← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

فَحَكَى ثَعْلَبٌ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَسْمُوعٌ مِنْ الْعَرَبِ، أَنَّ الطَّائِفَةَ الْوَاحِدُ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ (﵁) احْتَجَّ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَحَمَلَ الطَّائِفَةَ عَلَى الْوَاحِدِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ. وَأُجِيبُ بِأَجْوِبَةٍ أَشْهُرُهَا: تَسْلِيمُ أَنَّ الطَّائِفَةَ يَجُوزُ إطْلَاقُهَا عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَهُ، وَحَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَابْنُ فَارِسٍ فِي " فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ " وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الطَّائِفَةَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَكُونَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وَقَالَ فِي الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى. ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فَذَكَرَهُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّهَا لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى ثَلَاثَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، وَبِهِ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، مِنْهُمْ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقَالَ: وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ أَوْ

стр. 1332

أَرْبَعَةٌ، وَإِنَّمَا حَمَلَ الشَّافِعِيُّ الطَّائِفَةَ عَلَى الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] بِالْقَرِينَةِ، وَهِيَ حُصُولُ الْإِنْذَارِ بِالْوَاحِدِ كَمَا حَمَلَهُ فِي الْأُولَى عَلَى الثَّلَاثَةِ بِقَرِينَةٍ وَهِيَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ: جَاءَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَقَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ كَالْقِطْعَةِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ طَائِفَةٌ مِنْ هَذَا، أَيْ قِطْعَةٌ مِنْهُ قَالَ: وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى الْقِطْعَةِ مِنْ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: هَذِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ اسْمُهَا عَلَى جِنْسٍ كَالنَّاسِ وَالْحَيَوَانِ وَالْفِيلِ، فَالْمَقْصُودُ بِهَا الْجَمَاعَةُ، كَمَا يُقَالُ: " كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ " أَيْ جَمَاعَةٌ، وَالْجَمَاعَةُ أَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ. هَذَا كَلَامُهُ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي دَلَالَةِ بَعْضِ أَفْرَادِ هَذَا النَّوْعِ كَالْقَوْمِ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: يَعُمُّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ، وَالصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِالذُّكُورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١] وَكَذَلِكَ الرَّهْطُ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ اسْمٌ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّجَالِ لَا يَكُونُ فِيهِمْ امْرَأَةٌ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الرَّهْطُ جَمْعٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ، وَكَذَلِكَ النَّفَرُ، وَعَلَى هَذَا فَفِي عَدِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ نَظَرٌ.

стр. 1333

[اسْمُ الْجِنْسِ إذَا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ] وَأَمَّا اسْمُ الْجِنْسِ بِأَقْسَامِهِ السَّابِقَةِ، فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ سَوَاءٌ الِاسْمُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، أَوْ الصِّفَةُ الْمُشْتَقَّةُ كَالضَّارِبِ، وَالْمَضْرُوبِ، وَالْقَائِمِ وَالسَّارِقِ، وَالسَّارِقَةِ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَهْدِ فَخَاصٌّ، سَوَاءٌ الذِّكْرِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أَوْ الذِّهْنِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٢٧] فَإِنَّ اللَّامَ فِي الرَّسُولِ لِلْعَهْدِ، وَهُوَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِي اللَّفْظِ. وَإِنْ لَمْ يُرَدْ بِهِ مَعْهُودٌ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدِهَا: أَنَّهُ يُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ، وَنُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي " الرِّسَالَةِ " وَ " الْبُوَيْطِيِّ " وَنَقَلَهُ أَصْحَابُهُ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي " الْأُمِّ " مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] إنْكَارًا عَلَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ يَعُمُّ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تَطَابَقَ، وَالْفُقَهَاءُ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَيْهِ فِي اسْتِدْلَالِهِمْ بِنَحْوِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] وَهُوَ الْحَقُّ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مَعْلُومٌ قَبْلَ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، فَإِذَا دَخَلَتَا وَلَا مَعْهُودَ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا جَدِيدًا.

стр. 1334

وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ ": " إنَّهُ الْمَذْهَبُ "، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الْقَائِلِينَ بِالصِّيَغِ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ، وَكَافَّةِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ بِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ، وَنَسَبَهُ لِأَصْحَابِهِ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: " إنَّهُ الصَّحِيحُ "، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالْجُبَّائِيُّ، وَنَصَرَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَصَحَّحَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ الْمُبَرِّدِ وَالْفُقَهَاءِ. قُلْت: وَنَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ: قَوْلُك شَرِبْت مَاءَ الْبَحْرِ مَحْكُومٌ بِفَسَادِهِ، لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَلَوْلَا اقْتِضَاؤُهُ الْعُمُومَ لَمَا جَاءَ الْفَسَادُ. لَكِنْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْعُمُومَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ أَوْ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهَيْنِ، حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ "، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، وَصَحَّحَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَكَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] فُهِمَ أَنَّ الْقَطْعَ مِنْ أَجْلِ السَّرِقَةِ. وَصَحَّحَ سُلَيْمٌ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ اللَّامَ إمَّا لِلْعَهْدِ وَهُوَ مَفْقُودٌ، فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ اللَّفْظِ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِإِفَادَتِهِ الْعُمُومَ أَنْ يَصْلُحَ أَنْ يَخْلُفَ اللَّامَ فِيهِ " كُلُّ " كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُفِيدُ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ،

стр. 1335

وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَبِي هَاشِمٍ وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ النَّحْوِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ، وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ " اللُّمَعِ " عَنْ الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ عَلَى الْعَهْدِ، وَلَا يَقْتَضِي الْجِنْسَ، قَالَ: وَحَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَ الْمَعْهُودِ صَارَ مُجْمَلًا، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمُرَادَ إلَّا بِتَفْسِيرٍ، وَهَذَا صِفَةُ الْمُجْمَلِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجِنْسِ، وَلِبَعْضِ الْجِنْسِ، وَلَا يُصْرَفُ إلَى الْكُلِّ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ يُحْكَمُ بِظَاهِرِهِ، وَيُطْلَبُ دَلِيلُ الْمُرَادِ بِهِ. وَالرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا فِيهِ الْهَاءُ، وَبَيْنَ مَا لَا هَاءَ فِيهِ، فَمَا لَيْسَ فِيهِ الْهَاءُ لِلْجِنْسِ عِنْدَ فِقْدَانِهَا، وَفِي الْقِسْمِ الْآخَرِ التَّوَقُّفُ، وَنَقَلَهُ الْإِبْيَارِيُّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَاَلَّذِي فِي الْبُرْهَانِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ عَهْدٍ فَلِلْجِنْسِ، نَحْوُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، وَإِنْ لَاحَ عَدَمُ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ لِلْجِنْسِ فَلِلِاسْتِغْرَاقِ، نَحْوُ الدِّينَارُ أَشْرَفُ مِنْ الدِّرْهَمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ خَرَجَ عَلَى عَهْدٍ أَوْ إشْعَارٍ بِجِنْسٍ فَمُجْمَلٌ، وَأَنَّهُ حَيْثُ يَعُمُّ لَا يَعُمُّ بِصِيغَةِ اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ عُمُومُهُ، وَتَنَاوَلَهُ الْجِنْسُ بِحَالَةٍ مُقْتَرِنَةٍ مَعَهُ مُشْعِرَةٍ بِالْجِنْسِ. الْخَامِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَتَمَيَّزَ لَفْظُ الْوَاحِدِ فِيهِ عَنْ الْجِنْسِ بِالتَّاءِ كَالتَّمْرِ وَالتَّمْرَةِ، فَإِذَا عُرِّيَ عَنْ التَّاءِ اقْتَضَى الِاسْتِغْرَاقَ، كَقَوْلِهِ ﵊: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ» قَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ":

стр. 1336

وَأَنْكَرَهُ الْفَرَّاءُ مُسْتَدِلًّا بِجَوَازِ جَمْعِهِ عَلَى تُمُورٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ جُمِعَ عَلَى اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى. وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ التَّاءُ لِلتَّوْحِيدِ؛ فَإِنْ لَمْ يَتَشَخَّصْ مَدْلُولُهُ، وَلَمْ يَتَعَدَّدْ " كَالذَّهَبِ " فَهُوَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، إذْ لَا يُعَبَّرُ عَنْ أَبْعَاضِهِ بِالذَّهَبِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ تَشَخَّصَ مَدْلُولُهُ وَتَعَدَّدَ كَالدِّينَارِ وَالرَّجُلِ، فَيَحْتَمِلُ الْعُمُومَ، نَحْوُ «لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ» ، وَيَحْتَمِلُ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَإِنَّمَا: الْجِنْسُ قَوْلُك، الدِّينَارُ أَفْضَلُ مِنْ الدِّرْهَمِ بِقَرِينَةِ التَّسْعِيرِ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمُسْتَصْفَى "، وَ " الْمَنْخُولِ "، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْمَرِيسِيُّ، وَنَازَعَهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الدِّينَارِ وَالرَّجُلِ. وَقَالَ الْحَقُّ مَا حَقَّقَهُ وَهُوَ فِي كِتَابِ " مِعْيَارِ الْعِلْمِ " فِي الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ فِيهِ اقْتِضَاءَهُ الِاسْتِغْرَاقَ بِمُجَرَّدِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَرِينَةٍ زَائِدَةٍ. وَقَالَ فِي " الْمُسْتَصْفَى ": يُحْتَمَلُ كَوْنُهَا لِلْعَهْدِ أَوْ الْجِنْسِ. وَكَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا، وَهَذَا تَنَاقُضٌ. قَالَ: وَالْعُمُومُ فِيهِ غَيْرُ عُمُومِ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ،

стр. 1337

فَإِنَّ عُمُومَ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى يَدْخُلُ تَحْتَهُ كَثْرَةٌ تَشْمَلُهُ، وَيَصِحُّ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ الْمُفْرَدِ كُلِّيًّا، وَأَمَّا الْعُمُومُ الْآخَرُ، وَهُوَ عُمُومُ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَلَا يَكُونُ إلَّا فِي قَوْلٍ: كَخَبَرٍ، أَوْ أَمْرٍ، أَوْ نَهْيٍ، مِثْلُ: الْإِنْسَانُ فِي خُسْرٍ، وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، وَالْحُكْمُ فِي قَوْلِك: خُسْرٍ، وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ فِي الْأَمْرِ. انْتَهَى. وَحَكَى الْإِمَامُ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ بَعْضِ الْقَائِلِينَ بِصِيَغِ الْعُمُومِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يُجْمَعُ كَالتَّمْرِ وَالتُّمُورِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حَالَةُ الْجَمْعِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا لَا حَاصِلَ لَهُ، فَإِنَّ الِاسْتِغْرَاقَ ثَابِتٌ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِمْ امْتِنَاعُ قَوْلِ الْقَائِلِ: تَمْرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ مُتَعَلِّقِهِمْ فِي الْجَمْعِ. وَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: النَّاقَةُ تُجْمَعُ عَلَى نُوقٍ، ثُمَّ النُّوقُ تُجْمَعُ عَلَى نِيَاقٍ، وَهُمَا مِنْ أَبْنِيَةِ الْكَثْرَةِ، ثُمَّ يُجْمَعُ النِّيَاقُ عَلَى أَيْنُقْ هُوَ، وَهُوَ مَقْلُوبُ آنِقٍ أَوْ أَنِيقً، وَالْأَفْعَلُ مِنْ جَمْعِ الْقِلَّةِ. ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ: وَالْحَقُّ أَنَّ التَّمْرَ أَقْعَدُ بِالْعُمُومِ مِنْ التُّمُورِ، لِاسْتِرْسَالِهِ عَلَى الْآحَادِ لَا بِصِيغَةٍ لَفْظِيَّةٍ، وَأَمَّا التُّمُورُ فَإِنَّهُ يَرِدُ إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ ثُمَّ يَجِيءُ الِاسْتِغْرَاقُ بَعْدَهُ مِنْ صِيغَةِ الْجَمْعِ. قَالَ شَارِحُوهُ: يُرِيدُ أَنَّ مُطْلَقَ لَفْظِ التَّمْرِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الْمُشْتَمِلِ لِلْآحَادِ، وَالتَّمْرُ يُلْتَفَتُ فِيهِ إلَى الْوَاحِدِ، فَلَا يَحْكُمُ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ بَلْ عَلَى أَفْرَادِهَا. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: تُمُورٌ، فَقَدْ تَخَيَّلَ رَدَّهُ إلَى الْوَاحِدِ عِنْدَ إرَادَةِ الْجَمْعِ، وَأَرَادَ دَلَالَتَهُ عَلَى الْجِنْسِ، وَهِيَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهَا، وَصَيَّرَ دَلَالَةَ الْجِنْسِ إلَى لَفْظِ الْجَمْعِ الَّذِي فِيهِ خِلَافٌ. وَقَوْلُهُ: الْجَمْعُ يُرَدُّ إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ، يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ. " الْمَقْصُودَةُ "، وَإِلَّا فَاسْمُ الْجِنْسِ يَتَخَيَّلُ فِيهِ

