← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْهُمْ، أَوْ بِنَقْلِ أَهْلِ التَّوَاتُرِ إلَيْنَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ إلَّا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ، وَأَمَّا بَعْدَهُمْ فَلَا. انْتَهَى. وَعَقَدَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بَابًا فِي أَنَّ الْإِجْمَاعَ يَصِحُّ أَنْ يُعْلَمَ وُقُوعُهُ وَقَالَ: مِنْ النَّاسِ مَنْ مَنَعَ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلْمِ بِهِ طَرِيقَةٌ يُعْلَمُ بِهَا حُصُولُهُ، ثُمَّ زَيَّفَهُ. قَالَ: وَالطَّرِيقُ شَيْئَانِ. أَحَدُهُمَا: الْمُشَاهَدَةُ، وَالْآخَرُ النَّقْلُ. فَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ مُتَقَدِّمًا فَلَيْسَ إلَّا النَّقْلُ، لِتَعَذُّرِ الْمُشَاهَدَةِ. وَإِنْ كَانَ فِي الْوَقْتِ فَالْأَمْرَانِ طَرِيقٌ إلَيْهِ، وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ بِالْعَقْلِ، وَلَا بِخَبَرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﵇، لِتَعَذُّرِهِ، فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي " شَرْحِ التَّرْتِيبِ ": نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَسَائِلَ الْإِجْمَاعِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ. وَبِهَذَا يُرَدُّ قَوْلُ الْمُلْحِدَةِ إنَّ هَذَا الدِّينَ كَثِيرُ الِاخْتِلَافِ، إذْ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَنَقُولُ: أَخْطَأْت بَلْ مَسَائِلُ الْإِجْمَاعِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ. ثُمَّ لَهَا مِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي يَقَعُ الِاتِّفَاقُ مِنْهَا وَعَلَيْهَا، وَهِيَ صَادِرَةٌ عَنْ مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ أَكْثَرِ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ، يَبْقَى قَدْرُ أَلْفِ مَسْأَلَةٍ هِيَ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، وَالْخِلَافُ فِي بَعْضِهَا يَحْكُمُ بِخَطَأِ الْمُخَالِفِ عَلَى الْقَطْعِ وَبِفِسْقِهِ، وَفِي بَعْضِهَا يَنْقُضُ حُكْمَهُ، وَفِي بَعْضِهَا يُتَسَامَحُ، وَلَا يَبْلُغُ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَبْقَى عَلَى الشُّبْهَةِ إلَى مِائَتَيْ مَسْأَلَةٍ. انْتَهَى. [الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ فِي كَوْنِ الْإِجْمَاع حُجَّةً] [الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ] فِي كَوْنِهِ حُجَّةً الرَّابِعُ: وَإِذَا ثَبَتَ إمْكَانُ الْعَمَلِ بِهِ، فَهُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ غَيْرُ النَّظَّامِ وَالْإِمَامِيَّةِ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَوَّلُ مَنْ بَاحَ بِرَدِّهِ النَّظَّامُ،

стр. 2452

ثُمَّ تَابَعَهُ بَعْضُ الرَّوَافِضِ، أَمَّا الْإِمَامِيَّةُ فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُمْ قَوْلُ الْإِمَامِ دُونَ الْأُمَّةِ. وَالنَّظَّامُ يُسَوِّي بَيْنَ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ وَبَيْنَ قَوْلِ آحَادِهَا فِي جَوَازِ الْخَطَأِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَلَا يَرَى فِي الْإِجْمَاعِ حُجَّةً، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي مُسْتَنِدِهِ إنْ ظَهَرَ لَنَا، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ دَلِيلًا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. هَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَغَيْرُهُمْ. وَتَبِعَهُمْ الرَّازِيَّ، وَنَقَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْهُ أَنَّهُ يُحِيلُ الْإِجْمَاعَ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّحِيحُ عَنْ النَّظَّامِ أَنَّهُ يَقُولُ بِتَصَوُّرِ الْإِجْمَاعِ، وَأَنَّهُ حُجَّةٌ، وَلَكِنْ فَسَّرَهُ بِكُلِّ قَوْلٍ قَامَتْ حُجَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَوْلَ وَاحِدٍ، وَيُسَمَّى بِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﵇ إجْمَاعًا، وَمَنَعَ الْحُجِّيَّةَ عَنْ الْإِجْمَاعِ الَّذِي نُفَسِّرُهُ نَحْنُ بِمَا نُفَسِّرُهُ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ بِاصْطِلَاحِنَا غَيْرَ حُجَّةٍ، وَتَوَاتَرَ عِنْدَهُ لَمْ يُخْبِرْ بِمُخَالَفَتِهِ، فَحَسَّنَ الْكَلَامَ وَفَسَّرَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. هَكَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، هَذَا تَحْرِيرُ النَّقْلِ عِنْدَهُ، وَلِأَجْلِهِ قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: النِّزَاعُ لَفْظِيٌّ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي " شَرْحِ الْعُنْوَانِ " نُقِلَ عَنْ النَّظَّامِ إنْكَارُ حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ، وَرَأَيْت أَبَا الْحُسَيْنِ الْخَيَّاطَ أَنْكَرَ ذَلِكَ فِي نَقْضِهِ لِكِتَابِ الرَّاوَنْدِيُّ، وَنَسَبَهُ إلَى الْكَذِبِ، إلَّا أَنَّ النَّقْلَ مَشْهُورٌ عَنْ النَّظَّامِ بِذَلِكَ. اهـ. وَحَكَى الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ " الْفُتْيَا " عَنْ النَّظَّامِ أَنَّهُ قَالَ: الْحُكْمُ يُعْلَمُ بِالْعَقْلِ أَوْ الْكِتَابِ أَوْ إجْمَاعِ النَّقْلِ. اهـ. لَكِنْ قِيلَ: إنَّهُ عَنَى بِهِ التَّوَاتُرَ

стр. 2453

وَنَقَلَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ عِيسَى الْوَرَّاقِ أَنَّهُ إذَا أَجْمَعَ أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى حُكْمٍ جَازَ أَنْ يُخَالِفَهُمْ فِيهِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ وَافَقَهُمْ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةُ اللَّهِ فِي شَرِيعَتِهِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي شُرُوطِهِ. [الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ مَا ثَبَتَ بِهِ حُجِّيَّةُ الْإِجْمَاعِ] ِ] . الْخَامِسُ: فِي أَنَّهُ ثَبَتَتْ حُجَّتُهُ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ السَّمْعُ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ ": إنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَمَنَعُوا ثُبُوتَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَإِنْ بَعُدَ فِي الْعَقْلِ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، فَلَا يَبْعُدُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ، كَاجْتِمَاعِ الْكُفَّارِ عَلَى جَحْدِ النُّبُوَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَلَا الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ مَظْنُونٌ، وَلَا يُحْتَجُّ بِالْمَظْنُونِ عَلَى الْقَطْعِيِّ، وَكَلَامُ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ " الْبَغْدَادِيَّةِ يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِنَّهُ

стр. 2454

قَالَ عَقِبَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَدِلَّةِ السُّنَّةِ: وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَلَدِنَا يَرْضَاهُ، وَحَمَلَ عَنْهُ إلَّا صَارَ إلَى قَوْلِهِمْ مِمَّا لَا سُنَّةَ فِيهِ. اهـ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْإِجْمَاعِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قِيَاسًا عَلَى السُّنَّةِ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَعَبَّدْ بِالْقِيَاسِ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا دَلِيلُ النَّقْلِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ أَكْثَرَ مِنْهُ الْأَئِمَّةُ. وَزَادَ الْغَزَالِيُّ ثَالِثًا، وَهُوَ طَرِيقُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ إذَا قَضَوْا بِقَضِيَّةٍ وَقَطَعُوا بِهَا، فَلَا يَكُونُ إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ قَاطِعٍ، فَإِنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ تَثْبِيتَهُمْ قَاعِدَةَ الدِّينِ بِغَيْرِ قَطْعِيٍّ، وَإِلَّا لَزِمَ الْقَدْحُ فِيهِمْ، وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَحَكَى سُلَيْمٌ، وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَجْهًا ثَالِثًا، أَنَّ الْعَقْلَ وَالسَّمْعَ دَلَّا عَلَيْهِ. وَفَرَّعَ عَلَيْهِ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْمُحِيطِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ إجْمَاعَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، هَلْ هُوَ كَإِجْمَاعِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ وَالصَّحِيحُ الْمَنْعُ، فَإِنَّ إجْمَاعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَعْصُومٌ مِنْ الْخَطَأِ. وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّ دَلِيلَ الْإِجْمَاعِ سَمْعِيٌّ، وَالْعَقْلِيُّ مُؤَكِّدٌ لَهُ، وَهُوَ إحَالَةُ الْعَادَةِ خَطَأُ الْجَمِّ الْغَفِيرِ فِي حُكْمٍ لَا يُثْبِتُهُ أَحَدٌ؛ لِمَوْقِعِ الْخَطَأِ فِيهِ، وَأَنَّ النُّصُوصَ شَهِدَتْ بِعِصْمَتِهِمْ، فَلَا يَقُولُونَ إلَّا حَقًّا، سَوَاءٌ اسْتَنَدُوا فِي قَوْلِهِمْ إلَى قَاطِعٍ أَوْ مَظْنُونٍ، وَطَرِيقَةُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ دَلِيلًا لِنَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ دَلِيلُ الدَّلِيلِ، لَكِنَّ دَلَالَتَهُ عَلَى الدَّلِيلِ دَلَالَةٌ قَطْعِيَّةٌ عَادِيَّةٌ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا سَبَقَ عَنْ الْغَزَالِيِّ.

