← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

وَاَلَّذِي وَجَدْته فِي كِتَابِ " الْأَعْلَامِ " إطْلَاقُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي كُلِّ مَنْ وُجِدَتْ فِيهِ تِلْكَ الْعِلَّةُ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، وَقَدْ سَأَلَتْهُ عَنْ الِاسْتِحَاضَةِ: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْت تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» ، قَالَ: فَلَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ؛ بَلْ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ بِذَلِكَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَهُوَ الِاسْتِحَاضَةُ حَيْثُ وُجِدَتْ، إلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالتَّخْصِيصِ. وَذَهَبَ حُذَّاقُ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ يَعُمُّ بِاللَّفْظِ لَا بِالْقِيَاسِ، حَتَّى إنَّهُمْ حَكَمُوا بِكَوْنِ الْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ يُنْسَخُ بِهَا كَمَا يُنْسَخُ بِالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ مَعَ مَنْعِهِمْ مِنْ النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ، ذَكَرَ هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَغَيْرُهُمْ. تَنْبِيهٌ [إذَا عَلَّقَ غَيْرُ الشَّارِعِ حُكْمًا فِي وَاقِعَةٍ عَلَى عِلَّةٍ] هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلَامِ الشَّارِعِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ لَوْ قَالَ وَلَهُ عَبِيدٌ: أَعْتَقْتُ هَذَا الْعَبْدَ، لِأَنَّهُ أَبْيَضُ، فَلَا يُعْتَقُ الْبَاقُونَ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ، فَفَرَّقَ بَيْنَ وُقُوعِ الْعِلَّةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ حَيْثُ تَعُمُّ، وَبَيْنَ وُقُوعِهَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ فَلَا تَعُمُّ. قَالَ: وَلِذَلِكَ إذَا قَالَ الشَّارِعُ: لَا تَأْكُلْ الرُّءُوسَ، وَجَبَ أَنْ لَا يَأْكُلَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الرَّأْسِ، وَلَوْ قَالَ غَيْرُهُ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلْتَ الرُّءُوسَ انْصَرَفَ ذَلِكَ إلَى الْمَعْهُودِ، انْتَهَى.

стр. 1402

وَهَكَذَا رَأَيْت الْجَزْمَ بِهِ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ " لِأَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ، وَكَذَا الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى فِي بَابِ الْقِيَاسِ، فَقَالَ: الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ إلَّا غَانِمًا لِقَوْلِهِ: أَعْتَقْتُ غَانِمًا لِسَوَادِهِ، وَإِنْ نَوَى عِتْقَ السُّودَانِ، لِأَنَّهُ بَقِيَ فِي حَقِّ غَيْرِ غَانِمٍ مُجَرَّدُ السَّوَادِ وَالْإِرَادَةُ، فَلَا تُؤْثَرُ. انْتَهَى. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَهُ مَاءً مِنْ عَطَشٍ، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ طَعَامِهِ، وَلُبْسِ ثِيَابِهِ، وَشُرْبِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ، وَإِنْ كَانَ دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ تَقْتَضِيهِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْعُمُومِ، وَإِلَيْهِ صَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ أَعْتِقْ عَبْدِي لِأَنَّهُ أَسْوَدُ سَاغَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّ عَبْدٍ لَهُ أَسْوَدَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: بَدِيهَتِي تَقْتَضِي تَعْدِيَةَ الْعِتْقِ إلَى كُلِّ أَسْوَدَ مِنْ عَبِيدِهِ، وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْقِيَاسِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ] [الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَحْوَالِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، وَعَلَيْهِ اُعْتُمِدَ فِي صِحَّةِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ، وَفِي الْإِسْلَامِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لِقَضِيَّةِ غَيْلَانَ

стр. 1403

حَيْثُ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ وُرُودِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ فِي الْجَمْعِ وَالتَّرْتِيبِ، فَكَانَ إطْلَاقُ الْقَوْلِ دَالًّا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَقَعَ تِلْكَ الْعُقُودُ مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَاسْتَحْسَنَهُ مِنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّ اللَّفْظَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ مَحَامِلِ الْوَاقِعَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُجْمَلٌ فَيَبْقَى عَلَى الْوَقْفِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الْعُمُومِ، بَلْ إنَّمَا يَكْفِي الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ حَالِهِ ﵇ لَا مِنْ دَلَالَةِ الْكَلَامِ، وَهُوَ قَوْلُ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيِّ. وَالرَّابِعُ: اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ أَنَّهُ يَعُمُّ إذَا لَمْ يَعْلَمْ ﵇ تَفَاصِيلَ الْوَاقِعَةِ؛ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَا يَعُمُّ، وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ الْمَذْهَبَ الْأَوَّلَ.

стр. 1404

وَاعْتُرِضَ عَلَى مَا قَالَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ ﵇ عَرَفَ حَقِيقَةَ الْحَالِ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، وَلِأَجْلِ هَذَا حَكَى الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَادَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَقَالَ: حُكْمُ الشَّارِعِ الْمُطْلَقِ فِي وَاقِعَةٍ سُئِلَ عَنْهَا وَلَمْ تَقَعْ بَعْدُ عَامٌ فِي أَحْوَالِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ وَقَعَتْ وَلَمْ يَعْلَمْ الرَّسُولُ كَيْفَ وَقَعَتْ، وَإِنْ عَلِمَ فَلَا عُمُومَ، وَإِنْ الْتَبَسَ هَلْ عَلِمَ أَمْ لَا؟ فَالْوَقْفُ. وَأَجَابَ الشَّيْخُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْمُوجِبِ لِلْوَقْفِ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُقُوعِ بِالْحَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ، فَيَعُودُ إلَى الْحَالَةِ الَّتِي لَمْ تُعْلَمُ حَقِيقَةُ وُقُوعُهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْقَطْعَ، وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ، فَيَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ، وَتَأَوَّلَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحَدِيثَ عَلَى وُقُوعِ الْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ وَقَعَ مُرَتَّبًا فَإِنَّ الْأَرْبَعَ الْأُوَلَ تَصِحُّ، وَيَبْطُلُ فِيمَا عَدَاهُ. وَأَجَابَ الْإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ السَّمْعَانِيِّ بِأَنَّ احْتِمَالَ الْمَعْرِفَةِ بِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْلَانَ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ ثَقِيفٍ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَزَوْجَاتِهِ فِي نِهَايَةِ الْبَعْدُ، وَنَحْنُ إنَّمَا نَدَّعِي الْعُمُومَ فِي كُلِّ مَا يَظْهَرُ فِيهِ اسْتِفْهَامُ الْحَالِ، وَيَظْهَرُ مِنْ الشَّارِعِ إطْلَاقُ الْجَوَابِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مُسْتَرْسِلًا عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا. قُلْت: وَلَا سِيَّمَا وَالْحَالُ حَالُ بَيَانٍ بِحُدُوثِ عَهْدِ غَيْلَانَ بِالْإِسْلَامِ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مَا يَدْفَعُ هَذَا التَّأْوِيلَ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ «نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا، قَالَ: فَعُدْتُ إلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِرٌ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً، فَفَارَقْتُهَا» ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ وَقَعَ مُرَتَّبًا، وَالْجَوَابُ وَاحِدٌ.

стр. 1405

وَأَجَابَ الْهِنْدِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ احْتِمَالَ لَفْظِ الْحِكَايَةِ لِتِلْكَ الْحَالَةِ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْمَسْئُولَ عَالِمٌ بِأَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ لِلسَّائِلِ، إمَّا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْقَضِيَّةَ لَمْ تَقَعْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَوْ لِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ لَهُ، بَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ احْتِمَالُ وُقُوعِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عِنْدَ الْمَسْئُولِ مَعَ احْتِمَالِ اللَّفْظِ إيَّاهَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَخْفَى أَنَّهُ يَسْقُطُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَقَدْ وَافَقَنَا أَهْلُ الرَّأْيِ عَلَى هَذَا فِي غُرَّةِ جَنِينِ الْحُرَّةِ لِأَنَّهُ ﷺ أَوْجَبَ فِيهِ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ أَمَةً، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ: هَلْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى؟ فَلَمَّا تَرَكَ التَّفْصِيلَ فِيهِ دَلَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ فِيهِمَا. انْتَهَى. وَلِذَلِكَ اسْتَدَلُّوا لِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ لِلِاسْتِحَاضَةِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنْ الشَّهْرِ، فَلْتَتْرُكْ الصَّلَاةَ بِقَدْرِهَا» قَالُوا: فَأُطْلِقَ الْجَوَابُ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ عَنْ أَحْوَالِ الدَّمِ مِنْ سَوَادٍ وَحُمْرَةٍ وَغَيْرِهِمَا، فَدَلَّ هَذَا عَلَى اعْتِبَارِ الْعَادَةِ مُطْلَقًا وَتَقْدِيمِهِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَأَصْحَابُنَا اسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «إنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ» فَأُطْلِقَ اعْتِبَارُ التَّمْيِيزِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ لَهَا، هَلْ

стр. 1406

هِيَ ذَاكِرَةٌ لِعَادَتِهَا أَمْ لَا؟ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَقَدْ قَسَّمَ الْإِبْيَارِيُّ هَذِهِ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: إنْ تَبَيَّنَ اطِّلَاعُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ، فَلَا رَيْبَ فِي أَنَّهَا لَا يَثْبُتُ فِيهَا مُقْتَضَى الْعُمُومِ. ثَانِيهَا: أَنْ لَا يَثْبُتَ بِطَرِيقٍ مَا اسْتِفْهَامُ كَيْفِيَّةِ الْقَضِيَّةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى أَقْسَامٍ، وَالْحُكْمُ قَدْ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِهَا، فَيُنَزَّلُ إطْلَاقُهُ الْجَوَابَ فِيهَا مَنْزِلَةَ اللَّفْظِ الَّذِي يَعُمُّ تِلْكَ الْأَقْسَامَ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ حَتَّى يَثْبُتَ تَارَةً وَلَا يَثْبُتَ أُخْرَى، لَمَا صَحَّ لِمَنْ الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْحَالُ أَنْ يُطْلِقَ الْحُكْمَ، لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْحَالَةُ وَاقِعَةً عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَقِرُّ مَعَهَا الْحُكْمُ، فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْمِيمِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ بِالْإِضَافَةِ إلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَفِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الْوَاقِعَةِ بِاعْتِبَارِ دُخُولِهَا الْوُجُودَ لَا بِاعْتِبَارِ

