Полный текст (1 194 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
قِسْمِ الْفَيْءِ " وَالْغَنِيمَةِ " عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ صِحَّةِ وِلَايَتِهِ وَفَسَادِهَا؟ قُلْنَا: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَظْهَرُ فِي الْإِجْبَارِ عَلَى الدَّفْعِ مَعَ صِحَّةِ الْوِلَايَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الْإِجْبَارُ مَعَ فَسَادِهَا.
الرَّابِعَةُ: إذَا تَبَايَعَ الْكُفَّارُ بُيُوعًا فَاسِدَةً وَتَقَابَضُوا ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا لَمْ يُنْقَضْ مَا فَعَلُوا لِانْتِهَاءِ الْأَمْرِ وَنِجَازِهِ فِي الشِّرْكِ مَعَ كَوْنِهِمْ " يُقِرُّونَ ". نَعَمْ، لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْذُ أَثْمَانِ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَعَ الْعِلْمِ بِالْحَالِ فِي الْأَصَحِّ، وَقَدْ خَالَفُوا هَذَا فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ إذَا تَقَابَضَا بَعْضَ الْعِوَضِ الْفَاسِدِ فِي حَالِ الشِّرْكِ ثُمَّ تَرَافَعُوا إلَيْنَا فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُبْطِلُ هَذِهِ الْكِتَابَةَ وَمَا " يُسَلِّمُهُ " لَا يَقَعُ مَوْقِعَهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الْفَاسِدَةَ لَا تَنْبَرِمُ بِقَبْضِ بَعْضِ عِوَضِهَا قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّ الْعِتْقَ فِي الْكِتَابَةِ إنَّمَا يَقَعُ " بِتَسْلِيمِ الْكُلِّ، وَلِهَذَا إذَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الصَّحِيحَةِ أَوْ الْفَاسِدَةِ وَعَجَّزَ نَفْسَهُ سَقَطَ مَا دَفَعَهُ وَعَادَ كُلُّهُ رَقِيقًا وَهَذَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْعُقُولِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: فَاسِدُ الْعِبَادَاتِ لَا يَلْحَقُ بِصَحِيحِهِ إلَّا فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ " فَإِنَّهَا " بِالْفَسَادِ يَنْقَطِعُ حُكْمُهَا وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ " عَهْدِهَا.
وَبَنَوْا عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ وَجَبَ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ.
وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ " ﵀ " فِي الْأُمِّ: وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمْضِي فِي فَاسِدِهِ إلَّا الْحَجَّ فَمَنْ أَفْسَدَ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا أَوْ طَوَافًا وَمَضَى فِيهِ لَمْ يَجْزِهِ، وَكَانَ عَاصِيًا. " هَذَا " لَفْظُهُ.
стр. 807
وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَجَّ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْقَوْلِ " فَلَمْ " يَخْرُجْ مِنْهُ بِالْفِعْلِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَجَّ لَمَّا جَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ مَعَ مَا يُضَادُّهُ وَهُوَ مَا إذَا أَحْرَمَ مُجَامِعًا انْعَقَدَ إحْرَامُهُ فَاسِدًا فَلِهَذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بِالْفَسَادِ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ " فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ " مَعَ مَضَائِهِ، فَلِهَذَا خَرَجَ " مِنْهُ " بِالْفَسَادِ.
وَقَدْ يُورَدُ " عَلَى الْحَصْرِ فِي الْحَجِّ " أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: الصَّوْمُ فَإِنَّهُ إذَا أَفْسَدَهُ " لَزِمَهُ " الْإِمْسَاكُ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ تَنَاوُلُ شَيْءٍ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ وَهُوَ مِثْلُ الْحَجِّ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَعَلَى هَذَا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ جِمَاعٍ آخَرَ " لِاشْتِرَاكِ " الْعِبَادَتَيْنِ فِي أَنَّهُ ارْتَكَبَ " مَحْظُورًا " مِنْ مَحْظُورَاتِهِ بَعْدَ إفْسَادِهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُوجِبَ لِكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ إفْسَادُ الصَّوْمِ وَهُوَ فَاسِدٌ فَلَمْ يُؤَثِّرْ.
الثَّانِي: لَوْ " اُضْطُرَّ " فِي صَلَاةِ شِدَّةِ الْخَوْفِ " إلَى " الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ عُذِرَ فِي الْأَصَحِّ وَنَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ نَصِّ " الْإِمَامِ " أَنَّهَا تَبْطُلُ وَيَمْضِي " فِي صَلَاتِهِ " وَيُعِيدُ وَقَدْ يُؤَوَّلُ قَوْلُهُ: " تَبْطُلُ " أَنَّهَا لَا تُغْنِي عَنْ الْقَضَاءِ وَإِلَّا فَكَيْفَ يَمْضِي فِيهَا مَعَ الْحُكْمِ بِالْبُطْلَانِ، وَسَبَقَ فِي
стр. 808
نَصِّ الْأُمِّ التَّصْرِيحُ بِاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِذَلِكَ وَقَالُوا: الْفَاسِدُ لَا انْعِقَادَ لَهُ إلَّا فِي الْحَجِّ إذَا أَحْرَمَ مُجَامِعًا عَلَى وَجْهٍ أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَفْسَدَهَا وَأَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ انْعَقَدَ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقَدْ يُورَدُ عَلَى الْحَصْرِ التَّحَرُّمُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَإِنَّهُ فَاسِدٌ وَيَنْعَقِدُ نَفْلًا.
الْخَامِسَ عَشَرَ: مَنْ شَرَعَ فِي عِبَادَةٍ " تَلْزَمُهُ بِالشُّرُوعِ " ثُمَّ أَفْسَدَهَا فَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي أَفْسَدَهَا مَعَ الْإِمْكَانِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ الْمُسَافِرُ وَنَوَى الْإِتْمَامَ أَوْ مُطْلَقًا ثُمَّ أَفْسَدَهَا " وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا " " تَامَّةً "؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى خَلْفَ مُقِيمٍ ثُمَّ أَفْسَدَهَا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا تَامَّةً.
وَمِنْهَا: لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ ثُمَّ أَفْسَدَ نُسُكَهُ بِالْجِمَاعِ وَجَبَ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ " وَإِنْ " جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ دَمٌ كَالْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ " ذَكَرَ " هَذِهِ الْقَاعِدَةَ صَاحِبُ الشَّامِلِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً. وَهِيَ مَنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ " مَعَ الْإِمَامِ " ثُمَّ أَفْسَدَهَا يُعِيدُهَا ظُهْرًا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ جُمُعَةً، وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَأَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ قَابِلٍ، لِأَنَّ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ لَزِمَهُ بِالشُّرُوعِ، وَقَدْ أَفْسَدَهُ " فَلَزِمَهُ " قَضَاؤُهُ عَلَى صِفَةِ مَا أَفْسَدَهُ.
стр. 809
السَّادِسَ عَشَرَ: فِي مَعْنَى إفْسَادِ الْعِبَادَةِ " مُنِعَ " انْعِقَادُهَا كَالْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَاسْتَدَامَ حَتَّى طَلَعَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ كَمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ جَامَعَ بِالنَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ بِالْجِمَاعِ " مَنَعَ " انْعِقَادَ الصَّوْمِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَفْسَدَهُ بَعْدَ الِانْعِقَادِ.
وَنَظِيرُهُ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةَ " أَبِيهِ " يَظُنُّ حُرِّيَّتَهَا وَهُوَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الْأَمَةُ لَمْ يُعْتَقْ الْوَلَدُ عَلَى الْجَدِّ " وَوَجَبَ " عَلَى الِابْنِ قِيمَةُ الْوَلَدِ " لِأَبِيهِ " وَإِنَّمَا غَرِمَهَا؛ لِأَنَّهُ بِظَنِّهِ الْحُرِّيَّةَ مَنَعَ انْعِقَادَ الْوَلَدِ رَقِيقًا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مِلْكَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ.
[الْفِدْيَةُ تُفَارِقُ الْكَفَّارَةَ]
َ " فِي " أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَنْ ذَنْبٍ تَقَدَّمَ، بِخِلَافِهِ الْفِدْيَةُ، كَذَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ.
وَالْفِدْيَةُ تَدْخُلُ فِي الصَّوْمِ لِلْعَاجِزِ عَنْهُ بِالْهَرَمِ وَالْمَرَضِ وَالْمَوْتِ، وَكَذَا الْإِفْطَارُ لِلْمُرْضِعِ خَوْفًا عَلَى الْوَلَدِ.
" قَالَ ": وَفِدْيَةُ الْحَجِّ عِشْرُونَ " دَمًا ": دَمُ التَّمَتُّعِ، وَالْقِرَانِ، وَالْفَوَاتِ، وَالْإِحْصَارِ، وَالتَّأْخِيرِ إلَى الْمَوْتِ، وَالْإِفْسَادِ، وَالِاسْتِمْتَاعِ دُونَ الْإِفْسَادِ، وَالْمَبِيتِ " بِالْمُزْدَلِفَةِ "، وَمِنًى - لَيَالِيَهَا -، وَالْمِيقَاتِ، وَالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَالرَّمْيِ، وَالْحَلْقِ، وَاللُّبْسِ، وَالطَّيِّبِ، وَقَصِّ الْأَظْفَارِ، وَالصَّيْدِ، وَنَبَاتِ الْحَرَمِ، وَطَوَافِ الْوَدَاعِ، وَتَرْكِ
стр. 810
مَشْيِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى الْحَرَامِ إذَا نَذَرَهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِدْيَةَ حَيْثُ وَجَبَتْ فَهِيَ مُقَدَّرَةٌ بِالْمُدِّ، إلَّا فِي فِدْيَةِ " الْأَدَاءِ " فَإِنَّهَا بِمُدَّيْنِ وَحَيْثُ وَجَبَتْ فَهِيَ عَلَى التَّرَاخِي كَأَكْلِ الْمُرْضِعِ وَالشَّيْخِ " الْهَرِمِ " إلَّا إذَا كَانَ بِسَبَبٍ " تَعَدَّى فِيهِ "، كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ فَأَفْطَرَ يَوْمًا " تَعَدِّيًا " وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ لِآخَرِ " الصَّوْمِ ".
[سُقُوط الْأَصْل يُوجِبُ سُقُوط الْفَرْع]
الْفَرْعُ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ يَسْقُطُ إذَا سَقَطَ الْأَصْلُ.
" وَلِهَذَا إذَا أَبْرَأَ الْمَضْمُونَ عَنْ الدَّيْنِ بَرِئَ الضَّامِنُ؛ لِأَنَّ الضَّامِنَ فَرْعُهُ فَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ " فَكَذَا الْفَرْعُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ.
وَقَدْ يَثْبُتُ الْفَرْعُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: لَوْ قَالَ شَخْصٌ: لِزَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو أَلْفٌ وَأَنَا ضَامِنٌ بِهِ فَأَنْكَرَ زَيْدٌ فَفِي مُطَالَبَةِ " الضَّامِنِ بِالضَّمَانِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ.