стр. 1338

الْوَحَدَاتِ، لَكِنَّ آحَادَهُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِخِلَافِ الْجَمْعِ، وَتَمْثِيلُهُ بِالتَّمْرِ مُعَرَّفًا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّمْرَ مُفْرَدٌ، وَأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ يَعُمُّ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي التَّمْرِ: هَلْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ، لِأَنَّهُ تَمَيَّزَ بِهِ، وَلَا تَمَيُّزَ إلَّا بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، أَوْ جَمْعُ تَمْرَةٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ وَاحِدِهِ وَجَمْعِهِ بِالتَّاءِ؟ وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ، فَإِنَّ التَّمْرَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَفْرَادٍ مَقْصُودَةٍ بِالْعَدَدِ وَإِنَّمَا يُجْمَعُ إذَا قَصَدْت أَنْوَاعَهُ لَا أَفْرَادَهُ، فَهُوَ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ كَمَاءٍ. وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (كُلٌّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ) وَقَالَ: " كِتَابُهُ أَكْثَرُ مِنْ كُتُبِهِ " يُرِيدُ أَنَّ كِتَابَهُ يَنْصَرِفُ إلَى جِنْسِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ، فَدَلَالَتُهُ أَعَمُّ مِنْ كُتُبِهِ، لِأَنَّ كُتُبَهُ جَمْعٌ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأَنَّ الْكِتَابَ وَاحِدٌ نُحِيَ بِهِ نَحْوُ الْجِنْسِ، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْعُمُومِ مِنْ الْجَمْعِ، فَمَعْنَاهُ مُفْرَدًا أَدَلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ مِنْهُ جَمْعًا، وَفِي قَوْلِهِ: نَحَّى بِهِ نَحْوَ اسْمِ الْجِنْسِ، مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ اسْمِ الْجِنْسِ، لِأَنَّ مَا نُحِيَ بِهِ نَحْوُ الشَّيْءِ غَيْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَرَى أَنَّ تَمْرًا اسْمُ جَمْعٍ لَا جَمْعٌ كَرَهْطٍ وَقَوْمٍ، وَهُوَ قَوْلٌ، فَفِي تَمْرٍ إذَنْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] إنَّ الْمَلَكَ أَعَمُّ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، وَذُكِرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْجَمْعِ وَيَزِيدُ هَاهُنَا مَذَاهِبُ أُخْرَى كَمَا بَيَّنَّا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْمُفْرَدِ أَوْ الْجَمْعِ تُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ فِيهِمَا جَمِيعًا عِنْدَ مُعْظَمِ الْأُصُولِيِّينَ، إلَّا إذَا كَانَ مَعْهُودًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ فِيهِمَا لَا الِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ أَحَدُ

стр. 1339

قَوْلَيْ أَبِي هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُهُ الْآخَرُ إنَّهُ فِي الْمُفْرَدِ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ، وَفِي الْجَمْعِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُفْرَدِ كَانَ صَالِحًا لَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ إلَى أَنْ يُحَاطَ بِهِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ إلَى الْوَاحِدِ مِنْهُ، وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجَمْعِ صَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْجِنْسِ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ لَا إلَى الْوَاحِدِ، وَهَذَا مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَإِنَّ الْحُرْمَةَ غَيْرُ مُتَوَقِّفَةٍ عَلَى الْجَمْعِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٣٩] . وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ بِدَلِيلِ اسْتِثْنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التين: ٦] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج: ٢٢] ، وَاسْتِثْنَاءُ الْمُصَلِّينَ دَالٌّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇: «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ» وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ جِنْسِ الْحِنْطَةِ، وَلَنَا

стр. 1340

فِي الْجَمْعِ قَوْله تَعَالَى: (يَأَيُّهَا النَّاسُ) وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ [النحل: ٨] وَالْمُرَادُ بِهِ الْكُلُّ، وَالْمَعْقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الْجِنْسِ كَانَ مُسْتَفَادًا قَبْلَ دُخُولِ اللَّامِ، وَلَا بُدَّ لِدُخُولِهَا مِنْ فَائِدَةٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا الِاسْتِغْرَاقَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ، إمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهَا الْعَهْدَ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ عُمُومِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهَا تَعْرِيفَ اسْمِ الْجِنْسِ فَلَا إشْكَالَ فِي عُمُومِهِ، وَإِمَّا أَنْ يُشْكِلَ الْحَالُ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ الْعَهْدِ؟ خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ، وَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ، أَيْ حَقِيقَةَ الْجِنْسِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْأَفْرَادِ، فَهِيَ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ. وَمِنْهُ قَوْلُك: الرَّجُلُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ، قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ: هَذَا مِمَّا تَرَدَّدُوا فِيهِ، فَقِيلَ: لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ. وَقِيلَ: لَا وَاخْتَارَ الْإِمَامُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يُعَرِّفَ هُنَا بِنَاءً عَلَى تَنْكِيرٍ سَابِقٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: اُقْتُلْ رَجُلًا ثُمَّ يَقُولَ: اُقْتُلْ الرَّجُلَ، فَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، فَإِنْ قَالَهُ ابْتِدَاءً فَلِلْجِنْسِ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ هَلْ خَرَجَ تَعْرِيفًا لِنَكِرَةٍ سَابِقَةٍ أَوْ إشْعَارًا بِالْجِنْسِ، فَمَيْلُ الْمُعْظَمِ إلَى أَنَّهُ لِلْجِنْسِ. وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ يَعُمُّ لَا يَعُمُّ بِصِيغَةِ اللَّفْظِ، بَلْ لِاقْتِرَانِ حَالَةٍ مُشْعِرَةٍ بِالْجِنْسِ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ لَمْ يُتَّجَهْ إلَى التَّوَقُّفِ، وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلَمْحِ الصِّفَةِ كَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، أَوْ لِلْغَلَبَةِ كَالنَّجْمِ لِلثُّرَيَّا، فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ عُمُومِهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْلَامِ.

стр. 1341

تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] احْتِمَالَانِ عَامًّا وَمُجْمَلًا بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وَتَرَدَّدَا بَيْنَهُمَا، وَمِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، وَعَامًّا فِي كُلِّ بَيْعٍ إلَّا مَا نَهَتْ عَنْهُ السُّنَّةُ. وَفِيهِ سُؤَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يُشْكِلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ وَالْأَوَّلِ. قَالَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْفَرْقِ: إنَّ الْأَوَّلَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ لِلشَّارِعِ عُرْفًا فِي الْأَسْمَاءِ، وَإِذَا كَانَ لِلشَّارِعِ عُرْفٌ فِي الْبَيْعِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَمَتَى وَرَدَ الِاسْمُ مِنْهُ صُرِفَ إلَى عُرْفِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْمُسَمَّى الشَّرْعِيَّ. وَيَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَا تَخْصِيصَ فِيهِ وَلَا اسْتِثْنَاءَ، وَأَمَّا الْأَخِيرُ فَعَلَى قَوْلِنَا: إنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُغَيِّرْ الْأَسْمَاءَ، وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَهَا فِي مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ، فَيَكُونُ ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أَيْ كُلُّ مَا يُسَمَّى بَيْعًا لُغَةً إلَّا مَا نُهِيَ عَنْهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﵇، أَوْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَهُوَ عَامٌّ بِطَرِيقِ التَّخْصِيصِ إلَيْهِ، ثُمَّ يَتَرَجَّحُ احْتِمَالُ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الْآيَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَوَقُّفِهِ، وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. الثَّانِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي آيَةِ الْبَيْعِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ، وَاخْتَلَفَ فِي قَوْلِهِ فِي آيَةِ الزَّكَاةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] إلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهَا عَامَّةٌ خَصَّصَتْهَا السُّنَّةُ. وَالثَّانِي مُجْمَلَةٌ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ، وَهُمَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالتَّعْرِيفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَاحِدٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْرَدٌ مُشْتَقٌّ مُعَرَّفٌ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، فَإِنْ عَمَّ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَلْيَعُمَّ فِي الْآيَتَيْنِ، وَإِنْ عَمَّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَلْيَعُمَّ فِيهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَعُمَّ مِنْ حَيْثُ

стр. 1342

اللَّفْظُ وَلَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. فَلْيَكُنْ ذَلِكَ فِي الْآيَتَيْنِ، مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي آيَةِ الْبَيْعِ الْعُمُومُ، وَفِي آيَةِ الزَّكَاةِ الْإِجْمَالُ. وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ حِلَّ الْبَيْعِ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَصْلَ فِي النَّافِعِ الْحِلُّ، وَفِي الْمَضَارِّ الْحُرْمَةُ بِأَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَمَهْمَا حُرِّمَ الْبَيْعُ فَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَهِيَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِتَضَمُّنِهَا أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إرَادَتِهِ، فَوُجُوبُهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. ثُمَّ الْأَخْبَارُ الْوَارِدَةُ فِي الْبَابَيْنِ نَاظِرَةٌ إلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَلِذَلِكَ اعْتَنَى ﵇ بِبَيَانِ الْمَبِيعَاتِ الْفَاسِدَةِ، كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحُبْلَةِ وَالْمَضَامِينِ وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَلَمْ يَعْتَنِ بِبَيَانِ الْمَبِيعَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَأَمَّا فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ ﵇ اعْتَنَى بِبَيَانِ مَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَلَمْ يَعْتَنِ بِبَيَانِ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، فَمَنْ ادَّعَى الزَّكَاةَ فِي شَيْءٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ كَالرَّقِيقِ وَالْخَيْلِ فَقَدْ ادَّعَى حُكْمًا عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَأَمَّا تَرَدُّدُ الشَّافِعِيِّ فِي آيَةِ الْبَيْعِ: هَلْ الْمُخَصِّصُ أَوْ الْمُبَيِّنُ لَهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دُونَ الزَّكَاةِ؟ فَلِأَنَّهُ عَقَّبَ حِلَّ الْبَيْعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَالرِّبَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ اللُّغَوِيَّةِ، وَلَمْ يُعَقِّبْ الزَّكَاةَ بِشَيْءٍ. الثَّالِثُ: عَنْ هَذَا الْخِلَافِ نَشَأَ الْخِلَافُ فِي مَعْنَى الْحَمْدِ، فَقَالَ عَامَّةُ

