← Каваид фикха

Каваид фикха · id 21592

المنثور في القواعد الفقهية

بدر الدين الزركشي

Полный текст (1 194 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الْخِلَافَ بِمَا لَا (يَنْتَقِضُ) حُكْمُ (الْآمِرِ) بِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَضُ (حُكْمُهُ) بِهِ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ لَا طَاعَةَ لِجَهَلَةِ الْمُلُوكِ (وَالْأُمَرَاءِ) إلَّا فِيمَا يَعْلَمُ الْمَأْمُورُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي الشَّرْعِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ صُوَرٌ: مِنْهَا: مَا لَوْ كَانَ الْحَنَفِيُّ وَالشَّافِعِيُّ مُسَافِرَيْنِ، وَنَوَى الْحَنَفِيُّ إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَنَفِيِّ الْقَاصِرِ مَعَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُقِيمَ إذَا نَوَى الْقَصْرَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَهُوَ مُقِيمٌ. وَمِنْهَا: لَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُكَبِّرُ (لِلْعِيدِ) ثَلَاثًا أَوْ سِتًّا فَإِنَّهُ يُتَابِعُهُ، وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ عَقِبَ الصَّلَاةِ، إذَا كَبَّرَ الْإِمَامُ (فِي) يَوْمِ عَرَفَةَ، وَالْمَأْمُومُ لَا يَرَى التَّكْبِيرَ فِيهَا، وَعَكْسُهُ فَهَلْ يُوَافِقُهُ فِي التَّكْبِيرِ (وَتَرْكِهِ) (أَمْ) يَتْبَعُ اعْتِقَادَ نَفْسِهِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: (يَتْبَعُ) اعْتِقَادَ نَفْسِهِ. [الْعِبْرَةُ بِصِيَغِ الْعُقُودِ أَوْ بِمَعَانِيهَا] أَيْ: هَلْ النَّظَرُ إلَى مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَوْ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ (بِطَرِيقِ) التَّضَمُّنِ؟

стр. 737

هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَرْجِعُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ قَطْعًا. كَالنِّكَاحِ فَإِنَّهُ (بُنِيَ) عَلَى التَّعَبُّدِ (بِصِيغَتَيْ) الْإِنْكَاحِ (وَالتَّزْوِيجِ) دُونَ مَا يُؤَدِّي (لِمَعْنَاهُمَا) . وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا الْعَبْدَ فَقَالَ: قَبِلْت وَلَمْ يَذْكُرَا ثَمَنًا فَهُوَ بَيْعٌ فَاسِدٌ قَطْعًا، وَلَمْ يَنْظُرُوا لِلْمَعْنَى حَتَّى يَصِحَّ هِبَةً عَلَى وَجْهٍ. (الثَّانِي) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ اللَّفْظُ فِي الْأَصَحِّ. فَمِنْهَا: لَوْ قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ فِي (هَذَا) الْعَبْدِ فَلَيْسَ بِسَلَمٍ قَطْعًا؛ لِانْتِفَاءِ الدَّيْنِيَّةِ، وَلَا بَيْعًا فِي الْأَظْهَرِ؛ (لِإِخْلَالِ) اللَّفْظِ، فَإِنَّ السَّلَمَ يَقْتَضِي الدَّيْنِيَّةِ، وَالدَّيْنِيَّةُ مَعَ التَّعْيِينِ يَتَنَاقَضَانِ، وَقِيلَ: بَيْعٌ (لِلْمَعْنَى) . وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: بِعْتُك

стр. 738

فَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ بَيْعٌ؛ نَظَرًا (لِلَّفْظِ) ، وَقِيلَ: سَلَمٌ نَظَرًا (لِلْمَعْنَى) وَهُوَ الْمَنْصُوصُ لِلشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَمِنْهَا قَالَ: بِعْتُك بِلَا ثَمَنٍ فَلَيْسَ بَيْعًا، وَفِي انْعِقَادِهِ هِبَةً قَوْلَا تَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَمِنْهَا تَعَاقَدَا فِي الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ فَقَالَ: سَاقَيْتُك عَلَى هَذِهِ النَّخِيلِ (مُدَّةَ) كَذَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ، فَقِيلَ: تَصِحُّ إجَارَةً؛ نَظَرًا لِلْمَعْنَى، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا (فَاسِدَةٌ) ؛ نَظَرًا لِلَّفْظِ (وَعَدَمِ وُجُودِ) شَرْطِ الْمُسَاقَاةِ؛ إذْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ لَا تَكُونَ بِدَرَاهِمَ. (الثَّالِثُ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى (قَطْعًا) . (الرَّابِعُ) : مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى فِي الْأَصَحِّ. فَمِنْهَا إذَا (وَهَبَ) بِشَرْطِ الثَّوَابِ فَهَلْ تَبْطُلُ لِمُنَاقَضَتِهِ أَوْ يَصِحُّ وَيَكُونُ هِبَةً اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ أَوْ بَيْعًا بِالثَّمَنِ؟ (الْأَصَحُّ) الثَّالِثُ. وَمِنْهَا يُشْتَرَطُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ إنْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ فِي الْأَصَحِّ؛ (نَظَرًا لِلْمَعْنَى) .

стр. 739

وَالضَّابِطُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ إنْ تَهَافَتَ اللَّفْظُ حُكِمَ (بِالْفَسَادِ) عَلَى الْمَشْهُورِ كَبِعْتُكَ بِلَا ثَمَنٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَهَافَتْ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ فِي مَدْلُولِهَا أَوْ الْمَعْنَى، فَإِنْ كَانَتْ الصِّيغَةُ أَشْهَرَ كَأَسْلَمْت إلَيْك هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ، فَالْأَرْجَحُ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ؛ لِاشْتِهَارِ السَّلَمِ فِي بُيُوعِ الذِّمَمِ، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ، بَلْ كَانَ الْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودَ كَوَهَبْتُكَ بِكَذَا فَالْأَصَحُّ انْعِقَادُهُ بَيْعًا، وَإِنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَوَجْهَانِ، وَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْمَعْنَى تَابِعٌ لَهَا فَإِذَا (أَوْقَعَ) فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ لَفْظَ السَّلَمِ اُعْتُبِرَ قَبْضُ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ قَطْعًا، وَإِنْ (أَوْقَعَ) لَفْظَ الْإِجَارَةِ فَوَجْهَانِ:، وَالْأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْمَعْنَى (كَمَا فِي) الْهِبَةِ، وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ انْعَقَدَ (بَيْعًا فِي الْأَصَحِّ) ؛ لِتَعَادُلِ الْمَعْنَى وَالصِّيغَةِ، وَالْأَصَحُّ اعْتِبَارُ الصِّيغَةِ فَيَنْعَقِدُ بَيْعًا. [الْعَدَالَةُ هَلْ تُتَحَرَّى] ) فِيهِ خِلَافُ فَائِدَتِهِ إذَا زُكِّيَ، وَقَدْ شَهِدَ بِقَلِيلٍ ثُمَّ شَهِدَ بِكَثِيرٍ هَلْ تَكْفِي التَّزْكِيَةُ فِي الْقَلِيلِ؟ وَجْهَانِ، وَنَظِيرُهُ الْخِلَافُ الْأُصُولِيُّ فِي تَحَرِّي الِاجْتِهَادِ. الْعَدَالَةُ: شَرْطٌ فِي نَظَرِ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِهِ؛ لِيَدْفَعَ عَنْ الْوُقُوعِ فِي غَيْرِ الصِّحَّةِ وَلَيْسَتْ (بِشَرْطٍ) فِي (نَظَرِهِ) لِمَصَالِحِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ طَبْعَهُ يَحُثُّهُ عَلَى (جَلْبِهِ) مَصَالِحَ

стр. 740

نَفْسِهِ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ (وَازِعًا) . نَعَمْ يُشْتَرَطُ فِي حَقِّهِ الرُّشْدُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الْوِلَايَةُ الْعَامَّةُ فِي دَوَامِهَا فَلَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ فِي الْأَصَحِّ، وَيَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ مَا يَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ، (وَيُرَدُّ) مِنْ تَصَرُّفِهِمْ مَا يُرَدُّ (مِنْهُ) ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ؛ (دَفْعًا لِلْمَفَاسِدِ) عَنْ الرَّعَايَا؛ وَجَلْبًا لِمَصَالِحِهِمْ. الثَّانِيَةُ: مَا يَكُونُ الطَّبْعُ قَائِمًا مَقَامَ الْعَدَالَةِ فِي جَلْبِ الْمَصَالِحِ كَعَدَالَةِ الْوَلِيِّ فِي النِّكَاحِ وَالْحَضَانَةِ، إذَا قُلْنَا: الْفَاسِقُ يَلِي؛ لِأَنَّ طَبْعَ الْوَلِيِّ (وَالْحَاضِنِ) يَحُثَّانِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ. [الْعُذْرُ الْعَامُّ] ُّ كَفَقْدِ الْمَاءِ لِلْمُسَافِرِ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ، وَكَذَا النَّادِرُ الدَّائِمُ غَالِبًا، كَالْحَدَثِ الدَّائِمِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالسَّلَسِ وَنَحْوِهِ. وَالنَّادِرُ الَّذِي لَا يَدُومُ، وَلَا بَدَلَ مَعَهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَنَحْوِهِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ الْأَوَّلِ الْمَجْرُوحُ إذَا وَضَعَ اللُّصُوقَ عَلَى جُرْحِهِ عَلَى الْحَدَثِ، وَتَعَذَّرَ

