Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
حُجَّةً، وَالِاطِّرَادَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ " حَشْوِيَّةَ أَهْلِ الْقِيَاسِ " قَالَ: وَلَا يُعَدُّ هَؤُلَاءِ مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَيَجُوزُ لِلشَّارِعِ نَصْبُ الطَّرْدِ عَلَمًا عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ عِلَّةً بَلْ تَقْرِيبٌ لِلْحُكْمِ وَتَحْدِيدٌ لَهُ. قَالَ: وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّ الِاطِّرَادَ زِيَادَةُ دَعْوَى عَلَى دَعْوَى، وَالدَّعْوَى لَا تَثْبُتُ بِزِيَادَةِ دَعْوَى، وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ قَدْ يَطَّرِدُ، وَلَوْ كَانَ الِاطِّرَادُ دَلِيلَ صِحَّةِ الْعِلِّيَّةِ لَمْ يَقُمْ هَذَا الدَّلِيلُ عَلَى الْأَقْيِسَةِ الْفَاسِدَةِ الْمُطَّرِدَةِ، مِثْلُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ: مَائِعٌ لَا تُبْنَى عَلَيْهِ الْقَنَاطِرُ، وَلَا يُصَادُ مِنْهُ السَّمَكُ، فَأَشْبَهَ الدُّهْنَ وَالْمَرَقَةَ. وَفِي الْمَضْمَضَةِ: اصْطِكَاكُ الْأَجْرَامِ الْعُلْوِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقُضَ الطَّهَارَةَ، كَالرَّعْدِ وَلَا يَلْزَمُ الضُّرَاطُ لِأَنَّهُ اصْطِكَاكُ الْأَجْرَامِ السُّفْلِيَّةِ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَعَ سُخْفِهِ يَنْتَقِضُ بِمَا لَوْ صَفَعَ امْرَأَتَهُ وَصَفَعَتْهُ. وَالِاشْتِغَالُ بِهَذَا هُزْأَةٌ وَلَعِبٌ فِي الدِّينِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْكَرْخِيّ: هُوَ مَقْبُولٌ جَدَلًا، وَلَا يَسُوغُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ عَمَلًا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ. وَقَالَ: إنَّهُ رَأْيُ الْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَالَ: هُوَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُنَاظِرِ فِي حَقِّ مَنْ أَثْبَتَ الشَّبَهَ وَرَآهُ مُعْتَمَدًا، بَلْ لَا طَرِيقَ سِوَاهُ، فَإِمَّا أَنْ يُصَارَ إلَى إبْطَالِ الشَّبَهِ رَأْسًا، وَقَصْرِ الْجَامِعِ عَلَى الْمُخَيَّلِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْبَلَ مِنْ الْمُنَاظِرِ الْجَمِيعَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَهَاهُنَا أُمُورٌ ذَكَرَهَا إلْكِيَا:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي غَيْرِ الْمَحْسُوسَاتِ. أَمَّا الْمَحْسُوسَاتُ فَقَدْ تَكُونُ صَحِيحَةً مِثْلُ مَا نَعْلَمُهُ أَنَّ الْبَرْقَ يَسْتَعْقِبُ صَوْتَ الرَّعْدِ فَلِهَذَا اطَّرَدَ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بِهِ
الثَّانِي: أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُنْكِرُهُ إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ، وَأَحَدًا لَا يَتَّبِعُ كُلَّ وَصَفٍّ لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ، وَإِنْ أَحَالُوا اطِّرَادًا لَا يَنْفَكُّ عَنْ غَلَبَةِ الظَّنِّ.
الثَّالِثُ: إذَا قُلْنَا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، فَهَلْ يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ لِدَفْعِ النَّقْضِ
стр. 2907
أَمْ لَا؟ قَالَ إلْكِيَا: فِيهِ تَفْصِيلٌ: فَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ مَا قُيِّدَ الْكَلَامُ بِهِ إلَى تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ بِحُكْمِهَا فَالْكَلَامُ فِي تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ سَبَقَ، وَإِنْ كَانَ التَّقْيِيدُ كَمَا قُيِّدَ بِهِ تَقْيِيدًا بِمَا يَظْهَرُ تَقَيَّدَ مِنْ الشَّرْعِ الْحُكْمُ بِهِ. وَصُورَةُ النَّقْضِ آيِلَةٌ إلَى اسْتِثْنَاءِ الشَّرْعِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنْ هَذَا التَّخْصِيصِ كَمَا إذَا عُلِّلَ إيجَابُ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِلِ فَنُقِضَ بِالْأَبِ فَلَا يُمْنَعَ مِنْ هَذَا التَّخْصِيصِ، وَإِنْ كَانَ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَّا اللُّغَةَ وَذَلِكَ الْمَعْنَى صَالِحٌ لَأَنْ يُجْعَلَ وَصْفًا وَمَنَاطًا لِلْحُكْمِ، فَيَجُوزُ دَفْعُ النَّقْضِ بِهِ، كَقَوْلِنَا: مَا لَا يَتَجَزَّأُ فِي الطَّلَاقِ فَذِكْرُ بَعْضِهِ كَذِكْرِ كُلِّهِ، فَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ يُنْبِئُ فِي الشَّرْعِ عَنْ خَصَائِصَ وَمَزَايَا فِي الْقُوَّةِ لَا يُلْغَى فِي غَيْرِهِ فَيَنْدَفِعُ النَّقْضُ.
стр. 2908
فَصْلٌ
سَاقَ الْغَزَالِيُّ فِي " شِفَاءِ الْعَلِيلِ " مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ هُنَا أَمْرًا حَسَنًا يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ الْإِحَاطَةُ بِهِ فَقَالَ: قِيَاسُ الطَّرْدِ صَحِيحٌ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ، وَقَالَ بِهِ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. وَمَنْ شَنَّعَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ الْقَرِيبِ كَأَبِي زَيْدٍ وَأُسْتَاذِي إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، فَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْقَائِلِينَ بِهِ، إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ يُعَبِّرُ عَنْ الطَّرْدِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ بِ (الشَّبَهِ) وَيَقُولُ: الطَّرْدُ بَاطِلٌ وَالشَّبَهُ صَحِيحٌ، وَأَبُو زَيْدٍ يُعَبِّرُ عَنْ الطَّرْدِ بِ (الْمُخَيَّلِ) ، وَعَنْ الشَّبَهِ بِ (الْمُؤَثِّرِ) ، وَيَقُولُ: الْمُخَيَّلُ بَاطِلٌ وَالْمُؤَثِّرُ صَحِيحٌ. وَقَدْ بَيَّنَّا بِأَصْلِهِ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمُؤَثِّرِ مَا أَرَدْنَاهُ بِالْمُخَيَّلِ، وَسَنُبَيِّنُ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالشَّبَهِ الْمُنْكِرِينَ لِلطَّرْدِ مُرَادُهُمْ بِالشَّبَهِ مَا أَرَدْنَاهُ بِالطَّرْدِ، وَأَنَّ الْوَصْفَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: مُنَاسِبٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ حُجَّةٌ وِفَاقًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلَقِّبُهُ بِالْمُؤَثِّرِ وَيُنْكِرُ الْمُخَيَّلَ. وَغَيْرُ الْمُنَاسِبِ أَيْضًا حُجَّةٌ إذَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلَقِّبُهُ بِالشَّبَهِ، حَتَّى يُخَيَّلَ أَنَّهُ غَيْرُ الطَّرْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. (قَالَ) : وَلَقَدْ عَزَّ عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ مَنْ يُحَقِّقُ الشَّبَهَ.
ثُمَّ قَالَ: فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، وَالشَّبَهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ الْقَوْلُ بِهِمَا جَمِيعًا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِالشَّبَهِ وَهُوَ أَضْعَفُ مِنْ الْقَوْلِ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ. (قَالَ) : وَقَدْ عَلَّلَ [بِهِ] الْفُقَهَاءُ كَافَّةً سُقُوطَ التَّكْرَارِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ، وَشَرْعِيَّتِهِ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: إنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يَكُونُ كَمَسْحِ الْخُفِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَصْلٌ فِي الطَّهَارَةِ فَكُرِّرَ كَالْغَسْلِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا طَرْدٌ مَحْضٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: طَهَارَتَانِ فَأَنَّى تَفْتَرِقَانِ؟
стр. 2909
(قَالَ) : وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَذْهَبْ فِي التَّعْلِيلِ مَسْلَكَ الْإِخَالَةِ فَصْلٌ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ " الرِّسَالَةِ "، وَقَدْ نَقَلْنَاهُ بِلَفْظِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْآيَةَ «وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ هِنْدًا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا» ، فَكَانَ الْوَلَدُ مِنْ الْوَالِدِ، فَأُجْبِرَ عَلَى صَلَاحِهِ فِي الْحَالِ الَّتِي لَا يُغْنِي فِيهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَكَانَ الْأَبُ إذَا بَلَغَ أَنْ لَا يُغْنِيَ عَنْ نَفْسِهِ بِكَسْبٍ وَلَا مَالٍ فَعَلَى وَلَدِهِ صَلَاحُهُ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ، قِيَاسًا عَلَى الْوَالِدِ، وَلَمْ يَضَعْ شَيْئًا هُوَ مِنْهُ، كَمَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَالِدِ ذَلِكَ، وَالْوَالِدُ وَإِنْ بَعُدَ، وَالْوَلَدُ وَإِنْ سَفَلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، فَقُلْنَا: يُنْفِقُ عَلَى كُلِّ مُحْتَاجٍ مِنْهُمْ غَيْرِ مُحْتَرِفٍ، وَلَهُ النَّفَقَةُ عَلَى الْغَنِيِّ الْمُحْتَرِفِ.
وَذَكَرَ «حُكْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ الْغَلَّةَ بِالضَّمَانِ» فَقَالَ: وَكَأَنَّ الْغَلَّةَ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهَا صَفْقَةُ الْبَيْعِ فَيَكُونُ لَهَا حِصَّةٌ فِي الثَّمَنِ، فَكَانَتْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَوْ فَاتَ فِيهِ الْعَقْدُ فَاتَ فِي مَالِهِ، فَدَلَّ أَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهَا لَهُ لِأَنَّهُ حَادِثَةٌ فِي مِلْكِهِ وَضَمَانِهِ، فَقُلْنَا كَذَلِكَ فِي ثَمَرِ النَّخِيلِ وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا وَأَوْلَادِهَا وَوَلَدِ الْجَارِيَةِ وَكُلِّ مَا حَدَثَ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي وَضَمَانِهِ. وَكَذَلِكَ وَطْءُ الْأَمَةِ الثَّيِّبِ وَخِدْمَتِهَا.
стр. 2910
«وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَالْوَرِقِ بِالْوَرِقِ، وَالتَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْبُرِّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالْمِلْحِ بِالْمِلْحِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ» ، فَلَمَّا حَرَّمَ النَّبِيُّ ﵊ هَذِهِ الْأَصْنَافَ الْمَأْكُولَةَ الَّتِي يَشِحُّ النَّاسُ عَلَيْهَا حِينَ بَاعُوهَا كَيْلًا لِمَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُبَاعَ مِنْهَا شَيْءٌ بِمِثْلِهِ دَيْنًا، وَالْآخَرُ: زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ نَقْدًا، كَانَ كَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا، فَحَرَّمْنَا قِيَاسًا عَلَيْهِمَا، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَا أُكِلَ مِمَّا اُبْتِيعَ مَوْزُونًا، وَالْوَزْنُ وَالْكَيْلُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَذَلِكَ كَالْعَسَلِ وَالزَّبِيبِ وَالسَّمْنِ وَالسُّكَّرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُكَالُ وَيُوزَنُ وَيُبَاعُ مَوْزُونًا، وَلَمْ يُقَسْ الْمَوْزُونُ عَلَى الْمَوْزُونِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، لَأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ نَقْدًا عَسَلًا وَسَمْنًا إلَى أَجَلٍ، وَلَوْ قِيسَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا يَدًا بِيَدٍ، كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَيُقَاسُ بِهِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمَأْكُولِ وَالْمَوْزُونِ لِأَنَّهُ يُعْتَادُ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: هَذَا كُلُّهُ نَقَلْنَاهُ مِنْ لَفْظِ الشَّافِعِيِّ فَلْيَتَأَمَّلْ الْمُنْصِفُ لِيَعْرِفَ كَيْفَ عَلَّلَ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ [مَا] لَا يُنَاسِبُ، ذَاهِبًا إلَى أَنَّ الْمُشَارِكَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي مَعْنَاهُ غَيْرَ مُعَرِّجٍ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ وَالْإِيمَاءِ.