стр. 811
وَمِنْهَا: " إذَا " ادَّعَى الزَّوْجُ الْخُلْعَ مَعَ الْمَرْأَةِ وَأَنْكَرَتْ " ثَبَتَتْ " الْبَيْنُونَةُ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْمَالُ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ.
وَهَذَا مَجْزُومٌ بِهِ، كَمَا جَزَمُوا فِيمَنْ قَالَ: بِعْت عَبْدِي مِنْ زَيْدٍ وَأَعْتَقَهُ زَيْدٌ " وَأَنْكَرَ " زَيْدٌ " أَوْ قَالَ ": بِعْته مِنْ نَفْسِهِ فَأَنْكَرَ الْعَبْدُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ " فِيهِمَا " وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْعِوَضُ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ: فُلَانَةُ بِنْتُ أَبِينَا، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَفِي حِلِّهَا لِلْمُقِرِّ " بِهِ " وَجْهَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ " حَرُمَتْ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةَ النَّسَبِ "، فَوَجْهَانِ وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ فِي النِّهَايَةِ فِي اللَّقِيطِ تَحْرِيمُهَا وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ فَقَدْ ثَبَتَ الْفَرْعُ دُونَ الْأَصْلِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ أُخْتِي مِنْ النَّسَبِ وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ فَفِي تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ وَجْهَانِ، وَلَوْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ النَّسَبِ وَكَذَّبَتْهُ انْفَسَخَ " نِكَاحُهَا " عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَتْ زَوْجِيَّةَ رَجُلٍ وَأَنْكَرَ فَفِي تَحْرِيمِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: ادَّعَتْ الْإِصَابَةَ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ فَفِي " وُجُوبِ " الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ.
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ الْمُقِرُّ بِنَسَبِهِ عَبْدًا فِي التَّرِكَةِ فَفِي عِتْقِ نَصِيبِ الْمُقِرِّ وَجْهَانِ.
وَالضَّابِطُ: أَنَّا نَنْظُرُ فِي الْفَرْعِ فَإِنْ كَانَ يَسْتَقِلُّ بِإِنْشَائِهِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ " ثَبَتَ " قَطْعًا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ وَإِنْ " اسْتَقَلَّ " لَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، بَلْ بِالْفَرْعِيَّةِ عَلَى غَيْرِهِ كَالضَّامِنِ أَوْ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِإِنْشَائِهِ كَالْبَيْعِ فِي صُورَةِ الشُّفْعَةِ وَدَعْوَى
стр. 812
الزَّوْجِيَّةِ جَاءَ الْخِلَافُ وَالْأَصَحُّ الثُّبُوتُ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا دَعْوَى الْخُلْعِ مَعَهَا فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الرَّجْعَةُ قَطْعًا وَقِيَاسُهُ مَجِيءُ الْوَجْهَيْنِ.
[فِرَقُ النِّكَاحِ]
ِ كَثِيرَةٌ وَأَجْنَاسُهَا ثَلَاثَةٌ مَوْتٌ وَطَلَاقٌ وَفَسْخٌ أَمَّا فُرْقَةُ الْمَوْتِ فَيَنْتَهِي النِّكَاحُ بِنِهَايَتِهِ، وَيُقَالُ: انْتَهَى النِّكَاحُ، لَا بَطَلَ.
وَلَوْ اطَّلَعَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى عَيْبِ الْآخَرِ فَهَلْ يُفْسَخُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا لَا لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي النِّكَاحِ مُدَّةُ الْعُمْرِ وَقَدْ فَرَغَ.
وَأَمَّا فُرْقَةُ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَلَيْسَ رَافِعًا لِلْعَقْدِ، بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ مِنْ " مُقْتَضَيَاتِ " عَقْدِ النِّكَاحِ كَالْعِتْقِ الَّذِي هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْمِلْكِ.
وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْحَاوِي وَالْمُهَذَّبِ فِي تَوْجِيهِ فَسْخِ الْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ مَعَ غَيْبَةِ الْآخَرِ أَنَّهُ رَفْعُ عَقْدٍ جُعِلَ إلَى اخْتِيَارِهِ كَالطَّلَاقِ قَالَ صَاحِبُ الْوَافِي " وَفِي جَعْلِهِمَا " الطَّلَاقَ رَفْعَ عَقْدٍ فِيهِ نَظَرٌ عِنْدِي إلَّا أَنْ " يُرِيدَا " " رَفْعَ حُكْمِ " الْعَقْدِ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ رَفْعَ الْعَقْدِ بِالْخِيَارِ لَيْسَ بِرَفْعِ نَفْسِ الْعَقْدِ بَلْ حُكْمِهِ، لَكِنَّ مَوْضُوعَ الْخِيَارِ لِرَفْعِ الْعَقْدِ وَمَوْضُوعَ الطَّلَاقِ " لِقَطْعِ " النِّكَاحِ لَا رَفْعِهِ.
وَمِثْلُهُ: الْخُلْعُ فَإِنَّ الْفُرْقَةَ " بِلَفْظِهِ " طَلَاقٌ، وَكَذَلِكَ فُرْقَةُ الْإِيلَاءِ وَفُرْقَةُ الْحَكَمَيْنِ.
وَأَمَّا الْفَسْخُ فَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِيَارِيٌّ وَهُوَ الْعُيُوبُ الْخَمْسَةُ وَالْغَرُورُ وَعَدَمُ الْكَفَاءَةِ ابْتِدَاءً
стр. 813
وَدَوَامًا - لِيَدْخُلَ الْفَسْخُ بِالْخَلَفِ وَالْعِتْقِ تَحْتَ عَبْدٍ - وَالْعَجْزُ عَنْ الْعِوَضِ؛ لِيَدْخُلَ الْفَسْخُ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ وَبِالْمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ.
الثَّانِي: قَهْرِيٌّ يَنْفَسِخُ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ " أَقْسَامٌ ": أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُ دِينِ الزَّوْجَيْنِ " بِالرِّدَّةِ ".
الثَّانِي: إسْلَامُ الْمُشْرِكِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ يَنْفَسِخُ فِي الزَّائِدِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: مَنْ انْدَفَعَ نِكَاحُهَا " فَهُوَ " بِطَرِيقِ الْبَيْنُونَةِ بِلَا شَكٍّ.
الثَّالِثُ: فُرْقَةُ وَطْءِ الشُّبْهَةِ حَيْثُ تَحْرُمُ الزَّوْجَةُ وَكَذَلِكَ فُرْقَةُ اللَّمْسِ بِشَهْوَةٍ عَلَى قَوْلٍ.
الرَّابِعُ: اللِّعَانُ.
الْخَامِسُ: الرَّضَاعُ.
السَّادِسُ: السَّبْيُ " فَإِنَّهُ إذَا " سُبِيَ الزَّوْجَانِ الْحُرَّانِ أَوْ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، لِأَنَّ مِلْكَ الزَّوْجِيَّةِ أَحَدُ " فَرْعَيْ " الْمِلْكِ فَزَالَ " بِالسَّبْيِ " كَمِلْكِ الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ " يَحْدُثُ الرِّقُّ " بِالسَّبْيِ بِخِلَافِ " بَيْعِ " الزَّوْجَةِ لَا " يُفْسِخُ " النِّكَاحَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بِهِ رِقٌّ، " فَإِنْ سُبِيَا وَهُمَا رَقِيقَانِ لَمْ يُفْسَخْ نِكَاحُهُمَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ بِهِ رِقٌّ "، وَقِيلَ: يَنْفَسِخُ اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ مِنْ السَّبْيِ.
وَلَوْ طَرَأَ الرِّقُّ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ تَحْتَ الْمُسْلِمِ قُطِعَ " النِّكَاحُ " فِي الْأَصَحِّ، وَهَذَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ نِكَاحُهُ،
стр. 814
وَإِنْ مُنِعَ جَزْمًا " مِنْ " ابْتِدَائِهِ، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ.
السَّابِعُ: مِلْكُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ إذَا تَمَّ الْبَيْعُ قُطِعَ النِّكَاحُ، فَإِنْ فُسِخَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ أَوْ مَوْقُوفٌ؛ فَالنِّكَاحُ بِحَالِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: " يَمْلِكُ " بِنَفْسِ الْعَقْدِ فَفِي انْفِسَاخِ " النِّكَاحِ " وَجْهَانِ ظَاهِرُ النَّصِّ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الِانْفِسَاخُ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّ الْمَشْهُورَ خِلَافُهُ.
الثَّامِنُ: إسْلَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَتَخَلُّفُ الْآخَرِ حَتَّى انْقَضَتْ الْعِدَّةُ.
التَّاسِعُ: فُرْقَةُ " الرِّدَّةِ " كَذَلِكَ.
الْعَاشِرُ: " فُرْقَةُ " تَمَجُّسِ الْكِتَابِيَّةِ تَحْتَ مُسْلِمٍ، إذَا قُلْنَا: إنَّهَا تُقِرُّ عَلَيْهِ.
" تَنْبِيهَاتٌ "
: الْأَوَّلُ: تَنْقَسِمُ الْفُرْقَةُ إلَى مَا لَا يُتَوَقَّفُ فِيهِ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ وَلَا أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَهُوَ الْقَهْرِيُّ، بَلْ تَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ، وَإِلَى مَا يُتَوَقَّفُ وَهُوَ الِاخْتِيَارِيُّ ثُمَّ تَارَةً تَكُونُ إلَى الْمَرْأَةِ دُونَ الزَّوْجِ وَالْحَاكِمِ وَهُوَ فُرْقَةُ الْحُرِّيَّةِ وَالْغَرُورِ وَالْعَيْبِ.
وَتَارَةً تَكُونُ إلَى الزَّوْجِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ بِلَا سَبَبٍ وَالْغَرُورُ وَالْعَيْبُ أَيْضًا، وَتَارَةً يَكُونُ لِلْحَاكِمِ فِيهِ مَدْخَلٌ وَهُوَ فُرْقَةُ الْعِنِّينِ وَالْحَكَمَيْنِ وَالْإِيلَاءِ وَالْعَجْزِ عَنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَنِكَاحِ الْوَلِيَّيْنِ وَعَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْهَا إسْلَامَ الزَّوْجِ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَةِ.
стр. 815
الثَّانِي: كُلُّ فُرْقَةٍ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ مُبَاشَرَتُهَا يَقُومُ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهَا إذَا امْتَنَعَ لَا اخْتِيَارُ الزَّوْجَاتِ، وَكَذَا الْإِيلَاءُ عَلَى قَوْلٍ.
الثَّالِثُ: مِنْ هَذِهِ الْفِرَقِ مَا لَا " يُتَلَافَى " إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ.
" وَمِنْهَا مَا لَا يُتَلَافَى بِوَجْهٍ وَهُوَ اللِّعَانُ وَالرَّضَاعُ وَالْوَطْءُ بِشُبْهَةٍ ".
