← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وَيَذْكُرُ صُورَةَ النَّقْضِ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ فِي الْمِثَالِ قَوْلَنَا: فَيَجِبُ أَدَاؤُهَا، إذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ يَجِبُ قَضَاؤُهُ بِدَلِيلِ الْحَائِضِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَهَذَا الْقِسْمُ أَكْثَرُ وُقُوعِهِ فِي الْوَصْفِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالنَّقْضِ، كَقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الْغَائِبِ مَثَلًا: بَيْعٌ مَجْهُولُ الصِّفَةِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ عَبْدًا. فَيَقُولُ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى: خُصُوصُ كَوْنِهِ بَيْعًا لَا أَثَرَ لَهُ، لِأَنَّ الْمَرْهُونَ كَذَلِكَ، فَبَقِيَ كَوْنُهُ عَقْدًا الَّذِي هُوَ وَصْفٌ يَعُمُّهُمَا، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالنِّكَاحِ. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ بَيْعًا بِدَلِيلِ الْمَرْهُونِ، فَسَقَطَ هَذَا الْجُزْءُ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا مَجْهُولَةُ الصِّفَةِ. . . آخِرُهُ. وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالنِّكَاحِ. وَأَمَّا الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فَعَرَّفَا الْكَسْرَ بِوُجُودِ الْحِكْمَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ، فَالنَّقْضُ حِينَئِذٍ تَخَلُّفُ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ، وَالْكَسْرُ تَخَلُّفُهُ عَنْ حِكْمَتِهَا، فَهُوَ نَقْضٌ عَلَى مَعْنَى الْعِلَّةِ دُونَ لَفْظِهَا، أَيْ الْحِكْمَةِ دُونَ الْمَظِنَّةِ، بِخِلَافِ النَّقْضِ. كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الْعَاصِي بِسَفَرِهِ: مُسَافِرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَخَّصَ، كَالطَّائِعِ فِي سَفَرِهِ. وَيَتَبَيَّنُ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ السَّفَرِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ فَيُقَالُ: مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ الْحِكْمَةِ، وَهِيَ الْمَشَقَّةُ، مُنْتَقِضَةٌ بِمَشَقَّةِ الْحَمَّالِينَ وَأَرْبَابِ الصَّنَائِعِ الشَّاقَّةِ فِي الْحَضَرِ، وَلَا رُخْصَةَ لَهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَا بَعْدَ ذَلِكَ النَّقْضَ الْمَكْسُورَ وَهُوَ النَّقْضُ عَلَى بَعْضِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ. ثُمَّ قَالُوا: وَاخْتَلَفُوا فِي إبْطَالِهِمَا لِلْعِلِّيَّةِ. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ الْمُخْتَارُ. وَأَمَّا صَاحِبُ " الْمِنْهَاجِ " فَذَكَرَ الْكَسْرَ فَقَطْ وَعَرَّفَهُ بِعَدَمِ تَأْثِيرِ أَحَدَيْ الْمُرَكَّبِ الَّذِي ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ عِلِّيَّتَهُ وَنَقَضَ الْآخَرُ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " الْمَحْصُولِ "، وَعَدُّوهُ مِنْ قَوَادِحِ الْعِلِّيَّةِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ مَرْدُودٌ عِنْدَ الْجَمَاهِيرِ إلَّا إذَا بَيَّنَ الْخَصْمُ إلْغَاءَ الْقَيْدِ، وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِالْكَسْرِ إلَّا إذَا بُيِّنَ، أَمَّا إذَا لَمْ يُبَيَّنْ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ مَرْدُودٌ، وَأَمَّا إذَا بُيِّنَ مَوْضِعُ النِّزَاعِ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ قَادِحٌ. وَقَوْلُ الْآمِدِيَّ: وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى

стр. 2942

أَنَّهُ غَيْرُ قَادِحٍ مَرْدُودٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " التَّلْخِيصِ ": اعْلَمْ أَنَّ الْكَسْرَ سُؤَالٌ مَلِيحٌ، وَالِاشْتِغَالَ بِهِ يَنْتَهِي إلَى بَيَانِ الْفِقْهِ وَتَصْحِيحِ الْعِلَّةِ. وَقَدْ اتَّفَقَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى صِحَّتِهِ وَإِفْسَادِ الْعِلَّةِ بِهِ، وَيُسَمُّونَهُ: النَّقْضَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى، وَالْإِلْزَامَ مِنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ. وَأَنْكَرَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ. قُلْت: وَابْنُ الصَّبَّاغِ - وَقَالُوا: لَا يُبْطِلُ الْعِلِّيَّةَ: لِأَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ إلَّا بِأَنْ يُغَيِّرَ الْعِلَّةَ أَوْ يُبَدِّلَ لَفْظَهَا بِغَيْرِهِ، أَوْ يُسْقِطَ وَصْفًا مِنْ أَوْصَافِهَا. وَهَذَا لَا يَلْزَمُ، لِجَوَازِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا غَيَّرَهُ السَّائِلُ وَبَدَّلَهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْعِلَّةَ شَرْعِيَّةٌ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعْنًى عَلَى صِفَةِ عِلَّةٍ فِي حُكْمٍ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْكَسْرَ نَقْضٌ، وَلَا يُجْعَلُ عِلَّةً عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى، فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. قَالَ الشَّيْخُ: وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ الْكَسْرَ نَقْضٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّقْضِ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ. وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا أَوْجَدَهُ مِنْ الْمَعْنَى مِثْلُ الْمَعْنَى الَّذِي عَلَّلَ بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُوجِدُ دَلَّ عَلَى عَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي سُؤَالِ الْكَسْرِ مِنْ حَذْفِ وَصْفٍ مِنْ الْأَصْلِ، أَوْ إبْدَالِهِ بِغَيْرِهِ. كَمَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغَائِبِ، فَإِنَّهُ حَذْفُ خُصُوصِ كَوْنِهِ بَيْعًا وَإِبْدَالُهُ فِي النِّكَاحِ، وَالنَّظَرُ فِي خُصُوصِ الْأَوْصَافِ وَحَذْفُ مَا حُذِفَ مِنْهَا وَإِبْدَالُهُ مَوْضِعُهُ الْفِقْهُ. وَعَلَى هَذَا فَلَا يَتَوَجَّهُ السُّؤَالُ إلَّا إذَا كَانَ الْمَحْذُوفُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ. وَإِذَا كَانَ الْحَذْفُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ فَالْمَجْمُوعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ. وَإِذَا حَذَفَ وَصْفًا اعْتَقَدَهُ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ لَمْ يَرِدْ النَّقْضُ إلَّا عَلَى الْبَاقِي. قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: الْكَسْرُ سُؤَالٌ صَحِيحٌ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ. وَقَالَ

стр. 2943

الْخُرَاسَانِيُّونَ: بَاطِلٌ وَقَالَ فِي " الْمَنْخُولِ ": قَالَ الْجَدَلِيُّونَ: الْكَسْرُ يُفَارِقُ النَّقْضَ فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَى إخَالَةٍ لَا عَلَى عِبَارَتِهِ، وَالنَّقْضُ يَرِدُ عَلَى الْعِبَارَةِ (قَالَ) : وَعِنْدَنَا لَا مَعْنَى لِلْكَسْرِ، فَإِنَّ كُلَّ عِبَارَةٍ لَا إخَالَةَ فِيهَا فَهِيَ طَرْدٌ مَحْذُوفٌ، وَالْوَارِدُ عَلَى الْإِخَالَةِ نَقْضٌ. وَلَوْ أَوْرَدَ عَلَى أَحَدِ الْوَصْفَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمَا مُخَيَّلَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ لَا يُقْبَلُ. نَعَمْ، تَرَدَّدَ الْقَاضِي فِي أَنَّ الْمُعَلِّلَ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ عَنْ الْقِيَاسِ بِطَرْدٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَصْلًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَقْضٍ، وَلَوْ فَعَلَهُ اسْتَبَانَ بِهِ فَكَانَ أَحْسَنَ. وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الْعِلَّةَ مُنْتَقِضَةٌ بِهِ، فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِرَازِ بِالطَّرْدِ. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ فِي " الْمُهَذَّبِ " فِيمَا لَوْ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ كُلُّهَا وَالْفُرُوعُ زَكَّى بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ. وَقَالَ الْأَنْمَاطِيُّ: يُشْتَرَطُ بَقَاءُ نِصَابٍ مِنْ الْأُمَّهَاتِ، فَلَوْ نَقَصَ عَنْ النِّصَابِ انْقَطَعَتْ التَّبَعِيَّةُ (قَالَ) : وَمَا قَالَهُ يَنْكَسِرُ عَلَيْهِ بِوَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ، أَيْ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ، لِثُبُوتِهِ لِلْأُمِّ، ثُمَّ يَسْقُطُ حَقُّ الْأُمِّ بِمَوْتِهَا، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّ الْوَلَدِ، بَلْ يَعْتِقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ كَمَا كَانَتْ الْأُمُّ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ. وَقَالَ الْأَصْحَابُ فِي بَابِ الْقِرَاضِ: إذَا مَاتَ الْمَالِكُ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ، فَلَوْ أَرَادَ الْوَارِثُ تَقْرِيرَ الْعَقْدِ وَالْبَاقِي نَاضٌّ جَازَ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ عُرُوضًا قَالَ

