Полный текст (1 194 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
كَذَلِكَ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ إجَارَةِ الْكَلْبِ لِلصَّيْدِ وَغَيْرِهِ.
(وَمِنْ) ذَلِكَ النِّكَاحُ وَفِيهِ خِلَافٌ غَرِيبٌ حَكَاهُ (صَاحِبُ الْمُحِيطِ) أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ مَنَافِعُ الْبُضْعِ؛ لِأَنَّهَا الْمُسْتَوْفَاةُ أَوْ عَيْنُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ شَرْطٌ (فِي) صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، (وَالْحَقُّ) أَنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ لَا نَفْسَ الْمَنْفَعَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِالشُّبْهَةِ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا لَا لَهُ.
الِاعْتِبَارُ السَّادِسُ
يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا لَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي لُزُومِهِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ (مَا) كَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمُوجِبِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ.
وَمِثْلُهُ الْوَقْفُ (عَلَى الْمَذْهَبِ وَأَغْرَبَ الْمَرْعَشِيُّ وَالْجَوْرِيُّ فَحَكَيَا قَوْلَيْنِ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ إذَا كَانَ الْوَقْفُ) عَلَى مُعَيَّنٍ، وَمَا كَانَ الْقَبْضُ فِيهِ مِنْ تَمَامِ الْعَقْدِ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ، كَالرَّهْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْ جِهَةِ الرَّاهِنِ إلَّا بِإِقْبَاضِهِ، وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ لَا تُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَتَكُونُ الزَّوَائِدُ قَبْلَهُ لِلْوَاهِبِ، وَكَذَا الْقَرْضُ لَا
стр. 772
يُمْلَكُ إلَّا بِالْقَبْضِ فِي الْأَصَحِّ، وَالثَّانِي بِالتَّصَرُّفِ، وَأَمَّا الْعَارِيَّةُ فَيَتَّجِهُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا هِبَةٌ لِلْمَنَافِعِ فَلَا تُمْلَكُ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَإِنْ قُلْنَا: إبَاحَةٌ فَلَا تُمْلَكُ كَطَعَامِ الضَّيْفِ ثُمَّ مَا اُشْتُرِطَ فِيهِ الْقَبْضُ فَإِنَّهُ يَضِيقُ فِيهِ؛ لِبِنَائِهِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَيَكُونُ مِنْ (الْجَانِبَيْنِ كَالرِّبَوِيَّاتِ) وَتَارَةً يَكُونُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَالسَّلَمِ فَإِذَا تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ بَطَلَ.
وَأَيْضًا فَمِنْهُ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ وَلَا يَكْفِي الْحُكْمِيُّ وَهُوَ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ، وَلِهَذَا لَا تَكْفِي الْحَوَالَةُ وَلَا الْإِبْرَاءُ.
وَمِنْهُ مَا يَكْفِي فِيهِ الْقَبْضُ الْحُكْمِيُّ، كَمَا إذَا أُثْبِتَ صَيْدٌ، وَوَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ [لَهُ] بَيْعُهُ قَبْلَ أَخْذِهِ، وَصَرَّحَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ بِأَنَّهُ إذَا أَفْلَتَهُ كَانَ فِي قَبْضِهِ حُكْمًا.
وَمِنْهُ الْأَرْزَاقُ الَّتِي يُخْرِجُهَا السُّلْطَانُ لِلنَّاسِ يَمْلِكُونَهَا قَبْلَ الْأَخْذِ، إذَا صَدَرَ مِنْهُمْ مَا يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ، وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ جَوَازَ بَيْعِهَا قَبْلَ قَبْضِهَا فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ.
وَلِهَذَا قَالُوا فِي كِتَابِ السِّيَرِ إنَّ أَفْرَازَ الْإِمَامِ لَا يُمْلَكُونَ (بِهِ) قَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَالُوا فِي كِتَابِ (السَّلَمِ) : يَجُوزُ جَعْلُ رَأْسِ الْمَالِ مَنْفَعَةَ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَيَتَعَيَّنُ بِقَبْضِ الْعَيْنِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ اكْتَفَيْنَا بِهَذَا الْمُمْكِنِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ أَنَّ (السَّلَمَ) لَا يَكْفِي فِيهِ الْقَبْضُ الْحُكْمِيُّ.
وَلَوْ رَجَعَ الْأَبُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ، وَلِهَذَا كَانَ (لَهُ بَيْعُهُ) قَبْلَ اسْتِرْدَادِهِ.
стр. 773
(تَنْبِيهٌ) مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ مَا يَكُونُ الْقَبْضُ فِيهِ مُعْتَبَرًا؛ لِلُزُومِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ لَا لِانْعِقَادِهِ وَهُوَ الصَّرْفُ وَالسَّلَمُ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ (خِيَارِ) الْمَجْلِسِ فِيهِ قَبْلَ التَّقَابُضِ.
وَمِنْهُ مَا يَكُونُ الْقَبْضُ فِيهِ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ كَالْهِبَةِ فَإِنَّ الْعَقْدَ فِيهَا (لَا يُوصَفُ قَبْلَ) الْقَبْضِ بِهِبَةِ وَلَا عَدَمِهَا، كَمَا قَبْلَ الْقَبُولِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آثَارَ الْعَقْدِ الصَّحِيحِ وُجِدَتْ هُنَاكَ مِنْ ثُبُوتِ الْخِيَارِ وَحُرْمَةِ التَّفَرُّقِ قَبْلَ (التَّقَابُضِ) ، وَالْمِلْكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ (وَعَدَمُهُ) بِخِلَافِ عَقْدِ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَقَدْ تَعَرَّضَ فِي الْمَطْلَبِ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ لِفَرْقٍ ضَعِيفٍ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْقَبْضُ فِي الْهِبَةِ فَلَا عَقْدَ، وَمَنْ تَجَوَّزَ وَقَالَ: بَطَلَ الْعَقْدُ، فَهُوَ كَمَا يُقَالُ إذَا لَمْ يَقْبَلْ الْمُخَاطَبُ بَطَلَ الْإِيجَابُ فَهَذَا بُطْلَانُ مَا لَمْ يَتِمَّ لَا بُطْلَانُ مَا تَمَّ.
الِاعْتِبَارُ السَّابِعُ
يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى (مَا يُوجَدُ) فِيهِ مَقْصُودٌ وَاحِدٌ وَإِلَى مَا يَجْمَعُ أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَصَاعِدًا كَبَيْعِ حُقُوقِ الْأَمْلَاكِ (وَكَبَيْعِ) رَأْسِ الْجِدَارِ أَوْ سَطْحِهِ لِلْبَقَاءِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّ فِيهِ (شَوْبَ) بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ، أَمَّا الْبَيْعُ فَلِلتَّأْبِيدِ، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ فَإِنَّ (الْمُسْتَحَقَّ بِهِ مَنْفَعَةٌ) (فَقَطْ)
стр. 774
وَمِنْهُ الْقِرَاضُ قَالَ الْمُتَوَلِّي ابْتِدَاؤُهُ يُشْبِهُ الْوَكَالَةَ بِالْجُعْلِ وَانْتِهَاؤُهُ يُشْبِهُ الشَّرِكَةَ عَلَى قَوْلِنَا يَمْلِكُ حِصَّتَهُ بِالظُّهُورِ، وَيُشْبِهُ الْجَعَالَةَ إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ (بِالْقِسْمَةِ) وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَشَرَةَ أَمْدَادٍ مِنْ مَالِك قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَرْضٌ فِيهِ وَكَالَةٌ، وَالثَّانِي: وَكَالَةٌ فِيهَا قَرْضٌ.
(وَقَالَ) غَيْرُهُ (: الشِّرَاءُ) فَاسِدٌ، وَعَلَى هَذَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَلْفًا، وَقَالَ: أَقْرَضْتُك (وَمَهْمَا) فَتَحَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ كَانَ بَيْنَنَا فَعَلَى وَجْهٍ قَرْضٌ فَاسِدٌ (وَعَلَى وَجْهٍ قِرَاضٌ فَاسِدٌ) ذَكَرَهُ الشَّاشِيُّ.
الِاعْتِبَارُ الثَّامِنُ يَنْقَسِمُ أَيْضًا إلَى مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَإِلَى مَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ (وَهُوَ الْفَاسِدُ) وَسَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْفَاءِ، إلَّا أَنَّ مِنْ الْعُقُودِ مَا حَكَمُوا بِصِحَّتِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُرَتِّبُوا عَلَيْهَا الْمَقْصُودَ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا إجَارَةً عَيْنِيَّةً فَإِنَّهُمْ صَحَّحُوا الْعَقْدَ فِي الْأَصَحِّ وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا: يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْ الْمَنَافِعِ فِي الْحَالِ.
وَمِثْلُهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ حَرَامٍ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُقُودَ الْفَاسِدَةَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: الْجَائِزَةُ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ فَفَاسِدُهَا لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ التَّصَرُّفِ فِيهَا بِالْإِذْنِ، لَكِنَّ خَصَائِصَهَا تَزُولُ بِفَسَادِهَا فَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَسْمَاءُ الْعُقُودِ إلَّا
стр. 775
مُقَيَّدَةً (بِالْفَاسِدِ) .
وَالثَّانِي: اللَّازِمَةُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا (لَا) يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْهُ بِقَوْلِهِ كَالْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ فِي لُزُومِ الْإِتْمَامِ، وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ وَالْخُلْعُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ، وَإِلَى مَا يَتَمَكَّنُ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ.
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا قُلْتُمْ إنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مُسْتَنِدٌ إلَى الْإِذْنِ كَمَا فِي الْعُقُودِ الْجَائِزَةِ إذَا (فَسَدَتْ) قِيلَ: لَا يَصِحُّ، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ (الْبَيْعَ) وُضِعَ لِنَقْلِ الْمِلْكِ بِالْإِذْنِ، وَصِحَّةُ التَّصَرُّفِ فِيهِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الْمِلْكِ لَا مِنْ الْإِذْنِ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْإِذْنِ.
