Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
هُنَا مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ اللَّامِ وَالْبَاءِ قَائِمَةٌ عَلَى التَّعْلِيلِ ظَاهِرَةٌ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا فِي اللَّامِ حَقِيقَةً وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي نُكَتِهِ: الْبَاءُ دُونَ اللَّامِ فِي الْعِلِّيَّةِ، لِأَنَّ مَحَامِلَ اللَّامِ أَقَلُّ مِنْ مَحَامِلِ الْبَاءِ. وَاللَّامُ وَإِنْ جَاءَتْ لِلِاخْتِصَاصِ فَالتَّعْلِيلُ لَا يَخْلُو عَنْ الِاخْتِصَاصِ فَكَانَتْ دَلَالَةُ اللَّامِ أَخَصَّ بِالْعِلَّةِ.
السَّادِسُ - الْفَاءُ: إذَا عُلِّقَ بِهَا الْحُكْمُ عَلَى الْوَصْفِ وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَأَخُّرِهَا وَهِيَ نَوْعَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مُتَقَدِّمًا. كَقَوْلِهِ ﵊ فِي الْمُحْرِمِ وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» .
وَالثَّانِي: أَنْ تَدْخُلَ عَلَى الْحُكْمِ وَتَكُونَ الْعِلَّةُ مُتَقَدِّمَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] . ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] . . . فَالْفَاءُ لِلْجَزَاءِ، وَالْجَزَاءُ مُسْتَحَقٌّ بِالْمَذْكُورِ السَّابِقِ، وَهُوَ السَّرِقَةُ مَثَلًا، لِأَنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوهُ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ظَاهِرُ الْخِطَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مِنْ قِيَامِ الْوَلِيِّ بِالْإِمْلَاءِ أَنَّ مُوَلِّيَهُ لَا يَسْتَطِيعُهُ، فَصَارَ ذَلِكَ مُوجِبًا قِيَامَ الْوَلِيِّ بِكُلِّ مَا عَجَزَ عَنْهُ مُوَلِّيهِ ضَرُورَةَ طَرْدِ الْعِلَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي الْإِشْعَارِ بِالْعِلَّةِ أَقْوَى مِنْ عَكْسِهِ، يَعْنِي: لِقُوَّةِ إشْعَارِ الْعِلَّةِ بِالْمَعْلُولِ، لِوُجُوبِ الطَّرْدِ فِي الْعِلَلِ دُونَ الْعَكْسِ، وَنَازَعَهُ النَّقْشَوَانِيُّ. وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدْخُلَ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إمَّا فِي الْوَصْفِ، كَالْحَدِيثِ السَّابِقِ، أَوْ فِي الْحُكْمِ، كَالْآيَاتِ السَّابِقَةِ.
стр. 2837
وَالثَّانِي: أَنْ يَدْخُلَ فِي كَلَامِ الرَّاوِي، كَقَوْلِهِ: سَهَا فَسَجَدَ، وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ. وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الرَّاوِي الْفَقِيهُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْهَمْ لَمْ يُعَاقَبْ.
قِيلَ: وَالْفَاءُ إذَا امْتَنَعَ كَوْنُهَا لِلْعَطْفِ تَعَيَّنَ لِلسَّبَبِ. وَالْمَانِعُ لِلْعَطْفِ أَنَّهَا مَتَى قُدِّرَتْ لَهُ الْوَاوُ اخْتَلَّ الْكَلَامُ، كَقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَاطِفَةً بِمَعْنَى الْوَاوِ لَتَضَمَّنَتْ الْجُمْلَةُ مَعْنَى الشَّرْطِ بِلَا جَوَابٍ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى حَصْرِ الْفَاءِ لِلتَّعْلِيلِ وَالْعَطْفِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ هِيَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ جَوَابٌ، أَيْ رَابِطَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَجَوَابِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْأَوَّلِ شَرْطًا كَوْنُهُ عِلَّةً.
وَقَدْ جَعَلَ فِي الْمَحْصُولِ - تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ - الْبَاءَ وَالْفَاءَ مِنْ صَرَائِحِ التَّعْلِيلِ، ثُمَّ خَالَفَ الرَّازِيَّ فِي رِسَالَتِهِ الْبَهَائِيَّةِ وَرَدَّ عَلَى الْغَزَالِيِّ وَقَالَ: الْبَاءُ قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِغَيْرِ التَّعْلِيلِ، وَمِنْهُ: بِاسْمِ اللَّهِ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ لَا لِلتَّعْلِيلِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ مِنْ النَّحْوِيِّينَ: الْفَاءُ إنَّمَا يَكُونُ فِيهَا إيمَاءٌ إلَى الْعِلَّةِ إذَا كَانَ الْمُبْتَدَأُ اسْمًا مَوْصُولًا بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ أَوْ نَكِرَةٍ مَوْصُوفَةٍ:
فَالِاسْمُ الْمَوْصُولُ نَحْوُ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ وقَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] فَمَا بَعْدَ الْفَاءِ، مِنْ حُصُولِ الْأَجْرِ، وَنَفْيِ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ، مُسْتَحَقٌّ بِمَا قَبْلَهَا، مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى ذَلِكَ الْوَصْفِ. وَيَجْرِي مَجْرَى " الَّذِي " الْأَلِفُ وَاللَّامُ إذَا وُصِلَتْ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] . . .، وَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] . . .، أَيْ: لِسَرِقَتِهِمَا وَلِزِنَاهُمَا. فَاسْتِحْقَاقُ
стр. 2838
الْقَطْعِ وَالْجَلْدِ إنَّمَا كَانَ لِلسَّرِقَةِ وَالزِّنَى لَا لِغَيْرِهِمَا، وَلَوْلَا الْفَاءُ جَازَ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا.
وَالنَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ نَحْوُ: كُلُّ إنْسَانٍ يَفْعَلُ كَذَا فَلَهُ دِرْهَمٌ، فَيَدُلُّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الدِّرْهَمِ بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِذَا لَمْ تَدْخُلْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ، وَجَازَ أَنْ يَكُونَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ، لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى الشَّرْطِ، إذًا الْمَعْنَى: إنْ يَأْتِنِي رَجُلٌ فَلَهُ دِرْهَمٌ.
وَالشَّرْطُ سَبَبٌ فِي الْجَزَاءِ وَعِلَّةٌ لَهُ، وَلِهَذَا دَخَلَتْ الْفَاءُ، لِأَنَّهَا لِلتَّعْقِيبِ، وَالْمُسَبَّبُ فِي الرُّتْبَةِ عَقِبَ السَّبَبِ، فَكَانَ فِي دُخُولِهَا إيمَاءٌ إلَى الْعِلَّةِ، وَإِذَا حُذِفَتْ لَمْ يَقْتَضِ اللَّفْظُ أَنْ يَكُونَ الدِّرْهَمُ مُسْتَحَقًّا بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدِّمِ، بَلْ بِهِ وَبِغَيْرِهِ لِعَدَمِ الْفَاءِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ. وَهُنَا أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دُخُولَ فَاءِ التَّعْقِيبِ عَلَى الْمَعْلُومِ وَاضِحٌ، لِوُجُوبِ تَأَخُّرِهِ عَنْ الْعِلَّةِ. وَأَمَّا دُخُولُهَا عَلَى الْعِلَّةِ نَحْوُ (فَإِنَّهُ يَبْعَثُ) فَوَجْهُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِبَةَ لَهَا تَقَدُّمٌ فِي الذِّهْنِ وَتَأَخُّرٌ فِي الْوُجُودِ، كَمَا تَقُولُ: أَكَلَ فَشَبِعَ، فَالشِّبَعُ مُتَأَخِّرٌ فِي الْوُجُودِ مُتَقَدِّمٌ فِي الذِّهْنِ.
وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِفَادَةِ التَّعْلِيلِ مِنْ الْفَاءِ بِتَرْتِيبِ الْوُضُوءِ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَتْ لِلتَّعْلِيلِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ عِلَّةَ الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ، بَلْ عِلَّةُ وُجُوبِ الْوُضُوءِ وُجُودُ الْحَدَثِ. وَلَقَدْ اعْتَاصَ الْجَوَابُ عَلَى الْغَزَالِيِّ حَتَّى انْتَهَى فِيهِ إلَى الْإِسْهَابِ. وَجَوَابُهُ يُعْلَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يَتَقَدَّمُ تَصَوُّرُهَا وَإِلَى مَا يَنْعَدِمُ تَصَوُّرُهَا. وَالصَّلَاةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُضُوءِ لَك أَنْ تَجْعَلَهَا مِنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهَا حِكْمَةُ الْوُضُوءِ وَلَهَا شَرْطٌ يَصِحُّ تَرْتِيبُهُ عَلَيْهَا بِالْفَاءِ، كَمَا رَتَّبَ بَعْثَ الشَّهِيدِ الْمُحْرِمِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَأَنْ تَجْعَلَهَا مِنْ الثَّانِي فَإِنَّهُ قَدْ أَمْكَنَ جَعْلُ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ مَظِنَّةً وَسَبَبًا، وَيَكُونُ الْحَدَثُ
стр. 2839
شَرْطًا مِنْ شَرَائِطِ السَّبَبِ أَوْ مِنْ شَرَائِطِ الْحُكْمِ وَإِلْحَاقُ شَرْطٍ بِالْوَصْفِ الْمُومَأِ إلَيْهِ لَا يُسْتَكْثَرُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَوْلَى أَنْ تَدْخُلَ الْفَاءُ عَلَى الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهَا مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْعِلَلِ، وَلَا تَدْخُلُ عَلَى الْعِلَلِ لِاسْتِحَالَةِ تَأَخُّرِ الْعِلَّةِ عَنْ الْمَعْلُولِ، إلَّا أَنَّهَا قَدْ تَدْخُلُ عَلَى الْعِلَلِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ لَهَا دَوَامٌ، لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ دَائِمَةً كَانَتْ فِي حَالَةِ الدَّوَامِ مُتَرَاخِيَةً عَنْ ابْتِدَاءِ الْحُكْمِ، فَصَحَّ دُخُولُ الْفَاءِ عَلَيْهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ فِي حَبْسٍ ظَالِمٍ إذَا ظَهَرَ آثَارُ الْفَرَجِ: أَبْشِرْ فَقَدْ أَتَاك الْغَوْثُ، وَقَدْ نَجَوْت.
الثَّانِي: مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْلِيلِ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ رَتَّبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّرِقَةِ بِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ هِيَ السَّبَبُ لَا يَأْتِي عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ؛ ﴿فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] جَوَابٌ لِمَا فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ، إنَّمَا الْكَلَامُ عِنْدَهُ عَلَى مَعْنَى؛ فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْمُ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ، فَهَذِهِ تَرْجَمَةٌ سِيقَتْ لِلتَّشَوُّفِ إلَى مَا بَعْدَهَا، فَلَمَّا كَانَ فِي مَضْمُونِ التَّرْجَمَةِ مُنْتَظِرًا قِيلَ: فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا فَالْفَاءُ إذَنْ لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْجَوَابِ. وَإِنَّمَا حَمَلَ سِيبَوَيْهِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْفَاءَ لَوْ كَانَتْ جَوَابًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ وَكَانَ الْكَلَامُ مُبْتَدَأً أَوْ خَبَرًا لَكَانَتْ الْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي النَّصْبَ فِي ﴿السَّارِقُ﴾ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ أَوْلَى، كَقَوْلِهِ: زَيْدًا اضْرِبْهُ. فَلَمَّا رَأَى الْعَامَّةُ مُطَبِّقَةً عَلَى الرَّفْعِ تَفَطَّنَ، لِأَنَّهَا لَا تُجْمِعُ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى، فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ خَارِجٌ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِئْنَافِ وَذَكَرَ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] كَالتَّرْجَمَةِ وَالْعُنْوَانِ.
السَّابِعُ - لَعَلَّ: عَلَى رَأْيِ الْكُوفِيِّينَ مِنْ النُّحَاةِ، وَقَالُوا: إنَّهَا فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لِلتَّعْلِيلِ الْمَحْضِ مُجَرَّدَةٌ عَنْ مَعْنَى التَّرَجِّي لِاسْتِحَالَتِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تُجْهَلُ عَاقِبَتُهُ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] قِيلَ: هُوَ تَعْلِيلٌ
стр. 2840
لِقَوْلِهِ (اُعْبُدُوا) ، وَقِيلَ: لِقَوْلِهِ (خَلَقَكُمْ) ، وَقِيلَ: لَهُمَا. وَقَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ، ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] فَ " لَعَلَّ " فِي هَذَا اخْتَصَّتْ لِلتَّعْلِيلِ وَالرَّجَاءِ الَّذِي فِيهِمَا مُتَعَلَّقُ الْمُخَاطَبِينَ.
الثَّامِنُ - إذْ: ذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ، نَحْوُ ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] ، ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١] ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ﴾ [الزخرف: ٣٩] . . . وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وَنَازَعَهُ أَبُو حَيَّانَ.
التَّاسِعُ - حَتَّى: أَثْبَتَهُ ابْنُ مَالِكٍ أَيْضًا. قَالَ: وَعَلَامَتُهَا أَنْ يَحْسُنَ فِي مَوْضِعِهَا (كَيْ) ، نَحْوُ: خُذْ حَتَّى تُعْطِيَ الْجُودَ. وَمِنْ مِثْلِهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد: ٣١] وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] ، وَيَحْتَمِلُهَا ﴿حَتَّى تَفِيءَ﴾ [الحجرات: ٩] . . . . وَزَعَمَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ أَنَّ مِنْهَا (لَا جَرَمَ) بَعْدَ الْوَصْفِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: ٦٢] وَجَمِيعُ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] ، ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، «. مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» . وَكَذَا حَرْفُ (إذَا) فَإِنَّ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِيَّةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] وَجَعَلَ الْآمِدِيُّ مِنْهَا (مَنْ) أَيْضًا.
