← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

فِي طَيِّ الْكِتْمَانِ كَقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَتْ الْأَيْدِي لَا تُقْطَعُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى السَّتْرِ وَالْكِتْمَانِ كَالْوَطْءِ، فَلَا يَجُوزُ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيهِ قَطْعًا وَلَا يَكُونُ حُجَّةً، كَمَا نُقِلَ فِي قَضِيَّةِ الِاغْتِسَالِ وَالْأَقْوَالِ كَقَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: كَانَتْ عُمُومَتِي، يَفْعَلُونَهُ وَلَا يَغْتَسِلُونَ. [قَوْلُ الرَّاوِي كَانَ يَفْعَلُ كَذَا هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَمْ لَا] وَهَذَا يَلْتَفِتُ إلَى خِلَافٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ أَمْ لَا؟ وَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: يَعُمُّ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: قَوْلُ الرَّاوِي: كَانَ يَفْعَلُ كَذَا، يُفِيدُ فِي عُرْفِ اللُّغَةِ تَكْثِيرَ الْفِعْلِ وَتَكْرِيرَهُ، لِأَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ: كَانَ فُلَانٌ يُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيَحْمِي الذِّمَارَ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ يَخُصُّونَ بِهِ الْمُدَاوِمَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ﴾ [مريم: ٥٥] يُرِيدُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: هِيَ تَقْتَضِي تَكْرِيرَ الْفِعْلِ مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: كَانَ يَفْعَلُ كَذَا إلَّا إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ لَا عُرْفًا وَلَا لُغَةً، وَاخْتَارَهُ فِي " الْمَحْصُولِ ". وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ ": إنَّهُ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، وَإِنَّمَا هِيَ فِعْلٌ مَاضٍ دَلَّ عَلَى وُقُوعِهِ مَرَّةً، وَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّكْرَارِ عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا يَقْتَضِيهَا بِوَضْعِهَا. وَقَالَ بَعْضُ النُّحَاةِ: " كَانَ " عِبَارَةٌ عَنْ وُجُودِ الشَّيْءِ فِي زَمَنٍ مَاضٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِبْهَامِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمٍ سَابِقٍ، وَلَا انْقِطَاعٍ طَارِئٍ.

стр. 1437

وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا تُفِيدُهُ لُغَةً وَتُقَيِّدُهُ عُرْفًا، إذْ لَا يُقَالُ: كَانَ يَتَهَجَّدُ إذَا فَعَلَهُ مَرَّةً. وَنَقَلَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بَعْدَ أَنْ عَدَّهَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: إنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: إنَّهُ يُقَالُ كَانَ يَفْعَلُ كَذَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ تَكَرَّرَ مِنْهُ فِعْلُهُ، وَكَانَ عَادَتُهُ كَمَا يُقَالُ: كَانَ فُلَانٌ يُقْرِي الضَّيْفَ «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ» ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِإِفَادَةِ مُجَرَّدِ الْفِعْلِ وَوُقُوعِهِ دُونَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّكْرَارِ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي حَمْلُ الْحَدِيثِ. [مَسْأَلَةٌ فِي عُمُومِ مِثْلِ قَوْلِهِ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً] ً﴾ [التوبة: ١٠٣]] الْجُمْهُورُ أَنَّ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] قَدْ يَقْتَضِي أَخْذَ الصَّدَقَةِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَالِ، فَكَانَ مَخْرَجُ الْآيَةِ عَامًّا عَلَى الْأَمْوَالِ، وَكَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضَ الْأَمْوَالِ دُونَ

стр. 1438

بَعْضٍ، فَدَلَّتْ السُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ فِي بَعْضِ الْمَالِ دُونَ بَعْضٍ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الرِّسَالَةِ " فَقَالَ عَقِبَ ذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ: إلَّا أَنْ يَخْتَصَّ بِدَلَالَةٍ مِنْ السُّنَّةِ، وَلَوْلَا دَلَالَةُ السُّنَّةِ لَكَانَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّ الْأَمْوَالَ كُلَّهَا سَوَاءٌ، وَأَنَّ الزَّكَاةَ فِي جَمِيعِهَا لَا فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ. وَنُقِلَ عَنْ نَصِّهِ أَيْضًا فِي " الْبُوَيْطِيِّ " نَحْوُهُ، وَلِهَذَا احْتَجَّ بِهَا أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ، وَعَلَى أَخْذِ الشَّاةِ الصَّغِيرَةِ مِنْ الصِّغَارِ، وَاللَّئِيمَةِ مِنْ اللِّئَامِ وَنَحْوِهِ. لَكِنَّهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ جَعَلَهَا مِنْ الْمُجْمَلِ الْمُبَيَّنِ بِالسُّنَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وَذَهَبَ الْكَرْخِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي أَخْذَ صَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ وَنَوْعٍ وَاحِدٍ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، لِأَنَّ " مِنْ " لِلْبَعْضِ الْمُطْلَقِ، وَالْوَاحِدَةُ مِنْ الْجَمِيعِ يَصْدُقُ عَلَيْهَا. وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ فَقَالَ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ: وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ، وَمَأْخَذُ الْكَرْخِيِّ دَقِيقٌ. كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الْكَرْخِيِّ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ، عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي عُمُومَ وُجُوبِ الْحَقِّ فِي سَائِرِ أَصْنَافِ الْأَمْوَالِ وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ أَيْضًا، وَهُوَ الصَّوَابُ فِي النَّقْلِ عَنْهُ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَمْوَالَ جَمْعٌ مُضَافٌ، وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ، وَالْمَعْنَى: خُذْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً: وَاعْتَرَضَ الْمُخَالِفُ بِأَنَّ مِثْلَ

стр. 1439

هَذِهِ الصِّيغَةِ لَا تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ، لِأَجْلِ " مِنْ " وَأَجَابَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِمَحْذُوفٍ صِفَةِ الصَّدَقَةِ، وَالتَّقْدِيرُ: كَائِنَةً أَوْ مَأْخُوذَةً مِنْ أَمْوَالِهِمْ، بَلْ مِنْ بَعْضِ أَمْوَالِهِمْ، وَهُوَ خُصُوصٌ، مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، لِأَنَّ مَعْنَى كَائِنَةٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَنْ لَا يَبْقَى نَوْعٌ مِنْ الْمَالِ إلَّا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ بَيَانُ الْعُمُومِ. هَذَا هُوَ الَّذِي لَحَظَهُ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ الَّذِي هُوَ " مِنْ أَمْوَالِهِمْ " إنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " خُذْ "، فَالْمُتَّجَهُ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ، لِأَنَّ التَّعَلُّقَ مُطْلَقٌ، وَالصَّدَقَةَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ، فَيَحْصُلُ الِامْتِثَالُ بِصَدَقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: " صَدَقَةً "، فَيَقْوَى قَوْلُ الْجُمْهُورِ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ إذَا كَانَتْ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ دَلَالَةَ الْعُمُومِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَأَنَّهَا كُلِّيَّةٌ، فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَمْوَالِ عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْعُمُومِ، وَلَا نَظَرَ إلَى تَنْكِيرِ صَدَقَةٍ، لِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إلَى الْأَمْوَالِ سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِخُذْ أَوْ بِصَدَقَةٍ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ لَفْظُ " صَدَقَةً " وَأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَلَا عُمُومَ لَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَيْضًا. تَنْبِيهَاتٌ أَحَدُهَا: يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ فَلِلْقَائِلِ بِالْعُمُومِ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الْخِلَافِ فِي قَوْلِهِ: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) فِي أَنَّهَا عَامَّةٌ أَوْ مُجْمَلَةٌ. الثَّانِي: هَلْ الزَّكَاةُ اسْمٌ لِلْعَيْنِ أَوْ الْفِعْلِ؟ خِلَافٌ حَكَاهُ الْجَاجَرْمِيُّ: فِي رِسَالَتِهِ فِي الْأُصُولِ، فَقِيلَ اسْمٌ لِلْعَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

стр. 1440

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَقَوْلُهُ ﵊: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ» ، وَالْمُرَادُ الزَّكَاةُ. وَمَحَلُّ الْأَخْذِ هُوَ الْعَيْنُ لَا الْفِعْلُ، غَيْرَ أَنَّ اسْمَ الزَّكَاةِ عَلَى الْفِعْلِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ، وَقِيلَ: اسْمٌ لِلْفِعْلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] وَالْإِنْسَانُ إنَّمَا يَصِيرُ فَاعِلَ الْفِعْلِ لَا لِمَحَلِّ الْفِعْلِ، وَلِأَنَّهُ ﵇ جَعَلَ الزَّكَاةَ عِبَادَةً.

