Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
لِسَلْبِ الْعُمُومِ. قُلْت: الشَّرْطُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى لَفْظٍ عَامٍّ تَحْتَهُ مُتَعَدِّدٌ، فَإِذَا سُلِبَ عُمُومُهُ نُفِيَ الْحُكْمُ عَنْ بَعْضِ الْأَفْرَادِ، نَحْوُ: لَمْ أَضْرِبْ كُلَّ الرِّجَالِ، بِخِلَافِ لَا يَسْتَوِيَانِ، فَإِنَّ السَّلْبَ دَخَلَ عَلَى مَاهِيَّةِ الِاسْتِوَاءِ، وَالْمَاهِيَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ لَا تَعَدُّدَ فِيهَا وَلَا اتِّحَادَ، فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ سَلْبِهَا شَيْءٌ يَثْبُتُ لَهُ الْحُكْمُ، فَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مِنْ بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ لَا سَلْبِ الْعُمُومِ.
وَأَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى الْمَبَاحِثَ مُتَقَابِلَةً مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَدَلَ عَنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَأَحَالَ الْعُمُومَ عَلَى النَّفْيِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ لَمَّا وَقَعَ فِي جَانِبِ النَّفْيِ كَانَ نَفْيًا لِمَصْدَرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، فَلِذَلِكَ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ النَّفْيِ، وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ.
وَسَلَكَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ طَرِيقَةً أُخْرَى، فَحَكَى عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمُجْمَلِ، لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ إذَا أُطْلِقَ فِيمَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ مُتَمَاثِلٌ بِالذَّاتِ إنَّمَا يَعْنِي بِهِ فِي بَعْضِ أَوْصَافِهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ بَيِّنٍ مِنْ اللَّفْظِ، فَهُوَ مُجْمَلٌ؛ إذْ قَالَ: وَمَتَى عُقِّبَ هَذَا النَّوْعُ بِشَيْءٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِيهِ، وَجَبَ حَمْلُ أَوَّلِهِ عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْفَوْزِ بِالْجَنَّةِ، وَلِذَا قَالَ فِي آخِرِهِ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وَعَلَيْهِ جَرَى الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ.
فَقَالَ: الْحَقُّ أَنَّ قَوْلَهُ: يَسْتَوِي أَوْ لَا يَسْتَوِي، مِنْ بَابِ الْمُجْمَلِ مِنْ الْمُتَوَاطِئِ، لَا مِنْ بَابِ الْعَامِّ، وَنَظِيرُهُ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] .
وَنَظِيرُ هَذَا الْخِلَافِ خِلَافُ الْأُصُولِيِّينَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] هَلْ هُوَ عَامٌّ حَتَّى يَخُصَّ مَا يَخُصُّ مِنْ
стр. 1367
الْأَحْكَامِ بِدَلِيلٍ، أَوْ مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ ضَرُورَةَ مُسَاوَاتِهِمَا فِي الْإِنْسَانِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَكُونُ قَاضِيًا وَلَا إمَامًا، وَلَا يَلْزَمُهَا الْجُمُعَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ بِخِلَافِ الثَّانِي. تَنْبِيهٌ
هَذَا الْخِلَافُ فِي عُمُومِ الْمُسَاوَاةِ يَجْرِي فِي كَلِمَةِ مِثْلِ، بَلْ هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْمُشَابَهَةِ مِنْ لَفْظِ الْمُسَاوَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَفْظُ الْمِثْلِ دَالٌّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إلَّا فِيمَا لَا يَقَعُ التَّعَدُّدُ إلَّا بِهِ.
[التَّاسِعَةُ إذَا وَقَعَ الْفِعْلُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوْ الشَّرْطِ]
ِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَاصِرًا، فَهَلْ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الْمَصْدَرُ فَيَكُونُ نَفْيُهُ بِمَصْدَرِهِ، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَقْتَضِي الْعُمُومَ، أَمْ لَا؟ حَكَى الْقَرَافِيُّ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَعُمُّ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ فِي الْإِفَادَةِ " نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْآمِدِيَّ وَالْهِنْدِيِّ، حَيْثُ قَيَّدُوا الْخِلَافَ الْآتِيَ بِالْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي إذَا نُفِيَ هَلْ يَعُمُّ مَفَاعِيلَهُ؟ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّازِمَ لَا يَعُمُّ نَفْيَهُ وَلَا يَكُونُ نَفْيًا لِلْمَصْدَرِ.
وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَالْخِلَافُ فِيهِمَا عَلَى السَّوَاءِ، لَكِنَّ الْغَزَالِيَّ حَيْثُ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ بِمَا سَبَقَ، مَثَّلَ بِمَا إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ، أَوْ إنْ ضَرَبْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى الضَّرْبَ بِآلَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ إنْ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَنَوَى مَكَانًا بِعَيْنِهِ، وَهُوَ يُخِلُّ بِتَرْجَمَةِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَهُ الْهِنْدِيُّ، لِأَنَّ الضَّرْبَ وَالْخُرُوجَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ إلَى الْآلَةِ وَالْمَكَانِ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ
стр. 1368
الْمُتَعَدِّي إلَى مَفْعُولٍ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْحَرْفِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ الْحَرْفُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَحِينَئِذٍ فَيَشْمَلُ الْخِلَافُ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا، ثُمَّ إنَّهُ أُطْلِقَ الْفِعْلُ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْوَاقِعِ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ أَوْ الشَّرْطِ لَا الْإِثْبَاتِ فَتَفَطَّنْ لَهُ، وَذَكَرَ الْهِنْدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ فِي قُوَّةِ نَفْيِ الْمَصْدَرِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ؛ بَلْ أَنْزَلَ مِنْهُ دَرَجَةً.
وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَعُمُّ كَمَا فِي نَفْيِ الْمَصْدَرِ، مِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى: ١٣] ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] ﴿إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] الْآيَةَ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ النَّفْيَ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ لِلْعُمُومِ، وَأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ أَنَّهُ نَفْيٌ كَمَا لَوْ قَالَ: لَا حَيَاةَ وَلَا مَوْتَ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يُطَلِّقُ حَنِثَ بِأَيِّ بَيْعٍ كَانَ، وَأَيِّ طَلَاقٍ كَانَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ إلَّا نَفْيُ أَفْرَادِ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ الطَّلَاقِ، وَالْأَصْلُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ نَفْيُ الْفِعْلِ حَقِيقَةً فِي عُمُومِ نَفْيِ جَمِيعِ الْمَصَادِرِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا وَوَقَعَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوْ الشَّرْطِ، وَلَمْ يُصَرَّحْ بِمَفْعُولِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى مَفْعُولٍ، لَا وَاحِدٍ، وَلَا أَكْثَرَ، فَهَلْ يَكُونُ عَامًّا فِيهَا أَمْ لَا؟ كَمَا إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتُ، أَوْ لَا آكُلُ، أَوْ إنْ أَكَلْتُ فَعَلَيَّ كَذَا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ عَامٌّ فِيهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعُمُّ وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ،
стр. 1369
وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ مِنَّا، وَجَعَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ بَابِ الْأَفْعَالِ اللَّازِمَةِ، نَحْوُ يُعْطِي وَيَمْنَعُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى مَفْعُولٍ لَا بِالْعُمُومِ وَلَا بِالْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَمَّا لَمْ تُقْصَدْ مَفْعُولَاتُهَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ قُصِدَ بِهَا مَاهِيَّاتُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ الْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ؛ بَلْ وَعَنْ الْقُيُودِ الْمَكَانِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ.
وَحُجَّةُ الْأَوَّلِينَ أَنَّ أَصْلَ وَضْعِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ لِتَدُلَّ عَلَى مَاهِيَّاتٍ مُقَيَّدَةٍ بِالْمَحَالِّ الَّتِي هِيَ الْمَفْعُولَاتُ كَمَا وُضِعَتْ لِتَدُلَّ عَلَى الْفَاعِلِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ يُحْذَفُ الْفَاعِلُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لَهُ الْفِعْلُ، كَمَا فَعَلُوا فِي بَابِ إعْمَالِ الْمَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ - يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي التَّخْصِيصِ بِالنِّيَّةِ، فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا لَوْ نَوَى بِهِ مَأْكُولًا مُعَيَّنًا قُبِلَ، وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ غَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى عُمُومِ لَفْظِهِ، وَقَبُولُ الْعَامِّ لِلتَّخْصِيصِ بِبَعْضِ مَدْلُولَاتِهِ كَسَائِرِ الْعُمُومَاتِ، فَصَحَّ أَنْ يَنْوِيَ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَا كَانَ أَصْلًا لَهَا مَعَ كَوْنِهِ مَحْذُوفًا لَفْظًا؛ لِأَنَّهَا صَالِحَةٌ لَهُ وَضْعًا، وَلَا يُقْبَلُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْعُمُومِ وَلَا عُمُومَ.
وَقَدْ قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأَيْمَانِ " لَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فِي الدُّنْيَا، وَنَوَى الْبَلَدَ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ أَوْ لَا، إذْ لَيْسَ بِمُسَاكَنَةٍ، فَلَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ؟ وَجْهَانِ.
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِتَعْمِيمِهِ قَالُوا: إنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ عَلَى جِهَةِ الْجَمْعِ، بَلْ عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ. قَالَ: وَهَؤُلَاءِ أَخَذُوا الْمَاهِيَّةَ مُقَيَّدَةً، وَلَا يَنْبَغِي لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يُنَازِعَهُ. قَالَ: وَإِذَا الْتَفَتَ إلَى هَذَا ارْتَفَعَ الْخِلَافُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: نَظَرُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ دَقِيقٌ، لِأَنَّ
стр. 1370
النِّيَّةَ لَوْ صَحَّتْ لَصَحَّتْ إمَّا فِي الْمَلْفُوظِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمَلْفُوظَ هُوَ الْأَكْلُ وَهُوَ مَاهِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّعَدُّدَ فَلَا تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، فَإِنْ أُخِذَتْ مَعَ قُيُودٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهَا تَعَدَّدَتْ، وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ مُحْتَمِلَةً لِلتَّخْصِيصِ، لَكِنْ تِلْكَ الزَّوَائِدُ غَيْرُ مَلْفُوظٍ بِهَا فَالْمَجْمُوعُ الْحَاصِلُ مِنْ الْمَاهِيَّةِ غَيْرُ مَلْفُوظٍ، فَيَكُونُ الْقَابِلُ لِنِيَّةِ التَّخْصِيصِ شَيْئًا غَيْرَ مَلْفُوظٍ، وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي، وَهُوَ إنْ جَازَ عَقْلًا لَكِنَّهُ بَاطِلٌ شَرْعًا، لِأَنَّ إضَافَةَ مَاهِيَّةِ الْأَكْلِ إلَى الْخُبْزِ تَارَةً وَإِلَى غَيْرِهِ أُخْرَى إضَافَاتٌ تَعْرِضُ لَهَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَفْعُولِ فِيهِ. وَإِضَافَتُهَا إلَى هَذَا الْيَوْمِ وَذَاكَ وَهَذَا الْمَوْضِعِ وَذَاكَ إضَافَاتٌ عَارِضَةٌ لَهَا بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَفْعُولِ فِيهِ، ثُمَّ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَوَى التَّخْصِيصَ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ لَمْ يَصِحَّ، فَكَذَا التَّخْصِيصُ بِالْمَفْعُولِ بِهِ، وَالْجَامِعُ رِعَايَةُ الِاحْتِيَاطِ فِي تَعْظِيمِ التَّمْيِيزِ. هَذَا كَلَامُهُ.
