Полный текст (1 194 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الثَّانِيَةُ إذَا فَسَخَ أَحَدُ الْوَارِثِينَ وَأَجَازَ فَالْإِجَازَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْفَسْخِ "، كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا وَمَاتَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَخَلَّفَ ابْنَيْنِ فَأَجَازَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ وَالْآخَرُ الْإِجَازَةُ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: " يَصِحُّ " التَّوْكِيلُ فِي الْفُسُوخِ إلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشَهْوَةِ النَّفْسِ، كَالزِّيَادَةِ عَلَى الْعَدَدِ الشَّرْعِيِّ عِنْدَ إسْلَامِ الزَّوْجِ لَا يُوَكِّلُ فِيهِ فَإِنْ وَكَّلَ فِي طَلَاقِ أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ جَازَ، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ يَصِحُّ ضِمْنًا، قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَمَوْضِعُ التَّوْكِيلِ بِالْفَسْخِ إذَا كَانَ عَلَى التَّرَاخِي، وَإِلَّا فَالتَّوْكِيلُ " فِيهِ " تَفْسِيرٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْمُتَوَلِّي.
[الْفَضِيلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا]
. الْفَضِيلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ الْفَضِيلَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَكَانِهَا وَمِنْ ثَمَّ الْجَمَاعَةُ خَارِجَ الْكَعْبَةِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ دَاخِلَهَا.
وَالْجَمَاعَةُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّفَلُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ الرِّيَاءِ رَاجِعٌ لِنَفْسِ الْعِبَادَةِ، وَالْقُرْبُ مِنْ الْبَيْتِ لِلطَّائِفِ مُسْتَحَبٌّ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّمْلُ إلَّا مَعَ الْبُعْدِ " عَنْهُ " آثَرَهُ، لِأَنَّ الدُّنُوَّ فَضِيلَةٌ " مُتَعَلِّقَةٌ " بِالْمَكَانِ وَالرَّمْلُ فَضِيلَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الْعِبَادَةِ.
وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ صُوَرٌ:
стр. 842
مِنْهَا: مَنْ بِجِوَارِهِ مَسْجِدٌ تَتَعَطَّلُ الْجَمَاعَةُ فِيهِ إذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ " كَثِيرَةٍ " فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّ إقَامَتَهَا فِيهِ أَفْضَلُ.
وَمِنْهَا: الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ، وَإِنْ كَثُرَتْ، كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ، لَكِنْ أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ: إنَّ " الْكَثِيرَةَ " فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَلِيلَةِ فِي الْمَسْجِدِ.
[فِعْلُ النَّفْسِ لَا يُرْجَعُ فِيهِ لِقَوْلِ أَحَدٍ]
ٍ كَالْمُصَلِّي يَنْسَى عَدَدَ الرَّكَعَاتِ وَالْقَاضِي وَالشَّاهِدِ يَنْسَيَانِ الْوَاقِعَةَ.
وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ: " إحْدَاهُمَا " حَلَفَ لَا يَفْعَلُ كَذَا فَشَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّك فَعَلْته وَلَمْ يَسْتَحْضِرْهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى قَوْلِهِمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، وَلَعَلَّهُ فِيمَا إذَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ لِخَبَرِهِمَا.
الثَّانِيَةُ: لَوْ شَهِدَا " عَلَى " الْقَاضِي أَنَّك أَمَّنْت فُلَانًا الْكَافِرَ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ حُكِمَ بِقَوْلِهِمَا، " لِأَنَّهُ " شَهَادَةٌ عَلَى عَقْدٍ، قَالَهُ الْهَرَوِيُّ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ: وَمُرَادُهُ بِالْعَقْدِ أَيُّ عَقْدِ أَمَانٍ، وَهُوَ حَقْنُ الدَّمِ، وَلِأَنَّهُ بَابٌ مُوَسَّعٌ وَالْقَتْلُ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْقَاضِي بِهَذَا بَلْ لَوْ شَهِدَا عَلَى شَخْصٍ أَنَّك أَمَّنْت كَافِرًا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ.
كُلُّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ " فِعْلِ " نَفْسِهِ قَبِلْنَاهُ، لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ " إلَّا
стр. 843
حَيْثُ تَتَعَلَّقُ " بِهِ " شَهَادَةٌ " كَشَهَادَةِ " الْمُرْضِعَةِ " وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَنَحْوِهِ، أَوْ دَعْوَى كَوِلَادَةِ الْوَلَدِ الْمَجْهُولِ وَاسْتِلْحَاقِهِ مِنْ الْمَرْأَةِ.
[الْفِعْلُ يَنُوبُ عَنْ الْقَوْلِ مَعَ الْقَرِينَةِ]
ِ فِي صُوَرٍ مِنْهَا: الْمُعَاطَاةُ فِي الْبَيْعِ، إذَا جَوَّزْنَاهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا.
وَمِنْهَا: لَوْ وَجَدَ هَدْيًا مَذْبُوحًا مُشْعِرًا حَلَّ لَهُ تَنَاوُلُهُ فِي الْأَظْهَرِ.
وَمِنْهَا: لَوْ قَلَّدَ الْهَدْيَ أَوْ أَشْعَرَهُ هَلْ يَلْزَمُهُ نَحْرُهُ فِيهِ قَوْلَانِ بَنَاهُمَا صَاحِبُ الْبَيَانِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا " وَقَضِيَّتُهُ " اللُّزُومُ.
وَمِنْهَا: لَوْ لَبَّدَ الْمُحْرِمُ شَعْرَ رَأْسِهِ فَهَلْ يَكُونُ كَمَنْ نَذَرَ حَلْقَهُ " فَيَلْزَمُهُ حَلْقُهُ " فِيهِ قَوْلَانِ مِمَّا سَبَقَ.
وَمِنْهَا: تَصِيرُ الْبُقْعَةُ مَسْجِدًا بِالْفِعْلِ مَعَ النِّيَّةِ إذَا بَنَاهَا فِي مَوَاتٍ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
وَمِنْهَا: الرِّدَّةُ تَحْصُلُ بِالْفِعْلِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: بِنَاءُ الْكَنَائِسِ رِدَّةٌ، قَالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ الْكَتَّانِيُّ: لِأَنَّ عِنْدَهُ إرَادَةَ الْكُفْرِ " كُفْرٌ " لَا لِذَاتِهَا، لَكِنْ " لِكَوْنِهَا " اسْتِهَانَةً " بِالدِّينِ ".
[الْفِعْلُ الْقَلِيلُ فِي الصَّلَاةِ]
ِ لَا أَثَرَ لَهُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ صُوَرٍ:
стр. 844
إحْدَاهَا: مَا فِيهِ لَعِبٌ كَمَا لَوْ صَفَّقَتْ الْمَرْأَةُ لِأَمْرٍ " نَابَهَا فِي صَلَاتِهَا " بِبَطْنِ الْيَمِينِ عَلَى " بَطْنِ " الْيَسَارِ، لِأَنَّهُ لَعِبٌ، وَقَلِيلُ اللَّعِبِ مُبْطِلٌ.
الثَّانِيَةُ: مَا إذَا كَانَ بِفَمِهِ سُكَّرَةٌ فَبَلَعَ ذَوْبَهَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ.
الثَّالِثَةُ: إذَا نَوَى " بِهِ " عَمَلًا كَثِيرًا وَاقْتَصَرَ عَلَى الْقَلِيلِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَبْطُلُ، كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
وَمِثْلُهُ: إذَا سَكَتَ يَسِيرًا فِي الْفَاتِحَةِ نَاوِيًا قَطْعَهَا تَبْطُلُ فِي الْأَصَحِّ
стр. 845
[حَرْفُ الْقَافِ] [ اعْتِبَار الْأَهْلِيَّة فِي الْقَبْض وَالْإِقْبَاضُ]
الْقَبْضُ وَالْإِقْبَاضُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ إلَّا فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: إذَا قَالَ مَالِكُ الْوَدِيعَةِ: سَلِّمْهَا لِهَذَا الصَّبِيِّ فَفَعَلَ بَرِئَ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْقِهَا فِي الْبَحْرِ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي إقْبَاضِ الزَّكَاةِ لِمُعَيَّنٍ، وَلَوْ سَلَّمَتْ الْمُرَاهِقَةُ نَفْسَهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحَّ.
وَمِنْهَا: لَوْ ثَبَتَ لِلسَّفِيهِ دَيْنٌ فَقَبَضَهُ بِإِذْنِ " وَلِيِّهِ " فَوَجْهَانِ رَجَّحَ الْحَنَّاطِيُّ الصِّحَّةَ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْخُلْعِ.
وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ سِلْعَتَهُ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ جُنَّ الْمُشْتَرِي فَقَبَضَ الْبَائِعُ مِنْهُ صَحَّ، وَإِنْ قَبَضَ مِنْ مَجْنُونٍ قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ قُبَيْلَ بَابِ الْقِصَاصِ بِالسَّيْفِ، وَقَاسَ عَلَيْهَا مَا لَوْ وَجَبَ عَلَى الْمَجْنُونِ قِصَاصٌ، فَاسْتَوْفَاهُ الْمُسْتَحِقُّ وَقَعَ مَوْقِعَهُ.
[الْقُدْرَةُ عَلَى التَّحْصِيلِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى الْحَاصِلِ]
ِ فِيمَا يَجِبُ لَهُ، وَلَيْسَ كَالْقُدْرَةِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ. فَمِنْ الْأَوَّلِ: الْفَقِيرُ الْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ غَنِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَلَا تَجِبُ عَلَى قَرِيبِهِ الْمُوسِرِ نَفَقَتُهُ وَلَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ بِجِهَةِ الْفَقْرِ.
стр. 846
وَمِنْ الثَّانِي: الْمُفْلِسُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاكْتِسَابُ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ نَعَمْ لَهُ الْأَخْذُ مِنْ الزَّكَاةِ لِلْغَرِيمِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي الْأَصَحِّ، لَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْكَسْبِ، لِوَفَاءِ الدَّيْنِ.
وَالْمُسَافِرُ الْفَاقِدُ لِثَمَنِ الْمَاءِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْكَسْبِ لَا يَلْزَمُهُ الِاكْتِسَابُ لَهُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ.