стр. 1441

[فَصْلٌ فِي اشْتِمَالِ الْعُمُومِ عَلَى بَعْضِ مَنْ يُشْكِلُ تَنَاوُلُهُ] [ الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْجَمْعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى دَلَالَتِهَا عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ] فَصْلٌ فِي اشْتِمَالِ الْعُمُومِ عَلَى بَعْضِ مَنْ يُشْكِلُ تَنَاوُلُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى النِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُخَاطَبِ وَغَيْرِهِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْأَلْفَاظُ الدَّالَّةُ عَلَى الْجَمْعِ بِالنِّسْبَةِ إلَى دَلَالَتِهَا عَلَى الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ عَلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخَرِ بِحَالٍ، كَرِجَالٍ لِلْمُذَكَّرِ وَالنِّسَاءِ لِلْمُؤَنَّثِ، فَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فِي الْآخَرِ بِالِاتِّفَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ مِنْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَهُ الْأُسْتَاذَانِ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمَا. قِيلَ: وَمِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الذُّكُورُ: الْهَاءُ وَالْمِيمُ وَالْوَاوُ وَالنُّونُ، وَمِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْإِنَاثُ الْأَلِفُ وَالتَّاءُ وَمِنْهُ الْوَقْفُ عَلَى الْبَنِينَ لَا تَدْخُلُ الْبَنَاتُ أَوْ الْبَنَاتِ لَا تَدْخُلُ الْبَنُونَ، لَكِنْ سَيَأْتِي فِي الْجُمُوعِ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ. وَمِنْهُ " الْقَوْمُ " فَإِنَّهُ خَاصٌّ بِالذُّكُورِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] وَلِهَذَا لَا يَدْخُلْنَ فِي الْوَصِيَّةِ لَهُمْ عَلَى الْأَصَحِّ. الثَّانِي: مَا يَعُمُّ الْفَرِيقَيْنِ بِوَضْعِهِ، وَلَيْسَ لِعَلَامَةِ التَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ فِيهِ مَدْخَلٌ، كَالنَّاسِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْأُنَاسِ وَالْبَشَرِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالِاتِّفَاقِ أَيْضًا. وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِي " الْمَنْخُولِ " إثْبَاتُ خِلَافٍ، وَهُوَ بَعِيدٌ. الثَّالِثُ: لَفْظٌ يَشْمَلُهَا مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ فِي أَحَدِهِمَا " كَمَنْ "، وَهَذَا مِنْ مَوْضِعِ الْخِلَافِ، فَقِيلَ: لَا يَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ

стр. 1442

يَتَنَاوَلُهُمَا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النساء: ١٢٤] فَلَوْلَا اشْتِمَالُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَحْسُنْ التَّقْسِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي " التَّلْوِيحِ ". وَحَكَاهُ غَيْرُهُمَا عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّهُمْ لِذَلِكَ قَالُوا: إنَّ الْمُرْتَدَّةَ لَا تُقْتَلُ، لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي قَوْلِهِ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ؛ لَكِنْ الْمَوْجُودُ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهَا تَعُمُّ الْجَمِيعَ، كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْبَزْدَوِيُّ وَشُرَّاحُ كِتَابِهِ. وَابْنُ السَّاعَاتِيِّ وَغَيْرُهُمَا. وَنَقَلَ فِي " الْمَحْصُولِ " الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي مِنْ أَرِقَّائِي فَهُوَ حُرٌّ دَخَلَ فِيهِ الْإِمَاءُ، وَكَذَلِكَ لَوْ عَلَّقَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَصِيَّةً أَوْ تَوْكِيلًا أَوْ إذْنًا فِي أَمْرٍ لَمْ يَخْتَصَّ بِالذُّكُورِ، وَكَانَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا لِهَذَا يُنْكِرُ حِكَايَةَ الْخِلَافِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَدْ عَلِمْت مُسْتَنَدَهُ، ثُمَّ إنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ خَصَّ الْخِلَافَ بِمَا إذَا كَانَتْ شَرْطِيَّةً. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ " مَنْ " الْمَوْصُولَةِ وَالِاسْتِفْهَامِيَّة، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ بِنَاءً عَلَى عُمُومِهِنَّ، وَالْإِمَامُ إنَّمَا فَرَضَ الْخِلَافَ فِي الشَّرْطِيَّةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عُمُومَ غَيْرِهَا، ثُمَّ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهَا لَا تَتَنَاوَلُ الْمُؤَنَّثَ قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الْحِكَايَةِ: " مِنْ وَمِنْهُ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُؤَنَّثَ إلَّا بِعَلَامَةِ تَأْنِيثٍ.

стр. 1443

وَأَجَابَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، بِأَنَّهَا لُغَةٌ شَاذَّةٌ وَلَيْسَتْ مِنْ الْفَصِيحِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَلْ هِيَ الْفَصِيحَةُ فِي بَابِ الْحِكَايَةِ وَظَنَّ الْإِمَامُ أَنَّهَا شَرْطِيَّةٌ، وَهُوَ وَهْمٌ، بَلْ هِيَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَوَهَمَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ قَدْ يَعُودُ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا عَلَى اللَّفْظِ، وَجَمْعًا عَلَى الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] وَهَذِهِ لَيْسَتْ شَرْطِيَّةً بَلْ مَوْصُولَةٌ، وَتَبِعَهُ إِلْكِيَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَإِنَّمَا الْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ بِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَقْصِدْ حِينَئِذٍ بِهَا مَعْنَاهَا الْأَصْلِيَّ، وَإِنَّمَا تَأْتِي بِهِ فِي حِكَايَةِ النَّكِرَاتِ خَاصَّةً، فَيَحْصُلُ الشَّبَهُ بَيْنَ كَلَامِ الْحَاكِي وَالْمُخْبِرِ، فَإِذَا قَالَ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ. قَالَ لَهُ الْمُسْتَفْهِمُ: " مِنْهُ "؟ لِلْمُحَاكَاةِ، لَا لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُؤَنَّثَ إلَّا بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ " مَنْ " وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَلَامَةُ تَأْنِيثٍ يُفْصَلُ بِهَا بِالْأَصَالَةِ، لَكِنْ يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ تَأْنِيثِ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ بَعْدَهَا وَتَذْكِيرِهِ، نَحْوُ مَنْ فَعَلَ كَذَا، وَمَنْ فَعَلَتْ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ تَذْكِيرُ الْفِعْلِ وَتَأْنِيثُهُ مُرَاعَاةً لِلَفْظِهَا تَارَةً، وَلِمَعْنَاهَا أُخْرَى. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب: ٣١] فَذَكَّرَ الْفِعْلَ أَوَّلًا، ثُمَّ أَنَّثَهُ، وَالْخِطَابُ فِيهِمَا لِلْإِنَاثِ. فُرُوعٌ يَنْبَغِي بِنَاؤُهَا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ: مِنْهَا: أَنَّ الْمُرْتَدَّةَ هَلْ تُقْتَلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ) أَوْ لَا تَعُمُّ؟ وَمِنْهَا: إذَا قَتَلَتْ هَلْ لَهَا السَّلَبُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالْأَصَحُّ تَعُمُّ، لِعُمُومِ

стр. 1444

قَوْلِهِ «مَنْ قَتَلَ. . . فَلَهُ سَلَبُهُ» وَمِنْهَا إذَا نَظَرَتْ فِي بَيْتٍ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تُهْدَرُ كَالرَّجُلِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ «مَنْ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ» . الْحَدِيثَ. [عُمُومُ الْجَمْعِ الْمُؤَنَّثِ الذُّكُورَ، وَالْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ الْإِنَاثَ] الْقِسْمُ الرَّابِعُ: لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ فِي الْمُؤَنَّثِ، وَبِحَذْفِهَا فِي الْمُذَكَّرِ، كَجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ نَحْوُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ، نَحْوُ: قَالُوا، كَمَا قَالَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النِّسَاءُ فِيهِ إلَّا بِدَلِيلٍ، كَمَا لَا يَدْخُلُ الرِّجَالُ فِي لَفْظِ الْمُؤَنَّثِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَمِمَّنْ نَسَبَهُ لِلشَّافِعِيِّ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ، وَأَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي " فِي الْأَقْضِيَةِ، وَالرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ " فِي " كِتَابِ السِّيَرِ "، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَأَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: لَا جِهَادَ عَلَى النِّسَاءِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ: ﴿جَاهِدُوا﴾ وَقَالَ: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الذُّكُورَ دُونَ الْإِنَاثِ، لِأَنَّ الْإِنَاثَ الْمُؤْمِنَاتِ. قَالَ الْقَفَّالُ: وَأَصْلُ هَذَا أَنَّ الْأَسْمَاءَ وُضِعَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمُسَمَّى، فَخُصَّ كُلُّ نَوْعٍ بِمَا يُمَيِّزُهُ، فَالْأَلِفُ وَالتَّاءُ جُعِلَتْ عَلَمًا لِجَمْعِ الْإِنَاثِ، وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ

стр. 1445

وَالنُّونُ لِجَمْعِ الذُّكُورِ، فَالْمُؤْمِنَاتُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَاتِلُوا خِلَافُ " قَاتِلْنَ " ثُمَّ قَدْ تَقُومُ قَرَائِنُ تَقْتَضِي اسْتِوَاءَهُمَا فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ دُخُولُ الْإِنَاثِ فِي الذُّكُورِ، وَقَدْ لَا تَقُومُ فَيَلْحَقْنَ بِالذُّكُورِ بِالِاعْتِبَارِ وَالدَّلَائِلِ، كَمَا يَلْحَقُ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ بِالْمَذْكُورِ بِدَلِيلٍ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ، فَلَوْلَا أَنَّ التَّسْمِيَةَ لِلْمُذَكَّرِ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْغَالِبَ، وَلَمْ يَكُنْ حَظُّهُ مِنْهَا كَحَظِّ الْمُؤَنَّثِ، وَلَكِنْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا إذَا اجْتَمَعَا اسْتَقَلَّ أَفْرَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِوَصْفٍ، فَغُلِّبَ الْمُذَكَّرُ وَجُعِلَ الْحُكْمُ لَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ هُمْ الرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ تَوَابِعُ. انْتَهَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ": وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " الْكِفَايَةِ " وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، وَإِلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ، وَنَصَرَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ "، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " التَّبْصِرَةِ " وَنَقَلَهُ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ مُعْظَمِ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي إنَّهُ الصَّحِيحُ، قَالَ: وَلَسْت أَحْفَظُ عَنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ ظَاهِرَ مَذَاهِبِهِمْ الدُّخُولُ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ كَمَا قَالَهُ سُلَيْمٌ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَابْنُ السَّاعَاتِيِّ، قُلْت: مِنْهُمْ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، وَصَاحِبُ " اللُّبَابِ "، وَغَيْرُهُمْ، إلَى أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ، وَنُسِبَ لِلْحَنَابِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ

стр. 1446

وَيَدُلُّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ قَوْلُهُ ﵇: «سَبَقَ الْمُفْرِدُونَ، هُمْ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ» فَلَوْلَا دُخُولُهَا فِيهِ لَمْ يَحْسُنْ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ. رَأَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ انْدِرَاجَ النِّسَاءِ تَحْتَ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ بِقَضِيَّةِ التَّغْلِيبِ، لَا بِأَصْلِ الْوَضْعِ، إذْ اللَّفْظُ لَمْ يُوضَعْ لَهُنَّ، وَهَذَا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالنُّحَاةِ أَنَّ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُؤَنَّثَ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا ذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى تَنَاوُلِهِ الْجِنْسَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَثُرَ اشْتِرَاكُ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فِي الْأَحْكَامِ لَمْ تَقْصُرْ الْأَحْكَامُ عَلَى الذُّكُورِ قَالَ: وَإِذَا حَكَمْنَا بِتَنَاوُلِ اللَّفْظِ لَهُمَا فَهَلْ تَقُولُ: اجْتَمَعَ فِي اللَّفْظِ مُوجِبُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؟ أَوْ يَكُونُ جَمِيعًا مَجَازًا صِرْفًا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَقِيَاسُ مَذْهَبِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مَجَازًا صِرْفًا، وَقِيَاسُ قَوْلِ الْإِمَامِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مُوجِبُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ. انْتَهَى. وَحَاصِلَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ الدُّخُولِ لُغَةً حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي ظُهُورِهِ لِاشْتِهَارِهِ عُرْفًا وَغَيْرُهُ أَطْلَقَ الْخِلَافَ، وَجَعَلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ مَحَلَّهُ مَا إذَا وَرَدَ الْجَمْعُ مُجَرَّدًا، أَمَّا لَوْ ذُكِرْنَ مَعَ الرِّجَالِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: يَا أَيُّهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ مَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فَلَا خِلَافَ فِي دُخُولِهِنَّ فِي الْخِطَابِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ، فَإِنَّهُ وَافَقَ عَلَى الدُّخُولِ فِيمَا إذَا أَوْصَى لِرِجَالٍ وَنِسَاءٍ بِشَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ: أَوْصَيْت لَكُمْ بِكَذَا، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ النِّسَاءُ اتِّفَاقًا بِقَرِينَةِ الْإِيصَاءِ الْأَوَّلِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَكَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يُشْعِرُ بِتَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِالْخِطَابَاتِ

стр. 1447

الْوَارِدَةِ مِنْ الشَّرْعِ لِقَرِينَةٍ عَلَيْهِ، وَهِيَ الْمُشَارَكَاتُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، قَالَ: وَاتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُذَكَّرَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ إنْ وَرَدَ مُقْتَرِنًا بِعَلَامَةِ التَّأْنِيثِ، وَمِنْ أَقْوَى مَا احْتَجَّ بِهِ الْمُعَمِّمُونَ إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ غُلِّبَ الْمُذَكَّرُ، وَعَلَى هَذَا وَرَدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨] فِي خِطَابِ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا مَنْشَأُ الْخِلَافِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ إرَادَةِ الشَّيْءِ مِنْ الشَّيْءِ إرَادَتُهُ مِنْهُ إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، كَيْفَ وَالْوَاقِعُ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ إنَّمَا هُوَ تَغْلِيبُ الْخِطَابِ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ إذَا اجْتَمَعُوا، وَأَنَّهُ يُغَلَّبُ جَانِبُ التَّذْكِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ اللَّفْظَةَ عِنْدَ إطْلَاقِهَا مَوْضُوعَةٌ لِتَنَاوُلِ الْجَمِيعِ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: مَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي الْخِلَافِ غَيْرِ الشِّفَاهِيِّ وَقِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، أَمَّا الْخِطَابُ الشِّفَاهِيُّ كَقَوْلِهِ: أَعْطُوا هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ وَهُمْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ دَخَلْنَ قَطْعًا، وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨] أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ حَوَّاءَ. وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُخْرِجَةُ، فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] فَقَدْ خَصَّهُ ﵇ بِغَيْرِ النِّسَاءِ، لِنَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا الْقَرِينَةُ الْمُدْخِلَةُ فَكَقَوْلِهِ: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» ، فَإِنَّ الْمَعْنَى فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ الْمِلْكُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلِهَذَا أَقَامَتْ عَائِشَةُ الْحَدَّ عَلَى أَمَةٍ لَهَا.

стр. 1448

وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَسْأَلَةَ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: مَا يَدْخُلْنَ قَطْعًا، وَمَا لَا يَدْخُلْنَ قَطْعًا، وَمَا يَدْخُلْنَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمَا لَا يَدْخُلْنَ عَلَى الْأَصَحِّ. الثَّانِي: سَكَتُوا عَنْ الْخَنَاثَى، هَلْ يَدْخُلُونَ فِي خِطَابِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ؟ وَالظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِ الْفُقَهَاءِ دُخُولُهُمْ فِي خِطَابِ النِّسَاءِ فِيمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ، وَخِطَابُ الرِّجَالِ فِيمَا فِيهِ تَخْفِيفٌ، وَقَدْ يَجْعَلُونَهُ فِي مَوَاضِعَ خَارِجًا عَنْ الْقِسْمَيْنِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي دُخُولِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ تَحْتَ الْخِطَابِ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ] نَحْوُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي ": أَحَدُهَا: يَدْخُلُونَ فِيهِ لِتَوَجُّهِ التَّكْلِيفِ إلَيْهِمْ. الثَّانِي: لَا يَدْخُلُونَ إلَّا بِدَلِيلٍ، لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعُ الْأَحْرَارِ. وَالثَّالِثُ: إنْ تَضَمَّنَ الْخِطَابُ تَعَبُّدًا تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ تَضَمَّنَ مِلْكًا أَوْ عَقْدًا أَوْ وِلَايَةً لَمْ يَدْخُلُوا فِيهِ. قِيلَ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ كَالْغَزْوِ وَالْخَرَاجِ، لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَإِنْ مَلَكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

стр. 1449

وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَتْبَاعُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ إتْبَاعًا لِمُوجِبِ الصِّيغَةِ، وَلَا يَخْرُجُونَ إلَّا بِدَلِيلٍ، كَمَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مُعْظَمِ أَصْحَابِهِمْ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: قَدْ جَعَلَ الشَّافِعِيُّ بَعْضَ الظَّوَاهِرِ بِالتَّرْجِيحِ لِلْأَحْرَارِ إذْ كَانَ أَكْثَرُ الْخِطَابِ فِي الشَّرْعِ مَخْصُوصًا بِهِمْ، فَتَوَهَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا جُعِلَ فِي الْأَحْرَارِ بِالتَّرْجِيحِ عَلَى حَمَلَةِ الشَّرْعِ. وَفَصَّلَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِحَقِّ اللَّهِ فَيَشْمَلُهُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لِحَقِّ الْآدَمِيِّينَ فَلَا، وَلِهَذَا يَمْتَنِعُ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ، وَلِأَنَّ اسْتِغْرَاقَهُمْ بِحُقُوقِ السَّادَةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى امْتِيَازِهِمْ عَنْ حُكْمِ الْعُمُومِ، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ وَالْمَازِرِيُّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ مِنْهُمْ، وَفِي دُخُولِ الْمُبَعَّضِ كَلَامٌ سَبَقَ فِي بَحْثِ التَّكْلِيفِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ دُخُولُ الْكَافِرِ فِي الْخِطَابِ الصَّالِحِ لَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا] [الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ الْأَكْثَرُ كَمَا قَالَهُ الْأُسْتَاذُ دُخُولُ الْكَافِرِ فِي الْخِطَابِ الصَّالِحِ لَهُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا، كَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، فَيَعُمُّ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَحَدٌ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلَ يَدْخُلُونَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ دُونَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ التَّكْلِيفِ.

стр. 1450

قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَالْقَائِلُونَ بِعَدَمِ دُخُولِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ إنْ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَهُوَ مُكَابَرَةٌ، وَإِنْ زَعَمُوا التَّنَاوُلَ لَكِنَّ الرِّقَّ وَالْكُفْرَ فِي الشَّرْعِ خَصَّصَهُمْ فَهُوَ بَاطِلٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُمَا مُكَلَّفَانِ فِي الْجُمْلَةِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْخِطَابُ بِيَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا يَشْمَلُ الْأُمَّةَ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ] [الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ الْخِطَابُ " بِيَا أَهْلَ الْكِتَابِ " لَا يَشْمَلُ الْأُمَّةَ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، لِأَنَّ اللَّفْظَ قَاصِرٌ عَلَيْهِمْ، قَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مُسَوَّدَتِهِ الْأُصُولِيَّةِ هُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: خِطَابٌ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] فَهَذَا حُكْمُ سَائِرِ النَّاسِ فِيهِ حُكْمُ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ إنْ شَارَكُوهُمْ فِي الْمَعْنَى دَخَلُوا وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ وَأَهْلَ الْكِتَابِ صِنْفٌ مِنْ الْمَأْمُورِينَ بِالْقُرْآنِ، نَظِيرُ خِطَابِهِ لِوَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ يَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي حَقِّ مِثْلِهِ، ثُمَّ هَلْ عَمَّ عُرْفًا أَوْ عَقْلًا؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ. وَالثَّانِي: خِطَابُهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، فَهِيَ مَسْأَلَةُ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَالْحُكْمُ هُنَا لَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الْخَطَّابِيِّ قَطْعًا، لَكِنْ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاعْتِبَارِ الْعَقْلِيِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وَنَحْوُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعُمُومَ يَكُونُ تَارَةً لِلْأَشْخَاصِ، وَتَارَةً لِلْأَفْعَالِ، وَفِي كِلَا الْمَوْضِعَيْنِ يَعُمُّ،

стр. 1451

وَهَلْ هُوَ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، أَوْ بِالْعِبَارَةِ الْعُرْفِيَّةِ، أَوْ بِالْعِبْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ؟ [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْخِطَابُ بِ يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَلْ يَشْمَلُ الْكُفَّارَ] [الْمَسْأَلَةُ] الْخَامِسَةُ الْخِطَابُ بِ (يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ) حَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الِاصْطِلَاحِ " عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ غَيْرَهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ، لِأَنَّهُ صَرِيحٌ، ثُمَّ اخْتَارَ التَّعْمِيمَ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، لِعُمُومِ التَّكْلِيفِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا خُصُّوا بِالذِّكْرِ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّشْرِيفِ لَا خِطَابِ التَّخْصِيصِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] وَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ. قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّنَاوُلِ بِالصِّيغَةِ لَا بِأَمْرٍ خَارِجٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَتَنَاوَلُهُمْ لَفْظًا، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، أَوْ مِنْ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ، وَإِلَّا كَيْفَ بِعُمُومِ الشَّرِيعَةِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا حَيْثُ يَظْهَرُ الْفَرْقُ، أَوْ يُمْكِنُ مَعْنًى غَيْرُ شَامِلٍ لَهُمْ، فَلَا يُقَالُ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لَهُمْ، لِأَنَّهُ يَكُونُ إثْبَاتَ حُكْمٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَالتَّعَلُّقُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْوُجُوبِ، فَلَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا مَعْنًى. [مَسْأَلَةٌ قَدْ يَجِيءُ الْخِطَابُ بِيَا أَيُّهَا النَّاسُ لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً] مَسْأَلَةٌ وَقَدْ يَجِيءُ الْخِطَابُ بِيَا أَيُّهَا النَّاسُ لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٩٤] الْآيَةَ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ "، وَقَالَ: إنَّهُ مِنْ الْعُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ.