стр. 2944

أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: يَجُوزُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ الْقِرَاضُ فِي الْعُرُوضِ ابْتِدَاءً، وَهَذَا لَيْسَ بِابْتِدَاءٍ، بَلْ بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الْقِرَاضَ الْأَوَّلَ بَطَلَ بِالْمَوْتِ، وَمَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ يَنْكَسِرُ بِمَا لَوْ دَفَعَ مَالًا قِرَاضًا يَعْمَلُ فِيهِ عَامِلٌ، وَحَصَّلَ الْمَالَ عُرُوضًا ثُمَّ تَفَاسَخَا الْقِرَاضَ ثُمَّ أَرَادَا أَنْ يَعْقِدَا الْقِرَاضَ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى مَا سَبَقَ. الثَّانِي: قِيلَ: الْخِلَافُ فِي سُؤَالِ الْكَسْرِ يَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ، فَمَنْ جَوَّزَهُ قَبِلَ سُؤَالَ الْكَسْرِ، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ لَمْ يَسْمَعْ الْكَسْرَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا قَالَ: وَصْفُ السَّرِقَةِ كَانَ مُنَاسِبًا لِمَعْنَى كَذَا وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النَّبْشِ، فَيَكُونُ سَبَبًا، فَإِنْ بَيَّنَ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي خَاصَّةٍ بَيْنَ النَّبْشِ وَالسَّرِقَةِ يُفَارِقُهَا غَيْرُهَا فِيهَا صَحَّ الْجَمِيعُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ خَاصَّةً فَقَالَ: يَبْطُلُ بِالزِّنَى وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي وُجِدَ فِي السَّرِقَةِ وُجِدَ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَهُوَ الْحَاجَةُ إلَى الزَّجْرِ، وَلَمْ يَنْتَهِضْ سَبَبًا لِمِثْلِ حُكْمِ السَّرِقَةِ، فَيَحْتَاجُ الْمُسْتَدِلُّ أَنْ يَذْكُرَ بَيْنَ النَّبْشِ وَالسَّرِقَةِ خَاصَّةً تَجْمَعُهُمَا، فَكَأَنَّ صِحَّةَ الْكَسْرِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَاسِ فِي الْأَسْبَابِ، فَكُلُّ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ أَنْ لَا يُصَحِّحَ الْكَسْرَ وَلَا طَرِيقَ لِتَصْحِيحِ الْكَسْرِ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَا، وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَبْنِ صِحَّةَ الْكَسْرِ عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَتَهُ.

