← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

جَمِيعًا أَتَيَاهُ. فَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً، تَطْلُقُ طَلْقَةً. وَإِذَا قَالَ: ثَلَاثَةً إلَّا طَلْقَةً إلَّا طَلْقَتَيْنِ. تَطْلُقُ ثَلَاثًا، كَقَوْلِهِ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا. وَحُكِيَ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ إذَا كَانَ الثَّانِي أَكْثَرَ مِنْ الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ مَنْفِيًّا، كَأَنَّهُ قَالَ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، بَقِيَتْ سَبْعَةٌ. ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَرْبَعَةً، فَيُضَافُ إلَى السَّبْعَةِ. فَيَصِيرُ أَحَدَ عَشَرَ، فَعَلَى هَذَا وَمِثْلُهُ الطَّلَاقُ مَعَ الثَّلَاثِ، لِأَنَّا إذَا أَضَفْنَا الِاثْنَيْنِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي إلَى مَا بَقِيَ مِنْ الثَّلَاثِ بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ الْأَوَّلِ صَارَ أَرْبَعًا، ثُمَّ بَقِيَتْ الثَّلَاثُ. انْتَهَى. وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْفَرَّاءِ، حَكَاهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ: عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا أَرْبَعَةً، تَكُونُ الثَّلَاثَةُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ الْعَشَرَةِ، فَيَبْقَى سَبْعَةٌ. وَيُزَالُ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ، فَيَكُونُ الْمُقَرُّ بِهِ ثَلَاثَةً، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ فِيمَا إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا خَمْسَةً إلَّا خَمْسَةً، لُزُومُ عَشَرَةٍ، لِأَنَّ الثَّانِيَ مُسْتَغْرِقٌ لِلْأَوَّلِ فَيُلْغِيهِ. وَذُكِرَ فِيهِ أَيْضًا فِيمَا إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا ثَلَاثَةً أَنَّ الثَّانِيَ يَكُونُ تَوْكِيدًا، وَحَكَى فِيهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ وَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ: أَحَدُهُمَا: هَذَا. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ. أَمَّا إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مُسْتَغْرِقًا لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ دُونَ الثَّانِي لِأَنَّهُ مِنْ بَاطِلٍ، يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ، وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءَانِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يَتِمُّ بِآخِرِهِ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَهَذَا أَقْيَسُ. وَالثَّالِثُ: يَلْزَمُهُ سِتَّةٌ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَاطِلٌ. وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ. قُلْت: وَالثَّانِي هُوَ نَظِيرُ مَا صَحَّحُوهُ مِنْ الطَّلَاقِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ أَنَّهُ يَقَعُ اثْنَتَانِ.

стр. 1612

[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْوَارِدُ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ يُمْكِنُ عَوْدُهُ لِجَمْعِهَا وَلِبَعْضِهَا] مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْوَارِدُ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعَاطِفَةٍ يُمْكِنُ عَوْدُهُ لِجَمْعِهَا وَلِبَعْضِهَا. وَمَثَّلَهُ ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠] فِيهِ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ أَنَّهُ يَعُودُ إلَى جَمِيعِهَا مَا لَمْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ وَنَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ " فِي بَابِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالثُّنْيَا فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ عَلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ وَآخِرِهِ فِي جَمِيعِ مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ ذَلِكَ أَحَدٌ انْتَهَى وَقَالَ فِي " الْأُمِّ " فِي بَابِ الْخِلَافَةِ فِي إجَازَةِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ لِمَنْ يُنَاظِرُهُ: أَرَأَيْت رَجُلًا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُك أَبَدًا، وَلَا أَدْخُلُ

стр. 1613

لَك بَيْتًا، وَلَا آكُلُ لَك طَعَامًا، وَلَا أَخْرُجُ مَعَك سَفَرًا، وَإِنَّك لَغَيْرُ حَمِيدٍ عِنْدِي، وَلَا أَكْسُوك إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ وَاقِعًا عَلَى مَا بَعْدَ غَيْرُ حَمِيدٍ عِنْدِي، أَمْ عَلَى الْكَلَامِ كُلِّهِ؟ قَالَ: بَلْ عَلَى الْكَلَامِ كُلِّهِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: إنَّهُ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ. إنَّهُ الْمَحْكِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، قَالَ: وَمَا وَجَدْت مِنْ كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ " الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ " إذَا تَابَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، ذَلِكَ بَيِّنٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَدَّهُ إلَى الْفِسْقِ وَرَدِّ الشَّهَادَةِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ بِعُمُومِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْجَمِيعِ انْتَهَى. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: نَسَبَهُ ابْنُ الْقَصَّارِ لِمَالِكٍ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذَاهِبِ أَصْحَابِهِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " عَنْ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: قَالَ الْقَاضِي: لَوْ قُلْنَا بِالْعُمُومِ فَأَوْضَحُ الْمَذَاهِبِ صَرْفُهُ إلَى الْجَمِيعِ، وَهَذَا الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَنَقَلُوهُ عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ قَالَ: فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَجْلِسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» قَالَ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى كُلِّهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَعُودُ إلَى الْأَخِيرَةِ خَاصَّةً، إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى التَّعْمِيمِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ. وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي

стр. 1614

الْمَعَالِمِ " وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " الْقَوَاعِدِ ": إنَّهُ الْأَشْبَهُ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " عَنْ الظَّاهِرِيَّةِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، وَأَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، وَحَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْفَارِسِيِّ وَاخْتَارَهُ الْمَهَابَاذِيُّ مِنْ النَّحْوِيِّينَ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ " وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ قَالَ: وَإِنْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَطَلْقَةً إلَّا طَلْقَةً فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَطْلُقُ طَلْقَةً. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ. لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى مَا يَلِيهِ، وَهُوَ الطَّلْقَةُ وَاسْتِثْنَاءُ طَلْقَةٍ مِنْ طَلْقَةٍ بَاطِلٌ، فَيَسْقُطُ. وَتَبْقَى الطَّلْقَاتُ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: قَالَ فِي " الْبُوَيْطِيِّ ": إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا إلَّا أَرْبَعًا، وَقَعَتْ ثَلَاثًا. وَهَذَا إنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ جُمْلَتَيْنِ، وَاسْتَثْنَى إحْدَاهُمَا بِجُمْلَتِهَا، فَلَمْ يَقَعْ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى الْأَخِيرِ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ. أَيْ وَلَوْ عَادَ إلَى الْجَمِيعِ لَوَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: سِتًّا إلَّا أَرْبَعًا اهـ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَأْخَذُ مَا ظَنُّوهُ، وَإِنَّمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ مُفَرَّعًا عَلَى أَنَّ الْمُفَرَّقَ لَا يُجْمَعُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. فَإِنْ قُلْنَا: يُجْمَعُ وَقَعَ طَلْقَتَانِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: سِتًّا إلَّا أَرْبَعًا، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى الْمَلْفُوظِ، فَإِنْ عَادَ إلَى الْمَنْوِيِّ وَقَعَ الثَّلَاثُ ثُمَّ إنَّ هَذَا لَبْسٌ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُ

стр. 1615

الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ مِنْ " تَعْلِيقِهِ ": لَوْ قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا، فَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ، ثُمَّ عَقَّبَهُمَا بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ لِمَا يَلِيه، وَهُوَ يَسْتَغْرِقُهُ، فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ فَيَبْطُلُ. كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا لَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، فَكَذَلِكَ هُنَا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَطَلْقَةً إلَّا طَلْقَةً يَقَعُ طَلْقَتَانِ. وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ إبَاحَةِ الطَّلَاقِ قَالَ الْقَاضِي: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ خَرَّجَ فِيهَا وَجْهًا أَنَّهُ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَيَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَطَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْجُمْلَتَيْنِ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ الْعَطْفِ كَانَتَا بِمَنْزِلَةِ الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ دِرْهَمَانِ إلَّا دِرْهَمًا، وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إلَّا طَلْقَةً. وَهَذَا خِلَافُ النَّصِّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْهٌ. انْتَهَى. وَتَمَسَّكَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِتَعْلِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْمُتَقَدِّمِ كَوْنُهُ لَا يُفِيدُ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْأَخِيرَةِ صَارَ مُفِيدًا فَلَا حَاجَةَ إلَى صَرْفِهِ إلَى غَيْرِهِ. وَلَنَا أَنَّ الْجُمَلَ إذَا تَعَاطَفَتْ صَارَتْ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ بِدَلِيلِ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ بِالْمَشِيئَةِ، فَإِنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى مَا تَقَدَّمَ إجْمَاعًا، فَإِنْ فَرَّقَ بِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ يَتَقَدَّمُ كَمَا يَتَأَخَّرُ، فَيَجُوزُ أَنْ يُوقَفَ مَا قَبْلَ الْآخَرِ عَلَى الِاتِّصَالِ بِالشَّرْطِ، وَلَا كَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ. قُلْنَا: هَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْجَمْعِ إذْ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَا يَلِيهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَعْلِيقِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَلَّذِي يَلِيهِ وَالْمُتَقَدِّمُ وَالْمُتَأَخِّرُ فِي هَذَا الْفَرْقِ سَوَاءٌ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقَدْ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ أَصْلَهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ التَّوْبَةَ قَبْلَ الْحَدِّ وَلَا بَعْدَهُ، كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ شُرَيْحٌ، لَكِنَّهُ قَالَ بِقَبُولِهَا قَبْلَهُ لَا بَعْدَهُ، فَخَالَفَ أَصْلَهُ

стр. 1616

تَنْبِيهٌ قِيَاسُ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا تَقَدَّمَ اخْتَصَّ بِالْجُمْلَةِ الْأُولَى، لِأَنَّهَا الَّتِي تَلِيهِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ وَالثَّالِثُ: وَالْوَقْفُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُصْرَفَ إلَى الْأَوَّلِ وَإِلَى الْمُتَوَسِّطِ وَإِلَى الْأَخِيرِ؛ وَلَكِنْ فِي الْحَالِ تَوَقَّفَ، وَالْمُتَّبَعُ الدَّلِيلُ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى انْصِرَافِهِ لِأَحَدِهَا صِرْنَا إلَيْهِ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِ " فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ ": فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ عَادَ، كَآيَةِ الْمُحَارَبَةِ؛ وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَنْعِهِ امْتَنَعَ، كَآيَةِ الْقَذْفِ. قَالَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ ": وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيَّةِ. وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ الْقَاضِي وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ، وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي " الْمُنْتَخَبِ "، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمَحْصُولِ " فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَحَكَاهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ عَنْ اخْتِيَارِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. قَالَ فَقِيلَ لَهُ: فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إذَا قَالَ الْوَاقِفُ: وَقَفْت دَارِي عَلَى [بَنِي] فُلَانٍ، وَحَبَسْت أَرْضِي عَلَى بَنِي فُلَانٍ، وَذَكَرَ نَوْعًا آخَرَ، ثُمَّ قَالَ: إلَّا الْفُسَّاقَ، فَيُصْرَفُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْكُلِّ. فَأَجَابَ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِظُهُورِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْأَنْوَاعِ، وَلَكِنْ لِلتَّعَارُضِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. وَهُمَا احْتِمَالُ عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ، أَوْ إلَى مَا يَلِيهِ، وَالتَّوَقُّفِ فِيهِ، وَلَا صَرْفَ مَعَ التَّوَقُّفِ قَالَ إلْكِيَا: وَهَذَا الْمَأْخَذُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ. فَإِنَّ التَّوَقُّفَ فِي الْمُسْتَثْنَى، يُوجِبُ التَّوَقُّفَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، حَتَّى لَا يَنْصَرِفَ إلَى الْعُدُولِ أَيْضًا. وَنَحْنُ نَصْرِفُ

