← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

لِأَجْلِ النُّقْصَانِ عِنْدَ الْجَفَافِ، وَوَجَدْنَا هَذِهِ الْعِلَّةَ فِي الْعَرَايَا مَعَ أَنَّ الشَّارِعَ جَوَّزَهُ فِيهَا. الثَّانِي: مَفْهُومُ الْمُوَافَقَةِ كَدَلَالَةِ التَّأْفِيفِ عَلَى حُرْمَةِ الضَّرْبِ، فَالتَّخْصِيصُ فِيهِ جَائِزٌ بِشَرْطِ بَقَاءِ الْمَلْفُوظِ، وَهُوَ التَّأْفِيفُ فِي مِثَالِنَا هَذَا. وَمَنَعَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " مِنْ جَوَازِ تَخْصِيصِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعُمُومِ وَلَا عُمُومَ إلَّا فِي الْأَلْفَاظِ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَكَانَ الْمَنْعُ مِنْ أَجْلِ الْأَذَى، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إجَازَةِ الضَّرْبِ مَعَ أَنَّ فِيهِ أَذًى، لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ الْأَوَّلَ، قَالُوا: وَهَكَذَا الْقِيَاسُ لَا يَدْخُلُهُ تَخْصِيصٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْعِلَّتَيْنِ تَنْبَنِيَانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَعْلُومِ مِنْ جِهَةِ الْفَحْوَى: هَلْ هُوَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ، وَشَرَطَ الْهِنْدِيُّ فِي الْجَوَازِ أَنْ لَا يَعُودَ نَقْصًا عَلَى الْمَلْفُوظِ كَإِبَاحَةِ ضَرْبِ الْأُمِّ إذَا فَجَرَتْ. أَمَّا إذَا عَادَ نَقَضَا عَلَى الْمَلْفُوظِ كَمَا إذَا قَالَ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] لَكِنْ أَبَاحَ لَهُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى مُطْلَقًا، فَلَا يَجُوزُ هَذَا كُلُّهُ مَعَ بَقَاءِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، أَمَّا لَوْ وَرَدَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى إخْرَاجِ الْمَلْفُوظِ وَهُوَ " التَّأْفِيفُ " مَثَلًا، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ تَخْصِيصًا، بَلْ نَسْخًا لَهُ، وَلِلْمَفْهُومِ أَيْضًا، لِأَنَّ رَفْعَ الْأَصْلِ يَسْتَلْزِمُ رَفْعَ الْفَرْعِ. الثَّالِثُ: مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ كَسَائِمَةِ الْغَنَمِ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ نَفْيُ الْإِيجَابِ عَنْ

стр. 1542

مَعْلُوفَةِ الْغَنَمِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ مِثْلِ حُكْمِ الْمَذْكُورِ لِبَعْضِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ، الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ الْمَفْهُومُ خِلَافَ مَا ثَبَتَ لِلْمَنْطُوقِ، وَيُعْمَلُ بِذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلِينَ، فَتُخَصُّ الْمَعْلُوفَةُ الْمُعَدَّةُ لِلتِّجَارَةِ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ. وَشَرَطَ الْبَيْضَاوِيُّ وَصَاحِبُ " الْحَاصِلِ " لِلْجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُخَصَّصُ رَاجِحًا، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْإِمَامُ، وَالظَّاهِرُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، إذْ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُخَصَّصِ الرُّجْحَانُ. وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْ تَخْصِيصِهِ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ احْتِمَالٌ لِلشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَحَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ مَنَعَ تَخْصِيصَ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، لِأَنَّهُ يُوجِبُ اللَّفْظَ، وَاخْتَارَ تَخْصِيصَ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُهُ، وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كِتَابِ " التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي الْمَنْعُ فِيهِمَا مُطْلَقًا. نَعَمْ هَذَا اخْتِيَارُ سُلَيْمٍ الرَّازِيَّ فِي كِتَابِ " التَّقْرِيبِ "، فَإِنَّهُ مَنَعَ دُخُولَ التَّخْصِيصِ لِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمُخَالَفَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ اللَّفْظِ، إنْ تَنَاوَلَ وَاحِدًا لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ، وَإِنْ تَنَاوَلَ أَشْيَاءَ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ. قَالَ " شَارِحُ اللُّمَعِ " تَخْصِيصُ دَلِيلِ الْخِطَابِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ يَنْبَنِي عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيهِ: هَلْ هُوَ كَالنُّطْقِ أَوْ كَالْقِيَاسِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: كَالْقِيَاسِ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: كَالنُّطْقِ فَفِي تَخْصِيصِهِ وَجْهَانِ، ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، مَبْنِيَّانِ عَلَى الْمَعْنَى فِي فَحْوَى الْخِطَابِ. قَالَ: فَأَمَّا إذَا اسْتَقَرَّ كَانَ مَا يَرِدُ مُنَاقِضًا لَهُ مِنْ بَابِ النَّسْخِ.

стр. 1543

[مَسْأَلَةٌ الْعُمُومُ الْمُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَنَحْوِهَا هَلْ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ] مَسْأَلَةٌ الْعُمُومُ الْمُؤَكَّدُ (بِكُلٍّ) وَنَحْوِهَا هَلْ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ. أَحَدُهُمَا: لَا، وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَجَزَمَ بِهِ الْمَازِرِيُّ، وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ التَّأْكِيدَ يَنْفِي التَّجَوُّزَ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضَ. وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] فِي قِرَاءَةِ النَّصْبِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لِلْعُمُومِ لَمَا قَالَ: (هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ) . وَهَذَا يَدْخُلُ فِي الْمَجَازِ لَا فِي التَّخْصِيصِ. وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، بِدَلِيلِ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «فَأَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إلَّا أَبَا قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ» ، فَدَخَلَهُ التَّخْصِيصُ مَعَ تَأْكِيدِهِ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] إنْ جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا، فَإِنْ قِيلَ: التَّأْكِيدُ هُنَا مُقَدَّرٌ حُصُولُهُ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ فَالْمُؤَكَّدُ هُنَا إنَّمَا هُوَ غَيْرُ الْمُخْرَجِ. قُلْنَا: كَيْفَ يَفْعَلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ [طه: ٥٦] ، وَالِاسْتِغْرَاقُ فِيهِ مُتَعَذِّرٌ، لِأَنَّ آيَاتِ اللَّهِ لَا تَتَنَاهَى؟ قَالَ الْإِمَامُ فِي " الْبُرْهَانِ ": وَمِمَّا زَلَّ فِيهِ النَّاقِلُونَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَمُتَّبِعِيهِ أَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ مَعَ الْقَرَائِنِ تَبْقَى مُتَرَدِّدَةً، وَهَذَا إنْ صَحَّ يُحْمَلُ عَلَى مَوَانِعِ الْعُمُومِ، كَالصِّيَغِ الْمُؤَكَّدَةِ. انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ لَا يَرْفَعُ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ أَيْضًا، فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ الْمُؤَكِّدُ، وَمَثَّلَهُ بِالْآيَةِ

стр. 1544

﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ﴾ [الحجر: ٣٠] قَالَ: وَالتَّأْكِيدُ لَا يُزِيلُ احْتِمَالَ اللَّفْظِ، وَإِلَّا لَمْ يَدْخُلْهُ اسْتِثْنَاءٌ، وَبِالْجَوَازِ أَيْضًا صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي بَابِ الْقَضَاءِ مِنْ كِتَابِهِمَا. ثُمَّ قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ الْمُؤَكَّدِ، وَهَذَا غَلَطٌ لِوُجُودِ الِاحْتِمَالِ بَعْدَ التَّأْكِيدِ كَوُجُودِهِ مِنْ قَبْلُ. اهـ. وَهَذَا نَظِيرُ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَيْضًا فِي جَوَازِ نَسْخِ الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالْأَبَدِيَّةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْهِنْدِيِّ فِي بَابِ النَّسْخِ أَنَّهُ إجْمَاعٌ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ. تَنْبِيهٌ إذَا عُطِفَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ، وَقُلْنَا: إنَّهُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعُمُومِ، وَكَأَنَّهُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِالْخُصُوصِ، وَمَرَّةً بِالْعُمُومِ - يَجِيءُ فِي تَخْصِيصِهِ هَذَا الْخِلَافُ. [مَسْأَلَةٌ فِي الْغَايَةِ الَّتِي يَنْتَهِي إلَيْهَا التَّخْصِيصُ] اُخْتُلِفَ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ بَقَائِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ عَلَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَنَقَلَهُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَصَحَّحَهُ الرَّازِيَّ. وَقَالَ فِي الْآمِدِيَّ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَإِلَيْهِ مَال إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ.

стр. 1545

قُلْت: وَعِبَارَةُ أَبِي الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": الْأَوْلَى الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ، وَإِيجَابُ أَنْ يُرَادَ بِهَا كَثْرَةٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَهَا، إلَّا أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْوَاحِدِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وَالْإِبَانَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْكَثِيرِ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا. انْتَهَى. وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: مَا نَسَبَهُ الْآمِدِيُّ إلَى الْجُمْهُورِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، نَعَمْ اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيَّ. وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْكَثِيرُ. فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ: لَا بُدَّ أَنْ يُعْرَفَ مِنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ الْعَامِّ قَبْلَ التَّخْصِيصِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْصُورٍ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": لَمْ يَحُدُّوا الْكَثْرَةَ هُنَا، بَلْ قَالُوا: تُعْرَفُ بِالْقَرَائِنِ، وَأَغْرَبَ بَعْضُهُمْ، فَادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْكَثِيرِ هُنَا الْكَثِيرَ عَدَدًا؛ بَلْ الْكَثِيرَ وُقُوعًا، وَالْغَالِبَ وُجُودًا بِحَيْثُ يَقْرُبُ أَنَّهُ مِمَّا خَطَرَ بِالْبَالِ عِنْدَ ذِكْرِ اعْتِبَارِ لَفْظِ الْعَامِّ. وَقَالَ آخَرُونَ: شَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي مُعْظَمَ الْأَمْرِ إمَّا فِي الْكَثِيرِ وَإِمَّا فِي الِاعْتِبَارِ، أَمَّا فِي الْكَثْرَةِ فَكَمَا إذَا قُلْت: كُلُّ إنْسَانٍ مُصَابٌ، وَكُلُّ مُحْسِنٍ مَشْكُورٌ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فِي النَّاسِ مَنْ لَمْ يُصَبْ بِمُصِيبَةٍ إلَّا أَنَّهُ يُحَدِّثُ قَائِلَ ذَلِكَ، وَيَحْسُنُ أَنْ لَا يُقْدَحَ فِي كَلَامِهِ. وَأَمَّا فِي الِاعْتِبَارِ فَكَمَا إذَا قُلْت: خَرَجَ النَّاسُ كُلُّهُمْ لِلِقَاءِ الْمَلِكِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ مَنْ لَهُ اعْتِبَارٌ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ لَمْ يَخْرُجُوا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَامَّ إنْ كَانَ ظَاهِرًا مُفْرَدًا " كَمَنْ " وَ " الْأَلِفُ وَاللَّامُ " نَحْوُ: اُقْتُلْ مَنْ فِي الدَّار، وَاقْفَعْ السَّارِقَ، جَازَ التَّخْصِيصُ إلَى أَهْلِ الْمَرَاتِبِ: وَهُوَ وَاحِدٌ، لِأَنَّ الِاسْمَ يَصْلُحُ لَهُمَا جَمِيعًا. وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَالْمُسْلِمِينَ. جَازَ إلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ إمَّا ثَلَاثَةٌ أَوْ اثْنَانِ عَلَى الْخِلَافِ.