стр. 2945

فَصْلٌ جَوَابُ الْكَسْرِ نَحْوَ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ فِي النَّقْضِ، لِأَنَّهُ نَقْضٌ فِي الْمَعْنَى. قِيلَ إلَّا أَنَّ مَنْعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ هُنَا أَظْهَرُ مِنْهُ فِي النَّقْضِ، لِأَنَّ الْحِكْمَةَ قَدْ تَتَفَاوَتُ، فَقَدْ لَا يَحْصُلُ مَا هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ مِنْهُ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَمَنَعَ انْتِقَالَ الْحُكْمِ هَاهُنَا، فَانْدَفَعَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمٌ هُوَ أَوْلَى بِالْحِكْمَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ ﵀: الْجَوَابُ الْمُعْتَمَدُ فِي الْكَسْرِ الْفَرْقُ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهِ الدَّفْعِ، وَلَا يَكْفِي رَدُّهُ بِأَنَّ فِي الْأَصْلِ مَا يُوَافِقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَأَنْتَ لَا تَقُولُ بِهِ فَلَا يَلْزَمُنِي، كَمَا فِي النَّقْضِ، وَلَا يَكْفِي الْفَرْقُ بَعْدَ لُزُومِ الْكَسْرِ بِمَا لَا يُدْفَعُ عَنْ الْعِلَّةِ، وَهُوَ الْفَرْقُ مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى الَّذِي عَلَّلَ بِهِ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ بَعْدَ النَّقْضِ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ. [الثَّالِثُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات عَدَمُ الْعَكْسِ] الثَّالِثُ - عَدَمُ الْعَكْسِ وَهُوَ وُجُودُ الْحُكْمِ بِدُونِ الْوَصْفِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى بِعِلَّةٍ أُخْرَى ، كَاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ عَلَى مَنْعِ تَقْدِيمِ أَذَانِ الصُّبْحِ بِقَوْلِهِ: صَلَاةٌ لَا تُقْصَرُ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَذَانِهَا عَلَى وَقْتِهَا، كَالْمَغْرِبِ، فَنَقُولُ: هَذَا الْوَصْفُ لَا يَنْعَكِسُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي هُوَ مَنْعُ تَقْدِيمِ الْأَذَانِ عَلَى الْوَقْتِ مَوْجُودٌ فِيمَا قَصُرَ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى. وَعَدُّ هَذَا مِنْ الْقَوَادِحِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ:

стр. 2946

إحْدَاهُمَا: أَنَّ الْعَكْسَ هَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي الْعِلَّةِ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ. وَالثَّانِيَةُ: امْتِنَاعُ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ بِعِلَّتَيْنِ، لِأَنَّ النَّوْعَ بَاقٍ فِيهِ. فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ - وَهُوَ الْمُخْتَارُ - لَمْ يَقْدَحْ، فَإِنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ يَخْلُفُ بَعْضُهَا بَعْضًا. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إذَا قُلْنَا: إنَّ اجْتِمَاعَ الْعِلَلِ عَلَى مَعْلُولٍ وَاحِدٍ غَيْرُ وَاقِعٍ " أَيْ كَمَا هُوَ اخْتِيَارُهُ " فَالْعَكْسُ لَازِمٌ مَا لَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ بِتَوْقِيفٍ. لَكِنْ لَا يَلْزَمُ الْمُسْتَدِلَّ بَيَانُهُ. بِخِلَافِ مَا أَلْزَمْنَاهُ مِثْلَهُ فِي النَّقْضِ، لِأَنَّ ذَاكَ دَاعٍ إلَى الِانْتِشَارِ. وَسَبَبُهُ أَنَّ إشْعَارَ النَّفْيِ بِالنَّفْيِ مُنْحَطٌّ عَنْ إشْعَارِ الثُّبُوتِ بِالثُّبُوتِ، وَلِهَذَا لَوْ فَرَضْنَا عِلَلًا لَكَانَ إشْعَارُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِنَفْيِ الْحُكْمِ كَإِشْعَارِ جُزْءِ الْعِلَّةِ بِالْحُكْمِ، لَا كَإِشْعَارِ الْعِلَّةِ الْمُسْتَقِلَّةِ بِهِ، وَزَوَالُهَا لِزَوَالِ التَّرْجِيحِ. وَاَلَّذِي أَبْطَلَ الْعِلَّةَ إذَا امْتَنَعَ الطَّرْدُ بِتَوْقِيفٍ لَا يُبْطِلُهَا إذَا امْتَنَعَ الْعَكْسُ بِتَوْقِيفٍ، فَلْيَتَلَمَّحْ الطَّالِبُ تَفَاوُتَ الْمَرَاتِبِ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا يَرِدُ سُؤَالُ الْعَكْسِ إلَّا أَنْ يَتَّفِقَ الْمُنَاظِرَانِ عَلَى اتِّحَادِ الْعِلَّةِ. [الرَّابِعُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات عَدَمُ التَّأْثِيرِ] الرَّابِعُ - عَدَمُ التَّأْثِيرِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَهُوَ مِنْ أَصَحِّ مَا يَعْتَرِضُ بِهِ عَلَى الْعِلَّةِ، وَهُوَ عَدَمُ إفَادَةِ الْوَصْفِ أَثَرَهُ، بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُنَاسِبٍ، فَيَبْقَى الْحُكْمُ بِدُونِهِ. وَمِنْ