وَنَقَلَ أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ مِنْ لَفْظِ ابْنِ سُرَيْجٍ، فِي سِيَاقِ كَلَامٍ لَهُ فِي تَصْحِيحِ التَّعْلِيلِ بِالِاطِّرَادِ وَالسَّلَامَةِ عَنْ النَّوَاقِضِ فَصْلًا وَهُوَ قَوْلُهُ: قُلْت: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إذَا ادَّعَيْتُمْ أَنَّ الْعِلَلَ تُسْتَخْرَجُ وَتَصِحُّ بِالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ وَالِاطِّرَادِ فِي مَعْلُولَاتِهَا، فَإِنْ عَارَضَهَا أَصْلٌ يَدْفَعُهَا عُلِمَ فَسَادُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَارِضْهَا أَصْلٌ صَحَّتْ فَأَخْبِرُونِي: إذَا انْتَزَعْتُمْ عِلَّةً مِنْ أَصْلٍ، فَانْتَزَعَ مُخَالِفُوكُمْ عِلَّةً أُخْرَى
стр. 2911
فَخَبِّرُونَا: مَا جَعَلَ عِلَّتَكُمْ أَوْلَى؟ فَإِنْ أَحَلْتُمْ ذَلِكَ أَرَيْنَاكُمْ زَعَمَ الْعِرَاقِيُّ عِلَّةَ الْبُرِّ أَنَّهُ مَكِيلٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنْكَرُ، وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا الْأَكْلُ دُونَ الْكَيْلِ، فَنَقُولُ: إنَّا تَرَكْنَا جَعْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عِلَّةً لِأَنَّهُ يُخْرِجُنَا مِنْ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ الَّذِي احْتَجْنَا إلَى تَرْجِيحِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَكْلِ، وَالْعِرَاقِيَّ عَلَى الْكَيْلِ، فَرَجَّحْنَا هَذِهِ عَلَى تِلْكَ، فَإِنَّا وَجَدْنَا الْكَيْلَ مَعْنَاهُ مَعْنَى الْوَزْنِ، وَوَجَدْنَا مَا حُرِّمَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَوْزُونَاتِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الذَّهَبَ لَا يَجُوزُ بِالْوَرِقِ نَسِيئَةً، وَيَجُوزُ الذَّهَبُ بِالْمَوْزُونَاتِ نَسِيئَةً، وَقَرَّرَ هَذَا الْكَلَامَ ثُمَّ قَالَ: دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الشَّيْءَ حَرَامٌ لِمَعْنًى فِيهِ، كَالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَأَنَّهَا أَصْلُ النَّقْدَيْنِ وَقِيَمُ الْمُسْتَهْلَكَاتِ وَمِنْهُمَا فَرْضُ الزَّكَوَاتِ، فَلَمْ يَحْرُمَا لِأَنَّ هَاهُنَا أَمْرًا يُعْرَفُ بِهِ مِقْدَارُهُمَا وَهُوَ الْوَزْنُ، بَلْ لِمَا فِيهِمَا مِنْ مَنَافِعِ النَّاسِ الَّتِي يُعَدُّ لَهُمَا [فِيهَا شَيْءٌ] سِوَاهُمَا مِنْ التَّقَلُّبِ وَالنَّقْدِ الَّذِي إلَيْهِ تَرْجِعُ الْمُعَامَلَةُ الدَّائِرَةُ بَيْنَ النَّاسِ. وَكَذَلِكَ الْبُرُّ وَالشَّعِيرُ إنَّمَا حُرِّمَا لِأَنَّهُمَا الْأَقْوَاتُ وَالْمَعَاشُ وَالْغِذَاءُ وَالطَّعَامُ. ثُمَّ جُرِّدَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ الْأَكْلُ كَانَ أَعَمَّ الْأُمُورِ. وَقَدْ ضُمَّ إلَيْهَا فِي قَوْلٍ لِأَصْحَابِنَا أَجْزَاءُ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ " الْبُيُوعِ الْقَدِيمِ ": وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا رِبًا إلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ وَمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي هَذَا أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَهَذَا جُمْلَةُ مَا أَرَدْنَا نَقْلَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ لِنُبَيِّنَ أَنَّ أَرْبَابَ الْمَذَاهِبِ بِأَجْمَعِهِمْ ذَهَبُوا إلَى جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ مِنْ غَيْرِ اسْتِنَادٍ إلَى إيمَاءٍ وَنَصٍّ وَمُنَاسَبَةٍ: (قَالَ) : وَالْفَرْضُ الْآنَ أَنْ نُبَيِّنَ نَقْلًا عَنْ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ﵏ الْقَوْلَ بِالْوَصْفِ الَّذِي لَا يُنَاسِبُ، وَتَسْمِيَتَهُمْ ذَلِكَ عِلَّةً. وَكَذَلِكَ تَعْلِيلُ النَّقْدَيْنِ بِالنَّقْدِيَّةِ الْقَاصِرَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى التَّشْبِيهِ، إذْ التَّشْبِيهُ إنَّمَا يَقُومُ مِنْ فَرْعٍ وَأَصْلٍ، وَلَا فَرْعَ لِهَذَا الْأَصْلِ.
стр. 2912
[الْمَسْلَكُ الْعَاشِرُ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ]
وَالتَّنْقِيحُ: هُوَ التَّهْذِيبُ وَالتَّمْيِيزُ، وَكَلَامٌ مُنَقَّحٌ، أَيْ: لَا حَشْوَ فِيهِ.
وَالْمَنَاطُ: هُوَ الْعِلَّةُ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَتَعْبِيرُهُمْ بِالْمَنَاطِ عَنْ الْعِلَّةِ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمَّا عُلِّقَ بِهَا كَانَ كَالشَّيْءِ الْمَحْسُوسِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ، فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ، وَصَارَ ذَلِكَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ غَيْرُهُ.
وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا وَلَكِنَّهَا تَخْتَلِطُ بِغَيْرِهَا مُحْتَاجَةً إلَى مَا يُمَيِّزُهَا لَقَّبُوهُ بِهَذَا اللَّقَبِ. وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ ظَاهِرٌ عَلَى التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ مَذْكُورٍ مَعَ غَيْرِهِ مِمَّا لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّأْثِيرِ لِكَوْنِهِ طَرْدِيًّا أَوْ مُلْغًى، فَيُنَقَّحُ حَتَّى يُمَيَّزَ الْمُعْتَبَرَ، وَيَجْتَهِدُ فِي تَعْيِينِ السَّبَبِ الَّذِي أَنَاطَ الشَّارِعُ الْحُكْمَ بِهِ وَأَضَافَهُ إلَيْهِ بِحَذْفِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْصَافِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ. وَحَاصِلُهُ: إلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ بِإِلْغَاءِ الْفَرْقِ، بِأَنْ يُقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إلَّا كَذَا وَكَذَا، وَذَلِكَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْحُكْمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُوجِبِ لَهُ، كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي السِّرَايَةِ، فَإِنَّهُ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا إلَّا الذُّكُورَةُ، وَهُوَ مُلْغًى بِالْإِجْمَاعِ، إذْ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ. وَسَمَّاهُ الْحَنَفِيَّةُ (الِاسْتِدْلَالَ) وَأَجْرَوْهُ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَاسِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَا أُلْحِقَ فِيهِ بِذِكْرِ (الْجَامِعِ) الَّذِي لَا يُفِيدُ إلَّا غَلَبَةَ الظَّنِّ.
стр. 2913
وَ (الِاسْتِدْلَال) مَا يَكُونُ الْإِلْحَاقُ فِيهِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ الَّذِي يُفِيدُ الْقَطْعَ، حَتَّى أَجْرَوْهُ مَجْرَى الْقَطْعِيَّاتِ فِي النَّسْخِ وَجَوَّزُوا الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ وَلَمْ يُجَوِّزُوا نَسْخَهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَالْحَقُّ أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ قِيَاسٌ خَاصٌّ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ مُطْلَقِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُهُ وَغَيْرَهُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا - وَهُوَ الْأَكْثَرُ - وَقَطْعِيًّا. لَكِنَّ حُصُولَ الْقَطْعِ فِيمَا فِيهِ الْإِلْحَاقُ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ أَكْثَرُ مِنْ الَّذِي الْإِلْحَاقُ فِيهِ بِذِكْرِ الْجَامِعِ، لَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ فَرْقًا فِي الْمَعْنَى بَلْ فِي الْوُقُوعِ، وَحِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ يَقُولُ بِهِ أَكْثَرُ مُنْكِرِي الْقِيَاسِ، وَلَا نَعْرِفُ بَيْنَ الْأُمَّةِ خِلَافًا فِي جَوَازِهِ. وَنَازَعَهُ الْعَبْدَرِيّ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ ثَابِتٌ بَيْنَ مَنْ يُثْبِتُ الْقِيَاسَ وَيُنْكِرُهُ، لِرُجُوعِهِ إلَى الْقِيَاسِ. وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ: هُوَ خَارِجٌ عَنْ الْقِيَاسِ، وَكَأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَأْوِيلِ الظَّوَاهِرِ، وَلِهَذَا أَنْكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَقَالَ: إنَّ الْكَفَّارَةَ خَرَجَتْ عَلَى الْأَصْلِ.
وَقَالَ ابْنُ رَحَّالٍ: إنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالتَّنْقِيحِ تَعْلِيلَ الْحُكْمِ فِي حَقِّ شَخْصٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُجَامِعِ، فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ، وَلَا يَكُونُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي حَقِّ الْأَشْخَاصِ بَلْ تَكُونُ التَّعْدِيَةُ بِقَوْلِهِ ﵊: «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» . وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ تَعْلِيلًا فِي وَاقِعَةٍ فَلَيْسَ كَمَا قَالُوا، بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْقِيَاسِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» وَالْفَرْقُ
стр. 2914
أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَدَّى مِنْ وَاقِعَةٍ إلَى وَاقِعَةٍ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ، وَيَتَعَدَّى مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ.
[تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ] أَمَّا تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ فَهُوَ أَنْ يَتَّفِقَ عَلَى عِلِّيَّةِ وَصْفٍ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، فَيَجْتَهِدُ فِي وُجُودِهَا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ، كَتَحْقِيقِ أَنَّ النَّبَّاشَ سَارِقٌ. وَكَأَنْ يَعْلَمَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَلَكِنْ لَا يُدْرِكُ جِهَتَهَا إلَّا بِنَوْعِ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ. سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ الْمَنَاطَ، وَهُوَ الْوَصْفُ، عُلِمَ أَنَّهُ مَنَاطٌ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِي تَحْقِيقِ وُجُودِهِ فِي الصُّورَةِ الْمُعَيَّنَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاجْتِهَادِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ. وَالْقِيَاسُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. فَكَيْفَ يَكُونُ قِيَاسًا؟ ، وَنَازَعَهُ الْعَبْدَرِيُّ بِمَا تَقَدَّمَ فِي نَظِيرِهِ.
[تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ] وَأَمَّا تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ فَهُوَ الِاجْتِهَادُ فِي اسْتِخْرَاجِ عِلَّةِ الْحُكْمِ الَّذِي دَلَّ النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيَانِ عِلَّتِهِ أَصْلًا. وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْإِخْرَاجِ، فَكَأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَنَاطِ
стр. 2915
بِحَالٍ، فَكَأَنَّهُ مَسْتُورٌ أُخْرِجَ بِالْبَحْثِ وَالنَّظَرِ، كَتَعْلِيلِ تَحْرِيمِ الرِّبَا بِالطُّعْمِ، فَكَأَنَّ الْمُجْتَهِدَ أَخْرَجَ الْعِلَّةَ، وَلِهَذَا سُمِّيَ تَخْرِيجًا. بِخِلَافِ (التَّنْقِيحِ) فَإِنَّهُ لَمْ يُسْتَخْرَجْ، لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا فِي النَّصِّ، بَلْ نَقَّحَ الْمَنْصُوصَ وَأَخَذَ مِنْهُ مَا يَصْلُحُ لِلْعِلِّيَّةِ وَتَرَكَ مَا لَا يَصْلُحُ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا الِاجْتِهَادُ، الْقِيَاسُ الَّذِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهِ. وَقَالَ الْبَزْدَوِيُّ: هُوَ الْأَغْلَبُ فِي مُنَاظَرَاتِهِمْ، لِأَنَّهُ بِهِ يَظْهَرُ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ، وَتُوَجَّهُ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَسْئِلَةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيَانَ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ " تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ " وَإِثْبَاتُهُ فِي الْفَرْعِ " تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ ". أَيْ إذَا ظَنَنَّا أَوْ عَلِمْنَا الْعِلَّةَ ثُمَّ نَظَرْنَا وُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ وَظَنَنَّا تَحْقِيقَ الْمَنَاطِ فَهُوَ تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ.
[أُمُورٌ تَتَّصِلُ بِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ] وَهَاهُنَا أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ لَيْسَ دَالًّا عَلَى الْعِلِّيَّةِ بِعَيْنِهِ، بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى اشْتِرَاكِ الصُّورَتَيْنِ فِي الْحُكْمِ، بِخِلَافِ تَخْرِيجِ الْمَنَاطِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَعْيِينِ الْعِلَّةِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى عِلِّيَّتِهَا. فَلَا يَكُونُ الْأَوَّلُ مِنْ طُرُقِ إثْبَاتِ الْعِلَّةِ بِعَيْنِهَا أَصْلًا، بَلْ هُوَ مِنْ طُرُقِ إلْحَاقِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ بِالْمَنْطُوقِ. قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ".
الثَّانِي: ذَكَرَ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّ تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ لَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمُؤَثِّرِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَسْتَقِرُّ بِالدَّلَالَةِ عَلَى كَوْنِهِ عِلَّةً، بَلْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ دَلِيلُ الْحَذْفِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُؤَثِّرِ. وَاخْتَارَهُ الشَّرِيفُ فِي جَدَلِهِ، لِأَنَّ دَلِيلَ الْحَذْفِ إنَّمَا أَفَادَنَا كَوْنَ الْحَذْفِ غَيْرَ مُرَادٍ، فَأَمَّا كَوْنُ الْبَاقِي مُرَادًا فَإِنَّمَا اسْتَفَدْنَاهُ مِنْ الظَّاهِرِ فَكَانَ مُؤَثِّرًا إلَّا أَنَّهُ دُونَ الْمُؤَثِّرِ فِي الرُّتْبَةِ.