стр. 1452

[الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ خِطَابُ الْمُوَاجَهَةِ هَلْ يَشْمَلُ الْمَعْدُومِينَ] الْخِطَابُ الْوَارِدُ شِفَاهًا فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﵇ مِثْلُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، وَيُسَمَّى خِطَابَ الْمُوَاجَهَةِ، لَا خِلَافَ فِي شُمُولِهِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْمَعْدُومِينَ حَالَ صُدُورِهِ، لَكِنْ هَلْ هُوَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ مِنْ اللَّفْظِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى الثَّانِي، وَأَنَّ شُمُولَ الْحُكْمِ لِمَنْ بَعْدَهُمْ [بِالْإِجْمَاعِ أَوْ الْقِيَاسِ] وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِمَّا عُرِفَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ دِينِهِ ﵇، أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ تَعَلَّقَ بِأَهْلِ زَمَانِهِ فَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: هُمْ مُكَلَّفُونَ لَا مِنْ الْخِطَابِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الرِّسَالَةُ رَاجِعَةً إلَى سَائِرِ الْقُرُونِ كَانُوا سَوَاءً، قَالَ تَعَالَى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وَقَوْلُهُ: «بُعِثْت إلَى النَّاسِ كَافَّةً» . قُلْت: وَأَصْرَحُ مِنْهُمَا قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا﴾ [الجمعة: ٢] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]

стр. 1453

وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَنْ قَالَ بِخُصُوصِهِ بِالْمُخَاطَبِينَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِرَ فِيهِ أَحْوَالَ الْمُخَاطَبِينَ، وَلَا يُدْخِلُ فِي خِطَابِهِمْ مَنْ لَيْسَ بِصِفَتِهِمْ إلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ، وَهَذَا غَيْرُ الِاخْتِصَاصِ بِأَعْيَانِهِمْ، وَهُوَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنْهُ، لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْأَعْيَانِ فِي الْأَحْكَامِ مَحْمُولٌ غَالِبًا غَلَبَةً كَثِيرَةً. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا تُعْتَبَرُ أَحْوَالُهُمْ وَصِفَاتُهُمْ إلَّا أَنْ يُحْتَمَلَ اعْتِبَارُهَا لِمُنَاسَبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْأَلْيَقُ بِالتَّخْصِيصِ الْأَوَّلُ. وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ ": الْخِلَافُ فِي أَنَّ خِطَابَ الْمُشَافَهَةِ هَلْ يَشْمَلُ غَيْرَ الْمُخَاطَبِينَ قَلِيلُ الْفَائِدَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَدْلُولِ اللَّفْظِ لُغَةً، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْمُخَاطَبِ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْحُكْمَ يَقْتَصِرُ عَلَى غَيْرِ الْمُخَاطَبِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِهَا، وَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا عُلِمَ قَطْعًا مِنْ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ عَامَّةٌ إلَّا حَيْثُ يَرِدُ التَّخْصِيصُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ عَبَّرَ جَمَاعَةٌ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْخِطَابَ مَعَ الْمَوْجُودِينَ فِي زَمَنِهِ ﵇ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ بَعْدَهُمْ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ أَخَصَّ مِنْ هَذَا وَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وَيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْأَلْفَاظُ لَهَا حَالَتَانِ: تَارَةً تَكُونُ مَحْكُومًا بِهَا،

стр. 1454

نَحْوُ زَيْدٌ قَائِمٌ، أَوْ مُخَاطَبَةً بِخِطَابِ الْمُوَاجَهَةِ نَحْوُ يَا زَيْدُ، وَتَارَةً تَكُونُ مُتَعَلَّقَ الْحُكْمِ، نَحْوُ اصْحَبْ الْعُلَمَاءَ فَالْمُسَمَّيَاتُ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً حَالَ الْحُكْمِ أَوْ الْخِطَابِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ بِالْحَقِيقَةِ فِي الْخَارِجِ فَرْعُ وُجُودِهَا، وَكَذَلِكَ الْمُتَكَلِّمُ مَعَهَا، وَمَدَارُهَا فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ، بَلْ اللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِيمَا وُجِدَ وَسَيُوجَدُ مِنْهَا، كَقَوْلِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ: اصْحَبْ الْعُلَمَاءَ، لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَنْ يَكُونُ عَالِمًا حَالَ الْخِطَابِ، وَبَيْنَ مَنْ سَيَصِيرُ عَالِمًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ اقْطَعُوا السَّارِقَ وَحُدُّوا الزُّنَاةَ، وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى نَحْوِ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] يَتَنَاوَلُ مُشْرِكِي زَمَانِنَا، وَسُرَّاقَهُمْ، وَزُنَ لَا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ، لَكِنْ اتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الِاتِّصَافَ بِالصِّفَةِ الْمُشْتَقَّةِ لِمَنْ لَمْ تَعُمَّ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قِيَامِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَجَازٌ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وَلَا طَرِيقَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ الِاتِّفَاقَيْنِ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِ الصِّفَةِ مَحْكُومًا بِهَا، وَكَوْنِهَا مُتَعَلَّقَ الْحُكْمِ. وَقَدْ اعْتَرَضَ النَّقْشَوَانِيُّ فِي " تَلْخِيصِ الْمَحْصُولِ " عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ: إنَّ الْمَعْدُومَ يَكُونُ مُخَاطَبًا بِالْخِطَابِ السَّابِقِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ خِطَابِ الْمُشَافَهَةِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ غَفْلَةٌ مِنْهُمْ، لِأَنَّ تِلْكَ الْمَسْأَلَةَ إنَّمَا هِيَ فِي الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَنْ سَيُوجَدُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ، وَتَعَلُّقُ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ لَيْسَ مِنْ بَابِ أَوْضَاعِ اللُّغَةِ فِي شَيْءٍ بَلْ هُوَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ، وَلِذَلِكَ مَثَّلُوهُ بِأَنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ طَلَبَ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ، وَاَلَّذِي مِنْ وَلَدٍ سَيُوجَدُ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ، بِخِلَافِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّ مُعْتَمَدَ الْقَوْلِ بِأَنَّ خِطَابَ الْمُشَابَهَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَعْدُومَ، أَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ مِثْلَ: قُومُوا، وَلَا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ خِطَابًا لِلْمَعْدُومِ؛ بَلْ وَلَا لِلْمَوْجُودِ الْغَائِبِ، بَلْ الْحَاضِرُ

стр. 1455

الْقَرِيبُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْبَحْثَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لُغَوِيٌّ، وَتِلْكَ عَقْلِيٌّ، فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا. وَمِمَّنْ أَوْرَدَ هَذَا السُّؤَالَ أَيْضًا صَاحِبُ " الْبَدِيعِ "، وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْكَلَامَ ثَمَّ فِي تَسْمِيَتِهِ أَمْرًا، وَهُنَا فِي تَسْمِيَتِهِ خِطَابًا، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ مَعْنَى تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِالْمَعْدُومِ التَّعَلُّقُ الْعِلْمِيُّ لَا التَّنْجِيزِيُّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى خِطَابًا؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا قُصِدَ بِهِ إفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ، وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الْمَعْدُومِ، وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا قُلْنَا: إنَّ كَلَامَ اللَّهِ فِي الْأَزَلِ لَا يُسَمَّى خِطَابًا، فَإِنْ قُلْنَا يُسَمَّى فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي قَالَ بِتَنَاوُلِ الْخِطَابِ لِلْمَعْدُومِ زَمَنَ النَّبِيِّ ﵇ أَرَادَ بِهِ التَّنَاوُلَ عِنْدَ صَيْرُورَتِهِ أَهْلًا لِلْخِطَابِ كَمَا فِي الْأَمْرِ، لَا أَنَّهُ حَالَ عَدَمِهِ مُخَاطَبٌ بِمَعْنًى يَفْهَمُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. [الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ هَلْ خِطَابُ اللَّهِ رَسُولَهُ بِلَفْظٍ يَخْتَصُّ بِهِ يَشْمَلُ أُمَّتَهُ] الْخِطَابُ الْمُخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ﵇ بِوَضْعِ اللِّسَانِ، مِثْلُ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَيَا أَيُّهَا الرَّسُولُ، لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ الْأُمَّةُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ مِنْ قِيَاسٍ وَغَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَيَشْمَلُهُمْ الْحُكْمُ لَا بِاللَّفْظِ.