стр. 2947

ثَمَّ اخْتَصَّ بِقِيَاسِ الْمَعْنَى، وَبِالْعِلَّةِ الْمُسْتَنْبَطَةِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا. وَلَا بُدَّ مِنْ الْتِزَامِ عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْعِلَّةِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الْحُكْمَ إذَا تَعَلَّقَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا، وَلِهَذَا الْتَزَمُوا الطَّرْدَ وَالْعَكْسُ فِي بَابِ الرِّبَا، بِأَنَّ حُكْمَ الرِّبَا لَا يَثْبُتُ اتِّفَاقًا دُونَ عِلَّةِ الرِّبَا وَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُبَاحَثَةٍ لَهُ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، كَمَا سَيَأْتِي قَالَ إلْكِيَا: وَعَلَى هَذَا فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَمَنْ أَثْبَتَ عَلَامَةً عَلَى حُكْمٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْصِبَ ضِدَّهَا، فَإِنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَعَلَّقَ بِعِلَّةٍ وَثَبَتَ بِهَا فَذَلِكَ الْحُكْمُ الَّذِي صَارَ نَتِيجَةَ الْعِلَّةِ لَا يَبْقَى دُونَ الْعِلَّةِ، فَإِنَّ النَّتِيجَةَ لَا تَبْقَى دُونَ النَّاتِجِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا سُؤَالَ عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَلَسْت أَرَى لَهُ وَجْهًا بَعْدَ أَنْ يُبَيِّنَ الْمُعَلِّلُ التَّأْثِيرَ لِعِلَّتِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْعِلَّةَ الصَّحِيحَةَ مَا أُقِيمَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا بِالتَّأْثِيرِ. وَقَدْ ذَكَرَ مَشَايِخُ أَصْحَابِنَا فِي سُؤَالِ عَدَمِ التَّأْثِيرِ وَتَصْحِيحِهِ كَلَامًا طَوِيلًا وَعَدُّوهُ سُؤَالًا قَوِيًّا، وَقَالُوا: إذَا أَوْرَدَ السَّائِلُ هَذَا السُّؤَالَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ الْمُعَلِّلُ، فَإِنْ وَجَدَ لَهُ تَأْثِيرًا فِي طَرْدِ الْعِلَّةِ وَالْمَأْخُوذِ عَلَى الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ، وَعَلَّلَ الشَّارِعُ شَرْطَهَا الِاطِّرَادَ دُونَ الِانْعِكَاسِ، بَلْ إذَا كَانَتْ مُطَّرِدَةً مُنْعَكِسَةً تَرَجَّحَ صِحَّةُ الْعِلَّةِ. وَقَدْ قَسَّمَ أَهْلُ النَّظَرِ عَدَمَ التَّأْثِيرِ إلَى أَقْسَامٍ أَحَدُهَا: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ بِكَوْنِهِ طَرْدِيًّا، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى عَدَمِ الْعَكْسِ السَّابِقِ، كَقَوْلِنَا: صَلَاةُ الصُّبْحِ لَا تُقْصَرُ فَلَا تُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهَا،

