الدُّيُونِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ، فَأَمَّا الْأَعْيَانُ، فَلَا يَصِيرُ بَعْضُهَا
стр. 329
قِصَاصًا عَنْ بَعْضٍ، لِأَنَّهُ يَكُونُ كَالْمُعَاوَضَةِ فَيَفْتَقِرُ إلَى التَّرَاضِي، وَلِأَنَّ الْأَغْرَاضَ تَخْتَلِفُ فِي الْأَعْيَانِ، فَأَمَّا فِي الذِّمَّةِ الدُّيُونُ سَوَاءٌ، فَلَا مَعْنَى لِقَبْضِ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلَيْهِ، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا الشَّرْطِ امْتَنَعَ أَخْذٌ مَالِ الْغَرِيمِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إذَا كَانَ مُقِرًّا بَاذِلًا لِلْحَقِّ، لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الدَّفْعِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ شَاءَ، وَلَوْ أَخَذَهُ ضَمِنَهُ، وَلَا يُقَالُ يَصِيرُ قِصَاصًا عَنْ حَقِّهِ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ فِي الدُّيُونِ لَا فِي الْأَعْيَانِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي الْأَثْمَانِ، أَمَّا الْمِثْلِيَّاتُ كَالطَّعَامِ وَالْحُبُوبِ، فَلَا تَقَاصَّ فِيهَا، صَرَّحَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَعَلَّلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، بِأَنَّ مَا عَدَا الْأَثْمَانَ (يَطْلُبُ) فِيهِ الْمُعَايَنَةَ، وَحَكَى الْإِمَامُ فِي جَرَيَانِهِ فِي الْمِثْلِيَّاتِ وَجْهَيْنِ: وَصَحَّحَ جَرَيَانُهُ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ كَمَا حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ، وَقَالَ إنَّ الْأَصْحَابَ خَالَفُوا نَصَّ الشَّافِعِيِّ (﵀) لَا عَنْ قَصْدٍ، لِقِلَّةِ نَظَرِهِمْ فِي كِتَابِهِ، وَمِنْ (هَذَا، قَالُوا مَا لَوْ) أَكَلَتْ الرَّشِيدَةُ مَعَ زَوْجِهَا، تُسْقِطُ نَفَقَتَهَا فِي الْأَصَحِّ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ مُسْتَقَرَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ كَانَا سَلَمَيْنِ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا
стр. 330
وَإِنْ تَرَاضَيَا، قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يَقْتَضِي الْجَوَازَ، لَكِنْ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأُمِّ مَنْعُ التَّقَاصِّ فِي السَّلَمِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَتَّفِقَا فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالْحُلُولِ وَالْأَجَلِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا دَرَاهِمَ وَالْآخَرُ دَنَانِيرَ، لَمْ يَقَعْ الْمَوْقِعَ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طَلَبِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ، فَإِنْ كَانَا مُؤَجَّلَيْنِ بِأَجَلٍ وَاحِدٍ، وَلَا طَلَبَهُ، فَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ لَا يُجْزِئُ، بِلَا خِلَافٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ فِيهِ احْتِمَالٌ.
السَّادِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّا يُبْنَى عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَفِرَ الْمُسْتَحِقُّ بِحَقِّهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذُهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ جَائِزٌ، إلَّا فِي حَقِّ الْمَجَانِينِ وَالْأَيْتَامِ وَالْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ.
السَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِي قِصَاصٍ، وَلَا حَدٍّ، فَلَوْ تَقَاذَفَ شَخْصَانِ لَمْ يَتَقَاصَّا، وَلَوْ تَجَارَحَ رَجُلَانِ، قَالَ الشَّيْخُ فِي التَّنْبِيهِ قُبَيْلَ بَابِ الدِّيَاتِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةٌ الْآخَرِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِقَتْلِ صَاحِبِهِ، قَالَ، فَإِنْ
стр. 331
ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ جُرْحٌ لِلدَّفْعِ، لَمْ يَقْبَلْ أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِ مَا يَدَّعِيه صَاحِبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الدَّفْعِ الْمُسْقِطِ لِلضَّمَانِ، فَإِذَا حَلَفَا وَمَاتَا بِالسِّرَايَةِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ، لِأَنَّ الْجُرْحَ السَّارِيَ مَوْجُودٌ وَمَا يَدَّعِيهِ مِنْ قَصْدِ الدَّفْعِ لَمْ يَثْبُتْ فَوَجَبَ الضَّمَانُ، قَالَ (الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ) فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ، إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا بِالسِّرَايَةِ عَلَى الَّذِي لَمْ يَمُتْ لِمَا تَقَدَّمَ. قُلْت: فِي فُرُوعِ (ابْنِ الْقَطَّانِ) إنَّ (التَّقَاصَّ) يَجْرِي فِي الْقِصَاصِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ إنْسَانًا فَقَتَلَ وَارِثُهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ قَوَدَهُ الْقَاتِلُ سَقَطَ هَذَا بِهَذَا، وَيَنْبَغِي طَرْدُهُ فِي (الْقَذْفِ) وَهُوَ غَرِيبٌ
стр. 332
[فُرُوعٌ مِنْ التَّقَاصِّ]
لَهُ دَيْنٌ عَلَى إنْسَانٍ فَجَحَدَهُ وَلَا بَيِّنَةَ، وَلَكِنْ فِي يَدِهِ وَثِيقَةٌ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ آخَرَ كَانَ قَبَضَهُ وَفِي الصَّكِّ شُهُودٌ، لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ قَبَضَ ذَلِكَ الدَّيْنَ، فَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ، وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ وَيَقْبِضَ الدَّيْنَ مِنْهُ، وَيَجْعَلَهُ تَقَاصًّا عَنْ دَيْنِهِ الْمَجْحُودِ، قَالَهُ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ فِي رَوْضَةِ الْحُكَّامِ، وَهَذَا، إذَا كَانَ مُسَاوِيًا أَوْ أَنْقَصَ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَدَّعِيَ وَمِنْهَا مَنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ وَقَدْ اسْتَعْجَلَ مِنْهَا مَا لَمْ يَقَعْ (الْمَوْقِعَ) ، فَقَالَ الرَّافِعِيُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْتَبِسَهُ، عَنْ زَكَاتِهِ الْمَفْرُوضَةِ، وَيَقَعُ تَقَاصًّا وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْتَبِسَهُ، بَلْ يَأْخُذَ مِنْهُ ثُمَّ يُعْطِيَهُ مِنْ جِهَةِ الزَّكَاةِ وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَحْتَاجُ إلَى دَفْعٍ وَنِيَّةٍ، لَكِنْ اكْتَفَوْا بِنِيَّةِ أَصْلِ الزَّكَاةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ.