стр. 1343

الْفُقَهَاءِ: جَمِيعُ الْمَحَامِدِ لِلَّهِ لِأَنَّ اللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ؛ وَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: مَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ مَنْ الْحَمْدُ بِحَسْبِهِ فَهُوَ لِلَّهِ، لِأَنَّ اللَّامَ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَمَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ إلَى مَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ الْحَمْدِ مَا هُوَ، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ اللَّامَ فِي الْحَمْدِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ لِلْعَهْدِ، فَذَلِكَ كَلَامٌ بِلَا أَسَاسٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُمْ هَذَا النَّقْلُ بَلْ قَالُوا: إنَّ اللَّامَ فِيهِ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ تَقْرِيرُ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ أَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ الَّذِي قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَهَمٌ مِنْهُمْ. الرَّابِعُ حَكَى الْقَرَافِيُّ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ أَنَّهُ اسْتَشْكَلَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ " الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي " فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْتِزَامُ أَصْلِ الطَّلَاقِ، وَعَلَى قِيَاسِ الْقَاعِدَةِ يَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ، وَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا نَقْلٌ عَنْ مُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ إلَى الْعُرْفِ، فَنَقْلُ الْعُرْفِ الْأَلِفَ وَاللَّامَ عَنْ الْعُمُومِ إلَى حَقِيقَةِ الْجِنْسِ فِي الطَّلَاقِ خَاصَّةٌ لِدَلِيلٍ، وَبَقِيَ عَلَى عُمُومِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ، وَأَجَابَ غَيْرُهُ: بِأَنَّ الطَّلَاقَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا أَفْرَادَ لَهُ، وَلَكِنْ لَهُ مَرَاتِبُ مُشْتَرَكَةٌ فِي قَطْعِ عِصْمَةِ النِّكَاحِ، فَحُمِلَ عَلَى أَدْنَى الْمَرَاتِبِ. الْخَامِسُ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ: لَامُ الْجِنْسِ تُخَصِّصُ جِنْسًا مِنْ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ كَ " لَامِ " الْعَهْدِ تُخَصِّصُ وَاحِدًا مِنْ الْآحَادِ، وَلَا يَكُونُ تَخْصِيصٌ مَا لَمْ يَكُنْ عُمُومٌ أَوْ تَقْدِيرُهُ، فَتَقُولُ: إنْ زَارَك الصَّدِيقُ، أَيْ مَنْ صِفَتُهُ الصَّدَاقَةُ خَاصَّةً دُونَ الْعَدُوِّ، وَمَنْ لَيْسَ بِصَدِيقٍ وَلَا عَدُوٍّ، فَإِنْ نُكِّرَتْ زَالَ هَذَا التَّخْصِيصُ، وَانْقَلَبَ إلَى مَعْنَى الشِّيَاعِ فِي كُلِّ

стр. 1344

صَدِيقٍ. قَالَ: فَقَوْلُنَا: رَجُلٌ فَاسِقٌ هُوَ بَعْضٌ مِنْ شِيَاعِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ إفْرَازُ الْفَاسِقِ مِنْ الْعَدْلِ، وَلَا قَصَدَ إلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ يَقْصِدُ إلَيْهِ لَوْ دَخَلَتْ اللَّامُ، فَإِنَّ الَّتِي تُمَيِّزُ الْجِنْسَ مِمَّا سِوَاهُ، وَالصِّفَةُ إنَّمَا تَقْتَضِي الشِّيَاعَ، وَالْكَلَامُ فِي التَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ أَدَقُّ مِنْ الدَّقِيقِ. وَأَمَّا الْمُثَنَّى فَقَالَ الْقَرَافِيُّ هُوَ كَالْجَمْعِ فِي الْعُمُومِ، ثُمَّ قَالَ: لَا يُفْهَمُ الْعُمُومُ مِنْ إضَافَةِ التَّثْنِيَةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ سَوَاءٌ كَانَ الْفَرْدُ يَعُمُّ أَمْ لَا فَإِذَا قَالَ: عَبْدَايَ حُرَّانِ لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَهُمَا، وَكَذَلِكَ مَالَايَ، فَالْفَهْمُ عَنْ الْعُمُومِ فِي التَّثْنِيَةِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ وَالْفَرْدِ. انْتَهَى. وَالْإِضَافَةُ وَالتَّعْرِيفُ سَوَاءٌ، وَكَلَامُهُ الْأَوَّلُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الثَّانِي وَسَيَأْتِي فِيهِ مَزِيدٌ فِي الْإِضَافَةِ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: الْعُمُومُ مِمَّا ذَكَرْنَا مُخْتَلِفٌ، فَالدَّاخِلُ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ يَعُمُّ الْأَفْرَادَ أَعْنِي كُلَّ فَرْدٍ فَرْدٍ، وَالدَّاخِلُ عَلَى الْجَمْعِ يَعُمُّ الْجُمُوعَ، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَعُمُّ أَفْرَادَ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ، وَقَدْ دَخَلَا عَلَى جَمْعٍ فَتَفَطَّنْ لَهُ. وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الِاسْتِدْلَال بِهِ فِي النَّفْيِ وَالنَّهْيِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِفَرْدٍ، لِأَنَّهُ إنَّمَا حَصَلَ النَّفْيُ وَالنَّهْيُ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ، وَلَا قَرِينَةَ تَنْفِي كُلَّ فَرْدٍ، وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ بَابِ الْكُلِّيَّةِ، لِأَنَّ كُلِّيَّةَ الْجَمْعِ هِيَ أَفْرَادُ الْمَجْمُوعِ لَا كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ كُلِّ جَمْعٍ. وَيَنْبَغِي عَلَى مَسَاقِ هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ تَخْتَلِفَ الْجُمُوعُ فَتَشْمَلَ جُمُوعَ الْقِلَّةِ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً، وَلَا تَشْمَلُ جُمُوعُ الْكَثْرَةِ إلَّا أَحَدَ عَشَرَ أَحَدَ عَشَرَ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ مُشْكِلٌ عَلَى اسْتِدْلَالِ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الصِّيَغِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ.

стр. 1345

وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْ التَّعْرِيفَ الْجِنْسِيَّ لِاسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ أَفْرَادِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُفْرَدًا أَوْ جَمْعًا فِي إثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ، وَهَذَا لَا يُجْدِي، لِأَنَّ النِّزَاعَ فِيهِ، وَالْخَصْمُ يَقُولُ: إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَفْرَادِ الْجُمُوعِ لَا عَلَى فَرْدٍ فَرْدٍ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ قَرِينَةَ الْعُمُومِ الِاسْتِغْرَاقِيِّ هُنَا اقْتَضَتْ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ مِنْ الْآحَادِ لَا مِنْ مَرَاتِبِ الْجُمُوعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَقْوَى فِي دَلَالَةِ الْعُمُومِ الْكُلِّيَّةِ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي إلَى أَنَّ اسْتِغْرَاقَ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُفْرَدِ لِمَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ أَقْوَى مِنْ اسْتِغْرَاقِ الْجَمْعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَصْدُقُ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ إذْ كَانَ فِيهَا وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ، وَيَصْدُقُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: لَا رِجَالَ فِي الدَّارِ، وَهَذَا إنَّمَا جَاءَ فِي جَانِبِ النَّفْيِ، أَمَّا فِي حَالَةِ الْإِثْبَاتِ مَعَ التَّعْرِيفِ الْجِنْسِيِّ، فَالشُّمُولُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَكِنَّ طَرِيقَهُ مُخْتَلِفٌ، كَمَا سَبَقَ نَقْلُهُ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَصَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْكِتَابُ أَكْثَرُ مِنْ الْكُتُبِ، وَقَرَّرَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ، بِأَنَّ الْمُفْرَدَ يَدُلُّ عَلَى أَفْرَادِ جِنْسِهِ كُلِّهَا، لَا بِصِيغَةٍ لَفْظِيَّةٍ، بَلْ بِمَعْنَاهُ وَمَوْضُوعِهِ، وَأَمَّا فِي الْجَمْعِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ أَوَّلًا إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ، ثُمَّ يَحْصُلُ الِاسْتِغْرَاقُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِ الْجَمْعِ، فَكَانَ الْأَوَّلُ أَقْوَى. الثَّانِي: أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعُمُومِ، وَأَطْبَقَ الْمَنْطِقِيُّونَ عَلَى أَنَّ نَحْوَ قَوْلِنَا: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ قَضِيَّةٌ مُهْمَلَةٌ فِي قُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ " مِعْيَارِ الْعِلْمِ " عَلَى وَجْهِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ الِاسْتِغْرَاقُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ، وَجَبَ طَلَبُ الْمُهْلَةِ مِنْ لُغَةٍ أُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَهُوَ مُهْمَلٌ، إذْ يَحْتَمِلُ الْكُلَّ، وَيَحْتَمِلُ الْجُزْءَ، وَيَكُونُ قُوَّةُ الْمُهْمَلِ قُوَّةَ الْجُزْءِ؛ لِأَنَّهُ بِالضَّرُورَةِ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْعُمُومُ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ مَا يَصْدُقُ جُزْئِيًّا أَنْ لَا يَصْدُقَ كُلِّيًّا. انْتَهَى.

стр. 1346

وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ سَلِمَ الِاسْتِغْرَاقُ لَزِمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُهْمَلٌ، وَطَلَبَ ذَلِكَ مِنْ لُغَةٍ أُخْرَى، إذْ لَيْسَ بَحْثُ الْمَنْطِقِيِّينَ قَاصِرًا عَلَى لُغَةٍ دُونَ لُغَةٍ، وَإِنْ مُنِعَ الِاسْتِغْرَاقُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا كَمَا تَأْتِي فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لِلْعُمُومِ، تَأْتِي لِلْخُصُوصِ كَالْعَهْدِ، فَثَبَتَ أَنَّهُ يُرَادُ بِهَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ بِاعْتِبَارَيْنِ، فَلَا يَكُونُ بِمَعْنَى " كُلٍّ " وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ لَفْظَ الْإِهْمَالِ إذَا أُطْلِقَ فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ تَعْمِيمٌ وَلَا تَخْصِيصٌ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَلَوْ كَانَ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ، وَيُقَابِلُ التَّنْوِينَ لِلتَّنْكِيرِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْخُصُوصِ، لَكَانَ قَوْلُنَا: " الْإِنْسَانُ " لَا يَدُلُّ عَلَى الْوَاحِدِ أَلْبَتَّةَ " وَقَوْلُنَا: " إنْسَانٌ " لَا يَتَنَاوَلُ الشِّيَاعَ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ، وَأَخْذُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ بِمَعْنَى أَنَّهَا سُوَرٌ هُوَ الْمُغَلَّطُ، فَإِنَّ الْقَضِيَّةَ إذَا ذُكِرَتْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ صَدَقَتْ فِي بَعْضٍ مَا، وَإِذَا قُرِنَ بِهِ لَفْظُ السُّوَرِ كَذَبَتْ، وَالسُّوَرُ الْكُلِّيَّةُ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى كُلِّيَّةِ الْحُكْمِ الْمَوْضُوعِ لَا عَلَى كُلِّيَّةِ الْمَحْمُولِ. الثَّالِثُ: أَجْمَعَ النُّحَاةُ بِأَنَّ " أَلْ " تَأْتِي لِتَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ وَالِاسْتِغْرَاقِ، وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، لِأَنَّهُمْ إمَّا أَنْ يُرِيدُوا تَعْرِيفَ الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ أَيْ لَوْ بِقَيْدِ وُجُودِهَا ذِهْنًا أَوْ خَارِجًا، فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ مَعَارِفَ كَمَا قُلْنَا، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ، أَوْ تَعْرِيفَهَا مِنْ حَيْثُ وُجُودُهَا فِي الذِّهْنِ أَوْ فِي الْخَارِجِ، فَحِينَئِذٍ هِيَ الِاسْتِغْرَاقُ فَلَا فَرْقَ، وَإِذْ قَدْ تَعَذَّرَ هَذَا فَالْأَوْلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: أَنَّ " أَلْ " لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ خَاصَّةً حَيْثُمَا وَرَدَتْ، فَحَيْثُ يُقَالُ: هَذِهِ لِلْحَقِيقَةِ قُلْنَا لِلْعَهْدِ بِوَاسِطَةِ التَّهَكُّمِ أَوْ غَيْرِهِ، وَحَيْثُ قِيلَ: لِلِاسْتِغْرَاقِ قُلْنَا: لِلْعَهْدِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ لِمَا سَبَقَ. [الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ الْإِضَافَةُ] هِيَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعُمُومِ كَالْأَلِفِ وَاللَّامِ. وَلِهَذَا عَاقَبَتْهَا، فَإِنْ دَخَلَتْ