стр. 2948

كَالْمَغْرِبِ. فَقَوْلُهُ: " لَا تُقْصَرُ " وَصْفٌ طَرْدِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَصْفِ التَّقْدِيمِ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى طَلَبِ الْمُنَاسَبَةِ. وَقَدْ تَنَاظَرَ الشَّافِعِيُّ ﵁ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي مَسْأَلَةِ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ فِي عِدَّةِ نِكَاحِ أُخْتِهَا الْبَائِنَةِ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَالَ: النِّكَاحُ كَانَ مُحَرَّمًا وَقَدْ زَالَ النِّكَاحُ وَلَمْ يَبْقَ تَحْرِيمٌ، فَسَلَّمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الَّذِي بَقِيَ مِنْ الْعِلَّةِ غَيْرُ النِّكَاحِ وَلَمْ يَرَ الْعِدَّةَ عُلْقَةً مِنْ عَلَائِقِ النِّكَاحِ، لَكِنَّهُ قَالَ: يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ تَوَقُّعُ جَمْعِ الْمَاءِ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإِذَا خَلَّاهَا وَطَلَّقَهَا وَشَرَعَتْ فِي الْعِدَّةِ فَهَلَّا جَازَ نِكَاحُ أُخْتِهَا، إذْ لَا جَمْعَ فِي الْمَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْعَكْسِ الْمَرْدُودِ، فَلَا يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ فِي غَيْرِ الْمَمْسُوسَةِ: مُعَلَّلَةٌ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، إذْ التَّحْرِيمُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ أَوْ الْجَمْعِ، وَلَا ثَالِثَ، فَلَا يَبْقَى بَعْدَهَا إلَّا صُورَةُ الْعِدَّةِ، وَلَا نَظَرَ إلَيْهَا. الثَّانِي: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ بِكَوْنِهِ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي الْأَصْلِ، لِوُجُودِ مَعْنًى آخَرَ مُسْتَقِلٍّ بِالْغَرَضِ. كَقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: مَبِيعٌ غَيْرُ مَرْئِيٍّ فَلَا يَصِحُّ، كَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ. فَنَقُولُ: لَا أَثَرَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ، فَإِنَّ الْعَجْزَ عَنْ التَّسْلِيمِ كَافٍ، لِأَنَّ بَيْعَ الطَّيْرِ لَا يَصِحُّ إنْ كَانَ مَرْئِيًّا. وَحَاصِلُهُ مُعَارَضَةٌ فِي الْأَصْلِ، لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يُلْغِي مِنْ الْعِلَّةِ وَصْفًا ثُمَّ يُعَارِضُ الْمُسْتَدِلَّ بِمَا بَقِيَ. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ فَسَادُ الْعِلَّةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقِيلَ: بَلْ يَصِحُّ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَيْدَ لَهُ أَثَرٌ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، كَالشَّاهِدِ الثَّالِثِ بَعْدَ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ. وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَيْدَ لَيْسَ مَحَلَّهُ وَلَا وَصْفًا لَهُ فَذِكْرُهُ لَغْوٌ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ الثَّالِثِ، فَإِنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَأَنْ يَصِيرَ عِنْدَ ذَلِكَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ رُكْنًا. (قَالَ) : وَأَمَّا الْوَصْفُ الَّذِي لَا أَثَرَ لَهُ

стр. 2949

إمَّا أَنْ يُذْكَرَ لِدَفْعِ نَقْضِ مَا لَوْلَاهُ لَوَرَدَ أَوَّلًا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِدَفْعِ النَّقْضِ فَهُوَ هَدَرٌ، وَإِلَّا فَالطَّارِدُونَ جَوَّزُوا ذِكْرَهُ لِدَفْعِ النَّقْضِ. وَغَيْرُهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إذَا كَانَ النَّقْضُ مِنْ مَسَائِلِ الِاسْتِثْنَاءِ فَذِكْرُ هَذَا الْوَصْفِ فِي الدَّلِيلِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى مَحَلِّ الِاسْتِثْنَاءِ لَا تَأْثِيرَ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَجَعَلَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ " كَوْنَ عَدَمِ التَّأْثِيرِ مِنْ الْقَوَادِحِ مَبْنِيًّا عَلَى مَنْعِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ بِعِلَّتَيْنِ. فَإِنْ جَوَّزْنَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ، لَمْ يَقْدَحْ. وَسَبَقَهُ إلَى الْبِنَاءِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: كُلُّ مَا فُرِضَ جَعْلُهُ وَصْفًا فِي الْعِلَّةِ مِنْ طَرْدِيٍّ إنْ كَانَ الْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِفًا بِهِ، فَقِيلَ: مَرْدُودٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَكُونُ غَيْرَ مَرْدُودٍ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ غَرَضٌ صَحِيحٌ لِدَفْعِ النَّقْضِ الصَّحِيحِ إلَى النَّقْضِ الْمَكْسُورِ، وَهَذَا صَعْبٌ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ. الثَّالِثُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَمِيعًا، بِأَنْ تَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ فِي الْحُكْمِ، إمَّا ضَرُورِيَّةٌ كَقَوْلِ مَنْ اعْتَبَرَ الِاسْتِنْجَاءَ بِالْأَحْجَارِ: عِبَادَةً مُتَعَلِّقَةً بِالْأَحْجَارِ لَمْ تَتَقَدَّمْهَا مَعْصِيَةٌ فَاشْتَرَطَ فِيهَا الْعَدَدَ كَالْجِمَارِ. وَإِمَّا غَيْرَ ضَرُورِيَّةٍ. فَإِنْ لَمْ يَعْتَبِرْ الضَّرُورِيَّةَ لَمْ يَعْتَبِرْهَا مِنْ طَرِيقٍ أَوْلَى. وَإِلَّا فَتُرَدُّ. مِثَالُهُ قَوْلُنَا: الْجُمُعَةُ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ فَلَمْ تَفْتَقِرْ إلَى إذْنِ الْإِمَامِ، كَالظُّهْرِ، فَإِنَّ قَوْلَنَا: " مَفْرُوضَةٌ " حَشْوٌ، إذْ لَوْ حُذِفَ لَمْ يُنْتَقَضْ بِشَيْءٍ، لَكِنْ ذُكِرَ لِتَقْرِيبِ الْفَرْعِ مِنْ الْأَصْلِ بِتَقْوِيَةِ الشَّبَهِ بَيْنَهُمَا، إذْ الْفَرْضُ بِالْفَرْضِ أَشْبَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّا إذَا قُلْنَا: إنَّ عَدَمَ التَّأْثِيرِ فِي الْأَصْلِ فَقَطْ قَادِحٌ كَانَ هَذَا قَادِحًا بِطَرِيقٍ أَوْلَى. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " الْمُلَخَّصِ ": هَذَا الْقِسْمُ أَصْعَبُ مَا نَحْنُ فِيهِ. وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ. الرَّابِعُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْفَرْعِ، كَقَوْلِهِمْ، زَوَّجَتْ نَفْسَهَا فَلَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، فَنَقُولُ: " غَيْرِ كُفْءٍ " لَا أَثَرَ لَهُ، فَإِنَّ النِّزَاعَ

