Полный текст (3 423 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اتَّفَقُوا فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ عَلَى وُجُوبِ الْعَزْمِ عِنْدَ وُرُودِ الْأَمْرِ، وَكَأَنَّ الْفَرْقَ: أَنَّ الْمُقَيَّدَ بِوَقْتٍ مُوَسَّعٍ لَمَّا كَانَ آخِرُ وَقْتِهِ مَعْلُومًا بِأَنَّ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ يُنَافِي الْعَزْمَ عَلَى الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّ الْعَزْمَ فِيهِ يَنُوبُ مَنَابَ تَعْجِيلِ الْفِعْلِ وَتَعْيِينِ الْوَقْتِ. ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ اللُّمَعِ ".
[الْمُنْكِرُونَ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ]
[الْمُنْكِرُونَ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ] وَأَمَّا الْمُنْكِرُونَ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، فَاخْتَلَفُوا عَلَى خَمْسَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْوُجُوبَ يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، فَإِنْ أُخِّرَ عَنْهُ فَقَضَاءٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ، وَحَكَاهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمَصَادِرِ " عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا الْإِمَامُ فِي الْمَعَالِمِ "، وَالْبَيْضَاوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ "، فَلَمْ يَنْفَرِدْ إذَنْ بِنَقْلِهِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ حَتَّى قَالَ السُّبْكِيُّ: سَأَلْت ابْنَ الرِّفْعَةِ، وَهُوَ أَوْحَدُ الشَّافِعِيَّةِ فِي زَمَانِهِ، فَقَالَ: تَتَبَّعْت هَذَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ فَلَمْ أَجِدْهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ: هَذَا لَا يُعْرَفُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَلَعَلَّ مَنْ عَزَاهُ إلَيْهِمْ الْتَبَسَ عَلَيْهِ بِوَجْهِ الْإِصْطَخْرِيُّ، وَهُوَ أَنَّ الَّذِي يَفْضُلُ فِيمَا زَادَ
стр. 282
عَلَى صَلَاةِ جِبْرِيلَ فِي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ يَكُونُ قَضَاءً. انْتَهَى.
وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ عِنْدَهُ مُوَسَّعٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَهُ مِنْ تَضْيِيقِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ عَلَى الْقَوْلِ الْجَدِيدِ، وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ هَذَا تَضْيِيقٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: تَجِبُ الصَّلَاةُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، فَظَنَّ أَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِتَجِبُ، فَوَقَعَ الِالْتِبَاسُ فِي الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ. وَقِيلَ: بَلْ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: رِضْوَانُ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ عَفْوِهِ، وَقِيلَ بَلْ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ " فِي الْخَامِسِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ: نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَبَعْضِ مَنْ يُفْتِي: أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا يُصَيِّرُهَا قَضَاءً، وَتَأْخِيرَ الْحَجِّ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَهَذَا الْأَخْذُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ قَائِلَهُ لَا يَقُولُ: إنَّ الْوَقْتَ يَخْرُجُ وَيَصِيرُ قَضَاءً بَعْدَ أَوَّلِهِ، كَمَا نَقَلَ الْإِمَامُ، بَلْ إنَّهُ يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعِصْيَانِ خُرُوجُ الْوَقْتِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَقُولُ بِالتَّأْثِيمِ إذَا أَخَّرَهُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ نَقَلَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ: أَنَّهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ قَضَاءٌ يَسُدُّ مَسَدَ الْأَدَاءِ، وَمَا نَقَلَهُ الشَّافِعِيُّ أَثْبَتُ. لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ "، وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ: ذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، وَإِنْ أُخِّرَتْ كَانَتْ قَضَاءً قَالَ: وَهَذَا الْقَائِلُ يُجَوِّزُ التَّأْخِيرَ. قَالَ: وَقَدْ نُقِلَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ وَجُمْلَةِ
стр. 283
الْعِبَادَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعُمُرِ، وَرَأَى مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ. اهـ.
قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: هَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْوُجُوبَ يَخْتَصُّ بِآخِرِ الْوَقْتِ، وَأَوَّلُهُ سَبَبٌ لِلْجَوَازِ، وَهُوَ مَا مَالَ إلَيْهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ " وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ " عَنْ بَعْضِهِمْ وَهَكَذَا قَالَهُ صَاحِبُ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ "، وَنَقَلَهُ فِي الْمُعْتَمَدِ " عَنْ أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ أَنَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُ حَكَى الْقَوْلَ بِالتَّوْسِعَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِآخِرِهِ، وَإِنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي حَصَّلْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ: أَنَّ الْوَقْتَ جَمِيعَهُ وَقْتُ الْأَدَاءِ، وَالْوُجُوبُ يَتَعَيَّنُ فِيهِ بِأَحَدِ وَقْتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُؤَخِّرَهُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَالْوُجُوبُ يَتَعَيَّنُ بِالْوَقْتِ الْمَفْعُولِ فِيهِ لِلصَّلَاةِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي " أُصُولِهِ ": نُقِلَ عَنْ ابْنِ شُجَاعٍ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا الْعِرَاقِيِّينَ يُنْكِرُونَ هَذَا وَيَقُولُونَ: الْوُجُوبُ لَا يَثْبُتُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِآخِرِهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ حَاضَتْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لَا يَلْزَمُهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ إذَا طَهُرَتْ. اهـ.
стр. 284
وَنَصَّ الدَّبُوسِيُّ فِي تَقْوِيمِ الْأَدِلَّةِ " عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ الْمُوَسَّعِ، وَأَبْطَلَ الْقَوْلَ بِتَعَلُّقِهِ بِآخِرِهِ. وَقَالَ شَارِحُ الْهِدَايَةِ ": الْقَوْلُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ وَفِي أَوَّلِهِ نَافِلَةٌ قَوْلٌ ضَعِيفٌ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَلَيْسَ مَنْقُولًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا: أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا. اهـ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَذْهَبِنَا، وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُرْوَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِهِ فِيمَا لَوْ فَعَلَهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: فَقِيلَ: تَقَعُ وَاجِبَةً بِكُلِّ حَالٍ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ الصَّلَاةُ إمَّا بِفِعْلِهَا أَوْ بِمَجِيءِ آخِرِ الْوَقْتِ، وَقِيلَ: تَقَعُ نَافِلَةً بِكُلِّ حَالٍ إلَّا أَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ كَالزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ عِنْدَنَا، وَقِيلَ: يُرَاعَى فَإِنْ لَحِقَ آخِرَهُ وَهُوَ بِصِفَةِ التَّكْلِيفِ كَانَ فَرْضًا وَإِلَّا فَلَا. حَكَى الثَّلَاثَةَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ، وَالْأَخِيرَيْنِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ مِنْهُمْ.
стр. 285
وَقَالَ الْقَاضِي عَنْ الثَّالِثِ: إنَّهُ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ الدَّهْمَاءُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِآخِرِ الْوَقْتِ إذَا بَقِيَ مِنْهُ قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ.
وَالرَّابِعُ: كَذَلِكَ، وَآخِرِهِ إذَا بَقِيَ قَدْرُ صَلَاةٍ. فَإِنْ عَجَّلَ فَنَفْلٌ يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ، وَذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ مُكَلَّفًا آخِرَ الْوَقْتِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ وَقَعَ وَاجِبًا وَإِلَّا فَنَفْلٌ. نُقِلَ عَنْ الْكَرْخِيِّ، وَعِنْدَهُ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا تُوصَفُ بِالنَّفْلِ وَلَا الْفَرْضِ، وَهُوَ نَظِيرُ وَجْهٍ عِنْدَنَا فِي الْمُعَادَةِ أَنَّهُ يَنْوِي بِهَا فَرْضًا وَلَا نَفْلًا.
وَالسَّادِسُ: أَنَّهُ إنْ كَانَ مُكَلَّفًا آخِرَ الْوَقْتِ كَانَ مَا فَعَلَهُ مُسْقِطًا لِلْفَرْضِ تَعْجِيلًا نَقَلَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ. وَالسَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا اخْتَارَ وَقْتًا تَعَيَّنَ إلَى أَنْ يَتَضَيَّقَ، فَيَتَعَيَّنَ بِالتَّضْيِيقِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَبَّرَ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ مُخْتَصًّا بِالْجُزْءِ الَّذِي يَتَّصِلُ الْأَدَاءُ بِهِ وَإِلَّا فَآخِرُ الْوَقْتِ الَّذِي يَسَعُ الْفِعْلَ، وَلَا يَفْضُلُ عَنْهُ، وَحَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ عَنْ الْكَرْخِيِّ. وَادَّعَى الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ عِنْدَهُمْ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ عَلَى الْبَدَلِ إنْ اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ وَإِلَّا
стр. 286
فَآخِرُهُ، إذْ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْوَقْتِ سَبَبًا، وَإِلَّا لَزِمَ الْوُجُوبُ بَعْدَهُ، وَقَالَ: وَإِنَّمَا عَدَدْت هَذِهِ الْفِرْقَةَ مِنْ الْمُنْكِرِينَ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الصَّلَاةَ مَهْمَا أُدِّيَتْ فِي الْوَقْتِ كَانَتْ وَاجِبَةً وَأَدَاءً؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُجَوِّزُوا أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ فَاضِلًا عَنْ الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْقَائِلِينَ بِهِ، فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ. وَالثَّامِنُ: أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِجُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَمَا تَعَلَّقَ فِي الْكَفَّارَاتِ بِوَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَتَأَدَّى الْوُجُوبُ فِيهِمَا بِالْغَيْرِ. حَكَاهُ الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي وَأَشْبَهُ بِأُصُولِنَا فِي الْكَفَّارَاتِ، فَيَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ مُرَادُ أَصْحَابِنَا عَلَيْهِ.
وَالتَّاسِعُ: حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ لَهُ حَظٌّ فِي الْوُجُوبِ، وَلَا نَقُولُ: وَجَبَ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ حَتَّى لَوْ أَدْرَكَ جَمِيعَ الْوَقْتِ نَقُولُ: وَجَبَ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ، وَهَذَا كَالْقِيَامِ يَجِبُ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ فَلَوْ أَطَالَ الْقِيَامَ بِقِرَاءَةِ السُّورَةِ فَالْكُلُّ وَاجِبٌ. قَالَ: وَهَذَا خِلَافُ الْمَذْهَبِ.