стр. 1546

قَالَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ كَذَا رَأَيْته فِي كِتَابِهِ فِي نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ وَاعْتَمَدَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ " أَيْضًا فَاضْبِطْ ذَلِكَ فَقَدْ زَالَ النَّاقِلُونَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَنَقَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْهُ جَوَازَ الرَّدِّ إلَى الْوَاحِدِ مُطْلَقًا وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ " وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " عَنْهُ جَوَازَ الرَّدِّ إلَى ثَلَاثَةٍ وَلَا يَجُوزُ إلَى مَا دُونَهَا إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ " مَنْ، وَمَا " مَحَلُّ وِفَاقٍ فَإِنَّهُ قَالَ لَنَا إنَّ كُلَّ مَا جَازَ تَخْصِيصُهُ إلَى ثَلَاثَةٍ جَازَ تَخْصِيصُهُ إلَى مَا دُونَهَا " كَمَنْ وَمَا " انْتَهَى وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فَقَالَ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّخْصِيصِ إلَى وَاحِدٍ فِيمَا إذَا لَمْ تَكُنْ الصِّيغَةُ جَمْعًا " كَمَنْ، وَمَا، وَالْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ ". وَحَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْهُ أَنَّهُ أَلْحَقَ أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ كَالسَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، بِالْجَمْعِ الْمَعْرُوفِ فِي امْتِنَاعِ رَدِّهِ إلَى الْوَاحِدِ كَذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ أَنَّ أَلْفَاظَ الْجُمُوعِ مَوْضُوعَةٌ لِلْجَمِيعِ فَفِي التَّخْصِيصِ إلَى الْوَاحِدِ إخْرَاجٌ عَنْ الْمَوْضِعِ وَلَا كَذَلِكَ " مَنْ وَمَا " وَالْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لِتَنَاوُلِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ وَيَنْبَغِي أَنْ يَلْحَقَ " أَيْ " " بِمَنْ، وَمَا " قُلْت وَهُوَ كَذَلِكَ، لِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَبِهِ صَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا أَظُنُّ الْقَفَّالَ يَقُولُ بِهِ فِي كُلِّ تَخْصِيصٍ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ فِي صِحَّةِ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ إلَى الْوَاحِدِ بَلْ الظَّاهِرُ قَصْرُ قَوْلِهِ عَلَى مَا عَدَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْمُخَصَّصَاتِ بِدَلِيلِ احْتِجَاجِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُمَّ الْخِلَافُ إلَّا لِأَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافٌ مِنْ الْمَنْقُولِ عَنْهُ ثُمَّ قُلْت وَحَكَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ

стр. 1547

ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى إلَّا أَنْ يَبْقَى أَقَلُّ الْجَمْعِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ إذَا بَقِيَ مِنْهُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى جَوَازِهِ وَأَنَّهُ يَحِلُّ التَّخْصِيصُ مَحَلَّ الِاسْتِثْنَاءِ، وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَكْثَرِ وَعَكْسِهِ انْتَهَى. قَالَ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ ": وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَفَّالُ عَجِيبٌ، لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْبُلُوغُ فِي لَفْظِ " مَنْ " إلَى الْوَاحِدِ أَوْ الِاثْنَيْنِ يَجْعَلُهُ مَجَازًا عِنْدَهُ، فَهَلَّا جَازَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي أَلْفَاظِ الْجَمْعِ، وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالْبَدَلِ فَيَجُوزُ إلَى الْوَاحِدِ، وَإِلَّا فَلَا. حَكَاهُ ابْنُ الْمُطَهَّرِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ رَدُّهُ إلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ مُطْلَقًا عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ. حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ مَا بَقِيَ فِي قَضِيَّةِ اللَّفْظِ وَاحِدٌ، وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " عَنْ مُعْظَمِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " عَنْ سَائِرِ أَصْحَابِنَا مَا عَدَا الْقَفَّالَ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي أُصُولِهِ عَنْ إجْمَاعِ أَئِمَّتِنَا. وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ " عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَنَسَبَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ " إلَى الْجُمْهُورِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. قَالَ: إلَّا أَنَّ أَلْفَاظَ الْجَمْعِ كَالرِّجَالِ وَالنَّاسِ، مَتَى بَلَغَ التَّخْصِيصُ مِنْهَا إلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ صَارَ اللَّفْظُ مَجَازًا، بِخِلَافِ لَفْظِ " مَنْ، مَا " فَإِنَّهُ لَا يَصِيرُ مَجَازًا، وَمَا أَظُنُّ أَصْحَابَنَا يُوَافِقُونَ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَقَدْ قَالُوا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: لَوْ قَالَ نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ وَفُلَانَةَ يُقْبَلُ

стр. 1548

وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ: يَجِبُ أَنْ لَا يُقْبَلَ لِأَنَّ النِّسَاءَ لَفْظُ الْجَمْعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى مِنْ عَدَدِ النِّسَاءِ مَا يَكُونُ اللَّفْظُ مُطَابِقًا لَهُ لِأَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ. انْتَهَى. وَكَلَامُ الْقَاضِي مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ الْقَفَّالِ وَالسَّادِسُ: الَّذِي اخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ ": وَلَا نَعْرِفُهُ لِغَيْرِهِ، أَنَّ التَّخْصِيصَ إنْ كَانَ مُتَّصِلًا، فَإِنْ كَانَ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ الْبَدَلِ جَازَ إلَى الْوَاحِدِ، نَحْوُ أَكْرِمْ النَّاسَ إلَّا الْجُهَّالَ، وَأَكْرَمُ النَّاسِ تَمِيمٌ، فَيَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَالِمُ إلَّا وَاحِدًا إنْ كَانَ بِالصِّفَةِ وَالشَّرْطِ فَيَجُوزُ إلَى اثْنَيْنِ نَحْوُ أَكْرَمُ الْقَوْمِ الْفُضَلَاءُ، أَوْ إذَا كَانُوا فُضَلَاءَ. وَإِنْ كَانَ التَّخْصِيصُ بِمُنْفَصِلٍ وَكَانَ فِي الْعَامِّ الْمَحْصُورِ الْقَلِيلِ، كَقَوْلِك: قَتَلْت كُلَّ زِنْدِيقٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً، وَلَمْ يَبْقَ سِوَى اثْنَيْنِ جَازَ إلَى اثْنَيْنِ. إنْ كَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ أَوْ مَحْصُورًا جَازَ بِشَرْطِ كَوْنِ الْبَاقِي قَرِيبًا مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ وَحَاصِلُ مَذْهَبِنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " أَنَّ الْعَامَّ إنْ كَانَ وَاحِدًا مُعَرَّفًا بِاللَّامِ، كَالسَّارِقِ وَنَحْوِهِ جَازَ تَخْصِيصُهُ إلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَلِكَ الْأَلْفَاظُ الْمُبْهَمَةُ " كَمَنْ، وَمَا " لَا خِلَافَ فِيهِ، وَفِي مَعْنَاهُ الطَّائِفَةُ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَمْعًا كَالْمُسْلِمِينَ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالرَّهْطِ وَالْقَوْمِ جَازَ تَخْصِيصُهُ إلَى أَنْ يَبْقَى أَقَلَّ الْجَمْعِ، وَفِي جَوَازِ تَخْصِيصِهِ إلَى أَنْ يَبْقَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْمُعْتَزِلَةِ كَمَا قَالَهُ سُلَيْمٌ. الثَّانِي: لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ الْقَفَّالِ انْتَهَى وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ التَّخْصِيصُ إلَى أَقَلَّ

стр. 1549

مِنْ ثَلَاثَةٍ. وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِلثَّلَاثَةِ فِي اللُّغَةِ حَقِيقَةً، إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ بِهِ إلَى الْمَجَازِ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] وَقَالَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ أَصْلٍ، وَهُوَ الْقَوْلُ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ، قُلْت: وَعَلَى مَا اخْتَارَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ الْجَوَازِ إلَى الْوَاحِدِ لَا يَبْقَى لِلْبِنَاءِ عَلَى ذَلِكَ وَجْهٌ. وَقَدْ سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ: " أَقَلِّ الْجَمْعِ " كَلَامٌ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا. [مَسْأَلَةٌ الْعَامُ إذَا خُصَّ هَلْ يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْبَاقِي] مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِّ إذَا خُصَّ هَلْ يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْبَاقِي عَلَى مَذَاهِبَ أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَجَازٌ مُطْلَقًا عَلَى أَيِّ وَجْهٍ خُصَّ، سَوَاءٌ كَانَ التَّخْصِيصُ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا أَوْ غَيْرَهُ. وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ عَنْ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا وَالْمُعْتَزِلَةُ. كَأَبِي عَلِيٍّ وَابْنِهِ وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ ": وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ، وَنَسَبَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ

стр. 1550

إلَى الْمُحَقِّقِينَ وَنَقَلَهُ فِي " الْمَنْخُولِ " عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْأُصُولِ، وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَسْرِهَا وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ مِنْهُمْ عِيسَى بْنُ أَبَانَ وَغَيْرُهُ قُلْت وَبِهِ جَزَمَ الدَّبُوسِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ وَالْبَزْدَوِيُّ وَحَكَوْهُ عَنْ اخْتِيَارِ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الْأَشْعَرِيِّ أَيْضًا، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ وَضْعٌ لِلْمَجْمُوعِ، فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ بِالْقَرِينَةِ صَارَ مَجَازًا، وَلِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِغْرَاقِ، فَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ لَزِمَ الِاشْتِرَاكُ وَالْمَجَازُ خَيْرٌ مِنْهُ وَالثَّانِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيمَا بَقِيَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ خُصَّ. بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ كَالِاسْتِثْنَاءِ. أَوْ مُنْفَصِلٍ كَدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالْقِيَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: وَهَذَا. مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. انْتَهَى وَقَدْ وَافَقَ أَبَا حَامِدٍ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ أَصْحَابِنَا كَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ، وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي " اللُّمَعِ "، وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ " الْعُدَّةِ "، وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " فَجَزَمُوا عَلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَحَكَوْا الْخِلَافَ فِيهِ بِالْمَجَازِ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ " عَنْ أَكْثَرِ عُلَمَائِنَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ: هُوَ مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْفُقَهَاءِ وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ " عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ ": هُوَ قَوْلُ الْكُلِّ وَالْأَكْثَرُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، إذَا كَانَ الْبَاقِي أَقَلَّ الْجَمْعِ فَصَاعِدًا وَقَالَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ

стр. 1551

وَالثَّالِثُ: إنَّهُ إنْ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ لَفْظِيٍّ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَحَقِيقَةٌ، أَوْ بِمُنْفَصِلٍ فَمَجَازٌ. وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَسُلَيْمٌ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ، زَادَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْقَاضِي، وَنَقَلَهُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي " اللُّمَعِ " أَيْضًا قُلْت: هُوَ الَّذِي صَرَّحَ فِي " التَّقْرِيبِ " فَقَالَ مَا نَصُّهُ: وَلَوْ قَرَّرَنَا الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ، فَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ أَنْ نَقُولَ: إذَا قُدِّرَ التَّخْصِيصُ بِاسْتِثْنَاءٍ مُتَّصِلٍ فَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِي بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَإِنْ قُدِّرَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ فَاللَّفْظُ مَجَازٌ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَقَالَ: كُنَّا قَدْ نَصَرْنَا الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ مُطْلَقًا انْتَهَى قَالَ الْمُقْتَرِحُ: ذَهَبَ الْقَاضِي فِي أَحَدِ مُصَنَّفَاتِهِ إلَى أَنَّهُ مَجَازٌ مُطْلَقًا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ الْمُقَارَنِ وَالْمُنْفَصِلِ، فَقَالَ: إنَّ التَّخْصِيصَ الْمُقَارَنَ لَا يُصَيِّرُ اللَّفْظَ مَجَازًا، بَلْ هُوَ بَاقٍ حَقِيقَةً، وَنَرَى أَنَّهُ كَلَامٌ وَاحِدٌ، وَالتَّخْصِيصُ الْمُتَأَخِّرُ نَقُولُ فِيهِ: إنَّهُ يَبْقَى مَجَازًا فِي الْبَقِيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَاضِيَ مَا أَرَادَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ إلَّا فِي الِاقْتِصَارِ، وَفِيمَا عَدَا الْمُبْقَى، أَمَّا فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ وَضْعًا فَهُوَ حَقِيقَةٌ، وَالْقَاضِي إنَّمَا قَالَ: هَذَا تَفْرِيعًا عَلَى رَأْيِ الْمُعَمِّمِينَ، لِأَنَّ مَذْهَبَهُ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ الْوَقْفُ. وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ. وَالْخَامِسُ: إنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ لَفْظِيٍّ لَمْ يَصِرْ مَجَازًا، مُتَّصِلًا كَانَ الدَّلِيلُ أَوْ مُنْفَصِلًا، وَإِنْ خُصَّ بِدَلِيلٍ غَيْرِ لَفْظِيٍّ كَانَ مَجَازًا، كَذَا حَكَاهُ الْآمِدِيُّ. وَالسَّادِسُ: إنْ خُصَّ بِالشَّرْطِ وَالتَّقَيُّدِ بِالصِّفَةِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَجَازُ مَعْنًى فِي الِاسْتِثْنَاءِ، حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ.

стр. 1552

وَالسَّابِعُ: إنْ كَانَ الْمُخَصَّصُ مُسْتَقِلًّا فَهُوَ مَجَازٌ سَوَاءٌ كَانَ عَقْلِيًّا أَوْ لَفْظِيًّا، كَقَوْلِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْعَامِّ: أَرَدْت بِهِ الْبَعْضَ الْمُعَيَّنَ. إنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا فَهُوَ حَقِيقَةٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ. قَالَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَلَمْ يَذْكُرُوا التَّقْيِيدَ بِالْغَايَةِ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَحُكْمُهُ حُكْمُ أَخَوَاتِهِ مِنْ الْمُتَّصِلَاتِ ظَاهِرًا إذْ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا وَالثَّامِنُ أَنَّهُ مَجَازٌ فِيمَا أُخْرِجَ عَنْهُ فَأَمَّا اسْتِعْمَالُهُ فِي بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ فَحَقِيقَةٌ، لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَخْرَجْنَا مِنْ الْوُجُوبِ: الْمَجَانِينَ، وَالْحُيَّضَ وَأَصْحَابَ الْأَعْذَارِ فَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْبَقِيَّةِ حَقِيقَةٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَذَكَرَ الْمُقْتَرِحُ فِي " تَعْلِيقِهِ عَلَى الْبُرْهَانِ " أَنَّهُ مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي قُلْت: وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ قَدْ أَوْرَدَ الْقَاضِي سُؤَالًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: إنْ قَالَ قَائِلٌ إذَا خُصَّ بَعْضُ الْمُسَمَّيَاتِ، فَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ. فِي الْبَاقِي لَيْسَ بِمَجَازٍ، بَلْ التَّجَوُّزُ فِي نَفْيِ الشُّمُولِ فَلَا مَجَازَ إذَنْ فِي بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا سَاقِطٌ، لِأَنَّ مَعْنَى الْمَجَازِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لُغَةً فَتَرْكُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْمُخَصَّصِ عَنْ الْمُسَمَّيَاتِ لَا يُحَقِّقُ التَّجَوُّزَ فِيهِ، فَإِنَّهُ عِنْدَ مَنْ اسْتَعْمَلَ اللَّفْظَ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي اسْتِعْمَالٍ مَجَازًا إلَّا فِيمَا تُرِكَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَلَفْظُ الْحِمَارِ إذَا أُطْلِقَ عَلَى الْبَلِيدِ لَمْ يَكُنْ مَجَازًا لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَإِنْ كَانَ مَجَازًا لِاسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ وَكَذَا مَا نَحْنُ فِيهِ. وَإِذَا بَطَلَ طَرَفُ وَجْهِ التَّجَوُّزِ إلَى الْعَدَمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِي بَقِيَّةِ الْأَسْمَاءِ. ثُمَّ أَوْضَحَ الْقَاضِي هَذَا فَقَالَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ إلَّا وَاحِدٌ، فَلَفْظُ الْجَمْعِ مَجَازٌ فِيهِ وِفَاقًا، وَلَمْ يُقَدِّرْ خِلَافًا وَإِنْ كَانَ يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ مَعَ غَيْرِهِ

стр. 1553

إنْ قَدَّرَ عَامًّا، فَصَرْفُ الْجَمْعِ إلَى الْوَاحِدِ كَصَرْفِ الْجَمْعِ إلَى غَيْرِ الشُّمُولِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي حَقٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَكَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ حَقٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَذَلِكَ أَنَّ انْطِلَاقَ لَفْظِ " الْمُسْلِمِينَ " عَلَى جَمِيعِهِمْ حَقِيقَةٌ فِي وَضْعِ اللَّفْظِ، فَإِذَا أُخْرِجَ الْحُيَّضُ وَالْمَجَانِينُ تَنَاوَلَ لَفْظُ الْمُسْلِمِينَ الْبَقِيَّةَ بَعْدَ هَذَا الْإِخْرَاجِ وَالتَّخْصِيصِ، كَتَنَاوُلِهِ لَهُمْ قَبْلَ التَّخْصِيصِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ شَيْءٌ، فَمِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُهُمْ، فَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِيهِمْ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَجْرِ عَلَى التَّعْمِيمِ، وَإِنَّمَا وُضِعَ التَّعْمِيمُ لِلَّفْظِ مَجَازًا. وَلَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً مِنْ وَجْهٍ وَمَجَازًا مِنْ وَجْهٍ، وَإِنَّمَا الْمُحَالُ كَوْنُهُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ فَتَأَمَّلْهُ. انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّ كَوْنَهُ مَجَازًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ بَعْضَ مُقْتَضَاهُ لَا يُنَافِي أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْبَاقِي بِجِهَةِ الْحَقِيقَةِ، وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: إنَّهُ أَجْوَدُ الْمَذَاهِبِ بَعْدَ الْأَوَّلِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمَنْخُولِ ". وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَيْسَ لِلَّفْظِ بِقَضِيَّةِ الْوَضْعِ جِهَتَانِ، وَقَالَ فِي " الْمُسْتَصْفَى ": هَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُ لَوْ رُدَّ إلَى الْوَاحِدِ كَانَ مَجَازًا مُطْلَقًا. لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي الدَّلَالَةِ. وَالتَّاسِعُ: إنْ بَقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ جَمْعٌ فَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَجَازٌ، وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ وَاخْتَارَهُ الْبَاجِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَجَعَلَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ الْبَاقِي أَقَلَّ الْجَمْعِ، فَأَمَّا إذَا بَقِيَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ كَمَا لَوْ قَالَ: لَا تُكَلِّمْ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْت زَيْدًا خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَجَازًا بِلَا خِلَافٍ. وَإِنْ كَانَ حَاصِلًا فِيهِ، لِأَنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وَالْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ لَيْسَا بِجَمْعٍ. قُلْت: لَكِنَّ الْقَاضِيَ حَكَى فِي أَوَاخِرِ كَلَامِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ

стр. 1554

حَقِيقَةٌ فِيمَا بَقِيَ. وَإِنْ وَكَانَ أَقَلَّ الْجَمْعِ، ثُمَّ اسْتَبْعَدَهُ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَعْبَأْ بِهَذَا الْخِلَافِ. لَكِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ ثَابِتٌ اسْتَدْرَكَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ عَلَيَّ الْقَاضِي فَقَالَ: وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي أُصُولِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فَمَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ الْجَمْعِ اهـ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فَقَالَ: إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا وَاحِدٌ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُهُ عَلَى الْمَجَازِ فَإِنَّ الْعَامَّ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ لَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْوَاحِدِ قَالَ: وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِيهِ الِاتِّفَاقَ لَكِنَّ أَبَا حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ خَالَفَ، وَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ يَبْقَى فِي تَنَاوُلِهِ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ احْتِجَاجًا مِنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَاحِدٌ، فَإِذَا ثَبَتَ حَمْلُ الْجَمْعِ عَلَى الْوَاحِدِ، فَلَا يُسْتَنْكَرُ حَمْلُ الْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ عَلَى الْوَاحِدِ حَقِيقَةً. قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا بَقِيَ أَقَلُّ الْجَمْعِ. قُلْت: وَحَكَى الْبَاجِيُّ عَنْ أَبِي تَمَّامٍ مِنْ شُيُوخِهِمْ أَنَّهُ يَبْقَى حَقِيقَةً، وَإِنْ انْتَهَى التَّخْصِيصُ إلَى الْوَاحِدِ تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ حَكَى عَنْ الْأَشْعَرِيِّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا لَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ عِنْدَهُ بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى الْعُمُومِ كَانَ حَقِيقَةً. فَكَيْفَ يَصِحُّ عَلَى قَوْلِهِ إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيمَا بَقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ؟ وَالثَّانِي: أَنْ نَقُولَ: إنَّ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِيمَا بَقِيَ يُحْتَجُّ بِهِ مُجَرَّدًا مِنْ