стр. 1456

وَقِيلَ يَدْخُلُ فِي اللَّفْظِ فَهُوَ عَامٌّ إلَّا بِدَلِيلٍ يُخْرِجُهُ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ بَعِيدٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّعْبِيرِ بِالْكَبِيرِ عَنْ أَتْبَاعِهِ فَيَكُونُ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: الْأُمَّةُ مَعَهُ بِشَرْعٍ فِي الْخِطَابِ الْمُخْتَصِّ، وَلِهَذَا قَالُوا: يَصِحُّ لَنَا النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، قَالَ: وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا اللَّفْظُ فِي وَضْعِهِ فَمُخْتَصٌّ بِهِ، وَأَمَّا أَنَّ الصَّحَابَةَ هَلْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ مِثْلًا لَهُ فِي الْخِطَابِ، فَلَسْنَا عَلَى ثَبْتٍ فِي ذَلِكَ، وَالْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَطْلُبُونَ مُشَارَكَتَهُ فِيمَا اخْتَصَّ بِهِ، فَأَمَّا مَا لَمْ تَظْهَرْ خَاصَّتُهُ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ. وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فَقَالَ: الصِّيغَةُ إمَّا أَنْ تَرِدَ فِي مَحَلِّ التَّخْصِيصِ أَوْ لَا، فَإِنْ وَرَدَتْ فَهُوَ خَاصٌّ، وَإِلَّا عَامٌّ، لِأَنَّا لَمْ نَجِدْ دَلِيلًا نَاطِقًا عَلَى التَّخْصِيصِ، وَلَا عَلَى التَّعْمِيمِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ حَيْثُ لَا يَظْهَرُ اخْتِصَاصُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنْ ظَهَرَ اخْتَصَّ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا مَعْنَى لِهَذَا التَّفْصِيلِ، فَكَأَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُ بِالْعُمُومِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَلِهَذَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ أَوَّلًا. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ مُقَيَّدًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِيمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهِ ﷺ أَمَّا مَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحُكْمِ غَيْرُهُ، وَأَتَى بِلَفْظِهِ لِجَلَالَةِ وُقُوعِ الْمُشَافَهَةِ مَعَهُ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] فَهَذَا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ ﷺ بِلَا خِلَافٍ، وَعَلَى هَذَا فَذِكْرُ ابْنِ الْحَاجِبِ هَذِهِ الْآيَةَ فِي صُورَةِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِمُخَاطَبَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِذَلِكَ وَهُمْ

стр. 1457

مَعْصُومُونَ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ، وَالْمُحَالُ يَصِحُّ فَرْضُهُ لِغَرَضٍ. وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مَكِّيِّ وَالْمَهْدَوِيِّ أَنَّ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] لِلنَّبِيِّ ﵇، وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ. قَالَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَلَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ، وَارْتَكَبَ شَطَطًا فِي التَّأْوِيلِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَعْلَمَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ٣٥] وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ مِنْ بَابِ الْخِطَابِ الْعَامِّ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ. وَالْمَعْنَى اتِّفَاقُ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ عَلَى ذَلِكَ، وَيُسْتَرَاحُ حِينَئِذٍ مِنْ إيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ أَصْلِهِ. أَمَّا فِيمَا لَمْ يَظْهَرْ أَنَّ الْأُمَّةَ مَقْصُودَةٌ بِهِ، فَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ عَلَى دُخُولِهِمْ فَلَا خِلَافَ فِي عُمُومِهِ، وَتَكُونُ الْقَرِينَةُ مُبَيِّنَةً أَنَّهُ عَبَّرَ بِلَفْظِهِ عَنْهُ، وَعَنْ غَيْرِهِ مَجَازًا، هَذَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] الْآيَةَ فَإِنَّ ضَمِيرَ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: طَلَّقْتُمْ، وَطَلِّقُوهُنَّ، قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ مَقْصُودَةٌ مَعَهُ بِالْحُكْمِ، وَأَنَّهُ خُصَّ بِالْخِطَابِ لِكَوْنِهِ مَتْبُوعَهُمْ، وَلَوْلَا فَهْمُ عُمُومِهَا لِلْأُمَّةِ لَمَا افْتَتَحَ بِهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْخِطَابِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ مُخْتَصٌّ لَفْظُهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَلَكِنْ يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١]

стр. 1458

ثُمَّ قَالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] ، وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] . وَنَوْعٌ يَكُونُ الْخِطَابُ لَهُ وَلِلْأُمَّةِ، وَأَفْرَدَهُ بِالْخِطَابِ، لِكَوْنِهِ هُوَ الْمُوَاجَهُ بِالْوَحْيِ، وَهُوَ الْأَصْلُ فِيهِ، وَالْمُبَلِّغُ لِلْأُمَّةِ، وَالسَّفِيرُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ: الْخِطَابُ لَهُ، وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ، وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِذَلِكَ أَصْلًا، كَمَا يَقُولُ السُّلْطَانُ لِمُقَدِّمِ الْعَسَاكِرِ: اُخْرُجْ غَدًا، أَوْ انْزِلْ بِمَكَانِ كَذَا، وَاحْمِلْ عَلَى الْعَدُوِّ فِي وَقْتِ كَذَا، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا﴾ [النساء: ٧٩] . [الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ الْخِطَابُ لِلْأُمَّةِ إنْ اخْتَصَّ بِهِمْ لَا يَدْخُلُ الرَّسُولُ تَحْتَهُ] [الْمَسْأَلَةُ] الثَّامِنَةُ الْخِطَابُ لِلْأُمَّةِ إنْ اخْتَصَّ بِهِمْ نَحْوُ: يَا أَيُّهَا الْأُمَّةُ فَلَا يَدْخُلُ الرَّسُولُ تَحْتَهُ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ، وَأَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي كِتَابِ " الْإِفَادَةِ "، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] فَالْأَوَّلُ: عَامٌّ. وَالثَّانِي: خَاصٌّ فِينَا دُونَهُ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَمَرَنَا بِالِاسْتِجَابَةِ لَهُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠] ﴿رَسُولا﴾ [الطلاق: ١١] ، تَقْدِيرُهُ: اُطْلُبُوا رَسُولًا عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَهَذَا أَيْضًا فِينَا دُونَهُ. اهـ. وَإِنْ أَمْكَنَ تَنَاوُلُهُ نَحْوُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وَيَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَيَا عِبَادِي، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ يَشْمَلُهُ. وَقِيلَ: لَا، لِأَجْلِ الْخَصَائِصِ الثَّابِتَةِ لَهُ. وَالثَّالِثُ: نُقِلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ وَالْحَلِيمِيِّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَسْبِقَهُ تَبْلِيغٌ: نَحْوُ قُلْ، وَنَحْوِهِ، فَلَا يَشْمَلُهُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالتَّبْلِيغِ يُؤَثِّرُ فِي عُمُومِ

стр. 1459

الْخِطَابِ، وَإِنْ وَرَدَ مُسْتَرْسِلًا فَالرَّسُولُ فِيهِ بِمَثَابَةِ غَيْرِهِ، وَاسْتَنْكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ فِيهَا جَمِيعًا مُسْتَنِدٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ خِطَابَهُ إلَيْنَا، فَلَا مَعْنَى لِلتَّفْرِقَةِ. وَقَالَ الْمُقْتَرَحُ فِي تَعْلِيقِهِ: الْخِطَابُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكِتَابِ، أَوْ مِنْ السُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْكِتَابِ فَهُوَ مُبَلِّغٌ عَنْ اللَّهِ ، وَالْمُبَلِّغُ يَنْدَرِجُ تَحْتَ عُمُومِ الْخِطَابِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ السُّنَّةِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْتَهَدًا أَوْ لَا. فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ مُجْتَهَدٌ فَيَرْجِعُ إلَى أَنْ الْمُخَاطَبَ: هَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فَهُوَ مُبَلِّغٌ، وَالْمُبَلِّغُ إذَنْ دَاخِلٌ تَحْتَ الْخِطَابِ. ثُمَّ قِيلَ: لَا فَائِدَةَ لِلْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَقِيلَ: بَلْ تَظْهَرُ فَائِدَتُهَا فِيمَا إذَا وَرَدَ الْعُمُومُ وَجَاءَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ بِخِلَافِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ دَاخِلٌ فِي خِطَابِهِ كَانَ فِعْلُهُ نَسْخًا، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِدَاخِلٍ لَمْ يَخُصَّ فِعْلُهُ الْعُمُومَ، وَبَقِيَ عَلَى شُمُولِهِ فِي ذَلِكَ. [الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ الْخِطَابُ الْخَاصُّ بِوَاحِدٍ هَلْ يَشْمَلُ غَيْرَهُ] [الْمَسْأَلَةُ] التَّاسِعَةُ [الْخِطَابُ الْخَاصُّ لُغَةً بِوَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ هَلْ يَشْمَلُ غَيْرَهُ مِنْ الْأُمَّةِ] الْخِطَابُ الْخَاصُّ لُغَةً بِوَاحِدٍ مِنْ الْأُمَّةِ، إنْ خُصَّ فِيهِ بِالتَّخْصِيصِ، فَلَا شَكَّ فِيهِ، لِقَوْلِهِ: (وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك) وَإِنْ صَلَحَ أَنْ يَتَنَاوَلَ

стр. 1460

غَيْرَهُ، فَلَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ مِنْ الْأُمَّةِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ الرَّضَاعِ مِنْ " النِّهَايَةِ " فِي الْكَلَامِ عَلَى إرْضَاعِ الْكَبِيرِ: وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى تَصَرُّفٍ فِي حَدِيثٍ سَالِمٍ رَمَزَ إلَيْهِ الْمُزَنِيّ، وَهُوَ أَنَّ خِطَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ إذَا اخْتَصَّ بِشَخْصٍ فِي حِكَايَةِ حَالٍ، فَحُكْمُ الصِّيغَةِ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِالْمُخَاطَبِ، وَإِذَا قَضَيْنَا بِأَنَّ النَّاسَ فِي الشَّرْعِ وَاحِدٌ، فَهُوَ يُتَلَقَّى مِنْ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ لِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ، قُلْنَا: اضْطَرَبَ رَأْيُهُمْ فِي قَضِيَّةِ سَالِمٍ فِي التَّخْصِيصِ، وَاللَّفْظُ فِي نَفْسِهِ مُخْتَصٌّ بِالْمُخَاطَبِ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ، سِيَّمَا إذَا اعْتَقَدَ خِلَافَهُ مِمَّا يَسْتَقِلُّ دَلِيلًا، انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَة وَغَيْرُهُ: عَامٌّ بِنَفْسِهِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْهُمْ: هَذَا إذَا وَقَعَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ، كَقَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ وَاقَعْت، فَقَالَ: (اعْتِقْ) . فَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» فَلَا يَدْخُلُ،