стр. 741

نَزْعُهُ، وَصَلَّى فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الْأَظْهَرِ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْوَضْعِ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَلَا بَدَلَ لَهُ مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ (مِمَّا) يَدُومُ. وَمِنْ الثَّانِي: الصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَكَذَا لَوْ تَنَجَّسَ السِّلَاحُ وَعَجَزَ عَنْ إلْقَائِهِ فَصَلَّى، وَهُوَ حَامِلُهُ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي فِي الْأَظْهَرِ. وَمِنْهُ: الْخَائِفُ مِنْ (سَبُعٍ) إذَا صَلَّى مُومِئًا لَا يَقْضِ مَعَ أَنَّ الْعُذْرَ نَادِرٌ لَا يَدُومُ، لَكِنْ قَالَ (الشَّافِعِيُّ) : إنَّهُ خَائِفٌ، وَجِنْسُ الْخَوْفِ عَامٌّ. وَمِنْهُ: لَوْ مُنِعَ الْوُضُوءَ إلَّا مُنَكَّسًا فَهَلْ يَعْدِلُ إلَى التَّيَمُّمِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْوَجْهِ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ قَالَ الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ: وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ إذَا امْتَثَلَ الْمَأْمُورُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَلَوْ تَنَاثَرَ الْوَرَقُ بِرِيَاحِ الرَّبِيعِ عَلَى الْمَاءِ فَغَيَّرَهُ فَلَيْسَ بِطَهُورٍ عِنْدَ مَنْ اعْتَبَرَ الْمُجَاوَرَةَ وَالْمُخَالَطَةَ، وَمَنْ اعْتَبَرَ الصَّوْنَ، وَتَيَسُّرَهُ اخْتَلَفُوا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا عَمَّ وُقُوعُهُ مِنْ الْأَعْذَارِ مُؤَثِّرٌ (وَمَا) يَنْدُرُ وُقُوعُهُ إذَا وَقَعَ فَفِي إلْحَاقِهِ بِالْعُذْرِ الْعَامِّ وَجْهَانِ قَالَهُ الْإِمَامُ. فَائِدَتَانِ الْأُولَى: أَنَّ الْعُذْرَ الْعَامَّ أَدْخَلُ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ مِنْ الْخَاصِّ لِمَا يَلْحَقُ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْكَافَّةِ. وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَخْطَأَ الْحَجِيجُ فَوَقَفُوا الْعَاشِرَ أَجْزَأَهُمْ، وَلَا قَضَاءَ، وَلَوْ أَخْطَأَ وَاحِدٌ وَجَبَ، وَالْإِحْصَارُ الْعَامُّ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ وَالْإِحْصَارُ الْخَاصُّ يُوجِبُهُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ.

стр. 742

الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْعُذْرَ كَمَا يُسْقِطُ الْإِثْمَ يَحْصُلُ الثَّوَابُ إذَا كَانَتْ النِّيَّةُ الْفِعْلَ عَلَى الدَّوَامِ. وَلِهَذَا الْمَعْذُورُ بِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ ، «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ [اللَّهُ] لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» . نَعَمْ الْحَائِضُ لَا يُكْتَبُ لَهَا (ثَوَابُ الصَّلَاةِ) زَمَنَ الْحَيْضِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أَنَّ نِيَّتَهُمَا الْفِعْلُ عَلَى الدَّوَامِ مَعَ أَهْلِيَّتِهِمَا لَهُ، وَالْحَائِضُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّ نِيَّتَهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ زَمَنَ الْحَيْضِ، بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا (فَنَظِيرُهَا) مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيضٌ كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ فِي وَقْتٍ، وَيَتْرُكُهَا فِي آخَرَ غَيْرُ نَاوٍ لِلدَّوَامِ عَلَيْهَا فَهَذَا لَا يُكْتَبُ لَهُ فِي مَرَضِهِ وَسَفَرِهِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَنْتَفِلُ فِيهِ. [الْعُرْفُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ] ُ الْأَوَّلُ: الْحَقَائِقُ ثَلَاثَةٌ: لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ وَعُرْفِيٌّ وَاللَّا عُرْفِيُّ تَارَةً يَكُونُ عَامًا وَتَارَةً يَكُونُ خَاصًّا، ثُمَّ تَارَةً تَتَّفِقُ هَذِهِ الْحَقَائِقُ، وَتَارَةً تَخْتَلِفُ فَإِنْ اتَّفَقَتْ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ الْبَحْرِ أَوْ النَّهْرِ (فَإِنَّ) اسْمَهُ

стр. 743

بِذَلِكَ (مِمَّا) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحَقَائِقُ الثَّلَاثُ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ، وَتَعَارَضَتْ فَلَهَا أَحْوَالٌ الْأُولَى: (أَنْ) يَتَعَارَضَ الْعُرْفُ مَعَ الشَّرْعِ وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ حُكْمٌ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا قَرَّرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَلَا يَحْنَثُ (بِأَكْلِ لَحْمِ السَّمَكِ) ، وَإِنْ (سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى) لَحْمًا، أَوْ حَلَفَ لَا يَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ لَمْ يَحْنَثْ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْأَرْضِ، وَإِنْ (سَمَّاهَا) اللَّهُ (تَعَالَى) بِسَاطًا. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ فِي سِرَاجٍ لَمْ يَحْنَثْ بِالْقُعُودِ فِي الشَّمْسِ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ سِرَاجًا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ تَحْتَ سَقْفٍ فَقَعَدَ تَحْتَ السَّمَاءِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ (تَعَالَى) سَقْفًا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى وَتَدٍ فَوَضَعَهَا عَلَى (جَبَلٍ) (لَمْ يَحْنَثْ) ، وَإِنْ سَمَّى اللَّهُ الْجِبَالَ أَوْتَادًا.

стр. 744

وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَيْتَةً فَأَكَلَ سَمَكًا أَوْ جَرَادًا مَيْتًا لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ (سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ مَيْتَةً) أَوْ لَا يَأْكُلُ دَمًا فَأَكَلَ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لَمْ يَحْنَثْ قَطْعًا. وَوَجْهُهُ فِي الْكُلِّ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُسَمُّونَهَا (بِذَلِكَ) فَقُدِّمَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى عُرْفِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهَا فِيهِ تَسْمِيَةٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا تَكْلِيفٌ. الثَّانِي: أَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِمَا نَوَاهُ وَفَعَلَهُ قَالَ (اللَّهُ) تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] أَيْ: قَصَدْتُمْ، وَعَقْدُ الْقَلْبِ: قَصْدُهُ وَتَصْمِيمُهُ. نَعَمْ لَوْ تَقَاطَرَ مِنْ الْكَبِدِ (أَوْ الطِّحَالِ) دَمٌ فَأَكَلَهُ حَنِثَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ دَمًا. وَلَيْسَ لَنَا عَيْنٌ تُؤْكَلُ مُتَّصِلَةً، وَلَا تُؤْكَلُ مُنْفَصِلَةً إلَّا هَذِهِ وَدُودُ الْفَاكِهَةِ وَالرَّوْثُ فِي جَوْفِ السَّمَكِ الصِّغَارِ، وَفِي (الْجَرَادِ) ، وَقِشْرُ الْبَيْضِ فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ مُنْفَصِلًا، وَيَحِلُّ ابْتِلَاعُ الْبَيْضَةِ بِقِشْرِهَا. وَلَيْسَ لَنَا عَيْنٌ طَاهِرَةٌ مِنْ الْجَمَادِ إذَا انْفَصَلَ مِنْهَا جُزْءٌ يَصِيرُ نَجَسًا إلَّا دَمَ الْكَبِدِ

стр. 745

وَالطِّحَالِ، فَإِذَا انْفَصَلَ صَارَ نَجِسًا فِي الْأَصَحِّ؛ لِكَوْنِهِ صَارَ دَمًا. النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَتَعَلَّقَ بِعُرْفِ الشَّرْعِ حُكْمٌ فَيُقَدَّمُ عَلَى عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ التَّسْبِيحِ. وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا (بِالْإِمْسَاكِ) بِالنِّيَّةِ فِي زَمَنٍ قَابِلٍ لِلصَّوْمِ وَلَا يَحْنَثُ بِمُطْلَقِ الْإِمْسَاكِ، وَإِنْ كَانَ صَوْمًا لُغَةً، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ فَالنِّكَاحُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ فِي الْأَصَحِّ وَفِي الْعُرْفِ لَا يَعْنِي بِهِ غَيْرَ الْوَطْءِ. وَلَوْ قَالَ: (إنْ) رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَآهُ غَيْرُهَا وَعَلِمَتْ بِهِ طَلُقَتْ حَمْلًا (لَهُ) عَلَى الشَّرْعِ، فَإِنَّهَا فِيهِ بِمَعْنَى الْعِلْمِ. وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ نَكَحَ أَوْ رَاجَعَ أَوْ طَلَّقَ هَازِلًا نَفَذَتْ وَصَحَّتْ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا يَعُدُّونَهَا بَيْعًا وَشِرَاءً وَنِكَاحًا وَطَلَاقًا، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ عَلَيْهَا بِالصِّحَّةِ فَفِي الْحَدِيثِ «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» ، وَنَبَّهَ النَّبِيُّ ﷺ بِالثَّلَاثِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا، وَأَوْلَى مِنْهَا (كَمَا) قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] فَمَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ هَازِلًا، وَلَمْ يَقْصِدْ الْكُفْرَ كَفَرَ، وَكَذَا إذَا أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ (مَازِحًا) وَلَمْ يَقْصِدْ السَّرِقَةَ حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَحِلُّ

стр. 746

لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ جَادًّا وَلَا هَازِلًا» . وَهُنَا تَنْبِيهٌ: وَهُوَ أَنَّهُ حَيْثُ قُدِّمَ الشَّرْعِيُّ عَلَى الْعُرْفِيِّ أَوْ اللُّغَوِيِّ فَإِنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى أَدْنَى الْمَرَاتِبِ (تَقْلِيلًا لِلنَّسْخِ) وَعَدَمِ (النَّقْلِ) ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ سِرًّا فَنِكَاحُ السِّرُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الْوَطْءُ سِرًّا دُونَ الْعَقْدِ، وَفِي الشَّرْعِ أَدْنَى مَرَاتِبِ (نِكَاحِ) السِّرِّ أَنْ يَكُونَ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ، فَإِنْ عَقَدَ بِوَلِيٍّ وَثَلَاثَةِ شُهُودٍ خَرَجَ عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ، وَلَمْ يَحْنَثْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَهُوَ حَسَنٌ (مُخَالِفٌ لِلسِّرِّ) فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ السِّرَّ لُغَةً مَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ شَخْصًا وَاحِدًا. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ قَاعِدَةٌ أُخْرَى: وَهِيَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَالشَّرْعُ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهَا أَمْ يَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ الشَّرْعِ؟ يُخَرَّجُ مِنْ كَلَامِهِمْ (فِيهَا وَجْهَانِ) ، وَالْأَصَحُّ: اعْتِبَارُ خُصُوصِ الشَّرْعِ. وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَطَأُ لَمْ يَحْنَثْ بِالْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَمَا وَقَعَ فِي (زَوَائِدِ) الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ مِنْ دَعْوَى الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحِنْثِ مَمْنُوعٌ، بَلْ الرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ عَلَى مُقْتَضَى مَا رَجَّحَهُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ.