стр. 1407

وُقُوعِهَا، كَمَا إذَا سُئِلَ عَمَّنْ جَامَعَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَيَقُولُ: فِيهِ كَذَا، فَهَذَا يَقْتَضِي اسْتِرْسَالَ الْحُكْمِ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْهَا عَلَى الْإِبْهَامِ، وَلَمْ يُفَصِّلْ الْجَوَابَ، كَانَ عُمُومُهُ مُسْتَرْسِلًا عَلَى كُلِّ أَحْوَالِهِ. رَابِعُهَا: أَنْ تَكُونَ الْوَاقِعَةُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا حَاصِلَةً فِي الْوُجُودِ، وَيُطْلَقُ السُّؤَالُ عَنْهَا فَيُجِيبُ أَيْضًا كَذَلِكَ، فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ إلَى الْقَيْدِ الْوُجُودِيِّ يَمْنَعُ الْقَضَاءَ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَالِالْتِفَاتُ إلَى الْإِطْلَاقِ فِي السُّؤَالِ يَقْتَضِي اسْتِوَاءَ الْأَحْوَالِ فِي غَرَضِ الْمُجِيبِ، فَالْتَفَتَ الشَّافِعِيُّ إلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الْإِرْشَادِ وَإِزَالَةِ الْإِشْكَالِ وَحُصُولِ تَمَامِ الْبَيَانِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ نَظَرَ إلَى احْتِمَالِ خُصُوصِ الْوَاقِعَةِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ فِي الْوُجُودِ إلَّا خَاصَّةً، فَقَالَ: احْتِمَالُ عِلْمِ الشَّارِعِ بِهَا يَمْنَعُ التَّعْمِيمَ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: إنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ مَقْصُورَةٌ بِمَا إذْ وُجِدَ اللَّفْظُ جَوَابًا عَنْ السُّؤَالِ، فَأَمَّا التَّقْرِيرُ عِنْدَ السُّؤَالِ فَهَلْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ اللَّفْظِ حَتَّى يَعُمَّ أَحْوَالَ السُّؤَالِ فِي الْجَوَابِ وَغَيْرِهِ؟ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: الْأَقْرَبُ تَنْزِيلُهُ طَرْدًا لِلْقَاعِدَةِ، وَلِإِقَامَةِ الْإِقْرَارِ مَقَامَ الْحُكْمِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، إذْ لَا يَجُوزُ تَقْرِيرُهُ لِغَيْرِهِ عَلَى أَمْرٍ بَاطِلٍ، فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْقَوْلِ الْمُبِينِ لِلْحُكْمِ، فَيَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ فِي الْعُمُومِ، فَإِنْ قِيلَ: التَّقْرِيرُ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ لَفْظِيَّةً، وَالْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ، وَلِهَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا عُمُومَ لِلْمَفْهُومِ، لِأَنَّ دَلَالَتَهُ لَيْسَتْ لَفْظِيَّةً. فَالْجَوَابُ: أَنَّ قَوْلَنَا مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ بِمَعْنَى شُمُولِ الْحُكْمِ لِلْأَحْوَالِ،

стр. 1408

فَلَا يَجْعَلُهُ حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ حَدِيثُ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ، فَإِنَّ السَّائِلَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : «إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَمَعَنَا الْقَلِيلُ مِنْ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا» الْحَدِيثَ، فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ إعْدَادَ الْمَاءِ الْكَافِي لِلطَّهَارَةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ غَيْرُ لَازِمٍ، لِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا أَنَّهُمْ يَحْمِلُونَ الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ وَهُوَ كَالْعَامِّ فِي حَالَاتِ حَمْلِهِمْ بِالنِّسْبَةِ عَلَى الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَالْعَجْزِ عَنْهُ، لِضِيقِ مَرَاكِبِهِمْ. وَغَيْرِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ أَيْضًا، وَقَدْ أَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى جَوَازِهِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْوَارِدُ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ مَعَ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ. الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالِاحْتِمَالِ كَيْفَ كَانَ مَرْجُوحًا وَغَيْرَهُ، فَيَحْصُلُ التَّعْمِيمُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاحْتِمَالَ الْمَرْجُوحَ لَا يَدْخُلُ، وَحِينَئِذٍ فَيَحْصُلُ التَّصْوِيرُ بِالِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَارِبَةِ وَالْمُتَسَاوِيَةِ فِي الْإِطْلَاقِ. قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ جَدُّهُ الْمُقْتَرِحُ: لَمْ يُرِدْ الشَّافِعِيُّ بِذَلِكَ مُطْلَقَ الِاحْتِمَالِ، حَتَّى يَنْدَرِجَ فِيهِ التَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ احْتِمَالًا يُضَافُ إلَى أَمْرٍ وَاقِعٍ، لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ التَّجْوِيزُ الْعَقْلِيُّ لَأَدَّى إلَى رَدِّ مُعْظَمِ الْوَقَائِعِ الَّتِي حَكَمَ فِيهَا الشَّارِعُ، إذْ مَا مِنْ وَاقِعَةٍ إلَّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهَا تَجْوِيزٌ عَقْلِيٌّ. وَيَشْهَدُ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي الْأُمِّ فِي مُنَاظَرَةٍ لَهُ: قَلَّ شَيْءٌ إلَّا وَيَطْرُقُهُ الِاحْتِمَالُ، وَلَكِنْ الْكَلَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ؛ فَأَبَانَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا نَظَرَ إلَى احْتِمَالٍ يُخَالِفُ ظَاهِرَةَ الْكَلَامِ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ، فَالْعُمُومُ يُتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ وَإِمْكَانِ إرَادَتِهِ كَسَائِرِ صِيَغِ الْعُمُومِ. بَقِيَ أَنَّ احْتِمَالَ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي صُورَةِ الْحَالِ مَا يَقْتَضِي خُرُوجَ الْجَوَابِ عَلَى ذَلِكَ، هَلْ يَكُونُ قَادِحًا فِي التَّعْمِيمِ؟ قَالَ الْإِمَامُ فِي

стр. 1409

الْمَحْصُولِ " نَعَمْ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ يُخَالِفُهُ، وَهُوَ الصَّوَابُ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِلَفْظِهِ، وَلَفْظُهُ مَعَ تَرْكِ الِاسْتِفْصَالِ بِمَنْزِلَةِ التَّنْصِيصِ عَلَى الْعُمُومِ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَدْ اسْتَشْكَلَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ بِمَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا أَنَّ قَضَايَا الْأَحْوَالِ إذَا تَطَرَّقَ إلَيْهَا الِاحْتِمَالُ كَسَاهَا ثَوْبَ الْإِجْمَالِ وَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال. قَالَ الْقَرَافِيُّ: سَأَلْتُ بَعْضَ فُضَلَاءِ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ جَمَعَ الْقَرَافِيُّ بَيْنَهُمَا بِطَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مُرَادَهُ بِالِاحْتِمَالِ الْمَانِعِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ، الِاحْتِمَالُ الْمُسَاوِي أَوْ الْقَرِيبُ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِالِاحْتِمَالِ الَّذِي لَا يَقْدَحُ الِاحْتِمَالُ الْمَرْجُوحُ، فَإِنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَلَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الدَّلَالَةِ، فَلَا يَصِيرُ اللَّفْظُ بِهِ مُجْمَلًا إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الظَّوَاهِرَ كُلَّهَا كَذَلِكَ لَا تَخْلُو عَنْ احْتِمَالٍ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَرْجُوحًا لَمْ يَقْدَحْ فِي دَلَالَتِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الِاحْتِمَالَ تَارَةً يَكُونُ فِي دَلِيلِ الْحُكْمِ، وَتَارَةً فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يَسْقُطُ بِهِ الِاسْتِدْلَال دُونَ الثَّانِي. وَمَثَّلَ الْأَوَّلَ بِقَوْلِهِ ﵇: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سِيقَ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخَضْرَاوَاتِ، كَمَا يَقُولُ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَيَكُونُ الْعُمُومُ مَقْصُودًا لَهُ، لِأَنَّهُ أَتَى بِلَفْظٍ دَالٍّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ اللَّفْظُ لِبَيَانِ مَعْنًى لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي غَيْرِهِ، وَهَذَا إنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ دُونَ الْوَاجِبِ فِيهِ، فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْوَاجِبِ فِيهِ، وَإِذَا تَعَارَضَتْ الِاحْتِمَالَاتُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ.

стр. 1410

قَالَ: وَمِثْلُهُ الْمُحْرِمُ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، فَيُحْتَمَلُ التَّخْصِيصُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ الْعُمُومُ فِي غَيْرِهِ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يُرَجِّحُ أَحَدَهُمَا، فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلَال عَلَى التَّعْمِيمِ فِي حَقِّ كُلِّ مُحْرِمٍ. هَذَا كَلَامُهُ. وَهَذَا الْجَمْعُ يُخَالِفُ طَرِيقَةَ الشَّافِعِيِّ، يَقُولُ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِالْعُمُومِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْقِيَاسِ كَمَا سَبَقَ، وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ مَا يَبِينُ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ، لِأَنَّ غَالِبَ وَقَائِعِ الْأَعْيَانِ - الشَّكُّ وَاقِعٌ فِيهَا فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ وَالصَّوَابُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مَا ذَكَرَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ وَغَيْرُهُمَا، أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى فِي تَرْكِ اسْتِفْصَالِ الشَّارِعِ الِاسْتِدْلَال فِيهَا بِقَوْلِ الشَّارِعِ وَعُمُومٌ فِي الْخِطَابِ الْوَارِدِ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَحْوَالِ، وَالْعِبَارَاتُ الثَّانِيَةُ فِي الْفِعْلِ الْمُحْتَمَلِ وُقُوعُهُ عَلَى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَهِيَ فِي كَوْنِ الْوَاقِعَةِ نَفْسِهَا لَمْ يُفَصَّلْ، وَهِيَ تَحْتَمِلُ وُجُوهًا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلَافِهَا فَلَا عُمُومَ لَهُ كَقَوْلِهِ: صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ أَوْ فَعَلَ فِعْلًا لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ إلَى الْأَفْعَالِ وَالْوَاقِعَةُ نَفْسُهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ، وَكَلَامُ الشَّارِعِ حُجَّةٌ لَا احْتِمَالَ فِيهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِسُقُوطِ الِاسْتِدْلَالِ فِي وَقَائِعِ الْأَعْيَانِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعُمُومِ إلَى أَفْرَادِ الْوَاقِعَةِ لَا سُقُوطُهُ مُطْلَقًا فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِهَا فِي صُورَةٍ مَا مِمَّا يُحْتَمَلُ وُقُوعُهَا عَلَيْهِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَهَكَذَا الْحَدِيثُ «أَنَّهُ ﵇ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ، مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ وَلَا سَفَرٍ» ، فَإِنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي مَطَرٍ وَأَنَّهُ كَانَ فِي مَرَضٍ وَلَا عُمُومَ لَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، فَلِهَذَا حَمَلُوهُ عَلَى الْبَعْضِ، وَهُوَ الْمَطَرُ، لِمُرَجِّحِ لِلتَّعْيِينِ.