[تَتِمَّاتُ هَلْ يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْوَقْتِ]
تَتِمَّاتُ. الْأُولَى: [هَلْ يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْوَقْتِ؟] حَيْثُ قُلْنَا بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، فَهَلْ يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ فِيهِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِ الْوَقْتِ أَوْ لَا يَسْتَقِرُّ إلَّا بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ فِيهِ؟ مَذْهَبَانِ. الْأَوَّلُ: هُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ أَصْحَابِنَا كَمَا قَالَهُ، الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ " وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
стр. 287
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: مَذْهَبُنَا أَنَّهَا تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبُهَا بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَكَذَا قَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ ": تَجِبُ عِنْدَنَا بِأَوَّلِ الْوَقْتِ، وَيَسْتَقِرُّ وُجُوبُهَا بِقَدْرِ فِعْلِهَا، وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُمَا مِنْ الْأَصْحَابِ، وَحَكَوْا مَعَهُ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ قَبْلَ إمْكَانِ الْأَدَاءِ إلْحَاقًا لِأَوَّلِ الْوَقْتِ بِآخِرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَخَطَّئُوهُ بِإِمْكَانِ الْقَضَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ دُونَ أَوَّلِهِ. وَالثَّانِي: لَا يَسْتَقِرُّ حَتَّى يُدْرِكَ مَعَ الْوَقْتِ أَدَاءَ جُزْءٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ.
قَالُوا: لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَقَرَّ فَرْضُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْصُرَهَا إذَا سَافَرَ فِي آخِرِ وَقْتِهَا، لِاسْتِقْرَارِ فَرْضِهَا، فَلَمَّا جَازَ لَهُ الْقَصْرُ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَقَرَّ بِآخِرِ الْوَقْتِ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَيْسَ جَوَازُ الْقَصْرِ آخِرَ الْوَقْتِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَسْتَقِرَّ؛ لِأَنَّ الْقَصْرَ مِنْ صِفَاتِ الْأَدَاءِ. قَالُوا: وَهَذَا مِنْ ابْنِ سُرَيْجٍ رُجُوعٌ إلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي وُجُوبِهَا بِآخِرِ الْوَقْتِ. الثَّانِيَةُ: [فَائِدَةُ الْخِلَافِ] حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ؛ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِآخِرِ الْوَقْتِ يُجَوِّزُونَ فِعْلَهُ أَوَّلَهُ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَسْمِيَتِهِ وَاجِبًا. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي حُكْمَيْنِ مَقْصُودَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ إلَّا بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْفِعْلَ إذَا كَانَ مِمَّا يَجِبُ قَضَاؤُهُ، فَإِذَا مَضَى مِنْ أَوَّلِ حَالِ
стр. 288
الْإِمْكَانِ مِقْدَارُ زَمَنِ الْإِمْكَانِ، ثُمَّ زَالَ التَّكْلِيفُ بِجُنُونٍ أَوْ حَيْضٍ أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى فَاتَ وَقْتُهُ وَجَبَ قَضَاؤُهُ عَلَى قَوْلِنَا، وَلَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ عَلَى قَوْلِهِمْ.
[الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ قَدْ يَكُونُ مَحْدُودًا وَقَدْ يَكُونُ وَقْتُهُ الْعُمُرَ]
الثَّالِثَةُ: [الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ قَدْ يَكُونُ مَحْدُودًا وَقَدْ يَكُونُ وَقْتُهُ الْعُمُرَ] إذَا أَثْبَتْنَا الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ فَقَدْ يَكُونُ مَحْدُودًا بِغَايَةٍ مَعْلُومَةٍ، كَالصَّلَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ وَقْتُهُ الْعُمُرَ، كَالْحَجِّ وَقَضَاءِ الْفَائِتِ مِنْ الصَّلَاةِ بِعُذْرٍ، فَإِنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي عَلَى الصَّحِيحِ، وَسَمَّوْهُ الْحَنَفِيَّةُ الْمُشَكِّكَ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ شَبَهًا مِنْ الصَّلَاةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَا يَسْتَغْرِقُ الْوَقْتَ، وَمِنْ الصَّوْمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ السَّنَةَ الْوَاحِدَةَ لَا يَقَعُ فِيهَا إلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَالْحَقُّ: أَنَّ الْحَجَّ لَا يُسَمَّى مُوَسَّعًا بِالْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَالتَّوْسِيعُ وَالتَّضْيِيقُ إنَّمَا يَكُونَانِ فِي الْوَقْتِ، وَلَكِنْ جَرَيْنَا فِي هَذَا التَّقْسِيمِ عَلَى عِبَارَةِ الْجُمْهُورِ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَيَتَضَيَّقُ بِطَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِالِانْتِهَاءِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يَفْضُلُ زَمَانُهُ عَنْهُ. وَثَانِيهِمَا: بِغَلَبَةِ الظَّنِّ؛ لِعَدَمِ الْبَقَاءِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِنَّهُ مَهْمَا غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ قَبْلَهُ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَعْصِي فِيهِ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِخُرُوجِ وَقْتِهِ. وَالثَّانِي: بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتٍ يُظَنُّ فَوْتُهُ بَعْدَهُ، كَالْمُوَسَّعِ بِالْعُمُرِ، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ " الِاتِّفَاقُ عَلَى عِصْيَانِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ
стр. 289
سَوَاءٌ بَقِيَ بَعْدُ أَمْ لَا، وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَمْ يَعْصِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَعْصِي. قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى ": وَهُوَ خِلَافُ إجْمَاعِ السَّلَفِ. قَالَ: بَلْ مُحَالٌ أَنْ يَعْصِيَ، وَقَدْ جَازَ لَهُ التَّأْخِيرُ، فَإِنْ قَالَ: جَازَ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ. قُلْنَا: مُحَالٌ؛ لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ عَنْهُ. وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ فِي الْمُوَسَّعِ فِي الْعُمُرِ فَيَعْصِي فِيهِ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِالتَّأْخِيرِ عَنْ وَقْتٍ يُظَنُّ فَوْتُهُ بَعْدَهُ. وَالثَّانِي: بِالْمَوْتِ عَلَى الصَّحِيحِ سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْبَقَاءُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ لَهُ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْعَاقِبَةَ عَنْهُ مَسْتُورَةٌ، وَالثَّانِي: لَا يَمُوتُ عَاصِيًا وَهُوَ أَشْكَلُ مِمَّا قَبْلَهُ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَعْنَى الْوُجُوبِ.
وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ فِيهِ بَيْنَ الشَّيْخِ فَيَعْصِي، وَالشَّابُّ فَلَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ، وَرَفْعُ الْإِشْكَالِ عَنْهُ سَنَذْكُرُهُ. وَهَذَا الْقِسْمُ يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ الْمَوْتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَا يَعْصِي بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ بِالْمَوْتِ خَرَجَ وَقْتُ الْحَجِّ، وَبِالْمَوْتِ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُهَا، وَنَظِيرُ الْحَجِّ: أَنْ يَمُوتَ آخِرَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يَعْصِي بِخُرُوجِ الْوَقْتِ. وَإِذَا قُلْنَا: يَعْصِي فَلَهُ شَرْطَانِ:
стр. 290
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَى الْفِعْلِ فَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ وَمَاتَ فِي أَثْنَائِهِ فَلَا يَعْصِي بِالْإِجْمَاعِ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَصْفَى " وَالْآمِدِيَّ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْثِمُونَ مَنْ مَاتَ فَجْأَةً بَعْدَ انْقِضَاءِ مِقْدَارِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ وَقْتِ الزَّوَالِ، وَكَانُوا لَا يَنْسُبُونَهُ إلَى تَقْصِيرٍ لَا سِيَّمَا إذَا اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ، وَنَهَضَ إلَى الْمَسْجِدِ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، بَلْ مُحَالٌ أَنْ يَعْصِيَ وَقَدْ جُوِّزَ لَهُ التَّأْخِيرُ فِي فِعْلِ مَا يَجُوزُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَعْصِيَتِهِ؟ . انْتَهَى. وَالثَّانِي: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ أَدَاءِ إمْكَانِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِمْكَانِ لَمْ يَعْصِ بِلَا خِلَافٍ. نَعَمْ حَكَوْا عَنْ أَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُسْتَقِرًّا، وَلَيْسَ إمْكَانُ الْأَدَاءِ مُعْتَبَرًا، وَلَعَلَّهُ يَقْرَبُ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ.
وَقَدْ اسْتَصْعَبَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَصْفَ الصَّلَاةِ بِالْوُجُوبِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَا يَعْصِي فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَقَالَ: لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا عَلَى تَأْوِيلٍ، وَهُوَ أَنَّهَا لَوْ أُقِيمَتْ لَوَقَعَتْ عَلَى مَرْتَبَةِ الْوَاجِبَاتِ. وَرَدَّهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ "، وَقَالَ: التَّأْخِيرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَيْسَ فِيهِ تَفْوِيتُ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَإِذَا مَاتَ بَغْتَةً فَهُوَ غَيْرُ مُفَوِّتٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَّرَ مِنْ وَقْتٍ إلَى مِثْلِهِ، وَهَذَا لَا يُعَدُّ تَفْوِيتًا؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا كَانَ مُطِيقًا لَهُ إلَّا أَنَّهُ صَارَ فَائِتًا بِمَعْنًى مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ، فَلَمْ يَجُزْ وَصْفُهُ بِالْعِصْيَانِ، وَهَذَا كَالْأَمْرِ الْمُضَيَّقِ إذَا لَمْ تُسَاعِدْهُ الْحَيَاةُ فِي ذِمَّتِهِ.
стр. 291
وَزَعَمَ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ ": أَنَّ الْمُوَسَّعَ بِالْعُمُرِ إنَّمَا يَتَضَيَّقُ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ التَّأْخِيرُ عَنْ وَقْتٍ يُظَنُّ فَوْتُهُ فِيهِ. قَالَ: وَلَوْ لَمْ نَقُلْ بِهِ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِجَوَازِ التَّأْخِيرِ أَبَدًا، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ حَقِيقَةَ الْوُجُوبِ، وَإِمَّا إلَى زَمَنٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ نَقُولَ: يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَبْقَى سَوَاءٌ بَقِيَ أَمْ لَا، وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى عَصَى بِالتَّأْخِيرِ سَوَاءٌ مَاتَ أَمْ لَا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَوْلٌ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَعْصِي بِالْمَوْتِ سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْبَقَاءُ أَمْ لَا، وَلَا يَلْزَمُهُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُهُ الْمُبَادَرَةُ، فَالتَّمْكِينُ مَوْجُودٌ، وَجَوَازُ التَّأْخِيرِ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، وَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ، فَتَبَيَّنَ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَالْوُجُوبُ مُحَقَّقٌ مَعَ التَّمَكُّنِ فَيَعْصِي، وَيَكُونُ التَّأْخِيرُ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا عَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَظَاهِرًا فَقَطْ عَلَى رَأْيِ الْفُقَهَاءِ، وَالْبَاطِنُ مَجْهُولُ الْحَالِ. وَإِذَا قُلْنَا بِالْعِصْيَانِ فَهَلْ يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ أَوْ مِنْ آخِرِهَا أَوْ لَا يُضَافُ إلَى سَنَةٍ بِعَيْنِهَا؟ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: الثَّانِي.