وَمِنْهَا، إذَا كَانَ لَهُ عَلَى الْفَقِيرِ دَيْنٌ، فَقَالَ جَعَلْته عَنْ زَكَاتِي، لَا يَجْزِيهِ فِي الْأَصَحِّ حَتَّى يَقْبِضَهُ، ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ، وَعَلَى الثَّانِي يَجْزِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ (لَهُ) وَدِيعَةٌ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ.
وَمِنْهَا، لَوْ بَاعَ الْمُصَرَّاةَ بِصَاعِ تَمْرٍ يَرُدُّ التَّمْرَ، وَلَا يَجْرِي التَّقَاصُّ نَظِيرَ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَمِنْهَا، إذَا هَاجَرَتْ إلَيْنَا مِنْهُمْ مُسْلِمَةٌ وَتَوَجَّهَتْ إلَيْهِمْ مِنَّا مُرْتَدَّةٌ مَهْرُهَا أَكْثَرُ مِنْ مَهْرِ الَّتِي هَاجَرَتْ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْقَدْرِ بَرِئَتْ الذِّمَّتَانِ، وَإِنْ فَضَلَ لَنَا رَجَعْنَا بِالْفَضْلِ، وَإِنْ فَضَلَ لَهُمْ دَفَعْنَا الْفَضْلَ إلَيْهِمْ، وَدَفَعَ الْإِمَامُ مَا خَصَّهُمْ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 333
[التَّقْلِيدُ]
ُ مُمْتَنِعٌ لِلْمُجْتَهِدِ الْقَادِرِ عَلَى الدَّلِيلِ كَافٍ لِلْعَاجِزِ عَنْهُ، فِيمَا لَمْ يُطْلَبْ فِيهِ الْقَطْعُ، وَالظَّنُّ كَافٍ فِي كُلِّ عِلْمٍ بِكَيْفِيَّةٍ أَوْ فِي عِلْمٍ لَمْ يُطْلَبْ فِيهِ الْقَطْعُ وَالْيَقِينُ، وَبَيَانُهُ أَنْ يَقُولَ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ يَتَعَلَّقُ بِهَا عَمَلٌ، فَإِنَّ الظَّنَّ فِيهَا كَافٍ، وَكُلُّ مَسْأَلَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَمَلٌ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْعِلْمِ.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ إنْ كُلِّفَ فِيهَا بِالْعِلْمِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا الْأَخْذُ بِالظَّنِّ، وَإِلَّا جَازَ، كَالتَّفَاضُلِ بَيْنَ (فَاطِمَةَ) (وَخَدِيجَةَ) وَعَائِشَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ اكْتِفَاءَ الشَّرْعِ فِي الْفُرُوعِ بِالظَّنِّ لَيْسَ بِمُتَعَلِّقٍ لِلْعَمَلِ بِالظَّنِّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَمَارَةُ وُجُوبِ الْعَمَلِ، لَا مُسْتَنَدُ الْعَمَلِ وَإِنَّمَا اسْتَنَدَ الْعَمَلُ إلَى الدَّلِيلِ الْقَاطِعِ وَالْإِجْمَاعِ، وَعَنْ هَذَا، قَالَ (الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ) لَيْسَ
стр. 334
فِي الشَّرِيعَةِ تَقْلِيدٌ إذْ حَقِيقَةُ التَّقْلِيدِ قَبُولُ الْقَوْلِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَدَلِيلٍ، فَكَمَا أَنَّ قَوْلَ الرَّسُولِ مَقْبُولٌ لِقِيَامِ الْمُعْجِزَةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِهِ، كَذَلِكَ قَبُولُ أَخْبَارِ الْآحَادِ، وَأَقْوَالِ الْمُفْتِينَ وَالْحُكَّامِ مَقْبُولٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ، فَنَزَلَتْ أَقْوَالُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ عَلَيْهِمْ بِالْإِجْمَاعِ مَنْزِلَةَ أَخْبَارَ الْآحَادِ وَالْأَقْيِسَةِ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَصِيرِ إلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَفِي جَوَازِ التَّقْلِيدِ لِمَنْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا خِلَافٌ، وَجَزَمَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بِالْمَنْعِ، فَفِي فَتَاوِيهِ لَا يَجُوزُ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَلْمِسَ امْرَأَةً ثُمَّ يُصَلِّيَ، وَلَا يَتَوَضَّأَ تَقْلِيدًا لِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّمْسَ لَا يُنْقِضُ لِأَنَّهُ بِالِاجْتِهَادِ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي هَذَا، فَلَا يَجُوزُ إنْ يُخَالِفَ اجْتِهَادَهُ.
