← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

وَالثَّانِي: عَدَمُ الِاعْتِدَادِ بِهِ، وَعَزَاهُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَالثَّالِثُ: إنْ قَدَّرَ بِفَرْدٍ نَحْوُ قَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً مُعَيَّنَةً اعْتَدَّ بِهِ، وَيَسْقُطُ مِقْدَارُهُ مِنْ الْجُمْلَةِ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ بِوَزْنٍ أَوْ كَيْلٍ، فَإِنَّ مَنْ لَا يُقَدَّرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَلَزِمَتْ الْجُمْلَةُ الْأُولَى. قَالَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْحَكَمِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى الْمُسْتَصْفَى ": الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ مَنَعَهُ قَوْمٌ مِنْ جِهَةِ الْغَرَضِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَأَجَازَهُ الْأَكْثَرُونَ مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَالْمُجَوِّزُونَ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْفَعُوا وُجُودَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَالْمَانِعُونَ لَمْ يَقْطَعُوا الْجِهَةَ الَّتِي يَصِحُّ بِهَا الْمُنْقَطِعُ عَلَى وَضْعِ الِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ: وَقَدْ حَلَّ هَذَا الشَّكَّ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فَقَالَ: إنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ إبْدَالَ الْجُزْئِيِّ مَكَانَ الْكُلِّيِّ، كَمَا يُبْدَلُ الْكُلِّيُّ مَكَانَ الْجُزْئِيِّ اتِّكَالًا عَلَى الْقَرَائِنِ وَالْعُرْفِ، مَثَلًا إذَا قَالَ: مَا فِي الدَّارِ رَجُلٌ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تُفْهِمُ مَا سِوَاهُ، فَلِذَلِكَ يُسْتَثْنَى، وَيَقُولُ: إلَّا امْرَأَةً، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ كُلُّهُ مُتَّصِلًا، إلَّا أَنَّ الِاتِّصَالَ مِنْهُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَمِنْهُ فِي الْمَعْنَى خَاصَّةٌ. قَالَ: وَإِذَا تَصَفَّحَ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ وُجِدَ عَلَى مَا قَالَهُ، وَقَدْ انْفَرَدَ بِحَلِّ هَذَا الشَّكِّ. قَالَ ابْنُ الْخَشَّابِ النَّحْوِيُّ فِي كِتَابِ " الْعَوْنِيِّ ": أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَتَأَوَّلُوا تَأَوُّلًا بِهِ إلَى الَّذِي مِنْ الْجِنْسِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا خِلَافَ. قَالَ: لَكِنَّ النُّحَاةَ قَدَّرُوهُ " بِلَكِنَّ "، وَهُوَ غَيْرُ مُشَابِهٍ لِمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، بَلْ الَّذِي أَجَازَهُ الْفُقَهَاءُ يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِامْتِنَاعِهِ، فَإِنَّهُمْ مَثَّلُوهُ بِنَحْوِ: لَهُ عَشَرَةٌ إلَّا ثَوْبًا، وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. أَمَّا اللَّفْظُ: فَإِنَّ اللُّغَةَ لَا تَسْتَعْمِلُ هَذَا الضَّرْبَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمُثْبَتِ إنَّمَا تَسْتَعْمِلُهُ فِي الْمَنْفِيِّ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَمُسْتَحِيلٌ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا جِيءَ بِهِ مُقَابِلًا لِلتَّأْكِيدِ. فَإِنَّمَا قُلْت: جَاءَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ إلَّا زَيْدًا، حَقَّقْت بِالِاسْتِثْنَاءِ الْإِشْكَالَ

стр. 1577

فِي عُمُومِ الْمَجِيءِ لَهُمْ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَجِئْ، فَإِذَا قُلْت: جَاءَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا حَقَّقْت بِالِاسْتِثْنَاءِ الْبَعْضَ لَهُمْ. وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَصَوُّرُهُ فِي: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَوْبًا، فَإِنْ قَالَ: الْمَعْنَى إلَّا ثَوْبًا وَأَكْثَرَ لَزِمَهُ الْعَشَرَةُ، فَأَيْنَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. قُلْت: وَقَوْلُهُ: فِي الْأَوَّلِ: لَا يَجُوزُ فِي الْإِثْبَاتِ مَمْنُوعٌ، بَلْ جُمْهُورُ النَّحْوِيِّينَ سَوَّغُوهُ فِيهِ الرَّابِعُ: الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ اخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَتِهِ اسْتِثْنَاءً عَلَى مَذَاهِبَ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً حَقِيقَةً، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْخَبَّازِ عَنْ ابْنِ جِنِّي، وَقَالَ الْإِمَامُ: هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ النَّحْوِيِّينَ، وَعَلَى هَذَا فَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ هَلْ هُوَ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَوْ الْمَعْنَوِيِّ؟ قَوْلَانِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَجَازٌ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ "، وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ "، وَسُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ "، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَيْسَ فِي اللُّغَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَاخْتَارَهُ الرُّمَّانِيُّ مِنْ النَّحْوِيِّينَ فِي " شَرْحِ الْمُوجَزِ ". وَقَالَ ابْنُ أَبِي الرَّبِيعِ فِي " شَرْحِ الْإِيضَاحِ ": ذَهَبَ أَكْثَرُ النَّاسِ إلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْمُنْقَطِعَ اتِّسَاعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كِلَاهُمَا أَصْلٌ. انْتَهَى.

стр. 1578

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِثْنَاءً لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، حَكَاهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " وَالْمَازِرِيُّ، وَحَكَى الْقَاضِي قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَلَامٍ مُبْدَأٍ مُسْتَأْنَفٍ. وَقَالَ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: مُنْقَطِعٌ حَقِيقَةً، وَمَنْ قَالَ: كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ وَاحِدٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ الْعِبَارَةُ، ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي وَالْمَازِرِيُّ: الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ قُلْت: بَلْ هُوَ مَعْنَوِيٌّ، فَإِنَّ مَنْ جَعَلَهُ حَقِيقَةً جَوَّزَ التَّخْصِيصَ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَيْضًا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَا لَوْلَاهُ لَوَجَبَ دُخُولُهُ، أَوْ لَجَازَ دُخُولُهُ. وَاحْتَجَّ فِي " الْمَحْصُولِ " عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ اللَّفْظِ إذْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ اللَّفْظُ، فَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى صَارِفٍ عَنْهُ، وَلَا مِنْ الْمَعْنَى وَإِلَّا صَحَّ اسْتِثْنَاءُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ لِوُجُوبِ اشْتَرَاكِ كُلِّ شَيْئَيْنِ فِي مَعْنًى لَوْ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ. وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " الْخِلَافَ عَلَى نَمَطٍ آخَرَ، فَقَالَ: اخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: وَأَحَدُهَا: أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، وَجَعَلُوهُ لَغْوًا. وَالثَّانِي: يَجُوزُ لَفْظًا وَمَعْنًى. الثَّالِثُ: يَصِحُّ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ. قَالَ: وَهُوَ الْأَوْلَى بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا دِينَارًا، أَوْ مِائَةُ دِينَارٍ إلَّا ثَوْبًا، يَكُونُ مُثْبِتًا لِلدِّينَارِ وَالثَّوْبِ بِالتَّقْدِيرِ.

стр. 1579

قَالَ: وَأَمَّا إذَا اسْتَثْنَى مِنْ زَيْدٍ وَجْهَهُ. أَوْ مِنْ الدَّارِ بَابَهَا، فَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي أَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ، لِأَنَّ وَجْهَ زَيْدٍ جُزْءٌ مِنْهُ. انْتَهَى. قِيلَ: وَهَذَا الْخِلَافُ غَرِيبٌ، وَقَدْ جَزَمَ الْأَصْحَابُ بِدُخُولِ بَابِ الدَّارِ فِي بَيْعِهَا، وَلَمْ يَحْكُوا خِلَافًا. قُلْت: يُؤْخَذُ مِنْ " الْمُسْتَصْفَى " الْخِلَافُ، فَإِنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ، وَشَرَطَ هُوَ قَبْلَ ذَلِكَ كَوْنَهُ مِنْ الْجِنْسِ. قَالَ: لِأَنَّ اسْمَ الدَّارِ لَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْبَابِ، وَلَا اسْمُ زَيْدٍ عَلَى وَجْهِهِ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مِائَةُ ثَوْبٍ إلَّا ثَوْبًا. قَالَ: وَعَلَى هَذَا قَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجِنْسِ، وَشَرَطَ هُوَ قَبْلَ ذَلِكَ كَوْنَهُ مِنْ الْجِنْسِ، فَجَاءَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَيَجِيءُ عَلَى الثَّانِي قَوْلُهُ: عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهُ بِقَوْلِك: رَأَيْت زَيْدًا إلَّا يَدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهُ بِاسْمِ الْجُمْلَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ، أَوْ إلَّا زَيْدًا، وَهُوَ الْأَشْبَهُ فِيهِ. وَأَمَّا الْخِلَافُ الْأَوَّلُ، فَذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي " إذْ قَالَ: فَإِنْ عَادَ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ صَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَأَبْطَلَهُ قَوْمٌ فِيهِمَا. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِي " الْعُدَّةِ " فِي بَابِ الْإِقْرَارِ: إذَا جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا: هَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمَعْنَى، أَوْ مِنْ اللَّفْظِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ الْمَعْنَى، فَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ قِيمَةِ الدَّنَانِيرِ مِائَةَ دِرْهَمٍ. وَالثَّانِي: مِنْ اللَّفْظِ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَشْهَدُ لِهَذَا. انْتَهَى.

стр. 1580

تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: قَالَ ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ ": لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجِنْسِ هُنَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ، فَإِنَّ الْجَوَاهِرَ كُلَّهَا عِنْدَهُمْ مُتَجَانِسَةٌ، بَلْ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِجِنْسٍ يُسْتَثْنَى مِنْهُ بِلَفْظٍ لَمْ يُوضَعْ لِذَلِكَ الْجِنْسِ، نَحْوُ: مَالِي ابْنٌ إلَّا بِنْتٌ، فَإِنَّ لَفْظَ الِابْنِ غَيْرُ جِنْسِ لَفْظِ الْبِنْتِ. وَقَالَ السُّهْرَوَرْدِيّ: لَا نَعْنِي بِالْجِنْسِ هُنَا الْمَنْطِقِيَّ، فَإِنَّ الثَّوْرَ مُجَانِسٌ لِلْإِنْسَانِ وَمُشَارِكٌ لَهُ فِي الْجِنْسِ الْأَقْرَبِ، بَلْ نَعْنِي بِهِ غَيْرَ الْمُشَارِكِ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ. قَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: الْأَصْلُ كَوْنُهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَمَعْنَى الْمُجَانِسَةِ أَنْ لَا يُقْصَرَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْمُسْتَثْنَى فِي الْفِعْلِ الَّذِي وَرَدَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ سَوَاءٌ كَانَ رَاجِحًا عَلَيْهِ أَوْ لَا، وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ ": لَوْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي الدَّارِ إلَّا رَجُلٌ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَكَانَ فِي الدَّارِ شَاةٌ لَا يَحْنَثُ، لِقُصُورِ الشَّاةِ عَلَى الْآدَمِيِّ فِي الْكَيْنُونَةِ فِي الدَّارِ، لِأَنَّ كَيْنُونَةَ الْآدَمِيِّ، فِي الدَّارِ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَالِاخْتِيَارِ، وَكَيْنُونَةَ الشَّاةِ بِطَرِيقِ الْقَصْرِ وَالتَّبَعِيَّةِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ فِي الدَّارِ إلَّا شَاةً فَعَبْدُهُ حُرٌّ، فَكَانَ فِيهَا آدَمِيٌّ حَنِثَ، لِقُصُورِ الشَّاةِ عَنْ الْآدَمِيِّ فِي الْكَيْنُونَةِ. الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَوْنِهِ الِاسْتِثْنَاءَ مُخَصِّصًا يَشْمَلُ الْمُتَّصِلَ وَالْمُنْقَطِعَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَا تَخْصِيصَ فِيهِ وَلَا بَيَانَ، لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنْ الْمُسْتَثْنَى شَيْئًا، وَإِنَّمَا هُوَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، فَإِنْ زَعَمَ الْخَصْمُ أَنَّهُ يُخَصَّصُ بِهِ، وَأَنَّهُ مَعَ الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَذَلِكَ اعْتِرَافٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ الْجِنْسِ لَا مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.