стр. 1461

فِيهِ كُلُّ الصَّحَابَةِ، وَكَذَا قَوْلُهُ لِلرَّجُلِ: (قُمْ فَبَارِزْ) ، فَلَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِ الْمُبَارَزَةُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا حُكِمَ ﷺ فِي حَادِثَةٍ بَيْنَ نَفْسَيْنِ، كَانَ وَاجِبًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِمِثْلِ تِلْكَ الْحَادِثَةِ، وَهَذَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا انْتَهَى. وَاقْتَضَى كَلَامُ الْقَاضِي مِنْهُمْ أَنَّهُ عَامٌّ بِعُرْفِ الشَّرْعِ لَا بِوَضْعِ اللُّغَةِ لِلْقَطْعِ بِاخْتِصَاصِهِ بِهِ لُغَةً، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا. وَحَكَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ: الْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ. قَالَ: وَالثَّانِي أَنَّهُ لِلْعُمُومِ بِدَلِيلِ: حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ، وَعَلَى هَذَا فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ السَّائِلِ، هَلْ هُوَ بِالْقِيَاسِ أَوْ بِقَوْلِهِ: خِطَابِي لِلْوَاحِدِ خِطَابِي لِلْجَمَاعَةِ؟ وَجْهَانِ، الْأَوَّلُ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ. انْتَهَى. وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ السَّابِقِ رَأْيٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ صَوَّرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا الْمَسْأَلَةَ بِخِطَابِهِ ﵇، وَصَوَّرَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، وَهِيَ مُخَاطَبَةُ الشَّارِعِ وَاحِدًا بِلَفْظٍ مُخْتَصٍّ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَاطِبُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ ، نَحْوُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧] أَوْ الْمُخَاطِبُ النَّبِيُّ ﷺ وَاحِدًا مِنْ أُمَّتِهِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، فَقَالَ: لَا شَكَّ أَنَّ الْخِطَابَ خُصَّ لُغَةً بِذَلِكَ الْوَاحِدِ، وَلَا يَنْبَغِي فِيهِ خِلَافٌ، وَأَنَّهُ عَامٌّ بِحَسَبِ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ، وَلَا يَنْبَغِي فِيهِ خِلَافٌ، فَلَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ

стр. 1462

فِي الْمَسْأَلَةِ، قَالَ الْمُقْتَرِحُ: بَلْ هُوَ مَعْنَوِيٌّ، وَهُوَ أَنَّا نَقُولُ: الْأَصْلُ مَا هُوَ؟ هَلْ هُوَ مَوْرِدُ الشَّرْعِ، أَوْ مُقْتَضَى الْعُرْفِ؟ وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ؛ بَلْ الَّذِي نُسَلِّمُهُ عُمُومُ مُقْتَضَى الْخِطَابِ غَيْرَ عُمُومٍ قَطْعًا، وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي الثَّانِي لَا فِي الْأَوَّلِ. وَالْحَقُّ أَنَّ التَّعْمِيمَ مُنْتَفٍ لُغَةً ثَابِتٌ شَرْعًا، وَالْخِلَافُ فِي أَنَّ الْعَادَةَ هَلْ تَقْضِي بِالِاشْتِرَاكِ بِحَيْثُ يَتَبَادَرُ فَهْمُ أَهْلِ الْعُرْفِ إلَيْهَا أَوْ لَا؟ فَأَصْحَابُنَا يَقُولُونَ: لَا قَضَاءَ لِلْعَادَةِ فِي ذَلِكَ، كَمَا لَا قَضَاءَ لِلُّغَةِ، وَالْخَصْمُ يَقُولُ: إنَّهَا تَقْضِي بِذَلِكَ. وَهَذَا نَقْلُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْهُمْ الِاحْتِجَاجَ بِأَنَّ عَادَةَ أَهْلِ اللِّسَانِ مُخَاطَبَةُ الْوَاحِدِ، وَإِرَادَةُ الْجَمَاعَةِ. [تَنْبِيهٌ تَطْبِيبُهُ هَلْ يُفِيدُ التَّعْمِيمَ] تَنْبِيهٌ [تَطْبِيبُهُ ﵇، هَلْ يُفِيدُ التَّعْمِيمَ؟] هَذَا فِي الْأَحْكَامِ، وَأَمَّا تَطْبِيبُهُ ﵇ لِأَصْحَابِهِ وَأَهْلِ أَرْضِهِ، فَقَالَ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ فِي " مُخْتَصَرِ الْمُسْتَدْرَكِ ": هُوَ خَاصٌّ بِطِبَاعِهِمْ وَأَرْضِهِمْ، إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّعْمِيمِ، لِأَنَّ تَطْبِيبَهُ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ، بِخِلَافِ أَوَامِرِهِ الشَّرْعِيَّةِ، ذَكَرَهُ فِي حَدِيثٍ: أَنَّ «امْرَأَةً أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ بِصَبِيٍّ لَهَا فَقَالَتْ: أَتْقَأُ مِنْهُ الْعَذِرَةَ. فَقَالَ: تَحَرَّقُوا حُلُوقَ أَوْلَادِكُمْ، خُذِي قُسْطًا هِنْدِيًّا وَوَرْسًا فَأَسْعِطِيهِ إيَّاهُ» . وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. انْتَهَى. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، وَظَاهِرُ تَصَرُّفِ الْعُلَمَاءِ سِيَّمَا مَنْ صَنَّفَ فِي الطِّبِّ النَّبَوِيِّ، إنَّمَا يَفْهَمُ التَّعْمِيمَ كَالْأَوَامِرِ، وَلِهَذَا تَكَلَّفُوا الْجَوَابَ عَنْ حَدِيثِ:

стр. 1463

أَبْرِدُوا الْحُمَّى بِالْمَاءِ) مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْحُمَّيَاتِ لَا يَقْتَضِي الطِّبُّ تَسْوِيغَ ذَلِكَ، وَحَمَلُوهُ عَلَى مَا يَقْتَضِي الْحَالَ اللَّائِقَ بِذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحُمَّيَات، وَقَوْلُهُ إنَّ التَّطْبِيبَ مِنْ بَابِ الْمُبَاحِ مَمْنُوعٌ. [الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ دُخُولُ الْمُخَاطِبِ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ] اخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ الْمُخَاطِبِ بِكَسْرِ الطَّاءِ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا، حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. أَحَدُهُمَا: قَالَ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْمُخَالِفِينَ إنَّهُ يُتَنَاوَلُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ عُمُومِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ. وَالثَّانِي: قَالَ: وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إنَّهُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا وَرَدَ مِنْهُ ﵇ لَفْظٌ عَامٌّ فِي إيجَابِ حُكْمٍ أَوْ حَظْرِهِ أَوْ إبَاحَتِهِ: هَلْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى دُخُولِهِ فِيهِ أَمْ لَا؟ وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﵇ أُمَّتَهُ بِأَمْرٍ لَمْ يَدْخُلْ

стр. 1464

هُوَ فِي الْأَوَامِرِ خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا، كَذَا قَالَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ": إذَا أَمَرَ ﵇ بِأَمْرٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي حُكْمِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِيهِ، كَقَوْلِهِ: افْعَلُوا كَذَا فَإِنَّكُمْ مُكَلَّفُونَ، وَقِيلَ يَدْخُلُ مُطْلَقًا، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": ذَهَبَ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْآمِرَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ، وَنَقَلَ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ دُخُولَهُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ": الْمَسْأَلَةُ مُصَوَّرَةٌ فِيهِ ﵇ إذَا كَانَ آمِرًا، وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ، فَأَمَّا الْأَمْرُ الْوَارِدُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِذِكْرِ النَّاسِ، فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ. هَكَذَا قَالَ، وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَنَا عَدَمُ الدُّخُولِ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ " فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. وَقَدْ رَأَيْت مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِنَقْلِ " الْمَحْصُولِ " عَنْ الْأَكْثَرِينَ الدُّخُولَ، وَقَدْ عَجِبْت مِنْ نَقْلِ هَؤُلَاءِ الْفُحُولِ، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا تَعَرَّضُوا لِلْأَمْرِ، لَا لِلْخَبَرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ، وَقَدْ سَوَّى صَاحِبُ " الْمَحْصُولِ " بَيْنَهُمَا فِي النَّقْلِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِي " الْمَنْخُولِ " حَيْثُ قَالَ بِهِمَا، ثُمَّ قَالَ: وَالْمُخْتَارُ الِانْدِرَاجُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ " قَالَ: صَاحِبُ الْمَحْصُولِ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كَوْنُهُ أَمْرًا قَرِينَةً مُخَصَّصَةً، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَدْخَلَهُ فِي الْخَبَرِ لَا الْأَمْرِ. قَالَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ ": وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَعَلَى هَذَا فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَقْلِ الْجُمْهُورِ. وَفَصَّلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، فَقَالَ: اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهُ نَفْسَهُ، وَلَكِنَّهُ خَارِجٌ عَنْهُ عَادَةً، وَقَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: الْقَوْلُ الْمُوجَزُ فِيهِ أَنَّ مُوجِبَ الْخِلَافِ

