Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْتِيَ بِمُعَارِضٍ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَصْلَحَةِ فَهُوَ قَادِحٌ بِلَا خِلَافٍ.
الثَّانِي: أَنْ يَأْتِيَ بِمُعَارِضٍ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ مَفْسَدَةٍ أَوْ فَوَاتِ مَصْلَحَةٍ تُسَاوِي الْمَصْلَحَةَ أَوْ تُرَجَّحُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ قِيلَ فِي مُعَارَضَةِ كَوْنِ الْوَطْءِ إذْلَالًا بِأَنَّ فِيهِ إمْتَاعًا وَمَدْفَعًا لِضَرَرِ الشَّبَقِ، فَهَلْ تَبْطُلُ الْمُنَاسَبَةُ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَعُزِيَ لِلْأَكْثَرِينَ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَالصَّيْدَلَانِيُّ، لِأَنَّ دَفْعَ الْمَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ، وَلِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ، وَالْمَصْلَحَةَ إذَا عَارَضَهَا مَا يُسَاوِيهَا لَمْ تَعُدْ عِنْدَ أَهْلِ الْعُرْفِ مَصْلَحَةً.
وَالثَّانِي: اخْتَارَهُ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ - أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ فِي جَدَلِهِ، وَرُبَّمَا نَقَلَ عَنْ ظَاهِرِ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ. وَالْمَعْنَى مِنْ انْخِرَامِهَا وَبُطْلَانِهَا هُوَ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ مُنَاسَبَتَهَا لِلْحُكْمِ إذْ ذَاكَ، فَلَا يَكُونُ لَهَا أَثَرٌ فِي اقْتِضَاءِ الْحُكْمِ، لَا أَنَّهُ يَلْزَمُ خُلُوُّ الْوَصْفِ عَنْ اسْتِلْزَامِ الْمَصْلَحَةِ وَذَهَابِهَا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُعَارِضًا. وَاعْلَمْ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِي اخْتِلَالِ الْمُنَاسِبِ الْمَصْلَحِيِّ بِمُعَارِضَةِ مِثْلِهِ أَوْ أَرْجَحَ مِنْهُ فِي الْمَفْسَدَةِ، أَمَّا الْعَمَلُ بِهِ فَمَمْنُوعٌ مِمَّنْ أَثْبَتَ اخْتِلَالَ الْمُنَاسَبَةِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ تَصَرَّفَ فِي الْعَمَلِ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ بِالتَّرْجِيحِ بَيْنَهُمَا. وَالْوَاجِبُ هَاهُنَا امْتِنَاعُ الْعَمَلِ بِهِ لِلُزُومِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ أَوْ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الرَّاجِحَةِ، فَيَسْتَوِي الْفَرِيقَانِ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ، لَكِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَأْخَذِ، فَالْأَوَّلُ يَتْرُكُهُ لِاخْتِلَالِ مُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ وَالْآخَرُ يَتْرُكُهُ لِمُعَارَضَةِ الْمُقَاوِمِ أَوْ الرَّاجِحِ، فَتَرْكُ الْعَمَلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنَّ طَرِيقَهُ مُخْتَلِفٌ فِيهِ، كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَدْ حَقَّقَ الْأَصْفَهَانِيُّ الْخِلَافَ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ ذَاتَ الْوَصْفِ مُغَايِرَةٌ
стр. 2872
لِلْمُنَاسَبَةِ قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَنَّ ذَاتَ الْوَصْفِ الْمَصْلَحِيِّ تَبْطُلُ إذَا عَارَضَتْهَا مَفْسَدَةٌ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ ذَاتَ الْوَصْفِ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا تَبْطُلُ بِالْمُعَارِضَةِ. وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي أَنَّ مُنَاسَبَتَهُ تَبْطُلُ وَمَعْنَى الْمُنَاسَبَةِ اقْتِضَاؤُهَا لِلْحُكْمِ وَاسْتِدْعَاؤُهَا لَهُ فَالْحَقُّ أَنَّهَا تَبْطُلُ. وَإِنْ شِئْت قُلْت: الْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الْمُنَاسَبَةِ يَسْتَدْعِي سَلَامَتَهَا عَنْ الْمُعَارِضِ، وَالْمَعْنَى بِالْمُنَاسَبَةِ عَلَى هَذَا كَوْنُ الْوَصْفِ مَصْلَحِيًّا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا يَتَّجِهُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. أَمَّا مَنْ قَالَ بِتَخْصِيصِهَا فَيَقُولُ بِبَقَاءِ الْمُنَاسَبَتَيْنِ أَوْ اجْتِمَاعِ جِهَتَيْ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ.
التَّفْرِيعُ: إنْ قُلْنَا: إنَّهَا تَبْطُلُ الْتَحَقَ الْوَصْفُ بِالطَّرْدِيَّاتِ وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ إلَّا بِتَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ، كَأَنْ يُقَالَ: الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مُضَافٌ إلَى الْمَصْلَحَةِ الْفُلَانِيَّةِ وَهِيَ رَاجِحَةٌ عَلَى مَا عَارَضَهَا مِنْ الْمَفْسَدَةِ، وَإِلَّا لَزِمَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى غَيْرِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ الْمَرْجُوحَةِ أَوْ إلَى مَصْلَحَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا. أَوْ لَا يَكُونُ مُضَافًا إلَى شَيْءٍ أَصْلًا، وَالْكُلُّ بَاطِلٌ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ بَقِيَ الْوَصْفُ عَلَى مُنَاسَبَتِهِ وَيَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ، وَيَحْتَاجُ الْمُعَارِضُ إلَى أَصْلٍ يَشْهَدُ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ.
[الْمَسْلَكُ السَّادِسُ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ]
ُ وَيُسَمِّيه الْمَنْطِقِيُّونَ (الْقِيَاسُ الشَّرْطِيُّ الْمُنْفَصِلُ) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقْسِيمًا سَمُّوهُ بِالْمُتَّصِلِ. وَهُوَ لُغَةً: الِاخْتِبَارُ، وَمِنْهُ الْمِيلُ الَّذِي يُخْتَبَرُ بِهِ الْجُرْحُ
стр. 2873
الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمِسْبَارُ، وَسُمِّيَ هَذَا بِهِ لِأَنَّ الْمُنَاظِرَ فِي الْعِلَّةِ يَقْسِمُ الصِّفَاتِ وَيَخْتَبِرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي أَنَّهُ هَلْ يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ أَمْ لَا
؟ وَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] فَإِنَّ هَذَا تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ، لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ خَلْقُهُمْ مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ خَلَقَهُمْ، وَكَوْنُهُ يَخْلُقُونَ أَنْفُسَهُمْ أَشَدُّ امْتِنَاعًا، فَعُلِمَ أَنَّ لَهُمْ خَالِقًا خَلَقَهُمْ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ، ذَكَرَ الدَّلِيلَ بِصِيغَةِ اسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ الْمُسْتَدَلُّ بِهَا بِطَرِيقَةٍ بَدِيهِيَّةٍ لَا يُمْكِنُ إنْكَارُهَا. وَفِي قَوْلِهِ ﷺ لِعُمَرَ، فِي ابْنِ صَيَّادٍ. «إنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَك فِي قَتْلِهِ» .
وَهُوَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَدُورَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَهُوَ الْمُنْحَصِرُ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ وَهُوَ الْمُنْتَشِرُ.
стр. 2874
فَالْأَوَّلُ: أَنْ يَحْصُرَ الْأَوْصَافَ الَّتِي يُمْكِنُ التَّعْلِيلُ بِهَا لِلْمَقِيسِ عَلَيْهِ ثُمَّ اخْتِبَارُهَا وَإِبْطَالُ مَا لَا يَصْلُحُ مِنْهَا، بِدَلِيلِهِ: إمَّا بِكَوْنِهِ طَرْدًا، أَوْ مُلْغًى، أَوْ نَقْضِ الْوَصْفِ أَوْ كَسْرِهِ أَوْ خَفَائِهِ وَاضْطِرَابِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الْبَاقِي لِلْعِلِّيَّةِ، وَهُوَ قَطْعِيٌّ لِإِفَادَةِ الْعِلَّةِ، وَيَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَالظَّنِّيَّاتِ، فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا، بَطَلَ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا فَثَبَتَ أَنَّهُ حَادِثٌ.
وَالثَّانِي كَقَوْلِنَا: وِلَايَةُ الْإِجْبَارِ إمَّا أَنْ لَا تُعَلَّلَ أَوْ تُعَلَّلَ بِالْبَكَارَةِ أَوْ الصِّغَرِ أَوْ الْأُبُوَّةِ أَوْ غَيْرِهَا. وَالْكُلُّ بَاطِلٌ سِوَى الثَّانِي، فَالْأَوَّلُ بِالْإِجْمَاعِ.
وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ لِقَوْلِهِ ﵇: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَحُصُولُ هَذَا الْقَسْمِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ عَسِرٌ جِدًّا، أَيْ عَلَى وَجْهِ التَّنْقِيبِ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِمُنَاسِبٍ، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الطَّرْدِيُّ إذَا قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَصْلِ تَعْلِيلِهِ، كَمَا لَوْ قَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَعْلِيلِ حُكْمٍ بِأَحَدِ أَوْصَافٍ ثُمَّ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى إبْطَالِهَا كُلِّهَا خَلَا وَاحِدًا، فَيَتَعَيَّنُ لِلتَّعْلِيلِ وَإِنْ كَانَ طَرْدِيًّا وَإِلَّا اخْتَلَفَ الْإِجْمَاعُ. وَهُوَ مُلَخَّصُ مَا اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَأَنْ يَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَرْكِيبَ فِيهَا، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الرِّبَا، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَلَا يَكْفِي، فَإِنَّهُ وَإِنْ بَطَلَ كَوْنُهُ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً جَازَ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهَا. وَإِذَا انْضَمَّ إلَى غَيْرِهِ صَارَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكْفِي فِي إبْطَالِ سَائِرِ الْأَقْسَامِ الِاسْتِدْلَال عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهَا عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إبْطَالِ كَوْنِ الْمَجْمُوعِ عِلَّةً أَوْ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ حَاصِرًا
стр. 2875
لِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ.
وَطَرِيقُهُ أَنْ يُوَافِقَهُ الْخَصْمُ عَلَى انْحِصَارِهَا فِيمَا ذَكَرَ أَوْ يَعْجِزَ عَنْ إظْهَارِ زَائِدٍ، وَإِلَّا فَيَكْفِي الْمُسْتَدِلُّ أَنْ يَقُولَ: بَحَثْت عَنْ الْأَوْصَافِ فَلَمْ أَجِدْ مَعْنًى سِوَى مَا ذَكَرْته، أَوْ الْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهَا، وَاكْتَفَوْا فِي حَصْرِ الْأَوْصَافِ بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ. وَهَذَا إذَا كَانَ أَهْلًا لِلْبَحْثِ، وَنَازَعَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى جَمِيعِ النُّصُوصِ، ثُمَّ إلَى مَعْرِفَةِ جَمِيعِ وُجُوهِ الدَّلَالَاتِ، وَهَذَا عَسِرٌ جِدًّا. وَقَدْ يَكُونُ عِلْمُهُ قَلِيلًا وَفَهْمُهُ نَاقِصًا.
وَكَذَلِكَ قَالَ الصَّفِيُّ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي نُكَتِهِ: مِنْ الْفَاسِدِ قَوْلُ الْمُعَلِّلِ فِي جَوَابِ طَالِبِ الْحَصْرِ: بَحَثْت وَسَبَرْت فَلَمْ أَجِدْ غَيْرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَإِنْ ظَفِرْت بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَأَبْرِزْهَا وَإِلَّا يَلْزَمُك مَا يَلْزَمُنِي قَالَ: وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّ سِبْرَهُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا، لِأَنَّ الدَّلِيلَ مَا يُعْلَمُ بِهِ الْمَدْلُولُ، وَمُحَالٌ أَنْ يَعْلَمَ طَالِبُ الْحَصْرِ الِانْحِصَارَ بِبَحْثِهِ وَنَظَرِهِ، وَجَهْلُهُ لَا يُوجِبُ عَلَى خَصْمِهِ أَمْرًا، وَاخْتَارَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ. ثُمَّ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا رَجَعَ إلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ، وَإِنْ كَانَ مُنَاظِرًا وَلَمْ يُسَاعِدْهُ الْخَصْمُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ إبْدَاءُ كَيْفِيَّةِ السَّبْرِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ دَرْءُ قَوْلِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَرَاءَهُ تَقْسِيمٌ مُتَوَجِّهٌ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَ (أَصَحُّهُمَا) ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمَنْخُولِ، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إبْدَاءِ كَيْفِيَّةِ السَّبْرِ، لِيَكُونَ دَلِيلًا غَيْرَ مُقْتَصَرٍ عَلَى مُجَرَّدِ الدَّعْوَى، وَلَيْسَ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: لَمْ يُبْحَثْ، أَوْ يُسْبِرْ، أَوْ هُوَ غَرِيبٌ، وَلَا أَنْ يَقُولَ: بَقِيَ وَصْفٌ آخَرُ وَلَا أُبْرِزُهُ.
تَنْبِيهٌ:
لَمْ يَحْكُوا خِلَافًا فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَرَأَيْت فِي كِتَابِ ابْنِ فُورَكٍ: إذَا كَانَتْ
стр. 2876
فِي الْمَسْأَلَةِ عِلَلٌ فَفَسَدَتْ إلَّا وَاحِدَةٌ، هَلْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهَا؟ وَجْهَانِ، الصَّحِيحُ: نَعَمْ، إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، وَثَبَتَ أَنَّ مَا عَدَاهَا فَاسِدٌ، فَعُلِمَ أَنَّ الْحَقَّ فِيهَا أَوْ لَا يَجُوزُ خُرُوجُ الْحَقِّ عَنْ جَمَاعَتِهَا. انْتَهَى.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
وَهُوَ الْمُنْتَشِرُ، بِأَنْ لَا يَدُورَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ أَوْ دَارَ وَلَكِنْ كَانَ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِ عِلِّيَّةِ مَا عَدَا الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ ظَنًّا، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، لَا فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَلَا فِي الظَّنِّيَّاتِ، وَحَكَاهُ فِي الْبُرْهَانِ عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ.
