Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
فِيهَا مُتَعَلِّقًا بِصِفَةٍ، فَيَدُلُّ عَلَى مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَعْلِيلٌ يُوجَدُ فِي بَعْضِ مَا دَخَلَ تَحْتَ الْعُمُومِ، فَإِذَا عُرِّيَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ الْخِلَافُ.
[ذِكْرُ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ هَلْ يُخَصِّصُ الْعَامَّ]
الثَّالِثُ: أَنَّ الْخِلَافَ لَا يَقْصُرُ عَلَى وُرُودِ الْخَاصِّ بِالنَّصِّ بَلْ إذَا وَرَدَ الْعَامُّ، ثُمَّ وَرَدَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَضَاءٌ أَوْ فِعْلٌ بِمَا يُوَافِقُ الْعُمُومَ، وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِعْلَهُ بَيَانٌ لِلْعُمُومِ وَمُفَسِّرٌ لَهُ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَطْعِهِ ﵇ فِيمَا قِيمَتُهُ ثَلَاثُ دَرَاهِمَ أَوْ عَشَرَةٌ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ لَمْ يَجْعَلْ أَصْحَابُنَا ثَلَاثَةَ الدَّرَاهِمِ حَدًّا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ، وَلَا عَشَرَةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَهْلُ الرَّأْيِ، لِأَنَّ الْعُمُومَ قَدْ ثَبَتَ بِقَطْعِ السُّرَّاقِ أَمْرًا، وَالتَّقْيِيدُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَا سُرِقَ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، لِهَذَا لَمْ يَجْعَلْ الْخَبَرَيْنِ فِي قِيمَةِ الْمِجَنَّيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ لِأَنَّ قِيمَتَهُمَا قَدْ تَخْتَلِفُ.
الرَّابِعُ: قَيَّدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي بَابِ الْأَوَانِي مِنْ الْمَطْلَبِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ: مَحَلُّ قَوْلِنَا إنَّ ذِكْرَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لَا يُخَصَّصُ مَا إذَا لَمْ يُعَارِضْ الْعُمُومَ عُمُومٌ آخَرُ، فَإِنْ عَارَضَهُ قُدِّمَ، وَمَثَّلَهُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ: «هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، حِلٌّ لِإِنَاثِهِمْ» ، وَرِوَايَةِ أَبِي مُوسَى: «حُرِّمَ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» ، فَاقْتَضَى الثَّانِي تَخْصِيصَ الْأَوَّلِ بِاللُّبْسِ، وَقَدْ عَارَضَ عُمُومَ الْأَوَّلِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ: «الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي جَوْفِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْأَوَانِي
стр. 1507
عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْأَوَانِي غَيْرُ حَدِيثِ الِاسْتِعْمَالِ. فَائِدَةٌ
لَا مَعْنَى لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا أَنَّا نَقْصُرُ الْحُكْمَ عَلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ، أَوْ نَقِيسُ عَلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا مِنْ كُلِّ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، كَمَا فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ. قَالَ الْإِمَامُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ تَخْصِيصُ الْمَعْنَى الثَّانِي.
[مَسْأَلَةٌ إذَا ذُكِرَ الْعَامُّ وَعُطِفَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَفْرَادِهِ مِمَّا حَقُّ الْعُمُومَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ]
مَسْأَلَةٌ
إذَا ذُكِرَ الْعَامُّ، وَعُطِفَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَفْرَادِهِ مِمَّا حَقُّ الْعُمُومَ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، فَهَلْ يَدُلُّ فِيهِ التَّخْصِيصُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ؟ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ وَالِدِهِ فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ أَنَّهُ حَكَى خِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَامِّ، لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَاهُ دَاخِلًا تَحْتَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْإِفْرَادِ فَائِدَةٌ قُلْت: وَعَلَى هَذَا جَرَى أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ جِنِّي؛ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَصَلَاةِ الْعَصْرِ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى لَيْسَتْ الْعَصْرَ، لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ.
ثُمَّ قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْمَخْصُوصُ بِالذِّكْرِ هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعُمُومِ، وَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ، أَيْ فَكَأَنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِالْعُمُومِ، وَمَرَّةً بِالْخُصُوصِ.
وَفَرَّعَ الرُّويَانِيُّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِدِينَارٍ، وَبِثُلُثِ مَالِهِ
стр. 1508
لِلْفُقَرَاءِ، وَزَيْدٌ فَقِيرٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى غَيْرَ الدِّينَارِ، لِأَنَّهُ بِالتَّقْدِيرِ قَطَعَ اجْتِهَادَ الْقَاضِي، جَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا هَذَا، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ، وَبِشَيْءٍ آخَرَ مِنْ الثُّلُثِ عَلَى مَا أَرَادَ الْمُوصِي.
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْمَعْطُوفَ إذَا كَانَ خَاصًّا لَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ]
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ أَنَّ الْمَعْطُوفَ إذَا كَانَ خَاصًّا لَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَيُوجِبُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ. لَنَا أَنَّ الْعَطْفَ لَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ. وَمِثَالُ الْمَسْأَلَةِ: احْتِجَاجُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ بِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» ، وَهُوَ عَامٌّ فِي الْحَرْبِ وَالذِّمِّيُّ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ.
стр. 1509
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: بَلْ هُوَ خَاصٌّ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَرْبِيُّ، بِقَرِينَةِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» لِأَنَّهُ ﵇ عَطْفٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ، عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ثُمَّ إنَّ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ ذُو الْعَهْدِ هُوَ الْحَرْبِيُّ فَقَطْ بِالْإِجْمَاعِ. لِأَنَّ الْمُعَاهَدَ يُقْتَلُ بِالْمُعَاهَدِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ أَيْضًا هُوَ الْحَرْبِيُّ، تَسْوِيَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ. وَهَذَا التَّقْدِيرُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَطْفَ لَا يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» كَلَامٌ تَامٌّ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إضْمَارٍ قَوْلِهِ: بِكَافِرٍ، لِأَنَّ الْإِضْمَارَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْمُرَادُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْعَهْدَ عَاصِمٌ مِنْ الْقَتْلِ.
وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ " إلَى ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ قَوْلَهُ: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: " فِي عَهْدِهِ "، لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: " وَلَا ذُو عَهْدٍ " لَتُوُهِّمَ أَنَّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ عَهْدٌ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ، لَا يُقْتَلُ، فَلَمَّا قَالَ: " فِي عَهْدِهِ " عَلِمْنَا اخْتِصَاصَ النَّهْيِ بِحَالَةِ الْعَهْدِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ عَلَى رَأْيِكُمْ؟ إذْ لَا يَظْهَرُ
стр. 1510
مُنَاسَبَةٌ لِقَوْلِنَا: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» مُطْلَقًا مَعَ قَوْلِنَا: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» . أَجَابَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: بِأَنَّ عَدَاوَةَ الصَّحَابَةِ لِلْكُفَّارِ كَانَتْ شَدِيدَةً جِدًّا، فَلَمَّا قَالَ ﵇ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» خَشِيَ أَنْ يَتَجَرَّدَ هَذَا الْكَلَامُ، فَتَحْمِلُهُمْ الْعَدَاوَةُ الشَّدِيدَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَتْلِ كُلِّ كَافِرٍ مِنْ مُعَاهَدٍ وَغَيْرِهِ، فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ مَا مَعْنَاهُ: وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي زَمَنِ عَهْدِهِ
الثَّالِثُ: أَنَّ حَمْلَ الْكَافِرِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْحَرْبِيِّ لَا يَحْسُنُ، لِأَنَّ هَدْرَ دَمِهِ مِنْ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَلَا يَتَوَهَّمُ أَحَدٌ قَتْلَ مُسْلِمٍ بِهِ، وَيُبْعِدُ هَذَا الْجَوَابَ قَلِيلًا أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنَّ مَدْلُولَ الْحَدِيثِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] فَالْحَمْلُ عَلَى فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْلَى.
وَثَانِيهَا: أَنَّ صَدْرَ الْحَدِيثِ نَفَى فِيهِ الْقَتْلَ قِصَاصًا لَا مُطْلَقَ الْقَتْلِ، فَقِيَاسُ آخِرِهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.
الرَّابِعُ: سَلَّمْنَا صِحَّةَ التَّقْدِيرِ، لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ لُزُومَ تَسَاوِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ لَوْ لُفِظَ بِهِمَا ظَاهِرَتَيْنِ أَمْكَنَ أَنْ يُرَادَ بِإِحْدَاهُمَا غَيْرُ مَا أُرِيدَ بِهِ بِالْأُخْرَى، فَكَذَلِكَ مُنِعَ ذِكْرُ إحْدَاهُمَا، وَتَقْدِيرُ الْأُخْرَى، وَيُؤَيِّدُهُ عُمُومُ: " وَالْمُطَلَّقَاتُ " وَخُصُوصُ " وَبُعُولَتُهُنَّ " مَعَ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ.
إذَا عَلِمْت هَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ طُرُقُ الْأُصُولِيِّينَ فِي تَرْجَمَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَرْجَمَهَا كَمَا ذَكَرْنَا، وَادَّعَى أَنَّهُ الصَّوَابُ كَمَا سَيَأْتِي، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرْجَمَهَا كَالْآمِدِيِّ فِي " الْأَحْكَامِ " بِأَنَّ الْعَطْفَ عَلَى الْعَامِّ: هَلْ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الْمَعْطُوفِ؟ وَهَذِهِ تَشْمَلُ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَهِيَ مَا لَوْ قَالَ: لَا
стр. 1511
يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِحَرْبِيٍّ، فَلَا يَقُولُ أَحَدٌ بِاقْتِضَاءِ الْعَطْفِ عَلَى الْعَامِّ الْعُمُومَ، حَتَّى لَا يُقْتَلُ الْمُعَاهَدُ بِكَافِرٍ، حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَرْجَمَهَا كَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْبَيْضَاوِيِّ وَالْهِنْدِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، بِأَنَّ عَطْفَ الْخَاصِّ لَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ. وَنَاقَشَهُمْ النَّقْشَوَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تَشْمَلُ صُورَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: عَامٌّ مَعْطُوفٌ عَلَى عَامٍّ، قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ، كَقَوْلِك: لَا تَضْرِبُ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرْأَةِ غَيْرُ الْقَاذِفَةِ أَوْ شَارِبَةِ الْخَمْرِ، وَوِزَانُهُ هُنَا أَنْ يُقَالَ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، ثُمَّ يُخَصَّصُ الْكَافِرُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِدَلِيلٍ.