стр. 2916
الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ هُوَ مَسْلَكُ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، فَلَا يَحْسُنُ عَدُّهُ نَوْعًا آخَرَ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَصْرَ فِي دَلَالَةِ السَّبْرِ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ إمَّا اسْتِقْلَالًا أَوْ اعْتِبَارًا. وَفِي نَفْيِ الْفَارِقِ لِتَعْيِينِ الْفَارِقِ وَإِبْطَالِهِ، لَا لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ، بَلْ هُوَ نَقِيضُ قِيَاسِ الْعِلَّةِ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُنَاكَ عَيَّنَ جَامِعًا بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ، وَعَيَّنَ هُنَا الْفَارِقَ بَيْنَهُمَا
تَنْبِيهٌ:
عَدَّ صَاحِبُ " الْمُقْتَرَحِ " مِنْ الْمَسَالِكِ (نَفْيَ الْفَارِقِ) بِأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْفَرْعَ لَمْ يُفَارِقْ الْأَصْلَ إلَّا فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ، فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْمُؤَثِّرِ، كَالسِّرَايَةِ فِي الْأَمَةِ، قِيَاسًا عَلَى الْعَبْدِ. وَهُوَ عَجِيبٌ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ الْمُعَيَّنَ عِلَّةٌ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ مُتَحَقِّقَةٌ فِي الْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، وَلِهَذَا لَمْ يُعِدَّهُ أَحَدٌ مِنْ الْجَدَلِيِّينَ مِنْ مَسَالِكِ التَّعْلِيلِ. وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ (السَّبْرِ) ، إلَّا أَنَّهُ فِي السَّبْرِ يَبْطُلُ الْجَمْعُ إلَّا وَاحِدًا. وَفِي نَفْيِ الْفَارِقِ يَبْطُلُ وَاحِدٌ فَتَتَعَيَّنُ الْعِلَّةُ بَيْنَ الْبَاقِي، وَالْبَاقِي مَوْجُودٌ فِي الْفَرْعِ، فَيَلْزَمُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْعِلَّةِ ثُمَّ عَلَى أَصْلِهِ. وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تَفْصِيلٍ: فَإِنْ كَانَتْ مُقَدِّمَاتُهُ قَطْعِيَّةً فَهُوَ صَحِيحٌ، أَوْ ظَنِّيَّةً لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ الْقَطْعَ بِتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي الْفَرْعِ لَمْ يَحْصُلْ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ
وَعَدَّ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ مِنْ طُرُقِ الْعِلَّةِ أَنْ لَا يَجِدَ الدَّلِيلَ عَلَى عَدَمِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَى الْقَائِسِ إذَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ إلَّا أَنْ يَعْرِضَ الْعِلَّةَ الَّتِي اسْتَنْبَطَهَا عَلَى مُبْطِلَاتِ التَّعْلِيلِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَادِحًا، وَعَرَضَهَا عَلَى أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا مَا يُنَافِي عِلَّتَهُ، فَيَحْكُمُ بِسَلَامَةِ الْعِلَّةِ حِينَئِذٍ. وَأَطْنَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي تَغْلِيطِهِ، وَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ لَا أَصْلَ
стр. 2917
لَهُ، وَقُصَارَاهُ الِاكْتِفَاءُ بِدَعْوَى مُجَرَّدَةٍ، وَالِاكْتِفَاءُ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ بِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى فَسَادِهَا، فَلِمَ يُنْكِرُ عَلَى الْقَائِلِ أَنَّهَا تَفْسُدُ بِعَدَمِ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهَا. فَإِنْ قَالَ: عَدَمُ دَلَالَةِ الْفَسَادِ دَلَالَةُ صِحَّتِهَا، قِيلَ: عَدَمُ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّتِهَا دَلَالَةٌ عَلَى فَسَادِهَا. فَتَقَابَلَ الْقَوْلَانِ وَتَجَدَّدَ دَعْوَى الْخَصْمِ.
وَقَدْ عَدَّ بَعْضُهُمْ مِنْ طُرُقِ الْعِلَّةِ أَنْ يُقَالَ: هَذَا الْوَصْفُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ عِلِّيَّتِهِ لَا يَأْتِي مَعَهُ ذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِيُمْكِنَ الْإِتْيَانُ مَعَهُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَهُوَ دَوْرٌ، لِأَنَّ تَأَتِّي الْقِيَاسِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الْعِلَّةِ، فَلَوْ أَثْبَتْنَا الْعِلَّةَ بِهِ لَتَوَقَّفَ ثُبُوتُ الْعِلَّةِ عَلَيْهِ وَلَزِمَ الدَّوْرُ.
стр. 2918
[الِاعْتِرَاضَاتُ]
ُ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَا يُورِدُهُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى كَلَامِ الْمُسْتَدِلِّ يُسَمَّى (اعْتِرَاضًا) لِأَنَّهُ اعْتَرَضَ لِكَلَامِهِ وَمَنَعَهُ مِنْ الْجَرَيَانِ. قَالَ صَاحِبُ " خُلَاصَةِ الْمَآخِذِ ": الِاعْتِرَاضُ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى لَازِمُهُ، [هَدْمُ] قَاعِدَةِ الْمُسْتَدِلِّ، وَهُوَ جَامِعٌ مَانِعٌ. ثُمَّ حَصَرَهُ فِي عَشَرَةِ أَنْوَاعٍ: وَقَالَ: مَا عَدَاهُ دَاخِلٌ فِيهِ: فَسَادُ الْوَضْعِ، فَسَادُ الِاعْتِبَارِ، عَدَمُ التَّأْثِيرِ، الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ، النَّقْضُ، الْقَلْبُ، الْمَنْعُ، التَّقْسِيمُ، الْمُطَالَبَةُ، الْمُعَارَضَةُ. قَالَ: وَالْكُلُّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ إلَّا الْمَنْعَ وَالْمُطَالَبَةَ، مَعَ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا شَاذًّا، وَخَالَفَ فِي الْمَنْعِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الْعَنْبَرِيُّ، عَلَى حَسَبِ مَا سَمِعْته مِنْ الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ أَحْمَدَ الْخَطَّابِيِّ. انْتَهَى.
وَتَنْقَسِمُ فِي الْأَصْلِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مُطَالَبَاتٌ، وَقَوَادِحُ، وَمُعَارَضَةٌ، لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ تَسْلِيمَ مُقَدَّمَاتِ الدَّلِيلِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ: الْمُعَارَضَةُ، وَالثَّانِي: إمَّا أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ ذَلِكَ الدَّلِيلَ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ الْمُطَالَبَةُ، وَالثَّانِي الْقَادِحُ.
وَقَدْ أَطْنَبَ الْجَدَلِيُّونَ فِيهَا، لِاعْتِمَادِهِمْ إيَّاهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْهَاهَا إلَى الثَّلَاثِينَ، وَغَالِبُهَا يَتَدَاخَلُ. وَأَعْرَضَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ذِكْرِهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَزَعَمَ أَنَّهَا كَالْعِلَاوَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَوْضِعَ ذِكْرِهَا عِلْمُ الْجَدَلِ. وَذَكَرَهَا جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ لِأَنَّهَا مِنْ مُكَمِّلَاتِ الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَمُكَمِّلُ الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلِهَذِهِ الشُّبْهَةِ أَكْثَرَ قَوْمٌ مِنْ ذِكْرِ الْمَنْطِقِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْكَلَامِيَّةِ، لِأَنَّهَا مِنْ مَوَادِّهِ وَمُكَمِّلَاتِهِ.
стр. 2919
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ وُرُودِهَا عَلَى الْقِيَاسِ أَنَّهَا تَرِدُ عَلَى كُلِّ قِيَاسٍ، لِأَنَّ مِنْ الْأَقْيِسَةِ مَا لَا يَرِدُ عَلَيْهِ بَعْضُهَا، كَالْقِيَاسِ مَعَ عَدَمِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، لَا يَتَّجِهُ عَلَيْهِ فَسَادُ الِاعْتِبَارِ إلَّا مِنْ ظَاهِرِيٍّ وَنَحْوِهِ مِمَّنْ يُنْكِرُ الْقِيَاسَ، وَاللَّفْظُ الْبَيِّنُ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ الِاسْتِفْسَارُ، وَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ تَخَلُّفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَسْئِلَةِ عَلَى الْبَدَلِ عَنْ بَعْضِ الْأَقْيِسَةِ. وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْوَارِدَةَ عَلَى الْقِيَاسِ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الطُّرُقِ. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ التَّصْرِيفِ: إنَّ حُرُوفَ الزِّيَادَةِ هِيَ سَأَلْتُمُونِيهَا، عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْحُرُوفَ الزَّائِدَةَ عَلَى أُصُولِ مَوَادِّ الْكَلِمَةِ لَا تَزِيدُ عَلَى هَذِهِ، لَا أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ حَيْثُ وَقَعَتْ كَانَتْ زَائِدَةً، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا وَقَعَ أُصُولًا، فَاعْرِفْهُ
وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ انْقِسَامِهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، ذَكَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ، وَقَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ: تَرْجِعُ إلَى اثْنَيْنِ: الْمَنْعِ، وَالْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّهُ مَتَى حَصَلَ الْجَوَابُ عَنْ الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ تَمَّ الدَّلِيلُ وَلَمْ يَبْقَ لِلْمُعْتَرِضِ مَجَالٌ.
فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِرُجُوعِهَا إلَى الْمَنْعِ وَالْمُعَارَضَةِ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ مِنْ جُمْلَةِ الِاعْتِرَاضَاتِ، فَيُؤَدِّي إلَى انْقِسَامِ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ، وَإِلَى أَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ دَاخِلًا تَحْتَ نَفْسِهِ ضَرُورَةَ لُزُومِ انْدِرَاجِ الْمُعَارَضَةِ تَحْتَ الْمُعَارَضَةِ. قُلْنَا: إذَا كَانَ الْمُنْقَسِمُ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ هُوَ مُطْلَقُ الْمُعَارَضَةِ وَمُطْلَقُ الْمَنْعِ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ.
[الْأَوَّلُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ النَّقْضُ]
الْأَوَّلُ النَّقْضُ
وَقَدَّمْنَاهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ آخِرِ الْأَسْئِلَةِ لِكَثْرَةِ جَرَيَانِهِ فِي الْمُنَاظَرَاتِ، وَبِالْجَوَابِ عَنْهُ يَبِينُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحْكَامِ الْمُتَضَادَّةِ وَيَنْدَفِعُ تَعَارُضُهَا وَهُوَ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَلَوْ فِي صُورَةٍ. فَإِنْ كَانَ فِي الْمُنَاظَرَةِ اُشْتُرِطَ فِي صِحَّتِهِ
стр. 2920
اعْتِرَافُ الْمُسْتَدِلِّ بِذَلِكَ. وَتَسْمِيَتُهُ نَقْضًا صَحِيحٌ عِنْدَ مَنْ رَآهُ قَادِحًا. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَهُ قَدْحًا فَلَا يُسَمِّيهِ نَقْضًا بَلْ يَقُولُ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. وَقَدْ بَالَغَ أَبُو زَيْدٍ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يُسَمِّيه نَقْضًا، كَقَوْلِنَا فِيمَنْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ: صَوْمٌ تَعَرَّى أَوَّلُهُ عَنْ النِّيَّةِ فَلَا يَصِحُّ، فَيُقَالُ: فَيَنْتَقِضُ بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ. وَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الْعِلَّةَ إمَّا مَنْصُوصَةٌ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا أَوْ مُسْتَنْبَطَةٌ وَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهَا إمَّا لِمَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ دُونَهُمَا. فَصَارَتْ الصُّوَرُ تِسْعًا، مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى بِضْعَةَ عَشَرَ مَذْهَبًا: طَرَفَانِ، وَالْبَاقِي أَوْسَاطٌ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَقْدَحُ فِي الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً، وَسَوَاءٌ كَانَ الْحُكْمُ لِمَانِعٍ أَوْ لَا لِمَانِعٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْهُمْ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ كَمَا حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَالْإِمَامِ الرَّازِيَّ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، وَنَسَبُوهُ إلَى الشَّافِعِيِّ، وَرَجَّحُوا أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ عَلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّ عِلَلَهُ سَلِيمَةٌ عَنْ الِانْتِقَاضِ جَارِيَةٌ عَلَى مُقْتَضَاهَا، وَأَنَّ النَّقْضَ يُشْبِهُ تَجْرِيحَ الْبَيِّنَةِ الْمُعَدَّلَةِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِيَانِ أَبُو بَكْرٍ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ.
وَالثَّانِي: لَا يَقْدَحُ مُطْلَقًا فِي كَوْنِهَا عِلَّةً فِيمَا وَرَاءَ مَحَلِّ النَّقْضِ، وَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ مَانِعٍ أَوْ تَخَلُّفُ شَرْطٍ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ.
стр. 2921
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: حَكَاهُ الْقَاضِي وَالشَّافِعِيَّةُ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا أَقَرَّ بِهِ وَلَا نَصَرَهُ. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَحَالِّهَا وَمَوَارِدِهَا كَالْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَوْضُوعَاتِهَا، فَكَمَا جَازَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ وَإِخْرَاجُ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ فَكَذَلِكَ فِي الْعِلَّةِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِّ بِأَنَّ الْعِلَّةَ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْمَعْلُولِ، إذْ هُوَ مَعْنَاهَا، فَإِذَا انْتَفَى الِاسْتِلْزَامُ فَقَدْ انْتَفَى لَازِمُ الْعِلَّةِ فَتَنْتَفِي الْعِلِّيَّةُ. وَهَذَا مُفَارِقٌ الْعَامَّ، لِأَنَّ الْعَامَّ إمَّا أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ إلَى الدَّلَالَةِ الْوَضْعِيَّةِ وَتِلْكَ لَا تَنْتَفِي بِالتَّخْصِيصِ، وَإِمَّا أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ إلَى الْإِرَادَةِ لِلْبَاقِي.
وَالثَّالِثُ: لَا يَقْدَحَ فِي الْمَنْصُوصَةِ، وَيَقْدَحُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ. وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْمُعْظَمِ فَقَالَ: ذَهَبَ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّ النَّقْضَ يُبْطِلُ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ. ثُمَّ قَالَ: مَسْأَلَةُ: عِلَّةِ الشَّارِعِ هَلْ يَرِدُ عَلَيْهَا مَا يُخَالِفُ طَرْدَهَا؟ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِضُ لَهُ فِي التَّخْصِيصِ بِخِلَافِ الْمُسْتَنْبَطَةِ، فَإِنَّ مُسْتَنَدَهُ ظَنِّيٌّ. وَإِذَا تَبَاعَدَ مَا اسْتَنْبَطَهُ عَنْ الْجَرَيَانِ ضَعُفَتْ مَسَالِكُ ظَنِّهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ. وَقَالَ فِي " الْمَحْصُولِ ": زَعَمَ الْأَكْثَرُونَ أَنَّ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ إذَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ لَمْ يَقْدَحْ التَّخْصِيصُ فِي عِلِّيَّتِهِ. وَالْمُرَادُ بِالْمَنْصُوصَةِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً بِالصَّرِيحِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ، كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ " التَّنْقِيحِ " وَحَكَى بَعْضُ الْمُنَاظِرِينَ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي الْمَنْصُوصَةِ بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ وَيَقْدَحُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ.