стр. 747

وَمِنْهَا: لَوْ أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ، فَهَذَا عَامٌّ وَلَكِنْ فِي الشَّرْعِ «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» . وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوَرَثَةَ لَا يَدْخُلُونَ عَمَلًا بِتَخْصِيصِ الشَّرْعِ وَلِلرَّافِعِيِّ بَحْثٌ فِيهِ. وَمِنْهَا: (لَوْ) حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ الْمُتَغَيِّرَ بِمَا يُخَالِطُ الْمَاءَ مِمَّا يُسْتَغْنَى عَنْهُ كَزَعْفَرَانٍ لَا يَحْنَثُ. وَلَوْ وَكَّلَ مَنْ يَشْتَرِي الْمَاءَ، فَاشْتَرَى لَهُ الْوَكِيلُ هَذَا لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ فِي حَقِّ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ، حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَقَضِيَّةُ هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يَحْنَثُ بِشُرْبِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ، فَإِنْ قِيلَ: هُوَ فِي الْعُرْفِ يُسَمَّى مَاءً، قُلْنَا: الْعُرْفُ الشَّرْعِيُّ مُقَدَّمٌ، أَمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ مُطْلَقٌ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فَيَجِيءُ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا هَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ لَحْمِ الْمَيْتَةِ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءً قَدْ تَنَجَّسَ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ؛ لِقِلَّتِهِ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ قُلْنَا: مُطَلَّقٌ مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ، كَمَا فَهِمَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ كَلَامِ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ لُغَةً اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ فَيَجِيءُ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: إنْ رَأَيْتِ الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ حُمِلَتْ عَلَى الْعِلْمِ، فَإِنَّهَا الشَّرْعِيَّةُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا» دُونَ الرُّؤْيَةِ بِالْبَصَرِ.

стр. 748

وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ إنْ رَأَيْت (الدَّمَ) . الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ تَعَارُضُ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ الْعَامِّ. فَأَطْلَقَ صَاحِبُ الْكَافِي رِوَايَةَ (وَجْهَيْنِ) فَقَالَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: إذَا اجْتَمَعَ فِي الْيَمِينِ الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ، وَالدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ الْحَقِيقَةُ اللَّفْظِيَّةُ أَوْلَى، وَاللَّفْظُ مَتَى كَانَ مُطْلَقًا وَجَبَ الْعَمَلُ بِإِطْلَاقِهِ عَمَلًا بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ. الثَّانِي: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحْيِي السُّنَّةِ الدَّلَالَةُ الْعُرْفِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ (مُحْكَمٌ) فِي التَّصَرُّفَاتِ سِيَّمَا فِي الْأَيْمَانِ. قَالَ فَلَوْ (دَخَلَ) دَارَ صَدِيقِهِ فَقَدَّمَ إلَيْهِ طَعَامًا فَامْتَنَعَ فَقَالَ: إنْ لَمْ تَأْكُلْ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ فَخَرَجَ، وَلَمْ يَأْكُلْ ثُمَّ قَدِمَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَقَدَّمَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطَّعَامَ فَأَكَلَ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْنَثُ وَعَلَى الثَّانِي يَحْنَثُ (انْتَهَى) .

стр. 749

وَأَقُولُ اللُّغَةُ تَارَةً يَعُمُّ اسْتِعْمَالُهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَتَارَةً يَخُصُّ اسْتِعْمَالُهَا، وَتَارَةً يُقَيَّدُ فِي إطْلَاقِهِمْ فَإِنْ عَمَّتْ اللُّغَةُ قُدِّمَتْ عَلَى الْعُرْفِ هَذَا مَذْهَبُ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (﵀) ، كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّوسَ، (وَقَالَ) فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: إنْ تَطَابَقَ الْعُرْفُ وَالْوَضْعُ فَذَاكَ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فَكَلَامُ الْأَصْحَابِ يَمِيلُ إلَى الْوَضْعِ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ يَرَيَانِ (اعْتِبَارَ) الْعُرْفِ. (وَيَنْبَنِي) عَلَى هَذَا قَاعِدَةٌ: (وَهِيَ) إذَا عَارَضَ اللُّغَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ عُرْفٌ خَاصٌّ وَيُعَبِّرُ عَنْهَا بِأَنَّهُ: يُرَاعِي عُرْفَ وَاضِعِ اللِّسَانِ أَوْ عُرْفَ الْحَالِفِ، وَإِنْ شِئْت فَقُلْ: هَلْ يُعْتَبَرُ عُرْفُ اللَّفْظِ أَوْ عُرْفُ اللَّافِظِ؟ (أَوْ: أَنَّ) الِاصْطِلَاحَ الْخَاصَّ هَلْ يَرْفَعُ الْعَامَّ؟ وَقَدْ سَبَقَتْ بِفُرُوعِهَا فِي حَرْفِ الْهَمْزَةِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ أَوْ مَاءً حَنِثَ بِالْعَذْبِ وَالْمِلْحِ، وَإِنَّمَا حَنِثَ بِالْمِلْحِ (، وَإِنْ لَمْ) يَعْتَدْ شُرْبَهُ (اعْتِبَارًا) بِالْإِطْلَاقِ وَالِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ. وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْخَاصُّ لَيْسَ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَجْهٌ (أَلْبَتَّةَ) (فَالْمُعْتَبَرُ) اللُّغَةُ، كَمَا سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ وَنَظَائِرِهَا.

стр. 750

وَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ اسْتِعْمَالٌ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا (أَوْ لَا) يَسْكُنُهُ فَاسْمُ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَى الْمَبْنِيِّ بِالطِّينِ وَالْحَجَرِ وَالْمَدَرِ (سُمِّيَ) بَيْتًا؛ لِأَنَّهُ يُبَاتُ فِيهِ، كَمَا قَالَهُ (الزَّجَّاجُ) فِي تَفْسِيرِهِ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْحَالِفُ بَدْوِيًّا حَنِثَ بِكُلٍّ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَظَاهَرَ فِيهِ الْعُرْفُ وَاللُّغَةُ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يُسَمُّونَهُ بَيْتًا، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَوَجْهَانِ بِنَاءً (عَلَى الْأَصْلِ) الْمَذْكُورِ (، وَإِنْ) اعْتَبَرْنَا الْعُرْفَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ اسْمِ الْبَيْتِ هُوَ الْمَبْنِيُّ،، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ (يُسَمُّونَهُ) بَيْتًا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا الْعُرْفُ عِنْدَهُمْ ثَبَتَ عِنْدَ سَائِرِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ فَرَدُّهُ عَلَى التَّعْمِيمِ؛ عَمَلًا بِاللُّغَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ. وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ اللُّغَةُ وَالشَّرْعُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠] وَفِي الْحَدِيثِ «لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إلَّا دَخَلَهُ الْإِسْلَامُ»

стр. 751

وَمِنْهَا: حَلَفَ (أَنْ) لَا يَأْكُلَ الْخُبْزَ حَنِثَ بِمَا يُتَّخَذُ مِنْ الْأُرْزِ، وَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ قَوْمٍ لَا يَتَعَارَفُونَ أَكَلَ (خُبْزِ) الْأُرْزِ، كَمَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ طَبَرِسْتَانَ؛ لِأَنَّ خُبْزَ الْأُرْزِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ لُغَةً فِي سَائِرِ الْبِلَادِ ثُمَّ (إنَّ) أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْخُبْزِ عَلَى مَا (يَجِدُونَهُ) عِنْدَهُمْ، وَذِكْرُ (بَعْضِ) أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يَخُصُّ (إذْ) الْخُبْزُ (لُغَةً) اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُخْبَزُ (أَوْ يَنْضَجُ) بِالنَّارِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: أَعْطُوهُ بَعِيرًا لَمْ يُعْطَ نَاقَةً عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: نَعَمْ؛ لِانْدِرَاجِهِ فِيهَا لُغَةً، وَلَوْ قَالَ أَعْطُوهُ دَابَّةً أُعْطِيَ (فَرَسًا أَوْ بَغْلًا أَوْ حِمَارًا) عَلَى الْمَنْصُوصِ، لَا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ عُرْفًا، وَإِنْ كَانَ (ذَلِكَ يُطْلَقُ) عَلَيْهَا لُغَةً، وَقِيلَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مِصْرً لَمْ يُدْفَعْ إلَيْهِ إلَّا الْفَرَسَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ (﵀) قَالَ: ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ مِصْرَ فَإِنَّهُمْ يُطْلِقُونَ الدَّابَّةَ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُوصِي بِغَيْرِ مِصْرَ لَمْ يُعْطَ إلَّا الْفَرَسَ، وَإِنْ تَخَصَّصَتْ اللُّغَةُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ، وَهُجِرَ اسْتِعْمَالُ بَعْضِهَا، فَلَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا نَادِرًا أَوْ صَارَتْ نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَالْمُقَدَّمُ الْعُرْفُ، كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْبَيْضَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا يُزَايِلُ بَائِضَهُ أَيْ: يُفَارِقُهُ فِي الْحَيَاةِ كَبَيْضِ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ وَالْحَمَامِ وَالْعُصْفُورِ، وَلَا يَحْنَثُ بِبَيْضِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ.