وَالثَّانِيَةُ: عَطْفُ خَاصٍّ بِلَفْظِهِ عَلَى عَامٍّ بِلَفْظِهِ، فَهَلْ يَقْتَضِي ذَلِكَ تَخْصِيصَ الْأَوَّلِ: كَقَوْلِنَا لَا تَضْرِبْ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً كَهْلَةً؟ فَهَلْ يَخُصُّ الرَّجُلَ بِالْكَهْلِ أَيْضًا؟ وَوِزَانُهُ هُنَا أَنْ يُقَالَ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ بِحَرْبِيٍّ. قَالُوا: وَمِثَالُهُمْ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلثَّانِيَةِ، وَالْإِمَامُ تَرْجَمَ لِلثَّانِيَةِ وَمِثَالُهُ إنَّمَا يُطَابِقُ الْأُولَى، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ: إنَّ تَخْصِيصَ الْمَعْطُوفِ، يَقْتَضِي تَخْصِيصَ عِلَّتِهِ، وَنَازَعَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ " الْمَحْصُولِ " وَقَالَ: بَلْ كَلَامُهُمْ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْخَاصَّ وَمُرَادُهُمْ سَوَاءٌ كَانَ خَاصًّا لَفْظًا أَوْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ، وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْأَصْفَهَانِيُّ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ: وَالْحَقُّ أَنَّ تَرْجَمَةَ الْإِمَامِ تَعُمُّ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَإِنَّ الْخَاصَّ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خُصُوصُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ أَوْ غَيْرِهِ.
стр. 1512
لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً، تَقَعُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ مَذْكُورًا فِي الْمَعْطُوفِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا لَكِنْ لَا يَكُونُ تَقْدِيرُهُ مُسْتَفَادًا مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرًا مِنْ حَيْثُ الْعُمُومُ مُسْتَفَادًا مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَمِنْ حَيْثُ الْخُصُوصُ مُسْتَفَادًا مِنْ تَخْصِيصٍ بِمُنْفَصِلٍ، وَالْحَدِيثُ مِنْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَالْبَيَانُ فِي الْجَمِيعِ لَا يَتَفَاوَتُ. انْتَهَى. وَالْحَقُّ أَنْ يُقَالَ: الْمَقْصُودُ بِالْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ أَنَّ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ إذَا عُطِفَتْ عَلَى الْأُخْرَى، وَكَانَتْ الثَّانِيَةُ تَقْتَضِي إضْمَارًا كَقَوْلِهِ: «وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» عَلَى مَا تَدَّعِيه الْحَنَفِيَّةُ، فَإِنَّهَا لَا تَسْتَقِيمُ عِنْدَهُمْ بِدُونِ إضْمَارٍ، وَإِلَّا يَلْزَمُ قَتْلُ الْمُعَاهَدِ مُطْلَقًا، فَهَلْ يُضْمَرُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؟ ثُمَّ إنْ كَانَ عَامًّا اقْتَضَى الْعَطْفُ عَلَيْهِ تَقْدِيرَ الْعَامِّ، فَكَانَ الْعَطْفُ عَلَى الْعَامِّ يَقْتَضِي الْعُمُومَ لِذَلِكَ، أَوْ يُضْمَرُ مِقْدَارُ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْكَلَامُ فَقَطْ، لِأَنَّ مَا وَرَاءَهُ تَقْدِيرٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: بِالْأَوَّلِ، وَأَصْحَابُنَا بِالثَّانِي.
وَقَدْ أَجَادَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " حَيْثُ افْتَتَحَ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِهِ: الْمَعْطُوفُ لَا يَجِبُ أَنْ يُضْمَرَ فِيهِ جَمِيعُ مَا يُمْكِنُ إضْمَارُهُ مِمَّا فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بَلْ بِقَدْرِ مَا يُفِيدُ وَيَسْتَقِلُّ بِهِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ جَمِيعُ مَا سَبَقَ مِمَّا يُمْكِنُ إضْمَارُهُ. انْتَهَى. وَكَذَا ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ " حَيْثُ قَالَ: هَلْ يَجِبُ أَنْ يُضْمَرَ فِي الْمَعْطُوفِ جَمِيعُ مَا يُمْكِنُ إضْمَارُهُ مِمَّا فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؟ وَإِذَا وَجَبَ ذَلِكَ، وَكَانَ الْمُضْمَرُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَخْصُوصًا، فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُضْمَرُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَخْصُوصًا أَمْ لَا؟ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ تَقْدِيرُ مَا ذُكِرَ فِي الْأُولَى، أَوْ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْكَلَامُ فَقَطْ؟ فَنَحْنُ لَا نُقَدِّرُ إلَّا مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْكَلَامُ فَقَطْ،
стр. 1513
وَالْحَنَفِيَّةُ يَجْعَلُونَ الْمُضْمَرَ فِي الثَّانِيَةِ هُوَ الْمُضْمَرَ فِي الْأُولَى. وَقَالُوا: حَرْفُ الْعَطْفِ يَجْعَلُ الْمَعْطُوفَ وَالْمَعْطُوفَ عَلَيْهِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا فِي أَصْلِ الْحُكْمِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَسَاعَدَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، حَتَّى قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: كَلَامُهُمْ ظَاهِرٌ جِدًّا. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ.
وَفَصَّلَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ بَيْنَ أَنْ يُقَيَّدَ الْمَعْطُوفُ بِقَيْدٍ غَيْرِ قَيْدِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَلَا يُضْمَرُ فِيهِ، وَأَنْ يُطْلَقَ فَيُضْمَرُ فِيهِ، وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَقُولُونَ بِتَخْصِيصِ الْعَامِّ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِخُصُوصِ الْخَاصِّ الْمَعْطُوفِ فِيمَا هُوَ مَخْصُوصُ الْمَادَّةِ كَالْحَدِيثِ، وَنَحْوِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. أَمَّا إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ، كَمَا لَوْ قَالَ: ضَرَبْت زَيْدًا وَعَمْرًا قَائِمًا فِي الدَّارِ، فَإِنَّ الْمَعْطُوفَ هُنَا خَاصٌّ، وَهُوَ أَنَّ ضَرَبْت فِي حَالِ قِيَامِهِ وَحَالَ كَوْنِهِ فِي الدَّارِ، وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ عَامٌّ، فَلَا يَقُولُونَ بِتَخْصِيصِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ لِلْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ أَحْوَالًا:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّضِحُ كَوْنُ الثَّانِيَةِ مُسْتَقِيمَةً، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَمِنْهُ فَرِيقٌ لَمْ يُتَرْجِمْ الْمَسْأَلَةَ بِالْعَطْفِ عَلَى الْعَامِّ، هَلْ يَقْتَضِي الْعُمُومَ، فَإِذَا عَطَفْت جُمْلَةً عَلَى أُخْرَى، وَكَانَتْ الثَّانِيَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا، وَكَانَتْ الْمُشَارَكَةُ فِي أَصْلِ الْحُكْمِ لَا فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، وَقَدْ لَا يَقْتَضِي مُشَارَكَةً أَصْلًا، وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى وَاوَ الِاسْتِئْنَافِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ [الشورى: ٢٤] فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِمَا قَبْلَهَا، وَلَا هِيَ دَاخِلَةٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَتَّضِحَ اسْتِقَامَتُهَا إلَّا بِتَقْدِيرٍ وَإِضْمَارٍ، وَهَذَا مَوْضِعُ
стр. 1514
الْخِلَافِ، فَالْحَنَفِيَّةُ يُقَدِّرُونَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ لَهُ حَالَتَانِ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَامًّا فَيَكُونُ الْمَعْطُوفُ عَامًّا أَيْضًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَاصًّا، فَيَكُونُ خَاصًّا وَهَذِهِ الْحَالَةُ عِنْدَهُمْ تُشَارِكُ الثَّانِيَةُ الْأُولَى فِي جَمِيعِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَهَذِهِ، طَلُقَتْ الثَّانِيَةُ ثَلَاثًا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: هَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَهَذِهِ طَالِقٌ، فَلَا يُطَلِّقُ إلَّا وَاحِدَةً لِاسْتِقْلَالِهَا، وَوَافَقَهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَالْتَزَمَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ لَهُ فِي مُخْتَصَرِهِ الْأُصُولِيِّ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: ضَرَبْت زَيْدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَمْرًا، يَتَقَيَّدُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عَطْفَ الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ عِنْدَهُ عَلَى الْكَامِلَةِ يَقْتَضِي مُشَارَكَتَهُمَا فِي أَصْلِ الْحُكْمِ وَتَفَاصِيلِهِ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ اخْتِيَارُ ابْنِ عُصْفُورٍ مِنْ النَّحْوِيِّينَ. وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: إذَا قَالَ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ، فَإِنَّ الثَّانِيَةَ تَتَقَيَّدُ أَيْضًا بِالشَّرْطِ، وَكَذَا لَوْ قَدَّمَ الْجَزَاءَ عَلَى الشَّرْطِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقَالُوا فِيمَا إذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ وَنَحْوَهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الدِّرْهَمُ مُفَسِّرًا لِلْأَلْفِ، بَلْ لَهُ تَفْسِيرُهَا بِمَا شَاءَ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ. إنْ كَانَ الْمَعْطُوفُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا فُسِّرَتْ الْأَلْفُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ بَقِيَ الْعَدَدُ الْأَوَّلُ عَلَى إبْهَامِهِ.
وَلَوْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، وَأَنْتِ يَا أُمَّ أَوْلَادِي. قَالَ الْعَبَّادِيُّ: لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ، لِأَنَّهُ قَبْلَ النِّكَاحِ لَغْوٌ، وَقَدْ رَتَّبَ طَلَاقَهَا عَلَيْهِ فَيَلْغُو، حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَقْرَبُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: نِسَاءُ الْعَالَمِينَ طَوَالِقُ، وَأَنْتِ يَا فَاطِمَةُ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ عَطَفَ طَلَاقَهَا عَلَى طَلَاقِ نِسْوَةٍ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُنَّ، وَقَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّهُ إذَا عَطَفَ الطَّلَاقَ عَلَى طَلَاقٍ نَافِذٍ يَقَعُ
الثَّالِثَةَ: أَنْ يَشْكُلَ الْحَالُ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَى الْإِضْمَارِ،
стр. 1515
وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجَةٍ كَهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا تَامٌّ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرٍ، وَهُمْ يُقَدِّرُونَهُ، قَالُوا: وَلَوْ لَمْ نُقَدِّرْهُ لَكَانَ مَعْنَاهُ لَا يُقْتَلُ ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ امْتِنَاعُ قَتْلِ الْمُعَاهَدِ مُطْلَقًا. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ لُزُومَهُ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ امْتِنَاعُهُ، وَحِينَئِذٍ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، كَمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ قَوْلِهِ: " بِكَافِرٍ " عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُقَدَّرًا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ فِي كِتَابِهِ " التَّجْرِيدِ " فِي الْحَدِيثِ تَقْدِيرَيْنِ آخَرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا حَذْفَ فِيهِ. وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَالْأَصْلُ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ» ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَعْطُوفَ عَنْ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُعَاهَدُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ، وَهُوَ الْحَرْبِيُّ، فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُقْتَلُ بِهِ الْمُسْلِمُ. وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ فَرَّ مِنْ ضَرُورَةِ تَقْدِيرِ الْحَرْبِيِّ إلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ أَيْضًا، وَبِأَنَّ فِيهِ مَا سَبَقَ.
