← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

إذَا جَفَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا إذْنَ» وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: وَطِئْت فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا فَيَقُولُ: عَلَيْك الْكَفَّارَةُ فَيَجِبُ قَصْرُ الْحُكْمِ عَلَى السَّائِلِ، وَلَا يَعُمُّ غَيْرَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ عَلَى أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْمُكَلَّفِينَ، أَوْ فِي كُلِّ مَنْ كَانَ بِصِفَتِهِ. وَمِثَالُ عُمُومِهِ مَا لَوْ سُئِلَ عَمَّنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: يُعْتِقُ رَقَبَةً. فَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ وَاطِئٍ فِي رَمَضَانَ. وَقَوْلُهُ: " يُعْتِقُ " وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالْوَاحِدِ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ جَوَابًا عَمَّنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ بِلَفْظٍ يَعُمُّ كُلَّ مَنْ جَامَعَ كَانَ الْجَوَابُ كَذَلِكَ، وَصَارَ السُّؤَالُ مُعَادًا فِي الْجَوَابِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ حُمِلَ هَذَا الْحُكْمُ عَلَى الْعُمُومِ، فَقِيلَ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَفْصِلْ " بِأَيِّ شَيْءٍ أَفْطَرْت "؟ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِاخْتِلَافِ مَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ، وَضُعِّفَ بِاحْتِمَالِ عِلْمِهِ بِالْحَالِ، فَأَجَابَ عَلَى مَا عَلِمَ. وَقِيلَ: لَمَّا نُقِلَ السَّبَبُ وَهُوَ الْفِطْرُ، فَحُكِمَ فِيهِ بِالْعِتْقِ صَارَ كَأَنَّهُ عَلَّلَ وُجُوبَ الْعِتْقِ بِوُجُودِ الْفِطْرِ، لِأَنَّ السَّبَبَ فِي الْحُكْمِ تَعْلِيلٌ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ السَّائِلِ، وَهَذَا أَصَحُّ. وَقِيلَ مِنْ قَوْلِهِ: (حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ) ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حَالُ غَيْرِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ كَحَالِهِ وَكُلِّ وَصْفٍ مُؤَثِّرٍ لِلْحُكْمِ.

стр. 1472

وَجَعَلَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " مِنْ هَذَا الضَّرْبِ قَوْلَهُ: «أَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» فَقَالَ: لِأَنَّ الضَّمِيرَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَعَلُّقٍ بِمَذْكُورٍ قَبْلَهُ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُبْتَدَأُ بِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَمِنْ شَأْنِهِ صَدْرُ الْكَلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَا قَبْلَهُ، وَقَدْ رَجَعَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَجَعَلَهُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ. وَإِنْ اسْتَقَلَّ الْجَوَابُ بِنَفْسِهِ بِحَيْثُ لَوْ وَرَدَ مُبْتَدَأً لَكَانَ كَلَامًا تَامًّا مُفِيدًا لِلْعُمُومِ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَخَصَّ أَوْ مُسَاوِيًا أَوْ أَعَمَّ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ، كَمَا لَوْ سُئِلَ عَنْ مَاءِ بُضَاعَةَ وَمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ بِلَا خِلَافٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ فُورَكٍ، وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمْ وَكَذَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": لَا شَكَّ فِي كَوْنِهِ مَقْصُودًا فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ السُّؤَالِ عَنْ الْجَوَابِ إلَّا بِدَلِيلٍ. وَمَثَّلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ " هَذَا الْقِسْمَ بِحَدِيثِ الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. قَالَ: وَالظَّاهِرُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْإِعْتَاقُ بِالْوُقُوعِ الْمَذْكُورِ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ، لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الَّذِي اقْتَضَى الْحُكْمَ وَآثَارَهُ، فَيَعُمُّ كُلَّ مَنْ وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ. قَالَ: وَلِهَذَا قُلْنَا فِيمَا رُوِيَ أَنَّ «أَعْرَابِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﵇ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، مُضَمَّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ: وَعَلَى هَذِهِ الْجُبَّةِ، فَقَالَ: أَحْرَمْت انْزِعْ الْجُبَّةَ، وَاغْسِلْ الصُّفْرَةَ» ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْفِدْيَةَ غَيْرُ

стр. 1473

وَاجِبَةٍ، وَالسَّبَبُ عُلِّقَ الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ جَرَيَانُ الْخِلَافِ إلَّا فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ ": ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ " أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ يَكُونُ أَصْلًا، وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا مِثْلَهُ يَكُونُ فَرْعًا لَهُ بِعِلَّةٍ تَعَدَّتْ إلَيْهِ، كَمَا كَانَ الْأَرُزُّ فَرْعًا لِلْبُرِّ فِي إثْبَاتِ الرِّبَا فِيهِ. قَالَ: وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ خِطَابَهُ ﷺ لِوَاحِدٍ خِطَابٌ لِلْجَمَاعَةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ فَرْعًا لَهُ لَكَانَ هُوَ أَيْضًا فَرْعًا لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ أَخَصَّ مِنْ السُّؤَالِ مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ، فَيَقُولُ: مَاءُ الْبَحْرِ طَهُورٌ، فَيَخُصُّ الْجَوَابَ بِالْبَعْضِ، وَلَا يَعُمُّ بِعُمُومِ السُّؤَالِ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرُهُمَا. لَكِنْ كَلَامُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِيهِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذَا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْحَاجَةَ إنَّمَا تَمَسُّ إلَى بَيَانِ مَا خَصَّصَهُ بِالذِّكْرِ، أَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّ الْحَاجَةَ عَامَّةٌ فِي بَيَانِ جُمْلَةِ الْمِيَاهِ فَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ. وَلِهَذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ: إنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ لَا يُطَابِقَ النَّبِيُّ ﷺ السُّؤَالَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ؟ قُلْنَا: أَمَّا الزِّيَادَةُ فَنَعَمْ، كَقَوْلِهِ: «الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ، وَأَمَّا النُّقْصَانُ فَإِنْ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيَانِ جَمِيعِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَذْكُورِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ يَعْلَمُ بِهِ السَّامِعُ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ قَبْلَ فَوْتِ الْحَادِثَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَسُوغُ، فَإِنْ لَمْ تَمَسَّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَعَلَى الْخِلَافِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ فُورَكٍ وَصَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " وَغَيْرُهُمْ: هَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يُنَبِّهَ فِي الْجَوَابِ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ، وَأَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مُجْتَهِدًا، وَإِلَّا لَمْ يُفِدْ التَّنْبِيهُ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِالْمُجْتَهِدِ مَنْ لَهُ قُوَّةُ التَّنَبُّهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَأَنْ يَبْقَى مِنْ زَمَنِ الْعَمَلِ وَقْتٌ مُتَّسِعٌ لِلِاجْتِهَادِ،

стр. 1474

فَيُجِيبُهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَعْضِ مَا سَأَلَهُ، وَيُنَبِّهُهُ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْبَعْضِ الْآخَرِ بِطَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْعِلَّةِ، كَقَوْلِهِ لِعُمَرَ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ: «أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْتَ» وَقَوْلُهُ لِلْخَثْعَمِيَّةِ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» ، قَالَ: وَحُكْمُهُ حِينَئِذٍ كَحُكْمِ السُّؤَالِ، لَكِنْ لَا يُسَمَّى عَامًّا لِدَلَالَةِ التَّنْبِيهِ. وَمَتَى انْتَفَى شَرْطٌ مِنْ الثَّلَاثَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجِيبَ الْمَسْئُولُ فِيهَا عَنْ الْبَعْضِ لِلْإِخْلَالِ بِمَا يَجِبُ بَيَانُهُ. وَمَثَّلَ الْقَاضِي فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ " هَذَا الْقِسْمَ بِمَا لَوْ سُئِلَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ الْكَوَافِرِ، فَقَالَ: اُقْتُلُوا الْمُرْتَدَّاتِ. قَالَ: فَيَخْتَصُّ الْقَتْلُ بِهِنَّ، وَلَا تُقْتَلُ الْحَرْبِيَّاتُ لِأَجْلِ دَلِيلِ الْخِطَابِ. وَلِأَنَّ عُدُولَهُ عَنْ الْجَوَابِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ. قَالَ: وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي حَدِيثِ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» : عَلَّقَ عَلَى اسْمِ الْأَرْضِ كَوْنَهَا

стр. 1475

مَسْجِدًا، وَعَلَّقَ عَلَى تُرْبَتِهَا كَوْنَهُ طَهُورًا، فَدَلَّ عَلَى قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالطَّهُورِيَّةِ، خِلَافُ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا مَسْجِدٌ وَطَهُورٌ. وَمِنْهُ احْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] إلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فَأَوْجَبَ السُّكْنَى مُطْلَقًا وَالنَّفَقَةَ بِشَرْطِ الْحَمْلِ، فَدَلَّ عَلَى قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ الْمَبْتُوتَةَ الْحَائِلَ لَا نَفَقَةَ لَهَا. وَمَثَّلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا الْقِسْمَ بِقَوْلِ السَّائِلِ: «هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ، فَقَالَ: اعْتِقْ رَقَبَةً» ، فَأَجَابَ بِمَا يَلْزَمُهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحُكْمِ الْمَوْطُوءَةِ، قَالَ: فَمَنْ أَسْقَطَ السَّبَبَ، وَاعْتَبَرَ اللَّفْظَ جَعَلَهُ ظَاهِرًا فِيهَا، وَطَلَبَ دَلَالَةً فِي حُكْمِهَا. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ أَعَمَّ مِنْ السُّؤَالِ، فَيَتَنَاوَلُ مَا سُئِلَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ، فَهُوَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْهُ فِي حُكْمٍ آخَرَ غَيْرِ مَا سُئِلَ عَنْهُ، كَسُؤَالِهِمْ عَنْ التَّوَضُّؤِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، وَجَوَابُهُ بِقَوْلِهِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِالسَّائِلِ، وَلَا بِمَحَلِّ السُّؤَالِ مِنْ ضَرُورَتِهِمْ إلَى الْمَاءِ وَعَطَشِهِمْ، بَلْ يَعُمُّ حَالَ الضَّرُورَةِ وَالِاخْتِيَارِ. قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ فُورَكٍ وَصَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " وَالْمَحْصُولِ "، لَكِنْ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ بَرْهَانٍ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ الْآتِي فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَجَعَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ قِسْمِ الْمُسَاوِي، وَفِيهِ نَظَرٌ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي سَأَلَ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ:

стр. 1476

وَقَدْ سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ، وَعَمَّنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَاسْتَعْمَلَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ، وَفِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَنَسَبَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ لِلشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يَجِبُ قَصْرُهُ عَلَى مَا أُخْرِجَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، وَنَسَبَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ إلَى الْمُزَنِيّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالْقَفَّالِ وَالدَّقَّاقِ، وَفِي نِسْبَةِ ذَلِكَ لِلْقَفَّالِ نَظَرٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخَفَّافِ فِي " الْخِصَالِ "، فَإِنَّهُ جَعَلَ مِنْ الْمُخَصَّصَاتِ خُرُوجَ الْكَلَامِ عَلَى مَعْهُودٍ مُتَقَدِّمٍ. وَنَسَبَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ إلَى الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: وَعَلَيْهِ يَدُورُ كَلَامُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْآيَاتِ، يَقْتَصِرُ بِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا الَّتِي تُرَتَّبُ فِيهَا، وَيَجْعَلُهَا تَفْسِيرًا لَهَا، وَدَلَالَةً عَلَى الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ، وَنَسَبَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْبَاجِيُّ لِأَبِي الْفَرَجِ مِنْ أَصْحَابِهِمْ، وَنَسَبَهُ الْإِمَامُ فِي " الْبُرْهَانِ " لِأَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ: إنَّهُ الَّذِي صَحَّ عِنْدَنَا مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ " وَتَبِعَهُ فِي " الْمَحْصُولِ " وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَصَحَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ خِلَافُهُ كَمَا سَيَأْتِي. نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلِهَذَا لَوْ قَذَفَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ وَطِئَهَا لَمْ يُلَاعِنْ عِنْدَهُ، وَيُجْعَلُ الْوَطْءُ تَكْذِيبًا لَهُ، لِأَنَّ آيَةَ اللِّعَانِ وَرَدَتْ فِي الْعَجْلَانِيُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: رَأَيْت بِعَيْنِي، وَسَمِعْت بِأُذُنِي وَمَا قَرُبْتهَا مُنْذُ سَمِعْت. وَقَصَدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ تَرَكَ إصَابَتَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً وَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ تَرْكُ إصَابَتِهَا شَرْطًا فِي جَوَازِ لِعَانِهَا.