стр. 1465

الِانْدِرَاجُ، وَلَكِنْ اُشْتُهِرَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ بِخِلَافِهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَأْثِيرًا فِي مُوجِبِ اللَّفْظِ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ رَاجِعًا إلَى غَيْرِ اللَّفْظِ، لَا إلَى حَالِ الْمُخَاطِبِ. قَالَ: وَهَذَا دَقِيقٌ قَاطِعٌ خَيَالَ الْمُخَالِفِ. وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَدْ تَعْرِضُ فِي الْأَمْرِ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي مَبَاحِثِهِ، وَمِثْلُهُ النَّهِيُّ، وَمَرَّتْ فِي الْخَبَرِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى دُخُولِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَا وُضِعَ لِلْمُخَاطَبِ يَشْمَلُ الْمُتَكَلِّمَ وَضْعًا، فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ حُكْمًا فَمُسَلَّمٌ، إذَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، أَوْ كَانَ الْوَضْعُ شَامِلًا لَهُ كَأَلْفَاظِ الْعُمُومِ. تَنْبِيهٌ [دُخُولُ جِبْرِيلَ فِي التَّكَالِيفِ الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا] وَقَعَ الْبَحْثُ فِي أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ هَلْ يَدْخُلُ فِي التَّكْلِيفِ بِمَا يَأْتِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ كُلَّ تَبْلِيغٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلٍ، فَهُوَ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ الْفِعْلِ، كَمَا فِي إمَامَتِهِ بِالنَّبِيِّ ﵇ فِي الْيَوْمَيْنِ. وَأَمَّا مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلٍ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِتَبْلِيغِ مَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَقَطْ. [مَسْأَلَةٌ دُخُولُ الْمُخَاطَبِ فِي عُمُومِ أَمْرِ الْمُخَاطِبِ لَهُ] أَمَّا الْمُخَاطَبُ بِالْفَتْحِ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ: لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ أَمْرِ الْمُخَاطِبِ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي إبْرَاءِ غُرَمَائِي، وَكَانَ هُوَ مِنْهُمْ لَمْ يَدْخُلْ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مَسْأَلَةُ أَوَامِرِ اللَّهِ الْعَامَّةِ، هَلْ يَدْخُلُ فِيهَا النَّبِيُّ ﵇؟ وَقَدْ سَبَقَتْ، لَكِنْ الصَّحِيحُ هُنَاكَ الدُّخُولُ.

стр. 1466

[فَصْلٌ فِي الْقَرَائِنِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا صَارِفَةٌ لِلَّفْظِ عَنْ الْعُمُومِ وَفِيهِ مَسَائِلُ] [ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْخَارِجُ عَلَى جِهَةِ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ] فَصْلٌ فِي الْقَرَائِنِ الَّتِي يُظَنُّ أَنَّهَا صَارِفَةٌ لِلَّفْظِ عَنْ الْعُمُومِ. وَفِيهِ مَسَائِلُ: [الْمَسْأَلَةُ] الْأُولَى الْخَارِجُ عَلَى جِهَةِ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ، نَحْوُ ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] وَالْمُرَادُ مَدْحُ قَوْمٍ وَذَمُّ آخَرِينَ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ ذِكْرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَذِكْرُ النِّسَاءِ، وَمِلْكُ الْيَمِينِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَفِي التَّعَلُّقِ بِعُمُومِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَغَيْرُهُمْ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَنُسِبَ لِلشَّافِعِيِّ، وَلِهَذَا مُنِعَ التَّمَسُّكُ بِآيَةِ الزَّكَاةِ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْحُلِيِّ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَقَعْ مَقْصُودًا لَهُ، وَرُبَّمَا نَقَلُوا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الْكَلَامُ مُفَصَّلٌ فِي مَقْصُودِهِ، وَمُجَمِّلٌ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهِ. وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عَنْ الْقَاشَانِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَبِهِ جَزَمَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: لَا يُحْكَمُ الْعُمُومُ بِمُجَرَّدِ الْخِطَابِ الْعَامِّ، وَلَكِنْ يَكُونُ الْمَخْصُوصُ

стр. 1467

بِالذِّكْرِ عَلَى مَا حُكِمَ فِيهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِيمَا عَدَاهُ مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَا لِلْعُمُومِ، وَأَطَالَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِذَلِكَ. قَالَ: فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي قَلِيلِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكَثِيرِهِمَا، بَلْ مَقْصُودُ الْآيَةِ الْوَعِيدُ لِتَارِكِ الزَّكَاةِ، وَكَذَا لَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] فِي بَيَانِ مَا يَحِلُّ مِنْهَا وَمَا لَا يَحِلُّ، وَلَكِنْ فِيهَا بَيَانُ أَنَّ الْفَرْجَ لَا يَجِبُ حِفْظُهُ عَنْهُمَا، ثُمَّ إذَا اُحْتِيجَ إلَى تَفْصِيلِ مَا لَا يَحِلُّ بِالنِّكَاحِ أَوْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ صُيِّرَ فِيهِ إلَى مَا قُصِدَ تَفْصِيلُهُ، مِثْلُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَنَحْوُهُ. قَالَ: وَمَنْ ضَبَطَ هَذَا الْبَابَ أَفَادَهُ عِلْمًا كَثِيرًا، وَاسْتَرَاحَ مَنْ لَا يُرَتِّبُ الْخِطَابَ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَا يَضَعُهُ مَوْضِعَهُ. انْتَهَى. وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ " فِي بَابِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّكَاحِ، وَعِبَارَتُهُ: قُلْنَا: الْآيَةُ إذَا سِيقَتْ لِبَيَانِ مَقْصُودٍ، فَإِنَّمَا يُوجَبُ التَّعْمِيمُ فِي مَحَلِّ الْمَقْصُودِ، فَأَمَّا فِي مَحَلِّ غَيْرِ الْمَقْصُودِ وَالْغَرَضِ بِالْخِطَابِ فَلَا يُقْصَدُ بِالْخِطَابِ، بَلْ يُعْرَضُ عَنْهُ صَفْحًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ [البقرة: ١٨٧] الْآيَةَ اهـ. وَالثَّانِي: وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ عَامٌّ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَصْدِ الْعُمُومِ وَالذَّمِّ، قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: إنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ ": إنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ "، وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ ": إنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ. قَالَ: وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَصَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَذْهَبَ الشَّافِعِيَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُ صِحَّةُ ادِّعَاءِ الْعُمُومِ فِيهِ حَتَّى لَا يُعَارِضَهُ.

стр. 1468

وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ التَّحْصِيلِ " عَلَيْهِ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ " وَخَطَّأَ مُخَالِفَهُ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَقَدْ جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ طَرِيقَ التَّرْجِيحِ، وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ جَعَلَهُ وَجْهَ الْمَنْعِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالظَّاهِرِ. قُلْتُ: وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ فِيهِ إلَى أَنَّ النَّوْمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] قَالَ: فَأَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْمَدْحِ، وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ يُنْفَى عَنْهُ إبْطَالُ الْعِبَادَةِ، وَاحْتَجَّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ يَبْقَى إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَفِي الثَّانِي عِنْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتُ الْمَغْرِبِ) وَهَذَا نَصٌّ فِي مُسَاوَاتِهَا فِي الْوَقْتِ بِغَيْرِهَا، فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيمَ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ تَعْلِيمَ أَوَائِلِ أَوْقَاتِ الِاخْتِيَارِ وَآخِرِهَا، لَكِنْ نَصَّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى مُوَافَقَةِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ احْتَجُّوا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَطْوَلُ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ: نَحْنُ أَكْثَرُ أَعْمَالًا وَأَقَلُّ أَجْرًا. قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ، فَقَالَ لَهُمْ: لَمْ يُقْصَدْ بِالْخَبَرِ ذَلِكَ، لِأَنَّ كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّتَهُ لَا تَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ، فَمُنِعَ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ فِي غَيْرِ مَقْصُودِهِ. وَكَذَا يُمْنَعُ تَمَسُّكُ الْحَنَفِيَّةِ بِحَدِيثِ: «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَاتِ. وَقَالَ: إنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا سِيقَ لِبَيَانِ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ، لَا لِبَيَانِ الْوَاجِبِ فِيهِ، لَكِنْ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ بِهِ

стр. 1469

الشَّافِعِيُّ هُنَا لِمُعَارِضٍ آخَرَ، لَا لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَسُوقًا لِغَيْرِهِ. هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ عُمُومٌ آخَرُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْمَدْحُ أَوْ الذَّمُّ، فَإِنْ عَارَضَهُ فَلَا خِلَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ لِذَلِكَ، فَيَجْرِي عَلَى عُمُومِهِ، وَيُقْصَرُ مَا سِيقَ لِلْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ عَلَيْهِمَا. هَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ " التَّحْصِيلِ " وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ لَكِنْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ السُّهَيْلِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهُ يُوقَفُ هَذَانِ الْعَامَّانِ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْحَالُ كَالْمُتَعَارَضِينَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّهَا سِيقَتْ لِبَيَانِ أَعْيَانِ الْمُحَرَّمَاتِ دُونَ الْعَدَدِ مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فَإِنَّهُ سِيقَ لِلْعَدَدِ، وَهُوَ يَعُمُّ الْأُخْتَ وَغَيْرَهَا، فَيُقْضَى بِتِلْكَ لِأَنَّهَا مَسُوقَةٌ لِبَيَانِ الْمُحَرَّمِ، وَكَذَا يُقْضَى بِهَا عَلَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَالْأُولَى سِيقَتْ لِبَيَانِ الْحُكْمِ، فَقُدِّمَ عَلَى مَا سِيَاقُهَا لِلْمَدْحِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] إذَا قَدَّرْنَا دُخُولَ الشَّعْرِ فِيهَا قُدِّمَ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ [النحل: ٨٠] . وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِمَا سِيقَ لِلْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ، بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَا سِيقَ لِغَرَضٍ، كَمَا سَبَقَ مِنْ نَحْوِ (فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ) وَغَيْرِهِ.