стр. 752

وَكَذَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ يَحْنَثُ بِمَا يُبَاعُ (مُفْرَدًا) كَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ دُونَ رَأْسِ الْعَصَافِيرِ (وَالْحِيتَانِ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ الرُّءُوسِ الَّتِي تُؤْكَلُ عَادَةً وَهِيَ مَشْوِيَّةٌ أَوْ الْمَصْلُوقَةُ عَلَيْهَا فَلَمْ يَتَعَارَضْ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ وَاللُّغَةُ، بَلْ اتَّفَقَا عَلَى عَدَمِ التَّسْمِيَةِ. وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ لَوْ قَالَ: زَوْجَتِي طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقُ سَائِرُ زَوْجَاتِهِ عَمَلًا بِالْعُرْفِ، وَإِنْ كَانَ (وَضْعُ) اللُّغَةِ يَقْتَضِي الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ عَمَّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الثَّلَاثِ، وَإِنْ كَانَ فِي اللُّغَةِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ. وَلَوْ أَوْصَى (لِلْقُرَّاءِ) فَهَلْ يَدْخُلُ مَنْ لَا يَحْفَظُ وَيَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فِيهِ وَجْهَانِ يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا إلَى الْوَضْعِ، وَفِي الثَّانِي إلَى الْعُرْفِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَهَذَا لَفْظُ الرَّافِعِيِّ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْكَافِي أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى (لِلْفُقَهَاءِ) فَهَلْ يَدْخُلُ الْخِلَافِيُّونَ الْمُنَاظِرُونَ، قَالَ: (وَيَحْتَمِلُ) وَجْهَيْنِ؛ لِتَعَارُضِ الْعُرْفِ وَالْحَقِيقَةِ. تَنْبِيهٌ مَوْضِعُ الْكَلَامِ فِي اعْتِبَارِ عُرْفِ اللَّفْظِ أَوْ اللَّافِظِ (هُوَ فِي اللَّفْظِ الْعَرَبِيِّ

стр. 753

فَيُعْتَبَرُ وَضْعُهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، فَأَمَّا الْأَعْجَمِيُّ فَيُعْتَبَرُ عُرْفُ اللَّافِظِ) إذْ لَا وَضْعَ هُنَاكَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ. وَلِهَذَا قَالَ الْقَفَّالُ فِيمَا إذَا حَلَفَ عَلَى الْبَيْتِ بِالْفَارِسِيَّةِ: لَا يَحْنَثُ بِبَيْتِ الشَّعْرِ وَغَيْرِهِ (إذْ) لَمْ يَثْبُتْ شُمُولُ اللَّفْظِ لَهُ فِي عُرْفِ الْفَارِسِيَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ إنْ رَأَيْت الْهِلَالَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَآهُ غَيْرَهَا طَلُقَتْ إنْ عَلَّقَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَوْ عَلَّقَ بِالْعَجَمِيَّةِ نَصَّ الْقَفَّالِ أَيْضًا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُعَايَنَةِ سَوَاءٌ فِيهِ الْبَصِيرُ، وَالْأَعْمَى، وَادَّعَى أَنَّ الْعُرْفَ الشَّرْعِيَّ فِي حَمْلِ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْعِلْمِ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَمَنَعَ الْإِمَامُ الْفَرْقَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ فَدَخَلَ (مَا يَسْكُنُهُ) بِإِجَارَةٍ لَمْ يَحْنَثْ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: إنْ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ بِالْفَارِسِيَّةِ حُمِلَ عَلَى (الْمَسْكَنِ) ، قَالَ الرَّافِعِيُّ، وَلَا يَكَادُ يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ مَادَّةُ الْفَرْقِ (تُعْلَمُ مِمَّا) ذَكَرْنَا. الْحَالَةُ (الثَّالِثَةُ) تَعَارُضُ الْعُرْفِ الْعَامِّ (وَالْخَاصِّ) ، فَإِنْ كَانَ (الْخُصُوصُ) مَحْصُورًا لَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَوْ كَانَ عَادَةُ امْرَأَةٍ فِي الْحَيْضِ أَقَلَّ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ (عَادَةِ) النِّسَاءِ رَدَّتْ إلَى الْغَالِبِ فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: تَعْتَبِرُ عَادَتَهَا.

стр. 754

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ اُعْتُبِرَ، كَمَا لَوْ جَرَتْ عَادَةُ قَوْمٍ بِحِفْظِ (زُرُوعِهِمْ) لَيْلًا وَمَوَاشِيهِمْ نَهَارًا فَهَلْ يَنْزِلُ ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْعُرْفِ الْعَامِّ؟ فِي الْعَكْسِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا نَعَمْ. الْبَحْثُ الثَّانِي: إذَا اطَّرَدَ الْعُرْفُ فِي نَاحِيَةٍ هَلْ يَطَّرِدُ فِي سَائِرُ النَّوَاحِي كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَدَخَلَ بَيْتَ الشَّعْرِ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ قَرَوِيًّا؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي عُرْفِ الْبَادِيَةِ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ فَأَكَلَ خُبْزَ الْأُرْزِ بِغَيْرِ طَبَرِسْتَانَ حَنِثَ، وَقِيلَ إنَّمَا يَحْنَثُ بِهِ بِطَبَرِسْتَانَ؛ لِاعْتِيَادِهِمْ أَكْلَهُ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ، وَعَادَةُ بَلَدٍ بَيْعُ رُءُوسِ الْحِيتَانِ وَالصَّيُودِ مُنْفَرِدَةً حَنِثَ بِأَكْلِهَا هُنَاكَ، وَفِي غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْحِنْثُ، وَلَوْ جَرَتْ عَادَةُ (قَوْمٍ) . وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْأَقِطِ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فِي الْأَصَحِّ، وَهَلْ (يَخُصُّ) أَهْلَ الْبَادِيَةِ أَمْ يَعُمُّ الْبَادِيَ وَالْحَاضِرَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ كَجٍّ، وَخَرَجَ عَنْ هَذَا صُوَرٌ: إحْدَاهَا: إذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً (لَمْ) يَحْنَثْ بِالْحِمَارِ، وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ مُطَّرِدًا بِتَسْمِيَتِهِ دَابَّةً.

стр. 755

الثَّانِيَةُ: لَوْ اشْتَهَرَ فِي بِلَادٍ اسْتِعْمَالُ الْحَرَامِ فِي الطَّلَاقِ، فَفِي كَوْنِهِ كِنَايَةً أَوْ صَرِيحًا وَجْهَانِ، أَمَّا فِي غَيْرِهَا فَهُوَ كِنَايَةٌ بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ، قِيلَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْغَرِيبَ إذَا تَلَفَّظَ (بِهِ) أُجْرِيَ عَلَيْهِ عُرْفُ بَلَدِهِ لَا عُرْفُ مَوْضِعِ الْحَلِفِ. الثَّالِثُ: إذَا عَمّ الْعُرْفُ فِي نَاحِيَةٍ بِشَيْءٍ فَهَلْ يُجْعَلُ عُمُومُ الْعُرْفِ فِي حُكْمِ الشَّرْطِ سَبَقَ فِي بَحْثِ (الْعَادَةِ) . الرَّابِعُ: إذَا وَجَدْنَا اسْمًا مُشْتَرَكًا فِي اللُّغَةِ وَاشْتَهَرَ الْعُرْفُ بِأَحَدِ مَدْلُولِيهِ، فَهَلْ يُرَاعَى فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ أَمْ اللُّغَةُ؟ (يَتَخَرَّجُ) فِيهِ خِلَافٌ (مِمَّا) لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدُمُ زَيْدٌ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ لَفْظِ الْيَوْمِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ (الْفَجْرِ) إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَيُطْلَقُ لُغَةً عَلَى الْقِطْعَةِ مِنْ الزَّمَانِ. (وَالضَّابِطُ) فِي هَذَا أَنَّهُ (إنْ) كَانَ أَحَدُ الْمَدْلُولَيْنِ أَشْهَرَ فِي اللُّغَةِ وَوَافَقَهُ

стр. 756

الْعُرْفُ قُدِّمَ، وَإِنْ خَالَفَ الْعُرْفَ قُدِّمَ؛ لِتَرْجِيحِهِ بِالْمَدْلُولِ الْآخَرِ. (الْخَامِسُ) قَالَ الْفُقَهَاءُ: كُلُّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا، وَلَا ضَابِطَ لَهُ فِيهِ، وَلَا فِي اللُّغَةِ يَحْكُمُ فِيهِ الْعُرْفُ وَمَثَّلُوهُ (بِالْحِرْزِ) فِي السَّرِقَةِ، وَالتَّفَرُّقِ فِي الْبَيْعِ وَالْقَبْضِ، وَوَقْتِ الْحَيْضِ وَقَدْرِهِ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَيَخْتَلِفُ الْحِرْزُ بِاخْتِلَافِ عَدْلِ السُّلْطَانِ وَجَوْرِهِ، الْأَمْنِ وَالْخَوْفِ. وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا تَكَادُ تَنْضَبِطُ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى أَهْلِ (نَاحِيَتِهِ) فَمَا عَدُّوهُ حِرْزًا فَالْمَالُ مُحَرَّزٌ وَمَا لَا فَلَا، وَمِنْهُ الِاكْتِفَاءُ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ بِالْمُقَارِنَةِ لِلتَّكْبِيرَةِ الْعُرْفِيَّةِ بِحَيْثُ يُعَدُّ مُسْتَحْضِرًا لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ: إنَّهَا تُبْنَى أَوَّلًا عَلَى اللُّغَةِ ثُمَّ عَلَى الْعُرْفِ. وَهَذَا كُلُّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ يُقَدَّمُ (الْعُرْفُ) الشَّرْعِيُّ ثُمَّ الْعُرْفِيُّ ثُمَّ اللُّغَوِيُّ، وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقَائِقِ وَالْأَدِلَّةِ الَّتِي (تُسْتَنْبَطُ) مِنْهَا الْأَحْكَامُ فَيُقَدَّمُ (فِيهَا) الشَّرْعِيُّ عَلَى الْعُرْفِيِّ، كَبَيْعِ الْهَازِلِ وَطَلَاقِهِ فَإِنَّهُ نَافِذٌ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا يُنَفِّذُونَهُ، وَيُقَدَّمُ الْعُرْفِيُّ فِيهِمَا عَلَى اللُّغَوِيِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ طَارِئٌ عَلَى اللُّغَةِ فَهُوَ كَالنَّاسِخِ.