وَالْفَقِيرُ الْكَسُوبُ لَا يَتَحَمَّلُ الْعَقْلَ قَطْعًا وَتَلْزَمُهُ الْجِزْيَةُ قَطْعًا، بَلْ تَلْزَمُ الْعَاجِرَ عَنْ الْكَسْبِ فِي الْأَصَحِّ، وَتَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ " حَتَّى يُوسِرَ " وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكْتَسِبَ " لِيَحُجَّ " كَمَا قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إنْ كَانَ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَلَهُ صَنْعَةٌ " يَكْتَسِبُ " فِيهَا كِفَايَتَهُ وَكِفَايَةَ عِيَالِهِ وَمَئُونَةَ حَجِّهِ لَزِمَهُ الْحَجُّ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ كَانَ " يَكْتَسِبُ " فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ كُلِّفَ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأُولَى إذَا قَدَرَ عَلَى الْكَسْبِ فِي بَلَدِهِ " بِمَا " يَكْفِيه مَئُونَةُ أَيَّامٍ ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ.
وَمَنْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ لَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي إبِلِهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ بِنْتِ مَخَاضٍ.
وَلَوْ كَانَ الْغَارِمُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ كَسُوبٌ يَقْدِرُ عَلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ مِنْ كَسْبِهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُعْطِي بِخِلَافِ الْفَقِيرِ، لِأَنَّ حَاجَتَهُ تَتَحَقَّقُ يَوْمًا فَيَوْمًا وَالْكَسُوبُ يَحْصُلُ كُلَّ يَوْمٍ مَا يَكْفِيهِ، وَهُنَا الْحَاجَةُ حَاصِلَةٌ فِي الْحَالِ لِثُبُوتِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى " اكْتِسَابِ " مَا يَقْضِي بِهِ " دَيْنَهُ " عَلَى التَّدْرِيجِ.
وَمِثْلُهُ: الْمُكَاتَبُ.
وَمِنْ " هَذَا " يُعْلَمُ أَنَّ هَذَا لَا يَرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ
стр. 847
قَادِرًا عَلَى التَّحْصِيلِ، فَإِنَّ الْقُدْرَةَ إنَّمَا تَكُونُ " بِالْجُمْلَةِ "، وَهِيَ مَفْقُودَةٌ.
وَأَمَّا الِاكْتِسَابُ لِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَالزَّوْجَةِ فَيَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يَرِدُ عَلَى الثَّانِي، بَلْ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوهُ فِي الْقَرِيبِ، بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إحْيَاءُ نَفْسِهِ بِالْكَسْبِ فَكَذَلِكَ بَعْضُهُ، لَكِنَّهُ مُشْكِلٌ فِي الزَّوْجَةِ لِالْتِحَاقِ نَفَقَتِهَا بِالدُّيُونِ.
نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ الثَّانِي صُوَرٌ: كَالْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَإِنَّهُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ.
وَكَمَا لَوْ بُذِلَ " لِلْمُسَافِرِ " الْمَاءُ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ وَهُوَ وَاجِدٌ " الثَّمَنَ " يَلْزَمُهُ، وَكَذَا الْقَادِرُ عَلَى ثَمَنِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ " يُعَدُّ وَاجِدًا لَهُمَا " حَتَّى يَلْزَمَهُ الْحَجُّ " وَكَذَا الْقَادِرُ عَلَى صَدَاقِ حُرَّةٍ يُعَدُّ قَادِرًا عَلَيْهَا حَتَّى تَحْرُمَ عَلَيْهِ الْأَمَةُ ".
وَكَذَا الْقَادِرُ عَلَى شِرَاءِ الْحَبِّ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ يَلْزَمُهُ شِرَاؤُهُ " وَنَظَائِرُهُ "
[الْقَرَائِنُ إذَا انْضَمَّتْ إلَى الضَّعِيفِ]
ِ أَلْحَقَتْهُ بِالْقَوِيِّ، لَكِنْ هَلْ الْعَمَلُ حِينَئِذٍ بِالْقَرَائِنِ وَحْدَهَا أَوْ بِالْمَجْمُوعِ؟ قَوْلَانِ لِلْأُصُولِيِّينَ.
وَمِنْ فُرُوعِهِ: أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا احْتَفَتْ بِهِ الْقَرَائِنُ أَفَادَ الْعِلْمَ عَلَى الْأَصَحِّ وَأَنَّ " الْخَبَرَ " الْمُرْسَلَ إذَا اعْتَضَدَ بِأَحَدِ السَّبْعَةِ " الْمَشْهُورَةِ " الْتَحَقَ بِالْمُسْنَدِ.
стр. 848
وَمِنْهَا: الِاعْتِمَادُ عَلَى قَوْلِ الصَّبِيِّ الْمَوْثُوقِ بِهِ فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ وَإِيصَالِ الْهَدِيَّةِ فِي الْأَصَحِّ وَجَعَلَ النَّوَوِيُّ الْخِلَافَ حَيْثُ لَمْ يَحْتَفِ بِهِ قَرِينَةٌ " لِصِدْقِهِ " فَإِنْ احْتَفَتْ " بِهِ " اُعْتُمِدَ قَطْعًا.
وَمِنْهَا: إخْبَارُ الْفَاسِقِ أَنْ لَا مَاءَ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ، كَمَا " قَالَهُ " الْمَاوَرْدِيُّ لِاعْتِضَادِهِ بِأَنَّ الْأَصْلَ الْعَدَمُ.
وَمِنْهَا: مَسَائِلُ اللَّوَثِ جَمِيعُهَا فِي بَابِ الْقَسَامَةِ دَائِرَةٌ مَعَ الْقَرَائِنِ.
وَلَوْ ادَّعَى سَبْقَ اللِّسَانِ إلَى الطَّلَاقِ حَيْثُ لَا يُقْبَلُ مِنْ مُدَّعِيه وَوُجِدَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ، كَمَا إذَا قَالَ: طَلَّقْتُك، ثُمَّ قَالَ: سَبَقَ لِسَانِي وَكُنْت أَقُولُ: " طَلَبْتُك "، فَعَنْ النَّصِّ أَنَّهُ لَا يَسَعُ امْرَأَتَهُ الْقَبُولُ.
وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الرُّويَانِيِّ أَنَّ هَذَا فِيمَا إذَا اُتُّهِمَ فَإِنْ كَانَتْ " قَرِينَةٌ " تُصَدِّقُهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهَا ذَلِكَ بِأَمَارَةٍ فَلَهَا أَنْ تَقْبَلَ قَوْلَهُ وَلَا تُخَاصِمَهُ.
وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا تَعَارَضَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ مَعَ الْقَرِينَةِ أَيُّهُمَا يُقَدَّمُ.
وَمِمَّا لَمْ يُعْتَمَدْ فِيهِ عَلَى الْقَرِينَةِ مَسْأَلَةُ تَنَازُعِ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَلِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: مَا صَلُحَ لِلرِّجَالِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا صَلُحَ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ
" وَمِنْهَا: دَعْوَى السَّارِقِ أَنَّهُ مِلْكُهُ تُسْمَعُ وَإِنْ كَانَتْ الْقَرَائِنُ بِخِلَافِهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى دَعْوَى " يَشْهَدُ الظَّاهِرُ بِكَذِبِهَا مِثْلَ أَنْ ادَّعَى كَنَّاسٌ " عَلَى
стр. 849
قَاضٍ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِكَنْسِ دَارِهِ تُسْمَعُ ".
وَمِنْهَا: كِنَايَاتُ الطَّلَاقِ لَا تَنْتَقِلُ إلَى " الصَّرَائِحِ " بِالْقَرَائِنِ.
وَمِنْهَا: لَوْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى غَسَّالٍ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ عُرِفَ بِالْعَمَلِ بِالْأُجْرَةِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ عَلَى الْمَنْصُوصِ مَا لَمْ يَشْرِطْهَا.
وَمِنْهَا: الْهِبَةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الثَّوَابُ.
[الْقُرْبَةُ حَقِيقَتهَا]
الْقُرْبَةُ مَا كَانَ مُعْظَمُ الْمَقْصُودِ مِنْهُ رَجَاءَ الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، كَذَا ضَبَطَهُ الْقَفَّالُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ الْقَاضِي فِي الْأَسْرَارِ قَالَ: وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الدُّيُونِ وَرَدُّ الْمَغْصُوبِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا وَمِنْ سَائِرِ الْمُعَامَلَاتِ " إيصَالُ " النَّفْعِ إلَى الْآدَمِيِّ.
وَأَوْرَدَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ قُرْبَةً.
وَأَجَابَ الْقَفَّالُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ بَلْ السَّتْرُ عَادَةٌ وَمُرُوءَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْعَوْرَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: قُلْت: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ وَرَدُّ السَّلَامِ قُرْبَةٌ، " قَالَ ": لَا يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ عَلَيْهَا إلَّا بِالنِّيَّةِ انْتَهَى.
وَكَانَ يَنْبَغِي لِلْقَفَّالِ أَنْ يُجِيبَ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالْتَزَمَ الْقَفَّالُ أَنَّ غَسْلَ النَّجَاسَةِ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لِصِحَّتِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَقَالَ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ: إنَّهُ
стр. 850
قُرْبَةٌ مِنْ الْإِمَامِ وَلَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يُثَبْ، قَالَ: وَيَعْصِي لَوْ اسْتَوْفَاهُ " عَبَثًا " مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ: الْقُرْبَةُ مَا يَصِيرُ الْمُتَقَرِّبُ بِهِ مُتَقَرِّبًا، وَقِيلَ: هِيَ الطَّاعَةُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَاعَةً وَلَا يَكُونُ قُرْبَةً؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقُرْبَةِ الْعِلْمُ " بِالْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ " فَمُحَالٌ " وُجُودُ الْقُرْبَةِ " قَبْلَ " الْعِلْمِ بِالْمَعْبُودِ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ الْمُؤَدَّيَانِ إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ " تَعَالَى " فَهُوَ وَاجِبٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ " تَعَالَى " وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ، فَكُلُّ قُرْبَةٍ طَاعَةٌ وَلَا تَنْعَكِسُ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَاجِبَةٌ وَطَاعَةٌ وَلَيْسَتْ " بِقُرْبَةٍ "؛ لِأَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا " تُسْقِطُ الْفَرْضَ عَنْهُ ".
وَاعْلَمْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْقُرَبِ تَتَفَاوَتُ، فَالْقُرْبَةُ فِي الْهِبَةِ " أَتَمُّ " مِنْهَا فِي الْقَرْضِ، وَفِي الْوَقْفِ أَتَمُّ مِنْهَا فِي الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ دَائِمٌ يَتَكَرَّرُ، وَالصَّدَقَةُ " أَتَمُّ " مِنْ الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ قَطْعُ حَظِّهِ مِنْ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ فِي الْحَالِ، كَذَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ.
[الْقُرْعَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي مَوَاضِعَ]
الْقُرْعَةُ وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ فِي مَوَاضِعَ:
стр. 851
الْأَوَّلُ: فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ إذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ ابْتِدَاءً لِمُبْهَمٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عِنْدَ تُسَاوِي الْمُسْتَحَقِّينَ كَاجْتِمَاعِ الْأَوْلِيَاءِ فِي النِّكَاحِ وَالْوَرَثَةِ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ.
وَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَفِي الْحَاضِنَاتِ إذَا كُنَّ فِي دَرَجَةٍ، وَكَذَا فِي ابْتِدَاءِ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِي الْأَصَحِّ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَقِّ فَوَجَبَتْ الْقُرْعَةُ؛ لِأَنَّهَا مُرَجَّحَةٌ، وَقِيلَ: وَيَبْدَأُ بِمَنْ شَاءَ بِلَا قُرْعَةٍ.
الثَّانِي: فِي تَمْيِيزِ الْمُسْتَحِقِّ الْمُعَيَّنِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ اشْتِبَاهِهِ وَالْعَجْزِ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ
وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ " هَذَا " الطَّائِرٌ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ وَأَشْكَلَ لَا يُقْرَعُ مَا دَامَ الْحَالِفُ حَيًّا عَلَى الْمَذْهَبِ لِتَوَقُّعِ الْبَيَانِ وَقِيلَ: يُقْرَعُ كَمَا إذَا مَاتَ. الثَّالِثُ: فِي تَمْيِيزِ الْأَمْلَاكِ.
وَقِيلَ: إنَّهُ لَمْ يَجِئْ إلَّا فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ:
إحْدَاهُمَا: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الْعَبِيدِ إذَا لَمْ يَفِ الثُّلُثُ بِهِمْ.
وَالثَّانِيَةُ: الْإِقْرَاعُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ عِنْدَ تَعْدِيلِ السِّهَامِ فِي الْقِسْمَةِ.
وَالثَّالِثَةُ: عِنْدَ تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ.
стр. 852
الرَّابِعُ: فِي حُقُوقِ الِاخْتِصَاصَاتِ.
كَالتَّزَاحُمِ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَفِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ، وَنِيلِ الْمَعْدِنِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا.
وَلَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْأَبْضَاعِ، وَلَا فِي تَعْيِينِ الْوَاجِبِ الْمُبْهَمِ " مِنْ " الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا ابْتِدَاءً، وَلَا فِي " لِحَاقِ " النَّسَبِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ.
" وَلِهَذَا لَوْ " أَذِنَتْ لِوَلِيَّيْهَا فِي النِّكَاحِ فَأَنْكَحَاهَا مَعًا فَبَاطِلَانِ، وَلَا مَدْخَلَ لِلْقُرْعَةِ فِيهِ، وَكَذَا لَا تَدْخُلُ فِي الطَّلَاقِ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ " ﷺ " إنَّمَا أَقْرَعَ فِي الْعِتْقِ وَلَمْ " يَفْعَلْ " فِي الطَّلَاقِ وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُفَارِقُهُ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ حَلَّ النِّكَاحَ. وَالْقُرْعَةُ لَا تَدْخُلُ فِي النِّكَاحِ بِالْإِجْمَاعِ. وَالْعِتْقَ حَلَّ الْمِلْكَ. وَالْقُرْعَةُ تَدْخُلُ فِي تَمْيِيزِ الْأَمْلَاكِ.
وَقَالَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ: إنَّمَا دَخَلَتْ فِي الْعِتْقِ دُونَ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ " تَدْخُلُ فِي تَمْيِيزِ الرَّقِيقِ ابْتِدَاءً وَهُوَ عِنْدَ الْغَنِيمَةِ، فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ.
وَقَدْ تَدْخُلُ " فِي " الطَّلَاقِ إذَا كَانَ هُنَاكَ عِتْقٌ، كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَهَا وَعِتْقَ الْعَبْدِ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْف دَخَلَتْ فِي شَيْئَيْنِ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَدْخَلٌ فِي الْقُرْعَةِ.
стр. 853
قُلْنَا: يَجُوزُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الشَّيْئَيْنِ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ، " وَإِنْ " ثَبَتَ بِهِ أَحَدُهُمَا، كَمَا أَنَّ الْقَطْعَ مَعَ الْغُرْمِ فِي السَّرِقَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْغُرْمُ وَحْدَهُ بِالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْقَطْعُ، قَالَ الْإِمَامُ فِي " بَابِ " الْكِتَابَةِ، وَالْإِقْرَاعُ فِي الْعِتْقِ لَا يَجْرِي إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَرِيضُ إذَا اسْتَوْعَبَ التَّرِكَةَ بِإِعْتَاقٍ وَاقْتَضَى الشَّرْعُ إرْقَاقَ بَعْضِهِمْ.
الثَّانِي: إذَا أَبْهَمَ السَّيِّدُ الْإِعْتَاقَ وَلَمْ يُعَيِّنْ بِقَلْبِهِ وَمَاتَ " لَمْ " يَقُمْ الْوَارِثُ مَقَامَهُ فِي التَّعْيِينِ، " فَأَمَّا " إذَا " عَيَّنَ الْمُعْتِقُ " " وُقُوعًا " ثُمَّ اسْتَبْهَمَ فَلَا جَرَيَانَ لِلْقُرْعَةِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ بِمَا إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ، أَوْ قَالَ الْوَارِثُ: لَا عِلْمَ لِي فَإِنَّهُ يُقْرَعُ.
وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ لَوْ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ، ثُمَّ مَاتَ فَأَقْرَعَ الْوَرَثَةُ بَيْنَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمْ حُكِمَ بِعِتْقِهِ.
وَلَوْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَقْرَعَ ثَانِيًا وَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِآخَرَ وَحَكَمَ بِعِتْقِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِصِحَّةِ مَا فَعَلُوا أَيْ وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِعِتْقِ الْقَارِعِ ثَانِيًا.
وَلَوْ أَقْرَعَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَلَا حُكْمَ لَهُ ثُمَّ قَالَ وَلِلْقَاضِي أَنْ يَقْرَعَ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْوَارِثِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَوْ أَقْرَعَ بَيْنَ الْعَبِيدِ فَخَرَجَتْ الْقُرْعَةُ لِوَاحِدٍ وَحَكَمْنَا بِحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ اشْتَبَهَ قَالَ يُقْرَعُ ثَانِيًا بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَا بِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَالِمًا فِي مَرَضِهِ وَهُوَ ثُلُثُ
стр. 854
مَالِهِ وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ غَانِمًا وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ وَعُرِفَ سَبْقُ " عِتْقِ " أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَتْ إحْدَى الشَّهَادَتَيْنِ أَسْبَقَ تَارِيخًا وَعُرِفَ عَيْنُ السَّابِقِ ثُمَّ اشْتَبَهَ لَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، بَلْ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحُرِّيَّةَ لَمْ تَثْبُتْ لِلسَّابِقِ " قَطْعًا فَلَوْ أَقْرَعْنَا فَرُبَّمَا أَرْقَقْنَا الْحُرَّ وَهَا هُنَا الْقُرْعَةُ ظَنٌّ لَا يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ " قَطْعًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ تِلْكَ إنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ لِوَاحِدٍ وَعُرِفَ عَيْنُ السَّابِقِ " ثُمَّ اُشْتُبِهَ يُحْكَمُ بِعِتْقِ ثُلُثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَمَا ثَبَتَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ إذَا عُرِفَ السَّابِقُ " ثُمَّ اُشْتُبِهَ.
قَالَ: وَلَوْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْحُرِّيَّةِ لِوَاحِدٍ، لَكِنْ لَمْ نَعْرِفْهُ " بِأَنْ " قِيلَ: أَخْرِجْ بُنْدُقَةً بِاسْمِ الْحُرِّيَّةِ فَأَخْرَجَ فَتَلِفَتْ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ.
وَلْنَذْكُرْ طَرَفًا مِنْ أَحْكَامِهَا فَنَقُولُ: لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الطِّهَارَاتِ، وَلِهَذَا لَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ فِي هَذَا الْإِنَاءِ دُونَ " ذَلِكَ " وَآخَرُ بِالْعَكْسِ تَعَارَضَا، وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الِاسْتِعْمَالِ فَفِي التَّتِمَّةِ وَالْبَحْرِ أَنَّهُ لَا تَجِيءُ الْقُرْعَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ فِي الطَّهَارَاتِ لَكِنْ فِي الذَّخَائِرِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمُحْدِثٌ وَكَانَ الْمَاءُ لَا يَفْضُلُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّلَاةِ، فَعَلَى
стр. 855
هَذَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَالْمَشْهُورُ " تَقْدِيمُ " الْجُنُبِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَرَادَ رَجُلٌ بَذْلَ ثَوْبٍ لِلسَّتْرِ وَحَضَرَ رَجُلَانِ وَالثَّوْبُ لَا يَكْفِيهِمَا فَيُحْتَمَلُ التَّوْزِيعُ وَيُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ بِالْقُرْعَةِ، " قَالَ " " الْعِجْلِيُّ " وَلَعَلَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ يَسْتُرُ أَحَدَهُمَا فَإِنْ أَرَادَ الْإِنْصَافَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَمِنْهَا: فِي الْأَذَانِ إذَا تَنَازَعُوا فِي مَوْضِعِ تَسَاوِيهِمْ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ.
وَمِنْهَا: إذَا اسْتَوَى اثْنَانِ فِي صِفَاتِ الْإِمَامَةِ وَتَشَاحَّا فِي " التَّقْدِيمِ " أُقْرِعَ.
وَمِنْهَا: إذَا سَبَقَ اثْنَانِ إلَى الْجُلُوسِ بِالْأَمَاكِنِ الْمُبَاحَةِ كَالطُّرُقِ الْوَاسِعَةِ وَرِحَابِ الْمَسَاجِد " أَوْ سَبَقَا " إلَى مَعْدِنٍ مُبَاحٍ وَضَاقَ إلَّا عَنْ أَحَدِهِمَا، وَكَذَا إذَا اجْتَمِعَا عَلَى " نَهْرٍ " مُبَاحٍ أَوْ الْتَقَطَ اثْنَانِ طِفْلًا وَتَسَاوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَالْأَوْلِيَاءُ فِي النِّكَاحِ إذَا اسْتَوَتْ دَرَجَتُهُمْ وَتَشَاحُّوا أُقْرِعَ.