стр. 1581

وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ يُخَصَّصُ تَخْصِيصًا مَا، وَلَيْسَ كَالْمُتَّصِلِ لِأَنَّ الْمُتَّصِلَ يُخَصِّصُ مِنْ الْجِنْسِ أَوْ الْجُمْلَةِ، وَالْمُنْقَطِعَ يُخَصِّصُ أَجْنَبِيًّا مِنْ ذَلِكَ. قُلْت: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُتَّصِلَ يُخَصِّصُ الْمَنْطُوقَ لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ، وَأَمَّا الْمُنْقَطِعُ فَيُخَصِّصُ الْمَفْهُومَ، لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ، فَإِذَا قِيلَ: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا حِمَارًا، فَقِيلَ وُرُودُ الِاسْتِثْنَاءِ كَانَ يُفْهَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُمْ، فَالِاسْتِثْنَاءُ حِينَئِذٍ مِنْ الْمَفْهُومِ الْمُقَدَّرِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنَّمَا يَصِحُّ جَعْلُهُ مُخَصَّصًا إذَا جَعَلْنَا لِلْمَفْهُومِ عُمُومًا. [مَسْأَلَةٌ شُرُوطُ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ] مَسْأَلَةٌ: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ شُرُوطٌ أَحَدُهَا الِاتِّصَالُ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَفْظًا، بِأَنْ يُعَدَّ الْكَلَامُ وَاحِدًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا، أَوْ حُكْمًا بِأَنْ يَكُونَ انْفِصَالُهُ وَتَأَخُّرُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَدْ اسْتَوْفَى غَرَضَهُ مِنْ الْكَلَامِ كَالسُّكُوتِ، لِانْقِطَاعِ نَفْسٍ أَوْ بَلْعِ رِيقٍ، فَإِنْ انْفَصَلَ لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَغَا. وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَوَّزَ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ عَلَى نَحْوِ مَا جَوَّزَهُ مِنْ تَأْخِيرِ التَّخْصِيصِ عَنْ الْعُمُومِ وَالْبَيَانِ عَنْ الْمُجْمَلِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ عَنْهُ، فَقِيلَ إلَى شَهْرٍ: وَقِيلَ إلَى سَنَةٍ، وَقِيلَ: أَبَدًا.

стр. 1582

ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ رَدَّهُ، وَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيِّ، بِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ ارْتِفَاعِ الثِّقَةِ بِالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ، لِإِمْكَانِ تَرَاخِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَصِحَّ يَمِينٌ قَطُّ. وَمِنْهُمْ مِنْ أَوَّلَهُ، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بِمَا إذَا نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا بِالْكَلَامِ، ثُمَّ أَظْهَرَ نِيَّتَهُ بَعْدَهُ، فَإِنَّهُ يُدَيَّنُ، وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ مَا يُدَيَّنُ فِيهِ الْعَبْدُ يُقْبَلُ ظَاهِرًا. وَقِيلَ: يَجُوزُ بِشَرْطٍ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا زَيْدًا: أُرِيدَ الِاسْتِثْنَاءُ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ. وَقِيلَ: أَرَادَ بِهِ اسْتِثْنَاءَاتِ الْقُرْآنِ، فَيَجُوزُ فِي كَلَامِ اللَّهِ خَاصَّةً. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ التَّأْخِيرَ فِيهِ غَيْرُ قَادِحٍ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ خَيَالٌ تَخَيَّلُوهُ مِنْ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ الصَّائِرِينَ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْأَزَلِيَّ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا التَّرْكِيبُ فِي جِهَاتِ الْوُصُولِ لِلْمُخَاطَبِينَ، لَا فِي كَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَالَ الْمُقْتَرِحُ: هُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ، فَلَا يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَكَذَلِكَ الْمُثْبَتُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، لِأَنَّهُ إنَّمَا نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ لَا تُجَوِّزُ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمَنْقُولُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّمَا هُوَ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً، كَمَنْ حَلَفَ، وَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْإِخْرَاجِ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا. قَالَ: وَنَقَلَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مُدْرِكَهُ فِي ذَلِكَ ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] قَالُوا: الْمَعْنَى إذَا نَسِيتَ قَوْلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُلْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلَمْ يُخَصِّصْ.

стр. 1583

قُلْت: وَفِي مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَى يَمِينٍ فَلَهُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ إلَى سَنَةٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] قَالَ: إذَا ذَكَرَ اسْتَثْنَى، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ: لَوْ صَحَّ هَذَا عِنْدَهُ، لَاحْتَمَلَ رُجُوعَهُ إذْ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَسْنَدَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ ذُكِرَتْ طُرُقُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي " الْمُعْتَبَرِ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمِنْهَاجِ وَالْمُخْتَصَرِ. وَحَكَى ابْنُ النَّجَّارِ فِي " تَارِيخِ بَغْدَادَ " أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ أَرَادَ الْخُرُوجَ مَرَّةً مِنْ بَغْدَادَ فَاجْتَازَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، وَإِذَا بِرَجُلٍ عَلَى رَأْسِ سَلَّةٍ فِيهَا بَقْلٌ، وَهُوَ يُحْمَلُ عَلَى ثِيَابِهِ، وَهُوَ يَقُولُ لِآخَرَ مَعَهُ: مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ غَيْرُ صَحِيحٍ، إذْ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَمَا قَالَ تَعَالَى لِأَيُّوبَ ﵊: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] بَلْ كَانَ يَقُولُ لَهُ: اسْتَثْنِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّحَيُّلِ فِي الْبِرِّ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: بَلْدَةٌ فِيهَا رَجُلٌ يَحْمِلُ الْبَقْلَ، وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا. وَمِثْلُهُ احْتِجَاجُ بَعْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] فَلَوْ جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الِاتِّصَالِ لَمْ يَكُنْ لِشَرْعِ الْكَفَّارَةِ وَإِيجَابِهَا مَعْنًى، لِأَنَّهُ كَانَ يُسْتَثْنَى.

стр. 1584

وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ اسْتَدْعَى أَبَا يُوسُفَ الْقَاضِيَ وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْفَصِلَ يَلْحَقُ بِالْخِطَابِ وَيُغَيِّرُ حُكْمَهُ، وَلَوْ بَعْدَ زَمَانٍ. فَقَالَ: عَزَمَتْ عَلَيْك أَنْ تُفْتِيَ بِهِ، وَلَا تُخَالِفَهُ. وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ لَطِيفًا فِيمَا يُورِدُهُ، مُتَأَنِّيًا فِيمَا يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ: رَأْيُ ابْنُ عَبَّاسٍ يُفْسِدُ عَلَيْك بَيْعَتَك؛ لِأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَك، وَبَايَعَك رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ، وَاسْتَثْنَى. فَانْتَبَهَ الرَّشِيدُ، وَقَالَ: إيَّاكَ أَنْ تُعَرِّفَ النَّاسَ مَذْهَبَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَاكْتُمْهُ. وَقَالَ ابْنُ ظَفَرَ فِي " الْيَنْبُوعِ ": إذَا حَقَّقْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ضَعُفَ أَمْرُ الْخِلَافِ فِيهَا. وَتَحْقِيقُهَا أَنَّهُ لَا يَخْلُو الْحَالِفُ التَّارِكُ لِلِاسْتِثْنَاءِ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْجَزْمَ، وَتَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ، فَمَا أَظُنُّ الْخِلَافَ يَقَعُ فِي مِثْلِ هَذَا. أَوْ يَكُونُ نَوَى أَنْ يَسْتَثْنِيَ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِالِاسْتِثْنَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ فَتَلَفَّظَ بِهِ، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُعَدَّ اسْتِثْنَاؤُهُ لَغْوًا. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَاهِلًا عَنْ الْأَمْرَيْنِ مَعًا، فَهَذِهِ الصُّورَةُ صَالِحَةٌ لِلِاخْتِلَافِ، وَلَا يَظْهَرُ فِيهَا قَوْلُ مَنْ صَحَّحَ الِاسْتِثْنَاءَ، لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تَشْهَدُ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَحْلِفْ، وَلَا تَضَمَّنَتْ الْآيَةُ ذِكْرَ يَمِينٍ. انْتَهَى.

стр. 1585

وَاعْلَمْ أَنَّ سَبَبَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هَلْ هُوَ حَالٌ لِلْيَمِينِ بَعْدَ انْعِقَادِهَا، أَوْ مَانِعٌ مِنْ الِانْعِقَادِ لَا حَالٌ؟ فَمَنْ قَالَ: مَانِعٌ شَرَطَ الِاتِّصَالَ. وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ حَالٌ، فَقِيلَ: بِالْقُرْبِ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَأْقِيتٍ بِالْقُرْبِ. وَفِي الْبَابِ قَوْلُهُ ﵇: «إلَّا الْإِذْخِرَ» . وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ لَمَّا قَالَ: لَأَطُوفَنَّ الْحَدِيثَ، «وَقَوْلُهُ ﵇ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ: إلَّا سَهْلَ بْنَ بَيْضَاءَ» . الشَّرْطُ الثَّانِي عَدَمُ الِاسْتِغْرَاقِ، وَإِلَّا لَتَنَاقَضَ، فَالِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرِقُ بَاطِلٌ، وَيَبْقَى أَصْلُ الْكَلَامِ عَلَى حَالِهِ، حَكَوْا فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ وَالنَّقْلِ نِزَاعٌ فِي الْمَذَاهِبِ. أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ رَأَيْت فِي كِتَابِ

стр. 1586

الْمَدْخَلِ " لِابْنِ طَلْحَةَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ حِكَايَةَ قَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ فِي: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا، وَقَدْ حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا عَنْهُ، وَنَقَلَ اللَّخْمِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ بَعْضِهِمْ فِي أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ، لِأَنَّ النَّدَمَ مُنْتَفٍ بِإِمْكَانِ الرَّجْعَةِ، بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا، لِظُهُورِ النَّدَمِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَيَّدُوا الْبُطْلَانَ بِمَا إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، نَحْوُ: نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا نِسَائِي. أَوْ أَوْصَيْت بِثُلُثِ مَالِي إلَّا ثُلُثَ مَالِي، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْرَقًا فِي الْوَاقِعِ نَحْوُ: نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا هَؤُلَاءِ، وَأَشَارَ إلَيْهِنَّ، وَأَوْصَيْت لَهُ بِثُلُثِ مَالِي، إلَّا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ. كَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْهِدَايَةِ " فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الزِّيَادَاتِ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ اللَّفْظِ لَا عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ عَشْرَ طَلَقَاتٍ إلَّا ثَمَانِيَ طَلْقَاتٍ، تَقَعُ طَلْقَتَانِ، وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَشَرَةُ لَا صِحَّةَ لَهَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمِ، وَمَعَ هَذَا لَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَيُلْغَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ، لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ تَتْبَعُ صِحَّةَ اللَّفْظِ دُونَ الْحُكْمِ. وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَتَى وَقَعَ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ فَهُوَ يَصْلُحُ لِإِخْرَاجِ