الثَّانِي: أَنَّهُ حُجَّةٌ فِي الْعَمَلِيَّاتِ فَقَطْ لِأَنَّهُ يُثِيرُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ بَرْهَانٍ، وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَمَثَّلَ ابْنُ بَرْهَانٍ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْقَطْعِيِّ هُنَا بِقَوْلِ أَصْحَابِنَا: اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَرَى لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَكُلُّ مَوْجُودٍ يَصِحُّ أَنْ يَرَى. وَفِي الظَّنِّيِّ بِقَوْلِهِمْ: الْإِيلَاءُ إمَّا أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا أَوْ يَمِينًا، فَإِذَا بَطَلَ أَنْ يَكُونَ طَلَاقًا ثَبَتَ أَنَّهُ يَمِينٌ. فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا طَلَاقًا وَلَا يَمِينًا وَلَهُ حُكْمٌ آخَرُ. قُلْنَا: نَحْنُ لَا نَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الشَّرْعِ حُكْمٌ آخَرُ فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا وَلَا يَمِينًا، وَلَكِنَّ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّنَا هُوَ هَذَا الْقَدْرُ، وَالْمَقْصُودُ إظْهَارُ غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ. (انْتَهَى) .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حُجَّةٌ لِلنَّاظِرِ دُونَ الْمُنَاظِرِ، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ: بِقَيْدٍ تَضَمَّنَ إبْطَالَ مَذْهَبِ الْخَصْمِ دُونَ تَصْحِيحِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، إذْ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُقَالَ: مَا أَبْطَلْته بَاطِلٌ، وَمَا اخْتَرْته بَاطِلٌ، وَالْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي وَقَعَ الْبَحْثُ فِيهِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، فَلَا يَصْلُحُ السَّبْرُ لِإِثْبَاتِ مَعْنَى الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ الْخَصْمِ. وَحَكَى الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ، وَعَزَاهُ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَالْقَاضِي وَسَائِرِ الْأَصْحَابِ.
стр. 2877
قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ فَقَدْ نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ ضِمْنًا وَتَصْرِيحًا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، فَمِنْ الضِّمْنِ قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ﴾ [الأنعام: ١٣٩] إلَى قَوْلِهِ: ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] ، وَمِنْ التَّصْرِيحِ قَوْلُهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] إلَى قَوْلِهِ: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤] .
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمَسَالِكِ هُوَ الْمَشْهُورُ وَنَازَعَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي جَدَلِهِ فَقَالَ: إنَّهُ شَرْطٌ لَا دَلِيلٌ، لِأَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي يَنْفِيه السَّبْرُ إمَّا أَنْ يَقْطَعَ بِمُنَاسَبَتِهِ فَهُوَ التَّخْرِيجُ، أَوْ يَعْرُوَ عَنْهَا فَهُوَ الطَّرْدِيُّ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُعَلِّلَ بِهِ، أَوْ لَا يَقْطَعَ بِوُجُودِهِ فِيهِ وَلَا عَدَمِهَا فَهُوَ الشَّبَهُ، فَلَا بُدَّ فِي الْعِلَّةِ مِنْ اعْتِبَارِ وُجُودِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ صَلَاحِيَّتِهَا لِذَلِكَ. وَيَلْزَمُ مِنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ. إلَّا أَنَّ التَّقْسِيمَ إذَا كَانَ دَائِرًا بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَأُبْطِلَ أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ مَثَلًا تَعَيَّنَ الْمَطْلُوبُ فِي الثَّانِي قَطْعًا، كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ إمَّا قَدِيمٌ وَإِمَّا حَادِثٌ، مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِكَذَا، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا، فَإِنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ بُرْهَانٌ قَطْعِيٌّ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّ ب " الشَّرْطِيِّ الْمُتَّصِلِ ".
وَقَالَ فِي " أُصُولِهِ ": أَكْثَرُ النُّظَّارِ عَدُّوا هَذَا الْمَسْلَكَ دَلِيلًا عَلَى التَّعْلِيلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَذَلِكَ أَنَّ مَا يَنْفِيه السَّبْرُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْمُنَاسَبَةِ، وَهُوَ قِيَاسُ الْعِلَّةِ، أَوْ صَالِحًا لَهَا، وَهُوَ الشَّبَهُ، فَالتَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ عَلَى التَّعْلِيلِ هُنَا هُوَ الْمُنَاسَبَةُ، غَيْرَ أَنَّ السَّبْرَ عَيْنُ دَلِيلِ الْوَصْفِ، فَالسَّبْرُ إذَنْ شَرْطٌ، لَا دَلِيلٌ، وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمَسَالِكِ النَّظَرِيَّةِ، فَلَيْسَ مَسْلَكًا بِنَفْسِهِ، بَلْ هُوَ شَرْطُ الْمَسَالِكِ النَّظَرِيَّةِ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ فِي الدَّوَرَانِ أَنَّهُ شَرْطٌ لِلْعِلَّةِ لَا تَثْبُتُ مَعَ دَلِيلٍ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَتَمَشَّى مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي السَّبْرِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. انْتَهَى.
стр. 2878
وَقَدْ جَزَمَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى بِأَنَّهُ إذَا اسْتَقَامَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى مُنَاسَبَةٍ، وَنَازَعَهُ شَارِحُهُ الْعَبْدَرِيّ أَيْضًا، لِاعْتِقَادِهِ بِأَنَّ السَّبْرَ لَيْسَ مِنْ مَسَائِلِ الْعِلَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَادِمٌ لِلْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ، أَيْ بِهِ يَتَقَيَّدُ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ الْمُخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ: السَّبْرُ يَرْجِعُ إلَى اخْتِبَارٍ فِي أَوْصَافِ الْمَحَلِّ وَضَبْطِهَا، وَالتَّقْسِيمُ يَرْجِعُ إلَى إبْطَالِ مَا يَظْهَرُ إبْطَالُهُ فِيهَا، فَإِذَنْ لَا يَكُونُ مِنْ الْأَدِلَّةِ بِحَالٍ. وَإِنَّمَا تَسَامَحَ الْأُصُولِيُّونَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالدَّلِيلِ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي جُمْلَةِ الْأَوْصَافِ، وَالدَّلِيلُ الثَّانِي دَلَّ عَلَى التَّعْيِينِ. وَإِلَّا فَالسَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ لَيْسَ هُوَ دَلِيلًا قَالَ: وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
إحْدَاهَا: أَنْ يَتَبَيَّنَ الْمَطْلُوبُ فِي الْجُمْلَةِ:
وَثَانِيهَا: سَبْرٌ خَاصٌّ.
وَثَالِثُهَا: إبْطَالُ مَا عَدَا الْمُخْتَارِ. فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ مَعْلُومَةً حَصَلَ الْعِلْمُ بِالْمَطْلُوبِ وَإِلَّا فَلَا، بَلْ تَحْصُلُ غَلَبَةُ الظَّنِّ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مِمَّا يُكْتَفَى فِيهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ اُكْتُفِيَ بِهِ وَإِلَّا فَلَا قَالَ: وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ خِلَافٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي شَرْحِهِ: زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ السَّبْرَ إذَا دَارَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَهُوَ التَّقْسِيمُ، وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ، وَإِلَّا فَهُوَ السَّبْرُ، وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ، بَلْ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ مُتَغَايِرَانِ مُتَلَازِمَانِ فِي الدَّلَالَةِ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَفِي الْفِقْهِيَّاتِ سَوَاءٌ دَارَتْ الْقِسْمَةُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ أَمْ لَا. فَالسَّبْرُ إذَنْ فِي الْعَقْلِيَّاتِ: اخْتِبَارُ الْمُقَدَّرَاتِ لِيَنْظُرَ أَيُّهَا الْحَقُّ. وَالتَّقْسِيمُ أَنْ يَقْسِمَ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ بَيْنَهُمَا فَيَعْتَبِرَ مَا هُوَ الْعِلَّةُ، وَيُلْغِي مَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ. وَقَدْ بَانَ لَك بِهَذَا أَنَّ الدَّلِيلَ لَيْسَ نَفْسَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ إضَافَةَ الْعِلِّيَّةِ إلَى الْعِلَّةِ، وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الْأَوْصَافِ عِلَّةٌ مَعَ دَلِيلِ إلْغَاءِ سَائِرِ الْأَوْصَافِ إلَّا الْمُبْقَى فَيَتَعَيَّنُ، وَتَقْرِيرُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ أَحَدَ
стр. 2879
الْأَوْصَافِ عِلَّةُ الِاسْتِقْرَاءِ مِنْ سِبْرِ الْأَوَّلِينَ فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوا الْأَحْكَامَ بِجُمْلَتِهَا، أَوْ عَلَّلُوا أَكْثَرَهَا، وَالْأَكْثَرِيَّةُ مُلْحَقَةٌ بِالْعُمُومِ، وَحَكَمُوا بِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَعْدُو أَوْصَافَ الْمَحَلِّ، فَيَجِبُ إلْحَاقُ كُلِّ صُورَةٍ بِالْعَامِّ أَوْ بِالْأَغْلَبِ. وَتَقْرِيرُ إبْطَالِ مَا عَدَا الْمُبْقَى يَكُونُ بِأَدِلَّةِ الْإِبْطَالِ، كَبَيَانِ أَنَّ الْأَوْصَافَ طَرْدِيَّةٌ، أَوْ لَا مُنَاسَبَةَ فِيهَا، أَوْ يَقُولُ: بَحَثْت فَلَمْ تَظْهَرْ لِي مُنَاسَبَةٌ قَالَ: وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِالثَّانِي إشْكَالٌ، فَإِنَّ الْمُبْقَى لَمْ تَظْهَرْ مُنَاسَبَتُهُ أَيْضًا، وَإِلَّا بَطَلَتْ فَائِدَةُ السَّبْرِ وَخُصُوصِيَّتُهُ. وَكَبَيَانِ الْإِلْغَاءِ فِي الْأَوْصَافِ لِوُجُودِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ بِالْمُبْقَى مُنْفَرِدًا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْصَافِ، فَيَنْدَفِعُ احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ الْمُبْقَى جُزْءَ عِلَّةٍ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَوْصَافِ.
(قَالَ) : وَمِنْ الْأَسْئِلَةِ الْعَاصِمَةِ لِمَسْلَكِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ أَنَّ الْمُبْقَى لَا يَخْلُو فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا، أَوْ شَبَهًا، أَوْ طَرْدًا خَالِيًا، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَوْ لَا، فَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَصْلَحَةٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُنْضَبِطَةً لِلْفَهْمِ، أَوْ كُلِّيَّةً لَا تَنْضَبِطُ.
فَالْأَوَّلُ: الْمُنَاسِبُ.
وَالثَّانِي: الشَّبَهُ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مَصْلَحَةٍ أَصْلًا فَهُوَ الطَّرْدُ الْمَرْدُودُ. فَإِنْ كَانَ ثَمَّ مُنَاسَبَةٌ أَوْ شَبَهٌ لَغَا السَّبْرَ وَالتَّقْسِيمَ. فَإِنْ كَانَ عُرْيًا عَنْ الْمُنَاسَبَةِ قَطْعًا لَمْ يَنْفَعْ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ أَيْضًا. فَإِنْ قُلْت: يَنْفَعُ فِي حَمْلِ النَّظَرِ فِي الْمُنَاسَبَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ. قُلْت: لَا يُحْمَلُ ذَلِكَ عَنْهُ، لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ عِنْدَنَا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ مَكْشُوفٌ، حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُ ذَوْقِيٌّ أَوْ ضَرُورِيٌّ كَالْمَحْسُوسِ، فَالْمُجْتَهِدُ إذًا يَعْلَمُهُ إذَا لَمْ يَذُقْ فِيهِ مَصْلَحَةً مُنْضَبِطَةً وَلَا غَيْرَهَا أَنَّهُ لَا مُنَاسِبَ وَلَا شَبَهَ فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ طَرْدٌ.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي:
نَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّ السَّبْرَ وَالتَّقْسِيمَ مِنْ أَقْوَى مَا تَثْبُتُ بِهِ الْعِلَلُ، وَاسْتَشْكَلَهُ، وَوَجَّهَهُ الْإِبْيَارِيُّ بِأَنَّ مُثْبِتَ الْعِلَّةِ بِالْمُنَاسَبَةِ أَوْ الشَّبَهِ
стр. 2880
يُكْتَفَى مِنْهُ فِي النَّظَرِ بِذَلِكَ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُبْدِيَ الْخَصْمُ مُعَارِضًا رَاجِحًا. وَأَمَّا إذَا أَسْنَدَ إلَى السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ فَقَدْ وَفَّى الْوَظِيفَةَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ وَلَمْ يَبْقَ مُتَوَقِّعًا ظُهُورَ مَا يَقْدَحُ أَوْ يَضُرُّ، وَنَازَعَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ وَقَالَ: نَحْنُ نَدْفَعُ أَصْلَ كَوْنِهِ مَسْلَكًا، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مُتَمَيِّزًا. وَقَوْلُهُ سَلَفٌ إبْطَالُ الْمُعَارَضَاتِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّهُ وَضَعَ النَّظَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِ الْمُعَارَضَاتِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ كَافِيًا فِي التَّصْحِيحِ فَأَيْنَ الدَّلِيلُ الَّذِي ذَبَّ الْمُعَارِضَاتِ عَنْهُ. وَأَمَّا التَّمَسُّكُ بِالْمُنَاسَبَاتِ فَإِنَّهُ وَجْهُ الدَّلِيلِ، وَهِيَ الْمُعَارَضَاتُ بِالْأَصْلِ، فَإِنَّا مَا نُلْحِقُ بِهِ مَنْ اشْتَغَلَ بِدَفْعِ الْمُعَارَضَاتِ وَقَنَعَ بِذَلِكَ دَلِيلًا.
التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ:
إنْ أَبْدَى الْمُعْتَرِضَ وَصْفًا زَائِدًا لَمْ يُكَلَّفْ بِبَيَانِ صَلَاحِيَّتِهِ لِلتَّعْلِيلِ، وَلَا يَنْقَطِعُ الْمُسْتَدِلُّ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ حَتَّى يَعْجَزَ عَنْ إبْطَالِهِ، بَلْ لَهُ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ بِطُرُقٍ:
أَحَدُهَا: بَيَانُ بَقَاءِ الْحُكْمِ مَعَ عَدَمِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، كَقَوْلِنَا: يَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ عَاقِلٌ مُسْلِمٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، كَالْحُرِّ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الْعِلَّةُ ثَمَّ وَصْفٌ زَائِدٌ، وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ، مَفْقُودٌ فِي الْعَبْدِ. فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: وَصْفُ الْحُرِّيَّةِ مُلْغًى فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ، فَإِنَّ أَمَانَهُ يَصِحُّ بِاتِّفَاقِ عَدَمِ الْحُرِّيَّةِ فَصَارَ وَصْفًا لَاغِيًا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ.
ثَانِيهَا: أَنْ يُبَيِّنَ كَوْنَهُ وَصْفًا طَرْدِيًّا وَلَوْ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ كَقَوْلِنَا: سَرَى الْعِتْقُ فِي الْأَمَةِ، كَالْعَبْدِ، بِجَامِعِ الرِّقِّ، إذْ لَا عِلَّةَ غَيْرَهُ، فَإِنْ قَالَ: فِي الْأَصْلِ وَصْفٌ زَائِدٌ، وَهُوَ الذُّكُورَةُ الْمُحَصِّلَةُ لِلْكَسْبِ، فَنَقُولُ: هُوَ وَصْفٌ لَمْ يَعْتَبِرْهُ
стр. 2881
الشَّرْعُ فِي بَابِ الْعِتْقِ. وَقَدْ يَتَّفِقَانِ عَلَى إبْطَالِ مَا عَدَا وَصْفَيْنِ فَيَكْفِي الْمُسْتَدِلُّ التَّرْدِيدُ بَيْنَهُمَا.
ثَالِثُهُمَا: أَنْ لَا تَظْهَرَ مُنَاسَبَةُ الْمَحْذُوفِ. وَقَدْ سَبَقَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِ الْمُنَاظِرِ: بَحَثْت فَلَمْ أَجِدْ مُنَاسَبَةً، عَلَى أَحَدِ الرَّأْيَيْنِ. فَإِنْ ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ أَنَّ الْوَصْفَ الْمُسْتَبْقَى كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ بَيَانُ مُنَاسَبَتِهِ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ، وَلَكِنْ يُرَجَّحُ سَبْرُهُ لِمُوَافَقَتِهِ لِتَعَدِّيَةِ الْحُكْمِ عَلَى سِبْرِ الْمُعْتَرِضِ لِعَدَمِهَا، فَإِنَّ التَّعَدِّيَ أَوْلَى.
التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ:
قَسَّمَ إلْكِيَا السَّبْرَ إلَى مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَطْعِيَّاتِ وَهُوَ الْمُفْضِي إلَى الْيَقِينِ بِأَنْ يَكُونَ حَاصِرًا يَقِينًا، بِالدَّوْرِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. (قَالَ) : وَهُوَ الْمُلَقَّبُ ب " بُرْهَانِ الْخَلْفِ " وَكَانَ الْعَقْلُ دَالًّا عَلَى أَنَّ الْحَقَّ أَحَدُهُمَا، فَإِذَا بَانَ بُطْلَانُ أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ الثَّانِي لِلصِّحَّةِ، فَقَدْ قَامَ دَلِيلُ الثَّانِي عَلَى الْخُصُوصِ بِبُطْلَانِ ضِدِّهِ، وَإِلَى مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الظَّنِّيَّاتِ، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ إثْبَاتُ حُكْمِهِ أَوْ دَلِيلِهِ.
وَالْأَوَّلُ يَكْفِي فِيهِ انْتِهَاءُ السَّبْرِ إلَى حَدِّ الظَّنِّ، سَوَاءٌ كَانَ فِي شَيْئَيْنِ أَوْ أَشْيَاءَ، لِأَنَّ الظَّنَّ لَا يَخْتَصُّ بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، بَلْ قَدْ يَقَعُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَعَاقِبَيْنِ، كَقَوْلِنَا: الْإِيلَاءُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُوجِبَ التَّوَقُّفَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ أَوْ الْبَيْنُونَةَ، فَلَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُضِيَّ الْمُدَّةِ لَا يُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، إذْ لَا حُكْمَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ طَرِيقُ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا بَيِّنٌ. وَمَسْأَلَةُ اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ تَقْتَضِي أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا، فَإِذَا بَطَلَ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ الْآخَرُ.
وَالثَّانِي مَا عُلِمَ أَنَّ بُطْلَانَ دَلِيلِ الْحُكْمِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَلِ، إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ عَلَى كَوْنِهِ مُعَلَّلًا ثُمَّ يَسْبُرُ مَا عَدَا الْعِلَّةِ الَّتِي يَذْهَبُ إلَيْهَا وَيُبْطِلُهُ فَتَصِحُّ
стр. 2882
عِلَّتُهُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، بَلْ يَكْفِي ذِكْرُ مُجَرَّدِ الْوَصْفِ. وَقِيلَ: إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى تِلْكَ الْعِلَّةِ فَعَسَاهَا تُبْطِلُ هَذَا فَيَنْظُرُ فِي غَيْرِهَا. وَهَذَا بَعِيدٌ فَإِنَّ السَّبْرَ لَا يُفِيدُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ. وَمَقْصُودُنَا أَنَّ الظَّنَّ يَحْصُلُ عِنْدَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ السَّبْرِ، وَإِذَا بَطَلَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا يَعْسُرُ وُجُودُهُ وَلَا بُعْدَ عِنْدَنَا فِي تَقْدِيرِهِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ يَتَّفِقُونَ عَلَى تَعْلِيلِ الرِّبَا، وَإِذَا ثَبَتَ سُبُرًا غَيْرَ الطُّعْمِ وَالْكَيْلِ ثَبَتَ مَا بَقِيَ.
التَّنْبِيهُ الْخَامِسُ:
السَّبْرُ بِالْبَحْثِ وَعَدَمِ الْعُثُورِ يَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْمَسَالِكِ الِاجْتِهَادِيَّةِ، وَلَا خُصُوصَ لَهُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ عِلَلٌ فَفَسَدَتْ جَمِيعُهَا إلَّا وَاحِدَةً، هَلْ يَكُونُ فَسَادُهَا دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ؟ فَقِيلَ: لَا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهَا. وَقِيلَ: نَعَمْ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ إحْدَى الْعِلَلِ صَحِيحَةً، فَإِذَا بَطَلَ مَا عَدَاهَا وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْحَقَّ لَا يَخْرُجُ عَنْهَا ثَبَتَ أَنَّ تِلْكَ صَحِيحَةٌ، وَنَصَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ.
مَسْأَلَةٌ يَلْتَحِقُ بِالسَّبْرِ قَوْلُهُمْ: حُكْمٌ حَادِثٌ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ حَادِثٍ، وَلَا حَادِثَ إلَّا هَذَا فَيَتَعَيَّنُ إسْنَادُهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا: الْأَصْلُ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقْرَبِ زَمَنٍ إلَّا أَنَّ فِيمَا سَبَقَ سَبْرًا فِي جَمِيعِ أَوْصَافِ الْمَحَلِّ، وَهَذَا فِي الْأَوْصَافِ الْحَادِثَةِ خَاصَّةً. وَقَدْ قِيلَ: عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ حَادِثًا أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ حَادِثًا، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ حَادِثًا
стр. 2883
وَسَبَبُهُ مُتَقَدِّمًا، كَإِبَاحَةِ الْوَطْءِ فِي الزَّوْجَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَنِدُ إلَى عَقْدِ النِّكَاحِ الْمُتَقَدِّمِ. وَكَذَا تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ زَوَالِ الضَّرُورَةِ مُسْتَنِدٌ إلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ. وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ، فَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الْحُكْمَ تَارَةً يَنْتَفِي لِانْتِقَاءِ الْمُقْتَضَى بِكَمَالِهِ، أَوْ لِانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ، وَتَارَةً يَنْتَفِي لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ، فَإِذَا كَانَ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضَى بِحَالِهِ فَحُدُوثُ الْحُكْمِ لَا يَكُونُ إلَّا لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ، وَإِذَا كَانَ الِانْتِفَاءُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَحُدُوثُ الْحُكْمِ لَا يَكُونُ لِحُدُوثِ سَبَبِهِ، بَلْ يَكُونُ لِحُدُوثِ جُزْءِ السَّبَبِ، أَوْ لِحُدُوثِ الشَّرْطِ، أَوْ لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا حُدُوثَ الْحُكْمِ مَعَ تَقَدُّمِ سَبَبِهِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمُقَدَّرَ أَنَّ ثُبُوتَ السَّبَبِ يَلْزَمُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ، وَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِدْلَال بِثُبُوتِ السَّبَبِ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ.
[الْمَسْلَكُ السَّابِعُ الشَّبَهُ]
ُ وَيُسَمِّيه بَعْضُ الْفُقَهَاءِ " الِاسْتِدْلَال بِالشَّيْءِ عَلَى مِثْلِهِ " وَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ، إذْ الشَّبَهُ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ كُلَّ قِيَاسٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ كَوْنِ الْفَرْعِ شَبِيهًا بِالْأَصْلِ، بِجَامِعٍ بَيْنَهُمَا. إلَّا أَنَّ الْأُصُولِيِّينَ اصْطَلَحُوا عَلَى تَخْصِيصِ هَذَا الِاسْمِ بِنَوْعٍ مِنْ الْأَقْيِسَةِ، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ مَا يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرْدِ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: لَسْت أَرَى فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ مَسْأَلَةً أَغْمَضَ مِنْ هَذِهِ.
وَفِيهِ مَقَامَانِ:
[الْمَقَامُ] الْأَوَّلُ: فِي تَعْرِيفِهِ وَقَدْ اخْتَلَفُوا، فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُهُ. وَالصَّحِيحُ إمْكَانُهُ.
стр. 2884
وَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ: هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِوَصْفٍ يُوهِمُ اشْتِمَالَهُ عَلَى الْحِكْمَةِ الْمُفْضِيَةِ لِلْحُكْمِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ. كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ: طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ؟ قَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي. قَالَ: فَفِي الْقِيَاسِ الْمَعْنَوِيِّ تَعْيِينُ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ الْمُنَاسِبِ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَفِي قِيَاسِ الشَّبَهِ لَا تَعْيِينَ، بَلْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَصْفٍ يُوهِمُ الْمُنَاسِبَ. وَأَمَّا الطَّرْدُ فَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ الطَّرْدِ، وَهُوَ السَّلَامَةُ عَنْ النَّقْضِ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ فِي الْمُسْتَصْفَى: الشَّبَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الطَّرْدِ بِمُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ لِعِلَّةِ الْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يُنَاسِبْ الْحُكْمَ بِأَنْ يُقَرِّرَ بِأَنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ حُكْمٍ سِرًّا، وَهُوَ مَصْلَحَةٌ مُنَاسِبَةٌ لِلْحُكْمِ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَى عَيْنِ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَلَكِنْ نَطَّلِعُ عَلَى وَصْفٍ يُوهِمُ الِاشْتِمَالَ عَلَى تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا بِقِيَاسِ الشَّبَهِ هَذَا فَلَا أَدْرِي مَا أَرَادُوا بِهِ وَبِمَاذَا فَصَلُوهُ مِنْ الطَّرْدِ الْمَحْضِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّبَهَيَّ وَالطَّرْدِيَّ يَجْتَمِعَانِ فِي عَدَمِ الظُّهُورِ الْمُنَاسِبِ، وَيَتَخَالَفَانِ فِي أَنَّ الطَّرْدِيَّ عُهِدَ مِنْ الشَّارِعِ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ، وَسُمِّيَ شَبَهًا لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ يَجْزِمُ الْمُجْتَهِدُ بِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ، وَمِنْ حَيْثُ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَهُ فِي بَعْضُ الصُّوَرِ يُشْبِهُ الْمُنَاسِبَ، فَهُوَ بَيْنَ الْمُنَاسِبِ وَالطَّرْدِيِّ.