وَمِنْهَا: إذَا " دَعَاهُ " اثْنَانِ مَعًا إلَى وَلِيمَةٍ وَاسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا.
وَمِنْهَا إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ " مَعًا " قَدَّمَ " إحْدَاهُمَا " بِالْقُرْعَةِ، كَمَا يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ عِنْدَ السَّفَرِ بِالْقُرْعَةِ.
وَمِنْهَا: إذَا ثَبَتَ الْقِصَاصُ لِجَمَاعَةٍ وَتَشَاحُّوا فِي الِاسْتِيفَاءِ أُقْرِعَ.
стр. 856
وَمِنْهَا: ازْدِحَامُ الْخُصُومِ عِنْدَ الْقَاضِي وَفِي الْقِسْمَةِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ.
وَمِنْهَا: الْمُمَيِّزُ إذَا اخْتَارَ الْأَبَوَيْنِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَيَكْفُلُهُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ " الْقُرْعَةُ " فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَقِيلَ: يُقْرَعُ، كَمَا لَوْ اخْتَارَهُمَا مَعًا، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، بَلْ تُقَدَّمُ الْأُمُّ اسْتِصْحَابًا " لِمَا كَانَ لَهَا " " قَاعِدَةٌ " مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ " اسْتَقَلَّ " بِالْحَقِّ وَلَا يَحْتَاجُ إذْنَ الْبَاقِينَ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بَابُ الْقِسْمَةِ إذَا " جَرَتْ " بِالتَّرَاضِي لَا بِالِاخْتِيَارِ فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ " التَّرَاضِي " بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا يَكْفِي الرِّضَا الْأَوَّلُ.
ثَانِيهِمَا: بَابُ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِبِنَائِهِ عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ تَوَلَّاهُ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ فَلَوْ مَنَعَ غَيْرَهُ امْتَنَعَ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ الِاسْتِيفَاءِ لَا يُنْقَضُ " بِخُرُوجِهَا " لِغَيْرِهِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ إبْرَائِهِ وَالْعَفْوِ عَلَى مَالٍ.
[الْقُصَارَةُ فِي الْفَلَسِ عَيْنًا وَفِي الْغَصْبِ أَثَرًا]
الْقُصَارَةُ جَعَلُوهَا " فِي الْفَلَسِ عَيْنًا وَفِي الْغَصْبِ أَثَرًا "
стр. 857
وَالضَّابِطُ: أَنَّ الْوَضْعَ إنْ كَانَ " مُحْتَرَمًا " فَعَيْنٌ وَأَلَّا فَأَثَرٌ
[الْقَضَاءُ مُقَابِلُ الْأَدَاءِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ُ: الْأَوَّلُ: لَا يُؤْمَرُ بِهِ إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ " سَبَبُ " الْأَمْرِ بِالْأَدَاءِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّبَبِ " الْمُقْتَضِي " مَا هُوَ الْمُقْتَضِي لِوُجُوبِهِ أَوْ نَدْبِهِ سَوَاءٌ قَارَنَهُ مَانِعٌ مِنْ تَرَتُّبِ حُكْمِهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَإِذَا تَقَدَّمَ السَّبَبُ وَلَمْ يَفْعَلْ أُمِرَ بِالْقَضَاءِ.
وَمَتَى لَمْ يَتَقَدَّمْ السَّبَبُ أَصْلًا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْقَضَاءِ
وَكَذَلِكَ تَارِكُ الصَّلَاةِ عَمْدًا يَقْضِي لِوُجُودِ " سَبَبِ الْوُجُوبِ "، وَالنَّائِمُ يَقْضِي لِوُجُودِ السَّبَبِ الَّذِي قَارَنَهُ " مَانِعُ " الْوُجُوبِ وَهُوَ النَّوْمُ.
وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِيمَا " انْعَقَدَ سَبَبُ " وُجُوبِهِ وَلَمْ يَجِبْ، إمَّا لِمَانِعٍ " أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ " أَوْ تَخْفِيفًا مِنْ الشَّارِعِ هَلْ يُسَمَّى تَدَارُكُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَاءً عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ أَوْ الْمَجَازِ، فَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ حَقِيقَةٌ سَوَاءٌ تَمَكَّنَ الْمُكَلَّفُ مِنْ فِعْلِهِ " فِي الْوَقْتِ " كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي كَانَ يُطِيقُ الصَّوْمَ أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ شَرْعًا كَالْحَائِضِ
стр. 858
أَوْ عَقْلًا كَالنَّائِمِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إطْلَاقُ اسْمِ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ، لَكِنَّهُ جَزَمَ بِذَلِكَ فِي الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي كَانَ يَخْشَى الْهَلَاكَ فِي الصَّوْمِ وَتَرَدَّدَ فِي بَقِيَّةِ " الصُّوَرِ " ثُمَّ رَجَّحَ كَوْنَهُ مَجَازًا، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ إلَّا أَنْ يُلْحَظَ التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ فِي النِّيَّةِ. وَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِلُ: إحْدَاهَا ": أَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرَ الْمُمَيِّزِ إذَا بَلَغَ لَا يُؤْمَرُ " بِقَضَاءِ " الصَّلَاةِ، " لَا إيجَابًا " وَلَا نَدْبًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ فِي ذِمَّتِهِ " سَبَبُ " الْوُجُوبِ.
وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا فَتَرَكَهَا ثُمَّ بَلَغَ أُمِرَ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ الْبُلُوغِ نَدْبًا، كَمَا كَانَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَدَاؤُهَا وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي بَابِ اللِّعَانِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذَا قُلْنَا: إنَّهُ مَأْمُورٌ " بِأَمْرِ الشَّرْعِ " فَإِنْ قُلْنَا: بِأَمْرِ الْوَلِيِّ فَلَا " وَقَدْ حَكَى " ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ رِوَايَةِ الْجِيلِيِّ فِي أَمْرِهِ بِالْقَضَاءِ وَجْهَيْنِ وَلَعَلَّ مَأْخَذَهُمَا مَا ذَكَرْنَا الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمَجْنُونَ إذَا أَفَاقَ لَا يُؤْمَرُ بِالْقَضَاءِ وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَحَبَّ، لِأَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِي حَقِّهِ رُخْصَةٌ، فَإِنَّهُ إنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ تَخْفِيفًا، لَكِنْ قَالُوا: إنَّهُ لَا يُنْدَبُ فِي حَقِّهِ قَضَاءُ النَّوَافِلِ " لِسُقُوطِ " الْفَرَائِضِ. الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْحَائِضَ لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا بَعْدَ الطُّهْرِ قَضَاءُ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ سُقُوطَهَا فِي حَقِّهَا عَزِيمَةٌ وَلَيْسَتْ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْوُجُوبِ، بَلْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي طَبَقَاتِهِ
стр. 859
عَنْ " أَبِي بَكْرٍ الْبَيْضَاوِيِّ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهَا الْقَضَاءُ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ الْكَرَاهَةُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْقَضَاءِ إلَّا مَا اتَّصَفَ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْأَدَاءُ إلَّا فِي الْجُمُعَةِ، " فَإِنَّهَا تُوصَفُ " بِالْأَدَاءِ وَلَا تُقْضَى.
وَمِثْلُهُ الْوُضُوءُ فَإِنَّهُ يُوصَفُ بِالْأَدَاءِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ بِنِيَّةِ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ وَلَا يَدْخُلُهُ " الْقَضَاءُ "، فَلَوْ تَوَضَّأَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ " وَصَلَّى بِهِ تِلْكَ الصَّلَاةَ " وَقَعَتْ قَضَاءً، وَلَا يُوصَفُ " الْوُضُوءُ " بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُوصَفَ تَبَعًا لِلصَّلَاةِ، كَذَا تَرَدَّدَ فِيهِ صَاحِبُ الْمَطْلَبِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ تَفَقُّهًا، وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ وَكَانَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ يَقُولُ: الطَّهَارَةُ لَا يَدْخُلُهَا الْقَضَاءُ إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى رَأْيِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَهِيَ مَا إذَا كَانَ لَابِسَ خُفٍّ فِي الْحَضَرِ فَأَحْدَثَ بَعْدَ الزَّوَالِ مَثَلًا وَهُوَ مُقِيمٌ وَخَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَهُوَ مُقِيمٌ وَسَافَرَ ثُمَّ مَسَحَ فِي السَّفَرِ " فَإِنَّهُ " عِنْدَهُ يَمْسَحُ مَسْحَ مُقِيمٍ، لِأَنَّهُ قَضَاءٌ عَنْ الطَّهَارَةِ اللَّازِمَةِ.
стр. 860
وَلَوْ تَطَهَّرَ فِي الْإِقَامَةِ وَمَسَحَ فِيهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَسْحُ مُقِيمٍ، " فَكَذَلِكَ " فِي قَضَائِهَا.
وَقَدْ أُورِدَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا يُوصَفُ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ إلَّا إذَا أَمْكَنَ وَصْفُهُ بِضِدِّهِ، كَالْإِجْزَاءِ وَالصِّحَّةِ " لَا " يُوصَفُ بِهِمَا إلَّا مَا أَمْكَنَ وُقُوعُهُ غَيْرَ مُجْزِئٍ وَغَيْرَ صَحِيحٍ فَكَيْفَ تُوصَفُ الْجُمُعَةُ بِالْأَدَاءِ وَلَا تَقَعُ " غَيْرَ " مُؤَدَّاةٍ.
وَأُجِيبُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَنْعُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَقَدْ يُوصَفُ " الشَّيْءُ " بِمَا لَا يُوصَفُ بِضِدِّهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْجُمُعَةَ تُقْضَى ظُهْرًا، وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ اشْتِرَاكٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَقَبِلَتْ الْوَصْفَ بِذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا لَوْ وَقَعَتْ بَعْدَ الْوَقْتِ بِجَهْلٍ مِنْ فَاعِلِهَا سُمِّيَتْ قَضَاءً فَاسِدًا فَصَحَّ وَصْفُ الْجُمُعَةِ بِالْقَضَاءِ لَمَّا صَحَّ وَصْفُ الصَّلَاةِ بِالْفَسَادِ، وَقِيلَ: يُتَصَوَّرُ قَضَاءُ الْجُمُعَةِ بِأَنْ يُصَلِّيَهَا وَتَكُونَ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ بِسَبَبِ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ ثُمَّ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ، لَكِنْ الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ هَا هُنَا؛ لِأَنَّ الَّذِي تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ الظُّهْرُ فَلَا يَقْضِي غَيْرَهَا.