الثَّانِي: أَنَّ ذُو عَهْدٍ مُبْتَدَأٌ، وَفِي عَهْدِهِ خَبَرُهُ، وَالْوَاوُ لِلْحَالِ، أَيْ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ ذَا عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ. وَنَحْنُ لَوْ فَرَضْنَا خُلُوَّ الْوَقْتِ عَنْ عَهْدٍ لِجَمِيعِ الْكُفَّارِ لَمْ يُقْتَلْ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. قَالَ: وَمِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى مَا أَنْشَدَ. أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ.
بِأَيْدِي رِجَالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُيُوفَهُمْ ... وَلَمْ تَكْثُرْ الْقَتْلَى بِهَا حَيْثُ سُلَّتْ
وَهَذَا فِيهِ بُعْدٌ، لِأَنَّ فِيهِ إخْرَاجَ الْوَاوِ عَنْ أَصْلِهَا وَهُوَ الْعَطْفُ، وَمُخَالَفَةٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى: " وَلَا ذِي عَهْدٍ " بِالْخَفْضِ. إمَّا عَطْفًا عَلَى كَافِرٍ كَمَا يَقُولُ
стр. 1516
الْجُمْهُورُ، وَإِمَّا عَلَى مُسْلِمٍ كَمَا تَقُولُهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَلَكِنَّهُ خُفِضَ لِمُجَاوَرَتِهِ لِلْمَخْفُوضِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَفْهُومَهُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ مُطْلَقًا، فِي حَالَةِ كَوْنِ ذِي الْعَهْدِ فِي عَهْدِهِ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِالْحَرْبِيِّ اتِّفَاقًا.
[مَسْأَلَةٌ لَفْظُ الْعَامِ إذَا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى عُمُومٍ قَبْلَهُ وَأَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَفْسِهِ]
مَسْأَلَةٌ
اخْتَلَفُوا فِي لَفْظِ الْعَامِّ إذَا كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى عُمُومٍ قَبْلَهُ، وَأَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَفْسِهِ إذَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقِ الثَّانِي بِمَا قَبْلَهُ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: فَكُلُّ مَنْ اعْتَبَرَ خُصُوصَ السَّبَبِ زَعَمَ أَنَّ الثَّانِيَ مَحْمُولٌ عَلَى حُكْمِ الْعُمُومِ الَّذِي يَلِيه، وَمَنْ اعْتَبَرَ عُمُومَ اللَّفْظِ أَوْجَبَ اعْتِبَارَ الْعُمُومِ الثَّانِي بِظَاهِرِهِ، إلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْطُوفِ، وَمِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٣٩] " فَمَنْ تَابَ " كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ مُفْرَدٌ، فَلَا يَصِحُّ تَضْمِينُهُ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ السَّرِقَةِ مِنْ سُقُوطِ الْقَطْعِ بِالتَّوْبَةِ، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِنْهُ. وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِهِ فِي آيَةِ الْمُحَارَبَةِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] الْآيَةُ اسْتَثْنَى لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: هَذَا الْمَذْهَبُ الَّذِي أَخَتَرَتَاهُ أَوْلَى، لِأَنَّهُمْ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] عَلَى الْمُطَلَّقَةِ، وَعَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَلَمْ يَحْمِلُوهَا عَلَى الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
стр. 1517
[الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَة إذَا وَرَدَ اللَّفْظُ الْعَامُّ ثُمَّ وَرَدَ عَقِيبَهُ تَقْيِيدٌ بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرُهُ]
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ
إذَا وَرَدَ اللَّفْظُ الْعَامُّ، ثُمَّ وَرَدَ عَقِيبَهُ تَقْيِيدٌ بِشَرْطٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ حُكْمٍ، وَكَانَ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْعُمُومُ، فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْعُمُومِ ذَلِكَ الْبَعْضَ أَوْ لَا؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعُمُومِ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ فَقَطْ، وَبِهِ جَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، فَقَالَ: بَلْ يُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى عُمُومِهِ، وَالْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِبَعْضِ حُكْمِ الْأَوَّلِ. قَالَ: وَأَبُو حَنِيفَةَ يُوَافِقُنَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَإِنْ خَالَفَنَا فِي مِثْلِ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ» . انْتَهَى.
وَجَزَمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَعْلَامِ "، وَالْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ "، وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ "، وَبِهِ جَزَمَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَنَقَلَهُ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَقَالَ: إنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. قَالَ سُلَيْمٌ: وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُ فِي اعْتِبَارِ مَسَائِلَ خُصَّ عُمُومُ أَوَّلِهَا بِخُصُوصٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» الْحَدِيثُ. فَحَمَلَ أَوَّلَ الْحَدِيثِ عَلَى الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ؛ لِأَجْلِ آخِرِهِ. لَنَا أَنَّ الْعَامَّ إنَّمَا يُخَصُّ بِمَا يُنَافِيه. قُلْت: وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ بَابِ قَاطِعِ الطَّرِيقِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْآيَةَ فِي الْمُسْلِمِينَ دُونَ الْكُفَّارِ، وَأَنَّهُمْ احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] الْآيَةُ فَدَلَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى أَنَّهَا فِي الْمُسْلِمِينَ. انْتَهَى. وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى الْوَقْفِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ فِي
стр. 1518
الْمُعْتَمَدِ " كَذَا رَأَيْته فِيهِ، وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ "، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْهُ أَنَّهُ يُخَصَّصُ، وَهُوَ وَهْمٌ. قُلْت: وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ " وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصًّا صَرِيحًا، لَكِنْ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مَا يَقْتَضِي الْأَمْرَيْنِ، فَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَخْصِيصٌ فَمَوَاضِعُ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَالَ فِي " الْأُمِّ " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] : إنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى بَعْضِ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الزَّرْعُ، لَا النَّخْلُ وَالزَّيْتُونُ، لِأَنَّ الْحَصَادَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الزَّرْعِ، فَلَمْ يُوجِبْ الزَّكَاةَ إلَّا فِي الزَّرْعِ، وَحَمَلَ الْإِتَاءُ الْعَامَّ عَلَيْهِ، لِأَجْلِ الضَّمِيرِ الْمُخَصِّصِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا﴾ [التوبة: ٤١] : إنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ لَفْظُهُ عَامًّا لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ، إلَّا أَنَّهُ خَاصٌّ بِالْحُرِّ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١] وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ.
الثَّالِثُ: قَوْلُهُ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَكِنَّهُ خَاصٌّ بِالْحُرِّ، لِأَجْلِ قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَالْعَبْدُ لَا يُعْطِي شَيْئًا.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا تَحِلُّ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] وَقَالَ: هَذَا خَاصٌّ بِالْحُرِّ، لِقَوْلِهِ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ.
стр. 1519
الْخَامِسُ: آيَةُ الْمُحَارَبَةِ السَّابِقَةِ. وَأَمَّا الْمَوَاضِعُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ، فَمِنْهَا أَنَّ ظِهَارَ الذِّمِّيِّ عِنْدَهُ صَحِيحٌ مَعَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ [المجادلة: ٣] ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢] ، وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ. فَلَمْ يَجْعَلْ هَذَا مُخَصِّصًا لِعُمُومِ ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ [المجادلة: ٢] .
وَمِنْهَا: أَنَّ إيلَاءَ الذِّمِّيِّ عِنْدَهُ صَحِيحٌ، مَعَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى عَقِبَهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فَلَمْ يَجْعَلْهُ مُخَصِّصًا.
فَخَرَجَ مِنْ هَذَا أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ تَخْصِيصٌ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنْ كَلَامِهِ إلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْمُخَصِّصِ، فَيُعْمَلُ بِهِ، كَإِيلَاءِ الذِّمِّيِّ، وَظِهَارِهِ.
وَقَدْ مَثَّلُوا الِاسْتِثْنَاءَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَفْوَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْبَالِغَةِ الرَّشِيدَةِ، فَهَلْ يَتَخَصَّصُ النِّسَاءُ بِهِنَّ؟ قَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ: وَهَذَا لَيْسَ بِوِزَانِ الْمَسْأَلَةِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدَهُ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَقَدْ ذَكَرَ حُكْمَ الْبُلَّغِ، وَحُكْمَ غَيْرِهِنَّ.
وَمِثَالُ الصِّفَةِ قَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] ، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَيَعْنِي بِالْأَمْرِ الرَّغْبَةَ فِي رَجْعَتِهِنَّ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى فِي الْبَائِنَةِ، فَكَانَ الْأَوَّلُ عَامًّا فِي الْمُطَلَّقَاتِ. قَالَ الْقَفَّالُ: وَلِهَذَا جَعَلَ أَصْحَابُنَا قَوْلَهُ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] فِيمَا يَمْلِكُ الزَّوْجَ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]
стр. 1520
يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالرَّجْعِيِّ.
وَمِثَالُ رُجُوعِ الضَّمِيرِ قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، فَهَذَا عَامٌّ فِي الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنِ الْمَدْخُولِ بِهَا، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي الْبَائِنِ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤] ، وَهَذَا عَامٌّ فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالْمُشْرِكِينَ.
وَجَعَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَدَرَكَ الْخِلَافِ أَنَّ التَّخْصِيصَ: هَلْ يَدْخُلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمُضْمَرَةِ، كَمَا يَدْخُلُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمُظْهَرَةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ الْمُتَّصِلُ فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩] فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى الدُّخُولِ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الضَّمَائِرِ، لِأَنَّ الْمُضْمَرَ لَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى جِنْسٍ مِنْ الْأَجْنَاسِ. وَإِنَّمَا يَعُودُ إلَى الْمَذْكُورِ أَوْ الْمَعْلُومِ، فَيَقِلُّ بِقِلَّتِهِ، وَيَكْثُرُ بِكَثْرَتِهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى دُخُولِ التَّخْصِيصِ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ فِي اللُّغَةِ أَنْ يَعُودَ إلَى مَا قَبْلَهُ، فَإِذَا عَادَ إلَى بَعْضِ مَا قَبْلَهُ فَقَدْ خُصَّ بِبَعْضِ مَعْنَاهُ. انْتَهَى.