стр. 2455

تَنْبِيهٌ [وَجْهُ وَضْعِ الْإِجْمَاعِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ] قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مِنْ صِنَاعَةِ الْأُصُولِيِّ، كَمَا لَا يَلْزَمُ تَثْبِيتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَهُ تَثْبِيتُ الْإِجْمَاعِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ لَمَّا كَانَ أَمْرًا رَاجِعًا إلَى السُّنَّةِ مَوْجُودًا فِيهَا بِالِاسْتِرْوَاحِ لَا بِالنَّصِّ، وَبِالْقُوَّةِ لَا بِالْفِعْلِ، احْتَاجَ إلَى تَثَبُّتِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ تِلْكَ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ حَتَّى يَصِيرَ أَصْلًا ثَالِثًا مِنْ الْأُصُولِ الْأُوَلِ، يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي التِّبْيَانِ وَالظُّهُورِ. [الْمَبْحَثُ السَّادِسُ فِي أَنَّ الْإِجْمَاع حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ] [الْمَبْحَثُ السَّادِسُ] فِي أَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَحَدِ أَدِلَّتِهِ، فَهَلْ يُقْطَعُ عَلَى صِحَّتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ؛ لِيَصِحَّ قِيَامُ الْحُجَّةِ. الثَّانِي: الْمَنْعُ اعْتِبَارًا بِأَهْلِهِ فِي انْتِفَاءِ الْعِصْمَةِ عَنْ آحَادِهِمْ، فَكَذَا عَنْ جَمِيعِهِمْ. وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ بِأَنَّهُ حُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ. مِنْهُمْ الصَّيْرَفِيُّ، وَابْنُ بَرْهَانٍ، وَجَزَمَ بِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ الدَّبُوسِيُّ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَا: كَرَامَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ، وَإِنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا، وَلَا يُعَارِضُهُ دَلِيلٌ أَصْلًا، وَنَسَبَهُ إلَى الْأَكْثَرِينَ. قَالَ: بِحَيْثُ يُكَفَّرُ أَوْ يُضَلَّلُ

стр. 2456

وَيُبَدَّعُ مُخَالِفُهُ. وَخَالَفَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ، فَقَالَا: إنَّهُ لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ، وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْمُعْتَبَرُونَ فَحُجَّةٌ قَطْعِيَّةٌ، وَبَيْنَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ كَالسُّكُوتِيِّ، وَمَا نَدْرِي مَخَالِفَهُ، فَحُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ. وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: الْإِجْمَاعُ مَرَاتِبُ: فَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ مِثْلُ الْكِتَابِ وَالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ، وَإِجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَشْهُورِ مِنْ الْأَحَادِيثِ. وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ الْخِلَافُ فِي الْعَصْرِ السَّالِفِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ فِي الْكُلِّ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعَمَلَ لَا الْعِلْمَ، فَصَارَتْ الْمَذَاهِبُ أَرْبَعَةً: يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ. لَا يُوجِبُهُمَا. يُوجِبُ الْعِلْمَ حَيْثُ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ قَطْعًا. يُوجِبُ الْعِلْمَ فِي إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ. وَقَدْ أَوْرَدَ صَاحِبُ التَّقْوِيمِ " أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدْ يَقَعُ عَنْ أَمَارَةٍ، فَكَيْفَ يُوجِبُ الْعِلْمَ إجْمَاعٌ تَفَرَّعَ عَنْ الظَّنِّ؟ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِذَلِكَ اتِّصَالُهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ ثَبَتَ عِصْمَتُهُمْ مِنْ الْخَطَأِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الِاتِّصَالِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقْرِيرِهِ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ مِنْ الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي يَحْكُمُ بِهَا عَلَى الْقَوَاطِعِ الَّتِي هِيَ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَاطِعًا؛ لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الْقَاطِعِ بِمَا لَيْسَ بِقَاطِعٍ، وَحَكَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي تَعْلِيقِهِ، وَالْبَنْدَنِيجِيّ فِي الذَّخِيرَةِ " قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ لَفْظَ الْإِجْمَاعِ هَلْ يُطْلَقُ عَلَى الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ، أَوْ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى الْقَطْعِيِّ؟ وَصَرَّحَا بِأَنَّهُ خِلَافٌ فِي الْعِبَارَةِ.

стр. 2457

[مَسْأَلَةٌ ثُبُوتُ الْإِجْمَاعِ بِنَقْلِ الْآحَادِ وَبِالظَّنِّيَّاتِ وَالْعُمُومِيَّاتِ] ِ] فَعَلَى هَذَا لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَخْبَارُ الْآحَادِ وَلَا الظَّوَاهِرُ، وَنُقِلَ عَنْ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ": إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى ثُبُوتِهِ بِهِمَا فِي حَقِّ الْعَمَلِ خَاصَّةً، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ قَاطِعٌ كَالْحَالِ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ فِي الْعَمَلِيَّاتِ، لَا الْعِلْمِيَّاتِ، وَأَبَاهُ الْجُمْهُورُ مُفَرِّقِينَ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ الْأَخْبَارَ قَدْ تَدُلُّ عَلَى قَبُولِهَا الْأَدِلَّةَ، وَلَمْ يَثْبُتْ لَنَا مِثْلُهَا فِي الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ أَلْحَقْنَاهُ بِهَا كَانَ إلْحَاقًا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَلَا يَجْرِي ذَلِكَ فِي الْأُصُولِ إذَا لَمْ يَنْعَقِدْ بِالْقِيَاسِ فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. وَهَذَا الْقَوْلُ صَحَّحَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَالْغَزَالِيُّ. قَالَ: وَلَسْنَا قَاطِعِينَ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِ مَنْ تَمَسَّك بِهِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ، لَكِنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى قَبُولِ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَالظَّوَاهِرِ فِي الْعَمَلِيَّاتِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا يَثْبُتُ بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا؛ وَلِأَنَّ مَا قُصِدَ فِيهِ الْعَمَلُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالظَّنِّ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَيْسَ آكَدُ مِنْ سُنَنِ الرَّسُولِ، وَهِيَ تَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ. قَالَ: وَسَوَاءٌ كَانَ النَّاقِلُ لَهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَمْ لَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيَّ.

стр. 2458

وَشَنَّعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى الْفُقَهَاءِ إثْبَاتَهُمْ الْإِجْمَاعَ بِالْعُمُومَاتِ، وَالظَّنِّيَّاتِ، وَاعْتِقَادَهُمْ أَنَّ مُخَالِفَهَا بِتَأْوِيلٍ لَا يُكَفَّرُ، وَلَا يُفَسَّقُ، مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ مُخَالِفَ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ يُكَفَّرُ أَوْ يَفْسُقُ، وَهُوَ تَرْجِيحٌ لِلْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ، وَسَيَأْتِي جَوَابُهُ. قَالَ الْآمِدِيُّ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ: وَالْمَسْأَلَةُ دَائِرَةٌ عَلَى اشْتِرَاطِ كَوْنِ دَلِيلِ الْأَصْلِ مَقْطُوعًا بِهِ، وَعَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ، فَمَنْ شَرَطَ الْقَطْعَ مَنَعَ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُفِيدًا فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَمْ يَمْنَعْ، وَكَلَامُ الْإِمَامِ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، بَلْ هُوَ جَارٍ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ ظَنِّيٌّ. وَإِذَا قُلْنَا بِالِاكْتِفَاءِ بِالْآحَادِ فِي نَقْلِهِ كَالسُّنَّةِ، فَهَلْ يُنَزَّلُ الظَّنُّ الْمُتَلَقَّى مِنْ أَمَارَاتٍ وَحَالَاتٍ مَنْزِلَةَ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْ نَقْلِ الْعُدُولِ، قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: فِيهِ خِلَافٌ، وَذَهَبَ الْإِمَامُ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِعَمَلٍ، وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْهَا مَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مِنْ قَوْلِ الشَّارِعِ فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ لَفْظِهِ مِمَّا يُشْعِرُ بِهِ ظَاهِرُهُ. [الْمَبْحَثُ السَّابِعُ فِي اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْإِجْمَاعِ] [الْمَبْحَثُ السَّابِعُ] فِي اسْتِحَالَةِ الْخَطَأِ عَلَى الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ مَسَائِلُ. الْأَوَّلُ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى الْخَطَأِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي طَرِيقِهِ. فَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ الْخَطَأُ عَلَيْهِمْ عَقْلًا، وَلَكِنَّهُ امْتَنَعَ بِالسَّمْعِ، وَقِيلَ: بَلْ امْتَنَعَ عَقْلًا وَسَمْعًا.

стр. 2459

قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ اللَّهَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - لَمَّا خَتَمَ أَمْرَ الرِّسَالَةِ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، عَصَمَ جُمْلَةَ أُمَّتِهِ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْخَطَأِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، حَتَّى يَكُونُوا مَعْصُومِينَ فِي التَّبْلِيغِ وَالْأَدَاءِ وَيَكُونُوا كَنَبِيٍّ جَدَّدَ شَرِيعَةً. قُلْت: وَقُبِلَ قَوْلُهُمْ كَقَوْلِ الْمَعْصُومِ. فَإِنْ قِيلَ: سَيَأْتِي جَوَازُ رُجُوعِهِمْ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ إذَا شَرَطْنَا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ. قُلْنَا: قَائِلُهُ يُجَوِّزُ الْخَطَأُ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ لَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ، وَهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ دَوَامِ الْخَطَأِ، وَهَذَا يُحْتَمَلُ إنْ قَصُرَ الزَّمَانُ، فَإِنْ تَطَاوَلَهُ بِحَيْثُ يَتَّبِعُهُمْ النَّاسُ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ فَمُسْتَحِيلٌ، كَمَا يَمْتَنِعُ فِي الرِّسَالَةِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُخْطِئَ كُلُّ فَرِيقٍ فِي مَسْأَلَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ عَنْ الْأُخْرَى، فَيَجُوزُ الْقَطْعُ بِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ. الثَّالِثَةُ: أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى الْخَطَأِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ. مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَائِلًا بِمَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، وَالْبَاقِي بِالِاعْتِزَالِ وَالرَّفْضِ. وَفِي الْفُرُوعِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: النِّصْفُ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَرِثُ، وَالْبَاقِي بِأَنَّ الْقَاتِلَ عَمْدًا يَرِثُ لِرُجُوعِهِمَا إلَى مَأْخَذٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَانِعُ الْمِيرَاثِ، فَوَقَعَ الْخَطَأُ فِيهِ كُلِّهِ. اخْتَلَفُوا فِيهِ. فَمَنْ نَظَرَ إلَى اتِّحَادِ الْأَصْلِ مَنَعَ، وَمِنْ نَظَرَ إلَى تَعَدُّدِ الْفُرُوعِ اخْتَارَ، وَالْأَكْثَرُونَ كَمَا قَالَ الْهِنْدِيُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى خَطَأٍ، فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُمْ، كَمَا لَمْ يَقَعْ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ، وَلَيْسَ بِإِجْمَاعٍ عَلَى خَطَأٍ. حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَيْسَ بِقَوْلِ كُلِّ الْأُمَّةِ، بَلْ الْفَرِيقُ الذَّاهِبُ إلَيْهَا فَقَطْ.