وَالنَّظَرُ الدَّقِيقُ إنَّمَا هُوَ لِأَصْحَابِنَا، وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مَدْخُولٌ، وَقَوْلُهُ: الْأَكْلُ مَاهِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّعَدُّدَ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ مَعَ قَرِينَةِ دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى التَّعَدُّدِ، سَلَّمْنَا أَنَّ الْمَلْفُوظَ لَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ فَغَيْرُ الْمَلْفُوظِ يَقْبَلُهُ.
وَأُجِيبَ عَمَّا ذَكَرَهُ مِنْ الْقِيَاسِ بِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: بِالْمَنْعِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ النِّيَّةِ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، كَمَا يَجُوزُ بِالْمَأْكُولِ الْمُعَيَّنِ بِلَا خِلَافٍ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: إنْ كَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت شَهْرًا، أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُقْبَلُ مِنْهُ، بِلَا فَرْقٍ.
стр. 1371
وَثَانِيهَا: أَنَّ قِيَاسَ الْمَفْعُولِ بِهِ عَلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ ظَاهِرُ التَّعَسُّفِ، لِأَنَّ الْمَفْعُولَ بِهِ مِنْ مُقَوِّمَاتِ الْفِعْلِ فِي الْوُجُودِ، لِأَنَّ أَكْلًا بِلَا مَأْكُولٍ مُحَالٌ، وَكَذَا فِي الذِّهْنِ فَهْمُ مَاهِيَّةِ الْأَكْلِ دُونَ الْمَأْكُولِ مُسْتَحِيلٌ، فَإِلْزَامُ الْأَكْلِ لِلْمَأْكُولِ وَاضِحٌ.
وَأَمَّا الزَّمَانُ وَالْمَكَانُ فَلَيْسَا مِنْ لَوَازِمِ مَاهِيَّةِ الْفِعْلِ، وَلَا مِنْ مُقَوِّمَاتِهِ، بَلْ هُمَا مِنْ لَوَازِمِ الْفَاعِلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ دَلَالَةَ الْفِعْلِ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى فِي تَعْلِيقِهِ: الْخِلَافُ الْمَفْهُومُ مِنْ اللَّفْظِ مُنْحَصِرٌ فِي ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ كَاسْمِ الْبَيْتِ لِلْبَيْتِ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ، وَمَا تَضَمَّنَهُ كَدَلَالَةِ اسْمِ الْبَيْتِ عَلَى السَّقْفِ وَالْحَائِطِ، وَمَا لَزِمَهُ لِضَرُورَةِ الْوُجُودِ، كَكَوْنِهِ ذَا ظِلٍّ وَاقِعٍ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
فَمِثَالُ الْأَوَّلِ: دَلَالَةُ لَفْظِ الْأَيْمَانِ عَلَى مَعْنَاهُ. وَمِثَالُ الثَّانِي: دَلَالَةُ الطَّلَاقِ عَلَى الْمُطَلِّقِ وَالْمُطَلِّقَةِ. وَمِثَالُ الثَّالِثِ: دَلَالَتُهُ عَلَى زَمَانِ الطَّلَاقِ وَمَكَانِ الْمُطَلِّقِ.
أَمَّا الْمَوْضُوعُ فَيَحْتَمِلُ النِّيَّةَ بِالْإِجْمَاعِ كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَالْقُرْءِ إذَا نَوَى بِهِ مُسَمَّيَاتِهِ، وَأَمَّا اللَّازِمُ فَلَا يَحْتَمِلُهَا كَمَا إذَا نَوَى زَمَانَ الطَّلَاقِ وَمَكَانَهُ، وَأَمَّا الْمَدْلُولُ فَمَحَلُّ الْخِلَافِ، وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي أَنَّ مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا آكُلُ وَنَوَى بَعْضَ الْمَأْكُولَاتِ، هَلْ يُخَصُّ بِهِ يَمِينُهُ، فَإِنَّ الْمَأْكُولَاتِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَكْلُ كَثِيرَةٌ وَغَيْرُ مَلْفُوظَةٍ وَضْعًا؟ وَهَلْ يَقُومُ عُمُومُ الْمَدْلُولِ مَقَامَ عُمُومِ اللَّفْظِ حَتَّى يَحْتَمِلَ التَّخْصِيصَ بِنِيَّتِهِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ تَعْيِينَ زَمَانِ الْأَكْلِ لَغْوٌ فِي نِيَّتِهِ، وَالصَّحِيحُ إلْحَاقُ الْمَدْلُولِ بِالْمَوْضُوعِ، فَإِنَّهُ مُرَادُ اللَّافِظِ بِلَفْظِهِ، فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِنِيَّتِهِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمُقْتَضَى؛
стр. 1372
فَإِنَّمَا يُضْمَرُ لِضَرُورَةٍ لِصِحَّةِ الْكَلَامِ أَوْ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ عَلَيْهِ تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت أَوْ أَكَلْت أَوْ شَرِبْت أَوْ سَكَنْت أَوْ لَبِسْت أَوْ اغْتَسَلْت، وَنَوَى شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ لَا يُصَدَّقُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ لَا عُمُومَ لَهُ
قَالَ السُّرُوجِيُّ: قَدْ قَالَ: أَصْحَابُنَا فِي تَخْصِيصِ الْفِعْلِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: إذَا قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك، وَنَوَى الثَّلَاثَ صَحَّتْ نِيَّتُهُ، وَإِذَا قَالَ: إنْ خَرَجْت، وَنَوَى السَّفَرَ صُدِّقَ، وَإِذَا قَالَ: إنْ سَاكَنْتُك فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَنَوَى أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتٍ مِنْهَا غَيْرَ مُعَيِّنٍ صُدِّقَ. وَإِذَا قَالَ: إنْ اشْتَرَيْت، وَنَوَى الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ صُدِّقَ.
قَالَ: وَوَجْهُ خُرُوجِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك، الْمَصْدَرُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، أَيْ افْعَلِي فِعْلَ الطَّلَاقِ، وَالْمَحْذُوفُ لَهُ عُمُومٌ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ اللُّغَةِ لَا مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ إدْخَالِ الْمَصْدَرِ فِي الْوُجُودِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ طَلَبُ الْفِعْلِ مِنْ الْفَاعِلِ الْمُخَاطَبِ، بِخِلَافِ حَرْفِ الْمُضَارَعَةِ، وَهُوَ فِعْلٌ فِيهِ طَلَبُ الْمَصْدَرِ وَإِدْخَالُهُ فِي الْوُجُودِ، فَكَانَ أَدَلَّ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مُجَرَّدِ الْفِعْلِ كَالْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ. قَالَ: وَبِالتَّخْرِيجِ الثَّانِي أَجَبْت قَاضِيَ الْقُضَاةِ تَقِيَّ الدِّينِ بْنَ رَزِينٍ الشَّافِعِيَّ
стр. 1373
لَمَّا سَأَلَنِي عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ طَلَّقْتُك وَطَلِّقِي نَفْسَك. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إنْ خَرَجْتُ، أَنَّ بِهَذَا الْفِعْلِ شُيُوعًا يُقَالُ: خَرَجَ فُلَانٌ إلَى السَّفَرِ، وَخَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ وَدَارِهِ مِنْ غَيْرِ سَفَرٍ، فَكَانَ السَّفَرُ يَحْتَمِلُ كَلَامَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْمُسَاكَنَةِ فَالْمُفَاعَلَةُ تَقَعُ مِنْ اثْنَيْنِ فِي الدَّارِ، وَهِيَ فِي بَيْتٍ مِنْهَا أَكْمَلُ، فَقَدْ نَوَى النَّوْعَ الْكَامِلَ فَيُصَدَّقُ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الشِّرَاءِ، فَالشِّرَاءُ أَصَالَةً هُوَ الْأَصْلُ، فَكَانَ أَقْوَى، فَجَازَ تَخْصِيصُهُ مِنْ اشْتَرَيْت، وَنَظِيرُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ: لَا يَتَزَوَّجُ، وَنَوَى عَرَبِيَّةً أَوْ حَبَشِيَّةً دِينَ فِي الْجِنْسِ، وَلَوْ نَوَى كُوفِيَّةً أَوْ بَصْرِيَّةً لَا يُقْبَلُ، لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْمَكَانِ قَلَّمَا يُعْتَبَرُ.
الثَّانِي: أَنَّ الْغَزَالِيَّ حَكَى عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ رَدُّوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ إلَى أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُقْتَضَى، وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ فِي تَقْدِيرِ مَا يَصِحُّ بِهِ الْكَلَامُ فَكَذَلِكَ هَذِهِ، كَمَا أَنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ ﵇: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» يَسْتَدْعِي مُقَدَّرًا لِيَصِحَّ بِهِ الْكَلَامُ، ثُمَّ رَدَّ الْغَزَالِيُّ هَذَا بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَصْدَرَ فِي الْمُقْتَضَى إنَّمَا هُوَ لِيَتِمَّ الْكَلَامُ بِهِ وَيَكُونَ مُفِيدًا، وَلَا كَذَلِكَ الْمَفْعُولُ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِصِيغَتِهِ وَوَضْعِهِ، فَالْأَكْلُ يَدُلُّ عَلَى الْمَأْكُولِ.
وَهَذَا صَحِيحٌ أَعْنِي دَلَالَةَ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَأْكُولِ مُطْلَقًا، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ مُقْتَضَاهُ لَا مِنْ جِهَةِ صِيغَتِهِ، وَقَوْلُهُ: إنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ يَدُلُّ عَلَى الْمَفْعُولِ بِصِيغَتِهِ وَوَضْعِهِ مَمْنُوعٌ، فَقَدْ قَالَ النَّحْوِيُّونَ: الْأَفْعَالُ كُلُّهَا الْمُتَعَدِّيَةُ [وَغَيْرُهَا] تَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالْفَاعِلِ وَظَرْفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْحَالِ
стр. 1374
وَالْمَفْعُولِ مِنْ أَجْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَتَدُلُّ الْمُتَعَدِّيَةُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ، لَكِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الْأَشْيَاءِ تَخْتَلِفُ، فَدَلَالَتُهَا عَلَى الْمَصْدَرِ وَظَرْفِ الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ دَلَالَةٌ بِالْوَضْعِ، لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ بِلَفْظِهَا، وَعَلَى ظَرْفِ الزَّمَانِ الْمُعَيَّنِ بِصِيغَتِهَا، وَدَلَالَتُهَا عَلَى الْبَاقِي بِالْمُقْتَضَى لَا بِالْوَضْعِ، ثُمَّ إنْ دَلَّتْ عَلَى الْمَصْدَرِ بِالْوَضْعِ، فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، كَدَلَالَةِ أَكَلَ وَيَأْكُلُ عَلَى الْأَكْلِ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى أَنْوَاعِ الْأَكْلِ كَالْخَضْمِ وَالْقَضْمِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَشْخَاصِ أَنْوَاعِهِ كَخَضْمِ زَيْدٍ وَقَضْمِ عَمْرٍو، فَدَلَالَتُهَا عَلَى الْمَصْدَرِ الْمُطْلَقِ وَعَلَى تَفَاصِيلِهِ مُجْمَلٌ، وَلِذَلِكَ تَدُلُّ بِصِيغَتِهَا عَلَى الزَّمَانِ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ مُطْلَقًا، كَدَلَالَةِ أَكَلَ عَلَى الْمَاضِي، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَمْسِ الْمُعَيَّنِ وَعَامِ أَوَّلٍ، وَدَلَالَةُ يَأْكُلُ عَلَى الْمُضَارِعِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى الْيَوْمِ وَغَدًا، فَدَلَالَتُهَا عَلَى الْمَاضِي الْمُطْلَقِ أَوْ الْمُضَارِعِ الْمُطْلَقِ نَصٌّ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى أَجْزَاءِ كُلٍّ مِنْهَا مُجْمَلٌ.