وَجَعَلَ الصَّيْرَفِيُّ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] إلَى قَوْلِهِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَأَطْلَقَ تَعَالَى الِاسْمَ عَلَى مَنْ طَلُقَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. وَأَوْجَبَ لَهَا نِصْفَ الْمَهْرِ مِنْ كُلِّ مُطْلَقٍ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَلَوْ كَانَ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إلَى الْكُلِّ لَجَازَ أَنْ تَعْفُوَ غَيْرُ الْبَالِغَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نِصْفُ الصَّدَاقِ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الزَّوْجِ الَّذِي لَهُ الْعَفْوُ لِامْرَآتِهِ، أَوْ لِامْرَآتِهِ عَلَيْهِ، لَكَانَ مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ الْعَفْوُ لَا نِصْفَ لَهُ مِنْ الصَّدَاقِ. وَإِذَا بَطَلَ هَذَا عُلِمَ
стр. 1521
أَنَّ الْخِطَابَ بِالْعَفْوِ فِي بَعْضِ الْمَذْكُورِينَ فِي الِابْتِدَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَكُلُّ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى هَذَا الْوَصْفِ، وَالْحُكْمُ ثَابِتٌ عَلَى مَا ثَبَتَ. وَكُلُّ مَا لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَالْحُكْمُ لَهُ، وَمَا جَازَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْجَمِيعِ، فَالضَّمِيرُ عَنْ جَمِيعِهِ.
وَمَثَّلَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨] فَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْكَافِرِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى عُمُومِهِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الْآيَةُ ثُمَّ قَالَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: الْكِنَايَةُ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَذْكُورٍ مُتَقَدِّمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ. وَقَدْ خَاطَبَنَا اللَّهُ بِخِطَابِ مُوَاجَهَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢] وَإِنَّمَا أَرَادَ بِكُمْ، وَلَوْ خَلَّيْنَا وَالظَّاهِرَ لَقُلْنَا فِيهِ إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَطْفٍ، لَكِنْ لَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمُوَاجَهَةِ، عَلِمْنَا عَوْدَهُ إلَيْهِمْ. نَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] خَرَّجَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْوَلِيُّ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الزَّوْجَ لَوَاجَهَهُ، فَلَمَّا عَدَلَ إلَى الْكِنَايَةِ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ رَدَّ الْكِنَايَةَ إلَى الْمُوَاجَهَةِ، وَهُوَ الزَّوْجُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَفْوَهَا وَعَفْوَ زَوْجِهَا، فَكَنَّى كَمَا كَنَّى فِي ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] : قَالَ: وَهَذَا يَجْرِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ إنْ قَامَ الدَّلِيلُ صِرْنَا إلَيْهِ، وَإِلَّا حُمِلَ عَلَى الظَّاهِرِ. قَالَ: وَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ هَذَا أَنْ يُعْطَفَ شَيْءٌ فَيَكُونَ حُكْمُ الثَّانِي حُكْمَ الْأَوَّلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥]
стр. 1522
فَكَانَ الصَّيْدُ اسْمًا لِلْفِعْلِ، فَلَمَّا قَالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا﴾ [المائدة: ٩٥] اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى الْفِعْلِ، فَعُلِمَ أَنَّ الْإِشَارَةَ وَقَعَتْ إلَى عَيْنِ الْمَصِيدِ، ثُمَّ عَطَفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦] فَكَانَ الْمَعْطُوفُ الثَّانِي عَلَى الْعَطْفِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: إنَّ الْعَطْفَ عَلَى حُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ. قَالَ: وَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ هَذَا إذَا جَرَيْنَ كَانَ لِلْفِعْلِ الثَّانِي، لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يُعْهَدْ أَنْ يَكُونَ لِلْفِعْلِ لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ نَقْدِرْ عَلَى هَذَا رَجَعْنَا فِي ذَلِكَ إلَى الْحَقِيقَةِ فِي الثَّانِي، فَكَانَ لِلْفِعْلِ.
وَالْأَجْوَدُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إنَّهُ لِلْفِعْلِ وَالْمَصِيدِ نَفْسِهِ، فَقَدْ حَرَّمَ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ عَلَى الْمَصِيدِ، وَإِذَا كَانَ يَقَعُ عَلَيْهِ حُمِلَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لِلْفِعْلِ قَوْلُهُ: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ [المائدة: ٩٦] فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: فِعْلُ الْبَرِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ عَيْنَ الْمَصِيدِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] فَكَانَ الْأَوَّلُ مَحْمُولًا عَلَى الْبَائِنِ وَالرَّجْعِيَّةِ، وَالثَّانِي مَحْمُولٌ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ.
[مَسْأَلَةٌ إذَا كَانَ أَوَّلُ الْكَلَامِ خَاصًّا وَآخِرُهُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ]
مَسْأَلَةٌ
وَأَمَّا إذَا كَانَ أَوَّلُ الْكَلَامِ خَاصًّا، وَآخِرُهُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ - فَلَا يَكُونُ خُصُوصُ أَوَّلِهِ مَانِعًا مِنْ عُمُومِ آخِرِهِ، كَالْعَكْسِ. ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩] فَإِنَّ الْأَوَّلَ فِي صِنْفٍ مِنْ الظَّالِمِينَ. وَهُمْ السُّرَّاقُ، وَالتَّوْبَةُ بَعْدَ الظُّلْمِ وَالْإِصْلَاحِ لِجَمِيعِ الظَّالِمِينَ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]
стр. 1523
فَكَانَ هَذَا لِلْمُطَلَّقَاتِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَهُوَ عَامٌّ فِي الْمُطَلَّقَاتِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ.
وَذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ النَّحْوِيُّ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] كَانَ أَوَّلُهُ خَاصًّا بِالْأَوْلَادِ، وَآخِرُهُ يَشْمَلُ الْأَوْلَادَ وَالْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ إذَا وَرِثُوا، فَإِنَّ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَلَوْ قِيلَ: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ كَانَ مَقْصُورًا عَلَى الْأَوْلَادِ، فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ: مِنْهُمْ دَلَّ عَلَى إرَادَةِ الْعُمُومِ. قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهَا الْخِلَافُ فِي الْعَكْسِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» . تَنْبِيهٌ
إذَا تَقَدَّمَ الْمَعْنَى الْمُخَصَّصُ، وَتَأَخَّرَ اللَّفْظُ الْعَامُّ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا التَّخْصِيصُ، وَلِهَذَا خَصُّوا قَوْلَهُ ﵇: «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» بِالْوَصِيَّةِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ، وَقَالُوا: إذَا أَوْصَى بِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ، يَصِحُّ. فَلَمْ يَعْتَبِرُوا الْعُمُومَ، لِأَجْلِ سَبْقِ الْعِلَّةِ الْمُخَصِّصَةِ.
стр. 1524
[مَسْأَلَةٌ إذَا ذُكِرَ الْعَامُّ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ بِقَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ]
مَسْأَلَةٌ
وَأَمَّا إذَا ذُكِرَ الْعَامُّ ثُمَّ ذُكِرَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ بِقَيْدٍ أَوْ شَرْطٍ فَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَوَّلَ مُرَادٌ بِمَا عَدَا الشَّرْطَ، وَيَكُونُ مُخَصِّصًا لَهُ، قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَجْمُوعَ الرَّقَبَتَيْنِ عَلَى الْقَاتِلِ إنْ كَانَ الْقَتْلُ مِنْ عَدُوٍّ لَنَا، لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمُؤْمِنَ ذِكْرًا عَامًّا، فَكَانَ الِاسْمُ يَنْظِمُ مَنْ هُوَ عَدُوٌّ لَنَا وَمَنْ هُوَ مِنْ دَارِنَا، فَلَمَّا قَالَ فِي الثَّانِيَةِ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمَوْضِعَيْنِ، وَأَنَّ ذِكْرَ الْأَوَّلِ فِي بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا الَّذِي فِي غَيْرِ دَارِ الْحَرْبِ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ثُمَّ قَالَ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّانِيَ مُعَلَّقٌ بِمَعْنًى لَيْسَ فِي أَوَّلِ مَا اُبْتُدِئَ بِذِكْرِهِ. اهـ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: إذَا وَرَدَ الْعُمُومُ مُجَرَّدًا مِنْ صِفَةٍ، ثُمَّ أُعِيدَ. بِصِفَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مَعَ قَوْلِهِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ: اُقْتُلُوا أَهْلَ الْأَوْثَانِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، كَانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلتَّخْصِيصِ بِالِاتِّفَاقِ وَيُوجِبُ الْمَنْعَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيُخَصِّصُ مَا بَعْدَ الْعُمُومِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1525
[مَبَاحِثُ الْخَاصِّ وَالْخُصُوصِ وَالتَّخْصِيصِ] [ تَعْرِيفُ الْخَاصِّ وَالْخُصُوصِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا]
ِ [تَعْرِيفُ الْخَاصِّ وَالْخُصُوصِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا]
الْخَاصُّ: اللَّفْظُ الدَّالُ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ وَمَا دَلَّ عَلَى كَثْرَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَلِهَذَا قَدَّمَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْبَحْثِ فِي الْعَامِّ تَقْدِيمًا لِلْمُفْرَدِ عَلَى الْمُرَكَّبِ.
وَالْخُصُوصُ: كَوْنُ اللَّفْظِ مُتَنَاوِلًا لِبَعْضِ مَا يَصْلُحُ لَهُ لَا لِجَمِيعِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: خُصُوصٌ فِي كَوْنِ اللَّفْظِ مُتَنَاوِلًا لِلْوَاحِدِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إلَّا لَهُ، كَتَنَاوُلِ كُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ لَهُ ﵎. وَذَكَرَ الْقِسْمَ الثَّانِيَ الزَّجَّاجُ فِي كِتَابٍ لَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ، أَنَّ الشَّافِعِيَّ (﵁) عَبَّرَ عَنْ الْمُخْرَجِ مَرَّةً بِالْخَاصِّ، وَعَنْ الْمُبْقَى مَرَّةً بِالْخَاصِّ، وَالْخُصُوصُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ حَقِيقَةً، وَفِي الْمَعَانِي الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْعُمُومِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذَلِكَ. وَفَرَّقَ الْعَسْكَرِيُّ بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْخُصُوصِ، فَقَالَ: الْخَاصُّ يَكُونُ فِيمَا يُرَادُ بِهِ بَعْضُ مَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ لَفْظُهُ بِالْوَضْعِ، وَالْخُصُوصُ مَا اخْتَصَّ بِالْوَضْعِ لَا بِإِرَادَةٍ.