الثَّالِثُ: الْعِبَادَاتُ تَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا ": مَا لَا يُوصَفُ بِقَضَاءٍ وَلَا أَدَاءٍ كَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ
стр. 861
وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ الذُّنُوبِ وَإِنْ أَثِمَ الْمُؤَخِّرُ لَهَا عَنْ الْمُبَادَرَةِ فَلَوْ تَدَارَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى قَضَاءً. الثَّانِي: مَا يُوصَفُ بِهِمَا وَهُوَ مَا لَهُ وَقْتٌ " مُحَدَّدٌ " مِنْ الْفَرَائِضِ قَطْعًا، " وَكَذَا " النَّوَافِلُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
الثَّالِثُ: " مَا قَبْلَ " الْأَدَاءِ دُونَ الْقَضَاءِ وَهُوَ الْجُمُعَةُ وَالْوُضُوءُ عَلَى مَا سَبَقَ وَحُكِيَ فِي الْبَيَانِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ " أَنَّ الْجُمُعَةَ " إذَا فَاتَتْ يَقْضِيهَا أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ الْخُطْبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ " الرَّكْعَتَيْنِ "، وَكَذَلِكَ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ، قَالَ الْإِمَامُ: لَا مَعْنَى لِقَضَائِهَا فَإِنَّ النَّاسَ وَإِنْ سَقَوْا فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ بِصُورَةِ الِاسْتِسْقَاءِ " وَيُقِيمُونَهَا شُكْرًا "، وَكَذَا صَلَاةُ " الْخُسُوفِ " لَا تُقْضَى بَعْدَ الِانْجِلَاءِ بِلَا خِلَافٍ، " فَإِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ " لَيْسَتْ بِمُؤَقَّتَةٍ، وَكَذَلِكَ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ لِمَعْنًى فَفَاتَتْ بِفَوَاتِهِ، وَكَذَلِكَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ " وَجَلَسَ " فَاتَتْ، قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: وَلَا نَقُولُ: يَقْضِي؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا " لِسَبَبٍ " وَهُوَ احْتِرَامُ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ فَاتَ السَّبَبُ وَوُجِدَ التَّضْيِيعُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ بَانَ كَوْنُهُ مُحْدِثًا لَا " يَلْزَمُهُ " الْقَضَاءُ وَلَوْ فَعَلَ كَانَ ابْتِدَاءَ فِعْلٍ، وَكَذَلِكَ الْأُضْحِيَّةُ الْمُتَطَوِّعُ بِهَا، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُضَحِّ حَتَّى فَاتَ الْوَقْتُ لَا يَقْضِي
стр. 862
قَطْعًا، لِإِمْكَانِ تَدَارُكِهَا أَدَاءً مِنْ السُّنَّةِ الْأُخْرَى، قَالَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصُّوَرِ الْآتِيَةِ: قَالَ الْإِمَامُ فِي كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَعْتَادُ صَوْمَ أَيَّامٍ تَطَوُّعًا فَتَرَكَ الصَّوْمَ فَلَيْسَ " يَتَحَقَّقُ عِنْدِي " قَضَاؤُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ " أَفْسَدَهُ " بَعْدَ التَّحَرُّمِ بِهِ فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ يَكُونُ ابْتِدَاءَ تَطَوُّعٍ، وَالْأَيَّامُ الَّتِي رَغَّبَ " الشَّارِعُ " فِي التَّطَوُّعِ بِصَوْمِهَا إذَا لَمْ يَصُمْهَا فَلَا مَعْنَى لِتَقْدِيرِ قَضَائِهَا، وَلَوْ تَحْرُمُ " بِالصَّوْمِ " ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَقَدْ يَتَخَيَّلُ إمْكَانَ الْقَضَاءِ وَلَسْتُ أَرَاهُ " أَيْضًا " وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى " انْتَهَى ". ضَابِطٌ: حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَاسْتَحْسَنَهُ فِي قَضَاءِ النَّوَافِلِ وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ التَّقَرُّبُ بِهِ ابْتِدَاءً لَا يُقْضَى كَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ وُجُودِ سَبَبِهِمَا، وَمَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِهِ ابْتِدَاءً كَنَافِلَةِ رَكْعَتَيْنِ مَثَلًا هَلْ تُقْضَى فِيهِ قَوْلَانِ.
وَمِنْهُ " سَجْدَةُ " التِّلَاوَةِ، وَقَدْ نَازَعَ ابْنُ الْأُسْتَاذِ فِي صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَقَرَّبُ بِهَا فَإِنَّهَا رَكْعَتَانِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ مَعَ أَنَّ قَضَاءَ الْعِيدِ مَشْرُوعٌ أَيْضًا. الرَّابِعُ: يَنْقَسِمُ حَالُ الْمُكَلَّفِ فِي الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ فِي الصَّلَاةِ إلَى أَقْسَامٍ " الْأَوَّلُ " مَنْ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ، وَهُوَ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ
стр. 863
وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَالْمُتَحَيِّرَةُ وَالْمُصَلِّي " عَارِيًّا " وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَعْذَارِ النَّادِرَةِ. الثَّانِي: مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ وَلَا الْقَضَاءُ " وَهُوَ " الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فِيمَا فَاتَهُمَا مِنْ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْعُذْرِ.
الثَّالِثُ: مَنْ يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ وَهُوَ " الْمُكَلَّفُ " الْكَامِلُ إذَا أَدَّاهَا بِشَرْطِهَا، وَكَذَا مَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ، لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى.
وَيَنْقَسِمُ حَالُهُ فِي الصَّوْمِ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَنْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ كَالْمُجَامَعِ فِي رَمَضَانَ.
ثَانِيهَا: مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْأَمْرَانِ وَهُوَ الْمُفْطِرُ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ أَوْ " الْمَرَضِ " وَيَمُوتُ قَبْلَ زَوَالِ عُذْرِهِ.
ثَالِثُهَا: مَنْ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ كَالْمُفْطِرِ بِغَيْرِ جِمَاعٍ.
رَابِعُهَا: عَكْسُهُ كَالشَّيْخِ " الْهَرِمِ ".
فَائِدَةٌ: قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: كُلُّ عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ إذَا تَرَكَهَا الْمُكَلَّفُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ أَوْ الْكَفَّارَةُ إلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْإِحْرَامُ لِدُخُولِ مَكَّةَ إذَا أَوْجَبْنَاهُ فَدَخَلَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ ثَانِيًا يَقْتَضِي إحْرَامًا آخَرَ فَهُوَ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَا بِالْقَضَاءِ
نَعَمْ، لَوْ صَارَ مِمَّنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ كَالْحَطَّابِ
стр. 864
قَضَى لِتَمَكُّنِهِ.
وَقَدْ نُوَزِّعُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ إذَا " وَجَبَ " الْقَضَاءُ يَخْرُجُ ثُمَّ يَعُودُ مُحْرِمًا، وَلَا نَقُولُ: إنَّ عَوْدَهُ يَقْتَضِي إحْرَامًا آخَرَ " كَمَا إذَا دَخَلَهَا لِنُسُكٍ " يَكْفِيهِ الْإِحْرَامُ بِهِ.
" وَيُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ بِضْعُ عَشْرَةِ صُورَةٍ " لَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِيهَا: " إحْدَاهَا ": " الثَّانِيَةُ: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ وَأَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ وَقِيلَ: يُمْكِنُ " الْقَضَاءُ " بِأَنْ يُسَافِرَ ثُمَّ يَقْضِيَ مَا أَفْطَرَ أَوْ يَصُومَ عَنْهُ وَلِيُّهُ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ.
" الثَّالِثَةُ ": إذَا تَرَكَ إمْسَاكَ يَوْمِ الشَّكِّ وَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَإِنَّ الْإِمْسَاكَ وَاجِبٌ وَلَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ لِتَرْكِهِ قَضَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ.
" الرَّابِعَةُ ": إذَا فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ عَنْ اثْنَيْنِ غَيْرَ مُتَحَرِّفٍ لِقِتَالٍ وَلَا
стр. 865
مُتَحَيِّزٍ " إلَى فِئَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ مَتَى لَقِيَ مَنْ " يَجِبُ " قِتَالُهُ وَجَبَ قِتَالُهُ فَهَذَا اللِّقَاءُ لَا قَضَاءَ " لَهُ ".
" الْخَامِسَةُ ": رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَإِنْ أَخَّرَهُ سَقَطَ عَنْهُ وَلَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ تَعْلِيقِهِ، " وَيُبْنَى " عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِرَدِّ السَّلَامِ لَا يُقْبَلُ. " السَّادِسَةُ ": لَوْ أَفْسَدَ الْحَجَّ بِالْجِمَاعِ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ فَلَوْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ بِالْجِمَاعِ " أَيْضًا " " لَزِمَتْهُ " الْكَفَّارَةُ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِهَذَا الثَّانِي قَضَاءٌ.
" السَّابِعَةُ ": مَنْ نَذَرَ " أَنْ يَحُجَّ " كُلَّ سَنَةٍ مِنْ عُمْرِهِ فَفَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي صِيَامِ الدَّهْرِ.
" الثَّامِنَةُ " إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا فَأَخَّرَ وَاحِدَةً فَصَلَّاهَا فِي آخَرِ الْوَقْتِ
" التَّاسِعَةُ ": إذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَاضِلِ مِنْ قُوتِهِ كُلَّ يَوْمٍ فَأَتْلَفَ الْفَاضِلَ فِي يَوْمٍ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفَاضِلَ عَنْ قُوتِهِ بَعْدَ هَذَا يَسْتَحِقُّ التَّصَدُّقَ بِهِ بِالنَّذْرِ لَا بِالْغُرْمِ. " الْعَاشِرُ ": لَوْ نَذَرَ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ يَمْلِكُهُ فَمَلَكَ عَبْدًا وَأَخَّرَ الْعِتْقَ حَتَّى
стр. 866
مَاتَ الْعَبْدُ لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهُ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ.
" الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ": نَفَقَةُ الْقَرِيبِ إذَا فَاتَ مِنْهَا يَوْمٌ أَوْ أَيَّامٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ [قَضَاؤُهُ] ، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ.