стр. 1411

وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُخَرَّجَ لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مِنْ اخْتِلَافِ قَوْلِهِ إنَّ الْمُعْتَادَةَ الْمُمَيَّزَةَ هَلْ يُحْكَمُ لَهَا بِالتَّمَيُّزِ، أَوْ تُرَدُّ إلَى الْعَادَةِ كَغَيْرِهَا؟ وَسَبَبُهُ قَوْلُهُ ﵇ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» ، فَرَدَّهَا إلَى الْعَادَةِ، وَلَمْ يَسْأَلْهَا: هَلْ هِيَ مُمَيِّزَةٌ أَمْ لَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلْعَادَةِ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ، لَكِنْ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُحْكَمُ بِالتَّمْيِيزِ، وَقَدْ تَعَاكَسَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ مَسْأَلَةِ غَيْلَانَ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ حَمَلَ حَدِيثَ غَيْلَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ، وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَهُ عَلَى الْعُمُومِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ حَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الْعُمُومِ، وَالشَّافِعِيُّ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُمَيِّزَةً بِحَدِيثٍ وَرَدَ فِيهِ سَبْقُ ذِكْرِهِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْمُقْتَضَى هَلْ هُوَ عَامٌّ أَمْ لَا] [الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ فِي أَنَّ الْمُقْتَضَى هَلْ هُوَ عَامٌّ أَمْ لَا؟ وَلَا بُدَّ مِنْ تَحْرِيرِ تَصْوِيرِهِ قَبْلَ نَصْبِ الْخِلَافِ، فَنَقُولُ: الْمُقْتَضِي بِكَسْرِ الضَّادِ هُوَ اللَّفْظُ الطَّالِبُ لِلْإِضْمَارِ، بِمَعْنَى أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا بِإِضْمَارِ شَيْءٍ، وَهُنَاكَ مُضْمَرَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَهَلْ لَهُ عُمُومٌ فِي جَمِيعِهَا أَوْ لَا يَعُمُّ، بَلْ يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا؟ وَأَمَّا الْمُقْتَضَى بِالْفَتْحِ فَهُوَ ذَلِكَ الْمُضْمَرِ نَفْسُهُ، هَلْ نُقَدِّرُهُ عَامًّا، أَمْ نَكْتَفِي بِخَاصٍّ مِنْهُ؟ إذَا عَرَفْتَ هَذَا فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي " اللُّمَعِ وَشَرْحِهَا وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي حَيْثُ قَالَا: الْخِطَابُ الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَى الْإِضْمَارِ لَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِي إضْمَارِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى إضْمَارٍ، فَبَعْضُهُمْ يُضْمِرُ " وَقْتُ إحْرَامِ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ "، وَبَعْضُهُمْ يُضْمِرُ " وَقْتُ إفْعَالِ الْحَجِّ "، وَالْحَمْلُ عَلَى الْعُمُومِ

стр. 1412

لَا يَجُوزُ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَدُلُّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ لِأَنَّ الْعُمُومَ مِنْ صِفَاتِ النُّطْقِ، فَلَا يَجُوزُ دَعْوَاهُ فِي الْمَعَانِي. قَالَا: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِي «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» ، وَ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» فِي نَفْيِ الْفَضِيلَةِ، وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ مَا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَعَمُّ فَائِدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، لِأَنَّ مَا سِوَاهُ مَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ؛ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا كُلُّهُ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْجَمِيعِ لَا يَجُوزُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ لَفْظٌ يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَلَا يُحْمَلُ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ، لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ. انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَوْضِعَ النِّزَاعِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُضْمَرِ، لَا فِي الْمُضْمَرِ لَهُ، فَإِنَّ الْمُضْمَرَ لَهُ مَنْطُوقٌ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ فِي " التَّقْوِيمِ " وَصَاحِبُ " اللُّبَابِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالُوا: الْمُقْتَضَى مَا اقْتَضَاهُ النَّصُّ، وَأَوْجَبَهُ شَرْطًا لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ، وَالنَّصُّ مُقْتَضٍ لَهُ، كَقَوْلِهِ ﵊: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ، وَلَمْ يَزِدْ

стр. 1413

غَيْرَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْفُوعٍ، بَلْ رَافِعٌ، فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُقْتَضَى الْكَلَامِ: الْحُكْمُ أَوْ الْإِثْمُ، أَوْ هُمَا جَمِيعًا، فَالشَّافِعِيُّ أَثْبَتَ لِلْمُقْتَضِي عُمُومًا، وَعِنْدَنَا لَا عُمُومَ لَهُ، لِأَنَّ دَلَالَتَهُ ضَرُورِيَّةٌ لِلْحَاجَةِ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ مَا يَصِحُّ الْمَذْكُورُ بِهِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمُقْتَضَى كَالْمَنْصُوصِ فِي احْتِمَالِ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ. وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ الْمُقْتَضَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ النَّصِّ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ، فَكَانَ مَعْدُومًا حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ مَوْجُودًا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَمَا ثَبَتَ بِالضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ رَفْعُ الْإِثْمِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ. ثُمَّ فَرَّعَ السَّرَخْسِيُّ عَلَى الْخِلَافِ الْمَسْأَلَةَ السَّابِقَةَ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ: إنْ أَكَلْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ وَنَوَى طَعَامًا، قَالَ: فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُعْمَلُ بِنِيَّتِهِ لِأَنَّ الْأَكْلَ يَقْتَضِي مَأْكُولًا، وَذَلِكَ كَالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إنْ أَكَلْتُ طَعَامًا، فَلَمَّا كَانَ لِلْمُقْتَضَى عُمُومٌ عِنْدَهُ عُمِلَ بِنِيَّةِ التَّخْصِيصِ، وَعِنْدَنَا لَا يُعْمَلُ لِأَنَّهُ لَا عُمُومَ لِلْمُقْتَضَى، وَنِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِيمَا لَا عُمُومَ لَهُ لَاغِيَةٌ. انْتَهَى. وَجَعَلَ غَيْرُهُ الْحَدِيثَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ لَا مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ، فَكَانَ تَقْدِيرُ الْحُكْمِ وَالْإِثْمِ مِنْ بَابِ الِاشْتِرَاكِ، وَالْمُشْتَرَكُ لَا عُمُومَ لَهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي الْحَذْفِ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ مِنْ الْمَنْطُوقِ إلَى الْمَحْذُوفِ، وَفِي الْمُقْتَضَى لَا يَنْتَقِلُ مِنْ الْمُقْتَضَى شَيْءٌ، بَلْ يُقَدَّرُ قَبْلَهُ مَا يُصَحِّحُهُ، قَالُوا: وَنَظِيرُهُ الْمَيْتَةُ أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ مَا وَرَاءَهُ مِنْ الشِّبَعِ، بِخِلَافِ الْمَنْصُوصِ، فَإِنَّهُ عَامِلٌ بِنَفْسِهِ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكَّى يَعُمُّ سَائِرَ جِهَاتِ الِانْتِفَاعِ.

стр. 1414

وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُخَرَّجُ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: فَإِنَّهُ قَالَ فِي " الْأُمِّ " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] الْآيَةَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا فَتَطَيَّبَ، أَوْ لَبِسَ، أَوْ أَخَذَ ظُفْرَهُ، لِأَجْلِ مَرَضِهِ، أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَحَلَقَهُ فَفِدْيَةٌ، فَقُدِّرَ جَمِيعُ الْمُضْمَرَاتِ؟ وَقَالَ فِي " الْإِمْلَاءِ " لَيْسَ هَذَا مُضْمَرًا فِي الْآيَةِ، وَإِنَّمَا تَضَمَّنَهُ حَلْقُ الرَّأْسِ فَقَطْ، وَالْبَاقِي مَقِيسٌ عَلَيْهِ، فَقَدَّرَهُ خَاصًّا. وَقَدْ حَكَى الْبَصِيرُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي " وَ " الْحَاصِلِ " أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَحَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ " عَنْ " شَرْحِ اللُّمَعِ " لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ عَامٌّ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَصَحَّحَهُ وَالنَّوَوِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ " فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، فَقَالَ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ النَّاسِي؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِضَاءِ عَامَّةٌ، يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي» فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: حُكْمُ الْخَطَأِ أَوْ إثْمُهُ أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَقَاعِدَةُ الشَّافِعِيِّ تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، وَلِهَذَا كَانَ كَلَامُ النَّاسِي عِنْدَهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ أَبْطَلَهَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ يَرَى عَدَمَ عُمُومِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ فِي كُلِّ مَا يَصِحُّ التَّقْدِيرُ بِهِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ

стр. 1415

وَالْغَزَالِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ، وَالْآمِدِيَّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الشَّيْخُ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ ": إنَّهُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْإِضْمَارِ، وَهِيَ الْمُنْدَفِعَةُ بِإِضْمَارٍ وَاحِدٍ وَتَكْثِيرُ الْإِضْمَارِ تَكْثِيرٌ لِمُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ، ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ لِلْمُخَالِفِ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ إضْمَارُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَإِمَّا أَنْ لَا يُضْمَرَ حُكْمٌ أَصْلًا، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّهُ تَعْطِيلُ دَلَالَةِ اللَّفْظِ، أَوْ يُضْمَرُ الْكُلُّ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ هَذَا، وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ: لَيْسَ إضْمَارُ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ، إنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ قُلْنَا بِإِضْمَارِ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ إضْمَارُ حُكْمٍ مَا وَالتَّعْيِينُ إلَى الشَّارِعِ، ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِجْمَالُ، فَأَجَابَ بِأَنَّ إضْمَارَ الْكُلِّ يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْثِيرُ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَعْنِي مِنْ الْإِجْمَالِ وَإِضْمَارِ الْكُلِّ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَإِذَا قُلْنَا: بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ، فَهَلْ هُوَ مُجْمَلٌ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ، وَإِذْ قُلْنَا: لَيْسَ بِمُجْمَلٍ، فَقِيلَ: يُصْرَفُ إطْلَاقُهُ فِي كُلِّ عَيْنٍ إلَى الْمَقْصُودِ اللَّائِقِ بِهِ، حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَقِيلَ: يُضْمَرُ الْمَوْضِعُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، لِأَنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ الدَّلِيلِ، حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ": إنْ قُلْنَا: الْمُقْتَضَى لَهُ عُمُومٌ أُضْمِرَ الْكُلُّ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا عُمُومَ لَهُ، فَهَلْ يُضْمَرُ مَا يُفْهَمُ مِنْ اللَّفْظِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الشَّرْعِ، أَوْ يُضْمَرُ حُكْمًا مِنْ غَيْرِ تَعَيُّنٍ وَتَعْيِينُهُ إلَى الْمُجْتَهِدِ؟