стр. 1470

[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ صِحَّةِ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيمَا جَاءَ مِنْ الشَّارِعِ ابْتِدَاءً] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وُرُودُهُ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فَتَقُولُ: لَا إشْكَالَ فِي صِحَّةِ دَعْوَى الْعُمُومِ فِيمَا جَاءَ مِنْ الشَّارِعِ ابْتِدَاءً كَقَوْلِهِ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ» ، فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ، فَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ بِلَا خِلَافٍ. وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْخِطَابَ إمَّا أَنْ يَكُونَ جَوَابًا لِسُؤَالِ سَائِلٍ أَمْ لَا؟ . فَإِنْ كَانَ جَوَابًا، فَإِمَّا أَنْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ الِابْتِدَاءُ بِهِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ تَابِعٌ لِلسُّؤَالِ فِي عُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ، حَتَّى كَأَنَّ السُّؤَالَ مُعَادٌ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَامًّا فَعَامٌّ أَوْ خَاصًّا فَخَاصٌّ. مِثَالُ خُصُوصِ السُّؤَالِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ: «أَيُنْقَصُ الرُّطَبُ

стр. 1471

إذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا إذْنَ» وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: وَطِئْت فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا فَيَقُولُ: عَلَيْك الْكَفَّارَةُ فَيَجِبُ قَصْرُ الْحُكْمِ عَلَى السَّائِلِ، وَلَا يَعُمُّ غَيْرَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ عَلَى أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْمُكَلَّفِينَ، أَوْ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ بِصِفَتِهِ. وَمِثَالُ عُمُومِهِ مَا لَوْ سُئِلَ عَمَّنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: يُعْتِقُ رَقَبَةً. فَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ وَاطِئٍ فِي رَمَضَانَ. وَقَوْلُهُ: " يُعْتِقُ " وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالْوَاحِدِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ جَوَابًا عَمَّنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ بِلَفْظٍ يَعُمُّ كُلَّ مَنْ جَامَعَ كَانَ الْجَوَابُ كَذَلِكَ، وَصَارَ السُّؤَالُ مُعَادًا فِي الْجَوَابِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ حُمِلَ هَذَا الْحُكْمُ عَلَى الْعُمُومِ، فَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَفْصِلْ " بِأَيِّ شَيْءٍ أَفْطَرْت "؟ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِاخْتِلَافِ مَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ، وَضُعِّفَ بِاحْتِمَالِ عِلْمِهِ بِالْحَالِ، فَأَجَابَ عَلَى مَا عَلِمَ. وَقِيلَ: لَمَّا نُقِلَ السَّبَبُ وَهُوَ الْفِطْرُ، فَحُكِمَ فِيهِ بِالْعِتْقِ صَارَ كَأَنَّهُ عَلَّلَ وُجُوبَ الْعِتْقِ بِوُجُودِ الْفِطْرِ، لِأَنَّ السَّبَبَ فِي الْحُكْمِ تَعْلِيلٌ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ السَّائِلِ، وَهَذَا أَصَحُّ. وَقِيلَ مِنْ قَوْلِهِ: (حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ) ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حَالُ غَيْرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ كَحَالِهِ وَكُلِّ وَصْفٍ مُؤَثِّرٍ لِلْحُكْمِ.

стр. 1472

وَجَعَلَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " مِنْ هَذَا الضَّرْبِ قَوْلَهُ: «أَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» فَقَالَ: لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَعَلُّقٍ بِمَذْكُورٍ قَبْلَهُ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُبْتَدَأُ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَمِنْ شَأْنِهِ صَدْرُ الْكَلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَا قَبْلَهُ، وَقَدْ رَجَعَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَجَعَلَهُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ. وَإِنْ اسْتَقَلَّ الْجَوَابُ بِنَفْسِهِ بِحَيْثُ لَوْ وَرَدَ مُبْتَدَأً لَكَانَ كَلَامًا تَامًّا مُفِيدًا لِلْعُمُومِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ أَوْ مُسَاوِيًا أَوْ أَعَمَّ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ، كَمَا لَوْ سُئِلَ عَنْ مَاءِ بُضَاعَةَ وَمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ فُورَكٍ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمْ وَكَذَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": لَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ مَقْصُودًا فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ الْجَوَابِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَمَثَّلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ " هَذَا الْقِسْمَ بِحَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. قَالَ: وَالظَّاهِرُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْإِعْتَاقُ بِالْوُقُوعِ الْمَذْكُورِ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ، لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى الْحُكْمَ وَآثَارَهُ، فَيَعُمُّ كُلَّ مَنْ وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ. قَالَ: وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَا رُوِيَ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﵇ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، مُضَمَّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ: وَعَلَى هَذِهِ الْجُبَّةِ، فَقَالَ: أَحْرَمْت انْزِعْ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ الصُّفْرَةَ» ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ غَيْرُ

стр. 1473

وَاجِبَةٍ، وَالسَّبَبُ عُلِّقَ الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ جَرَيَانُ الْخِلَافِ إلَّا فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ ": ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ " أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ يَكُونُ أَصْلًا، وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا مِثْلَهُ يَكُونُ فَرْعًا لَهُ بِعِلَّةٍ تَعَدَّتْ إلَيْهِ، كَمَا كَانَ الْأَرُزُّ فَرْعًا لِلْبُرِّ فِي إثْبَاتِ الرِّبَا فِيهِ. قَالَ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ خِطَابَهُ ﷺ لِوَاحِدٍ خِطَابٌ لِلْجَمَاعَةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ فَرْعًا لَهُ لَكَانَ هُوَ أَيْضًا فَرْعًا لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ أَخَصَّ مِنْ السُّؤَالِ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ، فَيَقُولُ: مَاءُ الْبَحْرِ طَهُورٌ، فَيَخُصُّ الْجَوَابَ بِالْبَعْضِ، وَلَا يَعُمُّ بِعُمُومِ السُّؤَالِ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمَا. لَكِنْ كَلَامُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْحَاجَةَ إنَّمَا تَمَسُّ إلَى بَيَانِ مَا خَصَّصَهُ بِالذِّكْرِ، أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْحَاجَةَ عَامَّةٌ فِي بَيَانِ جُمْلَةِ الْمِيَاهِ فَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ. وَلِهَذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ: إنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ لَا يُطَابِقَ النَّبِيُّ ﷺ السُّؤَالَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ؟ قُلْنَا: أَمَّا الزِّيَادَةُ فَنَعَمْ، كَقَوْلِهِ: «الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ، وَأَمَّا النُّقْصَانُ فَإِنْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيَانِ جَمِيعِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَذْكُورِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ يَعْلَمُ بِهِ السَّامِعُ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ قَبْلَ فَوْتِ الْحَادِثَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسُوغُ، فَإِنْ لَمْ تَمَسَّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ فُورَكٍ وَصَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " وَغَيْرُهُمْ: هَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يُنَبِّهَ فِي الْجَوَابِ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مُجْتَهِدًا، وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ التَّنْبِيهُ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالْمُجْتَهِدِ مَنْ لَهُ قُوَّةُ التَّنَبُّهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَأَنْ يَبْقَى مِنْ زَمَنِ الْعَمَلِ وَقْتٌ مُتَّسِعٌ لِلِاجْتِهَادِ،

стр. 1474

فَيُجِيبُهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَعْضِ مَا سَأَلَهُ، وَيُنَبِّهُهُ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْبَعْضِ الْآخَرِ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْعِلَّةِ، كَقَوْلِهِ لِعُمَرَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ: «أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْتَ» وَقَوْلُهُ لِلْخَثْعَمِيَّةِ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» ، قَالَ: وَحُكْمُهُ حِينَئِذٍ كَحُكْمِ السُّؤَالِ، لَكِنْ لَا يُسَمَّى عَامًّا لِدَلَالَةِ التَّنْبِيهِ. وَمَتَى انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ الْمَسْئُولُ فِيهَا عَنْ الْبَعْضِ لِلْإِخْلَالِ بِمَا يَجِبُ بَيَانُهُ. وَمَثَّلَ الْقَاضِي فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ " هَذَا الْقِسْمَ بِمَا لَوْ سُئِلَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ الْكَوَافِرِ، فَقَالَ: اُقْتُلُوا الْمُرْتَدَّاتِ. قَالَ: فَيَخْتَصُّ الْقَتْلُ بِهِنَّ، وَلَا تُقْتَلُ الْحَرْبِيَّاتُ لِأَجْلِ دَلِيلِ الْخِطَابِ. وَلِأَنَّ عُدُولَهُ عَنْ الْجَوَابِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ. قَالَ: وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي حَدِيثِ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» : عَلَّقَ عَلَى اسْمِ الْأَرْضِ كَوْنَهَا

стр. 1475

مَسْجِدًا، وَعَلَّقَ عَلَى تُرْبَتِهَا كَوْنَهُ طَهُورًا، فَدَلَّ عَلَى قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالطَّهُورِيَّةِ، خِلَافُ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ وَطَهُورٌ. وَمِنْهُ احْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] إلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فَأَوْجَبَ السُّكْنَى مُطْلَقًا وَالنَّفَقَةَ بِشَرْطِ الْحَمْلِ، فَدَلَّ عَلَى قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ الْمَبْتُوتَةَ الْحَائِلَ لَا نَفَقَةَ لَهَا. وَمَثَّلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا الْقِسْمَ بِقَوْلِ السَّائِلِ: «هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ، فَقَالَ: اعْتِقْ رَقَبَةً» ، فَأَجَابَ بِمَا يَلْزَمُهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِ الْمَوْطُوءَةِ، قَالَ: فَمَنْ أَسْقَطَ السَّبَبَ، وَاعْتَبَرَ اللَّفْظَ جَعَلَهُ ظَاهِرًا فِيهَا، وَطَلَبَ دَلَالَةً فِي حُكْمِهَا. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ أَعَمَّ مِنْ السُّؤَالِ، فَيَتَنَاوَلُ مَا سُئِلَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ، فَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْهُ فِي حُكْمٍ آخَرَ غَيْرِ مَا سُئِلَ عَنْهُ، كَسُؤَالِهِمْ عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، وَجَوَابُهُ بِقَوْلِهِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّائِلِ، وَلَا بِمَحَلِّ السُّؤَالِ مِنْ ضَرُورَتِهِمْ إلَى الْمَاءِ وَعَطَشِهِمْ، بَلْ يَعُمُّ حَالَ الضَّرُورَةِ وَالِاخْتِيَارِ. قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ فُورَكٍ وَصَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " وَالْمَحْصُولِ "، لَكِنْ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ بَرْهَانٍ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ الْآتِي فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَجَعَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قِسْمِ الْمُسَاوِي، وَفِيهِ نَظَرٌ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ:
следующие страницы →