(وَثَانِيهِمَا) : أَنَّ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ عِوَضِهِ فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ الْعِوَضُ انْتَفَى الْإِذْنُ، وَالْوَكَالَةُ إذْنٌ مُطْلَقٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ.
الِاعْتِبَارُ التَّاسِعُ
لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ عَلَى الْعَيْنِ عَقْدَانِ لَازِمَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ بِاعْتِبَارَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ إيرَادَ الْعَقْدِ عَلَى الْعَقْدِ ضَرْبَانِ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ قَبْلَ لُزُومِ الْأَوَّلِ وَإِتْمَامِهِ، فَهُوَ إبْطَالٌ لِلْأَوَّلِ إنْ صَدَرَ مِنْ
стр. 776
الْبَائِعِ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَبِيعَ (فِي) زَمَنِ الْخِيَارِ، أَوْ آجَرَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ فَهُوَ فَسْخٌ، وَإِمْضَاءٌ لِلْأَوَّلِ إنْ صَدَرَ مِنْ الْمُشْتَرِي هَذَا (إذَا قَبَضَهُ) فَلَا يَصِحُّ (بَيْعُ) الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَوْ مِنْ الْبَائِعِ فِي الْأَصَحِّ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ لُزُومِهِ وَتَمَامِهِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مَعَ غَيْرِ الْعَاقِدِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ (إبْطَالٌ) لِحَقِّ الْأَوَّلِ (لَغَا) ، كَمَا (إذَا) رَهَنَ دَارِهِ، ثُمَّ بَاعَهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَكَذَا لَوْ آجَرَهَا مُدَّةً (يَحِلُّ) الدَّيْنُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ (إبْطَالٌ) لِلْأَوَّلِ صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ (آخَرَ) يَصِحُّ، فَإِنَّ مَوْرِدَ الْبَيْعِ الْعَيْنُ وَالْإِجَارَةُ الْمَنْفَعَةُ، وَبِهَذَا يَضْعُفُ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ: إنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ الْعَيْنُ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ قَطْعًا، كَمَا لَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِبَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ مِنْ غَيْرِ الزَّوْجِ فَتَبْقَى فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ وَيَتَخَيَّرَ الْمُشْتَرِي إنْ جَهِلَ وَلَا أُجْرَةَ (لَهُ) الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعَاقِدِ الْأَوَّلِ، فَإِذَا كَانَ (مَوْرِدُهُمَا) مُخْتَلِفًا صَحَّ قَطْعًا، كَمَا لَوْ آجَرَ دَارِهِ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ صَحَّ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ (فِي) الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا يَصِحُّ، وَيَنْفَسِخُ النِّكَاحُ، قَالُوا: لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النِّكَاحِ فَسَقَطَ الْأَضْعَفُ بِالْأَقْوَى، وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْإِجَارَةِ، وَكَمَا (لَوْ) رَهَنَهُ دَارًا (ثُمَّ آجَرَهَا مِنْهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ، وَلَا
стр. 777
يَبْطُلُ بِهِ الرَّهْنُ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ، قَالَ: وَهَكَذَا لَوْ كَانَ) (مُكْرًى) مِنْهُ ثُمَّ رَهْنَهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا وَرَدَ عَلَى مَحَلٍّ غَيْرِ الْآخَرِ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ عَلَى الْمَنْفَعَةِ، وَالرَّهْنَ عَلَى الرَّقَبَةِ.
وَإِنْ كَانَ مَوْرِدُهُمَا وَاحِدًا، كَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ زَوْجَتَهُ؛ لِإِرْضَاعِ وَلَدِهِ، فَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهَا عَقْدًا آخَرَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ، وَالْأَصَحُّ كَمَا (قَالَهُ) الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ النَّفَقَاتِ: إنَّهُ يَجُوزُ، وَيَكُونُ الِاسْتِئْجَارُ مِنْ حِينِ يَتْرُكُ الِاسْتِمْتَاعَ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ إنْسَانًا لِلْخِدْمَةِ شَهْرًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ تِلْكَ الْمُدَّةُ؛ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ عَمَلٍ آخَرَ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي النَّفَقَاتِ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ.
وَمِنْهُ يُؤْخَذُ امْتِنَاعُ اسْتِئْجَارِ الْعَكَّامِينَ (عَلَى) الْحَجِّ.
وَهَذَا مِنْ قَاعِدَةِ شَغْلِ الْمَشْغُولِ وَلَا يَجُوزُ بِخِلَافِ (شَغْلِ) الْفَارِغِ.
الِاعْتِبَارُ الْعَاشِرُ: لَيْسَ لَنَا عَقْدٌ يَخْتَصُّ بِصِيغَةٍ إلَّا (شَيْئَيْنِ) النِّكَاحُ وَالسَّلَمُ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْت مِنْك ثَوْبًا صِفَتُهُ (كَذَا) بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ انْعَقَدَ بَيْعًا عَلَى الْأَصَحِّ.
الِاعْتِبَارُ الْحَادِيَ عَشَرَ: الْعُقُودُ الْجَارِيَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ ظَاهِرًا إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ
стр. 778
وَلِهَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ صُدِّقَ مُدَّعِي الصِّحَّةَ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ فِي وَاقِعَةٍ، وَثَبَتَ (عِنْدَهُ ذَلِكَ) وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ اسْتَوْفَى الْأَوْضَاعَ الشَّرْعِيَّةَ فِي حُكْمِهِ (أَنَّهُ يُعْمَلُ) بِحُكْمِهِ إذَا كَانَ حَاكِمًا شَرْعِيًّا، وَلَا يَتَوَقَّفُ إلَى حَيْثُ (يَثْبُتُ) أَنَّ حُكْمَهُ وَفْقَ الشَّرَائِطِ، قَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَبْعَدُ دَرَجَةً مِنْ (الَّتِي) قَبْلَهَا (إلَّا أَنَّ) الَّتِي قَبْلَهَا (تَشْتَرِكُ) مَعَ الْوَاقِعَةِ الَّتِي وَقَعَ عَلَيْهَا فِي كَوْنِهَا (عَقْدًا) .
[الْعَمَلُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: كُلَّمَا كَثُرَ وَشَقَّ كَانَ أَفْضَلُ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ (﵁) «أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِهَذَا كَانَ فَصْلُ الْوِتْرِ أَفْضَلَ مِنْ وَصْلِهِ.
وَمِنْ ثَمَّ احْتَجَّ الْمُزَنِيّ (﵀) عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الْقُرْآنِ عَلَى الْأَفْرَادِ (بِأَنَّ) مَا كَثُرَ عَمَلُهُ كَانَ أَفْضَلَ ثَوَابًا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَفْضُلُهُ إذَا حَجَّ فِي سَنَةٍ وَاعْتَمَرَ فِي أُخْرَى.
стр. 779
وَقَدْ يَفْضُلُ الْعَمَلُ الْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ فِي صُوَرٍ: أَحَدُهَا الْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ (عَلَى الْمَشْهُورِ) إذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ، وَقَدْ يَفْضُلُ الْإِتْمَامُ عَلَى الْقَصْرِ فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: مَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي جَوَازِ الْقَصْرِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا قَدِمَ مِنْ السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَبَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصِدِهِ دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَإِنَّ الْإِتْمَامَ أَفْضَلُ كَذَا قَالَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
«فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا خَرَجَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَمْ يَزَلْ يَقْصُرُ حَتَّى رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ» الثَّانِيَةُ: الضُّحَى إذَا قُلْنَا: أَكْثَرُهَا ثَنَتَا عَشْرَةَ فَإِنْ فِعْلَهَا ثَمَانِيًا أَفْضَلُ؛ لِأَجْلِ التَّأَسِّي بِفِعْلِ النَّبِيِّ.
ﷺ الثَّالِثَةُ:
الْوِتْرُ بِثَلَاثٍ أَفْضَلُ مِنْهُ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الْبَسِيطِ، وَفَرْضُ الْخِلَافِ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ (وَبَيْنَ الثَّلَاثِ) ، وَالْإِحْدَى عَشْرَةَ، (وَقَالَ: لَمْ) يَصِرْ أَحَدٌ إلَى تَفْضِيلٍ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ، بَلْ حَمَلُوا الْأَحَادِيثَ فِيهِ عَلَى
стр. 780
بَيَانِ الْجَوَازِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ.
الرَّابِعَةُ:
الصَّلَاةُ مَرَّةً فِي الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا وَحْدَهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً.
الْخَامِسَةُ:
رَكْعَةُ الْوِتْرِ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (عَلَى) الْجَدِيدِ، بَلْ مِنْ (التَّهَجُّدِ) فِي اللَّيْلِ، وَإِنْ كَثُرَتْ رَكَعَاتُهُ ذَكَرَهُ فِي الْمَطْلَبِ قَالَ: وَلَعَلَّ سَبَبَ الْفَضْلِ انْسِحَابُ، حُكْمِهَا عَلَى مَا تَقَدُّمِهَا.
السَّادِسَةُ:
تَخْفِيفُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَطْوِيلِهِمَا.
السَّابِعَةُ:
صَلَاةُ الْعِيدِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ أَشَقُّ وَأَكْثَرُ عَمَلًا، (إلَّا أَنَّ) وَقْتَ (صَلَاةِ) الْعِيدِ (فِيهِ) شَرَفٌ فَكَانَ تَعْظِيمُهُ أَرْجَحَ مِنْ مَشَقَّةِ كَثْرَةِ الْعَمَلِ فِي الْكُسُوفِ؛ وَلِأَنَّ الْعِيدَ مُؤَقَّتٌ فَأَشْبَهَ الْفَرَائِضَ بِخِلَافِ الْكُسُوفِ، فَإِنَّهُ لَا وَقْتَ لَهُ، وَإِنَّمَا شُرِعَ لِسَبَبٍ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ.
стр. 781
الثَّامِنَةُ:
التَّصَدُّقُ بِالْأُضْحِيَّةِ بَعْدَ أَكْلِ لُقَمٍ يَتَبَرَّكُ بِهَا أَفْضَلُ مِنْ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِهَا.
التَّاسِعَةُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (بِثَلَاثِ غُرَفٍ) أَفْضَلُ مِنْ الْفَصْلِ (بَيْنَهُمَا) بِسِتِّ غَرَفَاتٍ.
الْعَاشِرَةُ:
قِرَاءَةُ سُورَةٍ (قَصِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ) أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ بَعْضِ سُورَةٍ، وَإِنْ طَالَتْ كَمَا قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَاقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَارَةُ الرَّوْضَةِ تُخَالِفُهُ، وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ الْمَعْهُودُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ غَالِبًا وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ الْبَعْضُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ، قِرَاءَةُ الْأَعْرَافِ فِي الْمَغْرِبِ، وَقِرَاءَةُ الْآيَتَيْنِ مِنْ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ» فَإِنَّا نَقُولُ: فِي التَّأَسِّي بِفِعْلِهِ ﷺ مَا يَرْبُو عَلَى هَذِهِ الْحَسَنَاتِ، وَلِهَذَا نَقُولُ: (قِرَاءَةُ الْبَعْضِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ سُورَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ مَا عَدَا سُورَتَيْ) الْإِخْلَاصُ (وَالْكَافِرُونَ) .
стр. 782
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ:
تَفْضُلُ صَلَاةُ الصُّبْحِ مَعَ قَصَرِ رَكَعَاتِهَا عَلَى سَائِرُ الصَّلَوَاتِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا الْوُسْطَى، وَكَذَلِكَ (الْعَصْرُ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا الْوُسْطَى مَعَ أَنَّهَا أَقْصَرُ مِنْ الظُّهْرِ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَكَذَلِكَ فَضْلُ) رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى مِثْلِهَا مِنْ الرَّوَاتِبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ (أَنْكَرَ إطْلَاقَ) كَوْنِ الشَّاقِّ أَفْضَلُ، وَقَالَ إنْ تَسَاوَى الْعَمَلَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَانَ الثَّوَابُ عَلَى أَكْثَرِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] .
وَضَابِطُ الْفِعْلِ الشَّاقِّ الْمُؤْجَرِ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ: إذَا اتَّحَدَ الْعَمَلَانِ فِي الشَّرَفِ، وَالشَّرَائِطِ وَالسُّنَنِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا شَاقًّا فَقَدْ اسْتَوَيَا فِي (أَجْرَيْهِمَا) ؛ لِتَسَاوِيهِمَا فِي جَمِيعِ الْوَظَائِفِ (وَانْفِرَادُ) أَحَدُهُمَا بِتَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ؛ لِأَجْلِ اللَّهِ (تَعَالَى) فَأُثِيبَ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَقَّةِ لَا عَلَى غَيْرِ الشَّاقِّ، وَذَلِكَ كَالِاغْتِسَالِ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ سَوَاءٌ فِي الْأَفْعَالِ وَيَزِيدُ أَجْرُ الِاغْتِسَالُ فِي الشِّتَاءِ بِتَحَمُّلِ مَشَقَّةِ الْبَرْدِ، فَلَيْسَ التَّفَاوُتُ فِي نَفْسِ الْعَمَلَيْنِ، بَلْ فِيمَا لَزِمَ عَنْهُمَا، وَكَذَلِكَ مَشَاقُّ الْوَسَائِلِ فِي قَاصِدِ الْمَسَاجِدِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ مِنْ مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، وَآخَرُ مِنْ بَعِيدَةٍ فَإِنَّ ثَوَابَهُمَا (يَتَفَاوَتُ) بِتَفَاوُتِ الْوَسِيلَةِ، وَيَتَسَاوَيَانِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَامِ بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ، قَالَ: وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ «أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك أَوْ قَالَ عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِك» ، فَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِالنَّفَقَةِ فَوَاضِحٌ فَإِنَّ مَا (يُنْفَقُ) فِي طَاعَةِ اللَّهِ (تَعَالَى) يُفَرَّقُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَإِنْ كَانَتْ
стр. 783
الرِّوَايَةُ بِالنَّصْبِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلَى قَدْرِ (تَحَمُّلِ) نَصَبِك، وَقَدْ قِيلَ فِي بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ (تَعَالَى) : بِعَيْنِي مَا يَتَحَمَّلُ الْمُتَحَمِّلُونَ مِنْ أَجْلِي.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَسَاوَ الْعَمَلَانِ فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَفْضِيلِ أَشَقِّهِمَا بِدَلِيلِ الْإِيمَانُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ مَعَ سُهُولَتِهِ وَخِفَّتِهِ عَلَى اللِّسَانِ، وَكَذَلِكَ الذِّكْرُ عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَكَذَلِكَ إعْطَاءُ الزَّكَاةِ مَعَ طِيبِ نَفْسٍ أَفْضَلُ مِنْ (إعْطَائِهَا) (مَعَ) الْبُخْلِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، (وَكَذَلِكَ) جَعَلَ (النَّبِيُّ) ﷺ (الْمَاهِرَ) بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفْرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ وَجَعَلَ (لِلَّذِي) يَقْرَأَهُ، وَيُتَعْتِعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ (أَجْرَيْنِ) قُلْت (وَلِذَلِكَ) أَجَابَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا لَمَّا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُشْرَعُ لَهُ وَجْهُ بِرٍّ فَيَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَآخَرُ يُشْرَعُ لَهُ فَيُسَرُّ بِذَلِكَ فَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ قَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ ﷺ : «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَهُوَ كَبِيرٌ فَشَقَّ
стр. 784
عَلَيْهِ فَلَهُ أَجْرَانِ» .
وَ (هَذَا) ظَاهِرٌ فِي تَرْجِيحِ الْمُكْرِهِ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ لَهُ (عَمَلَيْنِ) (جِهَادًا وَطَاعَةً) أُخْرَى، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ، وَخَالَفَهُمْ (الْجُنَيْدُ) فِي جَمَاعَةٍ فَقَالُوا: الْبَاذِلُ لِذَلِكَ طَوْعًا أَفْضَلُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّ مَقَامَهُ فِي طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ.
الثَّانِي: إذَا تَعَارَضَ الْعَمَلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَشْرَفَ فِي نَفْسِهِ وَالْآخَرُ أَكْبَرَ عَدَدًا فَلَا تُطْلَقُ أَفْضَلِيَّةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ مَقَاصِدِ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ (الْإِمَامُ) الشَّافِعِيُّ (﵁) : التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ سَمِينَةٍ (أَفْضَلُ مِنْ التَّضْحِيَةُ بِشَاتَيْنِ) هَزِيلَتَيْنِ، وَالِاسْتِكْثَارُ فِي الْقِيمَةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ (اسْتِكْثَارِ الْعَدَدِ) ، وَفِي الْعِتْقِ بِعَكْسِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا (اللَّحْمُ) (وَالسِّمَنُ) أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْعِتْقِ (التَّخَلُّصُ) مِنْ الرِّقِّ،
стр. 785
وَتَخْلِيصُ عَدَدٍ أَوْلَى مِنْ وَاحِدٍ.
وَمِثْلُ الْأُضْحِيَّةُ الْهَدْيُ وَالْعَقِيقَةُ، وَفِي (سُنَنِ أَبِي دَاوُد حَدِيثٌ فِي تَفْضِيلِ الْبَدَنَةِ السَّمِينَةِ) نَعَمْ لَوْ لَمْ يَجِدْ فِي الْعَقِيقَةِ لِلذِّكْرِ إلَّا ثَمَنَ شَاةٍ سَمِينَةٍ (قِيمَةُ) مَهْزُولَتَيْنِ، فَهَا هُنَا شِرَاءُ الْمَهْزُولَتَيْنِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ مَقْصُودٌ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ (يُشْكِلُ) فِي الْعِتْقِ بِقَوْلِهِ ﷺ : «خَيْرُ الرِّقَابِ أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا» .
وَمِنْهَا إذَا تَعَارَضَ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، وَصَلَاةُ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثَلَاثٌ رِوَايَاتٍ ثَالِثُهَا التَّسْوِيَةُ، وَمِثْلُهُ قِرَاءَةُ سُورَةٍ وَاحِدَةٍ بِتَدَبُّرٍ (وَالْآخَرُ) يَقْرَأُ سُوَرًا عَدِيدَةً فِي ذَلِكَ (الزَّمَنِ) وَالْأَقْرَبُ تَرْجِيحُ (الْمُتَفَكِّرِ) عَلَى الْمُسْرِعِ.
وَمِنْهَا صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ قِيَامٍ أَفْضَلُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ قُعُودٍ.
الثَّالِثُ
الْعَمَلُ الْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَبُوهُ وَغَيْرُهُمْ بِتَفْضِيلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى فَرْضِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَسْقَطَ الْحَرَجَ عَنْ الْأُمَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا الْكَلَامِ
стр. 786
مُنَازَعَةٌ لِمَا سَبَقَ فِي حَرْفِ التَّاءِ فِي تَعَارُضِ الْفَرْضَيْنِ.
وَاسْتَنْبَطَ (ابْنُ حِبَّانَ) فِي صَحِيحِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» أَنَّ الْمُؤَذِّنَ يَكُونُ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى بِأَذَانِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ (﵁) الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْخَ عِزَّ الدِّينِ أَنْكَرَ هَذَا الْإِطْلَاقَ أَيْضًا وَقَالَ: قَدْ يَكُونُ الْقَاصِرُ أَفْضَلَ كَالْإِيمَانِ، وَقَدْ قَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ التَّسْبِيحَ عَقِبَ الصَّلَاةِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَقَالَ: «خَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» .
«وَسُئِلَ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إيمَانٌ بِاَللَّهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ» وَهَذِهِ كُلُّهَا قَاصِرَةٌ.