стр. 1416

وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ. وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الْآمِدِيَّ. وَالثَّالِثُ التَّوَقُّفُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْآمِدِيَّ آخِرًا لِتَعَارُضِ الْمَحْذُورَيْنِ: كَثْرَةُ الْإِضْمَارِ وَالْإِجْمَالُ إذَا قِيلَ بِإِضْمَارِ حُكْمٍ، وَأَمَّا ابْنُ الْحَاجِبِ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْتِزَامُ الْإِجْمَالِ أَقْرَبُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ بِتَكْثِيرِ الْإِضْمَارِ، وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ اخْتِيَارُ الْكَرْخِيِّ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أَنْ تَكُونَ مُجْمَلَةً، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ هُنَاكَ بِمُخَالَفَتِهِ. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ فِي بَابِ الْمُجْمَلِ بِأَنَّ الْتِزَامَ مَحْذُورِ الْإِضْمَارِ الْكَثِيرِ أَوْلَى مِنْ الْتِزَامِ مَحْذُورِ الْإِجْمَالِ فِي اللَّفْظِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِضْمَارَ فِي اللُّغَةِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا مِنْ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمَحْظُورَ فِي الْإِضْمَارِ أَقَلُّ مَا كَانَ اسْتِعْمَالُهُ أَكْثَرَ. الثَّانِي: أَنَّهُ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُودِ الْإِضْمَارِ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْإِجْمَالِ فِيهِمَا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ ﵇ قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا وَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إضْمَارِ جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالشُّحُومِ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِلَّا لَمَا أَلْزَمَهُمْ الذَّمُّ بِبَيْعِهَا. هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَتْ الْمُقَدَّرَاتُ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ فِي الدَّلَالَةِ، أَمَّا إذَا كَانَ بَعْضُهَا أَعَمَّ مِنْ غَيْرِهِ فَاخْتَارَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ إضْمَارُ الْأَعَمِّ لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَتَكْثِيرِهَا مَعَ انْدِفَاعِ الْمَحْذُورِ الَّذِي هُوَ تَكْثِيرُ الْإِضْمَارِ.

стр. 1417

وَقَرَّرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ " فَقَالَ: وَهُنَا وَجْهٌ يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ مَقْصُودُ مَنْ أَرَادَ التَّعْمِيمَ، وَهُوَ أَنْ يُضْمِرَ شَيْئًا وَاحِدًا، مَدْلُولُ ذَلِكَ مُقْتَضٍ لِلْعُمُومِ، فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعُمُومِ مَعَ عَدَمِ تَعَدُّدِ الْمُضْمَرِ، مِثْلُ أَنْ يُضْمِرَ فِي قَوْلِهِ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْحُكْمُ، فَيَعُمُّ الْأَحْكَامَ مَعَ غَيْرِ تَعَدُّدٍ فِي الْمُضْمَرِ. انْتَهَى. وَقَدَّرَ فَخْرُ الدِّينِ فِي تَفْسِيرِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] التَّصَرُّفَ فِي الْمَيْتَةِ لِيَعُمَّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ، وَالْبَيْعِ وَالْمُلَابَسَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ الصُّوَرَ فِي الْمُقَدَّرَاتِ ثَلَاثٌ: أَحَدُهَا: أَنْ تَتَسَاوَى، وَلَا يَظْهَرُ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا أَنَّهُ أَرْجَحُ، فَهَلْ هُوَ عَامٌّ أَوْ مُجْمَلٌ؟ قَوْلَانِ: أَرْجَحُهُمَا الثَّانِي. ثَانِيهِمَا: أَنْ يَتَرَجَّحَ بَعْضُهَا لَا بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ، بَلْ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِيقَةِ، مِثْلُ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ» ، «وَلَا صَلَاةَ إلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، فَأَصْحَابُنَا يُقَدِّرُونَ وَاحِدًا، ثُمَّ يُرَجِّحُونَ تَقْدِيرَ مَا كَانَ

стр. 1418

أَقْرَبَ إلَى نَفْيِ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ الْجَوَازُ مَثَلًا، سَوَاءٌ كَانَ أَعَمَّ مِنْ غَيْرِهِ أَمْ لَا، وَالْخَصْمُ يُقَدِّرُ الْكُلَّ، ثُمَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَقُولُ هُنَا: إنَّ الْخَصْمَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّرَ الْكُلَّ إلَّا إذَا لَمْ يُنَافِ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَإِنْ تَنَافَيَا وَارْتَكَبَ تَقْدِيرَ الْكُلِّ فَقَدْ أَسَاءَ، مِثْلُ " لَا صِيَامَ " فَإِنَّ تَقْدِيرَ الْكَمَالِ يُنَافِي تَقْدِيرَ الصِّحَّةِ، إذْ نَفْيُ الْكَمَالِ مِنْهُمْ إثْبَاتُ الصِّحَّةِ، فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ مَعَ تَقْدِيرِ نَفْيِ الصِّحَّةِ مَعَهُ. وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ انْتِفَاءُ الْفَضِيلَةِ مَعَ انْتِفَاءِ الْجَوَازِ: لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْجَوَازِ، فَيُتَصَوَّرُ انْتِفَاءُ الْفَضِيلَةِ، وَجَرَى عَلَى ذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَالْخِلَافُ فِي هَذَا إنَّمَا يُمْكِنُ فِيمَا لَا تَنَافِيَ بَيْنَ مَضْمُونِهِ. وَثَالِثُهَا: أَنْ يَظْهَرَ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ بِدَلِيلٍ مُسْتَفَادٍ مِنْ خَارِجٍ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَ هُنَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، بَلْ يُقَدَّرُ مَا ظَهَرَ، فَإِنْ كَانَ عَامًّا فَهُوَ عَامٌّ، وَإِلَّا فَلَا، فَالْعَامُّ كَقَوْلِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أَيْ وَقْتُ الْحَجِّ، وَالْخَاصُّ كَقَوْلِهِ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» أَيْ لَا تَجِبُ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى جَوَازِهَا، وَصَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا تَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا بِدَلِيلٍ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ عَامٌّ، كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مَعَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ قَدْ تَعَيَّنَتْ. الثَّانِي: أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ قَالُوا: إذَا تَعَيَّنَ لِلْمُقْتَضَى أَحَدُ الْمُضْمَرَاتِ، كَانَ كَظُهُورِهِ فِي اللَّفْظِ، وَرَدُّوا ادِّعَاءَ الْكَرْخِيِّ الْإِجْمَالَ، فَإِنَّ الَّذِي يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا، وَمِنْ تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ تَحْرِيمُ وَطْئِهِنَّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ فَلَا إجْمَالَ.

стр. 1419

وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ عِنْدَهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَكْلِ؛ بَلْ يَحْرُمُ مُلَابَسَتُهَا فِي الصَّلَاةِ وَبَيْعُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ، إلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ كَالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ، وَلَمْ يُعَدَّهُ لِلشَّعْرِ، لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، فَنَجَاسَتُهُ ثَابِتَةٌ عِنْدَهُ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْآمِدِيُّ فِي قَوْلِهِ ﵇: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ» الْحَدِيثَ، إلَّا أَنْ يُقَرِّرَ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّ تَحْرِيمَ أَكْلِ الْمَيْتَةِ ظَاهِرٌ فِي نَجَاسَتِهَا، وَإِذَا تَنَجَّسَتْ بِالْمَوْتِ لَزِمَ مِنْ النَّجَاسَةِ بُطْلَانُ الْبَيْعِ وَعَدَمُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا إلَّا مَا طَهُرَ بِالدِّبَاغِ، فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ نَاشِئَةٌ عَنْ النَّجَاسَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ إجْمَالٌ وَلَا تَكْثِيرُ إضْمَارٍ، وَهَذَا تَقْرِيرٌ حَسَنٌ. وَلَمْ يَسْلُكْ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ؛ بَلْ قَدَّرَ إنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ التَّصَرُّفَ فِي الْمَيْتَةِ، لِيُفِيدَ عُمُومَ التَّصَرُّفِ، كَالْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَالْمُلَابَسَاتِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ: إنَّهُ الْمُتَعَارَفُ مِنْ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ لَا تَحْرِيمِ أَكْلِهَا. وَفِي هَذَا الْكَلَامِ ضَعْفٌ لَا يَخْفَى، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَرَّرَهُ فِي الْمَحْصُولِ كَمَا مَرَّ، وَقَوْلُهُ ﵇: «إنَّمَا حُرِّمَ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» دَلِيلُ انْصِرَافِ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ إلَى أَكْلِهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ تَحْرِيمِ الْمُلَابَسَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ ظَاهِرٌ فِي النَّجَاسَةِ، وَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ يَصْلُحُ لِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ وَالنَّجَاسَةِ عَلَيْهِ لِلْمَنْعِ بِمَا ذَكَرَهُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَقُمْ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِ الْمُقَدَّرَيْنِ دَلِيلٌ، أَمَّا إذَا اقْتَرَنَ بِاللَّفْظِ قَرِينَةٌ تُعَيِّنُهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، فَإِنَّ

стр. 1420

الْعُرْفَ قَاضٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ تَحْرِيمُ أَكْلِهَا، وَمِنْ تَحْرِيمِ الْأُمَّهَاتِ تَحْرِيمُ وَطْئِهِنَّ، بِخِلَافِ نَحْوِ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ يُعَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرْفُوعِ الْحُكْمُ أَوْ غَيْرُهُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ وَدَلَالَةِ الْإِضْمَارِ] الثَّالِثُ: الْكَلَامُ فِي هَذِهِ يَسْتَدْعِي فَهْمَ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ، وَهَلْ هِيَ مُغَايَرَةٌ لِلْإِضْمَارِ؟ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ إلَى عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَارَةٌ عَنْ إسْقَاطِ شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ، لَا يَتِمُّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ أَوْ الشَّرْعِ أَوْ إلَيْهِمَا، لَا إلَى اللَّفْظِ، إذْ اللَّفْظُ صَحِيحٌ مِنْهُمَا، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى الْفَرْقِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ التَّغَايُرِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: وَبِهِ يُشْعِرُ كَلَامُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ أَنَّ الِاقْتِضَاءَ إثْبَاتُ شَرْطٍ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْمَذْكُورِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ اللَّفْظِ، نَحْوُ اصْعَدْ السَّطْحَ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي نَصْبَ السُّلَّمِ، وَهُوَ أَمْرٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الصُّعُودِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ اللَّفْظِ، بِخِلَافِ الْإِضْمَارِ فَإِنَّهُ إثْبَاتُ أَمْرٍ تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ اللَّفْظِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ. وَلَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ اللَّفْظِ عَلَى إضْمَارِ الْأَهْلِ، لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُحِيلُ السُّؤَالَ مِنْ الْقَرْيَةِ. وَثَانِيهَا: ذَكَرَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي " الْكَشْفِ شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ " أَنَّ فِي صُورَةِ الْإِضْمَارِ تَغْيِيرُ إسْنَادِ اللَّفْظِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالْمُضْمَرِ كَالْأَهْلِ فِي ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ، بِخِلَافِ الِاقْتِضَاءِ، فَإِنَّهُ يَبْقَى الْإِسْنَادُ عَلَى حَالِهِ، وَرُدَّ أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: «رُفِعَ