تَنْبِيهٌ: هَذِهِ الْأَلْفَاظُ كَمَا تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهَا فِي أَنْفُسِهَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّعْلِيلِ كَذَلِكَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ وُقُوعِهَا فِي كَلَامِ الْقَائِلِينَ، فَهِيَ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ أَقْوَى مِنْهَا فِي كَلَامِ الرَّاوِي، وَفِي كَلَامِ الرَّاوِي الْفَقِيهُ أَقْوَى مِنْهَا فِي غَيْرِ الْفَقِيهِ،
стр. 2841
مَعَ صِحَّةِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا فِي الْكُلِّ، خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ بِهَا إلَّا فِي كَلَامِ الرَّاوِي الْفَقِيهِ، وَهَذَا بَحْثٌ تَوَهَّمَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَيْسَ قَوْلًا. وَزَعَمَ الْآمِدِيُّ أَنَّ الْوَارِدَ فِي كَلَامِ اللَّهِ أَقْوَى مِنْ الْوَارِدِ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ . وَالْحَقُّ تَسَاوِيهِمَا، وَبِهِ صَرَّحَ الْهِنْدِيُّ، لِعَدَمِ احْتِمَالِ تَطَرُّقِ الْخَطَأِ إلَيْهِمَا.
[الْمَسْلَكُ الثَّالِثُ الْإِيمَاءُ وَالتَّنْبِيهُ]
وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْعِلِّيَّةِ بِالِالْتِزَامِ، لِأَنَّهُ يَفْهَمُهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَا اللَّفْظِ، وَإِلَّا لَكَانَ صَرِيحًا، وَوَجْهُ دَلَالَتِهِ أَنَّ ذِكْرَهُ مَعَ الْحُكْمِ يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لَا لِفَائِدَةٍ، لِأَنَّهُ عَبَثٌ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِفَائِدَةٍ، وَهِيَ إمَّا كَوْنُهُ عِلَّةً أَوْ جُزْءَ عِلَّةٍ أَوْ شَرْطًا، وَالْأَظْهَرُ كَوْنُهُ عِلَّةً لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ فِي تَصَرُّفِ الشَّارِحِ. وَهُوَ أَنْوَاعٌ.
أَحَدُهَا: ذِكْرُ الْحُكْمِ السُّكُوتِيِّ أَوْ الشَّرْعِيِّ عَقِبَ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لَهُ، وَتَارَةً يَقْتَرِنُ بِ (أَنْ) ، وَتَارَةً بِالْفَاءِ، وَتَارَةً يُذْكَرُ مُجَرَّدًا. فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩]- إلَى قَوْلِهِ: ﴿خَاشِعِينَ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥] . . . الْآيَةُ
стр. 2842
وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨] . . . وَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] . . . وَالثَّالِثُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤] ، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧] . وَاَلَّذِي بَعْدَ الْفَاءِ تَارَةً يَكُونُ حُكْمًا، نَحْوُ ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] . . .، وَتَارَةً يَكُونُ عِلَّةً، نَحْوُ «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» فَإِنَّهُ عِلَّةُ تَجْنِيبِهِ الطَّيِّبَ. ثُمَّ مِنْهُ مَا صَرَّحَ فِيهِ بِالْحُكْمِ وَالْوَصْفِ مَعًا فَهُوَ إيمَاءٌ بِلَا خِلَافٍ، كَقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» ، «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَتَقَ عَلَيْهِ» ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْأَوَّلِ بِالْإِحْيَاءِ، وَهُوَ الْوَصْفُ، وَالْحُكْمُ وَهُوَ الْمِلْكُ. وَفِي الثَّانِي بِالْمِلْكِ وَهُوَ الْوَصْفُ، وَبِالْعِتْقِ وَهُوَ الْحُكْمُ. وَمِنْهُ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِمَا: فَإِنْ صُرِّحَ بِالْحُكْمِ - وَالْوَصْفُ مُسْتَنْبَطٌ - كَتَحْرِيمِ الرَّبَّا فِي الْبُرِّ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ عِلَّةُ الْكَيْلِ أَوْ الطُّعْمِ أَوْ الْوَزْنِ، فَلَيْسَ بِإِيمَاءٍ قَطْعًا. وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ فِي عَكْسِهِ، وَهُوَ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَاسْتَبْعَدَهُ الْهِنْدِيُّ. وَإِنْ صَرَّحَ بِالْوَصْفِ - وَالْحُكْمُ مُسْتَنْبَطٌ - كَالصِّحَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ حِلِّ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، فَهَلْ النَّصُّ الدَّالُ عَلَى ثُبُوتِ الْحِلِّ إيمَاءٌ أَوْ ثُبُوتُ الصِّحَّةِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى إثْبَاتِهِ، وَرَجَّحَهُ الْهِنْدِيُّ، لِأَنَّ الصِّحَّةَ لَازِمَةٌ لِلْحِلِّ، إذْ لَوْلَا الصِّحَّةُ لَمْ يَكُنْ لِلْإِحْلَالِ فَائِدَةٌ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِإِيمَاءٍ إلَيْهَا، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِالْحُكْمِ وَاسْتَخْرَجْنَا الْعِلَّةَ قِيَاسًا لِأَحَدِهِمَا عَلَى عَكْسِهِ. وَجَمَعَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الصُّورَتَيْنِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ يَلْتَفِتُ إلَى تَفْسِيرِ (الْإِيمَاءِ) هَلْ هُوَ اقْتِرَانُ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ، سَوَاءٌ
стр. 2843
كَانَا مَذْكُورَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَذْكُورًا وَالْآخَرُ مُقَدَّرًا، أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَا مَذْكُورَيْنِ؟ وَإِنَّ إثْبَاتَ مُسْتَلْزِمِ الشَّيْءِ نَقِيضُ إثْبَاتِهِ.
الثَّانِي - أَنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ مَعَ الْحِكْمَةِ وَصْفًا لَوْ لَمْ يَكُنْ عِلَّةٌ لَعَرِيَ عَنْ الْفَائِدَةِ، إمَّا مَعَ سُؤَالٍ فِي مَحَلِّهِ، أَوْ سُؤَالٍ فِي نَظِيرِهِ.
فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ: وَاقَعْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «أَعْتِقْ رَقَبَةً» فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوِقَاعَ عِلَّةٌ لِلْإِعْتَاقِ، وَالسُّؤَالُ مُقَدَّرٌ فِي الْجَوَابِ، كَأَنَّهُ قَالَ: إذَا وَاقَعْتَ فَكَفِّرْ. وَقَدْ مَرَّ أَنَّ مِثْلَ هَذَا لِلتَّعْلِيلِ فَكَذَا هُنَا، لِأَنَّ الْمُقَدَّرَ كَالْمُحَقَّقِ، فَإِنْ حُذِفَتْ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ الْأَوْصَافِ وَعُلِّلَتْ بِالْبَاقِي سُمِّيَ (تَنْقِيحُ مَنَاطٍ) ، مِثَالُهُ: أَنْ يَقُولَ: كَوْنُهُ أَعْرَابِيًّا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلَّةِ، إذْ الْأَعْرَابِيُّ وَغَيْرُهُ حُكْمُهُمَا سَوَاءٌ. وَكَذَا كَوْنُ الْمَحَلِّ أَهْلًا، فَإِنَّ الزِّنَى أَجْدَرُ بِهِ.
(وَالثَّانِي) كَقَوْلِهِ، وَقَدْ سَأَلَتْهُ الْخَثْعَمِيَّةُ: إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَلَيْهِ فَرِيضَةُ الْحَجِّ أَيَنْفَعُهُ إنْ حَجَجْتُ عَنْهُ؟ قَالَ: «أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يَنْفَعُهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، فَذَكَرَ نَظِيرَهُ وَهُوَ دَيْنُ الْآدَمِيِّ، فَنَبَّهَ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً فِي النَّفْعِ وَإِلَّا لَزِمَ الْعَبَثُ. وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ مِنْهُ قَوْلَهُ ﵇ لِلسَّائِلِ عَنْ الْقُبْلَةِ: «أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ» فَقَالَ: نَبَّهَهُ ﵊ عَلَى قِيَاسِ
стр. 2844
الْقُبْلَةِ عَلَى الْمَضْمَضَةِ فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ مَعَهَا. وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ ﵊ إنَّمَا نَبَّهَ عَلَى نَقِيضِ قِيَاسٍ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِ السَّائِلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِشْكَالَ الَّذِي عِنْدَ الْقَائِلِ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ اعْتِقَادِهِ أَنَّ الْقُبْلَةَ مُقَدِّمَةُ الْجِمَاعِ، وَالْجِمَاعُ مُفْسِدٌ وَمُقَدِّمَةُ الشَّيْءِ يَنْبَغِي أَنْ تُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الشَّيْءِ، لِمَا بَيْنَ الْمُقَدِّمَةِ وَالْغَايَةِ مِنْ التَّنَاسُبِ، فَنَبَّهَ ﵊ أَنَّ تَعْلِيلَ تَنْزِيلِ الْقُبْلَةِ مَنْزِلَةَ الْجِمَاعِ فِي الْإِفْسَادِ بِكَوْنِهَا مُقَدِّمَةً مَنْقُوضٌ بِالْمَضْمَضَةِ فِي الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا، فَإِنَّ الْمُقَدِّمَةَ وُجِدَتْ مِنْ الْمَضْمَضَةِ وَلَمْ يُوجَدْ الْإِفْسَادُ، وَإِلَّا فَكَيْفَ تُقَاسُ الْقُبْلَةُ عَلَى الْمَضْمَضَةِ فِي عَدَمِ الْإِفْسَادِ بِجَامِعِ كَوْنِهِمَا مُقَدِّمَتَيْنِ لِلْمُفْسِدِ، وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ مُقَدِّمَةٌ لِفَسَادِ الصَّوْمِ وَبَيْنَ كَوْنِ الصَّوْمِ صَحِيحًا مَعَهُ، بَلْ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ فَسَادِ الْوَضْعِ.
أَمَّا إذَا عَلِمَ الشَّارِعُ فِعْلًا مُجَرَّدًا تَكَلَّمَ عَقِيبَهُ بِحُكْمٍ فَهَلْ يَكُونُ عِلْمُهُ كَإِعْلَامِهِ حَتَّى يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُجَرَّدُ الْمَعْلُومُ سَبَبًا؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْإِبْيَارِيُّ. وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِنَادُ التَّعْلِيلِ إلَيْهِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حُكْمٌ مُبْتَدَأٌ وَجَرَى ذِكْرُ الْوَاقِعَةِ اتِّفَاقًا، وَيُحْتَمَلُ الرَّبْطُ لِقُرْبِهِ مِنْ الْقَرِينَةِ. وَقَالَ صَاحِبُ جَنَّةِ النَّاظِرِ ": مِنْ أَنْوَاعِ الْإِيمَاءِ الْحُكْمُ عِنْدَ رَفْعِ الْحَادِثَةِ إلَيْهِ، كَقَوْلِهِ ﵊: " كَفِّرْ " لِمَنْ قَالَ: وَاقَعْتُ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّ شَرْطَ فَهْمِ التَّعْلِيلِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ وَقَعَ جَوَابًا لِمَا رُفِعَ إلَيْهِ، إذْ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ اسْتِئْنَافًا لَا جَوَابًا، وَهَذَا كَمَنْ تَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ فَأَخْبَرَهُ تِلْمِيذٌ بِمَوْتِ السُّلْطَانِ مَثَلًا، فَأَمَرَهُ عَقِبَ الْإِخْبَارِ بِقِرَاءَةِ دَرْسِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَعْلِيلِ الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ الْخَبَرِ، بَلْ الْأَمْرُ بِالِاشْتِغَالِ بِمَا هُوَ بِصَدَدِهِ وَبِتَرْكِ مَا لَا يَعْنِيه. وَإِذَا ثَبَتَ افْتِقَارُ فَهْمِ التَّعْلِيلِ إلَى الدَّلِيلِ فَلَيْسَ إلَّا انْتِفَاءُ الْقَرَائِنِ الصَّارِفَةِ، إذْ السُّؤَالُ يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ، فَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ يَكُونُ تَأْخِيرًا لِلْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ.
стр. 2845
وَاعْلَمْ أَنَّ اعْتِرَافَ هَؤُلَاءِ بِكَوْنِ السُّؤَالِ يَسْتَدْعِي الْجَوَابَ اعْتِرَافٌ بِكَوْنِ السُّؤَالِ قَرِينَةٌ عَلَى كَوْنِ الْوَاقِعِ جَوَابًا، فَيَكُونُ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ فَهْمَ التَّعْلِيلِ يَفْتَقِرُ إلَى الدَّلِيلِ، وَالْقَرَائِنُ الصَّارِفَةُ تُرْشِدُ الْمُعَارِضَ لِدَلَالَةِ الدَّلِيلِ عَلَى تَعْيِينِ الْوَاقِعِ جَوَابًا، فَلَا يُؤْخَذُ انْتِفَاؤُهَا فِي حَدِّ الدَّلِيلِ. نَعَمْ يَقِفُ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ عَلَى انْتِفَائِهَا، وَذَلِكَ لَا يَخُصُّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْإِيمَاءِ، بَلْ هُوَ جَارٍ فِي جَمِيعِ الْأَنْوَاعِ، لِأَنَّ انْتِقَاءَ الْمُعَارِضِ مُشْتَرَطٌ فِي الْعَمَلِ بِجَمِيعِ الدَّلَائِلِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمَيْنِ لِوَصْفٍ. إمَّا مَعَ ذِكْرِهِمَا مَعًا، نَحْوُ: «لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَلِلْفَارِسِ سَهْمَانِ» ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فَإِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَا جَعَلَهُ غَايَةً لِلْحُكْمِ يَكُونُ عِلَّةً، قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي حُكْمِ الْمُؤَاخَذِ وَالتَّفْصِيلُ مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْقُ. وَإِمَّا مَعَ ذِكْرِ أَحَدِهِمَا، نَحْوُ: الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِغَيْرِ الْقَاتِلِ وَإِرْثِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْإِرْثِ الْقَتْلُ. وَأَيْضًا: إمَّا بِالْغَايَةِ، مِثْلُ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أَوْ بِالِاسْتِثْنَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .
وَالرَّابِعُ: مَنْعُهُ مَا قَدْ يُفَوِّتُ الْمَطْلُوبَ، بِأَنْ يَذْكُرَ عَقِيبَ الْكَلَامِ أَوْ
стр. 2846
فِي سِيَاقِهِ شَيْئًا لَوْ لَمْ يُعَلِّلْ بِهِ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ لَمْ يَنْتَظِمْ الْكَلَامُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] لِأَنَّ الْآيَةَ سِيقَتْ لِبَيَانِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَأَحْكَامِهَا، فَلَوْ لَمْ يُعَلِّلْ النَّهْيَ عَنْ الْبَيْعِ بِكَوْنِهِ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ شَاغِلًا عَنْ الْمَشْيِ إلَيْهَا لَكَانَ ذِكْرُهُ عَبَثًا، لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ مُطْلَقًا. كَقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» فَلَوْ لَمْ يُعَلِّلْ [النَّهْيَ] عَنْ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْغَضَبِ بِكَوْنِهِ يَتَضَمَّنُ تَشْوِيشَ الْفِكْرِ لَكَانَ ذِكْرُهُ لَاغِيًا. إذْ الْقَضَاءُ لَا يُمْنَعُ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ.
وَالْخَامِسُ: رَبْطُ الْحُكْمِ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ بِمَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ يَنْتَهِضُ عِلَّةً فِيهِ. وَإِلَى هَذَا صَارَ الشَّافِعِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا، وَأَوَّلَ الْقَاضِي مَذْهَبَهُ وَقَالَ: لَعَلَّهُ تَمَسَّك بِالْحَدِيثِ فِي إثْبَاتِ حُكْمِ الرِّبَا لَا فِي إثْبَاتِ عِلَّتِهِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: لَيْسَ كَمَا ظَنَّهُ الْقَاضِي، لِأَنَّهُ أَثْبَتَ عِلِّيَّةَ الطُّعْمِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: تَعَلَّقَ أَئِمَّتُنَا فِي تَعْلِيلِ رِبَا الْفَضْلِ بِالطُّعْمِ بِقَوْلِهِ: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى إثْبَاتِ كَوْنِ الطَّعَامِ مُشْعِرًا بِتَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ، وَإِلَّا فَالطَّعَامُ وَالْبُرُّ سَوَاءٌ فِي تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ.
وَالسَّادِسُ: تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] أَيْ لِأَجْلِ تَقْوَاهُ. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أَيْ لِأَجْلِ تَوَكُّلِهِ، لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَتَعَقَّبُ الشَّرْطَ، وَالسَّبَبُ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ عَقِبَهُ، فَإِذَا الشَّرْطُ فِي مِثْلِ هَذَا سَبَبُ الْجَزَاءِ، فَيَكُونُ الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ سَبَبًا وَعِلَّةً. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلَهُ مِنْ الْأَجْرِ قِيرَاطٌ» ، وَ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» .
стр. 2847
وَهَذَا الْقِسْمُ لَا يَكُونُ مَا بَعْدَ الْفَاءِ إلَّا حُكْمًا، وَمَا قَبْلَهَا إلَّا سَبَبًا، لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ مُتَأَخِّرٌ بِالْوَضْعِ عَنْ الشَّرْطِ تَحْقِيقًا، نَحْوُ: إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَاتَّقِ اللَّهَ، أَوْ تَقْدِيرًا، نَحْوُ: اتَّقِ اللَّهَ إنْ كُنْت مُؤْمِنًا، لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ لَازِمٌ، وَالشَّرْطُ مَلْزُومٌ، وَاللَّازِمُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمَلْزُومِ، وَثُبُوتُهُ فَرْعٌ عَنْ ثُبُوتِهِ. بِخِلَافِ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ. فَإِذَا مَا بَعْدَ الْفَاءِ قَدْ يَكُونُ حُكْمًا وَقَدْ يَكُونُ عِلَّةً. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ رُجُوعَهُ إلَى بَابِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ قَدْ يَقْتَضِيَانِ الشَّرْطَ فَيُجْزَمُ جَوَابُهُمَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] أَيْ: هَبْ لِي، فَإِنَّك إنْ تَهَبْ لِي وَلِيًّا يَرِثُنِي. وَقَوْلُك: لَا تَقْرَبْ الشَّرَّ تَنْجُ: أَيْ: لَا تَقْرَبْهُ، فَإِنَّك إنْ لَا تَقْرَبْهُ تَنْجُ، وَتَدْخُلُ الْفَاءُ فِي جَوَابِهِمَا، كَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ» أَيْ إنَّهُ مَاتَ مُحْرِمًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ مُلَبِّيًا فَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا. فَالظَّاهِرُ اسْتِوَاءُ الصِّيَغِ كُلِّهَا فِي تَأَخُّرِ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ وَالْحُكْمُ إمَّا مُسَبَّبٌ أَوْ مَشْرُوطٌ وَهُوَ مُسَبَّبٌ أَيْضًا، وَكِلَاهُمَا مُتَأَخِّرٌ، نَعَمْ بَعْضُ ذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ تَحْقِيقًا، وَبَعْضُهُ مُتَأَخِّرٌ تَقْدِيرًا.
السَّابِعُ: تَعْلِيلُ عَدَمِ الْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمَانِعِ مِنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣] . . . ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٧] . . .، ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ﴾ [الإسراء: ٥٩] . . . أَيْ: آيَاتِ الِاقْتِرَاحِ لَا الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ الرُّسُلِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] وَقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ الْمَانِعِ الَّذِي مَنَعَ مِنْ إنْزَالِ الْمَلَكِ عِيَانًا بِحَيْثُ يُشَاهِدُونَهُ، وَأَنَّ لُطْفَهُ بِخَلْقِهِ مَنَعَهُ، فَإِنَّهُ لَوْ أَنْزَلَ عَلَيْهِ مَلَكًا
стр. 2848
وَعَايَنُوهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا فَعُجِّلُوا الْعُقُوبَةَ، وَجَعَلَ الرَّسُولَ بَشَرًا لِيُمْكِنَهُمْ التَّلَقِّي عَنْهُ وَالرُّجُوعَ إلَيْهِ.
الثَّامِنُ: إنْكَارُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ الْخَلْقَ لِغَايَةٍ وَلَا لِحِكْمَةٍ. بِقَوْلِهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] وَقَوْلِهِ: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] . .
التَّاسِعُ: إنْكَارُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَيُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ.
(فَالْأَوَّلُ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦] وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨] وَقَوْلِهِ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] . . .
وَ (الثَّانِي) كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩] وَقَوْلِهِ: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] ، وَقَوْلِهِ: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] .
مَسْأَلَةٌ
فِي اشْتِرَاطِ الْوَصْفِ الْمُومَأِ إلَيْهِ لِلْحُكْمِ فِي الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ مَذَاهِبُ.
стр. 2849
أَحَدُهَا) . اشْتِرَاطُهُ. وَهُوَ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ، كَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالصَّوْمِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنَاسِبًا فَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ بِالْقَلْبِ.
وَ (الثَّانِي) - وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ - عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّعَلُّقِ مَعَ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ فِي الْبُرْهَانِ " عَنْ إطْلَاقِ الْأُصُولِيِّينَ، وَاخْتَارَهُ إلْكِيَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ مَعْنًى وَتَعَطَّلَ الْكَلَامُ.
وَ (الثَّالِثُ) - وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ - إنْ كَانَ التَّعْلِيلُ فُهِمَ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» اُشْتُرِطَ. وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا، لِأَنَّ التَّعْلِيلَ يُفْهَمُ مِنْ غَيْرِهَا. وَحَكَى الْهِنْدِيُّ قَوْلًا بِاشْتِرَاطِهِ فِي تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى الِاسْمِ دُونَ غَيْرِهِ. وَفَصَّلَ ابْنُ الْمُنِيرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ الْمُشْتَقُّ يَتَنَاوَلُ مَعْهُودًا مُعَيَّنًا فَلَا يَتَعَيَّنُ لِلتَّعْلِيلِ وَلَوْ كَانَ مُنَاسِبًا، بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفًا. وَأَمَّا إذَا عُلِّقَ بِعَامٍّ أَوْ مُنَكَّرٍ فَهُوَ تَعْلِيلٌ وَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ الْمُنَاسَبَةُ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِعِلَّةِ كَذَا، وَلَمْ تَظْهَرْ الْمُنَاسَبَةُ.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: الْإِيمَاءَاتُ بِأَنْوَاعِهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشَرِّعَ اعْتَبَرَ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ وَلَمْ يُلْغِهِ. وَأَمَّا أَنَّهُ عِلَّةٌ تَامَّةٌ، أَوْ جُزْءُ عِلَّةٍ، أَوْ شَرْطُ عِلَّةٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الدَّالُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ، وَقَدْ يَدُلُّ بِقَرِينَةٍ. وَإِنْ شِئْت فَقُلْ: هَلْ التَّنْصِيصُ أَوْ
стр. 2850
التَّنْبِيهِ عَلَى الْعِلَّةِ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذَا الْمَنْصُوصَ أَوْ الْمُنَبَّهَ عَلَى عِلَّتِهِ مَقْصُودٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ جُزْئِيٌّ أُقِيمَ مَقَامَ كُلِّيٍّ، وَالْعِلَّةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا أَوْ الْمُنَبَّهُ عَلَيْهَا هُوَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الَّذِي أُقِيمَ هَذَا الْجُزْئِيُّ مَقَامَهُ؟ قُلْنَا: الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَقْصُودٌ لَعَيْنِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جُزْئِيًّا أُقِيمَ مَقَامَ كُلِّيٍّ، كَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» . وَهَذَا السُّؤَالُ وَقَعَ فِي الْمُسْتَصْفَى " مجا وَصَوَابُهُ مَا ذَكَرْنَا.
الثَّانِي: دَلَالَةُ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فِي الْإِيمَاءَاتِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ إنَّمَا هِيَ ظَاهِرَةٌ إلَّا فِيمَا كَانَ مِنْهَا بِصِيغَةِ الشَّرْطِ.
الثَّالِثُ: لَوْ ظَفِرْنَا فِي الْوَصْفِ بِمُنَاسَبَةٍ تَعَيَّنَ لِحَاظُهَا، وَجَازَ لِلنَّاظِرِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَالنَّقْصُ:
فَالْأَوَّلُ: كَقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» فَإِنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمَنْعَ لِعِلَّةِ تَشْوِيشِ الْفِكْرِ فَأَلْحَقَ بِهِ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْمَعَانِي الْمُوجِبَةِ لِاخْتِلَافِ الْفِكْرِ.
وَالثَّانِي: كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَقْبِضْ، فَإِنَّهُ إضَافَةُ الْمَنْعِ إلَى عَدَمِ الْقَبْضِ لَيْسَتْ لِصُورَتِهِ. وَاضْطَرَبَ أَصْحَابُنَا فِي مَعْنَاهُ، فَقِيلَ: لِتَوَالِي الضَّمَانَيْنِ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْبَيْعُ مِنْ الْبَائِعِ. وَقِيلَ: لِضَعْفِ الْمِلْكِ فَلَا يَخْرُجُ، لَكِنْ يَخْرُجُ مِنْهُ الِاسْتِبْدَالُ عَنْ بَدَلِ الثَّلَاثِمِائَةِ بِمِائَةٍ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ لِتَضَمُّنِهِ غَرَرًا مِنْ حَيْثُ يُتَوَقَّعُ انْقِلَابُ الْمِلْكِ إلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ بِالتَّلَفِ قَبْلَ الْقَبْضِ تَبَيَّنَ بِالْآخِرَةِ أَنَّ الْبَائِعَ الثَّانِيَ بَاعَ مِلْكَ الْغَيْرِ فَيَكُونُ غَرَرًا، فَيَخْرُجُ مِنْهُ بَيْعُ الْعَقَارِ فَإِنَّ تَلَفَهُ غَيْرُ مُتَصَوَّرٌ عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أُصُولِهِمْ.
وَأَيْضًا كَقَوْلِهِ ﵇: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» فَإِنَّهُ يُنَبِّهُ عَلَى
стр. 2851
كَوْنِ الدِّبَاغِ يُطَهِّرُ الْجِلْدَ مُطْلَقًا. وَخَرَجَ بِهِ عِنْدَنَا جِلْدُ الْكَلْبِ، وَكَانَ الْمَعْنَى مِنْهُ أَنَّا وَجَدْنَا الْمُنَاسَبَةَ خَاصَّةً بِجِلْدِ مَا كَانَ طَاهِرًا قَبْلَ الْمَمَاتِ، لِأَنَّ تَأْثِيرَ الدِّبَاغِ فِي رَدِّ الْجِلْدِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَيَعُودُ طَاهِرًا، وَهُوَ مَفْقُودٌ فِي حَقِّ الْكَلْبِ. وَقَضَى أَبُو حَنِيفَةَ بِطَهَارَتِهِ بِالدِّبَاغِ لِأَنَّهُ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ حَالَ الْحَيَاةِ.
فَإِنْ قِيلَ: إدَارَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ فِي الْوَصْفِ الْمُومَأِ إلَيْهِ حَتَّى سَارَ الْقَوْلُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ يُنَاقِضُ أَصْلَكُمْ فِي مَنْعِ إرْثِ كُلِّ قَاتِلٍ، بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ : «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ» مَعَ أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ خَاصَّةٌ، وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ فِي اسْتِعْجَالِ الْمِيرَاثِ، فَيَخْرُجُ الْقَتْلُ الْمُبَاحُ وَالْوَاجِبُ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ بِهِ.