стр. 1555

غَيْرِ دَلَالَةٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي. فَإِذَا سَلِمَ هَذَا لَمْ يَبْقَ تَحْتَ قَوْلِنَا: إنَّهُ مَجَازٌ فِيمَا بَقِيَ مَعْنًى. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: هَذَا الْقَوْلُ أَعْنِي كَوْنَهُ مَجَازًا ضَعِيفٌ، أَمَّا عَلَى قَاعِدَةِ أَصْحَابِنَا فِي إثْبَاتِ كَلَامِ النَّفْسِ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِقَوْلِهِ: مَنْ دَخَلَ دَارِي مِنْ الْعُلَمَاءِ فَلَهُ دِرْهَمٌ، لَمْ يُبَيِّنْ أَوَّلَ كَلَامِهِ عَلَى قَصْدِ غَيْرِ الْعُلَمَاءِ أَصْلًا، فَكَلَامُ النَّفْسِ لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَ الْعُلَمَاءِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، لَا قَبْلَ التَّخْصِيصِ وَلَا بَعْدَهُ وَهِيَ فِي كَلَامِهِ سُبْحَانَهُ بِمَعْنَى الْأَوَّلِ، لِعِلْمِهِ بِمُرَادِهِ قَطْعًا، بَلْ تَعْبِيرُهُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ إنَّمَا كَانَ تَوْطِئَةً لِلْإِتْيَانِ بِالْخُصُوصِ، كَالْجِنْسِ مَثَلًا فِي عُمُومِ مَعْنَاهُ عِنْدَمَا تُورِدُهُ فِي تَحْدِيدِ النَّوْعِ، فَإِنَّك تَأْتِي بِهِ عَامًّا ثُمَّ تُخَصِّصُهُ بِاقْتِرَانِ الْفَصْلِ بِهِ، فَلَا يَكُونُ الْعُمُومُ مِنْ أَوَّلِ الْقَصْدِ أَصْلًا مُرَادًا، فَكَذَلِكَ فِي تَخْصِيصِ اللَّفْظِ الْعَامِّ، إذْ الْعُمُومُ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ مَعْقُولَةٌ فِي عُمُومِ اللَّفْظِيِّ كَالْمَعْنَوِيِّ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ خَارِجٌ عَنْ الْمَذَاهِبِ السَّابِقَةِ. قَالَ: وَأَمَّا عَلَى قَاعِدَةِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي إنْكَارِهِمْ النَّفْسِيِّ فَهُوَ الْحَدُّ، إذَا تَصَوَّرَ اللَّفْظُ فِي الذِّهْنِ لِلتَّلَفُّظِ بِهِ، فَيَكُونُ الْخُصُوصُ إذَنْ مِنْ أَوَّلِ اللَّفْظِ. وَأَمَّا عِلْمُ السَّامِعِ بِالْعُمُومِ فَلَا يُعْتَبَرُ إذْ لَيْسَ لَهُ أَمْرٌ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، وَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ مَعْنَاهُ مُخَرَّجًا مِنْهُ بَعْضُ أَفْرَادِهِ، فَإِرَادَةُ إخْرَاجِ بَعْضِ الْمَدْلُولِ: هَلْ تُعَيِّنُ اللَّفْظَ مُرَادًا بِهِ الْبَاقِي أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْعِ كَانَ حَقِيقَةً، وَإِلَّا فَلَا. أَمَّا الْعَامُّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَجَازٌ قَطْعًا، وَلَا يَطْرُقُهُ هَذَا الْخِلَافُ لِأَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي بَعْضِ مَدْلُولِهِ، إلَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ دَلَالَةٌ مُطَابِقَةٌ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فِي كُلِّ فَرْدٍ فَيَطْرُقُهُ الْخِلَافُ وَهُوَ بَعِيدٌ

стр. 1556

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ ": الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَجَازٌ صَحِيحٌ فِي الْعُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مَا تَنَاوَلَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، أَمَّا مَا وَقَعَ التَّخْصِيصُ فِيهِ بَعْدَ إرَادَةِ الْعُمُومِ بِهِ إنْ صَحَّ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ لَا نَسْخٌ يَقْوَى هَذَا فِيهِ. الثَّالِثُ: إطْلَاقُهُمْ. الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَنَقَلَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ الْعَقْلَ، أَنَّهُ لَا يَصِيرُ الْعَامُّ ظَنِّيًّا مِثْلَ هَذَا التَّخْصِيصِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ ذَلِكَ فِيمَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ وَالتَّفْسِيرَ دُونَ مَا لَا يَقْبَلُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَهُوَ مِنْ أَدِلَّةِ التَّخْصِيصِ عِنْدَهُمْ كَدَلِيلِ الْعَقْلِ لَا يُخْرِجُ الْعَامَّ مِنْ الْقَطْعِ إلَى الظَّنِّ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ. فَكَذَا هُنَا الرَّابِعُ: قَدْ يُدَّعَى فِي الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَعْنِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ، أَنَّهُ لَمْ يَتَوَارَدْ الْخِلَافُ فِيهِمَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْقَائِلَ مَجَازٌ أَرَادَ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللُّغَةِ، وَالْقَائِلَ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ أَرَادَ أَنَّهَا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بَيَّنَ أَنَّ وَضْعَ الشَّرْعِ فِي الْعَامِّ إذَا خُصَّ يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِلْبَاقِي فَهُوَ إذَنْ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ أَنْبَأَ عَنْ وَضْعِهَا الْإِجْمَاعُ فَصَارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً مَجَازًا لُغَوِيًّا الْخَامِسُ: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقِهِ الْأُصُولِيِّ، وَسُلَيْمٌ فِي كِتَابِ " التَّقْرِيبِ " أَنَّ فَائِدَةَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ يَقُولُ إنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي، يَحْتَجُّ بِلَفْظِ الْعُمُومِ فِيمَا لَمْ يُخَصَّ مِنْهُ مُجَرَّدًا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَمَنْ يَقُولُ إنَّهُ يَكُونُ مَجَازًا لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِجَاجُ بِالْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ فِيمَا بَقِيَ إلَّا بِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ ثَابِتٌ فِي الْبَاقِي، وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي كَوْنِ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ حُجَّةً فَرْعُ الْكَلَامِ فِي هَذَا فَلِهَذَا أَخَّرْنَا ذِكْرَهَا، وَبِهِ يَتَّضِحُ تَقْرِيرُ مَذْهَبِنَا فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً لَكِنَّ إلْكِيَا الطَّبَرِيَّ

стр. 1557

عَكَسَ ذَلِكَ فَقَرَّرَ كَوْنَهُ حُجَّةً. ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ فَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مَجَازٌ أَمْ حَقِيقَةٌ؟ وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى أَقْعَدُ وَأَحْسَنُ. السَّادِسُ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ احْتَجُّوا بِنُكْتَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ مَوْضُوعٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَإِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَخْصِيصِهِ، فَإِنَّهُ يَعْدِلُ بِهِ عَنْ مَوْضُوعِهِ بِالْقَرِينَةِ، فَيَكُونُ مَجَازًا. قَالَ: وَدَلِيلُنَا أَنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ. فَإِذَا وَرَدَ التَّخْصِيصُ فَإِنَّ ذَلِكَ يُبَيِّنُ مَا لَيْسَ بِمُرَادٍ بِاللَّفْظِ، فَيُخْرِجُهُ عَنْهُ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيمَا بَقِيَ، بَلْ يَكُونُ مَا بَقِيَ ثَابِتًا فِيهِ بِاللَّفْظِ فَحَسْبُ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ دَلِيلَ التَّخْصِيصِ مُنَافٍ لِحُكْمِ مَا بَقِيَ مِنْ اللَّفْظِ وَمُضَادٌّ لَهُ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِيهِ وَيَثْبُتَ الْحُكْمُ مَعَ مُضَادَّتِهِ وَمُنَافَاتِهِ. قَالَ: وَيَصِيرُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ عِنْدَنَا اسْمَانِ، كُلٌّ مِنْهُمَا حَقِيقَةٌ: أَحَدُهُمَا: حَقِيقَةٌ فِيهِمْ بِمُجَرَّدِهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: اُقْتُلُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، وَالْآخَرُ حَقِيقَةٌ فِيهِمْ بَعْدَ وُجُودِ قَرِينَةٍ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ، وَلَا يَمْتَنِعُ قَبْلَ هَذَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَعْطَوْا فُلَانًا ثَوْبًا أَبْيَضَ أَوْ أَصْفَرَ. كَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً فِي الثَّوْبِ الْأَصْفَرِ بِهَذَا اللَّفْظِ. وَإِذَا قَالَ: أَعْطُوا ثَوْبًا وَلَا تُعْطُوهُ غَيْرَ الْأَصْفَرِ، كَانَ حَقِيقَةً فِيهِ عِنْدَ وُجُودِ الْقَرِينَةِ، فَكَذَلِكَ هَذَا. وَيُخَالِفُ هَذَا اسْتِعْمَالُ اسْمِ الْحِمَارِ فِي الرَّجُلِ الْبَلِيدِ، وَاسْمِ الْأَسَدِ فِي الشُّجَاعِ. لِأَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ يَحْمِلُ عَلَيْهِ بِالْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، لَا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ الْقَرِينَةَ تَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ وَهِيَ مُمَاثِلَةٌ لَهُ فِي الْحُكْمِ، فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى مَا أُرِيدَ بِهِ. فَكَانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِيهِ بِالْقَرِينَةِ فَكَانَ مَجَازًا. وَلَيْسَ كَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْعُمُومِ فِي الْخُصُوصِ فَإِنَّ الْقَرِينَةَ مَا بَيَّنَتْ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ. وَإِنَّمَا بَيَّنَتْ مَا لَيْسَ بِمُرَادٍ فَكَانَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي الْمُرَادِ بِنَفْسِهِ لَا بِالْقَرِينَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا بِالْقَرِينَةِ، وَالْقَرِينَةُ مُضَادَّةٌ لَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً فِيمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَا مَجَازًا.

стр. 1558

قَالَ: وَدَلَالَةٌ ثَانِيَةٌ عَلَى مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْقَرِينَةِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ يَعْنِي يَجْعَلُ الْجَمِيعَ مَجَازًا، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: عَشْرٌ إلَّا خَمْسَةً فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إقْرَارٌ بِخَمْسَةٍ: وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الدَّلِيلِ الْمُنْفَصِلِ وَالْمُتَّصِلِ، فَإِنَّهُ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا اتَّصَلَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بُنِيَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، فَكَانَ ذَلِكَ حَقِيقَةً فِيمَا بَقِيَ وَإِذَا انْفَصَلَ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ لَمْ يُبَيِّنْ فَكَانَ مَجَازًا فِيهِ، وَهَذَا غَلَطٌ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِينَةِ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ فِي أَنَّ اللَّفْظَ بُنِيَ عَلَيْهَا وَدَالَّةٌ عَلَى مَا لَيْسَ بِمُرَادٍ مِنْهُ وَمَا بَقِيَ يَكُون ثَابِتًا فِيهَا بِاللَّفْظِ لَا بِالْقَرِينَةِ فَيَخْتَارُ أَنْ لَا يَفْتَرِقَ حَالُهُمَا بِوَجْهٍ انْتَهَى. [مَسْأَلَةٌ الْعَامُّ إذَا خُصَّ فَإِمَّا أَنْ يُخَصَّ بِمُبْهَمٍ أَوْ مُعَيَّنٍ] ٍ فَإِنْ خُصَّ بِمُبْهَمٍ كَمَا لَوْ قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا بَعْضَهُمْ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَفْرَادِ، إذْ مَا مِنْ فَرْدٍ إلَّا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُخْرَجُ لِأَنَّ إخْرَاجَ الْمَجْهُولِ مِنْ الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُهُ مَجْهُولًا وَلِهَذَا لَوْ قَالَ بِعْتُك هَذِهِ الصُّبْرَةَ إلَّا صَاعًا مِنْهَا لَا يَصِحُّ، وَمِثْلُهُ فِي " الْمَنْخُولِ " بِمَا لَوْ تَمَسَّكَ فِي مَسْأَلَةِ الْوِتْرِ بِقَوْلِهِ: افْعَلُوا الْخَيْرَ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيَكُونُ مُجْمَلًا. وَهَذَا قَدْ ادَّعَى، فِيهِ جَمَاعَةٌ الِاتِّفَاقَ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، وَالْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ". وَقَالَ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ إذَا كَانَ الْمُخَصَّصُ مُجْمَلًا.