وَقِيلَ: الْخَاصُّ مَا يَتَنَاوَلُ أَمْرًا وَاحِدًا بِنَفْسِ الْوَضْعِ، وَالْخُصُوصُ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا دُونَ غَيْرِهِ، وَكَانَ يَصِحُّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ.
[تَعْرِيفُ الْمُخَصَّصِ]
[تَعْرِيفُ الْمُخَصَّصِ] وَأَمَّا الْمُخَصَّصُ فَيُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، يُوصَفُ الْمُتَكَلِّمُ بِكَوْنِهِ
стр. 1526
مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ بَعْضَ مَا يَتَنَاوَلُهُ، وَيُوصَفُ النَّاصِبُ لِدَلَالَةِ التَّخْصِيصِ بِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ، يُوصَفُ الدَّلِيلُ بِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ، يُقَالُ السُّنَّةُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ. وَيُوصَفُ الْمُعْتَقِدُ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ مُخَصِّصٌ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: يُخَصُّ الْكِتَابُ بِالْخَبَرِ، وَغَيْرُهُ لَا يُخَصُّ.
[تَعْرِيفُ التَّخْصِيصِ]
[تَعْرِيفُ التَّخْصِيصِ] وَأَمَّا التَّخْصِيصُ: وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، فَهُوَ لُغَةً: الْإِفْرَادُ وَمِنْهُ الْخَاصَّةُ. وَاصْطِلَاحًا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: تَمْيِيزُ بَعْضِ الْجُمْلَةِ بِالْحُكْمِ، وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ بَيَانُ مَا لَمْ يُرِدْ بِلَفْظِ الْعَامِّ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ، وَرَدَ بِأَنَّ لَفْظَ الْقَصْرِ يَحْتَمِلُ الْقَصْرَ فِي التَّنَاوُلِ أَوْ الدَّلَالَةِ أَوْ الْحَمْلِ أَوْ الِاسْتِعْمَالِ. وَذَكَر ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُطْلَقُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا، كَمَا يُطْلَقُ الْعَامُّ عَلَى اللَّفْظِ بِمُجَرَّدِ تَعَدُّدِ مُسَمَّيَاتِهِ، كَالْعَشَرَةِ وَالْمُسْلِمِينَ لِمَعْهُودَيْنِ، وَضَمَائِرِ الْجَمْعِ. وَقِيلَ: إخْرَاجُ مَا يَتَنَاوَلُ الْخِطَابَ. وَهُوَ أَحْسَنُ، لِأَنَّ الصِّيغَةَ الْعَامَّةَ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمُعَارِضِ. مُقْتَضَى الْإِرَادَةِ شُمُولُ الْحُكْمِ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ. فَيُخَصَّصُ بَعْضُ الْأَفْرَادِ بِالْحُكْمِ دُونَ بَعْضٍ. فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي جُمْلَةِ مُقْتَضَيَاتِ اللَّفْظِ ظَاهِرًا مُخْرَجَةٌ عَنْهُ بِالتَّخْصِيصِ، وَحِينَئِذٍ فَالْإِخْرَاجُ عَنْ الدَّلَالَةِ أَوْ التَّنَاوُلِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَالْمُمْكِنُ إخْرَاجُ بَعْضِ الْمُتَنَاوَلِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: إذَا ثَبَتَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِبَعْضِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ،
стр. 1527
عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْخِطَابِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ مَا عَدَاهُ، وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ كَانَ دَاخِلًا فِي الْخِطَابِ، فَخَرَجَ عَنْهُ بِدَلِيلٍ، وَإِلَّا لَكَانَ نَسْخًا، وَلَمْ يَكُنْ تَخْصِيصًا، فَإِنَّ الْفَارِقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، وَالتَّخْصِيصَ بَيَانُ مَا قُصِدَ لَهُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ.
وَكَذَا قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: مَعْنَى قَوْلِنَا: إنَّ الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ، أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهِ قَدْ أَرَادَ بَعْضَ مَا وُضِعَ لَهُ دُونَ بَعْضٍ، وَذَلِكَ مَجَازٌ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِالْخُصُوصِ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْأَصْلِ لِلْخُصُوصِ، وَإِرَادَةُ الْبَعْضِ لَا تُصَيِّرُهُ مَوْضُوعًا فِي الْأَصْلِ لِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَكَانَ الْعَامُّ خَاصًّا، وَهُوَ مُتَنَافٍ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ خَاصًّا بِالْقَصْدِ كَالْأَمْرِ يَصِيرُ أَمْرًا بِالطَّلَبِ وَالِاسْتِدْعَاءِ. انْتَهَى.
وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ، أَوْ قَدْ خُصَّ، لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ يَقُولُونَ: هُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَإِنْ أُرِيدَ الْبَعْضُ فَقَدْ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَوَضْعِهِ، فَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْوَضْعِ، وَلَمْ يُغَيِّرْ حَتَّى يُقَالَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَإِذَنْ هَذَا اللَّفْظُ مُؤَوَّلٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ وَضْعَهُ لِلْعُمُومِ، وَاسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ وَضْعِهِ مَجَازًا فَهُوَ عَامٌّ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ بِالْوَضْعِ، وَخَاصٌّ بِالْإِرَادَةِ أَوْ التَّجَوُّزِ إذْ قُصِدَ بِهِ بَعْضُ مَدْلُولِهِ، وَإِلَّا فَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ بِالْوَضْعِ لَا يَنْقَلِبُ عَنْ وَضْعِهِ بِالْإِرَادَةِ، قَالَا: وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ، لِأَنَّ تَخْصِيصَ الْعَامِّ مُحَالٌ، بَلْ هُوَ عَلَامَةُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْعَامُّ بِالْوَضْعِ، أَوْ الصَّالِحُ لِإِرَادَةِ الْعُمُومِ الْخُصُوصَ. فَيُقَالُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ لِمَنْ عَرَفَ ذَلِكَ: إنَّهُ خَصَّصَ الْعُمُومَ أَيْ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ.
قَالَ الْقَاضِي: وَأَمَّا عِنْدَنَا يَعْنِي الْوَاقِفِيَّةَ الْمُنْكِرِينَ لِلصِّيَغِ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِلْعَامِّ، وَلَكِنَّهُ بَيَانٌ مُشْتَرَكٌ، وَيَحْتَمِلُ مِنْ اللَّفْظِ.
стр. 1528
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ ": لَمَّا كَانَ التَّخْصِيصُ إخْرَاجَ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ عَنْ الْإِرَادَةِ مِنْهُ وَجَبَ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ شَرْطُهُ قَصْدَ الْإِخْرَاجِ عَنْ الْإِرَادَةِ، وَأَمَّا الْعَامُّ فَيَتَنَاوَلُ الْأَفْرَادَ بِوَضْعِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَهُ بِمَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَخُصَّ مِنْ الْأَفْرَادِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ إرَادَةُ الْفَرْدِ الْمُعَيَّنِ اتِّفَاقًا، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بَعْضُ الْأَفْرَادِ، كَفَتْ الْإِرَادَةُ الْعَامَّةُ لِتَنَاوُلِ الْحُكْمِ لِجُمْلَةِ أَفْرَادِهِ حُصُولُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْدِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنْ لَمْ يَخْطُرْ بِالْبَالِ ذَلِكَ الْفَرْدُ بِخُصُوصِهِ. قَالَ: وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، أَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْعَامِّ إرَادَةُ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ بِخُصُوصِهِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ فِي زِيَادَاتِهِ ": الْعِبَارَاتُ أَمَارَاتُ الْإِرَادَاتِ، فَإِذَا خُصَّتْ الْعِبَارَةُ خُصَّتْ الْإِرَادَةُ، وَإِذَا عَمَّتْ عَمَّتْ، وَهُوَ جَارٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ. وَهَلْ يَجِبُ مُقَارَنَةُ الْمُخَصِّصِ الْخِصِّيصَ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ. قَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ بِالثَّانِي، وَالْمُعْتَزِلَةُ بِالْأَوَّلِ. وَهُمَا الْقَوْلَانِ فِي تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي التَّخْصِيصِ مُقَارَنَةُ اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَالْعَقْلِيُّ مَحَلُّ وِفَاقٍ فِي اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَيَأْتِي فِي بَابِ الْحَجِّ حِكَايَةُ خِلَافٍ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالتَّكْلِيفِ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ، وَلَمْ يَذْكُرُوهُ هُنَا لِأَنَّهُ أَخَفُّ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ]
[الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ] وَاعْلَمْ أَنَّ التَّخْصِيصَ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِالنَّسْخِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِنَقْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، وَقَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ تَرْكُ بَعْضِ الْأَعْيَانِ، وَالنَّسْخَ تَرْكُ بَعْضِ الْأَزْمَانِ، قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ.
стр. 1529
الثَّانِي: أَنَّ التَّخْصِيصَ يَتَنَاوَلُ الْأَزْمَانَ وَالْأَعْيَانَ وَالْأَحْوَالَ بِخِلَافِ النَّسْخِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْأَزْمَانَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ الْأَعْيَانَ وَالْأَزْمَانَ لَيْسَا مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَالنَّسْخُ يَرِدُ عَلَى الْفِعْلِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ، وَالتَّخْصِيصُ يَرِدُ عَلَى الْفِعْلِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
الثَّالِثُ: التَّخْصِيصُ لَا يَكُونُ إلَّا لِبَعْضِ الْأَفْرَادِ بِخِلَافِ النَّسْخِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ لِكُلِّ الْأَفْرَادِ. وَعَلَى هَذَا فَالنَّسْخُ أَعَمُّ، قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ. لَكِنْ اخْتَارَ إمَامُهُ خِلَافَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: النَّسْخُ لَا مَعْنَى بِهِ إلَّا تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ بِطَرِيقٍ خَاصٍّ، فَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ فَرْقَ مَا بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ. وَقَدْ سَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِ " النَّسْخِ " فَقَالَ: صَرَّحَ الْأُسْتَاذُ بِأَنَّ النَّسْخَ تَخْصِيصٌ فِي الزَّمَانِ، وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ.
الرَّابِعُ: وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ التَّخْصِيصَ تَقْلِيلٌ، وَالنَّسْخَ تَبْدِيلٌ. وَقَالَ: هَذَا لَفْظٌ جَمِيلٌ، وَلَكِنْ رِيعُهُ قَلِيلٌ، وَمَعْنَاهُ مُسْتَحِيلٌ، لِأَنَّ الرِّدَّةَ تَبْدِيلٌ، وَلَيْسَتْ بِنَسْخٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨١]
الْخَامِسُ: أَنَّ النَّسْخَ يَتَطَرَّقُ إلَى كُلِّ حُكْمٍ، سَوَاءٌ كَانَ ثَابِتًا فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَشْخَاصٍ كَثِيرَةٍ، وَالتَّخْصِيصُ لَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْأَوَّلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ فِي الْأَمْرِ بِمَأْمُورٍ وَاحِدٍ، وَالنَّسْخَ يَدْخُلُ فِيهِ.
السَّادِسُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ يُبْقِي دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى مَا بَقِيَ تَحْتَهُ حَقِيقَةً
стр. 1530
كَانَ أَوْ مَجَازًا عَلَى الْخِلَافِ، وَالنَّسْخُ يُبْطِلُ دَلَالَةَ حَقِيقَةِ الْمَنْسُوخِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَنِ بِالْكُلِّيَّةِ.
السَّابِعُ: أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُ النَّسْخِ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْمَنْسُوخِ، وَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْمَخْصُوصِ وِفَاقًا.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى، وَلَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذَا الْإِطْلَاقُ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ كَثِيرًا، وَالْمُرَادُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ قَدْ تَنْسَخُ بَعْضَ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، أَمَّا كُلَّهَا فَلَا، لِأَنَّ قَوَاعِدَ الْعَقَائِدِ لَمْ تُنْسَخْ، وَكَذَلِكَ حِفْظُ الْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ، فَحِينَئِذٍ النَّسْخُ إنَّمَا يَقَعُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ، وَإِنْ جَازَ نَسْخُ شَرِيعَةٍ بِشَرِيعَةٍ أُخْرَى عَقْلًا.
التَّاسِعُ: أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ بَيَانُ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ، ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَالْعَبَّادِيُّ فِي زِيَادَاتِهِ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ غَيْرِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ: انْتِهَاءُ حُكْمٍ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ بَيَانُ مَا أُرِيدَ بِالْعُمُومِ، وَالنَّسْخَ بَيَانُ مَا لَمْ يُرَدْ بِالْمَنْسُوخِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: أَنَّ التَّخْصِيصَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُقْتَرِنًا بِالْعَامِّ، وَمُقَدَّمًا عَلَيْهِ، وَمُتَأَخِّرًا عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّاسِخُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَنْسُوخِ، وَلَا مُقْتَرِنًا بِهِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ.
الثَّانِي عَشَرَ: أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَوْلٍ وَخِطَابٍ، وَالتَّخْصِيصَ قَدْ يَكُونُ بِأَدِلَّةِ الْعَقْلِ وَالْقَرَائِنِ وَسَائِرِ أَدِلَّةِ السَّمْعِ، وَيَقَعُ التَّخْصِيصُ بِالْإِجْمَاعِ، وَالنَّسْخُ لَا يَقَعُ بِهِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَحْكَامِ، وَالنَّسْخُ يَخْتَصُّ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ.
стр. 1531
الرَّابِعَ عَشَرَ: التَّخْصِيصُ عَلَى الْفَوْرِ، وَالنَّسْخُ عَلَى التَّرَاخِي، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنَّ تَخْصِيصَ الْمَقْطُوعِ بِالْمَظْنُونِ وَاقِعٌ، وَنَسْخُهُ لَا يَقَعُ بِهِ.
السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ فِي غَيْرِ الْعَامِّ، بِخِلَافِ النَّسْخِ؛ فَإِنَّهُ يَرْفَعُ حُكْمَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ.
السَّابِعَ عَشَرَ: أَنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُ الْأَمْرِ بِخِلَافِ التَّخْصِيصِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ.
الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنَّ التَّخْصِيصَ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ عِنْدَ الْخِطَابِ مَا عَدَاهُ، وَالنَّسْخُ يُحَقِّقُ أَنَّ كُلَّ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ مُرَادٌ فِي حَالِ الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُرَادٍ فِيمَا بَعْدَهُ، وَكَانَ اللَّفْظُ الْمُطْلَقُ لَا يَدُلُّ عَلَى الزَّمَانِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْفِعْلِ، ثُمَّ الزَّمَانُ ظَرْفٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوقَ أَكْثَرُهَا أَحْكَامٌ أَوْ لَوَازِمُ ثَابِتَةٌ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.
[مَسْأَلَةٌ الْحُكْمُ إذَا عُلِّقَ بَعْدَهُ هَلْ يَكُونُ تَعْلِيقُهُ بِمَا دُونَهُ نَسْخًا أَوْ تَخْصِيصًا]
مَسْأَلَةٌ
الْحُكْمُ إذَا عُلِّقَ بَعْدَهُ هَلْ يَكُونُ تَعْلِيقُهُ بِمَا دُونَهُ نَسْخًا أَوْ تَخْصِيصًا، فِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا، حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ مِنْ " الْبَحْرِ "، وَفَرَّعَ عَلَيْهِمَا مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَنَوَى بِقَلْبِهِ إلَّا وَاحِدَةً. قَالَ فِي " الْإِفْصَاحِ ": فَفِيهِ جَوَابَانِ:
стр. 1532
أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ.
وَإِنْ قُلْنَا: تَخْصِيصٌ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ، وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِهَذَا إلَى الْفَرْقِ الْحَادِيَ عَشَرَ.
[مَسْأَلَةٌ الْخِطَابُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ]
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْخِطَابُ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: خِطَابٌ عَامُّ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] قَالَ الشَّافِعِيُّ (﵀) فِي " الرِّسَالَةِ " فَهَذَا عَامٌّ لَا خَاصٌّ. وَاعْتَرَضَ ابْنُ دَاوُد عَلَيْهِ فَقَالَ: كَيْفَ عَدَّ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْعُمُومَاتِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْهَا التَّخْصِيصُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى شَيْءٌ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] .
وَرَدَّ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَمَّا عَلِمْت أَنَّ الْمُخَاطِبَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْخِطَابِ؟ وَقَالَ فِي كِتَابِ " الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ " لِابْنِ دَاوُد: وَأَمَّا مَا عَرَّضَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام: ١٩] وَأَيُّ ضَرُورَةٍ دَعَتْهُ إلَى هَذَا؟ وَكَيْفَ يَحْتَمِلُ الْعُمُومُ مَا أَوْمَأَ إلَيْهِ؟ وَقَدْ بَدَأَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ، فَأَخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]
стр. 1533
وَهَلْ تَحْتَمِلُ الْأَوْهَامُ فِي الْمُخَاطَبَةِ مَا أَوْمَأَ إلَيْهِ؟ وَلَوْلَا أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تُطِيقُ الْكَلَامَ، لَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ. وَيَقُولُ: إنَّ الْآيَةَ تَخْرُجُ عَامَّةً فِي مَذَاهِبِ جَمِيعِ النَّاسِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَا عَرَّضَ بِهِ فِي اللَّهِ مُحَالًا خَارِجًا عَنْ الْوَهْمِ عُلِمَ أَنَّ الْخِطَابَ إنَّمَا يُخَرَّجُ عَلَى مَا يُعْقَلُ وَيُتَوَهَّمُ دُونَ مَا لَا يُعْقَلُ وَلَا يُتَوَهَّمُ، فَإِذَا لَمْ يُخَرَّجْ عَلَى مَا لَا يُتَوَهَّمُ لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ عُمُومٌ وَلَا خُصُوصٌ.
ثُمَّ قَالَ بَعْدَ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ فِي دَفْعِ مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ دَاوُد مِمَّا يَسْتَحِيلُ انْدِرَاجُهُ فِي الصِّفَاتِ: قَدْ أَوْمَأْنَا إلَى جُمَلٍ وَكَرِهْنَا التَّفْسِيرَ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ بَعْدَهُ يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ فِي هَذَا، انْتَهَى.
وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ فِي " شَرْحِ الرِّسَالَةِ ": اعْتَرَضَ ابْنُ دَاوُد وَيَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] إنَّهُ عَامٌّ، وَجَهِلُوا الصَّوَابَ، وَذَهَبُوا عَنْ اللُّغَةِ، وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِبَارِ أَهْلِ بَغْدَادَ قَالَ: أَطْعَمْت أَهْلَ بَغْدَادَ جَمِيعًا لَمْ يَكُنْ دَاخِلًا فِيهِمْ، وَلَمْ تَقُلْ لَهُ: خَرَجْت أَنْتَ بِخُصُوصٍ، وَإِنَّمَا الْعُمُومُ فِي الْمُطْعَمِينَ سِوَاهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُطْعِمُ لَهُمْ. قَالَ: وَفِي الْآيَةِ دَلِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا خَالِقَ سِوَاهُ.
وَثَانِيهمَا: أَنَّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ فِيمَا سِوَاهُ. قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ لَفْظَةَ " شَيْءٍ " لَا تُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ، وَإِنْ شَمِلَتْ الْمَوْجُودَاتِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، وَسَنَدُ الْمَنْعِ كَوْنُ الْأَسْمَاءِ تَوْقِيفِيَّةً، وَلِأَنَّ لَفْظَةَ شَيْءٍ مَأْخُوذَةٌ مِنْ شَاءَ. وَالشَّاءُ مِنْ الْمُحْدَثِ الَّذِي لَيْسَ بِقَدِيمٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدِيمٌ فَلَا يَصْدُقُ فِيهِ ذَلِكَ.
الثَّانِي: خِطَابٌ خَاصُّ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى كَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨]
стр. 1534
الْآيَةُ فَهَذَا مُخْتَصٌّ بِهِ ﵇، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ التَّخْيِيرُ.
الثَّالِثُ: خِطَابٌ خَاصُّ اللَّفْظِ عَامُّ الْمَعْنَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨] الْآيَةُ الْخِطَابُ مَعَهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: ١٤٠] وَلَمْ يُنَزِّلْ فِي الْكِتَابِ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَلَا يُصَارُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِدَلِيلِ غَيْرِ الْخِطَابِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ حَزْمٍ فِي " الْإِحْكَامِ " وُجُودَ هَذَا الْقِسْمِ، وَقَالَ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ مَحْجُوبٌ بِمَا ذَكَرْنَا.