وَمِنْهَا مَا يُتَلَافَى فِي الْعِدَّةِ وَهُوَ الرِّدَّةُ وَإِسْلَامُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَتَمَجُّسُ النَّصْرَانِيَّةِ إنْ " قِيلَ " بِهِ بِالْإِسْلَامِ فَقَطْ وَبِهِ " أَوْ " بِالْعَوْدِ إلَى دِينِهَا الْأَوَّلِ عَلَى قَوْلٍ " وَالطَّلَاقُ " دُونَ الثَّلَاثِ بِالرَّجْعَةِ.
الرَّابِعُ: قَالَ صَاحِبُ الْوَشَائِحِ: تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِالْقَوْلِ وَبِالْفِعْلِ " وَالْأَجْنَبِيِّ " وَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَمِنْ غَيْرِ فِعْلٍ وَقَوْلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَهُمَا حَيَّانِ، فَالْفِعْلُ مِنْ الزَّوْجِ وَطْءُ أُمِّهَا أَوْ بَنَاتِهَا بِشُبْهَةٍ وَمِنْ الزَّوْجَةِ وَالْأَجْنَبِيَّةِ الرَّضَاعُ وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَطْءُ " ابْنِهِ وَأَبِيهِ " إيَّاهَا بِشُبْهَةٍ، وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا تَحِلُّ لَهُ أَبَدًا، وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ أَيْضًا مَا يَحِلُّ لَهُ بِعَقْدٍ وَهُوَ أَنْ " يُسْبَيَا " أَوْ أَحَدُهُمَا يَحِلُّ لَهُ إنْ اشْتَرَاهَا أَوْ تَزَوَّجَ بِهَا.
وَأَمَّا الْقَوْلُ فَمِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ وَمِنْ الْأَجْنَبِيِّ دُونَ الْأَجْنَبِيَّةِ.
فَأَمَّا " الْأَجْنَبِيُّ " فَهُوَ طَلَاقُ الْحَاكِمِ عَلَى الْمَوْلَى وَطَلَاقُ الْحَكَمَيْنِ إذَا قُلْنَا:
стр. 816
تَحْكِيمٌ " لَا تَوْكِيلٌ، " وَمِنْ " الزَّوْجَةِ الْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ وَشِرَاؤُهَا زَوْجَهَا، وَالْفَسْخُ بِالْعَيْبِ وَالْعُنَّةُ وَالْإِعْسَارُ بِالنَّفَقَةِ وَإِذَا عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَاخْتَارَتْ.
" وَالْقَوْلُ " مِنْ الزَّوْجِ نَوْعَانِ طَلَاقٌ وَغَيْرُهُ فَالطَّلَاقُ ضُرُوبٌ: مِنْهَا: الْوَاحِدَةُ فِي حَقِّ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا تَحِلُّ إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَمِثْلُهُ الْوَاحِدَةُ وَالثِّنْتَانِ بِعِوَضٍ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي حَقِّ الْحُرِّ، وَالْوَاحِدَةُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ لَا " تَحِلُّ لَهُ " إلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ، وَالِاثْنَتَانِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَهُ " لَا تَحِلُّ " إلَّا بِزَوْجٍ آخَرَ، " وَالثَّلَاثُ " فِي الْحُرِّ لَا تَحِلُّ " لَهُ " إلَّا بِإِصَابَةِ زَوْجٍ آخَرَ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ " بِغَيْرِ طَلَاقٍ " " مِنْهُ "، فَالْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ وَشِرَاؤُهُ إيَّاهَا.
وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَالْخُلْعُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَاللِّعَانُ لَا يَحْرُمُ " بِشَيْءٍ " مِنْهُ بِهَذَا إلَّا " فِي اللِّعَانِ ".
وَأَمَّا الْفُرْقَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَفِعْلٍ مِنْ أَحَدٍ فَهُوَ إذَا مَلَكَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِإِرْثٍ وَمِمَّا يَفْسَخُ بِهِ الزَّوْجُ " النِّكَاحَ " بِغَيْرِ طَلَاقٍ أَنْ يُسْلِمَ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ أُخْتَانِ فَاخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا أَوْ وَاحِدَةً مِنْ الْأُخْتَيْنِ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْبَوَاقِي.
[الْفَرْضُ لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ عِوَضٌ]
ٌ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَضَرَ الصَّفَّ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ
стр. 817
مَنْفَعَةَ الْجِهَادِ تَعُودُ إلَيْهِ فَالْمَنْفَعَةُ حَاصِلَةٌ لَهُ، وَمَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُ الْوَدِيعَةِ، كَمَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ غَيْرُهُ " وَخَافَ " هَلَاكَهَا، إنْ لَمْ يَقْبَلْ قَالَ " صَاحِبُ الْمُرْشِدِ ": لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ أُجْرَةَ الْحِفْظِ لِتَعَيُّنِهِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ أُجْرَةٍ مَكَانَهَا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ أَنَّ الْوَاجِبَ أَصْلُ الْقَبُولِ دُونَ إتْلَافِ " مَنْفَعَةِ " نَفْسِهِ " وَحَرَّزَهُ " فِي الْحِفْظِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ.
غَيْرَ أَنَّ صَاحِبَ الْمُرْشِدِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ نَفْسَ الْحِفْظِ لَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ وَأَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ يَقُولُ: يُؤْخَذُ وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ، وَخَرَّجَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِيهِ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ تَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ فِي جَعْلِهَا صَدَاقًا، وَنَظَائِرِهَا.
وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنِي عَلَى مَالِي فَلَهُ كَذَا، فَدَلَّهُ مَنْ الْمَالُ فِي يَدِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ، لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ " عَلَيْهِ " بِالشَّرْعِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، بِخِلَافِ الرَّدِّ، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْجَعَالَةِ.
وَيُخَالِفُ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِ فَدَلَّهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ فِي الْبَحْثِ عَنْهُ قَالَهُ فِي الْكِفَايَةِ: وَإِذَا قُلْنَا: يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى وَضْعِ الْجُذُوعِ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي الِاسْتِقْصَاءِ: وَلَوْ دَفَعَ صَاحِبُ الْجِدَارِ إلَى صَاحِبِ الْجِذْعِ عِوَضًا، لِيُسْقِطَ حَقَّهُ مِنْ الْوَضْعِ جَازَ.
وَلَوْ أَصْدَقَهَا أَدَاءً شَهَادَةٍ لَهَا عِنْدَهُ أَوْ أَصْدَقَ كِتَابِيَّةً تَلَقَّيْنَ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَصِحَّ، قَالَهُ الْبَغَوِيّ.
стр. 818
وَلَوْ خَلَّصَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ بِالْوُقُوعِ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ لَا تَثْبُتُ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ.
وَلَوْ كَانَ رَجُلَانِ فِي بَادِيَةٍ فَمَرِضَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ عَلَى الْآخَرِ تَعَهُّدُهُ. زَادَ الْإِمَامُ: وَلَا أُجْرَةَ لَهُ. وَإِذَا وَجَبَ بَذْلُ الْمَاءِ الْفَاضِلِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي الْأَصَحِّ. " وَإِذَا " تَحَمَّلَ شَهَادَةً وَطُلِبَ " أَدَاؤُهَا مِنْهُ " لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ " لِلنَّهْيِ " وَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ: إحْدَاهُمَا: عَلَى الْأُمِّ إرْضَاعُ وَلَدِهَا اللِّبَأَ، وَلَهَا أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
الثَّانِيَةُ: بَذْلُ الطَّعَامِ " فِي الْمَخْمَصَةِ " وَاجِبٌ وَلَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَفَرَّقَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سَبَقَ فِي تَخْلِيصِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ بِأَنَّ هُنَاكَ يَلْزَمُهُ التَّخْلِيصُ بِنَفْسِهِ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ سَوَّى بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: إذَا احْتَمَلَ الْحَالُ فِي الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ تَقْرِيرَ أُجْرَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ تَخْلِيصُهُ، إلَّا بِهَا كَالْمُضْطَرِّ.
الثَّالِثَةُ: أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ قُرْآنٍ وَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِتَعْلِيمِهَا، فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ، بِخِلَافِ تَلْقِينِهَا كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَضْعِ الْجِذْعِ، أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِرْفَاقِ كَبَذْلِ فَضْلِ الْمَاءِ لِلْبَهَائِمِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ وَلَا يُؤْخَذُ بَدَلُهُ.
الرَّابِعَةُ: تَعْلِيمُ " الْقُرْآنِ " فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْحَلِيمِيِّ.
стр. 819
الْخَامِسَةُ: الْقَاضِي يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ " الْقَضَاءُ " وَهُوَ مُحْتَاجٌ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ يَتَعَطَّلُ بِالْقَضَاءِ عَنْ الْكَسْبِ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ لَمْ يَجُزْ " لَهُ "، قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الْأَقْضِيَةِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَهُوَ الَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الْعِرَاقِيِّينَ.
السَّادِسَةُ: لَوْ " أَجَرَهُ " عَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَالتَّعْلِيمِ وَتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ صَحَّ، وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَى الْأَصَحِّ.
السَّابِعَةُ: أَرْبَابُ الْحِرَفِ إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِمْ يَعْمَلُونَ بِالْأُجْرَةِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ تَعْلِيمُ الْفَاتِحَةِ لِلْجَاهِلِ بِأُجْرَةٍ.
الثَّامِنَةُ: مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ شَهَادَةٍ وَدُعِيَ إلَيْهَا جَازَ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ " فِي " الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ الْأَدَاءِ لِلتُّهْمَةِ، أَمَّا لَوْ أَتَاهُ الْمُتَحَمِّلُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَخْذَ الْأُجْرَةِ " عَلَى " قَطْعِ الْمَسَافَةِ لَا عَلَى نَفْسِ التَّحَمُّلِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَا يَأْخُذُ الشَّاهِدُ الرِّزْقَ عَلَى الشَّهَادَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَعَلَّلَهُ الْغَزَالِيُّ بِاتِّهَامِهِ، قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: وَكَثِيرًا مَا يَسْأَلُ عَنْ التُّهْمَةِ الَّتِي تَحْلِقُ الشَّاهِدَ فِي أَخْذِ الرِّزْقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَيُجَابُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا فِي الْأَدَاءِ فَلِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي التَّحَمُّلِ " فَلَا تُهْمَةَ " إذَا لَمْ يَنْحَصِرُوا " فَجُعِلَ " الرِّزْقُ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَالْمَجْعُولُ لَهُ لَا يَتِمُّ بِهِ الْمَقْصُودُ فَرَجَحَ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَوَجْهُ التُّهْمَةِ فِي الْأَدَاءِ ظَاهِرٌ، وَفِي التَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ الْأَدَاءُ عِنْدَ الطَّلَبِ، وَإِذَا عُلِمَ مِنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ بِذَلِكَ، إلَّا بِجُعْلٍ مَعَ أَنَّ مَا يَشْهَدُونَ بِهِ لَا شَيْءَ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ تَطَرَّقَ إلَيْهِمْ التُّهْمَةُ بِاحْتِمَالِ " ارْتِشَاءٍ " فَسُدَّ ذَلِكَ الْبَابُ.