وَغَلِطَ الْمُقْتَرِحُ فِي " تَعْلِيقِهِ " عَلَى الْبُرْهَانِ " حَيْثُ قَالَ: وَتَوَهَّمَ الْإِمَامُ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ انْبَسَطَتْ الْمَعْصِيَةُ عَلَى جَمِيعِ سِنِي الْإِمْكَانِ، وَأَنَّهُ عَاصٍ فِي كُلِّ زَمَنٍ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا يَعْصِي بِتَرْكِ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ. انْتَهَى. بَقِيَ الْإِشْكَالُ فِي قَوْلِهِمْ: جَوَازُ التَّأْخِيرِ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ رَبْطٌ لِلتَّكْلِيفِ بِمَجْهُولٍ.
قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: هَذَا هَوَسٌ؛ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ جَهَالَةٌ تَمْنَعُ فَهْمَ الْخِطَابِ، أَوْ إمْكَانَ الِامْتِثَالِ، فَأَمَّا تَكْلِيفُهُ الْمَرْءَ شَيْئًا مَعَ تَقْدِيرِ عُمُرِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَتَنْبِيهُهُ أَنَّهُ إذَا امْتَثَلَهُ خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ، وَإِنْ أُخْلِيَ الْعُمُرُ مِنْهُ تَعَرَّضَ لِلْمَعْصِيَةِ فَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ.
стр. 292
وَرَدَّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ مُتَعَلَّقُ الْجَوَازِ، وَالْجَوَازُ لَيْسَ بِتَكْلِيفٍ بَلْ مُبَاحٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْمُبَاحِ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الشَّكُّ فِي الْإِبَاحَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْإِحْكَامِ ": سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد مَنْ أَجَازَ تَأْخِيرَ الْحَجِّ، فَقَالَ: مَتَى صَارَ الْمُؤَخِّرُ لِلْحَجِّ إلَى أَنْ مَاتَ عَاصِيًا؟ أَفِي حَيَاتِهِ؟ هَذَا غَيْرُ قَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ؟ فَالْمَوْتُ لَا يُثْبِتُ عَلَى أَحَدٍ مَعْصِيَةً لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً فِي حَيَاتِهِ. فَأَجَابَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ الشَّافِعِيُّ، فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ لَهُ التَّأْخِيرُ بِشَرْطِ أَنْ يَفْعَلَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَلَمَّا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُبَاحًا لَهُ التَّأْخِيرُ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَنَحْنُ نَقُولُ: لَمْ يُحَقِّقْ أَبُو الْحُسَيْنِ الْجَوَابَ عَلَى أُصُولِ الشَّافِعِيِّ، فَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ إنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا فِي آخِرِ أَوْقَاتِ صِحَّتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا قَادِرًا عَلَى الطَّلَاقِ. قَالَ: وَنَحْنُ نُجِيبُ عَنْ جَوَابِهِ، فَنَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُكَلَّفُ بِالتَّرْكِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ وَلَمْ يُطْلِعْ اللَّهُ أَحَدًا عَلَى وَقْتِ مَوْتِهِ، وَلَا عَرَّفَهُ بِآخِرِ أَوْقَاتِ مَوْتِهِ، وَلَا قَامَتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ، وَلَا يُوصَفُ بِالْعِصْيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَبَقِيَ سُؤَالُ أَبِي بَكْرٍ بِحَسَبِهِ. انْتَهَى.
وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، وَيُقَالُ: لِأَبِي بَكْرٍ: قَوْلُك: إنَّ تَعْصِيَتَهُ فِي حَيَاتِهِ خِلَافُ قَوْلِكُمْ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ قَوْلُنَا وَتُنْسَبُ الْمَعْصِيَةُ إلَى آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَجَوَابُ ابْنِ الْقَطَّانِ كَأَنَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْجُوحِ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ مِنْ أَوَّلِ سِنِي الْإِمْكَانِ، وَلِهَذَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ سُؤَالُ
стр. 293
ابْنُ حَزْمٍ بِصُورَةِ الطَّلَاقِ، وَنَحْنُ إذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَصَحِّ فَهُمَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَسَعُهُ، فَقُبَيْلَ الْمَوْتِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ هُوَ آخِرُ تَمَكُّنِهِ، فَوَقَعَ حِينَئِذٍ كَذَلِكَ آخِرَ سِنِي الِاسْتِطَاعَةِ وَقْتَ تَمَكُّنِهِ، فَيَعْصِي إذْ ذَاكَ، وَخَرَجَ الْجَوَابُ بِذَلِكَ عَلَى أُصُولِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الِاصْطِلَامِ ": وَأَمَّا تَسْمِيَةُ تَارِكِ الْحَجِّ عَاصِيًا فَقَدْ تَخَبَّطَ فِيهِ الْأَصْحَابُ.
وَالْأَوْلَى عِنْدِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ، وَلَا يُوصَفُ بِالْعِصْيَانِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْمَوْتُ، فَإِذَا غَلَبَ وَأَخَّرَ وَمَاتَ لَقِيَ اللَّهَ عَاصِيًا، وَإِنْ مَاتَ بَغْتَةً قَبْلَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ لَا يَكُونُ عَاصِيًا، فَإِنْ قَالُوا: قَدْ تَرَكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَاتَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ عَاصِيًا. قُلْنَا: نَعَمْ تَرَكَ وَاجِبًا مُوَسَّعًا عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ يَنْتَظِرُ تَضْيِيقَهُ عَلَيْهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَذَلِكَ أَمْرٌ مَعْهُودٌ فِي غَالِبِ أَحْوَالِ النَّاسِ، فَإِنْ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبْلُغَ الْمَعْهُودَ مِنْ أَجْنَاسِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَتْبٌ، وَلَمْ يَعْصِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى عَزْمٍ إذَا تَضَيَّقَ لَا يُؤَخَّرُ.
[التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ [لِلْقَضَاءِ دَرَجَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ] لِلْقَضَاءِ دَرَجَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَهِيَ قَضَاءُ رَمَضَانَ هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْصِيَةِ كَالصَّلَاةِ، وَبِالنِّسْبَةِ لِعَدَمِ الْفَوَاتِ كَالْحَجِّ، وَقَدْ قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ مَاتَ بَيْنَ الرَّمَضَانَيْنِ لَمْ يَعْصِ لَكِنْ يُطْعَمُ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَا الْإِطْعَامُ وَلَا الصِّيَامُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَحْدُودٌ بِمَا بَيْنَ الرَّمَضَانَيْنِ. فَإِذَا مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِعَدَمِ تَرَبُّطِهِ، كَمَا لَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَهُ مَعْلُومٌ، وَلَا حَدَّ لِانْتِهَائِهِ. حَكَاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ ".
стр. 294
التَّنْبِيهُ] الثَّانِي [التَّوْسِيعُ فِي السُّنَّةِ كَالْوَاجِبِ] التَّوْسِيعُ كَمَا يَكُونُ فِي الْوَاجِبِ يَكُونُ فِي السُّنَّةِ، كَالْأُضْحِيَّةِ.
[التَّنْبِيهُ] الثَّالِثُ [صَيْرُورَةُ الْوَاجِبِ عَلَى التَّرَاخِي وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ] كُلُّ وَاجِبٍ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنَّهُ يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ إذَا ضَاقَ وَقْتُهُ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا وَجَبَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا لَمَّا ضَاقَ صَارَ عَلَى الْفَوْرِ. .
[مَسْأَلَةٌ مَا لَا يَتِمُّ الواجب إلَّا بِهِ]
ِ] مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ هُوَ إمَّا أَجْزَاءُ الْوَاجِبِ، أَوْ شُرُوطُهُ أَوْ الشَّرْعِيَّةُ، أَوْ ضَرُورَاتُهُ الْعَقْلِيَّةَ أَوْ الْحِسِّيَّةَ، لَا تَنْفَكُّ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. فَالْأَوَّلُ: وَاجِبٌ بِخِطَابِ الِاقْتِضَاءِ، وَالثَّانِي: بِخِطَابِ الْوَضْعِ، وَالثَّالِثُ: لَا خِطَابَ فِيهِ فَلَا وُجُوبَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ. إذَا عَرَفْت هَذَا، فَنَقُولُ: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَوَقُّفُهُ
стр. 295
عَلَيْهِ فِي وُجُوبِهِ، أَوْ فِي إيقَاعِهِ بَعْدَ تَحَقُّقِ وُجُوبِهِ، فَأَمَّا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إيجَابُ الْوَاجِبِ، فَلَا يَجِبُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ حِينَئِذٍ مُقَيَّدٌ لَا مُطْلَقٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا أَوْ انْتِفَاءَ مَانِعٍ. فَالسَّبَبُ كَالنِّصَابِ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ لِتَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ. وَالشَّرْطُ كَالْإِقَامَةِ هِيَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ أَدَاءِ الصَّوْمِ، فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا إذَا عَرَضَ مُقْتَضَى السَّفَرِ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ السَّفَرِ. وَالْمَانِعُ كَالدَّيْنِ فَلَا يَجِبُ نَفْيُهُ لِتَجِبَ الزَّكَاةُ. وَأَمَّا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إيقَاعُ الْوَاجِبِ وَدُخُولُهُ فِي الْوُجُودِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ، فَإِنْ كَانَ جُزْءًا فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَاهِيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ أَمْرٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَجْزَائِهَا ضِمْنًا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا كَانَ خَارِجًا كَالشَّرْطِ وَالسَّبَبِ، كَمَا إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ، فَهَلْ يَدُلُّ الْأَمْرُ بِهَا عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ؟ . هَذَا مَوْضِعُ النِّزَاعِ وَلِهَذَا عَبَّرَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِالْمُقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقَدِّمَةَ خَارِجَةٌ عَنْ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْجُزْءِ فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِيهِ.