стр. 1347

عَلَى جَمْعٍ أَفَادَتْ الْعُمُومَ، سَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ تَصْحِيحٍ أَوْ جَمْعَ تَكْسِيرٍ، كَذَا قَالُوا، وَفِي تَعْمِيمِ أَبْنِيَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي لِلْقِلَّةِ نَظَرٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْبُدِي أَحْرَارٌ، وَلَهُ عَبِيدٌ كَثِيرُونَ أَزْيَدُ مِنْ الْعَشَرَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنْ الْخِلَافِ، وَأَمَّا اسْمُ الْجَمْعِ فَكَذَلِكَ، وَأَمَّا اسْمُ الْجِنْسِ فَكَذَاك: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦] وَقَوْلُهُ: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ [الحاقة: ١٠] وَقَوْلُهُ ﷺ «مَنَعَتْ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَدِينَارَهَا، وَمَنَعَتْ الشَّامُ قَفِيزَهَا وَصَاعَهَا» ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَيَشْرَبَن مَاءَ هَذَا الْبِئْرِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَقْتَضِي جَمِيعَ مَائِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، فَكَانَ كَقَوْلِهِ: لَأَصْعَدَن إلَى السَّمَاءِ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ حَمَلَهُ عَلَى التَّبْعِيضِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَفَصَلَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَ أَنْ يَصْدُقَ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ نَحْوُ مَالِي صَدَقَةٌ فَيَعُمُّ، وَبَيْنَ أَنْ يَصْدُقَ عَلَى الْجِنْسِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ فَلَا يَعُمُّ، نَحْوُ عَبْدِي حُرٌّ، وَامْرَأَتِي طَالِقٌ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ ": وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْحَاجِبِ إشَارَةً لَطِيفَةً يَعْنِي فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ " حَيْثُ ذَكَرَ صِيَغَ الْعُمُومِ، وَذَكَرَ أَسْمَاءَ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ وَالْمَوْصُولَاتِ وَالْجُمُوعِ الْمُعَرَّفَةَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ

стр. 1348

وَمَا فِي مَعْنَاهَا، وَاسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفَ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ، وَالْمُضَافَ لِمَا يَصْلُحُ لِلْبَعْضِ وَالْجَمِيعِ، فَقَوْلُهُ: لِمَا يَصْلُحُ. . . إلَخْ يَقْتَضِي التَّقَيُّدَ بِمَا سَبَقَ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَعَلَّ الْقَرَافِيَّ أَخَذَهُ مِنْ تَفْصِيلِ الْغَزَالِيِّ السَّابِقِ فِي اسْمِ الْجِنْسِ إذْ دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُضَافَ يَعُمُّ، مَعَ اخْتِيَارِهِ بِأَنَّ الْمُعَرَّفَ بِأَلْ لَا يَعُمُّ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِضَافَةَ أَدَلُّ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِهِ. وَلَمْ يَقِفْ الْهِنْدِيُّ عَلَى نَقْلٍ فِي ذَلِكَ. فَقَالَ فِي " النِّهَايَةِ ": وَكَوْنُ الْمُفْرَدِ الْمُضَافِ لِلْعُمُومِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا لَهُمْ، لَكِنَّ قَضِيَّةَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْإِضَافَةِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ تَقْتَضِي الْعُمُومَ. وَالْحَقُّ أَنَّ عُمُومَ الْإِضَافَةِ أَقْوَى، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ حَنِثَ بِشُرْبِ الْقَلِيلِ، لِعَدَمِ تَنَاهِي أَفْرَادِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءَ الْبَحْرِ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِكُلِّهِ. وَهَاهُنَا دَقِيقَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْعُمُومَ فِيمَا ذَكَرْنَا مُخْتَلِفٌ، فَالْمُفْرَدُ الْمُضَافُ يَعُمُّ مَرَاتِبَ الْآحَادِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ الْمُضَافُ فَهَلْ يَعُمُّ مَرَاتِبَ الْجُمُوعِ أَوْ الْآحَادِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ أَوْ الْجِنْسُ، وَأَمَّا الْمُثَنَّى الْمُضَافَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] فَإِنْ قَدَّرْت الْإِضَافَةَ دَاخِلَةً عَلَى الْمُثَنَّى بَعْدَ التَّثْنِيَةِ، كَانَ مَعْنَاهَا التَّعْمِيمَ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْإِخْوَةِ، وَإِنْ قَدَّرْت التَّثْنِيَةَ دَاخِلَةً بَعْدَ الْإِضَافَةِ كَانَ مَعْنَاهَا تَثْنِيَةَ الْجِنْسَيْنِ الْمُضَافَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ لَا يُثَنَّى وَالْعَامُّ لَا يُثَنَّى لِاسْتِغْرَاقِهِ، لَكِنَّهُ لَمَّا امْتَازَ بِنَوْعٍ مِنْ الشِّقَاقِ جَازَ ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ كَلَامُ الْقَرَافِيِّ فِيهِ.

стр. 1349

[فَرْعٌ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فَقَالَ زَوْجَتِي طَالِقٌ] فَرْعٌ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ، فَقَالَ: زَوْجَتِي طَالِقٌ، وَقَعَ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَعَلَيْهِ الْبَيَانُ، قَالَهُ الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ " وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ تَطْلُقُ الْأَرْبَعُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ فِي الْأَيْمَانِ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَأَرَادَ لَيَالِيَ الصِّيَامِ، وَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ، وَالْكَلَامُ يُحَالُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَا أَمْكَنَ، وَهُوَ إنَّمَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَى وَاحِدَةٍ، فَلَا يَقَعُ عَلَى الْجَمَاعَةِ. قُلْت: وَهَذَا الْفَرْعُ مُخَالِفٌ لِتَعْمِيمِ الْمُضَافِ، وَيُجَابُ عَنْهُ بِمَا سَبَقَ، فِي " الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي " مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ التَّعْمِيمُ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الصُّورَةَ وَأَمْثَالَهَا بِنَقْلِ الْعُرْفِ لَهَا عَنْ مَوْضُوعِهَا اللُّغَوِيِّ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ قَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ، فَإِنَّهُ يَعُمُّ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى إبَاحَةِ السَّمَكِ الطَّافِي مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْحِلُّ مِيتَتُهُ» . [تَنْبِيهٌ الْبَعْضُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْجُزْءِ وَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ إذَا أُضِيفَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ] تَنْبِيهٌ الْبَعْضُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْجُزْءِ وَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ إذَا أُضِيفَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَإِلَّا لَكَانَ قَامَ بَعْضُ الرِّجَالِ مِثْلَ قَامَ كُلُّهُمْ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ، وَيَنْبَغِي تَخْصِيصُ هَذَا بِبَعْضِ الْمُحَالِ وَهُوَ إذَا لَمْ تَدْعُ إلَى الْعُمُومِ ضَرُورَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلَ مِنْ الْآخَرِ. فَإِنْ دَعَتْ كَانَ لِلْعُمُومِ، وَهُوَ حِينَئِذٍ بِالْقَرِينَةِ لَا بِالْإِضَافَةِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]

стр. 1350

فَإِنَّهُ عَامٌّ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا﴾ [سبأ: ٤٢] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] فَإِنَّ " يَتَسَاءَلُونَ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَذَلِكَ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ عَدُوُّ الْآخَرِ، أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ قُلْت: كُلُّكُمْ لِكُلٍّ عَدُوٌّ صَحَّ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] . وَيَنْبَغِي النَّظَرُ فِي مَوْضُوعِ اللَّفْظِ، وَفَائِدَةُ هَذَا فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الفرقان: ٢٠] . [الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ] النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ " بِمَا "، أَوْ " لَنْ "، أَوْ " لَمْ "، أَوْ " لَيْسَ "، وَسَوَاءٌ دَخَلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلَى فِعْلٍ نَحْوُ: مَا رَأَيْت رَجُلًا، أَوْ عَلَى اسْمٍ نَحْوُ: لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ، وَسَوَاءٌ بَاشَرَهَا النَّفْيُ نَحْوُ مَا أَحَدٌ قَائِمًا، أَوْ عَامِلَهَا نَحْوُ: مَا قَامَ أَحَدٌ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] وَقَالَ الْآمِدِيُّ

стр. 1351

فِي " أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ ": إنَّمَا تَعُمُّ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ، فَأَمَّا الَّتِي لَيْسَتْ بِمَنْفِيَّةٍ لَكِنَّهَا فِي سِيَاقِهِ، فَلَا تَعُمُّ، وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] فِي جَوَابِ: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْعُمُومُ لَمْ يَلْزَمْ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِالْوَاحِدِ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّكِرَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِمُعَيَّنٍ، كَقَوْلِكَ: رَأَيْت رَجُلًا، وَالنَّفْيُ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ، فَإِذَا انْضَمَّ النَّفْيُ الَّذِي لَا اخْتِصَاصَ لَهُ، إلَى التَّنْكِيرِ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ، اقْتَضَى ذَلِكَ الْعُمُومَ. احْتَجَّ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لِنَفْيِ الْعُمُومِ لَمَا كَانَ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " نَفْيًا لِدَعْوَى مَنْ ادَّعَى سِوَى اللَّهِ، ثُمَّ إنْ كَانَتْ النَّكِرَةُ صَادِقَةً عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَشَيْءٍ وَمَوْجُودٍ وَمَعْلُومٍ، أَوْ مُلَازِمَةً لِلنَّفْيِ، نَحْوُ أَحَدٍ، وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِثْلُ: غَرِيبٍ، وَدَاعٍ، وَمُجِيبٍ، أَوْ وَاقِعَةً بَعْدَ " لَا " الْعَامِلَةِ عَمَلَ إنْ، وَهِيَ " لَا " الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْسِ، مِثْلُ: لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ، بِبِنَاءِ رَجُلٍ عَلَى الْفَتْحِ، أَوْ دَاخِلًا عَلَيْهَا مِنْ مِثْلِ: مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ، فَإِنَّ كَوْنَهَا لِلْعُمُومِ مِنْ الْوَاضِحَاتِ، لَكِنْ هَلْ اُسْتُفِيدَ الْعُمُومُ فِي قَوْلِك: مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ، مِنْ لَفْظَةِ " مِنْ " أَوْ كَانَ مُسْتَفَادًا مِنْ النَّفْيِ قَبْلَ دُخُولِهَا، وَدَخَلَتْ هِيَ لِلتَّأْكِيدِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلنَّحْوِيِّينَ، وَالصَّحِيحُ الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ. وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْمُبَرِّدِ، حَكَاهُ فِي " الِارْتِشَافِ " فِي الْكَلَامِ عَلَى حُرُوفِ الْجَرِّ، وَاخْتَارَهُ الْقَرَافِيُّ، وَزَعَمَ أَنَّهَا لَا تَعُمُّ إلَّا إذَا بَاشَرَتْهَا " مِنْ " وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] إنَّمَا اُسْتُفِيدَ الْعُمُومُ مِنْ لَفْظَةِ " مِنْ " وَلَوْ قَالَ: مَا لَكُمْ إلَهٌ لَمْ يَعُمَّ، مَعَ أَنَّ لَفْظَةَ إلَهٍ نَكِرَةٌ، وَقَدْ حَكَمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَعُمَّ.