стр. 2460

[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا عَلَى جَهْلِ مَا يَلْزَمُهُمْ عِلْمُهُ] ُ، فَإِنَّهُ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ إجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى الْخَطَأِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَضْدَادِ الْعِلْمِ وَالشَّكِّ، وَالظَّنِّ. أَمَّا ذَهَابُهُمْ عَنْ الْعِلْمِ بِمَا لَمْ يُكَلَّفُوهُ فَجَائِزٌ، سَوَاءٌ نُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَمْ لَا. قَالَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ. [الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ وُجُوبُ اتِّبَاعِ الْإِجْمَاعِ] [الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ] وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ وَاحْتَجْنَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وُجُوبُ اتِّبَاعِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّا إذَا قُلْنَا: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ لِلْحَقِّ يَجِبُ عَلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ اتِّبَاعُهُ. وَوَجْهُ الْوُجُوبِ أَنَّ الشَّرْعَ إذَا قَالَ: مَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَجَبَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ كَمَا إذَا قَالَ: هَذَا بَاطِلٌ، وَجَبَ اجْتِنَابُهُ. [الْمَبْحَثُ التَّاسِعُ اسْتِصْحَابُ الْإِجْمَاعِ وَاجِبٌ أَبَدًا] [الْمَبْحَثُ التَّاسِعُ] اسْتِصْحَابُ الْإِجْمَاعِ وَاجِبٌ أَبَدًا لِأَنَّهُ لَا يُنْسَخُ، كَمَا يُنْسَخُ النَّصُّ، وَلَا يَخْتَصُّ كَمَا يَخْتَصُّ الْمَفْهُومُ. نَعَمْ، إنْ أَجْمَعُوا عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ حَدَثَ مَعْنًى فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ، لَمْ يُحْتَجَّ بِالْإِجْمَاعِ الْمُقَدَّمِ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ. وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الِاسْتِصْحَابِ. وَقَدْ احْتَجَّ ابْنُ دَاوُد

стр. 2461

عَلَى بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَقَالَ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إذَا كَانَتْ أَمَةً تُبَاعُ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَزُولُ بِوِلَادَتِهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ. فَقَلَبَهُ عَلَيْهِ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَقَالَ: اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا لَا تُبَاعُ، فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهَا لَا تُبَاعُ إذَا وَلَدَتْ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، فَبُهِتَ. [الْمَبْحَثُ الْعَاشِرُ فِي أَنَّ الْإِجْمَاع مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ كَانَ حُجَّةً فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ أَيْضًا] [الْمَبْحَثُ الْعَاشِرُ] فِي أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوْ كَانَ حُجَّةً فِي الْأُمَمِ السَّابِقَةِ أَيْضًا وَفِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ، أَنَّهُ كَانَ حُجَّةً، وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " اللُّمَعِ " عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَجَزَمَ الْقَفَّالُ فِي تَفْسِيرِهِ، وَحُجَّةُ كَوْنِ الْإِجْمَاعِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَنَّ الدَّلِيلَ إنَّمَا قَامَ عَلَى عِصْمَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَتَوَقَّفَ الْقَاضِي فِي الْمَسْأَلَةِ. قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ. لَا بِالنَّظَرِ إلَى طَرِيقِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا اسْتِحَالَةُ الْغَلَطِ فِي مُسْتَنَدِ فَهْمِ الْحُكْمِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّرَائِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَقَالَ الدَّبُوسِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ كَانَ حُجَّةً مَا دَامُوا مُتَمَسِّكِينَ بِالْكِتَابِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ الْيَوْمَ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِهِ، وَإِنَّمَا يُنْسَبُونَ إلَى الْكِتَابِ بِدَعْوَاهُمْ.

стр. 2462

وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ قَطَعَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ بِقَوْلِهِمْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ فَهُوَ حُجَّةٌ لِاسْتِنَادِهِ إلَى حُجَّةٍ قَاطِعَةٍ، فَإِنَّ الْعَادَةَ لَا تَخْتَلِفُ فِي الْأُمَمِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَنَدُ مَظْنُونًا، فَالْوَجْهُ الْوَقْفُ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ": إنْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ كَانَ حُجَّةً قُلْنَا بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ لَمْ يُصَرْ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ. وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ ": الْحَقُّ أَنَّ هَذَا مَعْلُومٌ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ قَطْعِيٍّ صِرْنَا إلَيْهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ إلْكِيَا: لَا مَعْنَى لِلْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يُجَوِّزُ كِلَا الْوَجْهَيْنِ، وَإِذَا تَقَابَلَ الْجَائِزَانِ يُوقَفُ الْأَمْرُ عَلَى السَّمْعِ، وَلَا قَاطِعَ مِنْ جِهَتِهِ، فَتَوَقَّفْنَا، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا أَنَّ سَلَفَ كُلِّ أُمَّةٍ كَانُوا يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُ أَصْحَابَ الْمُرْسَلِينَ فِي أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ بِنَاءً عَلَى أَدِلَّةِ تِلْكَ الشَّرَائِعِ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَلْ لَهَا فَائِدَةٌ فِي الْأَحْكَامِ؟ وَإِلَّا فَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى التَّارِيخِ، كَالْكَلَامِ فِيمَا كَانَ ﵇ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي بِنَاؤُهَا عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا أَمْ لَا؟ فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْعٌ لَنَا افْتَقَرَ إلَى النَّظَرِ فِي إجْمَاعِهِمْ، هَلْ كَانَ حُجَّةً عِنْدَهُمْ أَمْ لَا؟ وَقَدْ حَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " الْخِلَافَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ، هَلْ كَانَ إجْمَاعُهُمْ حُجَّةً؟ فَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: إجْمَاعُ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا يَكُونُ حُجَّةً، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ عِيسَى، وَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِكَذِبِهِمْ، وَقَالَ آخَرُونَ: يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أُمَّتِهِمْ؛ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِشَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ فِي عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ، مَا لَمْ يَرِدْ نَسْخُهَا.

стр. 2463

فَائِدَةٌ [دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ] احْتَجَّ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِحَدِيثِ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، وَالنَّاسُ لَنَا تَبَعٌ فِيهِ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ» . وَوَجْهُ الِاسْتِنْبَاطِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الِاثْنَتَيْنِ أَجْمَعَتْ عَلَى تَفْضِيلِ يَوْمٍ وَأَخْطَأَتْ. [السِّرُّ فِي اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالصَّوَابِ فِي الْإِجْمَاعِ] [السِّرُّ فِي اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالصَّوَابِ فِي الْإِجْمَاعِ] وَالسِّرُّ فِي اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالصَّوَابِ فِي الْإِجْمَاعِ أَنَّهُمْ الْجَمَاعَةُ بِالْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إلَى الْكَافَّةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ إنَّمَا بُعِثَ النَّبِيُّ لِقَوْمِهِ، وَهُمْ بَعْضٌ مِنْ كُلٍّ. فَيَصْدُقُ عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ مُنْحَصِرِينَ فِيهِمْ فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا هَذِهِ الْأُمَّةُ فَالْمُؤْمِنُونَ مُنْحَصِرُونَ فِيهِمْ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَلِهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - خَصَّهَا بِالصَّوَابِ.

стр. 2464

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يَنْعَقِدُ عَنْهُ الْإِجْمَاعُ] ُ: وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ لَيْسَتْ لَهُمْ رُتْبَةُ الِاسْتِقْلَالِ بِإِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُونَهَا نَظَرًا إلَى أَدِلَّتِهَا وَمَأْخَذِهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَنْ مُسْتَنَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْعَقَدَ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ لَاقْتَضَى إثْبَاتَ الشَّرْعِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بَاطِلٌ. وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ الْقِرَاضِ مِنْ النِّهَايَةِ " عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْإِجْمَاعُ إنْ كَانَ حُجَّةً قَاطِعَةً سَمْعِيَّةً، فَلَا يَحْكُمُ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ بِإِجْمَاعِهِمْ، وَإِنَّمَا يَصْدُرُ الْإِجْمَاعُ عَنْ أَصْلٍ اهـ. وَحَكَى عَبْدُ الْجَبَّارِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ بِالْبَخْتِ وَالْمُصَادَفَةِ، بِأَنْ يُوَفِّقَهُمْ اللَّهُ لِاخْتِيَارِ الصَّوَابِ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ، وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ الْبَخْتِ، وَهُوَ التَّوْفِيقُ، وَغَلِطَ صَاحِبُ التَّحْصِيلِ فَظَنَّهُ بِمَعْنَى الشُّبْهَةِ، وَهُوَ فَاسِدٌ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ عَنْ تَوْفِيقٍ مِنْ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ دَلَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ لِلصَّوَابِ بِالْإِلْهَامِ لِقَوْلِهِ: «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» وَهُوَ ضَعِيفٌ، لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَقَدْ يُتَرْجِمُ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ حُصُولُ الْإِجْمَاعِ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ وَمُسْتَنَدٍ، وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ لَا فِي الْوُقُوعِ، وَلَيْسَ كَمَا

стр. 2465

قَالَ، فَإِنَّ الْخُصُومَ ذَكَرُوا صُوَرًا، وَادَّعَوْا وُقُوعَ الْإِجْمَاعِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ. ثُمَّ ذَلِكَ الْمُسْتَنَدُ إمَّا مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ ابْنَ الِابْنِ كَالِابْنِ فِي الْمِيرَاثِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَوْرِيثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَدَّيْنِ السُّدُسَ، وَعَلَى تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا بِالْخَبَرِ فِي امْرَأَةِ أَشْيَمَ الضَّبَابِيِّ، أَوْ الِاسْتِفَاضَةِ، كَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ، أَوْ عَنْ الْمُنَاظَرَةِ وَالْجِدَالِ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى قَتْلِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، أَوْ عَنْ تَوْقِيفٍ كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ تَسْقُطُ بِفَرْضِ الظُّهْرِ، أَوْ عَنْ اسْتِدْلَالٍ وَقِيَاسٍ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْجَوَامِيسَ فِي الزَّكَاةِ كَالْبَقَرِ. قَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ: وَكَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ (﵁) بِتَقْدِيمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّاهُ فِي مَرَضِهِ لِلصَّلَاةِ بِالنَّاسِ. قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ الْإِجْمَاعُ بِالتَّوَاطُؤِ، وَلِهَذَا كَانَتْ الصَّحَابَةُ لَا يَرْضَى بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ بِذَلِكَ، بَلْ يَتَبَاحَثُونَ، حَتَّى أَخْرَجَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ فِي الْخِلَافِ إلَى الْمُبَاهَلَةِ، وَلَا يُمْكِنُ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا وَقَفُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَذْمُومٌ شَرْعًا. فَثَبَتَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَقَعُ مِنْهُمْ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ، أَوْ دَلِيلٍ عَقَلَهُ جَمِيعُهُمْ، لَا لِأَنَّ غَيْرَهُ قَالَ بِهِ، فَقَالَ مَعَهُ. وَجَعَلَ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ أَصْلَ الْخِلَافِ أَنَّ الْإِلْهَامَ هَلْ هُوَ دَلِيلٌ أَمْ لَا؟ وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا بُدَّ مِنْ مُسْتَنَدٍ، فَلَا يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ مُسْتَنَدِهِمْ، إذْ قَدْ ثَبَتَتْ لَهُمْ الْعِصْمَةُ، وَلَا يَحْكُمُونَ إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ صَحِيحٍ، لَكِنَّهُ لَا يُمْتَنَعُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ،