وَقَدْ أُورِدَ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ مَوَاقِفَهُمْ عَلَى نِيَّةِ التَّخْصِيصِ فِيمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْمَصْدَرِ، فَقَالَ: لَا آكُلُ أَكْلًا، فَالْفِعْلُ دَالٌّ عَلَيْهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ التَّصْرِيحِ بِهِ وَعَدَمِهِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْمَصْدَرَ الثَّابِتَ لُغَةٌ فِي قَوْلِهِ: لَا آكُلُ هُوَ الدَّالُّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ لَا عَلَى الْأَفْرَادِ، بِخِلَافِ لَا آكُلُ أَكْلًا، فَإِنَّهُ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ الْعُمُومِ، فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالنِّيَّةِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُمْ حَنَّثُوهُ بِكُلِّ أَكْلٍ فِيمَا إذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَصْدَرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لَمَا تَوَجَّهَ ذَلِكَ، وَغَايَةُ مَا قَالُوا فِي تَوْجِيهِهِ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا آكُلُ مَعْنَاهُ لَا أُوجِدُ مَاهِيَّةَ الْآكِلِ، وَهُوَ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ الْقَرَافِيُّ عَلَى فَرْقِ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّ مَنْعَ عُمُومِ الْمُقْتَضَى لِأَجْلِ أَنَّ صِحَّةَ الْكَلَامِ يَتِمُّ بِتَقْدِيرٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ، فَلَا عُمُومَ، وَهَكَذَا يُقَالُ فِي هَذِهِ الْمَفَاعِيلِ، وَهَذَا لَا يَجِيءُ عَلَى طَرِيقَةِ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى مَفْعُولٍ أَلْبَتَّةَ، ثُمَّ هُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ.
стр. 1375
فَوَائِدُ
الْكَلَامُ الْمُطْلَقُ إذَا نُوِيَ بِهِ مُقَيَّدٌ، كَالْكَلَامِ فِي الْعَامِّ إذَا نُوِيَ بِهِ الْخَاصُّ، وَقَدْ رَدَّهُ الْقَرَافِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى الْمُطْلَقِ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِ أَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَمْكِنَةِ. قَالَ: فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ هَلْ يَجُوزُ فِي غَيْرِ الْمَلْفُوظِ أَيْ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْتِزَامًا أَمْ لَا؟ وَقَدْ سَبَقَ رَدُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
[مَسْأَلَةٌ إفَادَةُ الْمَصْدَرِ الْعُمُومَ]
قِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الْمَصْدَرِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِيعَابِ الْأَفْرَادِ، وَحَكَاهُ فِي " الْمَحْصُولِ " فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ غَالِبٌ فِي اللُّغَاتِ عَنْ ابْنِ جِنِّي وَهُوَ بَعِيدٌ؛ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ مُسْتَغْرِقٌ بِاعْتِبَارِ الصَّلَاحِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْجَمْعِ الْمُنْكَرِ.
وَزَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْعِرُ بِعُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ، قَالَ: مَنْ قَالَ إنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ فَقَدْ زَلَّ، لِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْفِعْلِ عَلَى رَأْيٍ، أَوْ الْفِعْلُ مِنْهُ عَلَى آخَرَ، وَيَسْتَحِيلُ تَخَيُّلُ الْعُمُومِ فِي الْفِعْلِ، وَلَوْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرِينَةُ عُمُومٍ، فَالْعُمُومُ مِنْهَا لَا مِنْهُ، كَمَا لَوْ اقْتَرَنَتْ بِالْفِعْلِ، وَأَوْرَدَ أَنَّ وَصْفَهُ بِالْكَثْرَةِ نَحْوُ ضَرْبًا كَثِيرًا يَقْتَضِي أَنَّهَا أَحَدُ مَحْمَلَيْهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، وَالْمَوْصُوفُ لَا يُشْعِرُ بِالصِّفَةِ.
стр. 1376
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: أَمَّا كَوْنُهُ غَيْرَ مُشْعِرٍ بِالْجَمْعِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ صَالِحًا لِلْإِشْعَارِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَاخْتَارَ الْإِمَامُ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِوَاحِدٍ أَوْ جَمْعٍ، وَتَمَسَّكَ بِاعْتِذَارِ سِيبَوَيْهِ عَنْ قَوْلِهِمْ: ضَرَبْته ضَرْبًا كَثِيرًا، نَعْتٌ لِلضَّرْبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي الضَّرْبِ التَّعَدُّدُ، وَالْمَنْعُوتُ لَا يُشْعِرُ بِنَعْتِهِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ: رَأَيْت رَجُلًا عَالِمًا، فَإِنَّ لَفْظَةَ " رَجُلٍ " لَا تُشْعِرُ بِعَالَمٍ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ خَرُوفٍ ذَلِكَ. وَقَالَ: هَذَا لَمْ يَقُلْهُ سِيبَوَيْهِ، وَلَا هُوَ مَذْهَبُهُ.
قُلْت: وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ مِنْ أَصْحَابِنَا: إذَا قُلْت: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ، فَإِنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا إلَّا طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يَزِيدُ بِهِ الْكَلَامُ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ لِلتَّأْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: ضَرَبْت زَيْدًا ضَرْبًا، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ مَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ فَيَقَعُ مَا نَوَاهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَأْتِ بِالْمَصْدَرِ. انْتَهَى. تَنْبِيهٌ [إفَادَةُ الْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ صِلَةً لِمَوْصُولٍ حَرْفِيٍّ الْعُمُومَ]
مَا أَطْلَقُوهُ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِغْرَاقِهِ فِي حَيِّزِ الْإِثْبَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ نَكِرَةٌ، وَقَدْ نَقَلَ الزَّجَّاجِيُّ فِي الْإِيضَاحِ إجْمَاعَ النَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ نَكِرَاتٌ، وَلِهَذَا امْتَنَعَ الْإِضَافَةُ إلَيْهَا لِانْتِفَاءِ فَائِدَةِ الْإِضَافَةِ. وَلْيُتَفَطَّنَ لِفَائِدَةٍ حَسَنَةٍ، وَهِيَ إنَّمَا هَذَا فِي غَيْرِ الْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ جُمْلَةً لِمَوْصُولٍ حَرْفِيٍّ، أَمَّا الْمَذْكُورَاتُ فَإِنَّهَا لِلْعُمُومِ، لِأَنَّك إذَا قُلْت أَعْجَبَنِي أَنْ قَامَ زَيْدٌ، فَمَعْنَاهُ قِيَامُهُ فَهُوَ اسْمٌ فِي الْمَعْنَى فَيَجْرِي عَلَى حُكْمِ اسْمِ الْجِنْسِ الْمُضَافِ، وَهَذَا يَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ وَالْبَيَانِيِّينَ.
стр. 1377
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَرَاتِبِ الصِّيَغِ]
زَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ أَنَّ أَعْلَاهَا أَسْمَاءُ الشَّرْطِ، وَالنَّكِرَةُ فِي النَّفْيِ، وَادَّعَى الْقَطْعَ بِوَضْعِ ذَلِكَ الْعُمُومِ، وَأَنَّ عِلْمَهُ بِذَلِكَ تَسْمِيَةٌ خَارِجَةٌ مَخْصُوصَةٌ رَأْسًا. قَالَ: وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ ظَاهِرٌ فِيهِ لَا نَصُّ. وَكَلَامُ الْمَحْصُولِ وَأَتْبَاعِهِ مُصَرِّحٌ بِأَنَّ أَعْلَاهَا أَسْمَاءُ الشَّرْطِ وَالِاسْتِفْهَامِ، ثُمَّ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ، لِدَلَاتِهَا بِالْقَرِينَةِ لَا بِالْوَضْعِ، وَعَكَسَ الْهِنْدِيُّ فِي بَابِ التَّرَاجِيحِ، فَقَدَّمَ النَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ عَلَى الْكُلِّ، فَحَصَّلَ ثَلَاثَةَ آرَاءٍ.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: أَلْفَاظُ الْجُمُوعِ أَبْيَنُ وُجُوهِ الْعُمُومِ، ثُمَّ يَلِيهَا اسْمُ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْإِضَافَةَ دُونَ ذَلِكَ فِي الرُّتْبَةِ.
وَعَكَسَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي تَفْسِيرِهِ، فَزَعَمَ أَنَّ الْإِضَافَةَ أَدَلُّ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، وَالنَّكِرَةَ الْمَنْفِيَّةَ أَدَلُّ عَلَى الْعُمُومِ مِنْهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَاَلَّتِي بِمِنْ أَدَلُّ مِنْ الْمُجَرَّدَةِ مِنْهَا.
وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ إنَّ مَجِيءَ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ مُعَرَّفَةً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَكْثَرُ مِنْ مَجِيئِهَا مُضَافَةً.
وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فِي التَّلْوِيحِ: أَلْفَاظُ الْعُمُومِ أَرْبَعَةٌ:
أَحَدُهَا: عَامٌّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ كَالرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَالثَّانِي: عَامٌّ بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ كَالرَّهْطِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَغَيْرِهَا مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ.
стр. 1378
وَالثَّالِثُ: أَلْفَاظٌ مُبْهَمَةٌ نَحْوُ " مَا وَمَنْ "، وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ وَاحِدٍ.
وَالرَّابِعُ: النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ نَحْوُ لَمْ أَرَ رَجُلًا، وَذَلِكَ يَعُمُّ لِضَرُورَةِ صِحَّةِ الْكَلَامِ، وَتَحْقِيقِ غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ الْإِفْهَامِ، لَا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ بِصِيغَتِهِ، فَالْعُمُومُ فِيهِ مِنْ الْقَرِينَةِ، فَلِهَذَا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ. انْتَهَى. وَقَالَ إلْكِيَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يَرِدْ عَلَى سَبَبٍ أَقْوَى مِنْ الْوَارِدِ، وَلِهَذَا اخْتَلَفُوا فِي التَّمَسُّكِ بِعُمُومِهِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ: بَحَثَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْبَاحِثِينَ لَا الْمُصَنِّفِينَ فِي مَنْعِ تَفَاوُتِ رُتَبِ الْعُمُومِ نَظَرًا إلَى أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ وَضْعِيَّةٌ وَلَا تَفَاوُتَ فِي الْوَضْعِ وَتَنَاوُلَهُ لِلْأَفْرَادِ.
وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُسْتَصْفَى بِتَفَاوُتِ مَرَاتِبِ الْعُمُومِ فِي تَنَاوُلِهَا لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ، لَكِنْ هَذَا التَّفَاوُتُ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ وَإِنَّمَا هُوَ لِأُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْهُ، وَالْعُمُومُ يَضْعُفُ بِأَنْ لَا يَظْهَرَ فِيهِ قَصْدُ التَّعْمِيمِ، وَسِرُّ ذَلِكَ بِأَنْ يَكْثُرَ الْمَخْرَجُ مِنْهُ، وَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَمَثَّلَهُ بِأَصْلِ دَلَالَةِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ دَلَالَةَ قَوْلِهِ ﵇: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ» عَلَى تَحْرِيمِ الْأَرُزِّ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ هَذَا الْعُمُومِ عَلَى تَحْلِيلِهِ، وَلِهَذَا جَوَّزَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ. دُونَ مَا بَقِيَ عَلَى الْعُمُومِ، قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ ذَلِكَ عِنْدَنَا فِيمَا بَقِيَ عَامًّا، لِأَنَّا لَا نَشُكُّ فِي أَنَّ الْعُمُومَاتِ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ تَخْتَلِفُ بِالْقُوَّةِ لِاخْتِلَافِ ظُهُورِ إرَادَةِ قَصْدِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى بِهَا، فَإِذَا تَقَابَلَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَقْوَى الْعُمُومَيْنِ، وَكَذَا الْقِيَاسَانِ إذَا تَقَابَلَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَجْلَاهُمَا وَأَقْوَاهُمَا قَالَ الشَّيْخُ: أَمَّا ظُهُورُ قَصْدِ التَّعْمِيمِ فَلَا شَكَّ فِي اقْتِضَائِهِ الْقُوَّةَ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: هَلْ الْمُعْتَبَرُ فِي الضَّعْفِ عَدَمُ قَصْدِ التَّعْمِيمِ، أَوْ قَصْدُ عَدَمِ التَّعْمِيمِ؟ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، وَظَاهِرُ كَلَامِ " الْمُسْتَصْفَى " الْأَوَّلُ، ثُمَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِقَرَائِنَ خَارِجَةٍ عَنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَنَحْوِهِ.
стр. 1379
ثُمَّ قَسَّمُوا الْمَرَاتِبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَظْهَرَ أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ لَمْ يَقْصِدْ التَّعْمِيمَ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عَامًّا لُغَةً، كَقَوْلِهِ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» فَإِنَّ سِيَاقَهُ لِبَيَانِ قَدْرِ الْوَاجِبِ لَا غَيْرُ، فَهَذَا لَا عُمُومَ لَهُ فِي قَصْدِهِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] لَا عُمُومَ لَهُ فِي الْآلَةِ الْمُطَهِّرَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَمْرُ بِأَصْلِ التَّطْهِيرِ.
الثَّانِي: لَفْظٌ عَامٌّ ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ التَّعْمِيمِ بِقَرِينَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى اللَّفْظِ، فَحَكَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ لَا يُؤَوَّلُ بِقِيَاسٍ، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنْ كَانَتْ الْقَرِينَةُ تُفِيدُ الْعِلْمَ بِالتَّعْمِيمِ صَارَ نَصًّا، وَإِنْ لَمْ يُفِدْهُ إلَّا قُوَّةَ الظَّنِّ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَأْوِيلِهِ بِقِيَاسٍ أَجْلَى مِنْهُ فِي النَّظَرِ؟ فَلَا وَجْهَ لِهَذَا الْإِطْلَاقِ
الثَّالِثُ: لَفْظٌ عَامٌّ لُغَةً وَلَا قَرِينَةَ مَعَهُ فِي تَعْمِيمٍ، وَلَا تَقْتَضِيهِ، فَالْوَاجِبُ إذَا أُوِّلَ وَعُضِّدَ بِقِيَاسٍ اتِّبَاعُ الْأَرْجَحِ فِي الظَّنِّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا وَقَفَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَدَّمَ الْإِمَامُ الْخَبَرَ لِنَصِّيَّتِهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» . انْتَهَى.
وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَقُولُ، إنَّهُ لَوْ قُدِّمَ ظَنِّيُّ الْقِيَاسِ عَلَى ظَنِّيِّ اللَّفْظِ لَكَانَ تَقْدِيمًا لِمَرْتَبَةِ الْقِيَاسِ عَلَى مَرْتَبَةِ الْخَبَرِ، وَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إلَى تَقْدِيمِ الْأَرْجَحِ فِي الظَّنِّ فَقِيَاسُ الشَّبَهِ ضَعِيفٌ، فَإِنْ قِيلَ بِهِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْعُمُومُ بِالنَّظَرِ إلَى رُتْبَتِهِ؛ وَرُتْبَتُهُ الْعُمُومُ، وَأَمَّا النَّظَرُ إلَى الْجُزْئِيَّاتِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ الْقِيَاسُ الشَّبَهِيُّ إلَّا عِنْدَ ضَعْفِ الْعُمُومِ ضَعْفًا شَدِيدًا، بِحَيْثُ يَكُونُ قِيَاسُ الشَّبَهِ أَغْلَبَ
стр. 1380
عَلَى الظَّنِّ مِنْهُ، فَإِنَّا رَأَيْنَاهُمْ يَسْتَدِلُّونَ بِعُمُومَاتٍ وَنُصُوصٍ بَعِيدَةِ التَّنَاوُلِ فِي الْقَصْدِ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ بِظُهُورِ الْقَصْدِ.
وَأَمَّا قِيَاسُ الْعِلَّةِ فَهُوَ أَرْفَعُ مِنْ الشَّبَهِ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ مُنَاسَبَةٍ يُبْدِيهَا النَّظَرُ لَا تَقْوَى بِالتَّعْلِيلِ، فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ الْعُمُومِ وَالظَّاهِرُ عَلَيْهَا، لَا سِيَّمَا إذَا قَرُبَ أَنْ يُزَاحِمَ، وَكَانَ تَرْجِيحُهَا عَلَى مَا يُعَامَلُ بِهِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ.
[مَسْأَلَةٌ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ]
مَسْأَلَةٌ
الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ كَرِجَالٍ فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ، وَسُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَامٌّ، وَنَصَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ " الْإِحْكَامِ "، وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، قَالَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ: حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ مُخَالَفَتُهُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ الْبَزْدَوِيُّ، وَابْنُ السَّاعَاتِيِّ، وَأَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ، أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ، لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ سَمَّوْهُ
стр. 1381
نَكِرَةً، وَلَوْ تَنَاوَلَ جَمِيعَ الْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ نَكِرَةً. قَالَ: وَعَلَى هَذَا فِيمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَبِي هَاشِمٍ.
وَالثَّانِي: يُحْمَلُ عَلَى الْجَمْعِ وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى أَقَلِّهِ. قَالَ سُلَيْمٌ: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ. قَالَ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ ": وَأَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ تَعُمُّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ، كَمَا قَالُوا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ، أَصَحُّهَا لَيْسَ بِعَامٍّ.
وَالثَّانِي: عَامٌّ، وَهُوَ رَأْيُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، حَيْثُ قَالُوا: الْعَامُّ مَا انْتَظَمَ جَمْعًا مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ غَرِيبٌ. تَنْبِيهَانِ
أَحَدُهُمَا: أَطْلَقُوا الْخِلَافَ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَاَلَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ جَمْعِ الْقِلَّةِ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِيهِ بَعِيدٌ جِدًّا إذْ هُوَ مُخَالِفٌ لِنَصِّهِمْ، فَإِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لِلْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لِلْعُمُومِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِمْ، انْتَهَى.
لَكِنْ حَكَاهُ الْجُمْهُورُ عَنْ الْجُبَّائِيُّ، وَمِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ مُصَرِّحًا بِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ بِمَنْزِلَةِ الْمُعَرَّفِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ عَدَمُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ جُمُوعِ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ الْبَزْدَوِيُّ، أَعْنِي أَنَّ
стр. 1382
جُمُوعَ الْقِلَّةِ لِلْعُمُومِ وَإِنْ كَانَتْ مُنَكَّرَةً، وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ الصَّالِحِ لَهُ، لَكِنْ فَرَّقَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ فِي جَمْعِ الْقِلَّةِ الْمُنَكَّرِ: يُحْمَلُ عَلَى الْمُتَيَقَّنِ، وَهُوَ أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً.
وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنَّهُمْ حَكَوْا عَنْ الْجُبَّائِيُّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ.
وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ، لِأَنَّ النَّكِرَةَ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ مَحَالَّ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ، لِأَنَّهَا عَامَّةٌ عَلَى الْبَدَلِ، فَحَسُنَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَجْلِ عُمُومِ الْمَحَالِّ، وَعَلَى هَذَا فَنَقُولُ: جَاءَنِي رِجَالٌ إلَّا زَيْدٌ، وَقِيلَ بِالْمَنْعِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّ النَّكِرَةَ لَا تَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ فَرْدٍ بِلَفْظِهَا، فَيَكُونُ الْإِخْرَاجُ مِنْهَا مُحَالًا، وَلِهَذَا كَانَتْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] لِلْوَصْفِ لَا الِاسْتِثْنَاءِ، وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢ - ٣] ، فَإِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ أَلْ الْجِنْسِيَّةَ فِي الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ.
الثَّانِي: أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ عَامٌّ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِاعْتِبَارِ صَلَاحِيَّتِهِ لِأَفْرَادِ الْجُمُوعِ لَا اسْتِغْرَاقِ الْأَفْرَادِ.
стр. 1383
[مَسْأَلَةٌ ضَمِيرُ الْجَمْعِ]
مَسْأَلَةٌ
ضَمِيرُ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَقَوْلُهُ: أَنْتُمْ لِلْمُخَاطَبِينَ، وَهُمْ لِلْغَائِبِينَ، فَإِنَّهُ ضَمِيرٌ يَرْجِعُ إلَى الْمَذْكُورِينَ أَوَّلًا إنْ سَبَقَ ذِكْرُهُمْ، وَإِلَّا رَجَعَ إلَى الْمَدْلُولِ الَّذِي يَجُوزُ صَرْفُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعِ الْخِطَابِ انْصَرَفَ لِلْمُخَاطَبِينَ.
فَالْحَاصِلُ أَنَّ عُمُومَهُ وَخُصُوصَهُ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ، وَفِيهِ دَقِيقَةٌ لَا تَخْفَى، وَهِيَ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ التَّخْصِيصُ، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكِنَايَةِ عَنْ الْمُرَادِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عَامًّا كَانَ حَقِيقَةً، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا كَانَ حَقِيقَةً، فَلَا يَثْبُتُ التَّخْصِيصُ، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ خُرُوجِ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ وَهُوَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْمُرَادَ، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكِنَايَةِ عَنْ الْمُرَادِ، فَلَا يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ.
وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ الْكِنَايَةَ تَابِعَةٌ لِلْمُكَنَّى فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ، وَالْهِنْدِيُّ فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ: أَمَّا إذَا قَالَ: افْعَلُوا، فَذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ فِي الدَّرْسِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ يُصْرَفَ إلَى الْمُخَاطَبِينَ، سَوَاءٌ كَانُوا ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَأَطْلَقَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " أَنَّ الْمُطْلَقَاتِ لَا عُمُومَ فِيهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] وَلَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ مَا هُمْ أَوْلَى بِهِ، وَإِنَّمَا يُضْمِرُ فِيهِ فَلَا يُدَّعَى فِيهِ الْعُمُومُ وَلَا الْخُصُوصُ، وَإِنَّمَا يُدَّعَى فِي الْأَلْفَاظِ الظَّاهِرَةِ، وَكَذَلِكَ الْأَعْلَامُ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو لَا عُمُومَ فِيهَا. انْتَهَى
стр. 1384
[مَسْأَلَةٌ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ]
مَسْأَلَةٌ
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مَحْمُولٌ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ، فَيَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفِهِ، وَالْخِلَافُ فِي أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ مَاذَا؟ لَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيرِهِ، فَنَقُولُ: لَيْسَ الْخِلَافُ فِي مَعْنَى لَفْظِ الْجَمْعِ الْمُرَكَّبِ مِنْ " الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَالْعَيْنِ " كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ، وَسُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ " فَإِنَّ " ج م ع " مَوْضُوعُهَا يَقْتَضِي ضَمَّ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ وَذَلِكَ حَاصِلٌ فِي الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَمَا زَادَ، بِلَا خِلَافٍ.