стр. 1587

مَا تَنَاوَلَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ لِعَدَمِ مِلْكِهِ، لَا لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ اللَّفْظِ، وَمُتَصَوَّرٌ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِلْكِهِ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ النِّسْوَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِ ذَلِكَ اللَّفْظِ، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِإِخْرَاجِ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ اللَّفْظُ، فَلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ وَأَمَّا عِنْدَنَا أَيْ الشَّافِعِيَّةِ فَهَذَا مَا لَمْ يُعَقِّبْهُ بِاسْتِثْنَاءٍ آخَرَ، فَلَوْ عَقَّبَهُ بِاسْتِثْنَاءٍ آخَرَ، نَحْوُ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً، إلَّا ثَلَاثَةً، فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْأَوَّلَ لَمْ يَصِحَّ، فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ، وَقِيلَ: سَبْعَةٌ، وَالْأَوَّلُ لَا يَصِحُّ، وَسَقَطَ مِنْ الْبَيْنِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَالْمَنْعُ مِنْهُ أَوْلَى. وَعَنْ الْفَرَّاءِ جَوَازُهُ فِي الْمُنْقَطِعِ، نَحْوُ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا أَلْفَيْنِ، لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَفْهُومِ وَفِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ لَفْظًا كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا، أَمَّا حَالًا وَحُكْمًا فَيَصِحُّ كَقَوْلِهِ: نِسَائِي طَوَالِقُ إلَّا فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ وَفُلَانَةَ، وَلَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ سِوَاهُنَّ، فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَلَا تَطْلُقُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعًا إلَّا ثَلَاثَةً صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَتَقَعُ وَاحِدَةٌ ثُمَّ إمَّا أَنْ يُسْتَثْنَى الْأَقَلُّ أَوْ الْأَكْثَرُ أَوْ الْمُسَاوِي: أَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ فَجَائِزٌ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " إنْ كَانَ لَيْسَ بِوَاحِدٍ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، نَحْوُ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا حَبَّةً، أَوْ إلَّا سُدُسًا. وَإِنْ كَانَ جُزْءًا صَحِيحًا كَالْوَاحِدِ، وَالثُّلُثِ فَالْمَشْهُورُ جَوَازُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَهْجَنَهُ، وَقَالَ: الْأَحْسَنُ فِي الْخِطَابِ أَنْ يَقُولَ: لَهُ عِنْدِي تِسْعَةٌ، وَلَا يَقُولُ عَشَرَةٌ، إلَّا وَاحِدًا. وَقَالَ فِي " شَرْحِ التَّلْقِينِ " عَنْ قَوْمٍ: إنَّهُمْ شَذُّوا، فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ إلَّا

стр. 1588

لِضَرُورَةٍ إلَيْهِ، كَاسْتِثْنَاءِ الْكُسُورِ، كَقَوْلِهِ: لَهُ عِنْدِي مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا رُبْعَ دِرْهَمٍ، أَوْ إلَّا نِصْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالُوا: قَوْلُك: مِائَةُ دِرْهَمٍ إلَّا عَشَرَةً، يَعْنِي لَهُ عِنْدِي تِسْعُونَ، فَنُقِضَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] وَفِي هَذَا اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَكْثَرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ كَسْرًا فِي الْعَدَدِ، فَأَجَابُوا بِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْكَسْرِ، لِأَنَّ التَّجْزِئَةَ الْمُقْتَرَحَةَ مِنْ النِّصْفِ إلَى الْعُشْرِ، وَهَذَا كَالْكَسْرِ لِأَنَّ الْخَمْسِينَ مِنْ الْأَلْفِ كَنِصْفِ الْعُشْرِ، فَصَارَ فِي مَعْنَى اسْتِثْنَاءِ الْكَسْرِ وَهَذَا مَرْدُودٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَتَكَلُّفٌ فِيهِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. وَأَمَّا اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلنُّحَاةِ: أَحَدُهُمَا: يَمْتَنِعُ، وَعَلَيْهِ الزَّجَّاجُ، وَقَالَ: وَلَمْ تَرِدْ بِهِ اللُّغَةُ، وَلِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا نَقَصَ يَسِيرًا لَمْ يَزُلْ عَنْهُ اسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَلَوْ اسْتَثْنَى أَكْثَرَ لَزَالَ الِاسْمُ. وَقَالَ ابْنُ جِنِّي: لَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي مِائَةٌ إلَّا سَبْعَةً وَتِسْعِينَ، مَا كَانَ مُتَكَلِّمًا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ عَبَثًا مِنْ الْقَوْلِ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَاب " الْمَسَائِلِ ": لَا يَجْرِي فِي اللُّغَةِ، لِأَنَّ تَأْسِيسَ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى تَدَارُكِ قَلِيلٍ مِنْ كَثِيرٍ أَغْفَلْتَهُ أَوْ نَسِيتَهُ لِقِلَّتِهِ، ثُمَّ تَدَارَكْته بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَلِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَنْقُصُ نُقْصَانًا يَسِيرًا، فَلَا يَزُولُ عَنْهُ اسْمُ الشَّيْءِ، وَأَمَّا مَعَ الْكَثْرَةِ فَيَزُولُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: إنَّهُ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ النُّحَاةِ، وَأَجَازَهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْهُمْ، وَأَجَازَهُ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ، نَحْوُ: لَهُ عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً. فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ. وَهُوَ قَوْلُ السِّيرَافِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ مِنْ النُّحَاةِ مُحْتَجِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]

стр. 1589

وَالْمُتَّبِعُونَ لَهُ هُمْ الْأَكْثَرُ، بِدَلِيلِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] . وَأُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ، وَالْعِبَادَ الْمُضَافِينَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى هُمْ الْمُؤْمِنُونَ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِتَشْرِيفِ الْمُضَافِ، لَكِنَّهُ يَدْخُلُ الْغَاوُونَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُتَّصِلٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] أَقَلُّ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. لِأَنَّ قَوْلَهُ يَتَنَاوَلُ الْمَلَكَ، وَالْإِنْسَ وَالْجِنَّ، وَكُلُّ الْغَاوِينَ أَقَلُّ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ: «الْمَلَائِكَةُ يَطُوفُونَ بِالْمَحْشَرِ سَبْعَةَ أَدْوَارٍ» وَذَلِكَ أَعْظَمُ مَنْ فِي الْمَحْشَرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: الْقَاطِعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْغَاوِينَ مِنْ الْمُخْلَصِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَاسْتَثْنَى الْمُخْلَصِينَ مِنْ الْغَاوِينَ فِي قَوْلِهِ حِكَايَةً عَنْ إبْلِيسَ: ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] ، فَلَوْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَقَلَّ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَاوِينَ وَالْمُخْلَصِينَ أَقَلَّ مِنْ الْآخَرِ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: " مِنْهُمْ " عَائِدٌ لِبَنِي آدَمَ، وَالْمُخْلَصُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ، وَانْفَصَلَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ، فَقَالَ: " الْمُخْلَصُونَ " هُنَا هُمْ الْأَنْبِيَاءُ، وَالْمَلَائِكَةُ وَسُكَّانُ السَّمَوَاتِ، وَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ الْغَاوِينَ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ اسْتِثْنَاءِ الْأَقَلِّ مِنْ الْأَكْثَرِ.

стр. 1590

وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ وَجْهًا آخَرَ: وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ السَّامِعُ الْأَقَلَّ مِنْ الْأَكْثَرِ جَازَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَقْبُحُ إذَا اسْتَثْنَى مَا يَعْلَمُ السَّامِعَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِمَّا أَبْقَاهُ. وَنَقَلَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ مَنْعَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ، ثُمَّ قَالَ: وَاخْتَارَهُ الْأَشْعَرِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ فِي " شَرْحِ التَّلْقِينِ " عَنْ ابْنِ دُرُسْتَوَيْهِ، قَالَ: وَذُكِرَ أَنَّهُ نَاظَرَ فِي ذَلِكَ أَبَا عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَذَكَرَ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ " أَنَّ لِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَيْنِ، وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ "، وَهُوَ غَرِيبٌ. وَمِنْ شُبَهِ الْمُجَوِّزِينَ الْقِيَاسُ عَلَى الْمُخَصَّصِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مَا خُصِّصَ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ فِي الْعُمُومِ، فَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ إذَا قُلْنَا إنَّ اللُّغَةَ تَثْبُتُ قِيَاسًا، فَإِنْ مَنَعْنَاهُ لَمْ يَتِمَّ، وَكَثِيرًا مَا يَتَّحِدُ الْمَعْنَى، وَتَخْتَلِفُ أَحْكَامُ إعْرَابِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ يَحْسُنُ إخْرَاجُ أَكْثَرِ الْعُمُومِ بِغَيْرِ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَيَصِحُّ بِهِ، ثُمَّ الْمَانِعُونَ لِلْأَكْثَرِ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْقَلِيلِ الَّذِي يُسْتَثْنَى، فَقَالَ ابْنُ مُغِيثٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ: هُوَ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ، هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَأَمَّا الْمُسَاوِي، فَمَنْ جَوَّزَ الْأَكْثَرَ فَهُوَ هُنَا أَجْوَزُ، وَمَنْ مَنَعَهُ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ. وَطَرَدَ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ فَأَلْحَقَهُ بِأَكْثَرَ فِي الْمَنْعِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ، وَاحْتَجَّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] ﴿نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٣] فَالضَّمِيرُ فِي (نِصْفَهُ) عَائِدٌ عَلَى اللَّيْلِ قَطْعًا، (وَنِصْفَهُ) بَدَلٌ، فَإِمَّا مِنْ اللَّيْلِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ، فَيَكُونُ إلَّا قَلِيلًا نِصْفًا، وَإِمَّا مِنْ قَلِيلٍ. فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِاللَّيْلِ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا تَمَسَّكَ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْأَكْثَرِ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ: (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) . وَأُجِيبَ بِأَنَّ نِصْفَهُ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، أَيْ: قُمْ نِصْفَهُ، لَا بَدَلَ،

стр. 1591

لِأَنَّ النِّصْفَ لَا يُقَالُ فِيهِ: قَلِيلٌ: وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ أَوَّلًا بِقِيَامِ اللَّيْلِ إلَّا قَلِيلًا، فَيَكُونُ أَمْرًا بِقِيَامِ الْأَكْثَرِ، فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: نِصْفَهُ مُخَالِفٌ لَهُ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ، وَشَرْطُ النَّاسِخِ أَنْ يَكُونَ مُتَرَاخِيًا. وَقَالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: بَلْ ضَمِيرُ (نِصْفُهُ) يَعُودُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ، بَدَلُ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ، وَجَازَ وَإِنْ كَانَ الْقَلِيلُ مُبْهَمًا، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِالْعَادَةِ، أَيْ مَا يُسَمَّى قَلِيلًا فِي الْعَادَةِ وَنَقَلَ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ مَنْعَ اسْتِثْنَاءِ الْأَكْثَرِ. قَالَ: وَلَهُ فِي الْمُسَاوِي وَجْهَانِ، وَنَقَلَ الْمَازِرِيُّ وَالْبَاجِيُّ عَنْ الْقَاضِي قَوْلَيْنِ فِي أَكْثَرَ. وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْمَازِرِيُّ، وَالْآمِدِيَّ عَنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْأَكْثَرُ وَالْمُسَاوِي. وَشَرَطُوا أَنْ يَنْقُصَ عَنْ النِّصْفِ، وَحَكَاهُ الْآمِدِيُّ فِي " شَرْحِ الْجُزُولِيَّةِ " عَنْ الْبَصْرِيِّينَ. وَاَلَّذِي فِي " التَّقْرِيبِ " لِلْقَاضِي: يَمْتَنِعُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ فِي الْأَشْبَهِ عِنْدَنَا، وَإِنْ كُنَّا قَدْ نَصَرْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ جَوَازَهُ، وَلِهَذَا قَالَ الْمَازِرِيُّ: آخِرُ قَوْلَيْ الْقَاضِي الْمَنْعُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الْقَاضِي لِلْمُسَاوِي: وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: كَانَ الْقَاضِي أَوَّلًا يُجَوِّزُ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ آخِرًا فِي " التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ " وَقَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ صَحَّ، وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالْعُقُودِ، قَالُوا: وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إذَا كَانَتْ الْكَثْرَةُ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجٍ لَا مِنْ اللَّفْظِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَحْسُنُ الِاحْتِجَاجُ