كَمَا لَوْ اجْتَهَدَ فِي الْقِبْلَةِ فَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى غَيْرِهَا انْتَهَى.
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ حَيْثُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ: إنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ يَعْسُرُ تَفْرِيقُهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا قِسْمَتَهَا عَلَى ثَلَاثَةٍ وَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ فِي ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ. فَائِدَةٌ إذَا أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ بِالْوَقْتِ عَنْ عِلْمٍ، عَمِلَ بِهِ سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الْعِلْمُ أَمْ لَا كَمَا صَحَّحَهُ
стр. 335
فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَجَزَمُوا فِي الْقِبْلَةِ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْخَبَرُ عَنْ عِلْمٍ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ يُمْكِنُ فِيهِ الْعِلْمُ بِأَنْ يَرَى غُرُوبَ الشَّمْسِ مِنْ جَبَلٍ مَثَلًا وَأَمَّا الْقِبْلَةُ فَلَا يُمْكِنُ فِيهَا الْمُشَاهَدَةُ إلَّا (بِمَكَّةَ) وَحِينَئِذٍ فَلَا يَعْتَمِدُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعِلْمِ بِهِ.
[التَّقْوِيمُ]
ُ يُعْتَبَرُ فِي الْمَغْصُوبِ بِغَالِبِ النُّقُودِ لَا بِأَدْنَاهَا وَفِي السَّرِقَةِ أَطْلَقَ الدَّارِمِيُّ أَنَّهُ يُقَوَّمُ بِأَدْنَى دَنَانِيرِ الْبَلَدِ وَقَضِيَّتُهُ ذَلِكَ وَإِنْ غَلَبَ رَوَاجُ الْأَعْلَى.
وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ خَالِصَانِ مِنْ الذَّهَبِ وَأَحَدُهُمَا أَعْلَى قِيمَةً مِنْ الْآخَرِ اُعْتُبِرَتْ الْقِيمَةٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ دَنَانِيرِ الْبَلَدِ فِي زَمَانِ السَّرِقَةِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فَبِأَيِّهِمَا يُقَوَّمُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْأَدْنَى اعْتِبَارًا بِعُمُومِ الظَّاهِرِ (الثَّانِي) بِالْأَعْلَى دَرْءًا لِلْقَطْعِ بِالشُّبْهَةِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِسَرِقَةٍ فَقَوَّمَ أَحَدُهُمَا الْمَسْرُوقَ نِصَابًا وَالْآخَرُ دُونَهُ فَلَا قَطْعَ وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ نِصَابٌ وَقَوَّمَهُ آخَرُ بِدُونِهِ فَلَا قَطْعَ وَيُؤْخَذُ فِي الْغُرْمِ بِالْأَقَلِّ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (﵀) وَفِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ لِلصَّيْمَرِيِّ أَنَّهُ يَغْرَمُ أَوْفَرَ الْقِيمَتَيْنِ وَقِيلَ: بَلْ أَقَلُّهُمَا وَذَلِكَ مُتَعَيَّنٌ
стр. 336
وَقَالُوا فِي الزَّكَاةِ لَوْ تَمَّ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْمَوَازِينِ وَنَقَصَ فِي بَعْضٍ لَمْ تَجِبْ فِي الْأَصَحِّ وَالسَّرِقَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ فَإِنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَهَا هُنَا ضَابِطٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ مَا تَوَقَّفَ عَلَى التَّقْوِيمِ وَعُرِضَ عَلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ وَحَكَمُوا بِالتَّقْوِيمِ تَقْرِيبًا فَهُوَ الْمُتَّبَعُ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ وَإِنْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ تَقْدِيرُ النُّقْصَانِ ظَنًّا. إلَّا فِي بَابِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِسُقُوطِ الْقَطْعِ بِالشُّبْهَةِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي بَابِ الْقِرَاضِ وَقَالَ فِي بَابِ السَّرِقَةِ لَوْ بَلَغَ قِيمَةُ الْغَرَضِ الْمَسْرُوقِ بِالِاجْتِهَادِ رُبْعَ دِينَارٍ فَقَدْ يُؤْخَذُ لِلْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَقْطَعْ الْمُقَوِّمُونَ بِبُلُوغِهَا نِصَابًا.