الرَّابِعُ: خِطَابٌ عَامُّ اللَّفْظِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، وَهَذَا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّاسِ الْأَوَّلُ: نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ أَوْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ ". قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَهُوَ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ وَإِذَا خَاطَبَ بِذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَدُلَّنَا عَلَى مُرَادِهِ بِهِ. وَهَلْ يَجِبُ مُقَارَنَةُ الدَّلِيلِ الْخِطَابَ، أَوْ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى إنْكَارِ هَذَا الْقِسْمِ، لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْخُصُوصِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِالْجُمْلَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]
стр. 1535
أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مُرَادٌ بِهَا أَلْفُ سَنَةٍ كَامِلَةٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً أَطْلَقُوا الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ، وَخَصَّهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ "، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَصَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ فِي " الْأَحْكَامِ " وَغَيْرُهُمْ بِالْخَبَرِ وَلَمْ يَنْقُلُوا الْخِلَافَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، بَلْ جَعَلُوهُ مَحَلَّ وِفَاقٍ، كَالنَّسْخِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَإِنَّ الْمَانِعَ هُنَا فِي الْخَبَرِ قِيَاسُ التَّخْصِيصِ عَلَى النَّسْخِ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُخَالِفَ يَمْنَعُ تَسْمِيَتَهُ عَامًّا مَخْصُوصًا، وَيَقُولُ: إنَّهُ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَنْتَهِضُ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْآيَاتِ الْمُخَصِّصَةِ، وَهُوَ قَوِيٌّ. وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُهُمْ: يُشْتَرَطُ فِي التَّخْصِيصِ وُرُودُهُ فِي الْإِنْشَاءَاتِ لَا فِي الْأَخْبَارِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ، بَلْ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ.
[فَائِدَةٌ عُمُومَاتُ الْقُرْآنِ مَخْصُوصَةٌ فِي الْأَكْثَرِ]
فَائِدَةٌ
عُمُومَاتُ الْقُرْآنِ مَخْصُوصَةٌ فِي الْأَكْثَرِ، حَتَّى قَالَ الشَّيْخُ عَلَمُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ عَامٌّ غَيْرُ مَخْصُوصٍ إلَّا أَرْبَعَةَ مَوَاضِعَ.
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَكُلُّ مَنْ سُمِّيَتْ أُمًّا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ أُمِّ أُمٍّ وَإِنْ عَلَتْ، فَهِيَ حَرَامٌ.
ثَانِيهَا: قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]
стр. 1536
ثَالِثُهَا: قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
رَابِعُهَا: ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦]
خَامِسُهَا: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وَغَلِطَ مَنْ جَعَلَ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إذْ الْقُدْرَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلَاتِ، لِأَنَّ الْمُمْكِنَ الْمَعْدُومَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ شَيْءٌ عِنْدَنَا حَقِيقَةً فَمَا بِالْمُسْتَحِيلِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ جِنِّي فِي " الْخَصَائِصِ " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، لِأَنَّ الْأَفْعَالَ الصَّادِرَةَ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لَيْسَتْ لَهُ، فَبَنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِ الْفَاسِدِ فِي الِاعْتِزَالِ.
стр. 1537
[فَصْلٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ وَالْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ]
ُ اعْلَمْ أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ مِمَّا أَثَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. فَقَدْ وَقَعَتْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] : هَلْ هُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ أَوْ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ؟
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ مَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ أَقَلَّ، وَمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ هُوَ الْأَكْثَرُ. قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُوَ الْأَكْثَرُ، وَمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ هُوَ الْأَقَلُّ. قَالَ: وَيَفْتَرِقَانِ فِي الْحُكْمِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِظَاهِرِهِ، وَهَذَا يُمْكِنُ التَّعَلُّقُ بِظَاهِرِهِ اعْتِبَارًا بِالْأَكْثَرِ.
وَفَرَّقَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي " بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَامَ الْمَخْصُوصَ مَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ أَكْثَرَ، وَمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ أَقَلَّ، وَالْعَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ مَا يَكُونُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ أَقَلَّ، وَمَا لَيْسَ بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ أَكْثَرَ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ فِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى اللَّفْظِ، وَفِيمَا أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ مُتَأَخِّرٌ عَنْ اللَّفْظِ أَوْ يَقْتَرِنُ بِهِ. وَمِمَّنْ تَعَرَّضَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ،
стр. 1538
فَقَالَ فِي " شَرْحِ الْإِمَامِ ": يَجِبُ أَنْ يَتَنَبَّهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ قَوْلِنَا: هَذَا عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَبَيْنَ قَوْلِنَا: هَذَا عَامٌّ مَخْصُوصٌ، فَإِنَّ الثَّانِيَ أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا أَرَادَ بِاللَّفْظِ أَوَّلًا مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْعُمُومِ، ثُمَّ أَخْرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْضَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ كَانَ عَامًّا مَخْصُوصًا، وَلَمْ يَكُنْ عَامًّا أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. ثُمَّ يُقَالُ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَعْضِ الَّذِي أُخْرِجَ، وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ إذَا قَصَدَ الْعُمُومَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَقْصِدَ الْخُصُوصَ بِخِلَافِ مَا إذَا نَطَقَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ مُرِيدًا بِهِ بَعْضَ مَا يَتَنَاوَلُهُ فِي هَذَا. وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ بَعْضًا مُعَيَّنًا فَهُوَ الْعَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. وَإِنْ أَرَادَ سَلْبَ الْحُكْمِ عَنْ بَعْضٍ مِنْهُ فَهُوَ الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ، مِثَالُهُ قَوْلُهُ: قَامَ النَّاسُ، فَإِذَا أَرَدْت إثْبَاتَ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ مَثَلًا لَا غَيْرُ فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، وَإِنْ أَرَدْت سَلْبَ الْقِيَامِ عَنْ زَيْدٍ فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَامَّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ إنَّمَا يَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ مَعْنَوِيٍّ يَمْنَعُ إرَادَةَ الْجَمِيعِ، فَيَتَعَيَّنُ لَهُ الْبَعْضُ. وَالْعَامُّ الْمَخْصُوصُ يَحْتَاجُ إلَى تَخْصِيصِ اللَّفْظِ غَالِبًا كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَالْغَايَةُ وَالْمُتَّصِلُ، نَحْوُ: قَامَ الْقَوْمُ، ثُمَّ يَقُولُ: مَا قَامَ زَيْدٌ.
وَفَرَّقَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّ الْعَامَّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ هُوَ أَنْ يُطْلَقَ الْعَامُّ وَيُرَادَ بِهِ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلُهُ. هُوَ مَجَازٌ قَطْعًا، لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ مَدْلُولِهِ، وَبَعْضُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ. قَالَ: وَشَرْطُ الْإِرَادَةِ فِي هَذَا أَنْ تَكُونَ مُقَارِنَةً لِأَوَّلِ اللَّفْظِ، وَلَا يَكْفِي طُرُوءُهَا فِي أَثْنَائِهِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ إلَى غَيْرِهِ، وَاسْتَعْمَلَهُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، وَلَيْسَتْ الْإِرَادَةُ فِيهِ إخْرَاجًا لِبَعْضِ الْمَدْلُولِ، بَلْ إرَادَةُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ مَوْضُوعِهِ، كَمَا يُرَاد بِاللَّفْظِ مَجَازُهُ.
стр. 1539
وَأَمَّا الْعَامُّ الْمَخْصُوصُ فَهُوَ الْعَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَعْنَاهُ مُخَرَّجًا مِنْهُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ بِالْإِرَادَةِ، إرَادَةً لِلْإِخْرَاجِ لَا إرَادَةً لِلِاسْتِعْمَالِ. فَهِيَ تُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ، فَلَا يُشْتَرَطُ مُقَارَنَتُهَا لِأَوَّلِ اللَّفْظِ، وَلَا تَأْخِيرُهَا عَنْهُ، بَلْ يَكْفِي كَوْنُهَا فِي أَثْنَائِهِ، كَالْمَشِيئَةِ فِي الطَّلَاقِ.
وَهَذَا هُوَ مَوْضُوعُ خِلَافِهِمْ فِي أَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ مَجَازٌ أَوْ حَقِيقَةٌ، وَمَنْشَأُ التَّرَدُّدِ أَنَّ إرَادَةَ إخْرَاجِ بَعْضِ الْمَدْلُولِ هَلْ تُصَيِّرُ اللَّفْظَ مُرَادًا بِهِ الْبَاقِي أَوْ لَا؟ وَهُوَ يُقَوِّي كَوْنَهُ حَقِيقَةً لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى الْمَجَازِ، وَالنِّيَّةُ فِيهِ مُؤَثِّرَةٌ فِي نَقْلِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ إلَى غَيْرِهِ. وَمِنْ هُنَا يُعْرَفُ أَنَّ عَدَّ ابْنِ الْحَاجِبِ الْبَدَلَ فِي الْمُخَصَّصَاتِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأَنَّ الْأَوْلَى فِي قَوْلِنَا: أَكَلَتْ الرَّغِيفَ ثُلُثَهُ أَنَّهُ مِنْ الْعَامِّ الْمُرَادِ بِهِ الْخُصُوصُ، لَا الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى النَّحْوِيُّ فِي كِتَابِ " الْعَرَضُ وَالْآلَةُ ": إذَا أَتَى بِصُورَةِ الْعُمُومِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ، فَهُوَ مَجَازٌ إلَّا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ إذَا صَارَ الْأَظْهَرُ الْخُصُوصَ، كَقَوْلِهِمْ: غَسَلْت ثِيَابِي، وَصَرَمْت نَخْلِي، وَجَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ، وَجَاءَتْ الْأَزْدُ. انْتَهَى.
стр. 1540
[فَصْلٌ فِيمَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ]
ُ مِنْ حَقِّ التَّخْصِيصِ أَنْ لَا يَكُونَ إلَّا فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ، فَاللَّفْظُ الَّذِي لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِمَعْنَى إخْرَاجِ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ إخْرَاجُ الْبَعْضِ مَعَ بَقَاءِ الْبَعْضِ، وَالْوَاحِدُ لَا بَعْضَ لَهُ، فَاسْتَحَالَ تَخْصِيصُهُ. وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَا يَجُوزُ تَخْصِيصٌ إلَّا فِي ذِي أَجْزَاءٍ يَصِحُّ افْتِرَاقُهَا، لِيُمْكِنَ صَرْفُهُ إلَى بَعْضٍ يَصِحُّ الْقَصْرُ عَلَيْهِ. وَاعْتَرَضَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْوَاحِدَ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ، وَهُوَ يَصِحُّ إخْرَاجُ بَعْضِ أَجْزَائِهِ، لِصِحَّةِ قَوْلِك: رَأَيْت زَيْدًا وَتُرِيدُ بَعْضَهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ إخْرَاجُ بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ، فَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ.
وَأَمَّا الَّذِي يَتَنَاوَلُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عُمُومُهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَوْ الْمَعْنَى، أَيْ الِاسْتِنْبَاطِ. فَالْأَوَّلُ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ أَمْرًا أَوْ خَبَرًا، نَحْوَ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ، ثُمَّ خُصَّ الذِّمِّيُّ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ. وَالثَّانِي عَلَى ثَلَاثَةٍ أَقْسَامٍ.