[الْمَذَاهِبُ فِي الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ]
[الْمَذَاهِبُ فِي الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ] وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا لَكِنْ شَرَطُوا أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ،
стр. 296
كَالطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الشُّرُوطِ، فَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ أَمْرٌ بِهَا، أَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ مِنْ الْآلَاتِ وَالذَّوَاتِ فَتُخَرَّجُ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَحِينَئِذٍ فَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ هَذَا الشَّرْطَ مَنْ مَنْعَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ. هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ، وَبِهِ جَزَمَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " قَالُوا: وَسَوَاءٌ كَانَ شَرْطًا أَوْ سَبَبًا، وَكَانَ الشَّرْطُ شَرْعِيًّا كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ، أَوْ عَقْلِيًّا كَتَرْكِ أَضْدَادِ الْوَاجِبِ، أَوْ عَادِيًا كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِغَسْلِ الْوَجْهِ. وَإِذَا قُلْنَا بِهَذَا فَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْوُجُوبَ هَلْ يُتَلَقَّى مِنْ نَفْسِ الصِّيغَةِ أَوْ مِنْ دَلَالَتِهَا؟ أَشَارَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ إلَى حِكَايَةِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى الثَّانِي، وَنَصَرَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ.
قَالَ: لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ، وَإِنَّمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ اللَّفْظِيَّةَ مَا كَانَ مَسْمُوعًا فِي اللَّفْظِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلشَّرْطِ لَفْظًا يَخُصُّهُ، وَلَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنَّ دَلَالَتَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَيُخَرَّجُ مِنْ اخْتِلَافِ عِبَارَاتِهِمْ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ.
وَالثَّانِي: بِالتَّضَمُّنِ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " وَ " التَّلْخِيصِ ". وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ لَيْسَتْ جُزْءَ الصَّلَاةِ، فَكَيْفَ يَدُلُّ بِالتَّضَمُّنِ؟
стр. 297
وَإِيضَاحُهُ: أَنَّ إيجَابَ الطَّهَارَةِ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، فَالصَّلَاةُ وَجَبَتْ مُقَيَّدَةٌ بِالْغَسْلِ الَّذِي هُوَ الْوُضُوءُ، فَإِذَا اسْتَقَرَّ ذَلِكَ، ثُمَّ وَرَدَ قَوْلُهُ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ، وَهِيَ الْمُقَيَّدَةُ بِالطَّهَارَةِ، وَالدَّالُّ عَلَى الصَّلَاةِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ، وَهِيَ الْمُقَيَّدَةُ بِالطَّهَارَةِ، وَالدَّالُّ عَلَى الصَّلَاةِ الْمُقَيَّدَةِ دَالٌّ عَلَى قَيْدِهَا بِالتَّضَمُّنِ، كَقَوْلِهِ: أَعْتِقْ الرَّقَبَةَ الْمُؤْمِنَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَعْتِقْ الرَّقَبَةَ، فَمُطْلَقُ الرَّقَبَةِ دَالٌّ عَلَى الْإِيمَانِ بِالتَّضَمُّنِ.
الثَّانِي: إذَا قُلْنَا: إنَّهُ وَجَبَ مِنْ دَلَالَتِهِ، فَهَلْ وَجَبَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ فِي " الِاسْتِذْكَارِ "، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ، وَرَجَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ عَادَةً كَغَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِغَسْلِ الْوَجْهِ، وَاسْتِصْحَابِ الْإِمْسَاكِ عَنْ الْمُفْطِرِ فِي جُزْءٍ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ أَنَّهُ وَجَبَ لِنَفْسِهِ، وَحَكَى قَوْلًا أَنَّهُ نَدْبٌ لَا وَاجِبٌ، وَزَيَّفَهُ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ فَلَوْ تَرَكَهُ لَتَعَطَّلَ الْوَاجِبُ، فَمَا مَعْنَى وَصْفِهِ بِالتَّطَوُّعِ؟ وَزَعَمَ الْإِبْيَارِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ فِي " التَّلْخِيصِ " الْخِلَافَ فِيهِ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَزَعَمَ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ السَّبَبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لَكِنْ بِهَذَا صَرَّحَ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ "، فَقَالَ: الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ إنْ كَانَ سَبَبًا كَالرَّمْيِ فِي الْإِصَابَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُسَبَّبِ أَمْرٌ بِالسَّبَبِ فِي الْمَعْنَى، وَعَلَى هَذَا فَإِيجَابُ الْمُسَبَّبِ إيجَابٌ لِسَبَبِهِ، وَإِبَاحَتُهُ إبَاحَةٌ لِسَبَبِهِ، وَحَظْرُهُ حَظْرٌ لِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ؛ لِوُجُودِهِ بِدُونِهِ.
стр. 298
وَإِنْ كَانَ شَرْطًا شَرْعِيًّا كَالْوُضُوءِ، أَوْ غَيْرَ شَرْعِيٍّ كَالْمَشْيِ إلَى عَرَفَاتٍ لِلْوُقُوفِ، فَإِنْ وَرَدَ الْأَمْرُ مُطْلَقًا فَهُوَ فِي الْمَعْنَى أَمْرٌ بِالشَّرْطِ هَذَا بَعْدَ أَنْ تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ ذَلِكَ، وَإِنْ وَرَدَ مَشْرُوطًا بِاتِّفَاقِ حُصُولِ الْمُقَدِّمَةِ فَلَيْسَ أَمْرًا بِالْمُقَدِّمَةِ، كَالْأَمْرِ بِالْحَجِّ بِشَرْطِ الِاسْتِطَاعَةِ. اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا نَقَلَهُ صَاحِبُ " الْمَصَادِرِ " وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَمَا نَقَلَهُ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي أَنَّ إيجَابَ الْمُسَبَّبِ هَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى إيجَابِ السَّبَبِ؟ وَمَحَلُّ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَجَبَ الْمُسَبَّبُ فَقَدْ وَجَبَ السَّبَبُ لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ. وَلِهَذَا قَالَ فِي " الْمُنْتَهَى ": فَإِنَّا لَا نُنْكِرُ وُجُوبَ الْأَسْبَابِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ كَمَا أَنَّ أَسْبَابَ الْحَرَامِ حَرَامٌ، وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ مُطْلَقًا، وَنُسِبَ لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " عَنْ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الشَّرَائِطَ لَهَا صِيَغٌ بِخُصُوصِهَا، وَاخْتِلَافُ الصِّيَغِ يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَصُوغِ لَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّا لَا نُنْكِرُ كَوْنَ الصَّلَاةِ مُقْتَضِيَةً لِلطَّهَارَةِ بِالدَّلَالَةِ، وَإِنَّمَا نُنْكِرُ كَوْنَهُ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ مُقْتَضِيَةً لَهُ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ الصَّلَاةَ بِصِيغَتِهَا تَدُلُّ عَلَى الدُّعَاءِ فَقَطْ، وَمَا زَادَ عَلَى الدُّعَاءِ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ لَا مِنْ جِهَةِ الصِّيغَةِ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ هَلْ نَصِفَهُ الْآنَ بِالنَّدْبِ، لِأَنَّهُ طَرِيقٌ إلَى تَحْصِيلِ أَمْرٍ وَاجِبٍ أَوْ بِالْإِبَاحَةِ؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِي اسْتِحْبَابِ النَّذْرِ أَوْ إبَاحَتِهِ.
стр. 299
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْوَسِيلَةُ سَبَبَ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَيَجِبُ أَوْ شَرْطَهُ فَلَا يَجِبُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ " الْمَصَادِرِ " كَمَا سَبَقَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ وُجُودَ السَّبَبِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُسَبَّبِ بِخِلَافِ الشَّرْطِ. وَالْمَذْهَبُ الرَّابِعُ: إنْ كَانَ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَالْمَذْهَبُ الْخَامِسُ: يَجِبُ الشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ إذَا كَانَ الْفِعْلُ يَتَأَتَّى بِدُونِهِ عَقْلًا أَوْ عَادَةً لَكِنْ الشَّرْعُ جَعَلَهُ شَرْطًا لِلْفِعْلِ كَالْوُضُوءِ وَأَمَّا مَا لَمْ يَتَأَتَّ اسْمُ الْفِعْلِ إلَّا بِهِ عَقْلًا أَوْ عَادَةً كَالْأَمْرِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فِي نَفْسِهِ، وَلَا نُسَمِّيهِ شَرْطًا، إذْ لَا يَتِمُّ عَادَةً غَسْلُ الْوَجْهِ إلَّا بِغَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ، وَبِهَذَا أَجَابَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ، وَابْنُ بَرْهَانٍ وَتَبِعَهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ.
وَالْفَرْقُ: أَنَّ الشَّرْطَ الشَّرْعِيَّ يُمْكِنُ دُخُولُهُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَشْرُوطِ هَاهُنَا كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ بِخِلَافِ غَيْرِ الشَّرْعِيِّ، نَحْوَ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْ الشَّرْعِ نَصٌّ عَلَى إيجَابِهِ بَلْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِغَسْلِ الْوَجْهِ مُطْلَقًا، وَالْعَادَةُ تَقْضِي بِأَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّقَبَةِ، فَبِهَذَا افْتَرَقَ الشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ وَغَيْرُهُ. هَذَا تَحْرِيرُ النَّقْلِ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. الْمَذْهَبُ السَّادِسُ: الْوَقْفُ، أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " إلْزَامًا لِلْوَاقِفِينَ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِشَرْطِ تَحْصِيلِ الْمُقَدِّمَةِ، وَلَا بِأَمْرٍ خِلَافَهُ، فَيَجِبُ الْوَقْفُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنْ كَانَ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ مُلَازِمًا فِي الذِّهْنِ بِحَيْثُ إنَّ الْمُكَلَّفَ حَالَ اسْتِمَاعِ الْأَمْرِ يَنْتَقِلُ ذِهْنُهُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ مُمْتَنِعٌ بِدُونِ الْإِتْيَانِ بِتِلْكَ الْمُقَدِّمَةِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُلَازِمًا، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ عَقْلًا أَوْ شَرْعًا فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ وَاجِبًا مِنْ تِلْكَ
стр. 300
الصِّيغَةِ، بَلْ مِنْ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْأَمْرِ وَالْعَقْلِ، أَوْ مِنْ الْأَمْرِ وَالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيّ مُجَلِّيًا لِعِبَارَةِ الْإِمَامِ: لَيْسَ الْخِلَافُ فِي الْعَادِي كَالْأَمْرِ بِغَسْلِ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِأَجْلِ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يَلْزَمُ قَطْعًا أَيْ مِنْ جِهَةِ الصِّيغَةِ، وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الشَّرَائِطِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ مَا يُؤَوَّلُ إلَى الْمُعْتَادِ.