وَالرَّابِعُ: يُبْطِلُ الْمَنْصُوصَةَ دُونَ الْمُسْتَنْبَطَةِ، عَكْسُ مَا قَبْلَهُ. حَكَاهُ ابْنُ رَحَّالٍ فِي " شَرْحِ الْمُقْتَرَحِ ". وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الْمَنْصُوصَةِ بِغَيْرِ قَطْعِيٍّ.
وَالْخَامِسُ: لَا يَقْدَحُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ إذَا كَانَ لِمَانِعٍ أَوْ شَرْطٍ، وَيَقْدَحُ فِي الْمَنْصُوصَةِ حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَدْ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ وَقَالُوا: لَعَلَّهُ فُهِمَ مِنْ كَلَامِ الْآمِدِيَّ، وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ يَنْدَفِعُ مِنْ كَلَامِهِ وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ رَحَّالٍ أَيْضًا فِي " شَرْحِ الْمُقْتَرَحِ ".
стр. 2922
وَالسَّادِسُ: لَا يَقْدَحُ حَيْثُ وُجِدَ مَانِعٌ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَتْ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً أَوْ مُسْتَنْبَطَةً. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ قَدَحَ. وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَالْهِنْدِيُّ. وَفَقْدُ الشَّرْطِ مُلْحَقٌ بِالْمَانِعِ.
وَالسَّابِعُ: يَجُوزُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ فِي صُورَتَيْنِ وَلَا يَقْدَحُ فِيهِمَا، وَهُمَا مَا إذَا كَانَ التَّخَلُّفُ لِمَانِعٍ أَوْ انْتِفَاءِ شَرْطٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَقْدَحُ فِيهَا، وَهِيَ مَا إذَا كَانَ التَّخَلُّفُ دُونَهُمَا. وَأَمَّا الْمَنْصُوصَةُ فَإِنْ كَانَ النَّصُّ ظَنِّيًّا وَقُدِّرَ مَانِعٌ أَوْ فَوَاتُ شَرْطٍ جَازَ. وَإِنْ كَانَ قَطْعِيًّا لَمْ يَجُزْ، أَيْ لَمْ يُمْكِنْ وُقُوعُهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَوْ تَخَلَّفَ لَتَخَلَّفَ الدَّلِيلُ، وَهُوَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا، لِاسْتِحَالَةِ تَعَارُضِ الْقَطْعِيَّيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لَا ظَنِّيًّا، لِأَنَّ الظَّنِّيَّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعِيَّ. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ تَفْصِيلِ الْآمِدِيَّ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي الْمَنْصُوصَةِ إلَّا بِظَاهِرٍ عَامٍّ، وَلَا فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ إلَّا لِمَانِعٍ أَوْ فَقْدِ شَرْطٍ، وَالْمَنْعُ ظَاهِرٌ فِي النَّصِّ الْقَطْعِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ وَلَا فَوَاتُ شَرْطٍ، فَإِنْ كَانَ فَلَا وَجْهَ لِلْمَنْعِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَانِعُ أَوْ الشَّرْطُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُخَصِّصًا لِلنَّصِّ الْقَطْعِيِّ إلَّا أَنْ يُقَدِّرُوا أَنَّ دَلَالَةَ النَّصِّ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِهِ قَطْعِيَّةٌ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُمْكِنُ التَّخَلُّفُ.
وَالثَّامِنُ: حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ، أَنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ عِلَّةِ الْحِلِّ وَالْوُجُوبِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَكُونُ حَظْرًا (قَالَ) : وَحَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ عَنْ قَبِيحٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى قَبِيحٍ، وَيَصِحُّ الْإِقْدَامُ عَلَى عِبَادَةٍ مَعَ تَرْكِ أُخْرَى.
وَالتَّاسِعُ: إنْ انْتَقَضَتْ عَلَى أَصْلٍ مَنْ نَصَبَ عِلِّيَّتَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بِهَا الْحُكْمُ، وَإِنْ اطَّرَدَتْ عَلَى أَصْلِ مَنْ أَوْرَدَهَا أُلْزِمَ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ (قَالَ) : وَهُوَ حَشْوٌ مِنْ الْكَلَامِ لَوْلَا أَنَّهُ أَوْدَعَ كِتَابًا مُسْتَعْمَلًا لَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى.
стр. 2923
وَالْعَاشِرُ: أَنَّهُ يَمْنَعُ الْمُسْتَدِلَّ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَنْقُوضِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا وَيَنْقُضُهُ الْمُسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَكُونُ انْتِقَاضُهُ عَلَى أَصْلِهِ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ دَلِيلِهِ فِي نَفْسِهِ. حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ.
وَالْحَادِيَ عَشَرَ: إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مُؤَثِّرَةً لَمْ يَرِدْ النَّقْضُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ تَأْثِيرَهَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ. وَمِثْلُهُ لَا يُنْقَضُ، وَإِنَّمَا تَجِيءُ الْمُنَاقَضَةُ عَلَى الطَّرْدِ. حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَبِي زَيْدٍ، وَرَدَّهُ بِأَنَّ النَّقْضَ يُثِيرُ فَقْدَ تَأْثِيرِ الْعِلَّةِ.
وَالثَّانِي عَشَرَ: وَهُوَ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً، فَإِنْ اتَّجَهَ فَرْقٌ بَيْنَ مَحَلِّ التَّعْلِيلِ وَبَيْنَ صُورَةِ النَّقْضِ بَطَلَتْ عِلِّيَّتُهُ، لِكَوْنِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ وَلَيْسَتْ عِلَّةً تَامَّةً. وَإِنْ لَمْ يَتَّجِهْ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ ثَابِتًا بِمَسْلَكٍ قَاطِعٍ سَمْعِيٍّ بَطَلَتْ عِلِّيَّتُهُ أَيْضًا فَإِنَّهُ مُنَاقَضٌ بِهَا وَتَارِكٌ لِلْوَفَاءِ بِحُكْمِ الْعِلَّةِ. وَإِنْ طَرَدَ مَسْأَلَةً إجْمَاعِيَّةً لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَحَلِّ الْعِلَّةِ فَهُوَ مَوْضِعُ التَّوَقُّفِ، فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِيهَا عَلَى مُنَاقَضَةِ عِلِّيَّةِ الْعِلَلِ تَعَلُّلًا بِعِلَّةٍ مَعْنَوِيَّةٍ جَارِيَةٍ فَوُرُودُهَا يَنْقُضُ الْعِلَّةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مَنَعَتْ الْعِلَّةَ مِنْ الْجَرَيَانِ وَعَارَضَهَا تَقْصِيرٌ، وَهِيَ آكِدٌ فِي الْإِبْطَالِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ، فَإِنَّ عِلَّةَ الْمُعَارَضَةِ لَا تَعْرِضُ لِعِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ وَهَذِهِ مُتَعَرِّضَةٌ لَهَا. هَذَا رَأْيُهُ فِي الْمُسْتَنْبَطَةِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّقْضَ قَادِحٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْدَحْ فَرْقٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ فِي الصُّورَةِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِقَطْعِيٍّ، أَوْ كَانَ ثَابِتًا بِإِجْمَاعٍ وَفِي مَحَلِّ النَّقْضِ يَعْنِي تَعَارُضَ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُسْتَدِلُّ وَمَنَعَهَا مِنْ الْجَرَيَانِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالتَّوَقُّفُ. وَقَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي " مُخْتَصَرِ الْبُرْهَانِ ": الصَّوَابُ فِي هَذَا أَنْ يَنْظُرَ: فَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ الْمُعَارِضَةُ لِعِلَّةِ الْمُعَلِّلِ فِي الصُّورَةِ الْمُنَاقِضَةِ أَقْوَى فِي الْمُنَاسَبَةِ لَمْ تَبْطُلْ عِلَّتُهُ، لِأَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ لِعَارِضٍ رَاجِحٌ. وَإِنْ كَانَتْ أَدْنَى بَطَلَتْ، وَإِنْ تَسَاوَتَا فَالْوَقْفُ (انْتَهَى) .
стр. 2924
وَأَمَّا الْمَنْصُوصَةُ فَإِنْ كَانَتْ بِنَصٍّ ظَاهِرٍ فَيَظْهَرُ بِمَا أَوْرَدَهُ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُرِدْ التَّعْلِيلَ بِأَنْ ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى لَفْظِهِ، فَتَخْصِيصُ الظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ بِنَصٍّ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ فَإِنْ عَمَّ بِصِيغَةٍ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا تَخْصِيصٌ فَلَا مَطْمَعَ فِي تَخْصِيصِهَا، لِقِيَامِ الْقَطْعِ عَلَى الْعِلِّيَّةِ وَجَرَيَانِهَا عَلَى اطِّرَادٍ، وَنَصُّ الشَّارِعِ لَا يُصَادِمُ، وَإِنْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى شَيْءٍ وَعَلَى تَخْصِيصِهِ فِي كَوْنِهِ عِلَّةً لِمَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ إلْكِيَا: مَيْلُ الْإِمَامِ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَتَّجِهُ فِي صُورَةِ النَّقْضِ مَعْنًى أَمْكَنَ تَقْدِيرُ مُشَابَهَةِ مَحَلِّ النِّزَاعِ إيَّاهَا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى فَلَا يُعَدُّ نَقْضًا، فَإِنَّ مَنْشَأَ النَّقْضِ عِنْدَهُ أَنْ يُبَيِّنَ كَوْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ نَازِعًا إلَى أَصْلَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. فَإِنَّهُ إذَا كَانَتْ شَهَادَةُ الْأَصْلِ مُتَأَيِّدَةً بِالْمَعْنَى فَلَا شَهَادَةَ بِصُورَةِ النَّقْضِ مِنْ حَيْثُ لَا مُشَابَهَةَ فَاعْتِبَارُ وَجْهِ الشَّهَادَةِ أَوْلَى. قَالَ إلْكِيَا: وَهَذَا حَسَنٌ بَيِّنٌ، فَلَوْ كَانَ يَتَّجِهُ مَعَهُ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ نَقْضًا. وَحَاصِلُهُ أَنَّ النَّقْضَ لَا يُبْطِلُ أَصْلَ الدَّلَالَةِ وَلَكِنْ يَقْدَحُ فِي ثُبُوتِهَا فَلَا يَتَبَيَّنُ بِهِ انْعِدَامُهُ. قَالَ إلْكِيَا: وَاَلَّذِي عِنْدَنَا أَنَّ مَا لَا يُبَيَّنُ بِهِ مُعَيَّنٌ وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ وَجْهُ تَشْبِيهٍ فَهُوَ لَا يَنْفَكُّ عَنْ ظُهُورِ اسْتِثْنَاءٍ فِي مَقْصُودِ الشَّرْعِ. هَذَا فِي الْعِلَلِ الْمُخَيَّلَةِ، أَمَّا الْأَشْبَاهُ فَسَتَأْتِي مَرَاتِبُهَا. ثُمَّ قَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَهَادَةَ الْعِلَّةِ إنْ تَرَجَّحَتْ قَطْعًا عَلَى شَهَادَةِ صُورَةِ النَّقْضِ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ فَلَا نَقْضَ بِهِ. فَعَلَى هَذَا النَّقْضُ لَيْسَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُعَارَضَةِ، وَفِيهَا مَزِيدُ قُوَّةٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَالثَّالِثَ عَشَرَ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ فَقَالَ: تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ لَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ:
إحْدَاهَا: أَنْ يَعْرِضَ فِي جَرَيَانِ الْعِلَّةِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ اطِّرَادِهَا، وَهُوَ
стр. 2925
يَنْقَسِمُ إلَى: مَا يَظْهَرُ أَنَّهُ وَرَدَ مُسْتَثْنًى عَنْ الْقِيَاسِ مَعَ اسْتِيفَاءِ قَاعِدَةِ الْقِيَاسِ، فَلَا يُفْسِدُ الْعِلَّةَ بَلْ يُخَصِّصُهَا بِمَا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى، فَيَكُونُ عِلَّةً فِي غَيْرِ مَحَلِّ الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ عَلَى عِلَّةٍ مَقْطُوعَةٍ، كَإِيجَابِ صَاعٍ مِنْ التَّمْرِ فِي الْمُصَرَّاةِ وَضَرْبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، أَوْ مَظْنُونَةٍ، كَالْعَرَايَا، فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بِالطُّعْمِ إذْ فُهِمَ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ لِرُخْصَةِ الْحَاجَةِ وَلَمْ يَرِدْ وُرُودَ النَّسْخِ لِلرِّبَا. وَدَلِيلُ كَوْنِهِ يُسْتَثْنَى أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى كُلِّ عِلَّةٍ، كَالْكَيْلِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَرِدْ مَوْرِدَ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوصَةً قَدَحَ، لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بَعْدَ النَّقْضِ أَنَّ النَّصَّ إنَّمَا فِيهِ بَعْضُ الْعِلَّةِ وَجُزْؤُهَا، فَإِنْ قَيَّدَهُ فِي الْعِلَّةِ تَمَّتْ، كَقَوْلِنَا: خَارِجٌ فَتَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ، أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ: (الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ) ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ عَنْ الْحِجَامَةِ، فَيُعْلَمُ أَنَّ الْعِلَّةَ بِتَمَامِهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا هِيَ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ فَكَانَ مُطْلَقُ الْخُرُوجِ بَعْضَ الْعِلَّةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَجَبَ تَأْوِيلُ التَّعْلِيلِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحشر: ٢] ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣] وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ فَتَكُونُ الْعِلَّةُ مَنْصُوصَةً وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ عِلَّةٌ فِي حَقِّهِمْ خَاصَّةً لِأَنَّهُ يُعَدُّ تَهَافُتًا فِي الْكَلَامِ، فَثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُعَلَّلَ بِذَلِكَ لَيْسَ هُوَ التَّخْرِيبُ الْمَذْكُورُ، بَلْ هُوَ لَازِمُهُ أَوْ جُزْؤُهُ الْأَعَمُّ، وَهُوَ كَوْنُهُ عَذَابًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِخَرَابِ الْبَيْتِ أَوْ بِغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مُسْتَنْبَطَةً فَإِنْ انْقَدَحَ جَوَابٌ عَنْ مَحَلِّ النَّقْضِ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ تَمَامَ الْعِلَّةِ. وَإِنْ لَمْ يَنْقَدِحْ جَوَابٌ مُنَاسِبٌ وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ
стр. 2926
النَّقْضُ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ الْعِلَّةِ وَأَنْ يَكُونَ مُعَرِّفًا لِتَخْصِيصِهَا، فَهَذَا يَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بَيْنَهُمْ فِي الْجَدَلِ لِلْمُنَاظِرِ. وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ الْمُنَاظِرُ فَيُحْتَمَلُ إلْحَاقُهُ بِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ فَسَادِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتَقِدَ اسْتِنَادَهُ رُخْصَةً.