قُلْنَا: الْمُنَاسَبَةُ خَاصَّةٌ - كَمَا ذَكَرْتُمْ - لَكِنَّهَا مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِ مَنْ مَنَعَ الْقَاتِلَ مُطْلَقًا أَنَّ الْإِرْثَ اضْطِرَارِيٌّ، وَلَوْ حَصَلَ بِالْقَتْلِ لَكَانَ كَسْبِيًّا، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْقَتْلُ يَمْنَعُ الْمُوَالَاةَ فَيَمْنَعُ الْإِرْثَ كَالرِّقِّ وَالْكُفْرِ. وَإِذَا تَعَارَضَتْ الْمُنَاسَبَاتُ تَسَاقَطْنَ وَلَمْ يُعْمَلْ بِإِحْدَاهَا، وَرَجَعَ إلَى عُمُومِ الْحَدِيثِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمُنَاسَبَاتِ. عَلَى أَنَّ أَصْلَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَإِنْ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الشِّفَاءِ " فَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ. وَيُشْكِلُ مَا سَمَّاهُ زِيَادَةً، فِي مَسْأَلَةِ الْقَاضِي، مِنْ قِيَاسِ التَّمْثِيلِ، وَمَا سَمَّاهُ نُقْصَانًا عَنْ عُمُومِ الْخَبَرِ فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مُعَارِضٍ أَمَّا لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ فَلَا.
[الْمَسْلَكُ الرَّابِعُ الِاسْتِدْلَال عَلَى عِلِّيَّةِ الْحُكْمِ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ]
وَهَذَا مِمَّا أَهْمَلَهُ أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ". وَصُورَتُهُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا بَعْدَ وُقُوعِ شَيْءٍ، فَيُعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي وَقَعَ. وَوُقُوعُ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ كَأَنْ
стр. 2852
يَرَى أَنَّهُ سَهَا فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ، فَيَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ السُّجُودَ لِذَلِكَ السَّهْوِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِهِ وَيَكُونُ مِنْهُ شَيْءٌ آخَرُ، كَمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا زَنَى فَرُجِمَ. قَالَ الْقَاضِي: إنَّمَا يَجِبُ مِثْلُ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بَعْدَ نَقْلِهِ بِالْقِيَاسِ إذْ قَوْلُهُ ﷺ : «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» وَنَحْوُهُ مِمَّا يَحِلُّ الْفِعْلُ فِيهِ مَحَلَّ الْقَوْلِ الْعَامِّ، لِأَنَّا قَدْ قُلْنَا: إنَّ قَضَاءَهُ عَلَى الْمُعَيَّنِ لِعِلَّةٍ وَصْفِيَّةٍ لَا تَقْتَضِي وُجُوبَ عُمُومِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَلَا يَمْتَنِعُ اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ بِدَلِيلٍ يَقْتَرِنُ بِهِ قَالَ: وَكَذَلِكَ اجْتِنَابُهُ الطِّيبَ وَمَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُونَ عِنْدَ إحْرَامِهِمْ إذْ عُقِلَ مِنْ ذَلِكَ شَاهِدُ الْحَالِ أَنَّهُ إنَّمَا اجْتَنَبَهُ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ. وَمِنْ أَمْثَالِهِ الْمُنَبِّهَةِ عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ تَخْيِيرُهُ بَرِيرَةَ لَمَّا عَتَقَتْ تَحْتَ زَوْجِهَا.
[الْمَسْلَكُ الْخَامِسُ فِي إثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ الْمُنَاسَبَةُ]
وَهِيَ مِنْ الطُّرُقِ الْمَعْقُولَةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْهَا بِ " الْإِخَالَةِ " وَبِ " الْمَصْلَحَةِ " وَبِ " الِاسْتِدْلَالِ " وَبِ " رِعَايَةِ الْمَقَاصِدِ ". وَيُسَمَّى اسْتِخْرَاجُهَا " تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ " لِأَنَّهُ إبْدَاءُ مَنَاطِ الْحُكْمِ. وَهِيَ عُمْدَةُ كِتَابِ الْقِيَاسِ وَغَمْرَتُهُ وَمَحَلُّ غُمُوضِهِ وَوُضُوحِهِ. وَهُوَ تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ، أَيْ: الْمُنَاسَبَةِ اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمُلَاءَمَةُ. فَلَا دُورَ مِنْ ذَاتِ الْأَصْلِ، لَا بِنَصٍّ وَلَا غَيْرِهِ، مَعَ السَّلَامَةِ عَنْ الْقَوَادِحِ. كَالْإِسْكَارِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ.
وَالْمُنَاسِبُ - لُغَةً: الْمُلَائِمُ، وَأَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَقَالَ مَنْ لَمْ يُعَلِّلْ
стр. 2853
أَفْعَالَ اللَّهِ بِالْغَرَضِ: إنَّهُ الْمُلَائِمُ لِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ فِي الْعَادَاتِ، أَيْ مَا يَكُونُ بِحَيْثُ يَقْصِدُ الْعُقَلَاءُ لِفِعْلِهِ عَلَى مَجَارِي الْعَادَةِ تَحْصِيلَ مَقْصُودٍ مَخْصُوصٍ. وَقَالَ مَنْ يُعَلِّلُهَا: هُوَ مَا يَجْلِبُ لِلْإِنْسَانِ نَفْعًا، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهُ ضُرًّا. وَهُوَ قَوْلُ الدَّبُوسِيِّ: مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ. قِيلَ: وَعَلَى هَذَا فَإِثْبَاتُهَا عَلَى الْخَصْمِ مُتَعَذِّرٌ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَقُولُ: عَقْلِيٌّ لَا يَتَلَقَّى هَذَا بِالْقَوْلِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ: هُوَ حُجَّةٌ لِلنَّاظِرِ لِأَنَّهُ لَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ، دُونَ الْمُنَاظِرِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ " ﵀ ": وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ عَلَى الْجَاحِدِ بِتَبْيِينِ مَعْنَى الْمُنَاسَبَةِ عَلَى وَجْهٍ مَضْبُوطٍ، فَإِذَا أَبْدَاهُ الْمُعَلِّلُ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى جَحْدِهِ. وَقِيلَ: إنَّ التَّفْسِيرَ الْأَوَّلَ بُنِيَ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَأَنَّ الْمُنَاسِبَ لَا يَنْخَرِمُ بِالْمُعَارِضِ. وَالتَّفْسِيرَ الثَّانِي بُنِيَ عَلَى مَنْعِ التَّخْصِيصِ وَيَأْخُذُ انْتِفَاءَ الْعَارِضِ فِي حَدِّ الْمُنَاسِبِ. وَقَالَ الْخِلَافِيُّونَ: الْمُنَاسَبَةُ مُبَاشَرَةُ الْفِعْلِ الصَّالِحِ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ. أَوْ: صَلَاحِيَّةُ الْفِعْلِ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ: هُوَ وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ، أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ. فَإِنْ كَانَ الْوَصْفُ خَفِيًّا أَوْ ظَاهِرًا غَيْرَ مُنْضَبِطٍ فَالْمُعْتَبَرُ مَا يُلَازِمُهُ، وَهُوَ الْمَظِنَّةُ، كَالْمَشَقَّةِ، فَإِنَّهَا لِلْمَقْصُودِ وَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ، فَتُعْتَبَرُ بِمَا يُلَازِمُهُ وَهُوَ السَّفَرُ. قَالَ
стр. 2854
الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ فِي مَاهِيَّةِ الْمُنَاسَبَةِ مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْهُ، وَهُوَ اقْتِرَانُ الْحُكْمِ لِلْوَصْفِ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّةِ الْمُنَاسَبَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ: الْمُنَاسَبَةُ مَعَ الِاقْتِرَانِ دَلِيلُ الْعِلِّيَّةِ، وَلَوْ كَانَ الِاقْتِرَانُ دَاخِلًا فِي الْمَاهِيَّةِ لَمَا صَحَّ هَذَا. وَأَيْضًا فَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ، لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالظَّاهِرَةِ الْمُنْضَبِطَةِ جَائِزٌ، عَلَى مَا اخْتَارَهُ قَائِلُ هَذَا الْحَدِّ، وَالْوَصْفِيَّةَ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فِيهَا مَعَ تَحَقُّقِ الْمُنَاسَبَةِ. وَقَدْ احْتَجَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى إفَادَتِهَا الْعِلِّيَّةَ بِتَمَسُّكِ الصَّحَابَةِ بِهَا، فَإِنَّهُمْ يُلْحِقُونَ غَيْرَ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُ يُضَاهِيه لِمَعْنًى أَوْ يُشْبِهُهُ. وَرَدَّهُ فِي الرِّسَالَةِ الْبَهَائِيَّةِ " بِأَنَّهُ مَا نُقِلَ إلَيْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَمَسَّكُونَ بِكُلِّ ظَنٍّ غَالِبٍ، فَلَا يَبْعُدُ التَّعَبُّدُ مِنْ نَوْعِ الظَّنِّ الْغَالِبِ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ النَّوْعَ. ثُمَّ قَالَ: الْأَوْلَى الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْقِيَاسِ. وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَى اعْتِبَارِ الْفُقَهَاءِ " الْمُنَاسَبَةَ " فِي الْأَحْكَامِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي تَعْلِيلَ أَحْكَامِ اللَّهِ بِالْغَرَضِ، كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَقَدْ سَبَقَ تَحْرِيرُ هَذَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعِلَلِ. وَالْحَقُّ أَنَّ اسْتِقْرَاءَ أَحْكَامِ الشَّرْعِ دَلَّ عَلَى ضَبْطِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِالْمَصَالِحِ، وَهَذَا كَافٍ فِيمَا نَرُومُهُ، وَذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ (جَلَّ اسْمُهُ) لَا وُجُوبًا، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي وُجُوبِ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ " التَّعَبُّدِ " لِنُدْرَتِهِ فِي الْأَحْكَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَى " مَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ ". وَالْأَغْلَبُ عَلَى الظَّنِّ إلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِالتَّعَبُّدِ فِيمَا لَا تَظْهَرُ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ إلَّا عِنْدَ مَنْ يُعَلِّلُ بِالْوَصْفِ الشَّبَهِيِّ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُنَاسِبٍ بِنَفْسِهِ وَلَا مَعْلُومٌ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْمُنَاسِبِ، وَلَا يُصَارُ إلَى التَّعَبُّدِ مَعَهُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ.
[تَقْسِيمُ الْمُنَاسِبِ]
[أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ مِنْ حَيْثُ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ]
ثُمَّ النَّظَرُ فِي (الْمُنَاسِبِ) فِي مَوَاضِعَ:
стр. 2855
الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ [أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ مِنْ حَيْثُ الْيَقِينِ وَالظَّنِّ]
إنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِهِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ يَقِينًا، كَمَصْلَحَةِ الْبَيْعِ لِلْحِلِّ أَوْ ظَنًّا، كَالْقِصَاصِ لِحِفْظِ النَّفْسِ. وَقَدْ يَحْتَمِلُهَا عَلَى السَّوَاءِ، كَحَدِّ الْخَمْرِ لِحِفْظِ الْعَقْلِ، لِأَنَّ الْمَيْلَ وَالْإِقْدَامَ مُسَاوٍ لِلْإِحْجَامِ. وَقَدْ يَكُونُ نَفْيُ الْحُصُولِ أَوْضَحَ، كَنِكَاحِ الْآيِسَةِ لِتَحْصِيلِ التَّنَاسُلِ. وَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ. وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ صِحَّةَ التَّعْلِيلِ بِالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ حُصُولَ الْمَقْصُودِ مِنْهَا غَيْرُ ظَاهِرٍ، لِلْمُسَاوَاةِ فِي الثَّالِثِ، والمرجوحية فِي الرَّابِعِ. وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ ظُهُورِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ. وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: يَجُوزُ إنْ كَانَ فِي آحَادِ الصُّوَرِ الشَّاذَّةِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَغْلَبِ الصُّوَرِ مِنْ الْجِنْسِ مُفْضِيًا إلَى الْمَقْصُودِ، وَإِلَّا فَلَا. أَمَّا إذَا حَصَلَ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ ثَابِتٌ فَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ: يُعْتَبَرُ التَّعْلِيلُ بِهِ. وَالْأَصَحُّ لَا يُعْتَبَرُ، سَوَاءٌ مَا لَا تَعَبُّدَ فِيهِ، كَلُحُوقِ نَسَبِ الْمَشْرِقِيِّ بِالْمَغْرِبِيَّةِ، وَمَا فِيهِ تَعَبُّدٌ، كَاسْتِبْرَاءِ جَارِيَةٍ اشْتَرَاهَا بَائِعُهَا فِي الْمَجْلِسِ.
[أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ وَالْإِقْنَاعِ]
الْمَوْضِعُ الثَّانِي [أَقْسَامُ الْمُنَاسِبِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ وَالْإِقْنَاعِ]
إنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى حَقِيقِيٍّ وَإِقْنَاعِيٍّ. وَالْحَقِيقِيُّ يَنْقَسِمُ إلَى مَا هُوَ وَاقِعٌ فِي
стр. 2856
مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، وَمَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَمَحَلِّ التَّحْسِينِ.
الْأَوَّلُ - الضَّرُورِيُّ: وَهُوَ الْمُتَضَمِّنُ حِفْظَ مَقْصُودٍ مِنْ الْمَقَاصِدِ الْخَمْسِ الَّتِي لَمْ تَخْتَلِفْ فِيهَا الشَّرَائِعُ، بَلْ هِيَ مُطْبِقَةٌ عَلَى حِفْظِهَا، وَهِيَ خَمْسَةٌ:
أَحَدُهَا - حِفْظُ النَّفْسِ: بِشَرْعِيَّةِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لِتَهَارَجَ الْخَلْقُ وَاخْتَلَّ نِظَامُ الْمَصَالِحِ.
ثَانِيهَا - حِفْظُ الْمَالِ: بِأَمْرَيْنِ:
(أَحَدُهُمَا) إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُعْتَدِي فِيهِ فَإِنَّ الْمَالَ قِوَامُ الْعَيْشِ.