стр. 1592

عَلَيْهِمْ بِالْآيَةِ السَّابِقَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عَدَدٌ مَحْصُورٌ، وَفَرَّقُوا بِوُرُودِ اللُّغَةِ فِي هَذَا دُونَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ حَمْلَ الْجِنْسِ عَلَى الْعُمُومِ إنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيقِ الِاحْتِمَالِ لَا مِنْ جِهَةِ الْقَطْعِ عَلَى جَمِيعِ الْجِنْسِ، بِخِلَافِ الْأَعْدَادِ فَإِنَّ جَمِيعَهَا مَنْطُوقٌ بِهَا فَصَارَ صَرِيحًا. قَدْ صَرَّحُوا بِحِكَايَةِ هَذَا مَذْهَبًا آخَرَ، وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ صَرِيحًا، فَلَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ الْأَكْثَرِ نَحْوُ: عَشَرَةٌ إلَّا تِسْعَةً، وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَيَجُوزُ نَحْوُ: خُذْ الدَّرَاهِمَ إلَّا مَا فِي الْكِيسِ الْفُلَانِيِّ، وَكَانَ مَا فِي الْكِيسِ أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِي. وَحَكَى ابْنُ الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي كِتَابِ " النُّكَتِ " لَهُ قَوْلًا رَابِعًا عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى جُمْلَةً فَيَمْتَنِعُ، نَحْوُ جَاءَ إخْوَتُك الْعَشَرَةُ إلَّا تِسْعَةً، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُفَصَّلًا وَمُعَدَّدًا فَيَجُوزُ، نَحْوُ: إلَّا زَيْدًا وَبَكْرًا وَخَالِدًا إلَى أَنْ يَأْتِيَ إلَى التِّسْعَةِ. وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ السَّابِقِ خَامِسٌ، وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ السَّامِعُ الْأَكْثَرَ مِنْ الْأَقَلِّ فَيَمْتَنِعُ، وَإِلَّا جَازَ. وَيَخْرُجُ أَيْضًا مِنْ كَلَامِ الْحَنَابِلَةِ قَوْلٌ آخَرُ هُوَ جَوَازُهُ فِي الْمُنْقَطِعِ دُونَ الْمُتَّصِلِ، فَحَصَلَ سِتَّةُ مَذَاهِبَ، ثُمَّ يُضَافُ إلَيْهَا الْقَوْلُ الْآتِي: أَنَّهُ يَصِحُّ وَلَكِنْ لَمْ تَرِدْ بِهِ اللُّغَةُ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْقَلِيلُ الَّذِي يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ الثُّلُثُ فَمَا دُونَهُ. وَهَاهُنَا فَوَائِدُ: إحْدَاهَا: أَشَارَ الْمَازِرِيُّ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ اعْتَذَرَ عَنْ الْمَانِعِ فِي الْأَكْثَرِ بِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِي الْحُكْمِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ، فَرَأَى أَنَّهَا لَمْ تَسْتَعْمِلْ اسْتِثْنَاءَ الْأَكْثَرِ مِنْ الْأَقَلِّ، وَمَا تَمَسَّكَ بِهِ الْخُصُومُ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ لُغَةِ الْعَرَبِ، لَكِنَّ الْعَرَبَ وَإِنْ

стр. 1593

لَمْ تَسْتَعْمِلْهُ فَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِقْرَارِ وَغَيْرِهِ. وَبِذَلِكَ صَرَّحَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ: فَقَالَ: يَصِحُّ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمْ يَقَعْ فِي اللُّغَةِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْخَشَّابِ مِنْ أَئِمَّةِ النُّحَاةِ: أَجَازَ قَوْمٌ اسْتِثْنَاءَ أَكْثَرِ الْجُمْلَةِ، وَمَنَعَ آخَرُونَ فَلَمْ يُجِيزُوا أَنْ يُسْتَثْنَى إلَّا مَا كَانَ دُونَ النِّصْفِ مِنْهَا، وَلِهَذَا الْقَوْلِ يَشْهَدُ قِيَاسُ الْعَرَبِيَّةِ، وَبِهِ جَاءَ السَّمَاعُ، وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ فِي الْمَعْقُولِ، وَلَكِنَّ الْآخَرَ يَمْنَعُهُ، وَمَنْ ادَّعَى فِيهِ سَمَاعًا أَوْ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَادَّعَى مَا لَا أَصْلَ لَهُ. الثَّانِيَةُ: قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ " فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ ": الصَّحِيحُ فِي الْعِبَارَةِ أَنْ يُقَالَ: يُسْتَثْنَى الْقَلِيلُ مِنْ الْكَثِيرِ، وَيُسْتَثْنَى الْكَثِيرُ مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ، فَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ يُسْتَثْنَى الْكَثِيرُ مِنْ الْقَلِيلِ، فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَيُقَالُ: عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً حَتَّى يَبْلُغَ تِسْعَةً. الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْكَلَامَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْعَدَدِ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّتِهِ، وَلِلنُّحَاةِ فِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْجَوَازُ، وَعَلَيْهِ بَنَى الْفُقَهَاءُ مَذَاهِبَهُمْ فِي الْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عُصْفُورٍ مُحْتَجًّا بِأَنَّهَا نُصُوصٌ، فَالْإِخْرَاجُ مِنْهَا يُخْرِجُهَا عَنْ النَّصِّيَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّك إذَا قُلْت: ثَلَاثَةٌ بِهِ إلَّا وَاحِدًا كُنْت قَدْ أَوْقَعَتْ الثَّلَاثَةَ عَلَى الِاثْنَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ قَوْلِك: جَاءَ الْقَوْمُ إلَّا عَشَرَةً. وَأَجَابَ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ﴾ [العنكبوت: ١٤] بِأَنَّ الْأَلْفَ لَمَّا كَانَ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّكْثِيرِ. كَقَوْلِك: اُقْعُدْ أَلْفَ سَنَةٍ، تُرِيدُ بِهَا زَمَنًا طَوِيلًا، دَخَلَ الِاحْتِمَالُ فَجَازَ أَنْ يُبَيِّنَ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ لِلتَّكْثِيرِ، قَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ

стр. 1594

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يُمْنَعُ اسْتِثْنَاءُ الْعَقْدِ نَحْوُ: قُصِدَ عِشْرُونَ إلَّا عَشَرَةً، وَيَجُوزُ اسْتِثْنَاءُ مَا دُونَهُ نَحْوُ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً. الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَقْتَرِنَ قَصْدُهُ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ، فَلَوْ بَدَا لَهُ عَقِبَ الْفَرَاغِ؛ فَالْأَصَحُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ - وَادَّعَى أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ - الْمَنْعُ لِإِنْشَائِهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ. وَإِنْ بَدَا لَهُ فِي الْأَثْنَاءِ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا - وَهُوَ نَصُّ الْبُوَيْطِيِّ - صِحَّتُهُ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَلِيَ الْكَلَامَ بِلَا عَاطِفٍ، فَلَوْ وَلِيَ الْجُمْلَةَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ كَانَ لَغْوًا بِاتِّفَاقٍ، قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَمَثَّلَهُ: بِنَحْوِ: لَهُ عِنْدِي عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَإِلَّا دِرْهَمًا أَوْ فَإِلَّا دِرْهَمًا. وَشَرَطَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " النِّهَايَةِ " أَنْ يَكُونَ مُسْتَرْسِلًا، فَإِنْ كَانَ فِي مُعَيَّنٍ لَمْ يَصِحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ، كَمَا لَوْ أَشَارَ إلَى عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَ: هَذِهِ الدَّرَاهِمُ لِفُلَانٍ إلَّا هَذَا، فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ إذَا أَضَافَ الْإِقْرَارَ إلَى مُعَيَّنٍ اقْتَضَى الْإِقْرَارُ الْمِلْكَ الْمُطْلَقَ فِيهَا. فَإِذَا أَرَادَ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْبَعْضِ كَانَ رَاجِحًا، لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ عِنْدَ الْأَصْحَابِ الصِّحَّةُ وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ كَوْنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جِنْسِ الْأَصْلِ لِيَصِحَّ خُرُوجُ بَعْضِهِ، فَإِنْ عَادَ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ صَحَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهِ. وَشَرَطَ أَيْضًا أَنْ يُعَلِّقَ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ ضِدَّ حُكْمِ الْأَصْلِ، فَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ إثْبَاتًا جَاءَ الِاسْتِثْنَاءُ نَفْيًا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ نَفْيًا جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ إثْبَاتًا، وَسَيَأْتِي.

стр. 1595

[مَسْأَلَةٌ وُجُودُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ] قِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُتَعَذِّرٌ، لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْعُمُومِ أَوْ غَيْرَ دَاخِلٍ. وَالْقِسْمَانِ بَاطِلَانِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَلِأَنَّ الْفِعْلَ لَمَّا نُسِبَ إلَيْهِ مَعَ الْقَوْمِ امْتَنَعَ إخْرَاجُهُ مِنْ النِّسْبَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ تَوَارُدُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ عَلَى مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الطَّلَاقِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ إذَا وَقَعَ لَا يَرْتَفِعُ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَلِأَنَّ مَا لَا يَدْخُلُ لَا يَصِحُّ إخْرَاجُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ تَوَارُدُ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا فُهِمَ مِنْهُ الْقِيَامُ بِمُفْرَدِهِ، وَالْقَوْمُ بِمُفْرَدِهِ، وَأَنَّ مِنْهُمْ زَيْدًا، وَفُهِمَ إخْرَاجُ زَيْدٍ مِنْ الْقَوْمِ بِقَوْلِهِ: إلَّا زَيْدًا، ثُمَّ حُكِمَ بِنِسْبَةِ الْقِيَامِ بَعْدَ إخْرَاجِ زَيْدٍ. وَعَلَى هَذَا يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الَّذِي يُورَدُ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] لِأَنَّ الْعَالِمَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ لَا يَحْكُمُ عَلَى كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْإِسْنَادِ إلَّا بَعْدَ تَمَامِهِ. [الْمَذَاهِبُ فِي تَقْدِيرِ دَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ] وَلِقُوَّةِ هَذَا الْإِشْكَالِ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي تَقْدِيرِ الدَّلَالَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَهَلْ هُوَ إخْرَاجٌ قَبْلَ الْحُكْمِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