الثَّانِيَةُ: أَنْ تَنْتَفِيَ الْعِلَّةُ، لَا لِخَلَلٍ فِي نَفْسِهَا، لَكِنْ يَنْدَفِعُ الْحُكْمُ عَنْهُ بِمُعَارَضَةِ عِلَّةٍ أُخْرَى، فَهَذَا لَا يَرِدُ نَقْضًا لِأَنَّ الْحُكْمَ حَاصِلٌ فِيهِ تَقْدِيرًا. كَقَوْلِنَا: إنَّ عِلَّةَ رِقِّ الْوَلَدِ مِلْكُ الْأُمِّ ثُمَّ وَجَدْنَا الْمَغْرُورَ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ يَنْعَقِدُ وَلَدُهُ حُرًّا، فَقَدْ وُجِدَ رِقُّ الْأُمِّ وَانْتَفَى رِقُّ الْوَلَدِ. لَكِنْ عَارَضَتْهُ عِلَّةٌ أُخْرَى وَهِيَ وُجُوبُ الْغُرْمِ عَلَى الْمَغْرُورِ، وَلَوْلَا أَنَّ الرِّقَّ فِي حُكْمِ الْحَاصِلِ الْمُنْدَفِعِ لَمْ تَجِبْ قِيمَةُ الْوَلَدِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَمِيلَ النَّقْضُ عَنْ صَوْبِ جَرَيَانِ الْعِلَّةِ وَيَتَخَلَّفُ الْحُكْمُ لَا لِخَلَلٍ فِي رُكْنِ الْعِلَّةِ لَكِنْ لِعَدَمِ مُصَادَفَتِهَا مَحَلَّهَا وَشَرْطَهَا وَأَهْلَهَا. كَقَوْلِنَا: السَّرِقَةُ عِلَّةُ الْقَطْعِ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِي حَقِّ النَّبَّاشِ، فَيَنْتَقِضُ بِسَرِقَةِ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ، أَوْ دُونَ النِّصَابِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ. فَهَذَا لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ، لِأَنَّ نَظَرَهُ فِي تَحْقِيقِ الْعِلَّةِ دُونَ شَرْطِهَا وَمَحَلِّهَا، فَهُوَ مَائِلٌ عَنْ صَوْبِ نَظَرِهِ. أَمَّا الْمُنَاظِرُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ أَمْ يُقْبَلُ مِنْهُ الْعُذْرُ بِأَنَّ هَذَا مُنْحَرِفٌ عَنْ مَقْصِدِ النَّظَرِ، وَلَيْسَ الْبَحْثُ عَنْ الْمَحَلِّ وَالشَّرْطِ. وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْجَدَلِيُّونَ، وَالْخَطْبُ فِيهِ سَهْلٌ، وَتَكْلِيفُ الِاحْتِرَازِ جَمْعٌ لِنَشْرِ الْكَلَامِ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ.
وَقَسَّمَ ابْنُ الْقَطَّانِ النَّقْضَ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مُنْتَقَضَةً عَلَى أَصْلِ السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا، لِأَنَّهُمَا قَدْ اتَّفَقَا عَلَى إبْطَالِهَا.
ثَانِيهَا: أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً عَلَى أَصْلِهِمَا جَمِيعًا، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمَسْئُولَ الْمَصِيرُ إلَيْهَا، إلَّا أَنْ يَدْفَعَهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْإِبْطَالِ. كَقَوْلِ الْعِرَاقِيِّ
стр. 2927
يَسْأَلُ الشَّافِعِيُّ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ فِي الصَّلَاةِ سَاهِيًا فَقَالَ: لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي حَجِّهِ نَاسِيًا. لِأَنَّا قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى بُطْلَانِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ بَطَلَ. فَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَ: هَذَا لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَلَى أَصْلِيَ، لِأَنَّ مِنْ أَصْلِيَ أَنَّ مَنْ وَطِئَ فِي صَوْمِهِ وَأَكَلَ نَاسِيًا لَمْ يَبْطُلْ. وَلَوْ وَطِئَ عَامِدًا يَبْطُلْ. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ غَيْرَ هَذِهِ الْعِلَّةِ. فَإِنْ قَالَ السَّائِلُ: إنِّي أَلْزَمْتُك هَذَا لِتَقُولَ بِهِ فِي كُلِّ فُرُوعِك، فَلِلْمَسْئُولِ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُنِي - لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ السَّائِلِ أَنْ يُسَلِّمَ لِلْمَسْئُولِ أُصُولَهُ كُلَّهَا مَا خَلَا الْمَسْأَلَةَ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا.
وَثَالِثُهَا: أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ جَارِيَةً عَلَى أَصْلِ الْمَسْئُولِ مُنْتَقَضَةً عَلَى أَصْلِ السَّائِلِ، كَالْعِرَاقِيِّ يَسْأَلُ الشَّافِعِيَّ عَنْ الْحَائِضِ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا هَلْ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أَنْ يَقْرَبَهَا؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ: لِمَ قُلْت بِالْجَوَازِ؟ وَيَكُونُ دَلِيلُ ذَلِكَ أَنَّا قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنْ يَجُوزَ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا، وَكَانَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ جَوَازَ الصَّوْمِ لَهَا، وَكُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ جَازَ لَهُ الْقُرْبَانُ. فَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً عَلَى أَصْلِي فَهِيَ بَاطِلَةٌ عَلَى أَصْلِك فَلَا يَجُوزُ لَك إلْزَامُهَا. وَذَلِكَ أَنَّ دَمَهَا لَوْ انْقَطَعَ دُونَ الْعَشْرِ عِنْدَك لَجَازَ لَهَا أَنْ تَصُومَ وَلَمْ يَجُزْ لِزَوْجِهَا أَنْ يَقْرَبَهَا. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْمَسْئُولِ أَنْ يَنْقُضَ عِلَّةَ السَّائِلِ بِأَصْلِ نَفْسِهِ، وَأَجَازَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَانَ الْجُرْجَانِيُّ مِنْهُمْ يَسْتَعْمِلُهُ. وَذَكَرَهُ فِي تَصْنِيفِهِ الْمُسَمَّى بِ " التَّهْذِيبِ ". قَالَ الْقَاضِي: وَسَأَلْت الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْأَشْعَرِيَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَهُ وَجْهٌ فِي الِاحْتِمَالِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: مَهْرُ الْمِثْلِ يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، لِأَنَّهُ يَسْتَقِرُّ بِالدُّخُولِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَنَصَّفَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَهُ أَصْلُهُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، فَيَقُولُ الْمَسْئُولُ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ: هَذَا يَنْتَقِضُ عَلَى أَصْلِيَ بِالْمُسَمَّى بَعْدَ الْعَقْدِ، فَإِنَّهُ يَسْتَقِرُّ بِالْوَطْءِ وَلَا يَتَنَصَّفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَهُ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ جَمِيعُهُ كَمَا يَسْقُطُ جَمِيعُ مَهْرِ الْمِثْلِ. أَوْ يَقُولُ الْمُخَالِفُ: لَا يَجِبُ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا السُّكْنَى، لِأَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا، قِيَاسًا عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: هَذَا يَنْتَقِضُ بِالْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ الْحَائِلِ، فَإِنَّهُ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَيَجِبُ السُّكْنَى.
стр. 2928
تَنْبِيهَاتٌ:
الْأَوَّلُ: كَمَا يَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فَكَذَلِكَ يَجْرِي فِي الْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ، وَأَنَّهُ يَتَخَلَّفُ عَنْهَا مَعْلُولُهَا، فَأَجَازَهُ الْفَلَاسِفَةُ وَمَنَعَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ. حَكَاهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ﵀. لَكِنَّ الْأُسْتَاذَ حَكَى إجْمَاعَ الْجَدَلِيِّينَ عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْعَقْلِيَّ لَا يُخَصَّصُ، وَعَلَى أَنَّ تَخْصِيصَهُ نَقْضٌ لَهُ، وَعَلَى أَنَّ نَقْضَهُ يَمْنَعُ عَنْ التَّعَلُّقِ بِهِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ فُورَكٍ: الْعِلَلُ الْعَقْلِيَّةُ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا بِلَا خِلَافٍ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ فُرُوعِ الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، فَإِنْ جَوَّزْنَا تَخْصِيصَهَا لَمْ يَتَّجِهْ الْقَدْحُ بِالنَّقْضِ، وَإِلَّا اتَّجَهَ.
الثَّالِثُ: ادَّعَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ لَا مَعْنَوِيٌّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَيْضَاوِيِّ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ. وَأَنَّهُ يُلْتَفَتُ إلَى تَفْسِيرِ الْعِلَّةِ بِمَاذَا؟ إنْ فُسِّرَتْ بِالْمُوجِبَةِ فَلَا تُتَصَوَّرُ عِلِّيَّتُهَا مَعَ الِانْتِقَاضِ، أَوْ الْمُعَرِّفَةِ فَتُصُوِّرَتْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ الْخِلَافُ بِلَفْظِيٍّ. وَلَهُ فَوَائِدُ: (إحْدَاهَا) جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ أَمْ لَا (الثَّانِيَةُ) أَنَّ مَنْ مَنَعَ التَّخْصِيصَ لَا يُجَوِّزُ أَصْلًا تَطَرُّقُهُ إلَى نَصِّ الشَّارِعِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهِ. وَإِنْ أُومِئَ إلَيْهِ تَبَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إيمَاءً إلَى التَّعْلِيلِ لِوُرُودِ التَّخْصِيصِ. وَالْمُجَوِّزُ لِلتَّخْصِيصِ يَقُولُ: يَبْقَى ذَلِكَ عِلَّةً فِي مَحَلِّهِ. ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ ". (الثَّالِثَةُ) : انْقِطَاعُ الْمُسْتَدِلِّ، إنْ قُلْنَا: يُقْدَحُ، وَعَدَمُ انْقِطَاعِهِ إنْ مَنَعْنَاهُ.
الرَّابِعُ: هَلْ يُسْمَعُ مِنْ الْجَدَلِيِّ قَوْلُنَا: أَرَدْت بِالْعُمُومِ الْخُصُوصَ أَوْ لَا؟ فَالْقَائِلُونَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ يَسْمَعُونَهُ، وَالْمَانِعُونَ لَا يَسْمَعُونَهُ. وَقَدْ نَقَلَ
стр. 2929
إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " تَدْرِيسِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ " عَلَّقَهُ عَنْهُ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ، أَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا إِسْحَاقَ قَالَ: إطْلَاقُ اللَّفْظِ الْعَامِّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعْضُ سَائِغٌ. وَأَمَّا الْمُعَلِّلُ بِلَفْظٍ عَامٍّ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إذَا نُقِضَ عَلَيْهِ كَلَامُهُ وَقَالَ: إنَّمَا أَرَدْت كَذَا، إذْ لَوْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ لَمَا تُصُوِّرَ إبْطَالُ عِلَّةٍ أَصْلًا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنَّا إنَّمَا يُخَاطِبُ لِيُفْهِمَ صَاحِبَهُ وَيَفْهَمَ عَنْهُ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ وَيُؤَخِّرَ الْبَيَانَ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَيُخَاطِبَ بِمُحْتَمَلٍ، وَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنَّا أَنْ يُعَلِّلَ الْعِلَّةَ مُجْمَلَةً وَيُفَسِّرَهَا. (قَالَ) : وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَوَّزَ ذَلِكَ (قَالَ) : وَمُجَوِّزُهُ لَا يُمَيِّزُ. انْتَهَى.
وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الْأُسْتَاذِ قَدْ يَسْتَشْكِلُ بِمَا حَكَاهُ فِي " الْبُرْهَانِ " عَنْ الْأُسْتَاذِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ فِي عِلَّةِ الشَّارِعِ: يَجِبُ اطِّرَادُهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهَا مَا يُخَالِفُ طَرْدَهَا. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ وُرُودَهَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَحَلَّ النَّقْضِ وَأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهَا عِلَّةً فِيمَا وَرَاءَهُ، وَذَلِكَ مَقْبُولٌ مِنْهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يُسْمَعُ مِنْهُ قَوْلُهُ بَعْدَ الْإِطْلَاقِ: إنَّمَا أَرَدْت أَنَّهَا عِلَّةٌ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ الْمُخْرَجِ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ لِأَنَّهُ كَالدَّعْوَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ.