стр. 1352

وَقَدْ ذَكَرَ الْحَرِيرِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَنَازَعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَقَالَا: لَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْكَشَّافِ مَعَ نَقْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَنْ سِيبَوَيْهِ: إنَّ " مَا جَاءَنِي رَجُلٌ " عَامٌّ، وَالْحَقُّ (أَنَّهُ) إنْ أَرَادَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِكَلَامِهِ ظَاهِرَهُ "، فَهُوَ شُذُوذٌ، وَيُحْمَلُ أَنْ يُرِيدَ مَا أَرَادَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَنَّهُ بَعْدَ دُخُولِ " مِنْ " فِي النَّفْيِ يَكُونُ الْعُمُومُ نَصًّا، وَدُونَهَا ظَاهِرًا، وَالِانْتِقَالُ مِنْ الظُّهُورِ إلَى النَّصِّ تَأْكِيدُ تَأْسِيسٍ، فَإِنَّهُ تَقْوِيَةٌ مُجَرَّدَةٌ، وَكَذَلِكَ ذَهَبَ جُمْهُورُ النُّحَاةِ إلَى أَنَّ " لَا " الَّتِي لِنَفْيِ الْجِنْسِ نَصٌّ فِي الْعُمُومِ، دُونَ " لَا " الَّتِي هِيَ أُخْتُ لَيْسَ، فَإِنَّ مَعْنَى " مِنْ " مُتَضَمِّنٌ مَعَ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّائِغِ رَادًّا عَلَى مَنْ قَالَ: " لَا رَجُلَ " بَنَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى حَرْفِ الِاسْتِغْرَاقِ، وَهُوَ " مِنْ ". قَالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ لَا يَقْتَضِي عُمُومَ النَّفْيِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ: مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، وَمَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ، " مِنْ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِتَأْكِيدِ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ التَّأْوِيلِ: هِيَ لِلْعُمُومِ ظَاهِرًا عِنْدَ تَقْدِيرِ " مِنْ "، فَإِنْ دَخَلَتْ " مِنْ " كَانَتْ نَصًّا، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ. وَنَقَلَهُ ابْنُ الْخَبَّازِ فِي " شَرْحِ الْإِيضَاحِ " عَنْ النَّحْوِيِّينَ، فَقَالَ: فَرَّقَ النَّحْوِيُّونَ بَيْنَ قَوْلِنَا: مَا جَاءَنِي رَجُلٌ، وَمَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ، أَنَّ الْأَوَّلَ يَحْتَمِلُ نَفْيَ وَاحِدٍ مِنْ الْجِنْسِ، فَلَوْ جَاءَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ كَانَ صَادِقًا، وَالثَّانِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا نَفْيَ جَمِيعِ الْجِنْسِ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فَلَوْ قُلْت: بَلْ رَجُلَانِ كَانَ كَذِبًا، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ إلَّا أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ دُخُولِ " مِنْ " عَلَى أَدَاةِ

стр. 1353

عُمُومٍ كَأَحَدٍ فَجَعَلَهَا مُؤَكِّدَةً لِلْعُمُومِ، وَبَيْنَ دُخُولِهَا عَلَى غَيْرِهِ كَرَجُلٍ، فَجَعَلَهَا مُقَيِّدَةً لَهُ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ ": قَدْ فَرَّقَ أَهْلُ اللُّغَةِ بَيْنَ النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ: مَا جَاءَنِي أَحَدٌ، وَمَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ وَبَيْنَ دُخُولِهِ عَلَى النَّكِرَةِ مِنْ أَسْمَاءِ الْجِنْسِ، فِي مَا جَاءَنِي رَجُلٌ، وَمَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ، فَرَأَوْا تَسَاوِيَ اللَّفْظَيْنِ فِي الْأَوَّلِ. وَأَنَّ " مِنْ " زَائِدَةٌ فِيهِ، وَافْتِرَاقُ الْمَعْنَى فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: مَا جَاءَنِي رَجُلٌ، يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْكُلُّ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا دَخَلَتْ " مِنْ " أَخْلَصَتْ النَّفْيَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَغَيَّرَتْ الْفَائِدَةَ اهـ. لَا: لَوْ لَمْ يُفِدْ الْعُمُومَ مَعَ عَدَمِهَا لَمْ يُفِدْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣] ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] وَنَحْوِهَا، مِمَّا لَا شَكَّ فِي إفَادَتِهِ الْعُمُومَ، وَلَيْسَ هُنَاكَ " مِنْ "، وَأَيْضًا فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى الْمَاهِيَّةِ، فَدُخُولُ النَّافِي يَنْفِي مَعْنَاهَا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَهُوَ مُطْلَقُ الْمَاهِيَّةِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْعُمُومُ، وَتَسْمِيَتُهُمْ " لَا " لِنَفْيِ الْجِنْسِ، وَهُوَ بِانْتِفَاءِ كُلِّ فَرْدٍ. أَمَّا النَّكِرَةُ الْمَرْفُوعَةُ بَعْدَ " لَا " الْعَامِلَةُ عَمَلَ لَيْسَ، نَحْوُ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ فَهِيَ لِنَفْيِ الْوَحْدَةِ قَطْعًا، لَا لِلْعُمُومِ، وَلِهَذَا يُقَالُ فِي تَوْكِيدِهِ: بَلْ رَجُلَانِ أَوْ رِجَالٌ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: لَا رَجُلَ بِالْفَتْحِ، بَلْ رَجُلَانِ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى اقْتِضَاءِ الثَّانِي التَّعْمِيمَ دُونَ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي حَالَةِ الرَّفْعِ " الرَّجُلُ " الْمُقَيَّدُ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ، وَذَلِكَ لَا يُعَارِضُهُ وُجُودُ الِاثْنَيْنِ أَوْ الْجَمْعِ، بِخِلَافِ الْمَنْفِيِّ حَالَةَ الْفَتْحِ، فَإِنَّ الْمَنْفِيَّ فِيهِ الْحَقِيقَةُ لَا بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ، وَذَلِكَ

стр. 1354

يُنَافِيهِ ثُبُوتُ الْفَرْدِ، لِأَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ فَرْدٌ ثَبَتَتْ الْحَقِيقَةُ بِالضَّرُورَةِ. هَكَذَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ، وَحَكَاهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وَالْمُبَرِّدِ، وَالْجُرْجَانِيِّ فِي أَوَّلِ " شَرْحِ الْإِيضَاحِ "، وَابْنِ السَّيِّدِ فِي " شَرْحِ الْجُمَلِ " وَالزَّمَخْشَرِيُّ، وَغَيْرِهِمْ، وَتَبِعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ "، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ " عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَصَرَّحَ بِهِ الْعَلَمُ الْقَرَافِيُّ فِي " مُخْتَصَرِ الْمَحْصُولِ ". وَحَكَاهُ الْإِبْيَارِيُّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " وَالْقُرْطُبِيُّ فِي أُصُولِهِ عَنْ النُّحَاةِ، قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْفَتْحِ، وَالصَّوَابُ عَدَمُ اقْتِصَارِهَا عَلَى نَفْيِ الْوَحْدَةِ، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِنَفْيِ الْجِنْسِ، وَأَنْ تَكُونَ لِنَفْيِ الْوَحْدَةِ، وَيُقَالُ فِي تَوْكِيدِهِ عَلَى الْأَوَّلِ: بَلْ امْرَأَةٌ، وَعَلَى الثَّانِي بَلْ رَجُلَانِ أَوْ رِجَالٌ. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: تَعَزَّ فَلَا شَيْءٌ عَلَى الْأَرْضِ بَاقِيًا وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهَا لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْرَاقِ مَعَ الْإِعْرَابِ فِي قَوْلِكَ مَا جَاءَ مِنْ أَحَدٍ، وَمَا قَامَ مِنْ رَجُلٍ. وَنَقَلَهُ عَنْهُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كَلَامِهِ عَلَى حُرُوفِ الْمَعَانِي، فَقَالَ: قَالَ سِيبَوَيْهِ: إذَا قُلْت: مَا جَاءَنِي رَجُلٌ، فَاللَّفْظُ عَامٌّ، وَلَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُؤَوَّلَ بِمَا جَاءَنِي رَجُلٌ، بَلْ رَجُلَانِ، فَإِذَا قُلْت: مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ، اقْتَضَى نَفْيَ جِنْسِ الرِّجَالِ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ.

стр. 1355

وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ هَذَا النَّصَّ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: لَمْ أَجِدْهُ فِي كِتَابِ سِيبَوَيْهِ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِالْكِتَابِ، فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الْمُثْبِتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَقَدْ صَنَّفَ ابْنُ خَرُوفٍ فِي مَوَاضِعَ نَقَلَهَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وَلَمْ يَرَهَا فِي كِتَابِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا مِنْهَا. وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّ دَلَالَةَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ عَلَى الْعُمُومِ مُتَفَاوِتَةٌ، وَتَجِيءُ عَلَى مَرَاتِبَ: فَأَدْنَاهَا مَا جَاءَنِي رَجُلٌ، لِعَدَمِ دُخُولِ " مِنْ " وَلِعَدَمِ اخْتِصَاصِ رَجُلٍ بِالنَّفْيِ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْعُمُومِ لَا نَصَّ، وَأَعْلَاهَا مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، لِانْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ، وَهَذَا نَصٌّ فِي الْعُمُومِ وَالْمَرْتَبَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ، وَمَا جَاءَنِي أَحَدٌ، وَهِيَ تَلْحَقُ بِالْقِسْمِ الثَّانِي وَتَلْحَقُ بِهِ النَّكِرَةُ الْمَبْنِيَّةُ مَعَ " لَا " عَلَى الْفَتْحِ، فَأَمَّا الْمَرْفُوعَةُ فَلَيْسَتْ نَصًّا، بَلْ ظَاهِرٌ، كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ. تَتِمَّاتٌ الْأُولَى: أَنَّ حُكْمَ الْمَنْهِيِّ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمَنْفِيِّ، كَقَوْلِكَ: لَا تَعِظْ نَاسًا وَلَا تَعِظْ رِجَالًا، كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ. الثَّانِيَةُ: زَعَمَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " أَنَّ النَّكِرَةَ فِي النَّفْيِ أَفَادَتْ الْعُمُومَ بِصِيغَتِهَا لَا بِزِيَادَةٍ عَلَيْهَا، وَصَرَّحَ الرَّازِيَّ بِخِلَافِهِ وَهُوَ الْحَقُّ، لِأَنَّ لَا رَجُلَ عَمَّتْ بِزِيَادَةٍ دَخَلَتْ عَلَى رَجُلٍ، وَكَذَا قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، إنَّمَا عَمَّتْ النَّكِرَةُ لِضَرُورَةِ صِحَّةِ الْكَلَامِ، وَتَحْقِيقِ غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ الْإِفْهَامِ لَا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ بِصِيغَتِهِ، فَالْعُمُومُ فِيهِ مِنْ الْقَرِينَةِ، هَذَا لَفْظُهُ، وَقَطَعَ بِهِ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي " التَّقْوِيمِ " فَقَالَ: النَّكِرَةُ عَمَّتْ اقْتِضَاءً لَا نَصًّا.

стр. 1356

الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، هَلْ عَمَّتْ لِذَاتِهَا أَوْ لِنَفْيِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا؟ فَقَالَ أَصْحَابُنَا، بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِسَلْبِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْكُلِّيَّةِ بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ، وَأَنَّ سَلْبَ الْكُلِّيِّ حَصَلَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ لِنَفْيِ الْكُلِّيَّةِ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إنَّمَا حَصَلَ الْعُمُومُ لِأَنَّ النَّفْيَ فِيهِ لِنَفْيِ الْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ مَفْهُومُ الرَّجُلِ، وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُ كُلِّ فَرْدٍ لِأَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ فَرْدٌ لَمَا كَانَتْ حَقِيقَةُ الرَّجُلِ مَنْفِيَّةً لِاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ الْفَرْدِ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ، فَإِنَّ نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، وَنَفْيُ الْأَعَمِّ يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْأَخَصِّ، فَحَصَلَتْ السَّالِبَةُ الْكُلِّيَّةُ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ، لَا لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ لِلسَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُنَا: النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ، لَا بِمَعْنَى أَنَّ النَّفْيَ رَفْعٌ لِلْأَفْرَادِ؛ بَلْ رَفَعَ الْحَقِيقَةَ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْعُمُومِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إنَّمَا يَقْصِدُ بِنَفْيِهِ نَفْيَ كُلِّ رَجُلٍ رَجُلٍ لَا نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ. فَإِنْ قِيلَ: دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ لَازِمَةٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ، فَإِنَّ نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ لَازِمٌ لِنَفْيِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ، وَنَفْيُ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ لَازِمٌ لَهُ، قُلْنَا: لَكِنَّ نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ الْكُلِّيِّ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْأَصَالَةِ بِخِلَافِ نَفْيِ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ، فَجَعْلُهُ مَدْلُولًا بِالْمُطَابَقَةِ أَوْلَى مِنْ جَعْلِ ذَلِكَ لِلْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ، وَالْمُخْتَارُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ التَّفْصِيلُ بَيْنَ النَّكِرَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْفَتْحِ فَبِاللُّزُومِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا فَبِالْوَضْعِ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَائِدَةٌ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ يَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَعْنِي نَفْيَ الْكُلِّيَّةِ أَوْ الْكُلِّيِّ جَوَازُ التَّخْصِيصِ بِالنِّيَّةِ