(وَثَانِيهِمَا) بِالْقَطْعِ بِالسَّرِقَةِ.
ثَالِثُهَا - حِفْظُ النَّسْلِ: بِتَحْرِيمِ الزِّنَى وَإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْأَسْبَابَ دَاعِيَةٌ إلَى التَّنَاصُرِ وَالتَّعَاضُدِ وَالتَّعَاوُنِ الَّذِي لَا يَتَأَتَّى الْعَيْشُ إلَّا بِهِ عَادَةً.
رَابِعُهَا: حِفْظُ الدِّينِ: بِشَرْعِيَّةِ الْقَتْلِ وَالْقِتَالِ، فَالْقَتْلُ لِلرِّدَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ مُوجِبَاتِ الْقَتْلِ، لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ الدِّينِ، وَالْقِتَالُ فِي جِهَادِ أَهْلِ الْحَرْبِ.
خَامِسُهَا - حِفْظُ الْعَقْلِ: بِشَرْعِيَّةِ الْحَدِّ عَلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ، فَإِنَّ الْعَقْلَ هُوَ قِوَامُ كُلِّ فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ، فَاخْتِلَالُهُ مُؤَدٍّ إلَى مَفْسَدَةٍ عُظْمَى. هَذَا مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ. وَهُوَ لَا يَخْلُو مِنْ نِزَاعٍ، فَدَعْوَاهُمْ إطْبَاقُ الشَّرَائِعِ عَلَى ذَلِكَ مَمْنُوعٌ.
стр. 2857
أَمَّا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ فَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ مَا خَلَا شَرْعٌ عَنْ اسْتِصْلَاحٍ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلَّةٍ. وَالْأَقْرَبُ فِيهِ الْوَقْفُ. وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلِ: فَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْقِصَاصِ فَيَرُدُّهُ أَنَّ الْقِصَاصَ إنَّمَا عُلِمَ وُجُوبُهُ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَذَلِكَ لَا يُوَافِقُ قَوْلَهُمْ: يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ بُطْلَانُ الْعَالَمِ. فَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْخَمْرِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ حُرِّمَتْ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ: قِيلَ: بَلْ كَانَ الْمُبَاحُ شُرْبُ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ، لَا مَا يَنْتَهِي إلَى السُّكْرِ الْمُزِيلِ لِلْعَقْلِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ فِي كُلِّ مِلَّةٍ.
قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ "، وَحَكَاهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي تَفْسِيرِهِ " عَنْ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ ثُمَّ نَازَعَهُ وَقَالَ: تَوَاتَرَ الْخَبَرُ حَيْثُ كَانَتْ مُبَاحَةً بِالْإِطْلَاقِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ الْإِبَاحَةَ كَانَتْ إلَى حَدٍّ لَا يُزِيلُ الْعَقْلَ. وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ". فَأَمَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْصِيلَ عِنْدَهُ أَنَّ الْمُسْكِرِ لَمْ يَزَلْ مُحَرَّمًا فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. انْتَهَى. وَقَدْ نَاقَشَهُمْ الْأَصْفَهَانِيُّ صَاحِبُ النُّكَتِ " مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ إنَّمَا تَحْصُلُ بِإِيجَابِ الْقِصَاصِ وَالْحَدِّ، لَا بِالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تُخِلُّ بِمَقْصُودِ الشَّرْعِ فَيَكُونُ الْمُنَاسِبُ هُوَ الْحُكْمُ الْمُتَضَمِّنُ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الْمَقْصُودِ، لَا الْوَصْفُ وَهُوَ السَّرِقَةُ وَالْقَتْلُ وَالرِّدَّةُ. وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ صِفَةُ السَّرِقَةِ وَالرِّدَّةِ. وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهُ يُقَالُ: السَّرِقَةُ تُنَاسِبُ الْقَطْعَ، وَالْقَتْلُ يُنَاسِبُ الْقِصَاصَ، وَلَا يُقَالُ: إيجَابُ الْقِصَاصِ مُنَاسِبٌ. وَقَدْ زَادَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (سَادِسًا) وَهُوَ: حِفْظُ الْأَعْرَاضِ، فَإِنَّ
стр. 2858
عَادَةَ الْعُقَلَاءِ بَذْلُ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ دُونَ أَعْرَاضِهِمْ، وَمَا فُدِيَ بِالضَّرُورِيِّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ ضَرُورِيًّا. وَقَدْ شُرِعَ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ بِالْقَذْفِ الْحَدُّ، وَهُوَ أَحَقُّ بِالْحِفْظِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَجَاوَزُ مَنْ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يَتَجَاوَزُ عَنْ الْجِنَايَةِ عَلَى عِرْضِهِ، وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْجِنَايَةِ يَتَوَقَّعُونَ الْحَرْبَ الْعَوَانَ الْمُبِيدَةَ لَلْفَرَسَانِ لِأَجْلِ كَلِمَةٍ، فَهَؤُلَاءِ عَبْسٌ وَذُبْيَانَ اسْتَمَرَّتْ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً لِأَجْلِ سَبْقِ فَرَسٍ فَرَسًا، وَهُمَا دَاحِسٌ وَالْغَبْرَاءُ، وَإِلَيْهِمَا تُضَافُ هَذِهِ الْحَرْبُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَسْبُوقَ، وَهُوَ حُذَيْفَةُ بْنُ بَدْرٍ، اعْتَقَدَ مَسْبُوقِيَّتَهُ عَارًا يُقَبِّحُ عِرْضَهُ. وَيَلْتَحِقُ بِهَذَا الْقِسْمِ مُشْكَلُ الضَّرُورِيِّ، كَحَدِّ قَلِيلِ الْمُسْكِرِ وَوُجُوبِ الْحَدِّ فِيهِ، وَتَحْرِيمِ الْبِدْعَةِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي عُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إلَيْهَا، وَفِي حِفْظِ النَّسَبِ بِتَحْرِيمِ النَّظَرِ وَالْمَسِّ، وَالتَّعْزِيرِ عَلَى ذَلِكَ.
الثَّانِي - الْحَاجِيُّ: وَهُوَ مَا يَقَعُ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ، لَا الضَّرُورَةِ، كَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ
стр. 2859
عَلَى مَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى الْمَسَاكِنِ مَعَ الْقُصُورِ عَنْ تَمَلُّكِهَا وَضَنِّ مَالِكِهَا بِبَذْلِهَا عَارِيَّةً. وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ لِاشْتِغَالِ بَعْضِ الْمُلَّاكِ عَنْ تَعَهُّدِ أَشْجَارِهِ. وَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ. . . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْقِسْمِ الْبَيْعَ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: تَصْحِيحُ الْبَيْعِ آيِلٌ إلَى الضَّرُورَةِ. وَالْإِجَارَةُ دُونَهُ، لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الْبَيْعِ، فَالضَّرُورَةُ إلَيْهِ عَامَّةٌ، وَفِي الْآحَادِ مَنْ يَسْتَغْنِي عَنْ الْإِجَارَةِ، فَالْحَاجَةُ إلَيْهَا لَيْسَتْ عَامَّةً. وَنَازَعَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ وَقَالَ: وُقُوعُ الْإِجَارَاتِ أَكْثَرُ مِنْ الْمُبَايَعَاتِ. وَمِنْهُ: نَصْبُ الْوَلِيِّ لِلصَّغِيرِ، لِأَنَّهُ أَكْمَلُ نَظَرًا مِنْ الْمَرْأَةِ، لِكَمَالِ عَقْلِهِ، فَلَوْ فَوَّضَ نِكَاحَهَا إلَيْهَا أَوْقَعَتْ نَفْسَهَا فِي مَعَرَّةٍ، لِقُصُورِ نَظَرِهَا، وَلِأَنَّ تَوَلِّيهَا النِّكَاحَ يُسْتَقْبَحُ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، لِإِشْعَارِهِ بِبَذَاءَتِهَا. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ، كَالْإِجَارَةِ لِتَرْبِيَةِ الطِّفْلِ. وَتَكْمِيلًا كَخِيَارِ الْبَيْعِ، وَرِعَايَةِ الْكَفَاءَةِ، وَمَهْرِ الْمِثْلِ فِي تَزْوِيجِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ أَفْضَى إلَى دَوَامِ النِّكَاحِ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ (الْمُنَاسَبَةَ) قَدْ تَكُونُ جَلِيَّةً حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الْقَطْعِ، كَالضَّرُورِيَّاتِ. وَقَدْ تَكُونُ خَفِيَّةً، كَالْمَعَانِي الَّتِي اسْتَنْبَطَهَا الْفُقَهَاءُ وَلَيْسَ لَهُمْ إلَّا مُجَرَّدُ احْتِمَالِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهَا. وَقَدْ يُشْتَبَهُ كَوْنُ (الْمُنَاسَبَةِ) وَاقِعَةً فِي مَرْتَبَةِ الضَّرُورَةِ أَوْ الْحَاجَةِ لِتَقَارُبِهِمَا. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ: إنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْإِجَارَةِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَنَازَعَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ وَقَالَ: إنَّهَا فِي مَرْتَبَةِ الضَّرُورَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ قَادِرًا عَلَى الْمَسَاكِنِ بِالْمِلْكِ وَلَا أَكْثَرُهُمْ، وَالسَّكَنُ مَا يُكِنُّ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ مِنْ مَرْتَبَةِ الضَّرُورَةِ. وَقَدْ يَخْتَلِفُ التَّأْثِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَلَاءِ وَالْخَفَاءِ.
стр. 2860
الثَّالِثُ - التَّحْسِينِيُّ:
وَهُوَ قِسْمَانِ: مِنْهُ مَا هُوَ غَيْرُ مُعَارِضٍ لِلْقَوَاعِدِ، كَتَحْرِيمِ الْقَاذُورَاتِ، فَإِنَّ نُفْرَةَ الطِّبَاعِ عَنْهَا لِقَذَارَتِهَا مَعْنًى يُنَاسِبُ حُرْمَةَ تَنَاوُلِهَا، حَثًّا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ عَادَةً عَلَى تَفْصِيلٍ. وَعَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ. وَ (مِنْهُ) : إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّهَا مُسْتَقْذَرَةٌ فِي الْجِبِلَّاتِ، وَاجْتِنَابُهَا أَهَمُّ فِي الْمَكَارِمِ وَالْمُرُوآتِ، وَلِذَا يَحْرُمُ التَّضَمُّخُ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ. قَالَ الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ: وَالشَّافِعِيُّ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي الْكَثِيرِ. ثُمَّ إنَّهُ فِي النِّهَايَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى وَطْءِ الْأَمَةِ فِي دُبُرِهَا قَالَ: لَا يَحْرُمُ. وَ (مِنْهُ) : إيجَابُ الْوُضُوءِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إفَادَةِ النَّظَافَةِ، إذْ الْأَمْرُ بِهَا فِي اسْتِغْرَاقِ الْأَوْقَاتِ مِمَّا يَعْسُرُ فَوَظَّفَ الْوُضُوءَ فِي الْأَوْقَاتِ وَبَنَى الْأَمْرَ عَلَى إفَادَتِهِ الْمَقْصُودَ، وَعَلِمَ الشَّارِعُ أَنَّ أَرْبَابَ الْعُقُولِ لَا يَعْتَمِدُونَ فِعْلَ الْأَوْسَاخِ وَالْأَدْرَانِ إلَى أَعْضَائِهِمْ الْبَادِيَةِ مِنْهُمْ فَكَانَ ذَلِكَ النِّهَايَةُ فِي الِاسْتِصْلَاحِ.
стр. 2861
قَالَ الْإِمَامُ: وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ أَظْهَرُ فِي هَذَا مِنْ النَّظَافَةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْجُمْلَةَ تَسْتَقْذِرُهَا، وَالْمُرُوءَةَ تَقْتَضِي اجْتِنَابُهَا، فَهِيَ أَظْهَرُ مِنْ اجْتِنَابِ الشُّعْثِ وَالْغَمَرَاتِ. (قَالَ) : وَلِهَذَا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ الْوُضُوءَ بِالنِّيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْتَحَقَ بِالْعَادَاتِ الْعَرِيَّةِ عَنْ الْأَعْرَاضِ وَضَاهَى الْعِبَادَاتِ الدِّينِيَّةَ.