стр. 1477

وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ، لِأَنَّ عُدُولَ الْمُجِيبِ عَنْ الْخَاصِّ الْمَسْئُولِ عَنْهُ إلَى الْعَامِّ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْعُمُومِ، وَلِأَنَّ الْحُجَّةَ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْعُمُومِ. وَوُرُودَهُ عَلَى السَّبَبِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ عِنْدَ وُرُودِ السَّبَبِ: بَيَانُ الْقَاعِدَةِ الْعَامَّةِ لِهَذِهِ الصُّورَةِ وَغَيْرِهَا. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ وَذَكَرَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " أَنَّ عَامَّةَ الْأَصْحَابِ يُسْنِدُهُ إلَى الشَّافِعِيِّ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَالْغَزَالِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَبِهِ جَزَمَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: وَالْأَصْلُ أَنَّ الْعُمُومَ لَهُ حُكْمٌ، إلَّا أَنْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ، وَالدَّلِيلُ قَدْ يَخْتَلِفُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْحَالِ دَلَالَةٌ يَعْقِلُ بِهَا الْمُخَاطَبُ أَنَّ جَوَابَهُ الْعَامَّ يُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى مَا أُجِيبَ عَنْهُ أَوْ عَلَى جِنْسِهِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ عُمُومُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا يَخْلُو أَكْثَرُهَا عَنْ سَبَبٍ وَأَمْرٍ يَحْدُثُ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ إلَى الْحُكْمِ كَيْفَ مَوْرِدُهُ، فَإِنْ وَرَدَ عَامًّا لَمْ يُخَصَّ إلَّا بِدَلِيلٍ وَإِنْ وَرَدَ مُطْلَقًا لَمْ يُقَيَّدْ إلَّا بِدَلِيلٍ، لِأَنَّ الْأَسْبَابَ مُتَقَدِّمَةٌ، وَالْأَحْكَامَ بَعْدَهَا فَقَدْ يُنَظِّمُهَا مَعَ تَقَدُّمِهَا، كَمَا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا يَخْلُو أَكْثَرُهَا مِنْ أَنْ يُقْضَى بِهِ عَلَى غَيْرِ أَوَّلِهَا أَوْ فَمِهَا، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ الِاقْتِصَارَ بِالْخِطَابِ عَلَى الْعَيْنِ. هَذَا كَلَامُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ: ذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّفْظِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ نَصًّا: وَالْأَسْبَابُ لَا تَصْنَعُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ لِلْأَلْفَاظِ. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِنَا:

стр. 1478

إنَّ الْحُكْمَ لِلسَّبَبِ، وَادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» إنَّهُ خَرَجَ عَنْ سُؤَالِ السَّائِلِ، لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ الرِّبَا فِي الْجِنْسِ. انْتَهَى. وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْعِرَاقِيِّينَ: إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي، وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدِي. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ": إنَّهُ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِلَفْظِ الرَّسُولِ دُونَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ السُّؤَالُ، وَلَوْ قَالَ ابْتِدَاءً لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ، فَكَذَلِكَ إذَا صَدَرَ جَوَابًا. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْمَذْهَبَانِ؛ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَذْهَبَانِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ عَامًّا، وَحَمَلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْمَبِيعَاتِ، وَلَمْ يَخُصَّهُ بِمَالٍ، وَهُوَ الْعَبْدُ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّ قَوْلَهُ: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ، فَيَجِبُ قَصْرُهُ عَلَيْهِ. انْتَهَى. مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي جَوَابٍ يَكُونُ أَعَمَّ مِنْ السُّؤَالِ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ، وَفُرُوعُ مَذْهَبِهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَصَّ فِي " الْأُمِّ " فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ لِلْأَلْفَاظِ وَلَا تَعْمَلُ الْأَسْبَابُ شَيْئًا، لِأَنَّ السَّبَبَ قَدْ يَكُونُ، وَيَحْدُثُ الْكَلَامُ عَلَى غَيْرِ السَّبَبِ، وَلَا يَكُونُ مُبْتَدَأُ الْكَلَامِ الَّذِي حَكَمَ، وَخَدَشَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ أَنَّ الْغَضَبَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي يَرِدُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ لَا يَدْفَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: بَلْ الْعِبْرَةُ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ بِعُمُومِ اللَّفْظِ

стр. 1479

لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَقَوْلُهُ: لَا عَمَلَ لِلْأَسْبَابِ عَلَى عُمُومِهِ، وَلَا يَخُصُّهُ سِيَاقُهُ. وَقَالَ فِي " الْأُمِّ " فِي بَابِ بَيْعِ الْعَرَايَا لِلْأَغْنِيَاءِ مَا نَصُّهُ: وَاَلَّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ أَحَلَّهَا لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ، كَمَا قَالَ: تَحِلُّ لَك، وَلِمَنْ كَانَ مِثْلَك، كَمَا قَالَ فِي التَّضْحِيَةِ بِالْجَذَعَةِ: «تَجْزِيكَ وَلَا تَجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» ، وَكَمَا حَرَّمَ اللَّهُ الْمَيْتَةَ فَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهَا إلَّا لِلْمُضْطَرِّ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْفَرَائِضِ نَزَلَ بِأَسْبَابِ قَوْمٍ، وَكَانَ لَهُمْ وَلِلنَّاسِ عَامَّةً إلَّا مَا بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّهُ أَحَلَّ لِغَيْرِهِ ضَرُورَةً أَوْ حَاجَةً. انْتَهَى. وَقَدْ نَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْهُ عِنْدَ الْكَلَامِ فِي " أَنَّ قَرِينَةَ الْغَضَبِ لَا تَجْعَلَ الْكِنَايَةَ صَرِيحًا " أَنَّهُ إذَا كَانَ لَفْظُهُ عَامًّا لَمْ أَعْتَبِرْ خُصُوصَ السَّبَبِ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا لَمْ أَعْتَبِرْ عُمُومَ السَّبَبِ. وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ: لَوْ مَنَّ عَلَيْهِ بِمَالٍ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَشْرَبُ لَك مَاءً مِنْ عَطَشٍ، انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمَاءِ وَحْدَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: بِكُلِّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ مَالِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَنَا بِاللَّفْظِ، وَبِهِ أَعْتُبِرَ عُمُومُهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا، وَخُصُوصُهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ عَامًّا، وَعِنْدَهُ الِاعْتِبَارُ بِالسَّبَبِ دُونَ اللَّفْظِ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَصِحَّ هَذَا النَّقْلُ عَنْهُ، كَيْفَ وَكَثِيرٌ مِنْ الْآيَاتِ نَزَلَ فِي أَسْبَابِ خَاصَّةٍ؟ ثُمَّ لَمْ يَقُلْ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى تِلْكَ الْأَسْبَابِ. وَالسَّبَبُ فِي وُقُوعِ هَذَا النَّقْلِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ يَقُولُ بِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى سَبَبِهِ أَقْوَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ تِلْكَ الصُّورَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ لَا يَكُونَ اللَّفْظُ جَوَابًا عَنْهُ، وَلَا تَأَخَّرَ الْبَيَانُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ عَكَسَ ذَلِكَ،

стр. 1480

وَقَالَ: دَلَالَتُهُ عَلَى سَبَبٍ عَلَى النُّزُولِ أَضْعَفُ، وَحُكِمَ بِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يَلْحَقُهُ وَلَدُ أَمَتِهِ وَإِنْ وَطِئَهَا، مَا لَمْ يُقِرَّ بِالْوَلَدِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» إنَّمَا وَرَدَ فِي أَمَةٍ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ فِي عَبْدِ ابْنِ زَمْعَةَ، فَبَالَغَ الشَّافِعِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يُجَوِّزُ إخْرَاجَ السَّبَبِ، وَأَطْنَبَ فِي أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ قَطْعِيَّةٌ، كَدَلَالَةِ الْعَامِّ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ، وَكَوْنُهُ وَارِدًا لِبَيَانِ حُكْمِهِ، فَتَوَهَّمَ الْمُتَوَهِّمُ أَنَّهُ يَقُولُ إنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ. قُلْتُ: وَأَمَّا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ بِخُصُوصِ السَّبَبِ، بِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ. قَاصِرًا لِلْمُحَرَّمَاتِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ: لِوُرُودِ الْآيَةِ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا يُحِلُّونَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، وَيَتَحَرَّجُونَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مُبَاحَاتِ الشَّرْعِ، فَكَانَتْ سَجِيَّتُهُمْ تُخَالِفُ وَضْعَ الشَّرْعِ وَتُضَادُّهُ، وَكَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ إبَانَةَ كَوْنِهِمْ عَلَى مُضَادَّةِ الْحَقِّ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَا حَرَامَ إلَّا مَا حَلَّلْتُمُوهُ، وَالْقَصْدُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فَقَطْ. قَالَ: وَلَوْلَا سَبْقُ الشَّافِعِيِّ إلَى ذَلِكَ مَا كَانَ يَسْتَجِيزُ مُخَالَفَةَ تِلْكَ فِي مَصِيرِهِ إلَى حَصْرِ الْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ. انْتَهَى. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ.