قُلْت: إلَّا الْجِهَادَ ثُمَّ اخْتَارَ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّ (فَضْلَ) الطَّاعَاتِ عَلَى قَدْرِ
стр. 787
الْمَصَالِحِ النَّاشِئَةِ عَنْهَا فَتَصَدُّقُ الْبَخِيلِ بِدِرْهَمٍ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ، وَصِيَامِ أَيَّامٍ.
الرَّابِعُ الْعَمَلُ يَنْقَسِمُ إلَى قَلْبِيٍّ وَبَدَنِيٍّ وَالْقَلْبِيُّ أَفْضَلُ، وَمِنْ شَرَفِهِ أَنَّهُ لَا (يَدْخُلُهُ) الرِّيَاءُ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ، وَالرِّيَاءُ آفَةُ كُلِّ عِبَادَةٍ.
قَالَ الْحَلِيمِيُّ: ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ أَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ (تَعَالَى) (إذَا لَمْ يُعْمَلْ لِمُجَرَّدِ) التَّقَرُّبِ بِهِ إلَيْهِ (وَابْتِغَاءِ) رِضَاهُ حَبَطَ وَلَمْ يَسْتَوْجِبْ ثَوَابًا إلَّا (أَنَّ) فِيهِ تَفْصِيلًا، وَهُوَ أَنَّ الْعَمَلَ (إذَا) كَانَ فَرْضًا فَمَنْ أَدَّاهُ، وَأَرَادَ بِهِ الْفَرْضَ غَيْرَ أَنَّهُ أَدَّاهُ بِنِيَّةِ الْفَرْضِ؛ لِيَقُولَ (النَّاسُ) : إنَّهُ فَعَلَ كَذَا لَا طَلَبًا لِرِضَا اللَّهِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَلَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَمْ يُعَاقَبْ بِمَا يُعَاقَبُ بِهِ تَارِكُهُ أَلْبَتَّةَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ ثَوَابًا، وَإِنَّمَا ثَوَابُهُ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَفَعَلَهُ يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ النَّاسِ، فَإِنَّ أَجْرَهُ يَحْبَطُ وَلَا يَحْصُلُ مِنْ عَمَلِهِ عَلَى شَيْءٍ يَكُونُ لَهُ، كَمَا حَصَّلَ الْأَوَّلُ سُقُوطَ الْفَرْضِ ثُمَّ الْعِقَابَ؛ لِأَجْلِ أَنَّهُ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ (تَعَالَى) .
الْخَامِسُ الْوَاجِبُ يَفْضُلُ الْمَنْدُوبَ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً كَمَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ،، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السَّبْعِينَ لَيْسَتْ لِلْحَصْرِ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لَنْ يَتَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي
стр. 788
بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» .
وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْقَرَافِيُّ أَنَّ الْمَنْدُوبَ قَدْ يَفْضُلُ الْوَاجِبَ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ شَاةٌ فَأَخْرَجَهَا، وَتَطَوَّعَ بِشَاتَيْنِ فَإِنَّ الشَّاتَيْنِ أَفْضَلُ، وَكَذَلِكَ إبْرَاءُ الْمُعْسِرِ مِنْ الدَّيْنِ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ وَإِنْظَارُهُ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْحَاصِلَةَ لِلْفُقَرَاءِ " بِالشَّاتَيْنِ " أَوْسَعُ، وَكَذَلِكَ الْإِبْرَاءُ وَالصَّوَابُ طَرْدُ الْقَاعِدَةِ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ «سَبَقَ دِرْهَمٍ مِائَةَ أَلْفٍ» مَعَ أَنَّ التَّوْسِعَةَ بِالْأَلْفِ أَعْظَمُ مِنْهَا بِالْوَاحِدِ.
[عِلَّةُ الْحُكْمُ إذَا زَالَتْ وَخَلَفَهَا عِلَّةٌ أُخْرَى]
" اسْتَنَدَ " " الْحُكْمُ إلَى الثَّانِيَةِ وَلَغَتْ " الْأُولَى ".
وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَفَرَّقَ الْقَاضِي ثُمَّ رَجَعَا ثُمَّ قَامَتْ " بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ " بِرَضَاعٍ فَلَا رُجُوعَ
стр. 789
وَمِنْهَا لَوْ قَذَفَهُ فَزَنَى سَقَطَ الْحَدُّ، نَعَمْ لَوْ جَرَحَهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ فَارْتَدَّ، وَمَاتَ لَمْ يَسْقُطْ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ.
[الْعَوْلُ وَالرَّدُّ]
الْعَوْلُ زِيَادَةُ السِّهَامِ وَالرَّدُّ: نَقِيضُهَا، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ: الْفَلَسُ وَالْفَرَائِضُ وَالْوَصَايَا إذَا أَوْصَى بِنِصْفِ مَالِهِ لِزَيْدٍ " وَبِنِصْفِ " مَالِهِ لِعَمْرٍو وَبِنِصْفِ مَالِهِ لِبَكْرٍ قُسِّمَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا.
وَيَجِيءُ فِي رَابِعٍ وَهُوَ الْوَقْفُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا لَوْ قَالَ وَقَفْتُ هَذِهِ الدَّارَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو، " لِزَيْدٍ " نِصْفُهَا وَلِعَمْرٍو ثُلُثَاهَا فَيَأْتِي فِيهِ الْعَوْلُ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ لِزَيْدٍ نِصْفَهَا وَلِعَمْرٍو ثُلُثَهَا فَيَأْتِي فِيهِ الرَّدُّ وَهُوَ غَرِيبٌ.
وَيَجِيءُ الْعَوْلُ فِي خَامِسٍ وَهُوَ الطَّلَاقُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةً أَنْصَافِ طَلْقَةٍ فَإِنَّ الْأَجْزَاءَ مُضَافَةً إلَى الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَجْزَاءِ طَلْقَةٍ فَتَقَعُ طَلْقَةً.
وَلَوْ خَلَّفَ أَلْفًا فَادَّعَى وَاحِدٌ عَلَى الْوَارِثِ أَنَّهُ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ، وَآخَرُ الْأَلْفَ دَيْنًا " فَصَدَّقَهُمَا "، فَإِنْ صَدَّقَ مُدَّعِي الدَّيْنَ أَوَّلًا فَذَاكَ، أَوْ مُدَّعِي الْوَصِيَّةَ " فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُقَدَّمُ؛ لِتَقَدُّمِهَا.
وَالثَّانِي الدَّيْنُ كَمَا هُوَ وَضْعُ الشَّرْعِ، وَإِنْ صَدَّقَهُمَا مَعًا فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَعُزِيَ لِلْأَكْثَرَيْنِ أَنَّهُ يُقَسِّمُ الْأَلْفَ أَرْبَاعًا إذْ يَحْتَاجُهَا لِلدَّيْنِ وَثُلُثُهَا لِلْوَصِيَّةِ " فَتَزَاحَمَا " عَلَى الْأَلْفِ.
стр. 790
فَيَخُصُّ الْوَصِيَّةَ بِثُلُثٍ عَائِلٍ وَهُوَ الرَّابِعُ، وَالثَّانِي، وَبِهِ قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يُقَدَّمُ الدَّيْنُ كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ: وَهُوَ الْحَقُّ، وَفِي هَذَا " الْفَرْعِ " لُغْزٌ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الْوَصِيَّةِ عَلَى الدَّيْنِ عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَلَوْ عُدِمَ بَعْضُ الْأَصْنَافِ وَمَنَعْنَا النَّقْلَ رُدَّ عَلَى الْبَاقِينَ وَقِيلَ يُنْقَلُ.
[الْعُيُوبُ الْمُعْتَبَرَةُ شَرْعًا]
ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ - عَيْبُ " الْمَبِيعِ " وَهُوَ مَا " نَقَصَ " الْمَالِيَّةَ، وَمِثْلُهُ الْهِبَةُ بِعِوَضٍ.
الثَّانِي - عَيْبُ الْإِجَارَةِ " وَمَا " يُؤَثِّرُ فِي الْمَنْفَعَةِ تَأْثِيرًا يَظْهَرُ تَفَاوُتُ الْأُجْرَةِ بِهِ.
الثَّالِثُ - عَيْبُ الْغُرَّةِ كَالْبَيْعِ.
الرَّابِعُ - عَيْبُ الْكَفَّارَةِ مَا أَضَرَّ بِالْعَمَلِ وَالِاكْتِسَابِ إضْرَارًا بَيِّنًا.
الْخَامِسُ - عَيْبُ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ وَالْعَقِيقَةِ مَا يَنْقُصُ اللَّحْمَ.
السَّادِسُ - عَيْبُ النِّكَاحِ مَا يُنَفِّرُ عَنْ الْوَطْءِ " يَكْسِرُ شَهْوَةَ التَّوَّاقِ ".
السَّابِعُ - عَيْبُ الصَّدَاقِ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَقَدْ تَعَيَّبَ بِمَا يَفُوتُ بِهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ.
الثَّامِنُ - عَيْبُ الزَّكَاةِ قِيلَ كَالْأُضْحِيَّةِ.
الْعَيْبُ الْحَادِثُ فِي الْمَبِيعِ يَمْنَعُ الرَّدَّ إلَّا إذَا كَانَ بِطَرِيقِ اسْتِعْلَامِ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ،
стр. 791
وَمِنْهُ " التَّصْرِيَةُ فَإِنَّهَا تُثْبِتُ الْخِيَارَ إذْ لَا " يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ إلَّا " بِالْجَلْبِ.
" " الْعَيْبُ الْمُوجِبُ لِفَسْخِ النِّكَاحِ إذَا عَلِمَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ النِّكَاحِ فَلَا خِيَارَ لَهَا إلَّا الْعُنَّةَ فِي الْأَصَحِّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ الْبَرَصُ وَنَحْوُهُ مِمَّا يُمْكِنُ زَوَالُهُ.
стр. 792
[حَرْفُ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ] [ الْغَايَةُ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ]
الْغَايَةُ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ قَدْ لَا يَدْخُلَانِ فِي الْبَيْعِ، إذَا قَالَ: بِعْتُك مِنْ هَذَا الْجِدَارِ إلَى هَذَا الْجِدَارِ لَا تَدْخُلُ الْجُدْرَانُ فِي الْبَيْعِ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْبَيْعِ ".