стр. 820
قَالَ " وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَاكِمِ " وَالْقَاسِمِ "؛ لِأَنَّ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمَا فِي الْغَالِبِ سَبَبُهُ ظَاهِرٌ، فَإِمَّا أَنْ تُعْدَمَ التُّهْمَةُ أَوْ تَقِلَّ، " وَفَصَلَ " الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَقَالَ: إنَّ الْجُعْلَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحُكْمِ فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ نَظَرٌ، فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا جَازَ " لَهُ " الْأَخْذُ، وَإِنْ كَانَ " مُكْتَفِيًا " فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَأْخُذَ وَلَوْ أَخَذَ جَازَ، وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فَقِيرًا جَازَ، وَإِنْ كَانَ مُكْتَفِيًا " لَمْ يَجُزْ لِلتَّحَمُّلِ وَلَا لِلْأَدَاءِ.
وَهَذَا مَا حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ.
التَّاسِعَةُ: أَخْذٌ الْأُجْرَةِ عَلَى كِتَابَةِ الصَّكِّ يَجُوزُ قَطْعًا " إنْ " لَمْ يَتَعَيَّنْ، وَكَذَا إنْ تَعَيَّنَ فِي الْأَصَحِّ وَقَاسَهُ الرَّافِعِيُّ عَلَى أَخْذِ قِيمَةِ الطَّعَامِ فِي الْمَخْمَصَةِ وَادَّعَى فِي الْبَسِيطِ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: هُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ عِنْدَ التَّعَيُّنِ.
ضَابِطٌ: أَشَارَ إلَيْهِ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ. أَنَّ الْوُجُوبَ إنْ لَاقَى الشَّخْصَ وَجَبَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْأُجْرَةِ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُضْطَرِّ وَإِصْدَاقِ الْفَاتِحَةِ وَنَظَائِرِهَا فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الْأُجْرَةُ، وَإِنْ لَمْ يُلَاقِهِ لَمْ يَجُزْ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْجِذْعِ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْجِذْعِ، بَلْ لَهُ عَلَى جَارِهِ، فَالْوُجُوبُ لَاقَى الْجَارَ أَوَّلًا فَلَا يَأْخُذُ " عَنْهُ عِوَضًا ".
стр. 821
[فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ السِّيَرِ هُوَ كُلُّ " مُهِمٍّ " دِينِيٍّ يُرَادُ بِهِ حُصُولُهُ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ " عَيْنُ " مَنْ يَتَوَلَّاهُ، فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ فَرْضُ الْعَيْنِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمَعْنَاهُ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ " دِينِيَّةٌ " وَدُنْيَوِيَّةٌ لَا يَنْتَظِمُ الْأَمْرُ إلَّا بِحُصُولِهَا " فَقَصَدَ " الشَّارِعُ تَحْصِيلَهَا وَلَا يَقْصِدُ تَكْلِيفَ " الْوَاحِدِ وَامْتِحَانَهُ " بِهَا، بِخِلَافِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ فَإِنَّ الْكُلَّ مُكَلَّفُونَ بِهَا مُمْتَحَنُونَ بِتَحْصِيلِهَا. وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ وَدُنْيَوِيَّةٌ لَا يُوَافِقُ الْغَزَالِيُّ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْحِرَفَ وَالصِّنَاعَاتِ وَمَا بِهِ قِوَامُ " الْمَعَاشِ " لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ خِلَافُهُ.
الثَّانِي: يَنْقَسِمُ إلَى دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ: الْأَوَّلُ الدِّينِيُّ " وَهُوَ " ضَرْبَانِ: مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ.
فَالْأَوَّلُ: " الْقِيَامُ " بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَإِثْبَاتِ " النُّبُوَّاتِ "، وَدَفْعِ الشُّبَهِ وَالْمُشْكِلَاتِ، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْقَهْرِيَّةِ بِالسَّيْفِ.
стр. 822
وَالثَّانِي: كَالِاشْتِغَالِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَفِقْهٍ، وَالتَّبَحُّرِ فِي ذَلِكَ وَفِي الْحَدِيثِ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ " الْحَافِظُ الْمَزِيُّ " لَهُ طُرُقٌ يَبْلُغُ بِهَا دَرَجَةَ الْحَسَنِ.
" وَعَدَّ " الشِّهْرِسْتَانِيّ " فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ الِاجْتِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، " قَالَ ": حَتَّى لَوْ اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَإِنْ قَصَّرَ فِيهِ أَهْلُ عَصْرٍ عَصَوْا بِتَرْكِهِ وَأَشْرَفُوا عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الِاجْتِهَادِيَّةَ إذَا كَانَتْ مُرَتَّبَةً عَلَى الِاجْتِهَادِ " تُرَتَّبُ " الْمُسَبَّبُ عَلَى السَّبَبِ وَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ كَانَتْ الْأَحْكَامُ عَاطِلَةً، وَالْآرَاءُ كُلُّهَا مُتَمَاثِلَةً، فَلَا بُدَّ " إذَنْ " مِنْ مُجْتَهِدٍ. انْتَهَى.
وَمِنْهُ: " الْقَضَاءُ وَالْفَتْوَى، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ نَهْجِ الشَّرِيعَةِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْفَقِيهِ الْمُفْتِي الْمَنْصُوبِ فِي النَّاحِيَةِ بِالْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ مُلْزَمٌ " مِنْ رَفْعٍ إلَيْهِ
стр. 823
عِنْدَ التَّنَازُعِ " وَالْمُفْتِي يَرْجِعُ إلَيْهِ " الْمُسْلِمُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ الْعَارِضَةِ.
وَمِنْ فُرُوضِ " الْكِفَايَةِ: الِاشْتِغَالُ بِعِلْمِ الطِّبِّ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
وَأُلْحِقَ بِهِ وِفَاقًا لِلْغَزَالِيِّ الْحِسَابُ.
وَمِنْهُ: تَعَلُّمُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ " إذَا " أَرَادَ سَفَرًا فَفَرْضُ عَيْنٍ لِكَثْرَةِ الِاشْتِبَاهِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَفَرْضُ كِفَايَةٍ.
وَمِنْهُ: تَصْنِيفُ كُتُبِ الْعِلْمِ لِمَنْ مَنَحَهُ اللَّهُ " تَعَالَى " فَهْمًا وَاطِّلَاعًا.
وَلَنْ تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ مَعَ قِصَرِ أَعْمَارِهَا فِي ازْدِيَادٍ وَتَرَقٍّ فِي الْمَوَاهِبِ، وَالْعِلْمُ لَا يَحِلُّ كَتْمُهُ، فَلَوْ تُرِكَ التَّصْنِيفُ لَضُيِّعَ الْعِلْمُ عَلَى النَّاسِ وَقَدْ قَالَ " اللَّهُ " تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، وَيُقَالُ: إنَّ فِي التَّوْرَاةِ: عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا.
وَمِنْهُ: حُفِظَ جَمِيعُ الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الزِّيَادَاتِ، وَقَالَ: إنَّ حِفْظَهُ وَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ، وَكَذَا قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ مِنْ كِتَابِ الشَّافِي، قَالَ: وَكَذَا تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ.
وَمِنْهُ: نَقْلُ السُّنَنِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إذَا نَقَلَهَا مَنْ " فِيهِ " كِفَايَةٌ " سَقَطَ "
стр. 824
فَرْضُهُ عَنْ الْبَاقِينَ.
وَمِنْهُ: جِهَادُ النَّفْسِ " قَالَ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَاجِيُّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالتَّقْرِيبِ: جِهَادُ النَّفْسِ " فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ لِيَرْقَى بِجِهَادِهَا فِي دَرَجَاتِ " الطَّاعَاتِ " وَيَطْهُرُ مَا " اسْتَطَاعَهُ " مِنْ الصِّفَاتِ لِيَقُومَ بِكُلِّ إقْلِيمٍ رَجُلٌ مِنْ " عُلَمَاءِ " أَهْلِ الْبَاطِنِ، كَمَا يَقُومُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ كُلٌّ مِنْهُمَا يُفِيدُ الْمُسْتَرْشِدَ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ، فَالْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ وَالْعَارِفُ يُهْتَدَى بِهِ.
وَهَذَا مَا لَمْ " يَسْتَوْلِ " عَلَى النَّفْسِ طُغْيَانُهَا وَانْهِمَاكُهَا فِي عِصْيَانِهَا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ صَارَ جِهَادُهَا فَرْضَ عَيْنٍ بِكُلِّ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا اسْتَعَانَ عَلَيْهَا بِمَنْ يَحْصُلُ لَهُ الْمَقْصُودُ مِنْ عُلَمَاءِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ " أَكْبَرُ الْجَهَادَيْنِ " إلَى أَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ " تَعَالَى ".
وَمِنْهُ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ بِالْوَاجِبَاتِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُحَرَّمَاتِ. قُلْت: وَلِهَذَا نَقَلَ الْإِمَامُ عَنْ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبٌّ.
وَمِنْهُ: إحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ صَلَاةٍ " أَوْ اعْتِكَافٍ أَوْ طَوَافٍ " وَفَهِمَ النَّوَوِيُّ مِنْ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ الِاكْتِفَاءَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ عَنْ الْحَجِّ وَجَعْلِ
стр. 825
الْحَجِّ مُتَعَيَّنًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ الرَّافِعِيُّ إحْيَاءَهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ مَعَ الْحَجِّ.
وَمِنْهُ: الْجِهَادُ وَأَقَلُّهُ كُلُّ سَنَةٍ مَرَّةً كَإِحْيَاءِ الْكَعْبَةِ " وَوَجْهُهُ فِي الْمُهَذَّبِ " بِأَنَّ الْجِزْيَةَ تَجِبُ بَدَلًا عَنْ عَيْنِهِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَكَذَلِكَ بَدَلُهَا، وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِهَا إلَّا إذَا عُجِزَ عَمَّا فَوْقَهَا.
وَمِنْهُ: دَفْعُ ضَرَرِ الْمَحَاوِيجِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كِسْوَةٍ أَوْ طَعَامٍ إذَا لَمْ تَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ أَوْ بَيْتِ مَالٍ، وَمِثْلُهُ مَحَاوِيجُ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ الْمُوَاسَاةُ بِمَا زَادَ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ.
وَمِنْهُ: تَجْهِيزُ الْمَوْتَى غُسْلًا وَتَكْفِينًا وَالْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ.
وَمِنْهُ: فَكُّ الْأَسْرَى قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ ابْتِيَاعُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، كَذَا رَأَيْته فِي التَّجْرِيدِ لَهُ.
وَمِنْهُ: تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ بِشَرْطِهِ وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا، لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ لِلْوَاجِبِ.