قَالَ فَالْأَقْسَامُ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: مُتَلَقًّى مِنْ صِيغَةِ الْأَمْرِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَالثَّانِي: مَا ثَبَتَ شَرْطًا فِي الْعِبَادَةِ، وَفِي الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُزْءًا مِنْهُ كَالْوُضُوءِ، فَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ يَتَضَمَّنُ أَمْرًا بِالطَّهَارَةِ، وَكَذَا وَضْعُ الشَّرَائِطِ، وَالثَّالِثُ: مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمْكَانِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودِ الشَّرْعِ لَا مَشْرُوطًا وَلَا شَرْطًا، وَلَكِنَّهُ فِي عِلْمِ الْجِبِلَّةِ يُضَاهِي الشُّرُوطَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا شَرْعِيًّا، وَهَذَا يَلْتَفِتُ عَلَى الِانْتِهَاءِ عَنْ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي مُحَاوِلَةِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ. اهـ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْعَادِيَ لَا يُسَمَّى شَرْطًا وَلَا يَجِبُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ، وَهَذَا هُوَ تَقْرِيرُ قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَزَادَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ إيضَاحًا فَقَالَ: تَحَصَّلْنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ لَا يَتَأَتَّى فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا بِهَا. أَحَدُهَا: مَا كَانَ مِنْ أَبْعَاضِهِ وَأَجْزَائِهِ كَأَجْزَاءِ الصَّلَاةِ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَالْأَمْرُ يَتَنَاوَلُهَا، وَدَلَّ عَلَيْهَا لَفْظًا.
стр. 301
الثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ شَرَائِطِهِ وَأَسْبَابِهِ كَالطَّهَارَةِ، وَالْقِبْلَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَالْأَمْرُ تَنَاوَلَهَا وَدَلَّ عَلَيْهَا مَعْنًى لَا لَفْظًا.
وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ كَأَخْذِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ فِي صَوْمِ الْيَوْمِ، وَأَخْذِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ، فَالْأَمْرُ مَا تَنَاوَلَهُ وَلَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا ثَبَتَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِ الْمَأْمُورِ جِبِلَّةً وَخِلْقَةً. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ: أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْمَأْمُورِ يُتَصَوَّرُ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِدُونِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ شَرَائِطِهِ وَأَسْبَابِهِ لَا يُتَصَوَّرُ إتْيَانُ الْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا إذَا أُتِيَ بِهِ. مِثَالُهُ: أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِي الْوَاحِدِ مِنَّا إدْرَاكَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ حَتَّى تُطْبَقَ النِّيَّةُ عَلَيْهِ صَحَّ صَوْمُهُ، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إمْسَاكُ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَلِذَلِكَ لَوْ قَدَرَ عَلَى غَسْلِ مَا هُوَ الْفَرْضُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ، وَهَكَذَا فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِخِلَافِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ صِحَّةُ الْأَمْرِ إلَّا بِهِ، فَكَانَ الْأَمْرُ دَالًّا عَلَيْهِ مَعْنًى، وَلَمْ يَكُنْ دَالًّا عَلَى الْأَوَّلِ لَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
تَنْبِيهَاتٌ (التَّنْبِيهُ) الْأَوَّلُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ قَدْ تُطْلَبُ فَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ، فَإِنَّ الصُّورَةَ مَفْرُوضَةٌ حَيْثُ دَلَّ الدَّلِيلُ مِنْ خَارِجٍ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ وَحِينَئِذٍ، فَمَا فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ يَشْمَلُهُ الْأَمْرُ بِالْمَشْرُوطِ؟
стр. 302
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: فَائِدَتُهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ الشَّرْطُ تَرَتَّبَ الْفِعْلُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ. هَلْ نَقُولُ: إنَّهُ يُثَابُ عَلَى الْوَاجِبِ وَعَلَى تَحْصِيلِ السَّبَبِ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً لِلْقُرْبَةِ؟ وَهَلْ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ فَقَدْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ فِعْلُ الْوَاجِبِ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْمَقَاصِدَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْوَسَائِلِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ إذَا تُرِكَتْ الْوَسِيلَةُ مَعَ الْمَقَاصِدِ هَلْ يُعَاقَبُ عِقَابَيْنِ عَلَى الْوَسِيلَةِ وَالْمَقْصِدِ؟ وَإِذَا فَعَلَهُمَا هَلْ يُثَابُ ثَوَابَيْنِ عَلَيْهِمَا؟ وَتَعَدُّدُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى التَّوَقُّفِ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ إجْمَاعًا، فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ اللَّهَ يُعَاقِبُ تَارِكَ الْجُمُعَةِ وَتَارِكَ الْحَجِّ عَلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ، وَعَلَى تَرْكِ السَّعْيِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ آمِرًا بِهِمَا مَعَ السُّكُوتِ عَنْ السَّعْيِ؟ وَلَك أَنْ تَقُولَ: تَخْرِيجُ الْعِقَابِ عَلَى ذَلِكَ وَاضِحٌ، وَأَمَّا تَخْرِيجُ الثَّوَابِ، فَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يُثَابَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ حَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ لَهَا إلَّا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ فِي الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى نَظِيرُ فَائِدَةِ الْخِلَافِ فِي خِطَابِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ. وَأَقُولُ: لَهُ فَوَائِدُ فِي الدُّنْيَا: مِنْهَا أُجْرَةُ الْكَيَّالِ عَلَى بَائِعِ الْمَكِيلِ، وَأُجْرَةُ الْوَزَّانِ عَلَى الْمُشْتَرِي لِلثَّمَنِ، وَإِذَا الْتَزَمَ نَقْلَ مَتَاعِهِ إلَى مَكَان فَعَلَيْهِ الظُّرُوفُ، وَإِذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ صَلَّاهَا بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَإِذَا خَفِيَ عَلَيْهِ مَوْضِعُ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ غَسَلَهُ كُلَّهُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْفُرُوعِ الْمُنْتَشِرَةِ الَّتِي تَرَتَّبَ فِيهَا الْوَاجِبُ عَلَى غَيْرِهِ.
стр. 303
وَ (التَّنْبِيهُ) الثَّانِي (وُجُوبُ الشَّرْطِ سَمْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ) إنَّ هَذَا الْوُجُوبَ سَمْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ، فَإِنَّ إيجَابَ الصَّلَاةِ ثَابِتٌ بِخِطَابٍ سَمْعِيٍّ، وَذَلِكَ الْإِيجَابُ مَعَ الْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِ الْوُضُوءِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ الْوُضُوءِ، وَلَا نَعْنِي بِالسَّمْعِ إلَّا هَذَا، وَنَازَعَ صَاحِبُ ' " التَّنْقِيحَاتِ " فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْهُ الْمُعَاقَبَةُ عَلَى التَّرْكِ الَّذِي هُوَ خَاصِّيَّةُ الْوُجُوبِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الِاسْتِلْزَامِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الصَّحِيحُ: أَنَّ الْوَسِيلَةَ فِي الْوَاجِبِ وُجُوبُهَا عَقْلِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ، وَكَذَلِكَ وَسِيلَةُ تَرْكِ الْحَرَامِ.
(التَّنْبِيهُ) الثَّالِثُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ هَلْ هُوَ فِي الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ أَمْ فِي اللِّسَانِيِّ؟ يُحْتَمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَقُومُ بِالذَّاتِ مَعْنَى إيجَابِ الصَّلَاةِ، وَمَعْنَى اشْتِرَاطِ الْوُضُوءِ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ يَسْتَلْزِمَانِ مَعْنًى ثَالِثًا، وَهُوَ إيجَابُ الْوُضُوءِ، وَيُحْتَمَلُ الثَّانِي عَلَى أَنَّ مَجْمُوعَ الْخِطَابَيْنِ يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الصَّلَاةِ الْتِزَامًا، وَلَا يُتَصَوَّرُ دَلَالَتُهُمَا عَلَيْهِ مُطَابِقَةً؛ لِعَدَمِ الْوَضْعِ.
стр. 304
(التَّنْبِيهُ) الرَّابِعُ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمَسْأَلَةِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ؟ فَإِنَّ اخْتِيَارَ الْإِمَامِ، وَالْغَزَالِيِّ أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ وَاجِبَةٌ، وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ لَيْسَ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ. (التَّنْبِيهُ) الْخَامِسُ هَذَا كُلُّهُ فِيمَا هُوَ مُقَدَّمَةٌ وَوَسِيلَةٌ بِأَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ وُجُودُ الْوَاجِبِ إمَّا شَرْعًا، كَالْوُضُوءِ مَعَ الصَّلَاةِ، أَوْ عَقْلًا، كَالسَّيْرِ إلَى الْحَجِّ، وَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لَازِمًا لِفِعْلِ الْوَاجِبِ بِأَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْوَاجِبِ لَا نَفْسُ وُجُودِ الْوَاجِبِ، وَذَلِكَ إمَّا لِالْتِبَاسِ الْوَاجِبِ بِغَيْرِهِ كَالْإِتْيَانِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ إذَا تَرَكَ وَاحِدَةً وَنَسِيَ عَيْنَهَا، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ أَتَى بِالصَّلَاةِ الْمَنْسِيَّةِ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالْإِتْيَانِ بِالْخَمْسِ، وَإِمَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ إلَّا إذَا أَتَى بِغَيْرِهِ [لِتَقَارُبِ] مَا بَيْنَهُمَا بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ حَدٌّ بِفَرْقٍ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ كَسَتْرِ شَيْءٍ مِنْ الرُّكْبَةِ لِسَتْرِ الْفَخِذِ وَغَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ حَدٌّ بِفَرْقٍ، فَالْعِلْمُ بِسَتْرِ جَمِيعِ الْفَخِذِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ إنَّمَا يَحْصُلُ بِشَيْءٍ مِنْ الرُّكْبَةِ لِلتَّقَارُبِ الْمَذْكُورِ.
(التَّنْبِيهُ) السَّادِسُ إنَّمَا تَجِبُ الْمُقَدِّمَةُ حَيْثُ لَمْ يُعَارِضْهَا أَقْوَى مِنْهَا. مِثَالُهُ: يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ كَشْفُ الْوَجْهِ فِي الْإِحْرَامِ، وَجَوَّزُوا لَهَا أَنْ تَسْتُرَ الْقَدْرَ الْيَسِيرَ مِنْهُ الَّذِي يَلِي
стр. 305
الرَّأْسَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالسِّتْرِ إلَّا بِسَتْرِهِ، وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ السِّتْرَ أَحْوَطُ مِنْ الْكَشْفِ. (التَّنْبِيهُ) السَّابِعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَأْمُورِ مِنْ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَتَأَتَّى أَدَاءُ الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي النَّهْيِ، وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْكَفُّ عَنْ الْمَحْظُورِ إلَّا بِالْكَفِّ عَمَّا لَيْسَ بِمَحْظُورٍ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَبَاحِثِ الْمَحْظُورِ.