стр. 1357

فِيمَا إذَا وَقَعَ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي جَوَابًا لِقَسَمٍ أَوْ شَرْطًا، نَحْوُ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتُ، أَوْ إنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ، وَنَوَى مَأْكُولًا، فَعِنْدَنَا يُقْبَلُ التَّخْصِيصُ، لِأَنَّهُ عَامٌّ قَطْعِيًّا فَتُؤَثِّرُ النِّيَّةُ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْبَلُ؛ بَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ كُلِّ مَأْكُولٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَفْيٌ لِلْكُلِّيِّ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا: النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، أَنَّهَا تُفِيدُ عُمُومَ النَّفْيِ، لَا نَفْيَ الْعُمُومِ الَّذِي قَدْ يَكُونُ بِالثُّبُوتِ فِي الْبَعْضِ، وَقَدْ يَسْلَمُ لُزُومُهُ مِنْ نَفْيِ النَّكِرَةِ، لَكِنَّ غَايَتَهُ أَنَّ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ نَفْيِ الْمَاهِيَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي مَقْصُودِنَا؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ الْأَوَّلَ يُحَقَّقُ بِطَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: نَفْيُ مَا لَيْسَ بِعَامٍّ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ عُمُومُ النَّفْيِ كَمَا هُوَ فِي نَفْيِ الْمَاهِيَّةِ. وَثَانِيهِمَا: بِنَفْيِ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ مَا هُوَ عَامٌّ، وَمَتَى تَحَقَّقَ الْخَاصُّ تَحَقَّقَ الْعَامُّ. الرَّابِعَةِ: اسْتَثْنَى مِنْ كَوْنِ النَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِلْعُمُومِ سَلْبَ الْحُكْمِ عَنْ الْعُمُومِ، كَقَوْلِنَا: مَا كُلُّ عَدَدٍ زَوْجًا، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ، أَيْ لَيْسَ حُكْمًا بِالسَّلْبِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْعَدَدِ زَوْجٌ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، بَلْ الْمَقْصُودُ بِهِ إبْطَالُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ كُلَّ عَدَدٍ زَوْجٌ، فَأَبْطَلَ السَّامِعُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْعُمُومِ، وَهَكَذَا اسْتَثْنَاهُ السُّهْرَوَرْدِيّ فِي " التَّنْقِيحَاتِ "، وَالْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُمَا. الْخَامِسَةِ: قَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي آخِرِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ مِنْ " شَرْحِ التَّسْهِيلِ ": مَا ذَكَرَهُ النُّحَاةُ وَالْأُصُولِيُّونَ مِنْ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ، لَيْسَ عِنْدِي عَلَى إطْلَاقِهِ، فَإِنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ: مَا قَامَ كُلُّ رَجُلٍ. وَمَا قَامَ رَجُلٌ. وَالنَّفْيُ عِنْدِي مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِثْبَاتِ، فَإِنْ كَانَ الْإِثْبَاتُ عَامًّا كَانَ النَّفْيُ عَامًّا،

стр. 1358

وَإِنْ كَانَ الْإِثْبَاتُ خَاصًّا بِمُطْلَقٍ كَانَ النَّفْيُ لِذَلِكَ الْمُطْلَقِ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عَنْ الْمُطْلَقِ انْتِفَاؤُهُ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُطْلَقِ، فَإِذَا قُلْت: قَامَ كُلُّ رَجُلٍ، فَهَذَا إثْبَاتٌ لِقِيَامِ كُلِّ رَجُلٍ، فَإِذَا نَفَيْتَ فَقُلْتَ: مَا قَامَ كُلُّ رَجُلٍ، انْتَفَى الْقِيَامُ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ الرِّجَالِ. وَإِذَا قُلْت: قَامَ رَجُلٌ، فِيهِ إثْبَاتُ قِيَامٍ لِمُطْلَقِ رَجُلٍ. فَإِذَا قُلْت: مَا قَامَ رَجُلٌ، نَفَيْتَ الْقِيَامَ. عَنْ مُطْلَقِ رَجُلٍ، هَذِهِ دَلَالَةُ هَذَا اللَّفْظِ، لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ حَيْثُ نَفْيُ الْقِيَامِ عَنْ مُطْلَقِ رَجُلٍ أَنْ لَا يُوجَدَ فِي صُورَةٍ مَا مِنْ صُوَرِ الْمُطْلَقِ، فَمَعْنَى الْعُمُومِ لَازِمٌ لَهُ؛ لَا أَنَّ اللَّفْظَ وُضِعَ لِلْعُمُومِ، وَهَذَا لَفْظُهُ. وَنَازَعَهُ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ التَّبْرِيزِيُّ ﵀ وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ عَلَى مَا ذُكِرَ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: مَا قَامَ كُلُّ رَجُلٍ، سَلَبَ الْقِيَامَ عَنْ كُلِّ رَجُلٍ، وَلَا يَلْزَمُ السَّلْبُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ إذَا سَلَبَ الْجُزْئِيَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْكُلِّيَّ، نَعَمْ يَكُونُ سَلْبُ الْقِيَامِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ. [السَّادِسَةُ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ إذَا كَانَتْ جَمْعًا] [النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ إذَا كَانَتْ جَمْعًا] السَّادِسَةُ: هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ مُفْرَدَةً، فَإِنْ كَانَتْ جَمْعًا نَحْوُ مَا رَأَيْت رِجَالًا فَفِيهِ قَوْلَانِ، حَكَاهُمَا الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ "، وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فِي " التَّلْوِيحِ " فَقَالَ الْقَاضِي هُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، كَنَكِرَةِ الْوَاحِدِ بَلْ أَوْلَى. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ لَا يَقْتَضِيهِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالا﴾ [ص: ٦٢] وَصَحَّحَهُ إلْكِيَا، وَقَالَ: لِأَنَّ الْإِبْهَامَ فِي النَّكِرَةِ اقْتَضَى الِاسْتِغْرَاقَ، وَإِذَا ثُنِّيَ أَوْ جُمِعَ زَالَ مَعْنَى الْإِبْهَامِ، وَيَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: مَا رَأَيْت رِجَالًا، وَإِنَّمَا رَأَيْت رَجُلًا أَوْ رَجُلَيْنِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ:

стр. 1359

مَا رَأَيْت رَجُلًا وَإِنَّمَا رَأَيْت رِجَالًا، سِيَّمَا إذَا قَالَ: مَا رَأَيْت مِنْ أَحَدٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ تَرْجِيحُهُ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ: وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ، فَذَكَرَ مَا ذَكَرَهُ إلْكِيَا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ نَقَلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ جَوَازَ أَنْ يُقَالَ: مَا رَأَيْت رَجُلًا، ثُمَّ يَقُولُ: مَا رَأَيْت رِجَالًا. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْأَحْكَامِ ": الْجَمْعُ بِلَفْظِ الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ سَوَاءٌ فِي اقْتِضَائِهِ الْعُمُومَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] فَهُوَ عُمُومٌ لِكُلِّ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ، وَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْجَمْعَ إذَا جَاءَ بِلَفْظِ النَّكِرَةِ نَحْوُ: قَالَ رِجَالٌ، لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ، وَهُوَ فَاسِدٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهَى. وَإِذَا جَاءَ هَذَا فِي الْإِثْبَاتِ؛ فَلَأَنْ يَقُولَ بِهِ فِي النَّفْيِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى. [السَّابِعَةُ إنْ كَانَتْ النَّكِرَةُ مُثْبَتَةً لَمْ تَعُمَّ] َّ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَيْسَ الِاعْتِبَارُ بِالنَّفْيِ، وَلَا الْإِثْبَاتِ، وَلَكِنْ كُلُّ نَكِرَةٍ لَا تَحْتَمِلُ الِاسْتِثْنَاءَ فَهِيَ غَيْرُ عَامَّةٍ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَإِنْ صَحَّ عُمُومُهَا عَلَى الْبَدَلِ، وَكُلُّ نَكِرَةٍ تَحْتَمِلُ الِاسْتِثْنَاءَ فَهِيَ عَامَّةٌ اهـ. وَأَمَّا نَحْوُ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] ، وَحَدِيثُ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا» ، فَغَيْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ

стр. 1360

فِيهِ عَلَى الْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ، فَجَاءَ الْعُمُومُ فِيهِ بِالْعَرْضِ، وَلَيْسَ فِيهِ عُمُومٌ حَقِيقِيٌّ إذْ لَا أَفْرَادَ تَحْتَ مُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ حَتَّى يَعُمَّهَا. وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْإِفَادَةِ ": النَّكِرَةُ قَبْلَ دُخُولِ " أَلْ " عَلَيْهَا تُفِيدُ الْعُمُومَ عَلَى الصَّلَاحِ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥] وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ قَالَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: بِالْبَابِ رِجَالٌ، ائْذَنْ لِرَجُلٍ، صَلَحَ ذَلِكَ لِكُلِّهِمْ عَلَى الْبَدَلِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الِاسْتِفْهَامِ أَيُّهُمْ أَرَادَ. اهـ. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيُسْتَثْنَى صُوَرٌ تَعُمُّ فِيهَا مَعَ الْإِثْبَاتِ لِقَرِينَةٍ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ: مِنْهَا: وُقُوعُهَا فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: ١٢٨] ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَالْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ "، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الشَّرْطَ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ، فَأَشْبَهَ النَّفْيَ وَقَرَّرَهُ الْمَازِرِيُّ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ هَذَا نَقْضًا، لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي مَعْنَى الْكَلَامِ الْمَنْفِيِّ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِطَ لَمْ يُجِزْ وُقُوعَ الشَّرْطِ، حَيْثُ جَعَلَهُ شَرْطًا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِالنَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ الْمَحْضِ، كَقَوْلِنَا: فِي الدَّارِ رَجُلٌ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا النَّهْيُ وَالشَّرْطُ، وَالِاسْتِفْهَامُ فَهُوَ عِنْدَ النُّحَاةِ كُلُّهُ كَلَامٌ غَيْرُ مُوجِبٍ، مَعَ أَنَّ الْإِبْيَارِيَّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ " رَدَّ عَلَيْهِ حَيْثُ مَثَّلَ بِقَوْلِهِ: مَنْ يَأْتِنِي بِمَالٍ فَأُكْرِمْهُ، وَأَنْكَرَ الْعُمُومَ، فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ لَمَا اسْتَحَقَّ

стр. 1361

الْإِكْرَامَ مَنْ أَتَى بِمَالٍ وَاحِدٍ، بَلْ كَانَ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الْأَمْوَالِ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَنِي بِكُلِّ مَالٍ، وَكَأَنَّ هَذَا مِنْهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمِثَالِ، لَا الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: النَّكِرَةُ هُنَا لَمْ تَقْتَضِ عُمُومًا إذْ الْمَطْلُوبُ مَالٌ مُعَيَّنٌ، وَإِنَّمَا الْعُمُومُ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ. لَا فِي مُتَعَلِّقِ الشَّرْطِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عُمُومِ الشَّرْطِ عُمُومُ مَا وَقَعَ فِي مَسَاقِهِ، فَإِذَا قُلْت: مَنْ يَأْتِنِي بِزَيْدٍ فَالْعُمُومُ فِي الْآتِي لَا فِي الْمَأْتِيِّ بِهِ. وَالْحَقُّ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ لَا تَتَنَاوَلُ الْآحَادَ عُمُومًا، وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُهَا عَلَى الْبَدَلِ، وَلَوْ كَانَتْ عَامًّا فِي الشَّرْطِ لَعَمَّتْ مَعَ الْأَمْرِ، إذَا قَالَ: ائْتِنِي بِثَوْبٍ، فَلَوْ أَتَاهُ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ لَكَانَ مُمْتَثِلًا وَلَوْ أَتَاهُ بِعَشَرَةٍ كَانَ حَائِدًا عَنْ الْمَطْلُوبِ، فَلَوْ كَانَ لَفْظُ الثَّوْبِ يَتَنَاوَلُ الْعَشَرَةَ لَمَا عُدَّ مُخَالِفًا. وَمِنْهَا: الْوَاقِعَةُ فِي حَيِّزِ الْإِنْكَارِ الِاسْتِفْهَامِيِّ، فَإِنَّهَا لِلْعُمُومِ كَالنَّفْيِ، ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْقَرَافِيُّ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] . وَمِنْهَا: الْوَاقِعَةُ فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ فِي الْبُرْهَانِ " لَكِنْ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْبَيَانِيِّينَ: إنَّ النَّكِرَةَ تَأْتِي لِلتَّكْثِيرِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ التَّكْثِيرَ هُوَ التَّعْمِيمُ أَوْ مُلَازِمُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا لِلتَّكْثِيرِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] . وَمِنْهَا: الْوَاقِعَةُ فِي سِيَاقِ الطَّلَبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] فَإِنَّ حَسَنَةً نَكِرَةٌ مُرَادٌ بِهَا التَّعْمِيمُ، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ جَوَامِعِ الْأَدْعِيَةِ.