وَمِنْهُ: رَدُّ السَّلَامِ وَكَذَا الْأَذَانُ وَإِقَامَةُ الْجَمَاعَةِ وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ عَلَى رَأْيٍ.
الثَّانِي: الدُّنْيَوِيُّ: كَالْحِرَفِ وَالصِّنَاعَاتِ وَمَا بِهِ قِوَامُ " الْمَعَاشِ " كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ " وَالْحِرَاثَةِ " " وَلَا " بُدَّ مِنْهُ حَتَّى الْحِجَامَةِ وَالْكَنْسِ وَعَلَيْهِ عَمَلُ " الْحَدِيثِ " «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ لِلنَّاسِ» وَمِنْ لُطْفِ اللَّهِ " " " جُبِلَتْ " النُّفُوسُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا.
стр. 826
وَلَوْ فُرِضَ امْتِنَاعُ الْخَلْقِ مِنْهَا أَثِمُوا وَلَمْ يَحْكِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِيهِ خِلَافًا، وَقَدْ صَارَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ " إلَى " أَنَّهَا لَا تُعَدُّ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ " الطَّبْعَ " يَحُثُّ عَلَيْهَا فَأَغْنَى عَنْ حَثِّ الشَّرْعِ بِالْإِيجَابِ.
وَاسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ أَصْحَابَ الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فَكَيْف لَا يَقْبَلُ " بِفِعْلِهِمْ " فَرْضًا، وَعَدَّ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ " الْمُنَاكَحَاتِ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى طَرِيقَةٍ فِي الصَّنَائِعِ، لِأَنَّ الطَّبْعَ يَحُثُّ عَلَيْهَا.
الثَّالِثُ: فَرْضُ الْكِفَايَةِ " لَا يُبَايِنُ فَرْضَ الْعَيْنِ بِالْجِنْسِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، بَلْ يُبَايِنُهُ بِالنَّوْعِ.
وَلِهَذَا فَارَقَهُ فِي أَقْسَامٍ: مِنْهَا: أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَفَرْضَ الْكِفَايَةِ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْ عَلَى الْبَعْضِ خِلَافٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إلَّا لِعُذْرٍ وَفَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ إلَّا فِي " الْجِهَادِ وَالْجِنَازَةِ " وَالْحَجِّ تَطَوُّعًا فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا فَرْضَ كِفَايَةٍ.
وَمِنْهَا: مَنْ تَرَكَ فَرْضَ عَيْنٍ أُجْبِرَ عَلَيْهِ وَفِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ خِلَافٌ جَارٍ فِي الْقَاضِي وَكَفَالَةِ اللَّقِيطِ وَغَيْرِهَا.
وَمِنْهَا: إنْ " تَعَيَّنَ " وَاحِدٌ مِمَّنْ " عَلَيْهِ يَتَعَيَّنُ " إنْ كَانَ الْمُعَيِّنُ " لَهُ
стр. 827
الْإِمَامَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ الْآحَادِ فَفِيهِ خِلَافٌ فِي الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَالشَّاهِدِ وَالْوَلِيِّ غَيْرِ الْمُجْبَرِ وَالْأَصَحُّ فِي الشَّاهِدِ إنْ عُلِمَ أَنَّ غَيْرَهُ يُجِيبُ " فَلَا " يَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ امْتِنَاعُ غَيْرِهِ وَجَبَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ، وَإِلَّا لَأَدَّى إلَى التَّوَاكُلِ وَأَمَّا الْقَاضِي فَكَالشَّاهِدِ، وَأَمَّا الْمُفْتِي فَالْأَصَحُّ لَا يَأْثَمُ بِالرَّدِّ " إنْ " كَانَ هُنَاكَ " غَيْرُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُعْطُوهُ حُكْمَ فَرْضِ الْعَيْنِ وَلَا التَّطَوُّعِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَيْلًا حَيْثُ صَحَّحُوا الْإِسْرَارَ، وَلَمْ يَقُولُوا: يَجْهَرُ كَالْفَرْضِ، وَلَا يَكُونُ بَيْنَ السِّرِّ وَالْجَهْرِ كَالنَّافِلَةِ.
الرَّابِعُ: هَلْ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ " فِي حَرْفِ الشَّيْنِ ".
وَمِمَّا لَمْ يَسْبِقْ أَنَّهُ لَوْ شُرِعَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ هَلْ يَلْزَمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فِي الْبَحْرِ مَبْنِيَّانِ عَلَى " أَنَّ " الثَّانِيَ " هَلْ " يَقَعُ فَرْضًا أَمْ لَا؟
الْخَامِسُ: قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: " لِلْقِيَامِ " بِفَرْضِ " الْكِفَايَةِ " مَزِيَّةٌ عَلَى (الْقِيَامِ) بِفَرْضِ الْعَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَسْقَطَ الْحَرَجَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 828
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ فِي الْغِيَاثِيِّ: إنَّ الْقِيَامَ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ " الْمُتَعَيِّنُ " اخْتَصَّ هُوَ بِالْأَثِمِ.
وَلَوْ تَرَكَ الْجَمِيعُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَثِمُوا وَلَوْ فَعَلَهُ " أَسْقَطَ " الْحَرَجَ عَنْ الْجَمِيعِ. قُلْت وَالْعِبَارَةُ الْأُولَى أَحْسَنُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَزِيَّةِ الْأَفْضَلِيَّةُ فَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَفْضُولُ بِأَمْرٍ وَيَفْضُلُهُ الْفَاضِلُ بِأُمُورٍ.
وَأَمَّا الْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ فَقَدْ أَخَذَهَا النَّاسُ " مِنْهُ " " مُسَلَّمَةً " تَقْلِيدًا وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ إذَا ازْدَحَمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا يَسَعُ الزَّمَنُ إلَّا أَحَدَهُمَا فَلَا شَكَّ فِي تَقْدِيمِ فَرْضِ الْعَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَدَلٌ، كَمَا فِي سُقُوطِ الْجُمُعَةِ مِمَّنْ لَهُ قَرِيبٌ مُمَرَّضٌ، بَلْ قَالُوا: لَوْ اجْتَمَعَ جِنَازَةٌ وَجُمُعَةٌ وَضَاقَ الْوَقْتُ، قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقَدَّمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجِنَازَةَ؛ لِأَنَّ " لِلْجُمُعَةِ بَدَلًا " وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا لَهُمَا فَتَقْدِيمُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّتَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَفَرْضٌ وَلَمْ يُخَفْ فَوْتُ الْفَرْضِ قُدِّمَ الْكُسُوفُ كَيْ لَا يَفُوتَ مَعَ أَنَّ الْكُسُوفَ سُنَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ تَقْدِيمُهُ حُكْمًا بِأَفْضَلِيَّتِهِ.
وَلَوْ كَانَ فِي طَوَافِ الْفَرْضِ " وَحَصَلَتْ لَهُ جِنَازَةٌ " " كُرِهَ " لَهُ قَطْعُ الطَّوَافِ " قَالَهُ الرَّافِعِيُّ " " إذْ لَا " يَحْسُنُ تَرْكُ فَرْضِ الْعَيْنِ " لِفَرْضِ " الْكِفَايَةِ. انْتَهَى.
стр. 829
وَيَدُلُّ لِمَا ذَكَرْنَا أَيْضًا أَنَّ الشُّرُوعَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ يُلْزَمُ بِهِ حَتَّى لَوْ خَرَجَ مِنْهُ كَانَ قَضَاءً وَإِنْ وَقَعَ فِي الْوَقْتِ " وَفِي الشُّرُوعِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ " خِلَافٌ " وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ فَرْضَ عَيْنٍ أُجْبِرَ عَلَيْهِ قَطْعًا وَفِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ خِلَافٌ " وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَائِلِينَ " بِتَفْضِيلِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْعَيْنِ أَرَادُوا بِهِ الْجِنْسَ عَلَى الْجِنْسِ وَهُوَ مُنَازَعٌ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَنْ يَتَقَرَّبَ الْمُتَقَرِّبُونَ إلَيَّ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْت عَلَيْهِمْ» مَعَ أَنَّ فِي " تَعَلُّقِ " فَرْضِ الْكِفَايَةِ " بِالْجَمِيعِ " خِلَافًا.
وَأَمَّا الشُّبْهَةُ الَّتِي " اسْتَنَدَ " إلَيْهَا هَذَا الْقَائِلُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَعَدِّيَ أَفْضَلُ مِنْ الْقَاصِرِ وَلَيْسَتْ بِقَاعِدَةٍ مُطَّرِدَةٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ " فِي حَرْفِ الْعَيْنِ " وَبِتَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَلَا شَكَّ فِي تَخْصِيصِهِ " بِمَنْ " سَبَقَ إلَيْهِ أَوَّلًا، أَمَّا مَنْ " فَعَلَهُ " ثَانِيًا فَلَا يَكُونُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلَ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ وَإِنْ قُلْنَا: يَقَعُ فَرْضًا؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ حَصَلَ بِالْأَوَّلِ وَتَسْمِيَةَ الثَّانِي فَرْضًا إنَّمَا هُوَ لِحُصُولِ ثَوَابِ الْفَرْضِ.
[الْفَسْخُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ كَمَا تَعَلَّقَتْ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْعَقْدُ كَمَا سَبَقَ فِي حَرْفِ الْعَيْنِ.
стр. 830
الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الِانْفِسَاخُ انْقِلَابُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ إلَى دَافِعِهِ، وَالْفَسْخُ هُوَ قَلْبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ إلَى صَاحِبِهِ فَهَذَا هُوَ فِعْلُ الْفَاسِخِ فَالْأَوَّلُ صِفَةُ الْعِوَضَيْنِ " قَالَ " وَبِذَلِكَ رَدَدْنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْخُلْعَ فَسْخٌ، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ رَدُّ الصَّدَاقِ " فَمَا " انْقَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِوَضَيْنِ لِصَاحِبِهِ فَذَهَبَتْ حَقِيقَةُ الْفَسْخِ.
الثَّانِي: الْفُسُوخُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَخْتَلِفُ فِي " تَعَلُّقِ " الْفَسْخِ بِهِ كَالْعُنَّةِ وَالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ " وَالْمَهْرِ " فَيُفْتَقَرُ إلَى الْحَاكِمِ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ.
وَالثَّانِي: مَا هُوَ مُجْمَعٌ عَلَى الْفَسْخِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْفَسْخُ فَلَا يُفْتَقَرُ إلَى الْحَاكِمِ مِثْلُ فَسْخِ الْأَمَةِ تُعْتَقُ تَحْتَ عَبْدٍ، لَمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ لَمْ يُفْتَقَرْ لِحَاكِمٍ وَإِنْ اخْتَلَفَ فِيهِ فِي مَوْضِعٍ وَهُوَ مَا إذَا عَتَقَتْ تَحْتَ حُرٍّ وَكَذَا الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ.