مَسْأَلَةٌ (الْأَمْرُ بِالصِّفَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمَوْصُوفِ وَاجِبًا وَلَا نَدْبًا) الْأَمْرُ بِالصِّفَةِ إذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمَوْصُوفِ وَاجِبًا وَلَا نَدْبًا، بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مَنْدُوبَةً وَالْمَوْصُوفُ وَاجِبًا، كَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَكُونُ الصِّفَةُ كَالْمَوْصُوفِ مَنْدُوبًا، كَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الْوُجُوبِ كَالْأَمْرِ بِالطُّمَأْنِينَةِ فِي الرُّكُوعِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْمَوْصُوفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْإِتْيَانُ إلَّا بِهِ. قَالَهُ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ ".
[مَسْأَلَةٌ حَقَائِقُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ مُتَبَايِنَةٌ]
ٌ) حَقَائِقُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ مِنْ حَيْثُ تَمَامُهَا مُتَبَايِنَةٌ فَلَا يَجْتَمِعُ شَيْءٌ مِنْهَا مَعَ الْآخَرِ، وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ حُدُودِهَا
стр. 306
وَقَالَ مَنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَبَايُنَ الْحَقَائِقِ: إنَّ إيجَابَ الشَّيْءِ يَقْتَضِي جَوَازَهُ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ الْفُقَهَاءِ وَمُعْظَمِ الْأُصُولِيِّينَ. قَالَ: وَأَنْكَرَ الْقَاضِي إطْلَاقَ هَذَا، وَقَالَ: لَا مَعْنَى لِلْجَوَازِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْوُجُوبِ، إذْ لَا يَحْسُنُ تَسْمِيَةُ الْوُجُوبِ جَوَازًا، وَتَسْمِيَةُ الْوَاجِبِ جَائِزًا، وَالْأَحْكَامِ مَضْبُوطَةً. ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: وَلَا يَتَحَقَّقُ خِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ حَقِيقَةُ الْجَائِزِ أَوْ الْمُبَاحِ حَقِيقَةُ الْوَاجِبِ، وَغَرَضُ الْخَصْمِ أَنَّ مَا يُلَامُ عَلَى تَرْكِهِ وَيَقْتَضِي اللُّزُومَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ مَا يُحَرِّضُ عَلَى فِعْلِهِ أَنْ يَجُوزَ لَك الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ غَيْرَ أَنَّ غَرَضَ الْمُوجِبِ الْإِلْزَامُ، وَالْبَاقِي يَقَعُ ضِمْنًا وَلَكِنْ عَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ وَالْجَوَازِ، وَالْمَحْكِيُّ قَصْرُ الْخِلَافِ عَلَى الْجَوَازِ.
إذَا عَرَفْت هَذَا فَلَوْ ثَبَتَ الْوُجُوبُ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ نُسِخَ الْوُجُوبُ. فَهَلْ يَبْقَى الْجَوَازُ أَمْ لَا؟ ، فِيهِ مَذَاهِبُ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَبْقَى الْجَوَازُ وَاخْتَارَهُ الْبَاجِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَصَاحِبُ " الْمَحْصُولِ " وَتَابَعَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ لِلْأَكْثَرِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى الْحَظْرِ. حَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ وَهُوَ غَرِيبٌ. الثَّالِثُ: يَبْقَى النَّدْبُ حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي " الْمُعْتَمَدِ ". قَالَ: وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَذْهَبُ مَالِكٍ، فَإِنَّ صِيَامَ عَاشُورَاءَ لَمَّا نُسِخَ بَقِيَ صِيَامُهُ مُسْتَحَبًّا، وَلَمَّا نُسِخَ فَرْضُ قِيَامِ اللَّيْلِ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بَقِيَ مُسْتَحَبًّا، وَكَذَلِكَ الضِّيَافَةُ كَانَتْ وَاجِبَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ كُلُّ حَقٍّ كَانَ فِي الْمَالِ بِالزَّكَاةِ، وَبَقِيَ
стр. 307
ذَلِكَ كُلُّهُ مُسْتَحَبًّا، فَيَجُوزُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يُحْتَجَّ بِالْآثَارِ الْمَنْسُوخَةِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَعَلَى الْجَوَازِ. قَالَ: هَكَذَا حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ: وَصَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ فِي " الْمُسْتَصْفَى " وَابْنِ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ ": أَنَّهُ لَمْ يَصِرْ إلَى النَّدْبِ أَحَدٌ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ إذَا نُسِخَ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَثْبُتْ نَدْبٌ وَلَا إبَاحَةٌ إلَّا بِدَلِيلٍ حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ، قَالَ: وَمَنَعُوا أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ فَضْلًا عَنْ النَّدْبِ، وَالْخَامِسُ: لَا تَبْقَى الْإِبَاحَةُ الَّتِي تَثْبُتُ فِي ضِمْنِ الْوُجُوبِ بَلْ يَرْجِعُ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ تَحْرِيمٍ أَوْ إبَاحَةٍ، وَصَارَ الْوُجُوبُ بِالنَّسْخِ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَابْنُ بَرْهَانٍ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيِّ.
قَالَ: إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ أَيْضًا. قَالَ: وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ يَبْقَى الْجَوَازُ لَسَاغَ أَنْ يُقَالَ: يَبْقَى النَّدْبُ، لَا سِيَّمَا وَالِاقْتِضَاءُ كَائِنٌ فِي النَّدْبِ كَمَا أَنَّهُ كَائِنٌ فِي الْوُجُوبِ، وَاحْتَجَّ لَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُمَا بِأَنَّ الْأَمْرَ مَوْضُوعٌ لِلْوُجُوبِ، وَالْجَوَازُ إنَّمَا دَخَلَ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا وَيَمْتَنِعُ فِعْلُهُ، وَإِذَا انْتَفَى اللَّفْظُ فَلَا يَبْقَى مَا كَانَ فِي ضِمْنِهِ.
стр. 308
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: إنَّهُ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ مَشَايِخِهِمْ. قَالَ: وَبَنَوْا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ قَوْلَهُ ﷺ : «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ لْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» ، فَإِنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ تُوجِبُ التَّكْفِيرَ سَابِقٌ عَلَى الْحِنْثِ، وَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، فَبَقِيَ الْجَوَازُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَنَا. ثُمَّ الْقَائِلُونَ بِبَقَاءِ الْجَوَازِ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِهِ، هَلْ هُوَ عَدَمُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ فَقَطْ، أَوْ رَفْعُهُ عَنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ؟ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا: عِنْدَ التَّحْقِيقِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْحَرَجِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مَا تَسَاوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَهُوَ جُزْءُ مَاهِيَّةِ الْوُجُوبِ، فَإِذَا ارْتَفَعَ قَيْدُ الْمَنْعِ مِنْ التَّرْكِ بَقِيَ الْجَوَازُ قَطْعًا، وَالثَّانِي لَيْسَ جُزْءَ مَاهِيَّةِ الْوُجُوبِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ارْتِفَاعِ قَيْدِ الْمَنْعِ مِنْ التَّرْكِ بَقَاءُ التَّسَاوِي. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُفْرَضَ الْخِلَافُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قِيلَ: أَوْجَبْت عَلَيْك الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ، ثُمَّ قَالَ: نَسَخْت الْوُجُوبَ، هَلْ يُبَاحُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِعْلِ أَمْ لَا؟ . وَكَلَامُ الْغَزَالِيِّ فِي " الْمُسْتَصْفَى " صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَوَازِ مَعْنَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ
стр. 309
شَرْعًا، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: حَقِيقَةُ الْجَوَازِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَالتَّسَاوِي بَيْنَهُمَا بِتَسْوِيَةِ الشَّارِعِ.
وَقَالَ ابْنُ التِّلِمْسَانِيِّ: أَكْثَرُهُمْ يَجْعَلُ الْخِلَافَ لَفْظِيًّا، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْغَزَالِيَّ عَنَى بِالْجَوَازِ الَّذِي لَا يَبْقَى بَعْدَ رَفْعِ الْوُجُوبِ التَّخْيِيرَ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ لَيْسَ جُزْءًا لِلْوَاجِبِ بَلْ هُوَ قَسِيمُهُ وَمُقَابِلُهُ، وَمَنْ قَالَ يَبْقَى، لَمْ يَعْنِ بِالْجَوَازِ الْجُزْءَ بَلْ عَنَى بِهِ رَفْعَ الْحَرَجِ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْوَاجِبِ. قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الرَّازِيَّ يَقُولُ: يَبْقَى الْجَوَازُ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ. قَالَ: وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ، وَأَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ التِّلِمْسَانِيُّ لَيْسَ بِحَقٍّ، وَقَالَ الْقَرَافِيِّ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ بِمَعْنَى مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، قَالَ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: أَنْ يَرِدَ الْأَمْرُ ثُمَّ يَقُولُ الْآمِرُ: رَفَعْت الْوُجُوبَ فَقَطْ. أَمَّا إنْ نُسِخَ الْأَمْرُ بِالتَّحْرِيمِ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ قَطْعًا، أَوْ قَالَ رَفَعْت جُمْلَةَ مَا دَلَّ الْأَمْرُ السَّابِقُ مِنْ جَوَازٍ وَغَيْرِهِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْجَوَازِ قَطْعًا.
قُلْت: الْغَزَالِيُّ مُنَازِعٌ فِي أَصْلِ بَقَاءِ الْجَوَازِ؛ لِقَوْلِهِ: إنَّ الْحَالَ يَعُودُ إلَى مَا قَبْلُ مِنْ تَحْرِيمٍ أَوْ إبَاحَةٍ، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا كَانَ الْحَالُ قَبْلَ الْوُجُوبِ تَحْرِيمًا، فَعِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ يَكُونُ الْفِعْلُ الْآنَ مُحَرَّمًا كَمَا كَانَ أَوْ لَا، وَعِنْدَ الْأَوَّلَيْنِ أَنَّ مُطْلَقَ الْجَوَازِ الَّذِي كَانَ دَاخِلًا فِي ضِمْنِ الْوُجُوبِ بَاقٍ يُصَادِمُ مَا دَلَّ عَلَى التَّحْرِيمِ، فَالْخِلَافُ مَمْنُوعٌ قَطْعًا.