стр. 1421

عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» مِنْ بَابِ الِاقْتِضَاءِ مَعَ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ الْإِسْنَادُ بِالْمُضْمَرِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الْمُضْمَرَ كَالْمَذْكُورِ لَفْظًا، وَلِهَذَا لَهُ عُمُومٌ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك، وَنَوَى ثَلَاثًا صَحَّتْ نِيَّتُهُ، إذْ الْمَصْدَرُ مُضْمَرٌ فِيهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك طَلَاقًا، وَأَمَّا الْمُقْتَضِي فَلَيْسَ هُوَ كَالْمَذْكُورِ لَفْظًا، وَكَذَا لَا يَعُمُّ، وَرُدَّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ إضْمَارَ الْمَصْدَرِ فِي الْأُولَى، لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، وَلَا ضَرُورَةَ فِيهِ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَالصَّحِيحُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَاللَّفْظُ، أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَالْمُقْتَضِي أَعَمُّ مِنْ الْمُضْمَرِ، لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ قَدْ يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ لِلْمُتَكَلِّمِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ، بِخِلَافِ الْمُضْمَرِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا يَكُونُ مَشْعُورًا بِهِ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ مَفْعُولٍ مِنْ أَضْمَرَهُ الْمُتَكَلِّمُ، فَعَلَى هَذَا كُلُّ مُضْمَرٍ مُقْتَضًى، وَلَا عَكْسُ، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِضْمَارَ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ حَيْثُ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إسْقَاطِ شَيْءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْبَاقِي، بِخِلَافِ الِاقْتِضَاءِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ فِي صُورَةِ الْإِضْمَارِ تَغْيِيرُ إسْنَادِ اللَّفْظِ عِنْدَ التَّصْرِيحِ بِالْمُضْمَرِ، وَفِي الِاقْتِضَاءِ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ» وَقَدْ لَا يَكُونُ كَمَا فِي اصْعَدْ السَّطْحَ، وَكَذَلِكَ فِي اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَةِ الْغَفْلَةِ عَنْ الشَّيْءِ وَتَغَيُّرِ الْإِسْنَادِ، وَهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْكَلَامِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِمَا. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي " شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ ": وَجَعَلَ الْأُصُولِيُّونَ مِنَّا وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ مَا يُضْمَرُ فِي الْكَلَامِ لِتَصْحِيحِهِ عَلَى أَقْسَامٍ.

стр. 1422

أَحَدُهَا: مَا أُضْمِرَ لِضَرُورَةِ صِدْقِ الْمُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِهِ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي» . وَالثَّانِي: مَا أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ عَقْلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] . وَالثَّالِثُ: مَا أُضْمِرَ لِصِحَّتِهِ شَرْعًا، كَقَوْلِهِ: اعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي، وَشُمُولُ مُقْتَضًى، وَلِذَلِكَ قَالُوا فِي حَدِّهِ: هُوَ جَعْلُ غَيْرِ الْمَنْطُوقِ مَنْطُوقًا لِتَصْحِيحِ الْمَنْطُوقِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْعُمُومِ فِي الثَّلَاثَةِ، وَبَعْضُهُمْ إلَى الْمَنْعِ فِيهَا، وَهُوَ أَبُو زَيْدٍ وَذَهَبَ الْبَزْدَوِيُّ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ إلَى أَنَّ اسْمَ الْمُقْتَضِي يُطْلَقُ عَلَى الثَّالِثِ فَقَطْ، وَسَمَّوْا الْبَاقِيَ مَحْذُوفًا وَمُضْمَرًا، وَقَالُوا بِالْعُمُومِ فِي الْمُضْمَرِ دُون الْمُقْتَضِي. [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ حَذْفُ الْمَعْمُولِ يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ] [الْمَسْأَلَةُ] الْخَامِسَةُ حَذْفُ الْمَعْمُولِ نَحْوُ زَيْدٌ يُعْطِي وَيَمْنَعُ، يُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] ، أَيْ كُلَّ أَحَدٍ وَهَذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ الْبَيَانِ، وَفِيهِ بَحْثٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا أُخِذَ مِنْ الْقَرَائِنِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّ الْمُقَدَّرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فَالتَّعْمِيمُ مِنْ عُمُومِ الْمُقَدَّرِ سَوَاءٌ ذُكِرَ أَوْ حُذِفَ، وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ عَلَى التَّعْمِيمِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْعُمُومَ فِيمَا ذُكِرَ إنَّمَا هُوَ دَلَالَةُ الْقَرِينَةِ عَلَى أَنَّ الْمُقَدَّرَ عَامٌّ، وَالْحَذْفُ إنَّمَا هُوَ لِمُجَرَّدِ الِاقْتِضَاءِ لَا التَّعْمِيمِ.

стр. 1423

[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ الْمَفْهُومَ هَلْ لَهُ عُمُومٌ أَمْ لَا] الْمَسْأَلَةُ] السَّادِسَةُ فِي أَنَّ الْمَفْهُومَ هَلْ لَهُ عُمُومٌ أَمْ لَا؟ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ أَنَّهُ عَامٌّ، فَقَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: الْعُمُومُ يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْمَعَانِي وَدَلَائِلِ الْأَلْفَاظِ مِنْ مَفْهُومٍ أَوْ دَلِيلِ خِطَابٍ. اهـ. وَظَاهِرُ إيرَادِ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ، لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْعُمُومَ مِنْ صِفَاتِ النُّطْقِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْغَزَالِيِّ وَلِهَذَا مَنَعَا تَخْصِيصَهُ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْعَامِّ، وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُمْ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَفْهُومِ قِيَاسِيَّةٌ لَا لَفْظِيَّةٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهَا لَفْظِيَّةٌ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الْخِلَافُ فِي عُمُومِهِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ الْغَزَالِيَّ مِنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا لَفْظِيَّةٌ، وَهُنَا نَفَى الْعُمُومَ، وَأَشَارَ إلَى بِنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ أَوْ الْمَعَانِي، فَقَالَ: مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ قَدْ يَظُنُّ أَنَّ لَهُ عُمُومًا، وَيَتَمَسَّكُ بِهِ، ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّ الْعُمُومَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ، وَالْمَفْهُومُ لَيْسَتْ دَلَالَتُهُ لَفْظِيَّةً، فَإِذَا قَالَ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ فَنَفْيُ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ لَيْسَ بِلَفْظٍ حَتَّى يَعُمَّ أَوْ يَخُصَّ، وَرَدَّ ذَلِكَ

стр. 1424

صَاحِبُ " الْمَحْصُولِ " وَقَالَ: إنْ كُنْت لَا تُطْلِقُ عَلَيْهِ لَفْظَ الْعَامِّ فَلَكَ ذَلِكَ، وَإِنْ عَنَيْتَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْحُكْمِ فِي جُمْلَةِ صُوَرِ انْتِفَاءِ الصِّفَةِ فَذَلِكَ مِنْ تَقَارِيعِ كَوْنِ الْمَفْهُومِ حُجَّةً، وَمَتَى جَعَلْتَهُ حُجَّةً لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ فِي جُمْلَةِ صُورَةِ انْتِفَاءِ الصِّفَةِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ إنَّمَا خَالَفَ فِي التَّسْمِيَةِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ إنَّمَا وُضِعَ لِلَّفْظِ لَا لِلْمَعْنَى، وَأَمَّا عُمُومُ النَّفْيِ فِي الْمَنْطُوقِ فَهُوَ مِنْ الْقَائِلِينَ بِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّمَا أَرَادَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْعُمُومَ لَمْ يَثْبُتْ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ فَقَطْ، بَلْ بِوَاسِطَتِهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَالَ الْخِلَافُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ: الشَّيْخُ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ " لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْحَالَ مُخْتَلِفٌ، فَإِنْ كَانَ مَحَلُّ النُّطْقِ إثْبَاتٌ، فَالْحُكْمُ مُنْتَفٍ فِي جُمْلَةِ صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ، لِأَنَّهُ إذَا تَخَلَّفَ النُّطْقُ إثْبَاتًا لَزِمَ نَفْيُ الْحُكْمِ إذَا انْتَفَى عَنْ كُلِّ أَفْرَادِ الْمُخَالَفَةِ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى تَنَاوُلِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمُخَالَفَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ دَلَّ فَهُوَ لِلْأَفْرَادِ. وَإِلَّا فَهُوَ دَالٌّ حِينَئِذٍ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ مُسَمَّى الْمُخَالِفِ، وَلَزِمَ انْتِفَاؤُهُ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ ضَرُورَةً، وَأَنَّ مَا سُلِبَ عَنْ الِاسْمِ مَسْلُوبٌ عَنْ جُمْلَةِ أَفْرَادِهِ، وَهَذَا كَتَعْلِيقِ الْوُجُوبِ بِسَائِمَةِ الْغَنَمِ، فَإِنْ كَانَ مَحَلُّ النُّطْقِ إثْبَاتًا فَيَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَنْ الْمَعْلُوفَةِ، وَإِنْ

стр. 1425

كَانَ بِصِفَةٍ فَذَاكَ وَإِلَّا فَهُوَ سَلْبٌ عَنْ مُسَمَّى الْمَعْلُوفِ، فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْوُجُوبِ عَنْ كُلِّ أَفْرَادِ الْمَعْلُوفَةِ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ الْمَسْلُوبَ عَنْ الْأَعَمِّ مَسْلُوبٌ عَنْ كُلِّ أَفْرَادِهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ مَحَلُّ النُّطْقِ نَفْيًا كَقَوْلِهِ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْحُكْمِ عَنْ الْمُخَالِفِ، وَهُوَ النَّفْيُ، فَيَكُونُ الثَّابِتُ لِلْمُخَالِفِ إثْبَاتًا، فَإِنَّ مُطْلَقَ الْحُكْمِ فِي السَّوْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْعُمُومُ، كَمَا أَنَّ الْعُمُومَ لَهُ صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ لَا كُلُّ صِيغَةٍ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْأَلْفَاظِ الْمَنْطُوقِ بِهَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ إذَا كَانَتْ فِي جَانِبِ الْإِضَافَةِ، فَمَا ظَنُّك بِمَا لَا لَفْظَ فِيهِ أَصْلًا؟ وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ مُقْتَضَى الْمَفْهُومِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْعُمُومِ فِي مِثْلِ هَذَا، احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ. وَقَوْلُ الْإِمَامِ: وَمَتَى جَعَلْتَهُ حُجَّةً لَزِمَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عَنْ جُمْلَةِ صُوَرِ انْتِفَاءِ الصِّفَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَةٌ. مَمْنُوعٌ، لِأَنَّا إذَا عَلَّقْنَا الْحُكْمَ بِالْمُسَمَّى الْمُطْلَقِ كَانَتْ فَائِدَةُ الْمَفْهُومِ حَاصِلَةً فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ضَرُورَةً، فَلَا يَخْلُو الْمَفْهُومُ مِنْ فَائِدَةٍ، وَفِي مِثْلِ هَذَا يَتَوَجَّهُ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ، قَالَ: فَهَذِهِ مَبَاحِثُهُ يُنْظَرُ فِيهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَقُولُ: فَقَدْ نَأْخُذُ عُمُومَ الْأَحْكَامِ فِي أَفْرَادِ الْمُخَالِفِ مِنْ أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ قَائِمًا عَلَى عَدَمِ اقْتِرَانِ الْأَحْكَامِ، أَوْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْمُخَالِفِ ثَابِتًا لِمَعْنًى مَفْهُومٍ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِبَعْضِ الْأَفْرَادِ دُونَ بَعْضٍ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ ": الْقَائِلُ بِأَنَّ لِلْمَفْهُومِ عُمُومًا مُسْتَنَدُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ، فَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلًا آخَرَ، وَهُوَ لَا زَكَاةَ فِي الْمَعْلُوفَةِ وَهُوَ لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَكَانَ عَامًّا، وَالْمَقْصُودُ أَنَّا