فَأَمَّا " إنْ " كَانَ الْخِلَافُ ضَعِيفًا يَسُوغُ نَقْضُ الْحُكْمِ بِهِ فَلَا يَفْتَقِرُ الْفَسْخُ بِهِ إلَى حَاكِمٍ.
الثَّالِثُ: إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْفَسْخِ فَائِدَةٌ فَلَا يَمْلِكُهُ الْفَاسِخُ، كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ فِي
стр. 831
أَوَّلِ كِتَابِ الصَّدَاقِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: لَوْ اسْتَأْجَرَ " شَخْصًا " لِيَحُجَّ فِي سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَنْ " مَيِّتٍ مِنْ مَالِهِ فَأَخَّرَ عَنْهَا فَلَا خِيَارَ لِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ، لِأَنَّ الْفَائِدَةَ إمَّا فِي تَحْصِيلِ الْحَجِّ فِي " هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ فَاتَ، وَإِمَّا فِي الِانْتِفَاعِ بِالْأُجْرَةِ وَصَرْفِهَا فِي أَغْرَاضِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، لَكِنْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ قُبَيْلَ الدِّيَاتِ فِيمَا إذَا اشْتَرَى الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْعَبْدَ الْجَانِيَ ثُمَّ اطَّلَعَ فِيهِ عَلَى عَيْبٍ فَإِنَّ لَهُ الرَّدَّ، قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إلَّا الرَّقَبَةُ: فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الرَّدِّ؟ فَيُجَابُ بِأَنَّهُ إذَا " رَدَّ " فَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ إنْ عَتَقَ " بِمَا " يَفْضُلُ عَنْ قِيمَتِهِ عَلَى قَوْلٍ.
وَمِنْهَا: الْفَسْخُ بِالْإِعْسَارِ بِالصَّدَاقِ لَا فَائِدَةَ لَهُ، لِأَنَّهَا إذَا فَسَخَتْ النِّكَاحَ وَتَزَوَّجَتْ لَا تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الصَّدَاقَ عَلَى الزَّوْجِ، بَلْ يَسْقُطُ صَدَاقُهَا إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَيَبْقَى فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ.
وَلَوْ أُعْسِرَ بِصَدَاقِ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ فَلَا خِيَارَ لِلْأَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ لَهَا فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ يَسْقُطُ نِصْفُهُ وَبَعْدَ الدُّخُولِ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، كَمَا كَانَ وَيَسْقُطُ حَقُّهَا مِنْ النَّفَقَةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ عَبْدًا " مِنْ رَجُلٍ " ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ فِي يَدِهِ.
قَالَ فِي التَّهْذِيبِ وَتَابَعَهُ الرَّافِعِيُّ: يُنْظَرُ إنْ كَانَ مُشْتَرِيهِ قَدْ عَلِمَ بِهِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ نَظَرَ؛ إنْ اشْتَرَاهُ بِغَيْرِ جِنْسِ مَا بَاعَهُ أَوْ بِأَكْثَرَ لَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَهُ إنْ رَدَّهُ إلَيْهِ تَحْصُلُ لَهُ فَائِدَةٌ وَهُوَ عَوْدُ الثَّمَنِ الْأَكْثَرِ إلَيْهِ وَإِنْ اشْتَرَاهُ بِمِثْلِ الَّذِي بَاعَهُ فَهَلْ لَهُ الرَّدُّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا " لِأَنَّ مُشْتَرِيَهُ يَرُدُّ
стр. 832
عَلَيْهِ فَلَا فَائِدَةَ لَهُ فِي رَدِّهِ وَأَصَحُّهُمَا لَهُ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَهُ رُبَّمَا " يَرْضَى " بِهِ فَلَا يَرُدُّهُ.
الرَّابِعُ: الْفُسُوخُ لَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ.
وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْإِقَالَةِ إنْ قُلْنَا: فَسْخٌ وَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ ثَبَتَ.
كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ، ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ اخْتَارَ عَيْنَ مَالِهِ الْمَبِيعِ مِنْ الْمُفْلِسِ لَزِمَهُ وَلَا خِيَارَ " فِيهِ "، وَقِيلَ: لَهُ الْخِيَارُ مَا دَامَ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ " شَبِيهٌ "، بِالْخِلَافِ فِي الشَّفِيعِ انْتَهَى.
وَلَمْ يَطَّرِدُ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْإِقَالَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَسْخٌ لِثُبُوتِهَا بِالتَّرَاضِي بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ.
وَلَوْ تَقَايَلَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي ثُمَّ اطَّلَعَ الْبَائِعُ عَلَى عَيْبٍ بِهِ حَدَثَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْإِقَالَةِ إنْ قُلْنَا: فَسْخٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ الْإِقَالَةِ وَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ لَهُ رَدُّ الْإِقَالَةِ إنْ كَانَ جَاهِلًا.
وَلَك أَنْ تُعَبِّرَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ.
" وَمِنْهُ مَا " فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ فَسَخَ الْمُشْتَرِي " الْبَيْعَ " بِعَيْبٍ قَدِيمٍ، وَكَانَ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْبَائِعُ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ بَعْدَ " أَنْ انْفَسَخَ " فَلَيْسَ
стр. 833
لَهُ فَسْخُ الرَّدِّ، لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ بَلْ يَرْجِعُ بِالْأَرْشِ، كَمَا لَوْ تَقَايَلَ ثُمَّ عَلِمَ عَيْبًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْبَائِعِ فَسْخُ الرَّدِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ، إذَا لَمْ يَرْضَ بِهِ الْبَائِعُ.
وَمِثْلُهُ قَوْلِهِمْ: إذَا قُلْنَا: " يَمْتَدُّ " خِيَارُ التَّصْرِيَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَاطَّلَعَ عَلَى الْعَيْبِ بَعْدَ " ثَلَاثٍ "، لَا رَدَّ لَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الرَّدُّ وَيَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ التَّصْرِيَةَ عَيْبٌ انْتَهَى وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ، فَقَالَ: إذَا عَلِمَ بِهَا بَعْدَ الثَّلَاثِ رَدَّ، كَسَائِرِ الْعُيُوبِ وَإِنَّمَا الثَّلَاثُ فُسْحَةٌ لَهُ إذَا عَلِمَ " التَّصْرِيَةَ " فِيهَا فَلَهُ تَأْخِيرُهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَسْخَ وَالِانْفِسَاخَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعُقُودِ دُونَ الْفُسُوخِ، وَكَذَا الْعَزْلُ وَالِانْعِزَالُ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ حَيْثُ قَالَ " لَوْ " عَزَلَ الْمُودِعُ نَفْسَهُ فَوَجْهَانِ إنْ قُلْنَا: الْوَدِيعَةُ عَقْدٌ ارْتَفَعَتْ أَوْ مُجَرَّدُ إذْنٍ فَالْعَزْلُ لَغْوٌ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي تَنَاوُلِ طَعَامِهِ لِلضِّيفَانِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ عَزَلْت نَفْسِي فَيَلْغُو قَوْلُهُ. قُلْت: وَهَذَا الْخِلَافُ فِي أَمِينِ الْمَالِكِ، أَمَّا الْأَمَانَاتُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَا تَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالِاتِّفَاقِ، كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ، فَلَوْ قَالَ: فَسَخْت الْأَمَانَةَ كَانَ عَلَى الْأَمَانَةِ، فَمَتَى لَمْ يَرُدَّ حَتَّى هَلَكَتْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَى رَدِّهَا لَا ضَمَانَ.
وَمِمَّا " يَبْنِي " عَلَى هَذَا أَنَّ نَاظِرَ الْوَقْفِ إذَا عَزَلَ نَفْسَهُ لَا يَنْعَزِلُ عَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَقْدٍ.
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ جَعَلَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارَ لِأَجْنَبِيٍّ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: عَزَلْت نَفْسِي لَا يَنْعَزِلُ إلَّا أَنْ يَقُولَ: أُلْزِمْت الْعَقْدَ فَيُلْزَمُ كَمَا لَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِمَشِيئَةِ فُلَانٍ فَقَالَ فُلَانٌ " عَزَلْت نَفْسِي عَنْ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ بِمَشِيئَتِي فَلَا يَصِحُّ بَلْ مَتَى شَاءَ وَقَعَ.
стр. 834
الْخَامِسُ: الْعَقْدُ لَا يَرِدُ إلَّا عَلَى مَوْجُودٍ بِالْقُوَّةِ أَوْ بِالْفِعْلِ لِيَشْمَلَ الْحَمْلَ إذَا بَاعَ الْحَامِلُ وَأَطْلَقَ، وَقُلْنَا: يُقَابَلُ بِقِسْطٍ مِنْ الثَّمَنِ.
وَأَمَّا الْفَسْخُ فَيُرَدُّ عَلَى الْمَعْدُومِ فِي مَوْضِعَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: بَابُ التَّحَالُفِ.
الثَّانِي: الْإِقَالَةُ.
وَقَالَ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ " فِي كِتَابِ السَّلَمِ: لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فَأَكَلَ بَعْضَهُ ثُمَّ اسْتَقَالَهُ الْبَائِعُ اسْتَرَدَّ مِنْهُ الثَّمَنَ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قِيمَةَ مَا أَكَلَ مِنْهُ، قَالَ الْقَفَّالُ " فَجُوِّزَ " الْفَسْخُ فِي التَّالِفِ، " لَكِنَّهُ " نَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فَحَصَلَ قَوْلَانِ وَأَجْرَاهُمَا الْقَفَّالُ فَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِهِمَا عَيْبًا هَلْ لَهُ فَسْخُهُ فِي التَّالِفِ وَالْقَائِمِ؟ قَوْلَانِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: تَجُوزُ الْإِقَالَةُ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ إنْ جَعَلْنَاهَا فَسْخًا عَلَى الْأَصَحِّ كَالْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ.
وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا فَفِي الْإِقَالَةِ فِي " الثَّانِي " وَجْهَانِ بِالتَّرْتِيبِ " أَوْ " الْقَائِمُ تُصَادِفُهُ الْإِقَالَةُ، وَيَسْتَتْبِعُ التَّالِفُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ خَالَفُوا ذَلِكَ فِي الْفَسْخِ بِتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَدَّرُوا الِانْفِسَاخَ قُبَيْلَهُ، فَقَالُوا: لِأَنَّ التَّالِفَ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا فَلَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ فِيهِ، كَمَا لَا يَقْبَلُ
стр. 835
الْعَقْدَ فَاحْتَجْنَا " لِلتَّقْدِيرِ ".
" وَقَدْ ثَبَتَ " الْخِيَارُ فِي التَّالِفِ، كَمَا فِي إتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِلْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ.
السَّادِسُ: سَائِرُ الْعُقُودِ تَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالتَّرَاضِي، وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ الْخُلْعِ قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ النِّكَاحَ هَلْ يَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالتَّرَاضِي؟ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ كَالْبَيْعِ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ وَضْعَ النِّكَاحِ عَلَى الدَّوَامِ وَالتَّأْيِيدِ وَإِنَّمَا يُفْسَخُ لِضَرُورَةٍ عَظِيمَةٍ تَدْعُو إلَيْهِ. وَجَعَلَهَا أَصْلَ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ أَوْ فَسْخٌ.