وَقَالَ صَاحِبُ " الْمَحْصُولِ ": قَوْلُهُمْ: إنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ مَرْدُودٌ، لِأَنَّهُ إذَا فَسَّرْنَا الْعِلَّةَ بِالدَّاعِي أَوْ بِالْمُوجِبِ لَمْ نَجْعَلْ الْعَدَمَ جُزْءًا مِنْ الْعِلَّةِ، بَلْ كَاشِفًا عَنْ حُدُوثِ الْعِلَّةِ، وَمَنْ يُجَوِّزُ التَّخْصِيصَ لَا يَقُولُ بِذَلِكَ. وَإِنْ فَسَّرْنَا بِالْأَمَارَةِ ظَهَرَ الْخِلَافُ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الْعِلَّةَ بِالْمُنَاسَبَةِ بَحَثَ عَنْ ذَلِكَ الْقَيْدِ الْعَدَمِيِّ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مُنَاسَبَةً صَحَّحَ الْعِلَّةَ وَإِلَّا أَبْطَلَهَا. وَمَنْ يُجَوِّزُ التَّخْصِيصَ لَا يَطْلُبُ الْمُنَاسَبَةَ أَلْبَتَّةَ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ. وَمَا ذَكَرُوا مِنْ تَكَرُّرِ وُجُودِ الْغَيْمِ وَلَا مَطَرَ مَعَ أَنَّ كَوْنَهَا أَمَارَةً لَمْ يَزُلْ، قَدْ رَدَّهُ
стр. 2930
ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: الْأَمَارَةُ وَإِنْ لَمْ تَزُلْ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَضْعُفَ، وَلَا بُدَّ فِي الْأَمَارَةِ مِنْ تَوَفُّرِ الْقُوَّةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِأَنَّ هَذَا ظَنٌّ يُثِيرُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، فَلَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِهِ نِهَايَةَ الْقُوَّةِ، وَأَنْ لَا يُتَوَهَّمَ قُوَّةٌ مِنْ الظَّنِّ وَرَاءَ قُوَّتِهِ حَتَّى يُعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ، وَذَلِكَ لِوُجُودِ الِاطِّرَادِ حَتَّى لَا تَتَخَلَّفَ هَذِهِ الْأَمَارَةُ فِي مَوْضِعٍ مَا، فَإِذَا تَخَلَّفَتْ لَمْ تَتَوَفَّرْ الْقُوَّةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (قَالَ) : وَهَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ اعْتَمَدْتُهُ، وَهُوَ مَحَلُّ الِاعْتِمَادِ.
الْخَامِسُ: إذَا ذَكَرَ عِلَّةً فَنُقِضَ عَلَيْهِ بِمَا خَصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَهَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ.
أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ فِي حُكْمِ الْمَنْسُوخِ فَلَا تُنْقَضُ الْعِلَّةُ بِهِ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّ نَقْضَ الْعِلَّةِ بِحُكْمٍ فِي الشَّرْعِ، فَأَشْبَهَ النَّقْضَ بِمَا لَا يُخَصُّ بِهِ.
стр. 2931
فَصْلٌ
إذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ التَّخَلُّفَ لَا يَقْدَحُ فِي الْعِلِّيَّةِ فَوَاضِحٌ، وَطَرِيقُهُ فِي الدَّفْعِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ صُورَةَ النَّقْضِ مُسْتَثْنَاةٌ بِالنَّصِّ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ يُظْهِرُ الْمُعَلِّلُ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، كَمَا لَوْ قَالَ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْمُثْقَلِ قِيَاسًا عَلَى الْمُحَدَّدِ، فَإِنْ نُقِضَ بِقَتْلِ الْوَالِدِ فَإِنَّ الْوَصْفَ فِيهِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ، قُلْنَا: تَخَلَّفَ لِمَانِعٍ، وَهُوَ أَنَّ الْوَالِدَ سَبَبٌ لِوُجُودِ الْوَلَدِ، فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِانْعِدَامِهِ. وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ يَقْدَحُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَنْعِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ:
أَحَدُهَا: - مَنْعُ وُجُودِ الْعِلَّةِ بِتَمَامِهَا فِي صُورَةِ النَّقْضِ، لَا عِنَادًا، بَلْ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ قَيْدٍ مُنَاسِبٍ أَوْ مُؤَثِّرٍ فِي الْعِلَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ فِي صُورَةِ النَّقْضِ، كَقَوْلِنَا: طَهَارَةٌ عَنْ حَدَثٍ فَشَرْطٌ فِيهَا النِّيَّةُ، كَالتَّيَمُّمِ. فَإِنْ نُقِضَ بِالطَّهَارَةِ عَنْ النَّجَاسَةِ، قُلْنَا: لَيْسَ الْحَدَثُ كَالنَّجَاسَةِ. وَقَوْلُنَا فِيمَنْ لَمْ يَنْوِ فِي رَمَضَانَ لَيْلًا: تَعَرَّى أَوَّلَ صَوْمِهِ عَنْ النِّيَّةِ فَلَا يَصِحُّ. فَإِنْ نُقِضَ بِالتَّطَوُّعِ قُلْنَا: الْعِلَّةُ عَدَا أَوَّلُ الصَّوْمِ الْوَاجِبِ لَا مُطْلَقُ الصَّوْمِ.
وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: سَأَلْت بَعْضَ شُيُوخِ الشَّافِعِيَّةِ عَنْ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَرْجِعُ إلَى شَطْرِهَا لِعُذْرٍ فَكَانَ التَّرْتِيبُ مِنْ شَرْطِهَا. أَصْلُهُ الصَّلَاةُ. فَيَنْقُضُهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: إنَّمَا عَلَّلْتُ لِإِلْحَاقِ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ بِالْآخَرِ، وَهُوَ نَوْعُ طَهَارَةِ الْحَدَثِ بِنَوْعِ الصَّلَاةِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي طَهَارَةٍ فِيهَا تَرْتِيبٌ وَاجِبٌ. فَأَمَّا تَعْيِينُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ فَلَمْ أَقْصِدْ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا قَالَ الْمُعْتَرِضُ: مَا ذَكَرْت مِنْ الْعِلَّةِ مَنْقُوضٌ بِكَذَا فَلِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ، وَيُطَالِبَهُ بِالدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِهَا فِي مَحَلِّ النَّقْضِ. وَهَذِهِ الْمُطَالَبَةُ مَمْنُوعَةٌ بِالِاتِّفَاقِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا فِي صُورَةِ النَّقْضِ ظَاهِرًا أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ كَقَوْلِهِمْ: طَهَارَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ،
стр. 2932
فَإِنَّ تَحَقُّقَ الطَّهَارَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ مَعْلُومٌ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ التَّخَلُّفِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَقَوْلِهِ: الطُّعْمُ عِلَّةُ الرِّبَا، فَيَقُولُ: هُوَ مَنْقُوضٌ بِالطِّينِ أَوْ الْمَاءِ، فَيَمْنَعُ الْمُعَلِّلُ وُجُودَ الطُّعْمِ فِي الْمَاءِ فَهَلْ لِلْمُعْتَرِضِ الِاسْتِدْلَال عَلَى وُجُودِهَا؟ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ مَسْأَلَةٍ قَبْلَ تَمَامِهَا إلَى أُخْرَى، لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ دَعْوَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ إلَى دَعْوَى وُجُودِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّ فِيهِ قَلْبَ الْقَاعِدَةِ، إذْ يَصِيرُ الْمُعْتَرِضُ مُسْتَدِلًّا وَالْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا. وَقِيلَ: يُمْكِنُ مِنْهُ تَحْقِيقًا لِلنَّقْضِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْمُعْتَرِضِ فِي هَدْمِ كَلَامِ الْمُسْتَدِلِّ وَجَبَ قَبُولُهُ مِنْهُ، تَحْقِيقًا لِفَائِدَةِ الْمُنَاظَرَةِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقَدَحُ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَلَا يُمَكَّنُ الْمُعْتَرِضُ مَا لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ حُكْمًا شَرْعِيًّا. كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَقَالَ الْقُطْبُ الشِّيرَازِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ فِي سِوَاهُ. وَتَبِعَهُ الشَّارِحُونَ، وَهُوَ عَجَبٌ، فَلَمْ يَذْكُرْ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَرَوِيِّ تِلْمِيذُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى فِي كِتَابِهِ " الْمُقْتَرَحِ " غَيْرَهُ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الشَّرْعِيِّ وَغَيْرِهِ بِنَشْرِ الْكَلَامِ فِيهِ جِدًّا بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَبِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ قَرِيبٌ.
وَجَزَمَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ بِالْمَنْعِ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ إذَا أَرَادَ كَشْفَهُ عَنْ أَصْلِ الْعِلَلِ يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَجُزْ لِلْمُعَلِّلِ مَنْعَهُ. وَ [أَوْرَدَ] الْأَصْفَهَانِيُّ شَارِحُ الْمَحْصُولِ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ بِانْتِقَالٍ (قَالَ) : وَيَعُودُ مَنَاطُ الْخِلَافِ إلَى أَنَّ وُجُودَ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ: هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ الدَّلِيلِ أَمْ لَا؟ وَيُلْزَمُ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُ إثْبَاتَ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ بِالدَّلِيلِ أَنْ لَا يَسْمَعَ مِنْ الْمُعَلِّلِ إثْبَاتَ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ بِالدَّلِيلِ، فَإِنْ قَالَ: أَقُولُهُ وَلَا أَسْمَعُ مِثْلَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْجَدَلِيِّينَ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا لَا يُسْمَعُ اقْتِرَاحًا لَا يَقُولُهُ اسْتِدْلَالًا، فَلَوْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ: مَا ذَكَرْت مِنْ
стр. 2933
الدَّلِيلِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْفَرْعِ دَالٌّ بِعَيْنِهِ عَلَى وُجُودِهَا فِي مَحَلِّ النَّقْضِ فَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ نَقْضٍ لِلْعِلَّةِ إلَى نَقْضِ دَلِيلِهَا فَلَا يُسْمَعُ، وَبِهِ جَزَمَ الْآمِدِيُّ. وَقِيلَ: يُسْمَعُ، لِأَنَّ نَقْضَ دَلِيلِ الْعِلَّةِ نَقْضُ الْعِلَّةِ نَعَمْ لَوْ قَالَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَقَالَ يَلْزَمُك إمَّا نَقْضُ الْعِلَّةِ أَوْ نَقْضُ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ كَانَ مَسْمُوعًا يَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَيْدِ الدَّافِعِ لِلنَّقْضِ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا، بَلْ غَيْرُ الْمُنَاسِبِ مَقْبُولٌ مَسْمُوعٌ اتِّفَاقًا، وَالْمَانِعُونَ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالشَّبَهِ يُوَافِقُونَ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ فِي " الْمَحْصُولِ ": هَلْ يَجُوزُ دَفْعُ النَّقْضِ بِقَيْدٍ طَرْدِيٍّ؟ أَمَّا الطَّارِدُونَ فَقَدْ جَوَّزُوهُ، وَأَمَّا مُنْكِرُو الطَّرْدِ فَمِنْهُمْ مِنْ جَوَّزَهُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ أَحَدَ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعُ الْعِلَّةِ مُؤَثِّرًا، وَكَذَا حَكَى الْخِلَافَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " ثُمَّ اخْتَارَ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَيْدُ الطَّرْدِيُّ يُشِيرُ إلَى مَسْأَلَةٍ تُفَارِقُ مَسْأَلَةَ النِّزَاعِ بِفِقْهٍ فَلَا يَجُوزُ نَقْضُ الْعِلَّةِ، وَإِلَّا فَلَا يُفِيدُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ (قَالَ) : وَلَوْ فُرِضَ التَّقْيِيدُ بِاسْمٍ غَيْرِ مُشْعِرٍ بِفِقْهٍ وَلَكِنَّ مُبَايَنَةَ الْمُسَمَّى بِهِ لِمَا عَدَاهُ مَشْهُورٌ بَيْنَ النُّظَّارِ، فَهَلْ يَكُونُ التَّقْيِيدُ بِمِثْلِهِ تَخْصِيصًا لِلْعِلَّةِ؟ اخْتَلَفَ فِيهِ الْجَدَلِيُّونَ، وَالْأَقْرَبُ تَصْحِيحُهُ لِأَنَّهُ اصْطِلَاحٌ.
[الطَّرِيقُ] الثَّانِي: مَنْعُ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ وَيَدَّعِي ثُبُوتَهُ فِيهَا. وَهُوَ إمَّا تَحْقِيقِيٌّ مِثْلُ: السَّلَمِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْجِيلُ، كَالْبَيْعِ، فَإِنْ نُقِضَ بِالْإِجَارَةِ قُلْنَا: الْأَجَلُ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهَا لِتَقْرِيرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الِانْتِفَاعُ بِالْعَيْنِ. أَوْ
стр. 2934
تَقْدِيرِيٌّ، وَهُوَ دَافِعٌ لِلنَّقْضِ عَلَى الْأَظْهَرِ، تَنْزِيلًا لِلْمُقَدَّرِ مَنْزِلَةَ الْمُحَقَّقِ، كَقَوْلِنَا: رِقُّ الْأُمِّ عِلَّةٌ لِرِقِّ الْوَلَدِ، فَيَكُونُ هَذَا الْوَلَدُ رَقِيقًا. فَإِنْ نُقِضَ بِوَلَدِ الْمَغْرُورِ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ حَيْثُ كَانَ رِقُّ الْأُمِّ مَوْجُودًا مَعَ انْعِقَادِ الْوَلَدِ حُرًّا، قُلْنَا: رِقُّ الْأُمِّ مَوْجُودٌ، وَتَقْدِيرُ وُجُودِهِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ رَقِيقًا ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَى الْمَغْرُورِ، إذْ لَا قِيمَةَ لِلْحُرِّ.
قَالَ فِي " الْمَحْصُولِ ": وَالتَّحْقِيقِيُّ دَافِعٌ لِلنَّقْضِ إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْتَدِلِّ وَخَصْمِهِ، أَوْ كَانَ مَذْهَبًا لِلْمُسْتَدِلِّ فَقَطْ، لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَفِ بِطَرْدِ عِلَّتِهِ فَلَأَنْ لَا يَجِبَ عَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا لِخَصْمِهِ فَقَطْ لَمْ يَتَوَجَّهْ لِأَنَّ خِلَافَهُ كَخِلَافِهِ فِي الصُّورَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا. وَلَوْ مُنِعَ الْمُسْتَدِلُّ تَخَلَّفَ الْحُكْمُ فَفِي تَمْكِينِ الْمُعْتَرِضِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي مَنْعِ وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي صُورَةِ النَّقْضِ.