стр. 1481

وَذَكَرَ غَيْرُهُ مَوَاضِعَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يُؤْخَذُ مِنْهَا ذَلِكَ. مِنْهَا: أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ ﵇: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ؛ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ وَهُوَ بِئْرُ بُضَاعَةَ، فَقَصَرَهُ عَلَى سَبَبِهِ. وَقَالَ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ: أَمَّا حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ، فَإِنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَاسِعَةٌ، كَانَ يُطْرَحُ فِيهَا مِنْ الْأَنْجَاسِ مَا لَا يُغَيِّرُ لَهَا لَوْنًا وَلَا طَعْمًا وَلَا رِيحًا، فَقِيلَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَيُطْرَحُ فِيهَا كَذَا؟ فَقَالَ ﵇ مُجِيبًا: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ، وَكَانَ جَوَابُهُ مُحْتَمِلًا كُلَّ مَاءٍ، وَإِنْ قَلَّ. وَبَيَّنَّا أَنَّ فِي الْمَاءِ مِثْلَهَا إذَا كَانَ مُجِيبًا عَلَيْهَا، فَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنْ يُغْسَلَ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا دَلَّ عَلَى أَنَّ جَوَابَهُ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ عَلَيْهَا، وَكَانَ الْعِلْمُ أَنَّهُ عَلَى مِثْلِهَا أَوْ أَكْثَرِ مِنْهَا، وَلَا يَدُلُّ حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَحْدَهُ عَلَى أَنَّ مَا دُونَهَا مِنْ الْمَاءِ لَا يُنَجَّسُ، وَكَانَتْ آنِيَةُ النَّاسِ صِغَارًا، وَكَانَ فِي حَدِيثِ الْوُلُوغِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَدْرَ مَاءِ الْإِنَاءِ يُنَجَّسُ بِمُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُغَيَّرْ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» : إنَّهُ خَرَجَ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ، فَقَصَرَهُ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ: إنَّ جِلْدَ الْكَلْبِ لَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، وَجُعِلَ قَوْلُهُ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» خَاصًّا بِالْمَأْكُولِ، فَقَدْ قَصَرَهُ عَلَى سَبَبِهِ.

стр. 1482

وَمِنْهَا أَنَّهُ خَصَّصَ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ بِالْحَرْبِيَّاتِ، لِخُرُوجِهِ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، فَقَالَ: لِمَ قُتِلَتْ وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ؟» وَنَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ؛ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ الْحَرْبِيَّاتِ. وَتَخَلَّصَ بِذَلِكَ عَنْ اسْتِدْلَالِ أَبِي حَنِيفَةَ بِهِ عَلَى مَنْعِ قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ. فَقَدْ أَلْغَى الشَّافِعِيُّ التَّعْمِيمَ وَقَصَرَهُ عَلَى السَّبَبِ. وَمِنْهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي: لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّ الصَّوْمَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنْ الْفِطْرِ، لِأَنَّ الْفِطْرَ مَضْمُونٌ بِالْقَضَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» ، فَهَذَا وُرُودٌ عَلَى سَبَبٍ وَهُوَ أَنَّهُ ﵊ مَرَّ بِرَجُلٍ، وَقَدْ أَحْدَقَ بِهِ النَّاسُ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ مُسَافِرٌ، قَدْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ، فَقَالَ «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» ، وَعِنْدَنَا أَنَّ مَنْ أَجْهَدَهُ الصَّوْمُ فَفِطْرُهُ أَوْلَى. اهـ. قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَنْبَغِي السَّبَقُ بِهِ إلَى نِسْبَةِ الشَّافِعِيِّ إلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِ السَّبَبِ، أَمَّا مَا ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مُصَيِّرًا إلَى اعْتِبَارِ السَّبَبِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ التَّخْصِيصَ هُنَا مِنْ السَّبَبِ، وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ التَّأْوِيلِ فِي اللَّفْظِ، وَلَهُ مَحَامِلُ وَقَصْدُهُ بِذَلِكَ تَطَرُّقُ التَّأْوِيلِ إلَى الْآيَةِ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا مَالِكٌ، وَلَوْلَا فَتْحُ هَذَا الْبَابِ لَكَانَتْ الْآيَةُ نَصًّا فِي الْحَصْرِ، وَهِيَ مِنْ أَوَاخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَا نَسْخَ فِيهَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَشَرَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَالْعُذُرَاتِ، وَلَمْ تَنْطَوِ الْآيَةُ عَلَيْهَا، وَكَيْفَ تَجْرِي الْآيَةُ مَعَ هَذَا عَلَى الْعُمُومِ.

стр. 1483

وَالثَّانِي: أَنَّ النِّزَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ لَا دَلِيلَ يُصْرَفُ إلَى السَّبَبِ، وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا قَصَرَ الْآيَةَ عَلَى سَبَبِهَا لَمَّا وَرَدَتْ السُّنَّةُ بِمُحَرَّمَاتٍ كَثِيرَةٍ كَالْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَذَكَرَ الْآيَةَ الْأُخْرَى عَلَى جَمْعِ الْخَبَائِثِ، فَجَمَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا، بِأَنْ قَصَرَ آيَةَ الْإِبْهَامِ عَلَى سَبَبِهَا، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إلَى ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَ «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» فَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ رَأَى الْأَخْبَارَ تَعَارَضَتْ، فَلَمْ يُمْكِنْ اسْتِعْمَالُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، فَحَمَلَهَا عَلَى السَّبَبِ لِلتَّعَارُضِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الدِّبَاغِ فَلَمْ يَقْصُرْ الْحُكْمَ عَلَى السَّبَبِ، وَإِلَّا لَقَصَرَهُ عَلَى خُصُوصِ الشَّاةِ، بَلْ سَائِرُ جِلْدِ الْمَأْكُولِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا أُخْرِجَ جِلْدُ الْكَلْبِ عَنْ الْعَامِّ بِدَلِيلٍ، وَكَذَا مَسْأَلَةُ الْقَطْعِ. وَأَمَّا مَا قَالَهُ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا قَصَرَهُ عَلَى سَبَبِهِ لَمَّا عَارَضَهُ قَوْلُهُ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، فَوَجَبَ تَخْصِيصُ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبِهِ، وَحُمِلَ الْآخَرُ عَلَى عُمُومِهِ، لِأَنَّ السَّبَبَ مِنْ أَمَارَاتِ التَّخْصِيصِ. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي. وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ حَدِيثُ: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» فَإِنَّمَا اعْتَبَرَ السَّبَبَ لِقَصْدِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كَنَظِيرِ مَا سَبَقَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ، كَيْفَ وَقَدْ نَصَّ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فِي إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ.

стр. 1484

وَأَمَّا حَدِيثُ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ، فَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي أُصُولِهِ: قَصَرَهُ أَصْحَابُنَا عَلَى سَبَبِهِ، وَهُوَ فِيهِ عَبْدٌ بِيعَ، فَظَهَرَ فِيهِ عَيْبٌ، فَجَهِلَ لِمُشْتَرِيهِ خَرَاجُهُ لِضَمَانِهِ إيَّاهُ لَوْ تَلِفَ. قَالَ: فَجَعَلَ أَصْحَابُنَا ذَلِكَ حُكْمًا فِي الْبُيُوعِ دُونَ الْغُصُوبِ وَإِنْ كَانَتْ الْغُصُوبُ مَضْمُونَةً، وَقَدْ خَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُمْ. اهـ. وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ: الْغَاصِبُ يَضْمَنُ مَنْفَعَةَ الْمَغْصُوبِ اسْتَوْفَاهَا أَمْ لَا، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ، وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِي خَرَاجِ الْمِلْكِ فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي الْمُشْتَرِي إذَا اسْتَعْمَلَ الْمَبِيعَ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ، فَأَرَادَ الرَّدَّ. اهـ. هَذَا مِنْ الْقَفَّالِ وَالْقَاضِي اعْتِبَارًا لِلسَّبَبِ. وَاعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ» ، وَحِينَئِذٍ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، إذْ لَا عُمُومَ لِمِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا فِيمَنْ قَضَى بِالشُّفْعَةِ. قُلْت: لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» . وَهَذِهِ صِيغَةٌ عَامَّةٌ، ثُمَّ رَأَيْت الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْحُجَّةُ فِي أَنَّ عَلَى الْغَاصِبِ غَلَّةُ مَا اغْتَصَبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُنْ الدَّارَ، وَلَمْ يَرْكَبْ الدَّابَّةَ حَدِيثُ مُجَالِدِ بْنِ خَلَّافٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي عَبْدٍ، وَلَيْسَ بِعَيْبِهِ، فَقَضَى النَّبِيُّ ﵇ بِالْغَلَّةِ لِمَالِك الرَّقَبَةِ، فَذَلِكَ يَقْضِي بِالْغَلَّةِ لِمَالِكِ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ، لِأَنَّهُ مَالِكُ الشَّيْءِ. اهـ. وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ: قِيلَ: إنَّ الشَّافِعِيَّ أَشَارَ إلَى اعْتِبَارِ خُصُوصِ السَّبَبِ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ: «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» مَقْصُودٌ عَلَى سَبَبِهِ. وَقَالَ

стр. 1485

فِي قَوْلِهِ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي ثِمَارِهِمْ وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي مَوَاضِعَ مُحَوَّطَةٍ. وَسَائِرُ الْأَصْحَابِ قَالُوا: إنَّمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا لِأَدِلَّةٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْصِيصِ فَمَذْهَبُهُ إجْرَاءُ اللَّفْظِ عَلَى عُمُومِهِ. اهـ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي أُصُولِهِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ أَيْضًا: كُلُّ خِطَابٍ حَصَلَ عِنْدَ حُدُوثِ مَعْنًى، فَإِنْ كَانَ فِي الْخِطَابِ أَوْ غَيْرِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْحُكْمَ فِي الْمَعْنَى فَالنَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى ابْتِدَاءً سَوَاءٌ كَانَ أَعَمَّ مِنْ الِاسْمِ أَوْ أَخَصَّ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعْنَى، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ دَلَالَةٌ فَالْحُكْمُ لِلِاسْمِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ. انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي الْقَصْرَ عَلَى السَّبَبِ، فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ كَمَا فَعَلَ فِي الْآيَةِ، وَفِي حَدِيثِ «الْخَرَاجِ بِالضَّمَانِ» ، وَبِئْرِ بُضَاعَةَ، وَغَيْرِهَا. وَحَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَصْحَابِنَا. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْقَصْرِ عَلَى السَّبَبِ لِدَلِيلِ الْعَمَلِ بِهِ مُطْلَقًا، فَمِنْ هَاهُنَا مَثَارُ الْغَلَطِ عَلَى الشَّافِعِيِّ، فَقَدْ عَمِلُوا بِحَدِيثِ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» مُطْلَقًا فِي الْإِمَاءِ وَالْحَرَائِرِ وَالْأَمَةِ الْمَمْلُوكَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي التَّدَاعِي فِي وَلَدِ الْمَمْلُوكَةِ، وَعَمِلُوا بِحَدِيثِ الْعَرَايَا مُطْلَقًا، لِلْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، مَعَ أَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْفُقَرَاءِ. وَكَذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ الرَّمَلِ ثَبَتَتْ مُطْلَقًا، وَإِنْ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ، وَقَدْ زَالَ. وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ يَحْصُرُهُ عَدُوٌّ أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَانِعُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ وَرَدَتْ عَلَى سَبَبٍ