стр. 1362

وَمِنْهَا: فِي الْأَمْرِ لِلْعُمُومِ، وَنَسَبَهُ فِي الْمَحْصُولِ " لِلْأَكْثَرِينَ، نَحْوُ أُعْتِقُ رَقَبَةً، وَإِلَّا لَمَا خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِأَيِّ إعْتَاقٍ، وَاسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَقَالَ: هَذَا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ لِلْعُمُومِ لَمَا خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ إلَّا بِإِعْتَاقِ رِقَابِ الدُّنْيَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] حَيْثُ يَجِبُ قَتْلُ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ. وَالصَّوَابُ أَنَّهَا لَا تَعُمُّ، وَبِهِ صَرَّحَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: إذَا قَالَ الْحَكِيمُ: اُقْتُلْ مُشْرِكًا لَمْ يُعْقَلْ مِنْهُ إلَّا قَتْلُ مُشْرِكٍ مَا، قَالَ: يَجِبُ الْوَقْفُ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهِ الْبَيَانُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْمُشْرِكَ الَّذِي صِفَتُهُ كَذَا، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ، وَقِيلَ: إذَا حُمِلَ عَلَى الْجِنْسِ خُصَّ، وَوُقِفَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ. انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ، وَلَوْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى التَّقْيِيدِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا وَلَا مُخَصَّصًا، وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي عُمُومِ النَّكِرَةِ فِي الْإِنْشَاءِ لَفْظِيٌّ، لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْعُمُومِ لَا يُرِيدُ شُمُولَ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ، حَتَّى يَجِبَ فِي مِثْلِ: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، ذَبْحُ كُلِّ بَقَرَةٍ. وَفِي مِثْلِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] ، تَحْرِيرُ كُلِّ رَقَبَةٍ بَلْ الْمُرَادُ ذَبْحُ أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، وَعِتْقُ أَيِّ رَقَبَةٍ كَانَتْ، فَإِنْ سُمِّيَ مِثْلُ هَذَا عَامًّا فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ تَصَوُّرَهُ لَا يَمْنَعُ الشَّرِكَةَ فِيهِ؛ وَإِنْ جُعِلَ مُسْتَغْرِقًا فَكُلُّ نَكِرَةٍ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا جِهَةَ لِلْعُمُومِ. وَمِنْهَا: قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: قَدْ تَعَرَّضَتْ النَّكِرَةُ لِلْعُمُومِ، فِيمَا إذَا وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، فَإِنَّهَا تَصِيرُ مَعْرِفَةً، لِأَنَّ الْوَصْفَ مِنْ التَّعْرِيفِ بِمَنْزِلَةِ اللَّامِ فِي اسْمِ الْجِنْسِ، وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: لَا أُكَلِّمُ إلَّا رَجُلًا كُوفِيًّا، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُكَلِّمَ جَمِيعَ الْكُوفِيِّينَ وَلَوْ قَالَ: إلَّا رَجُلًا، فَكَلَّمَ رَجُلَيْنِ حَنِثَ فَعُلِمَ أَنَّ

стр. 1363

الْعُمُومَ مِنْ إلْحَاقِ الْوَصْفِ الْعَامِّ بِهَذَا. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] لِأَنَّهُ فِي مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] فَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ عَامًّا لَمَا صَحَّ التَّعْلِيلُ، وَكَذَا ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْوَصْفِ الْمَعْنَوِيُّ، لَا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ النَّكِرَةَ قَدْ تَكُونُ خَبَرًا أَوْ صِلَةً أَوْ شَرْطًا، وَقَدْ صَرَّحُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف: ٧] أَنَّهَا نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِحُسْنِ الْعَمَلِ، وَهُوَ عَامٌّ فَعَمَّتْ لِذَلِكَ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهَا مُبْتَدَأٌ، وَأَحْسَنُ عَمَلًا خَبَرُهُ. وَقَدْ رُدَّ عَلَيْهِمْ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَأُكَلِّمَنَّ رَجُلًا كُوفِيًّا بَرَّ بِوَاحِدٍ، وَلَوْ اقْتَضَى الْوَصْفُ الْعُمُومَ كَمَا قَالُوهُ لَمَا بَرَّ إلَّا بِالْجَمِيعِ، وَلِأَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ لَيْسَ لِلتَّعْمِيمِ؛ بَلْ لِبَيَانِ الْمُرَادِ بِالنَّكِرَةِ، فَإِنَّ النَّكِرَةَ فِيهَا أَمْرَانِ: النَّوْعُ، وَالْوَحْدَةُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يُذْكَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَرْأَةِ، فَيُرَادُ بِهِ النَّوْعُ، وَفِي مُقَابَلَةِ الرَّجُلَيْنِ فَيُفِيدُ الْوَحْدَةَ مَعَ النَّوْعِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْكُوفِيِّ وَغَيْرِهِ فَإِذَا قَالَ: كُوفِيًّا، احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلْوَحْدَةِ، فَلَا يُكَلِّمُ إلَّا وَاحِدًا كُوفِيًّا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلنَّوْعِ فَلَا يُكَلِّمُ إلَّا النَّوْعَ الْكُوفِيَّ فَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا اتَّبَعَ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالْمُتَّجَهُ حَمْلُهُ عَلَى الْوَحْدَةِ، وَيَحْنَثُ بِالِاثْنَيْنِ. وَقَدْ فَرَّعُوا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَسْأَلَةَ السَّابِقَةَ فِي: أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَكَ فَهُوَ حُرٌّ، فَضَرَبُوهُ جَمِيعًا عَتَقُوا، وَأَيُّ عَبْدِي ضَرَبْتَهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَضَرَبَهُمْ جَمِيعًا لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ وُصِفَ فِي الْأَوَّلِ بِالضَّرْبِ، وَهُوَ عَامٌّ، وَفِي الثَّانِي قُطِعَ عَنْ الْوَصْفِ، لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا أُضِيفَ إلَى الْمُخَاطَبِ لَا إلَى

стр. 1364

النَّكِرَةِ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا أَيْ، وَهُوَ عَجِيبٌ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْوَصْفِ النَّعْتَ النَّحْوِيَّ فَلَا نَعْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ، إذْ النَّكِرَةُ صِلَةٌ أَوْ شَرْطٌ، لِأَنَّ أَيًّا هُنَا مَوْصُولَةٌ أَوْ شَرْطِيَّةٌ بِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْوَصْفَ الْمَعْنَوِيَّ فَأَيُّ مَوْصُوفٍ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ كَمَا وُصِفَ فِي الْأُولَى بِالضَّارِبِيَّةِ لِلْمُخَاطَبِ، وُصِفَ فِي الثَّانِيَةِ بالمضروبية لَهُ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ وَصْفٌ، وَالثَّانِيَ قَطْعٌ عَنْ الْوَصْفِ تَحَكُّمٌ، إلَّا أَنَّ يَوْمًا فِي قَوْلِكَ: لَا أَقْرَبُكُمَا الْيَوْمَ، أَقْرَبُكُمَا فِيهِ عَامٌّ بِعُمُومِ الْوَصْفِ، مَعَ أَنَّهُ مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ. وَأَجَابَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ بِأَنَّ الضَّرْبَ قَائِمٌ بِالضَّارِبِ، فَلَا يَقُومُ بِالْمَضْرُوبِ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ بِشَخْصَيْنِ، بِخِلَافِ الزَّمَانِ فَإِنَّ الْفِعْلَ مُتَّصِلٌ بِهِ حَقِيقَةً، فَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ الْيَوْمُ عَامًّا بِهِ، وَأَيْضًا " الْمَفْعُولُ بِهِ " فَضْلَةٌ ثَبَتَ ضَرُورَةً، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي التَّعْمِيمِ بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ فِيهِ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِهِ، وَقَصَدَ وَصْفَهُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ. وَفِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الضَّرْبَ صِفَةٌ إضَافِيَّةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْفَاعِلِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ وَصْفٌ لَهُ، وَتَعَلُّقٌ بِالْمَفْعُولِ بِهِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ وَصْفٌ لَهُ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي قِيَامِ الْإِضَافَاتِ بِالْمُضَافَيْنِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ يَحْتَاجُ إلَى الْمَفْعُولِ فِي التَّعَقُّلِ وَالْوُجُودِ جَمِيعًا، وَإِلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ فِي الْوُجُودِ فَقَطْ، فَاتِّصَالُهُ بِالْأَوَّلِ أَشَدُّ، وَأَثَرُ الْمَفْعُولِ بِهِ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ فِي رَبْطِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ لَا فِي التَّعْمِيمِ، وَكَوْنُهُ ضَرُورِيًّا لَا يُنَافِي الرَّبْطَ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَاعِلُ أَيْضًا الضَّرُورَةُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي التَّعْمِيمِ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ فَضْلَةٍ لَا يُنَافِي الضَّرُورَةَ بَلْ يُؤَكِّدُهَا.