стр. 1596

أَحَدُهَا: وَنَسَبَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ لِلْأَكْثَرِينَ، أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: عَشَرَةٌ، فِي قَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً: سَبْعَةٌ. وَقَوْلُهُ: إلَّا ثَلَاثَةً قَرِينَةٌ مُبَيِّنَةٌ، لِأَنَّ الْكُلَّ اُسْتُعْمِلَ وَأُرِيدَ بِهِ الْجُزْءُ مَجَازًا، كَالتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَرَدَّهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ إخْرَاجٌ، وَلِأَنَّ الْعَشَرَةَ نَصٌّ فِي مَدْلُولِهَا، وَالنَّصُّ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ تَخْصِيصٌ. وَإِنَّمَا التَّخْصِيصُ فِي الظَّاهِرِ. وَمَا قَالَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْكُوفِيِّينَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا. فَإِذَا قُلْت: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، فَإِنَّك أَخْبَرْت بِالْقِيَامِ عَنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ لَيْسَ فِيهِمْ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِقِيَامٍ وَلَا بِنَفْيِهِ. وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْعَشَرَةَ نَصٌّ فَسَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ الْخِلَافُ فِيهِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ لَا يَسْتَقِيمُ غَيْرُ هَذَا الْمَذْهَبِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] فَلَوْ أَرَادَ الْأَلْفَ مِنْ لَفْظِ الْأَلْفِ لَمَا تَخَلَّفَ مُرَادُهُ عَنْ إرَادَتِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ إلَّا تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ مِنْ الْأَلْفِ، كَمَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِالْعَشَرَةِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ الْوَاحِدِ لَمْ يُرِدْ مِنْهَا إلَّا التِّسْعَةَ. وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ عَشَرَةً إلَّا ثَلَاثَةً بِمَنْزِلَةِ سَبْعَةٍ مِنْ غَيْرِ إخْرَاجٍ، كَاسْمَيْنِ وُضِعَا لِمُسَمًّى وَاحِدٍ، أَحَدُهُمَا: مُفْرَدٌ وَالْآخَرُ مُرَكَّبٌ، وَجَرَى عَلَيْهِ فِي " الْمَحْصُولِ "، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَاسْتَنْكَرَ قَوْلَ الْأَوَّلِينَ، وَقَالَ: إنَّهُ مُحَالٌ، لَا يَعْتَقِدُهُ لَبِيبٌ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ خَارِجٌ مِنْ قَانُونِ اللُّغَةِ إذْ لَمْ يُعْهَدْ فِيهَا لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَلِأَنَّا نَقْطَعُ بِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بِطَرِيقِ الْإِخْرَاجِ.

стр. 1597

وَقَالَ فِي " شَرْحِ الْمُقَدِّمَةِ: إنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ أَيْضًا، لِأَنَّا قَاطِعُونَ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِالْعَشَرَةِ يُعَبِّرُ بِهَا عَنْ مَدْلُولِهَا، وَهُوَ خَمْسَتَانِ، وَبِإِلَّا عَنْ مَعْنَى الْإِخْرَاجِ، وَبِالْوَاحِدِ أَنَّهُ مُخَرَّجٌ، وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالُوا، لَمْ يَسْتَقِمْ فَهْمُ هَذِهِ الْمَعَانِي مِنْهَا، كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ بَعْضِ حُرُوفِ التِّسْعَةِ عِنْدَ إطْلَاقِهَا عَلَى مَدْلُولِهَا مَعْنًى آخَرُ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُصَادَرَةٌ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ الْعَشَرَةِ خَمْسَتَانِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ الدِّرْهَمِ مِنْهَا، بَلْ الْمَفْهُومُ مِنْ ذَلِكَ تِسْعَةٌ لَا غَيْرُ، وَلَا " بِإِلَّا " مَعْنَى الْإِخْرَاجِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لُغَةً: الصَّرْفُ وَالرَّدُّ. وَقَوْلُهُ: كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ لَيْسَ بِنَظِيرِ مَا نَحْنُ فِيهِ، إذْ عَدَمُ فَهْمِ مَا ذُكِرَ لِعَدَمِ الْوَضْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ فِي غَيْرِهَا، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا ذُكِرَ لُغَةً وَعُرْفًا. وَاعْلَمْ أَنَّ قَصْدَ الْبَاجِيِّ بِهَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ التَّخْصِيصِ بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ أَوْ مُنْفَصِلٍ، فَإِنْ كَانَ بِدَلِيلٍ مُتَّصِلٍ فَمِنْ الْبَاقِي حَقِيقَةً، أَوْ مُنْفَصِلٍ فَإِنَّ الْبَاقِيَ مَجَازٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ: إنَّ الْكَلَامَ بِجُمْلَتِهِ يَصِيرُ عِبَارَةً عَنْ أَمْرٍ آخَرَ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ، أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُرَادٌ بِتَمَامِهِ، ثُمَّ أُخْرِجَ الْمُسْتَثْنَى، ثُمَّ حُكِمَ بِالْإِسْنَادِ بَعْدَهُ تَقْدِيرًا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ ذِكْرًا، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِك: عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، عَشَرَةٌ بِاعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ ثُمَّ أُخْرِجَتْ ثَلَاثَةٌ، ثُمَّ أُسْنِدَ إلَى الْبَاقِي تَقْدِيرًا، فَالْمُرَادُ بِالْإِسْنَادِ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، وَرَجَّحَهُ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلِذَلِكَ لَا يَحْكُمُ عَالِمٌ بِلُغَةِ الْعَرَبِ بِالْإِسْنَادِ قَبْلَ تَمَامِهِ لِتَوَقُّعِ التَّغْيِيرِ قَبْلَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ غَيْرِهِ، وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا أُورِدَ عَلَى حَقِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ كَوْنِهِ إنْكَارًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَتَنَاقَضَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْمَذْهَبِ وَالْأَوَّلِ، أَنَّ الْأَفْرَادَ بِكَمَالِهَا غَيْرُ مُرَادَةٍ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ

стр. 1598

الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِ، وَفِي الثَّالِثِ مُرَادَةٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا هُوَ لِتَغَيُّرِ النِّسْبَةِ لَا لِلدَّلَالَةِ عَلَى عَدَمِ الْمُرَادِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ هُوَ تَخْصِيصٌ أَمْ لَا؟ فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي لَيْسَ تَخْصِيصًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَخْصِيصٌ قَطْعًا، وَعَلَى الثَّالِثِ يُحْتَمَلُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ خَاصٌّ لِعَدِّهِمْ إيَّاهُ مِنْ التَّخْصِيصِ الْمُتَّصِلِ وَتَطَرُّقِهِ إلَى النُّصُوصِ. قِيلَ: لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ شَرْطُهُ الْإِرَادَةُ وَالْمُقَارَنَةُ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ إلَّا فِي قَصْدِ الِاسْتِثْنَاءِ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ السَّيْفِيَّةِ " الْجَمْعُ بَيْنَ احْتِمَالِ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ تَخْصِيصًا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ مَعَ أَنَّ الْأَفْرَادَ مُرَادَةٌ بِكَمَالِهَا فِيهِ مُشْكِلٌ، فَإِنَّهُمْ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَخْصُوصَ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الَّذِي خَصَّ عَنْهُ وُجُودَ التَّنَاوُلِ، فَإِنْ قُلْت: يُخَصُّ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ النُّصُوصِ. قُلْت: الَّذِي قَالَ بِالْمَذْهَبِ الثَّالِثِ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ. أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَدَدِ أَوْ غَيْرِهَا، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي تَقْدِيرِ دَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مُطْلَقٌ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَذْهَبُ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْفَرْدَ الْمَخْصُوصَ مِنْ الْعَامِّ لَيْسَ مُرَادًا مِنْهُ وَقَالَ. الْمَازِرِيُّ أَصْلُ هَذَا الْخِلَافِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْعَدَدِ هَلْ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ كَقَرِينَةٍ غَيَّرَتْ وَضْعَ الصِّيغَةِ، أَوْ لَمْ تُغَيِّرْهُ، وَإِنَّمَا كَشَفَتْ عَنْ الْمُرَادِ بِهَا؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ كَالنُّصُوصِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ سِوَى مَا يُفْهَمُ مِنْهَا قَالَ بِالْأَوَّلِ، وَيُنَزَّلُ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَالْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَدٍ مَا، وَيَكُونُ الْمُسْتَثْنَى كَجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ لِمَجْمُوعِ الدَّالِّ عَلَى الْعَدَدِ الْمُبْقَى. وَمَنْ رَأَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ لَيْسَتْ نَصًّا فَإِنَّ الْعَشَرَةَ رُبَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي عَشَرَةٍ نَاقِصَةٍ، رَأَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ دَلَّتْ عَلَى الْمُرَادِ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ،

стр. 1599

كَمَا دَلَّ قَوْلُهُ: لَا تَقْتُلُوا الرُّهْبَانَ عَلَى الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . قَالَ: وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى أَفْرَادِهِ ظَاهِرَةٌ. فَإِنْ قُلْنَا نَصٌّ فَلَا يَسْتَقِيمُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدْخُلُ عَلَى النُّصُوصِ، وَالتَّخْصِيصَ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّك إذَا اسْتَعْمَلْت الْعَشَرَةَ فِي سَبْعَةٍ مَجَازًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُك: إلَّا ثَلَاثَةً، وَالْقَاضِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عِنْدَهُمَا أَنَّ الْمَجْمُوعَ يُسْتَعْمَلُ فِي السَّبْعَةِ، وَابْنُ الْحَاجِبِ عِنْدَهُ أَنَّك تَصَوَّرْت مَاهِيَّةَ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ حَذَفْت مِنْهَا ثَلَاثَةً ثُمَّ حَكَمْت بِالسَّبْعَةِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ الْبَاقِي مِنْ عَشَرَةٍ أَخْرَجَ مِنْهَا ثَلَاثَةً، أَوْ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً لَهُ عِنْدِي. وَكُلُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى شَيْءٍ بَدَأَ بِاسْتِحْضَارِهِ فِي ذِهْنِهِ، فَهَذَا الْقَائِلُ بَدَأَ بِاسْتِحْضَارِ الْعَشَرَةِ فِي ذِهْنِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ الثَّلَاثَةَ، ثُمَّ حَكَمَ، كَمَا أَنَّك تُخْرِجُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِنْ الْكِيسِ، ثُمَّ تَرُدُّ مِنْهَا إلَيْهِ ثَلَاثَةً ثُمَّ تَهَبُ الْبَاقِي وَهُوَ السَّبْعَةُ. هَذَا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ ابْنِ الْحَاجِبِ، لَكِنَّ تَصْرِيحَهُ بِأَنَّ الْإِسْنَادَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ أَنَّ " إلَّا " أَدَاةٌ أُخْرِجَتْ مِنْ الِاسْمِ وَالْحُكْمِ، وَهَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ أَنَّ الْإِخْرَاجَ مِنْ الِاسْمِ فَقَطْ. وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ الْمُفْرَدَ لَا يُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلَوْ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ لَمْ يَنْتَظِمْ أَنْ يُقَالَ: الْعَامِلُ فِي الْمُسْتَثْنَى هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ النُّحَاةِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِسْنَادِ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، لِأَنَّ الْإِسْنَادَ لِلْجُمْلَةِ إنَّمَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَاهُ بِآخِرِ الْكَلَامِ، فَإِنْ عُطِفَ عَلَيْهَا " بِأَوْ " كَانَ