стр. 2466

وَأَكْثَرُ الْإِجْمَاعَاتِ قَدْ عُرِفَ مُسْتَنَدُهَا، وَحَكَى الْإِمَامُ فِي بَابِ الْقِيَاسِ عَنْ الشَّافِعِيِّ مَا يَقْتَضِي الْبَحْثَ عَنْ الْمُسْتَنَدِ حَيْثُ قَالَ: لَمْ يُعْهَدْ الْقِرَاضُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَوَّلُ مَا جَرَى فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ، وَلَوْ كَانَ فِي الْقِرَاضِ خَيْرٌ لَاعْتُنِيَ بِنَقْلِهِ. مَسْأَلَةٌ اتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْمُسْتَنَدِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ دَلَالَةً، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا كَانَ أَمَارَةً عَلَى مَذَاهِبَ. أَحَدُهَا: الْجَوَازُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ جَلِيَّةً أَوْ خَفِيَّةً، كَالدَّلَالَةِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ "، وَجَوَّزَ الْإِجْمَاعَ عَنْ قِيَاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا فِي جَوَازِ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ عَنْهُ فِي قِيَاسِ الْمَعْنَى عَلَى الْمَعْنَى وَالشَّرْطِ، وَأَمَّا قِيَاسُ الشَّبَهِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِذَا وَقَعَ عَنْ الْأَمَارَةِ، وَهِيَ الْمُفِيدَةُ لِلظَّنِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الظَّنُّ صَوَابًا لِلدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى الْعِصْمَةِ، وَمِنْ هُنَا قِيلَ: ظَنُّ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ عَنْ الْخَطَأِ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ. وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ: اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ الْخِلَافِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ الظَّاهِرِيَّةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

стр. 2467

فَالظَّاهِرِيَّةُ مَنَعُوهُ لِأَجْلِ إنْكَارِهِمْ الْقِيَاسَ وَأَمَّا ابْنُ جَرِيرٍ، فَقَالَ: الْقِيَاسُ حُجَّةٌ، وَلَكِنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا صَدَرَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِصِحَّتِهِ، هَكَذَا حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ. قَالَ: وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ، وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ مُبَشِّرٍ. ثُمَّ اخْتَلَفَتْ الظَّاهِرِيَّةُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَحَالَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ الْإِمْكَانَ، وَمَنَعَ الْوُقُوعَ، وَادَّعَوْا أَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُهُ فِي الْجَمْعِ الْعَظِيمِ. وَحَكَى الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ عَقْلًا، وَقَالَ: لَوْ وَقَعَ لَكَانَ حُجَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ مَنَعَ وُقُوعَهُ؛ لِاخْتِلَافِ الدَّوَاعِي وَالْأَغْرَاضِ وَتَفَاوُتِهِمْ فِي الذَّكَاءِ وَالْفَطِنَةِ. وَاحْتَجَّ ابْنُ الْقَطَّانِ عَلَى ابْنِ جَرِيرٍ بِأَنَّهُ وَافَقَ عَلَى وُقُوعِهِ فِي خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ، وَلَا يُقَالُ خَبَرُ الْوَاحِدِ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: كِلَاهُمَا سَوَاءٌ فِي إجْمَاعِهِمْ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَمِنْ السُّنَّةِ أَنَّ إمَامَةَ الصِّدِّيقِ ﵁ ثَبَتَتْ بِالْقِيَاسِ، لِقَوْلِ عُمَرَ ﵁: رَضِينَاهُ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا. ثُمَّ اُعْتُرِضَ بِإِجْرَاءِ مِثْلِ ذَلِكَ فِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى خَلْفَهُ، وَأَجَابَ بِالْفَرْقِ، وَهُوَ أَنَّ الصِّدِّيقَ أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﵇، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَجَدَهُ يُصَلِّي، فَصَلَّى خَلْفَهُ، وَكَذَلِكَ صَدَقَةُ الْبَقَرِ ثَبَتَ [الْحُكْمُ] فِيهَا بِالنَّصِّ، ثُمَّ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْجَوَامِيسِ بِالْإِجْمَاعِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْبَقَرِ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى مِيقَاتِ ذَاتِ عِرْقٍ وَلَمْ يَقَعْ النَّصُّ. قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ أَخْبَارًا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ -

стр. 2468

أَنَّهُ وَقَّتَهُ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ. قَالَ: وَقَدْ أَدْخَلَ فِي هَذَا أَصْحَابُنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ، كَصَدَقَةِ الذَّهَبِ وَفِيهَا أَحَادِيثُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: « (مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ) » ، وَالْأَمَةُ فِي مَعْنَاهُ، مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الْعَبْدَ اسْمٌ لِكُلِّ رَقِيقٍ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى. قَالَ: وَمِنْ أَجْوَدِهِ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا أَنَّهُ مِنْ بَعْدِ الْوَصِيَّةِ وَالدَّيْنِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ كَذَلِكَ. اهـ. وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ فِي الْأَمَارَةِ بَيْنَ الْجَلِيَّةِ، فَيَجُوزُ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَنْهَا، دُونَ الْخَفِيَّةِ. حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَكَذَا صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا. قَالَ: وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ. قَالَ: وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي انْعَقَدَ عَنْ الْإِجْمَاعِ كَوْنَهُ مَشْهُورًا. وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْقِيَاسِ إلَّا عَنْ أَمَارَةٍ، وَلَا يَجُوزُ عَنْ دَلَالَةِ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِهَا عَنْهُ، حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي " الْمِيزَانِ " عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِهِمْ، وَهُوَ غَرِيبٌ قَادِحٌ فِي إطْلَاقِ نَقْلِ جَمَاعَةٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِهِ عَنْ دَلَالَةٍ. مَسْأَلَةٌ وَإِذَا جَوَّزْنَا انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَنْ الِاجْتِهَادِ، فَهَلْ وَقَعَ؟ فِيهِ خِلَافٌ، حَكَاهُ ابْنُ فُورَكٍ، وَإِذَا قُلْنَا بِوُقُوعِهِ، فَهَلْ يَكُونُ حُجَّةً تَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: نَعَمْ، وَحَكَى ابْنُ فُورَكٍ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ،

стр. 2469

وَسُلَيْمٌ، عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً، وَلَعَلَّهُ قَوْلُ ابْنِ جَرِيرٍ السَّابِقِ، وَحَكَاهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ عَنْ الْحَاكِمِ صَاحِبِ الْمُخْتَصَرِ. قَالَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا كَانَ الِاجْتِهَادُ عَنْ أَصْلٍ، فَأَمَّا الِاجْتِهَادُ عَنْ غَيْرِ أَصْلٌ كَالِاجْتِهَادِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَجِهَاتِ الْقِبْلَةِ، وَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ. فَمَنْ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ بِالْقِيَاسِ كَانَ مِنْ هَذَا أَمْنَعَ، وَمَنْ جَوَّزَ ثَمَّ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى امْتِنَاعِ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الِاجْتِهَادِ، وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ. فُرُوعٌ [لَا يَجِبُ مَعْرِفَةُ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ] الْأَوَّلُ: قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ طَلَبُ الدَّلِيلِ الَّذِي وَقَعَ الْإِجْمَاعُ بِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ أَوْ نُقِلَ إلَيْهِ كَانَ أَحَدَ أَدِلَّةِ الْمَسْأَلَةِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السُّهَيْلِيُّ: إذَا أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ دَلَالَةِ آيَةٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، لِأَنَّهُمْ لَا يُجْمِعُونَ إلَّا عَنْ دَلَالَةٍ، وَلَا يَجِبُ مَعْرِفَتُهَا.

стр. 2470

يَجُوزُ لِلْمُجْمِعِينَ تَرْكُ دَلِيلِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ اشْتِهَارِ الْإِجْمَاعِ] الثَّانِي: قَالَ أَيْضًا: يَجُوزُ لِلْمُجْمِعِينَ تَرْكُ الدَّلِيلِ بَعْدَ اشْتِهَارِ الْمَسْأَلَةِ، وَانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، وَرُبَّمَا كَانَ أَصْلُهُ ظَاهِرًا مُحْتَمِلًا أَوْ قِيَاسَ شَبَهٍ عَرَفَ الْعَصْرُ الْأَوَّلُ حِكْمَةَ الْمُشَاهَدَةِ عَلَى نَفْيِ الشَّبَهِ فَتَرَكُوا الدَّلِيلَ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكَرُّهِ التَّأْوِيلِ، وَيَقْتَصِرُونَ عَلَى إظْهَارِ الْحُكْمِ، لِيَكُونَ أَمْنَعَ مِنْ الْخِلَافِ، وَأَقْطَعَ لِلنِّزَاعِ. [إذَا احْتَمَلَ إجْمَاعُهُمْ أَنْ يَكُونَ عَنْ قِيَاسٍ أَوْ تَوْقِيفٍ فَعَلَى أَيِّهِمَا يُحْمَلُ؟] الثَّالِثُ: إذَا احْتَمَلَ [أَنْ يَكُونَ] إجْمَاعُهُمْ عَنْ قِيَاسٍ لِإِمْكَانِهِ فِي الْحَادِثَةِ، أَوْ عَنْ دَلِيلٍ، فَهَلْ الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ صَادِرًا عَنْ الْقِيَاسِ أَوْ عَنْ التَّوْقِيفِ؟ لَا أَعْلَمُ فِيهِ كَلَامًا لَلْأُصُولِيِّينَ. وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ أَصْحَابِنَا فِي الْفُرُوعِ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِيمَنْ قَتَلَ الْحَمَامَ بِمَكَّةَ: إنَّ فِيهَا شَاةً؛ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي بِنَاءِ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ إيجَابَهَا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الشَّبَهِ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ. وَيَأْنَسُ بِالنَّاسِ، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّ مُسْتَنَدَهُ تَوْقِيفٌ بَلَغَهُمْ فِيهِ. قُلْت: لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ تَوْقِيفًا مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ بِكَوْنِهِ اسْتِنْبَاطًا، وَعَلَى هَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ " فَقَالَ: أَمَّا مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ حِكَايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالُوا: وَأَمَّا مَا لَمْ يَحْكُوهُ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونُوا قَالُوهُ حِكَايَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَاحْتُمِلَ غَيْرُهُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْكَى إلَّا مَسْمُوعًا.