стр. 1559

قَالَ الْقَاضِي: وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ إلَّا فِي أَمْرٍ وَاجِبٍ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ مَنْ أَجَازَ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْعَامِّ. وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فِي أَمْرٍ عَلَى الْفَوْرِ. قُلْت: وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَقَدْ حَكَى ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ " الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَبَالَغَ فِي تَصْحِيحِ الْعَمَلِ بِهِ مَعَ الْإِبْهَامِ، وَاعْتَلَّ بِأَنَّا إذَا نَظَرْنَا إلَى فَرْدٍ شَكَكْنَا فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ الْمُخَرَّجِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ، وَيُعْمَلُ بِهِ إلَى أَنْ يُعْلَمَ بِالْقَرِينَةِ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمُخَصِّصَ مُعَارِضٌ لِلَّفْظِ الْعَامِّ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُعَارِضًا عِنْدَ الْعِلْمِ بِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْإِضْرَابِ عَنْ الْمُخَصِّصِ، وَالْعَمَلُ بِالْعَامِّ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. وَقَدْ رَدَّ الْهِنْدِيُّ هَذَا الْبَحْثَ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي الْكُلِّ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ انْتَهَى. وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، فَقَدْ حَكَى الْخِلَافَ فِيهِ صَاحِبُ " اللُّبَابِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَعِبَارَتُهُ: وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَجْهُولًا لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْخُصُوصُ أَصْلًا، بَلْ يَبْقَى النَّصُّ عَامًّا كَمَا كَانَ. كَذَا حَكَاهُ أَبُو زَيْدٍ فِي " التَّقْوِيمِ ". وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ. فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: الْخِطَابُ إذَا عُلِمَ خُصُوصُهُ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِمَّا يَخُصُّهُ كَيْفَ يُعْمَلُ بِهِ؟ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى إحَالَةِ هَذَا. وَقَالَ: إنَّ الْبَيَانَ لَا يَتَأَخَّرُ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى تَأْخِيرِهِ إنْ أَجَزْنَاهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَيُعْتَقَدُ فِيهِ الْعُمُومُ إلَّا مَوْضِعًا خُصَّ مِنْهُ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا جَاءَ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْعُمُومُ أَمْضَاهُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ خُصُوصٌ لَخَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبَيَّنَهُ، لِأَنَّ الْبَيَانَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ.

стр. 1560

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَقِفُ فِي هَذَا، لِأَنِّي قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ مَخْصُوصٌ. وَلَعَلَّ الْحُكْمَ الَّذِي حُكِمَ مِنْ حَيِّزِ الْخُصُوصِ كَمَا لَوْ عَلِمَ فِي الْآيَةِ نَسْخًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْرِيَهُ عَلَى الْأَصْلِ، لِجَوَازِ النَّسْخِ. فَكَذَلِكَ التَّخْصِيصُ. انْتَهَى. وَكَذَلِكَ حَكَاهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ، مِنْهُمْ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، فَقَالُوا: إذَا خُصَّ وَجَبَ الْوَقْفُ فِيهِ إلَى الْبَيَانِ، سَوَاءٌ خُصَّ بِمَجْهُولٍ أَوْ مَعْلُومٍ، لِأَنَّهُ عِنْدَ التَّخْصِيصِ يَصِيرُ مَجَازًا فِي الْبَعْضِ، وَذَلِكَ الْبَعْضُ مَجْهُولٌ فَلَمْ يَبْقَ حُجَّةً. وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ إنْ خُصَّ بِمَجْهُولٍ لَمْ يَثْبُتْ التَّخْصِيصُ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي ثَبَتَ عِنْدِي مِنْ مَذْهَبِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، سَوَاءٌ خُصَّ بِمَجْهُولٍ أَوْ مَعْلُومٍ، لَكِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى أَفْرَادِهِ تَبْقَى ظَنِّيَّةً، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ صَاحِبُ " اللُّبَابِ ": ذَهَبَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنْ يَبْقَى عَامًّا فِيمَا وَرَاءَ التَّخْصِيصِ، وَيَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُخَصَّصُ مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا، وَلَكِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْعَمَلِ لَا لِلْعِلْمِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ التَّخْصِيصِ عِنْدَنَا، فَإِنَّهُ قَطْعِيٌّ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُخَصَّصُ مَعْلُومًا صَحَّ التَّعَلُّقُ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ: لَا يَبْقَى لِلْبَاقِي عُمُومٌ، وَلَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ مَعْلُومًا يَبْقَى مُوجِبًا لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، أَوْ مَجْهُولًا لَا يُوجِبُهُمَا؛ بَلْ يُوقَفُ عَلَى دَلِيلٍ آخَرَ. وَقِيلَ: إنْ كَانَ الْمُخَصَّصُ مَجْهُولًا لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الْخُصُوصُ أَصْلًا، بَلْ يَبْقَى النَّصُّ عَامًا كَمَا كَانَ. انْتَهَى. وَإِنْ خُصَّ بِمُعَيَّنٍ كَمَا لَوْ قِيلَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ أَوْ الْمُسْتَأْمَنَ، فَهَلْ يَجُوزُ التَّعْلِيقُ بِهِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الْبَاقِي مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ مُعْظَمِ الْفُقَهَاءِ، وَاخْتَارَهُ

стр. 1561

الْآمِدِيُّ، وَالرَّازِيَّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ ": إنَّهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا. وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ الْمُتَّصِلِ بِالْخِطَابِ وَالْمُنْفَصِلِ عَنْهُ. قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: وَلَكِنَّهُ دُونَهُ مَا لَمْ يَتَطَرَّقْ التَّخْصِيصُ إلَيْهِ، فَيُكْسِبُهُ ضَرْبًا مِنْ التَّجَوُّزِ، وَلَوْ رَجَحَ «نَهْيُهُ ﵇ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ، وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ» عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الْآيَةُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا لَكَانَ الْخَمْرُ وَالْقَاذُورَاتُ الْمُحَرَّمَةُ خَارِجَةً عَنْهَا. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ فِي " التَّقْوِيمِ ": إنَّهُ الَّذِي صَحَّ عِنْدَهُ مِنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ. قَالَ: لَكِنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْعِلْمِ قَطْعًا، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ التَّخْصِيصِ. وَكَذَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: خُصَّ هَذَا الْعَامُّ بِالْقِيَاسِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ

стр. 1562

لِلْعَمَلِ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ الْعِلْمَ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ " عَنْ أَصْحَابِهِمْ وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَنُقِلَ عَنْ عِيسَى بْنِ أَبَانَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَحَكَاهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالْغَزَالِيُّ عَنْ الْقَدَرِيَّةِ، قَالَ: ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَبْقَى أَقَلُّ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ. قَالَ: وَكَلَامُ الْوَاقِفِيَّةِ فِي الْعُمُومِ الْمَخْصُوصِ أَظْهَرُ لَا مَحَالَةَ، وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ يَصِيرُ مُجْمَلًا، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَا إذَا كَانَ الْمُخَصَّصُ مَجْهُولًا، هَكَذَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَإِلْكِيَا، قَالَ: وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضِعٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِقَرِينَةٍ، وَمِقْدَارُ التَّأْثِيرِ لِلْقَرِينَةِ فِي اللَّفْظِ مَجْهُولٌ، فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيَصِيرُ مَجْهُولًا. قَالَ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ جِدًّا، وَغَايَةُ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ عَلِمُوا بِمَا تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ مِنْ الْعُمُومِ. وَلَهُ أَنْ يُجِيبَ بِأَنَّهُمْ نَقَلُوهُ مِنْ الْقَرَائِنِ الَّتِي شَاهَدُوهَا وَأَلِفُوهَا، وَكَانُوا بِمَرْأَى مِنْ الرَّسُولِ، وَمَسْمَعٍ مِنْ الْوَحْي. الثَّانِي: أَنَّ صِيغَةَ الْعُمُومِ لَيْسَتْ نَصًّا فِي الِاسْتِغْرَاقِ لِاحْتِمَالِ إرَادَةِ الْخُصُوصِ، وَإِجْرَاءِ اللَّفْظِ عَلَى غَالِبِ الْمُسَمَّيَاتِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ تَخْطُرُ بِالْبَالِ. نَعَمْ، إنْ كَانَ مَضْمُونُ التَّخْصِيصِ اسْتِثْنَاءَ مَا لَا يَشِذُّ عَنْ الذِّهْنِ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ، فَيَتَّجِهُ مَا قَالَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ، ثُمَّ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّخْصِيصُ إلَّا بِمَا يَجُوزُ النَّسْخُ بِهِ بِأَنَّهُ إسْقَاطُ أَمْرِ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَالْمُمْكِنِ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْ الْقَرِينَةِ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ، وَلَا يُقَدَّرُ وَرَاءَهُ قَرِينَةٌ هِيَ غَائِبَةٌ عَنَّا فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الْعُمُومِ الَّذِي لَمْ يَتَنَاوَلْهُ تَخْصِيصٌ إجْمَاعًا لِإِمْكَانِ أَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى سُؤَالٍ، وَقَرِينَةِ حَالٍ. اهـ.

стр. 1563

وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ: الْقَائِلُ بِهَذَا، إنْ كَانَ مِمَّنْ يُنْكِرُ الْعُمُومَ، فَقَدْ أَثْبَتْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُثْبِتُهُ فَمِنْ نَفْسِ قَوْلِهِ يَسْقُطُ قَوْلُهُ هَذَا، لِأَنَّهُ تَوَقَّفَ عَمَّا بَقِيَ لِأَنَّ الْبَعْضَ خَصَّ، وَمَا لَمْ يُخَصَّ دَاخِلٌ، وَلَمْ يَمْتَنِعْ فِيمَا جَاءَ عَامًّا لِإِمْكَانِ خُصُوصِهِ، فَلَا يُحْكَمُ بِهِ، حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُخَصَّ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ: ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ إلَى أَنَّ الصِّيغَةَ الْمَوْضُوعَةَ إذَا خُصَّتْ صَارَتْ مُجْمَلَةً، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَال بِهَا فِي بَقِيَّةِ الْمُسَمَّيَاتِ إلَّا بِدَلِيلٍ كَسَائِرِ الْمَجَازَاتِ، وَإِلَيْهِ مَالَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ. وَقَالَ الْمُقْتَرِحُ: هَذَا الْمَذْهَبُ يُعْتَبَرُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ بِمَا هُوَ كُلٌّ، وَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ وَاحِدٍ، فَإِذَا تَبَيَّنَ بِالتَّخْصِيصِ أَنَّ الْكُلَّ لَيْسَ مُرَادًا بَقِيَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا، لَا أَنْ يُرَادَ بِهِ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ وَلَيْسَ بَعْضُهُ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَكَانَ مُجْمَلًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ بِصِفَةِ الظُّهُورِ، فَإِذَا وَرَدَ التَّخْصِيصُ، تَبَيَّنَ أَنَّ الشُّمُولَ لَيْسَ مُرَادًا، فَيَبْقَى اللَّفْظُ مُجْمَلًا، فَيَكْتَسِبُ الْإِجْمَالَ. وَالثَّالِثُ: إنْ خُصَّ بِمُتَّصِلٍ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ فَهُوَ حُجَّةٌ فِيمَا بَقِيَ، وَإِنْ خُصَّ بِمُنْفَصِلٍ فَلَا؛ بَلْ يَصِيرُ مُجْمَلًا. وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الْكَرْخِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ الْبَلْخِيّ، وَكَذَا حَكَاهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ الْكَرْخِيِّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ فِي أُصُولِهِ: كَانَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ يَقُولُ فِي الْعَامِّ: إذَا ثَبَتَ خُصُوصُهُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِاللَّفْظِ، وَصَارَ حُكْمُهُ مَوْقُوفًا