قَالَ سُلَيْمٌ بَلْ قَدْ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ، كَمَا يُقَالُ: جَمَعْت الثَّوْبَ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ، وَإِلَيْهِ يُشِيرُ كَلَامُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِ " التَّرْتِيبِ " وَأَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ مَحَلُّ وِفَاقٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: لَفْظُ الْجَمْعِ فِي اللُّغَةِ لَهُ مَعْنَيَانِ: الْجَمْعُ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ جَمَعَ يَجْمَعُ جَمْعًا وَالْجَمْعُ الَّذِي هُوَ لَقَبٌ، وَهُوَ اسْمٌ لِعَدَدٍ وُضِعَ فَوْقَ الِاثْنَيْنِ لِلِاسْتِغْرَاقِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ، وَهَذَا اللَّقَبُ لِهَذَا الْعَدَدِ كَسَائِرِ الْأَلْقَابِ كَزَيْدٍ وَحِمَارٍ وَنَارٍ.
وَقَالَ: وَبَعْضُ مَنْ لَمْ يَهْتَدِ إلَى هَذَا الْفَرْقِ خَلَطَ الْبَابَ، فَظَنَّ أَنَّ الْجَمْعَ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى اللَّقَبِ مِنْ جُمْلَةِ الْجَمْعِ الَّذِي بِمَعْنَى الْفِعْلِ، فَقَالَ: إذَا كَانَ الْجَمْعُ مِنْ الضَّمِّ فَالْوَاحِدُ إذَا أُضِيفَ إلَى الْوَاحِدِ فَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَمْعًا، وَثَبَتَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَقَلُّ الْجَمْعِ. وَخَالَفَ بِهَذَا الْقَوْلِ جَمِيعَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَسَائِرَ مَنْ كَانَ مِثْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ: إنَّ هَذَا الْمُخَالِفَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ حَكَى عَنْ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي أُصُولِهِ: أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَضَعَّفَ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ اثْنَانِ.
стр. 1385
وَلَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ أَيْضًا تَعْبِيرُ الِاثْنَيْنِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا بِضَمِيرِ الْجَمْعِ، نَحْوُ نَحْنُ فَعَلْنَا، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ لِلْمُتَكَلِّمِ ضَمِيرَ التَّثْنِيَةِ كَمَا وَضَعَتْ لِلْمُخَاطَبِ وَالْغَائِبِ، وَلَيْسَ لِلِاثْنَيْنِ إذَا عَبَّرَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا بِمُضْمَرٍ إلَّا الْإِتْيَانُ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ.
وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا أَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ فِي مَدْلُولِ مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، وَقَوْلِ الْقَائِلِ: ضَرَبْت رُءُوسَ الرَّجُلَيْنِ، وَقَطَعْت بُطُونَهُمَا: بَلْ الْخِلَافُ فِي الصِّيَغِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْجَمْعِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِلسَّلَامَةِ أَوْ التَّكْسِيرِ كَمَا قَالَ إلْكِيَا، نَحْوُ مُسْلِمِينَ وَرِجَالٍ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الْخِلَافُ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ بِنَفْسِهَا أَوْ بِعَلَامَةِ الْجَمْعِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَيْضًا، فَإِنَّهُ جَعَلَ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ لَفْظَ النَّاسِ. وَفِيهِ مَذَاهِبُ. [الْمَذَاهِبُ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ]
الْأَوَّلُ: أَنَّ أَقَلَّهُ اثْنَانِ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَحَكَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهُوَ
стр. 1386
قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَحَكَاهُ هُوَ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ مَالِكٍ، وَاخْتَارَهُ الْبَاجِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: كَانَ الْأَشْعَرِيُّ يَخْتَارُهُ وَيَنْصُرُهُ فِي الْمَجَالِسِ.
وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ. قَالَ: وَلِهَذَا ذَهَبَ إلَى انْعِقَادِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِاثْنَيْنِ سِوَى الْإِمَامِ، فَجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] مُتَنَاوِلًا اثْنَيْنِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ السَّرَخْسِيُّ كَمَا سَيَأْتِي.
وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَسُلَيْمٌ عَنْ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الظَّاهِرِ، ثُمَّ أَجَازَ خِلَافَهُ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الدَّهَّانِ النَّحْوِيُّ فِي الْغُرَّةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُد وَأَبِي يُوسُفَ وَالْخَلِيلِ وَنِفْطَوَيْهِ قَالَ: وَسَأَلَ سِيبَوَيْهِ الْخَلِيلَ عَنْ مَا أَحْسَنُ فَقَالَ: الِاثْنَانِ جَمْعٌ، وَعَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّ التَّثْنِيَةَ جَمْعٌ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَقَدْ يُحْتَجُّ لِهَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] لِأَنَّهُمْ طَلَبُوا إلَهًا مَعَ اللَّهِ، ثُمَّ قَالُوا: ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ إذَا صَارَ لَهُمْ إلَهَانِ صَارُوا بِمَنْزِلَةِ آلِهَةٍ.
الثَّانِي: أَنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثَةٌ، وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ
стр. 1387
الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ فِي كِتَابِ الْعَدَدِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ إلْكِيَا: هُوَ مُخْتَارُ الشَّافِعِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ يَأْخُذُ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَرَأَيْت مَنْ حَكَى عَنْهُ اخْتِيَارَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ سَهْوٌ.
وَنَقَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: وَبِهِ أَجَابَ فِيمَنْ قَالَ: " عَلَيَّ عُهُودُ اللَّهِ " أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ، وَلَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ وَنَحْوُهُ.
وَنَقَلَهُ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْ الْحَنَابِلَةِ عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَحَكَاهُ سُلَيْمٌ فِي التَّقْرِيبِ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَعَامَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الدَّهَّانِ عَنْ جُمْهُورِ النُّحَاةِ.
وَقَالَ ابْنُ خَرُوفٍ فِي شَرْحِ الْكِتَابِ: إنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ قَالَ: وَإِذَا كَانُوا لَا يُوقِعُونَ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ مَوْضِعَ الْقَلِيلِ، وَلَا الْقَلِيلَ مَوْضِعَ الْكَثِيرِ إذَا كَانَ لِلِاسْمِ جَمْعُ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ فَأَحْرَى أَنْ لَا يُوقِعُوا عَلَى الِاثْنَيْنِ لَفْظَ الْجَمْعِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ طَاهِرٍ الِاثْنَانِ وَإِنْ كَانَ جَمْعًا لَا يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِذَلِكَ، لِلَّبْسِ انْتَهَى.
وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَنِسْبَتُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَقَلُّ الْجَمْعِ لِلْعَدَدِ.
قَالَ: فَأَمَّا الِاثْنَانِ فَجَمْعُهُمَا جَمْعُ اجْتِمَاعٍ لَا جَمْعُ عَدَدٍ.
стр. 1388
وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي أُصُولِهِ: أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَلِهَذَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ أَقَلَّ مَا يُعْطَى مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ثَلَاثَةً، وَقَالَ فِي الْوَصِيَّةِ لِلْفُقَرَاءِ: إنَّ أَقَلَّهُمْ ثَلَاثَةٌ، وَلِأَنَّ الْأَسْمَاءَ دَلَائِلُ عَلَى الْمُسَمَّيَاتِ، وَقَدْ جَعَلُوا لِلْمُفْرَدِ وَالْمُثَنَّى صِيغَةً، فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِلْجَمْعِ صِيغَةٌ خِلَافُهُمَا.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي ": إنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، أَيْ أَقَلُّ جَمْعٍ، وَمَنْ جَعَلَ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَيْنِ جَعَلَهُمَا أَقَلَّ الْعُمُومِ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَنَصَّ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ " وَظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: إنَّ أَقَلَّهُ اثْنَانِ عَلَى قِيَاسِ مَسْأَلَةِ الْجُمُعَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ عِنْدَهُ الْجَمْعَ الصَّحِيحَ ثَلَاثَةٌ.
وَإِذَا قُلْنَا بِهَذَا الْقَوْلِ، فَهَلْ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى اثْنَيْنِ عَلَى جِهَةِ الْمَجَازِ أَمْ لَا يَصِحُّ أَصْلًا؟ فِيهِ كَلَامٌ. وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَفِي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ نَقْلًا وَتَوْجِيهًا، وَلَمْ يَصِحَّ مَجَازًا مِنْ مَجَازِ التَّعْبِيرِ بِالْكُلِّ عَنْ الْبَعْضِ.
الثَّالِثُ: الْوَقْفُ حَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ عَنْ الْآمِدِيَّ، وَفِي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ الْآمِدِيَّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ: وَإِذَا عُرِفَ مَأْخَذُ الْجَمْعِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَعَلَى النَّاظِرِ الِاجْتِهَادُ
стр. 1389
فِي التَّرْجِيحِ وَإِلَّا فَالْوَقْفُ لَازِمٌ، هَذَا كَلَامُهُ، وَمُجَرَّدُ هَذَا لَا يَكْفِي فِي حِكَايَتِهِ مَذْهَبًا.
الرَّابِعُ: أَنَّ أَقَلَّهُ وَاحِدٌ. هَكَذَا حَكَاهُ بَعْضُهُمْ، وَأَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الرَّدَّ إلَى وَاحِدٍ لَيْسَ بِدَعًا، وَلَكِنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الرَّدِّ إلَى اثْنَيْنِ، كَأَنْ تَرَى امْرَأَةً تَبَرَّجَتْ لِرَجُلٍ فَتَقُولَ: أَتَتَبَرَّجِينَ لِلرِّجَالِ؟ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُرَادُ الْإِمَامِ حَمْلُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كَمَا نَقَلَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عَنْهُ، فَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ، فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ: وَقَدْ يَسْتَوِي حُكْمُ التَّثْنِيَةِ وَمَا دُونَهَا بِدَلِيلٍ كَالْمُخَاطِبِ لِلْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَقَدْ تَقُولُ الْعَرَبُ لِلْوَاحِدِ: افْعَلَا، افْعَلُوا. هَذَا كَلَامُهُ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ مَجَازٌ لِاشْتِرَاطِهِ الْقَرِينَةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ. وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] .
وَذَكَرَ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ صِحَّةَ إطْلَاقِ الْجَمْعِ وَإِرَادَةِ الْوَاحِدِ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] ، وَهُوَ وَاحِدٌ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٦] وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥] ، الْمُرَادُ بِالْمُرْسَلِينَ نُوحٌ نَحْوُ قَوْلِك:
стр. 1390
فُلَانٌ يَرْكَبُ الدَّوَابَّ، وَيَلْبَسُ الْبُرُودَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ بِالِاتِّفَاقِ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ لِامْرَأَتِهِ: أَتُكَلِّمِينَ الرِّجَالَ. وَيُرِيدُ رَجُلًا وَاحِدًا فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْجَمْعِ بَدَلًا عَنْ لَفْظِ الْوَاحِدِ لِتَعَلُّقِ غَرَضِ الزَّوْجِ بِجِنْسِ الرِّجَالِ، لَا أَنَّهُ عَنَى بِلَفْظِ الرَّجُلِ رَجُلًا وَاحِدًا. قُلْت: هَذَا صَحِيحٌ، لِأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يُطْلِقْ الرِّجَالَ عَلَى وَاحِدٍ؛ بَلْ عَلَى جَمْعٍ، لِظَنِّهِ أَنَّهَا مَا تَبَرَّجَتْ لِوَاحِدٍ إلَّا وَقَدْ تَبَرَّجَتْ لِغَيْرِهِ، فَتَبَرُّجُهَا لِوَاحِدٍ سَبَبٌ لِلْإِطْلَاقِ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِرِجَالٍ وَاحِدٌ.
وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ حَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ. قَالَ: لَكِنْ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ خَالَفَ فِيهِ، وَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَبْقَى فِي تَنَاوُلِهِ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ مُنَزِّلُ الذِّكْرَ، فَإِذَا ثَبَتَتْ الْعِبَارَةُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ عَنْ الْوَاحِدِ لَمْ يُسْتَنْكَرْ حَمْلُ الْعُمُومِ الْمُخَصَّصِ عَلَى الْوَاحِدِ حَقِيقَةً
قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا نَوْعٌ آخَرُ مِنْ أَلْفَاظِ الْجُمُوعِ، وَالْوَاحِدُ الْعَظِيمُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَهَذَا مَنْصُوصٌ لِأَهْلِ اللِّسَانِ فِي مَقَامِ التَّعْظِيمِ فَلَا يَجْرِي هَذَا فِي جَانِبِ الْعُمُومِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: شَارِحُ الْبُرْهَانِ " الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَى وَاحِدٍ، لِبُطْلَانِ حَقِيقَةِ الْجَمْعِ، وَلِهَذَا صَارَ الْمُعْظَمُ إلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُمُومِ نُصُوصٌ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مِنْ أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ هُوَ: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ
стр. 1391
مُقْتَضَى الْجَمْعِ، وَإِنَّمَا صَارَتْ رُؤْيَةُ الْوَاحِدِ سَبَبًا لِلتَّوْبِيخِ عَلَى التَّبَرُّجِ لِلْجِنْسِ، وَلِهَذَا كَانَتْ صِيغَةُ الْجَمْعِ هُنَا أَحْسَنَ مِنْ الْإِفْرَادِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ إطْلَاقِ لَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَبَيْنَ كَوْنِ الْوَاحِدِ سَبَبًا لِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَأَقُولُ فِي تَحْرِيرِ مَقَالَةِ الْإِمَامِ: إنَّ هَاهُنَا مَقَامَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاسْتِعْمَالِ.
وَالثَّانِي: بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَمْلِ كَنَظِيرِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ.
فَالْأَوَّلُ: أَنْ يُطْلِقَ الْمُتَكَلِّمُ لَفْظَ الْجَمْعِ وَيُرِيدَ بِهِ الْوَاحِدَ، وَهَذَا لَا مَنْعَ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مُعَظِّمًا نَفْسَهُ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُورِدَ لَفْظَ الْجَمْعِ هَلْ يَصِحُّ مِنْ السَّامِعِ رَدُّهُ إلَى الْوَاحِدِ؟ وَهَذَا مَوْضِعُ كَلَامِ الْإِمَامِ، فَذَهَبَ. الْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَ الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ " إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِبُطْلَانِ حَقِيقَةِ الْجَمْعِ، وَلِذَلِكَ صَارَ الْمُعْظَمُ إلَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْعُمُومِ نَصٌّ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّهُ يَصِحُّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ صِحَّةَ الْإِطْلَاقِ غَيْرُ مُسَلَّمَةِ الرَّدِّ، وَأَنَّهُ إنْ وُجِدَ هُنَاكَ ثَلَاثَةٌ صَحَّ الرَّدُّ إلَيْهَا وِفَاقًا، وَإِنْ وُجِدَ اثْنَانِ انْبَنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ أَقَلُّ الْجَمْعِ، وَإِنْ رُدَّ إلَى الْوَاحِدِ بَطَلَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّهُ بِانْتِهَاءِ اللَّفْظِ إلَى أَنْ بَطَلَ الْمُخَصَّصُ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّفْظَ نَصٌّ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ، فَحَمْلُهُ عَلَى مَا دُونَ ذَلِكَ خُرُوجٌ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْسُنُ حِكَايَةُ قَوْلٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ أَقَلَّهُ وَاحِدٌ. لَكِنْ تَابَعْتُ ابْنَ الْحَاجِبِ عَلَى مَا فِيهِ.
стр. 1392
وَقَدْ جَعَلَ الْإِمَامُ الْمَرَاتِبَ فِي الرَّدِّ ثَلَاثَةً، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ اللَّفْظَ نَصٌّ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، لَا يَتَغَيَّرُ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَهُوَ نَصٌّ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، لَا يَنْقُصُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَيَرَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَصٍّ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِحَالٍ، بَلْ إنَّمَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي الزِّيَادَةِ، فَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إرَادَةِ الظَّاهِرِ تُرِكَ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى نَوْعٍ مَخْصُوصٍ كَسَائِرِ الظَّوَاهِرِ.
وَقَالَ: إنَّ النَّاظِرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَقْصُودُهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَنْعِهِ مِنْ التَّكْمِيلِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا يَظْهَرُ عَلَى التَّدْرِيجِ. انْتَهَى.
وَتَحْرِيرُ هَذَا مِنْ النَّفَائِسِ الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا. وَقَدْ حَكَى أَصْحَابُنَا فِيمَا لَوْ وَصَّى لِأَقَارِبِهِ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا قَرِيبٌ وَاحِدٌ، وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يُصْرَفُ إلَيْهِ الْجَمِيعُ، لِأَنَّ الْقَصْدَ جِهَةُ الْقَرَابَةِ. وَالثَّانِي: اعْتِبَارُ الْجَمْعِ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ اثْنَيْنِ. [الْخَامِسُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ وَجَمْعِ الْقِلَّةِ]
وَالْخَامِسُ: مَا حَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ، فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ؛ وَبَيْنَ جَمْعِ الْقِلَّةِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ رُجُوعُهُ إلَى الِاثْنَيْنِ بِقَرِينَةٍ، وَكَذَلِكَ إلَى الْوَاحِدِ وَهُوَ مَجَازٌ، هَذَا كَلَامُهُ.
وَعَنْ ابْنِ عَرَبِي أَنَّهُ ذَكَرَ فِي " الْفُتُوحَاتِ الْمَلَكِيَّةِ " أَنَّهُ رَأَى سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَقَلِّ الْجَمْعِ: اثْنَانِ أَمْ ثَلَاثَةٌ؟ فَقَالَ ﵇: إنْ أَرَدْت أَقَلَّ جَمْعِ الْأَزْوَاجِ فَاثْنَانِ، وَإِنْ أَرَدْت أَقَلَّ جَمْعِ الْإِفْرَادِ فَثَلَاثَةٌ.
стр. 1393
[تَنْبِيهَاتٌ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ أَقَلِّ الْجَمْعِ]
الْأَوَّلُ: اسْتَشْكَلَ ابْنُ الصَّائِغِ النَّحْوِيُّ، وَالْقَرَافِيُّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ ابْنُ الصَّائِغِ فِي شَرْحِ الْجُمَلِ: الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَمْرَ الْمَعْنَوِيَّ، فَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ، لِأَنَّهُ ضَمُّ أَمْرٍ إلَى آخَرَ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ لَفْظُ الْجَمْعِ، فَهَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ؟ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ، وَالْأَكْثَرُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا، وَهُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَيَكْفِي فِيهِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِعُثْمَانَ: لَيْسَ الْإِخْوَةُ أَخَوَيْنِ بِلُغَةِ قَوْمِك، وَمُوَافَقَةُ عُثْمَانَ لَهُ، حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِغَيْرِ اللُّغَةِ. وَنَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، مَعَ أَنَّ لِلتَّثْنِيَةِ لَفْظًا وَحَمَلَهُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: ٢٢] ، لِأَنَّ الْخِطَابَ وَقَعَ لِدَاوُدَ ﵇ مِنْ اثْنَيْنِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥] وَقَالَ ابْنُ خَرُوفٍ. يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ مَعَكُمْ لَهُمَا وَلِفِرْعَوْنَ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
وَقَالَ السِّيرَافِيُّ فِي قَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: (إنَّنِي مَعَكُمَا) يَدُلُّ عَلَى مَا قَالَهُ سِيبَوَيْهِ، وَأَيْضًا فَالْمَعْنَى وَأَنَا مَعَكُمْ فِي النُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُشْرِكَهُمَا فِرْعَوْنُ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْقَرَافِيُّ فَأَطْنَبَ فِي إشْكَالِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ: إنَّ لَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً يُورِدُهُ، وَلَمْ يَتَحَصَّلْ عَنْهُ جَوَابٌ، وَهُوَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ
стр. 1394
الْمَسْأَلَةِ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، لِأَنَّهُ إنْ فُرِضَ الْخِلَافُ فِي صِيغَةِ الْجَمْعِ الَّذِي هُوَ " ج م ع " امْتَنَعَ إتْيَانُهُ فِي غَيْرِهَا؛ بَلْ صَرَّحُوا بِعَدَمِ مَجِيئِهِ فِيهِ، بَلْ الْخِلَافُ فِي مَدْلُولِهِ، وَحِينَئِذٍ فَمَدْلُولُهَا مَا يُسَمَّى جَمْعًا، وَصِيَغُ الْجُمُوعِ شَيْئَانِ: جَمْعُ قِلَّةٍ، وَجَمْعُ كَثْرَةٍ، وَاتَّفَقَ النُّحَاةُ عَلَى أَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ مَوْضُوعٌ لِلْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا إلَى الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ عَلَى الْخِلَافِ، وَجَمْعَ الْكَثْرَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ أَحَدُهُمَا مَكَانَ الْآخَرِ، وَتَصْرِيحُهُمْ بِالِاسْتِعَارَةِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْآخَرِ مَجَازًا، فَإِنَّ جَمْعَ الْكَثْرَةِ مَوْضُوعٌ لِمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ، فَإِذَا اُسْتُعْمِلَ فِيمَا دُونَهَا كَانَ مَجَازًا، وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي جَمْعِ الْكَثْرَةِ لَمْ يَسْتَقِمْ، لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَحَدَ عَشَرَ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ حِينَئِذٍ مَجَازٌ.
وَالْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ فِي الْمَجَازِ، فَإِنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ لَا خِلَافَ فِيهِ، إنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً، بَلْ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ إطْلَاقِ لَفْظِ الْجَمْعِ وَإِرَادَةِ الْوَاحِدِ مَجَازًا، فَكَيْفَ الِاثْنَانِ؟ وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي جَمْعِ الْقِلَّةِ، وَهُوَ الْمُتَّجَهُ، لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لِلْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَقَلُّهُ اثْنَانِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَهُمْ، لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا تَمْثِيلَهُمْ فِي جُمُوعِ الْكَثْرَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ الْأَعَمُّ مِنْ جَمْعِ الْقِلَّةِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ حَكَى الْأَصْفَهَانِيُّ عَنْهُ هَذَا الْإِشْكَالَ، ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ قِلَّةٍ أَوْ كَثْرَةٍ، وَنَقُولُ: جَمْعُ الْكَثْرَةِ يَصْدُقُ عَلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ حَقِيقَةً، وَأَمَّا جَمْعُ الْقِلَّةِ فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَى مَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ.