وَيَدْخُلَانِ فِي الطَّلَاقِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى " ثِنْتَيْنِ " يَقَعُ " الطَّلَاقُ " عَلَى الْأَصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ.
وَمِثْلُهُ الضَّمَانُ فِي ضَمِنْتُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ فِي الْمُحَرَّرِ وَصَحَّحَ فِي الْمِنْهَاجِ " تِسْعَةً " وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الْمُحَرَّرُ فِي نَظِيرِ الْمَسْأَلَةِ " مِنْ " الْإِقْرَارِ.
وَلَوْ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ أَعْطُوهُ مِنْ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ فَعَلَى أَوْجُهِ الْإِقْرَارِ، وَحَكَى " الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ " أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْحِسَابَ فَلِلْمُوصَى لَهُ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ؛ لِأَنَّهُ
стр. 793
الْحَاصِلُ مِنْ " جَمْعِ " وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةِ عَلَى " تَوَالِي " الْعَدَدِ.
وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْحِسَابَ أُعْطِيَ الْمُتَيَقَّنُ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَيَنْبَغِي طَرْدُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَبْوَابِ الْمُمْكِنِ فِيهَا.
[غَالِبُ الْبَلَدِ يُعْتَبَرُ فِي مَسَائِلَ]
َ مِنْهَا الشَّاةُ الْمُخْرَجَةُ عَنْ " الْإِبِلِ فِي الزَّكَاةِ "، الْفِدْيَةُ فِي الْحَجِّ، الْكَفَّارَاتُ الْمَرْتَبَةُ وَالْمُخَيَّرَةُ، زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ، إبِلُ الدِّيَةِ " عَلَى " الْجَانِي وَالْعَاقِلَةِ، تَقْوِيمُ " الْمُتْلَفِ " إنَّمَا يَكُونُ بِغَالِبِ الْبَلَدِ كَمَا " قَالَهُ " الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ مِنْ كِتَابِ الْبَيْعِ.
[حُكْم غَرِيمُ الْغَرِيمِ]
غَرِيمُ الْغَرِيمِ جَعَلُوهُ كَالْغَرِيمِ فِيمَا لَوْ ظَفِرَ بِمَالِ غَرِيمِ غَرِيمِهِ لَهُ أَخْذُهُ.
وَلَمْ يَجْعَلُوهُ كَهُوَ فِيمَا لَوْ لَمْ يَحْلِفْ الْمُفْلِسُ لَا يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ فِي الْأَصَحِّ.
[الْغُسْلُ يَنْقَسِمُ إلَى وَاجِبٍ وَمُسْتَحَبٍّ]
ٍّ وَضَابِطُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا كَمَا قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنِ فِي
стр. 794
كِتَابِ الْحَجِّ أَنَّ مَا شُرِعَ " لِسَبَبٍ " مَاضٍ كَانَ وَاجِبًا كَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْمَوْتِ.
وَمَا شُرِعَ لِمَعْنًى فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ مُسْتَحَبًّا كَأَغْسَالِ الْحَجِّ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَنَحْوَهُ.
وَاسْتَثْنَى الْحَلِيمِيُّ مِنْ الْأَوَّلِ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ.
قُلْت وَكَذَا الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْإِسْلَامُ.
[حُكْم غُسْلُ الْعِيدَيْنِ]
غُسْلُ الْعِيدَيْنِ كَالْجُمُعَةِ إلَّا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ غُسْلَ " الْعِيدِ " مُسْتَحَبٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يَوْم غُسْلُ الْعِيدَيْنِ كَالْجُمُعَةِ إلَّا فِي شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ غُسْلَ " الْعِيدِ " مُسْتَحَبٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ سُرُورٍ، وَغُسْلُ الْجُمُعَةِ لِمَنْ يُرِيدُ حُضُورَهَا فِي الْأَصَحِّ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ الْغُسْلُ لِلْعِيدِ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَجُوزُ لِلْجُمُعَةِ إلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ.
стр. 795
[حَرْفُ الْفَاءِ] [ الْفَاسِدُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
الْفَاسِدُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ: الْفَاسِدُ وَالْبَاطِلُ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ عِنْدَنَا وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيُّ الْحَجَّ وَالْخُلْعَ وَالْكِتَابَةَ وَالْعَارِيَّةَ، وَصُورَةُ الْحَجِّ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ فَاسِدًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَيَجِيءُ عَلَى وَجْهٍ فِيمَا إذَا أَحْرَمَ وَهُوَ مُجَامِعٌ.
وَحُكْمُ الْفَاسِدِ أَنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ " فِيهِ "، بِخِلَافِ الْبَاطِلِ كَالرِّدَّةِ.
وَصُورَةُ الْخُلْعِ الْفَاسِدِ " أَنَّهُ يُوجِبُ " الْبَيْنُونَةَ وَيُفْسِدُ الْمُسَمَّى، وَالْبَاطِلُ مَا أَسْقَطَ " الطَّلَاقَ " بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ أَسْقَطَ بَيْنُونَةً مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مُلْغًى.
وَصُورَةُ الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ مَا أَوْقَعَتْ الْعِتْقَ وَأَوْجَبَتْ عِوَضًا فِي الْجُمْلَةِ، وَالْبَاطِلَةُ مَا لَا تُوجِبُ عِتْقًا أَصْلًا أَوْ أَوْجَبَتْهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ تَعْلِيقًا لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِلْعِوَضِ، فَالْبَاطِلَةُ لَاغِيَةٌ وَالْفَاسِدَةُ تُشَارِكُ الصَّحِيحَةَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهَا.
وَصُورَةُ الْعَارِيَّةِ فِي إعَارَةِ النَّقْدِ " لِلتَّزْيِينِ " هَلْ تَصِحُّ؟ وَجْهَانِ، فَإِنْ صَحَّتْ فَهِيَ مَضْمُونَةٌ وَإِنْ فَسَدَتْ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْفَاسِدِ حُكْمُ الصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَالثَّانِي لَا تُضْمَنُ؛ لِأَنَّهَا عَارِيَّةٌ بَاطِلَةٌ.
стр. 796
وَبَلَغَنِي عَنْ الشَّيْخِ زَيْنِ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ " أَنَّهُ اسْتَدْرَكَ أَرْبَعَةً أُخَرَ، وَهِيَ الْوَكَالَةُ وَالْإِجَارَةُ وَعَقْدُ الْجِزْيَةِ وَالْعِتْقُ، وَنَحْتَاجُ لِتَصْوِيرِهَا، فَالْوَكَالَةُ تَفْسُدُ بِالتَّعْلِيقِ وَيَسْتَفِيدُ بِهَا جَوَازَ التَّصَرُّفِ، وَالْبَاطِلَةُ " لِاخْتِلَالِ " الْعَاقِدِ لَاغِيَةٌ، كَتَوْكِيلِ الصَّبِيِّ وَكَذَا الْمَرْأَةُ فِي النِّكَاحِ، وَصُورَةُ الْعِتْقِ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَالٍ؛ لِأَنَّهُ كَالطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ سَوَاءٍ؛ لِأَنَّهُ افْتِدَاءٌ.
وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ: " إنَّهُ " لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي عَلَى خَمْرٍ أَوْ مَغْصُوبٍ فَفَعَلَ نَفَذَ الْعِتْقُ " عَنْ " الْمُشْتَرِي، وَلَزِمَهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ كَمَا فِي الْخُلْعِ وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ الصُّلْحُ عَنْ الدَّمِ، وَصُورَةُ الْجِزْيَةِ أَنْ تُعْقَدَ " بِإِخْلَالِ " شَرْطٍ وَحُكْمُهَا أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى حُكْمِ ذَلِكَ الْعَقْدِ عِنْدَنَا سَنَةً " أَوْ أَكْثَرَ " وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ وَلَا يَجِبُ الْمُسَمَّى، وَأَمَّا الْبَاطِلَةُ فَبِأَنْ يَعْقِدَهَا بَعْضُ الْآحَادِ مَعَ الذِّمِّيِّ، فَإِذَا أَقَامَ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ فَهَلْ يَلْزَمُهُ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا نَعَمْ، كَمَا لَوْ فَسَدَ عَقْدُ الْإِمَامِ، وَأَصَحُّهُمَا لَا؛ لِأَنَّهُ لَغْوٌ، وَصُورَةُ " الْإِجَارَةِ ".
الثَّانِي: فَاسِدُ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ، وَمَعْنَى " ذَلِكَ " أَنَّ مَا اقْتَضَى صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالْعَمَلِ فِي الْقِرَاضِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ فَيَقْتَضِي فَاسِدُهُ " أَيْضًا الضَّمَانَ "؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِذَلِكَ، وَمَا لَا يَقْتَضِي صَحِيحُهُ الضَّمَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ كَالرَّهْنِ وَالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ،
стр. 797
وَالتَّبَرُّعِ كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ لَا يَقْتَضِيهِ فَاسِدُهُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ الْمُوجِبُ لَهُ هُوَ الْعَقْدُ، لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ وَلَا الْيَدُ؛ لِأَنَّهَا " إنَّمَا " جُعِلَتْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ كُلَّ حَالٍ ضُمِنَ " فِيهَا الْعَقْدُ " الصَّحِيحُ ضُمِنَ " فِي مِثْلِهَا الْفَاسِدُ " فَإِنَّ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ لَا يَجِبُ فِيهِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ وَإِنَّمَا يُضْمَنُ الْعَيْنُ بِالثَّمَنِ وَالْمَقْبُوضُ " بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَجِبُ " فِيهِ " ضَمَانُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي " كَانَ فِي يَدِهِ " سَوَاءٌ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ أَمْ " تَلِفَتْ " تَحْتَ يَدِهِ، وَالْمَهْرُ " فِي " النِّكَاحِ الصَّحِيحِ يَجِبُ بِالْعَقْدِ وَيَسْتَقِرُّ بِالْوَطْءِ، وَفِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْوَطْءِ، " وَفِي الْإِجَارَةِ " الصَّحِيحَةِ تَجِبُ الْأُجْرَةُ " بِعَرْضِ الْعَيْنِ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ " وَتَمْكِينُهُ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ " يَقْبِضْهُ "، وَفِي الْفَاسِدَةِ لَا تَجِبُ بِالْعَرْضِ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا يَفْتَرِقَانِ عَلَى وَجْهٍ فِي الْقَبْضِ إذَا لَمْ يَنْتَفِعْ فَفِي الصَّحِيحَةِ يَضْمَنُ الْأُجْرَةَ وَفِي الْفَاسِدَةِ لَا، وَالْمَذْهَبُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِيهِ.