стр. 757

وَهُنَا تَنْبِيهَانِ " الْأَوَّلُ: إنَّهُمْ لَمْ يَجُرُّوا هَذَا الْأَصْلَ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى الْعُرْفِ فِيمَا لَا ضَابِطَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَلَا (فِي) اللُّغَةِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُعَاطَاةِ فِي الْبَيْعِ لَا تَصِحُّ، وَلَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهَا فِيمَا يَعُدُّونَهُ بَيْعًا، وَكَمَا فِي مَسْأَلَةِ اسْتِصْنَاعِ الصُّنَّاعِ الْجَارِيَةِ عَادَتُهُمْ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا (إذَا) لَمْ يَشْرِطُوهُ، وَالْمَسْأَلَتَانِ مِنْ مَنَاصِيصِ (الْإِمَامِ) الشَّافِعِيِّ (﵁) ، (وَكَذَلِكَ) إذَا أَوْجَبْنَا الْمُوَالَاةَ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَرْجِعُ فِي ضَبْطِهَا لِلْعُرْفِ فِي الْأَصَحِّ وَضَبَطُوهُ بِأَنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يَجِفُّ فِيهَا الْعُضْوُ الَّذِي قَبْلَهُ، (وَكَذَلِكَ) إذَا أَوْجَبْنَا إيصَالَ الْمَاءِ إلَى (بَاطِنِ) الشَّعْرِ الْخَفِيفِ لَا يُرْجَعُ فِي ضَبْطِ الْخِفَّةِ لِلْعُرْفِ فِي الْأَصَحِّ وَضَبَطُوهُ بِمَا تُرَى مِنْهُ الْبَشَرَةُ فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ. وَمِنْهَا الْمَرْأَةُ الْمُخَدَّرَةُ (تُعْفَى) عَنْ الْإِحْضَارِ لِلدَّعْوَى عَلَيْهَا، وَلَمْ يَرْجِعُوا فِي (ضَبْطِ) التَّخْدِيرِ لِلْعُرْفِ، وَاخْتَلَفُوا (هُمْ فِيهِ) : فَقِيلَ: مَنْ لَا يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِلْحَاجَاتِ، وَقِيلَ: مَنْ لَا تَحْضُرُ الْأَعْرَاسَ، (وَقِيلَ:) غَيْرُ ذَلِكَ.

стр. 758

الثَّانِي: سَكَتُوا عَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَابِطٌ فِي الْعُرْفِ أَيْضًا، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ عَلَى الْإِجْمَالِ، وَهَذَا كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ مَالٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْمَالِ تَحْدِيدٌ مُقَدَّرٌ فِي الْحَقَائِقِ الثَّلَاثِ، فَيَبْقَى عَلَى إجْمَالِهِ وَيَرْجِعُ إلَى (الْمُقِرِّ) فِي بَيَانِهِ. وَأَمَّا مَالِكٌ (﵀) فَقَالَ أَقَلُّ (مَالٍ) يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ نِصَابُ الزَّكَاةِ (فَأَلْزَمَهُ) بِهِ، وَعُورِضَ بِنِصَابِ السَّرِقَةِ، وَلِهَذَا رَدَّهُ غَيْرُهُ إلَيْهِ. (السَّادِسُ) الْعُرْفُ تَارَةً يَكُونُ قَوْلِيًّا وَتَارَةً (يَكُونُ) فِعْلِيًّا (وَفَرْقٌ) بَيْنَ قَوْلِنَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا اللَّفْظِ فِي هَذَا الْمُسَمَّى، وَبَيْنَ قَوْلِنَا جَرَتْ بِفِعْلِ هَذَا الْمُسَمَّى، وَالْأَوَّلُ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ، وَالثَّانِي الْفِعْلِيُّ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي تَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُرْفًا لَهَا فَلَا يَكُونُ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَيْهَا، بَلْ سُلْطَانُهُ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَالْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ سُلْطَانُهُ عَلَى الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّهُ عُرْفٌ لَهَا (فَيُخَصِّصُهَا) وَلَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَى الْأَفْعَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُرْفًا لَهَا. وَيُبْنَى عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ السُّلْطَانَ مَثَلًا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبِسُ ثَوْبًا أَوْ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا فَأَكَلَ خُبْزَ الشَّعِيرِ أَوْ لَبِسَ الْكِرْبَاسَ يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُ عَدَمَ تَنَاوُلِهِ، وَلَوْ حَلَفَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ رُءُوسًا فَأَكَلَ رُءُوسَ السَّمَكِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ خَصَّصَ الرُّءُوسَ بِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ (التَّخْصِيصَيْنِ) مَا ذَكَرْنَا.

стр. 759

(السَّابِعُ) أَنَّ الْعُرْفَ الَّذِي تُحْمَلُ الْأَلْفَاظُ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ الْمُقَارِنُ (أَوْ) السَّابِقُ، وَأَغْرَبُ مَنْ حَكَى فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِهِ قَوْلَيْنِ. وَبَنَى بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَطَالَةِ فِي الْمَدَارِسِ فَقَدْ اُشْتُهِرَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ تَرْكُ الدُّرُوسِ فِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ، (فَكُلُّ) مَدْرَسَةٍ وُقِفَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ (وَاقِفُهَا) لِذَلِكَ يَنْزِلُ لَفْظُهُ عَلَى الْعَادَةِ، وَأَمَّا الْمَوْقُوفُ قَبْلَ هَذِهِ الْعَادَةِ أَوْ مَا شَكَّ فِيهِ هَلْ هُوَ قَبْلَهَا فَلَا يَنْزِلُ عَلَى الْعُرْفِ الطَّارِئِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ: مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي رَمَضَانَ وَنِصْفِ شَعْبَانَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ حَيْثُ لَا (نَصَّ) مِنْ الْوَاقِفِ عَلَى اشْتِرَاطِهِ (الِاشْتِغَالَ) فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَمَا يَقَعُ مِنْهَا قَبْلَهُمَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عُرْفٌ مُسْتَمِرٌّ وَلَا وُجُودَ لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَدَارِسِ وَالْأَمَاكِنِ فَإِنْ (اتَّفَقَ) (بِهَا) عُرْفٌ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، (وَاشْتُهِرَ) غَيْرُ مُطَّرِدٍ فَيَجْرِي فِيهَا فِي ذَلِكَ (الْبَلَدِ) الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْعُرْفَ الْخَاصَّ هَلْ يَنْزِلُ فِي التَّأْثِيرِ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ، وَالظَّاهِرُ تَنْزِيلُهُ فِي أَهْلِهِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ انْتَهَى.

стр. 760

وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْبَطَالَةَ مِنْ نِصْفِ شَعْبَانَ إلَى آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ الْعُرْفُ بِهَا مُسْتَمِرٌّ (شَائِعٌ) وَالْمُضْطَرِبُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ. الثَّانِيَةُ: كِسْوَةُ الْكَعْبَةِ، قَالَ ابْنُ عَبْدَانِ مُنِعَ مِنْ بَيْعِهَا (، وَأَوْجَبَ) رَدُّ مَنْ حَمَلَ مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هِيَ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَنَّ الْعَادَةَ اسْتَمَرَّتْ قَدِيمًا، بِأَنَّهَا تُبَدَّلُ كُلَّ سَنَةٍ، وَيَأْخُذُ بَنُو شَيْبَةَ تِلْكَ الْعَتِيقَةَ فَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا (بِالْبَيْعِ) وَغَيْرِهِ، وَيُقِرُّهُمْ الْأَئِمَّةُ عَلَى ذَلِكَ فِي كُلِّ عَصْرٍ، فَلَا تَرَدُّدَ فِي جَوَازِهِ. (وَأَمَّا بَعْدَ مَا اتَّفَقَ) فِي هَذَا الْوَقْتِ مِنْ وَقْفِ الْإِمَامِ ضَيْعَةً مُعَيَّنَةً عَلَى أَنْ يُصْرَفَ رِيعُهَا فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ فَلَا تَرَدُّدَ فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ هَذِهِ (الْعَادَةِ) وَالْعِلْمِ بِهَا فَيَنْزِلُ لَفْظُ الْوَاقِفِ عَلَيْهَا، قُلْت: وَالْأَشْبَهُ صَرْفُهَا فِي مَصَالِحِ الْكَعْبَةِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا سَدَنَتُهَا، إلَّا بِالتَّصْرِيحِ. قُلْت: وَثَالِثَةٌ: وَهِيَ الْأَوْقَافُ الْقَدِيمَةُ الْمَشْرُوطُ نَظَرُهَا لِلْحَاكِمِ، وَكَانَ الْحَاكِمُ إذْ ذَاكَ شَافِعِيًّا، وَيَسْتَنِيبُ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ ثُمَّ إنَّ (الْمَلِكَ الظَّاهِرَ) أَحْدَثَ الْقُضَاةُ (الثَّلَاثَةُ)