قَالَ: وَإِنْ سَاعَدَ عَلَى ذَلِكَ مَنْقُولُ الْأُدَبَاءِ فَلَا كَلَامَ، وَإِلَّا فَمَتَى خَالَفَ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْأَدِلَّةِ الْأُصُولِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى عُمُومِ الْجَمْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَا يُمْكِنُ ادِّعَاءُ إجْمَاعِهِمْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ اهـ.
وَيَقْدَحُ فِي ذَلِكَ نَقْلُ الْقَرَافِيِّ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ
стр. 1395
جَمْعَ الْكَثْرَةِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ إلَّا مُسْتَعَارًا.
وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ تَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِجَمْعِ الْقِلَّةِ مَا نَقَلَهُ إلْكِيَا عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ، لَكِنْ كَلَامُ إلْكِيَا يُخَالِفُهُ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ دَرَاهِمُ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِثَلَاثَةٍ مَعَ أَنَّهُ جَمْعُ كَثْرَةٍ.
الثَّانِي: أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْجَمْعِ الِاسْتِغْرَاقَ، أَمَّا مُطْلَقُ الْكَلَامِ عِنْدَ الْمُعَمِّمِينَ فَحَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ قَالَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَهَذَا أَخَذَهُ مِنْ شَيْخِهِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا، إلَّا إذَا قَامَتْ الْمُخَصِّصَاتُ، وَإِلَّا فَالْأَلْفَاظُ لِلْعُمُومِ عِنْدَ فُقْدَانِ أَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ.
وَنَازَعَهُ الْإِبْيَارِيُّ وَقَالَ: إنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لَا عَلَى أَصْلِهِ، وَلَا عَلَى أَصْلِ غَيْرِهِ، أَمَّا أَصْلُهُ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ عِنْدَ التَّنْكِيرِ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ فَإِذَا لَمْ يُعْرَفْ أَقَلُّ الْجَمْعِ كَيْفَ يُحْكَمُ بِأَنَّ الْأَلْفَاظَ مُقْتَصِرَةٌ عَلَيْهِ؟ وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِي جَمْعِ الْقِلَّةِ، وَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ لِأَقَلِّ الْجَمْعِ، فَلَا بُدَّ إذَنْ مِنْ بَيَانِ أَقَلِّ الْجَمْعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمْعِ الْمُذَكَّرِ، وَإِلَى جَمْعِ الْقِلَّةِ وَإِنْ عُرِفَ؛ وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ مُفْتَقِرُونَ إلَى ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَالْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ وَالْوَصَايَا وَغَيْرِهَا.
وَذَكَرَ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْكِنَايَةِ عَنْ الِاثْنَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَلَكِنَّ الْخِلَافَ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الِاثْنَيْنِ أَوْ مَجَازٌ، عَلَى الْوَجْهَيْنِ؟ .
الثَّالِثُ: اسْتَثْنَى النَّحْوِيُّونَ الْمُشْتَرِطُونَ لِلثَّلَاثَةِ التَّعْبِيرَ عَنْ عُضْوَيْنِ مِنْ جَسَدَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، نَحْوُ ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]
стр. 1396
لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ. فَإِنَّهُ لَوْ قِيلَ قَلْبَاكُمَا لَثَقُلَ اجْتِمَاعُ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّثْنِيَةِ فِيمَا هُوَ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ مَرَّتَيْنِ، وَشَرَطُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُتَّصِلًا كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ، وَقَدْ سَبَقَ أَصْلُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فِي كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ.
الرَّابِعُ: قَالَ الْقَاضِي الْمَسْأَلَةُ عِنْدِي مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا مِنْ مَسَائِلِ الْقَطْعِ، فَيَكْفِي فِيهَا الظَّنِّيَّاتُ.
الْخَامِسُ: قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: فِيمَنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لِجِيرَانِهِ، وَكَانُوا غَيْرَ مَحْصُورِينَ، فَهَلْ يُفَرَّقُ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَوْ اثْنَيْنِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ؟
الثَّانِي: أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ أَقَلَّهُ ثَلَاثَةٌ، أَجَازَ تَخْصِيصَ الْجَمْعِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْبَاقِي مِنْهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي مِنْهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ كَانَ ذَلِكَ نَسْخًا وَلَمْ يَكُنْ تَخْصِيصًا؛ وَمَنْ قَالَ: أَقَلُّهُ اثْنَانِ أَجَازَ التَّخْصِيصَ فِيهِ إلَى أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي اثْنَيْنِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا عِنْدَهُ. فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ وَاحِدٌ فَقَدْ صَارَ مَنْسُوخًا يَعْنِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرَ هَاتَيْنِ الْفَائِدَتَيْنِ أَيْضًا الْإِمَامُ فِي التَّلْخِيصِ وَالْبُرْهَانِ "، فَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِمَالِهِ لِأَقَلِّ مَنْ يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْمَسَاكِينِ، هَلْ يُصْرَفُ لِاثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ؟ وَقَالَ فِي " الْبُرْهَانِ ": ذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ آثَارِ هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ أَوْ أَوْصَى بِدَرَاهِمَ، فَلَفْظُ الْمُقِرِّ وَالْمُوصِي مَحْمُولٌ عَلَى الْأَقَلِّ؛ فَإِنْ قِيلَ: أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَانِ حُمِلَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ قِيلَ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ لَمْ يُقْبَلْ التَّفْسِيرُ
стр. 1397
بِالِاثْنَيْنِ، قَالَ: وَلَا أَرَى الْفُقَهَاءَ يَسْمَحُونَ بِهَذَا، وَلَا أَرَى لِلنِّزَاعِ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ مَعْنًى إلَّا مَا ذَكَرْته. انْتَهَى.
وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي أُصُولِهِ الْفَائِدَةَ الثَّانِيَةَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، ثُمَّ قَالَ: وَهَذِهِ فَائِدَةٌ مُزَيَّفَةٌ، لِأَنَّ أَئِمَّتَنَا مُجْمِعُونَ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْجَمْعِ وَالْعُمُومِ بِمَا هُوَ دَلِيلٌ إلَى أَنْ يَبْقَى تَحْتَهُ وَاحِدٌ؛ انْتَهَى. وَلَعَلَّ هَذِهِ طَرِيقَةٌ قَاطِعَةٌ تَنْفِي الْخِلَافَ، وَإِلَّا فَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ مُصَرِّحٌ بِالْخِلَافِ، وَإِنْكَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْفَائِدَةَ الْأُولَى لَا وَجْهَ لَهُ، ثُمَّ اخْتَارَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِنَاءَهَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ، وَرَأَى أَنَّ إفَادَةَ الْجُمُوعِ لِلتَّعْمِيمِ ثَابِتَةٌ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ طَبَقَاتِ الْعُمُومِ فِي قُوَّةِ الِاسْتِيعَابِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ الْعُمُومِ إلَى قَصْرِهِ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ فِي حُكْمِ الْخِطَابِ وَدَلَالَتِهِ مِنْ قَصْرِهِ عَلَى الْمُحْتَمَلَاتِ، فَاقْتَضَى هَذَا عِنْدَهُ طَلَبَ قُوَّةٍ فِي الْمُخْرِجِ لَهُ عَنْ بَابِهِ، وَتَقْدِيمَ مَا هُوَ الْأَرْجَحُ مِنْ غَيْرِ مَنْعٍ مِنْ الرَّدِّ إلَى الِاثْنَيْنِ.
السَّادِسُ: وَقَعَ فِي عِبَارَةِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ أَقَلُّ الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ ثَلَاثَةٌ، وَكَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِالْمُطْلَقِ نَحْوَ دَرَاهِمَ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ الْجَمْعِ الْمُقَيَّدِ نَحْوُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ تِسْعَةٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَإِنَّهُ جَمْعٌ وَلَيْسَ بِمُطْلَقٍ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مُقَيِّدَهُ.
فَوَائِدُ: ذَكَرَهَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي أُصُولِهِ:
الْأُولَى: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ لَا يُحْمَلُ عَلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَتْ ظَوَاهِرُ وَرَدَتْ عَلَيْهِ فِي مَعْنَاهُ.
الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا فِي مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَقِيلَ إنَّ آحَادَهُ تُقَابِلُ آحَادَهُ،
стр. 1398
وَقِيلَ بَلْ الْجَمْعُ الْجَمْعَ: فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الظَّاهِرُ مُوجِبًا تَحْرِيمَ كُلِّ مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْأُمُومَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ. وَالثَّانِي يُوجِبُ تَحْرِيمَ كُلِّ أُمٍّ عَلَى ابْنِهَا، وَيُطْلَبُ فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ دَلِيلٌ يَخْتَصُّ بِهِ، قَالَ: وَالظَّاهِرُ مِنْهُ مُقَابَلَةُ الْوَاحِدِ بِالْوَاحِدِ، كَقَوْلِهِمْ: وَصَلَ النَّاسُ دُورَهُمْ، وَحَصَدُوا زُرُوعَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ جَمْعُهُ فِي الْوَاحِدِ بِمَا عَدَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ.
الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الطَّائِفَةِ، فَقِيلَ كَالْجَمْعِ مُطْلَقُهُ لِثَلَاثَةٍ، وَقِيلَ: لِلْجُزْءِ وَأَقَلُّهُ وَاحِدٌ، وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ لِمَا سَبَقَ إيضَاحُهُ. نَعَمْ، جَعَلَهَا الْأَصْحَابُ فِي بَابِ اللِّعَانِ أَرْبَعَةً، فَقَالُوا: يُغَلِّظُ الْحَاكِمُ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَفِيهِ إشْكَالٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ فَمَمْنُوعٌ، لِأَنَّ طَائِفَةً تُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ فَأَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَ لِأَجْلِ أَنَّهُ زِنًا فَالْإِقْرَارُ بِهِ يَكْفِي فِيهِ رَجُلَانِ عَلَى الصَّحِيحِ.
الرَّابِعَةُ: الضَّمَائِرُ الرَّاجِعَةُ إلَى الظَّاهِرِ تُحْمَلُ عَلَى مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَيْهَا مُخَالِفًا ثُمَّ تَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِدَلِيلٍ عَلَى مُوَافَقَةِ صَاحِبِهِ، كَقَوْلِهِمْ: رَجُلَانِ قَالُوا، وَرِجَالٌ قَالَا، يُحْمَلُ قَوْلُهُ: قَالُوا عَلَى الْجَمْعِ، وَرَجُلَانِ عَلَى التَّثْنِيَةِ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ، ثُمَّ يُطْلَبُ الدَّلِيلُ الَّذِي يُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُمَا، فَإِنْ قَامَ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ يُحْمَلُ عَلَى الْخَبَرِ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَامَ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ صُيِّرَ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ ضَمَائِرُ الْإِنَاثِ، وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ كَقَوْلِهِ: رَجُلَانِ قَتَلَهُمْ، أَوْ رِجَالٌ قَتَلَهُمَا: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ أَصْلًا وَالْخَبَرُ مُرَكَّبًا عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُرَادًا وَالِابْتِدَاءُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُوَافِقُهُ، وَلَا يُغَيَّرُ أَحَدُهُمَا عَمَّا وُضِعَ لَهُ لِمُوَافَقَةِ صَاحِبِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُهُ
стр. 1399
[فَصْلٌ فِي الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ وَيَشْتَمِلُ عَلَى مَسَائِلَ] [ الْأُولَى الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إذَا جَعَلْنَاهُ لِلْعُمُومِ]
الْأُولَى: الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إذَا جَعَلْنَاهُ لِلْعُمُومِ، فَالْعُمُومُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَا بُدَّ أَنْ تُفِيدَ التَّعْرِيفَ، وَلَيْسَ التَّعْرِيفُ إلَّا تَعْرِيفَ الْجِنْسِ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّ اللَّفْظَ يُفِيدُ وَاحِدًا خَرَجَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَنْ كَوْنِهِمَا لِلْجِنْسِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمَا فَائِدَةٌ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُمَا لِلْجِنْسِ ثَبَتَ الِاسْتِغْرَاقُ، لِأَنَّهُ إذَا قَالَ " الْإِنْسَانُ " أَفَادَ دُخُولَ كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْإِنْسَانِ فِي اللَّفْظِ.