стр. 1617

كُلَّ الْمَالِ إلَى الْعُدُولِ، وَالتَّوَقُّفُ يَقْتَضِي التَّوَقُّفَ فِي حَقِّ الْكُلِّ، فَإِنَّا لَا نَدْرِي أَنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ أَمْ لَا، وَهُوَ كَالتَّوَقُّفِ فِي الْمِيرَاثِ لِلْحَمْلِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَالْمَازِرِيُّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ مَسْلَكَ التَّفْصِيلِ فِي التَّوَقُّفِ، فَرَأَى أَنَّ الْجُمَلَ إنْ كَانَتْ مُتَنَاسِبَةً، وَالْغَرَضُ مِنْهَا مُتَّحِدٌ، فَاللَّفْظُ مُتَرَدِّدٌ، وَلَا قَرِينَةَ؛ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْجِهَاتِ مُتَبَايِنَةَ الْمَأْخَذِ، فَالظَّاهِرُ الِاخْتِصَاصُ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ لِانْقِطَاعِ مَا بَيْنَ الْجُمَلِ فِي الْمَعْنَى وَالْغَرَضِ؛ وَإِنْ أَمْكَنَ انْعِطَافُهُ عَلَى جَمِيعِهَا وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، فَقَالَ: نَعَمْ، لَوْ تَبَايَنَتْ الْجُمَلُ فِي الْأَحْكَامِ بِأَنْ يَذْكُرَ حُكْمًا، ثُمَّ يَأْخُذَ فِي حُكْمٍ آخَرَ. فَالْأَوَّلُ: مُنْقَطِعٌ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَا يَعْمَلُ فِيهِ، وَإِنْ صَرَّحَ بِهِ، وَالْوَاوُ هُنَا لَا تُعَدُّ مُشْرِكَةً نَاسِفَةً لِلنَّظْمِ، كَقَوْلِك: ضَرَبَ الْأَمِيرُ زَيْدًا، وَخَرَجَ إلَى السَّفَرِ، وَخَلَعَ عَلَى فُلَانٍ. قَالَ: وَهَذَا حَسَنٌ جِدًّا، وَبِهِ تَهَذَّبَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَيُغْنِي عَمَّا عَدَاهُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ حَكَوْا قَوْلَ الْوَقْفِ عَنْ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى، وَأَنَّهُ يُغَايِرُ مَذْهَبَ الْقَاضِي مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ تَوَقَّفَ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِمَدْلُولِهِ لُغَةً، وَالْمُرْتَضَى تَوَقَّفَ لِكَوْنِهِ عِنْدَهُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ عَوْدِهِ إلَى الْكُلِّ وَعَوْدِهِ إلَى الْأَخِيرِ فَقَطْ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمُرَكَّبَاتِ لَا فِي الْمُفْرَدَاتِ. قُلْت: وَاَلَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " عَنْ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى أَنَّهُ يُقْطَعُ بِعَوْدِهِ إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ، وَتَوَقَّفَ فِي رُجُوعِهِ إلَى غَيْرِهَا لِمَا تَقَدَّمَ، فَجَوَّزَ صَرْفَهُ إلَى الْجَمِيعِ، وَقَصَرَهُ عَلَى الْأَخِيرَةِ، كَمَذْهَبِهِ فِي الْأَمْرِ، هَذَا لَفْظُهُ، وَهُوَ أَثْبَتُ مَنْقُولٍ عَنْهُ، لِأَنَّهُ عَلَى مَذْهَبِهِ الشِّيعِيِّ. وَالرَّابِعُ: إنْ كَانَتْ الْجُمَلُ كُلُّهَا سِيقَتْ لِمَقْصُودٍ وَاحِدٍ انْصَرَفَ إلَى

стр. 1618

الْجَمِيعِ، وَإِنْ سِيقَتْ لِأَغْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ. حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَالْخَامِسُ: إنْ ظَهَرَ أَنَّ الْوَاوَ لِلِابْتِدَاءِ كَقَوْلِهِ: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَالنُّحَاةَ الْبَصْرِيِّينَ إلَّا الْبَغَادِدَةَ، اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ، وَإِنْ تَرَدَّدَتْ بَيْنَ الْعَطْفِ وَالِابْتِدَاءِ فَالْوَاقِفُ. وَالسَّادِسُ: إنْ كَانَتْ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ إعْرَاضًا وَإِضْرَابًا عَنْ الْأُولَى اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ، وَإِلَّا انْصَرَفَ إلَى الْجَمِيعِ. حَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ. وَاَلَّذِي وَجَدْته فِي " الْمُعْتَمَدِ " حِكَايَةُ هَذَا عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْنِ، وَقَرَّرَ دَلِيلَهُ. وَحُكِيَ فِي " الْمَحْصُولِ " عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ أَنَّهُ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَعَلُّقٌ عَادَ إلَى الْجَمِيعِ، وَإِلَّا اخْتَصَّ بِالْأَخِيرِ. وَقَالَ: إنَّهُ دَخَلَ التَّحْقِيقُ، وَإِنَّهُ حَقٌّ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، قَالَ: وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَصٌّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا، وَإِنَّمَا أُخِذَ مِنْ مَذْهَبِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَحْدُودِ بِالْقَذْفِ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا صَارَ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّ ذِكْرَ الْجُمَلِ هُنَاكَ لَمْ يَكُنْ إضْرَابًا عَنْ الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لِأَنَّ الْآيَاتِ سِيقَتْ لِغَرَضٍ وَاحِدٍ، هُوَ الْجَزَاءُ عَلَى تِلْكَ الْجَرِيمَةِ. انْتَهَى. وَقَدْ اخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " أَيْضًا، فَقَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ خُرُوجًا مِنْ قَضِيَّةٍ إلَى قَضِيَّةٍ أُخْرَى لَا يَلِيقُ بِهَا عَادَ إلَى الْكُلِّ وَإِلَّا اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ، وَنَظِيرُهُ: اضْرِبْ بَنِي تَمِيمٍ وَالْأَشْرَافُ هُمْ قُرَيْشٌ، إلَّا أَهْلَ الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ. وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا عَدَلَ الْأَوَّلُ إلَى مِثْلِ هَذَا، وَأَحَدُهُمَا لَا يَلِيقُ

стр. 1619

بِالْآخَرِ، أَوْ أَحَدُهُمَا قَضِيَّةٌ وَالْأُخْرَى قَضِيَّةٌ أُخْرَى، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ اسْتَوْفَى غَرَضَهُ مِنْ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَدَلَّ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْغَرَضِ بِالْكَلَامِ مِنْ الْعُدُولِ عَنْهُ إلَى نَوْعٍ آخَرَ مِنْ الْكَلَامِ. وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: مَنْ اسْتَقَامَتْ طَرِيقَتُهُ فَأَكْرِمْهُ، وَمَنْ عَصَاك فَاضْرِبْهُ إلَّا أَنْ يَتُوبَ، فَالِاسْتِثْنَاءُ يَنْصَرِفُ إلَى مَا يَلِيهِ أَيْضًا. انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ صَلُحَ الْعَوْدُ إلَى الْكُلِّ عَادَ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا تَحْرِيرٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا سَيَأْتِي، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ مَذْهَبًا آخَرَ. وَقَالَ فِي الْمُقْتَرَحِ: لَا خِلَافَ فِي صَلَاحِيَّةِ اللَّفْظِ لِعَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ الْبَعْضِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْأَخِيرَةِ إلَّا بِدَلِيلٍ أَوْ بِالْعَكْسِ؟ فَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ بِالثَّانِي، وَالشَّافِعِيُّ بِالْأَوَّلِ. وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ ": الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْفُرُوعِ مِنْ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ، هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ فَرْعٌ، حَدَاهُمْ هَذَا الِاخْتِلَافُ الَّذِي هُوَ أَصْلٌ لِذَلِكَ الْفَرْعِ، لَا أَنَّهُمْ ذَهَبُوا فِيمَا هُوَ فَرْعُ هَذَا الْأَصْلِ إلَى مَذَاهِبَ، ثُمَّ رَتَّبُوا عَلَيْهِ هَذَا الْأَصْلَ، لِأَنَّ هَذَا عَكْسُ الْوَاجِبِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفَرْعَ يَتَرَتَّبُ عَلَى أَصْلِهِ، وَيَسْتَوِي عَلَيْهِ لَا أَنْ يَتَرَتَّبَ الْأَصْلُ عَلَى فَرْعِهِ وَيَسْتَوِي عَلَيْهِ عَلَى مِقْدَارِ الْمُبْتَاعِ فِي أَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَلَا يَسْتَقِيمُ، إذًا الصَّحِيحُ الْمُسْتَقِيمُ أَنْ يَسْتَوِيَ مِقْدَارُ الْمُبْتَاعِ الْمَوْزُونِ عَلَى الصَّنْجَةِ الْمُعْتَدِلَةِ. انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْقَوْلِ بِعَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ عِنْدَنَا شُرُوطًا: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ الْجُمَلُ مُتَعَاطِفَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَطْفٌ، فَلَا يَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ قَطْعًا، بَلْ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ إذْ لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الشَّرْطِ الْقَاضِيَانِ: أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّقْرِيبِ "، وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ،

стр. 1620

وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَالْآمِدِيَّ، وَابْنُ السَّاعَاتِيِّ، وَالْهِنْدِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا مَنْ أَطْلَقَ فَأَمْرُهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ. وَأَمْثِلَتُهُمْ وَكَلَامُهُمْ يُرْشِدُ إلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ بِحَالَةِ الْعَطْفِ. وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: لَوْ قَالَ: يَا طَالِقُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْصَرِفٌ إلَى الثَّلَاثَةِ، وَوَقَعَتْ وَاحِدَةٌ بِقَوْلِهِ: يَا طَالِقُ، وَلَوْ كَانَ الْعَطْفُ يُشْتَرَطُ، لَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ عَائِدًا إلَى الْجَمِيعِ وَأَمَّا مَا فَهِمَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ جَرَيَانِ الْخِلَافِ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَفْ، فَغَرَّهُ إطْلَاقُ الرَّازِيَّ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَطْفٌ فَلَا ارْتِبَاطَ بَيْنَهُمَا. نَعَمْ، ذَكَرَ الْبَيَانِيُّونَ أَنَّ تَرْكَ الْعَطْفِ قَدْ يَكُونُ لِكَمَالِ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] فَإِذَا كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَا يَبْعُدُ مَجِيءُ الْخِلَافِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، لِأَنَّ الثَّانِيَةَ كَالْمُؤَكِّدَةِ لِلْأُولَى، فَيَعُودُ لِلْجَمِيعِ قَطْعًا. وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ بَابَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الطَّلَاقِ بِهِ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَقَصَدَ التَّأْكِيدَ أَنَّهُ يَعُودُ لِلْجَمِيعِ. وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا. وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ، فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ، لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَائِدَةٌ إلَى الثَّلَاثِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِ الْكَلَامِ، نَعَمْ، قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي " كِتَابِ الْأَيْمَانِ " فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ، عَبْدِي حُرُّ، أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، وَلَا يُعْتَقُ. قَالَ: وَلْيَكُنْ هَذَا فِيمَا إذَا نَوَى صَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَإِنْ أَطْلَقَ فَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ فِي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْجُمْلَةِ الْأُولَى، أَمْ

стр. 1621

يَعُمُّهُمَا؟ قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ ": قُلْت: الصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ. وَاسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا فَائِدَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ مَعَ عَدَمِ الْعَطْفِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَخُصُّ بِمَا إذَا تَأَخَّرَ الِاسْتِثْنَاءُ، بَلْ تَكُونُ فِي حَالَةِ تَأَخُّرِهِ، وَحَالَةِ تَقَدُّمِهِ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْأُصُولِيِّينَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا. وَهِيَ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ، فَإِنْ كَانَ بِثُمَّ اخْتَصَّ بِالْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ. ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي تَدْرِيسِهِ، حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْوَقْفِ، بَعْدَ أَنْ صَرَّحَ أَنَّ أَصْحَابَنَا أَطْلَقُوا الْعَطْفَ. وَعَلَيْهِ جَرَى الْآمِدِيُّ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَابْنُ السَّاعَاتِيِّ، وَالْعَجَبُ أَنَّ الْأَصْفَهَانِيَّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ " حَكَاهُ عَنْ الْآمِدِيَّ، وَقَالَ: لَمْ أَرَ مَنْ تَقَدَّمَهُ بِهِ؛ لَكِنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ فِي " النِّهَايَةِ " مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ التَّمْثِيلَ: بِثُمَّ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ مَذْهَبَنَا عَوْدُهُ إلَى الْجَمِيعِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ " ثُمَّ، وَالْفَاءَ، وَحَتَّى " مِثْلُ " الْوَاوِ " فِي ذَلِكَ. وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي " التَّقْرِيبِ " " بِالْفَاءِ " وَغَيْرِهَا، فَقَالَ: وَهَذِهِ سَبِيلُ جُمَلٍ عُطِفَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِأَيِّ حُرُوفِ الْعَطْفِ عُطِفَتْ، مِنْ " فَاءٍ، وَوَاوٍ " وَغَيْرِهَا. انْتَهَى. وَأَطْلَقَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الْجُمَلِ بِحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْعَطْفِ جَامِعٌ فِي مُقْتَضَى الْوَضْعِ، وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ " الْعُدَّةِ " فَإِنَّهُ قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ احْتَجَّ بِأَنَّ وَاوَ الْعَطْفِ تَشْتَرِكُ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ فَتُجْعَلَانِ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، فَطَالِقٌ، إلَّا وَاحِدَةً لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَلَوْ كَانَ الْإِيقَاعُ جُمْلَةً وَاحِدَةً صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ. هَذَا لَفْظُهُ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاوِ وَالْفَاءِ. وَإِنْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ.