وَ (مِنْهُ) سَلْبُ الْعَبْدِ أَهْلِيَّةَ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّهَا مَنْصِبٌ شَرِيفٌ، وَالْعَبْدُ نَازِلُ الْقَدْرِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُلَائِمٍ. وَهَذَا اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِ الشَّاهِدِ وَاتِّصَالِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَدَفْعِ الْيَدِ الظَّالِمَةِ عَنْهُ مِنْ مَرَاتِبِ الضَّرُورَةِ، وَاعْتِبَارِ نُقْصَانِ الْعَبْدِ فِي الرُّتْبَةِ وَالْمَنْصِبِ مِنْ مَرَاتِبِ التَّحْسِينِ، وَتَرْكِ مَرْتَبَةِ الضَّرُورَةِ رِعَايَةً لِمَرْتَبَةِ التَّحْسِينِ بَعِيدًا جِدًّا. نَعَمْ، لَوْ وُجِدَ لَفْظٌ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ وَيُعَلِّلُ هَذَا التَّعْلِيلَ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. فَأَمَّا مَعَ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا التَّعْلِيلِ فَفِيهِ هَذَا الْإِشْكَالُ. وَقَدْ تَنَبَّهْ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِإِشْكَالِ الْمَسْأَلَةِ فَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لِمَنْ رَدَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ مُسْتَنَدًا أَوْ وَجْهًا. وَأَمَّا سَلْبُ وِلَايَتِهِ فَهُوَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ إذْ وِلَايَةُ الْأَطْفَالِ تَسْتَدْعِي اسْتِغْرَاقًا وَفَرَاغًا، وَالْعَبْدُ مُسْتَغْرَقٌ بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ، فَتَفْوِيضُ أَمْرِ الطِّفْلِ إلَيْهِ إضْرَارٌ بِالطِّفْلِ. أَمَّا الشَّهَادَةُ فَتَتَّفِقُ أَحْيَانًا، كَالرِّوَايَةِ وَالْفَتْوَى. و (مِنْهُ) مَا هُوَ مُعَارِضٌ كَالْكِتَابَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا مَكْرُمَةً فِي الْعَوَائِدِ مَا احْتَمَلَ الشَّرْعُ فِيهَا خَرْمَ قَاعِدَةٍ مُمَهَّدَةٍ، وَهِيَ امْتِنَاعُ مُعَامَلَةِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ وَامْتِنَاعُ مُقَابَلَةِ الْمِلْكِ بِالْمِلْكِ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَضَةِ. نَعَمْ، هِيَ جَارِيَةٌ عَلَى قِيَاسِ الْمَالِكِيَّةِ فِي أَنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ. وَزَعَمَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهَا خَرَجَتْ عَنْ قِيَاسِ الْوَسَائِلِ عِنْدَهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَوْجَبُوهَا مَعَ أَنَّهَا وَسِيلَةٌ إلَى الْعِتْقِ الَّذِي لَا يَجِبُ. وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ غَيْرُ وَاجِبَةٍ. لَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُقَدِّرُونَ خُرُوجَهَا عَنْ الْقِيَاسِ وَاشْتِمَالَهَا عَلَى شَائِبَتَيْ مُعَاوَضَةٍ وَتَعْلِيقٍ، عَلَى خِلَافِ قِيَاسِهِمَا.
стр. 2862
وَهَذَا الْقِسْمُ كُلُّهُ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، كَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَرِيَاضَتِهَا وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ. وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالدَّارَيْنِ، كَإِيجَابِ الْكَفَّارَاتِ، إذْ يَحْصُلُ بِهَا الزَّجْرُ عَنْ تَعَاطِي الْأَفْعَالِ الْمُوجِبَةِ لَهَا، وَتَحْصِيلِ تَلَافِي الذَّنْبِ الْكَبِيرِ. وَفَائِدَةُ مُرَاعَاةِ هَذَا التَّرْتِيبِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ مَصْلَحَتَانِ وَجَبَ إعْمَالُ الضَّرُورَةِ الْمُهِمَّةِ وَإِلْغَاءُ التَّتِمَّةِ.
وَأَمَّا الْإِقْنَاعِيُّ فَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْهُ فِي بَادِئِ الْأَمْرِ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ، لَكِنْ إذَا بُحِثَ عَنْهُ حَقَّ الْبَحْثِ ظَهَرَ بِخِلَافِهِ، كَقَوْلِهِمْ، فِي مَنْعِ بَيْعِ الْكَلْبِ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ وَالْمَيِّتَةِ: إذْ كَوْنُ الشَّيْءِ نَجَسًا يُنَاسِبُ إذْلَالَهُ. وَمُقَابَلَتُهُ بِالْمَالِ فِي الْبَيْعِ إعْزَازٌ لَهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ، فَإِذَا كَانَ هَذَا الْوَصْفُ يُنَاسِبُ عَدَمَ جَوَازِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ مَعَ الِاقْتِرَانِ دَلِيلُ الْعِلِّيَّةِ فَهَذَا - وَإِنْ كَانَ مُخَيَّلًا - فَهُوَ عِنْدَ النَّظَرِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ، إذْ، لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الشَّيْءِ نَجِسًا إلَّا عَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ مَعَهُ، وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدَمِ جَوَازِ الْبَيْعِ. كَذَا قَالَ الرَّازِيَّ وَتَبِعَهُ الْهِنْدِيُّ. وَقَدْ يُنَازَعُ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ نَجَسًا مَنْعُ الصَّلَاةِ مَعَهُ، بَلْ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَحْكَامِ النَّجَسِ، وَحِينَئِذٍ فَالتَّعْلِيلُ بِكَوْنِ النَّجَاسَةِ يُنَاسِبُ الْإِذْلَالَ لَيْسَ بِإِقْنَاعِيٍّ.
الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ [تَقْسِيمُ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِبَارِ الشَّرْعِيِّ وَعَدَمِهِ]
الْمُنَاسَبَةُ تَنْقَسِمُ بِاعْتِبَارِ شَهَادَةِ الشَّرْعِ لَهَا بِالْمُلَائِمَةِ وَالتَّأْثِيرِ وَعَدَمِهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ، أَوْ يُعْلَمَ أَنَّهُ أَلْغَاهُ، أَوْ لَا يُعْلَمَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
стр. 2863
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا عُلِمَ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ
وَالْمُرَادُ بِالْعِلْمِ الرُّجْحَانُ، وَالْمُرَادُ بِالِاعْتِبَارِ إيرَادُ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ، لَا التَّنْصِيصَ عَلَيْهِ وَلَا الْإِيمَاءَ إلَيْهِ، وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ الْعِلِّيَّةُ مُسْتَفَادَةً مِنْ الْمُنَاسَبَةِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: شَهِدَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ ": الْمَعْنَى بِشَهَادَةِ أَصْلٍ مُعَيَّنٍ لِلْوَصْفِ أَنَّهُ مُسْتَنْبَطٌ مِنْهُ، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحُكْمَ أُثْبِتَ شَرْعًا عَلَى وَفْقِهِ. وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ نَوْعُهُ فِي نَوْعِهِ أَوْ فِي جِنْسِهِ، أَوْ جِنْسُهُ فِي نَوْعِهِ أَوْ جِنْسِهِ.
الْحَالَةُ الْأُولَى: أَنْ يُعْتَبَرُ نَوْعُهُ فِي نَوْعِهِ: مِنْ خُصُوصِ الْوَصْفِ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ، وَعُمُومِهِ فِي عُمُومِهِ، كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْجَارِحِ عَلَى الْمُثْقِلِ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ، بِجَامِعِ كَوْنِهِ قَتْلًا عَمْدًا عُدْوَانِيًّا، فَإِنَّهُ قَدْ عُرِفَ تَأْثِيرُ خُصُوصِ كَوْنِهِ قَتْلًا عَمْدًا عُدْوَانًا فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فِي الْمُحَدَّدِ. وَهَذَا الْقِسْمُ يُسَمَّى بِالْمُنَاسِبِ الْمُلَائِمِ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْقِيَاسِيِّينَ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْتَبَرَ نَوْعُهُ فِي جِنْسِهِ: كَقِيَاسِ تَقْدِيمِ الْإِخْوَةِ الْأَشِقَّاءِ عَلَى الْإِخْوَةِ مِنْ الْأَبِ فِي النِّكَاحِ عَلَى تَقْدِيمِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي الْإِرْثِ وَالصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْإِخْوَةَ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ نَوْعٌ وَاحِدٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَلَمْ يُعْرَفْ تَأْثِيرُهُ فِي التَّقْدِيمِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، لَكِنْ عُرِفَ تَأْثِيرُهُ فِي جِنْسِهِ وَهُوَ التَّقَدُّمُ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَثْبُتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَنْ عَدَمِ الْأَمْرِ، كَمَا فِي الْإِرْثِ وَالصَّلَاةِ. وَهَذَا الْقِسْمُ دُونَ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْمُقَارَنَةَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَحَلَّيْنِ أَقَلُّ مِنْ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُعْتَبَرَ جِنْسُهُ فِي نَوْعِهِ: كَقِيَاسِ إسْقَاطِ الْقَضَاءِ عَنْ الْحَائِضِ عَلَى إسْقَاطِ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ
стр. 2864
السَّاقِطَتَيْنِ عَنْ الْمُسَافِرِ، بِتَعْلِيلِ الْمَشَقَّةِ وَالْمَشَقَّةُ جِنْسٌ، وَإِسْقَاطُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ نَوْعٌ وَاحِدٌ يُسْتَعْمَلُ عَلَى صِنْفَيْنِ: إسْقَاطُ قَضَاءِ الْكُلِّ، وَإِسْقَاطُ قَضَاءِ الْبَعْضِ، وَقَدْ ظَهَرَ تَأْثِيرُهَا فِي هَذَا النَّوْعِ ضَرُورَةَ تَأْثِيرِهَا فِي إسْقَاطِ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ. وَهَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ مُتَقَارِبَانِ، لَكِنَّ هَذَا أَوْلَى، لِأَنَّ الْإِيهَامَ فِي الْعِلَّةِ أَكْثَرُ مَحْذُورًا مِنْ الْإِيهَامِ فِي الْمَعْلُولِ.
الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ: اعْتِبَارُ جِنْسِ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ: وَهُوَ كَتَعْلِيلِ كَوْنِ حَدِّ الشُّرْبِ ثَمَانِينَ، فَإِنَّهُ مَظِنَّةُ الْقَذْفِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مَظِنَّةُ الِافْتِرَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقَامَ مَقَامَهُ، قِيَاسًا عَلَى الْخَلْوَةِ، فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مَظِنَّةَ الْوَطْءِ أُقِيمَتْ مَقَامَهُ فِي الْحُرْمَةِ. وَهَذَا الْقِسْمُ كَالْأَوَّلِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: كَانَ الْوَفَاءُ بِإِقَامَةِ الْمَظِنَّةِ مَقَامَ الْمَظْنُونِ وُجُوبَ الْحَدِّ بِالْخَلْوَةِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي مَا عُلِمَ إلْغَاءُ الشَّرْعِ لَهُ
كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ إيجَابُ الصَّوْمِ ابْتِدَاءً فِي كَفَّارَةِ مَنْ وَاقَعَ فِي رَمَضَانَ، لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا الِانْزِجَارُ، وَهُوَ لَا يَنْزَجِرُ بِالْعِتْقِ، فَهَذَا وَإِنْ كَانَ قِيَاسًا لَكِنَّ الشَّرْعَ أَلْغَاهُ، حَيْثُ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ مُرَتَّبَةً مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُكَلَّفِينَ، وَالْقَوْلُ بِهِ مُخَالِفٌ لِلنَّهْيِ فَيَكُونُ بَاطِلًا. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَصَّصُوا الْعُمُومَ بِالْمَعْنَى فِيمَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ. قُلْنَا: حَيْثُ لَمْ يُعَكِّرْ عَلَى النَّصِّ بِالْإِبْطَالِ، وَهُوَ هُنَا يُعَكِّرْ، فَإِنَّ اعْتِبَارَهُ يُؤَدِّي إلَى الشَّرْعِ إلَيْهِ وَهُوَ الْعِتْقُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثِ أَلَّا يُعْلَمَ اعْتِبَارُهُ وَلَا إلْغَاؤُهُ
وَهُوَ الَّذِي لَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ بِالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى ب " الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ "، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَالْمَشْهُورُ اخْتِصَاصُ
стр. 2865
الْمَالِكِيَّةِ بِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ يَكْتَفُونَ بِمُطْلَقِ الْمُنَاسَبَةِ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إلَّا ذَلِكَ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ أَسَاسِ الْقِيَاسِ ": قَدْ جَعَلَ الشَّافِعِيُّ اسْتِيلَادَ الْأَبِ جَارِيَةَ الِابْنِ سَعْيًا لِنَقْلِ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ وُرُودِ نَصٍّ فِيهِ، وَلَا وُجُودِ أَصْلٍ مُعَيَّنٍ يَشْهَدُ بِنَقْلِ الْمِلْكِ،
وَالْقَدْرِ الْمُصْلِحِ فِيهِ اسْتِحْقَاقُ الْإِعْفَافِ عَلَى وَلَدِهِ
، وَقَدْ مَسَّتْ حَاجَتُهُ إلَيْهِ فَيَنْقُلُ مِلْكَهُ إلَيْهِ. وَهَذَا كَأَنَّهُ اتِّبَاعُ مَصْلَحَةٍ مُرْسَلَةٍ. وَكَذَا قَالَ فِي الْغَاصِبِ تَكْثُرُ تَصَرُّفَاتُهُ فِي الْمَالِ الْمَغْصُوبِ أَنَّ لِمَالِكِهِ إجَازَةَ تَصَرُّفَاتِهِ
إذْ يُعْتَبَرُ اتِّبَاعُ مَصْلَحَةٍ
وَكَذَا قَالَ فِي الْعَامِلَيْنِ مَعَ أَنَّ الْمِلْكَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَالْإِجَازَةُ عِنْدَ بُطْلَانِهِ مِنْ الْفُضُولِيِّ، وَلَكِنْ إذَا كَثُرَتْ التَّصَرُّفَاتُ وَظَهَرَ الْعُسْرُ اقْتَضَتْ الْمَصْلَحَةُ ذَلِكَ.
[تَقْسِيمُ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ حَيْثُ التَّأْثِيرُ وَالْمُلَاءَمَةُ]
الْمَوْضِعُ الرَّابِعُ [تَقْسِيمُ الْمُنَاسَبَةِ مِنْ حَيْثُ التَّأْثِيرُ، وَالْمُلَاءَمَةُ]
الْمُنَاسِبُ إمَّا مُؤَثِّرٌ أَوْ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ، وَغَيْرُ الْمُؤَثِّرِ إمَّا مُلَائِمٌ أَوْ غَيْرُ مُلَائِمٍ، وَغَيْرُ الْمُلَائِمِ إمَّا غَرِيبٌ أَوْ مُرْسَلٌ أَوْ مَلْغِيٌّ.