стр. 1564

عَلَى دَلَالَةٍ أُخْرَى مِنْ غَيْرِهِ، فَيَكُون بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظِ، وَكَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِاللَّفْظِ وَبَيْنَ الدَّلَالَةِ مِنْ غَيْرِ اللَّفْظِ، فَيَقُولُ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ بَقَاءِ اللَّفْظِ فِيمَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَجْعَلُ اللَّفْظَ مَجَازًا فَكَانَ يَقُولُ: هَذَا بَدِيهِيٌّ، وَلَا أَقْدِرُ أَعْزِيهِ إلَى أَصْحَابِنَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ التَّخْصِيصَ إنْ لَمْ يَمْنَعْ اسْتِفَادَةَ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ وَتَعْلِيقِهِ بِظَاهِرِهِ، جَازَ التَّعْلِيقُ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ، لِأَنَّ قِيَامَ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قَتْلِ أَهْلَ الذِّمَّةِ، لَا يَمْنَعُ مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْقَتْلُ بِاسْمِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُ مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ الْعَامِّ، وَيُوجِبُ تَعَلُّقَهُ بِشَرْطِ لَا يُنْبِئُ عَنْهُ الظَّاهِرُ لَمْ يَجُزْ التَّعَلُّقُ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لِأَنَّ قِيَامَ الدَّلَالَةِ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ وَالْحِرْزِ، وَكَوْنِ الْمَسْرُوقِ لَا شُبْهَةَ فِيهِ لِلسَّارِقِ يَمْنَعُ مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْقَطْعُ بِعُمُومِ اسْمِ السَّارِقِ، وَيُوجِبُ تَعَلُّقَهُ بِشَرْطٍ لَا يُنْبِئُ عَنْهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ تِلْمِيذِ الْكَرْخِيِّ. وَالْخَامِسُ: إنْ كَانَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْبَيَانِ كَالْمُشْرِكِينَ فَهُوَ حُجَّةٌ، وَإِلَّا فَلَا، كَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ، فَيَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ عَلَى بَيَانِ التَّخْصِيصِ، وَهُوَ إخْرَاجُ الْحَائِضِ، وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الْجَبَّارِ. وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي أَقَلِّ الْجَمْعِ، لِأَنَّهُ الْمُتَعَيِّنُ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ. حَكَاهُ الْقَاضِي، وَالْغَزَالِيُّ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَقَالَ: إنَّهُ تَحَكُّمٌ وَقَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: لَعَلَّهُ قَوْلُ مَنْ لَا يُجَوِّزُ التَّخْصِيصَ إلَيْهِ، وَحُكِيَ فِي " الْمَنْخُولِ " عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِهِ فِي وَاحِدٍ، وَلَا يَتَمَسَّكُ بِهِ جَمْعًا.

стр. 1565

وَالسَّابِعُ: الْوَقْفُ، فَلَا نَقُولُ: خَاصٌّ أَوْ عَامٌّ إلَّا بِدَلِيلٍ. حَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ، وَجَعَلَهُ مُغَايِرًا لِقَوْلِ عِيسَى بْنِ أَبَانَ، وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّ الْبَاقِيَ عَلَى الْخُصُوصِ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: مَحَلُّ قَوْلِنَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ، أَمَّا الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِظَاهِرِهِ. قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ مِنْ " تَعْلِيقِهِ " وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَهُ أَيْضًا. الثَّانِي: حَيْثُ قُلْنَا: إنَّهُ مُجْمَلٌ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ هُوَ مُجْمَلٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى، لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ الْمُرَادَ مِنْ ظَاهِرِهِ إلَّا بِقَرِينَةٍ، أَوْ مُجْمَلٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ؟ وَجْهَانِ: قَالَ: وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الثَّانِي، لِأَنَّ افْتِقَارَ الْمُجْمَلِ إلَى الْقَرِينَةِ مِنْ جِهَةِ التَّعْرِيفِ بِمَا هُوَ مُرَادٌ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وَافْتِقَارُ الْعَامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ إلَى الْقَرِينَةِ مِنْ جِهَةِ أَنْ يُعْرَفَ بِهَا مَا لَيْسَ بِمُرَادٍ بِهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْخِلَافَ هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا، فَمَنْ قَالَ: إنَّهُ مَجَازٌ

стр. 1566

لَا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ جَوَّزَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّهُ مَجَازٌ، ثُمَّ أَجَازَ التَّعَلُّقَ بِهِ يَعْنِي كَالْقَاضِي صَارَ الْخِلَافُ مَعَهُ لَفْظِيًّا. كَذَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُفَرَّعَةٌ عَلَى أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ أَوْ ظَنِّيَّةٌ؟ فَمَنْ قَالَ: قَطْعِيَّةٌ جَعَلَ الَّذِي خُصَّ كَاَلَّذِي لَمْ يُخَصَّ وَإِلَّا فَلَا. وَفِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ إذَا وَرَدَ: هَلْ يَتَنَاوَلُ الْجِنْسَ أَوْ لَا، وَتَنْدَرِجُ الْآحَادُ تَحْتَهُ ضَرُورَةَ اشْتِمَالِهِ عَلَيْهِ، أَوْ يَتَنَاوَلُ الْآحَادَ وَاحِدًا وَاحِدًا، حَتَّى يَسْتَغْرِقَ الْجِنْسَ؟ فَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا بِالْأَوَّلِ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَظْهَرُ عُمُومَهُ. فَإِذَا تَخَصَّصَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْعُمُومَ، وَعِنْدَ إرَادَةِ عَدَمِ الْعُمُومِ لَيْسَ بَعْضٌ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَيَكُونُ مُجْمَلًا.

стр. 1567

[فَصْلٌ فِي تَعْرِيفِ الْمُخَصِّصِ] [ أَقْسَامُ الْمُخَصَّص] فَصْلٌ فِي الْمُخَصِّصِ تَعْرِيفُهُ: قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ "، وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْوَجِيزِ " أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ تَعْرِيفَ بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْخِطَابُ، وَالدَّلِيلُ حَظُّهُ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ أَنَّ الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ، لِأَنَّ التَّخْصِيصَ وَقَعَ بِهِ. وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ، وَفَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَغَيْرُهُمَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ الدَّلِيلُ عَلَى الْإِرَادَةِ. وَقَالَ فِي " الْمَحْصُولِ ": الْمُخَصِّصُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ، لِأَنَّهَا الْمُؤَثِّرَةُ، وَتُطْلَقُ عَلَى الدَّالِ عَلَى الْإِرَادَةِ مَجَازًا، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ": الْعَامُّ يَصِيرُ عِنْدَنَا خَاصًّا بِالْأَدِلَّةِ، وَيَصِيرُ خَاصًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُخَصِّصَ حَقِيقَةٌ هُوَ الْمُتَكَلِّمُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُتَكَلِّمُ يُخَصِّصُ بِالْإِرَادَةِ أُسْنِدَ التَّخْصِيصُ إلَى إرَادَتِهِ، فَجُعِلَتْ الْإِرَادَةُ مُخَصِّصَةٌ، ثُمَّ جُعِلَ مَا دَلَّ عَلَى إرَادَتِهِ وَهُوَ الدَّلِيلُ اللَّفْظِيُّ أَوْ غَيْرُهُ مُخَصِّصًا فِي الِاصْطِلَاحِ، وَالْمُرَادُ هُنَا إنَّمَا هُوَ الدَّلِيلُ، فَنَقُولُ: الْمُخَصِّصُ لِلْعَامِّ إمَّا أَنْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ فَهُوَ الْمُنْفَصِلُ، وَإِمَّا أَلَا يَسْتَقِلُّ، بَلْ يَتَعَلَّقُ مَعْنَاهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَالْمُتَّصِلُ.

стр. 1568

أَقْسَامُهُ: وَقَسَّمَهُ الْجُمْهُورُ إلَى أَرْبَعَةٍ: الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ وَالصِّفَةُ، وَالْغَايَةُ. وَزَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَالْقَرَافِيُّ: بَدَلَ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ، وَنَازَعَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِيهِ، لِأَنَّهُ فِي نِيَّةِ طَرْحِ مَا قَبْلَهُ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ وَقَدْ وَجَدْته بِالِاسْتِقْرَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ: هَذِهِ الْخَمْسَةُ، وَسَبْعَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ: الْحَالُ، وَظَرْفُ الزَّمَانِ، وَظَرْفُ الْمَكَانِ، وَالْمَجْرُورُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالْمَفْعُولُ مَعَهُ، وَالْمَفْعُولُ لِأَجْلِهِ. فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ لَيْسَ فِيهَا وَاحِدٌ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ، وَمَتَى اتَّصَلَ بِمَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ عُمُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ صَارَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ. وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَ فِي الْحَالِ حِكَايَةُ سِيبَوَيْهِ عَنْ الْخَلِيلِ: أَنَّك إذَا قُلْت: مَرَرْت بِالْقَوْمِ خَمْسَتَهُمْ بِالنَّصْبِ كَانَ الْمَعْنَى حَصْرَ الْمَمْرُورِ فِي خَمْسَةٍ مِنْهُمْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَمْرُورُ بِهِ سِتَّةً، وَإِذَا رَفَعْت الْخَمْسَةَ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَمْرُورُ بِهِ أَكْثَرَ.

стр. 1569

[الْأَوَّلُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمُخَصَّص] الْأَوَّلُ: الِاسْتِثْنَاءُ وَهُوَ لُغَةً: بِمَعْنَى الْعَطْفِ وَالْعَوْدِ، كَقَوْلِهِمْ: ثَنَيْت الْحَبْلَ إذَا عَطَفْت بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ. وَقِيلَ: بِمَعْنَى الصَّرْفِ وَالصَّدِّ مِنْ قَوْلِهِمْ: ثَنَيْت فُلَانًا عَنْ رَأْيِهِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: لِأَنَّهُ قَدْ ثَنَّى ذِكْرَهُ مَرَّةً فِي الْجُمْلَةِ، وَمَرَّةً فِي التَّفْصِيلِ. وَاصْطِلَاحًا: الْإِخْرَاجُ بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ، لِيَخْرُجَ مَا لَوْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ، فَقَالَ ﵇: إلَّا زَيْدًا، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي، وَسَيَأْتِي. وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْحُكْمُ بِإِخْرَاجِ الثَّانِي مِنْ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ بِوَاسِطَةٍ مَوْضُوعَةٍ لِذَلِكَ، فَقَوْلُنَا: الْحُكْمُ جِنْسٌ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّفْظِ، فَيَشْمَلُ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ، وَخَرَجَ بِالْوَسَائِطِ الْمَوْضُوعَةِ لَهُ نَحْوُ: قَامَ الْقَوْمُ، وَأَسْتَثْنِي زَيْدًا، وَخَرَجُوا وَلَمْ يَخْرُجْ زَيْدٌ. تَنْبِيهٌ الْإِخْرَاجُ إنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهُ عَامِلًا بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، إذْ الْإِخْرَاجُ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ الدُّخُولِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهُ مَبْنِيًّا فَلَا إخْرَاجَ عَنْهُ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.