الْأَحْكَامُ التَّقْدِيرِيَّةُ (مِنْهَا) الْمِلْكُ فِي الْعِتْقِ الْمُسْتَدْعَى، وَالدِّيَةُ يُقَدَّرُ دُخُولُهَا فِي مِلْكِ الْقَتِيلِ آخِرَ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى يَقْضِيَ مِنْهَا دُيُونَهُ وَقِيلَ: تَنْتَقِلُ إلَى الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً.
وَلَوْ أَصْدَقَ عَنْ ابْنِهِ الصَّغِيرِ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَلَغَ وَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ هَلْ يَرْجِعُ نِصْفُ الْمَهْرِ إلَى الِابْنِ أَوْ لِلْأَبِ وَجْهَانِ.
وَمَنْ قَالَ يَرْجِعُ لِلْأَبِ فَقَدْ نَازَعَ
стр. 337
فِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الصَّدَاقُ فِي مِلْكِهَا إلَّا بَعْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الِابْنِ.
وَلَوْ اشْتَرَى بِأَلْفٍ وَتَبَرَّعَ عَنْهُ آخَرُ بِالثَّمَنِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فَرَدَّ الْمَبِيعَ هَلْ يَرُدُّ الْمُؤَدَّى إلَى الْمُشْتَرِي أَمْ إلَى الْمُتَبَرِّعِ؟ وَالْقَوْلُ بِرَدِّهِ إلَى الْمُتَبَرِّعِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ هُنَا وَفِيهِ نَظَرٌ.
تَلْقِينُ الْإِمَامِ يُشْرَعُ فِي مَوْضِعَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ وَلَا يُلَقَّنُ مَا دَامَ يَتَرَدَّدُ بَلْ حَتَّى يَقِفَ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
(الثَّانِي) فِي الْخُطْبَةِ إذَا حَضَرَ، وَلَا يُلَقَّنُ حَتَّى يَسْكُتَ قَالَهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ.
قَالَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ يَفْتَحُ لَهُ وَقَالَ الشَّاشِيُّ فِي الْمُعْتَمَدِ فَإِنْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ لُقِّنَ فِي الْخُطْبَةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَا يُلَقَّنُ وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ
стр. 338
فَحَيْثُ قَالَ يُلَقَّنُ إذَا وَقَفَ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِ وَحَيْثُ قَالَ لَا يُلَقَّنُ إذَا كَانَ تَرَدَّدَ لِيَفْتَحَ عَلَيْهِ قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ إنْ عَلِمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ إنْ فَتَحَ عَلَيْهِ انْطَلَقَ فَتَحَ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْهَشُ تَرَكَهُ عَلَى حَالِهِ.
[التَّمَنِّي]
أَنْوَاعٌ
(إحْدَاهَا) : تَمَنِّي الرَّجُلِ حَالَ أَخِيهِ مِنْ دِينٍ أَوْ دُنْيَا عَلَى أَنْ يَذْهَبَ مَا عِنْدَهُ وَهَذَا حَرَامٌ فَإِنَّهُ الْحَسَدُ بِعَيْنِهِ وَقَدْ أَعْلَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مَا فِي تَمَنِّي زِينَةِ الدُّنْيَا وَكَثْرَةِ مَتَاعِهَا الْمُطْغِي بِقِصَّةِ (قَارُونَ) وَمَنْ تَمَنَّى مِثْلَ مَا أُوتِيَ (قَارُونُ) حَتَّى شَهِدُوا الْمِنَّةَ فِي الْمَنْعِ لَا فِي الْإِعْطَاءِ وَقَدْ ذَكَرَ (الْوَاحِدِيُّ) فِي الْبَسِيطِ، (وَابْنُ فُورَكٍ) فِي مُشْكِلِهِ وَغَيْرِهِمَا
стр. 339
عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّمَنِّيَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] عَلَى التَّحْرِيمِ إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْتَ مَالَ فُلَانٍ لِي، وَإِنَّمَا لَيْتَ لِي مِثْلَهُ وَحَكَوْا عَنْ (الْفَرَّاءِ) أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ وَغَلَّطُوهُ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَنْصَرِفُ عَنْ مُقْتَضَاهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ مِنْ تَعْلِيقِهِ: كَمَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ يَحْرُمُ التَّفَكُّرُ فِيهِ بِقَلْبِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا﴾ [النساء: ٣٢] . الْآيَةَ، فَمَنَعَ مِنْ التَّمَنِّي مِمَّا لَا يَحِلُّ كَمَا مَنَعَ مِنْ النَّظَرِ إلَى مَا لَا يَحِلُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] لَكِنَّ النَّظَرَ يَفْسُقُ بِهِ وَتُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ بِخِلَافِ الْفِكْرِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ حَتَّى لَوْ أَخْبَرْنَا بِهِ، كَانَ قَادِحًا فِي شَهَادَتِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَ مَا لِغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَتِهِ عَنْهُ، فَهَذَا غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ وَعَلَيْهِ جَاءَ قَوْلُهُ ﷺ ، «لَا حَسَدَ إلَّا فِي
стр. 340
اثْنَتَيْنِ» ) ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ (الْغِبْطَةُ) . وَنَبَّهَ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَلَى أَنَّ مَا يَتَمَنَّى بِهِ كَرَامَةَ الْآخِرَةِ لَا يُنْهَى عَنْهُ.