стр. 2885
وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَتَعَذَّرُ حَدُّ الشَّبَهِ بِأَنْ يَقُولَ هُوَ يُقَرِّبُ الْأَصْلَ مِنْ الْفَرْعِ وَيَمْتَازُ عَنْ الطَّرْدِ أَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الِاشْتِرَاكُ فِي الْحِكْمَةِ، وَالطَّرْدُ لَا يَغْلِبُهُ عَلَى الظَّنِّ، وَمِنْ خَوَاصِّ الطَّرْدِ أَنَّهُ يُعَلِّقُ نَقِيضَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ، كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ، فَيُقَالُ: طَهَارَةٌ مَا تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مَقِيسٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ، وَقَوْلُهُ: طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ لَيْسَ بِجَامِعٍ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ أَصْلُهُ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّهُ فَسَّرَ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ الْمُورَدِ عَلَى بَعْضِ تَعْرِيفَاتِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ بِمَا لَا يُنَاسِبُ، وَلَكِنْ يَسْتَلْزِمُ الْمُنَاسِبَ، فَيُقَالُ: إنَّهُ الْوَصْفُ الْمُقَارِنُ لِلْحُكْمِ الثَّابِتِ لَهُ بِالتَّبَعِ وَبِالِالْتِزَامِ دُونَ الذَّاتِ، كَالطَّهَارَةِ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، فَإِنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ لَا تُنَاسِبُ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ، لَكِنْ تُنَاسِبُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا عِبَادَةٌ وَالْعِبَادَةُ مُنَاسَبَةٌ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، أَمَّا مَا يُنَاسِبُ بِالذَّاتِ فَهُوَ الْمُنَاسِبُ، أَوْ لَا يُنَاسِبُ مُطْلَقًا فَهُوَ الطَّرْدِيُّ، فَالشَّبَهُ حِينَئِذٍ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ الْمُنَاسَبَةِ وَالطَّرْدِيِّ، فَلِهَذَا سُمِّيَ " شَبَهًا ". هَكَذَا قَالَ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ. وَحَكَى الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهُ مَا يُوهِمُ الِاشْتِمَالَ عَلَى وَصْفٍ مُخَيِّلٍ. ثُمَّ قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخَصْمَ قَدْ يُنَازِعُ فِي إيهَامِ الِاشْتِمَالِ عَلَى مُخَيِّلٍ إمَّا حَقًّا، أَوْ عِنَادًا، وَلَا يُمْكِنُ التَّقْرِيرُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّ مَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ هُوَ خُلَاصَةُ كَلَامِ الْقَاضِي حَيْثُ قَالَ: هُوَ الَّذِي يُوهِمُ الِاشْتِرَاكَ فِي مَحَلٍّ. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ فِي الشِّفَاءِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْعُنْوَانِ فِيهِ. وَاَلَّذِي فِي مُخْتَصَرِ التَّقْرِيبِ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي أَنَّ قِيَاسَ الشَّبَهِ هُوَ إلْحَاقُ فَرْعٍ بِأَصْلٍ لِكَثْرَةِ إشْبَاهِهِ بِالْأَصْلِ فِي الْأَوْصَافِ مِنْ غَيْرِ أَنْ
стр. 2886
يَعْتَقِدَ أَنَّ الْأَوْصَافَ الَّتِي شَابَهَ الْفَرْعُ بِهَا الْأَصْلَ عِلَّةُ حُكْمِ الْأَصْلِ. وَقِيلَ: الشَّبَهُ هُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ، وَلَكِنْ عُرِفَ اعْتِبَارُ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ فِي الْجِنْسِ الْقَرِيبِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ لِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ لَهُ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ لِتَأْثِيرِ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ. وَاخْتَارَهُ الرَّازِيَّ فِي الرِّسَالَةِ الْبَهَائِيَّةِ، كَإِيجَابِ الْمَهْرِ بِالْخَلْوَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُنَاسِبُ وُجُوبَهُ، لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْوَطْءِ، إلَّا أَنَّ جِنْسَ هَذَا الْوَصْفِ، وَهُوَ كَوْنُ الْخَلْوَةِ مَظِنَّةُ الْوَطْءِ، يُعْتَبَرُ فِي جِنْسِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الْحُكْمُ بِتَحْرِيمِ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا تَثْبُتُ مُنَاسَبَتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَجَعَلَهُ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ مُفَرَّعًا عَلَى أَنَّ الشَّبَهَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِالْعِلِّيَّةِ، بَلْ يَحْتَاجُ إلَى مَسْلَكٍ آخَرَ، وَأَحْسَنَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: قِيَاسُ الْمَعْنَى تَحْقِيقٌ، وَالشَّبَهُ تَقْرِيبٌ، وَالطَّرْدُ تَحَكُّمٌ (ثُمَّ قَالَ) : قِيَاسُ الْمَعْنَى: مَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ وَيَسْتَدْعِيه وَيُؤَثِّرُ فِيهِ، وَالطَّرْدُ عَكْسُهُ، وَالشَّبَهُ أَنْ يَكُونَ فَرْعٌ يُحَاذِيهِ أَصْلَانِ فَيَلْحَقُ بِأَحَدِهِمَا بِنَوْعٍ شَبَهٌ مُقَرَّبٍ، أَيْ يَقْرُبُ الْفَرْعُ مِنْ الْأَصْلِ فِي الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيَانِ الْمَعْنَى (انْتَهَى) .
وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُلَائِمُ الْأَوْصَافَ الَّتِي عُهِدَ مِنْ الشَّارِعِ إنَاطَةُ الْحُكْمِ بِهَا. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّ النَّاظِرَ إذَا فَقَدَ الْمَعْنَى نَظَرَ فِي الْأَشْبَاهِ، وَهُوَ أَوْسَعُ الْأَبْوَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الشَّبَهَ يَنْقَدِحُ عِنْدَ إمْكَانِ الْمَعْنَى وَعِنْدَ عَدَمِ فَهْمِهِ، وَلَا يَتَحَتَّمُ الْأَشْبَاهُ فِي التَّعَبُّدَاتِ الْجَامِدَةِ. وَفَرَّقَ بَيْنَ الشَّبَهِ وَالطَّرْدِ بِأَنَّ الطَّرْدَ نِسْبَةُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ إلَيْهِ وَنَفْيِهِ عَلَى السَّوَاءِ. وَالشَّبَهُ نِسْبَةُ الثُّبُوتِ مُتَرَجِّحَةٌ عَلَى النَّفْيِ فَافْتَرَقَا. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اضْطَرَبَ رَأْيُ الْإِمَامِ فِي حَدِّهِ فَقَالَ مَرَّةً: هُوَ الْمُشِيرُ إلَى مَعْنًى كُلِّيٍّ لَا يَتَحَرَّرُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ. وَقَالَ مَرَّةً: هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ تَشَابُهَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي أَيِّ حُكْمٍ كَانَ، لَا فِي حُكْمٍ مُعَيَّنٍ، حَتَّى لَوْ نَسَبْنَا وُجُودَ الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ إلَيْهِ لَكَانَ عَلَى حَدِّ نِسْبَةِ عَدَمِهِ إلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ رَحَّالٍ: فَسَّرَهُ
стр. 2887
أَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ بِمَا لَا تَثْبُتُ نِسْبَتُهُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ: وَقِيلَ: مَا يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ، وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ. وَقَالَ الْقَاضِي: مَا يُوهِمُ الِاجْتِمَاعَ فِي مُخَيَّلٍ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ أَلْيَقُ بِالْمَظِنَّةِ لَا بِالشَّبَهِ، لِأَنَّهُ مُنَاسِبٌ فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي أُصُولِهِ: قَدْ تَسَامَحَ عُلَمَاؤُنَا فِي جَعْلِ الشَّبَهِ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، فَإِنَّ الْبَحْثَ فِيهِ نَظَرٌ فِي تَيَقُّنِ الْعِلَّةِ لَا فِي ذَاتِهَا. وَكَذَلِكَ نَفْيُ الْفَارِقِ. وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِيهِ. وَحَاصِلُهَا يَرْجِعُ إلَى عِبَارَتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ الْفَرْعُ فِيهِ دَائِرًا بَيْنَ أَصْلَيْنِ فَأَكْثَرَ لِتَعَارُضِ الْأَشْيَاءِ فِيهِ، فَيَلْحَقُ بِأَوْلَاهَا، كَالْعَبْدِ الْمُتْلَفِ فَإِنَّهُ آدَمِيٌّ وَمَالٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقِيمَةِ، لَكِنْ هَلْ تُؤْخَذُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَلَوْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْمَالِيَّةِ، أَوْ لَا تُؤْخَذُ قِيمَةٌ زِيَادَةٌ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْآدَمِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَسَمَّى الشَّافِعِيُّ هَذَا قِيَاسَ غَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ. قَالَ: وَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَصَّ بِاسْمِ الشَّبَهِ، لِأَنَّهُ قِيَاسُ عِلَّةِ مُنَاسِبٍ غَيْرِ أَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ الْعِلَلُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُعَارَضَةِ فِي الْفَرْعِ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا بَعْدُ، وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاسْمِ بَعْدَ فَهْمِ الْمَعْنَى.
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ الْوَصْفُ الَّذِي يَظُنُّ بِهِ صَلَاحِيَّتَهُ لِلْمُنَاسَبَةِ مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ، فَخَرَجَ مِنْهُ الْمُنَاسِبُ بِأَنَّهُ مَعْلُومُ الْمُنَاسَبَةِ، وَالطَّرْدِيُّ لِأَنَّهُ مَعْلُومُ نَفْيِهَا. وَاحْتَرَزْنَا بِقَوْلِنَا " مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ " عَنْ الْمَظِنَّةِ، فَإِنَّهَا لَا تُنَاسِبُ بِذَاتِهَا، بَلْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ. وَهَذَا مَعْنَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَجَرَى عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْوُضُوءِ: طَهَارَتَانِ فَكَيْفَ تَفْتَرِقَانِ؟ يَعْنِي: فِي نَفْيِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ، لَكِنَّا إذَا تَأَمَّلْنَا وَجَدْنَا لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ طَهَارَةً حُكْمِيَّةً مِنْ دُونِ الْعِلَلِ مَا لَا نَجِدُ مِنْ قَوْلِ الْحَنَفِيِّ: طَهَارَةٌ بِالْمَاءِ. وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ " حُكْمِيَّةٌ " يَصْلُحُ لِلْمُنَاسَبَةِ، وَلَمْ يَنْكَشِفْ لَنَا، وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى الْقَطْعِ بِكَوْنِهِ عَرِيًّا عَنْهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ طَهَارَةٌ مَا، فَإِنَّهُ لَا مُنَاسِبٌ وَلَا صَالِحٌ. وَمِثْلُهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ: طَهَارَةٌ مُوجِبُهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّ
стр. 2888
مُوجِبِهَا، فَشَرَطَ فِيهَا النِّيَّةَ كَالتَّيَمُّمِ. وَهَذَا أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي الشَّبَهِ. انْتَهَى. هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَعْرِيفِهِ.
[حُكْم قِيَاس الشَّبَه]
الْمَقَامُ الثَّانِي: فِي حُكْمِهِ
وَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ إمْكَانِ قِيَاسِ الْعِلَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيهِ إذَا تَعَذَّرَتْ. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ حُجَّةً، وَحَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِهِمْ. وَقَالَ شَارِحُ الْعُنْوَانِ: إنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ فِي الْقَوَاطِعِ: إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ أَشَارَ إلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ، مِنْهَا قَوْلُهُ فِي إيجَابِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ كَالتَّيَمُّمِ: طَهَارَتَانِ فَكَيْفَ تَفْتَرِقَانِ. وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْأُمِّ فِي بَابِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَالْقِيَاسُ قِيَاسَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ، فَذَاكَ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ خِلَافًا.
وَالثَّانِي أَنْ يُشْبِهَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ مِنْ أَصْلٍ، وَيُشْبِهَ مِنْ أَصْلٍ غَيْرِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَمَوْضِعُ الصَّوَابِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ: فَأَيُّهُمَا كَانَ أَوْلَى بِشَبَهِهِ صِيرَ إلَيْهِ، فَإِنْ اشْتَبَهَ أَحَدُهُمَا فِي خَصْلَتَيْنِ، وَالْآخَرُ فِي خَصْلَةٍ أَلْحَقَهُ بِاَلَّذِي أَشْبَهَ فِي خَصْلَتَيْنِ. انْتَهَى.
стр. 2889
حَكَى هَذَا النَّصَّ الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِهِمْ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ. قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ قَوْلَهُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَهَا عِلَّةً لِحُكْمٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا حُكِمَ بِتَرْجِيحِ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ فِي الْفَرْعِ بِكَثْرَةِ الشَّبَهِ.
وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ " فَمَوْضِعُ الصَّوَابِ. . . " إلَى آخِرِهِ، يُرِيدُ إذَا كَانَتْ كُلُّ خَصْلَةٍ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا مُسْتَغْنِيَةً عَنْ صَاحِبَتِهَا مِثْلَ الْأَخِ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَالْأَبِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ كَابْنِ الْعَمِّ، وَهُوَ يُشْبِهُ الْأَبَ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ مَحْرَمٌ لَهُ بِالْقَرَابَةِ، وَيُشْبِهُ ابْنَ الْعَمِّ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَسُقُوطِ النَّفَقَةِ، وَجَرَيَانِ الْقِصَاصِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ مَعَهُمَا، وَجَرَيَانِ حَدِّ الْقَذْفِ فَإِلْحَاقُهُ بِابْنِ الْعَمِّ حَتَّى لَا يُعْتَقَ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُ أَوْلَى. وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ الْقَوْلَ بِالشَّبَهِ بِطَرِيقِ تَمَسُّكِهِمْ بِهِ. قَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى: وَلَعَلَّ أَكْثَرَ أَقْيِسَةِ الْفُقَهَاءِ قِيَاسُ الشَّبَهِ. قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ؟ فَإِنَّهُ يُوهِمُ الِاجْتِمَاعَ فِي مُنَاسِبٍ، وَهُوَ مَأْخَذُ الشَّبَهِ وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ الْمُنَاسِبِ. وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: مَسْحُ الرَّأْسِ لَا يَتَكَرَّرُ وَلِأَنَّهُ مَسْحٌ لَا يَتَكَرَّرُ، قِيَاسًا عَلَى الْخُفِّ. وَقَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي الْكَافِي: قِيَاسُ الشَّبَهِ عِنْدَنَا حُجَّةٌ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ الْمَعْنَوِيَّ إنَّمَا صَارَ حُجَّةً لِأَنَّهُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، وَالشَّبَهُ يُفِيدُهَا أَيْضًا. وَمَنْ أَنْكَرَهَا فِي الشَّبَهِ كَانَ مُنْكَرُهَا فِي قِيَاسِ الْمَعْنَى. انْتَهَى. وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ نِسْبَةَ الْقَوْلِ بِالشَّبَهِ إلَى الشَّافِعِيِّ، مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَنُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ، كَمَا حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: لَا يَكَادُ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِالشَّبَهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ مَعَ عُلُوِّ رُتْبَتِهِ فِي الْأُصُولِ. وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ فِي اللُّمَعِ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ مُتَأَوَّلٌ
стр. 2890
مَحْمُولٌ عَلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ، فَإِنَّهُ يُرَجِّحُ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ وَيَجُوزُ تَرْجِيحُ الْعِلَلِ بِكَثْرَةِ الْأَشْبَاهِ. قُلْت: وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الرِّسَالَةِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَرَّمَ الشَّيْءَ مَنْصُوصًا، أَوْ أَحَلَّ لِمَعْنًى، فَإِذَا وَجَدْنَا ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيمَا لَمْ يَنُصَّ فِيهِ بِعَيْنِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ أَحْلَلْنَاهُ أَوْ حَرَّمْنَاهُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ. أَوْ تَجِدُ الشَّيْءَ يُشْبِهُ مِنْهُ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا نَجِدُ شَيْئًا أَقْرَبَ مِنْهُ شَبَهًا مِنْ أَحَدِهِمَا فَنُلْحِقُهُ بِأَوْلَى الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ، كَمَا قُلْنَا فِي الصَّيْدِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْقِيَاسُ عَلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ وَلَا يَخْتَلِفُ الْقِيَاسُ فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ لَهُ الْأُصُولُ أَشْبَاهًا بِذَلِكَ، فَيُلْتَحَقُ بِأَوْلَاهَا بِهِ وَأَكْثَرِهَا شَبَهًا بِهِ. وَقَدْ يَخْتَلِفُ الْقَائِسُونَ فِي هَذَا. انْتَهَى.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي:
أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَنْ ادَّعَى التَّحْقِيقَ مِنْهُمْ، وَصَارَ إلَيْهِ أَبُو زَيْدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَذَهَبَ إلَيْهِ أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ انْتَهَى. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالشِّيرَازِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، كَمَا نُقِلَ فِي الْبَحْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَاضِي ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ، لَكِنْ هُوَ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ صَالِحٌ لَأَنْ يُرَجَّحَ بِهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي بَابِ " تَرْجِيحِ الْعِلَلِ " مِنْ كِتَابِ التَّقْرِيبِ. وَقَالَ إلْكِيَا: وَرُبَّمَا تَرَدَّدَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي تَصَانِيفِهِ فِي إبْطَالِ الشَّبَهِ فَقَالَ: إنْ لَمْ يُبَيِّنْ مُسْتَنَدَ ظَنِّهِ كَانَ مُتَحَكِّمًا، وَإِنْ بَيَّنَ كَانَ مُخَيِّلًا. وَرُبَّمَا قَالَ: الْإِشْبَاهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَسْتَنِدَ إلَى مَعْنًى كُلِّيٍّ. قَالَ: وَقَدْ بَيَّنَّا تَصَوُّرَهَا لَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
стр. 2891
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِحُجِّيَّتِهِ فِي أَنَّهُ بِمَاذَا يُعْتَبَرُ، عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: اعْتِبَارُهُ مُطْلَقًا.