стр. 1622

وَأَمَّا بَقِيَّةُ حُرُوفِ الْعَطْفِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهَا ذَلِكَ، لِأَنَّ " بَلْ، وَلَا، وَلَكِنْ " لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِعَيْنِهِ، فَلَا يَصِحُّ عَوْدُهُ إلَيْهِمَا، وَكَذَلِكَ " أَوْ، وَأَمْ، وَأَمَّا " لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ لَكِنَّ الْمَاوَرْدِيَّ وَغَيْرَهُ مَثَّلُوا الْمَسْأَلَةَ بِآيَةِ الْمُحَارَبَةِ، مَعَ أَنَّ الْعَطْفَ فِيهَا بِ " أَوْ " وَحَكَى الرَّافِعِيُّ الْخِلَافَ فِي " بَلْ " قُبَيْلَ الطَّلَاقِ بِالْحِسَابِ فَقَالَ: لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَلْ ثَلَاثًا، إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا - وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ - تَقَعُ وَاحِدَةٌ، بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَثِنْتَانِ بِدُخُولِ الدَّارِ. رَدًّا لِلشَّرْطِ إلَى مَا يَلِيهِ خَاصَّةً. وَالثَّانِي يَرْجِعُ الشَّرْطُ إلَيْهِمَا جَمِيعًا، إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَرَدْت تَخْصِيصَ الشَّرْطِ بِقَوْلِي: بَلْ ثَلَاثًا. الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَتَخَلَّلَ الْجُمْلَتَيْنِ كَلَامٌ طَوِيلٌ، فَإِنْ تَخَلَّلَ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْت عَلَى أَوْلَادِي، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَأَعْقَبَ كَانَ نَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَإِلَّا فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا صُرِفَ إلَى إخْوَانِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ الْفُقَرَاءِ إلَّا أَنْ يَفْسُقُوا. حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَالْمَعْنَى أَنَّ طُولَ الْفَصْلِ يُشْعِرُ بِقَطْعِ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الْجُمَلُ مُنْقَطِعَةً، بِأَنْ تُنْبِئَ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَمَّا لَا تُنْبِئُ عَنْهُ أَخَوَاتُهَا. ذَكَرَهُ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ. قَالَ: فَإِنْ تَوَالَتْ عِبَارَاتٌ كُلُّهَا تُنْبِئُ عَنْ مَعْنًى وَاحِدٍ، ثُمَّ عَقَّبَهَا بِاسْتِثْنَاءٍ، كَقَوْلِك: اضْرِبْ الْعُصَاةَ، وَالْجُنَاةَ، وَالطُّغَاةَ، وَالْبُغَاةَ إلَّا مَنْ تَابَ، رَجَعَ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجَمِيعِ قَطْعًا. وَيُوَافِقُهُ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِنِيَّةِ التَّكْرَارِ، وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ: أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الْجَمِيعِ قَالَ: لِأَنَّ الْكَلَامَ مَا دَامَ مُتَّصِلًا بِرَابِطَةِ التَّأْكِيدِ كَانَ كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ.

стр. 1623

الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْجُمَلِ تَنَاسُبٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا تَنَاسُبٌ لَا يَصِحُّ الْعَطْفُ فَضْلًا عَنْ إرَادَةِ الْبَعْضِ أَوْ الْكُلِّ. وَهَذَا الشَّرْطُ اعْتَبَرَهُ الْبَيَانِيُّونَ فِي صِحَّةِ عَطْفِ الْجُمَلِ، فَمَنَعُوا عَطْفَ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ، وَعَكْسَهُ. وَوَافَقَهُمْ ابْنُ مَالِكٍ، لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّحْوِيِّينَ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا. وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَا يَحْسُنُ التَّمْثِيلُ بِآيَةِ الْقَذْفِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ. عُطِفَتْ عَلَى إنْشَائِيَّةٍ؛ لَكِنْ يُقَالُ: وَإِنْ كَانَتْ خَبَرِيَّةً لَفْظًا. لَكِنَّهَا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى. نَعَمْ، مَنْ اشْتَرَطَ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ اتِّفَاقَهُمَا فِي الِاسْمِيَّةِ أَوْ الْفِعْلِيَّةِ، حَتَّى لَوْ اخْتَلَفَتَا امْتَنَعَ، لَمْ يَحْسُنْ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مِنْهُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤] جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ، بَلْ " الْوَاوُ " هُنَا لِلِاسْتِئْنَافِ أَوْ الِابْتِدَاءِ، وَإِذَا كَانَ كَلَامًا مُبْتَدَأً مُنْقَطِعًا عَمَّا قَبْلَهُ لَمْ يَنْصَرِفْ الِاسْتِثْنَاءُ إلَيْهِ. السَّادِسُ: أَنْ يُمْكِنَ عَوْدُهُ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ عَلَى انْفِرَادِهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ عَادَ إلَى مَا أَمْكَنَ، أَوْ اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ. قَالَهُ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، وَابْنُ فُورَكٍ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ " وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ فِي " التَّلْوِيحِ ". قَالَ الْقَفَّالُ: وَهَذَا كَآيَةِ الْجَلْدِ، فَلَا يُمْكِنُ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ فِيهَا إلَى الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَلِهَذَا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْجَلْدُ بِالتَّوْبَةِ، وَإِنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَزَالَتْ عَنْهُ سِمَةُ الْفِسْقِ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، فَالتَّوْبَةُ لَا تَرْفَعُهُ إنَّمَا تَرْفَعُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ " قَاطِعِ الطَّرِيقِ " عَنْ ابْنِ كَجٍّ أَنَّهُ حَكَى قَوْلًا عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ بِسُقُوطِ الْجَلْدِ بِالتَّوْبَةِ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَحَكَاهُ النَّحَّاسُ فِي " مَعَانِي الْقُرْآنِ " عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا. فَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ لَهُ فِي هَذِهِ

стр. 1624

الْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ قَوْلَانِ. ثُمَّ أَكْثَرُهُمْ يُمَثِّلُونَ الْآيَةَ بِهَذَا الْأَصْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: عَلَى تَقْدِيرِ نَظْمِ الِاخْتِصَاصِ بِالْأَخِيرَةِ: إنَّ الْأَخِيرَةَ هِيَ عَدَمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ الْمَحْكُومُ بِهِ، وَأَمَّا سِمَةُ الْفِسْقِ فَهِيَ عِلَّةُ هَذَا الْحُكْمِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا؛ فَإِمَّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْكُلِّ، أَوْ إلَى الْحُكْمِ دُونَ التَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. وَلَا سَبِيلَ إلَى رُجُوعِهِ إلَى التَّعْلِيلِ فَقَطْ. قَالَ الْفُقَهَاءُ: وَكَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: ٩٢] فَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ إلَى الْأَخِيرَةِ، لِأَنَّ الدِّيَةَ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَيَسْقُطُ بِالْعَفْوِ، وَالرَّقَبَةُ حَقُّ اللَّهِ، فَلَا يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ مِنْ الْآدَمِيِّ. وَكَذَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَعْلِيقِهِ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] يَعُودُ عَلَى الَّذِي يَلِيهِ، وَهُوَ الْجُنُبُ، لَا السَّكْرَانُ؛ فَإِنَّ السَّكْرَانَ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ، لِمَا لَا يُؤْمَنُ مِنْ تَلْوِيثِهِ إيَّاهُ. وَخَرَجَ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَطَلْقَةً إلَّا طَلْقَةً، فَإِنَّ الْمَنْصُوصَ لِلشَّافِعِيِّ كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخُ فِي " الْمُهَذَّبِ "، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: لِأَنَّهَا تَطْلُقُ طَلْقَتَيْنِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى مَا يَلِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَيَسْقُطُ وَيَبْقَى الطَّلْقَتَانِ. وَلَا يُظَنُّ أَنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ، لِأَنَّ شَرْطَ الرُّجُوعِ إلَى الْكُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، هُوَ مَفْقُودٌ هَاهُنَا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ دِرْهَمَانِ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا، لَزِمَ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوص، لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى دِرْهَمًا مِنْ دِرْهَمٍ قَالَهُ الرَّافِعِيُّ بَابُ الْإِقْرَارِ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ذَلِكَ صَاحِبُ " الْوَافِي " فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ "، فَقَالَ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْفُرُوعِ وَمَذْهَبُهُ، فِي الْأُصُولِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ، وَلَا أَعْلَمُ الْفَرْقَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ

стр. 1625

هَاهُنَا احْتَاطَ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. انْتَهَى. وَقَدْ عَلِمْت جَوَابَهُ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَعْمُولُ وَاحِدًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ فَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ وَاحِدًا وَالْمَعْمُولُ مُتَعَدِّدًا، فَلَا خِلَافَ فِي عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ: اُهْجُرْ بَنِي فُلَانٍ وَبَنِي فُلَانٍ إلَّا مَنْ صَلُحَ. فَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْجَمِيعِ، إذًا لَا مُوجِبَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَلَوْ ثَبَتَ مُوجِبُ فِعْلٍ بِمُقْتَضَاهُ، نَحْوُ لَا تُحَدِّثْ النِّسَاءَ وَلَا الرِّجَالَ إلَّا زَيْدًا وَقَدْ تَضَمَّنَتْ الْأَمْرَيْنِ آيَةُ الْمَائِدَةِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فَاشْتَمَلَتْ عَلَى مَا فِيهِ مَانِعٌ، وَهُوَ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَمَا قَبْلَهُ، وَهُوَ ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] وَ ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْخَمْسَةِ، إذْ كَانَتْ تَذْكِيَتُهُ سَبَبَ مَوْتِهِ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَعَلُّقِ الشَّرْطِ بِالْجَمِيعِ فِي نَحْوِ: لَا تَصْحَبْ زَيْدًا، وَلَا تَزْنِ، وَلَا تُكَلِّمْ، إلَّا تَائِبًا مِنْ الظُّلْمِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ تَسَاوِي الِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ فِي التَّعَلُّقِ بِالْجَمِيعِ. وَهُوَ صَحِيحٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى سَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مَسَدَّ الْآخَرِ، نَحْوُ اُقْتُلْ الْكَافِرَ إنْ لَمْ يُسْلِمْ، وَاقْتُلْهُ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ. انْتَهَى. الثَّامِنُ: أَنْ يَتَّحِدَ الْعَامِلُ، فَإِنْ اخْتَلَفَ خُصَّ بِالْأَخِيرَةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ، وَنَحْوُ اُكْسُوا الْفُقَرَاءَ، وَأَطْعِمُوا أَبْنَاءَ السَّبِيلِ، إلَّا مَنْ كَانَ مُبْتَدِعًا، وَصَرَّحَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ بِأَنَّ الشَّرْطَ اتِّحَادُ الْعَامِلِ وَالْمَعْمُولِ. قَالَ: فَإِنْ اخْتَلَفَا اخْتَصَّ بِمَا يَلِيهِ، وَنَحْوُ ضَرَبَ الْأَمِيرُ زَيْدًا وَخَرَجَ إلَى السَّفَرِ، وَخَلَعَ عَلَيَّ فُلَانٌ. قَالَ: وَهُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَبِهِ يَتَهَذَّبُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ اتِّحَادُهُ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى، فَإِنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ جَعَلَ مِنْ الْأَمْثِلَةِ: وَقَفْت، وَحَبَسْت، وَتَصَدَّقْت، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي الصِّفَةِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّ

стр. 1626

الشَّافِعِيَّ يَجْعَلُ هَذَا الْوَصْفَ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] مُخْتَصًّا بِالْأَخِيرَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] لِأَنَّ الرَّبِيبَةَ عِنْدَهُ لَا تَحْرُمُ إلَّا بِالدُّخُولِ، وَأُمُّ الزَّوْجَةِ تَحْرُمُ بِالْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ. قَالَ الْمُبَرِّدُ وَالزَّجَّاجِيُّ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْعَامِلِ، إذْ الْعَامِلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الْإِضَافَةُ، وَفِي رَبَائِبُكُمْ حَرْفُ الْجَرِّ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] فَلَمَّا اخْتَلَفَ الْعَامِلُ أَشْعَرَ بِانْقِطَاعِ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ. وَلَك أَنْ تَقُولَ: إذَا جَعَلْنَا الْعَامِلَ فِي الْإِضَافَةِ حَرْفَ الْجَرِّ الْمُقَدَّرِ اتَّحَدَ الْعَامِلُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَهَذَا الشَّرْطُ أَيْضًا مُخَرَّجٌ مِمَّا نَقَلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ. التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ فِي الْجُمَلِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمُفْرَدَاتِ عَادَ لِلْجَمِيعِ اتِّفَاقًا وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ اخْتِيَارِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِك: أَكْرِمْ زَيْدًا وَعَمْرًا وَبَكْرًا إلَّا مَنْ فَسَقَ مِنْهُمْ. وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " وَابْنِ الْحَاجِبِ فِي جَوَابِ شُبْهَةِ الْخَصْمِ: أَنَّ ذَلِكَ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَحِينَئِذٍ فَتَعْبِيرُ أَصْحَابِنَا بِالْجُمَلِ لَيْسَ لِلتَّقَيُّدِ، وَإِنَّمَا جَرَى الْغَالِبُ. نَعَمْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً وَطَالِقَةً إلَّا طَلْقَةً، أَنَّهَا تَطْلُقُ ثِنْتَيْنِ، فَجَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ لِمَا يَلِيهِ فِي الْمُفْرَدَاتِ. وَمِنْ الْمُهِمِّ مَعْرِفَةُ الْمُرَادِ بِالْجُمْلَةِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا الْمُرَكَّبَةُ مِنْ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ، أَوْ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ. وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَقَالَ: إنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا اللَّفْظُ الَّذِي فِيهِ شُمُولٌ، وَيَصِحُّ إخْرَاجُ بَعْضِهِ، وَلِهَذَا ذَكَرُوا مِنْ صُوَرِهَا الْأَعْدَادَ وَاحْتَجَّ بِآيَةِ الْمُحَارَبَةِ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] قَالَ: وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الْجُمْلَةِ بِالْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرْنَاهُ، وَبِمَا رَوَى الصَّحَابَةُ، أَنَّ

стр. 1627

قَوْلَهُ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] فِي آيَةِ الْقَذْفِ عَائِدٌ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ ﵇: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» . الْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَأَخِّرًا عَلَى ظَاهِرِ عِبَارَاتِهِمْ بِالتَّعْقِيبِ، لَكِنَّ الصَّوَابَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأَيْمَانِ "، وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ " بِعَوْدِ الصِّفَةِ السَّابِقَةِ إلَى الْجَمِيعِ، فَقَالَ فِيمَا إذَا وَقَفَ عَلَى مَحَاوِيجَ حَتَّى يَسْتَحِقُّوا، لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَاوِيجِ أَقَارِبِهِ: وَالْمَحَاوِيجُ هُمْ الَّذِينَ يَكُونُ لَهُمْ حَاجَةٌ بِحَيْثُ يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ الصَّدَقَةِ. انْتَهَى. [الِاسْتِثْنَاءُ الْمُتَوَسِّطُ] أَمَّا الْمُتَوَسِّطُ فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْأُخْرَى فَقَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْأُسْتَاذَانِ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو مَنْصُورٍ نَحْوُ: أَعْطِ بَنِي زَيْدٍ إلَّا مَنْ عَصَاك وَأَعْطِ بَنِي عَمْرٍو. قَالَا: فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِمَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَا قَبْلَهُ دُونَ مَا بَعْدَهُ. قَالَا: وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْأَمْرِ أَوْ الْخَبَرِ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ [الْأَمْرِ] أَوْ الْخَبَرِ مَذْكُورًا فِي الثَّانِيَةِ رَجَعَ إلَيْهِمَا جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ: أَعْطِ بَنِي زَيْدٍ إلَّا مَنْ عَصَاك وَبَنِي عَمْرٍو الثَّمَنَ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: فَإِنْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ يَصِيرُ الْأَمْرُ وَالْخَبَرُ كَالْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ. نَحْوُ أَعْطِ أَوْ أَعْطَيْت بَنِي زَيْدٍ إلَّا مَنْ أَطَاعَنِي مِنْهُمْ، وَبَنِي عَمْرٍو، فَإِنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى بِالْعَطْفِ عَلَى مَوْضِعِ الْفَائِدَةِ.

стр. 1628

وَهَاهُنَا تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: أَنَّ قَوْلَنَا يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى الْجَمِيعِ هَلْ مَعْنَاهُ الْعَوْدُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِمُفْرَدِهَا أَوْ الْعَوْدُ إلَى الْمَجْمُوعِ وَيَتَوَزَّعُ عَلَيْهَا؟ فِيهِ خِلَافٌ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ " الْإِقْرَارِ " فِيمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَمِائَةُ دِينَارٍ إلَّا خَمْسِينَ، وَأَرَادَ بِالْخَمْسِينَ الْمُسْتَثْنَاةِ جِنْسًا غَيْرَ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ قُبِلَ مِنْهُ. وَكَذَا إنْ أَرَادَ عَوْدَهُ إلَى الْجِنْسَيْنِ مَعًا أَوْ إلَى أَحَدِهِمَا، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَعُودُ إلَى مَا يَلِيهِ، وَعِنْدَنَا يَعُودُ إلَى الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنْ الدَّرَاهِمِ أَوْ الدَّنَانِيرِ ثُمَّ هُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَعُودُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا جَمِيعُ الِاسْتِثْنَاءِ فَيُسْتَثْنَى مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ خَمْسُونَ وَمِنْ مِائَةِ دِينَارٍ خَمْسُونَ، وَالثَّانِي: يَعُودُ إلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَيُسْتَثْنَى مِنْ الدَّرَاهِمِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، وَمِنْ الدَّنَانِيرِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ. وَلَمْ يُصَحِّحْ الْمَاوَرْدِيُّ شَيْئًا، وَذَكَرَهَا الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ " وَصَحَّحَ الْأَوَّلَ، وَقَالَ فِي بَابِ الْعِتْقِ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ إذَا قَالَ: سَالِمٌ وَغَانِمٌ وَزِيَادٌ أَحْرَارٌ - يَعْنِي وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ سِوَاهُمْ - أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت مِنْ حُرِّيَّةِ الْأَخِيرِ وَحْدَهُ قُبِلَ مِنْهُ، وَأُعْتِقَ مِنْ غَيْرِ إقْرَاعٍ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ حُرِّيَّةَ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي لَا يُقْبَلُ، لِأَنَّ النَّاسَ فِي الْكِنَايَةِ عَنْ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرُدُّهُ إلَى الْجَمِيعِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرُدُّهُ إلَى الْأَوَّلِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْقَوْلَيْنِ. انْتَهَى. وَهَذَا يُخَرَّجُ مِنْهُ خِلَافٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَوْدَ إلَى وَاحِدٍ إنَّمَا هُوَ الْأَخِيرُ. قُلْتُ: وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ الَّذِي حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِيمَا إذْ قُلْت: أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي بَكْرٍ، أَوْ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ أَوْ بَنِي بَكْرٍ إلَّا ثَلَاثَةً، هَلْ مَعْنَاهُ إلَّا ثَلَاثَةً مِنْ كُلِّ طَائِفَةٍ أَوْ مَجْمُوعَهُمَا يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ. وَيُشْبِهُ أَيْضًا تَخْرِيجَهُ عَلَى

стр. 1629

الْخِلَافِ فِيمَا إذَا عَطَفَ بَعْضَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ أَوْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَلَى بَعْضٍ، هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَكُونَا كَالْكَلَامِ الْوَاحِدِ، أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ فَالْقِيَاسُ جَعْلُ الِاسْتِثْنَاءِ عَائِدًا إلَى الْمَجْمُوعِ، وَيَقَعُ فِيمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً تَقَعُ ثِنْتَانِ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُجْمَعُ فَالِاسْتِثْنَاءُ يَرْجِعُ بِجُمْلَتِهِ إلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ، وَحِينَئِذٍ فَيَقَعُ ثِنْتَانِ أَيْضًا، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَكُونُ مِنْ وَاحِدَةٍ وَهُوَ بَاطِلٌ لِاسْتِغْرَاقِهِ، فَوَقَعَتْ الْوَاحِدَةُ الْمَعْطُوفَةُ، وَيَكُونُ مِنْ ثِنْتَيْنِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَيَقَعُ مِنْهُمَا وَاحِدَةٌ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ طَلْقَتَانِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ مَعًا. الثَّانِي: أَنَّ الرَّافِعِيَّ وَجَمَاعَةً مِنْ الْأَصْحَابِ مَثَّلُوا الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ بِمَا لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ إلَّا أَنْ يَفْسُقَ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ لَا الْجُمَلِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْعَامِلُ فِي الْمَعْطُوفِ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ. وَالْمُطَابِقُ تَمْثِيلُ الْإِمَامِ فِي " الْبُرْهَانِ " بِقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى بَنِي فُلَانٍ دَارِي، وَحَبَسْت عَلَى أَقَارِبِي ضَيْعَتِي، وَسَبَّلْتُ عَلَى خَدَمَتِي بَيْتِي إلَّا أَنْ يَفْسُقَ مِنْهُمْ فَاسِقٌ. الثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا مِنْ النَّحْوِيِّينَ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ ابْنَ فَارِسٍ ذَكَرَهَا فِي كِتَابِ " فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ " وَاخْتَارَ تَوَقُّفَ الْأَمْرِ عَلَى الدَّلِيلِ مِنْ خَارِجٍ، وَذَكَرَهَا الْمَهَابَاذِيُّ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ " وَاخْتَارَ رُجُوعَهُ إلَى مَا يَلِيهِ كَالْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: وَحَمْلُهُ عَلَى أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ جَمِيعِ الْكَلَامِ خَطَأٌ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِعَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَيَسْتَحِيلُ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَمْرُونٍ فِي " شَرْحِ الْمُفَصَّلِ " فِي قَوْلِنَا: لَا حَوْلَ وَلَا

стр. 1630

قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الثَّانِيَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِعَامِلَيْنِ، وَحَسَّنَهُ هُنَا أَنَّ مَعْنَى الثَّانِيَةِ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْأُولَى. فَإِذَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ أَحَدِهَا فَكَأَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهُمَا، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ سَادًّا مَسَدَّ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ جُمْلَةٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَانِيهَا، وَإِنْ ظَنَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ، وَقَاسُوهَا عَلَى الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ مَتَى تَعَقَّبَ عَادَ إلَى الْكُلِّ. وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الشَّرْطُ اجْتِمَاعَ عَامِلَيْنِ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ " لَهُمْ "، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ جَرٍّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي " لَهُمْ " أَوْ يُنْصَبُ عَلَى أَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ مُسْتَثْنًى مِنْ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩] لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ (﵁) لِلْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ: تُبْ أَقْبَلْ. لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَدَمُ الْفِسْقِ، بِخِلَافِ مَا إذَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْفَاسِقِينَ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْفِسْقِ قَبُولُ الشَّهَادَةِ، وَلَا يُضْمَرُ الْفَصْلُ لِتَعَلُّقِهِ بِهِ، وَلَيْسَ بِأَجْنَبِيٍّ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنْ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [النور: ٤] لِأَنَّ حَقَّ الْآدَمِيِّ لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ بَعْدَ التَّوْبَةِ. وَهَذَا مِنْهُمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُسْتَثْنَى مَا قَبْلُ إلَّا؛ فَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْعَامِلَ " إلَّا " كَمَا صَحَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُ، لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِيلًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِعَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ، إنْ قَالُوا بِأَنَّ الْعَامِلَ " إلَّا " فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ قَالُوا: مَا قَبْلَهَا، فَعَلَيْهِ هَذَا الْإِشْكَالُ. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: قَدْ نُقِلَ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ مُقَدِّمِ أَئِمَّةِ النَّحْوِ وَمَتْبُوعُهُمْ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى

стр. 1631

الْأَخِيرَةِ، كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَهَذَا بَنَاهُ أَبُو عَلِيٍّ عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ الْعَامِلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ - الْفِعْلُ الَّذِي قَبْلَ " إلَّا "، وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ اللُّغَوِيُّ وَالْقِيَاسُ النَّحْوِيُّ عَلَى أَنْ يَجُوزَ أَنْ يَعْمَلَ عَامِلَانِ فِي مَعْمُولٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الْمَعْمُولِ أَيْضًا. قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ سَوَادَانِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُمَا لَوْ اجْتَمَعَا لَجَازَ أَنْ يَرْتَفِعَ أَحَدُهُمَا بِضِدِّهِ، وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ عَقْلًا فَلَوْ قَدَّرْنَا رَفْعَ أَحَدِ السَّوَادَيْنِ بِبَيَاضٍ لَأَدَّى إلَى اجْتِمَاعِ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ عَامِلَانِ فِي مَعْمُولٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْتَفِعَ أَحَدُ الْعَامِلَيْنِ بِضِدِّهِ، فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مَثَلًا يُوجِبُ الرَّفْعَ، وَالْآخَرُ يُوجِبُ النَّصْبَ، فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا، وَذَلِكَ بَاطِلٌ الرَّابِعُ: أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَقِيبَ الْجُمَلِ مُخْتَلِفٌ، فَمِنْهُ مَا يَعُودُ إلَى الْكُلِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آلِ عِمْرَانَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] وَفِي الْمَائِدَةِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] قِيلَ: الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وَقِيلَ مُنْقَطِعٌ، يَعُودُ عَلَى الْمُنْخَنِقَةِ وَمَا بَعْدَهَا. أَيْ مَا أَدْرَكْتُمْ ذَكَاتَهُ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ قَائِمٌ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدة: ٣٤] عَائِدٌ إلَى الْجَمِيعِ. وَمِنْهُ مَا يَعُودُ عَلَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا امْرَأَتَكَ﴾ [هود: ٨١] قُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْجُمْلَةِ الْأُولَى، لِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ، وَبِالرَّفْعِ

стр. 1632

عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا مَنْفِيَّةٌ. وَقَدْ تَكُونُ خَرَجَتْ مَعَهُمْ، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَهَلَكَتْ. قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَمِنْهُ مَا يَتَضَمَّنُ عَوْدَهُ إلَى الْأَخِيرَةِ فَقَطْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] ، فَهَذَا رَاجِعٌ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ، وَهُوَ الدِّيَةُ لَا الْكَفَّارَةُ. وَجَعَلَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ آيَةَ الْقَذْفِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ ثَلَاثَ جُمَلٍ، وَعَقَّبَهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ، فَلَا يُمْكِنُ عَوْدُهُ إلَى الْأُولَى بِالِاتِّفَاقِ؛ أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِبُعْدِهِ عَنْ آخِرِ مَذْكُورٍ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِخُرُوجِهِ بِدَلِيلٍ، وَهُوَ أَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وَلَا إلَى الثَّانِيَةِ لِتَقَيُّدِهَا بِالتَّأْبِيدِ. وَبِهِ يَقُومُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْأَخِيرَةِ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: بَلْ رَاجِعٌ إلَى الشَّهَادَةِ فَقَطْ لِأَنَّ التَّفْسِيقَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْخَبَرِ، وَالتَّعْلِيلُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ هُوَ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ، فَالِاسْتِثْنَاءُ بِهِ أَوْلَى. وَمِنْهُ مَا يَتَعَيَّنُ عَوْدُهُ إلَى الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] فَهُوَ عَائِدٌ إلَى النَّهْيِ الْأَوَّلِ دُونَ الْخَبَرِ الثَّانِي: وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ، فَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْأَوَّلِ، وَلَا يَجُوزُ عَوْدُهُ إلَى الْأَخِيرِ، وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً لَيْسَ مِنْهُ،

стр. 1633

وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْ مُطْلَقًا، وَمَنْ اغْتَرَفَ مِنْهُ غُرْفَةً عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَإِنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْأَوَّلِ، وَلَا يَجُوزُ عَوْدُهُ إلَى الْأَخِيرَةِ، وَإِلَّا يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَثْنَى " الْإِمَاءَ " مِنْ أَزْوَاجٍ. وَكَقَوْلِهِ ﵇: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ» فَإِنَّهُ عَائِدٌ إلَى الْأَوَّلِ فَقَطْ. وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ٨٣] أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فَهَذَا مَوْضِعُ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ إلَّا قَلِيلًا، وَكَقَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠] بَعْدَ الْجُمَلِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ الْأَوَّلُ. وَجَعَلَ ابْنُ جِنِّي فِي " الْخَاطِرِيَّاتِ " مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ - إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٦ - ٢٢٧] فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءً مِنْ الضَّمِيرِ الْمَرْفُوعِ فِي يَفْعَلُونَ، وَلَوْ كَانَ مَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا لَكَانَ مَدْحًا لَهُمْ وَثَنَاءً عَلَيْهِمْ، وَهَذَا ضِدُّ الْمَعْنَى هُنَا. فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا كَانَ الْكَلَامُ مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى؟ أَيْ أَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا. قِيلَ: فِيهِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَرْكٌ لِلظَّاهِرِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمَقْصُودَ ذَمُّ الشُّعَرَاءِ عَلَى

стр. 1634

الْإِطْلَاقِ صَدَقُوا أَمْ كَذَبُوا، فَالْمُرَادُ أَنَّ الشُّعَرَاءَ هَذِهِ حَالَتُهُمْ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا. قَالَ: وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْأَوَّلِ الْأَبْعَدِ دُونَ الْآخَرِ الْأَقْرَبِ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ. وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ إلَى الْآنِ عَلَى أَصْحَابِنَا انْتَهَى. وَمِنْهُ مَا يَلْتَبِسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلَى قَوْلِهِ: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠] فَقَدْ يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ مِنْ الْجُمَلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ لَفْظِ " مَنْ " وَهُوَ مُفْرَدٌ. الْخَامِسُ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا النَّقْلَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْمَوْجُودُ فِي كُتُبِهِمْ تَخْصِيصُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ " بِإِلَّا " فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ نَحْوُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ فِي عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ. ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " مَعَانِي الْأَدَوَاتِ "، فَقَالَ: الِاسْتِثْنَاءُ بِلَفْظِ الْمَشِيئَةِ يُسَمَّى التَّعْطِيلَ، لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ شَيْءٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا يُسَمَّى التَّحْصِيلَ، لِأَنَّهُ يَبْقَى بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَكَذَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْقَاضِي، وَالْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ، وَالْآمِدِيَّ وَأَتْبَاعِهِمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِالْمَشِيئَةِ مَحَلُّ وِفَاقٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَفِي " الْبُرْهَانِ " لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: وَادَّعَى بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُولُونَ: إنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ: نِسْوَتِي طَوَالِقُ، وَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، وَدُورِي مُحْبَسَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ رَاجِعٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ، وَمَا أَرَاهُمْ يُسَلِّمُونَ ذَلِكَ إنْ عَقَلُوا، فَإِنْ سَلَّمُوهُ فَطَالِبُ الْقَطْعِ لَا يُغْنِي فِيهَا التَّعَلُّقُ بِهَفَوَاتِ الْخُصُومِ وَمُنَاقَضَاتِهِمْ. فَلْيَبْعُدْ طَالِبُ التَّحْقِيقِ عَنْ مِثْلِ هَذَا. انْتَهَى.

стр. 1635

فَائِدَةٌ اُخْتُلِفَ فِي " إنْ شَاءَ اللَّهُ " هَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ؟ فَظَاهِرُ كَلَامِ طَائِفَةٍ دُخُولُهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَقَعْ خِلَافًا لِمَالِكٍ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا، وَقَعَ الثَّلَاثُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِاسْتِثْنَاءٍ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ ": اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَوْلِهِ: " إنْ شَاءَ اللَّهُ " هَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ يَمْنَعُ مِنْ انْعِقَادِ الْيَمِينِ، أَوْ يَكُونُ شَرْطًا يُعَلَّقُ بِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ لِعَدَمِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ. قُلْت: وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا يَبْعُدُ عَنْ اللُّغَةِ تَسْمِيَةُ كُلِّ تَعْلِيقٍ اسْتِثْنَاءً. وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ، فَهَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟ صَرَّحَ الْإِمَامُ بِالثَّانِي فَقَالَ: سَمَّاهُ أَئِمَّتُنَا اسْتِثْنَاءً تَجَوُّزًا، لِأَنَّهُ ثَنَّى بِمُوجِبِ اللَّفْظِ عَنْ الْوُقُوعِ، كَقَوْلِهِ: طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ، فَإِنَّهُ ثَنَّى اللَّفْظَ عَنْ إيقَاعِ الثَّلَاثِ، لَكِنْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﵇ اسْتِثْنَاءً فِي قَوْلِهِ: «مَنْ أَعْتَقَ أَوْ طَلَّقَ، ثُمَّ اسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ» ، وَهُوَ عَامٌّ فِي قَوْلِهِ: " إنْ شَاءَ اللَّهُ " وَغَيْرِهِ. [مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَدَّدَتْ الْجُمَلُ وَجَاءَ بَعْدَهَا ضَمِيرُ جَمْعٍ] مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَدَّدَتْ الْجُمَلُ، وَجَاءَ بَعْدَهَا ضَمِيرُ جَمْعٍ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى جَمِيعِهَا كَمَا قُلْنَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ: اُدْخُلْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ سَائِرِ قُرَيْشٍ، وَجَالِسْهُمْ، وَالْزَمْهُمْ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَجِيءُ فِيهِ خِلَافُ الِاسْتِثْنَاءِ، لِأَنَّ مَأْخَذَ الْمُخَالِفِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْفَعُ بَعْضَ مَا دَخَلَ فِي اللَّفْظِ.

стр. 1636

وَقَالَ مَنْ قَصَرَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ: إنَّ الْمُقْتَضِي لِلدُّخُولِ فِي الْجُمَلِ السَّابِقَةِ قَائِمٌ، وَالْمُخَرَّجُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَزَالُ الْمَقْضِيُّ بِالشَّكِّ. وَهَذَا الْمَعْنَى غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الضَّمِيرِ، فَإِنَّ الضَّمِيرَ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ صَالِحٌ لِلْعُمُومِ عَلَى سَبِيلِ الْجَمْعِ، وَلَا مُقْتَضِي لِلتَّخْصِيصِ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ. وَهَذَا إذَا كَانَ الضَّمِيرُ جَمْعًا؛ فَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا اخْتَصَّ بِالْأَخِيرَةِ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ، فَلَوْ قُلْت: أَتَانِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَخَالِدٌ فَقَتَلْته، لَرَجَعَ الضَّمِيرُ إلَى خَالِدٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا يَرْجِعُ إلَى مَا قَبْلَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فَإِنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى اللَّحْمِ، لِأَنَّهُ الْمُحَدَّثُ عَنْهُ خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَابْنِ حَزْمٍ حَيْثُ أَعَادَاهُ إلَى الْخِنْزِيرِ لِأَنَّ اللَّحْمَ دَخَلَ فِي عُمُومِ الْمَيْتَةِ هُرُوبًا مِنْ التَّكْرَارِ، وَعَمَلًا بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلَى الْأَقْرَبِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا ذَكَرْنَا. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي " الْإِحْكَامِ ": وَالْإِشَارَةُ تُخَالِفُ الضَّمِيرَ فِي عَوْدِهَا إلَى أَبْعَدِ مَذْكُورٍ. هَذَا حُكْمُهَا فِي اللُّغَةِ إذَا كَانَتْ الْإِشَارَةُ، بِذَلِكَ، أَوْ تِلْكَ، أَوْ أُولَئِكَ أَوْ هُوَ، أَوْ هُمْ، أَوْ هُنَّ، أَوْ هُمَا، فَإِنْ كَانَتْ بِهَذَا أَوْ هَذِهِ، فَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى حَاضِرٍ قَرِيبٍ ضَرُورَةً قَالَ: وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ اللُّغَوِيِّينَ، وَلِذَلِكَ أَوْجَبْنَا أَنْ يَكُونَ الْقُرْءُ مِنْ حُكْمِ الْعِدَّةِ، وَهُوَ الطُّهْرُ خَاصَّةً دُونَ الْحَيْضِ، وَإِنْ كَانَ الْقُرْءُ فِي اللُّغَةِ وَاقِعًا عَلَيْهِمَا سَوَاءً وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» ، كَأَنَّ قَوْلَهُ:

стр. 1637

تِلْكَ " إشَارَةٌ تَقْتَضِي بَعِيدًا. وَأَبْعَدُ مَذْكُورٍ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: " تَطْهُرَ " فَلَمَّا تَصِحُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الطُّهْرَ هُوَ الْعِدَّةُ الْمَأْمُورُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ صَحَّ أَنَّهُ هُوَ الْعِدَّةُ الْمَأْمُورُ بِحِفْظِهَا لِإِكْمَالِ الْعِدَّةِ. [مَسْأَلَةٌ وَقَعَ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ تَصْلُحُ صِفَةً لِكُلِّ مِنْهُمَا] مَسْأَلَةٌ إذَا وَقَعَ بَعْدَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى جُمْلَةٌ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ صِفَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَظَاهِرُ مَذْهَبِنَا رُجُوعُهَا إلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى الْمُسْتَثْنَى. وَيَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا مِائَةً قَضَيْته إيَّاهُ. قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي " الْبَحْرِ ": يَكُونُ اسْتِثْنَاءً صَحِيحًا يَرْجِعُ إلَى الْمَقْضِيِّ دُونَ الْقَضَاءِ، وَيَصِيرُ مُقِرًّا بِتِسْعِمِائَةٍ، قَدْ ادَّعَى قَضَاءَهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكُونُ مُقِرًّا بِأَلْفٍ مُدَّعِيًا لِقَضَاءِ مِائَةٍ، فَيَلْزَمُهُ الْأَلْفُ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ دَعْوَى الْقَضَاءِ، فَجُعِلَ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقَضَاءِ دُونَ الْمَقْضِيِّ.

стр. 1638

[الْمُخَصِّصُ الثَّانِي الشَّرْطُ] ُ قَالُوا: وَهُوَ لُغَةً: الْعَلَامَةُ، وَاَلَّذِي فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ ذَلِكَ فِي الشَّرَطِ بِالتَّحْرِيكِ، وَجَمْعُهُ أَشْرَاطٍ، وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، أَيْ عَلَامَاتُهَا: وَأَمَّا الشَّرْطُ بِالتَّسْكِينِ، فَجَمْعُهُ شُرُوطٌ فِي الْكَثِيرَةِ، وَأَشْرُطٌ فِي الْقِلَّةِ كَفُلُوسٍ وَأَفْلُسٍ. وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَذُكِرَ فِيهِ حُدُودٌ أَوْلَاهَا: مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ؛ فَاحْتُرِزَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمَانِعِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ شَيْءٌ وَبِالثَّانِي مِنْ السَّبَبِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ. وَبِالثَّالِثِ مُقَارَنَةُ الشَّرْطِ وُجُودَ السَّبَبِ فَيَلْزَمُ الْوُجُودُ، أَوْ وُجُودَ الْمَانِعِ فَيَلْزَمُ الْعَدَمُ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ لِذَاتِهِ، بَلْ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَالشَّرْطُ لَا يَتَخَصَّصُ بِالْوُجُودِ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا، لِأَنَّا كَمَا نَشْتَرِطُ فِي قِيَامِ السَّوَادِ بِمَحَلِّهِ وُجُودَ مَحَلِّهِ، يُشْتَرَطُ عَدَمُ ضِدِّهِ، وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ الْقَدْرِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ.

стр. 1639

[هَلْ لِلشَّرْطِ دَلَالَةٌ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ] وَقَعَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ مِنْ " الْبُرْهَانِ " أَنَّ لِلشَّرْطِ دَلَالَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا مُصَرَّحٌ بِهَا، وَهِيَ إثْبَاتُ الْمَشْرُوطِ عِنْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ، وَالْأُخْرَى ضِمْنِيَّةٌ، وَهِيَ الِانْتِفَاءُ. وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا دَلَالَةَ لَهُ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ فِي جَانِبِ الِانْتِفَاءِ خَاصَّةً، وَلَوْ صَحَّ مَا قَالَهُ لَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَ الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ. وَأَمَّا تَمَسُّكُ الْإِمَامِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: إنْ جِئْتنِي أَكْرَمْتُك، فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّهُ إذَا جَاءَ اسْتَحَقَّ الْإِكْرَامَ؛ لَكِنْ هَلْ ذَلِكَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ أَوْ لِأَجْلِ الْإِكْرَامِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الشَّرْطِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهَا إذَا دَخَلَتْ الدَّارَ تَطْلُقُ، لَا لِاقْتِضَاءِ الشَّرْطِ ذَلِكَ؛ بَلْ لِلِالْتِزَامِ وَالْإِيقَاعِ مِنْ جِهَةِ الْمُطَلِّقِ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إلَى وَضْعِ اللُّغَةِ. وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى الْفِقْهِ فَدُخُولُ الدَّارِ لَيْسَ هُوَ سَبَبُ الطَّلَاقِ، إذْ لَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ تَطْلِيقُ الزَّوْجِ الْمَوْقُوفُ عَلَى الدُّخُولِ. وَقَدْ طَوَّلَ الْإِبْيَارِيُّ مَعَهُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُنَيِّرِ، وَقَالَ: قَالَ الْإِمَامُ: إنَّ الشَّرْطَ يَدُلُّ فِي جَانِبِ الْإِثْبَاتِ صَرِيحًا، وَفِي جَانِبِ النَّفْيِ ضِمْنًا، وَمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا رُؤْيَتُهُ الْعِلَلَ تُسْتَعْمَلُ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ كَثِيرًا، فَاعْتَقَدَ أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ عِلَّةٌ. قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي أَعْذَرُ مِمَّنْ رَدَّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ شَرْطٌ حَقِيقَةً قَالَ: وَالْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ إنَّمَا هِيَ إيقَاعُ الزَّوْجِ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَإِلَّا فَالدُّخُولُ لَيْسَ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ شَرْعًا. وَهَذَا الرَّدُّ وَهْمٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الدُّخُولَ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ شَرْعًا ابْتِدَاءً؛ لَكِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لَهُ بِوَضْعِ الْمُطَلِّقِ وَغَرَضِهِ لِأَنَّهُ قَدْ فَوَّضَ الشَّرْعُ إلَيْهِ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ بِلَا سَبَبٍ فَيَلْزَمُ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ فِي وَضْعِ الْأَشْيَاءِ

стр. 1640

أَسْبَابًا، وَلِهَذَا لَا يُعَلَّقُ الطَّلَاقُ غَالِبًا إلَّا عَلَى وَصْفٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى حِكْمَةٍ عِنْدَهُ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الدَّارُ عَوْرَةً، أَوْ فِيهَا مَا يُنَافِي غَرَضَهُ فَإِذَا ارْتَكَبَتْ الزَّوْجَةُ ذَلِكَ نَاسَبَ الْفِرَاقَ فِي غَرَضِهِ وَقَصْدِهِ، وَكَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ شَرْعًا بِدُخُولِ الدَّارِ، وَقَدْ صَارَ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ مَشْرُوطًا بِوَضْعِ الْمُعَلَّقِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُعَلَّلٍ شَرْعًا، وَيَصِيرُ مُعَلَّلًا بِوَضْعِ الْمُطْلَقِ فِعْلًا يَقْتَضِيهِ. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ دَخَلْت الدَّارَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَقَصَدَ ذَلِكَ وَكَانَ فَصِيحًا طَلُقَتْ فِي الْحَالِ. وَكَانَ الدُّخُولُ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ لَا شَرْطًا. [مَسْأَلَة يَنْقَسِمُ الشَّرْط إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ] وَفِيهِ مَسَائِلُ الْأُولَى أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: شَرْعِيٌّ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ. فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الصَّلَاةِ وُجُودُ الطَّهَارَةِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الطَّهَارَةِ وُجُودُ الصَّلَاةِ. وَعَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، فَيَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْعِلْمِ وُجُودُ الْحَيَاةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْحَيَاةِ وُجُودُ الْعِلْمِ. وَعَادِيٌّ كَالسُّلَّمِ مَعَ صُعُودِ السَّطْحِ، فَيَلْزَمُ مِنْ صُعُودِ السَّطْحِ وُجُودُ نَصْبِ السُّلَّمِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَصْبِ السُّلَّمِ صُعُودُ السَّطْحِ. وَلُغَوِيٌّ مِثْلُ التَّعْلِيقَاتِ نَحْوُ إنْ قُمْت، وَنَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَالْمُخْتَصُّ الْمُتَّصِلُ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ إنَّمَا هُوَ اللُّغَوِيُّ. وَالشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ أَسْبَابٌ وِفَاقًا لِلْغَزَالِيِّ وَالْقَرَافِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ، وَلِهَذَا تَقُولُ النُّحَاةُ فِي الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ بِسَبَبِيَّةِ الْأَوَّلِ

стр. 1641

وَمُسَبِّبِيَّةِ الثَّانِي، وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهَا بِتَبَيُّنِ حَقِيقَةِ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَالْمَانِعِ. [الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ وَالْمَانِعِ] فَالسَّبَبُ: هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ. وَالْمَانِعُ: هُوَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمَانِعِ وُجُودُهُ، وَفِي الشَّرْطِ عَدَمُهُ، وَفِي السَّبَبِ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ وَمِثَالُهُ الزَّكَاةُ، فَالسَّبَبُ النِّصَابُ، وَالْحَوْلُ شَرْطٌ، وَالدَّيْنُ مَانِعٌ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ مَانِعًا. وَإِذْ وَضَحَتْ الْحَقِيقَةُ ظَهَرَ أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أَسْبَابٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ الْعَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ وَالْعَادِيَّةِ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ فِي الْمَشْرُوطِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ، فَقَدْ تُوجَدُ الشُّرُوطُ عِنْدَ وُجُودِهَا كَمُوجِبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ، وَقَدْ يُقَارِنُ الدَّيْنَ فَيَمْتَنِعُ الْوُجُوبُ. وَأَمَّا الشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ الَّتِي هِيَ التَّعَالِيقُ نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ يَلْزَمُ مِنْ الدُّخُولِ الطَّلَاقُ، وَمِنْ عَدَمِهِ عَدَمُهُ إلَّا أَنْ يَخْلُفَهُ سَبَبٌ آخَرُ. وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ لَفْظِ الشَّرْطِ عَلَى الْجَمِيعِ إمَّا بِالِاشْتِرَاكِ أَوْ الْحَقِيقَةِ فِي وَاحِدٍ وَالْمَجَازِ فِي الْبَوَاقِي أَوْ بِالتَّوَاطُؤِ إذْ بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، وَهُوَ مُجَرَّدُ تَوَقُّفِ الْوُجُودِ عَلَى الْوُجُودِ، وَيَفْتَرِقَانِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ. ثُمَّ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ يَمْتَازُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إمْكَانُ التَّعْوِيضِ عَنْهُ، وَالْإِخْلَافُ، وَالْبَدَلُ، كَمَا إذَا قَالَ لَهَا: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَقُولُ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَيَقَعُ الثَّلَاثُ بِالْإِنْشَاءِ بَدَلًا عَنْ الْمُعَلَّقَةِ. وَكَمَا إذَا قَالَ: إنْ رَدَدْت عَبْدِي فَلَكَ هَذَا الدِّرْهَمُ، ثُمَّ يُعْطِيهِ إيَّاهُ قَبْلَ رَدِّ الْعَبْدِ هِبَةً، فَتَخْلُفُ الْهِبَةُ اسْتِحْقَاقَهُ إيَّاهُ بِالرَّدِّ. وَيُمْكِنُ إبْطَالُ شَرْطِيَّتِهِ كَمَا إذَا نَجَّزَ الطَّلَاقَ، أَوْ اتَّفَقَا عَلَى فَسْخِ الْجَعَالَةِ.