стр. 1486

خَاصٍّ، وَهُوَ صَدُّ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبَيْتِ، أَوْ يُقَالُ: إنَّ الْعَامَّ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَرَدَ مَقْصُودًا بِهِ حَقِيقَةُ السَّبَبِ، وَمُؤَثِّرًا فِي دَفْعِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَرِدَ لِقَصْدِ التَّشْرِيعِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالْحَمْلِ عَلَى الْخُصُوصِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ خِلَافٌ. وَالثَّانِي هُوَ الْمُرَادُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ. وَيَشْهَدُ لِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيَّ لَمَّا جَزَمَ الْقَوْلَ بِالْحُكْمِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، قَالَ: يَعُمُّ الْعَامُّ الَّذِي لَمْ يَرِدْ عَلَى سَبَبٍ أَقْوَى وَهَذَا دُونَهُ، قَالَ: وَلَا جُرْمَ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةَ لَا نَرَى دَلَالَتَهُ عَلَى حَصْرِ الْمُحَرَّمَاتِ فِيمَا رَآهُ مَالِكٌ، فَإِنَّهُ نَزَلَ عَلَى سَبَبٍ، وَهُوَ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي تَنَاوُلِ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ لَا مُحَرَّمَ مِمَّا يَأْكُلُونَ إلَّا كَذَا وَكَذَا يَعُمُّ، قَدْ بَانَ الشَّرْعُ بِصِيغَةٍ فِي تَمْهِيدِ قَاعِدَةٍ. ثُمَّ يُجْعَلُ مَحَلُّ السُّؤَالِ كَالْفَرْعِ لَهُ، أَوْ كَالْمِثَالِ، فَذَلِكَ لَا يُوهِنُ التَّعَلُّقَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، كَقَوْلِهِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ» الْحَدِيثَ. وَمَحَلُّ السُّؤَالِ الْهِجْرَةُ، وَلَكِنْ اللَّفْظُ لَا يَتَأَثَّرُ وَلَا يَنْحَطُّ عَنْ غَيْرِهِ عَلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَفِيهِ بَحْثٌ. اهـ. وَيَجْتَمِعُ مِمَّا سَبَقَ فِي الْمَنْسُوبِ لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ طُرُقٍ: أَحَدُهَا: حِكَايَةُ قَوْلَيْنِ لَهُ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَالثَّانِيَةُ: تَنْزِيلُهُمَا عَلَى حَالَيْنِ وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا. أَخِيرًا. وَالثَّالِثَةُ: الْقَطْعُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ وَهِيَ طَرِيقَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَالرَّابِعَةُ: الْقَطْعُ بِاعْتِبَارِ اللَّفْظِ وَهِيَ الْمَشْهُورُ الْخَامِسَةُ: الْقَطْعُ بِاعْتِبَارِهِ فِيمَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى الْقَصْرِ عَلَى السَّبَبِ، وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مُنَقِّحَةٌ لِلرَّابِعَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَقِيَّةُ الْمَذَاهِبِ فِيمَا إذَا كَانَ الْجَوَابُ أَعَمُّ مِنْ السُّؤَالِ] : وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: الْوَقْفُ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْبَعْضَ وَيَحْتَمِلُ الْكُلَّ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ حَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ ".

стр. 1487

الرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ سُؤَالَ سَائِلٍ فَيَخْتَصُّ بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ وُقُوعَ حَادِثَةٍ فَلَا. حَكَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي " شَرْحِ الْبَزْدَوِيِّ ". وَالْخَامِسُ: إنْ عَارَضَهُ عُمُومٌ خَرَجَ ابْتِدَاءً بِلَا سَبَبٍ قَصَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبَبِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَارِضْهُ فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِهِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ: وَلِذَلِكَ قَصَرْنَا نَهْيَهُ ﵇ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ عَلَى الْحَرْبِيَّاتِ دُونَ الْمُرْتَدَّاتِ، لِمُعَارَضَتِهِ قَوْلَهُ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا عَيْنُ الْمَذْهَبِ الثَّانِي، لِأَنَّ الْمُعَمِّمِينَ شَرَطُوا عَدَمَ الْمُعَارِضِ. [الْخِطَابُ الْوَارِدُ عَلَى سَبَبٍ لِوَاقِعَةٍ وَقَعَتْ] هَذَا كُلُّهُ فِي الْخِطَابِ الْخَارِجِ جَوَابًا لِسُؤَالٍ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ لِوَاقِعَةٍ وَقَعَتْ، فَقَالَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ، كَقَوْلِهِ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» . وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ: إمَّا أَنْ يَرِدَ فِي اللَّفْظِ قَرِينَةٌ تُشْعِرُ بِالتَّعْمِيمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَالسَّبَبُ رَجُلٌ سَرَقَ رِدَاءَ صَفْوَانَ، فَالْإِتْيَانُ بِالسَّارِقَةِ مَعَهُ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمَعْهُودِ، وَكَذَلِكَ عَنْ الْإِفْرَادِ إلَى الْجَمْعِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]

стр. 1488

فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ أَخَذَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ، وَتَغَيَّبَ بِهِ، وَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقِيلَ: إنَّ عَلِيًّا أَخَذَهُ مِنْهُ، وَأَبَى أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ إيَّاهُ. وَقَالَ: «خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً مُخَلَّدَةً فِيكُمْ أَبَدًا، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلَّا ظَالِمٌ» فَقَوْلُهُ: " الْأَمَانَاتِ " قَرِينَةٌ مُشْعِرَةٌ بِالتَّعْمِيمِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَقَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ الْحَمْلُ عَلَى الْمَعْهُودِ، إلَّا أَنْ يُفْهَمَ مِنْ نَفْسِ الشَّارِعِ قَصْدُ تَأْسِيسِ قَاعِدَةٍ، فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى الْعُمُومِ، وَإِنْ كَانَ الْعُمُومُ لَفْظًا آخَرَ غَيْرَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ، فَيَحْسُنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فَتَجْرِي فِيهِ الْأَقْوَالُ السَّابِقَةُ. وَيَزِيدُ هُنَا قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ ذَكَرَ السَّبَبَ فِي كَلَامِهِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ، إلَّا إذَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، أَوْ يَلْحَقُ بِبَيَانِ: (حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ) ، كَنَهْيِهِ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ مَعَ قَوْلِهِ: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ مِنْ أَجْلِ الدَّافَّةِ» ؛ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ مِنْ غَيْرِهِ، فَالِاعْتِبَارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا السَّبَبِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِنَّهُ عَلَى سَبَبِ الِاخْتِيَانِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ اخْتَانَ وَمَنْ لَمْ يَخْتَنْ، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَابْنُ فُورَكٍ، وَنَسَبَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ لِأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ: وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ سُقُوطَ قِيَامِ اللَّيْلِ مَخْصُوصٌ بِالْمَرَضِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ عِنْدَ

стр. 1489

تَخْفِيفِهِ: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: وَذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْأَسْبَابَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَسْبَابٌ تَقْتَضِي لِأَجْلِهَا الْحُكْمَ فِي الِابْتِدَاءِ، فَيَدْخُلُ الْمُتَعَقِّبُ وَالِابْتِدَاءُ. وَالثَّانِي: لِأَجْلِهَا كَانَ الْحُكْمُ، وَمَا يَرْتَفِعُ السَّبَبُ إلَّا يَرْتَفِعُ الْحُكْمُ، فَيَحْتَاجُ أَنْ يُتَأَمَّلَ الْخِطَابُ. فَإِنْ كَانَ سَبَبُ الرُّخْصَةِ عَامًّا عَمَّمْنَاهُ، وَلَمْ يُرَاعَ السَّبَبُ، وَإِنْ كَانَتْ الرُّخْصَةُ مَنُوطَةً بِالسَّبَبِ عَلَّقْنَاهُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَدَّى السَّبَبُ إلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا تُحْمَلُ الْأَسْبَابُ كُلُّهَا. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ أَنْ لَا تَظْهَرَ قَرِينَةٌ تُوجِبُ قَصْرَهُ عَلَى السَّبَبِ مِنْ الْعَادَةِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ ظَهَرَتْ وَجَبَ قَصْرُهُ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، كَقَوْلِهِ فِي جَوَابِ تَغَدَّ عِنْدِي: وَاَللَّهِ لَا تَغَدَّيْت، فَالْعَادَةُ تَقْتَضِي قَصْرَ الْغَدَاءِ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ، يَعْنِي: فَلَا يَحْنَثُ إذَا تَغَدَّى عِنْدَ غَيْرِهِ. وَكَمَا لَوْ قِيلَ لَهُ: كَلِّمْ زَيْدًا، أَوْ كُلْ هَذَا الطَّعَامَ. فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت، وَلَا كَلَّمْت، فَإِنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ قَصْدَهُ تَخْصِيصُ الْيَمِينِ بِهَذِهِ الْمَوَاضِعِ. قَالَ الْقَاضِي: وَعِنْدَ هَذِهِ الْقَرِينَةِ لَا خِلَافَ فِي قَصْرِهِ عَلَى السَّبَبِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ حَيْثُ لَمْ يُعْلَمْ. قَالَ: وَالطَّرِيقُ إلَى هَذِهِ الْقَرِينَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ مُتَعَذِّرٌ، لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ، أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى مَا خَرَجَ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ بَعْدَ أَنْ صَحَّحَ عُمُومَ اللَّفْظِ: هَذَا فِي الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يَتَقَدَّمُ

стр. 1490

خُصُوصُهُ بِدَلِيلٍ، فَإِنْ عُلِمَ بِقَرِينَةِ حَالٍ إرَادَةُ الْخُصُوصِ، مِثْلُ: أَنْ يَقُولَ: كَلِّمْ زَيْدًا، فَيُقَالُ: وَاَللَّهِ لَا تَكَلَّمْت، فَيُفْهَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ لَا تَكَلَّمْت مَعَهُ، فَلَا يُحْمَلُ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى التَّعْمِيمِ انْتَهَى. وَفِي قَوْلِ الْقَاضِي: لَا خِلَافَ فِي قَصْرِهِ عَلَى السَّبَبِ نَظَرٌ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي: لَا أَشْرَبُ لَك مَاءً مِنْ عَطَشٍ، أَنَّهُ يَحْنَثُ بِأَكْلِ طَعَامِهِ، وَلُبْسِ ثِيَابِهِ، وَأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَوْرِدِ الْيَمِينِ، وَهُوَ الْمَاءُ خَاصَّةً. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ عَنْ " الْمُبْتَدِئِ " لِلرُّويَانِيِّ: أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: كَلِّمْ زَيْدًا، فَقَالَ: وَاَللَّهُ لَا كَلَّمْته، انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْأَبَدِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْيَوْمَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي طَلَاقٍ وَقَالَ أَرَدْت الْيَوْمَ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ. وَقَالَ الْأَصْحَابُ فِيمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ صَدِيقُهُ، فَقَالَ: تَغَدَّ مَعِي، فَامْتَنَعَ فَقَالَ: إنْ لَمْ تَتَغَذَّ مَعِي فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، فَلَمْ يَفْعَلْ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لَوْ تَغَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ مَعَهُ، وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ، فَإِنْ نَوَى الْحَالَ فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَهُوَ يُخَالِفُ قَوْلَ الْأُصُولِيِّينَ: إنَّ الْجَوَابَ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ وَالْعُرْفُ يَقْضِي بِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ فِي حُكْمِهِ الَّذِي لَا يَسْتَقِلُّ بِوَضْعِهِ فَيَكُونُ عَلَى حَسَبِ السُّؤَالِ. وَرَأَى الْبَغَوِيّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْحَالِ لِلْعَادَةِ، وَهُوَ يُوَافِقُ قَوْلَ، الْأُصُولِيِّينَ. وَلَوْ دُعِيَ إلَى مَوْضِعٍ فِيهِ مُنْكَرٌ، فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَحْضُرُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَإِنَّ الْيَمِينَ تَسْتَمِرُّ. وَإِنْ رُفِعَ الْمُنْكَرُ. كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ وَالْعُنْوَانِ: مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْتَضِ السِّيَاقُ التَّخْصِيصَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ مُنْشَؤُهُمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَهُوَ مُقْتَضٍ لِلتَّخْصِيصِ بِلَا نِزَاعٍ، لِأَنَّ السِّيَاقَ مُبَيِّنٌ