стр. 1365

[الثَّامِنَةُ مِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ لِلْعُمُومِ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ] ِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] فَهُوَ عَامٌّ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَقْتَضِي نَفْيَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، حَتَّى احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا عَلَى امْتِنَاعِ الْقِصَاصِ مِنْ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الِاسْتِوَاءَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَفَاهُ. وَخَالَفَتْ الْحَنَفِيَّةُ وَمَنَعُوا عُمُومَهُ، وَبِهِ قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ. وَوَافَقَهُمْ الْغَزَالِيُّ، وَصَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " وَ " الْمَحْصُولِ " لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ الْمُطْلَقِ لَا يَحْتَمِلُ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي جَانِبِ الثُّبُوتِ، أَمَّا فِي النَّفْيِ فَيَدُلُّ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْعَامِّ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْخَاصِّ وَهُوَ نَفْيُ الْحَقِيقَةِ الْعَامَّةِ، فَتَنْتَفِي جُزْئِيَّاتُهَا. وَمَأْخَذُ الْخِلَافِ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ فِي الْإِثْبَاتِ، هَلْ مَدْلُولُهَا لُغَةً: الْمُشَارَكَةُ فِي كُلِّ الْوُجُوهِ حَتَّى يَكُونَ اللَّفْظُ شَامِلًا؟ أَوْ مَدْلُولُهَا الْمُسَاوَاةُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ حَتَّى يَصْدُقَ بِأَيِّ وَجْهٍ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لَمْ يَكُنْ النَّفْيُ لِلْعُمُومِ؛ لِأَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيِّ الْمُوجَبِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي كَانَ لِلْعُمُومِ، لِأَنَّ نَقِيضَ الْجُزْئِيِّ الْمُوجَبِ كُلِّيٌّ سَالِبٌ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ صِيغَةَ " لَا يَسْتَوِي " عُمُومُ سَلْبِ التَّسْوِيَةِ أَوْ سَلْبُ عُمُومِ التَّسْوِيَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ شَيْءٍ مِنْ أَفْرَادِهَا، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْبَعْضِ. فَإِنْ قُلْت: فَهَذَا يُرَجِّحُ مَذْهَبَهُمْ، لِأَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ سَابِقٌ، وَهُوَ شَرْطٌ

стр. 1366

لِسَلْبِ الْعُمُومِ. قُلْت: الشَّرْطُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى لَفْظٍ عَامٍّ تَحْتَهُ مُتَعَدِّدٌ، فَإِذَا سُلِبَ عُمُومُهُ نُفِيَ الْحُكْمُ عَنْ بَعْضِ الْأَفْرَادِ، نَحْوُ: لَمْ أَضْرِبْ كُلَّ الرِّجَالِ، بِخِلَافِ لَا يَسْتَوِيَانِ، فَإِنَّ السَّلْبَ دَخَلَ عَلَى مَاهِيَّةِ الِاسْتِوَاءِ، وَالْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ لَا تَعَدُّدَ فِيهَا وَلَا اتِّحَادَ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ سَلْبِهَا شَيْءٌ يَثْبُتُ لَهُ الْحُكْمُ، فَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مِنْ بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ لَا سَلْبِ الْعُمُومِ. وَأَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى الْمَبَاحِثَ مُتَقَابِلَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَدَلَ عَنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَأَحَالَ الْعُمُومَ عَلَى النَّفْيِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ لَمَّا وَقَعَ فِي جَانِبِ النَّفْيِ كَانَ نَفْيًا لِمَصْدَرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، فَلِذَلِكَ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ النَّفْيِ، وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ. وَسَلَكَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ طَرِيقَةً أُخْرَى، فَحَكَى عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُجْمَلِ، لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ إذَا أُطْلِقَ فِيمَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ مُتَمَاثِلٌ بِالذَّاتِ إنَّمَا يَعْنِي بِهِ فِي بَعْضِ أَوْصَافِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ بَيِّنٍ مِنْ اللَّفْظِ، فَهُوَ مُجْمَلٌ؛ إذْ قَالَ: وَمَتَى عُقِّبَ هَذَا النَّوْعُ بِشَيْءٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِيهِ، وَجَبَ حَمْلُ أَوَّلِهِ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ، وَلِذَا قَالَ فِي آخِرِهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وَعَلَيْهِ جَرَى الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ. فَقَالَ: الْحَقُّ أَنَّ قَوْلَهُ: يَسْتَوِي أَوْ لَا يَسْتَوِي، مِنْ بَابِ الْمُجْمَلِ مِنْ الْمُتَوَاطِئِ، لَا مِنْ بَابِ الْعَامِّ، وَنَظِيرُهُ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] . وَنَظِيرُ هَذَا الْخِلَافِ خِلَافُ الْأُصُولِيِّينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] هَلْ هُوَ عَامٌّ حَتَّى يَخُصَّ مَا يَخُصُّ مِنْ

стр. 1367

الْأَحْكَامِ بِدَلِيلٍ، أَوْ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ ضَرُورَةَ مُسَاوَاتِهِمَا فِي الْإِنْسَانِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ قَاضِيًا وَلَا إمَامًا، وَلَا يَلْزَمُهَا الْجُمُعَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الثَّانِي. تَنْبِيهٌ هَذَا الْخِلَافُ فِي عُمُومِ الْمُسَاوَاةِ يَجْرِي فِي كَلِمَةِ مِثْلِ، بَلْ هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْمُشَابَهَةِ مِنْ لَفْظِ الْمُسَاوَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَفْظُ الْمِثْلِ دَالٌّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إلَّا فِيمَا لَا يَقَعُ التَّعَدُّدُ إلَّا بِهِ. [التَّاسِعَةُ إذَا وَقَعَ الْفِعْلُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوْ الشَّرْطِ] ِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَاصِرًا، فَهَلْ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الْمَصْدَرُ فَيَكُونُ نَفْيُهُ بِمَصْدَرِهِ، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَقْتَضِي الْعُمُومَ، أَمْ لَا؟ حَكَى الْقَرَافِيُّ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَعُمُّ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ فِي الْإِفَادَةِ " نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيِّ، حَيْثُ قَيَّدُوا الْخِلَافَ الْآتِيَ بِالْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي إذَا نُفِيَ هَلْ يَعُمُّ مَفَاعِيلَهُ؟ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّازِمَ لَا يَعُمُّ نَفْيَهُ وَلَا يَكُونُ نَفْيًا لِلْمَصْدَرِ. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَالْخِلَافُ فِيهِمَا عَلَى السَّوَاءِ، لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ حَيْثُ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا سَبَقَ، مَثَّلَ بِمَا إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ، أَوْ إنْ ضَرَبْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى الضَّرْبَ بِآلَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ إنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى مَكَانًا بِعَيْنِهِ، وَهُوَ يُخِلُّ بِتَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ، لِأَنَّ الضَّرْبَ وَالْخُرُوجَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ إلَى الْآلَةِ وَالْمَكَانِ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ

стр. 1368

الْمُتَعَدِّي إلَى مَفْعُولٍ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْحَرْفِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ الْحَرْفُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَحِينَئِذٍ فَيَشْمَلُ الْخِلَافُ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا، ثُمَّ إنَّهُ أُطْلِقَ الْفِعْلُ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْوَاقِعِ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ أَوْ الشَّرْطِ لَا الْإِثْبَاتِ فَتَفَطَّنْ لَهُ، وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ فِي قُوَّةِ نَفْيِ الْمَصْدَرِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ؛ بَلْ أَنْزَلَ مِنْهُ دَرَجَةً. وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُمُّ كَمَا فِي نَفْيِ الْمَصْدَرِ، مِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] الْآيَةَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ النَّفْيَ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ لِلْعُمُومِ، وَأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ أَنَّهُ نَفْيٌ كَمَا لَوْ قَالَ: لَا حَيَاةَ وَلَا مَوْتَ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يُطَلِّقُ حَنِثَ بِأَيِّ بَيْعٍ كَانَ، وَأَيِّ طَلَاقٍ كَانَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ إلَّا نَفْيُ أَفْرَادِ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ الطَّلَاقِ، وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَفْيُ الْفِعْلِ حَقِيقَةً فِي عُمُومِ نَفْيِ جَمِيعِ الْمَصَادِرِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا وَوَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوْ الشَّرْطِ، وَلَمْ يُصَرَّحْ بِمَفْعُولِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى مَفْعُولٍ، لَا وَاحِدٍ، وَلَا أَكْثَرَ، فَهَلْ يَكُونُ عَامًّا فِيهَا أَمْ لَا؟ كَمَا إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتُ، أَوْ لَا آكُلُ، أَوْ إنْ أَكَلْتُ فَعَلَيَّ كَذَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ عَامٌّ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعُمُّ وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ،

стр. 1369

وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ مِنَّا، وَجَعَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ اللَّازِمَةِ، نَحْوُ يُعْطِي وَيَمْنَعُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى مَفْعُولٍ لَا بِالْعُمُومِ وَلَا بِالْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَمَّا لَمْ تُقْصَدْ مَفْعُولَاتُهَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ قُصِدَ بِهَا مَاهِيَّاتُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ؛ بَلْ وَعَنْ الْقُيُودِ الْمَكَانِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ. وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ أَنَّ أَصْلَ وَضْعِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ لِتَدُلَّ عَلَى مَاهِيَّاتٍ مُقَيَّدَةٍ بِالْمَحَالِّ الَّتِي هِيَ الْمَفْعُولَاتُ كَمَا وُضِعَتْ لِتَدُلَّ عَلَى الْفَاعِلِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ يُحْذَفُ الْفَاعِلُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لَهُ الْفِعْلُ، كَمَا فَعَلُوا فِي بَابِ إعْمَالِ الْمَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ - يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي التَّخْصِيصِ بِالنِّيَّةِ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا لَوْ نَوَى بِهِ مَأْكُولًا مُعَيَّنًا قُبِلَ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ غَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ، وَقَبُولُ الْعَامِّ لِلتَّخْصِيصِ بِبَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ كَسَائِرِ الْعُمُومَاتِ، فَصَحَّ أَنْ يَنْوِيَ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَا كَانَ أَصْلًا لَهَا مَعَ كَوْنِهِ مَحْذُوفًا لَفْظًا؛ لِأَنَّهَا صَالِحَةٌ لَهُ وَضْعًا، وَلَا يُقْبَلُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْعُمُومِ وَلَا عُمُومَ. وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأَيْمَانِ " لَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فِي الدُّنْيَا، وَنَوَى الْبَلَدَ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ أَوْ لَا، إذْ لَيْسَ بِمُسَاكَنَةٍ، فَلَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ؟ وَجْهَانِ. وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِتَعْمِيمِهِ قَالُوا: إنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ عَلَى جِهَةِ الْجَمْعِ، بَلْ عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ. قَالَ: وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا الْمَاهِيَّةَ مُقَيَّدَةً، وَلَا يَنْبَغِي لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُنَازِعَهُ. قَالَ: وَإِذَا الْتَفَتَ إلَى هَذَا ارْتَفَعَ الْخِلَافُ. وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: نَظَرُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَقِيقٌ، لِأَنَّ

стр. 1370

النِّيَّةَ لَوْ صَحَّتْ لَصَحَّتْ إمَّا فِي الْمَلْفُوظِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمَلْفُوظَ هُوَ الْأَكْلُ وَهُوَ مَاهِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّعَدُّدَ فَلَا تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، فَإِنْ أُخِذَتْ مَعَ قُيُودٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهَا تَعَدَّدَتْ، وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ مُحْتَمِلَةً لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ تِلْكَ الزَّوَائِدُ غَيْرُ مَلْفُوظٍ بِهَا فَالْمَجْمُوعُ الْحَاصِلُ مِنْ الْمَاهِيَّةِ غَيْرُ مَلْفُوظٍ، فَيَكُونُ الْقَابِلُ لِنِيَّةِ التَّخْصِيصِ شَيْئًا غَيْرَ مَلْفُوظٍ، وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ إنْ جَازَ عَقْلًا لَكِنَّهُ بَاطِلٌ شَرْعًا، لِأَنَّ إضَافَةَ مَاهِيَّةِ الْأَكْلِ إلَى الْخُبْزِ تَارَةً وَإِلَى غَيْرِهِ أُخْرَى إضَافَاتٌ تَعْرِضُ لَهَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَفْعُولِ فِيهِ. وَإِضَافَتُهَا إلَى هَذَا الْيَوْمِ وَذَاكَ وَهَذَا الْمَوْضِعِ وَذَاكَ إضَافَاتٌ عَارِضَةٌ لَهَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَفْعُولِ فِيهِ، ثُمَّ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى التَّخْصِيصَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لَمْ يَصِحَّ، فَكَذَا التَّخْصِيصُ بِالْمَفْعُولِ بِهِ، وَالْجَامِعُ رِعَايَةُ الِاحْتِيَاطِ فِي تَعْظِيمِ التَّمْيِيزِ. هَذَا كَلَامُهُ. وَالنَّظَرُ الدَّقِيقُ إنَّمَا هُوَ لِأَصْحَابِنَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مَدْخُولٌ، وَقَوْلُهُ: الْأَكْلُ مَاهِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّعَدُّدَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ مَعَ قَرِينَةِ دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى التَّعَدُّدِ، سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَلْفُوظَ لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ فَغَيْرُ الْمَلْفُوظِ يَقْبَلُهُ. وَأُجِيبَ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِالْمَنْعِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ النِّيَّةِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، كَمَا يَجُوزُ بِالْمَأْكُولِ الْمُعَيَّنِ بِلَا خِلَافٍ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت شَهْرًا، أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُقْبَلُ مِنْهُ، بِلَا فَرْقٍ.
следующие страницы →