стр. 1642

وَالشُّرُوطُ الشَّرْعِيَّةُ لَا يَقْتَضِي وُجُودُهَا وُجُودًا، وَلَا تَقْبَلُ الْبَدَلَ وَلَا الْإِخْلَافَ، وَيُمْكِنُ قَبُولُهَا الْإِبْطَالَ، فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ يُبْطِلُ شَرْطِيَّةَ الطَّهَارَةِ لِلْعُذْرِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي صِيغَتِهِ الشَّرْط] [الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ: فِي صِيغَتِهِ وَهِيَ " إنْ " وَهِيَ أُمُّ الْأَدَوَاتِ، لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ الشَّرْطِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا. وَهِيَ لِلتَّوَقُّعِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ. وَ " إذَا " وَهِيَ لِلْمُحَقَّقِ كَقَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ إذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي التَّوَقُّعِ " كَإِنْ " مَجَازًا. يَجِيءُ شَرْطًا مِنْ الْأَسْمَاءِ " مَنْ، وَمَا، وَأَيُّ، وَمَهْمَا " وَمِنْ الظُّرُوفِ " أَيْنَ وَأَنَّى، وَمَتَى، وَحَيْثُمَا، وَأَيْنَمَا وَمَتَى، وَمَا، وَكَيْفَ " يُجَازِي بِهَا مَعْنًى لَا عَمَلًا خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ لَا يَدْخُلَ إلَّا عَلَى الْمُنْتَظَرِ] [الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ: مِنْ حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ لَا يَدْخُلَ إلَّا عَلَى الْمُنْتَظَرِ، لِأَنَّ مَا انْقَضَى لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ فِيهِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الْأَفْعَالُ الْوَاقِعَةُ بَعْدَ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلَةً أَبَدًا، سَوَاءٌ كَانَ لَفْظُهَا مَاضِيًا مُضَارِعًا إلَّا أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ، فَإِنَّ الْفِعْلَ يَكُونُ عَلَى حَسَبِ لَفْظِهَا مَا هُوَ، نَحْوُ إنْ يَقُمْ زَيْدٌ فَقَدْ أَكْرَمْته. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَاءٌ، فَالْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؛ إلَّا فِي " كَانَ " وَحْدَهَا، فَإِنَّ الْمُبَرِّدَ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهَا تَبْقَى عَلَى مُضِيِّهَا، فَتَقُولُ: إنْ كَانَ زَيْدٌ قَائِمًا قُمْتُ وَ " كَانَ " مَاضِيَةٌ، وَاحْتَجَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦] لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] قَدْ كَانَ

стр. 1643

وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا مُسْتَغْرِقَةٌ لِلزَّمَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَخُصُّ زَمَانًا دُونَ غَيْرِهِ، وَزَعَمَ ابْنُ السَّرَّاجِ أَنَّ الْمُبَرِّدَ احْتَجَّ بِالْآيَةِ، قَالَ: وَفِيهَا نَظَرٌ، فَلَمْ يَجْزِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْ الْآيَةَ قَطْعِيَّةً فِي الْمَقْصُودِ. وَالصَّحِيحُ عَدَمُ خُرُوجِهَا عَنْ سَائِرِ الْأَفْعَالِ، وَنَزَّلَ الْآيَةَ عَلَى أَنَّ " إنْ " دَخَلَتْ عَلَى فِعْلٍ مَحْذُوفٍ مُسْتَقْبَلٍ، إمَّا عَلَى إضْمَارِ: " يَكُنْ " أَيْ إنْ يَكُنْ قُلْته. وَإِمَّا عَلَى إضْمَارِ الْقَوْلِ، أَيْ: إنْ أَكُنْ فِيمَا اسْتَقْبَلَ كُنْت قُلْتُهُ، أَيْ مَوْصُوفًا بِهَذَا، أَوْ إنْ أَقُلْ كُنْتُ قُلْتُهُ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَقْبَلِ الْمَعْنَى بِلَفْظِ " كَانَ " وَغَيْرِهَا إلَّا مُؤَوَّلًا. لَكِنْ مَا قَالَهُ مُسْتَدْرَكٌ " بِلَوْ، وَلَمَّا " الشَّرْطِيَّتَيْنِ. فَإِنَّ الْفِعْلَ بَعْدَهَا لَا يَكُونُ إلَّا مَاضِيًا. وَقَالَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الْقُشَيْرِيّ: الْمَشْرُوطُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا فِي الِاسْتِقْبَالِ، نَقُولُ: لَا أَضْرِبُ زَيْدًا حَتَّى يَقُومَ عَمْرٌو، وَلَا يَحْسُنُ لَا أَضْرِبُ زَيْدًا بِالْأَمْسِ حَتَّى يَقُومَ عَمْرٌو. فَأَمَّا الشَّرْطُ، فَقَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْقُوبًا فِي الِاسْتِقْبَالِ. قَالَ الْقَاضِي: وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ يَقَعُ الشَّرْطُ كَائِنًا فِي الْحَالِ غَيْرَ مُسْتَقْبَلٍ، فَيَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: إنْ كَانَ زَيْدٌ الْيَوْمَ رَاكِبًا يَرْكَبُ غَدًا، فَيُوَافِقُ وُجُودَ الشَّرْطِ لِفِعْلِك، وَيَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ. قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَحْسُنُ إذْ مُخَاطِبُك يَعْرِفُ أَنَّ زَيْدًا الْيَوْمَ رَاكِبٌ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَعْرِفْ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ عِنْدَ الْجَهْلِ، فَكَأَنَّك قُلْت: إنْ كَانَ أَوْضَحَ لَنَا أَنَّ زَيْدًا رَاكِبٌ قُمْتَ غَدًا، فَهَذَا الشَّرْطُ إذَنْ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَرْقُوبٌ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ أَحْكَام الشَّرْط إخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ عُلِمَ إخْرَاجُهُ] [الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ: مِنْ أَحْكَامِهِ إخْرَاجُ مَا لَوْلَاهُ عُلِمَ إخْرَاجُهُ

стр. 1644

كَأَكْرِمْ زَيْدًا إنْ اسْتَطَعْت، أَوَّلًا كَأَكْرِمْهُ إنْ قَامَ. ثُمَّ قَدْ يُوجَدُ دَفْعَةً كَالتَّعْلِيقِ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ، فَالْحُكْمُ عِنْدَ أَوَّلِ وُجُودِهِ. وَقَدْ يُوجَدُ عَلَى التَّعَاقُبِ كَالْحَرَكَةِ وَالْكَلَامِ؛ فَعِنْدَ آخِرِ جُزْءٍ، إذْ الْعُرْفُ بِوُجُودِهِ حِينَئِذٍ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، كَالطَّهَارَةِ لِمَنْ نَوَى وَهُوَ مُنْغَمِسٌ فِي الْمَاءِ، وَلِمَنْ تَوَضَّأَ نَاوِيًا، وَقُلْنَا بِتَفْرِيقِ الِارْتِفَاعِ، فَالْحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ دَفْعَةٍ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ وُجُودُهُ حَقِيقَةً، وَلَا تَحَقُّقَ لِوُجُودِهِ إلَّا كَذَلِكَ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الثَّانِي [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ قَدْ يَتَّحِدَانِ] [الْمَسْأَلَةُ] الْخَامِسَةُ: الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ قَدْ يَتَّحِدَانِ، نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَقَدْ يَتَعَدَّدُ الشَّرْطُ، وَيَتَّحِدُ الْمَشْرُوطُ، بِأَنْ يَكُونَ لِلْمَشْرُوطِ الْوَاحِدِ شَرْطَانِ، فَإِنْ كَانَا عَلَى الْجَمْعِ لَمْ يَحْصُلْ الْمَشْرُوطُ إلَّا بِحُصُولِهِمَا مَعًا، كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَكَلَّمْت زَيْدًا فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَإِنْ كَانَ عَلَى الْبَدَلِ حَصَلَ الْمَشْرُوطُ بِحُصُولِ أَحَدِهِمَا، كَقَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، أَوْ كَلَّمْت [زَيْدًا] فَأَنْتِ طَالِقٌ. قَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وَمَتَى زِيدَ فِي شَرْطِهِ زِيدَ فِي تَخْصِيصِهِ لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّهُ يَحُطُّهُ فِي كُلِّ دَفْعَةٍ عَنْ رُتْبَةِ الْإِطْلَاقِ. قَالَ: وَيَنْشَأُ مِنْ جَوَازِ مَشْرُوطٍ لِمَشْرُوطٍ أَنْ لَا يُشْعِرَ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ بِانْعِكَاسِ حُكْمِ الْمَشْرُوطِ إلَّا فِي الْعُمُومِ وَقَدْ يَتَعَدَّدُ الْمَشْرُوطُ، وَيَتَّحِدُ الشَّرْطُ بِأَنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ الْوَاحِدِ مَشْرُوطَاتٌ، فَإِمَّا عَلَى الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: إنْ زَنَيْت جَلَدْتُك، وَعَزَّرْتُك، فَإِذَا حَصَلَ الزِّنَى حَصَلَ اسْتِحْقَاقُ الْأَمْرَيْنِ. وَإِمَّا عَلَى الْبَدَلِ، كَقَوْلِهِ جَلَدْتُك أَوْ عَزَّرْتُك، وَالْمُحَقَّقُ أَحَدُهُمَا. [الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ تَأْخِيرُ الشَّرْطِ عَنْ الْمَشْرُوطِ فِي اللَّفْظِ] [الْمَسْأَلَةُ] السَّادِسَةُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّرْطِ أَنْ يَكُونَ مُتَأَخِّرًا عَنْ

стр. 1645

الْمَشْرُوطِ فِي اللَّفْظِ، حَتَّى يَكُونَ كَالِاسْتِثْنَاءِ؛ بَلْ الْأَصْلُ تَقْدِيمُهُ، لِأَنَّهُ مُتَقَدِّمٌ فِي الْوُجُودِ، وَلِأَنَّهُ قِسْمٌ مِنْ الْكَلَامِ، فَكَانَ لَهُ الصَّدْرُ كَالِاسْتِفْهَامِ وَالتَّمَنِّي. وَيَجُوزُ تَأَخُّرُهُ لَفْظًا، كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ. قَالَ فِي " الْمَحْصُولِ ": وَلَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ تَقْدِيمِهِ، وَتَأْخِيرِهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الْأَوْلَى، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَحْرَى هُوَ التَّقْدِيمُ، خِلَافًا لِلْفَرَّاءِ قُلْت: قَوْلُهُ لَا نِزَاعَ فِي تَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ مَرْدُودٌ، فَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ الشَّرْطَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ كَالِاسْتِفْهَامِ، فَلَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ الْجَوَابُ. فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ شُبِّهَ بِالْجَوَابِ، وَلَيْسَ بِجَوَابٍ. وَجَوَّزَهُ الْكُوفِيُّونَ، فَنَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَلَا تَقْدِيرَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ؛ بَلْ هُوَ جَوَابٌ مُقَدَّمٌ مِنْ تَأْخِيرٍ، وَرَدٍّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا افْتَرَقَ الْمَعْنَيَانِ، وَهُمَا مُفْتَرِقَانِ. فَفِي التَّقْدِيمِ مَبْنَى الْكَلَامِ عَلَى الْجَزْمِ، ثُمَّ طَرَأَ التَّوَقُّفُ، وَفِي التَّأْخِيرِ مَبْنَى الْكَلَامِ مِنْ أَوَّلِهِ عَلَى الشَّرْطِ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ قَوْلُ الْإِمَامِ: إنَّ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ الشَّرْطِ. وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْفَرَّاءِ غَرِيبٌ. وَقَالَ الصَّفِيُّ: فِي صِحَّةِ النَّقْلِ نَظَرٌ وَإِنْ صَحَّ النَّقْلُ فَضَعْفُهُ بَيِّنٌ وَقَالَ " شَارِحُ اللُّمَعِ ": يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الشَّرْطُ فِي اللَّفْظِ، كَمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ، قِيَاسًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ. قَالَ: وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقْصِدَ إلَى الشَّرْطِ. فَإِنْ جَاءَ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْعَادَةِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَصْدُ وَجْهَانِ