الثَّالِثُ: تَمَنِّي فِعْلِ الْعِبَادَاتِ وَإِنْ شَقَّتْ عَلَيْهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ مُثَابٌ عَلَيْهِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا أُعْطِيَهَا، وَلَوْ لَمْ تُصِبْهُ، وَقَدْ ثَبَتَ تَمَنِّي الشَّهِيدِ فِي الْبَرْزَخِ الرُّجُوعَ إلَى الدُّنْيَا وَهُوَ دَلِيلٌ لِجَوَازِ ذَلِكَ.
وَفِي الْحَدِيثِ «وَدِدْت أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أَحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ» .
стр. 341
وَقَدْ اسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ سُؤَالَ الشَّهَادَةِ وَهِيَ قَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ، وَقَتْلُ الْكَافِرِ لِلْمُسْلِمِ مَعْصِيَةٌ.
وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ تَحْصُلُ فِي الْحَرْبِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْقَتْلِ غَيْرِ قَتْلِ الْكَافِرِ. (وَثَانِيهِمَا) أَنَّ الشَّهَادَةَ لَهَا جِهَتَانِ إحْدَاهُمَا حُصُولُ تِلْكَ الْحَالَةِ الشَّرِيفَةِ فِي رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ الْمَسْئُولَةُ، وَالثَّانِيَةُ: قَتْلُ الْكَافِرِ وَهِيَ كَذَلِكَ.
الرَّابِعُ: تَمَنِّي لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَقَالَ ﷺ «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ» ، وَهَذَا النَّهْيُ مَحْمُولٌ عَلَى تَمَنِّي لِقَائِهِ إدْلَالًا
стр. 342
بِالْقُوَّةِ، وَاعْتِمَادًا عَلَيْهَا.
فَأَمَّا تَمَنِّي ذَلِكَ، لِإِقَامَةِ الْجِهَادِ اعْتِمَادًا عَلَى اللَّهِ (تَعَالَى) دُونَ الْقُوَى وَالْأَسْبَابِ مِنْ الْإِنْسَانِ فَحَسَنٌ، لِأَنَّ تَمَنِّي الْفَضَائِلِ وَسِيلَةٌ إلَيْهَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي كِتَابِ الشَّجَرَةِ وَقَالَ صَاحِبُهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، لَمَّا كَانَ لِقَاءُ الْمَوْتِ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ وَأَصْعَبِهَا عَلَى النُّفُوسِ وَكَانَتْ الْأُمُورُ الْمُقَدَّرَةُ عِنْدَ النَّفْسِ لَيْسَتْ كَالْأُمُورِ الْمُحَقَّقَةِ لَهَا خَشِيَ أَلَّا يَكُونَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، كَمَا يَنْبَغِي، فَكُرِهَ تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ لِذَلِكَ.
الْخَامِسُ: فِي تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِضَرَرٍ نَزَلَ بِهِ، فَإِنَّ طُولَ الْعُمْرِ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ قِصَرِهِ لِيَسْتَعْتِبَ مِنْ إسَاءَتِهِ وَيَسْتَكْثِرَ مِنْ طَاعَاتِهِ، فَإِذَا تَمَنَّى الْمَوْتَ كَانَ تَمَنِّيًا لِفَوَاتِ الطَّاعَاتِ، أَمَّا إذَا كَانَ يَخَافُ عَلَى دِينِهِ لِفَسَادِ الزَّمَانِ، فَلَا يُكْرَهُ، بَلْ قَدْ يُسْتَحَبُّ وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ (أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ) (وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ)
стр. 343
السَّادِسُ: فِي تَمَنِّي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ مَعَ إهْمَالِ الطَّاعَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ [النجم: ٢٤] وَفِي الْحَدِيثِ «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» .
السَّابِعُ: تَمَنِّي خِلَافِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَهُوَ مَذْمُومٌ وَلِلشَّافِعِيِّ (﵁) فِيهِ نَصَّانِ: أَحَدُهُمَا: قَالَ فِي الْأُمِّ فِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ، وَقَدْ رَوَى عَنْ عُمَرَ لَا يَسْتَرِقُّ عَرَبِيٌّ قَالَ (الْإِمَامُ) (الشَّافِعِيُّ) (﵀) ، لَوْلَا أَنَّا نَأْثَمُ بِالتَّمَنِّي لَتَمَنَّيْنَا أَنْ يَكُونَ هَذَا هَكَذَا وَكَأَنَّهُ أَرَادَ تَغَيُّرَ الْأَحْكَامِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنَّ التَّمَنِّيَ كُلَّهُ حَرَامٌ.
стр. 344
وَالثَّانِي: فِي طَبَقَاتِ الْعَبَّادِيِّ عَنْ (ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ) ، سُئِلَ الشَّافِعِيُّ (﵀) عَنْ نِكَاحِ الْعَامَّةِ الْهَاشِمِيَّاتِ، فَقَالَ إنَّهُ جَائِزٌ وَوَدِدْت، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنِّي لَا أَرَى فَسْخَهُ وَالْمَنْعَ مِنْهُ، لِأَنِّي سَمِعْت اللَّهَ (تَعَالَى) يَقُولُ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] انْتَهَى.