стр. 2471

مَسْأَلَةٌ إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِأَحَدِ هَذِهِ الدَّلَائِلِ، فَهَلْ يَكُونُ مُنْعَقِدًا عَلَى الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالدَّلِيلِ، أَوْ مُنْعَقِدًا عَلَى الدَّلَائِلِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، حَكَاهُ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ. قَالَ: فَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْأَشْعَرِيَّةِ إلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ عَلَى الدَّلَائِلِ الْمُوجِبَةِ لِلْحُكْمِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ عَلَى الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الدَّلَائِلِ الصَّحِيحَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الدَّلِيلِ، وَلِأَجْلِهِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ. [الْإِجْمَاعُ الْوَاقِعُ عَلَى وَفْقِ خَبَرٍ هَلْ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْخَبَرِ] [الْإِجْمَاعُ الْوَاقِعُ عَلَى وَفْقِ خَبَرٍ، هَلْ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْخَبَرِ؟] . قَالَ: وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْوَاقِعَ عَلَى وَفْقِ خَبَرٍ مِنْ الْأَخْبَارِ، هَلْ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهِ؟ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إذَا عُلِمَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا لِأَجْلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ إجْمَاعَهُمْ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ. قَالَ: وَهُوَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اتَّفَقُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ؛ لِأَنَّ التَّعَبُّدَ ثَابِتٌ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهَذَا التَّعَبُّدُ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ، فَلِأَجْلِ التَّعَبُّدِ الثَّابِتِ أَجْمَعُوا عَلَى مُوجَبِ الْخَبَرِ، وَصَارَ الْحُكْمُ مَقْطُوعًا بِهِ؛ لِأَجْلِ إجْمَاعِهِمْ. فَإِنْ كَانَ الْإِجْمَاعُ، وَلَا دَلِيلَ غَيْرَهُ، كَانَ انْعِقَادُهُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ انْعَقَدَ عَنْ دَلِيلٍ مُوجِبٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَغْنَوْا بِالْإِجْمَاعِ عَنْ نَقْلِ الدَّلِيلِ، وَاكْتَفَوْا بِهِ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ ": إذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ، وَكَانَ دَلِيلُهُ مَجْهُولًا

стр. 2472

عِنْدَ أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي، وَوَجَدْنَا خَبَرَ وَاحِدٍ فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مُسْتَنَدَهُ أَمْ لَا؟ نَقَلَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ قَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْخَبَرُ مُسْتَنَدًا لِلْإِجْمَاعِ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأُصُولِيُّونَ. اهـ. وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْمَسْأَلَةَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْخَبَرُ مُتَوَاتِرًا فَهُوَ مُسْتَنَدُهُمْ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْعَمَلُ بِمُوجَبِ النَّصِّ. قَالَ: وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي خَبَرِ الْآحَادِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَنْ يُعْلَمَ ظُهُورُهُ بَيْنَهُمْ وَالْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ لِأَجْلِهِ، أَوْ يُعْلَمَ ظُهُورُهُ بَيْنَهُمْ وَالْعَمَلُ بِمُوجَبِهِ وَلَا يُعْلَمُ أَنَّهُمْ عَمِلُوا لِأَجْلِهِ، أَوْ لَا يَكُونَ ظَاهِرًا، بَلْ عَمِلُوا بِمَا تَضَمَّنَهُ. فَفِي الْقِسْمِ الثَّانِي ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ، ثَالِثُهَا: إنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَهُوَ مُسْتَنَدَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ عَمِلُوا مِنْ أَجْلِهِ، وَهَلْ يَدُلُّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى مُوجَبِهِ عَلَى صِحَّتِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. انْتَهَى. وَقَالَ إلْكِيَا: إذَا ظَهَرَ أَنَّ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ نَصٌّ، كَانَ هُوَ مُسْتَنَدَ الْحُكْمِ، وَنَحْنُ إنَّمَا نَتَلَقَّى الْحُكْمَ مِنْ الْإِجْمَاعِ إذَا لَمْ نَرَ مُسْتَنَدًا مَقْطُوعًا بِهِ، فَأَمَّا إذَا أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى مُوجَبِ الْخَبَرِ الْمَرْوِيِّ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَهَلْ يَدُلُّ الْقَطْعِيُّ عَلَى أَنَّ إجْمَاعَهُمْ كَانَ لِأَجْلِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ إنْ عَمِلُوا بِمَا عَمِلُوا، وَحَكَمُوا مُسْتَنِدِينَ إلَى الْخَبَرِ مُصَرِّحِينَ بِالْمُسْتَنَدِ، فَلَا شَكَّ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ، فَالشَّافِعِيُّ (﵀) يَقُولُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ: إنَّ إجْمَاعَهُمْ يُصْرَفُ إلَى الْخَبَرِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو هَاشِمٍ، وَزَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى الْقِرَاضِ، وَلَا خَبَرَ فِيهِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْمُسَاقَاةِ، وَلَكِنْ اُشْتُهِرَ الْإِجْمَاعُ فِي

стр. 2473

الْقِرَاضِ؛ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ، دُونَ الْمُسَاقَاةِ. وَذَهَبَ غَيْرُهُمَا إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعُهُمْ لِأَجْلِ الِاجْتِهَادِ، أَوْ لِأَجْلِ خَبَرٍ آخَرَ لَمْ يُنْقَلْ، وَيَبْعُدُ كُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ خَرْقًا لِلْعَادَةِ، وَهَذَا لَا دَافِعَ لَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمِعُوا لِأَجْلِ خَبَرٍ، ثُمَّ لَا يُنْقَلُ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَهَذَا لَا يَمْشِي إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إجْمَاعُهُمْ أَعْنِي نَقْلَ مَا لَهُ أَجْمَعُوا. اهـ. وَمَا نَقَلَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، نَقَلَهُ فِي الْمَحْصُولِ " عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ، وَخَالَفَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ الْغَالِبِ، لَا أَنَّهُ عَنْهُ حَقِيقَةً. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ": الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ لَا فَائِدَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ يَنْعَقِدُ عَنْ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ وَالظَّنِّيِّ. قُلْت: وَلَهَا نَظَائِرُ. مِنْهَا أَنَّ عَمَلَ الْعَالِمِ أَوْ فُتْيَاهُ عَلَى وَفْقِ حَدِيثٍ لَا يَكُونُ حُكْمًا مِنْهُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ؛ لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ احْتِيَاطًا أَوْ لِدَلِيلٍ آخَرَ وَافَقَ ذَلِكَ الْخَبَرَ، وَكَذَلِكَ مُخَالَفَتُهُ لِلْحَدِيثِ لَيْسَتْ قَدْحًا مِنْهُ فِي صِحَّتِهِ، وَقَدْ سَبَقَ الْخِلَافُ فِيهَا. وَمِنْهَا الْإِجْمَاعُ عَلَى وَفْقِ خَبَرٍ لَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ. وَمِنْهَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا عَلَّلَ حُكْمَ الْأَصْلِ بِعِلَّةٍ مُنَاسِبَةٍ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْفَرْعَ، فَمَنَعَ الْخَصْمُ كَوْنَ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ هَذِهِ، وَقَالَ: الْعِلَّةُ غَيْرُهَا، لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ عِلَّةٍ، وَقَدْ وُجِدَتْ عِلَّةٌ مُنَاسِبَةٌ، فَلْيُضَفْ

стр. 2474

الْحُكْمُ إلَيْهَا، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَسْأَلَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ. وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي قَامَ فِيهَا الْإِجْمَاعُ قَدْ قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَالْإِضَافَةُ إلَى الْحَدِيثِ مِنْ بَابِ تَكْثِيرِ الدَّلَائِلِ لَمْ يُوجِبْ أَنْ يَكُونَ الْإِجْمَاعُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، إذْ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَهِضُ الْإِلْحَاقُ مَا لَمْ تَثْبُتْ الْعِلَّةُ، فَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الْأَصْلَ كَوْنُ الْحُكْمِ مُضَافًا إلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ. مَسْأَلَةٌ [فِي وُجُودِ خَبَرٍ أَوْ دَلِيلٍ لَا تَعَارُضَ فِيهِ] [تَشْتَرِكُ الْأُمَّةُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ] هَلْ يُمْكِنُ وُجُودُ خَبَرٍ أَوْ دَلِيلٍ بِلَا مُعَارِضٍ، اشْتَرَكَتْ الْأُمَّةُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْهِنْدِيُّ الْجَوَازَ، إنْ كَانَ عَمَلُ الْأُمَّةِ مُوَافِقًا لِمُقْتَضَاهُ، وَعَدَمَهُ إنْ خَالَفَ. وَأَمَّا الرَّازِيَّ فَتَرْجَمَهَا فِي الْمَحْصُولِ " بِأَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ اشْتِرَاكُ الْأُمَّةِ فِي الْجَهْلِ بِمَا لَمْ يُكَلَّفُوا بِهِ؟ وَكَذَلِكَ تَرْجَمَهَا الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْمُلَخَّصِ ". وَفِي ظَنِّي أَنَّ الْأَصْفَهَانِيَّ ظَنَّهُمَا مَسْأَلَةً وَاحِدَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُمَا

стр. 2475

مَسْأَلَتَانِ. إحْدَاهُمَا: هَلْ يَجُوزُ أَنْ تَشْتَرِكَ الْأُمَّةُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا لَمْ يُكَلَّفُوا بِهِ؟ قَوْلَانِ. الثَّانِيَةُ: هَلْ يُمْكِنُ وُجُودُ خَبَرٍ أَوْ دَلِيلٍ لَا تَعَارُضَ فِيهِ، وَتَشْتَرِكُ الْأُمَّةُ فِي عَدَمِ الْعِلْمِ بِهِ؟ وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ مُرَتَّبٌ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا، فَمَنْ مَنَعَهُ هُنَاكَ لَمْ يُجَوِّزْ هَذَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَمَنْ جَوَّزَ هُنَاكَ، اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَالْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُمْ مُوَافِقًا لِمُقْتَضَاهُ فَيَجُوزُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذُهُولُهُمْ عَمَّا كُلِّفُوا بِهِ، وَإِلَّا لَزِمَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. [مَسْأَلَةٌ إذَا أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ الْخَبَرِ] ِ] إذَا ذَكَرَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُجْمِعِينَ خَبَرًا عَنْ الرَّسُولِ ﵇، يَشْهَدُ بِضِدِّ الْحُكْمِ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْوَجِيزِ ": يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ: بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى مُوجَبِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ قَوْمٌ: إنَّ ذَلِكَ يَسْتَحِيلُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ الْمَذَاهِبِ. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَ الْأُمَّةَ عَنْ نِسْيَانِ حَدِيثٍ فِي الْحَادِثَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ خَرَجَ الْإِجْمَاعُ عَنْ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا. وَبَنَاهُ فِي الْأَوْسَطِ " عَلَى الْخِلَافِ فِي انْقِرَاضِ الْعَصْرِ، فَمَنْ قَالَ: لَيْسَ بِشَرْطٍ مَنَعَ الرُّجُوعَ، وَمَنْ اشْتَرَطَ جَوَّزَهُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَطَرَّقُ إلَى الْحَدِيثِ احْتِمَالَاتٌ مِنْ النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ مَا لَا يَتَطَرَّقُ إلَى الْإِجْمَاعِ، بَلْ لَوْ قَطَعْنَا بِالْإِجْمَاعِ فِي صُورَةٍ، ثُمَّ وَجَدْنَا عَلَى خِلَافِهِ نَصًّا قَاطِعًا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مُتَوَاتِرَةٍ، لَكَانَ الْإِجْمَاعُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ بِخِلَافِ النَّصِّ، فَإِنَّهُ يَقْبَلُهُ.