وَقَدْ اسْتَثْنَوْا مِنْ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ صُوَرًا.
أَمَّا الطَّرْدُ " فَالْأُولَى ": إذَا قَالَ: قَارَضْتُك عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِي، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قِرَاضٌ فَاسِدٌ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ أُجْرَةً فِي الْأَصَحِّ. الثَّانِيَةُ: إذَا سَاقَاهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ " جَمِيعَهَا لِرَبِّ الْمَالِ فَكَالْقِرَاضِ "
стр. 798
الثَّالِثَةُ: إذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ لِيَغْرِسَهُ وَيَكُونُ الشَّجَرُ بَيْنَهُمَا أَوْ لِيَغْرِسَهُ وَيَتَعَهَّدَهُ مُدَّةً وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، فَالصَّحِيحُ فَسَادُهَا ثُمَّ إنْ كَانَتْ الثَّمَرَةُ " لَا تُتَوَقَّعُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ الْوَجْهَانِ فِي اشْتِرَاطِ الثَّمَرَةِ " كُلِّهَا لِلْمَالِكِ، كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، قَالَ " وَهَكَذَا " إذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ مَغْرُوسٍ وَقَدْرِ مُدَّةٍ لَا يُثْمِرُ " فِيهَا فِي الْعَادَةِ. " الرَّابِعَةُ ": إذَا اسْتَأْجَرَ أَبُ الطِّفْلِ أُمَّهُ لِإِرْضَاعِهِ وَقُلْنَا: لَا يَجُوزُ لَمْ تَسْتَحِقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ فِي الْأَصَحِّ.
الْخَامِسَةُ: إذَا اُسْتُؤْجِرَ الْمُسْلِمُ لِلْجِهَادِ وَقَاتَلَ وَقُلْنَا بِفَسَادِ " الْإِجَارَةِ " فَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَهَلْ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ " الْغَنِيمَةِ " وَجْهَانِ " أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْهُ بِالْإِجَارَةِ " وَلَمْ يَحْضُرْ مُجَاهِدًا، وَالْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إلَى نَفْسِهِ هَلْ يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ؟ السَّادِسَةُ: إذَا قَالَ الْإِمَامُ لِمُسْلِمٍ: إنْ " دَلَلْتنِي " عَلَى قَلْعَةِ كَذَا فَلَكَ مِنْهَا جَارِيَةٌ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا فَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ، كَمَا لَوْ جَرَى مَعَ كَافِرٍ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ هَذِهِ الْجَعَالَةُ فَدَلَّ لَمْ يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً. السَّابِعَةُ: إذَا صَدَرَ عَقْدُ الذِّمَّةِ مِنْ غَيْرِ الْإِمَامِ لَا يَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ وَلَا جِزْيَةَ عَلَى الذِّمِّيِّ فِيهِ فِي الْأَصَحِّ، وَوَجَّهَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْقَبُولَ مِمَّنْ لَا يَقْبَلُ الْإِيجَابَ لَغْوٌ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ شَيْئًا، " وَقِيلَ ": لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ، كَمَا لَوْ " فَسَدَ " عَقْدُ الْإِمَامِ.
стр. 799
قُلْت: وَهَذَا مِنْ صُوَرِ الْبَاطِلَةِ لَا الْفَاسِدَةِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ عَقْدٌ حَتَّى يُقَالَ: فَاسِدٌ، " وَهَذَا " الْبَحْثُ يَطْرُقُ غَالِبَ " هَذِهِ " الصُّوَرِ، وَيَظْهَرُ عَدَمُ اسْتِثْنَائِهَا.
وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ الْمُسَابَقَةَ وَالْمُنَاضَلَةَ، فَإِنَّ صَحِيحَهُمَا مَضْمُونٌ بِالْمُسَمَّى، وَفَاسِدَهُمَا لَا ضَمَانَ فِيهِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ فِيهِمَا وُجُوبُ الْأُجْرَةِ.
وَأَمَّا الْعَكْسُ فَصُوَرٌ.
مِنْهَا: الشَّرِكَةُ فَإِنَّ صَحِيحَهَا لَا يُوجِبُ لِأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ شَيْئًا وَفَاسِدَهَا يُوجِبُهُ.
وَالْهِبَةُ الصَّحِيحَةُ لَا ضَمَانَ فِيهَا وَالْفَاسِدَةُ تُضْمَنُ عَلَى وَجْهٍ نُقِلَ " تَرْجِيحُهُ " عَنْ الشَّرْحِ الصَّغِيرِ.
وَلَوْ غَصَبَ عَيْنًا وَوَهَبَهَا أَوْ آجَرَهَا فَتَلِفَتْ فِي يَدِ " الْآخَرِ " كَانَ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَتُهُ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ " الْقَرَارُ " عَلَى الْغَاصِبِ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْفَاسِدِ مَا يَشْمَلُ الْبَاطِلَ فَيَنْبَغِي اسْتِثْنَاءُ إعَارَةِ النَّقْدِ وَإِجَارَتُهُ فَإِنَّهُ لَا يُضْمَنُ إذَا قُلْنَا: يَبْطُلُ، وَكَذَا الرَّهْنُ مِنْ غَيْرِ الْأَهْلِ كَالصَّبِيِّ وَالسَّفِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِيمَا إذَا عَجَّلَ زَكَاتَهُ ثُمَّ ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ فَوَجَدَهُ تَالِفًا أَنَّ الْقَابِضَ يَضْمَنُهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ فِيمَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ الرُّجُوعُ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْقَبْضِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ صَحِيحًا، لَكِنَّهُ " مُرَاعًى "، نَعَمْ إذَا ظَهَرَ قَابِضُ الزَّكَاةِ " مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهَا " فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا لِكَوْنِ الْقَابِضِ " لَا " يَمْلِكُ بِهِ فَهَذَا مِنْ الْقَبْضِ الْبَاطِلِ لَا الْفَاسِدِ.
стр. 800
الثَّالِثُ: حُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا " فِي " التَّغَابُنِ فِيمَا يُحَطُّ وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الرَّهْنِ أَنَّهُ إذَا بَاعَ الْوَكِيلُ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَقُلْنَا: لَا يَصِحُّ فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي " مَاذَا " يَغْرَمُ؟ " عَلَى " قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا ثَمَنُهُ، وَالثَّانِي يُحَطُّ النَّقْصُ الْمُحْتَمَلُ فِي الِابْتِدَاءِ، كَمَا إذَا " كَانَ " ثَمَنُهُ عَشْرَةً " وَيَتَغَابَنُ " فِيهِ بِدِرْهَمٍ فَبَاعَهُ بِثَمَانِيَةٍ يَغْرَمُ تِسْعَةً وَيَأْخُذُ الدِّرْهَمَ " الْبَاقِيَ " مِنْ الْمُشْتَرِي.
الرَّابِعُ: قَالَ الْعَبَّادِيُّ وَالْهَرَوِيُّ وَشُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ " فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ: كُلُّ عَقْدٍ " بِمُسَمًّى " فَاسِدٍ يُسْقِطُ الْمُسَمَّى إلَّا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ مَا إذَا عَقَدَ الْإِمَامُ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ " السُّكْنَى " بِالْحِجَازِ عَلَى مَالٍ " فَهَذِهِ " إجَارَةٌ فَاسِدَةٌ، فَلَوْ " سَكَنُوا " " سَنَةً " وَمَضَتْ الْمُدَّةُ لَزِمَ الْمُسَمَّى لِتَعَذُّرِ إيجَابِ عِوَضِ الْمِثْلِ فَإِنَّ مَنْفَعَةَ دَارِ الْإِسْلَامِ " سَنَةً " لَا يُمْكِنُ أَنْ تُقَابَلَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا فَيَتَعَيَّنُ إيجَابُ الْمُسَمَّى. قُلْت: وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ " سَكَنُوا " بَعْضَ الْمُدَّةِ وَجَبَتْ الْحِصَّةُ مِنْ الْمُسَمَّى وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ.
стр. 801
وَيَلْتَحِقُ بِهَا صُوَرٌ: مِنْهَا: لَوْ قَالَ: أَحْرِقْ ثَوْبِي أَوْ أَهْدِمْ دَارِي أَوْ أَتْلِفْ هَذَا الطَّعَامَ بِشَرْطِ أَنْ تَضْمَنَ ذَلِكَ " لِي " بِعَبْدٍ صِفَتُهُ، كَذَا بِصِفَةِ السَّلَمِ فَإِنَّ الْمَأْذُونَ لَهُ إذَا أَقْدَمَ عَلَى الْإِتْلَافِ يَلْزَمُهُ الْمُسَمَّى دُونَ الْقِيمَةِ فِي الْمُتَقَوِّمِ دُونَ " الْمِثْلِ " فِيمَا لَهُ مِثْلٌ، نَقَلَ هَذِهِ الصُّورَةَ صَاحِبُ كِتَابِ جَوَاهِرِ التَّنْبِيهِ ".
وَمِنْهَا: لَوْ عَقَدَ الْإِمَامُ الذِّمَّةَ لِجَمَاعَةٍ كُلٌّ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ فَهَذَا عَقْدٌ فَاسِدٌ، ثُمَّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ إذَا مَضَتْ السَّنَةُ، إلَّا الْقَدْرَ الْمُسَمَّى دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ قَالَ: لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْبِذَ الْعَهْدَ إلَيْهِمْ حَتَّى يُجَدِّدُوا عَقْدًا صَحِيحًا.