وَهَذَا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْأَحْكَامِ، أَمَّا فِي وَقْتِ النَّسْخِ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ ﷺ ، لَمَّا أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يَتَمَنَّى التَّوَجُّهَ لِلْكَعْبَةِ فَنَوَّلَهُ اللَّهُ (تَعَالَى) مُرَادَهُ.
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ، أَنَّ مَنْ يَتَمَنَّى تَحْلِيلَ مَا كَانَ حَرَامًا، إنْ كَانَ مُبَاحًا، ثُمَّ حَرُمَ لَمْ يَكْفُرْ بِخِلَافِ مَا لَمْ يَحِلَّ فَقَطْ وَفِيهِ نَظَرٌ.
стр. 345
الثَّامِنُ: أَنْ يَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ (تَعَالَى) مِنْ غَيْرِ أَنْ (تَقْتَرِنَ) أُمْنِيَّتُهُ بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ فَهُوَ جَائِزٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] .
(قَالَ) بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلَى، لِمَنْ سَأَلَ اللَّهَ (سُبْحَانَهُ) (وَتَعَالَى) مِنْ الْمَتَاعِ (الْفَانِي) أَنْ يَقْرِنَ (بِرَغْبَتِهِ) سُؤَالَهُ التَّوْفِيقَ لِلْعَمَلِ لِلَّهِ (تَعَالَى) بِالطَّاعَةِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ التَّعَرُّضِ بِهِ لِسُوءِ الْخَاتِمَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] وَهَذَا تَفْسِيرُ حَدِيثِ (ابْنِ مَسْعُودٍ) عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ» ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ
стр. 346
الْفَرَجِ بِفَضْلِ اللَّهِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَهُ. هُوَ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُفْرَحَ بِهِ.
وَأَمَّا الْإِقْتَارُ وَضَرَرُ الْأَبْدَانِ، فَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ فِيهَا انْتِظَارُ الْفَرَجِ.
فُرُوعٌ: قَالَ الْحَلِيمِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: مَنْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا إنْ تَمَنَّى فِي زَمَنِ نَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّبِيُّ دُونَ الَّذِي نُبِّئَ بِالْحَقِيقَةِ، فَقَدْ كَفَرَ، وَكَذَا لَوْ تَمَنَّى بَعْدَ نَبِيِّنَا ﷺ ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ نَبِيًّا، لِأَنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ لَا يَكُونَ ﵊ شُرِّفَ بِخَتْمِ النُّبُوَّةِ وَأَمَّا مَنْ تَمَنَّى النُّبُوَّةَ فِي زَمَنِ جَوَازِهَا، فَلَا يَكْفُرُ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ فِي قَلْبِ مُسْلِمٍ غِلٌّ عَلَى كَافِرٍ، فَأَسْلَمَ، فَحَزِنَ الْمُسْلِمُ لِذَلِكَ وَتَمَنَّى لَوْ عَادَ إلَى الْكُفْرِ، لَا يَكْفُرُ، لِأَنَّ اسْتِقْبَاحَهُ الْكُفْرَ، هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى تَمَنِّيهِ لَهُ وَاسْتِحْسَانَهُ الْإِسْلَامَ، هُوَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى كَرَاهَتِهِ لَهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا يَكُونُ تَمَنِّي الْكُفْرِ كُفْرًا، إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ لَهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِدُعَاءِ مُوسَى ﵇ عَلَى فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا﴾ [يونس: ٨٨] .
قَالَ: تَمَنَّى أَنْ لَا يُؤْمِنُوا، وَزَادَ عَلَى التَّمَنِّي بِأَنْ دَعَا اللَّهَ بِذَلِكَ، لَمَّا
стр. 347
عَاتَبَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ، لَوْ قُتِلَ عَدُوٌّ لِلْإِنْسَانِ ظُلْمًا، فَفَرِحَ بِمَوْتِهِ، هَلْ يَأْثَمُ؟ قَالَ، إنْ فَرِحَ بِكَوْنِهِ عَصَى اللَّهَ فِيهِ: فَنَعَمْ، وَإِنْ فَرِحَ بِكَوْنِهِ خَلَصَ مِنْ شَرِّهِ، فَلَا بَأْسَ لِاخْتِلَافِ سَبَبِ الْفَرَحِ، فَإِنْ قَالَ: لَا أَدْرِي بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَرَحِي، قُلْنَا لَا إثْمَ عَلَيْك، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الْإِنْسَانِ أَنْ يَفْرَحَ بِمَصَائِبِ عَدُوِّهِ، لِأَجْلِ الِاسْتِرَاحَةِ.
[التَّنْكِيرُ يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ]
َ وَهُوَ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُطْلَقَ وَالنَّكِرَةَ سَوَاءٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ وَبَيَانُهُ أَنَّ التَّنْوِينَ يَدُلُّ عَلَى الْمِقْدَارِ بِدَلِيلِ وُقُوعِهِ جَوَابًا عَنْهُ، إذَا قِيلَ كَمْ رَأَيْت مِنْ الرِّجَالِ، فَيَقُولُ رَأَيْت رَجُلًا.