стр. 2476

وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ يُسْتَدَلُّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى نَاسِخٍ بَلَغَهُمْ أَوْ مُوجَبٍ لِتَرْكِهِ، وَلِهَذَا قَدَّمَ الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى النَّصِّ لَمَّا رَتَّبَ الْأَدِلَّةَ. قُلْت: وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْإِجْمَاعُ أَكْثَرُ مِنْ الْخَبَرِ الْمُنْفَرِدِ، وَعَلَى هَذَا، فَيَجِبُ عَلَى الرَّاوِي لِلْخَبَرِ أَنْ يَتْرُكَ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَى خَبَرِهِ، وَيَتَمَسَّكَ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ التَّرَاجِيحِ مِنْ الْبُرْهَانِ ": إذَا أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ الْخَبَرِ تَطَرَّقَ الْوَهْنُ إلَى رِوَايَةِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ آحَادًا فَذَاكَ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَاتِرًا فَالتَّعَلُّقُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ، وَأَمَّا الْخَبَرُ فَيَتَطَرَّقُ إلَيْهِ إمْكَانُ النَّسْخِ، فَيُحْمَلُ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقَطْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا عَلَى قَطْعٍ، وَيُحْمَلُ الْخَبَرُ عَلَى مُقْتَضَى النَّسْخِ اسْتِنَادًا وَتِبْيَانًا، لَا عَلَى طَرِيقِ الْبِنَاءِ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْجَوَازِ، وَقَطَعَ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ ضَرُورَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مُنَاقَضَةِ النَّصِّ الْمُتَوَاتِرِ أَنْ يَلْهَجَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ بِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا. قُلْت: وَيُحْتَمَلُ تَقْيِيدُ الْمَسْأَلَةِ بِانْقِرَاضِ الْعَصْرِ، وَإِلَّا فَيُمْكِنُ أَنْ يَتَطَرَّقَ عَدَمُ الْحُجِّيَّةِ إلَيْهِ بِرُجُوعِهِمْ عَنْهُ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ رُجُوعِهِمْ. مَسْأَلَةٌ [إذَا أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ الْخَبَرِ ثُمَّ رَجَعُوا إلَى الْخَبَرِ] فَلَوْ رَجَعَ أَهْلُ الْإِجْمَاعِ لِلْخَبَرِ، فَعَمِلُوا بِمُقْتَضَاهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: كَانَ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ حَقًّا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، إذْ لَمْ يُكَلَّفُوا بِمَا لَمْ يُبَلَّغُوا، كَمَا يَكُونُ الْحُكْمُ الْمَنْسُوخُ حَقًّا قَبْلَ بُلُوغِ النَّاسِخِ، وَنُوزِعَ فِي ذَلِكَ بِلُزُومِ إجْمَاعَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ، يَنْسَخُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَالظَّاهِرُ الْحُكْمُ بِإِحَالَةِ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ تَخْطِئَةُ أَحَدِ الْإِجْمَاعَيْنِ، وَهُوَ مُحَالٌ.

стр. 2477

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِيمَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ] ُ [الْوِفَاقُ الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ] وَلَهُ شُرُوطٌ: الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ قَوْلُ الْخَاصَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْعَامَّةِ، وِفَاقًا وَلَا خِلَافًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] وَقَالَ: «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» ، وَاحْتَجَّ الرُّويَانِيُّ بِمَا يُرْوَى أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ خَالَفَ الصَّحَابَةَ وَقَالَ: الْبَرَدُ لَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ. قَالَ: فَرَدُّوا قَوْلَهُ، وَلَمْ يَعْتَدُّوا بِخِلَافِهِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِوُجُوبِ رَدِّ الْعَوَامّ إلَى قَوْلِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَتَحْرِيمِ الْفَتْوَى مِنْهُمْ فِي الدِّينِ. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْأُمَّةِ إنَّمَا كَانَ حُجَّةً لِعِصْمَتِهَا مِنْ الْخَطَأِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْعِصْمَةُ مِنْ صِفَاتِ الْهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنْ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ. وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْعِصْمَةِ لِلْكُلِّ ثُبُوتُهَا لِلْبَعْضِ.

стр. 2478

وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَالْهِنْدِيُّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَنُوزِعُوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُمْ وَلَا وِفَاقُهُمْ، وَكَادَ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِجْمَاعَ فِيهِ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْمُرْسَلِ: لَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْعَوَامّ لَا وِفَاقًا وَلَا خِلَافًا. اهـ. وَأَقُولُ: فَعَلَى هَذَا مِنْ تَصَرُّفِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَعِبَارَةُ التَّقْرِيبِ: قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ صِحَّةُ إجْمَاعِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأُمَّةَ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ، فَيَجِبُ اعْتِبَارُ دُخُولِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ فِي الْإِجْمَاعِ، وَلَيْسَ لِلْخَاصَّةِ إجْمَاعٌ عَلَى شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهُ الْعَامَّةُ. قَالَ: وَالْعَامَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْخَاصَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ عِيَانًا. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعَامَّةُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالدَّقَائِقِ وَالنَّظَرِ، فَلَا يَكُونُ لَهُمْ مَدْخَلٌ فِي الْإِجْمَاعِ، وَلَا بِهِمْ مُعْتَبَرٌ فِي الْخِلَافِ؟ قُلْنَا: كَذَلِكَ نَقُولُ، وَيَقُولُ أَكْثَرُ النَّاسِ. وَإِنَّمَا وَجَبَ سُقُوطُ الِاعْتِبَارِ بِخِلَافِهِمْ لِإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ مِنْ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ عَلَى أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَى عَامَّةِ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ مِنْ أَعْصَارِ الْمُسْلِمِينَ مُخَالَفَةُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُهُمْ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ بِخِلَافِ الْعَامَّةِ لِأَجْلِ هَذَا الْإِجْمَاعِ السَّابِقِ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْ ذَلِكَ. وَجَوَابٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَرْكُ الِاعْتِبَارِ بِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، وَبَعْضُ الْأُمَّةِ، بَلْ مُعْظَمُهَا، فَوَجَبَ الِاعْتِبَارُ بِخِلَافِهِمْ، وَثَبَتَ أَنَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ عَيْنًا وَتَفْصِيلًا إجْمَاعُ الْعَامَّةِ، وَإِنْ لَمْ نَعْرِفْهُ عَيْنًا. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا يَقُولُونَ: لَوْ صَارَ عَامَّةُ الْأُمَّةِ فِي بَعْضِ الْأَعْصَارِ إلَى مُخَالَفَةِ إجْمَاعِ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَخَطَئِهِمْ؟ هَلْ يَكُونُ إجْمَاعُ الْعُلَمَاءَ حُجَّةً؟ قِيلَ: لَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ دُونَ قَوْلِ الْعَامَّةِ إجْمَاعًا بِجَمِيعِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَامَّةَ بَعْضُهُمْ، لَكِنَّ

стр. 2479

الْعَامَّةَ مُخْطِئُونَ فِي مُخَالَفَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِحُكْمِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي دِينِ اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، وَلَيْسَ خَطَؤُهُمْ مِنْ جِهَةِ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، إذْ هُمْ بَعْضُ الْأُمَّةِ. وَجَوَابٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِخِلَافِ الْعَامَّةِ، وَلَا بِدُخُولِهِمْ فِي الْإِجْمَاعِ، لِأَجْلِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ اتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى تَخْطِئَةِ عَامَّةِ أَهْلِ كُلِّ عَصْرٍ فِي خِلَافِهِمْ عَلَى عُلَمَائِهِمْ، فَوَجَبَ سُقُوطُ الِاعْتِبَارِ بِقَوْلِ الْعَامَّةِ. هَذَا كَلَامُهُ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى إطْلَاقِ الِاسْمِ بِمَعْنَى أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ إذَا أَجْمَعُوا هَلْ يَصْدُقُ " أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ "، وَيُحْكَمُ بِهِ قَوْلُ الْعَوَامّ فِيهِمْ تَبَعًا؟ فَالْقَاضِي يَقُولُ: لَا يَصْدُقُ اسْمُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي حُجِّيَّتِهِ، وَهُوَ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَيْسَ خِلَافًا فِي أَنَّ مُخَالَفَتَهُمْ تَقْدَحُ فِي قِيَامِ الْإِجْمَاعِ، وَلِهَذَا قَالَ فِي " مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ " بَعْدَمَا سَبَقَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَهَلْ يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَيْهِ؟ قُلْنَا: مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَحْصُلُ فِيهِ اتِّفَاقُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا. فَمَا هَذَا سَبِيلُهُ يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَحْكَامِ الْفُرُوعِ الَّتِي تَشْتَبِهُ عَلَى الْعَوَامّ، فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَوَامُّ يَدْخُلُونَ فِي حُكْمِ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفُوا تَفْصِيلَ الْأَحْكَامِ، فَقَدْ عَرَفُوا عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ فَهُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ، فَهَذَا مُسَاهَمَةٌ مِنْهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا مَوَاقِعَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ مُسَاهِمِينَ فِي الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْإِجْمَاعُ فِي التَّفَاصِيلِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِهَا فَلَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ.

стр. 2480

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا خِلَافٌ مَهُولٌ أَمْرُهُ، وَيَرْجِعُ إلَى الْعِبَارَةِ الْمَحْضَةِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ أَنَّا إنْ أَدْرَجْنَا الْعَوَامَّ فِي حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْمُطْلَقِ، أَطْلَقْنَا الْقَوْلَ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَإِنْ لَمْ نُدْرِجْهُمْ فِي حُكْمِ الْإِجْمَاعِ، أَوْ بَدَرَ مِنْ بَعْضِ طَوَائِفِ الْعَوَامّ خِلَافٌ، فَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، فَإِنَّ الْعَوَامَّ مُعْظَمُ الْأُمَّةِ. اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَتَابَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ رُجُوعِ الْخِلَافِ إلَى كَوْنِهِ: هَلْ يُسَمَّى إجْمَاعًا أَمْ لَا مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً، مَرْدُودٌ، فَفِي " الْمُعْتَمَدِ " لِأَبِي الْحُسَيْنِ مَا لَفْظُهُ: اخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ قَوْلِ الْعَامَّةِ فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: الْعَامَّةُ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهَا اتِّبَاعُ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى أَهْلِ الْعَصْرِ، حَتَّى لَا يَسُوغَ مُخَالَفَتُهُمْ إلَّا بِأَنْ يَتَّبِعَهُمْ الْعَامَّةُ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَتَّبِعُوهُمْ لَمْ يَجِبْ عَلَى أَهْلِ الْعَصْرِ الثَّانِي مِنْ الْعُلَمَاءِ اتِّبَاعُهُمْ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ حُجَّةٌ اتَّبَعَهُمْ عُلَمَاءُ عَصْرِهِمْ أَمْ لَا. انْتَهَى. وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَالِثٌ: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ إجْمَاعُهُمْ فِي الْعَامِّ دُونَ الْخَاصِّ، حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَيَنْبَغِي تَنْزِيلُ إطْلَاقِ الْمُطْلِقِينَ عَلَيْهِ. وَخَصَّ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْخِلَافَ بِالْخَاصِّ، وَقَالَ لَا يُعْتَبَرُ خِلَافُهُمْ فِي الْعَامِّ اتِّفَاقًا، وَجَرَى عَلَيْهِ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " فَقَالَ: إنْ اخْتَصَّ بِمَعْرِفَتِهِ الْعُلَمَاءُ كَنُصُبِ الزَّكَوَاتِ وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا، لَمْ يُعْتَبَرْ وِفَاقُ الْعَامَّةِ مَعَهُمْ، وَإِنْ اشْتَرَكَ فِي مَعْرِفَتِهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ، وَتَحْرِيمِ بِنْتِ الْبِنْتِ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ إجْمَاعُ الْعَوَامّ مَعَهُمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَصِحُّ عَنْ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ. وَالثَّانِي: نَعَمْ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْعِلْمِ بِهِ.