وَهُنَا فَرْعٌ حَسَنٌ: لَوْ نَقَضَ الْمُعْتَرِضُ فَقَالَ الْمُسْتَدِلُّ الْمُنْتَصِرُ لِمَذْهَبِ إمَامٍ: لَا أَعْرِفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَصًّا، وَلَا يَلْزَمُنِي النَّقْضُ، فَهَلْ يُدْفَعُ بِذَلِكَ النَّقْضِ؟ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " الْمُلَخَّصِ فِي الْجَدَلِ ". وَمَثَّلَهُ بِاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ عَلَى الْقَارِنِ أَنَّهُ إذَا قَتَلَ صَيْدًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَزَاءَانِ، لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْضَ عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَزِمَهُ جَزَاءَانِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَقَتَلَ صَيْدًا، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فَقَتَلَ صَيْدًا. فَقَالَ لَهُ: هَذَا يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا أَحْرَمَ الْمُتَمَتِّعُ بِالْعُمْرَةِ فَجَرَحَ صَيْدًا، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَجَرَحَهُ ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْضَ عَلَى إحْرَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ثُمَّ لَا يَلْزَمُهُ جَزَاءَانِ. فَيَقُولُ الْمُخَالِفُ: لَا أَعْرِفُ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
ثُمَّ قَالَ: رَأَيْت الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا: إذَا جَوَّزْتَ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُكَ عَلَى مَا أَلْزَمْتُهُ وَجَبَ أَنْ لَا يُحْتَجَّ بِهَذَا الْقِيَاسِ، قَالَ: وَعِنْدِي
стр. 2935
أَنَّهُ يَلْزَمُهُ النَّقْضُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ احْتَمَلَ مَا قَالَهُ إلَّا أَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَتَانِ فَيُعْمَلُ بِهِ مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ، كَالْعُمُومِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُخَصِّصِ. انْتَهَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَهُ أَنْ يُلْزَمَ بِصُورَةِ النَّقْضِ عِنْدَ الشَّيْخِ، وَعِنْدَ الْقَاضِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ مَذْهَبَ إمَامِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ رَاجِعٌ إلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي مِنْهُ بِأَنْ يَقُولَ: لَا أَعْرِفُ نَصًّا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ الْحَنَابِلَةِ جَوَابَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ النَّقْضِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ لِيَظْهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مَا ظَنَّهُ الْمُعْتَرِضُ فَأَوْرَدَ نَقْضًا.
الثَّانِي: أَنْ يُبَيِّنَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ: عُضْوٌ سَقَطَ فِي التَّيَمُّمِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَى حَائِلٍ كَالْقَدَمِ، فَيَقُولُ الْخَصْمُ: هَذَا يَنْتَقِضُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ يَسْقُطُ فِي التَّيَمُّمِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: إنَّمَا تَعَذَّرَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ وَقَدْ اتَّفَقَا فِي حُكْمِ الْجَنَابَةِ. قُلْت: وَيَنْبَغِي الْبُدَاءَةُ بِمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا فِي تَرْتِيبِ الْأَجْوِبَةِ. وَيُزَادُ جَوَابٌ (خَامِسٌ) : وَهُوَ أَنْ نُسَلِّمَ وُرُودَ النَّقْضِ وَنَتَعَذَّرُ عَنْهُ بِإِبْدَاءِ أَمْرٍ فِي صُورَةِ النَّقْضِ يَصْلُحُ اسْتِنَادُ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ إلَيْهِ، لِيَبْقَى دَلِيلُ ثُبُوتِ الْعِلَّةِ سَلِيمًا عَنْ مُعَارِضٍ.
مَسْأَلَةٌ
إذَا أُلْزِمَ النَّقْضَ فَزَادَ فِي الْعِلَّةِ وَصْفًا، فَهَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ:
أَحَدُهَا: نَعَمْ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ.
стр. 2936
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ، وَعَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْبَاجِيُّ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: إنَّهُ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إسْقَاطِ النَّقْضِ بِمَا شَاءَ.
وَالثَّالِثُ: وَحَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ فِي جَدَلِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا - إنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مَعْهُودَةً بَيْنَ الْمُنَاظِرِينَ كَالْجِنْسِ الْمَضْمُومِ إلَى الْوَصْفِ الْآخَرِ فِي عِلَّةِ الرِّبَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْمَعْرُوفَةِ قُبِلَ مِنْهُ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً فَلَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَعْهُودَةَ كَالْمَذْكُورَةِ، فَيُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهَا بِالْعَهْدِ فِيهَا. وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَالْبَاجِيُّ أَيْضًا ثُمَّ ضَعَّفَاهُ بِأَنَّهُ لَا عَهْدَ، وَاللَّفْظُ ظَاهِرٌ فِي التَّعْمِيمِ. وَقَالَ فِي " الْمَنْخُولِ " إذَا أَرَادَ الْمُعَلِّلُ وَصْفًا يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِدُونِهِ وَلَكِنَّهُ رَامَ بِهِ دَرْءَ النَّقْضِ فَقَدْ يُطْرَحُ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ كَوْنَهُ عِلَّةً فِي الْأَصْلِ.
مَسْأَلَةٌ
قِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ النَّقْضِ لَا يُقْبَلُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: هَذَا يَقُولُهُ الْمُتَفَقِّهَةُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ هُوَ مَقْبُولٌ، وَإِنَّمَا شَرْطُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِفَرْقٍ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ فِي الْإِجَارَةِ: لَا تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ مَعَ سَلَامَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ فَرْقٌ بَيْنَ مَسْأَلَةِ النَّقْضِ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. فَأَمَّا إذَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ بَانَ عَدَمُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ، بَلْ بِعِلَّةٍ أُخْرَى.
مَسْأَلَةٌ
الْقَائِلُونَ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ ابْتِدَاءً
стр. 2937
التَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الْمَانِعِ، بِأَنْ يَذْكُرَ قَيْدًا يُخْرِجُ بِهِ مَحَلَّ النَّقْضِ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا، لِئَلَّا تُنْقَضَ الْعِلَّةُ.
وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَنَقَلَهُ الْهِنْدِيُّ فِي " النِّهَايَةِ " عَنْ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ: إنَّهُ الْحَقُّ، كَمَا فِي سَائِرِ الْمَعَارِضِ.
وَالثَّالِثُ: إنْ كَانَ سَبَبًا، وَهُوَ مَا يَرِدُ عَلَى كُلِّ عِلَّةٍ، كَالْعَرَايَا، لَمْ يَلْزَمْهُ، وَإِلَّا كَالتَّطَوُّعِ فِي مَسْأَلَةِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ لَزِمَهُ، إذْ لَا يَبْقَى إلَّا الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةُ فِي خُرُوجِهِ عَنْ الْقَاعِدَةِ. وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي " شِفَاءِ الْعَلِيلِ " وَلَمْ يَقِفْ ابْنُ دَقِيقٍ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ فَقَالَ: لَوْ قِيلَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ.
الرَّابِعُ: إنْ كَانَ مُنَاظِرًا وَجَبَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ نَاظِرًا مُجْتَهِدًا فَكَذَلِكَ، إلَّا فِيمَا اشْتَهَرَ مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ فَصَارَ كَالْمَذْكُورَةِ. وَقَالَ فِي " شِفَاءِ الْعَلِيلِ ": أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَثْنِ وَجَبَ عَلَى النَّاظِرِ. وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ فَهَلْ يَنْقَطِعُ ظَنُّهُ عَنْ الْعِلَّةِ الَّتِي ظَنَّهَا؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى الظَّنُّ مَعَ وُرُودِ النَّقْضِ؟ تَرَدَّدَ الْقَاضِي فِي هَذَا، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِبُطْلَانِ الْعِلَّةِ بِمِثْلِ هَذَا النَّقْضِ، هَلْ هُوَ مَعْلُومٌ أَوْ مَظْنُونٌ؟ قَالَ: وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي: إنْ قَدَحَ الِاعْتِذَارُ عَنْ مَسْأَلَةِ النَّقْضِ بِفَرْقٍ فِقْهِيٍّ، فَلَا شَكَّ فِي انْقِطَاعِ الظَّنِّ، وَإِنْ لَمْ يَقْدَحْ عُذْرٌ فَفِي انْقِطَاعِ الظَّنِّ نَظَرٌ. تَنْبِيهٌ:
الْمُرَادُ بِالِاحْتِرَازِ عَنْهُ ذِكْرُهُ إمَّا فِي أَوَّلِ الدَّلِيلِ، أَوْ بَعْدَ تَوَجُّهِ النَّقْضِ عَلَيْهِ، وَلَا يُعَدُّ مُنْقَطِعًا. هَذَا اصْطِلَاحُ مُتَأَخِّرِي الْجَدَلِيِّينَ. وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْهُمْ فَاعْتَبَرُوهُ أَوَّلَ الدَّلِيلِ، وَقَالُوا: إنْ أُخِذَ الْقَيْدُ لِلنَّقْضِ فِي الدَّلِيلِ أَوَّلًا قُبِلَ
стр. 2938
مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ أَوَّلًا وَأَوْرَدَهُ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ قَيْدًا لَمْ يُقْبَلْ، وَيُعَدُّ مُنْقَطِعًا، وَعَلَيْهِ جَرَى فِي " الْمُسْتَصْفَى " وَبِهِ تَصِيرُ الْمَذَاهِبُ خَمْسَةً، وَصَاحِبُ " الْمَحْصُولِ " حَكَى الْخِلَافَ فِي الِاحْتِرَازِ عَنْهُ فِي الدَّلِيلِ قَوْلَيْنِ وَلَمْ يُرَجِّحْ شَيْئًا، ثُمَّ حَكَاهُ أَيْضًا فِي الْوَارِدِ اسْتِثْنَاءً فَقَالَ: وَهَلْ يَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي اللَّفْظِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْأَوْلَى الِاحْتِرَازُ. انْتَهَى.
وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُقْتَرَحِ ": يَضُرُّهُ الِاحْتِرَازُ، لِأَنَّهُ يَكُونُ اعْتِرَافًا مِنْهُ بِأَنَّ النَّقْضَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيلِ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ تَعَرَّضَ لِمَا يَلْزَمُ، وَنَبَّهَ الْمُعْتَرِضَ عَلَى أَنَّ النَّقْضَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِرَافِهِ.
فَرْعٌ:
ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ بُطْلَانَ الْعِلَّةِ بِالنَّقْضِ مِنْ الْقَطْعِيَّاتِ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ عِنْدِي، بَلْ هِيَ مِنْ الْمُجْتَهَدَاتِ. وَكُلُّ مَأْمُورٍ بِمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ. وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَعْضَهُ قَطْعِيًّا وَبَعْضَهُ ظَنِّيًّا بِنَاءً عَلَى تَفْصِيلِهِ السَّابِقِ.
مَسْأَلَةٌ
قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ "، وَتَبِعَهُ فِي " الْمَحْصُولِ ": اعْلَمْ أَنَّ نَقْضَ الْعِلَّةِ أَنْ يُوجَدَ فِي مَوْضِعٍ دُونَ حُكْمِهَا، وَحُكْمُهَا ضَرْبَانِ: مُجْمَلٌ وَمُفَصَّلٌ، وَالْمُجْمَلُ ضَرْبَانِ: إثْبَاتٌ وَنَفْيٌ، فَالْإِثْبَاتُ الْمُجْمَلُ لَا يَنْتَقِضُ بِنَفْيِ مُفَصَّلٍ، وَالنَّفْيُ الْمُجْمَلُ يَنْتَقِضُ بِإِثْبَاتِ مُفَصَّلٍ.
стр. 2939
مِثَالُ الْأَوَّلِ: أَنَّ تَعْلِيلَ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ بِأَنَّهُمَا حُرَّانِ مُكَلَّفَانِ مَحْقُونَا الدَّمِ فَيَتَقَاصَّانِ كَالْمُسْلِمِينَ، فَيُنْتَقَضُ بِمَا إذَا قَتَلَهُ خَطَأً، وَذَلِكَ أَنَّ نَفْيَ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا فِي قَتْلِ الْخَطَأِ لَا يَمْنَعُ مِنْ صِدْقِ الْقَوْلِ أَنَّ بَيْنَهُمَا قِصَاصًا. وَإِذَا صَدَقَ الْفَرْقُ بِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ لَمْ يَرْتَفِعْ، فَلَمْ يَنْتَفِ حُكْمُ الْعِلَّةِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: لِأَنَّهُمَا مُكَلَّفَانِ، فَلَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ، فَإِذَا نُقِضَ بِالْمُسْلِمِينَ يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ انْتَقَضَتْ الْعِلَّةُ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ بَيْنَ شَخْصَيْنِ فِي مَوْضِعٍ لَا يُفِيدُ مَعَهُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَأَمَّا الْحُكْمُ الْمُفَصَّلُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا، فَالْإِثْبَاتُ يَنْتَقِضُ بِالنَّفْيِ الْمُجْمَلِ، مِثَالُهُ أَنْ يَقُولَ: مُوجِبَانِ يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا جَمِيعًا قِصَاصٌ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ، وَذَلِكَ يَنْتَقِضُ بِالْحُرِّ، لِأَنَّهُ إذَا قَتَلَ الْعَبْدَ لَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ، لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقِصَاصِ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَزُولُ ثُبُوتُهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ. وَأَمَّا النَّفْيُ الْمُفَصَّلُ فَلَا يَنْتَقِضُ بِالْإِثْبَاتِ الْمُجْمَلِ، كَمَا نَقُولُ: فَلَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا قِصَاصٌ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، لِأَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِثُبُوتِ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ ثُبُوتَ الْقِصَاصِ فِي الْجُمْلَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ انْتِفَائِهِ عَنْهُمَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ.
[الثَّانِي مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْكَسْرُ]
الثَّانِي الْكَسْرُ وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْجَدَلِيِّينَ عِبَارَةٌ عَنْ إسْقَاطِ وَصْفٍ مِنْ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ الِاعْتِبَارِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ فِي حَدِّ الْعِلَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِعِلَّةٍ عَلَى حُكْمٍ يُوجَدُ مَعْنَى تِلْكَ الْعِلَّةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلَا يُوجَدُ مَعَهَا ذَلِكَ الْحُكْمُ.