[الثَّانِيَةُ إذَا عَلَّقَ الشَّارِعُ حُكْمًا فِي وَاقِعَةٍ عَلَى عِلَّةٍ تَقْتَضِي التَّعَدِّيَ إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ]
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
: إذَا عَلَّقَ الشَّارِعُ حُكْمًا فِي وَاقِعَةٍ عَلَى عِلَّةٍ تَقْتَضِي التَّعَدِّيَ إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، مِثْلُ حَرَّمْت السُّكَّرَ لِكَوْنِهِ حُلْوًا، فَإِنْ قَطَعَ بِاسْتِقْلَالِهَا فَالْجُمْهُورُ عَلَى التَّعَدِّي قِيَاسًا وَشَذَّ مَنْ قَالَ فِيهِ يَتَعَدَّى بِاللَّفْظِ، فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ بَلْ كَانَ ظَاهِرًا فِيهِ كَمَا فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، وَقَوْلُهُ ﵇: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» فَإِنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الِاخْتِصَاصِ بِذَلِكَ الْمُحْرِمِ، فَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ يَعُمُّ أَمْ لَا؟
стр. 1400
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَعُمُّ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ، لِأَنَّهُ وَقَصَتْ بِهِ نَاقَتُهُ لَا لِمُجَرَّدِ إحْرَامِهِ، أَوْ لِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ نِيَّتِهِ إخْلَاصُهُ، وَغَيْرُهُ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ ذَلِكَ. وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَحَكَاهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ: هَلْ عَمَّ بِالصِّيغَةِ، أَوْ بِالْقِيَاسِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَحْكِيَّيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ بِالْقِيَاسِ.
قُلْت: وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كِتَابِ " التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي خِلَافَ مَا نَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْهُ، إذَا طُرِدَتْ الْعِلَّةُ وَلَمْ يُمْكِنْ احْتِمَالُ اخْتِصَاصِ الْعِلَّةِ بِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ فَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ خَاصَّةً بِهِ لَمْ يَعُمَّ، كَقَوْلِهِ: لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا، قَالَ: يُعَمَّمُ بِتَعْمِيمِ ذَلِكَ فِي كُلِّ مُحْرِمٍ، وَفِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ الْمُحْرِمِ، فَإِنَّهُ عَلَّلَ الْحُكْمَ بِأَنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا، وَهَذَا مِمَّا لَا نَعْلَمُهُ فِي حَقِّ كُلِّ مُحْرِمٍ، وَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ فِي الْمُسْتَصْفَى.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: يَعُمُّ، لِقَوْلِهِ ﵇ «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» وَهُوَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الصِّيغَةِ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ أَيْضًا.
стр. 1401
وَاَلَّذِي وَجَدْته فِي كِتَابِ " الْأَعْلَامِ " إطْلَاقُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَقَدْ سَأَلَتْهُ عَنْ الِاسْتِحَاضَةِ: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» ، قَالَ: فَلَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ؛ بَلْ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ بِذَلِكَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَهُوَ الِاسْتِحَاضَةُ حَيْثُ وُجِدَتْ، إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالتَّخْصِيصِ.
وَذَهَبَ حُذَّاقُ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ يَعُمُّ بِاللَّفْظِ لَا بِالْقِيَاسِ، حَتَّى إنَّهُمْ حَكَمُوا بِكَوْنِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ يُنْسَخُ بِهَا كَمَا يُنْسَخُ بِالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ مَعَ مَنْعِهِمْ مِنْ النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ، ذَكَرَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُمْ. تَنْبِيهٌ [إذَا عَلَّقَ غَيْرُ الشَّارِعِ حُكْمًا فِي وَاقِعَةٍ عَلَى عِلَّةٍ]
هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلَامِ الشَّارِعِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ لَوْ قَالَ وَلَهُ عَبِيدٌ: أَعْتَقْتُ هَذَا الْعَبْدَ، لِأَنَّهُ أَبْيَضُ، فَلَا يُعْتَقُ الْبَاقُونَ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ وُقُوعِ الْعِلَّةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ حَيْثُ تَعُمُّ، وَبَيْنَ وُقُوعِهَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ فَلَا تَعُمُّ. قَالَ: وَلِذَلِكَ إذَا قَالَ الشَّارِعُ: لَا تَأْكُلْ الرُّءُوسَ، وَجَبَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّأْسِ، وَلَوْ قَالَ غَيْرُهُ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتَ الرُّءُوسَ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلَى الْمَعْهُودِ، انْتَهَى.
стр. 1402
وَهَكَذَا رَأَيْت الْجَزْمَ بِهِ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ " لِأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ، وَكَذَا الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى فِي بَابِ الْقِيَاسِ، فَقَالَ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ إلَّا غَانِمًا لِقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، وَإِنْ نَوَى عِتْقَ السُّودَانِ، لِأَنَّهُ بَقِيَ فِي حَقِّ غَيْرِ غَانِمٍ مُجَرَّدُ السَّوَادِ وَالْإِرَادَةُ، فَلَا تُؤْثَرُ. انْتَهَى.
وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ مَاءً مِنْ عَطَشٍ، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ طَعَامِهِ، وَلُبْسِ ثِيَابِهِ، وَشُرْبِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ، وَإِنْ كَانَ دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ تَقْتَضِيهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْعُمُومِ، وَإِلَيْهِ صَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ أَعْتِقْ عَبْدِي لِأَنَّهُ أَسْوَدُ سَاغَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ لَهُ أَسْوَدَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: بَدِيهَتِي تَقْتَضِي تَعْدِيَةَ الْعِتْقِ إلَى كُلِّ أَسْوَدَ مِنْ عَبِيدِهِ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْقِيَاسِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ]
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَعَلَيْهِ اُعْتُمِدَ فِي صِحَّةِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ، وَفِي الْإِسْلَامِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِقَضِيَّةِ غَيْلَانَ
стр. 1403
حَيْثُ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ وُرُودِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ فِي الْجَمْعِ وَالتَّرْتِيبِ، فَكَانَ إطْلَاقُ الْقَوْلِ دَالًّا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقَعَ تِلْكَ الْعُقُودُ مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَاسْتَحْسَنَهُ مِنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ اللَّفْظَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ مَحَامِلِ الْوَاقِعَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُجْمَلٌ فَيَبْقَى عَلَى الْوَقْفِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الْعُمُومِ، بَلْ إنَّمَا يَكْفِي الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ حَالِهِ ﵇ لَا مِنْ دَلَالَةِ الْكَلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ.
وَالرَّابِعُ: اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ أَنَّهُ يَعُمُّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ ﵇ تَفَاصِيلَ الْوَاقِعَةِ؛ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَا يَعُمُّ، وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ.
стр. 1404
وَاعْتُرِضَ عَلَى مَا قَالَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﵇ عَرَفَ حَقِيقَةَ الْحَالِ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَلِأَجْلِ هَذَا حَكَى الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَادَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَقَالَ: حُكْمُ الشَّارِعِ الْمُطْلَقِ فِي وَاقِعَةٍ سُئِلَ عَنْهَا وَلَمْ تَقَعْ بَعْدُ عَامٌ فِي أَحْوَالِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ وَقَعَتْ وَلَمْ يَعْلَمْ الرَّسُولُ كَيْفَ وَقَعَتْ، وَإِنْ عَلِمَ فَلَا عُمُومَ، وَإِنْ الْتَبَسَ هَلْ عَلِمَ أَمْ لَا؟ فَالْوَقْفُ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْمُوجِبِ لِلْوَقْفِ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُقُوعِ بِالْحَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ، فَيَعُودُ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي لَمْ تُعْلَمُ حَقِيقَةُ وُقُوعُهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْقَطْعَ، وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ، فَيَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ، وَتَأَوَّلَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحَدِيثَ عَلَى وُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ وَقَعَ مُرَتَّبًا فَإِنَّ الْأَرْبَعَ الْأُوَلَ تَصِحُّ، وَيَبْطُلُ فِيمَا عَدَاهُ.
وَأَجَابَ الْإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ بِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَعْرِفَةِ بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْلَانَ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَزَوْجَاتِهِ فِي نِهَايَةِ الْبَعْدُ، وَنَحْنُ إنَّمَا نَدَّعِي الْعُمُومَ فِي كُلِّ مَا يَظْهَرُ فِيهِ اسْتِفْهَامُ الْحَالِ، وَيَظْهَرُ مِنْ الشَّارِعِ إطْلَاقُ الْجَوَابِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مُسْتَرْسِلًا عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
قُلْت: وَلَا سِيَّمَا وَالْحَالُ حَالُ بَيَانٍ بِحُدُوثِ عَهْدِ غَيْلَانَ بِالْإِسْلَامِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مَا يَدْفَعُ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ «نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا، قَالَ: فَعُدْتُ إلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِرٌ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً، فَفَارَقْتُهَا» ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ وَقَعَ مُرَتَّبًا، وَالْجَوَابُ وَاحِدٌ.
стр. 1405
وَأَجَابَ الْهِنْدِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ احْتِمَالَ لَفْظِ الْحِكَايَةِ لِتِلْكَ الْحَالَةِ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَالِمٌ بِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ لِلسَّائِلِ، إمَّا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْقَضِيَّةَ لَمْ تَقَعْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ لِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ لَهُ، بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ احْتِمَالُ وُقُوعِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عِنْدَ الْمَسْئُولِ مَعَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَسْقُطُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَقَدْ وَافَقَنَا أَهْلُ الرَّأْيِ عَلَى هَذَا فِي غُرَّةِ جَنِينِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ ﷺ أَوْجَبَ فِيهِ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ أَمَةً، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ: هَلْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؟ فَلَمَّا تَرَكَ التَّفْصِيلَ فِيهِ دَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِيهِمَا. انْتَهَى.
وَلِذَلِكَ اسْتَدَلُّوا لِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ لِلِاسْتِحَاضَةِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ، فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ بِقَدْرِهَا» قَالُوا: فَأُطْلِقَ الْجَوَابُ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ عَنْ أَحْوَالِ الدَّمِ مِنْ سَوَادٍ وَحُمْرَةٍ وَغَيْرِهِمَا، فَدَلَّ هَذَا عَلَى اعْتِبَارِ الْعَادَةِ مُطْلَقًا وَتَقْدِيمِهِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَأَصْحَابُنَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ» فَأُطْلِقَ اعْتِبَارُ التَّمْيِيزِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ لَهَا، هَلْ
следующие страницы →