وَالثَّانِي: بِشَرْطِ ذَهَابِ الصُّورَةِ إلَى الْحُكْمِ فِي وَاقِعَةٍ لَا يُوجَدُ مِنْهَا إلَّا الْوَصْفُ الشَّبَهِيُّ.
وَالثَّالِثُ: بِشَرْطِ أَنْ يَجْتَذِبَ الْفَرْعَ أَصْلَانِ، وَلَيْسَ أَصْلٌ سِوَاهُمَا، فَيُلْحَقُ بِأَحَدِهِمَا بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ. حَكَاهُ الْقَاضِي، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ السَّابِقِ.
وَالرَّابِعُ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَثْبُتَ لِلْحُكْمِ عِلَّةٌ بِعَيْنِهِ، وَإِلَّا كَانَ الرُّجُوعُ إلَيْهَا أَوْلَى مِنْ الرُّجُوعِ إلَى أَشْبَاهٍ وَصِفَاتٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهَا عِلَّةً لِلْحُكْمِ. حَكَاهُ الْقَاضِي وَقَالَ: إنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الَّذِي قَبْلَهُ.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْأَشْبَاهِ الَّتِي يَغْلِبُ بِهَا، عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: الْمُعْتَبَرُ الْمُشَابَهَةُ فِي الْحُكْمِ فَقَطْ دُونَ الصُّورَةِ، وَحَكَاهُ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَلِهَذَا أَلْحَقَ الْعَبْدَ الْمَقْتُولَ بِسَائِرِ الْمَمْلُوكَاتِ فِي لُزُومِ قِيمَتِهِ عَلَى الْقَاتِلِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُبَاعُ وَيُشْتَرَى. وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَصْحَابِنَا، كَوَطْءِ الشُّبْهَةِ مَرْدُودٌ إلَى النِّكَاحِ فِي شَرْطِ الْحَدِّ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ بِشُبْهَةٍ، بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ فِي الْأَحْكَامِ.
وَالثَّانِي: اعْتِبَارُ الْمُشَابَهَةِ فِي الصُّورَةِ، كَقِيَاسِ الْخَيْلِ عَلَى الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَسُقُوطِ الزَّكَاةِ بِصُورَةِ شَبَهٍ، أَوْ كَقِيَاسِ الْخَيْلِ عَلَى الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فِي حُرْمَةِ اللَّحْمِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ: ذُو حَافِرٍ أَهْلِيٍّ، حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ مُعْتَلًّا بِوُجُودِ الشَّبَهِ قَالَ: وَإِذَا جَازَ تَعْلِيلُ الْأَصْلِ بِصِفَةٍ مِنْ ذَاتِهِ جَازَ تَعْلِيلُهُ بِصِفَةٍ
стр. 2892
مِنْ صِفَاتِهِ، وَلِأَنَّ الْعِلَلَ أَمَارَاتٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّبَهُ فِي الصُّورَةِ أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّبَهُ فِي الْمَعْنَى أَوْ فِي الْحُكْمِ أَمَارَةً عَلَى الْحُكْمِ. قَالَ: وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّمَا الصَّحِيحُ أَنَّ مُجَرَّدَ الشَّبَهِ فِي الصُّورَةِ لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ، لِأَنَّ التَّعْلِيلَ مَا كَانَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الْحُكْمِ وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُفِيدُ قُوَّةً فِي الظَّنِّ حَتَّى يُوجِبَ حُكْمًا. انْتَهَى. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ إلَى اعْتِبَارِ الْمُشَابَهَةِ فِي الصُّورَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَصَمِّ، وَلِهَذَا زَعَمَ أَنَّ تَرْكَ الْجِلْسَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الصَّلَاةِ لَا يَضُرُّ، كَالْجِلْسَةِ الْأُولَى. وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ. وَهَذَا مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا فِي إلْحَاقِهِ الْجُلُوسَ الْأَوَّلَ بِالثَّانِي فِي الْوُجُوبِ. وَاخْتَارَ إلْكِيَا اعْتِبَارَ الشَّبَهِ فِي الصُّورَةِ إذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ، كَالْمُعْتَبَرِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ قَالَ: وَهَذَا أَضْعَفُ الْأَنْوَاعِ إذْ لَا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ. قَالَ: وَأَمَّا الشَّبَهُ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ دَلَالَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْحُكْمِ فَقَطْ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: الْعَبْدُ أَشْبَهُ بِالْحُرِّ فِي الْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ لِلْحُرْمَةِ، وَتَحَمُّلِ الْعَقْلِ مِثْلُهُ. فَإِنْ أَوْجَبَ لِاحْتِرَامِ الْمَحَلِّ وَالشَّبَهِ فِي الْمَقْصُودِ، كَاعْتِبَارِ خِيَارِ الشَّرْطِ بِخِيَارِ الْعَيْبِ إذَا ثَبَتَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الْمَقْصُودِ، وَهُوَ دَفْعُ الْغَبَنِ فَمُعْتَبَرَانِ. وَاعْلَمْ أَنْ الشَّافِعِيَّ اعْتَبَرَ الشَّبَهَ فِي مَوَاضِعَ:
(مِنْهَا) إلْحَاقُ الْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ بِالْإِنْسِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، دُونَ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ، لِاخْتِلَافِ أَلْوَانِ الْوَحْشِيَّةِ كَالْأَهْلِيَّةِ، بِخِلَافِ الْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ فَإِنَّهَا أَلْوَانُهَا مُتَّحِدَةٌ دُونَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَإِنَّ أَلْوَانَهَا مُخْتَلِفَةٌ.
وَ (مِنْهَا) حَيَوَانَاتُ الْبَحْرِ: الصَّحِيحُ حِلُّ أَكْلِهَا مُطْلَقًا. وَقِيلَ: مَا أُكِلَ شَبَهَهُ مِنْ الْبَرِّ أُكِلَ شَبَهَهُ مِنْ الْبَحْرِ، فَصَاحِبُ هَذَا الْوَجْهِ اعْتَبَرَ الشَّبَهَ
стр. 2893
الصُّورِيَّ. وَعَلَى هَذَا فَقَالَ الْبَغَوِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا: حِمَارُ الْبَحْرِ لَا يُؤْكَلُ، فَأَلْحَقُوهُ بِشَبَهِ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ دُونَ الْوَحْشِيِّ. وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي حَيَوَانِ الْبَحْرِ الْحِلُّ (وَمِنْهَا) جَزَاءُ الصَّيْدِ كَإِيجَابِ الْبَقَرَةِ الْإِنْسِيَّةِ فِي الْوَحْشِيَّةِ.
وَ (مِنْهَا) إقْرَاضُ الْحَيَوَانِ، فَفِي رَدِّ بَدَلِهِ وَجْهَانِ أَشْبَهَهُمَا بِالْحَدِيثِ الْمِثْلُ، وَالْقِيَاسُ الْقِيمَةُ.
وَ (مِنْهَا) السُّلْتُ، وَهُوَ يُشَابِهُ الْحِنْطَةَ فِي صُورَتِهِ الشَّعِيرَ بِطَبْعِهِ، فَهَلْ يُلْحَقُ بِالْحِنْطَةِ أَوْ الشَّعِيرِ أَوْ هُوَ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ؟ أَوْجُهٌ.
وَ (مِنْهَا) إذَا كَانَ الرِّبَوِيُّ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، فَيُعْتَبَرُ بِأَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ، وَقِسْ عَلَى هَذَا نَظَائِرُهُ.
وَالثَّالِثُ: اعْتِبَارُهُ فِي الْحُكْمِ ثُمَّ الْأَشْبَاهِ الرَّاجِعَةِ إلَى الصُّورَةِ
وَالرَّابِعُ: اعْتِبَارُهُ فِيهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ. حَكَاهُ الْقَاضِي.
وَالْخَامِسُ: اعْتِبَارُ حُصُولِ الْمُشَابَهَةِ فِيمَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ مَنَاطُ الْحُكْمِ، بِأَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعِلَّةِ الْحُكْمِ، أَوْ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ. فَمَتَى كَانَ كَذَلِكَ صَحَّ الْقِيَاسُ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْمُشَابَهَةُ فِي الصُّورَةِ أَوْ الْمَعْنَى. وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ (قَالَ) : وَكَانَ يُنْكِرُ الْقِيَاسَ عَلَى شَبَهٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ، إمَّا تَعَيُّنًا لَا احْتِمَالَ فِيهِ وَلَا يَسُوغُ لِأَحَدٍ خِلَافُهُ، أَوْ تَعَيُّنًا ظَاهِرًا وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ غَيْرَهُ قَالَ: وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبْطَلَ الْقِيَاسَ عَلَى غَيْرِ عِلَّةٍ، وَذُكِرَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْقَفَّالَ قَالَ بِالْحُكْمِ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَشْبَاهَ تُنَظِّمُ الْأَصْلَ وَالْفَرْعَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَوْصَافَ عِلَّةِ حُكْمِ الْأَصْلِ فَإِنَّهَا عِلَّةُ حُكْمِ الْفَرْعِ، لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ، وَشَبَّهَ ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الْمَاءِ عَلَى الْمَائِعِ الطَّاهِرِ أَوْ النَّجَسِ، فَجَعَلَ مَا اخْتَلَطَ وَغَلَبَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنَّهُ يُحْكَمُ فِي الْفَرْعِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ لِمُشَارَكَتِهِ فِيمَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْحُكْمِ
стр. 2894
فِي الْأَصْلِ. وَهُوَ عَجِيبٌ، إذْ كَيْفَ يَجِبُ رَدُّ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ فِيمَا لَيْسَ عِلَّةً فِيهِ.
وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يُوجَدَ شَيْءٌ أَشْبَهَ بِهِ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ.
الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ: إنْ تَمَسَّك بِهِ النَّاظِرُ، أَيْ الْمُجْتَهِدُ، كَانَ حُجَّةً فِي حَقِّهِ إنْ حَصَلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَإِلَّا فَلَا. أَمَّا الْمَنَاظِرُ فَيُقْبَلُ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُسْتَصْفَى. وَقَدْ نَصَّ فِي الْقَوَاطِعِ الْقَوْلُ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَقَالَ: لَا يُنْكِرُهُ إلَّا مُعَانِدٌ. (ثُمَّ قَالَ) : وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْثِيرَ لَا بُدَّ مِنْهُ، إلَّا أَنَّ التَّأْثِيرَ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنًى، وَقَدْ يَكُونُ بِحُكْمٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَلَبَةِ شَبَهٍ، فَإِنَّهُ رُبَّ شَبَهٍ أَقْوَى مِنْ شَبَهٍ آخَرَ، وَأَوْلَى بِتَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِهِ، لِقُوَّةِ أَمَارَتِهِ، وَالشَّبَهُ يُعَارِضُهُ شَبَهٌ آخَرُ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ فَضْلُ قُوَّةِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَرُبَّمَا يَخْفَى. وَيَجُوزُ رُجُوعُ الشَّبَهَيْنِ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَيَجُوزُ إلَى أَصْلَيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قُوَّةِ نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ. وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي أُصُولِهِ: إنَّا لَا نَعْنِي بِقِيَاسِ الشَّبَهِ أَنْ يُشَبَّهَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ مِنْ وَجْهٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالَمِ شَيْءٌ إلَّا وَهُوَ يُشْبِهُ شَيْئًا آخَرَ مِنْ وَجْهٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَجْهٍ، لَكِنْ يُعْتَبَرُ أَنْ لَا يُوجَدَ شَيْءٌ أَشْبَهَ بِهِ مِنْهُ، فَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ مِنْ الْوُضُوءِ بِالتَّيَمُّمِ، وَكَذَا الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ. وَهَذَا لِأَنَّ إلْحَاقَ الشَّيْءِ بِنَظَائِرِهِ وَإِدْخَالَهُ فِي سِلْكِهِ أَصْلٌ عَظِيمٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَشْبَهَ مِنْهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إلْحَاقِهِ بِهِ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، تَقْرِيبٌ حَسَنٌ وَهُوَ عَائِدٌ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ: وَيَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ أَوَّلًا بِالْمَعَانِي، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ وَأَعْوَزَتْ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ عَلَى الطَّرِيقَةِ السَّابِقَةِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. انْتَهَى. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَحَلُّ
стр. 2895
وِفَاقٍ بَيْنَ الْقَائِلِينَ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ فِي أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ قِيَاسِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَقَالَ إلْكِيَا: شَرَطُوا لِقِيَاسِ الشَّبَهِ شُرُوطًا:
مِنْهَا: أَنْ يَلُوحَ فِي الْأَصْلِ الْمَرْدُودِ إلَيْهِ مَعْنًى، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ يَقْطَعُ نِظَامَ الشَّبَهِ، وَغَايَةُ مَنْ يَدَّعِي الشَّبَهَ إيهَامُ اجْتِمَاعِ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي مَقْصُودِ الشَّارِعِ، فَإِذَا لَاحَ فِي الْأَصْلِ مَعْنًى انْقَطَعَ نِظَامُ الْجَمْعِ. قَالَ: هَكَذَا أَطْلَقُوهُ، وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا لَاحَ فِي أَحَدِهِمَا مَعْنًى جُزْئِيٌّ وَفُقِدَ فِي الثَّانِي، أَمَّا إذَا كَانَ اسْتِنَادُ الْأَصْلِ إلَى مَعْنًى كُلِّيٍّ لَا يُتَصَوَّرُ اطِّرَادُهُ فِي آحَادِ الصُّوَرِ وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ سَبَقَ لِإِبَانَةِ الْمَحَلِّ، فَتَعْلِيلُ الْأَصْلِ لَا يَضُرُّ فِي مِثْلِهِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَقَدْ ضَرَبَ الشَّافِعِيُّ لَهُ مِثَالًا فَقَالَ: بَدَأَ عَلَيْهِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي فِي الْقَسَامَةِ فِي الْقِصَّةِ الْمَشْهُورَةِ، فَكَانَ فِيهِ خَيَالُ اللَّوْثِ، فَاخْتَصَّهَا بِتِلْكَ الصُّورَةِ وَإِنْ كَانَتْ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ الدَّعْوَيَيْنِ حَالَةَ اللَّوْثِ وَحَالَةَ عَدَمِهَا ظَاهِرَةً، وَلَكِنْ أَمْكَنَ فَهْمُ تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِتِلْكَ الصُّورَةِ، أَمَّا عِنْدَ اللَّوْثِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ غَيْرُ تِلْكَ الْحَالَةِ، وَهَذَا بَيِّنٌ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّبَهَ إذَا لَاحَ كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مُبْطِلًا مَعَانِي الْخَصْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ خَاصًّا إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يَكُونُ لِلْخَصْمِ فِي مُقَابَلَتِهِ إلَّا مَعْنًى عَامٌّ بِنَهْيٍ مِنْ الْأَصْلِ نَقْضًا لَهُ.