وَمِنْهَا: لَوْ اسْتَأْجَرَ الْإِمَامُ الْعَامِلَ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ " قِيلَ ": يَجِبُ الْمُسَمَّى وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْإِمَامِ مِنْ مَالِهِ لَكِنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِفَسَادِ الْإِجَارَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَذَلَ " الْمَالِكُ " طَعَامَهُ لِلْمُضْطَرِّ " " بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَالْأَقْيَسُ لُزُومُهُ، وَقِيلَ: ثَمَنُ الْمِثْلِ وَقِيلَ: إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَشُقُّ عَلَى الْمُضْطَرِّ " لِيَسَارِهِ لَزِمَتْهُ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا الْخِلَافُ إذَا عَجَزَ عَنْ الْأَخْذِ قَهْرًا فَإِنْ أَمْكَنَهُ فَهُوَ مُحْتَارٌ فِي الِالْتِزَامِ فَيَلْزَمُهُ قَطْعًا.
الْخَامِسُ: الْفَاسِدُ لَا يُمْلَكُ فِيهِ شَيْءٌ " وَيَلْزَمُهُ " الرَّدُّ وَمُؤْنَتُهُ وَلَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ لِقَبْضِ
стр. 802
الْبَدَلِ وَلَا يَرْجِعُ بِمَا أَنْفَقَ إنْ عَلِمَ الْفَسَادَ وَكَذَا إنْ جَهِلَ فِي الْأَصَحِّ.
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ: إحْدَاهُمَا: الْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ فِيهَا أَكْسَابَهُ.
الثَّانِيَةُ: إذَا صَالَحَنَا كَافِرًا بِمَالٍ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ فَدَخَلَ وَأَقَامَ، فَإِنَّا نَمْلِكُ الْمَالَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْفِرِنْجِ عَلَى " زِيَارَتِهِمْ " بَيْتَ لَحْمٍ " وَكَنِيسَةَ قُمَامَةَ " " فَإِنَّهُ " يَمْلِكُهُ الْمُسْلِمُونَ، كَمَا يَمْلِكُونَهُ بِالْمُصَالَحَةِ " عَلَى " دُخُولِ الْحَرَمِ.
السَّادِسُ: الْفَاسِدُ مِنْ الْعُقُودِ لَا يُوجِبُ الْمَالَ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: الصَّدَاقُ وَالْخُلْعُ وَكُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ إذَا عُلِّقَ فَسَدَ بِالتَّعْلِيقِ إلَّا فِي الْخُلْعِ وَالْعِتْقِ بِأَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ غَدًا عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَ الْعَبْدُ، وَكَذَا الْبَيْعُ الضِّمْنِيُّ " فِيمَا " لَوْ قَالَ: الْمَالِكُ لِغَيْرِهِ: عَبْدِي عَنْك حُرٌّ بِأَلْفٍ إذَا جَاءَ الْغَدُ؛ فَقَالَ الْمُخَاطَبُ: قَبِلْت؛ عَتَقَ وَهَلْ تَجِبُ قِيمَتُهُ أَوْ الْمُسَمَّى؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي كَتَعْلِيقِ الْخُلْعِ.
السَّابِعُ: لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ بِفَسَادِ الصَّدَاقِ إلَّا فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِحُرَّةٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ رَقَبَتُهُ صَدَاقَهَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَإِنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: فِيهِ احْتِمَالٌ لِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَيْ وَهُوَ صَاحِبُ الشَّامِلِ.
стр. 803
الثَّانِيَةُ: نِكَاحُ الشِّغَارِ وَهُوَ إذَا قَالَ: زَوَّجْتُك بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَك، وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقُ الْأُخْرَى فَزَوَّجَهُ فَالنِّكَاحَانِ بَاطِلَانِ.
الثَّامِنُ: الْفَاسِدُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْضُ أَحْكَامِ الصَّحِيحِ كَالصُّوَرِ السَّابِقَةِ فِي الْحَجِّ وَالْكِتَابَةِ وَالْعَارِيَّةِ وَالْخُلْعِ " وَمَا أُلْحِقَ بِهَا وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَةُ يَحْصُلُ الْعِتْقُ فِيهَا " بِالْأَدَاءِ "، وَكَذَا الْوَكَالَةُ الْفَاسِدَةُ " يَنْفُذُ " التَّصَرُّفُ مِنْ الْوَكِيلِ فِيهَا، وَكَذَا التَّسْمِيَةُ الْفَاسِدَةُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ تُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ كَالْخُلْعِ.
التَّاسِعُ: الْفَاسِدُ مِنْ الْعُقُودِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْإِذْنِ إذَا صَدَرَتْ مِنْ الْمَأْذُونِ صَحَّتْ كَمَا فِي الْوَكَالَةِ الْمُعَلَّقَةِ إذَا أَفْسَدْنَاهَا فَتَصَرُّفُ الْوَكِيلِ صَحَّ لِوُجُودِ الْإِذْنِ، وَطَرَدَهُ الْإِمَامُ فِي سَائِرِ صُوَرِ الْفَسَادِ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ: لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحُجَّ عَنْهُ بِأُجْرَةٍ فَاسِدَةٍ أَوْ صَدَرَتْ الْإِجَارَةُ بِشَرْطٍ فَقَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ إذَا صَحَّ انْصَرَفَ إلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَهُوَ حَسَنٌ صَحِيحٌ لِصِحَّةِ الْإِذْنِ، وَهُوَ " بِمَثَابَةِ " الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ مَعَ شَرْطِ عِوَضٍ " لِلْوَكِيلِ " فَاسِدٍ، " فَالْإِذْنُ " صَحِيحٌ وَالْعِوَضُ فَاسِدٌ، " قَالَ ": وَهَذَا يَظْهَرُ جَرَيَانُهُ فِيمَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْإِذْنِ الْمُجَرَّدِ وَالْحَجُّ كَذَلِكَ.
قُلْت: " وَقَضِيَّةُ " جَرَيَانِهِ فِيمَا لَوْ وَكَّلَ الْمَوْلَى بِتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَلَوْ زَوَّجَ صَحَّ نَظَرًا لِبَقَاءِ الْإِذْنِ، لَكِنَّ كَلَامَهُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ يُخَالِفُهُ.
стр. 804
الْعَاشِرُ: الْفَاسِدُ مِنْ الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا إذَا اطَّلَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَجَبَ " عَلَيْهِ فَسْخُهُ " إذَا رُفِعَ إلَيْهِ، وَهَلْ يَفْسَخُهُ قَبْلَ التَّرَافُعِ خِلَافٌ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَمَحَلُّهُ فِيمَا لَمْ يُعْطَ فِيهِ الْفَاسِدُ بَعْضَ حُكْمِ الصَّحِيحِ فَإِنْ أُعْطِيَ كَالْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ فَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ الْإِبْطَالُ مِنْ غَيْرِ طَلَبِ السَّيِّدِ صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْبَغَوِيِّ وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: الْعَقْدُ الْفَاسِدُ تَعَاطِيهِ حَرَامٌ وَقَدْ سَبَقَ أَحْكَامُهُ " فِي حَرْفِ التَّاءِ ".
الثَّانِيَ عَشَرَ: لَا يَدْخُلُ الْفَاسِدُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: الْحَجُّ " يَحْنَثُ بِفَاسِدِهِ " كَصَحِيحِهِ.
وَمِنْهَا: إذْنُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ ضَمِنْت لِي " خَمْرًا " فَأَنْتَ حُرٌّ فَضَمِنَهَا عَتَقَ قَالَهُ الْأَصْحَابُ عِنْدَ عِتْقِ أَمَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا وَاسْتَشْكَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ " بِمَنْ حَلَفَ " لَا يَبِيعُ الْخَمْرَ.
وَمِنْهَا: حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَقَرَأَ وَهُوَ جُنُبٌ حَنِثَ قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي فَتَاوِيهِ.
стр. 805
وَمِثْلُهُ: حَلَفَ لَا يَطَأُ زَوْجَتَهُ فَوَطِئَ فِي الدُّبُرِ حَنِثَ عَلَى مَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَهُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ حَنِثَ بِالْمِيتَةِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى وَجْهٍ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: الْقَبْضُ الْفَاسِدُ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا " فِيمَا " إذَا وَقَعَ فِي ضِمْنِ إذْنٍ " فَيَبْرَأُ " إلْغَاءً لِلْفَاسِدِ وَإِعْمَالًا لِلصَّحِيحِ، وَلِذَلِكَ صُوَرٌ: إحْدَاهُمَا: لَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ مُقَدَّرٌ عَلَى زَيْدٍ وَلِعَمْرٍو عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَقَالَ: اقْبِضْ مِنْ زَيْدٍ مَا لِي عَلَيْهِ لِنَفْسِك فَفَعَلَ فَالْقَبْضُ فَاسِدٌ وَتَبْرَأُ بِهِ ذِمَّةُ الدَّافِعِ عَنْ دَيْنِ الْآخَرِ فِي الْأَصَحِّ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فِيمَا إذَا بَاعَ نُجُومَ الْكِتَابَةِ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي هَلْ يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ؟ قُلْت: لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ هُنَاكَ أَنَّهُ " لَا " يُعْتَقُ، وَيَحْتَاجُ " لِلْفَرْقِ ".
الثَّانِيَةُ ": فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ الْأَحْوَطُ الصَّرْفُ إلَى السَّيِّدِ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَهُ، وَلَكِنْ يَسْقُطُ عَنْ الْمُكَاتَبِ بِقَدْرِ الْمَصْرُوفِ مِنْ النُّجُومِ.