стр. 1426

إذَا وَجَدْنَا صُورَةً مِنْ صُوَرِ الْمَفْهُومِ مُوَافَقَةً لِلْمَنْطُوقِ بِهِ، فَهَلْ نَقُولُ: بَطَلَ الْمَفْهُومُ بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى لَا يَتَمَسَّكَ بِهِ فِي غَيْرِ تِلْكَ الصُّورَةِ؟ أَوْ نَقُولُ: نَتَمَسَّكُ بِهِ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ؟ هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ، قَالَ: وَالْأَشْبَهُ بِنَاءُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُسْتَنَدَ الْمَفْهُومِ مَاذَا؟ هَلْ هُوَ الْبَحْثُ عَنْ فَوَائِدِ التَّخْصِيصِ كَمَا هُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ عُمُومٌ؟ وَإِنْ قُلْنَا: اسْتِنَادُهُ إلَى عُرْفٍ لُغَوِيٍّ فَصَحِيحٌ. وَخَرَجَ لَنَا مِنْ كَلَامِهِ وَكَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا كَمَا زَعَمُوا، وَفَائِدَةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا الشَّيْخُ: وَهِيَ أَنَّ خِلَافَ أَصْحَابِنَا فِي الْمَاءِ النَّجِسِ إذَا كُوثِرَ بِمَاءٍ، وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ، هَلْ يَطْهُرْ؟ يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ قُلْنَا: لَهُ عُمُومٌ، لَمْ يَطْهُرْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ» دَلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ مَا دُونَهُمَا يَتَنَجَّسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ سَوَاءٌ تَغَيَّرَ أَمْ لَا، كُوثِرَ وَلَمْ يَبْلُغْهُمَا أَمْ لَمْ يُكَاثَرْ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا عُمُومَ لِلْمَفْهُومِ لَمْ يَقْتَضِ الْحَدِيثُ النَّجَاسَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ، وَالْجَدِيدُ يُنَجِّسُ وَالْقَدِيمُ لَا، فَيُبْنَى عَلَى مَا ذَكَرْنَا. [تَنْبِيهٌ الْمَفْهُومُ يَكُونُ عَامًّا إذَا كَانَ الْمَنْطُوقُ جُزْئِيًّا] مَا ذَكَرُوهُ مِنْ عُمُومِ الْمَفْهُومِ حَتَّى يُعْمَلَ بِهِ فِيمَا عَدَا الْمَنْطُوقِ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ

стр. 1427

عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا إذَا كَانَ الْمَنْطُوقُ جُزْئِيًّا، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الثَّابِتَ بِالْمَفْهُومِ إنَّمَا هُوَ نَقِيضُ الْمَنْطُوقِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ نَقِيضَ الْكُلِّيِّ الْمُثْبَتِ جُزْئِيٌّ سَالِبٌ، وَنَقِيضُ الْجُزْئِيِّ الْمُثْبَتِ كُلِّيٌّ سَالِبٌ، وَمِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ يُعْلَمُ أَنَّ مَا كَانَ مَنْطُوقُهُ كُلِّيًّا سَالِبًا كَانَ مَفْهُومُهُ جُزْئِيًّا سَالِبًا، فَيَجِبُ تَأْوِيلُ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَفْهُومَ عَامٌّ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمَنْطُوقُ بِهِ خَاصًّا، لِيَجْتَمِعَ أَطْرَافُ الْكَلَامِ، وَانْظُرْ إلَى عِبَارَةِ الْإِمَامِ فِي " الْمَحْصُولِ " فِي أَوَّلِ بَابِ الْعُمُومِ، وَقَوْلُهُ: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ الزَّكَاةُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي كُلِّ مَا لَيْسَ بِسَائِمَةٍ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: لَا زَكَاةَ فِي كُلِّ مَا لَيْسَ بِسَائِمَةٍ مِنْ بَابِ سَلْبِ الْعُمُومِ الْمُقْتَضِي لِسَلْبِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَجْمُوعِ، وَلَيْسَ مِنْ بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ الْمُقْتَضِي لِسَلْبِ الْحُكْمِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ. [الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ الْمُشْتَرَكُ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِنِ] [الْمَسْأَلَةُ] السَّابِعَةُ الْمُشْتَرَكُ إذَا تَجَرَّدَ عَنْ الْقَرَائِنِ صَارَ صَائِرُونَ إلَى أَنَّهُ عَامٌّ، إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْصِيصِ إعْمَالًا لِلَّفْظِ، فِيمَا أَمْكَنَ، وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: وَهُوَ عِنْدَهُ فِي حُكْمِ الْعَامِّ لَا نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْعَامَّ يُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِ الْأَفْرَادِ بِخِلَافِ هَذَا، وَإِنَّمَا شَابَهُ الْعَامَّ مِنْ حَيْثُ شُمُولُهُ مُتَعَدِّدًا، وَأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى النَّوْعَيْنِ. وَقَدْ بَالَغَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي رَدِّ هَذَا الْقَوْلِ، وَقَالَ: هَذَا غَلَطٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوضَعْ وَضْعَ عُمُومٍ وَلَكِنْ وُضِعَ لِآحَادِ الْمَحَامِلِ عَلَى الْبَدَلِ فَالتَّعْمِيمُ فِيهِ إخْرَاجُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ، وَإِلْحَاقُهُ بِقَبِيلٍ آخَرَ. قَالَ: وَهَذَا قَاطِعٌ اهـ. وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْ الْقَاضِي مُوَافَقَةَ الشَّافِعِيِّ مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا

стр. 1428

يَقُولُ بِصِيَغِ الْعُمُومِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّمَا أَنْكَرَ وَضْعَ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَهُنَا جُوِّزَ الِاسْتِعْمَالُ وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ مُسْتَوْفَاةً فِي مَبَاحِثِ الْمُشْتَرَكِ. وَمِمَّا يَفْتَرِقُ فِيهِ حَمْلُ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى مَعْنَيَيْهِ وَحَمْلُ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ، أَنَّ الْعَامَّ يَسْتَرْسِلُ عَلَى آحَادِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الْوُجُودِ حَالَ اللَّفْظِ، وَلِهَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ صُرِفَ إلَى الْمَوْجُودِينَ حَالَ الْوَقْفِ، وَلِمَنْ يَحْدُثُ بَعْدَهُمْ لِأَنَّ الصِّيغَةَ عَامَّةٌ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ أَعْلَى وَأَسْفَلَ صُرِفَ إلَيْهِمَا، لَا مَنْ يَحْدُثُ مِنْ الْمَوَالِي مِنْ الْأَسْفَلِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ فِي عُمُومِ الْفِعْلِ الْمُثْبَتِ إذَا كَانَ لَهُ جِهَاتٌ] [الْمَسْأَلَةُ] الثَّامِنَةُ [مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي عُمُومِ الْفِعْلِ الْمُثْبَتِ إذَا كَانَ لَهُ جِهَاتٌ] الْفِعْلُ الْمُثْبَتُ إذَا كَانَ لَهُ جِهَاتٌ لَيْسَ بِعَامٍّ فِي أَقْسَامِهِ، لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ عُرِفَ تَعَيَّنَ إلَّا إذَا كَانَ مُجْمَلًا يُتَوَقَّفُ فِيهِ حَتَّى يُعْرَفَ، نَحْوُ قَوْلِ الرَّاوِي: «صَلَّى بَعْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ» ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَبْيَضِ، وَكَذَلِكَ صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، لَا يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، وَكَذَلِكَ «قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ» وَنَحْوِهِ لِجَوَازِ قَضَائِهِ لِجَارٍ كَانَ بِصِفَةٍ يَخْتَصُّ بِهَا، هَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " اللُّمَعِ " وَسُلَيْمُ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ "،

стр. 1429

وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ. قَالَ الْقَفَّالُ: قَوْلُ الرَّاوِي فَعَلَ النَّبِيُّ ﵇ كَذَا، وَقَضَى بِكَذَا وَغَيْرِهِ، لَا يَجْرِي عَلَى عُمُومِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ اللَّفْظِ إلَّا بِدَلِيلٍ، لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ فِعْلٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَاعِلَ لَمْ يَشْتَمِلْ كُلُّ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قِسْمَةُ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَلَعَلَّهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ فِعْلِهِ، فَلَا مَعْنَى لِلْعُمُومِ فِي ذَلِكَ، بَلْ يُطْلَبُ عَلَى مَا وَقَعَ فِيهِ أَوْ بِهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ جَمِيعُ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْمُسَمَّى، فَيَمْضِي عَلَى عُمُومِ اللَّفْظِ إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ. قَالَ: فَأَمَّا إذَا رُوِيَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ «قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» وَأَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فَأَمَرَهُ بِكَذَا، فَنَقُولُ: إنَّ الْقَضِيَّةَ وَقَعَتْ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَإِنَّ الْإِفْطَارَ وَقَعَ لِشَيْءٍ مِنْهُ يُوجِبُ طَلَبَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا وَقَعَ الْقَضَاءُ فِيهِ، وَكَانَ الْإِفْطَارُ بِهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي إلْحَاقِ غَيْرِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ. انْتَهَى. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكَمَا لَا عُمُومَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَحْوَالِ الْفِعْلِ، فَلَا عُمُومَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَشْخَاصِ، بَلْ يَكُونُ خَاصًّا فِي حَقِّهِ، إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ مِنْ خَارِجٍ، كَقَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَقِيلَ: مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ فَهُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، إلَّا مَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ، وَهُوَ فَاسِدٌ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَالْحَاصِلُ أَنَّا لَوْ تَحَقَّقْنَا أَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلٌ، فَلَيْسَ بِعَامٍّ،