стр. 761

سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَمَا كَانَ مَوْقُوفًا قَبْلَ حُدُوثِ هَذَا الْعُرْفِ اخْتَصَّ نَظَرُهُ بِالشَّافِعِيِّ، وَلَا يُشَارِكُهُ (فِيهِ) غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ عُرْفٌ حَادِثٌ، وَمَا أُطْلِقَ مِنْ النَّظَرِ بَعْدَ هَذَا الْعُرْفِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ؛ لِتَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْعُرْفِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ غَالِبًا لَا يَفْهَمُونَ عِنْدَ إطْلَاقِ الْحَاكِمِ غَيْرَ الشَّافِعِيِّ لَا سِيَّمَا مَعَ قَرِينَةِ أَنَّ نَظَرَ الْأَوْقَافِ الْعَامَّةِ إلَيْهِ. الثَّامِنُ: ذَكَرَ الْإِمَامُ فِيمَا لَوْ شَدَّ الْمُحْرِمُ عَلَى رَأْسِهِ خَيْطًا لَا فِدْيَةَ، وَلَوْ شَدَّ عِصَابَةً عَرِيضَةً افْتَدَى، قَالَ: وَلَيْسَ مَعَنَا تَوْقِيفٌ نَتْبَعُهُ، وَالْقَصْدُ (مَا) يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ سَاتِرًا لِلرَّأْسِ أَوْ لِبَعْضِهِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيمَا وَرَدَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ أَنْ يُتَلَقَّى مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ، (وَلِذَلِكَ) يَقَعُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْإِطْلَاقِ إحَالَةً عَلَى (مَا يَبْتَدِرُهُ) إفْهَامُ الْفَاهِمِينَ فِي عَادَاتِ التَّخَاطُبِ، قَالَ: وَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ تُصْرَفَ الْعِنَايَةُ إلَى مِثْلِهِ، وَلَا (يَحِلُّ) لِلْمُرَاجَعِ أَنْ يُحِيلَ الْجَوَابَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْتَفْتَى وَيَرُدَّهُ إلَى (حُكْمِ) الْعَادَةِ. [الْعَزْمُ عَلَى الْإِبْطَالِ مُبْطِلٌ] ٌ وَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْحَالِ أَمْ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ

стр. 762

فَإِنْ) نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بَطَلَتْ فِي الْحَالِ؛ لِمُنَافَاةِ مُوجِبِهَا، وَهُوَ الدَّوَامُ، وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ فِي الْحَالِ وَلَهُ رَفْضُهُ. وَمِثْلُهُ لَوْ خَطَا فِي الصَّلَاةِ خُطْوَةً، وَعَزَمَ عَلَى أَنَّهُ يَخْطُو ثَلَاثًا بَطَلَتْ فِي الْحَالِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ، أَمَّا لَوْ نَوَى أَنْ (يَفْعَلَ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مُبْطِلًا، كَالْكَلَامِ فَلَا تَبْطُلُ قَطْعًا؛ (لِأَنَّهُ جَازِمٌ، وَالْجَزْمُ فِعْلُ الْمُنَافِي) وَلَمْ يُوجَدْ، كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَإِذَا نَوَى قَطْعَ الصَّوْمِ (أَوْ الِاعْتِكَافِ) (فَالْأَصَحُّ) لَا يَضُرُّ كَالْحَجِّ، فَإِنْ قُلْنَا: يَبْطُلُ فَهَلْ يَبْطُلُ فِي الْحَالِ أَوْ يَمْضِي قَدْرَ فِطْرِهِ؟ وَجْهَانِ. [الْعَقْدُ حقيقته] الْعَقْدُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ عَقَدْتُ الْحَبْلَ إذَا جَمَعْتُ أَجْزَاءَهُ (جَمْعًا) خَاصًّا، (ثُمَّ نُقِلَ إلَى الشَّيْءِ الْمَعْقُودِ مَجَازًا) ، وَهُوَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الْمَجْمُوعَةِ مِنْ تَسْمِيَةِ (الْمَفْعُولِ) بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَقَوْلِهِمْ دِرْهَمٌ ضَرْبِ الْأَمِيرِ ثُمَّ نُقِلَ شَرْعًا إلَى ارْتِبَاطِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ الِالْتِزَامِيِّ كَعَقْدِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا. وَلِلْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ اعْتِبَارَاتٌ الْأَوَّلُ: بِاعْتِبَارِ الِاسْتِقْلَالِ بِهِ، وَعَدَمِهِ إلَى ضَرْبَيْنِ: عَقْدٌ يَنْفَرِدُ بِهِ الْعَاقِدُ، وَعَقْدٌ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مُتَعَاقِدَيْنِ.

стр. 763

فَالْأَوَّلُ عَقْدُ التَّدْبِيرِ (وَالنُّذُورِ) وَالْيَمِينِ وَالْوُقُوفِ، إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ الْقَبُولُ فِيهِ وَالصَّلَاةُ إلَّا الْجُمُعَةَ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهُ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ إذَا كَانَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِنَّمَا هُمَا رَفْعٌ لِلْعَقْدِ. وَالثَّانِي: يَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ الْجَوَازِ وَاللُّزُومِ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ وَالصُّلْحِ وَالْحَوَالَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْهِبَةِ لِلْأَجْنَبِيِّ بَعْدَ الْقَبْضِ وَالْخُلْعِ. الثَّانِي: لَازِمٌ فِيهِمَا فِي الْأَصَحِّ وَهِيَ الْمُسَابَقَةُ. الثَّالِثُ: جَازَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ قَطْعًا كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ، وَالْقَرْضِ وَالْجَعَالَةِ قَبْلَ فَرَاغِ الْعَمَلِ. الرَّابِعُ لَازِمٌ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ جَائِزٌ مِنْ الْآخَرِ قَطْعًا كَالْكِتَابَةِ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ جَائِزَةٌ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ، وَكَذَا الرَّهْنُ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ بَعْدَ الْقَبْضِ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْمُرْتَهِنِ، وَالضَّمَانُ وَالْكَفَالَةُ جَائِزَانِ مِنْ جِهَةِ الْمَضْمُونِ لَهُ دُونَ الضَّامِنِ، (وَكَعَقْدِ الْأَمَانِ) جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَمَّنِ لَهُ نَبْذُهُ مَتَى شَاءَ، وَيَصِيرُ حَرْبِيًّا لَمَّا يَبْلُغَ الْمَأْمَنَ، وَلَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُؤَمِّنِ لَا يَجُوزُ لَهُ نَبْذُهُ، إلَّا بِأَنْ يَظْهَرَ (لَهُ خِيَانَتُهُ) فَيَنْبِذُهُ حِينَئِذٍ

стр. 764

قَالَهُ الْقَاضِي (الْحُسَيْنُ) وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ. ثُمَّ هَذَا قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُوجِبِ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْقَابِلِ كَمَا (ذَكَرْنَا) ، وَعَكْسُهُ وَيُتَصَوَّرُ فِي الْهِبَةِ لِلْأَوْلَادِ. الْخَامِسُ لَازِمٌ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَفِي الْآخَرِ خِلَافٌ، كَالنِّكَاحِ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ وَفِي الزَّوْجِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: جَائِزٌ؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الطَّلَاقِ،، وَأَصَحُّهُمَا لَازِمٌ كَالْبَيْعِ، وَقُدْرَتُهُ عَلَى الطَّلَاقِ لَيْسَتْ (تَجَوُّزًا إنَّمَا) هُوَ تَصَرُّفٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَوَازُ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَسَّمَهَا كَمَا قَالَ الرُّويَانِيُّ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: - مَا لَا يَلْزَمُ وَلَا يُفْضِي إلَى اللُّزُومِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْوَكَالَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْقِرَاضُ وَالْعَارِيَّةُ الْوَدِيعَةُ، وَالْخِيَارُ فِيهَا مُؤَبَّدٌ. وَلَوْ شَرَطَا إسْقَاطَهُ بَطَلَتْ. - وَمَا لَا يَلْزَمُ فِي الْحَالِ وَيُفْضِي إلَى اللُّزُومِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْجَعَالَةُ، وَالْعِتْقُ بِعِوَضٍ، وَاسْتِهْلَاكُ الْمَالِ (بِالضَّمَانِ) ، كَقَوْلِهِ أَلْقِ مَتَاعَك فِي الْبَحْرِ وَعَلَيَّ قِيمَتُهُ، وَالْقَرْضُ، وَالْهِبَةُ. فَيَكُونُ الْخِيَارُ لَهُمَا قَبْلَ اللُّزُومِ دُونَ مَا بَعْدَهُ لَوْ

стр. 765

شَرَطَا إسْقَاطَهُ أَوْ إثْبَاتَهُ (بَطَلَتْ) ، - وَمَا يَلْزَمُ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ: الرَّهْنُ وَالضَّمَانُ وَالْكِتَابَةُ، وَإِنْ شَرَطَا الْخِيَارَ فِي الْجِهَةِ الَّتِي لَا خِيَارَ فِيهَا أَوْ إسْقَاطَهُ فِي جِهَةِ الِاخْتِيَارِ بَطَلَتْ. - وَمَا يَلْزَمُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَهُنَا (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقِسْمَةَ فِي الْحَقِيقَةِ ثُلَاثِيَّةٌ: لَازِمٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، جَائِزٌ مِنْهُمَا، لَازِمٌ مِنْ أَحَدِهِمَا جَائِزٌ مِنْ الْآخَرِ، وَأَمَّا الرَّابِعُ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقِسْمَةُ الْعَقْلِيَّةُ وَهُوَ مَا لَيْسَ لَازِمًا وَلَا جَائِزًا، فَعَقِيمٌ لَا يُتَصَوَّرُ إذْ الْعَاقِدُ إمَّا أَنْ يَمْلِكَ فَسْخَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا (أَوْ لَا) فَالْأَوَّلُ الْجَائِزُ وَالثَّانِي اللَّازِمُ. وَلِهَذَا شُرِعَ فِيهِ الْخِيَارُ وَالْإِقَالَةُ دُونَ الْأَوَّلِ لِمَا ذَكَرْنَا. الثَّانِي: أَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ عَزَلَ الْقَاضِي نَفْسَهُ لَا يَنْعَزِلُ، إلَّا بِعِلْمِ مَنْ قَلَّدَهُ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، وَاَلَّذِي فِي الْحَاوِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ إعْلَامِ الْإِمَامِ، وَإِعْفَائِهِ. الثَّالِثُ: مِنْ حُكْمِ اللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مَعْلُومًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ

стр. 766

وَالْجَائِزُ قَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَكَالْجَعَالَةِ تُعْقَدُ عَلَى رَدِّ الْآبِقِ. وَاللَّازِمُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارٌ مُؤَبَّدٌ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِهِمَا أَوْ (بِمَوْتِ) أَحَدِهِمَا أَوْ بِجُنُونِهِ أَوْ إغْمَائِهِ، وَالْجَائِزُ بِخِلَافِهِ. نَعَمْ إنْ كَانَ الْجَائِزُ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ انْفَسَخَ كَالْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ يَنْتَقِلُ لِلْوَارِثِ. وَأَمَّا الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ فَتَبْطُلُ بِجُنُونِ السَّيِّدِ، وَإِغْمَائِهِ دُونَ الْعَبْدِ فِي الْأَصَحِّ مَعَ أَنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ جِهَتِهِ، وَمَصِيرُهَا إلَى اللُّزُومِ، وَإِنَّمَا خَرَجَتْ عَنْ الْقَاعِدَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِ الْكِتَابَةِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يُعْجِزُ نَفْسَهُ، وَإِذَا لَمْ يَمْلِكْ الْفَسْخَ لَمْ يُؤَثِّرْ جُنُونُهُ. الرَّابِعُ: مَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِمْ آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ؟ لِأَنَّ كُلَّ جَائِزٍ يَئُولُ إلَى اللُّزُومِ إذَا لَمْ يَتَفَاسَخَا. (وَالْجَوَابُ) أَنَّ الْمُرَادَ آيِلٌ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ لَا بِفِعْلِ فَاعِلٍ بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ ابْتِدَاءً إلَى أَنْ يُرِيدَ دَفْعَهَا. (الْخَامِسُ) : الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ إذَا اقْتَضَى فَسْخُهَا ضَرَرًا عَلَى الْآخَرِ امْتَنَعَ، وَصَارَتْ لَازِمَةً، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: لِلْوَصِيِّ عَزْلُ نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَوْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ

стр. 767

تَلَفُ الْمَالِ بِاسْتِيلَاءِ ظَالِمٍ مِنْ قَاضٍ (وَغَيْرِهِ) . قُلْت وَيَجْرِي مِثْلُهُ فِي الشَّرِيكِ وَالْمُقَارَضِ، وَقَدْ قَالُوا فِي (الْعَامِلِ) إذَا فُسِخَ الْقِرَاضُ: عَلَيْهِ التَّقَاضِي وَالِاسْتِيفَاءُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مِلْكٌ نَاقِصٌ، وَقَدْ أُخِذَ مِنْهُ كَامِلًا فَلْيُرَدَّ، كَمَا أُخِذَ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَنِضَّ الْمَالُ وَيَعْلَمَ بِهِ الْمَالِكُ، وَجَوَّزُوا لَهُ الْبَيْعَ بِعِوَضٍ وَيَشْتَرِي بِهِ (الصِّحَاحَ) ، وَإِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِنْهُ. الِاعْتِبَارُ الثَّانِي الْعَقْدُ إمَّا مَالِيٌّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ حَقِيقَةً كَالْبَيْعِ وَالسَّلَمِ أَوْ حُكْمًا كَالْإِجَارَةٍ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْأَمْوَالِ. وَمِثْلُهُ الْمُضَارَبَةُ وَالْمُسَاقَاةُ أَوْ غَيْرُ مَالِيٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، كَمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ إذْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الطَّرَفَيْنِ كَفَّ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ (الْإِغْرَاءِ) بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَعَقْدِ الْقَضَاءِ. أَوْ مَالِيٌّ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالنِّكَاحِ، وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ الدَّمِ وَالْجِزْيَةِ. وَغَيْرُ (الْمَالِيِّ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَشَدُّ لُزُومًا مِنْ الْمَالِيِّ فِيهِمَا إذْ يَجُوزُ فِي الْمَالِيِّ فَسْخُهُ (بِعَيْبٍ) فِي الْعِوَضِ، كَالثَّمَنِ وَالْمُثَمَّنِ، كَمَا فِي خِيَارِ الْعَيْبِ، وَغَيْرِ

стр. 768

الْمَالِيِّ) لَا يُفْسَخُ أَصْلًا، إلَّا (لِحُدُوثِ) مَا يَمْنَعُ الدَّوَامَ. وَيَنْقَسِمُ الْمَالِيُّ إلَى مَحْضٍ وَغَيْرِهِ، فَيَقُولُونَ مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ وَغَيْرُ مَحْضَةٍ، فَالْمَحْضَةُ (الَّتِي) يَكُونُ الْمَالُ فِيهَا مَقْصُودًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَالْمُعَاوَضَةُ غَيْرُ الْمَحْضَةِ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ إلَّا فِي الْخُلْعِ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ (نَحْوَ إنْ طَلَّقْتنِي فَلَكَ أَلْفٌ) . الِاعْتِبَارُ الثَّالِثُ حَيْثُ اُعْتُبِرَ الْعِوَضُ فِي عَقْدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَعِوَضِ الْأُجْرَةِ إلَّا فِي الصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ، فَإِنَّ الْجَهَالَةَ فِيهِ لَا تُبْطِلُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ (مَرَدًّا) مَعْلُومًا وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي حُكْمِ الْمَجْهُولِ كَالْعِوَضِ فِي الْمُضَارَبَةِ (وَالْمُسَاقَاةِ) . وَهُنَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ يُكْتَفَى بِالْعِلْمِ الطَّارِئِ فِي حَرِيمِ الْعَقْدِ هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (أَحَدُهَا) مَا لَا يُكْتَفَى بِهِ قَطْعًا وَهُوَ الْقِرَاضُ وَالْقَرْضُ. (وَالثَّانِي) مَا لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْأَصَحِّ، كَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ يُعْلَمُ (مِمَّا) بَعْدُ كَالْبَيْعِ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ وَنَحْوَهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَبْطُلُ وَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِمَعْرِفَتِهِ فِي الْمَجْلِسِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إذَا حَصَلَتْ فِيهِ الْمَعْرِفَةُ، وَلَمْ يَحْكُوا مِثْلَهُ فِي الْقِرَاضِ،

стр. 769

لِأَنَّهُ لَا حَرِيمَ لَهُ. (الثَّالِثُ) مَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْأَصَحِّ كَالشَّرِكَةِ (لَا) يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ النِّسْبَتَيْنِ فِي الْمَالِ (الْمُخْتَلَطِ) مِنْ كَوْنِهِ مُنَاصَفَةً أَوْ مُثَالَثَةً فِي الْأَصَحِّ، إذَا أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهُ مِنْ بُعْدٍ. ثَانِيهِمَا: هَلْ يَكْفِي مُعَايَنَةُ الْحَاضِرِ عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ؟ هُوَ عَلَى (ثَلَاثَةِ) أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: مَا يَكْفِي قَطْعًا كَالْبَيْعِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ. الثَّانِي: مَا يَكْفِي عَلَى الْأَصَحِّ كَالسَّلَمِ وَفِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، وَإِنَّمَا جَرَى الْخِلَافُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ يَطْرُقُهُ غَالِبًا، وَحَيْثُ اتَّفَقَا وَتَنَازَعَا فِي قَدْرِهِ صُدِّقَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ، وَفِي الْإِجَارَةِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ. الثَّالِثُ: مَا لَا يَكْفِي قَطْعًا، وَهُوَ رَأْسُ الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ دَفْعًا لِجَهَالَةِ الرِّبْحِ، وَكَذَلِكَ الْقَرْضُ لَا يَصِحُّ جُزَافًا لِئَلَّا يَمْتَنِعَ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَاضِرَ الْمَجْهُولَ الْقَدْرِ يُكْتَفَى بِهِ فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ قَطْعًا، وَلَا يُكْتَفَى بِهِ فِي الْقِرَاضِ، وَلَا الْقَرْضُ قَطْعًا، وَفِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ وَرَأْسِ مَالِ الشَّرِكَةِ قَوْلَانِ، وَفِي الْأُجْرَةِ طَرِيقَانِ إنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يُشْتَرَطْ مَعْرِفَةُ الْقَدْرِ قَطْعًا، وَإِنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالسَّلَمِ جَرَى الْقَوْلَانِ. وَالضَّابِطُ لِذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ (الْمُعَاوَضَاتِ) الَّتِي لَا يَطْرُقُهَا الْفَسْخُ غَالِبًا

стр. 770

لَا تَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْحَاضِرِ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهَا اُعْتُبِرَ مَعْرِفَةُ الْحَاضِرِ، وَمَا كَانَ يَطْرُقُهُ الْفَسْخُ (وَيَحْتَاجُ) إلَى مَعْرِفَةِ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ (وَلَمْ) يُعْقَدْ لِيُفْسَخَ فَفِيهِ الْخِلَافُ. الِاعْتِبَارُ الرَّابِعُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ (لَفْظًا) مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، إلَّا إذَا (اكْتَفَيْنَا) بِالْمُعَاطَاةِ، وَإِلَى مَا يُشْتَرَطُ (فِيهِ) الْإِيجَابُ وَيَكْفِي الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ تَصَرُّفًا كَالْوَكَالَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ الْوَدِيعَةُ وَالْجَعَالَةُ، وَإِلَى مَا يَكْفِي فِيهِ لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الْآخَرِ فِي الْأَصَحِّ وَهُوَ الْعَارِيَّةُ فَيَقُولُ: أَعَرْتُك فَيَتَنَاوَلُهُ أَوْ يَقُولُ: أَعِرْنِي فَيُنَاوِلُهُ، وَمِثْلُهُ الْوَدِيعَةُ، وَكُلُّ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ فَعَلَى الْفَوْرِ، إلَّا الْوَصِيَّةَ فِي الْأَصَحِّ. الِاعْتِبَارُ الْخَامِسُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا يَرِدُ عَلَى (الْعَيْنِ قَطْعًا) كَالْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ، وَإِلَى مَا يَرِدُ عَلَى الْمَنَافِعِ (فِي) الْأَصَحِّ كَالْإِجَارَةِ. وَلِهَذَا قَالُوا: هِيَ: تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ بِعِوَضٍ، (وَقَالَ) أَبُو إِسْحَاقَ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ؛ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهَا الْمَنْفَعَةَ، وَزَعَمَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، وَلَيْسَ