стр. 1570

وَحَدَّهُ ابْنُ عَمْرُونٍ مِنْ النُّحَاةِ بِأَنْ يَنْفِيَ عَنْ الثَّانِي مَا يُثْبِتُ لِغَيْرِهِ بِإِلَّا أَوْ كَلِمَةٍ تَقُومُ مَقَامَهَا، فَيَشْمَلُ أَنْوَاعَ الِاسْتِثْنَاءِ: مِنْ مُتَّصِلٍ، وَمُنْقَطِعٍ، وَمُفْرَدٍ، وَجُمْلَةٍ، وَتَامٍّ، وَمُفَرَّغٍ، وَخَرَجَ الْوَصْفُ بِإِلَّا أَوْ غَيْرِهَا، وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ، لِتَغَايُرِ حَقِيقَتِهِمَا، إذْ الْأَوَّلُ حَقِيقَةٌ، وَالثَّانِي مَجَازٌ. وَجَمَعَهُمَا ابْنُ مَالِكٍ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ، فَقَالَ: تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا، وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ فِي قُوَّةِ حَدَّيْنِ. وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ " النِّهَايَةِ " أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُسَمُّونَ تَعْلِيقَ الْأَلْفَاظِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ اسْتِثْنَاءً فِي مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتَ حُرٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ. وَفِي " الْمُحِيطِ " لِلْحَنَفِيَّةِ يُسَمَّى الِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا اسْتِثْنَاءَ التَّحْصِيلِ، وَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ اسْتِثْنَاءَ التَّعْطِيلِ. قَالَ الْخَفَّافُ: الِاسْتِثْنَاءُ ضِدُّ التَّوْكِيدِ، يُثْبِتُ الْمَجَازَ وَيُحَقِّقُهُ، وَصَرَّحَ النُّحَاةُ بِأَنَّ اللَّفْظَ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ يَحْتَمِلُ الْمَجَازَ، فَإِذَا جَاءَ الِاسْتِثْنَاءُ رُفِعَ الْمَجَازُ وَقَرَّرَهُ، فَاللَّفْظُ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ ظَنِّيٌّ، وَبَعْدَهُ قَطْعِيٌّ، وَهَذَا مُعَاكِسٌ لِقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ عَدُّوا الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْعَامَّ قَبْلَ التَّخْصِيصِ قَطْعِيٌّ، وَبَعْدَهُ ظَنِّيٌّ. قِيلَ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ احْتِمَالَ التَّجَوُّزِ قَبْلَ التَّخْصِيصِ ثَابِتٌ، وَبَعْدَ التَّخْصِيصِ كَذَلِكَ، إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُقَرِّرُ الْمَجَازَ فِي إخْرَاجِ شَيْءٍ، وَيُحَقَّقُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا بَقِيَ تَحْقِيقًا ظَاهِرًا لَا يُخَالِفُ مَا لَمْ تَأْتِ قَرِينَةٌ، كَمَا قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ، إلَّا أَنَّ الْقَرِينَةَ قَبْلَهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقُوَّةُ وَهَلْ الْإِخْرَاجُ مِنْ الِاسْمِ أَوْ الْحُكْمِ أَوْ مِنْهُمَا؟ أَقْوَالٌ، أَصَحُّهَا الثَّالِثُ،

стр. 1571

وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وَهَلْ هُوَ إخْرَاجٌ مِنْ اللَّفْظِ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ أَوْ لَجَازَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، رَجَّحَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " الْأَوَّلَ. قَالَ: وَإِلَّا لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْجِنْسِ وَغَيْرِهِ، فَلَمَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وَجَعَلَ مِنْ الْجِنْسِ حَقِيقَةً وَمِنْ غَيْرِهِ مَجَازًا، ثَبَتَ مَا قُلْنَاهُ. [مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ مُسْتَثْنًى مِنْهُ عَامٍّ أَوْ مِنْ عَدَدٍ شَائِعٍ] مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ مُسْتَثْنًى مِنْهُ عَامٍّ أَوْ مِنْ عَدَدٍ شَائِعٍ، فَالْأَوَّلُ نَحْوُ: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] ، وَلِهَذَا صَحَّ: عَلَى عَشَرَةٍ إلَّا دِرْهَمًا، لِشُيُوعِ الْخَمْسِينَ فِي مُطْلَقِ الْأَلْفِ، وَالْأَلْفُ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ، وَشُيُوعُ الْعَشَرَةِ فِي مُطْلَقِ الْعَدَدِ. وَمِثْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً، فَإِنَّ ثَلَاثًا نَكِرَةٌ شَائِعَةٌ تَقَعُ عَلَى الطَّلَاقِ الْمُحَرَّمِ، وَالْمَكْرُوهِ، وَالْمُبَاحِ. قَالَهُ الْمُوَفَّقُ حَمْزَةُ الْحَمَوِيُّ، وَسَنُعِيدُ الْخِلَافَ فِي الْعَدَدِ [مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْجِنْسِ وَمِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ] مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْجِنْسِ بِلَا خِلَافٍ كَقَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَهُوَ الْمُتَّصِلُ، وَمِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ الْمُنْقَطِعُ، وَيُعَبَّرُ عَنْهُ

стр. 1572

بِالْمُنْفَصِلِ، نَحْوُ: إلَّا حِمَارًا، وَأَفْسَدَ تَعْرِيفَ الْمُتَّصِلِ بِقَوْلِنَا: مَا جَاءَنِي أَحَدٌ إلَّا زَيْدٌ لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ أَحَدٍ، فَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ؛ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُتَّصِلُ مَا كَانَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مِنْهُ يَتَنَاوَلُ الثَّانِيَ، نَحْوُ: جَاءَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَالْمُنْقَطِعُ مَا لَا يَتَنَاوَلُ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ فِيهِ الثَّانِيَ، أَوْ نَقُولُ: الْمُتَّصِلُ مَا كَانَ الْمُسْتَثْنَى جُزْءًا مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْمُنْقَطِعُ مَا لَا يَكُونُ. قَالَ ابْنُ سِرَاجٍ: وَلَا بُدَّ فِي الْمُنْقَطِعِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ الَّذِي قَبْلَ " إلَّا " قَدْ دَلَّ عَلَى مَا يُسْتَثْنَى مِمَّا قَبْلَهُ بِأَنَّهُ مَعْرِفَةٌ، وَأَوْضَحَهُ ابْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَقْدِيرِ الدُّخُولِ فِي الْأَوَّلِ، كَقَوْلِك: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا حِمَارًا، فَإِنَّهُ بِذِكْرِ الْقَوْمِ يَتَبَادَرُ الذِّهْنُ لِأَتْبَاعِهِمْ الْمَأْلُوفَاتِ، فَذَكَرَ إلَّا حِمَارًا لِذَلِكَ، فَهُوَ مُسْتَثْنًى تَقْدِيرًا، وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَلَكِنْ بِشَرْطٍ، وَهُوَ أَنْ يُتَوَهَّمَ دُخُولُهُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِوَجْهٍ مَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، كَقَوْلِهِ: وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ فَالْيَعَافِيرُ قَدْ تُؤَانِسُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِهَا مَنْ يُؤْنَسُ بِهِ إلَّا هَذَا النَّوْعُ. وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْمُنْقَطِعَ يَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ مِقْدَارٍ، أَوْ مِنْ مَفْهُومِ لَفْظٍ لَا مِنْ مَنْطُوقِهِ. وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ غَالِبًا إذَا تَشَارَكَ الْجِنْسَانِ

стр. 1573

فِي مَعْنًى أَعَمَّ، كَمَا فِي السَّلَامِ وَاللَّغْوِ الْمُتَشَارِكَيْنِ فِي أَصْلِ الْقَوْلِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا - إِلا قِيلا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الرُّجْحَانِ. ثُمَّ الْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاطِنَ: الْأَوَّلُ: فِي أَنَّهُ هَلْ وَقَعَ فِي اللُّغَةِ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ، وَتَأَوَّلَهُ تَأَوُّلًا رَدَّهُ بِهِ إلَى الْجِنْسِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى. الثَّانِي: أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ وُقُوعَهُ فِي الْقُرْآنِ، وَالصَّوَابُ وُقُوعُهُ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَا يُنْكِرُ وُقُوعَهُ فِي الْقُرْآنِ إلَّا أَعْجَمِيٌّ. الثَّالِثُ: اخْتَلَفَ فِي صِحَّتِهِ فِي الْمُخَاطَبَاتِ فِي الْعَادَاتِ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ طُرُقُ أَصْحَابِنَا فِيهِ. فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى جَوَازِهِ وَأَبَى ذَلِكَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا، فَأَمَّا مَنْ جَوَّزَهُ فَقَدْ اسْتَدَلَّ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ: لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا عَبْدًا قُبِلَ مِنْهُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] وَدَلِيلُنَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ شَرْطُهُ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ دَخَلَ تَحْتَ الِاسْمِ، غَيْرَ الْجِنْسِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ بِأَنَّ إبْلِيسَ دَخَلَ تَحْتَ الْأَمْرِ، فَرَجَعَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ أُضْمِرَ فِيهِ. وَتَأَوَّلَ قَوْمٌ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّمَا قُبِلَ ثَمَّةَ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى بَيَانِهِ، لِأَنَّهُ اقْتَضَى الْإِطْلَاقَ، وَالْمَعْنَى إلَّا مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ. انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ قَالَ: وَتَمَسَّكَ الْمُجَوِّزُ بِقَوْلِ

стр. 1574

الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْإِقْرَارِ ": لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا عَبْدًا، فَقَدْ اسْتَثْنَى الْعَبْدَ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَلَيْسَ الْعَبْدُ مِنْ جِنْسِهَا. قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا قِيمَةَ الْعَبْدِ، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَجْرَاهُ مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْجِنْسِ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَالْمُرَادُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ [البقرة: ٣٤] أَيْ الْمَلَائِكَةُ وَإِبْلِيسُ، فَحُذِفَ، فَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى الْمُضْمَرِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْأَمْرِ مَنْ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ. قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ بِدَلِيلٍ، فَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَلَا. وَمِمَّنْ اخْتَارَ الْمَنْعَ مِنْ أَصْحَابِنَا إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ الْحَنَفِيَّة، وَالْأُسْتَاذِ ابْنِ دَاوُد، وَحَكَاهُ الْبَاجِيُّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ. الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَطْعُ بِصِحَّتِهِ فِي الْإِقْرَارِ، وَالْخِلَافُ فِيمَا عَدَاهُ، وَهِيَ طَرِيقَةُ الْمَاوَرْدِيِّ قَالَ: لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّتِهِ فِي الْإِقْرَارِ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْإِقْرَارِ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَالثَّالِثَةُ: وَهِيَ طَرِيقَةُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ، نَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. قَالَ: وَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْقِيمَةُ دُونَ الْعَدَدِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ إلَّا أَلْفًا جَوَّزَهُ نَظَرًا إلَى قِيمَةِ الْمُسْتَثْنَى، فَإِنْ كَانَتْ عَشَرَةً فَمَا زَادَ بَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ دُونَهَا صَحَّ، وَأَلْزَمَ مَا بَقِيَ، وَلِهَذَا أَنْكَرَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ الْخِلَافَ فِيهِ، وَقَالَ: لَمْ يَسْتَعْمِلْ اللُّغَوِيُّونَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا. وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ، قَالَ: وَحَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا انْطَوَى

стр. 1575

عَلَى التَّعَرُّضِ بِمَا يُنْبِئُ عَنْهُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ جِنْسًا، فَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْحَقِيقِيُّ، كَقَوْلِك: رَأَيْت النَّاسَ إلَّا زَيْدًا. قَالَ: وَقَدْ تَرِدُ صِيغَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِلَا خِلَافٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] وَالْخَطَأُ لَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، قَالَ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسَمَّى هَذَا الْجِنْسُ اسْتِثْنَاءً عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ لَا، وَالْأَظْهَرُ الْمَنْعُ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا، فَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ مِنْ جِنْسِهِ، لِأَنَّ الْمَعْنَى إلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدْ جَوَّزَ اسْتِثْنَاءَ الْمَكِيلِ مِنْ الْمَكِيلِ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ، وَاسْتِثْنَاءَ الْمَوْزُونِ مِنْ الْهَيْكَلِ. اهـ. وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ تَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ، وَمِنْهُمْ الْآمِدِيُّ فِي الْإِحْكَامِ فَقَالَ: ذَهَبَتْ الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ إلَى صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَمَنَعَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَاخْتَارَ التَّوَقُّفَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَانِعَ لَا يُسَمَّى مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءً، بَلْ يَجْعَلُ " إلَّا " بِمَعْنَى لَكِنْ، وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ مَا يَقْتَضِيه. وَحَكَى الْمَازِرِيُّ فِي التَّعْلِيقَةِ " ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: صِحَّتُهُ، وَالِاعْتِدَادُ بِهِ مُطْلَقًا، وَعَزَاهُ لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِكٌ.