стр. 1430

وَإِنْ كَانَ لَفْظًا، فَإِنْ اخْتَصَّ بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ فِي خُصُومَةٍ بِعَيْنِهَا فَكَذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى الْعُمُومِ، فَإِنْ كَانَ لَفْظًا عَامًّا فِي وَضْعِ اللُّغَةِ تَمَسَّكْنَا بِعُمُومِهِ، وَكَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ تَصَرُّفُ أَصْحَابِنَا. وَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَعْلِيقِهِ " وَغَيْرُهُمَا: وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْجَدَّةَ لَا تَرِثُ مَعَ ابْنِهَا، وَأَوْرَدَ الْخَصْمُ عَلَيْهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ وَرَّثَ جَدَّةً وَابْنُهَا حَيٌّ فَأَجَابُوا بِحَمْلِهِ عَلَى صُورَةٍ خَاصَّةٍ، أَوْ كَكَوْنِهِ قَاتِلًا، أَوْ مَمْلُوكًا أَوْ كَافِرًا، أَوْ كَانَ ابْنُهَا خَالًا، قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ قَوْلُهُ: " وَرَّثَ " عُمُومًا، لِأَنَّ ذَلِكَ قَضِيَّةٌ، وَالْقَضِيَّةُ لَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ فِي نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: عُمُومٌ فِي الْأَلْفَاظِ. انْتَهَى. هَذَا مَا وَجَدْته لِقُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا، وَأَمَّا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَخْرِيجَ قَوْلَيْنِ لَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ فِي " الْأُمِّ " مُجِيبًا عَنْ قَوْلِهِ ﵇: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» فَقَالَ: وَنِكَاحُ الْمُحَلِّلِ الَّذِي رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَهُ عِنْدَنَا - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - ضَرْبٌ مِنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطْلَقٍ. اهـ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ انْتَهَى. وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عَامٌّ، فَإِنَّهُ احْتَجَّ عَلَى تَأْجِيلِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ ثَلَاثَةَ سِنِينَ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِحَدِيثِ: «ضَرْبُ الْعَقْلِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ» ، قَالَ الْإِمَامُ فِي " النِّهَايَةِ ": قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ مَجَارِي كَلَامِهِ: لَمْ يَنْقُلْ النَّقَلَةُ وَاقِعَةً قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضَرْبِ الْعَقْلِ فِيهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ إلَّا الْمَرْأَتَيْنِ، فَأَمْكَنَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَضْرِبَ عَقْلَ الْمَرْأَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، ثُمَّ إذَا قُلْت ذَلِكَ اطَّرَدَ فِيهِ أَنَّ بَدَلَ كُلِّ نَفْسٍ مَضْرُوبٌ

стр. 1431

فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ الدِّيَةَ كَامِلَةً كَالرَّجُلِ أَوْ نِصْفُهَا كَالْمَرْأَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ الرَّاوِي: " قَضَى " تَأْسِيسُ شَرْعٍ مِنْهُ، وَلَيْسَ تَمْهِيدًا فِي قَضِيَّةٍ، وَلَمْ يَنْقُلْ عَلَى التَّخْصِيصِ وَالتَّفْصِيلِ فِي قَضِيَّةِ الْجَارِيَتَيْنِ، فَيَضْرِبُ الْعَقْلَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ. انْتَهَى. وَأَطْلَقَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُثْبَتَ لَيْسَ بِعَامٍّ فِي أَقْسَامِهِ، ثُمَّ اخْتَارَ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» ، «وَقَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ» أَنَّهُ يَعُمُّ الْغَرَرُ وَالْجَارُ مُطْلَقًا، وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى هَذَا شَيْخُهُ الْإِبْيَارِيُّ، فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " سُؤَالًا، وَالْآمِدِيَّ بَحْثًا، فَارْتَضَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَقَامَهُ مَذْهَبًا، وَتَبِعَهُ ابْنُ السَّاعَاتِيِّ فِي " الْبَدِيعِ ". وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ ": اخْتَارَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ ابْنَ الْحَاجِبِ - عُمُومَ نَحْوِ «قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ» بِنَاءً عَلَى عَدَالَةِ الصَّحَابِيِّ، وَمَعْرِفَتِهِ بِاللُّغَةِ، وَمَوَاقِعِ اللَّفْظِ، مَعَ وُجُوبِ أَنْ تَكُونَ الرِّوَايَةُ عَلَى وَفْقِ السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَعُمُّ، لِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي الْمَحْكِيِّ، وَلَا عُمُومَ فِي الْمَحْكِيِّ. قُلْت: وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، وَسَبَقَ مَا يُؤَيِّدُهُ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمَحْصُولِ ". وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمَحْكِيَّ فِعْلًا لَوْ شُوهِدَ لَمْ يَجُزْ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ، فَلِذَلِكَ وَجْهٌ، وَإِنْ كَانَ فِعْلًا لَوْ حُكِيَ لَكَانَ دَالًّا عَلَى الْعُمُومِ، فَعِبَارَةُ الصَّحَابِيِّ عَنْهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُطَابِقَةً لِلْمَقُولِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَعَدَالَتِهِ، وَوُجُوبِ مُطَابَقَةِ الرِّوَايَةِ الْمَعْنَى الْمَسْمُوعَ. اهـ.

стр. 1432

وَقَدْ اخْتَارَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " قَرِيبًا مِنْ هَذَا، فَقَالَ: وَالْأَقْرَبُ فِي هَذَا عِنْدَنَا أَنَّ الصَّحَابِيَّ الْعَالِمَ بِاللِّسَانِ إذَا قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﵇ عَبَّرَ عَنْ إثْبَاتِ مَعْنًى وَحُكْمٍ لَيْسَ لَهُ فِي اللِّسَانِ أَلْفَاظٌ مُحْتَمَلَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَثَابَةِ رِوَايَتِهِ اللَّفْظَ وَإِنْ ذُكِرَ عَنْهُ مَعْنًى وَهُوَ مِمَّا لَهُ عِبَارَةٌ مُحْتَمَلَةٌ وَجَبَ مُطَالَبَتُهُ بِحِكَايَةِ اللَّفْظِ. اهـ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّ الْقَرَافِيَّ جَعَلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مَبْنِيَّةً عَلَى جَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى، فَإِنْ مَنَعْنَاهُ امْتَنَعَتْ الْمَسْأَلَةُ، لِأَنَّ " قَضَى " لَيْسَ هُوَ لَفْظُ الشَّارِعِ، وَإِنْ جَوَّزْنَا وَهُوَ الصَّحِيحُ، فَشَرْطُهُ الْمُسَاوَاةُ فَإِذَا رَوَى الْعَدْلُ اللَّفْظَ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ " كَالْغَرَرِ "، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَحْكِيُّ عَامًّا، وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ قَدْحًا فِي عَدَالَتِهِ حَيْثُ رَوَى بِصِيغَةِ الْعُمُومِ مَا لَيْسَ عَامًّا، فَلَا يُتَّجَهُ قَوْلُنَا الْحُجَّةُ فِي الْمَحْكِيِّ لَا فِي الْحِكَايَةِ؛ بَلْ الْحُجَّةُ فِي الْحِكَايَةِ، لِأَجْلِ قَاعِدَةِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى. وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ رَابِعٌ وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْبَاءُ فَلَا عُمُومَ لَهُ، كَقَوْلِهِ: «قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ» ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهَا لِكُلِّ جَارٍ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْقَضِيَّةِ دُونَ الْقَوْلِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِحَرْفِ " أَنَّ "، فَيَكُونُ لِلْعُمُومِ، كَقَوْلِهِ: (قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ) ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ ذَلِكَ حِكَايَةُ لَفْظِهِ ﵇، فَلِذَلِكَ صَحَّ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهَا، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ "، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ " وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَصَحَّحَهُ،

стр. 1433

وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ وَأَصْحَابِنَا. وَفِي نِسْبَةِ ذَلِكَ لِلْقَفَّالِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامِهِ. وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ النِّزَاعَ لَفْظِيًّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَانِعَ لِلْعُمُومِ يَنْفِي عُمُومَ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ، نَحْوُ " أَمَرَ، وَقَضَى "، وَالْمُثْبِتُ لِلْعُمُومِ يُثْبِتُهُ فِيهَا مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ، وَهُوَ إجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَا بِقَوْلِهِ: (حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ) ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ التَّعْمِيمَ فِيهَا حَاصِلٌ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ كَمَا قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ، فَإِنَّا رَأَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِقَضَاءٍ فِي وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ حَدَثَتْ لَنَا أُخْرَى مِثْلُهَا - وَجَبَ إلْحَاقُهَا بِهَا، لِأَنَّ حُكْمَ الْمِثْلَيْنِ وَاحِدٌ. وَيَتَحَصَّلُ حِينَئِذٍ فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ مَذَاهِبَ. [صِيَغُ الْفِعْلِ الْمُثْبَتِ الَّذِي لَهُ أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالٍ] [صِيَغُ الْفِعْلِ الْمُثْبَتِ الَّذِي لَهُ أَكْثَرُ مِنْ احْتِمَالٍ] ثُمَّ الْكَلَامُ عَلَى الصِّيَغِ: إحْدَاهَا: إذَا قَالَ الرَّاوِي: سَمِعْته يَقُولُ: قَضَيْت بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ فِي كُلِّ جَارٍ، وَيَحْتَمِلُ الْعَهْدَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ " صَاحِبُ الْمَحْصُولِ " فَقَالَ: لَا يَعُمُّ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ " أَلْ " لِلْعَهْدِ، وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى اخْتِيَارِهِ أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُحَلَّى بِأَلْ لَا يَعُمُّ، فَأَمَّا إذَا كَانَ مُنَوَّنًا كَقَوْلِهِ: قَضَيْت بِالشُّفْعَةِ لِجَارٍ، فَجَانِبُ الْعُمُومِ أَرْجَحُ. قَالَهُ صَاحِبُ الْحَاصِلِ، وَقَالَ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ يُفِيدُ الْعُمُومَ. الثَّانِيَةُ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» ، وَعَنْ " نِكَاحِ الشِّغَارِ "،