стр. 1491

لِلْمُجْمَلَاتِ، مُرَجِّحٌ لِبَعْضِ الْمُحْتَمَلَاتِ، وَمُؤَكِّدٌ لِلْوَاضِحَاتِ. قَالَ: فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا وَلَا يُغْلَطْ فِيهِ، وَيَجِبُ اعْتِبَارُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَالْقَرَائِنُ، لِأَنَّ بِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ مَقْصُودُ الْكَلَامِ. وَصَرَّحَ فِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ بِأَنَّ ذَلِكَ بَحْثٌ، وَكَلَامُ الْقَاضِي السَّابِقُ يَشْهَدُ لَهُ. الثَّانِي: قَالَ الْمَازِرِيُّ: لَوْ خَرَجَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ، هَلْ تَقْتَضِي الصِّيَغُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهَا الْعُمُومَ، أَوْ تُحْمَلُ عَلَى الْعَهْدِ؟ لَكَانَ لَائِقًا، فَمَنْ يَقْصِرُ اللَّفْظَ عَلَى سَبَبِهِ يَجْعَلُهَا لِلْعَهْدِ، وَمَنْ يُعَمِّمُهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تَصْرِفُهُ إلَى الْعَهْدِ، وَالْقَائِلُونَ بِالتَّعْمِيمِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ هُمْ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَقْصِرُونَهُ عَلَى السَّبَبِ وَعَلَى مُقْتَضَى مَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ أَوْرَدَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ سُؤَالًا، وَهُوَ أَنَّهُ كَيْفَ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِ النُّحَاةِ: إنَّهُ مَتَى أَمْكَنَ حَمْلُهَا عَلَى الْعَهْدِ لَا تُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ، وَقَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ: إنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ؛ بَلْ لَهُ صِيَغٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنْ أَوْرَدَ مَا إذَا كَانَتْ الصِّيغَةُ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، قُلْنَا: إرَادَةُ الْعُمُومِ قَرِينَةٌ دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِلَفْظِهِ، فَيَعُمُّ إلَّا إذَا كَانَ فِي اللَّفْظِ مَا يَمْنَعُ الْعُمُومَ كَالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْعَهْدِيَّةِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَهْدَ هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُصَارُ إلَى الْعُمُومِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَهْدِ. وَالْحَقُّ أَنَّ السُّؤَالَ غَيْرُ لَازِمٍ، لِأَنَّ الْأُصُولِيِّينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الْمَقَالَتَيْنِ، وَلَمْ يُخَالِفُوا أَصْلَهُمْ، بَلْ الْأَصْلُ عِنْدَهُمْ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ الْعُمُومُ، حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يُقْصِرُوهُ عَلَى سَبَبِهِ، وَعِنْدَ النُّحَاةِ الْأَصْلُ الْعَهْدُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الصِّيَغِ أَنَّ مُعْظَمَ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّهَا لِلْعُمُومِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ تَصْرِفُهَا إلَى الْعَهْدِ، وَأَنَّ الْمُخَالِفَ فِيهِ ابْنُ مَالِكٍ، وَأَنَّ إلْكِيَا الطَّبَرِيَّ نَقَلَهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ. لَكِنْ فِي نِسْبَتِهِ لِجَمِيعِ

стр. 1492

النَّجَاةِ نَظَرٌ، فَقَدْ سَبَقَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ السَّرَّاجِ النَّحْوِيِّ مُوَافَقَةُ الْأُصُولِيِّينَ. وَأَوْرَدَ بَعْضُهُمْ السُّؤَالَ لَا عَلَى جِهَةِ الْجَمْعِ، فَقَالَ: إذَا كَانَتْ الْقَرِينَةُ تُصْرَفُ إلَى الْعَهْدِ، وَتَمْنَعُ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْعُمُومِ، فَهَلَّا جَعَلْتُمْ الْعَامَّ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ مَصْرُوفًا إلَى الْعَهْدِ بِقَرِينَةِ السَّبَبِ الْخَاصِّ، وَقُلْتُمْ: وَإِنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ لَا بِعُمُومِ اللَّفْظِ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّ تَقَدُّمَ السَّبَبِ الْخَاصِّ قَرِينَةٌ فِي أَنَّهُ مُرَادٌ لَا أَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ، فَنَحْنُ نَعْمَلُ بِهَذِهِ الْقَرِينَةِ، فَنَقُولُ: دَلَالَةُ هَذَا الْعَامِّ عَلَى مَحَلِّ السَّبَبِ قَطْعِيَّةٌ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ ظَنِّيَّةٌ، إذْ لَيْسَ فِي السَّبَبِ مَا يُثْبِتُهَا، وَلَا مَا يَنْفِيهَا. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْعُدُولَ عَمَّا يَقْتَضِيهِ السَّبَبُ مِنْ الْخُصُوصِ إلَى الْعُمُومِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْعُمُومِ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَالَ: فَإِنْ قُلْت: فَكَيْفَ قِيلَ: مَسَاجِدُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْمَنْعُ وَالتَّخْرِيبُ عَلَى مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، أَوْ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ؟ قُلْت: لَا بَأْسَ أَنْ يَجِيءَ الْحُكْمُ عَامًّا، وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ آذَى صَالِحًا وَاحِدًا: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ آذَى الصَّالِحِينَ؟ وَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] وَالْمَنْزُولُ فِيهِ الْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ. قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِ (مِمَّنْ مَنَعَ) الْعُمُومُ كَمَا أُرِيدَ بِمَسَاجِدِ اللَّهِ، وَلَا يُرَادُ الَّذِينَ مَنَعُوا بِأَعْيَانِهِمْ. [إذَا كَانَ سَبَبُ الْوَاقِعَةِ شَرْطًا فَهَلْ يَعُمُّ الْخِطَابُ الْوَارِدُ عَلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ] الثَّالِثُ: حَيْثُ قُلْنَا: إنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، فَاسْتَثْنَى الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ (﵀) مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ السَّبَبُ شَرْطًا،

стр. 1493

كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] فَالْأَوَّابُونَ عَامٌّ فِي كُلِّ أَوَّابٍ مَاضِيًا كَانَ أَوْ حَاضِرًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا قَالَ: فَيَجِبُ فِي هَذَا الْعُمُومِ أَنْ يُخَصَّصَ بِنَا، وَالْعِدَّةُ بِالْغُفْرَانِ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ فِي قَوْله تَعَالَى: (إنْ تَكُونُوا) وَلَا يَعُمُّ هَذَا جَمِيعَ الْخَلَائِقِ وَلَا جَمِيعَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّعَالِيقَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ، وَالْجَزَاءُ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهَا أَسْبَابُ تِلْكَ التَّعَالِيقِ، وَصَلَاحُ الْمُخَاطَبِينَ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِصَلَاحِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ، لِأَنَّ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ تَخْتَصُّ فَائِدَتُهُ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فَالْحَقُّ الْعُمُومُ. حَكَاهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ. ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، لَا بَأْسَ بِهِ. قُلْت: وَارْتَضَاهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْقَرَافِيُّ. [تَحْقِيقُ مُرَادِهِمْ بِالسَّبَبِ] الرَّابِعُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ هُنَا السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُكْمِ، كَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ؛ بَلْ السَّبَبُ فِي الْجَوَابِ. قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. وَسَبَقَ مَنْقُولُ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنْ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ هُنَا مَا يُوَلِّدُ الْفِعْلَ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الدَّاعِي إلَى الْخِطَابِ بِذَلِكَ الْقَوْلِ، وَالْبَاعِثِ عَلَيْهِ. فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ فِي خِطَابِ الْحُكْمِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى سَبَبِهِ، أَيْ دَاعِيَتُهُ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي " اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ " كَمَا سَبَقَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّبَبِ عَيْنَ مَا وَقَعَ الْحُكْمُ بِسَبَبِهِ، بَلْ هُوَ أَوْ مِثْلُهُ، أَوْ مَا هُوَ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْهُ، حَيْثُ قَالَ: وَكَانَ الْعِلْمُ أَنَّهُ عَلَى مِثْلِهَا أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا. وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا مُتَمَسِّكَ لِلْمُسْتَدِلِّينَ بِآيَةِ السَّرِقَةِ، وَاللِّعَانِ، وَالظِّهَارِ،

стр. 1494

وَغَيْرِهَا، عَلَى التَّعْمِيمِ، وَعَدَمِ الْقَصْرِ عَلَى السَّبَبِ، فَإِنَّ الْقَطْعَ، وَأَحْكَامَ اللِّعَانِ، وَالظِّهَارِ، ثَبَتَتْ فِيمَنْ كَانَ مِثْلَ مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْعُمُومِ، وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ: إلْحَاقُ مِثْلِهِ، أَوْ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ، إنْ كَانَ بِالْقِيَاسِ، فَخُرُوجٌ عَنْ مَوْضُوعِ الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ اللَّفْظِ، لَزِمَ اتِّحَادُ الْقَوْلِ بِالْقَصْرِ عَلَى السَّبَبِ. وَالْقَوْلُ بِالْعُمُومِ، ثُمَّ مِنْ أَيِّ الدَّلَالَاتِ هُوَ؟ فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ. الْخَامِسُ: قَالَ الْقَاضِي: يَجِبُ أَنْ تُتَرْجَمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ إذَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ. أَوْ فِي سَبَبٍ خَاصٍّ، وَلَا يُقَالُ عِنْدَ سَبَبٍ خَاصٍّ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّك إذَا قُلْت: عِنْدَ سَبَبٍ خَاصٍّ، فَلَيْسَ لِلسَّبَبِ تَعَلُّقٌ بِهِ أَصْلًا، وَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِك: ضَرَبْت الْعَبْدَ عَلَى قِيَامِهِ، وَضَرَبْته عِنْدَ قِيَامِهِ. فَفِي الْأَوَّلِ جَعَلْت الْقِيَامَ سَبَبًا لِلضَّرْبِ بِخِلَافِ الثَّانِي. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَهِيَ مُنَاقَشَةٌ لَفْظِيَّةٌ. السَّادِسُ: هَذَا الْعَامُّ وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي مَوْضِعِ السَّبَبِ أَوْ السُّؤَالِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ دَلَالَتُهُ عَلَى صُورَةِ السَّبَبِ أَقْوَى، فَلِهَذَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ: إنَّهَا قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ، فَهُوَ نَصٌّ فِي سَبَبِهِ، ظَاهِرٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا قَطْعِيَّةً فِي السَّبَبِ لِاسْتِحَالَةِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ ﵇ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ بَيَانِ مَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِهِ فَيَضْرِبُ عَنْ بَيَانِهِ وَيُبَيِّنُ غَيْرَهُ مِمَّا لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ هَذَا الْعَامِّ بِدَلِيلٍ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُمُومَاتِ الْمُبْتَدَأَةِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ صُورَةِ السَّبَبِ بِالِاجْتِهَادِ، لِأَنَّ الْعَامَّ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ، وَكَوْنُهُ وَارِدًا لِبَيَانِ حُكْمِهِ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ جَوَّزَ إخْرَاجَ صُورَةِ السَّبَبِ عَنْ عُمُومِ اللَّفْظِ، إجْرَاءً لَهُ مَجْرَى الْعَامِّ الْمُبْتَدَأِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ بَعْضِ آحَادِهِ مُطْلَقًا، وَاسْتُنْبِطَ ذَلِكَ مِنْ مُصَيِّرِهِ إلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَا تُلَاعَنُ، مَعَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ

стр. 1495

فِي امْرَأَةِ الْعَجْلَانِيُّ، وَكَانَتْ حَامِلًا، وَمِنْ مُصَيِّرِهِ إلَى أَنَّ وَلَدَ الْمَشْرِقِيَّةِ يَلْحَقُ بِفِرَاشِ الْمَغْرِبِيِّ مَعَ عَدَمِ الِاحْتِمَالِ، تَلَقِّيًا مِنْ قَوْلِهِ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ، وَقَدْ وَرَدَ فِي عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ إذْ تَدَاعَى وَلَدَ وَلِيدَةِ أَبِيهِ، وَكَانَتْ رَقِيقَةً، وَلَدَتْهُ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، وَعِنْدَهُ أَنَّ الْأَمَةَ إذَا أَتَتْ بِوَلَدٍ لَا يَلْحَقُ السَّيِّدَ إلَّا إنْ أَقَرَّ بِهِ. فَقَالَ بِالْخَبَرِ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ، وَهُوَ الْحُرَّةُ، فَأَلْحَقَهُ بِصَاحِبِ فِرَاشِهَا، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ، وَهُوَ الْأَمَةُ فَلَمْ يَلْحَقْ وَلَدُهَا بِصَاحِبِ فِرَاشِهَا، فَاسْتُعْمِلَ عُمُومُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِيهِ، وَأُخْرِجَ مَا وَرَدَ فِيهِ عَنْ حُكْمِهِ. وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ عُمِلَ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا، حَيْثُ أُلْحِقَ الْوَلَدُ بِالْفِرَاشِ فِي الْحُرَّةِ، وَإِنْ تَحَقَّقَ نَفْيُهُ كَالْمَغْرِبِيَّةِ مَعَ الْمَشْرِقِيِّ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَكَذَا خِلَافُهُمْ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ، هِيَ سُنَّةٌ فِيهِمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَسْقَطَهَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي عِيدِ الْفِطْرِ، وَفِيهِ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي الْأَوَّلَيْنِ: الظَّنُّ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ أَنْكَرَهُ الْمُقْتَرِحُ، وَقَالَ: لَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثَانِ. قُلْت: وَلَوْ صَحَّ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ هَذَا لَلَزِمَ نِسْبَتُهُ إلَى مَالِكٍ أَيْضًا فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ بِالْقِيَافَةِ فِي وَلَدِ الْأَمَةِ لَا الْحُرَّةِ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْحُرَّةِ.

стр. 1496

وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الْمُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ لَا يُبَاحُ لَهُ التَّحْلِيلُ، لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ بِخِلَافِ الْحَجِّ، مَعَ أَنَّ آيَةَ الْإِحْصَارِ إنَّمَا نَزَلَتْ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُحْرِمٌ بِالْعُمْرَةِ، وَتَحَلَّلَ بِسَبَبِ الْإِحْصَارِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: قَوْلُهُمْ: إنَّ دُخُولَ السَّبَبِ قَطْعِيٌّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ فِيمَا إذَا دَلَّتْ قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ أَوْ مَقَالِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ يَشْمَلُهُ بِطَرِيقِ الْوَضْعِ لَا مَحَالَةَ، وَإِلَّا فَقَدْ يُنَازِعُ الْخَصْمُ فِي دُخُولِهِ وَضْعًا بِحَسَبِ اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَيَدَّعِي أَنَّهُ قَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ بِالْعَامِّ إخْرَاجَ السَّبَبِ وَبَيَانَ أَنَّهُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ، فَإِنَّ لِلْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَقُولُوا فِي عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَإِنْ كَانَ وَارِدًا فِي أَمَةٍ، فَهُوَ وَارِدٌ لِبَيَانِ حُكْمِ ذَلِكَ الْوَلَدِ، وَبَيَانُ حُكْمِهِ إمَّا بِالثُّبُوتِ أَوْ الِانْتِفَاءِ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْفِرَاشَ هِيَ الزَّوْجَةُ، لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي يُتَّخَذُ لَهَا الْفِرَاشُ غَالِبًا، وَقَالَ: الْوَالِدُ لِلْفِرَاشِ، كَانَ فِيهِ حَصْرُ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْحُرَّةِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلْأَمَةِ، فَكَانَ فِيهِ بَيَانُ الْحُكْمَيْنِ جَمِيعًا نَفْيُ السَّبَبِ عَنْ الْمُسَبِّبِ، وَإِثْبَاتُهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَلِيقُ دَعْوَى الْقَطْعِ هُنَا، وَذَلِكَ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ. وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ نِزَاعٌ فِي أَنَّ اسْمَ الْفِرَاشِ هَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ الْمَوْطُوءَةِ أَوْ الْحُرَّةِ فَقَطْ؟ الْحَنَفِيَّةُ يَدَّعُونَ الثَّانِيَ، فَلَا عُمُومَ عِنْدَهُمْ لَهُ فِي الْأَمَةِ، فَتَخْرُجُ الْمَسْأَلَةُ عَنْ هَذَا الْبَحْثِ. نَعَمْ، قَالَهُ: «هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» يَقْتَضِي أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ عَلَى حُكْمِ السَّبَبِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ الْفِرَاشَ.

стр. 1497

قُلْت: وَمِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُعَاكِسُ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أَصْلَهُمَا ذَهَابُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ إلَى أَنَّ التَّحَلُّلَ فِي الْحَجِّ مَخْصُوصٌ بِحَصْرِ الْعَدُوِّ وَمَنَعَاهُ فِي الْمَرَضِ، لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] نَزَلَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ الْحُصْرُ بِعَدُوٍّ، فَاعْتَبَرَ خُصُوصَ السَّبَبِ، وَخَالَفَهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ فَاعْتَبَرَ عُمُومَ اللَّفْظِ لِأَنَّ الْآيَةَ دَالَّةٌ عَلَى جَوَازِ خُرُوجِهِ مِنْ الْحَجِّ بِالْأَعْذَارِ، فَإِنَّ الْإِحْصَارَ عِنْدَ الْمُعْتَبِرِينَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِإِحْصَارِ الْأَعْذَارِ، وَالْحَصْرُ مَوْضُوعٌ لِحَصْرِ الْعَدُوِّ. قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَحَلَّ السَّبَبِ يَقْتَضِي حَصْرَ الْعَدُوِّ، لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا دَلَّ عَلَى حَصْرِ الْعَدُوِّ، كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى حَصْرِ الْأَعْذَارِ مِنْ طَرِيقٍ أَوْلَى، فَنَزَلَتْ لِتَدُلَّ عَلَى إحْصَارِ الْعَدُوِّ بِمَنْطُوقِهَا، وَعَلَى إحْصَارِ الْعُذْرِ بِمَفْهُومِهَا، فَتَنَاوَلَتْ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قُرِّرَ بِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَصْرِ الْعَدُوِّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَالْأَمْنُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي زَوَالِ الْخَوْفِ مِنْ الْأَعْدَاءِ دُونَ زَوَالِ الْمَرَضِ وَالْأَعْذَارِ، وَأَجَابَ أَنَّ الْآيَةَ لَمَّا دَلَّتْ عَلَى التَّحَلُّلِ بِالْحَصْرِ رَجَعَ الْأَمْرُ إلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا بِطَرِيقِ اللَّفْظِ، وَإِنْ جَعَلْنَا حَصَرَ وَأُحْصِرَ لُغَتَيْنِ دَلَّ أُحْصِرَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ، وَرَجَعَ لَفْظُ الْأَمْنِ إلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. قَالَ: وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ،

стр. 1498

فَإِنَّ مَنْ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ إلَى الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ، يَبْقَى فِي بَقِيَّةِ عُمُرِهِ حَاسِرَ الرَّأْسِ، مُجَرَّدًا عَنْ اللِّبَاسِ، مُحَرَّمًا عَلَيْهِ كُلُّ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ، بَعِيدٌ شَرْعًا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الْكَلَامَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِحَدِيثِ: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» . قَالَ: وَلَوْ جَازَ الْكَلَامُ فِي مَصْلَحَتِهَا لَمَا أُمِرَ الْمَأْمُورُ فِي ذَلِكَ إذَا نَابَ الْإِمَامَ شَيْءٌ، وَيَلْزَمُ مَالِكًا إخْرَاجُ مَحَلِّ السَّبَبِ مِنْ الْعُمُومِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ عَلَى شَيْءٍ نَابَ أَبَا بَكْرٍ فِي صَلَاتِهِ، لَمَّا صَلَّى بِهِمْ وَصَفَّقُوا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ ﷺ : «إنَّمَا التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ» ، فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ السَّبَبِ، وَيُعْتَبَرُ اللَّفْظُ، حَتَّى لَوْ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ شَخْصٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ رَأَى أَعْمَى يَقَعُ فِي بِئْرٍ فَإِنَّهُ يُفَهِّمُهُ بِالتَّسْبِيحِ. السَّابِعُ: أَوْرَدَ عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّ السَّبَبَ دَاخِلٌ قَطْعًا أَنَّهُ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ، وَالْحُكْمُ إنَّمَا يَثْبُتُ مِنْ حِينِ نُزُولِهَا فَكَيْفَ يَنْعَطِفُ عَلَى مَا مَضَى؟ وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ شَمِلَهُ الظِّهَارُ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ وَارِدٌ عَلَى سَبَبٍ. وَيَخُصُّ آيَةَ الظِّهَارِ وَاللِّعَانِ إشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ " الَّذِينَ " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ " فَتَحْرِيرُ " أَيْ فَكَفَّارَتُهُمْ تَحْرِيرُ، وَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ. وَجَازَ دُخُولُ الْفَاءِ فِي الْخَبَرِ لِتَضَمُّنِ الْمُبْتَدَأِ مَعْنَى الشَّرْطِ، وَتَضَمُّنِ الْخَبَرِ مَعْنَى الْجَزَاءِ. فَإِذَا أُرِيدَ التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ مُسْتَحَقٌّ بِالصِّلَةِ دَخَلَتْ الْفَاءُ حَتْمًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ تَدْخُلْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحَقًّا بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ. كَمَا لَوْ قِيلَ: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وَإِنْ كُنَّا نَقُولُ: إنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِنَصٍّ وَدُخُولُ الْفَاءِ نَصٌّ.