стр. 1600

ثَابِتًا لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَإِنْ عُطِفَ عَلَيْهَا بِالْوَاوِ كَانَ ثَابِتًا لِلْمَجْمُوعِ وَإِنْ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ كَانَ ثَابِتًا لِبَعْضِ مَدْلُولِهَا وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاءُ مُبَيِّنًا لِلْمُرَادِ بِالْأَوَّلِ، بَلْ يَحْصُلُ الْإِخْرَاجُ وَالْحَاصِلُ قَبْلَهُ قُصِدَ أَنْ يُسْتَثْنَى لَا بِقَصْدِ الْمَعْنَى، حَتَّى لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً، وَوَقَعَ الِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَ مَوْتِهَا، طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَلَوْ كَانَ مُبَيِّنًا لَزِمَهُ وَعَلَى هَذَا لَا يُسَمَّى تَخْصِيصًا [مَسْأَلَةٌ هَلْ يَعْمَلُ الِاسْتِثْنَاءُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ أَوْ الْبَيَانِ] تَتَفَرَّعُ عَلَى مَا سَبَقَ وَتَتَأَصَّلُ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي فِي الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَبِالْعَكْسِ، وَهِيَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعْمَلُ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ أَوْ بِطَرِيقِ الْبَيَانِ، فَقَالَ بِالثَّانِي، وَهُوَ عِنْدَهُمْ بَيَانٌ مَعْنَوِيٌّ، أَيْ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَكُنْ مُرَادًا لِلْمُتَكَلِّمِ مِنْ الْأَصْلِ، لِأَنَّهُ مَنَعَ دُخُولَهُ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَإِمَّا بِالنَّظَرِ إلَى صُورَةِ اللَّفْظِ فَهُوَ اسْتِخْرَاجٌ صُورِيٌّ. وَنَسَبُوا لِأَصْحَابِنَا الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَمْنَعُ الْحُكْمَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، مِثْلُ دَلِيلِ الْخُصُوصِ. وَالْمُرَادُ بِالْمُعَارَضَةِ أَنْ يُثْبِتَ حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ، فَإِنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْمَجْمُوعِ، وَآخِرَهُ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ إخْرَاجِ الْبَعْضِ عَنْ الْإِرَادَةِ، فَتَعَارَضَا فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ، فَتَعَيَّنَ خُرُوجُهُ عَنْ الْمُرَادِ دَفْعًا لِلتَّعَارُضِ، كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَعَلَى مَذْهَبِ الْآخَرِينَ هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِالْبَاقِي فِي صَدْرِ الْكَلَامِ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى. قُلْت: هُوَ نَظِيرُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ النَّسْخَ رَفْعٌ أَوْ بَيَانٌ، وَقَالَ صَاحِبُ

стр. 1601

الْمُحِيطِ ": الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلَّمَ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا، أَيْ تَكَلَّمَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَعْدَ صَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ الْمُسْتَثْنَى. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: لَوْ قَالَ: عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا سَالِمًا أَوْ غَانِمًا، لَا يُعْتَقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى أَحَدَهُمَا، لِأَنَّهُ فِيهِ، فَثَبَتَ حُكْمُ الشَّكِّ فِيهِمَا، وَيَصِيرُ الْكَلَامُ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى بِطَرِيقِ أَنَّهُ لَا بَعْضَ وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مَجْهُولًا، لِأَنَّ الْكَلَامَ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُسْتَثْنَى أَصْلًا، فَلَا أَثَرَ لِلْجَهَالَةِ فِيهِ. وَفِي " الْمُغْنِي " ابْنُ قُدَامَةَ: الِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا هُوَ مُبَيِّنٌ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى غَيْرُ مُرَادٍ بِالْكَلَامِ، وَهُوَ أَنْ يَمْنَعَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَا لَوْلَاهُ لَدَخَلَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] عِبَارَةٌ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَخَرَجَ بِالْخَمْسِينَ الْمُسْتَثْنَى، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦] ﴿إِلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] فَقَدْ تَبَرَّأَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ لَا أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهُ أَوَّلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ. وَفَصَّلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْعَدَدِيِّ وَغَيْرِهِ، وَقَالُوا فِي غَيْرِ الْعَدَدِيِّ: إنَّهُ إخْرَاجٌ قَبْلَ الْحُكْمِ، ثُمَّ حُكْمُهُ عَلَى الْبَاقِي، وَقَالُوا فِي الْعَدَدِيِّ: لَا إخْرَاجَ، حَتَّى قَالُوا فِي إنْ كَانَ لِي إلَّا مِائَةٌ وَكَذَا، وَلَمْ يَمْلِكْ إلَّا خَمْسِينَ لَا يَحْنَثُ قُلْت: وَمَا نَسَبُوهُ لِأَصْحَابِنَا مَمْنُوعٌ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ ": الْمُخْتَارُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ مَا لَمْ يَرِدْ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ، لَا أَنَّهُ إبْطَالُ مَا ثَبَتَ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً، يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ، لِأَنَّ الدِّرْهَمَ الزَّائِدَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ. وَاحْتَمَلَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْعَشَرَةَ،

стр. 1602

وَالشَّكُّ فِي الْمَنْفِيِّ. قُلْت: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَنْوِيَهُ مِنْ أَوَّلِ الْكَلَامِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُرَادًا بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لَا يَكُونَ؟ وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ الِاسْتِثْنَاءُ بَيَانًا لَأَدَّى إلَى النَّسْخِ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ، فَيُؤَدِّي إلَى التَّنَاقُضِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى: قَالَ: وَمَسَائِلُ الشَّافِعِيِّ كُلُّهَا تُخَرَّجُ عَلَى الْبَيَانِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى التَّعَارُضِ، لِأَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى، لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُسْتَقِلٌّ، وَالْمُسْتَثْنَى نَاقِصٌ، وَلِهَذَا لَا يُبْتَدَأُ بِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ دَعْوَى الْإِخْرَاجِ قَوْله تَعَالَى فِي حَقِّ نُوحٍ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ لَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُخَرِّجُ الْخَمْسِينَ مِنْ الْأَلْفِ بَعْدَ الْإِخْبَارِ بِلُبْثِهِ الْأَلْفَ بِكَمَالِهِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ لَكَانَ صَالِحًا لِدُخُولِ الْخَمْسِينَ تَحْتَ الْأَلْفِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ صَلَاحِيَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مُرِيدٌ لِلْأَلْفِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّهُ مَا لَبِثَ الْخَمْسِينَ، فَكَيْفَ يُرِيدُهَا؟ وَمِثْلُهُ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ: وَضْعُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يُخَرِّجَ مَا لَوْلَاهُ لَانْتَظَمَهُ، وَذَكَرَ الْإِخْرَاجَ بِاعْتِبَارِ الصَّلَاحِيَّةِ فِي اللَّفْظِ، وَبِهَذَا كُلِّهِ تَبْطُلُ دَعْوَى الْقَرَافِيِّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا إخْرَاجَ فِيهِ أَصْلًا، لِأَنَّ الْإِخْرَاجَ حَقِيقَةٌ فِيمَنْ اتَّصَفَ بِالدُّخُولِ، وَلَا يُقَالُ: خَرَجَ زَيْدٌ مِنْ الدَّارِ إذَا لَمْ يَكُنْ دَخَلَهَا إلَّا مَجَازًا وَقَدْ بَيَّنَّا الْمُرَادَ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الصَّلَاحِيَّةِ لِلدُّخُولِ، لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ، وَهُوَ كَالتَّخْصِيصِ بِالْمُقَارِنِ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا وَرَاءَ الْخُصُوصِ مِنْ الْأَصْلِ، وَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَخْصُوصَ. وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ الْمُحَارِبِينَ، فَلَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُحَارِبِينَ مُرَادًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الِابْتِدَاءِ.

стр. 1603

وَنَظِيرُ هَذَا الْخِلَافِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ خِلَافُ أَصْحَابِنَا فِيمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، هَلْ يَقَعُ الثَّلَاثُ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ قَوْلِهِ ثَلَاثَةً، أَوْ نَقُولُ: إذَا فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ ثَلَاثًا تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الثَّلَاثِ بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ؟ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَفَائِدَتُهُ: إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَتْ، ثُمَّ قَالَ: ثَلَاثًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ. [تَنْبِيهٌ جَعْلُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْمُخَصَّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ] تَنْبِيهٌ جَعْلُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْمُخَصَّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ وَاضِحٌ فِي الْكَلَامِ الْوَاحِدِ، أَمَّا لَوْ قَالَ اللَّهُ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ ﵇ عَلَى الِاتِّصَالِ: لَا الْحَرْبِيِّينَ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ. فَقَالَ قَوْمٌ: يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي كَلَامِ اللَّهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: الَّذِي أَرْتَضِيهِ أَنَّهُ إنْ أَبْدَى مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ كَلَامًا، وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْتَحَقَ بِالتَّخْصِيصِ بِالْمُنْفَصِلِ، وَلَمْ يُجْعَلْ اسْتِثْنَاءً حَقِيقِيًّا؛ بَلْ هُوَ تَخْصِيصٌ، سَوَاءٌ قُدِّرَ مُتَّصِلًا أَوْ مُنْفَصِلًا. كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ، وَأَطْلَقَ الْهِنْدِيُّ تَرْجِيحَ كَوْنِهِ مُنْفَصِلًا. وَمِنْ فُرُوعِهِ لَوْ قَالَ: لِي عَلَيْك أَلْفٌ فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: إلَّا عَشَرَةً، فَهَلْ يَكُونُ مُقِرًّا بِبَاقِي الْأَلْفِ؟ قَالَ فِي " التَّتِمَّةِ ": الْمَذْهَبُ الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ مِنْهُ إلَّا نَفْيُ مَا قَالَهُ خَصْمُهُ، وَنَفْيُ الشَّيْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ غَيْرِهِ.

стр. 1604

[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ] مَسْأَلَةٌ. الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ، وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَجَعَلُوا بَيْنَ الْحُكْمِ بِالْإِثْبَاتِ وَالْحُكْمِ بِالنَّفْيِ وَاسِطَةً، وَهِيَ عَدَمُ الْحُكْمِ، وَنُقِلَ فِي " الْمَعَالِمِ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْخِلَافُ فِي الثَّانِي. وَاخْتَارَ مَذْهَبَ الْحَنَفِيَّةِ " الْمَعَالِمُ "، وَفِي " تَفْسِيرِهِ الْكَبِيرِ " فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَوَافَقَ الْجُمْهُورَ فِي " الْمَحْصُولِ ". وَلَيْسَ كَمَا ادَّعَى مِنْ الْوِفَاقِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ عِنْدَهُمْ مَوْجُودٌ كَمَا ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ الْحَقُّ، لِأَنَّ الْمَأْخَذَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مَوْجُودٌ فِيهِمَا، وَهُوَ أَنَّ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالنَّفْيِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ بِالْإِثْبَاتِ وَاسِطَةً، وَهُوَ عَدَمُ الْحُكْمِ، وَتَرْكُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إذْ الْوَاسِطَةُ حَاصِلَةٌ. نَعَمْ، يَلْزَمُ النَّفْيُ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْإِثْبَاتِ عِنْدَهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ الْأَصْلُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْإِثْبَاتِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ اقْتَضَى ذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا كَانَ مَعْنَاهُ عِنْدَهُ أَنَّ الدِّرْهَمَ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِاللُّزُومِ، لَا أَنَّهُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِعَدَمِ اللُّزُومِ، وَحِينَئِذٍ فَعَدَمُ اللُّزُومِ لَازِمٌ لَهُ بِنَاءً عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ. وَلَعَلَّ الْإِمَامَ لِهَذَا السَّبَبِ خَصَّصَ الْخِلَافَ بِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إذْ لَا يَظْهَرُ لِلْخِلَافِ فِي الْإِثْبَاتِ فَائِدَةٌ، فَإِنَّ النَّفْيَ ثَابِتٌ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنَّ الْمَأْخَذَ مُخْتَلِفٌ، فَعِنْدَنَا بِسَبَبِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَعِنْدَهُ بِسَبَبِ الْبَقَاءِ عَلَى الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ. فَمِنْ هُنَا ظَنَّ عَدَمَ خِلَافِهِ فِيهَا، وَلِهَذَا قِيلَ: إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مِنْ جِهَةِ الدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ،