стр. 1576

وَالثَّانِي: عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهِ، وَعَزَاهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَالثَّالِثُ: إنْ قَدَّرَ بِفَرْدٍ نَحْوُ قَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً مُعَيَّنَةً اعْتَدَّ بِهِ، وَيَسْقُطُ مِقْدَارُهُ مِنْ الْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ بِوَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ، فَإِنَّ مَنْ لَا يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَلَزِمَتْ الْجُمْلَةُ الْأُولَى. قَالَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْحَكَمِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُسْتَصْفَى ": الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ مَنَعَهُ قَوْمٌ مِنْ جِهَةِ الْغَرَضِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَالْمُجَوِّزُونَ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْفَعُوا وُجُودَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَالْمَانِعُونَ لَمْ يَقْطَعُوا الْجِهَةَ الَّتِي يَصِحُّ بِهَا الْمُنْقَطِعُ عَلَى وَضْعِ الِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ: وَقَدْ حَلَّ هَذَا الشَّكَّ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فَقَالَ: إنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ إبْدَالَ الْجُزْئِيِّ مَكَانَ الْكُلِّيِّ، كَمَا يُبْدَلُ الْكُلِّيُّ مَكَانَ الْجُزْئِيِّ اتِّكَالًا عَلَى الْقَرَائِنِ وَالْعُرْفِ، مَثَلًا إذَا قَالَ: مَا فِي الدَّارِ رَجُلٌ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تُفْهِمُ مَا سِوَاهُ، فَلِذَلِكَ يُسْتَثْنَى، وَيَقُولُ: إلَّا امْرَأَةً، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ مُتَّصِلًا، إلَّا أَنَّ الِاتِّصَالَ مِنْهُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَمِنْهُ فِي الْمَعْنَى خَاصَّةٌ. قَالَ: وَإِذَا تَصَفَّحَ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ وُجِدَ عَلَى مَا قَالَهُ، وَقَدْ انْفَرَدَ بِحَلِّ هَذَا الشَّكِّ. قَالَ ابْنُ الْخَشَّابِ النَّحْوِيُّ فِي كِتَابِ " الْعَوْنِيِّ ": أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَتَأَوَّلُوا تَأَوُّلًا بِهِ إلَى الَّذِي مِنْ الْجِنْسِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ. قَالَ: لَكِنَّ النُّحَاةَ قَدَّرُوهُ " بِلَكِنَّ "، وَهُوَ غَيْرُ مُشَابِهٍ لِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، بَلْ الَّذِي أَجَازَهُ الْفُقَهَاءُ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِامْتِنَاعِهِ، فَإِنَّهُمْ مَثَّلُوهُ بِنَحْوِ: لَهُ عَشَرَةٌ إلَّا ثَوْبًا، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. أَمَّا اللَّفْظُ: فَإِنَّ اللُّغَةَ لَا تَسْتَعْمِلُ هَذَا الضَّرْبَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمُثْبَتِ إنَّمَا تَسْتَعْمِلُهُ فِي الْمَنْفِيِّ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمُسْتَحِيلٌ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا جِيءَ بِهِ مُقَابِلًا لِلتَّأْكِيدِ. فَإِنَّمَا قُلْت: جَاءَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ إلَّا زَيْدًا، حَقَّقْت بِالِاسْتِثْنَاءِ الْإِشْكَالَ

стр. 1577

فِي عُمُومِ الْمَجِيءِ لَهُمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجِئْ، فَإِذَا قُلْت: جَاءَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا حَقَّقْت بِالِاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضَ لَهُمْ. وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَصَوُّرُهُ فِي: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَوْبًا، فَإِنْ قَالَ: الْمَعْنَى إلَّا ثَوْبًا وَأَكْثَرَ لَزِمَهُ الْعَشَرَةُ، فَأَيْنَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. قُلْت: وَقَوْلُهُ: فِي الْأَوَّلِ: لَا يَجُوزُ فِي الْإِثْبَاتِ مَمْنُوعٌ، بَلْ جُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ سَوَّغُوهُ فِيهِ الرَّابِعُ: الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً عَلَى مَذَاهِبَ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْخَبَّازِ عَنْ ابْنِ جِنِّي، وَقَالَ الْإِمَامُ: هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ، وَعَلَى هَذَا فَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ هَلْ هُوَ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَوْ الْمَعْنَوِيِّ؟ قَوْلَانِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَجَازٌ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ "، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ "، وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ "، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَيْسَ فِي اللُّغَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَاخْتَارَهُ الرُّمَّانِيُّ مِنْ النَّحْوِيِّينَ فِي " شَرْحِ الْمُوجَزِ ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ فِي " شَرْحِ الْإِيضَاحِ ": ذَهَبَ أَكْثَرُ النَّاسِ إلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْمُنْقَطِعَ اتِّسَاعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كِلَاهُمَا أَصْلٌ. انْتَهَى.

стр. 1578

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " وَالْمَازِرِيُّ، وَحَكَى الْقَاضِي قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَلَامٍ مُبْدَأٍ مُسْتَأْنَفٍ. وَقَالَ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: مُنْقَطِعٌ حَقِيقَةً، وَمَنْ قَالَ: كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَةُ، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي وَالْمَازِرِيُّ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ قُلْت: بَلْ هُوَ مَعْنَوِيٌّ، فَإِنَّ مَنْ جَعَلَهُ حَقِيقَةً جَوَّزَ التَّخْصِيصَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَيْضًا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ، أَوْ لَجَازَ دُخُولُهُ. وَاحْتَجَّ فِي " الْمَحْصُولِ " عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ اللَّفْظِ إذْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ اللَّفْظُ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى صَارِفٍ عَنْهُ، وَلَا مِنْ الْمَعْنَى وَإِلَّا صَحَّ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِوُجُوبِ اشْتَرَاكِ كُلِّ شَيْئَيْنِ فِي مَعْنًى لَوْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " الْخِلَافَ عَلَى نَمَطٍ آخَرَ، فَقَالَ: اخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: وَأَحَدُهَا: أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَجَعَلُوهُ لَغْوًا. وَالثَّانِي: يَجُوزُ لَفْظًا وَمَعْنًى. الثَّالِثُ: يَصِحُّ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ. قَالَ: وَهُوَ الْأَوْلَى بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا، أَوْ مِائَةُ دِينَارٍ إلَّا ثَوْبًا، يَكُونُ مُثْبِتًا لِلدِّينَارِ وَالثَّوْبِ بِالتَّقْدِيرِ.

стр. 1579

قَالَ: وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى مِنْ زَيْدٍ وَجْهَهُ. أَوْ مِنْ الدَّارِ بَابَهَا، فَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ، لِأَنَّ وَجْهَ زَيْدٍ جُزْءٌ مِنْهُ. انْتَهَى. قِيلَ: وَهَذَا الْخِلَافُ غَرِيبٌ، وَقَدْ جَزَمَ الْأَصْحَابُ بِدُخُولِ بَابِ الدَّارِ فِي بَيْعِهَا، وَلَمْ يَحْكُوا خِلَافًا. قُلْت: يُؤْخَذُ مِنْ " الْمُسْتَصْفَى " الْخِلَافُ، فَإِنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَشَرَطَ هُوَ قَبْلَ ذَلِكَ كَوْنَهُ مِنْ الْجِنْسِ. قَالَ: لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْبَابِ، وَلَا اسْمُ زَيْدٍ عَلَى وَجْهِهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مِائَةُ ثَوْبٍ إلَّا ثَوْبًا. قَالَ: وَعَلَى هَذَا قَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجِنْسِ، وَشَرَطَ هُوَ قَبْلَ ذَلِكَ كَوْنَهُ مِنْ الْجِنْسِ، فَجَاءَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَيَجِيءُ عَلَى الثَّانِي قَوْلُهُ: عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهُ بِقَوْلِك: رَأَيْت زَيْدًا إلَّا يَدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهُ بِاسْمِ الْجُمْلَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ، أَوْ إلَّا زَيْدًا، وَهُوَ الْأَشْبَهُ فِيهِ. وَأَمَّا الْخِلَافُ الْأَوَّلُ، فَذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي " إذْ قَالَ: فَإِنْ عَادَ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ صَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَأَبْطَلَهُ قَوْمٌ فِيهِمَا. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِي " الْعُدَّةِ " فِي بَابِ الْإِقْرَارِ: إذَا جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمَعْنَى، أَوْ مِنْ اللَّفْظِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ الْمَعْنَى، فَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ قِيمَةِ الدَّنَانِيرِ مِائَةَ دِرْهَمٍ. وَالثَّانِي: مِنْ اللَّفْظِ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَشْهَدُ لِهَذَا. انْتَهَى.

стр. 1580

تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ ": لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ هُنَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ، فَإِنَّ الْجَوَاهِرَ كُلَّهَا عِنْدَهُمْ مُتَجَانِسَةٌ، بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِجِنْسٍ يُسْتَثْنَى مِنْهُ بِلَفْظٍ لَمْ يُوضَعْ لِذَلِكَ الْجِنْسِ، نَحْوُ: مَالِي ابْنٌ إلَّا بِنْتٌ، فَإِنَّ لَفْظَ الِابْنِ غَيْرُ جِنْسِ لَفْظِ الْبِنْتِ. وَقَالَ السُّهْرَوَرْدِيّ: لَا نَعْنِي بِالْجِنْسِ هُنَا الْمَنْطِقِيَّ، فَإِنَّ الثَّوْرَ مُجَانِسٌ لِلْإِنْسَانِ وَمُشَارِكٌ لَهُ فِي الْجِنْسِ الْأَقْرَبِ، بَلْ نَعْنِي بِهِ غَيْرَ الْمُشَارِكِ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: الْأَصْلُ كَوْنُهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَمَعْنَى الْمُجَانِسَةِ أَنْ لَا يُقْصَرَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْمُسْتَثْنَى فِي الْفِعْلِ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ سَوَاءٌ كَانَ رَاجِحًا عَلَيْهِ أَوْ لَا، وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ": لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي الدَّارِ إلَّا رَجُلٌ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَكَانَ فِي الدَّارِ شَاةٌ لَا يَحْنَثُ، لِقُصُورِ الشَّاةِ عَلَى الْآدَمِيِّ فِي الْكَيْنُونَةِ فِي الدَّارِ، لِأَنَّ كَيْنُونَةَ الْآدَمِيِّ، فِي الدَّارِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَالِاخْتِيَارِ، وَكَيْنُونَةَ الشَّاةِ بِطَرِيقِ الْقَصْرِ وَالتَّبَعِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي الدَّارِ إلَّا شَاةً فَعَبْدُهُ حُرٌّ، فَكَانَ فِيهَا آدَمِيٌّ حَنِثَ، لِقُصُورِ الشَّاةِ عَنْ الْآدَمِيِّ فِي الْكَيْنُونَةِ. الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ الِاسْتِثْنَاءَ مُخَصِّصًا يَشْمَلُ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَا تَخْصِيصَ فِيهِ وَلَا بَيَانَ، لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنْ الْمُسْتَثْنَى شَيْئًا، وَإِنَّمَا هُوَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، فَإِنْ زَعَمَ الْخَصْمُ أَنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ، وَأَنَّهُ مَعَ الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَذَلِكَ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ الْجِنْسِ لَا مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
следующие страницы →