стр. 2940
مِثَالُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَلَهُ وَلَدٌ، فَيَهَبُ لِوَلَدِهِ شَيْئًا وَيَقُولُ: وَهَبْتُ لَهُ لِأَنَّهُ وَلَدِي، فَيُقَالُ لَهُ: فَيَنْكَسِرُ عَلَيْك بِوَلَدِ وَلَدِك، لِأَنَّ مَعْنَى الْوَلَدِ مَوْجُودٌ فِيهِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِهِ صَحِيحٌ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ «أَنَّهُ ﷺ دُعِيَ إلَى دَارٍ فَأَجَابَ، وَدُعِيَ إلَى دَارٍ أُخْرَى فَلَمْ يُجِبْ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ فِي دَارِ فُلَانٍ كَلْبًا فَقِيلَ: وَفِي هَذِهِ الدَّارِ سِنَّوْرٌ، فَقَالَ: السِّنَّوْرُ سَبُعٌ» . وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْهِرَّةَ تَكْسِرُ الْمَعْنَى، وَهُوَ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ فِي الْبَيْتِ كَالْكَلْبِ، فَأَقَرَّهُمْ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى اعْتِرَاضِهِمْ وَأَجَابَ بِالْفَرْقِ وَهُوَ أَنَّ الْهِرَّةَ سُبُعٌ، أَيْ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ نَجِسٌ.
وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُبَدِّلَ ذَلِكَ الْوَصْفَ الْخَاصَّ بِوَصْفٍ عَامٍّ ثُمَّ يَنْقُضَهُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِنَا فِي إثْبَاتِ صَلَاةِ الْخَوْفِ: صَلَاةٌ يَجِبُ قَضَاؤُهَا فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا كَصَلَاةِ الْأَمْنِ. فَيَعْتَرِضُ أَنَّ كَوْنَهَا صَلَاةً لَا أَثَرَ لَهَا، لِأَنَّ الْحَجَّ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْوَصْفُ الْعَامُّ وَهُوَ كَوْنُهُ عِبَادَةً، فَيَنْكَسِرُ بِصَوْمِ الْحَائِضِ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ، بَلْ يُعْرِضُ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي أَسْقَطَهُ بِالْكُلِّيَّةِ،
стр. 2941
وَيَذْكُرُ صُورَةَ النَّقْضِ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ فِي الْمِثَالِ قَوْلَنَا: فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ بِدَلِيلِ الْحَائِضِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا الْقِسْمُ أَكْثَرُ وُقُوعِهِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالنَّقْضِ، كَقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الْغَائِبِ مَثَلًا: بَيْعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ عَبْدًا. فَيَقُولُ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى: خُصُوصُ كَوْنِهِ بَيْعًا لَا أَثَرَ لَهُ، لِأَنَّ الْمَرْهُونَ كَذَلِكَ، فَبَقِيَ كَوْنُهُ عَقْدًا الَّذِي هُوَ وَصْفٌ يَعُمُّهُمَا، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالنِّكَاحِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ بَيْعًا بِدَلِيلِ الْمَرْهُونِ، فَسَقَطَ هَذَا الْجُزْءُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَجْهُولَةُ الصِّفَةِ. . . آخِرُهُ. وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالنِّكَاحِ.
وَأَمَّا الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فَعَرَّفَا الْكَسْرَ بِوُجُودِ الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ، فَالنَّقْضُ حِينَئِذٍ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ، وَالْكَسْرُ تَخَلُّفُهُ عَنْ حِكْمَتِهَا، فَهُوَ نَقْضٌ عَلَى مَعْنَى الْعِلَّةِ دُونَ لَفْظِهَا، أَيْ الْحِكْمَةِ دُونَ الْمَظِنَّةِ، بِخِلَافِ النَّقْضِ. كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ: مُسَافِرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَخَّصَ، كَالطَّائِعِ فِي سَفَرِهِ. وَيَتَبَيَّنُ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ السَّفَرِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ فَيُقَالُ: مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ الْحِكْمَةِ، وَهِيَ الْمَشَقَّةُ، مُنْتَقِضَةٌ بِمَشَقَّةِ الْحَمَّالِينَ وَأَرْبَابِ الصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ فِي الْحَضَرِ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَا بَعْدَ ذَلِكَ النَّقْضَ الْمَكْسُورَ وَهُوَ النَّقْضُ عَلَى بَعْضِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ. ثُمَّ قَالُوا: وَاخْتَلَفُوا فِي إبْطَالِهِمَا لِلْعِلِّيَّةِ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ الْمُخْتَارُ. وَأَمَّا صَاحِبُ " الْمِنْهَاجِ " فَذَكَرَ الْكَسْرَ فَقَطْ وَعَرَّفَهُ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ أَحَدَيْ الْمُرَكَّبِ الَّذِي ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ وَنَقَضَ الْآخَرُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْمَحْصُولِ "، وَعَدُّوهُ مِنْ قَوَادِحِ الْعِلِّيَّةِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ إلَّا إذَا بَيَّنَ الْخَصْمُ إلْغَاءَ الْقَيْدِ، وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِالْكَسْرِ إلَّا إذَا بُيِّنَ، أَمَّا إذَا لَمْ يُبَيَّنْ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَرْدُودٌ، وَأَمَّا إذَا بُيِّنَ مَوْضِعُ النِّزَاعِ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ قَادِحٌ. وَقَوْلُ الْآمِدِيَّ: وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى
стр. 2942
أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ مَرْدُودٌ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " التَّلْخِيصِ ": اعْلَمْ أَنَّ الْكَسْرَ سُؤَالٌ مَلِيحٌ، وَالِاشْتِغَالَ بِهِ يَنْتَهِي إلَى بَيَانِ الْفِقْهِ وَتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ. وَقَدْ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِفْسَادِ الْعِلَّةِ بِهِ، وَيُسَمُّونَهُ: النَّقْضَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَالْإِلْزَامَ مِنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ. وَأَنْكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ. قُلْت: وَابْنُ الصَّبَّاغِ - وَقَالُوا: لَا يُبْطِلُ الْعِلِّيَّةَ: لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ إلَّا بِأَنْ يُغَيِّرَ الْعِلَّةَ أَوْ يُبَدِّلَ لَفْظَهَا بِغَيْرِهِ، أَوْ يُسْقِطَ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِهَا. وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، لِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا غَيَّرَهُ السَّائِلُ وَبَدَّلَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِلَّةَ شَرْعِيَّةٌ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعْنًى عَلَى صِفَةِ عِلَّةٍ فِي حُكْمٍ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْكَسْرَ نَقْضٌ، وَلَا يُجْعَلُ عِلَّةً عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى، فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْكَسْرَ نَقْضٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّقْضِ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا أَوْجَدَهُ مِنْ الْمَعْنَى مِثْلُ الْمَعْنَى الَّذِي عَلَّلَ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُوجِدُ دَلَّ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي سُؤَالِ الْكَسْرِ مِنْ حَذْفِ وَصْفٍ مِنْ الْأَصْلِ، أَوْ إبْدَالِهِ بِغَيْرِهِ. كَمَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ، فَإِنَّهُ حَذْفُ خُصُوصِ كَوْنِهِ بَيْعًا وَإِبْدَالُهُ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّظَرُ فِي خُصُوصِ الْأَوْصَافِ وَحَذْفُ مَا حُذِفَ مِنْهَا وَإِبْدَالُهُ مَوْضِعُهُ الْفِقْهُ. وَعَلَى هَذَا فَلَا يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَحْذُوفُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ. وَإِذَا كَانَ الْحَذْفُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فَالْمَجْمُوعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ. وَإِذَا حَذَفَ وَصْفًا اعْتَقَدَهُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ لَمْ يَرِدْ النَّقْضُ إلَّا عَلَى الْبَاقِي.
قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: الْكَسْرُ سُؤَالٌ صَحِيحٌ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ. وَقَالَ
стр. 2943
الْخُرَاسَانِيُّونَ: بَاطِلٌ وَقَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ": قَالَ الْجَدَلِيُّونَ: الْكَسْرُ يُفَارِقُ النَّقْضَ فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَى إخَالَةٍ لَا عَلَى عِبَارَتِهِ، وَالنَّقْضُ يَرِدُ عَلَى الْعِبَارَةِ
(قَالَ) : وَعِنْدَنَا لَا مَعْنَى لِلْكَسْرِ، فَإِنَّ كُلَّ عِبَارَةٍ لَا إخَالَةَ فِيهَا فَهِيَ طَرْدٌ مَحْذُوفٌ، وَالْوَارِدُ عَلَى الْإِخَالَةِ نَقْضٌ. وَلَوْ أَوْرَدَ عَلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمَا مُخَيَّلَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ لَا يُقْبَلُ. نَعَمْ، تَرَدَّدَ الْقَاضِي فِي أَنَّ الْمُعَلِّلَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ عَنْ الْقِيَاسِ بِطَرْدٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَصْلًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَقْضٍ، وَلَوْ فَعَلَهُ اسْتَبَانَ بِهِ فَكَانَ أَحْسَنَ. وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْعِلَّةَ مُنْتَقِضَةٌ بِهِ، فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِرَازِ بِالطَّرْدِ.
تَنْبِيهَانِ
الْأَوَّلُ: ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي " الْمُهَذَّبِ " فِيمَا لَوْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا وَالْفُرُوعُ زَكَّى بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ. وَقَالَ الْأَنْمَاطِيُّ: يُشْتَرَطُ بَقَاءُ نِصَابٍ مِنْ الْأُمَّهَاتِ، فَلَوْ نَقَصَ عَنْ النِّصَابِ انْقَطَعَتْ التَّبَعِيَّةُ (قَالَ) : وَمَا قَالَهُ يَنْكَسِرُ عَلَيْهِ بِوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ، أَيْ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ، لِثُبُوتِهِ لِلْأُمِّ، ثُمَّ يَسْقُطُ حَقُّ الْأُمِّ بِمَوْتِهَا، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْوَلَدِ، بَلْ يَعْتِقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ كَمَا كَانَتْ الْأُمُّ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ.
وَقَالَ الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْقِرَاضِ: إذَا مَاتَ الْمَالِكُ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ، فَلَوْ أَرَادَ الْوَارِثُ تَقْرِيرَ الْعَقْدِ وَالْبَاقِي نَاضٌّ جَازَ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ عُرُوضًا قَالَ
стр. 2944
أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ الْقِرَاضُ فِي الْعُرُوضِ ابْتِدَاءً، وَهَذَا لَيْسَ بِابْتِدَاءٍ، بَلْ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْقِرَاضَ الْأَوَّلَ بَطَلَ بِالْمَوْتِ، وَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ يَنْكَسِرُ بِمَا لَوْ دَفَعَ مَالًا قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ عَامِلٌ، وَحَصَّلَ الْمَالَ عُرُوضًا ثُمَّ تَفَاسَخَا الْقِرَاضَ ثُمَّ أَرَادَا أَنْ يَعْقِدَا الْقِرَاضَ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى مَا سَبَقَ.
الثَّانِي: قِيلَ: الْخِلَافُ فِي سُؤَالِ الْكَسْرِ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ، فَمَنْ جَوَّزَهُ قَبِلَ سُؤَالَ الْكَسْرِ، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ لَمْ يَسْمَعْ الْكَسْرَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا قَالَ: وَصْفُ السَّرِقَةِ كَانَ مُنَاسِبًا لِمَعْنَى كَذَا وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النَّبْشِ، فَيَكُونُ سَبَبًا، فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي خَاصَّةٍ بَيْنَ النَّبْشِ وَالسَّرِقَةِ يُفَارِقُهَا غَيْرُهَا فِيهَا صَحَّ الْجَمِيعُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ خَاصَّةً فَقَالَ: يَبْطُلُ بِالزِّنَى وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي وُجِدَ فِي السَّرِقَةِ وُجِدَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ الْحَاجَةُ إلَى الزَّجْرِ، وَلَمْ يَنْتَهِضْ سَبَبًا لِمِثْلِ حُكْمِ السَّرِقَةِ، فَيَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ أَنْ يَذْكُرَ بَيْنَ النَّبْشِ وَالسَّرِقَةِ خَاصَّةً تَجْمَعُهُمَا، فَكَأَنَّ صِحَّةَ الْكَسْرِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُصَحِّحَ الْكَسْرَ وَلَا طَرِيقَ لِتَصْحِيحِ الْكَسْرِ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَا، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَبْنِ صِحَّةَ الْكَسْرِ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَتَهُ.
стр. 2945
فَصْلٌ
جَوَابُ الْكَسْرِ نَحْوَ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ فِي النَّقْضِ، لِأَنَّهُ نَقْضٌ فِي الْمَعْنَى. قِيلَ إلَّا أَنَّ مَنْعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ هُنَا أَظْهَرُ مِنْهُ فِي النَّقْضِ، لِأَنَّ الْحِكْمَةَ قَدْ تَتَفَاوَتُ، فَقَدْ لَا يَحْصُلُ مَا هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَمَنَعَ انْتِقَالَ الْحُكْمِ هَاهُنَا، فَانْدَفَعَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمٌ هُوَ أَوْلَى بِالْحِكْمَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ ﵀: الْجَوَابُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْكَسْرِ الْفَرْقُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهِ الدَّفْعِ، وَلَا يَكْفِي رَدُّهُ بِأَنَّ فِي الْأَصْلِ مَا يُوَافِقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَأَنْتَ لَا تَقُولُ بِهِ فَلَا يَلْزَمُنِي، كَمَا فِي النَّقْضِ، وَلَا يَكْفِي الْفَرْقُ بَعْدَ لُزُومِ الْكَسْرِ بِمَا لَا يُدْفَعُ عَنْ الْعِلَّةِ، وَهُوَ الْفَرْقُ مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي عَلَّلَ بِهِ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ بَعْدَ النَّقْضِ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ.
[الثَّالِثُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات عَدَمُ الْعَكْسِ]
الثَّالِثُ - عَدَمُ الْعَكْسِ وَهُوَ وُجُودُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى بِعِلَّةٍ أُخْرَى
، كَاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ عَلَى مَنْعِ تَقْدِيمِ أَذَانِ الصُّبْحِ بِقَوْلِهِ: صَلَاةٌ لَا تُقْصَرُ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَذَانِهَا عَلَى وَقْتِهَا، كَالْمَغْرِبِ، فَنَقُولُ: هَذَا الْوَصْفُ لَا يَنْعَكِسُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي هُوَ مَنْعُ تَقْدِيمِ الْأَذَانِ عَلَى الْوَقْتِ مَوْجُودٌ فِيمَا قَصُرَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى. وَعَدُّ هَذَا مِنْ الْقَوَادِحِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ:
следующие страницы →