стр. 310
وَلِلْمَسْأَلَةِ الْتِفَاتٌ إلَى بَحْثٍ عَقْلِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْفَصْلَ عِلَّةٌ لِوُجُودِ حِصَّةِ النَّوْعِ مِنْ الْجِنْسِ، وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْفَصْلِ عَدَمُ حِصَّةِ النَّوْعِ مِنْ الْجِنْسِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْعِلَّةِ عَدَمُ الْمَعْلُولِ، وَابْنُ سِينَا هُوَ الْقَائِلُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَالرَّازِيَّ يُخَالِفُهُ فِيهَا، وَيَقُولُ: ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَإِلَى بَحْثٍ أُصُولِيٍّ، وَهُوَ أَنَّ الْمُبَاحَ هَلْ هُوَ جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ، وَالْجَائِزُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ أَمْ لَا؟ وَالْمُرَادُ بِالْمَعْنَى الْأَخَصِّ مَا لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ جَوَازِ تَرْكِهِ، وَبِالْأَهَمِّ مَا لِفَاعِلِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، وَلِهَذَا قَدَّمْت ذِكْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَيْهَا.
وَعَبَّرَ عَنْهَا شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي كِتَابِهِ بِأَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ هَلْ يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الْأَدَاءِ، أَمْ لَا؟ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّ مَنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ مَأْمُورٌ بِالْأَدَاءِ شَرْعًا، وَلَا يَكُونُ الْمُؤَدَّى جَائِزًا، وَعَبَّرَ عَنْهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى تِلْمِيذُ الْغَزَالِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمُحِيطِ " بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: هَلْ الْفَرْضُ دَاخِلٌ فِي جِنْسِ النَّفْلِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ نَفْلٌ وَزِيَادَةٌ أَوْ هُمَا نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ؟ خِلَافٌ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ مَا إذَا قَامَ عَنْ السُّجُودِ نَاسِيًا، وَقَصَدَ الِاسْتِرَاحَةَ، فَإِنْ قُلْنَا: النَّفَلُ دَاخِلٌ فِي حَقِيقَةِ الْفَرْضِ فَلَمْ تَكُنْ الِاسْتِرَاحَةُ فِيهِ مُنَاقِضَةً لِنِيَّةِ الْفَرْضِ الْبَاقِيَةِ كُلِّهَا، بَلْ تَعَرَّضَتْ لِبَعْضِهَا فَصَحَّتْ الْجِلْسَةُ عَنْ الْفَرْضِ بِالنِّسْبَةِ الْحُكْمِيَّةِ، وَإِنْ جَعَلْنَا النَّفَلَ غَيْرَ الْفَرْضِ فَلَمْ يُجْزِ عَنْ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ. انْتَهَى.
وَيَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ الْمَسَائِلُ الْمَعْدُودَةُ فِي إقَامَةِ النَّفْلِ مَقَامَ الْفَرْضِ كَاللُّمْعَةِ وَغَيْرِهَا.
стр. 311
تَنْبِيهٌ) إذَا سَقَطَ الْأَمْرُ بِالنَّسْخِ، وَقُلْنَا: إنَّهُ سَقَطَ الْجَوَازُ فَإِلَى مَاذَا يَرْجِعُ حُكْمُهُ؟ قِيلَ: إلَى مَا قَبْلَ الْوُجُوبِ مِنْ تَحْرِيمٍ أَوْ إبَاحَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فِيهِمَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَرْجِعُ إلَى حُكْمِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ. هَلْ هِيَ عَلَى الْوَقْفِ أَوْ الْحَظْرِ أَوْ الْإِبَاحَةِ؟ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا أَوْلَى مِنْ ذِكْرِهَا فِي النَّسْخِ؛ لِأَنَّهُ نَظَرٌ فِي حَقِيقَةِ الْجَوَازِ لَا فِي حَقِيقَةِ النَّسْخِ.
[قَاعِدَةٌ تَجْمَعُ مَسَائِلَ جَائِزُ التَّرْكِ مُطْلَقًا]
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الزِّيَادَةُ عَلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ]
قَاعِدَةٌ تَجْمَعُ مَسَائِلَ جَائِزُ التَّرْكِ مُطْلَقًا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَتَجَوَّزْنَا بِمُطْلَقًا عَنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَالْمُوَسَّعِ وَالْمُخَيَّرِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ: (الْمَسْأَلَةُ) الْأُولَى (الزِّيَادَةُ عَلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ) أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى أَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ فِيمَا لَا يَتَقَدَّرُ بِمُعَيَّنٍ، كَمَسْحِ الرَّأْسِ، وَتَطْوِيلِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَأُلْحِقَ بِهَا إمْسَاكُ بَعْضِ اللَّيْلِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ إذَا لَمْ نُوجِبْهُ، كَمَا حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " عَنْ مُعْظَمِ الْعُلَمَاءِ، وَنَصَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ " وَالْإِمَامُ فِي " الْمَحْصُولِ "، وَغَيْرُهُمْ.
стр. 312
وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي " الْمَطْلَبِ " فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: إنَّهُ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: الْكُلُّ وَاجِبٌ إذْ لَيْسَ بَعْضٌ أَوْلَى، فَكَانَ الْكُلُّ وَاجِبًا، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ، كَمَا نَقَلَهُ فِي " الْبَحْرِ " عَنْهُ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ، فِيمَا إذَا أَوْصَى بِوَضْعِ بَعْضِ النُّجُومِ، وَيُحْكَى عَنْ الْكَرْخِيِّ وَنَسَبَهُ صَاحِبُ " الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ " إلَى الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ، وَقَالَ: حَتَّى قَالُوا: إنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُطْلَبُ مِنْ الصَّبِيِّ حَتْمًا، وَلَوْ أَتَى بِهِ وَقَعَ وَاجِبًا، وَعَلَى هَذَا فَوَصْفُهُ بِالِاسْتِحْبَابِ قَبْلَ الْإِيقَاعِ، أَمَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ فَيَقَعُ فَرْضًا. وَقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ حُكْمَ مَسْحِ الْبَعْضِ الْمُجْزِئِ حُكْمُ خِصَالِ " الْكَفَّارَةِ " فَأَيُّ خَصْلَةٍ فَعَلَهَا حُكِمَ بِأَنَّهَا الْوَاجِبُ.
قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي " الْمَطْلَبِ ": وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، لِأَنَّا لَا نَعْرِفُ أَحَدًا قَالَ فِيمَا إذَا صَلَّى مُنْفَرِدًا، ثُمَّ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ فَرْضًا فِي جَمَاعَةٍ، وَقُلْنَا: الثَّانِيَةُ هِيَ الْفَرْضُ: إنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَحَدُ الظُّهْرَيْنِ عَلَى التَّخْيِيرِ كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَعْضِ أَجْزَأَهُ، فَالزَّائِدُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَسْحِ الرَّأْسِ، وَسُبُعُ الْبَدَنَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ وَإِلَّا فَالْكُلُّ فَرْضٌ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ بَعِيرًا عَنْ الشَّاةِ فِي الْخُمُسِ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى خُمُسِ بَعِيرٍ فَقَطْ لَمْ يُجْزِئْهُ قَطْعًا، وَادَّعَى النَّوَوِيُّ فِي مَوْضِعٍ مِنْ " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا عَلَى تَصْحِيحِهِ.
قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَنَا مَا تَتَنَاوَلُهُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ، وَعِنْدُهُمْ تَتَنَاوَلُهَا. قُلْت: وَعَقَدَ سُلَيْمٌ فِي " التَّقْرِيبِ " مَسْأَلَةَ الْأَمْرِ بِفِعْلِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي
стр. 313
وُجُوبَ أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ. قَالَ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ: يَقْتَضِي وُجُوبَ الْأَكْثَرِ وَزَيَّفَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَمَرَ بِشَيْءٍ فَلَزِمَهُ أَدْنَى مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَزَادَ عَلَيْهِ، فَالزِّيَادَةُ تَطَوُّعٌ، وَعَنْ الْكَرْخِيِّ أَنَّ الْجَمِيعَ وَاجِبٌ. اهـ. فَجَعَلَ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ مُفَرَّعًا عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ أَدْنَى الِاسْمِ.
تَنْبِيهَاتٌ (التَّنْبِيهُ) الْأَوَّلُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْخِلَافُ يُتَّجَهُ فِيمَا وَقَعَ مُتَعَاقِبًا كَالطُّمَأْنِينَةِ وَالْقِيَامِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ بِجُمْلَتِهِ مَعًا، وَلَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ بِالْإِشَارَةِ [وَالتَّعْبِيرِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: قَدْرُ الْأَصْلِ] مِنْهُ وَاجِبٌ، وَالْبَاقِي نَدْبٌ. قُلْت: وَقَدْ حَكَوْا طَرِيقَيْنِ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ. هَلْ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْجَمِيعُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، حَتَّى إذَا وَقَعَ مُرَتَّبًا يَكُونُ نَفْلًا جَزْمًا أَمْ الْخِلَافُ فِي الصُّورَتَيْنِ؟ وَالصَّحِيحُ: الثَّانِي. كَذَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ". لَكِنْ الْأَقْوَى الْأَوَّلُ، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
(التَّنْبِيهُ) الثَّانِي زَعَمَ السُّهْرَوَرْدِيّ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ يَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ الْوُجُوبِ بِمَاذَا؟ وَالْحَقُّ: أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ وَلِلْخِلَافِ فَوَائِدُ:
стр. 314
مِنْهَا: زِيَادَةُ الثَّوَابِ فَإِنَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ أَعْظَمُ مِنْ ثَوَابِ النَّفْلِ، وَمِنْهَا: إذَا مَسَحَ عَلَى شَعْرٍ ثُمَّ حَلَقَ بَعْضَهُ. فَإِنَّ مَنْ يَرَى أَنَّهُ إذَا حُلِقَ كُلُّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ، قَدْ يَقُولُ: إذَا قُلْنَا: الْكُلُّ وَاجِبٌ لَزِمَهُ إعَادَةُ الْمَسْحِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي حَلَقَهُ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُ بِفِعْلِهَا يَكُونُ مُعَيِّنًا لِوُجُوبِهَا، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ إذَا فُعِلَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ ثُمَّ فَسَدَ أَوْ أُفْسِدَ، ثُمَّ أَتَى بِهِ فِي بَقِيَّةِ الْوَقْتِ يَكُونُ قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ تَعَيَّنَ. قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ.