стр. 1605

وَذَلِكَ أَنَّ السُّكُوتَ عَنْ إثْبَاتِ الْحُكْمِ، يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْحُكْمِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِخِلَافِ السُّكُوتِ عَنْ النَّفْيِ إذْ لَا مُقْتَضَى مَعَهُ لِلْإِثْبَاتِ، فَهُوَ يَحْمِلُ كَلَامَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ النَّفْسِيِّ، وَكَلِمَةَ التَّوْحِيدِ عَلَى عُرْفِ الشَّارِعِ. قُلْت: وَالْحَنَفِيَّةُ مُوَافِقُونَ لِنُحَاةِ الْكُوفَةِ، إذْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ قَوْلَك: قَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِالْقِيَامِ عَنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ فِيهِمْ زَيْدٌ، وَزَيْدٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِقِيَامٍ وَلَا بِنَفْيٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ كُوفِيٌّ، فَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُهُ كَذَلِكَ، وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أَنَّ الْأَدَاةَ أَخْرَجَتْ الِاسْمَ الثَّانِيَ مِنْ الْأَوَّلِ، وَحُكْمَهُ مِنْ حُكْمِهِ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْمُتَّصِلِ، لَا فِي الْأَعَمِّ مِنْ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْقَطِعِ؛ بَلْ حَكَى الْقَرَافِيُّ فِي " الْعِقْدِ الْمَنْظُومِ " عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ أَجْرَوْا ذَلِكَ فِي التَّامِّ وَالْمُفَرَّغِ، نَحْوُ: مَا قَامَ إلَّا زَيْدٌ، قَالُوا: زَيْدٌ غَيْرُ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ بِالْإِثْبَاتِ، وَالْمَعْنَى مَا قَامَ أَحَدٌ إلَّا زَيْدٌ. قَالَ: وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ يُعْرِبُوهُ بَدَلًا لَا فَاعِلًا، وَيَكُونُ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا، وَتَقْدِيرُهُ مَا قَامَ أَحَدٌ، فَلَا يَكُونُ زَيْدٌ فَاعِلًا. وَالنُّحَاةُ لَا يُجِيزُونَ حَذْفَ الْفَاعِلِ، نَحْنُ نَقُولُ: زَيْدٌ فَاعِلٌ بِالْفِعْلِ الْمَنْفِيِّ السَّابِقِ قَبْلَ إلَّا، وَهُوَ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ عَدَمُ الْقِيَامِ، فَهُوَ غَيْرُ قَائِمٍ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، كَمَا قَالَ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ»

стр. 1606

وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠] وَاحْتَجَّ الْخَصْمُ بِوَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِك ثَنَيْت الشَّيْءَ عَنْ جِهَتِهِ، إذَا صَرَفْته عَنْهَا فَإِذَا قُلْت: لَا عَالِمَ إلَّا زَيْدٌ، فَهُنَا أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: هَذَا الْحُكْمُ وَالثَّانِي: نَفْسُ الْعَدَمِ فَقَوْلُك إلَّا زَيْدٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إلَى الْأَوَّلِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ تَحَقُّقُ الثُّبُوتِ؛ إذْ الِاسْتِثْنَاءُ إنَّمَا يُزِيلُ الْحُكْمَ بِالْعَدَمِ، فَيَبْقَى الْمُسْتَثْنَى مَسْكُوتًا عَنْهُ غَيْرَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ نَفْيٌ وَلَا إثْبَاتٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إلَى الثَّانِي، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ تَحَقُّقُ الثُّبُوتِ، لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْعَدَمِ يُحَصِّلُ الْوُجُودَ لَا مَحَالَةَ، لَكِنَّ عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى، إذْ الْأَلْفَاظُ وُضِعَتْ دَالَّةً عَلَى الْأَحْكَامِ الذِّهْنِيَّةِ، لَا عَلَى الْأَعْيَانِ الْخَارِجِيَّةِ، فَثَبَتَ أَنَّ عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْأَوَّلِ أَوْلَى الثَّانِي: مَا جَاءَ مِنْ وَضْعِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْإِثْبَاتِ كَقَوْلِهِ ﵊: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ» ، «وَلَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ» وَالْمُرَادُ فِي الْكُلِّ مُجَرَّدُ الِاشْتِرَاطِ. قَالَ: وَالصُّوَرُ الَّتِي دَلَّ فِيهَا عَلَى الْإِثْبَاتِ، يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مُسْتَفَادًا مِنْ اللَّفْظِ، بَلْ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وَأَجَابَ عَنْ الدَّلِيلِ السَّابِقِ بِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تُفِيدُ الْإِثْبَاتَ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، لَكِنَّهَا تُفِيدُهُ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الشَّرِيكِ.

стр. 1607

وَأَمَّا إثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي " شَرْحِ الْإِلْمَامِ " وَكُلُّ هَذَا عِنْدِي تَشْغِيبٌ، وَمُرَاوَغَاتٌ جَدَلِيَّةٌ، وَالشَّرْعُ خَاطَبَ النَّاسَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِهَا لِإِثْبَاتِ مَقْصُودِ التَّوْحِيدِ، وَحَصَلَ الْفَهْمُ لِذَلِكَ مِنْهُمْ، وَالْقَبُولُ لَهُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا احْتِيَاجٍ إلَى أَمْرٍ آخَرَ، وَلَوْ كَانَ وَضْعُ اللَّفْظِ لَا يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ، لَكَانَ أَهَمُّ الْمُهِمَّاتِ تَعْلِيمَ اللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ، وَالِاكْتِفَاءُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عِنْدَنَا فِي مَحَلِّ الْقَطْعِ بِالظَّنِّ، لَكِنْ هَلْ هُوَ لِمَدْلُولِ اللَّفْظِ، أَوْ لِقَرَائِنَ اخْتَصَّتْ بِهِ لَا تَبْلُغُ إلَى الْقَطْعِ؟ وَاعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَسْتَدِلُّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ رَاجِعٌ إلَى الشَّرْطِ، وَقَدْ اسْتَعْظَمَ الْقَرَافِيُّ شُبْهَتَهُمْ مِنْ «لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ» وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ الشَّرْطِ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَقَعُ فِي الْأَحْكَامِ، وَالْمَوَانِعِ وَالشُّرُوطِ. [مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ] مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّحْرِيمِ إبَاحَةٌ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الْأُصُولِيُّونَ، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ " الذَّخَائِرِ " مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي بَابِ الْعَدَدِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» وَاسْتُشْكِلَ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ عَلَى وُجُوبِ

стр. 1608

الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ: هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ لِلْوَاجِبِ مِنْ الْمُحَرَّمِ، لِأَنَّ الْإِحْدَادَ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ فَوْقَ الثَّلَاثِ حَرَامٌ، وَعَلَى الزَّوْجِ وَاجِبٌ، وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى الْوَاجِبُ مِنْ الْجَائِزِ، وَالْحَرَامُ مِنْ الْمُبَاحِ، وَيُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِالْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. [مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ] يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي " الْمَحْصُولِ " عَنْ بَعْضِهِمْ مَنْعَهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ: حَكَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مَنْعَهُ لِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْفِعْلُ الْأَوَّلُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا يَعْمَلُ عَامِلٌ فِي أَحَدِ الْمَعْمُولَيْنِ. وَلَنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩] ﴿إِلا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠] قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ: اسْتَثْنَى الْآلُ مِنْ الْقَوْمِ، ثُمَّ اسْتَثْنَى امْرَأَتَهُ. قَالَ الْقَاضِي مُجَلِّي فِي " الذَّخَائِرِ " فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْأَوَّلَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَلَمْ يَحْكِ الزَّجَّاجِيُّ سِوَاهُ، وَوَجْهُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] أَيْ لِإِهْلَاكِهِمْ، فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ آلِ لُوطٍ؛ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمُجْرِمِينَ بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَعْنَاهُ لَكِنَّ آلَ لُوطٍ، فَإِنَّهُمْ مُنَجَّوْنَ. ثُمَّ قَالَ:

стр. 1609

إلَّا امْرَأَتَهُ اسْتَثْنَاهَا مِنْ الْمُنَجِّينَ وَجُعِلَتْ مِنْ الْهَالِكِينَ، فَتَكُونُ مُسْتَثْنَاةً. قَالَ: وَهَذَا قَدْحٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ، لَكِنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الْجَوَابِ لِسَانُ الْعَرَبِ. وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ: بَابَ تَثْنِيَةِ الْمُسْتَثْنَى إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَتَقُولُ: الِاسْتِثْنَاءَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ إنْ كَانَ الْبَعْضُ مَعْطُوفًا عَلَى الْبَعْضِ كَانَ الْكُلُّ عَائِدًا إلَى الْأَوَّلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَأُسْقِطَ الْمَجْمُوعُ مِنْ الْعَدَدِ، وَيَلْزَمُ الْبَاقِي نَحْوُ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا أَرْبَعَةً، وَإِلَّا ثَلَاثَةً، وَإِلَّا اثْنَيْنِ، فَيَلْزَمُهُ وَاحِدٌ. هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَبُو مَنْصُورٍ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ: هَذَا إذَا كَانَ الْمَجْمُوعُ نَاقِصًا عَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا أَوْ أَزْيَدَ بَعْضَهَا أَوْ مَجْمُوعَهَا، فَإِنْ حَصَلَتْ الْمُسَاوَاةُ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ فَلَا شَكَّ فِي فَسَادِهِ، وَإِنْ حَصَلَتْ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَثَلًا، وَكَانَ الثَّانِي مُسَاوِيًا لِلْأَوَّلِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رُجُوعُهُ مَعَ الْأَوَّلِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَتَعَذَّرَ رُجُوعُهُ إلَى الثَّانِي بِالْعَطْفِ وَالْمُسَاوَاةِ فَيَفْسُدُ لَا مَحَالَةَ. وَهَلْ يَفْسُدُ مَعَهُ الْأَوَّلُ أَيْضًا حَتَّى لَا يَسْقُطَ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ شَيْءٌ، أَمْ يُخَصُّ الثَّانِي بِالْفَسَادِ، لِأَنَّهُ نَشَأَ مِنْهُ؟ فِيهِ احْتِمَالَاتٌ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَالظَّاهِرُ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَنْقَصَ مِنْ الْأَوَّلِ، تَعَارَضَا أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْبَعْضُ مَعْطُوفًا عَلَى الْبَعْضِ، فَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو مَنْصُورٍ إجْمَاعَ أَصْحَابِنَا عَلَى رُجُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ، وَيُوجِبُ ذَلِكَ الزِّيَادَةَ فِي الْأَصْلِ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ إلَّا دِرْهَمًا، فَأَسْقَطَ مِنْ الدِّرْهَمَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَثْنَاهُمَا مِنْ الْعَشَرَةِ دِرْهَمًا، فَيَبْقَى دِرْهَمٌ، فَيَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ. وَكَذَا قَالَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ": يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى الَّذِي يَلِيهِ، فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا أَرْبَعَةً، إلَّا ثَلَاثَةً، إلَّا اثْنَيْنِ إلَّا وَاحِدًا، لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ.