الْأَوَّلُ: [الْمُؤَثِّرُ] : وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً بِشَرْطِ دَلَالَتِهَا عَلَى تَأْثِيرِ غَيْرِ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، أَوْ نَوْعِهِ فِي نَوْعِهِ، بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ. قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى ": هُوَ تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ. وَسُمِّيَ مُؤَثِّرًا لِظُهُورِ تَأْثِيرِ الْوَصْفِ فِي الْحُكْمِ فَالنَّصُّ كَمَسِّ الْمُتَوَضِّئِ ذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ عَيْنَ مَسِّ الْمُتَوَضِّئِ ذَكَرَهُ فِي عَيْنِ الْحَدَثِ بِنَصِّهِ عَلَيْهِ. وَالْإِجْمَاعُ: كَالصِّغَرِ، فَإِنَّهُ اعْتَبَرَ عَيْنَهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْوِلَايَةُ فِي الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ. ثُمَّ قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ: قَدْ يَكُونُ الْوَصْفُ مُنَاسِبًا، كَالصِّغَرِ الْمُنَاسِبِ لِلْوِلَايَةِ عَلَى الصَّغِيرِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا، كَخُرُوجِ الْمَنِيِّ لِإِيجَابِ الْغُسْلِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ:
стр. 2866
إنَّمَا يَتِمُّ بِالْمُنَاسَبَةِ أَوْ التَّغَيُّرِ. وَهَذَا الْقِسْمُ أَقَلُّ الْأَقْسَامِ، وَلِهَذَا قَبِلَهُ أَبُو زَيْدٍ دُونَ أَنْوَاعِ الْمُنَاسَبَاتِ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ التَّنْقِيحَاتِ. وَقَالَ صَاحِبُ جَنَّةِ النَّاظِرِ ": إطْلَاقُ لَفْظِ الْعَيْنِ هُنَا تَجَوُّزٌ، لِأَنَّ الْأَعْيَانَ هِيَ الْمُشَخَّصَاتُ، وَهِيَ لَا تَقْبَلُ التَّعْدَادَ لِيُمْكِنَ وُجُودُهَا فِي مَحَلَّيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِالْعَيْنِ هَاهُنَا مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ الْجِنْسِ، كَالنَّوْعِ وَالصِّنْفِ.
الثَّانِي: [الْمُلَائِمُ] : وَهُوَ أَنْ يَعْتَبِرَ الشَّارِعُ عَيْنَهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ بِتَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِ النَّصِّ، لَا بِنَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ. سُمِّيَ مُلَائِمًا لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ. وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ دُونَ مَا قَبْلَهَا، وَإِنَّمَا تَأَخَّرَتْ عَنْهَا لِبُعْدِ مَرْتَبَةِ النَّوْعِ بِدَرَجَةٍ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا تَأَخَّرَتْ الْمَرْتَبَةُ لَهُ أَمْكَنَ الْمُزَاحَمَةُ، كَتَعْلِيلِ الْوَصْفِ بِعَيْنِهِ، وَإِذَا كَثُرَ الْمُزَاحِمُ ضَعْفُ الظَّنُّ.
الثَّالِثُ: [الْغَرِيبُ] : وَهُوَ أَنْ يَعْتَبِرَ عَيْنَهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، فَتَرَتُّبُ الْحُكْمِ وَفْقَ الْوَصْفِ فَقَطْ، وَلَا يُعْتَبَرُ عَيْنُ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، وَلَا عَيْنُهُ وَلَا جِنْسُهُ فِي جِنْسِهِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، كَالْإِسْكَارِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ اُعْتُبِرَ عَيْنُ الْإِسْكَارِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ بِتَرْتِيبِ التَّحْرِيمِ عَلَى الْإِسْكَارِ فَقَطْ، وَمَنَعَ السُّهْرَوَرْدِيّ فِي التَّنْقِيحَاتِ وُجُودَ الْمُنَاسِبِ الْغَرِيبِ وَرَدَّ أَمْثِلَتَهُ إلَى الْمُلَائِمِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ " وَقَالَ: قَلَّمَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ اعْتِبَارُ مَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ إلَّا وَلِلشَّرْعِ الْتِفَاتٌ إلَى جِنْسِهَا، وَعَلَى الْأُصُولِيِّ التَّقْسِيمُ، وَعَلَى الْفَقِيهِ الْأَمْثِلَةُ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ: هَذَا لَا يَحْسُنُ جَعْلُهُ قِسْمًا بِرَأْسِهِ، بَلْ إنْ شَهِدَ لَهُ أَصْلٌ بِعَيْنِهِ دَخَلَ فِيمَا سَبَقَ، وَإِلَّا كَانَ مُرْسَلًا. وَمَثَّلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِنَظَرِ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ ﵄ فِي التَّفْضِيلِ فِي الْعَطَاءِ.
стр. 2867
وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ: إذَا ظَهَرَتْ الْمَعَانِي فَيَبْعُدُ أَنْ لَا يُوجَدَ لَهُ نَظِيرٌ وَلَا مَدَارٌ، بَلْ لَا يَكَادُ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ يَنْفَكُّ عَنْ نَظَرٍ بِحَالٍ. وَقَدْ قُلْت أَمْثِلَةَ الْغَرِيبِ، وَمِنْهَا تَوْرِيثُ الْمَبْتُوتَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، إلْحَاقًا بِالْقَاتِلِ الْمَمْنُوعُ مِنْ الْمِيرَاثِ، تَعْلِيلًا بِالْمُعَارَضَةِ بِنَقِيضِ الْقَصْدِ، فَإِنَّ الْمُنَاسَبَةَ ظَاهِرَةٌ. لَكِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لَمْ يُعْهَدْ اعْتِبَارُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْخَاصِّ، فَكَانَ غَرِيبًا لِذَلِكَ. هَكَذَا قَالَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ: ثُمَّ اخْتَارَ تَفْصِيلًا، وَقَالَ: إنَّهُ الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الْغَرِيبَ إذَا ظَهَرَ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُنَاسِبُ اُعْتُبِرَ، كَالْمُتَعَلِّقَةِ بِالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَالْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَظْهَرَ - وَهِيَ الْعِبَادَاتُ - قَالَ: فَلَا تَعْلِيلَ بِهَا، كَالْمَعَانِي الْغَرِيبَةِ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً، لِأَنَّا لَمْ نَعْتَمِدْ عَلَى نَفْسِ الْمَعْنَى، بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ. هَذَا كُلُّهُ فِيمَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ. فَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْهُ نُظِرَ: فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إلْغَائِهِ لَمْ يُعَلَّلْ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِلَّا فَهُوَ الْمُرْسَلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَسَّمَهُ إلَى غَرِيبٍ وَمُلَائِمٍ، وَقَبِلَهُ مَالِكٌ مُطْلَقًا، وَصَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِقَبُولِهِ أَيْضًا مَعَ تَشْدِيدِهِ الْإِنْكَارَ عَلَى مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، لَكِنَّهُ شَرَطَ فِي اعْتِبَارِ الْقَطْعِ فِيهِ كَوْنَ الْمَصْلَحَةِ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ لِأَصْلِ الْقَوْلِ بِهِ قَالَ: وَالظَّنُّ الْقَرِيبُ مِنْ الْقَطْعِ كَالْقَطْعِ، وَتَابَعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ ". وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَرْدُودٌ مُطْلَقًا. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى رَدِّ الْمُرْسَلِ غَيْرِ الْمُلَائِمِ الَّذِي لَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّرْعُ. وَفَصَّلَ قَوْمٌ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي تَرْجِيحِ الْأَقْيِسَةِ وَلَا نَرَى التَّعَلُّقَ بِكُلِّ مَصْلَحَةٍ، وَلَمْ يَرَ
стр. 2868
ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ: وَمَنْ ظَنَّ ذَلِكَ بِمَالِكٍ فَقَدْ أَخْطَأَ.
وَيَتَحَصَّلُ فِي أَقْسَامِ الْمُنَاسِبَاتِ أَنْ يُقَالَ: إنْ الْمُؤَثِّرَ - وَهُوَ مَا دَلَّ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ عَلَى اعْتِبَارِهِ - مَقْبُولٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى الْقِيَاسِ، وَمَا دَلَّ عَلَى الْغَايَةِ مَرْدُودٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَا لَمْ يَشْهَدْ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا إلْغَائِهِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: الْمَنْعُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمْ الْقَاضِي، إذْ لَا تَدُلُّ عَلَيْهَا دَلَالَةُ الْعُقُولِ، وَلَا يَشْهَدُ لَهَا أَصْلٌ مِنْ الْأُصُولِ، وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِهَا رَدَّ الشَّرِيعَةِ إلَى السِّيَاسَةِ.
وَالثَّانِي: يُقْبَلُ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ.
وَالثَّالِثُ: تُقْبَلُ مَا لَمْ يُصَادِفْهَا أَصْلٌ مِنْ الْأُصُولِ، طَرْدًا لِدَلِيلِ الْعَمَلِ بِالْقِيَاسِ. وَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ عَضَّدَهُ بِأَنْ قَالَ: الْأُصُولُ مُنْحَصِرَةٌ، وَالْأَحْكَامُ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ، وَلَمَّا كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَسْتَرْسِلُونَ فِي الْأَحْكَامِ اسْتِرْسَالَ مَنْ لَمْ يَطْلُبْ الْأُصُولَ احْتِفَاءً، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ مَرَدٍّ، وَلَا مَرَدَّ إلَّا إلَى صَحِيحِ اسْتِدْلَالٍ، وَصَارَ هَؤُلَاءِ فِي ضَبْطِ مَا يَصِحُّ بِهِ الِاسْتِدْلَال إلَى أَنَّهُ كُلُّ مَعْنَى مُنَاسِبٌ لِلْمَحَلِّ مُطَّرِدٌ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ لَا يَرُدُّهُ أَصْلٌ مَقْطُوعٌ بِهِ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ مُوَافَقَةَ مَالِكٍ، وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ. وَاَلَّذِي نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَسْتَجِيزُ التَّأَنِّي وَالْإِفْرَادَ فِي الْبُعْدِ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ تَعْلِيقُ الْأَحْكَامِ بِمَصَالِحَ يَرَاهَا شَبِيهَةً بِالْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ، وِفَاقًا بِالْمَصَالِحِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى أَحْكَامٍ ثَابِتَةِ الْأُصُولِ، فَإِنَّهُ فِي الشَّرِيعَةِ وَاجِبٌ. وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ نَحْوَهُ.
стр. 2869
وَالرَّابِعُ: يُشْتَرَطُ اقْتِرَانُ الْحُكْمِ بِهَا وَصَلَاحِيَّتُهَا لِلِاعْتِبَارِ؟ وَأَرَادَ آخَرُونَ انْضِمَامَ السَّبَبِ إلَيْهَا فِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِهَا، إذْ لَا يَمْتَنِعُ مُسَاوَقَتُهَا لَمُنَاسِبٍ آخَرَ، وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ مَنَعَ التَّعْلِيلَ بِعِلَّتَيْنِ.
وَالْخَامِسُ: يَمْتَنِعُ فِي الْعِبَادَاتِ، دُونَ مَا عَدَاهُ.
تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: قَالَ الصَّفِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي نُكَتِهِ: أَعْلَى الْأَقْسَامِ مَا يَكُونُ الْأَصْلُ شَاهِدًا بِاعْتِبَارِ عَيْنِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَجِنْسِهِ فِي جِنْسِهِ، لِأَنَّ اعْتِبَارَهُ بِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ يَكْفِي فِي الِاسْتِدْلَالِ، لِأَنَّهُ يُفِيدُ الظَّنَّ بِالْحُكْمِ، فَإِذَا تَقَوَّى بِوَجْهَيْ الِاعْتِبَارِ كَانَ اعْتِبَارُهُ أَحْرَى، وَذَلِكَ كَاعْتِبَارِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ وَالْعَبْدِ فَإِنَّ عَيْنَهُ مُعْتَبَرَةٌ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْحُرِّ، وَهُوَ مَشْهُودٌ لَهُ بِاعْتِبَارِ جِنْسِ الْجِنَايَةِ فِي جِنْسِ الْعُقُوبَةِ. وَيَلِيه: مَا يُعْتَبَرُ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، كَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ السُّكْرِ بِالْإِسْكَارِ. وَيَلِيه: مَا تُؤَثِّرُ عَيْنُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، كَتَأْثِيرِ الصِّغَرِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، لِظُهُورِ تَأْثِيرِ الصِّغَرِ فِي جِنْسِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَهُوَ وِلَايَةُ الْمَالِ. وَيَلِيه: مَا يُؤَثِّرُ جِنْسُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ، كَتَعْلِيلِ نَفْيِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ الْحَائِضِ بِعِلَّةِ الْحَرَجِ. وَيَلِيه: الْمُنَاسِبُ الْغَرِيبُ، كَالْمُطَلَّقَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ. وَلَيْسَ بَعْدَهُ إلَّا الْمُنَاسِبُ الْعَارِي عَنْ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْمُرْسَلُ، هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ - وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَنَا. انْتَهَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُنَاسَبَةُ مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ: أَمَّا فِي جَانِبِ الْحُكْمِ فَأَعَمُّ مَرَاتِبِ
стр. 2870
الْحُكْمُ كَوْنُهُ حُكْمًا، ثُمَّ يَنْقَسِمُ إلَى الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ مِنْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَغَيْرِهِمَا. ثُمَّ الْوَاجِبُ مِنْهَا إلَى عِبَادَةٍ، وَغَيْرِهَا، ثُمَّ الْعِبَادَةُ إلَى: بَدَنِيَّةٍ، وَغَيْرِهَا. ثُمَّ الْبَدَنِيَّةُ إلَى: الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا. ثُمَّ الصَّلَاةُ إلَى: فَرْضِ عَيْنٍ، وَإِلَى فَرْضِ كِفَايَةٍ. فَمَا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي مُطْلَقِ الْفَرْضِ. وَمَا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي مُطْلَقِ الْفَرْضِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي جِنْسِ الْفَرْضِ - وَهُوَ الصَّلَاةُ - وَمَا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الصَّلَاةِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي جِنْسِهَا - وَهُوَ الْعِبَادَةُ - وَمَا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي جِنْسِهَا - وَهُوَ الْوَاجِبُ - أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ فِي جِنْسِهِ وَهُوَ الْحُكْمُ.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي:
حَيْثُ أَطْلَقُوا اعْتِبَارَ الْجِنْسِ فِي الْحُكْمِ وَفِي الْوَصْفِ فَلَا يُرِيدُونَ بِهِ جِنْسَ الْأَجْنَاسِ، وَهُوَ كَوْنُ الْوَصْفِ مَصْلَحَةً، وَكَوْنُ الْحُكْمِ خِطَابًا. وَلَوْ أَرَادُوا ذَلِكَ لَكَانَ كُلُّ وَصْفٍ مَشْهُودًا لَهُ، فَعَلَى هَذَا جِنْسُ الْأَجْنَاسِ لَا يُعْتَبَرُ، وَنَوْعُ الْأَنْوَاعِ لَا يُشْتَرَطُ، وَالْمُعْتَبَرُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ نَعَمْ الشَّأْنُ فِي ضَبْطِ ذَلِكَ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ مَارَسَ الْفِقْهَ وَتَرَقَّى عَنْ رُتْبَةِ الشَّادِّينَ فِيهِ وَنَظَرَ فِي مَسَائِلِ الِاعْتِبَارِ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُخَيَّلُ لَا يَعُمُّ وُجُودُهُ الْمَسَائِلَ، بَلْ لَوْ قِيلَ: لَا يَطَّرِدُ عَلَى الْإِخَالَةِ الْمُعْتَبَرَةِ عُشْرُ الْمَسَائِلِ لَمْ يَكُنْ الْقَائِلُ مُجَازِفًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ الْمُنَاسَبَةُ هَلْ تَنْخَرِمُ بِالْمُعَارَضَةِ؟
هَذَا عَلَى قِسْمَيْنِ:
стр. 2871
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْتِيَ بِمُعَارِضٍ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَصْلَحَةِ فَهُوَ قَادِحٌ بِلَا خِلَافٍ.