وَلَهُ نَظَائِرُ: (مِنْهَا) أَنَّ التَّيَمُّمَ إذَا صَارَ أَصْلًا فَالْمَعْنَى الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ مَنْقُوضٌ بِالتَّيَمُّمِ، وَهُوَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ مَقْصُودًا فَلَمْ يَكُنْ عِبَادَةً. (انْتَهَى) .
стр. 2896
وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا فِي الِاحْتِجَاجِ لِقِيَاسِ الشَّبَهِ. وَأَصَحُّ مَا ذَكَرُوهُ مَسَالِكُ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ ﵊ نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: «لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ» وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَبَّهَ حَالَ هَذَا السَّائِلَ فِي نَزْعِ الْعِرْقِ مِنْ أُصُولِهِ بِنَزْعِ الْعِرْقِ مِنْ أُصُولِ الْفَحْلِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّ قِيَاسَ الْمَعْنَى إنَّمَا صِيرَ إلَيْهِ لِإِفَادَتِهِ الظَّنَّ، وَهَذَا يُفِيدُهُ، فَوَجَبَ الْقَوْلُ بِهِ. وَاعْتَرَضَ الْإِبْيَارِيُّ:
أَوَّلًا: بِأَنَّهُ قِيَاسُ الْمَعْنَى فِي الْأُصُولِ فَلَا يُسْمَعُ.
وَثَانِيًا: بِمَنْعِ إفَادَةِ الظَّنِّ.
وَثَالِثًا: أَنَّهُ لَمْ تَخْلُ وَاقِعَةٌ مِنْ حُكْمٍ، قَالُوا: وَمَنْ مَارَسَ مَسَائِلَ الْفِقْهِ وَتَرَقَّى عَنْ رُتْبَةِ الْبَادِئِ فِيهَا عَلِمَ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُخَيَّلَ لَا يَعُمُّ الْمَسَائِلَ، وَكَثِيرٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ تَخْلُو مِنْ الْمَعَانِي خُصُوصًا فِي الْعِبَادَاتِ وَهَيْئَاتِهَا وَالسِّيَاسَاتِ وَمَقَادِيرِهَا، وَشَرَائِطِ الْمُنَاكَحَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ إلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ، وَلَا يَلْزَمُنَا الطَّرْدُ لِأَنَّا فِي غَنِيَّةٍ عَنْهُ إذْ هُوَ مُنْسَحِبٌ عَلَى جَمِيعِ الْحَوَادِثِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ دَاعٍ إلَيْهِ، فَوَضَحَ أَنَّ الْقَوْلَ بِالشَّبَهِ عَنْ مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، وَلَوْلَا الضَّرُورَاتِ لَمَا شُرِعَ أَصْلُ الْقِيَاسِ.
تَنْبِيهَاتٌ
الْأَوَّلُ: بَنَى الْقَاضِي الْخِلَافَ فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ أَوْ كُلَّ
стр. 2897
مُجْتَهِدٍ؟ فَإِنْ قُلْت: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ فَالْأَوْلَى بِك إبْطَالُ قِيَاسِ الشَّبَهِ، وَإِنْ قُلْت بِتَصْوِيبِهِمْ، فَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ حُكْمٌ مِنْ قَضِيَّةِ اعْتِبَارِ الشَّبَهِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ قَطْعًا، وَوَافَقَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ عَلَى تَقْرِيرِ ثُبُوتِ كَوْنِهَا ظَنِّيَّةً، لَكِنْ خَالَفَ فِي أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ وَقَالَ: الْأَلْيَقُ بِمَا مَهَّدَهُ مِنْ الْأُصُولِ أَنْ يُقَالَ؛ كُلُّ مَا آلَ إلَى إثْبَاتِ دَلِيلٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ فَيُطْلَبُ فِيهِ الْقَطْعُ، وَرُبَّمَا يَقُولُ: إنَّ الْمُجْتَهِدَ الْمُتَمَسِّكَ بِضَرْبٍ مِنْ الْقِيَاسِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ وَفِي الْحَادِثَةِ نَصٌّ لَمْ يَبْلُغْهُ فَهُوَ مَأْمُورٌ قَطْعًا بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ فِي مُخَالِفِهِ مَرْدُودًا.
الثَّانِي:
قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ: اعْلَمْ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَشْبَاهِ إنَّمَا تُقَوِّي أَحَدَ جَانِبَيْ الْقِيَاسِ إذَا أَمْكَنَ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْصَافِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَقُمْ الْحُكْمُ إلَّا لِمَجْمُوعِ أَوْصَافٍ حَتَّى يَرُدَّ بِهَا إلَى أَصْلٍ، فَيُرَدَّ إلَى أَصْلٍ آخَرَ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَصْفُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَوْصَافِ فَتَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْوَاحِدِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ وَصْفًا آخَرَ سِوَى الْأَوْصَافِ الْمَجْمُوعَةِ فِيمَا سِوَاهُ، مِثْلُ عِلَّةِ الطُّعْمِ فِي الرِّبَا أَوْلَى مِنْ عِلَّةِ الْقُوتِ لِأَنَّهُ مَا مِنْ قُوتٍ إلَّا وَهُوَ طَعَامٌ، فَكَانَ مَنْ عَلَّلَ بِهِ عَلَّلَ الطَّعَامَ وَزِيَادَةً وَعِلَّةُ " الطَّعَامِ وَالْكَيْلِ " مُسْتَوِيَتَانِ، فَتَقَدُّمُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالتَّرْجِيحِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا دَاخِلًا فِي جُمْلَةِ الْآخَرِ إذَا كَانَ الْأَصْلُ الْمَرْدُودُ إلَيْهِ وَاحِدًا غَيْرَ أَنَّ أَحَدَ الْقِيَاسِيِّينَ يُرَدُّ الْفَرْعُ إلَيْهِ بِوَصْفٍ، وَالْآخَرُ يَرُدُّهُ إلَيْهِ بِذَلِكَ الْوَصْفِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْأَوْصَافِ، فَضَمُّهَا إلَيْهِ بِالْوَصْفِ الْوَاحِدِ أَوْلَى.
الثَّالِثُ:
هَلْ يُسْتَعْمَلُ " الشَّبَهُ " مُرْسَلًا كَمَا اُسْتُعْمِلَ الْمُنَاسِبُ مُرْسَلًا؟ قَالَ
стр. 2898
الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ: هَذَا شَيْءٌ غَامِضٌ وَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَصٍّ، وَلَوْ قِيلَ بِهِ لَمْ يَبْعُدْ. انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْمُنَاسِبِ، وَرَتَّبَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ تَفْسِيرَيْهِ فِي الشَّبَهِ وَهُوَ أَنْ يُنَاسِبَ تَشَابُهَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مُطْلَقًا فِي حُكْمٍ مُعَيَّنٍ، فَعَلَى هَذَا لَا يَتَحَقَّقُ الشَّبَهُ إلَّا بِأَصْلٍ. وَإِنْ قُلْنَا فِي تَفْسِيرِهِ: مَا يُوهِمُ مُنَاسَبَةً لِلْحُكْمِ الْخَاصِّ أَوْ مُلَاءَمَةً لِأَوْصَافٍ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهَا وَلَمْ تَظْهَرْ مُنَاسَبَتُهَا. أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاسِيرِ السَّابِقَةِ جَازَ اسْتِعْمَالُهُ مُرْسَلًا.
[الْمَسْلَكُ الثَّامِنُ الدَّوَرَانُ]
ُ وَيُعَبِّرُ عَنْهُ الْأَقْدَمُونَ بِ " الْجَرَيَانِ " وَبِ " الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ " وَهُوَ: أَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ عِنْدَ وُجُودِ وَصْفٍ وَيَرْتَفِعُ عِنْدَ ارْتِفَاعِهِ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالتَّحْرِيمِ مَعَ السُّكْرِ فِي الْعَصِيرِ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُسْكِرًا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا، فَلَمَّا حَدَثَ السُّكْرُ فِيهِ وُجِدَتْ الْحُرْمَةُ ثُمَّ لَمَّا زَالَ السُّكْرُ بِصَيْرُورَتِهِ خَلًّا زَالَ التَّحْرِيمُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ " السُّكْرُ ".
وَأَمَّا فِي صُورَتَيْنِ، كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ مَعَ مِلْكِ نِصَابٍ قَامَ فِي صُورَةِ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ، وَعَدَمِهِ مَعَ عَدَمِ شَيْءٍ مِنْهَا، كَمَا فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ حَيْثُ لَا تَجِبُ فِيهَا
стр. 2899
الزَّكَاةُ لِفَقْدِ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ. وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ قَوْلُهُ ﵊ فِي حَدِيثِ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ «وَقَالَ: مَا بَالُنَا نَسْتَعْمِلُ أَقْوَامًا فَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي، أَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ إنْ كَانَ صَادِقًا» وَهَذَا إثْبَاتُ الْعِلَّةِ بِالدَّوَرَانِ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْوَصْفِ وَانْتِفَاؤُهُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ. وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي إفَادَةِ الدَّوَرَانِ الْعِلِّيَّةَ عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُفِيدُ الْقَطْعَ بِالْعِلِّيَّةِ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَرُبَّمَا قِيلَ: لَا دَلِيلَ فَوْقَهُ، حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ الْعِلِّيَّةِ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُزَاحِمِ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تُوجِبُ الْحُكْمَ بِذَاتِهَا وَإِنَّمَا هِيَ عَلَامَةٌ مَنْصُوبَةٌ، فَإِذَا دَارَ الْوَصْفُ مَعَ الْحُكْمِ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ كَوْنُهُ مُعَرِّفًا لَهُ وَيَنْزِلُ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ الْمُومَأِ إلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ عِلَّةً وَإِنْ خَلَا عَنْ الْمُنَاسَبَةِ. وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمْ (إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْقَاضِي. وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ إلْكِيَا.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَإِلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا. قَالَ: وَلِأَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ شَغَفٌ بِهِ، وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: إنَّهُ الْمُخْتَارُ، وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: ذَهَبَ كُلُّ مَنْ يُعْزَى إلَى الْجَدَلِ إلَى أَنَّهُ
стр. 2900
أَقْوَى مَا تَثْبُتُ بِهِ الْعِلَلُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ مِنْ أَقْوَى الْمَسَالِكِ وَكَادَ يَدَّعِي إفْضَاءَهُ إلَى الْقَطْعِ. وَإِنَّمَا سَمَّيْت هَذَا الشَّيْخَ لِغَشَيَانِهِ مَجْلِسَ الْقَاضِي مُدَّةً وَإِعْلَاقِهِ طَرَفًا مِنْ كَلَامِهِ، وَمَنْ عَدَاهُ حِيَالَهُ.
قُلْت: وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ " لِلْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ مَا لَفْظُهُ: وَأَمَّا الطَّرْدُ فَإِنَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى صِحَّتِهَا، وَلَا يَجُوزُ إذَا اطَّرَدَ مَعْنًى أَنْ يُحْكَمَ بِصِحَّتِهِ حَتَّى يَدُلَّ التَّأْثِيرُ أَوْ شَهَادَةُ الْأُصُولِ عَلَيْهِ. وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " التَّبْصِرَةِ ": الطَّرْدُ وَالْجَرَيَانُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْعِلَّةِ، وَلَيْسَ بِدَلِيلِ صِحَّتِهَا. وَقِيلَ: دَلِيلٌ عَلَى الصِّحَّةِ، وَبِهِ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ، وَقَالَ: إذَا لَمْ يَرِدْ بِهَا نَصٌّ وَلَا أَصْلٌ دَلَّ عَلَى صِحَّتِهَا، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: هُوَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: الطَّرْدُ عِنْدَنَا شَرْطُ صِحَّةِ الْعِلَّةِ وَلَيْسَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّتِهَا. وَذَهَبَ بَعْضُ الْقُدَمَاءِ مِنَّا وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهَا. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الِاطِّرَادُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ وَلَكِنْ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا. وَأَمَّا الِانْعِكَاسُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الْعِلَّةِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الِانْعِكَاسَ شَرْطٌ، فَإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَلَمْ يَرْتَفِعْ بِارْتِفَاعِهَا بَطَلَتْ الْعِلَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ تَعَلُّقًا بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ انْعِكَاسُهَا، فَكَذَلِكَ السَّمْعِيَّةُ. وَلَنَا أَنَّ الْعِلَّةَ مَنْصُوبَةٌ لِلْإِثْبَاتِ فَلَا تَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَدُلُّ بِمُجَرَّدِهِ لَا قَطْعًا وَلَا ظَنًّا. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ وَالْغَزَالِيِّ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ " الْحُدُودِ " إنَّهُ قَوْلُ الْمُحَصِّلِينَ. قَالَ إلْكِيَا: وَهُوَ الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الْقَاضِي، وَنَقَلَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْهُ أَيْضًا. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَعَ عَدَمِ الْعِلِّيَّةِ فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَيْهَا. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَعْلُولَ دَائِرٌ مَعَ الْعِلَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا، مَعَ أَنَّ الْمَعْلُولَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِعِلَّتِهِ
стр. 2901
قَطْعًا، وَالْجَوْهَرُ وَالْعَرَضُ مُتَلَازِمَانِ مَعَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي الْآخَرِ اتِّفَاقًا، وَالْمُتَضَايِفَانِ - كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ - مُتَلَازِمَانِ وُجُودًا وَعَدَمًا، مَعَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي الْآخَرِ لِوُجُوبِ تَقَدُّمِ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ وَوُجُوبِ مُصَاحَبَةِ الْمُتَضَايِفَيْنِ وَإِلَّا لَمَا كَانَا مُتَضَايِفَيْنِ.