стр. 1499

إذَا عَرَفْت هَذَا فَالْآيَةُ لَا تَشْمَلُ إلَّا مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الظِّهَارُ بَعْدَ نُزُولِهَا، لِأَنَّ نَفْيَ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلٌ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاضِي، وَقَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﵇ الْكَفَّارَةَ عَلَى أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ، وَذَلِكَ لَا شَكَّ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ السَّبَبُ. وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ إثْبَاتَ أَحْكَامِ هَذِهِ الْآيَاتِ لِمَنْ وُجِدَ مِنْهُ السَّبَبُ قَبْلَ نُزُولِهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ كَانَتْ مَعْلُومَةَ التَّحْرِيمِ، كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَى، وَوُجُوبُ الْحَدِّ فِيهِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ، وَالْفَاعِلُ لَهَا قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ إذَا كَانَ هُوَ السَّبَبُ فِي نُزُولِهَا مِنْ حُكْمِ الْمُقَارِنِ لَهَا، لِأَنَّهَا نَزَلَتْ مُبَيِّنَةً لِحُكْمِهِ فَلِذَلِكَ ثَبَتَ حُكْمُهَا فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلَ، وَسَبَبُ النُّزُولِ حَاضِرٌ أَوْ فِي الْحُكْمِ الْحَاضِرِ، وَأَمَّا دَلَالَةُ الْفَاءِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِالْمُسْتَقْبَلِ فَقَدْ يُمْنَعُ. الثَّامِنُ: أَنَّ الْعُمُومَ الْخَارِجَ مَخْرَجَ التَّشْرِيعِ أَوْلَى مِنْ الْخَارِجِ عَلَى سَبَبٍ، كَقَوْلِهِ ﵇: «إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» مَعَ قَوْلِهِ: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ» ، فَهَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّشْرِيعِ، وَالْأَوَّلُ أَمْكَنَ خُرُوجُهُ عَلَى سُؤَالِ سَائِلٍ تَرَكَ الرَّاوِي ذِكْرَ سَبَبِهِ قَالَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَصِيرُ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ لِلْخَارِجِ عَلَى سَبَبٍ أَقْرَبَ مِمَّا

стр. 1500

لَمْ يَخْرُجْ عَلَى سَبَبٍ، وَيَقْنَعُ فِيهِ بِدَلِيلٍ أَخَفَّ وَأَضْعَفَ. وَقَدْ يُصْرَفُ بِقَرِينَةِ اخْتِصَاصٍ بِالْوَاقِعَةِ، وَيَأْتِي فِيهَا مَا ذُكِرَ فِي بَابِ التَّرَاجِيحِ. التَّاسِعُ: لَك أَنْ تَسْأَلَ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَبَيْنَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْحُكْمَ إذَا شُرِعَ لِحِكْمَةٍ أَوْ سَبَبٍ، ثُمَّ زَالَ ذَلِكَ السَّبَبُ، هَلْ يَبْقَى الْحُكْمُ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ أَوْ لَا يَبْقَى نَظَرًا لِلْعِلَّةِ؟ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِي اسْتِحْبَابِ الذَّهَابِ إلَى الْعِيدِ مِنْ طَرِيقٍ، الرُّجُوعِ مِنْ أُخْرَى. وَتَرْجِيحِهِمْ الْمَيْلَ إلَى تَعْمِيمِ الْحُكْمِ كَمَا فِي الرَّمَلِ، وَالِاضْطِبَاعِ فِي الطَّوَافِ. وَجَعَلَ الرَّافِعِيُّ مِنْهُ أَنَّ الْعَرَايَا لَا تَخْتَصُّ بِالْمَحَاوِيجِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ سَبَبٌ عَلَى الرُّخْصَةِ وَرَدَ فِي الْمَحَاوِيجِ تَمَسُّكًا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ. الْعَاشِرُ: إذَا اعْتَبَرْنَا السَّبَبَ فَلَا يَنْبَغِي جَعْلُهُ مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، بَلْ مِنْ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا. فَائِدَةٌ نُزُولُ الْآيَةِ لِمَحَلٍّ لَا يَقْتَضِي تَعَلُّقَهَا بِهِ، وَقَدْ يَخْرُجُ فِيهَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ فِي الْقَدِيمِ إلَى أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَهُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَنْ تَمَتُّعِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ.

стр. 1501

[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ الْمُوَافِقِ لَهُ فِي الْحُكْمِ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ] الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ الْمُوَافِقِ لَهُ فِي الْحُكْمِ لَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، بَلْ الْأَوَّلُ بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ. قَالَ الْقَفَّالُ: فَصَارَ الْخَاصُّ كَأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ خَبَرَانِ: خَبَرٌ يَشْمَلُهُ وَيَشْمَلُ غَيْرَهُ، وَخَبَرٌ يَخُصُّهُ، خِلَافًا لِأَبِي ثَوْرٍ، فَإِنَّهُ خَصَّصَ الدِّبَاغَ بِالْمَأْكُولِ، لِأَجْلِ قَوْلِهِ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ، مَعَ إفْرَادِهِ ذِكْرَ الشَّاةِ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وَقَوْلُهُ فِي قِصَّةِ الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ، مَعَ قَوْلِهِ: «مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُظَاهِرِ» ، إنْ صَحَّ الْخَبَرُ. وَنَقَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، فَأَمَّا مَذْهَبُنَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَخَرَّجَ فِيهِ الْخِلَافُ، إلَّا أَنَّ أَجْوِبَتَهُمْ تَطَّرِدُ عَلَى الْأَوَّلِ. قَالَ: وَمِثَالُهُ قَوْلُهُ لِخَوْلَةِ فِي دَمِ الْحَيْضِ: (اغْسِلِيهِ) ، وَفِي حَدِيثِ عَمَّارٍ: «إنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ الْمَنِيِّ وَالْبَوْلِ وَالدَّمِ» وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ: «حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرِضِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» ، فَذُكِرَ الْمَاءُ وَهُوَ بَعْضُ مَا دَخَلَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ. وَقَوْلُهُ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ، وَقَالَ فِي خَبَرٍ آخَرَ: «وَتُرَابُهَا طَهُورًا» ، وَالتُّرَابُ بَعْضُ الْأَرْضِ. وَقَوْلُهُ: «الطَّعَامُ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، وَقَالَ فِي خَبَرٍ آخَرَ: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ» فَاخْتَلَفَتْ أَجْوِبَةُ أَصْحَابِنَا فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ جَمِيعًا. انْتَهَى.

стр. 1502

وَقَالَ صَاحِبُ الْمَصْدَرِ: إنَّمَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] وَقَوْلُهُ: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] فَأَثْبَتَ الْمُتْعَةَ لِلْمُطَلَّقَةِ الَّتِي هَذِهِ سَبِيلُهَا، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ وَأَنْ لَا يَثْبُتَ لِغَيْرِ الْمُطَلَّقَةِ الَّتِي لَمْ تُمَسَّ وَلَمْ يُفْرَضْ لَهَا، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصَارُ إلَى التَّخْصِيصِ حَيْثُ التَّنَافِي. انْتَهَى. وَقَدْ حَكَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَسَيَأْتِي فِي التَّخْصِيصِ بِالْمَفْهُومِ، وَقَضِيَّتُهُ جَرَيَانُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ. وَقَدْ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ فِي عَدَمِ التَّخْصِيصِ بِأَنَّ الْمُخَصَّصَ مُنَافٍ ذِكْرَ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَيْسَ بِمُنَافٍ، فَذِكْرُ الْحُكْمِ لَيْسَ بِمُخَصَّصٍ. وَاعْتُرِضَ بِمَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ أَنَّ ذِكْرَ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَيْسَ بِمُنَافٍ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ الْمَفْهُومِ، وَفُرِّقَ بَيْنَ مُنَافَاةِ الْحُكْمِ وَبَيْنَ مُنَافَاةِ الذِّكْرِ، فَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِثُبُوتِهِ فِي غَيْرِهَا. وَأَمَّا الذِّكْرُ فَلَا نُسَلِّمُ عَدَمَ مُنَافَاتِهِ لِأَصْلِ الْمَفْهُومِ الدَّالِّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ. وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ إنَّمَا يَتَأَتَّى فِي ذِكْرِ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ، فَتَخْصِيصُهُ بِمَا لَهُ مَفْهُومُ مُخَالَفَةٍ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ كَالصِّفَّةِ مَثَلًا وَلَا يَجِيءُ فِي ذِكْرِ الْحُكْمِ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ بِذِكْرِ مَا لَا مَفْهُومَ لَهُ كَاللَّقَبِ، وَاَلَّذِينَ أَوْرَدُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَوْرَدُوهَا عَامَّةً وَمِنْ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ: لَمَّا كَانَ أَبُو ثَوْرٍ مِمَّنْ يَقُولُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ ظُنَّ أَنَّهُ يَقُولُ بِالتَّخْصِيصِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَلَعَلَّ أَبَا ثَوْرٍ يَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا مِنْ الْعَامِّ، وَتَصِيرُ قَطْعِيَّةً لِمَحَلِّ السَّبَبِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِيهِ خِلَافٌ. فَإِنْ قُلْت: فَعَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ مَا فَائِدَةُ هَذَا الْخَاصِّ مَعَ دُخُولِهِ فِي الْعَامِّ؟

стр. 1503

قُلْت: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهُ عَدَمَ التَّخْصِيصِ، أَوْ التَّفْخِيمِ وَالْمَزِيَّةِ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَفْرَادِ، أَوْ اخْتِصَاصِهِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّأْكِيدِ، إنْ جَدَّتْ وَاقِعَةٌ بَعْدَ وُرُودِ الْعَامِّ. وَقَدْ يَرْجِعُ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالِ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَامُّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ وَالْقَرِينَةُ فِيهِ الْإِفْرَادُ. وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ. وَهُنَا تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْفَائِدَةِ وَنِسْبَةُ هَذَا الْمَذْهَبِ لِأَبِي ثَوْرٍ بِهَذَا الْحَالِ، لِأَنَّ اسْتِنْتَاجَ الْكُلِّيَّاتِ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ يُعْتَمَدُ كَوْنُهَا. . . الْخُصُوصِيَّاتِ، وَيُوجَدُ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ. وَأَمَّا الْفَرْدُ الْمُعَيَّنُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّهُ. بَيَانُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَبُو ثَوْرٍ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ طَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ، وَيُعْتَقَدُ أَنَّ الْمَأْكُولَ يَخْتَصُّ بِمَعْنًى يُنَاسِبُ التَّطْهِيرَ أَوْ التَّخْفِيفَ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ قَرِينَةً فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ، كَمَا جَعَلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَدَمَ اعْتِبَارِ دِبَاغِ جِلْدِ الْكَلْبِ قَرِينَةً تَخُصُّ هَذَا الْعُمُومَ، أَوْ يُمْنَعُ تَطْهِيرُ جِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﵇ عَنْ افْتِرَاشِ جُلُودِ السِّبَاعِ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْمَذْهَبِ. وَالْمَقْصُودُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ أَبُو ثَوْرٍ نَصَّ عَلَى الْقَاعِدَةِ فَذَاكَ، وَإِنْ كَانَ أَخَذَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. قُلْت: وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أَبُو ثَوْرٍ فِي كِتَابِهِ، فَقَدْ حَكَى عَنْهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ إنَّمَا صَارَ إلَى تَخْصِيصِ الدِّبَاغِ بِالْمَأْكُولِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ ﵇ فِي جِلْدِ الشَّاةِ: «هَلَّا دَبَغْتُمُوهُ» وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: فَلَمَّا رُوِيَ الْخَبَرَانِ أَخَذْنَا بِهِمَا جَمِيعًا، لِأَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِيهِمَا. انْتَهَى.