стр. 2481

وَقَالَ سُلَيْمٌ: إجْمَاعُ الْخَاصَّةِ هَلْ يُحْتَاجُ مَعَهُمْ فِيهِ إلَى إجْمَاعِ الْعَامَّةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِمْ. [هَلْ الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ أَمْ مَعْنَوِيٌّ] إذَا عَلِمْت هَذَا فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ أَوْ مَعْنَوِيٌّ وَكَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ كَمَا سَبَقَ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ، وَكَلَامُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ بِخِلَافِهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْإِجْمَاعُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، كَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَدَدِ الصَّلَوَاتِ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ وَقَعَ بِهِمْ الِاعْتِبَارُ، فَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ فِي ثُبُوتِهِ بِأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ. وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِالْكَافَّةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ. قَالَ: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَتَبَيَّنُ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْ الْإِجْمَاعِ، وَهُوَ أَنْ يُجْمِعَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَالِاجْتِهَادِ عَلَى حُكْمِ الْحَادِثَةِ، كَالنِّكَاحِ، وَالْعِدَّةِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِالزَّوْجِيَّةِ، فَمَنْ قَالَ: إنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ بِأَهْلِ الْعِلْمِ كَفَرَ الْمُخَالِفُ بِالنَّوْعَيْنِ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ الِاعْتِبَارَ فِيهِ بِالْكَافَّةِ لَمْ يُجْعَلْ الْمُخَالِفُ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي كَالْمُرْتَدِّ وَإِنْ قَطَعَ بِتَخْطِئَتِهِ. اهـ. تَنْبِيهٌ [اعْتِبَارُ قَوْلِ الْمُقَلِّدِ فِي الْإِجْمَاعِ] حُكْمُ الْمُقَلِّدِ حُكْمُ الْعَامِّيِّ فِي ذَلِكَ، إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْمُقَلِّدِ وَالْمُجْتَهِدِ، قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ.

стр. 2482

مَسْأَلَةٌ [إجْمَاعُ الْعَوَامّ عِنْدَ خُلُوِّ الزَّمَانِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ] إجْمَاعُ الْعَوَامّ عِنْدَ خُلُوِّ الزَّمَانِ مِنْ الْمُجْتَهِدِ لَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّا إنْ لَمْ نَعْتَبِرْهُمْ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ، مَنَعْنَا إمْكَانَ وُقُوعِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَمَّنْ يَقُومُ بِالْحَقِّ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا قَوْلَهُمْ مَنَعْنَا أَنَّ إجْمَاعَهُمْ لَيْسَ إجْمَاعًا شَرْعِيًّا. [مَسْأَلَةٌ الَّذِينَ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ] ِ] يُشْتَرَطُ فِي الْإِجْمَاعِ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ الْفُنُونِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قَوْلُ كُلِّ الْعَارِفِينَ بِذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، فَإِنَّ قَوْلَ غَيْرِهِمْ فِيهِ يَكُونُ بِلَا دَلِيلٍ بِجَهْلِهِمْ بِهِ، فَيُشْتَرَطُ فِي الْإِجْمَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْفِقْهِيَّةِ قَوْلُ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ، وَفِي الْأُصُولِ قَوْلُ جَمِيعِ الْأُصُولِيِّينَ، وَفِي النَّحْوِ قَوْلُ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ. وَخَالَفَ ابْنُ جِنِّي، فَزَعَمَ فِي كِتَابِ " الْخَصَائِصِ " أَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِي إجْمَاعِ النُّحَاةِ. ثُمَّ مَنْ اعْتَبَرَ قَوْلَ الْعَوَامّ فِي الْإِجْمَاعِ اعْتَبَرَ قَوْلَ الْفَقِيهِ الْخَالِيَ عَنْ الْأُصُولِ لِلتَّفَاوُتِ فِي الْأَهْلِيَّةِ، وَقَوْلَ الْأُصُولِيِّ الْخَالِيَ عَنْ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ، وَقَوْلَ الْمُتَكَلِّمِ الْخَالِيَ عَنْ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِمَا بَيْنَ الْعَامِّيِّ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْ التَّفَاوُتِ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَصِحَّةِ النَّظَرِ، هَذَا فِي الْأَحْكَامِ، وَهَذَا فِي الْأُصُولِ.

стр. 2483

وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ قَوْلَ الْعَامِّيِّ فِي الْإِجْمَاعِ اخْتَلَفُوا فِي الْفَقِيهِ وَالْأُصُولِيِّ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: مِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ قَوْلَ الْجَمِيعِ؛ لِقِيَامِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَامِّيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهُ بِالْعَامِّيِّ؛ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ فَاعْتَبَرَ قَوْلَ الْفَقِيهِ، وَأَلْغَى قَوْلَ الْأُصُولِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ لِكَوْنِهِ أَعْلَمَ بِمَدَارِكِ الْأَحْكَامِ، وَكَيْفِيَّةِ اقْتِنَاصِهَا مِنْ مَدَارِكِهَا مِنْ الْفَقِيهِ الَّذِي لَيْسَ بِأُصُولِيٍّ. وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِ فِي الْكَلَامِ، وَالْأُصُولِيِّ فِي الْأُصُولِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ. [هَلْ لِخِلَافِ الْأُصُولِيِّ فِي الْفِقْهِ اعْتِبَارٌ] [هَلْ لِخِلَافِ الْأُصُولِيِّ فِي الْفِقْهِ اعْتِبَارٌ؟] وَأَمَّا الْأُصُولِيُّ الْمَاهِرُ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْفِقْهِ، فَفِي اعْتِبَارِ خِلَافِهِ فِي الْفِقْهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ. وَذَهَبَ الْقَاضِي إلَى أَنَّ خِلَافَهُ مُعْتَبَرٌ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ الْحَقُّ، وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ مِنْهُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ إلَى أَنَّ خِلَافَهُ لَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُفْتِينَ، وَلَوْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ لَلَزِمَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ الْمُفْتِيَ فِيهَا، قَالَ إلْكِيَا: وَالْحَقُّ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَحْكَمَ الْأُصُولَ، فَهُوَ مُجْتَهِدٌ فِيهَا. وَيُقَلِّدُ فِيمَا سَنَحَ لَهُ مِنْ الْوَقَائِعِ، وَالْمُقَلِّدُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَاسْتَبْعَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مَذْهَبَ الْقَاضِي. وَقَالَ: إذَا أَجْمَعَ الْمُفْتُونَ، وَسَكَتَ [الْأُصُولِيُّونَ] الْمُتَصَرِّفُونَ فَيَبْعُدُ أَنْ يَتَوَقَّفَ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى

стр. 2484

مُرَاجَعَتِهِ، فَإِنَّ الَّذِينَ لَا يَسْتَقِلُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ فِي جَوَابِ مَسْأَلَةٍ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ تَقْلِيدُ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُحَالِ وُجُوبُ مُرَاجَعَتِهِمْ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُمْ أَبْدَوْا وَجْهًا فِي التَّصَرُّفِ، فَإِنْ كَانَ سَالِفًا فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إرْشَادِهِمْ وَتَهْدِيَتِهِمْ إلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَإِنْ أَبْدَوْا قَوْلَهُمْ إبْدَاءَ مَنْ يُزَاحِمُ الْأَحْكَامَ، فَالْإِنْكَارُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَالْقَوْلُ الْمُغْنِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا قَوْلَ لِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الِاجْتِهَادِ، وَلَيْسَ بَيْنَ مَنْ يُقَلِّدُ وَيُقَلَّدُ مَرْتَبَةٌ ثَالِثَةٌ. ثُمَّ قَالَ: وَالنَّظَرُ السَّدِيدُ يَتَخَطَّى كَلَامَ الْقَاضِي وَعَصْرَهُ، وَيَتَرَقَّى إلَى الْعَصْرِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيُفْضِي إلَى مُدْرِكِ الْحَقِّ قَبْلَ ظُهُورِ الْخِلَافِ. وَالتَّحْقِيقُ - خَالَفَ الْقَاضِي أَوْ وَافَقَ - أَنَّ الْمُجْتَهِدِينَ إذَا أَطْبَقُوا لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِ الْمُتَصَرِّفِينَ مَذْهَبًا مُخْتَلِفًا بِهِ، فَإِنَّ الْمَذَاهِبَ لِأَهْلِ الْفَتْوَى، فَإِنْ بَانَ أَنَّ الْمُتَصَرِّفَ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى فَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ، وَالْكَلَامُ الْكَافِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُفْتِيًا اُعْتُبِرَ خِلَافُهُ، وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِ " الدَّلَائِلِ ": إجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ لَا مَدْخَلَ لِغَيْرِهِمْ فِيهِ، سَوَاءٌ الْمُتَكَلِّمُ وَغَيْرُهُ، وَهُمْ الَّذِينَ تَلْقَوْا الْعِلْمَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ وَهُمْ الْقَائِمُونَ بِعِلْمِ الْفِقْهِ، فَأَمَّا مَنْ انْفَرَدَ بِالْكَلَامِ فِي الْخَبَرِ وَالظِّفْرَةِ وَالدَّاخِلَةِ، لَمْ يَدْخُلْ فِي جُمْلَةِ الْعُلَمَاءِ، فَلَا يُعَدُّ خِلَافًا عَلَى مَنْ لَيْسَ هُوَ مِثْلُهُ، وَإِنْ كَانُوا حُذَّاقًا بِدَقَائِقِ الْكَلَامِ، كَمَا لَا يُجْعَلُ الْحَاذِقُ مِنْ النُّقَّادِ حُجَّةً عَلَى الْبَزَّازِ فِي الْبَزِّ. انْتَهَى.