стр. 771

كَذَلِكَ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ إجَارَةِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَغَيْرِهِ. (وَمِنْ) ذَلِكَ النِّكَاحُ وَفِيهِ خِلَافٌ غَرِيبٌ حَكَاهُ (صَاحِبُ الْمُحِيطِ) أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ الْبُضْعِ؛ لِأَنَّهَا الْمُسْتَوْفَاةُ أَوْ عَيْنُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ شَرْطٌ (فِي) صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، (وَالْحَقُّ) أَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ لَا نَفْسَ الْمَنْفَعَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِالشُّبْهَةِ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا لَا لَهُ. الِاعْتِبَارُ السَّادِسُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا لَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي لُزُومِهِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ. وَالضَّابِطُ أَنَّ (مَا) كَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمُوجِبِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ. وَمِثْلُهُ الْوَقْفُ (عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَغْرَبَ الْمَرْعَشِيُّ وَالْجَوْرِيُّ فَحَكَيَا قَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ إذَا كَانَ الْوَقْفُ) عَلَى مُعَيَّنٍ، وَمَا كَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ، كَالرَّهْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ إلَّا بِإِقْبَاضِهِ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَتَكُونُ الزَّوَائِدُ قَبْلَهُ لِلْوَاهِبِ، وَكَذَا الْقَرْضُ لَا

стр. 772

يُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي بِالتَّصَرُّفِ، وَأَمَّا الْعَارِيَّةُ فَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا هِبَةٌ لِلْمَنَافِعِ فَلَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَإِنْ قُلْنَا: إبَاحَةٌ فَلَا تُمْلَكُ كَطَعَامِ الضَّيْفِ ثُمَّ مَا اُشْتُرِطَ فِيهِ الْقَبْضُ فَإِنَّهُ يَضِيقُ فِيهِ؛ لِبِنَائِهِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَيَكُونُ مِنْ (الْجَانِبَيْنِ كَالرِّبَوِيَّاتِ) وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالسَّلَمِ فَإِذَا تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَطَلَ. وَأَيْضًا فَمِنْهُ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ وَلَا يَكْفِي الْحُكْمِيُّ وَهُوَ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ، وَلِهَذَا لَا تَكْفِي الْحَوَالَةُ وَلَا الْإِبْرَاءُ. وَمِنْهُ مَا يَكْفِي فِيهِ الْقَبْضُ الْحُكْمِيُّ، كَمَا إذَا أُثْبِتَ صَيْدٌ، وَوَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ [لَهُ] بَيْعُهُ قَبْلَ أَخْذِهِ، وَصَرَّحَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ بِأَنَّهُ إذَا أَفْلَتَهُ كَانَ فِي قَبْضِهِ حُكْمًا. وَمِنْهُ الْأَرْزَاقُ الَّتِي يُخْرِجُهَا السُّلْطَانُ لِلنَّاسِ يَمْلِكُونَهَا قَبْلَ الْأَخْذِ، إذَا صَدَرَ مِنْهُمْ مَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ جَوَازَ بَيْعِهَا قَبْلَ قَبْضِهَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ. وَلِهَذَا قَالُوا فِي كِتَابِ السِّيَرِ إنَّ أَفْرَازَ الْإِمَامِ لَا يُمْلَكُونَ (بِهِ) قَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ (السَّلَمِ) : يَجُوزُ جَعْلُ رَأْسِ الْمَالِ مَنْفَعَةَ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَيَتَعَيَّنُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ اكْتَفَيْنَا بِهَذَا الْمُمْكِنِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ أَنَّ (السَّلَمَ) لَا يَكْفِي فِيهِ الْقَبْضُ الْحُكْمِيُّ. وَلَوْ رَجَعَ الْأَبُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَلِهَذَا كَانَ (لَهُ بَيْعُهُ) قَبْلَ اسْتِرْدَادِهِ.

стр. 773

(تَنْبِيهٌ) مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ مَا يَكُونُ الْقَبْضُ فِيهِ مُعْتَبَرًا؛ لِلُزُومِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ لَا لِانْعِقَادِهِ وَهُوَ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ (خِيَارِ) الْمَجْلِسِ فِيهِ قَبْلَ التَّقَابُضِ. وَمِنْهُ مَا يَكُونُ الْقَبْضُ فِيهِ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ كَالْهِبَةِ فَإِنَّ الْعَقْدَ فِيهَا (لَا يُوصَفُ قَبْلَ) الْقَبْضِ بِهِبَةِ وَلَا عَدَمِهَا، كَمَا قَبْلَ الْقَبُولِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آثَارَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ وُجِدَتْ هُنَاكَ مِنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَحُرْمَةِ التَّفَرُّقِ قَبْلَ (التَّقَابُضِ) ، وَالْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ (وَعَدَمُهُ) بِخِلَافِ عَقْدِ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَدْ تَعَرَّضَ فِي الْمَطْلَبِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ لِفَرْقٍ ضَعِيفٍ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ فِي الْهِبَةِ فَلَا عَقْدَ، وَمَنْ تَجَوَّزَ وَقَالَ: بَطَلَ الْعَقْدُ، فَهُوَ كَمَا يُقَالُ إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْمُخَاطَبُ بَطَلَ الْإِيجَابُ فَهَذَا بُطْلَانُ مَا لَمْ يَتِمَّ لَا بُطْلَانُ مَا تَمَّ. الِاعْتِبَارُ السَّابِعُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى (مَا يُوجَدُ) فِيهِ مَقْصُودٌ وَاحِدٌ وَإِلَى مَا يَجْمَعُ أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَصَاعِدًا كَبَيْعِ حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ (وَكَبَيْعِ) رَأْسِ الْجِدَارِ أَوْ سَطْحِهِ لِلْبَقَاءِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ فِيهِ (شَوْبَ) بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَمَّا الْبَيْعُ فَلِلتَّأْبِيدِ، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَإِنَّ (الْمُسْتَحَقَّ بِهِ مَنْفَعَةٌ) (فَقَطْ)

стр. 774

وَمِنْهُ الْقِرَاضُ قَالَ الْمُتَوَلِّي ابْتِدَاؤُهُ يُشْبِهُ الْوَكَالَةَ بِالْجُعْلِ وَانْتِهَاؤُهُ يُشْبِهُ الشَّرِكَةَ عَلَى قَوْلِنَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالظُّهُورِ، وَيُشْبِهُ الْجَعَالَةَ إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ (بِالْقِسْمَةِ) وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَشَرَةَ أَمْدَادٍ مِنْ مَالِك قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَرْضٌ فِيهِ وَكَالَةٌ، وَالثَّانِي: وَكَالَةٌ فِيهَا قَرْضٌ. (وَقَالَ) غَيْرُهُ (: الشِّرَاءُ) فَاسِدٌ، وَعَلَى هَذَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا، وَقَالَ: أَقْرَضْتُك (وَمَهْمَا) فَتَحَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ كَانَ بَيْنَنَا فَعَلَى وَجْهٍ قَرْضٌ فَاسِدٌ (وَعَلَى وَجْهٍ قِرَاضٌ فَاسِدٌ) ذَكَرَهُ الشَّاشِيُّ. الِاعْتِبَارُ الثَّامِنُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِلَى مَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ (وَهُوَ الْفَاسِدُ) وَسَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْفَاءِ، إلَّا أَنَّ مِنْ الْعُقُودِ مَا حَكَمُوا بِصِحَّتِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُرَتِّبُوا عَلَيْهَا الْمَقْصُودَ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا إجَارَةً عَيْنِيَّةً فَإِنَّهُمْ صَحَّحُوا الْعَقْدَ فِي الْأَصَحِّ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا: يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَنَافِعِ فِي الْحَالِ. وَمِثْلُهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ حَرَامٍ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَفَاسِدُهَا لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْإِذْنِ، لَكِنَّ خَصَائِصَهَا تَزُولُ بِفَسَادِهَا فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ الْعُقُودِ إلَّا

стр. 775

مُقَيَّدَةً (بِالْفَاسِدِ) . وَالثَّانِي: اللَّازِمَةُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا (لَا) يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ كَالْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ فِي لُزُومِ الْإِتْمَامِ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ وَالْخُلْعُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ، وَإِلَى مَا يَتَمَكَّنُ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا قُلْتُمْ إنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُسْتَنِدٌ إلَى الْإِذْنِ كَمَا فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ إذَا (فَسَدَتْ) قِيلَ: لَا يَصِحُّ، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ (الْبَيْعَ) وُضِعَ لِنَقْلِ الْمِلْكِ بِالْإِذْنِ، وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الْمِلْكِ لَا مِنْ الْإِذْنِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْإِذْنِ. (وَثَانِيهِمَا) : أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ عِوَضِهِ فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ الْعِوَضُ انْتَفَى الْإِذْنُ، وَالْوَكَالَةُ إذْنٌ مُطْلَقٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ. الِاعْتِبَارُ التَّاسِعُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى الْعَيْنِ عَقْدَانِ لَازِمَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ بِاعْتِبَارَيْنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ إيرَادَ الْعَقْدِ عَلَى الْعَقْدِ ضَرْبَانِ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ قَبْلَ لُزُومِ الْأَوَّلِ وَإِتْمَامِهِ، فَهُوَ إبْطَالٌ لِلْأَوَّلِ إنْ صَدَرَ مِنْ
следующие страницы →