أَحَدُهَا: الْعِلَّةُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَخْصِيصِهَا عَلَى مَذَاهِبَ كَثِيرَةٍ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ الْمَنْعُ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ الْقِيَاسِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْمُسَمَّاةُ هُنَاكَ بِالنَّقْصِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ،
стр. 1541
لِأَجْلِ النُّقْصَانِ عِنْدَ الْجَفَافِ، وَوَجَدْنَا هَذِهِ الْعِلَّةَ فِي الْعَرَايَا مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَهُ فِيهَا.
الثَّانِي: مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ كَدَلَالَةِ التَّأْفِيفِ عَلَى حُرْمَةِ الضَّرْبِ، فَالتَّخْصِيصُ فِيهِ جَائِزٌ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمَلْفُوظِ، وَهُوَ التَّأْفِيفُ فِي مِثَالِنَا هَذَا. وَمَنَعَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " مِنْ جَوَازِ تَخْصِيصِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعُمُومِ وَلَا عُمُومَ إلَّا فِي الْأَلْفَاظِ.
الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَكَانَ الْمَنْعُ مِنْ أَجْلِ الْأَذَى، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إجَازَةِ الضَّرْبِ مَعَ أَنَّ فِيهِ أَذًى، لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ الْأَوَّلَ، قَالُوا: وَهَكَذَا الْقِيَاسُ لَا يَدْخُلُهُ تَخْصِيصٌ.
وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ تَنْبَنِيَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَعْلُومِ مِنْ جِهَةِ الْفَحْوَى: هَلْ هُوَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَشَرَطَ الْهِنْدِيُّ فِي الْجَوَازِ أَنْ لَا يَعُودَ نَقْصًا عَلَى الْمَلْفُوظِ كَإِبَاحَةِ ضَرْبِ الْأُمِّ إذَا فَجَرَتْ. أَمَّا إذَا عَادَ نَقَضَا عَلَى الْمَلْفُوظِ كَمَا إذَا قَالَ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] لَكِنْ أَبَاحَ لَهُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى مُطْلَقًا، فَلَا يَجُوزُ هَذَا كُلُّهُ مَعَ بَقَاءِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، أَمَّا لَوْ وَرَدَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى إخْرَاجِ الْمَلْفُوظِ وَهُوَ " التَّأْفِيفُ " مَثَلًا، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا، بَلْ نَسْخًا لَهُ، وَلِلْمَفْهُومِ أَيْضًا، لِأَنَّ رَفْعَ الْأَصْلِ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْفَرْعِ.
الثَّالِثُ: مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ كَسَائِمَةِ الْغَنَمِ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ نَفْيُ الْإِيجَابِ عَنْ
стр. 1542
مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ مِثْلِ حُكْمِ الْمَذْكُورِ لِبَعْضِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ الْمَفْهُومُ خِلَافَ مَا ثَبَتَ لِلْمَنْطُوقِ، وَيُعْمَلُ بِذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلِينَ، فَتُخَصُّ الْمَعْلُوفَةُ الْمُعَدَّةُ لِلتِّجَارَةِ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ.
وَشَرَطَ الْبَيْضَاوِيُّ وَصَاحِبُ " الْحَاصِلِ " لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَصَّصُ رَاجِحًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْإِمَامُ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُخَصَّصِ الرُّجْحَانُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ تَخْصِيصِهِ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَحَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ مَنَعَ تَخْصِيصَ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ اللَّفْظَ، وَاخْتَارَ تَخْصِيصَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كِتَابِ " التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي الْمَنْعُ فِيهِمَا مُطْلَقًا. نَعَمْ هَذَا اخْتِيَارُ سُلَيْمٍ الرَّازِيَّ فِي كِتَابِ " التَّقْرِيبِ "، فَإِنَّهُ مَنَعَ دُخُولَ التَّخْصِيصِ لِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللَّفْظِ، إنْ تَنَاوَلَ وَاحِدًا لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ، وَإِنْ تَنَاوَلَ أَشْيَاءَ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.
قَالَ " شَارِحُ اللُّمَعِ " تَخْصِيصُ دَلِيلِ الْخِطَابِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ يَنْبَنِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيهِ: هَلْ هُوَ كَالنُّطْقِ أَوْ كَالْقِيَاسِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: كَالْقِيَاسِ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: كَالنُّطْقِ فَفِي تَخْصِيصِهِ وَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الْمَعْنَى فِي فَحْوَى الْخِطَابِ. قَالَ: فَأَمَّا إذَا اسْتَقَرَّ كَانَ مَا يَرِدُ مُنَاقِضًا لَهُ مِنْ بَابِ النَّسْخِ.
стр. 1543
[مَسْأَلَةٌ الْعُمُومُ الْمُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَنَحْوِهَا هَلْ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ]
مَسْأَلَةٌ
الْعُمُومُ الْمُؤَكَّدُ (بِكُلٍّ) وَنَحْوِهَا هَلْ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَازِرِيُّ، وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ التَّأْكِيدَ يَنْفِي التَّجَوُّزَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضَ. وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فِي قِرَاءَةِ النَّصْبِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لِلْعُمُومِ لَمَا قَالَ: (هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) . وَهَذَا يَدْخُلُ فِي الْمَجَازِ لَا فِي التَّخْصِيصِ. وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، بِدَلِيلِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «فَأَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إلَّا أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ» ، فَدَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مَعَ تَأْكِيدِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] إنْ جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا، فَإِنْ قِيلَ: التَّأْكِيدُ هُنَا مُقَدَّرٌ حُصُولُهُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ فَالْمُؤَكَّدُ هُنَا إنَّمَا هُوَ غَيْرُ الْمُخْرَجِ. قُلْنَا: كَيْفَ يَفْعَلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ [طه: ٥٦] ، وَالِاسْتِغْرَاقُ فِيهِ مُتَعَذِّرٌ، لِأَنَّ آيَاتِ اللَّهِ لَا تَتَنَاهَى؟ قَالَ الْإِمَامُ فِي " الْبُرْهَانِ ": وَمِمَّا زَلَّ فِيهِ النَّاقِلُونَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَمُتَّبِعِيهِ أَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ مَعَ الْقَرَائِنِ تَبْقَى مُتَرَدِّدَةً، وَهَذَا إنْ صَحَّ يُحْمَلُ عَلَى مَوَانِعِ الْعُمُومِ، كَالصِّيَغِ الْمُؤَكَّدَةِ. انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَرْفَعُ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ أَيْضًا، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ الْمُؤَكِّدُ، وَمَثَّلَهُ بِالْآيَةِ
стр. 1544
﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ﴾ [الحجر: ٣٠] قَالَ: وَالتَّأْكِيدُ لَا يُزِيلُ احْتِمَالَ اللَّفْظِ، وَإِلَّا لَمْ يَدْخُلْهُ اسْتِثْنَاءٌ، وَبِالْجَوَازِ أَيْضًا صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ مِنْ كِتَابِهِمَا.
ثُمَّ قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْمُؤَكَّدِ، وَهَذَا غَلَطٌ لِوُجُودِ الِاحْتِمَالِ بَعْدَ التَّأْكِيدِ كَوُجُودِهِ مِنْ قَبْلُ. اهـ.
وَهَذَا نَظِيرُ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَيْضًا فِي جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالْأَبَدِيَّةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْهِنْدِيِّ فِي بَابِ النَّسْخِ أَنَّهُ إجْمَاعٌ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ. تَنْبِيهٌ
إذَا عُطِفَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ، وَقُلْنَا: إنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعُمُومِ، وَكَأَنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِالْخُصُوصِ، وَمَرَّةً بِالْعُمُومِ - يَجِيءُ فِي تَخْصِيصِهِ هَذَا الْخِلَافُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الْغَايَةِ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا التَّخْصِيصُ]
اُخْتُلِفَ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ بَقَائِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَنَقَلَهُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَصَحَّحَهُ الرَّازِيَّ. وَقَالَ فِي الْآمِدِيَّ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَإِلَيْهِ مَال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ.
стр. 1545
قُلْت: وَعِبَارَةُ أَبِي الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": الْأَوْلَى الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ، وَإِيجَابُ أَنْ يُرَادَ بِهَا كَثْرَةٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَهَا، إلَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْوَاحِدِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وَالْإِبَانَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْكَثِيرِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا. انْتَهَى.
وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: مَا نَسَبَهُ الْآمِدِيُّ إلَى الْجُمْهُورِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، نَعَمْ اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيَّ. وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْكَثِيرُ. فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ الْعَامِّ قَبْلَ التَّخْصِيصِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْصُورٍ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": لَمْ يَحُدُّوا الْكَثْرَةَ هُنَا، بَلْ قَالُوا: تُعْرَفُ بِالْقَرَائِنِ، وَأَغْرَبَ بَعْضُهُمْ، فَادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ هُنَا الْكَثِيرَ عَدَدًا؛ بَلْ الْكَثِيرَ وُقُوعًا، وَالْغَالِبَ وُجُودًا بِحَيْثُ يَقْرُبُ أَنَّهُ مِمَّا خَطَرَ بِالْبَالِ عِنْدَ ذِكْرِ اعْتِبَارِ لَفْظِ الْعَامِّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مُعْظَمَ الْأَمْرِ إمَّا فِي الْكَثِيرِ وَإِمَّا فِي الِاعْتِبَارِ، أَمَّا فِي الْكَثْرَةِ فَكَمَا إذَا قُلْت: كُلُّ إنْسَانٍ مُصَابٌ، وَكُلُّ مُحْسِنٍ مَشْكُورٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي النَّاسِ مَنْ لَمْ يُصَبْ بِمُصِيبَةٍ إلَّا أَنَّهُ يُحَدِّثُ قَائِلَ ذَلِكَ، وَيَحْسُنُ أَنْ لَا يُقْدَحَ فِي كَلَامِهِ. وَأَمَّا فِي الِاعْتِبَارِ فَكَمَا إذَا قُلْت: خَرَجَ النَّاسُ كُلُّهُمْ لِلِقَاءِ الْمَلِكِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مَنْ لَهُ اعْتِبَارٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ لَمْ يَخْرُجُوا.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَامَّ إنْ كَانَ ظَاهِرًا مُفْرَدًا " كَمَنْ " وَ " الْأَلِفُ وَاللَّامُ " نَحْوُ: اُقْتُلْ مَنْ فِي الدَّار، وَاقْفَعْ السَّارِقَ، جَازَ التَّخْصِيصُ إلَى أَهْلِ الْمَرَاتِبِ: وَهُوَ وَاحِدٌ، لِأَنَّ الِاسْمَ يَصْلُحُ لَهُمَا جَمِيعًا. وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَالْمُسْلِمِينَ. جَازَ إلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ إمَّا ثَلَاثَةٌ أَوْ اثْنَانِ عَلَى الْخِلَافِ.
следующие страницы →