стр. 2485

مَسْأَلَةٌ [دُخُولُ الْمُجْتَهِدِ الْمُبْتَدِعِ فِي الْإِجْمَاعِ] الْمُجْتَهِدُ الْمُبْتَدِعُ إذَا كَفَّرْنَاهُ بِبِدْعَتِهِ، غَيْرُ دَاخِلٌ فِي الْإِجْمَاعِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِي مُسَمَّى الْأُمَّةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْعِصْمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ كُفْرَ نَفْسِهِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: لَكِنْ لَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِإِجْمَاعِنَا عَلَى كُفْرِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعُنَا وَحْدَهُ عَلَى كُفْرِهِ لَوْ ثَبَتَ كُفْرُهُ، فَإِثْبَاتُ كُفْرِهِ بِإِجْمَاعِنَا وَحْدَهُ دَوْرٌ، وَأَمَّا إذَا وَافَقَنَا هُوَ عَلَى أَنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ كُفْرٌ، فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ كُفْرُهُ، لَا لِأَنَّ قَوْلَهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَافِرٌ، وَلَا لِإِجْمَاعِنَا وَحْدَهُ لِمَا سَبَقَ، بَلْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ كُفْرًا إذْ ذَاكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ الْأُمَّةِ عَلَى الْخَطَأِ، وَأَدِلَّةُ الْإِجْمَاعِ تَنْفِيهِ. [الْمَذَاهِبُ فِي خِلَافِ الْمُبْتَدِعِ غَيْرِ الْكَافِرِ] [الْمَذَاهِبُ فِي خِلَافِ الْمُبْتَدِعِ غَيْرِ الْكَافِرِ] وَأَمَّا إذَا اعْتَقَدَ مَا لَا يَقْتَضِي التَّكْفِيرَ، بَلْ التَّبْدِيعَ وَالتَّضْلِيلَ، فَاخْتَلَفُوا عَلَى مَذَاهِبَ. أَحَدُهَا: اعْتِبَارُ قَوْلِهِ، لِكَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَإِخْبَارُهُ عَنْ نَفْسِهِ

стр. 2486

مَقْبُولٌ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَ الْكَذِبِ، وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، وَكَلَامُ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِنَصِّهِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْهَوَى. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: لَا يُعْتَبَرُ فِي الْإِجْمَاعِ وِفَاقُ الْقَدَرِيَّةِ، وَالْخَوَارِجِ، وَالرَّافِضَةِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِخِلَافِ هَؤُلَاءِ الْمُبْتَدِعَةِ فِي الْفِقْهِ، وَإِنْ اُعْتُبِرَ فِي الْكَلَامِ، هَكَذَا رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، وَرَوَاهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبُو سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيَّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَذَكَرَ أَبُو ثَوْرٍ فِي مَنْثُورَاتِهِ أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. اهـ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: هَلْ يَقْدَحُ خِلَافُ الْخَوَارِجِ فِي الْإِجْمَاعِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. قَالَ: وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِجْمَاعِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ بِهِمْ الْأَهْوَاءُ كَمَنْ قَالَ بِالْقَدَرِ مِنْ حَمَلَةِ الْآثَارِ، وَمَنْ رَأَى الْإِرْجَاءَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ آرَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ. فَإِذَا قِيلَ: قَالَتْ الْخَطَّابِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ كَذَا، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى هَؤُلَاءِ فِي الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: الْإِجْمَاعُ عِنْدَنَا إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ. قَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْخَوَارِجِ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ أَصْلٌ يَنْقُلُونَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ يُكَفِّرُونَ سَلَفَنَا الَّذِينَ أَخَذْنَا عَنْهُمْ أَصْلَ الدِّينِ. انْتَهَى.

стр. 2487

وَمِمَّنْ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ، وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَاسْتَقْرَأَهُ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ لِقَوْلِهِ: لَا يَشْهَدُ رَجُلٌ عِنْدِي لَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِعَدْلٍ، وَكَيْفَ أُجَوِّزُ حُكْمَهُ قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي الْجَهْمِيَّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ، وَيَنْعَقِدُ عَلَى غَيْرِهِ، أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ مُخَالَفَةُ مَنْ عَدَاهُ إلَى مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُقَلِّدَهُ، حَكَاهُ الْآمِدِيُّ وَتَابَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، وَقَالَ: أَرَى حِكَايَتَهُ لِغَيْرِهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَمَنَعَ مِنْ بَقَائِهِمَا عَلَى إطْلَاقِهِمَا؛ لِوُقُوعِ مَسْأَلَتَيْنِ فِي بَابَيْ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ، تَنْفِي ذَلِكَ. إحْدَاهُمَا: اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّقْلِيدِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، فَالْقَوْلُ هُنَا بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ مُعَارِضٌ لِذَلِكَ الِاتِّفَاقِ. وَثَانِيهِمَا: اتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَقْلِيدُ مَنْ عُرِفَ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا اسْتَحَالَ بَقَاءُ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى إطْلَاقِهِمَا، وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ، يَعْنِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: فَيَنْعَقِدُ، يَعْنِي عَلَى غَيْرِهِ، وَيَصِيرُ النِّزَاعُ لَفْظًا، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ تَأْوِيلُ هَذَا الْقَوْلِ، وَإِلَّا فَهُوَ مُشْكِلٌ.

стр. 2488

وَالرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَيُعْتَدُّ بِهِ، حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْإِحْكَامِ "، وَنَقَلَهُ عَنْ جَمَاهِيرِ سَلَفِهِمْ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ، وَقَالَ: وَهُوَ قَوْلٌ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَاعَى الْعَقِيدَةُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَثُرَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِينَ خُصُوصًا فِي عِلْمِ الْكَلَامِ أَنْ يَقُولُوا عَنْ الرَّافِضَةِ وَنَحْوِهِمْ: خِلَافًا لِمَنْ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، وَهَذَا لَا يَنْبَغِي ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّنَاقُضِ مِنْ حَيْثُ ذِكْرُهُ. وَقَالَ: لَا يُعْتَدُّ بِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُمْ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ. فَرْعَانِ. أَحَدُهُمَا: إذَا لَمْ يُعْتَدَّ بِخِلَافِ مَنْ كَفَّرْنَاهُ. فَلَوْ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا حَالَ تَكْفِيرِهِ، ثُمَّ تَابَ وَأَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ الْآنَ؟ فَلْيُبْنَ عَلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ. وَسَنَذْكُرُهُ. الثَّانِي: أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ لَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ الَّذِي خَالَفَ فِيهِ الْمُبْتَدِعَ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِبِدْعَتِهِ، أَوْ عَلِمَهَا لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا تُوجِبُ الْكُفْرَ، وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِ، هَلْ يَكُونُ مَعْذُورًا أَمْ لَا؟ وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِدْعَتَهُ فَمَعْذُورٌ، إنْ كَانَ مُخْطِئًا فِيهِ حَيْثُ تَكُونُ مُوجِبَةً لِلتَّكْفِيرِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ، وَإِنْ عَلِمَهَا لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ اقْتِضَاءَهَا التَّكْفِيرَ، فَغَيْرُ مَعْذُورٍ، بَلْ كَانَ يَلْزَمُهُ مُرَاجَعَةُ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ، وَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الِاعْتِقَادِ هَلْ يُكَفِّرُ أَمْ لَا؟

стр. 2489

[مَسْأَلَةٌ الْعُلَمَاءُ الْمُجْتَهِدُونَ الْفَسَقَةُ هَلْ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُمْ فِي الْإِجْمَاعِ] ِ؟] فِي اعْتِبَارِ الْوَرَعِ فِي أَهْلِ الْإِجْمَاعِ خِلَافٌ، فَالْفَسَقَةُ بِالْفِعْلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ إذَا بَلَغُوا فِي الْعِلْمِ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، هَلْ يُعْتَبَرُ وِفَاقُهُمْ أَوْ خِلَافُهُمْ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ، وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ، وَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِدُونِهِمْ، وَقَالَ الرَّازِيَّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَهُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. قَالَ: وَنُقِلَ عَنْ شِرْذِمَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ، مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى أَنَّ خِلَافَهُ مُعْتَدٌّ بِهِ. قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ "؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُزِيلُ اسْمَ الْإِيمَانِ، فَيَكُونُ قَوْلُ مَنْ عَدَاهُمْ قَوْلَ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ لَا كُلِّهِمْ، فَلَا يَكُونُ حُجَّةً، وَإِلَيْهِ مَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَاسْتُشْكِلَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْفَاسِقَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، فَانْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ فِي حَقِّهِ مُشْكِلٌ، وَلَا يُمْكِنُ تَجْزِئَةُ الْإِجْمَاعِ، حَتَّى يَكُونَ حُجَّةً فِي حَقِّ غَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ حُجَّةً فِي حَقِّهِ، وَاسْتَحْسَنَهُ إلْكِيَا، وَقَالَ: الْمَسْأَلَةُ مُحْتَمَلَةٌ.

стр. 2490

وَاخْتَلَفَ الْمَانِعُونَ فِي تَعْلِيلِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ إخْبَارَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَوْثُقُ بِهِ لِفِسْقِهِ، فَرُبَّمَا أَخْبَرَ بِالْوِفَاقِ وَهُوَ مُخَالِفٌ أَوْ بِالْخِلَافِ وَهُوَ مُوَافِقٌ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَى مَعْرِفَةِ قَوْلِهِ سَقَطَ أَثَرُهُ، وَشَبَّهَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِسُقُوطِ أَثَرِ قَوْلِ الْخَضِرِ ﵇ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَيٌّ؛ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَدَالَةَ رُكْنٌ فِي الِاجْتِهَادِ، فَإِذَا فَاتَتْ الْعَدَالَةُ فَاتَتْ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ، وَعَلَى الثَّانِي اقْتَصَرَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ ". وَفَرَّعُوا عَلَيْهَا مَا إذَا أَدَّى الْفَاسِقَ اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ، هَلْ يَأْخُذُ بِقَوْلِهِ مَنْ عَلِمَ صِدْقَهُ فِي فَتْوَاهُ بِقَرَائِنَ؟ . وَحَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْفَاسِقَ يَدْخُلُ فِي الْإِجْمَاعِ مِنْ وَجْهٍ، وَيَخْرُجُ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا ظَهَرَ خِلَافُهُ سُئِلَ عَنْ دَلِيلِهِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَحْمِلَهُ فِسْقُهُ عَلَى اعْتِقَادِ شَرْعٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَا بَأْسَ بِهِ وَهُوَ يَقْرُبُ مِنْ مَأْخَذِ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلْيُعَوَّلْ عَلَيْهِ. وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ سَوَاءٌ كَانَ مُدَرِّسًا مَشْهُورًا أَوْ خَامِلًا مَسْتُورًا، وَسَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَمِينًا أَوْ فَاسِقًا مُتَهَتِّكًا، يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالْمَسْتُورُ كَالْمَشْهُورِ. قَالَ: وَالْأَحْسَنُ هُوَ الْأَوَّلُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَأَمَّا الْفِسْقُ بِتَأْوِيلٍ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ اعْتِبَارِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِي الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي اعْتِقَادِ بِدْعَةٍ لَا تُؤَدِّي إلَى التَّكْفِيرِ، فَإِنْ أَدَّتْهُ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ وَلَا وِفَاقِهِ. وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْمُبْتَدِعِ.
следующие страницы →