وَأَغْرَبَ الْإِمَامُ هُنَاكَ " أَيْضًا " فَنَقَلَ " عَنْ شَيْخِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْبَيْعَ هَلْ يَقْبَلُ الْفَسْخَ بِالتَّرَاضِي؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ " بِقَبُولِهِ " الْفَسْخَ. وَالْقَوْلَانِ فِي لَفْظِ الْإِقَالَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كُلُّ مَا فُرِضَ عَلَى التَّرَاضِي سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الْفَسْخِ أَوْ الْإِقَالَةِ، فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَلَا نَظَرَ إلَى لَفْظِ الْفَسْخِ فَالْفَسْخُ لَفْظٌ أَلِفَهُ الْفُقَهَاءُ وَمَعْنَاهُ رَدُّ شَيْءٍ وَاسْتِرْدَادُ مُقَابِلِهِ، وَالْإِقَالَةُ مِنْ طَرِيقِ اللِّسَانِ صَرِيحَةٌ فِي رَفْعِ مَا تَقَدَّمَ، وَرَدِّ الْأَمْرِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَقْدِ.
تَنْبِيهٌ: هَذَا فِي الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، أَمَّا الْجَائِزَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ تَرَاضِيهِمَا، بَلْ لِكُلٍّ مِنْهَا الْفَسْخُ، وَكَذَلِكَ فِي الْجَائِزَةِ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالْمُرْتَهِنِ يَفْسَخُ الرَّهْنَ، وَالْعَبْدُ يَفْسَخُ الْكِتَابَةَ، وَالْعَامِلُ فِي الْجَعَالَةِ وَنَحْوِهِ.
السَّابِعُ: مَنْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ فَقَالَ: أَسْقَطْته هَلْ يَسْقُطُ؟ نَظَرٌ، إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَجَدَّدُ
стр. 836
ضَرَرُهُ سَقَطَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَتَجَدَّدُ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا لَا يَسْقُطُ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ السَّلَمِ، وَقَدْ " بَيَّنْت " فُرُوعَهَا فِي بَحْثِ الْخِيَارِ.
الثَّامِنُ: الْفَسْخُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الرَّافِعُ لِلْعَقْدِ كَالْفَسْخِ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ أَوْ تَلَفِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ " بِعَيْبِ " أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.
وَالْمَجَازُ أَنْ لَا يَكُونَ رَافِعًا، " بَلْ " قَاطِعًا كَالطَّلَاقِ لَيْسَ رَفْعًا لِعَقْدِ النِّكَاحِ بَلْ قَطْعًا لِلْعِصْمَةِ، " وَكَذَلِكَ " الْعِتْقُ وَالْبَيْعُ وَنَحْوُهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ قَاطِعٌ لِلْمِلْكِ وَالْفَسْخُ رَافِعٌ لِلْعَقْدِ الْمُقْتَضِي لِلْمِلْكِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي " أَنَّ " الْفَسْخَ بِعَيْبِ الْمَبِيعِ هَلْ هُوَ رَفْعٌ لِلْعَقْدِ مِنْ حِينِهِ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ وَلَيْسَ لَك أَنْ تَقُولَ: إذَا قُلْنَا مِنْ حِينِهِ فَهُوَ وَالْقَطْعُ سَوَاءٌ، فَإِنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَشِرَاؤُهُ اقْتَضَى أَحْكَامًا مِنْ الْمِلْكِ، فَإِذَا أَعْتَقَهُ مَثَلًا " أَوْ بَاعَهُ " أَوْ وَهَبَهُ كَانَتْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ قَاطِعَةً لِلْمِلْكِ وَلَيْسَتْ رَافِعَةً " لِشِرَائِهِ "، لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ آثَارِهِ، فَكَيْف تَرْفَعُهُ، فَإِنَّ شِرَاءَهُ هُوَ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَى إعْتَاقِهِ، فَإِذَا رَدَّهُ الْمُشْتَرِي بِعَيْبٍ " رَجَعَ " إلَيْهِ بِالْمِلْكِ الْأَوَّلِ وَكَانَ الْمِلْكُ الثَّانِي مُسْتَفَادًا مِنْ شِرَائِهِ السَّابِقِ عَلَى بَيْعِهِ، وَلَيْسَ مِلْكًا جَدِيدًا بِالْفَسْخِ، وَلَوْ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ كَانَ عَوْدُهُ إلَيْهِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ مُبْتَدَأً.
وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا " رَدُّهُ " لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ رَدَّهُ " عَلَيْهِ بِعَيْبٍ ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ لَا يُعْتَقُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْلِيقًا قَبْلَ الْمِلْكِ، " لِأَنَّ
стр. 837
الْمِلْكَ " الْعَائِدَ هُوَ الْأَوَّلُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَاهُ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِهِمْ فِي بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ " حَيْثُ " فَرَّقُوا بَيْنَ رُجُوعِهِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَرُجُوعِهِ بِالْأَوَّلِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
التَّاسِعُ: الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ وَنَحْوِهِ هَلْ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ حِينِهِ؟ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ: الثَّانِي " حَيْثُ يَفُوزُ الرَّدُّ " بِالزَّوَائِدِ، وَأَشَارَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْخِيَارِ إلَى أَنَّ الْمِلْكَ يَعُودُ إلَى " الْفَاسِخِ " مَعَ الْفَسْخِ " أَوْ قَبْلَهُ "، وَهَذَا النَّظَرُ أَدَقُّ مِمَّا قَبْلَهُ.
وَالْمُرَادُ بِارْتِفَاعِهِ مِنْ حِينِهِ ارْتِفَاعُ الْمِلْكِ " فِي الْمَبِيعِ " فَقَطْ دُونَ زَوَائِدَ، وَهَذَا الْخِلَافُ يَجْرِي فِي الْفَسْخِ " بِخِيَارِ " الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ، كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَفِي الْإِقَالَةِ، وَقِيلَ: فِي الْإِقَالَةِ مِنْ حِينِهِ قَطْعًا، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ وَيَجْرِي فِي الْفَسْخِ بِالتَّحَالُفِ.
وَلَوْ فُسِخَ الْمَبِيعُ بِالْفَلَسِ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إلَى الثَّمَنِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ مِنْ حِينِهِ قَطْعًا وَالزَّوَائِدُ لَهُ قَطْعًا.
وَمِثْلُهُ رُجُوعُ الْوَالِدِ فِي هِبَةِ الْوَلَدِ، وَيَجْرِي فِي الِانْفِسَاخِ أَيْضًا، فَإِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ، وَهَلْ يُقَدَّرُ ارْتِفَاعُ الْعَقْدِ مِنْ حِينِ التَّلَفِ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ.
وَهُنَا تَنْبِيهَانِ
стр. 838
الْأَوَّلُ: أَنَّهُمْ حَكَوْا هَذَا الْخِلَافَ فِي الْفَسْخِ وَلَمْ يُطْرِدُوهُ فِي الْإِجَازَةِ هَلْ تَقْتَضِي اسْتِقْرَارَ الْمِلْكِ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ حُدُوثِهِ مِنْ حِينِهَا؟
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهُمْ لَمْ يُجْرُوا هَذَا الْخِلَافَ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، وَالْقِيَاسُ مَجِيئُهُ فِي الْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّفْعِ مِنْ أَصْلِهِ " أَنْ يُتَبَيَّنَ " " عَدَمُ الْوُقُوعِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الشَّرْعَ سَلَّطَ الْعَاقِدَ عَلَى رَفْعِ أَحْكَامِهِ وَجَعَلَهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَإِنْ كَانَتْ عُيُوبُهَا مُخْتَلِفَةً، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْفَسْخُ بِالْعَيْبِ فِي النِّكَاحِ.
إمَّا أَنْ يَرْفَعَ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ أَوْ مِنْ حِينِهِ.
فَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْلِهِ وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَمْ يَجِبْ الْمُسَمَّى سَوَاءٌ كَانَ بِمُقَارِنٍ " أَوْ بِحَادِثٍ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ أَوْ بَعْدَ الْوَطْءِ ".
وَإِنْ كَانَ مِنْ حِينِهِ وَجَبَ الْمُسَمَّى وَلَمْ يَجِبْ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ.
وَالتَّفْصِيلُ مَا وَجْهُهُ؟ وَلِهَذَا السُّؤَالِ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَفْعٌ " لِلْعَقْدِ " مِنْ حِينِ حُدُوثِ سَبَبِهِ لَا مِنْ أَصْلِ الْعَقْدِ وَلَا مِنْ حِينِ الْفَسْخِ، وَأُلْحِقَ بِهِ الْإِجَارَةُ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِيهَا الْمَنَافِعُ وَهِيَ لَا " تُقْبَضُ " حَقِيقَةً، إلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ " وَأَمَّا " الْفَسْخُ فِي النِّكَاحِ بِالرِّدَّةِ وَالرَّضَاعِ وَالرِّقِّ وَالْإِعْسَارِ وَنَحْوِهِ قَاطِعَةٌ لَهُ مِنْ حِينِهِ قَطْعًا وَلَا تَعُودُ إلَى أَصْلِ " الْعَقْدِ " " قَطْعًا وَلَا يَقْتَضِي تَرَادَّ الْعِوَضَيْنِ، بَلْ إنْ كَانَ مِنْهُمَا سَقَطَ
стр. 839
الْمَهْرُ "، وَإِلَّا فَلَا.
وَلِهَذَا إذَا " اشْتَرَتْ " زَوْجَهَا سَقَطَ فِي الْأَصَحِّ " وَإِذَا " اشْتَرَاهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يُشْطَرُ فِي الْأَصَحِّ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُمْ فَصَلُوا فِي النِّكَاحِ بَيْنَ الْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَالْفَسْخِ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فِي تَشْطِيرِ الصَّدَاقِ " وَتَكْمِيلِهِ " وَلَمْ يَذْكُرُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، وَنَقَلُوا فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَلْحَقَ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ بِالنِّكَاحِ، وَقَالَ فِي الْجَمِيعِ مَا كَانَ فَسْخًا حَقِيقَةً يَقْتَضِي رَدَّ الْعِوَضِ وَمَا كَانَ فَسْخًا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الِاخْتِيَارِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَقَالَ فِيمَا إذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا مِنْ أَبِيهِ بِعَشْرَةٍ " دَفَعَهَا " وَاسْتَنْفَقَهَا الْأَبُ ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ وَخَلَّفَ الدَّارَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَهَلْ تَنْفَسِخُ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا، وَالثَّانِي، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: نَعَمْ، وَقَالَ الشَّارِحُونَ: هَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي الشِّرَاءِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: تَعْلِيقُ الْفَسْخِ بِصِفَةٍ لَا يَجُوزُ وَلِهَذَا لَوْ قَالَتْ الْأَمَةُ: مَتَى أُعْتِقْت تَحْتَ " هَذَا " الْعَبْدِ فَقَدْ اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهِ لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ أَسْلَمَ عَنْ زَوْجَاتٍ مُشْرِكَاتٍ وَقَالَ: كُلَّمَا أَسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ فَقَدْ اخْتَرْت فَسْخَ نِكَاحِهَا؛ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا إنْ أَرَادَ " بِهِ " حِلَّ عَقْدِ النِّكَاحِ.