стр. 1610

وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ: يَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا إلَى الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ إثْبَاتًا كَانَ هُوَ نَفْيًا، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا كَانَ هُوَ إثْبَاتًا، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَمْسًا، إلَّا أَرْبَعًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً طَلُقَتْ طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: خَمْسًا إثْبَاتٌ. وَإِذَا قَالَ: إلَّا أَرْبَعًا كَانَ نَفْيًا، تَبْقَى وَاحِدَةٌ. فَإِذَا قَالَ: إلَّا اثْنَيْنِ فَيَقَعُ عَلَيْهَا ثَلَاثٌ، فَإِذَا قَالَ إلَّا وَاحِدَةً كَانَ نَفْيًا فَيَبْقَى طَلْقَتَانِ. اهـ. قُلْت: لَكِنْ لَا إجْمَاعَ، فَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ الْحَنَّاطِيِّ احْتِمَالًا فِيمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إلَى أَوَّلِ اللَّفْظِ، أَعْنِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. قُلْت: وَهُوَ قَوِيٌّ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ لَيْسَ لَهُ مَأْخَذٌ غَيْرُ الْقُرْبِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ، إنَّمَا يَقْتَضِي الرُّجْحَانَ. قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ هَذَا إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْأَوَّلِ. يَعْنِي كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ أَمْثِلَتُهُمْ. فَإِنْ كَانَ الثَّانِي أَكْثَرَ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ عَادَ الْكُلُّ إلَى الْمُتَقَدِّمِ، وَهُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، نَحْوُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً، وَيَلْزَمُهُ وَاحِدٌ، وَتَبِعَهُ فِي " الْمِنْهَاجِ " وَقَالَ صَاحِبُ " الذَّخَائِرِ ": هَذَا إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي مِمَّا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ مِنْ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَإِنَّ الثَّانِي لَغْوٌ. وَيَعْمَلُ الْأَوَّلُ. فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً إلَّا طَلْقَةً لَغَا الثَّانِي، وَصَارَ كَقَوْلِهِ ثَلَاثٌ إلَّا طَلْقَةً، فَتَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الثَّانِي أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ، كَقَوْلِهِ: ثَلَاثًا إلَّا طَلْقَةً إلَّا طَلْقَتَيْنِ يُلْغَى قَوْلُهُ طَلْقَتَيْنِ. قَالَ: هَذَا مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ. وَقَدْ حَكَى السِّيرَافِيُّ عَنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إعْمَالُ الِاسْتِثْنَاءَيْنِ لِجَعْلِهِمَا بِمَثَابَةِ اسْتِثْنَاءٍ وَاحِدٍ، حَتَّى لَوْ قَالَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا إلَّا دِرْهَمًا يَسْقُطَانِ مِنْ الْعَشَرَةِ وَيَصِيرُ مُقِرًّا بِثَمَانِيَةٍ. وَحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ إذَا قَالَ: مَا أَتَانِي إلَّا زَيْدٌ إلَّا عَمْرٌو يَكُونَانِ

стр. 1611

جَمِيعًا أَتَيَاهُ. فَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً، تَطْلُقُ طَلْقَةً. وَإِذَا قَالَ: ثَلَاثَةً إلَّا طَلْقَةً إلَّا طَلْقَتَيْنِ. تَطْلُقُ ثَلَاثًا، كَقَوْلِهِ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا. وَحُكِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الثَّانِي أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ مَنْفِيًّا، كَأَنَّهُ قَالَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، بَقِيَتْ سَبْعَةٌ. ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَرْبَعَةً، فَيُضَافُ إلَى السَّبْعَةِ. فَيَصِيرُ أَحَدَ عَشَرَ، فَعَلَى هَذَا وَمِثْلُهُ الطَّلَاقُ مَعَ الثَّلَاثِ، لِأَنَّا إذَا أَضَفْنَا الِاثْنَيْنِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ صَارَ أَرْبَعًا، ثُمَّ بَقِيَتْ الثَّلَاثُ. انْتَهَى. وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْفَرَّاءِ، حَكَاهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً، تَكُونُ الثَّلَاثَةُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ الْعَشَرَةِ، فَيَبْقَى سَبْعَةٌ. وَيُزَالُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ، فَيَكُونُ الْمُقَرُّ بِهِ ثَلَاثَةً، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِيمَا إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً إلَّا خَمْسَةً، لُزُومُ عَشَرَةٍ، لِأَنَّ الثَّانِيَ مُسْتَغْرِقٌ لِلْأَوَّلِ فَيُلْغِيهِ. وَذُكِرَ فِيهِ أَيْضًا فِيمَا إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا ثَلَاثَةً أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ تَوْكِيدًا، وَحَكَى فِيهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ: أَحَدُهُمَا: هَذَا. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ. أَمَّا إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مُسْتَغْرِقًا لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ دُونَ الثَّانِي لِأَنَّهُ مِنْ بَاطِلٍ، يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ، وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءَانِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يَتِمُّ بِآخِرِهِ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَهَذَا أَقْيَسُ. وَالثَّالِثُ: يَلْزَمُهُ سِتَّةٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ. وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ. قُلْت: وَالثَّانِي هُوَ نَظِيرُ مَا صَحَّحُوهُ مِنْ الطَّلَاقِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ أَنَّهُ يَقَعُ اثْنَتَانِ.

стр. 1612

[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْوَارِدُ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ يُمْكِنُ عَوْدُهُ لِجَمْعِهَا وَلِبَعْضِهَا] مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْوَارِدُ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ يُمْكِنُ عَوْدُهُ لِجَمْعِهَا وَلِبَعْضِهَا. وَمَثَّلَهُ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] فِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَنَّهُ يَعُودُ إلَى جَمِيعِهَا مَا لَمْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ " فِي بَابِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالثُّنْيَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ فِي جَمِيعِ مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ أَحَدٌ انْتَهَى وَقَالَ فِي " الْأُمِّ " فِي بَابِ الْخِلَافَةِ فِي إجَازَةِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ لِمَنْ يُنَاظِرُهُ: أَرَأَيْت رَجُلًا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُك أَبَدًا، وَلَا أَدْخُلُ

стр. 1613

لَك بَيْتًا، وَلَا آكُلُ لَك طَعَامًا، وَلَا أَخْرُجُ مَعَك سَفَرًا، وَإِنَّك لَغَيْرُ حَمِيدٍ عِنْدِي، وَلَا أَكْسُوك إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ وَاقِعًا عَلَى مَا بَعْدَ غَيْرُ حَمِيدٍ عِنْدِي، أَمْ عَلَى الْكَلَامِ كُلِّهِ؟ قَالَ: بَلْ عَلَى الْكَلَامِ كُلِّهِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: إنَّهُ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ. إنَّهُ الْمَحْكِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ: وَمَا وَجَدْت مِنْ كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ " الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ " إذَا تَابَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، ذَلِكَ بَيِّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَدَّهُ إلَى الْفِسْقِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ بِعُمُومِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْجَمِيعِ انْتَهَى. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: نَسَبَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ لِمَالِكٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذَاهِبِ أَصْحَابِهِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: قَالَ الْقَاضِي: لَوْ قُلْنَا بِالْعُمُومِ فَأَوْضَحُ الْمَذَاهِبِ صَرْفُهُ إلَى الْجَمِيعِ، وَهَذَا الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَنَقَلُوهُ عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى كُلِّهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَعُودُ إلَى الْأَخِيرَةِ خَاصَّةً، إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّعْمِيمِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي

стр. 1614

الْمَعَالِمِ " وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " الْقَوَاعِدِ ": إنَّهُ الْأَشْبَهُ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، وَحَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْفَارِسِيِّ وَاخْتَارَهُ الْمَهَابَاذِيُّ مِنْ النَّحْوِيِّينَ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ " وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ قَالَ: وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَطَلْقَةً إلَّا طَلْقَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَطْلُقُ طَلْقَةً. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ. لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى مَا يَلِيهِ، وَهُوَ الطَّلْقَةُ وَاسْتِثْنَاءُ طَلْقَةٍ مِنْ طَلْقَةٍ بَاطِلٌ، فَيَسْقُطُ. وَتَبْقَى الطَّلْقَاتُ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: قَالَ فِي " الْبُوَيْطِيِّ ": إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إلَّا أَرْبَعًا، وَقَعَتْ ثَلَاثًا. وَهَذَا إنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ جُمْلَتَيْنِ، وَاسْتَثْنَى إحْدَاهُمَا بِجُمْلَتِهَا، فَلَمْ يَقَعْ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى الْأَخِيرِ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ. أَيْ وَلَوْ عَادَ إلَى الْجَمِيعِ لَوَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: سِتًّا إلَّا أَرْبَعًا اهـ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَأْخَذُ مَا ظَنُّوهُ، وَإِنَّمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مُفَرَّعًا عَلَى أَنَّ الْمُفَرَّقَ لَا يُجْمَعُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. فَإِنْ قُلْنَا: يُجْمَعُ وَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: سِتًّا إلَّا أَرْبَعًا، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى الْمَلْفُوظِ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْمَنْوِيِّ وَقَعَ الثَّلَاثُ ثُمَّ إنَّ هَذَا لَبْسٌ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُ

стр. 1615

الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ " تَعْلِيقِهِ ": لَوْ قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا، فَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ، ثُمَّ عَقَّبَهُمَا بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ لِمَا يَلِيه، وَهُوَ يَسْتَغْرِقُهُ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ فَيَبْطُلُ. كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، فَكَذَلِكَ هُنَا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَطَلْقَةً إلَّا طَلْقَةً يَقَعُ طَلْقَتَانِ. وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ إبَاحَةِ الطَّلَاقِ قَالَ الْقَاضِي: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَ فِيهَا وَجْهًا أَنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَطَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْجُمْلَتَيْنِ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ الْعَطْفِ كَانَتَا بِمَنْزِلَةِ الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ دِرْهَمَانِ إلَّا دِرْهَمًا، وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً. وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ. انْتَهَى. وَتَمَسَّكَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِتَعْلِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمُتَقَدِّمِ كَوْنُهُ لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْأَخِيرَةِ صَارَ مُفِيدًا فَلَا حَاجَةَ إلَى صَرْفِهِ إلَى غَيْرِهِ. وَلَنَا أَنَّ الْجُمَلَ إذَا تَعَاطَفَتْ صَارَتْ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ بِدَلِيلِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ، فَإِنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى مَا تَقَدَّمَ إجْمَاعًا، فَإِنْ فَرَّقَ بِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ يَتَقَدَّمُ كَمَا يَتَأَخَّرُ، فَيَجُوزُ أَنْ يُوقَفَ مَا قَبْلَ الْآخَرِ عَلَى الِاتِّصَالِ بِالشَّرْطِ، وَلَا كَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ. قُلْنَا: هَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْجَمْعِ إذْ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَا يَلِيهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَعْلِيقِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَلَّذِي يَلِيهِ وَالْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ فِي هَذَا الْفَرْقِ سَوَاءٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَدْ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ التَّوْبَةَ قَبْلَ الْحَدِّ وَلَا بَعْدَهُ، كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ شُرَيْحٌ، لَكِنَّهُ قَالَ بِقَبُولِهَا قَبْلَهُ لَا بَعْدَهُ، فَخَالَفَ أَصْلَهُ
следующие страницы →