" الْخَامِسُ ": مَا وَجَبَ قَضَاؤُهُ تَارَةً يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ وَهُوَ مَا إذَا " أُفْسِدَتْ " الْعِبَادَةُ أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ وَتَارَةً يَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي
وَهُوَ مَا إذَا فَاتَ بِعُذْرٍ إلَّا فِي مَسْأَلَتَيْنِ: " إحْدَاهُمَا ": فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ فَإِذَا تَعَذَّرَ فِي هَذَا " الْعَامِ " وَجَبَ التَّدَارُكُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
الثَّانِيَةُ: إذَا أَفْطَرَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ قَالَهُ الْمُتَوَلِّي السَّادِسُ: إنَّ التَّرْتِيبَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجِبُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْوَقْتِ وَقَدْ فَاتَ.
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: يَجِبُ " اعْتِبَارًا لِلْقَضَاءِ " بِالْأَدَاءِ، قَالَ الْإِمَامُ فِي الْأَسَالِيبِ وَيَلْزَمُهُمْ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي رِعَايَةِ التَّتَابُعِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَيَّامَ كَانَتْ مُتَتَابِعَةً فِي الْأَدَاءِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ.
стр. 867
وَمِنْهَا لَوْ لَمْ يَصُمْ الْمُتَمَتِّعُ الثَّلَاثَ حَتَّى رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ صَوْمُ الْعَشَرَةِ، وَهَلْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ صَوْمِ الثَّلَاثِ " وَالسَّبْعِ "؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، لِأَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْأَدَاءِ، كَمَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ صَوْمَ السَّبْعِ عَلَى الثَّلَاثِ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ وَلَهُ أَنْ يَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ، لِأَنَّ التَّفَرُّقَ فِي الْأَدَاءِ كَانَ لِحَقِّ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ أُرْفِقَ بِهِ، فَإِذَا صَارَ قَضَاءً سَقَطَ التَّفْرِيقُ، كَمَا فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأَدَاءِ فِي أَوْقَاتِهَا فَإِذَا قُضِيَتْ جَازَ قَضَاؤُهَا مُتَتَابِعَةً.
وَمِنْهَا " لَوْ " تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ جَازَ قَضَاؤُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ بِاللَّيْلِ، لِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ النَّهَارِ فَعَلَى الْأَصَحِّ هَلْ تَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ " بَيْنَ " الْقَضَاءِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ يَرْمِي أَوَّلًا عَنْ الْقَضَاءِ إلَى كُلِّ جَمْرَةٍ سَبْعًا ثُمَّ يَعُودُ فَيَرْمِي عَنْ الْأَدَاءِ، وَالثَّانِي لَا يَجِبُ، لِأَنَّ التَّرْتِيبَ " يَسْتَحِقُّ " عَلَيْهِ لِحَقِّ الْوَقْتِ، فَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ سَقَطَ التَّرْتِيبُ كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ.
وَمِنْهَا لَوْ تَرَكَ الصَّوْمَ فِي الْحَضَرِ وَقَضَاهُ فِي السَّفَرِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الْقَضَاءِ كَمَا فِي الْأَدَاءِ " فِي السَّفَرِ، قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: إنْ كَانَ مَعْذُورًا حَالَ أَدَاءِ الصَّوْمِ وَأَفْطَرَ جَازَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فِي الْقَضَاءِ بِعُذْرِ السَّفَرِ، وَقِيلَ: يُفْطِرُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فِي الْأَصْلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ هُوَ أَنَّهُ، لَوْ افْتَتَحَ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ، فَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَهُ فِي الْحَضَرِ وَشَرَعَ فِي قَضَائِهِ " فِي السَّفَرِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الصَّلَاةُ لَوْ افْتَتَحَهَا تَمَامًا فِي السَّفَرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَصْرُهَا، فَكَذَلِكَ إذَا تَرَكَهَا فِي الْحَضَرِ وَقَضَاهَا فِي السَّفَرِ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ فِي حَقِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ.
стр. 868
[يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اقْتِنَاءُ أُمُورٍ]
الْقِنْيَةُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ اقْتِنَاءُ أُمُورٍ: مِنْهَا: الْكَلْبُ لِمَنْ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ " بَقِيَّةُ " الْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ، الْحَدَأَةُ " وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالْحَيَّةُ ".
وَمِنْهَا: آلَاتُ الْمَلَاهِي حَتَّى " الشَّبَّابَةُ " وَزَمَّارَةُ الرُّعَاةِ.
وَمِنْهَا: أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَسَقْفُ الْبَيْتِ الْمَطْلِيُّ " بِهِمَا " إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ " لَوْ عُرِضَ " عَلَى النَّارِ بِحَيْثُ يَظْهَرُ فِي الْمِيزَانِ فَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ لَمْ يَحْرُمْ اسْتِدَامَتُهُ وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ حَرَامًا.
وَمِنْهَا: الْخَمْرُ " وَلَوْ " كَانَتْ مُحْتَرَمَةً عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ " الْإِمَامُ " الشَّافِعِيُّ " ﵁ " حَيْثُ أَوْجَبَ " إرَاقَتَهَا " مُطْلَقًا خِلَافًا لِلْمَرَاوِزَةِ، " وَتَابَعَهُمْ " الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ
وَمِنْهَا: الصَّنَمُ وَالْأَوْثَانُ " وَالْقِرْدُ " وَمِنْهَا: الصُّوَرُ الْمَنْقُوشَةُ فِي الْجِدَارِ " وَالسُّقُوفِ " دُونَ مَا فِي الْمَمَرِّ وَمَا عَلَى الْأَرْضِ وَمَا يُدَاسُ عَلَى الْبِسَاطِ، فَهَذَا يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ وَلَا يَحْرُمُ اسْتِدَامَتُهُ.
стр. 869
[الْقِيمَةُ هَلْ هِيَ وَصْفٌ قَائِمٌ بِالْمُتَقَوِّمِ]
ِ أَوْ هِيَ مَا تَنْتَهِي إلَيْهِ رَغَبَاتُ الرَّاغِبِينَ فِي اتِّبَاعِهَا؟ وَجْهَانِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ وَالْأَظْهَرُ الثَّانِي.
قُلْت: " وَفِي أَصْلِ " هَذَا الْخِلَافِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي بَابِ الْغَصْبِ، قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: وَهُوَ " يَقْرَبُ " بَعْضَ الْقُرْبِ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمُلَاحَةَ هَلْ هِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ " أَوْ جِنْسٌ " يُعْرَفُ بِنَفْسِهِ أَوْ هِيَ مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ مَيْلِ الطِّبَاعِ.
قُلْت: وَهَذَا الْخِلَافُ الثَّانِي حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ السَّلَمِ.
وَقِيمَةُ النِّصْفِ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ، لِأَنَّ التَّشْقِيصَ عَيْبٌ.
وَلِهَذَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي فَصْلِ التَّرَاجُعِ فِي خُلْطَةِ الزَّكَاةِ: قَدْ يَقْتَضِي الْأَخْذُ رُجُوعَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دُونَ التَّرَاجُعِ، كَمَا فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ إبِلًا بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ " فَيَرْجِعُ " الْمَأْخُوذُ مِنْهُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا صَوَابُ الْعِبَارَةِ، وَلَا يُقَالُ: قِيمَةُ النِّصْفِ فَإِنَّهُ أَقَلُّ، وَمَنْ عَبَّرَ بِهَا فَهُوَ مُتَأَوِّلٌ.
وَلَوْ طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمَهْرُ تَالِفٌ، قَالَ الرَّافِعِيُّ: الْعِبَارَةُ " الْقَوِيَّةُ " أَنْ يُقَالَ: يَرْجِعُ بِنِصْفِ " الْقِيمَةِ " وَلَا يُقَالُ: بِقِيمَةِ النِّصْفِ، كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَتَابَعَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا إنْكَارَ عَلَى الْغَزَالِيِّ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ: تَسَاهَلَ الْأَصْحَابُ فِي إطْلَاقِهِمْ نِصْفَ الْقِيمَةِ وَمُرَادُهُمْ قِيمَةُ النِّصْفِ وَهِيَ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ فِي أَكْثَرِ
стр. 870
الْأَحْوَالِ. انْتَهَى.
وَتَوْجِيهُهُ أَنَّ الْمُطَلِّقَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ " الشَّطْرَ " فَإِذَا وَجَدَهُ " فَائِتًا " غَرِمَتْ لَهُ بَدَلَهُ وَهُوَ مِثْلُ نِصْفِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَقِيمَةُ نِصْفِهِ إنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّشْقِيصَ عَيْبٌ مُسَلَّمٌ، " لَكِنْ " الزَّوْجُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَرْعًا إلَّا الشِّقْصُ وَلَمْ تُتْلِفْهُ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ.
فَإِنْ قِيلَ: الشَّرِيكُ إذَا أَتْلَفَ الْمُشْتَرَكَ الْمُتَقَوِّمَ يَغْرَمُ قِيمَةَ النِّصْفِ أَوْ نِصْفَ الْقِيمَةِ؟ قُلْنَا: نِصْفُ الْقِيمَةِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ إتْلَافَهَا إلَّا مِلْكَهَا؛ لِأَنَّهَا تَمْلِكُ الْجَمِيعَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا الدُّخُولُ شَرْطٌ لِاسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْغَصْبِ، لَوْ غَصَبَ شَرِيكٌ نَصِيبَ شَرِيكِهِ فِي عَبْدٍ مَثَلًا وَتَلِفَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَالْوَاجِبُ عَلَى الشَّرِيكِ الْغَاصِبِ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَالَ: الْوَاجِبُ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ لَا نَظِيرُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْ قِيمَةِ الْعَبْدِ، فَلَوْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ عَلَى التَّنْصِيفِ كَانَ الْوَاجِبُ قِيمَةَ النِّصْفِ لَا نِصْفَ الْقِيمَةِ.
وَكَذَا فِي الشُّفْعَةِ، لَوْ اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا بِنِصْفِ عَبْدٍ مَثَلًا فَالْوَاجِبُ عَلَى الشَّفِيعِ قِيمَةُ نِصْفِ الْعَبْدِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى نِصْفِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَى الشَّفِيعِ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَقَدْ نَبَّهَ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ عَلَى قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْوَصَايَا.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّدَاقِ وَمَا نُقِلَ عَنْ النَّصِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ " يُطَالِبُهَا " بِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَلَعَلَّهُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ، أَمَّا إذَا اخْتَلَفَ فَهُوَ مَحِلُّ التَّوَقُّفِ.
عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْفَرْقُ وَهُوَ أَنَّهُ فِي صُورَةِ الْإِصْدَاقِ لَا يَتَعَيَّنُ حَقُّهُ عِنْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي نِصْفِ " الصَّدَاقِ " مُطْلَقًا
стр. 871
بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ زَائِدًا فَلِلزَّوْجَةِ أَنْ تَدْفَعَ لَهُ الْبَدَلَ وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا " أَنَّهُ " لَوْ انْفَسَخَ " الْعَقْدُ " قَبْلَ الدُّخُولِ بِسَبَبٍ حَادِثٍ كَالرَّضَاعِ وَرِدَّتِهَا وَالصَّدَاقُ زَائِدٌ أَنَّهُ لَيْسَ لِلزَّوْجِ إلَّا الْقِيمَةُ فَلَمَّا " تَخَيَّلْنَا تَعَلُّقَهُ " بِالْقِيمَةِ كُلِّهَا " تَخَيَّلْنَا " عِنْدَ " الشَّطْرِ " النِّصْفَ وَبِهَذَا تَنْفَصِلُ صُورَةُ الْإِصْدَاقِ عَنْ نَظَائِرِهَا.
стр. 872
[حَرْفُ الْكَافِ] [ الْكُفْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
ِ الْكُفْرُ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهِ
وَهُوَ إنْكَارُ مَا عُلِمَ ضَرُورَةً أَنَّهُ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَإِنْكَارِ " وُجُودِ " الصَّانِعِ وَنُبُوَّتِهِ " ﵊ " وَحُرْمَةِ الزِّنَى وَنَحْوِهِ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ فِي كُلِّ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ " مَجِيئُهُ بِهِ " قَالَ " الزَّنْجَانِيُّ " فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ: هَكَذَا ضَبَطَهُ أُسْتَاذُنَا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ " وَهُوَ غَيْرُ وَافٍ بِالْمَقْصُودِ إذْ الْإِنْكَارُ يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ، وَالْكُفْرُ " قَدْ " يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ وَإِنْكَارُ مَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ قَدْ يَخْرُجُ عَنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَهُوَ كُفْرٌ فِي الْأَصَحِّ، وَأَيْضًا فَإِنَّا قَدْ نُكَفِّرُ الْمُجَسِّمَ وَالْخَارِجِيَّ وَبُطْلَانُ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ وَأَيْضًا فَالطَّاعِنُ فِي عَائِشَةَ " ﵂ بِالْقَذْفِ كَافِرٌ إجْمَاعًا
стр. 873
وَبَرَاءَتُهَا ثَبَتَتْ " بِالْقُرْآنِ " وَالْأَدِلَّةُ اللَّفْظِيَّةُ عِنْدَهُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ " لِلْعِلْمِ " فَضْلًا عَنْ الضَّرُورِيِّ وَشَرْطُ الْحَدِّ أَنْ يَكُونَ مُنْعَكِسًا، قَالَ: وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَعْضَ الْأَقْوَالِ صَرِيحٌ فِي الْكُفْرِ وَبَعْضَهَا فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ
وَمِنْ الْأَئِمَّةِ مَنْ بَالَغَ فِيهِ وَجَعَلَ يَعُدُّ أَلْفَاظًا جَرَتْ بِهَا عَادَةُ " الْعَوَامّ " سِيَّمَا الشُّطَّارُ " " مِنْهَا " مَا يُسَاعِدُ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا لَا، وَفِي الْجُمْلَةِ " تَعْدَادُ الصُّوَرِ " مِمَّا يَتَعَذَّرُ " أَوْ يَتَعَسَّرُ " حَتَّى قَالُوا: مَنْ أَنْكَرَ مَسْأَلَةً مِنْ مَسَائِلِ الشَّرْعِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَهُوَ خَطَأٌ عَظِيمٌ وَجَهْلٌ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْمُجْتَهَدُ فِيهَا يُنْكِرُهَا الْمُخَالِفُونَ " فَلَا " شَكَّ أَنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ شَرْعٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْمُجْتَهِدِينَ كَذَلِكَ بِالْجُمْلَةِ، فَالتَّكْفِيرُ وَالتَّضْلِيلُ وَالتَّبْدِيعُ خَطَرٌ، وَالْوَاجِبُ الِاحْتِيَاطُ وَعَلَى الْمُكَلَّفِ الِاحْتِرَازُ عَنْ مَوَاقِعِ الشُّبْهَةِ وَمَظَانِّ الزَّلَلِ وَمَوَاضِعِ الْخِلَافِ. انْتَهَى.
وَمَا أَوْرَدَهُ مِنْ التَّكْفِيرِ بِأَفْعَالٍ كَلُبْسِ الزُّنَّارِ وَنَحْوِهِ عَلَى الضَّابِطِ.
فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ كُفْرًا لَكِنْ لَمَّا كَانَ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بَاطِنًا لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ جَعَلَ الشَّرْعُ لَهُ مُعَرِّفَاتٍ يَدُورُ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ عَلَيْهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ لَا يَأْتِي بِهَذَا وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ الْكُفْرُ عَنْ أَوَّلِ التَّصْدِيقِ.
стр. 874
الثَّانِي: أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ جَاحِدِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ فِيهِ نَصٌّ وَهُوَ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي مَعْرِفَتِهَا الْخَوَاصُّ " وَالْعَوَامُّ " كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْخَوَاصُّ كَاسْتِحْقَاقِ بِنْتِ الِابْنِ السُّدُسَ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَوَادِثِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَلَيْسَ بِكَافِرٍ.
قَالَ: وَمَنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ ظَاهِرًا لَا نَصَّ فِيهِ فَفِي الْحُكْمِ بِتَكْفِيرِهِ خِلَافٌ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ حَدِّ الْخَمْرِ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْسِنْ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّ الْإِجْمَاعِ.
وَقَالَ: كَيْفَ نُكَفِّرُ مَنْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ وَنَحْنُ لَا نُكَفِّرُ مَنْ رَدَّ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا نُبَدِّعُهُ وَنُضَلِّلُهُ، وَأَوَّلُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى مَا إذَا صَدَّقَ الْمُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ ثُمَّ حَلَّلَهُ " فَإِنَّهُ " يَكُونُ " رَدًّا " لِلشَّرْعِ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُخَالِفَ الْإِجْمَاعِ يَكْفُرُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمَسَائِلَ الْإِجْمَاعِيَّةَ تَارَةً يَصْحَبُهَا التَّوَاتُرُ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ كَوُجُوبِ الْخُمُسِ وَقَدْ لَا يَصْحَبُهَا فَالْأَوَّلُ يَكْفُرُ جَاحِدُهُ لِمُخَالَفَتِهِ التَّوَاتُرَ لَا " لِمُخَالَفَتِهِ " الْإِجْمَاعَ، قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا " الزَّمَانِ " مِمَّنْ يَدَّعِي الْحِذْقَ فِي الْمَعْقُولَاتِ وَيَمِيلُ إلَى الْفَلْسَفَةِ فَظَنَّ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ " فِي حُدُوثِ " الْعَالَمِ مِنْ قَبِيلِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَأَخَذَ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يُكَفَّرُ مُخَالِفُ الْإِجْمَاعِ - أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ الْمُخَالِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَهَذَا " الْكَلَامُ " سَاقِطٌ بِمَرَّةٍ، لِأَنَّ " حُدُوثَ " الْعَالَمِ مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ وَالتَّوَاتُرُ بِالنَّقْلِ عَنْ
стр. 875
صَاحِبِ الشَّرْعِ فَيُكَفَّرُ الْمُخَالِفُ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ لَا بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ.
الثَّالِثُ: لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، أَيْ لَا نُكَفِّرُهُمْ بِالذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ الْمَعَاصِي كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ حَيْثُ كَفَّرُوهُمْ بِهَا.
أَمَّا تَكْفِيرُ بَعْضِ " الْمُبْتَدَعَةِ " لِعَقِيدَةٍ تَقْتَضِي " كُفْرَهُ " حَيْثُ يَقْتَضِي الْحَالُ الْقَطْعَ بِذَلِكَ أَوْ تَرْجِيحَهُ فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ خَارِجٌ بِقَوْلِنَا: بِذَنْبٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقْطَعُ بِكُفْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْطَعُ بِعَدَمِ كُفْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ مَحِلُّ التَّرَدُّدِ.
فَمِنْ الْأَوَّلِ: تَكْفِيرُ مَنْ صَارَ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ إلَى قِدَمِ الْعَالَمِ " وَإِنْكَارِ " حَشْرِ الْأَجْسَادِ وَعِلْمِ اللَّهِ " تَعَالَى " بِالْكُلِّيَّاتِ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ " الْإِمَامِ " الشَّافِعِيِّ " ﵁ " قَالَ: لَا " يُكَفَّرُ " مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إلَّا " وَاحِدٌ " وَهُوَ مَنْ نَفَى عِلْمَ اللَّهِ عَنْ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا فَهُوَ كَافِرٌ.
وَمِنْ الثَّانِي: الْمُبْتَدِعُ الَّذِي لَا تَبْلُغُ بِدْعَتُهُ إنْكَارَ أَصْلٍ فِي الدِّينِ
وَمِنْ الثَّالِثِ: مَنْ خَالَفَ أَهْلَ السُّنَّةِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْعَقَائِدِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالزَّنْدَقَةِ: فَهَؤُلَاءِ أَمْرُهُمْ فِي مَحِلِّ
стр. 876
الِاجْتِهَادِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي الِاحْتِرَازُ عَنْ التَّكْفِيرِ مَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِنَّ اسْتِبَاحَةَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ الْمُصَلِّينَ إلَى الْقِبْلَةِ الْمُصَرِّحِينَ بِالتَّوْحِيدِ خَطَأٌ، وَالْخَطَأُ فِي تَرْكِ أَلْفِ كَافِرٍ فِي الْحَيَاةِ أَهْوَنُ مِنْ الْخَطَأِ فِي سَفْكِ دَمِ مُسْلِمٍ.
قَالَ: وَقَدْ وَقَعَ التَّكْفِيرُ لِطَوَائِفَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُكَفِّرُ " بَعْضُهَا " بَعْضًا، فَالْأَشْعَرِيُّ يُكَفِّرُ الْمُعْتَزِلِيَّ زَاعِمًا أَنَّهُ كَذَّبَ الرَّسُولَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ " تَعَالَى "، وَفِي إثْبَاتِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالصِّفَاتِ، وَفِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ.