стр. 1504

وَيُقَالُ لَهُ: هَذَانِ الْخَبَرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ، خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ. فَإِنَّ خَبَرَ السِّبَاعِ عَامٌّ فِي جُلُودِ السِّبَاعِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ، وَخَاصٌّ بِالسِّبَاعِ. وَحَدِيثُ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ» ، عَامٌّ فِي كِلَيْهِمَا، وَخَاصٌّ بِالدِّبَاغِ، وَيَتَأَكَّدُ فِي مِثْلِهِ التَّرْجِيحُ بِأَمْرِهِ خَارِجٌ. الثَّانِي: أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مَفْهُومُهُ مُوَافِقًا. فَإِنْ كَانَ مَفْهُومَ مُخَالَفَةٍ مِثْلُ: خَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ، وَسَائِمَةِ الْغَنَمِ، بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْلِهِ: «لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» وَقَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَنَحْوِهِ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ، وَسَتَأْتِي. وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ. فَقَالَ: فَأَمَّا إذَا كَانَ لِلْخَاصِّ، دَلِيلُ خِطَابٍ، فَإِنَّهُ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا تَنَاوَلَهُ دَلِيلُهُ، كَقَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» مَعَ قَوْلِهِ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ» ، فَتَخْرُجُ الْمَعْلُوفَةُ مِنْ قَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» . فَالْمَفْهُومُ كَالْمَنْطُوقِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ، وَاللَّفْظُ الْخَاصُّ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْعَامِّ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» ، مَعَ قَوْلِهِ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَهُ» .

стр. 1505

وَقَالَ الشَّيْخُ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ ": يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ مَحَلُّ الْخِلَافِ بِالتَّخْصِيصِ بِمَا لَيْسَ لَهُ مَفْهُومٌ، كَاللَّقَبِ، فَأَمَّا مَا لَهُ مَفْهُومٌ كَالصِّفَاتِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْمَفْهُومِ أَجَازُوا تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِهِ. قُلْت: وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: إنَّ ذَلِكَ لَا يُخَصَّصُ أَمَّا إذَا كَانَ إفْرَادُ الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ عَلَى مَعْنَى نَفْيِ مُشَارَكَةِ غَيْرِهِ إيَّاهُ كَمَا رُوِيَ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ» ، وَرُوِيَ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» ، فَذِكْرُ السَّوْمِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الزَّكَاةِ فِيمَا لَيْسَتْ بِسَائِمَةٍ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: لَا زَكَاةَ إلَّا فِي السَّائِمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إفْرَادَهُ بِالذِّكْرِ عَلَى مَعْنَى مُخَالَفَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ لَهُ فِي حُكْمِهِ فَإِنَّهُ لَا يُجْعَلُ مُخَصَّصًا لِلْعُمُومِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْعُمُومَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ. قَالَ: وَلَوْلَا قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا» عَلَى أَنَّهُ تَحْدِيدٌ لَدَخَلَ فِي جُمْلَةِ قَوْلِهِ: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» . انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ: الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا عُرِّيَ اللَّفْظُ الْخَاصُّ مِنْ وُجُودِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي الْمُنَافَاةَ سِوَى خُصُوصِهِ فِي ذَلِكَ الْمُسَمَّى، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَخُصُّ الْعُمُومَ إلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُخْتَلَفُ فِيهَا، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ

стр. 1506

فِيهَا مُتَعَلِّقًا بِصِفَةٍ، فَيَدُلُّ عَلَى مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَعْلِيلٌ يُوجَدُ فِي بَعْضِ مَا دَخَلَ تَحْتَ الْعُمُومِ، فَإِذَا عُرِّيَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ الْخِلَافُ. [ذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ هَلْ يُخَصِّصُ الْعَامَّ] الثَّالِثُ: أَنَّ الْخِلَافَ لَا يَقْصُرُ عَلَى وُرُودِ الْخَاصِّ بِالنَّصِّ بَلْ إذَا وَرَدَ الْعَامُّ، ثُمَّ وَرَدَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَضَاءٌ أَوْ فِعْلٌ بِمَا يُوَافِقُ الْعُمُومَ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ بَيَانٌ لِلْعُمُومِ وَمُفَسِّرٌ لَهُ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَطْعِهِ ﵇ فِيمَا قِيمَتُهُ ثَلَاثُ دَرَاهِمَ أَوْ عَشَرَةٌ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَمْ يَجْعَلْ أَصْحَابُنَا ثَلَاثَةَ الدَّرَاهِمِ حَدًّا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَلَا عَشَرَةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَهْلُ الرَّأْيِ، لِأَنَّ الْعُمُومَ قَدْ ثَبَتَ بِقَطْعِ السُّرَّاقِ أَمْرًا، وَالتَّقْيِيدُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَا سُرِقَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، لِهَذَا لَمْ يَجْعَلْ الْخَبَرَيْنِ فِي قِيمَةِ الْمِجَنَّيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ لِأَنَّ قِيمَتَهُمَا قَدْ تَخْتَلِفُ. الرَّابِعُ: قَيَّدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي بَابِ الْأَوَانِي مِنْ الْمَطْلَبِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ: مَحَلُّ قَوْلِنَا إنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يُخَصَّصُ مَا إذَا لَمْ يُعَارِضْ الْعُمُومَ عُمُومٌ آخَرُ، فَإِنْ عَارَضَهُ قُدِّمَ، وَمَثَّلَهُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ» ، وَرِوَايَةِ أَبِي مُوسَى: «حُرِّمَ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» ، فَاقْتَضَى الثَّانِي تَخْصِيصَ الْأَوَّلِ بِاللُّبْسِ، وَقَدْ عَارَضَ عُمُومَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ: «الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْأَوَانِي

стр. 1507

عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْأَوَانِي غَيْرُ حَدِيثِ الِاسْتِعْمَالِ. فَائِدَةٌ لَا مَعْنَى لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا أَنَّا نَقْصُرُ الْحُكْمَ عَلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، أَوْ نَقِيسُ عَلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ كُلِّ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، كَمَا فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ. قَالَ الْإِمَامُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ تَخْصِيصُ الْمَعْنَى الثَّانِي. [مَسْأَلَةٌ إذَا ذُكِرَ الْعَامُّ وَعُطِفَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَفْرَادِهِ مِمَّا حَقُّ الْعُمُومَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ] مَسْأَلَةٌ إذَا ذُكِرَ الْعَامُّ، وَعُطِفَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَفْرَادِهِ مِمَّا حَقُّ الْعُمُومَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، فَهَلْ يَدُلُّ فِيهِ التَّخْصِيصُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ؟ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ وَالِدِهِ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ حَكَى خِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَامِّ، لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ دَاخِلًا تَحْتَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْإِفْرَادِ فَائِدَةٌ قُلْت: وَعَلَى هَذَا جَرَى أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ جِنِّي؛ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى لَيْسَتْ الْعَصْرَ، لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ. ثُمَّ قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعُمُومِ، وَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ، أَيْ فَكَأَنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالْعُمُومِ، وَمَرَّةً بِالْخُصُوصِ. وَفَرَّعَ الرُّويَانِيُّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِدِينَارٍ، وَبِثُلُثِ مَالِهِ

стр. 1508

لِلْفُقَرَاءِ، وَزَيْدٌ فَقِيرٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى غَيْرَ الدِّينَارِ، لِأَنَّهُ بِالتَّقْدِيرِ قَطَعَ اجْتِهَادَ الْقَاضِي، جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا هَذَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ، وَبِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى مَا أَرَادَ الْمُوصِي. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْمَعْطُوفَ إذَا كَانَ خَاصًّا لَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ] الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ إذَا كَانَ خَاصًّا لَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَيُوجِبُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ. لَنَا أَنَّ الْعَطْفَ لَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ. وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ: احْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْحَرْبِ وَالذِّمِّيُّ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ.

стр. 1509

وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: بَلْ هُوَ خَاصٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرْبِيُّ، بِقَرِينَةِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» لِأَنَّهُ ﵇ عَطْفٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ، عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ثُمَّ إنَّ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ ذُو الْعَهْدِ هُوَ الْحَرْبِيُّ فَقَطْ بِالْإِجْمَاعِ. لِأَنَّ الْمُعَاهَدَ يُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ أَيْضًا هُوَ الْحَرْبِيُّ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَهَذَا التَّقْدِيرُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَطْفَ لَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» كَلَامٌ تَامٌّ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارٍ قَوْلِهِ: بِكَافِرٍ، لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْمُرَادُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْعَهْدَ عَاصِمٌ مِنْ الْقَتْلِ. وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ " إلَى ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: " فِي عَهْدِهِ "، لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: " وَلَا ذُو عَهْدٍ " لَتُوُهِّمَ أَنَّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ عَهْدٌ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ، لَا يُقْتَلُ، فَلَمَّا قَالَ: " فِي عَهْدِهِ " عَلِمْنَا اخْتِصَاصَ النَّهْيِ بِحَالَةِ الْعَهْدِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ عَلَى رَأْيِكُمْ؟ إذْ لَا يَظْهَرُ

стр. 1510

مُنَاسَبَةٌ لِقَوْلِنَا: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» مُطْلَقًا مَعَ قَوْلِنَا: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» . أَجَابَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: بِأَنَّ عَدَاوَةَ الصَّحَابَةِ لِلْكُفَّارِ كَانَتْ شَدِيدَةً جِدًّا، فَلَمَّا قَالَ ﵇ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» خَشِيَ أَنْ يَتَجَرَّدَ هَذَا الْكَلَامُ، فَتَحْمِلُهُمْ الْعَدَاوَةُ الشَّدِيدَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَتْلِ كُلِّ كَافِرٍ مِنْ مُعَاهَدٍ وَغَيْرِهِ، فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ مَا مَعْنَاهُ: وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي زَمَنِ عَهْدِهِ الثَّالِثُ: أَنَّ حَمْلَ الْكَافِرِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْحَرْبِيِّ لَا يَحْسُنُ، لِأَنَّ هَدْرَ دَمِهِ مِنْ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ قَتْلَ مُسْلِمٍ بِهِ، وَيُبْعِدُ هَذَا الْجَوَابَ قَلِيلًا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مَدْلُولَ الْحَدِيثِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] فَالْحَمْلُ عَلَى فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْلَى. وَثَانِيهَا: أَنَّ صَدْرَ الْحَدِيثِ نَفَى فِيهِ الْقَتْلَ قِصَاصًا لَا مُطْلَقَ الْقَتْلِ، فَقِيَاسُ آخِرِهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. الرَّابِعُ: سَلَّمْنَا صِحَّةَ التَّقْدِيرِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ تَسَاوِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ لَوْ لُفِظَ بِهِمَا ظَاهِرَتَيْنِ أَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِإِحْدَاهُمَا غَيْرُ مَا أُرِيدَ بِهِ بِالْأُخْرَى، فَكَذَلِكَ مُنِعَ ذِكْرُ إحْدَاهُمَا، وَتَقْدِيرُ الْأُخْرَى، وَيُؤَيِّدُهُ عُمُومُ: " وَالْمُطَلَّقَاتُ " وَخُصُوصُ " وَبُعُولَتُهُنَّ " مَعَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ. إذَا عَلِمْت هَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ طُرُقُ الْأُصُولِيِّينَ فِي تَرْجَمَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَرْجَمَهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَادَّعَى أَنَّهُ الصَّوَابُ كَمَا سَيَأْتِي، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرْجَمَهَا كَالْآمِدِيِّ فِي " الْأَحْكَامِ " بِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الْعَامِّ: هَلْ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الْمَعْطُوفِ؟ وَهَذِهِ تَشْمَلُ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ: لَا
следующие страницы →