وَقَدْ ضُعِّفَ هَذَا الْقَوْلُ، أَعْنِي تَجْوِيزَ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ أَمْرًا وَرَاءَ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّ هَذَا لَوْ صَحَّ لَجَرَى فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ، كَالْإِيمَاءِ وَنَحْوِهِ. وَمِنْ الْعَجِيبِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ اعْتَرَفُوا بِصِحَّةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ وَإِنْ لَمْ تَقْتَرِنْ بِهِ مُنَاسَبَةٌ، وَهُوَ رَاجِعٌ لِلطَّرْدِ، فَإِنَّ غَايَتَهُ أَنَّ الْأَوْصَافَ الْمُقَارِنَةَ لِلْحُكْمِ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى خُرُوجِ بَعْضِهَا عَنْ صَلَاحِيَةَ التَّعْلِيلِ، فَعُلِمَ صِحَّةُ التَّعْلِيلِ بِالْبَاقِي، وَلَا تَجِدُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ سِوَى مُقَارَنَتِهِ الْحُكْمَ فِي الْوُجُودِ مَعَ انْتِقَاءِ الظَّفَرِ بِدَلِيلِ انْتِفَاءِ صَلَاحِيَتِهِ لِلتَّعْلِيلِ، وَذَلِكَ مُجَرَّدُ طَرْدٍ لَا عَكْسَ فِيهِ، وَاذَا كَانَ السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى اقْتِرَانِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ وُجُودًا عُلِمَ أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِهِ وَأَنْكَرَ الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ كَمَنْ أَخَذَ بِالْمُقَدِّمَةِ الْوَاحِدَةِ وَأَنْكَرَ دَلَالَةَ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَكَمَنْ أَخَذَ بِالْكَثْرَةِ فِي الْأَلْفِ وَأَنْكَرَهَا فِي الْأَلْفَيْنِ.
التَّفْرِيعُ:
إنْ اعْتَبَرْنَاهُ فَشَرَطَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي صِحَّتِهِ أَنْ يَصِحَّ اقْتِضَاؤُهُ مِنْ الْأَصْلِ، كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ فِي الْخَمْرِ. قَالَ: وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إذَا لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ كَانَ لِأَجْلِهِ لَمْ يَكُنْ دَالًّا عَلَى صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ، لِأَنَّ الْعِلِّيَّةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْحُكْمِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ دَالًّا عَلَى الْأَصْلِ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ يَقُولُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَرَيَانِ هَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ أَمْ لَا؟ عَلَى مَذَاهِبَ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَالٌّ عَلَيْهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ بِانْفِرَادِهِ لَا يَكُونُ عِلَّةً حَتَّى لَا تَدْفَعَهُ الْأُصُولُ، فَإِنْ دَفَعَتْهُ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ عِلَّةٌ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهِ. قَالَ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي.
стр. 2902
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ يُفِيدُ ظَنَّ عِلِّيَّةِ الْمَدَارِ لِلدَّائِرِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْمَدَارُ مَقْطُوعًا بِعَدَمِ عِلِّيَّتِهِ، كَالرَّائِحَةِ الْفَائِحَةِ لِلْخَمْرِ، فَإِنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ عِلَّةً لِلْحُرْمَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَدَارُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الدَّائِرِ، بِحَيْثُ أَنْ يُقَالَ: وُجِدَ الدَّائِرُ فَحِينَئِذٍ لَا يَرِدُ دَوَرَانُ الْمُتَضَايِفَيْنِ وَلَا دَوَرَانُ الْوَصْفِ مَعَ الْحُكْمِ، لِأَنَّ أَحَدَ الْمُتَضَايِفَيْنِ لَيْسَ مُقَدَّمًا عَلَى الْآخَرِ، وَلَا الْحُكْمَ عَلَى الْوَصْفِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُقْطَعَ بِوُجُودِ مُزَاحِمٍ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْمَدَارِ عِلَّةً إلْغَاؤُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَحِينَئِذٍ لَا يَرُدُّ أَجْزَاءَ الْعِلَّةِ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمَعْلُولُ كَمَا دَارَ مَعَ الْعِلَّةِ دَارَ مَعَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا لَكِنَّ الْحُكْمَ بِأَيِّ جُزْءٍ كَانَ يُوجِبُ إلْغَاءَ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ، أَوْ إلْغَاءَ الْمَجْمُوعِ بِالْكُلِّيَّةِ فَيُوجَدُ لِكُلِّ جُزْءٍ مُزَاحِمٌ يَمْنَعُ مِنْ الْحُكْمِ بِعِلِّيَّتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَجْمُوعِ، فَإِنَّ كَوْنَ الْمَجْمُوعِ عِلَّةً لَيْسَ بِمُوجِبٍ إلْغَاءَ الْجُزْءِ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ اعْتِبَارِ الثَّانِي، بَلْ لِكُلِّ جُزْءٍ مَدْخَلٌ فِي التَّأْثِيرِ. وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ فَشَرَطُوا شَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ غَيْرَ مُنَاسِبٍ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ مُنَاسِبًا كَانَتْ الْعِلَّةُ صَحِيحَةً مِنْ جِهَةِ الْمُنَاسَبَةِ، صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي " شِفَاءِ الْعَلِيلِ " وَإِلْكِيَا وَابْنُ بَرْهَانٍ وَغَيْرُهُمْ. قُلْت: وَأَمَّا مَنْ يَدَّعِي الْقَطْعَ فِيهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ ظُهُورَ الْمُنَاسَبَةِ، وَلَا يَكْتَفِي بِالدَّوَرَانِ بِمُجَرَّدِهِ، فَإِذَا انْضَمَّ الْمُنَاسَبَةُ ارْتَقَى إلَى الْقَطْعِ. ثُمَّ قَالَ إلْكِيَا: وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَمَارَةَ لَا تَطَّرِدُ وَلَا تَنْعَكِسُ إلَّا إذَا كَانَتْ اجْتِمَاعَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي مَقْصُودٍ خَاصٍّ فِي حُكْمٍ خَاصٍّ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ إذَا تَبَاعَدَ مَا حَدُّهَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ الْأَمَارَةُ الْوَاحِدَةُ جَارِيَةً فِيهَا عَلَى نَسَقِ الْإِطْرَادِ وَالِانْعِكَاسِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ فِي الطَّهَارَةِ: إنَّهَا وَظِيفَةٌ تُشَطَّرُ فِي وَقْتٍ فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ، كَالصَّلَاةِ، فَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ انْعِكَاسُهُ، وَقَدْ تَطَّرِدُ وَتَنْعَكِسُ بَعْضُ الْأَمَارَاتِ فَإِنَّهَا مَجْرَى الْحُدُودِ الْعَقْلِيَّةِ.
стр. 2903
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاطِّرَادَ وَالِانْعِكَاسَ مِنْ بَابِ الْأَشْبَاهِ الظَّاهِرَةِ وَمِنْ قَبِيلِ تَنْبِيهِ الشَّرْعِ عَلَى نَصْبِهِ ضَابِطًا لِخَاصَّةٍ فَعُلِّقَتْ بِهِ. وَمِمَّا يُتَنَبَّهُ لَهُ أَنَّ مَا يُوجَدُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا وَيَنْعَدِمُ بِعَدَمِهَا، كَالْإِحْصَانِ، فَلَيْسَ بِتَعْلِيلٍ اتِّفَاقًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ إنَّمَا كَانَ تَعْلِيلًا لِلْإِشْعَارِ بِاجْتِمَاعِ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي مَعْنًى مُؤَثِّرٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ، فَكَانَ الِاطِّرَادُ مِنْ الشَّارِعِ تَنْبِيهًا عَلَى وُجُودِ مَعْنًى جُمَلِيٍّ اقْتَضَى الِاجْتِمَاعَ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ، فَإِنَّ الْإِيهَامَ لَا مِيزَانَ لَهُ مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى الْمُصَرَّحِ بِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَتَجَرَّدَ الْوَصْفُ، فَأَمَّا إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ سَبْرٌ وَتَقْسِيمُ قَالَ فِي " الْمُسْتَصْفَى ": يَكُونُ حِينَئِذٍ حُجَّةً، كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا الْحُكْمُ لَا بُدَّ [لَهُ] مِنْ عِلَّةٍ، لِأَنَّهُ حَدَثَ بِحُدُوثِ حَادِثٍ، وَلَا حَادِثَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّلَ بِهِ إلَّا كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَطَلَ الْكُلُّ إلَّا هَذَا فَهُوَ الْعِلَّةُ. وَمِثْلُ هَذَا السَّبْرِ حُجَّةٌ فِي الطَّرْدِ الْمَحْضِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ الْعَكْسُ.
فَائِدَةٌ:
الدَّوْرُ يَسْتَلْزِمُ الْمَدَارَ وَالدَّائِرَ، فَالْمَدَارُ هُوَ الْمُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ، كَالْقَتْلِ الْمَوْصُوفِ، وَالدَّائِرُ هُوَ الْمُدَّعَى مَعْلُولِيَّتُهُ كَوُجُوبِ الْقِصَاصِ.
[الْمَسْلَكُ التَّاسِعُ الطَّرْدُ]
ُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ كَوْنَ الْعِلَّةِ لَا تَنْتَقِضُ فَذَاكَ مَقَالُ الْعَكْسِ، بَلْ الْمُرَادُ أَنْ لَا تَكُونَ عِلَّتُهُ مُنَاسِبَةً وَلَا مُؤَثِّرَةً. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّوَرَانِ أَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُقَارَنَةِ وُجُوبًا وَعَدَمًا. وَهَذَا مُقَارِنٌ فِي الْوُجُودِ دُونَ الْعَدَمِ. وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ - فِيمَا حَكَاهُ الْبَغَوِيّ عَنْهُ فِي تَعْلِيقِهِ: الطَّرْدُ شَيْءٌ أَحْدَثَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ، وَهُوَ حَمْلُ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ بِغَيْرِ أَوْصَافِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ
стр. 2904
يَكُونَ لِذَلِكَ الْوَصْفِ تَأْثِيرٌ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ، كَقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ: عِبَادَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ وَتُشَطَّرُ بِعُذْرِ السَّفَرِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ كَالصَّلَاةِ، وَلَا تَأْثِيرَ لِلشَّطْرِ بِعُذْرِ السَّفَرِ فِي إثْبَاتِ النِّيَّةِ. وَكَقَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ فِي مَسِّ الذَّكَرِ: مُعَلَّقٌ مَنْكُوسٌ، فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ بِمَسِّهِ دَلِيلُهُ الدَّبُّوسُ. أَوْ قَالُوا: طَوِيلٌ مَشْقُوقٌ، فَلَا يَنْتَقِضُ بِمَسِّهِ كَالْقَلَمِ وَالْبُوقِ. قَالَ: وَهَذَا سُخْفٌ يَتَحَاشَى الطِّفْلُ عَنْ ذِكْرِهِ، فَضْلًا عَنْ الْفَقِيهِ. انْتَهَى.
وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: هُوَ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ وَلَا يُشْعِرُ بِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِلْمُنَاسِبِ وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى الطَّرْدِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ حَاصِلًا مَعَهُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ حُصُولِهِ غَيْرَ صُورَةِ النِّزَاعِ، فَإِنْ حَصَلَ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ كَانَ دَوَرَانًا. قَالَ الْهِنْدِيُّ: هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، بَلْ يَكْفِي فِي عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ الطَّرْدِيِّ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مُقَارِنًا لَهُ وَلَوْ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ حُجَّةً، وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ الطَّرْدَ [وَ] الْعَكْسَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَفِي كَوْنِ الطَّرْدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى، فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِحُجِّيَّةِ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي حُجِّيَّةِ الطَّرْدِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ وَقَالَ بِحُجِّيَّتِهِ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي. وَالْمُعْتَبَرُونَ مِنْ النُّظَّارِ عَلَى أَنَّ التَّمَسُّكَ بِهِ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْهَذَيَانِ.