стр. 840
الثَّانِيَ عَشَرَ: الْفُسُوخُ يُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي ابْتِدَاءِ الْعُقُودِ.
وَلِهَذَا لَوْ بَاعَ الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا بِثَوْبٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا لَهُ اسْتِرْدَادُ الْعَبْدِ فِي الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَجَدَ مُشْتَرِي الْعَبْدِ بِهِ عَيْبًا فَقِيلَ: يَرُدُّهُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: عَلَى الْوَجْهَيْنِ.
وَلَوْ تَقَايُلًا حَيْثُ لَا عَيْبَ وَقُلْنَا: الْإِقَالَةُ فَسْخٌ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الثَّلَاثُ اغْتَفَرُوا فِيهَا حُصُولَ مِلْكِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ بِالْفَسْخِ وَإِنْ " لَمْ " يُخَيِّرُوهُ ابْتِدَاءً.
وَمِنْهُ أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْوَلَدِ بِالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ، وَفِي التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَجْهَانِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الرَّافِعِيِّ تَرْجِيحُ الْمَنْعِ، " وَرَجَّحَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَتْبَاعُهُ الْجَوَازَ "، وَادَّعَى ابْنُ الرِّفْعَةِ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَيَتَأَيَّدُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْفَسْخُ " فَأَجَازَ " ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا فِي صُوَرٍ يَضْبِطُهَا أَنْ يَدُومَ الضَّرَرُ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي فَصْلِ الْخِيَارِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: إذَا اجْتَمَعَ الْفَسْخُ وَالْإِجَازَةُ تَغْلِبُ الْإِجَازَةُ إلَّا فِي " صُورَتَيْنِ " " إحْدَاهُمَا " إذَا اشْتَرَى عَبْدًا بِجَارِيَةٍ وَأَعْتَقَهَا فَالْإِجَازَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَسْخِ فِي الْأَصَحِّ.
стр. 841
الثَّانِيَةُ إذَا فَسَخَ أَحَدُ الْوَارِثِينَ وَأَجَازَ فَالْإِجَازَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَسْخِ "، كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَمَاتَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ فَأَجَازَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ وَالْآخَرُ الْإِجَازَةُ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: " يَصِحُّ " التَّوْكِيلُ فِي الْفُسُوخِ إلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشَهْوَةِ النَّفْسِ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ إسْلَامِ الزَّوْجِ لَا يُوَكِّلُ فِيهِ فَإِنْ وَكَّلَ فِي طَلَاقِ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ جَازَ، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصِحُّ ضِمْنًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمَوْضِعُ التَّوْكِيلِ بِالْفَسْخِ إذَا كَانَ عَلَى التَّرَاخِي، وَإِلَّا فَالتَّوْكِيلُ " فِيهِ " تَفْسِيرٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي.
[الْفَضِيلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا]
. الْفَضِيلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا وَمِنْ ثَمَّ الْجَمَاعَةُ خَارِجَ الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ دَاخِلَهَا.
وَالْجَمَاعَةُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّفَلُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ الرِّيَاءِ رَاجِعٌ لِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَالْقُرْبُ مِنْ الْبَيْتِ لِلطَّائِفِ مُسْتَحَبٌّ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمْلُ إلَّا مَعَ الْبُعْدِ " عَنْهُ " آثَرَهُ، لِأَنَّ الدُّنُوَّ فَضِيلَةٌ " مُتَعَلِّقَةٌ " بِالْمَكَانِ وَالرَّمْلُ فَضِيلَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ صُوَرٌ:
стр. 842
مِنْهَا: مَنْ بِجِوَارِهِ مَسْجِدٌ تَتَعَطَّلُ الْجَمَاعَةُ فِيهِ إذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ " كَثِيرَةٍ " فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّ إقَامَتَهَا فِيهِ أَفْضَلُ.
وَمِنْهَا: الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ كَثُرَتْ، كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، لَكِنْ أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ: إنَّ " الْكَثِيرَةَ " فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَلِيلَةِ فِي الْمَسْجِدِ.
[فِعْلُ النَّفْسِ لَا يُرْجَعُ فِيهِ لِقَوْلِ أَحَدٍ]
ٍ كَالْمُصَلِّي يَنْسَى عَدَدَ الرَّكَعَاتِ وَالْقَاضِي وَالشَّاهِدِ يَنْسَيَانِ الْوَاقِعَةَ.
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ: " إحْدَاهُمَا " حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّك فَعَلْته وَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْلِهِمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، وَلَعَلَّهُ فِيمَا إذَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ لِخَبَرِهِمَا.
الثَّانِيَةُ: لَوْ شَهِدَا " عَلَى " الْقَاضِي أَنَّك أَمَّنْت فُلَانًا الْكَافِرَ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ حُكِمَ بِقَوْلِهِمَا، " لِأَنَّهُ " شَهَادَةٌ عَلَى عَقْدٍ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ: وَمُرَادُهُ بِالْعَقْدِ أَيُّ عَقْدِ أَمَانٍ، وَهُوَ حَقْنُ الدَّمِ، وَلِأَنَّهُ بَابٌ مُوَسَّعٌ وَالْقَتْلُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْقَاضِي بِهَذَا بَلْ لَوْ شَهِدَا عَلَى شَخْصٍ أَنَّك أَمَّنْت كَافِرًا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
كُلُّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ " فِعْلِ " نَفْسِهِ قَبِلْنَاهُ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ " إلَّا
стр. 843
حَيْثُ تَتَعَلَّقُ " بِهِ " شَهَادَةٌ " كَشَهَادَةِ " الْمُرْضِعَةِ " وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَنَحْوِهِ، أَوْ دَعْوَى كَوِلَادَةِ الْوَلَدِ الْمَجْهُولِ وَاسْتِلْحَاقِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ.
[الْفِعْلُ يَنُوبُ عَنْ الْقَوْلِ مَعَ الْقَرِينَةِ]
ِ فِي صُوَرٍ مِنْهَا: الْمُعَاطَاةُ فِي الْبَيْعِ، إذَا جَوَّزْنَاهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا.
وَمِنْهَا: لَوْ وَجَدَ هَدْيًا مَذْبُوحًا مُشْعِرًا حَلَّ لَهُ تَنَاوُلُهُ فِي الْأَظْهَرِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَلَّدَ الْهَدْيَ أَوْ أَشْعَرَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ نَحْرُهُ فِيهِ قَوْلَانِ بَنَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا " وَقَضِيَّتُهُ " اللُّزُومُ.
وَمِنْهَا: لَوْ لَبَّدَ الْمُحْرِمُ شَعْرَ رَأْسِهِ فَهَلْ يَكُونُ كَمَنْ نَذَرَ حَلْقَهُ " فَيَلْزَمُهُ حَلْقُهُ " فِيهِ قَوْلَانِ مِمَّا سَبَقَ.
وَمِنْهَا: تَصِيرُ الْبُقْعَةُ مَسْجِدًا بِالْفِعْلِ مَعَ النِّيَّةِ إذَا بَنَاهَا فِي مَوَاتٍ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَمِنْهَا: الرِّدَّةُ تَحْصُلُ بِالْفِعْلِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: بِنَاءُ الْكَنَائِسِ رِدَّةٌ، قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ: لِأَنَّ عِنْدَهُ إرَادَةَ الْكُفْرِ " كُفْرٌ " لَا لِذَاتِهَا، لَكِنْ " لِكَوْنِهَا " اسْتِهَانَةً " بِالدِّينِ ".
[الْفِعْلُ الْقَلِيلُ فِي الصَّلَاةِ]
ِ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ صُوَرٍ:
стр. 844
إحْدَاهَا: مَا فِيهِ لَعِبٌ كَمَا لَوْ صَفَّقَتْ الْمَرْأَةُ لِأَمْرٍ " نَابَهَا فِي صَلَاتِهَا " بِبَطْنِ الْيَمِينِ عَلَى " بَطْنِ " الْيَسَارِ، لِأَنَّهُ لَعِبٌ، وَقَلِيلُ اللَّعِبِ مُبْطِلٌ.
الثَّانِيَةُ: مَا إذَا كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ فَبَلَعَ ذَوْبَهَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ.
الثَّالِثَةُ: إذَا نَوَى " بِهِ " عَمَلًا كَثِيرًا وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَلِيلِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
وَمِثْلُهُ: إذَا سَكَتَ يَسِيرًا فِي الْفَاتِحَةِ نَاوِيًا قَطْعَهَا تَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ
стр. 845
[حَرْفُ الْقَافِ] [ اعْتِبَار الْأَهْلِيَّة فِي الْقَبْض وَالْإِقْبَاضُ]
الْقَبْضُ وَالْإِقْبَاضُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ إلَّا فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: إذَا قَالَ مَالِكُ الْوَدِيعَةِ: سَلِّمْهَا لِهَذَا الصَّبِيِّ فَفَعَلَ بَرِئَ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْقِهَا فِي الْبَحْرِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي إقْبَاضِ الزَّكَاةِ لِمُعَيَّنٍ، وَلَوْ سَلَّمَتْ الْمُرَاهِقَةُ نَفْسَهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحَّ.
وَمِنْهَا: لَوْ ثَبَتَ لِلسَّفِيهِ دَيْنٌ فَقَبَضَهُ بِإِذْنِ " وَلِيِّهِ " فَوَجْهَانِ رَجَّحَ الْحَنَّاطِيُّ الصِّحَّةَ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ سِلْعَتَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ جُنَّ الْمُشْتَرِي فَقَبَضَ الْبَائِعُ مِنْهُ صَحَّ، وَإِنْ قَبَضَ مِنْ مَجْنُونٍ قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ قُبَيْلَ بَابِ الْقِصَاصِ بِالسَّيْفِ، وَقَاسَ عَلَيْهَا مَا لَوْ وَجَبَ عَلَى الْمَجْنُونِ قِصَاصٌ، فَاسْتَوْفَاهُ الْمُسْتَحِقُّ وَقَعَ مَوْقِعَهُ.
[الْقُدْرَةُ عَلَى التَّحْصِيلِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْحَاصِلِ]
ِ فِيمَا يَجِبُ لَهُ، وَلَيْسَ كَالْقُدْرَةِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ. فَمِنْ الْأَوَّلِ: الْفَقِيرُ الْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ غَنِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَلَا تَجِبُ عَلَى قَرِيبِهِ الْمُوسِرِ نَفَقَتُهُ وَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ بِجِهَةِ الْفَقْرِ.
следующие страницы →