الثَّانِي: أَنْ يَأْتِيَ بِمُعَارِضٍ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ مَفْسَدَةٍ أَوْ فَوَاتِ مَصْلَحَةٍ تُسَاوِي الْمَصْلَحَةَ أَوْ تُرَجَّحُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ قِيلَ فِي مُعَارَضَةِ كَوْنِ الْوَطْءِ إذْلَالًا بِأَنَّ فِيهِ إمْتَاعًا وَمَدْفَعًا لِضَرَرِ الشَّبَقِ، فَهَلْ تَبْطُلُ الْمُنَاسَبَةُ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَعُزِيَ لِلْأَكْثَرِينَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالصَّيْدَلَانِيُّ، لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَلِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ، وَالْمَصْلَحَةَ إذَا عَارَضَهَا مَا يُسَاوِيهَا لَمْ تَعُدْ عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ مَصْلَحَةً.
وَالثَّانِي: اخْتَارَهُ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ - أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ فِي جَدَلِهِ، وَرُبَّمَا نَقَلَ عَنْ ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ. وَالْمَعْنَى مِنْ انْخِرَامِهَا وَبُطْلَانِهَا هُوَ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ مُنَاسَبَتَهَا لِلْحُكْمِ إذْ ذَاكَ، فَلَا يَكُونُ لَهَا أَثَرٌ فِي اقْتِضَاءِ الْحُكْمِ، لَا أَنَّهُ يَلْزَمُ خُلُوُّ الْوَصْفِ عَنْ اسْتِلْزَامِ الْمَصْلَحَةِ وَذَهَابِهَا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُعَارِضًا. وَاعْلَمْ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي اخْتِلَالِ الْمُنَاسِبِ الْمَصْلَحِيِّ بِمُعَارِضَةِ مِثْلِهِ أَوْ أَرْجَحَ مِنْهُ فِي الْمَفْسَدَةِ، أَمَّا الْعَمَلُ بِهِ فَمَمْنُوعٌ مِمَّنْ أَثْبَتَ اخْتِلَالَ الْمُنَاسَبَةِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ تَصَرَّفَ فِي الْعَمَلِ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ بِالتَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا. وَالْوَاجِبُ هَاهُنَا امْتِنَاعُ الْعَمَلِ بِهِ لِلُزُومِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ أَوْ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ، فَيَسْتَوِي الْفَرِيقَانِ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، لَكِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَأْخَذِ، فَالْأَوَّلُ يَتْرُكُهُ لِاخْتِلَالِ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ وَالْآخَرُ يَتْرُكُهُ لِمُعَارَضَةِ الْمُقَاوِمِ أَوْ الرَّاجِحِ، فَتَرْكُ الْعَمَلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنَّ طَرِيقَهُ مُخْتَلِفٌ فِيهِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَدْ حَقَّقَ الْأَصْفَهَانِيُّ الْخِلَافَ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ ذَاتَ الْوَصْفِ مُغَايِرَةٌ
стр. 2872
لِلْمُنَاسَبَةِ قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَنَّ ذَاتَ الْوَصْفِ الْمَصْلَحِيِّ تَبْطُلُ إذَا عَارَضَتْهَا مَفْسَدَةٌ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ ذَاتَ الْوَصْفِ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا تَبْطُلُ بِالْمُعَارِضَةِ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَنَّ مُنَاسَبَتَهُ تَبْطُلُ وَمَعْنَى الْمُنَاسَبَةِ اقْتِضَاؤُهَا لِلْحُكْمِ وَاسْتِدْعَاؤُهَا لَهُ فَالْحَقُّ أَنَّهَا تَبْطُلُ. وَإِنْ شِئْت قُلْت: الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْمُنَاسَبَةِ يَسْتَدْعِي سَلَامَتَهَا عَنْ الْمُعَارِضِ، وَالْمَعْنَى بِالْمُنَاسَبَةِ عَلَى هَذَا كَوْنُ الْوَصْفِ مَصْلَحِيًّا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يَتَّجِهُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. أَمَّا مَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِهَا فَيَقُولُ بِبَقَاءِ الْمُنَاسَبَتَيْنِ أَوْ اجْتِمَاعِ جِهَتَيْ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ.
التَّفْرِيعُ: إنْ قُلْنَا: إنَّهَا تَبْطُلُ الْتَحَقَ الْوَصْفُ بِالطَّرْدِيَّاتِ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ إلَّا بِتَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ، كَأَنْ يُقَالَ: الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مُضَافٌ إلَى الْمَصْلَحَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَهِيَ رَاجِحَةٌ عَلَى مَا عَارَضَهَا مِنْ الْمَفْسَدَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ الْمَرْجُوحَةِ أَوْ إلَى مَصْلَحَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا. أَوْ لَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى شَيْءٍ أَصْلًا، وَالْكُلُّ بَاطِلٌ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ بَقِيَ الْوَصْفُ عَلَى مُنَاسَبَتِهِ وَيَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ، وَيَحْتَاجُ الْمُعَارِضُ إلَى أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ.
[الْمَسْلَكُ السَّادِسُ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ]
ُ وَيُسَمِّيه الْمَنْطِقِيُّونَ (الْقِيَاسُ الشَّرْطِيُّ الْمُنْفَصِلُ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقْسِيمًا سَمُّوهُ بِالْمُتَّصِلِ. وَهُوَ لُغَةً: الِاخْتِبَارُ، وَمِنْهُ الْمِيلُ الَّذِي يُخْتَبَرُ بِهِ الْجُرْحُ
стр. 2873
الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمِسْبَارُ، وَسُمِّيَ هَذَا بِهِ لِأَنَّ الْمُنَاظِرَ فِي الْعِلَّةِ يَقْسِمُ الصِّفَاتِ وَيَخْتَبِرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي أَنَّهُ هَلْ يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ أَمْ لَا
؟ وَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] فَإِنَّ هَذَا تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ، لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ خَلْقُهُمْ مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ خَلَقَهُمْ، وَكَوْنُهُ يَخْلُقُونَ أَنْفُسَهُمْ أَشَدُّ امْتِنَاعًا، فَعُلِمَ أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا خَلَقَهُمْ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ، ذَكَرَ الدَّلِيلَ بِصِيغَةِ اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ الْمُسْتَدَلُّ بِهَا بِطَرِيقَةٍ بَدِيهِيَّةٍ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهَا. وَفِي قَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ، فِي ابْنِ صَيَّادٍ. «إنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَك فِي قَتْلِهِ» .
وَهُوَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدُورَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَهُوَ الْمُنْحَصِرُ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ وَهُوَ الْمُنْتَشِرُ.
стр. 2874
فَالْأَوَّلُ: أَنْ يَحْصُرَ الْأَوْصَافَ الَّتِي يُمْكِنُ التَّعْلِيلُ بِهَا لِلْمَقِيسِ عَلَيْهِ ثُمَّ اخْتِبَارُهَا وَإِبْطَالُ مَا لَا يَصْلُحُ مِنْهَا، بِدَلِيلِهِ: إمَّا بِكَوْنِهِ طَرْدًا، أَوْ مُلْغًى، أَوْ نَقْضِ الْوَصْفِ أَوْ كَسْرِهِ أَوْ خَفَائِهِ وَاضْطِرَابِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لِلْعِلِّيَّةِ، وَهُوَ قَطْعِيٌّ لِإِفَادَةِ الْعِلَّةِ، وَيَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَالظَّنِّيَّاتِ، فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا، بَطَلَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا فَثَبَتَ أَنَّهُ حَادِثٌ.
وَالثَّانِي كَقَوْلِنَا: وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ إمَّا أَنْ لَا تُعَلَّلَ أَوْ تُعَلَّلَ بِالْبَكَارَةِ أَوْ الصِّغَرِ أَوْ الْأُبُوَّةِ أَوْ غَيْرِهَا. وَالْكُلُّ بَاطِلٌ سِوَى الثَّانِي، فَالْأَوَّلُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ لِقَوْلِهِ ﵇: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَحُصُولُ هَذَا الْقَسْمِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ عَسِرٌ جِدًّا، أَيْ عَلَى وَجْهِ التَّنْقِيبِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِمُنَاسِبٍ، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الطَّرْدِيُّ إذَا قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَصْلِ تَعْلِيلِهِ، كَمَا لَوْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَعْلِيلِ حُكْمٍ بِأَحَدِ أَوْصَافٍ ثُمَّ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إبْطَالِهَا كُلِّهَا خَلَا وَاحِدًا، فَيَتَعَيَّنُ لِلتَّعْلِيلِ وَإِنْ كَانَ طَرْدِيًّا وَإِلَّا اخْتَلَفَ الْإِجْمَاعُ. وَهُوَ مُلَخَّصُ مَا اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَأَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَرْكِيبَ فِيهَا، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلَا يَكْفِي، فَإِنَّهُ وَإِنْ بَطَلَ كَوْنُهُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً جَازَ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهَا. وَإِذَا انْضَمَّ إلَى غَيْرِهِ صَارَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكْفِي فِي إبْطَالِ سَائِرِ الْأَقْسَامِ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إبْطَالِ كَوْنِ الْمَجْمُوعِ عِلَّةً أَوْ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ حَاصِرًا
стр. 2875
لِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ.
وَطَرِيقُهُ أَنْ يُوَافِقَهُ الْخَصْمُ عَلَى انْحِصَارِهَا فِيمَا ذَكَرَ أَوْ يَعْجِزَ عَنْ إظْهَارِ زَائِدٍ، وَإِلَّا فَيَكْفِي الْمُسْتَدِلُّ أَنْ يَقُولَ: بَحَثْت عَنْ الْأَوْصَافِ فَلَمْ أَجِدْ مَعْنًى سِوَى مَا ذَكَرْته، أَوْ الْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا، وَاكْتَفَوْا فِي حَصْرِ الْأَوْصَافِ بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ. وَهَذَا إذَا كَانَ أَهْلًا لِلْبَحْثِ، وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى جَمِيعِ النُّصُوصِ، ثُمَّ إلَى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ وُجُوهِ الدَّلَالَاتِ، وَهَذَا عَسِرٌ جِدًّا. وَقَدْ يَكُونُ عِلْمُهُ قَلِيلًا وَفَهْمُهُ نَاقِصًا.
وَكَذَلِكَ قَالَ الصَّفِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي نُكَتِهِ: مِنْ الْفَاسِدِ قَوْلُ الْمُعَلِّلِ فِي جَوَابِ طَالِبِ الْحَصْرِ: بَحَثْت وَسَبَرْت فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنْ ظَفِرْت بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَأَبْرِزْهَا وَإِلَّا يَلْزَمُك مَا يَلْزَمُنِي قَالَ: وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ سِبْرَهُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا، لِأَنَّ الدَّلِيلَ مَا يُعْلَمُ بِهِ الْمَدْلُولُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَعْلَمَ طَالِبُ الْحَصْرِ الِانْحِصَارَ بِبَحْثِهِ وَنَظَرِهِ، وَجَهْلُهُ لَا يُوجِبُ عَلَى خَصْمِهِ أَمْرًا، وَاخْتَارَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ. ثُمَّ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا رَجَعَ إلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ، وَإِنْ كَانَ مُنَاظِرًا وَلَمْ يُسَاعِدْهُ الْخَصْمُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إبْدَاءُ كَيْفِيَّةِ السَّبْرِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ دَرْءُ قَوْلِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ تَقْسِيمٌ مُتَوَجِّهٌ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَ (أَصَحُّهُمَا) ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمَنْخُولِ، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إبْدَاءِ كَيْفِيَّةِ السَّبْرِ، لِيَكُونَ دَلِيلًا غَيْرَ مُقْتَصَرٍ عَلَى مُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَلَيْسَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: لَمْ يُبْحَثْ، أَوْ يُسْبِرْ، أَوْ هُوَ غَرِيبٌ، وَلَا أَنْ يَقُولَ: بَقِيَ وَصْفٌ آخَرُ وَلَا أُبْرِزُهُ.
تَنْبِيهٌ:
لَمْ يَحْكُوا خِلَافًا فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَرَأَيْت فِي كِتَابِ ابْنِ فُورَكٍ: إذَا كَانَتْ
следующие страницы →