стр. 2905
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَتَنَاهَى الْقَاضِي فِي تَغْلِيطِ مَنْ يَعْتَقِدُ رَبْطَ حُكْمِ اللَّهِ بِهِ، وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عَنْ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ، لِأَنَّهُ يَجِبُ تَصْحِيحُ الْعِلَّةِ فِي نَفْسِهَا أَوَّلًا ثُمَّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ ثَمَرَةُ الْعِلَّةِ، فَالِاسْتِثْمَارُ بَعْدَ التَّصْحِيحِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ مَا حَقُّهُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ عَلَمًا عَلَى ثُبُوتِ الْأَصْلِ. قَالَ: وَقَدْ رَأَيْنَا فِي الطَّرْدِ صُوَرًا لَا يَتَخَيَّلُ عَاقِلٌ صِحَّتَهَا، كَتَشْبِيهِ الصَّلَاةِ بِالطَّوَافِ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " شَرْحِ الْكِفَايَةِ " عَنْ الْمُحَصِّلِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَقَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ - فِيمَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيّ فِي " تَعْلِيقِهِ " عَنْهُ: - لَا يَجُوزُ أَنْ يُدَانَ اللَّهُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ ": الطَّرْدُ جَرَيَانُ الْعِلَّةِ فِي مَعْلُولَاتِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ أَصْلٍ يَرُدُّهَا وَيَنْفِيهَا. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا. وَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّهُ حُجَّةٌ، وَمَالَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ، وَجَزَمَ بِهِ الْبَيْضَاوِيُّ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيُّ: وَحَكَاهُ الشَّيْخُ فِي التَّبْصِرَةِ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ. فَإِنَّ ذَاكَ فِي الِاطِّرَادِ الَّذِي هُوَ الدَّوَرَانُ. وَقَالَ الْكَرْخِيّ: هُوَ مَقْبُولٌ جَدَلًا، وَلَا يَسُوغُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ عَمَلًا، وَلَا الْفَتْوَى بِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: ذَهَبَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ، وَاقْتَدَى بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ بِالْعِرَاقِ، فَصَارُوا يَطْرُدُونَ الْأَوْصَافَ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ وَيَقُولُونَ. إنَّهَا قَدْ صَحَّتْ، كَقَوْلِهِمْ فِي مَسِّ الذَّكَرِ: مَسُّ آلَةِ الْحَرْثِ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ، كَمَا إذَا مَسَّ الْفَدَّانَ. وَإِنَّهُ طَوِيلٌ مَشْقُوقٌ فَأَشْبَهَ الْبُوقَ. وَفِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: إنَّهُ سَعْيٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَلَا يَكُونُ رُكْنًا فِي الْحَجِّ. كَالسَّعْيِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ بِنَيْسَابُورَ. وَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ أَنَّ هَذَا سُخْفٌ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَسَمَّى أَبُو زَيْدٍ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الطَّرْدَ
стр. 2906
حُجَّةً، وَالِاطِّرَادَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ " حَشْوِيَّةَ أَهْلِ الْقِيَاسِ " قَالَ: وَلَا يُعَدُّ هَؤُلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَيَجُوزُ لِلشَّارِعِ نَصْبُ الطَّرْدِ عَلَمًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ عِلَّةً بَلْ تَقْرِيبٌ لِلْحُكْمِ وَتَحْدِيدٌ لَهُ. قَالَ: وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ الِاطِّرَادَ زِيَادَةُ دَعْوَى عَلَى دَعْوَى، وَالدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ بِزِيَادَةِ دَعْوَى، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ قَدْ يَطَّرِدُ، وَلَوْ كَانَ الِاطِّرَادُ دَلِيلَ صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ لَمْ يَقُمْ هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى الْأَقْيِسَةِ الْفَاسِدَةِ الْمُطَّرِدَةِ، مِثْلُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ: مَائِعٌ لَا تُبْنَى عَلَيْهِ الْقَنَاطِرُ، وَلَا يُصَادُ مِنْهُ السَّمَكُ، فَأَشْبَهَ الدُّهْنَ وَالْمَرَقَةَ. وَفِي الْمَضْمَضَةِ: اصْطِكَاكُ الْأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقُضَ الطَّهَارَةَ، كَالرَّعْدِ وَلَا يَلْزَمُ الضُّرَاطُ لِأَنَّهُ اصْطِكَاكُ الْأَجْرَامِ السُّفْلِيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَعَ سُخْفِهِ يَنْتَقِضُ بِمَا لَوْ صَفَعَ امْرَأَتَهُ وَصَفَعَتْهُ. وَالِاشْتِغَالُ بِهَذَا هُزْأَةٌ وَلَعِبٌ فِي الدِّينِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْكَرْخِيّ: هُوَ مَقْبُولٌ جَدَلًا، وَلَا يَسُوغُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ عَمَلًا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ. وَقَالَ: إنَّهُ رَأْيُ الْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَالَ: هُوَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُنَاظِرِ فِي حَقِّ مَنْ أَثْبَتَ الشَّبَهَ وَرَآهُ مُعْتَمَدًا، بَلْ لَا طَرِيقَ سِوَاهُ، فَإِمَّا أَنْ يُصَارَ إلَى إبْطَالِ الشَّبَهِ رَأْسًا، وَقَصْرِ الْجَامِعِ عَلَى الْمُخَيَّلِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْبَلَ مِنْ الْمُنَاظِرِ الْجَمِيعَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَهَاهُنَا أُمُورٌ ذَكَرَهَا إلْكِيَا:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي غَيْرِ الْمَحْسُوسَاتِ. أَمَّا الْمَحْسُوسَاتُ فَقَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً مِثْلُ مَا نَعْلَمُهُ أَنَّ الْبَرْقَ يَسْتَعْقِبُ صَوْتَ الرَّعْدِ فَلِهَذَا اطَّرَدَ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بِهِ
الثَّانِي: أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُنْكِرُهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ، وَأَحَدًا لَا يَتَّبِعُ كُلَّ وَصَفٍّ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، وَإِنْ أَحَالُوا اطِّرَادًا لَا يَنْفَكُّ عَنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ.
الثَّالِثُ: إذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَهَلْ يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ لِدَفْعِ النَّقْضِ
стр. 2907
أَمْ لَا؟ قَالَ إلْكِيَا: فِيهِ تَفْصِيلٌ: فَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ مَا قُيِّدَ الْكَلَامُ بِهِ إلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِحُكْمِهَا فَالْكَلَامُ فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ التَّقْيِيدُ كَمَا قُيِّدَ بِهِ تَقْيِيدًا بِمَا يَظْهَرُ تَقَيَّدَ مِنْ الشَّرْعِ الْحُكْمُ بِهِ. وَصُورَةُ النَّقْضِ آيِلَةٌ إلَى اسْتِثْنَاءِ الشَّرْعِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّخْصِيصِ كَمَا إذَا عُلِّلَ إيجَابُ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِلِ فَنُقِضَ بِالْأَبِ فَلَا يُمْنَعَ مِنْ هَذَا التَّخْصِيصِ، وَإِنْ كَانَ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَّا اللُّغَةَ وَذَلِكَ الْمَعْنَى صَالِحٌ لَأَنْ يُجْعَلَ وَصْفًا وَمَنَاطًا لِلْحُكْمِ، فَيَجُوزُ دَفْعُ النَّقْضِ بِهِ، كَقَوْلِنَا: مَا لَا يَتَجَزَّأُ فِي الطَّلَاقِ فَذِكْرُ بَعْضِهِ كَذِكْرِ كُلِّهِ، فَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ يُنْبِئُ فِي الشَّرْعِ عَنْ خَصَائِصَ وَمَزَايَا فِي الْقُوَّةِ لَا يُلْغَى فِي غَيْرِهِ فَيَنْدَفِعُ النَّقْضُ.
стр. 2908
فَصْلٌ
سَاقَ الْغَزَالِيُّ فِي " شِفَاءِ الْعَلِيلِ " مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ هُنَا أَمْرًا حَسَنًا يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ الْإِحَاطَةُ بِهِ فَقَالَ: قِيَاسُ الطَّرْدِ صَحِيحٌ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ، وَقَالَ بِهِ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. وَمَنْ شَنَّعَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ الْقَرِيبِ كَأَبِي زَيْدٍ وَأُسْتَاذِي إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، فَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ، إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُعَبِّرُ عَنْ الطَّرْدِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ بِ (الشَّبَهِ) وَيَقُولُ: الطَّرْدُ بَاطِلٌ وَالشَّبَهُ صَحِيحٌ، وَأَبُو زَيْدٍ يُعَبِّرُ عَنْ الطَّرْدِ بِ (الْمُخَيَّلِ) ، وَعَنْ الشَّبَهِ بِ (الْمُؤَثِّرِ) ، وَيَقُولُ: الْمُخَيَّلُ بَاطِلٌ وَالْمُؤَثِّرُ صَحِيحٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا بِأَصْلِهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُؤَثِّرِ مَا أَرَدْنَاهُ بِالْمُخَيَّلِ، وَسَنُبَيِّنُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالشَّبَهِ الْمُنْكِرِينَ لِلطَّرْدِ مُرَادُهُمْ بِالشَّبَهِ مَا أَرَدْنَاهُ بِالطَّرْدِ، وَأَنَّ الْوَصْفَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: مُنَاسِبٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ حُجَّةٌ وِفَاقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلَقِّبُهُ بِالْمُؤَثِّرِ وَيُنْكِرُ الْمُخَيَّلَ. وَغَيْرُ الْمُنَاسِبِ أَيْضًا حُجَّةٌ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلَقِّبُهُ بِالشَّبَهِ، حَتَّى يُخَيَّلَ أَنَّهُ غَيْرُ الطَّرْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. (قَالَ) : وَلَقَدْ عَزَّ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ مَنْ يُحَقِّقُ الشَّبَهَ.
ثُمَّ قَالَ: فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، وَالشَّبَهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ الْقَوْلُ بِهِمَا جَمِيعًا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِالشَّبَهِ وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْ الْقَوْلِ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ. (قَالَ) : وَقَدْ عَلَّلَ [بِهِ] الْفُقَهَاءُ كَافَّةً سُقُوطَ التَّكْرَارِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ، وَشَرْعِيَّتِهِ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: إنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يَكُونُ كَمَسْحِ الْخُفِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ فَكُرِّرَ كَالْغَسْلِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا طَرْدٌ مَحْضٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ؟
стр. 2909
(قَالَ) : وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَذْهَبْ فِي التَّعْلِيلِ مَسْلَكَ الْإِخَالَةِ فَصْلٌ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ " الرِّسَالَةِ "، وَقَدْ نَقَلْنَاهُ بِلَفْظِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْآيَةَ «وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ هِنْدًا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا» ، فَكَانَ الْوَلَدُ مِنْ الْوَالِدِ، فَأُجْبِرَ عَلَى صَلَاحِهِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يُغْنِي فِيهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ الْأَبُ إذَا بَلَغَ أَنْ لَا يُغْنِيَ عَنْ نَفْسِهِ بِكَسْبٍ وَلَا مَالٍ فَعَلَى وَلَدِهِ صَلَاحُهُ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ، قِيَاسًا عَلَى الْوَالِدِ، وَلَمْ يَضَعْ شَيْئًا هُوَ مِنْهُ، كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِدِ ذَلِكَ، وَالْوَالِدُ وَإِنْ بَعُدَ، وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَقُلْنَا: يُنْفِقُ عَلَى كُلِّ مُحْتَاجٍ مِنْهُمْ غَيْرِ مُحْتَرِفٍ، وَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَى الْغَنِيِّ الْمُحْتَرِفِ.
وَذَكَرَ «حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ» فَقَالَ: وَكَأَنَّ الْغَلَّةَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهَا صَفْقَةُ الْبَيْعِ فَيَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ فِي الثَّمَنِ، فَكَانَتْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَوْ فَاتَ فِيهِ الْعَقْدُ فَاتَ فِي مَالِهِ، فَدَلَّ أَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهَا لَهُ لِأَنَّهُ حَادِثَةٌ فِي مِلْكِهِ وَضَمَانِهِ، فَقُلْنَا كَذَلِكَ فِي ثَمَرِ النَّخِيلِ وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا وَأَوْلَادِهَا وَوَلَدِ الْجَارِيَةِ وَكُلِّ مَا حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ. وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْأَمَةِ الثَّيِّبِ وَخِدْمَتِهَا.
стр. 2910
«وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ» ، فَلَمَّا حَرَّمَ النَّبِيُّ ﵊ هَذِهِ الْأَصْنَافَ الْمَأْكُولَةَ الَّتِي يَشِحُّ النَّاسُ عَلَيْهَا حِينَ بَاعُوهَا كَيْلًا لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُبَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ بِمِثْلِهِ دَيْنًا، وَالْآخَرُ: زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ نَقْدًا، كَانَ كَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا، فَحَرَّمْنَا قِيَاسًا عَلَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أُكِلَ مِمَّا اُبْتِيعَ مَوْزُونًا، وَالْوَزْنُ وَالْكَيْلُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ كَالْعَسَلِ وَالزَّبِيبِ وَالسَّمْنِ وَالسُّكَّرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُكَالُ وَيُوزَنُ وَيُبَاعُ مَوْزُونًا، وَلَمْ يُقَسْ الْمَوْزُونُ عَلَى الْمَوْزُونِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، لَأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ نَقْدًا عَسَلًا وَسَمْنًا إلَى أَجَلٍ، وَلَوْ قِيسَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا يَدًا بِيَدٍ، كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَيُقَاسُ بِهِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ يُعْتَادُ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: هَذَا كُلُّهُ نَقَلْنَاهُ مِنْ لَفْظِ الشَّافِعِيِّ فَلْيَتَأَمَّلْ الْمُنْصِفُ لِيَعْرِفَ كَيْفَ عَلَّلَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ [مَا] لَا يُنَاسِبُ، ذَاهِبًا إلَى أَنَّ الْمُشَارِكَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي مَعْنَاهُ غَيْرَ مُعَرِّجٍ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ وَالْإِيمَاءِ.
وَنَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ مِنْ لَفْظِ ابْنِ سُرَيْجٍ، فِي سِيَاقِ كَلَامٍ لَهُ فِي تَصْحِيحِ التَّعْلِيلِ بِالِاطِّرَادِ وَالسَّلَامَةِ عَنْ النَّوَاقِضِ فَصْلًا وَهُوَ قَوْلُهُ: قُلْت: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إذَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْعِلَلَ تُسْتَخْرَجُ وَتَصِحُّ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ وَالِاطِّرَادِ فِي مَعْلُولَاتِهَا، فَإِنْ عَارَضَهَا أَصْلٌ يَدْفَعُهَا عُلِمَ فَسَادُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَارِضْهَا أَصْلٌ صَحَّتْ فَأَخْبِرُونِي: إذَا انْتَزَعْتُمْ عِلَّةً مِنْ أَصْلٍ، فَانْتَزَعَ مُخَالِفُوكُمْ عِلَّةً أُخْرَى
следующие страницы →