وَالسُّؤَالُ عَنْ الْمِقْدَارِ، إنَّمَا يَصِحُّ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِالْمِقْدَارِ، فَعَلِمَ أَنَّ لِلتَّنْوِينِ دَلَالَةً عَلَى الْمِقْدَارِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ، فَحِينَئِذٍ، فَقَوْلُهُ أَعْتِقْ رَقَبَةً بِمَثَابَةِ أَعْتِقْ رَقَبَةً وَاحِدَةً لَا سِيَّمَا عَلَى قَاعِدَةِ
стр. 348
الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّ عِنْدَهُمْ انْضِمَامَ مَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ الْأَعْدَادِ إلَى الْوَاحِدِ يُبْطِلُ وَحْدَةَ الْوَاحِدِ.
[التَّوَاطُؤُ قَبْلَ الْعَقْدِ]
ِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ (الْمَشْرُوطِ) فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
كَمَا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى مَهْرٍ سِرًّا، وَأَعْلَنُوا زِيَادَةً، وَكَمَا لَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا: هَذَا الثَّوْبُ هَرَوِيٌّ، فَقَالَ لَهَا: إنْ أَعْطَيْتنِي هَذَا الثَّوْبَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَعْطَتْهُ، فَبَانَ مَرْوِيًّا.
وَلَوْ تَوَاطَأَ عَلَى الْبَيْعِ بِشَرْطِ أَنْ يُقْرِضَهُ شَيْئًا، ثُمَّ عَقَدَاهُ، فَهَلْ يَبْطُلُ، وَجْهَانِ: مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ التَّوَاطُؤَ، هَلْ يُلْحَقُ بِالْمَشْرُوطِ فِي الْعَقْدِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا لَا: فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْقَرْضُ.
قَالَ فِي الْكَافِي، وَهَلْ يَحِلُّ بَاطِنًا يَحْتَمِلُ (وَجْهَانِ) : أَصَحُّهُمَا عِنْدِي يَحِلُّ لِحَدِيثِ عَامِلِ أَهْلِ (خَيْبَرَ) .
وَيُسْتَثْنَى مَا إذَا دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا وَقَالَ إنْ كَانَ يَكْفِينِي هَذَا قَبَاءً فَاقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ (فَإِنَّهُ يَجِبُ الْأَرْشُ وَلَوْ قَالَ أَيَكْفِينِي هَذَا قَبَاءً فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَ اقْطَعْهُ فَقَطَعَهُ فَلَمْ يَكْفِهِ) فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَطْعًا.
стр. 349
[التَّوْبَةُ]
ُ يَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ التَّوْبَةُ لُغَةً: الرُّجُوعُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ عَنْ ذَنْبٍ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﷺ «إنِّي لَأَتُوبُ إلَى اللَّهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» فَإِنَّهُ رَجَعَ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِمَصَالِحِ الْخَلْقِ (إلَى الْحَقِّ) ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] ثُمَّ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَشْرِيعًا وَلِيَفْتَحَ بَابَ التَّوْبَةِ لِلنَّاسِ كَمَا أَنَّهُ ﷺ إنَّمَا صَلَّى وَصَامَ وَنَكَحَ لَنَا (أَيْ) لِيُعَلِّمَنَا كَيْفَ الطَّرِيقُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ (سُئِلَ) بَعْضُ أَكَابِرِ الْقَوْمِ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] مِنْ أَيْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ عَرَّضَ بِتَوْبَةِ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ سَتْرًا لِمَنْ أَذْنَبَ يُشِيرُ الشَّيْخُ إلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَقَامًا مِنْ الْمَقَامَاتِ الصَّالِحَةِ إلَّا تَابِعًا لَهُ ﷺ فَلَوْلَا ذِكْرُ تَوْبَتِهِ عَلَيْهِ مَا حَصَلَ لِأَحَدٍ تَوْبَةٌ وَأَصْلُ هَذِهِ التَّوْبَةِ أَخْذُ الْعَلَقَةِ مِنْ صَدْرِهِ الْكَرِيمِ ﷺ -
стр. 350
وَقِيلَ (هَذِهِ حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْك) وَهَذَا أَوْلَى مَا يُقَالُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَيُعْتَمَدُ. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَالرُّجُوعُ عَنْ (التَّعْوِيجِ) إلَى سُنَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
وَالتَّوْبَةُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ، لَا يَتَصَوَّرُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا أَحَدٌ مِنْ الْبَشَرِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ مَعْصِيَةِ الْجَوَارِحِ وَإِنْ تَصَوَّرَ خُلُوَّهُ عَنْهَا لَمْ يَخْلُ عَنْ الْهَمِّ بِالذُّنُوبِ وَلِأَنَّ تَصَوُّرَ خُلُوِّهِ عَنْهُ لَمْ يَخْلُ عَنْ وَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ بِإِيرَادِ الْخَوَاطِرِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُذْهِلَةِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (تَعَالَى) وَإِنْ خَلَا عَنْهَا فَلَا يَخْلُو مِنْ غَفْلَةٍ وَقُصُورٍ فِي الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى كُلُّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَحْوَالِهِمْ وَمَقَامَاتِهِمْ وَالْكُلُّ يَفْتَقِرُ إلَى التَّوْبَةِ وَإِنَّمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي الْمَقَادِيرِ: فَتَوْبَةُ الْعَوَامّ مِنْ الذَّنْبِ وَالْخَوَاصِّ مِنْ الْغَفْلَةِ وَمَنْ فَوْقَهُمْ مِنْ رُكُونِ الْقَلْبِ إلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
(الثَّانِي) : فِي حُكْمِهَا وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ فَمَنْ أَخَّرَهَا زَمَنًا يَتَّسِعُ لَهَا
стр. 351
صَارَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهَا قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَكَذَلِكَ يَتَكَرَّرُ عِصْيَانُهُ بِتَكَرُّرِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَّسِعَةِ لَهَا فَيَحْتَاجُ إلَى تَوْبَةٍ مِنْ تَأْخِيرِهَا قَالَ: وَهَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْ الطَّاعَاتِ (انْتَهَى) .
وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَهُوَ جَارٍ عَلَى قَاعِدَتِنَا فِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْغَاصِبَ إذَا هَلَكَ الْمَغْصُوبُ أَعْلَى الْقِيَمِ لِأَنَّهُ عَاصٍ فِي كُلِّ زَمَنٍ إلَى آخِرِهِ.
الثَّالِثُ: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ. أَمَّا الْكَبَائِرُ فَبِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ إطْلَاقِ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ جَمِيعِهَا عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الطَّاعَاتِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ لِحَدِيثِ «الْوُضُوءُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ» . وَحَدِيثِ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
стр. 352
ذَنْبِهِ» «وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» «وَمَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَنَحْوُهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى الصَّغَائِرِ فَإِنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا غَيْرُ التَّوْبَةِ وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ وَقَالَ فَضْلُ اللَّهِ أَوْسَعُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ كِتَابُ الِاعْتِكَافِ. فِي قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» قَالَ يُغْفَرُ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا وَحَكَاهُ (ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ)
стр. 353
فِي التَّمْهِيدِ عَنْ بَعْضِ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ (قِيلَ: يُرِيدُ بِهِ أَبَا مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيَّ الْمُحَدِّثَ) أَنَّ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ يُكَفِّرُهَا الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ قَالَ وَهُوَ جَهْلٌ بَيِّنٌ وَمُوَافَقَةٌ لِلْمُرْجِئَةِ فِي قَوْلِهِمْ وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا لَمْ يَكُنْ لِلْأَمْرِ بِالتَّوْبَةِ مَعْنًى، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهَا فَرْضٌ وَالْفُرُوضُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بِقَصْدٍ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ» .
(وَأَمَّا) التَّوْبَةُ مِنْ الصَّغَائِرِ فَوَاجِبَةٌ عِنْدَ (الْأَشْعَرِيِّ) ، وَخَالَفَ فِيهِ (أَبُو هَاشِمٍ بْنُ الْجُبَّائِيِّ) وَادَّعَى بَعْضُ أَئِمَّتِنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَنَسَبَ أَبَا هَاشِمٍ
стр. 354
إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا تَابَ مِنْ الْكَبَائِرِ انْدَرَجَتْ الصَّغَائِرُ فِي ضِمْنِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْمَعَ فِي ذَلِكَ، وَيُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي التَّوْبَةِ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الصَّغَائِرِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، أَمَّا التَّوْبَةُ عَنْهَا عَيْنًا أَوْ فِعْلَ مَا يُكَفِّرُهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ.
(وَقَالَ) الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي أَحْكَامِهِ، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ تَكْفِيرَ
стр. 355
الصَّغَائِرِ بِالْعِبَادَاتِ، هَلْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا: (نَعَمْ) وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ «مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ» وَظَاهِرُهُ الشَّرْطِيَّةُ، فَإِذَا اُجْتُنِبَتْ، كَانَتْ مُكَفِّرَاتٍ لَهَا، وَإِلَّا فَلَا.
وَذَكَرَ (ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ) ، أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُشْتَرَطُ وَالشَّرْطُ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّقْدِيرُ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ، إلَّا الْكَبَائِرَ قَالَ وَهَذَا أَظْهَرُ لِمُطْلَقِ (حَدِيثِ خُرُوجِ الْخَطَايَا مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مَعَ قَطْرِ الْمَاءِ) وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ التَّكْفِيرَ، هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّوْبَةُ، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ فَمَنْ جَعَلَ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ شَرْطًا فِي تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ، لَمْ يَشْتَرِطْ التَّوْبَةَ، وَجَعَلَ هَذِهِ خُصُوصِيَّةً لِمُجْتَنِبِ الْكَبَائِرِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ اشْتَرَطَ التَّوْبَةَ وَعَدَمَ الْإِصْرَارِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ (حَدِيثُ الَّذِي قَبَّلَ الْمَرْأَةَ ثُمَّ نَدِمَ فَأَخْبَرَهُ ﷺ أَنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ كَفَّرَتْ عَنْهُ) ، وَكَانَ النَّدَمُ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ. وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ، لَكِنَّ ظَاهِرَ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّكْفِيرَ، كَانَ بِنَفْسِ
следующие страницы →