وَالْمُعْتَزِلِيُّ يُكَفِّرُ الْأَشْعَرِيَّ زَاعِمًا أَنَّهُ كَذَّبَ الرَّسُولَ فِي التَّوْحِيدِ، فَإِنَّ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ.
قَالَ: وَالسَّبَبُ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ الْجَهْلُ " بِمَوْقِعِ " التَّكْذِيبِ وَالتَّصْدِيقِ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ " نَزَّلَ " قَوْلًا مِنْ أَقْوَالِ الشَّرْعِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الدَّرَجَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الَّتِي لَا تُحَقِّقُ نَقْصًا فَهُوَ مِنْ " التَّعَبُّدِ "، وَإِنَّمَا الْكَذِبُ أَنْ نَنْفِيَ جَمِيعَ هَذِهِ الْمَعَانِي " وَيَزْعُمَ أَنَّ مَا قَالَهُ لَا مَعْنَى لَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ كَذِبٌ مَحْضٌ وَذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ الْمَحْضُ "، وَلِهَذَا لَا " يُكَفَّرُ " قَوْلُهُ ﷺ «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُذْبَحُ» ، فَإِنَّ مَنْ قَامَ عِنْدَهُ الْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ عَرَضٌ أَوْ عَدَمُ عَرَضٍ وَأَنَّ " قَلْبَ "
стр. 877
الْعَرَضِ " جِسْمًا " مُسْتَحِيلٌ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ فَيُنَزِّلُ الْخَبَرَ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْقِيَامَةِ يُشَاهِدُونَ ذَلِكَ وَيَعْتَمِدُونَ أَنَّهُ الْمَوْتُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي حِسِّهِمْ لَا فِي الْخَارِجِ وَيَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ الْيَقِينِ بِالْيَأْسِ عَنْ الْمَوْتِ.
قَالَ: وَقَدْ قَرَّرَ الْأَشْعَرِيَّةُ أَكْثَرَ مَا وَرَدَ مِنْ ظَوَاهِرِ الْأَدِلَّةِ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ أَشَدُّ النَّاسِ غَلَطًا فِي التَّأْوِيلَاتِ.
وَقَدْ يَعْرِضُ الْخِلَافُ لِلْمُتَأَوِّلِينَ بِسَبَبِ الْبَحْثِ فِيهِ كَمَا فِي " حَدِيثِ وَزْنِ الْأَعْمَالِ " فَإِنَّ الْأَعْمَالَ أَعْرَاضٌ، وَقَدْ عُدِمَتْ، فَأَوَّلَهُ " الْأَشْعَرِيَّةُ " عَلَى وَزْنِ صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ وَأَنَّهُ يَخْلُقُ فِيهَا أَوْزَانًا بِقَدْرِ دَرَجَاتِ الْأَعْمَالِ، وَالصَّحَائِفُ أَجْسَامٌ كُتِبَتْ فِيهَا، " وَأَوَّلَ الْمُعْتَزِلَةُ نَفْسَ الْمِيزَانِ "، " وَجَعَلَتْهُ " كِنَايَةً عَنْ سَبَبٍ " بِهِ " يَنْكَشِفُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِقْدَارُ عَمَلِهِ وَهُوَ أَبْعَدُ " فِي " التَّأْوِيلِ، فَرَجَعَ حَاصِلُ الْخِلَافِ إلَى الْبَرَاهِينِ، قَالَ " وَالْمُعْتَزِلِيُّ " يَقُولُ: لَا بُرْهَانَ عَلَى اسْتِحَالَةِ الرُّؤْيَةِ،
стр. 878
وَكَانَ كُلُّ " وَاحِدٍ يَرْفُضُ " مَا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ " وَلَا يَرَاهُ " دَلِيلًا قَاطِعًا، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَسُوغُ لِكُلِّ فَرِيقٍ تَكْفِيرُ خَصْمِهِ بِمُجَرَّدِ ظَنِّهِ أَنَّهُ غَالَطَ فِي الْبُرْهَانِ نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ نُسَمِّيَهُ ضَالًّا؛ لِأَنَّهُ ضَلَّ عَنْ الطَّرِيقِ، أَوْ مُبْتَدِعًا؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَعَ أَقْوَالًا لَمْ يَقُلْهَا السَّلَفُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَدْ رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ ﵀ عِنْدَ مَوْتِهِ عَنْ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ لَيْسَ جَهْلًا بِالْمَوْصُوفَاتِ، وَقَالَ: اخْتَلَفْنَا فِي عِبَارَاتٍ وَالْمُشَارُ إلَيْهِ وَاحِدٌ، وَقَدْ مَثَّلَ ذَلِكَ بِمَنْ كَتَبَ إلَى عَبِيدِهِ " فَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ " فَاخْتَلَفُوا فِي صِفَاتِهِ هَلْ هُوَ أَبْيَضُ أَوْ أَسْوَدُ أَوْ أَحْمَرُ أَوْ أَسْمَرُ؟ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي " صِفَتِهِ " اخْتِلَافٌ فِي كَوْنِهِ سَيِّدَهُمْ الْمُسْتَحِقَّ لِطَاعَتِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ، فَكَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْمُسْلِمِينَ فِي صِفَاتِ الْإِلَهِ " لَيْسَ " اخْتِلَافًا فِي كَوْنِهِ فِي جِهَةِ " " كَوْنِهِ خَالِقَهُمْ " وَسَيِّدَهُمْ الْمُسْتَحِقَّ لِطَاعَتِهِمْ، فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ " وَتَعَالَى " فِي جِهَةِ كَوْنِهِ حَادِثًا قُلْنَا: لَازِمُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، لِأَنَّ الْمُجَسِّمَةَ جَازِمُونَ بِأَنَّهُ فِي جِهَةٍ وَجَازِمُونَ بِأَنَّهُ قَدِيمٌ أَزَلِيٌّ لَيْسَ بِمُحْدَثٍ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ اخْتَلَفُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ الصِّفَاتِ كَالْقِدَمِ وَفِي الْأَحْوَالِ كَالْعَالَمِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَفِي تَعَدُّدِ الْكَلَامِ وَاتِّحَادِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَاخْتَلَفُوا فِي تَكْفِيرِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى كَوْنِهِ حَيًّا قَادِرًا سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا فَاتَّفَقُوا عَلَى كَمَالِهِ بِذَلِكَ وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ.
стр. 879
وَقَالَ " الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ " " فِي " قَوْلِهِ ﷺ «وَمَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا جَازَ عَلَيْهِ» هَذَا وَعِيدٌ عَظِيمٌ لِمَنْ كَفَّرَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ " هُوَ " كَذَلِكَ " وَهُوَ وَرْطَةٌ " عَظِيمَةٌ وَقَعَ فِيهَا خَلْقٌ " كَثِيرٌ " مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقَائِدِ حَكَمُوا بِتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَخَرَقَ حِجَابَ الْهَيْبَةِ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَشَوِيَّةِ. وَهَذَا الْوَعِيدُ لَاحِقٌ بِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ خُصُومُهُمْ كَذَلِكَ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّكْفِيرِ وَسَبَبِهِ حَتَّى صُنِّفَ فِيهِ مُفْرَدًا وَاَلَّذِي " يَرْجِعُ " إلَيْهِ النَّظَرُ فِي هَذَا أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَمْ لَا؟ فَمَنْ كَفَّرَ الْمُبْتَدِئَةَ قَالَ: إنَّهُ " مَذْهَبٌ فَيَقُولُ الْمُجَسِّمَةُ كُفَّارٌ " لِأَنَّهُمْ عَبَدُوا جِسْمًا وَهُوَ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى كَفَرَ، وَيَقُولُ: الْمُعْتَزِلَةُ كُفَّارٌ " لِأَنَّهُمْ وَإِنْ اعْتَرَفُوا بِأَحْكَامِ الصِّفَاتِ فَقَدْ أَنْكَرُوا الصِّفَاتِ وَيَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الصِّفَاتِ إنْكَارُ أَحْكَامِهَا، وَمَنْ أَنْكَرَ أَحْكَامَهَا فَهُوَ كَافِرٌ، " وَلِذَلِكَ " الْمُعْتَزِلَةُ نَسَبَتْ " إلَى غَيْرِهَا الْكُفْرَ " بِطَرِيقِ الْمَآلِ، قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ
стр. 880
أَهْلِ الْقِبْلَةِ إلَّا بِإِنْكَارٍ مُتَوَاتِرٍ مِنْ الشَّرِيعَةِ عَنْ صَاحِبِهَا فَأَنَّهُ " يَكُونُ " حِينَئِذٍ " مُكَذِّبًا لِلشَّرْعِ وَلَيْسَ مُخَالَفَةُ الْقَوَاطِعِ مَأْخَذَ التَّكْفِيرِ، وَإِنَّمَا مَأْخَذُهُ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ السَّمْعِيَّةِ الْقَطْعِيَّةِ طَرِيقًا وَدَلَالَةً.
وَعَبَّرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ عَنْ هَذَا بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ طَرِيقَ إثْبَاتِ الشَّرْعِ لَمْ يُكَفَّرْ كَمَنْ أَنْكَرَ الْإِجْمَاعَ، وَمَنْ أَنْكَرَ الشَّرْعَ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِطَرِيقَةِ كُفْرٍ، لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ، " قَالَ " وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ يَعْنِي بِهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ أَنَّهُ قَالَ: لَا أُكَفِّرُ إلَّا مَنْ كَفَّرَنِي. قَالَ الشَّيْخُ: وَرُبَّمَا خَفِيَ سَبَبُ هَذَا الْقَوْلِ " عَلَى " بَعْضِ النَّاسِ وَحَمَلَهُ عَلَى غَيْرِ " مَحْمَلِهِ " الصَّحِيحِ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي " أَنْ " يُحْمَلَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْحُ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ رَجَعَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» .
وَكَأَنَّ هَذَا الْمُتَكَلِّمَ يَقُولُ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ الْكُفْرُ لِأَحَدِ الشَّخْصَيْنِ " إمَّا الْمُكَفِّرُ أَوْ الْمُكَفَّرُ "، فَإِذَا كَفَّرَنِي بَعْضُ النَّاسِ فَالْكُفْرُ وَاقِعٌ بِأَحَدِنَا " وَأَنَا "
следующие страницы →