стр. 1646

كَالِاسْتِثْنَاءِ. قُلْت: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا إنْ شِئْت، فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً يَقَعُ. وَلَوْ قَالَ: إنْ شِئْت طَلِّقِي نَفْسَك ثَلَاثًا فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً. قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ. وَوَافَقَهُ الْأَصْحَابُ؛ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ وَاحِدَةٌ لِجَوَازِ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ وَتَأَخُّرِهِ. [الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَدْ يَرِدُ الْكَلَامُ عَرِيًّا عَنْ الشَّرْطِ مَعَ كَوْنِهِ مُرَادًا فِيهِ] [الْمَسْأَلَةُ] السَّابِعَةُ: قَدْ يَرِدُ الْكَلَامُ عَرِيًّا عَنْ الشَّرْطِ مَعَ كَوْنِهِ مُرَادًا فِيهِ، وَيُبَيَّنُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ [الأنعام: ٤١] . [الشَّرْطُ مُخَصِّصٌ لِلْأَحْوَالِ لَا لِلْأَعْيَانِ] [الْمَسْأَلَةُ] الثَّامِنَةُ: نَقَلَ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " عَنْ الشَّرِيفِ الْمُرْتَضَى مَنْعَ كَوْنِ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَقَالَ: الشَّرْطُ لَا يُؤَثِّرُ فِي زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ. وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " فَقَالَ: لَا يَجْرِي مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي التَّخْصِيصِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَقْلِيلٌ فِي الْعَدَدِ قَطْعًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ قَوْلَك: أَعْطِ الْقَوْمَ إنْ دَخَلُوا الدَّارَ لَا يُقْطَعُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ خَارِجٌ مِنْ الْعَطِيَّةِ؛ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الْكُلُّ فَيَسْتَحِقُّوا الْعَطِيَّةَ، فَإِذَنْ الشَّرْطُ غَيْرُ مُخَصِّصٍ لِلْأَشْخَاصِ وَالْأَعْيَانِ كَالِاسْتِثْنَاءِ. وَإِنَّمَا هُوَ مُخَصِّصٌ لِأَحْوَالٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ بِالْعَطِيَّةِ لَوْ كَانَ مُطْلَقًا لَا يَسْتَحِقُّونَهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ. فَإِذَا شُرِطَ بِدُخُولِ الدَّارِ يُخَصَّصُ بِتِلْكَ الْحَالِ الَّتِي هِيَ دُخُولُ الدَّارِ. قَالَ: وَذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ أَنَّ الشَّرْطَ بِ " إنْ " يُخَصِّصُ مَا دَخَلَهُ، إلَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلتَّأْكِيدِ فَلَا، كَقَوْلِهِ: إنْ تَطَهَّرْت فَصَلِّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّحْقِيقِ. انْتَهَى.

стр. 1647

وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الشَّرْطَ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْجَزَاءَ وَالشَّرْطَ جُمْلَتَانِ صَيَّرَهُمَا حَرْفُ الشَّرْطِ كَلَامًا وَاحِدًا، فَيَتَقَيَّدُ إحْدَاهُمَا بِقَيْدِ الْأُخْرَى وَتَخْصِيصُهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ كَذَلِكَ، وَبِذَلِكَ أَشْبَهَ الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ، فَإِذَا قُلْت: أَكْرِمْ بَنِي فُلَانٍ إنْ كَانُوا عُلَمَاءَ، صَارَ كَقَوْلِك أَكْرِمْ بَنِي فُلَانٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا جُهَّالًا. وَكَذَا إذَا قَالَ: مَنْ جَاءَك مِنْ النَّاسِ فَأَكْرِمْهُ، وَمَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَهُوَ آمِنٌ. غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إخْرَاجٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالشَّرْطُ يُقَيَّدُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِخْرَاجُ إلَّا عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْفَارِضِ فِي النُّكَتِ ": الِاسْتِثْنَاءُ يُخْرِجُ الْأَعْيَانَ، وَالشَّرْطُ يُخْرِجُ الْأَحْوَالَ. وَقَالَ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ: مِنْ حَقِّ الشَّرْطِ أَنْ يَخُصَّ الْمَشْرُوطَ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: إنَّمَا يَكُونُ الشَّرْطُ لِلتَّخْصِيصِ إذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِلَّا فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَيُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَمَّا وُضِعَ لَهُ مِنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَحُكْمُهَا فِي الْعِدَّةِ مَعَ وُجُودِ الرِّيبَةِ وَعَدَمِهَا سَوَاءٌ. وَقَالَ. ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: يَكُونُ تَخْصِيصًا إلَّا أَنْ يَقَعَ مَوْقِعَ التَّأْكِيدِ، أَوْ غَالِبُ الْحَالِ يُصْرَفُ بِالدَّلِيلِ عَنْ حُكْمِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فَإِنَّ الْخَوْفَ تَأْكِيدٌ لَا شَرْطٌ وَقَوْلُهُ: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] . [الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وُجُوبُ اتِّصَالِ الشَّرْطِ فِي الْكَلَامِ] [الْمَسْأَلَةُ] التَّاسِعَةُ: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ اتِّصَالِ الشَّرْطِ فِي الْكَلَامِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ تَقَيُّدُ الْكَلَامِ

стр. 1648

بِشَرْطٍ يَكُونُ الْخَارِجُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْبَاقِي وَلَا يَأْتِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، قَالَهُ الْإِمَامُ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهَذَا يَجِبُ تَنْزِيلُهُ عَلَى مَا عُلِمَ أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا مَا يُجْهَلُ فِيهِ الْحَالُ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَيَّدَ، وَلَوْ بِشَرْطٍ لَا يَبْقَى مِنْ مَدْلُولَاتِهِ شَيْءٌ، كَقَوْلِك: أَكْرِمْ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ إنْ أَكْرَمَك وَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يُكْرِمْهُ. [الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ إذَا تَعَقَّبَهَا شَرْطٌ] [الْمَسْأَلَةُ] الْعَاشِرَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْجُمَلِ الْمُتَعَاطِفَةِ إذَا تَعَقَّبَهَا شَرْطٌ، هَلْ يَرْجِعُ إلَى الْجَمِيعِ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْأَخِيرَةِ؟ عَلَى طَرِيقَيْنِ. أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمِمَّنْ حَكَاهَا الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ الدَّلَائِلِ، فَقَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ: يَرْجِعُ إلَى مَا يَلِيهِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْكُلِّ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَرْجِعُ إلَى الْكُلِّ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ إرَادَةِ الْبَعْضِ ثُمَّ اخْتَارَ الصَّيْرَفِيُّ رُجُوعَهُ إلَى الْكُلِّ، لِأَنَّ الشَّرْطَ وَقَعَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ، فَلَمْ يَكُنْ آخِرَ الْمَعْطُوفَاتِ أَوْ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، فَأُمْضِيَ عَلَى عُمُومِهِ. وَحَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ الْأَشْعَرِيَّةِ عَدَمَ عَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ. قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ الْمُعْتَزِلِيُّ فِي النُّكَتِ ": الَّذِي فِي كُتُبِ عُلَمَائِنَا كَثِيرًا رُجُوعُهُ إلَى الْجَمِيعِ. وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ، قَالَ: وَوَجَدْت بَعْضَ الْأُدَبَاءِ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الرُّجُوعِ إلَى مَا يَلِيهِمَا. وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: الْقَطْعُ بِعَوْدِهِ إلَى الْجَمِيعِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الشَّرْطَ مَنْزِلَتُهُ التَّقَدُّمُ عَلَى الْمَشْرُوطِ، فَإِذَا أُخِّرَ لَفْظًا كَانَ كَالْمَصْدَرِ فِي الْكَلَامِ، وَلَوْ صَدَرَ

стр. 1649

لَتَعَلَّقَ بِالْجَمِيعِ، فَكَذَا الْمُتَأَخِّرُ. وَعَلَى هَذَا جَرَى ابْنُ مَالِكٍ فِي بَابِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ شَرْح التَّسْهِيلِ "، فَقَالَ: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَعَلُّقِ الشَّرْطِ بِالْجَمِيعِ فِي نَحْوِ: لَا تَصْحَبْ زَيْدًا وَلَا تَزُرْهُ وَلَا تُكَلِّمْهُ إنْ ظَلَمَنِي، وَاخْتَلَفُوا فِي الِاسْتِثْنَاءِ. انْتَهَى. وَهُوَ مَا أَوْرَدَهُ الْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ قَالَا: إلَّا أَنْ يَخُصَّهُ دَلِيلٌ. وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِيهِ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا. لَكِنْ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ عَنْ ابْنِ الْحَدَّادِ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ، أَنَّ الشَّرْطَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَخِيرَةِ. وَنَقَلَ أَصْحَابُ الْمُعْتَمَدِ " وَالْمَصَادِرِ " وَالْمَحْصُولِ " وِفَاقَ أَبِي حَنِيفَةَ لَنَا عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ وَالْمَاوَرْدِيَّ حَكَيَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ اخْتِصَاصَهُ بِالْأَخِيرَةِ عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ غَلَطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المائدة: ٨٩] فَهُوَ عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لَا إلَى الرَّقَبَةِ. وَمَثَّلَ الْقَفَّالُ وَالصَّيْرَفِيُّ لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ الْمَعْطُوفَاتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَصَرَ الشَّرْطَ عَلَى الرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ، لِدَلِيلٍ قَامَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ رَدُّهُ إلَى الْأُمَّهَاتِ، لِأَنَّ الشَّرْطَ لَوْ اقْتَرَنَ بِهِ لَمْ يَسْتَقِمْ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ مَعْنًى، لِأَنَّ أُمَّهَاتِ نِسَائِنَا أُمَّهَاتُ أَزْوَاجِنَا، وَهِيَ نِسَاؤُكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ

стр. 1650

مِنْ أَزْوَاجِكُمْ فَكَيْفَ تَرَوْنَ أُمَّهَاتِ أَزْوَاجِنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ؟ وَفِي هَذَا بَيَانُ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] وَصْفٌ لِلرَّبِيبَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ رَبِيبَةٌ لِامْرَأَةٍ لِي، قَدْ دَخَلْتُ بِهَا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ أُمُّ امْرَأَتِي مِنْ امْرَأَةٍ لَمْ أَدْخُلْ بِهَا، وَلِهَذَا بَطَلَ رُجُوعُهُ إلَى الْأُولَى. وَإِنَّمَا يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ إلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَ إذَا صَلُحَ أَنْ يُذْكَرَ مَقْرُونًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا سَبَقَ. انْتَهَى كَلَامُ الْقَفَّالِ. وَشَرَطَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ لِلْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ مَا سَبَقَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ. فَقَالَ: إذَا كَانَ الْخِطَابُ عَلَى جُمَلٍ مِنْهَا مُسْتَقِلٍّ، وَلَوْ نِيطَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِشَرْطٍ لَمْ يَقْتَضِ تَعَلُّقُهُ بِالْكُلِّ، وَكَذَا إذَا تَوَالَتْ أَلْفَاظٌ عَامَّةٌ يَثْبُتُ الْمُخَصِّصُ فِي بَعْضِهَا لَمْ يُوجِبْ التَّخْصِيصَ فِيمَا عَدَاهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الْآيَةَ. وَاخْتَارَ الرَّازِيَّ التَّوَقُّفَ هُنَا، وَلَا بُعْدَ فِي تَوَقُّفِ الْقَاضِي فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَتَكَلُّفُ الْفَرْقِ بَيْنَهَا ضَعِيفٌ. [حُكْمُ الشَّرْطِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْمَعْطُوفِ] تَنْبِيهَاتٌ [حُكْمُ الشَّرْطِ إذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْمَعْطُوفِ] الْأَوَّلُ: هَذَا إذَا تَأَخَّرَ الشَّرْطُ فَإِنْ تَقَدَّمَ قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: اخْتَصَّ بِمَا يَلِيهِ عِنْدَ مَنْ خَصَّهُ بِجُمْلَةٍ. قُلْت: وَصَرَّحَ الصَّيْرَفِيُّ بِأَنَّ الْحُكْمَ فِي تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْمَعْطُوفَاتِ كَحُكْمِهِ إذَا تَأَخَّرَ فِي الْعَدَدِ إلَى الْكُلِّ وَبِذَلِكَ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِيمَا لَوْ قَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ امْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ، وَمَالِي
следующие страницы →