стр. 1434

وَ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ» ، ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ أَيْضًا، وَأَنَّهُ مِثْلُ " قَضَى "، وَصَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ. وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، لِأَنَّ " أَمَرَ، وَنَهَى " عِبَارَةٌ عَنْ أَنَّهُ وَقَعَ مِنْهُ ﵇ خِطَابَا التَّكْلِيفِ اللَّذَانِ هُمَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْ الصَّحَابَةُ مَأْمُورًا وَلَا مَنْهِيًّا مَخْصُوصًا، عُلِمَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ كُلُّ الْمُكَلَّفِينَ كَسَائِرِ خِطَابَاتِ التَّكْلِيفِ ثُمَّ إنْ صَدَّرَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ يَتَوَجَّهُ لِلْجَمْعِ. قُلْت: وَقَدْ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى بُطْلَانِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ بِمُطْلَقٍ مِنْ جِنْسِهِ وَغَيْرِهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» وَقَدْ احْتَجَّ أَصْحَابُهُ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ، وَكَذَلِكَ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ» . وَقَالَ الْقَاضِي: اسْتِدْلَالُ الْفُقَهَاءِ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيَغِ، إنْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ التَّعَلُّقُ بِهِ. وَمَا رُوِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ احْتَجَّ بِقَضِيَّةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ لِعُمَرَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ «الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» ، فَإِنَّهُمَا إنَّمَا احْتَجَّا

стр. 1435

بِذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِمَا أَنَّ حُكْمَهُ عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمُهُ عَلَى الْجَمِيعِ، وَأَنَّهُ عَلَّقَ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ التَّعْمِيمَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» بِدُونِ قَضَى، فَيَجِبُ التَّعَلُّقُ بِهِ حِينَئِذٍ. وَفِي " الْمُسْتَصْفَى " فِي " بَابِ السُّنَّةِ " أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ (أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا، أَوْ نَهَى عَنْ كَذَا) قِيلَ: إنَّهُ أَمْرٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ يَقُولُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَقَّفَ فِي هَذَا، إذْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَا سَمِعَهُ أَمْرًا لِلْأُمَّةِ، أَوْ لِطَائِفَةٍ، أَوْ لِشَخْصٍ بِعَيْنِهِ، فَيَتَوَقَّفُ فِيهِ عَلَى الدَّلِيلِ، لَكِنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَمْرَهُ لِلْوَاحِدِ أَمْرٌ لِلْجَمَاعَةِ، إلَّا إذَا كَانَ لِوَصْفٍ يَخُصُّهُ مِنْ سَفَرٍ أَوْ حَيْضٍ، كَقَوْلِنَا: أُمِرْنَا إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ. نَعَمْ، إنْ عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الصَّحَابِيِّ أَنَّهُ لَا يُطْلِقُهُ إلَّا فِي أَمْرِ الْأُمَّةِ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا لَهُ وَلِلْأُمَّةِ وَلِطَائِفَةٍ. وَقَالَ شَارِحُهُ الْعَبْدَرِيُّ مَنْ قَالَ: إنَّهُ عَامٌّ فَبَاطِلٌ، لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَفْعُولِ بِصِيغَتِهِ، بَلْ بِمُقْتَضَاهُ، وَالْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُورَدَ الْفِعْلُ بِصِيغَةِ " كَانَ " فَهَلْ هُوَ عَامٌّ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ بَرْهَانٍ. وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، لِأَنَّهُ وَإِنْ اقْتَضَى التَّكْرَارَ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّكْرَارُ عَلَى صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُشَارِكُهَا فِيهَا سَائِرُ الصِّفَاتِ، فَأَمَّا إذْ قِيلَ: كَانَ يَفْعَلُ، كَقَوْلِهِ: «كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ» ، فَهَذَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ، لِخُرُوجِ الْكَلَامِ مَخْرَجَ تَكْرَارِ الْأَفْعَالِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَفْعَلُ مَا يَلْزَمُهُ اسْمُ الْجَمْعِ فِي حَالَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، قَالَ: وَمَا هُوَ بِالْبَيِّنِ أَيْضًا. وَفَصَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَشِيعُ، وَلَا تَبْقَى

стр. 1436

فِي طَيِّ الْكِتْمَانِ كَقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَتْ الْأَيْدِي لَا تُقْطَعُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى السَّتْرِ وَالْكِتْمَانِ كَالْوَطْءِ، فَلَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ قَطْعًا وَلَا يَكُونُ حُجَّةً، كَمَا نُقِلَ فِي قَضِيَّةِ الِاغْتِسَالِ وَالْأَقْوَالِ كَقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: كَانَتْ عُمُومَتِي، يَفْعَلُونَهُ وَلَا يَغْتَسِلُونَ. [قَوْلُ الرَّاوِي كَانَ يَفْعَلُ كَذَا هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَمْ لَا] وَهَذَا يَلْتَفِتُ إلَى خِلَافٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: يَعُمُّ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: قَوْلُ الرَّاوِي: كَانَ يَفْعَلُ كَذَا، يُفِيدُ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ تَكْثِيرَ الْفِعْلِ وَتَكْرِيرَهُ، لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ: كَانَ فُلَانٌ يُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيَحْمِي الذِّمَارَ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ يَخُصُّونَ بِهِ الْمُدَاوِمَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ﴾ [مريم: ٥٥] يُرِيدُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هِيَ تَقْتَضِي تَكْرِيرَ الْفِعْلِ مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: كَانَ يَفْعَلُ كَذَا إلَّا إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ لَا عُرْفًا وَلَا لُغَةً، وَاخْتَارَهُ فِي " الْمَحْصُولِ ". وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": إنَّهُ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، وَإِنَّمَا هِيَ فِعْلٌ مَاضٍ دَلَّ عَلَى وُقُوعِهِ مَرَّةً، وَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّكْرَارِ عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَقْتَضِيهَا بِوَضْعِهَا. وَقَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ: " كَانَ " عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي زَمَنٍ مَاضٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِبْهَامِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمٍ سَابِقٍ، وَلَا انْقِطَاعٍ طَارِئٍ.

стр. 1437

وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا تُفِيدُهُ لُغَةً وَتُقَيِّدُهُ عُرْفًا، إذْ لَا يُقَالُ: كَانَ يَتَهَجَّدُ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بَعْدَ أَنْ عَدَّهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّهُ يُقَالُ كَانَ يَفْعَلُ كَذَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِعْلُهُ، وَكَانَ عَادَتُهُ كَمَا يُقَالُ: كَانَ فُلَانٌ يُقْرِي الضَّيْفَ «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ» ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِإِفَادَةِ مُجَرَّدِ الْفِعْلِ وَوُقُوعِهِ دُونَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّكْرَارِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ الْحَدِيثِ. [مَسْأَلَةٌ فِي عُمُومِ مِثْلِ قَوْلِهِ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً] ً﴾ [التوبة: ١٠٣]] الْجُمْهُورُ أَنَّ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] قَدْ يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَالِ، فَكَانَ مَخْرَجُ الْآيَةِ عَامًّا عَلَى الْأَمْوَالِ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضَ الْأَمْوَالِ دُونَ

стр. 1438

بَعْضٍ، فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ فِي بَعْضِ الْمَالِ دُونَ بَعْضٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الرِّسَالَةِ " فَقَالَ عَقِبَ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِدَلَالَةٍ مِنْ السُّنَّةِ، وَلَوْلَا دَلَالَةُ السُّنَّةِ لَكَانَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا سَوَاءٌ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ فِي جَمِيعِهَا لَا فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ. وَنُقِلَ عَنْ نَصِّهِ أَيْضًا فِي " الْبُوَيْطِيِّ " نَحْوُهُ، وَلِهَذَا احْتَجَّ بِهَا أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ، وَعَلَى أَخْذِ الشَّاةِ الصَّغِيرَةِ مِنْ الصِّغَارِ، وَاللَّئِيمَةِ مِنْ اللِّئَامِ وَنَحْوِهِ. لَكِنَّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ جَعَلَهَا مِنْ الْمُجْمَلِ الْمُبَيَّنِ بِالسُّنَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي أَخْذَ صَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَوْعٍ وَاحِدٍ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، لِأَنَّ " مِنْ " لِلْبَعْضِ الْمُطْلَقِ، وَالْوَاحِدَةُ مِنْ الْجَمِيعِ يَصْدُقُ عَلَيْهَا. وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ فَقَالَ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ، وَمَأْخَذُ الْكَرْخِيِّ دَقِيقٌ. كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ، عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي عُمُومَ وُجُوبِ الْحَقِّ فِي سَائِرِ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا، وَهُوَ الصَّوَابُ فِي النَّقْلِ عَنْهُ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَمْوَالَ جَمْعٌ مُضَافٌ، وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَالْمَعْنَى: خُذْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً: وَاعْتَرَضَ الْمُخَالِفُ بِأَنَّ مِثْلَ

стр. 1439

هَذِهِ الصِّيغَةِ لَا تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، لِأَجْلِ " مِنْ " وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِمَحْذُوفٍ صِفَةِ الصَّدَقَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: كَائِنَةً أَوْ مَأْخُوذَةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ، بَلْ مِنْ بَعْضِ أَمْوَالِهِمْ، وَهُوَ خُصُوصٌ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، لِأَنَّ مَعْنَى كَائِنَةٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَنْ لَا يَبْقَى نَوْعٌ مِنْ الْمَالِ إلَّا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ بَيَانُ الْعُمُومِ. هَذَا هُوَ الَّذِي لَحَظَهُ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ الَّذِي هُوَ " مِنْ أَمْوَالِهِمْ " إنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " خُذْ "، فَالْمُتَّجَهُ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ، لِأَنَّ التَّعَلُّقَ مُطْلَقٌ، وَالصَّدَقَةَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، فَيَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِصَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " صَدَقَةً "، فَيَقْوَى قَوْلُ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إذَا كَانَتْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ دَلَالَةَ الْعُمُومِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنَّهَا كُلِّيَّةٌ، فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ، وَلَا نَظَرَ إلَى تَنْكِيرِ صَدَقَةٍ، لِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إلَى الْأَمْوَالِ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِخُذْ أَوْ بِصَدَقَةٍ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ لَفْظُ " صَدَقَةً " وَأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَلَا عُمُومَ لَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَيْضًا. تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا: يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ فَلِلْقَائِلِ بِالْعُمُومِ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْخِلَافِ فِي قَوْلِهِ: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) فِي أَنَّهَا عَامَّةٌ أَوْ مُجْمَلَةٌ. الثَّانِي: هَلْ الزَّكَاةُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ أَوْ الْفِعْلِ؟ خِلَافٌ حَكَاهُ الْجَاجَرْمِيُّ: فِي رِسَالَتِهِ فِي الْأُصُولِ، فَقِيلَ اسْمٌ لِلْعَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 1440

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَقَوْلُهُ ﵊: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ» ، وَالْمُرَادُ الزَّكَاةُ. وَمَحَلُّ الْأَخْذِ هُوَ الْعَيْنُ لَا الْفِعْلُ، غَيْرَ أَنَّ اسْمَ الزَّكَاةِ عَلَى الْفِعْلِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ: اسْمٌ لِلْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] وَالْإِنْسَانُ إنَّمَا يَصِيرُ فَاعِلَ الْفِعْلِ لَا لِمَحَلِّ الْفِعْلِ، وَلِأَنَّهُ ﵇ جَعَلَ الزَّكَاةَ عِبَادَةً.
следующие страницы →