(التَّنْبِيهُ) الثَّالِثُ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي " الْإِفَادَةِ ": الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي زَائِدٍ يُمْكِنُ انْفِكَاكُ الْوَاجِبِ مِنْهُ أَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ تَبَعًا غَيْرَ مَقْصُودٍ يَعْنِي، بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتَنَاوَلُ مَا هَذِهِ صِفَتُهُ مَعَ كَوْنِهِ ضِدَّ الْمُوجِبِ الْآخَرِ، كَإِمْسَاكِ جُزْءٍ مِنْ اللَّيْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَلَأَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مَعَ جِنْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَوْلَى، وَحَاصِلُهُ: تَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِمَا إذَا أَمْكَنَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَصْلِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِفِعْلِ الْكُلِّ، فَالْكُلُّ وَاجِبٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَهَذَا كَمَا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِذَا انْكَسَرَ مُدٌّ صَامَ، يَوْمًا كَامِلًا لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَتَبَعَّضُ، وَيَقَعُ فَرْضًا قَطْعًا وَكَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ فِي " النِّهَايَةِ " فِيمَا لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَاعْتَكَفَ أَقْصَرَ الْأَيَّامِ أَجْزَأَهُ أَوْ أَطْوَلَ الْأَيَّامِ وَقَعَ الْجَمِيعُ فَرْضًا. أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَخْرِيجٍ عَلَى الْخِلَافِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ]
[الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ [الصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ] قَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ
стр. 315
مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ لَهُمْ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٤] . وَنَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي " الْقَوَاطِعِ "، فَقَالَ: ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ الَّذِينَ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ، كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، أَوْ مَنْ لَا يَجُوزُ لَهُ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، أَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، وَيَأْتُونَ بِهِ عِنْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ وَهُوَ قَضَاءٌ، وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمَرِيضِ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ. قَالَ: وَالْقَوْلُ بِإِيجَابِهِ عَلَى الْحَائِضِ مُشْكِلٌ جِدًّا، ثُمَّ وَجَّهَهُ، وَقَالَ فِي " الْمُسْتَصْفَى ": فِي الْمُسَافِرِ مَذْهَبَانِ ضَعِيفَانِ. أَحَدُهُمَا: مَذْهَبُ الظَّاهِرِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ فِي سَفَرٍ، وَالثَّانِي: مَذْهَبُ الْكَرْخِيِّ: أَنَّ الْوَاجِبَ أَيَّامٌ أُخَرٌ، وَلَكِنْ لَوْ صَامَ رَمَضَانَ صَحَّ وَكَانَ مُعَجِّلًا لِلْوَاجِبِ، كَتَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ، وَهُوَ فَاسِدٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ لَا تُفْهِمُ إلَّا الرُّخْصَةَ فِي التَّأْخِيرِ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ صَوْمُ أَحَدِ الشَّهْرَيْنِ إمَّا شَهْرُ الْأَمْرِ أَوْ شَهْرُ الْقَضَاءِ وَأَيٌّ مَا صَامَ كَانَ أَصْلًا، كَالْأَنْوَاعِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ، وَنَقَلَهُ سُلَيْمٌ عَنْ الْأَشْعَرِيَّةِ. قَالَ: وَقَالُوا فِي الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ كَقَوْلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَعَ الْعُذْرِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ: اخْتَلَفُوا فِي الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ
стр. 316
وَالْحَائِضِ الَّذِينَ لَا يَلْزَمُهُمْ فِعْلُ الصَّوْمِ فِي الْحَالِ لِأَجْلِ عُذْرِهِمْ. هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ؟ فَمَذْهَبُنَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ فِي الْحَالِ إلَّا أَنَّهُمْ يَجُوزُ لَهُمْ تَأْخِيرُهُ إلَى أَنْ يَزُولَ الْعُذْرُ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسَافِرِ فِي الْحَالِ دُونَ الْمَرِيضِ. قَالُوا: وَأَمَّا الْحَائِضُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الصَّوْمُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ بِدْعَةٌ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيُّ فِي " الْفُرُوقِ ": وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ: إنَّ الْمُسَافِرَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ فَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ الْوَاجِبَ غَيْرُ كَوْنِهِ وَاجِبًا. فَلَا يُتَصَوَّرُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمُبَاحٍ، بَلْ الْعِبَارَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَ فِعْلِ الصَّوْمِ وَبَيْنَ فِعْلِ الْعَزْمِ عَلَى قَضَائِهِ، فَيَكُونُ الْعَزْمُ بَدَلًا عَنْ الصَّوْمِ مِنْ الْوَقْتِ، وَحَاصِلُهُ: الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ، وَأَمَّا الْحَائِضُ فَفِي وُجُوبِهِ عَلَيْهَا وَجْهَانِ. صَحَّحَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ الْوُجُوبَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ، وَنَقَلَ عَنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَّا وَمِنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهَا لَا تُخَاطَبُ بِهِ، وَهُوَ الَّذِي نَصَرَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي " الرَّوْضَةِ ": إنَّهُ الْأَصَحُّ، إذْ الْقَضَاءُ لَا يَجِبُ إلَّا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ. قُلْت: وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ "، فَقَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ التَّكْلِيفَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَالِغِينَ.
стр. 317
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَكَذَا التَّنْزِيلُ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الْبَالِغِينَ الْعَالِمِينَ دُونَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَمَنْ بَلَغَ مِمَّنْ غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ مِنْ ذَوِي الْحَيْضِ فِي أَيَّامِ حَيْضِهِنَّ. هَذَا لَفْظُهُ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ: إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهَا مُكَلَّفَةً بِتَقْدِيرِ زَوَالِ الْمَانِعِ فَحَقٌّ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالْإِتْيَانِ بِالصَّوْمِ حَالَةَ الْحَيْضِ فَبَاطِلٌ، وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَيْضًا، وَقِيلَ: بَلْ يَظْهَرُ فِي النِّيَّةِ إذَا قُلْنَا: يَجِبُ التَّعَرُّضُ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ. وَحَكَى إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ وُجُوبَهُ عَلَيْهَا بِمَعْنَى تَرَتُّبِهِ فِي ذِمَّتِهَا لَا وُجُوبِ أَدَائِهِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى مَا تُؤَدِّيهِ بَعْدَ الْحَيْضِ قَضَاءً، وَرَأَيْت مَنْ يَحْكِي ذَلِكَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَحِينَئِذٍ فَيَصِيرُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْوُجُوبِ لَا يَعْنِي غَيْرَ ذَلِكَ، فَبَقِيَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ قَبْلَ الطُّهْرِ أَمْ لَا؟ وَنَظِيرُ هَذَا، أَنَّ الدَّيْنَ الْمُؤَجَّلَ هَلْ يُوصَفُ قَبْلَ الْحُلُولِ بِالْوُجُوبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ عَنْ الْقَفَّالِ فِي بَابِ الدَّعَاوَى.
وَفَرَّعَ عَلَيْهِمَا مَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَيْنًا مُؤَجَّلًا قَبْلَ الْمَحِلِّ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الْجَوَابِ: لَا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ إلَيْك الْآنَ وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَهَلْ يَقُولُ لَا شَيْءَ عَلَيَّ مُطْلَقًا؟ قَالَ الْقَفَّالُ: فِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى هَذَا. قُلْت: وَالْمَسْأَلَةُ إنَّمَا تُتَصَوَّرُ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ فِي صِحَّةِ سَمَاعِ الدَّعْوَى بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ كَمَا حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ " التَّدْبِيرِ ": أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ، إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا إلْزَامٌ وَمُطَالَبَةٌ فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا.
стр. 318
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ]
ِ قَالَ الْكَعْبِيُّ: الْمُبَاحُ مَأْمُورٌ بِهِ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ تَرْكُ الْحَرَامِ وَهُوَ وَاجِبٌ، فَالْمُبَاحُ وَاجِبٌ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَحْثِ الْمُبَاحِ.
стр. 319
[فَصْلٌ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ]
ِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي تَعْرِيفِهِ: كُلُّ مُهِمٍّ دِينِيٍّ يُرَادُ حُصُولُهُ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ عَيْنُ مَنْ يَتَوَلَّاهُ. فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ فَرْضُ الْعَيْنِ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وُقُوعُ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى فَاعِلِهِ، بِخِلَافِ فَرْضِ الْعَيْنِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْفَاعِلُ، وَجَعَلَهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، لَكِنْ الْحَقُّ: أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَنْقَطِعُ النَّظَرُ عَنْ فَاعِلِهِ بِدَلِيلِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. نَعَمْ لَيْسَ الْفَاعِلُ فِيهِ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ بَلْ بِالْعَرَضِ، إذْ لَا بُدَّ لِكُلِّ فِعْلٍ مِنْ فَاعِلٍ، وَالْقَصْدُ بِالذَّاتِ وُقُوعُ الْفِعْلِ، وَقَوْلُهُ: " دِينِيٍّ " بَنَاهُ عَلَى رَأْيِهِ أَنَّ الْحِرَفَ وَالصِّنَاعَاتِ وَمَا بِهِ قِوَامُ الْمَعَاشِ لَيْسَ مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَسِيطِ " تَبِعَا لِإِمَامِهِ. لَكِنْ الصَّحِيحُ خِلَافُهُ، وَلِهَذَا لَوْ تَرَكُوهُ أَثِمُوا، وَمَا حَرُمَ تَرْكُهُ وَجَبَ فِعْلُهُ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
стр. 320
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يُبَايِنُ فَرْضَ الْعَيْنِ]
ِ) فَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يُبَايِنُ فَرْضَ الْعَيْنِ بِالْجِنْسِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، بَلْ يُبَايِنُهُ بِالنَّوْعِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْأَوَّلَ شَمِلَ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ، وَالثَّانِيَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ تَأْثِيمِ الْجَمِيعِ عِنْدَ التَّرْكِ لَكِنَّهُ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، فَالْوُجُوبُ صَادِقٌ عَلَيْهِمَا بِالتَّوَاطُؤِ لَا بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَلْ يَتَعَلَّقُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ]
(الْمَسْأَلَةُ) الثَّانِيَةُ (هَلْ يَتَعَلَّقُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ؟) اخْتَلَفُوا هَلْ يَتَعَلَّقُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ يَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؟ . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِتَعَذُّرِ خِطَابِ الْمَجْهُولِ بِخِلَافِ خِطَابِ الْمُعَيَّنِ بِالشَّيْءِ الْمَجْهُولِ، فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ كَالْكَفَّارَةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ " الْأُمِّ ": مِنْهَا قَوْلُهُ: حَقٌّ عَلَى النَّاسِ غُسْلُ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ، لَا يَسَعُ عَامَّتَهُمْ تَرْكُهُ، وَإِذَا قَامَ مِنْهُمْ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ أَجْزَأَهُ عَنْهُمْ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - وَهُوَ كَالْجِهَادِ عَلَيْهِمْ حَقٌّ أَنْ لَا يَدَعُوهُ، وَإِذَا انْتَدَبَ مِنْهُمْ مَنْ يَكْفِي النَّاحِيَةَ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْجِهَادُ أَجْزَأَ عَنْهُمْ، وَالْفَضْلُ لِأَهْلِ الْوِلَايَةِ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ التَّخَلُّفِ عَنْهُمْ.
следующие страницы →