الثَّالِثَةُ: إذَا فَسَدَتْ وِلَايَةُ الْعَامِلِ وَقَبَضَ الْمَالَ مَعَ فَسَادِهَا بَرِئَ الدَّافِعُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ يَبْقَى وَإِنْ فَسَدَتْ الْوِلَايَةُ نَعَمْ لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْقَبْضِ بَعْدَ فَسَادِهَا لَمْ يَبْرَأْ الدَّافِعُ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ إنْ عَلِمَ بِالنَّهْيِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَوَجْهَانِ كَالْوَكِيلِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ
стр. 806
قِسْمِ الْفَيْءِ " وَالْغَنِيمَةِ " عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَفَسَادِهَا؟ قُلْنَا: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَظْهَرُ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الدَّفْعِ مَعَ صِحَّةِ الْوِلَايَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الْإِجْبَارُ مَعَ فَسَادِهَا.
الرَّابِعَةُ: إذَا تَبَايَعَ الْكُفَّارُ بُيُوعًا فَاسِدَةً وَتَقَابَضُوا ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا لَمْ يُنْقَضْ مَا فَعَلُوا لِانْتِهَاءِ الْأَمْرِ وَنِجَازِهِ فِي الشِّرْكِ مَعَ كَوْنِهِمْ " يُقِرُّونَ ". نَعَمْ، لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْذُ أَثْمَانِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ فِي الْأَصَحِّ، وَقَدْ خَالَفُوا هَذَا فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا تَقَابَضَا بَعْضَ الْعِوَضِ الْفَاسِدِ فِي حَالِ الشِّرْكِ ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُبْطِلُ هَذِهِ الْكِتَابَةَ وَمَا " يُسَلِّمُهُ " لَا يَقَعُ مَوْقِعَهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ لَا تَنْبَرِمُ بِقَبْضِ بَعْضِ عِوَضِهَا قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْكِتَابَةِ إنَّمَا يَقَعُ " بِتَسْلِيمِ الْكُلِّ، وَلِهَذَا إذَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الصَّحِيحَةِ أَوْ الْفَاسِدَةِ وَعَجَّزَ نَفْسَهُ سَقَطَ مَا دَفَعَهُ وَعَادَ كُلُّهُ رَقِيقًا وَهَذَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْعُقُولِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: فَاسِدُ الْعِبَادَاتِ لَا يَلْحَقُ بِصَحِيحِهِ إلَّا فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ " فَإِنَّهَا " بِالْفَسَادِ يَنْقَطِعُ حُكْمُهَا وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ " عَهْدِهَا.
وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَجَبَ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ.
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ " ﵀ " فِي الْأُمِّ: وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ إلَّا الْحَجَّ فَمَنْ أَفْسَدَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ طَوَافًا وَمَضَى فِيهِ لَمْ يَجْزِهِ، وَكَانَ عَاصِيًا. " هَذَا " لَفْظُهُ.
стр. 807
وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَجَّ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْقَوْلِ " فَلَمْ " يَخْرُجْ مِنْهُ بِالْفِعْلِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَجَّ لَمَّا جَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ مَعَ مَا يُضَادُّهُ وَهُوَ مَا إذَا أَحْرَمَ مُجَامِعًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ فَاسِدًا فَلِهَذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِالْفَسَادِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ " فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ " مَعَ مَضَائِهِ، فَلِهَذَا خَرَجَ " مِنْهُ " بِالْفَسَادِ.
وَقَدْ يُورَدُ " عَلَى الْحَصْرِ فِي الْحَجِّ " أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: الصَّوْمُ فَإِنَّهُ إذَا أَفْسَدَهُ " لَزِمَهُ " الْإِمْسَاكُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ وَهُوَ مِثْلُ الْحَجِّ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَعَلَى هَذَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ جِمَاعٍ آخَرَ " لِاشْتِرَاكِ " الْعِبَادَتَيْنِ فِي أَنَّهُ ارْتَكَبَ " مَحْظُورًا " مِنْ مَحْظُورَاتِهِ بَعْدَ إفْسَادِهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ إفْسَادُ الصَّوْمِ وَهُوَ فَاسِدٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ.
الثَّانِي: لَوْ " اُضْطُرَّ " فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ " إلَى " الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ عُذِرَ فِي الْأَصَحِّ وَنَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَصِّ " الْإِمَامِ " أَنَّهَا تَبْطُلُ وَيَمْضِي " فِي صَلَاتِهِ " وَيُعِيدُ وَقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ: " تَبْطُلُ " أَنَّهَا لَا تُغْنِي عَنْ الْقَضَاءِ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَمْضِي فِيهَا مَعَ الْحُكْمِ بِالْبُطْلَانِ، وَسَبَقَ فِي
стр. 808
نَصِّ الْأُمِّ التَّصْرِيحُ بِاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِذَلِكَ وَقَالُوا: الْفَاسِدُ لَا انْعِقَادَ لَهُ إلَّا فِي الْحَجِّ إذَا أَحْرَمَ مُجَامِعًا عَلَى وَجْهٍ أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا وَأَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ انْعَقَدَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقَدْ يُورَدُ عَلَى الْحَصْرِ التَّحَرُّمُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَإِنَّهُ فَاسِدٌ وَيَنْعَقِدُ نَفْلًا.
الْخَامِسَ عَشَرَ: مَنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ " تَلْزَمُهُ بِالشُّرُوعِ " ثُمَّ أَفْسَدَهَا فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا مَعَ الْإِمْكَانِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ وَنَوَى الْإِتْمَامَ أَوْ مُطْلَقًا ثُمَّ أَفْسَدَهَا " وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا " " تَامَّةً "؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى خَلْفَ مُقِيمٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا تَامَّةً.
وَمِنْهَا: لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بِالْجِمَاعِ وَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ " وَإِنْ " جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ دَمٌ كَالْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ " ذَكَرَ " هَذِهِ الْقَاعِدَةَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً. وَهِيَ مَنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ " مَعَ الْإِمَامِ " ثُمَّ أَفْسَدَهَا يُعِيدُهَا ظُهْرًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ جُمُعَةً، وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَأَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ قَابِلٍ، لِأَنَّ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ لَزِمَهُ بِالشُّرُوعِ، وَقَدْ أَفْسَدَهُ " فَلَزِمَهُ " قَضَاؤُهُ عَلَى صِفَةِ مَا أَفْسَدَهُ.
стр. 809
السَّادِسَ عَشَرَ: فِي مَعْنَى إفْسَادِ الْعِبَادَةِ " مُنِعَ " انْعِقَادُهَا كَالْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاسْتَدَامَ حَتَّى طَلَعَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ جَامَعَ بِالنَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ بِالْجِمَاعِ " مَنَعَ " انْعِقَادَ الصَّوْمِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَفْسَدَهُ بَعْدَ الِانْعِقَادِ.
وَنَظِيرُهُ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةَ " أَبِيهِ " يَظُنُّ حُرِّيَّتَهَا وَهُوَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ لَمْ يُعْتَقْ الْوَلَدُ عَلَى الْجَدِّ " وَوَجَبَ " عَلَى الِابْنِ قِيمَةُ الْوَلَدِ " لِأَبِيهِ " وَإِنَّمَا غَرِمَهَا؛ لِأَنَّهُ بِظَنِّهِ الْحُرِّيَّةَ مَنَعَ انْعِقَادَ الْوَلَدِ رَقِيقًا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مِلْكَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ.
[الْفِدْيَةُ تُفَارِقُ الْكَفَّارَةَ]
َ " فِي " أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ تَقَدَّمَ، بِخِلَافِهِ الْفِدْيَةُ، كَذَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ.
وَالْفِدْيَةُ تَدْخُلُ فِي الصَّوْمِ لِلْعَاجِزِ عَنْهُ بِالْهَرَمِ وَالْمَرَضِ وَالْمَوْتِ، وَكَذَا الْإِفْطَارُ لِلْمُرْضِعِ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ.
" قَالَ ": وَفِدْيَةُ الْحَجِّ عِشْرُونَ " دَمًا ": دَمُ التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، وَالْفَوَاتِ، وَالْإِحْصَارِ، وَالتَّأْخِيرِ إلَى الْمَوْتِ، وَالْإِفْسَادِ، وَالِاسْتِمْتَاعِ دُونَ الْإِفْسَادِ، وَالْمَبِيتِ " بِالْمُزْدَلِفَةِ "، وَمِنًى - لَيَالِيَهَا -، وَالْمِيقَاتِ، وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَالرَّمْيِ، وَالْحَلْقِ، وَاللُّبْسِ، وَالطَّيِّبِ، وَقَصِّ الْأَظْفَارِ، وَالصَّيْدِ، وَنَبَاتِ الْحَرَمِ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ، وَتَرْكِ
стр. 810
مَشْيِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى الْحَرَامِ إذَا نَذَرَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِدْيَةَ حَيْثُ وَجَبَتْ فَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالْمُدِّ، إلَّا فِي فِدْيَةِ " الْأَدَاءِ " فَإِنَّهَا بِمُدَّيْنِ وَحَيْثُ وَجَبَتْ فَهِيَ عَلَى التَّرَاخِي كَأَكْلِ الْمُرْضِعِ وَالشَّيْخِ " الْهَرِمِ " إلَّا إذَا كَانَ بِسَبَبٍ " تَعَدَّى فِيهِ "، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا " تَعَدِّيًا " وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ لِآخَرِ " الصَّوْمِ ".
[سُقُوط الْأَصْل يُوجِبُ سُقُوط الْفَرْع]
الْفَرْعُ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ يَسْقُطُ إذَا سَقَطَ الْأَصْلُ.
" وَلِهَذَا إذَا أَبْرَأَ الْمَضْمُونَ عَنْ الدَّيْنِ بَرِئَ الضَّامِنُ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعُهُ فَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ " فَكَذَا الْفَرْعُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ.
وَقَدْ يَثْبُتُ الْفَرْعُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: لَوْ قَالَ شَخْصٌ: لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفٌ وَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ فَأَنْكَرَ زَيْدٌ فَفِي مُطَالَبَةِ " الضَّامِنِ بِالضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ.
следующие страницы →