стр. 2950

فِي الْكُفْءِ وَنَحْوِهِ سَوَاءٌ. وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى الثَّانِي، وَيَرْجِعُ أَيْضًا إلَى الْمُنَاقَشَةِ فِي الْفَرْضِ وَهُوَ تَخْصِيصُ بَعْضِ صُوَرِ النِّزَاعِ بِالْحِجَاجِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى مَذَاهِبَ: الْجَوَازُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَالْمَنْعُ، قَالَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنْ كَانَ مُبَيِّنًا لِمَحَلِّ السُّؤَالِ لَمْ يَجُزْ، كَمَا إذَا سُئِلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ ضَمَانِ الضَّيْفِ الْمَغْرُورِ فَقَالَ: يَبْرَأُ، وَفُرِضَ فِي الْمُكْرَهِ. فَهَذَا لَا يَجُوزُ، إذْ بَرَاءَةُ الْمُكْرَهِ لِأَنَّهُ آلَةٌ، وَبَرَاءَةُ الضَّيْفِ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ، فَفِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ عِلَّةٌ مُبَايِنَةٌ فَتَقَاطَعَتَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، بِأَنْ وَقَعَ فِي طَرِيقٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ سُؤَالُ السَّائِلِ جَازَ، كَمَا لَوْ سُئِلَ عَنْ عِتْقِ الرَّاهِنِ فَأَبْطَلَهُ، وَفُرِضَ فِي الْمُعْسِرِ. وَالْخَامِسُ: عَدَمُ التَّأْثِيرِ فِي الْحُكْمِ: وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ فِي الدَّلِيلِ وَصْفًا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْحُكْمِ الْمُعَلِّلِ بِهِ، كَقَوْلِنَا فِي الْمُرْتَدِّينَ يُتْلِفُونَ الْأَمْوَالَ: مُشْرِكُونَ أَتْلَفُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا ضَمَانَ، كَالْحَرْبِيِّ. فَإِنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الْحِكْمَةِ، فَلَا فَائِدَةَ لِذِكْرِهَا، إذْ مَنْ أَوْجَبَ الضَّمَانَ أَوْجَبَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَكَذَا مَنْ نَفَاهُ نَفَاهُ مُطْلَقًا وَيَرْجِعُ إلَى الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ يُطَالَبُ بِأَمْرِ كَوْنِهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَ (الثَّالِثِ) أَنَّ هَذَا أَعَمُّ وَذَاكَ أَخَصُّ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْحُكْمِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ (الثَّالِثَ) . وَقَالَ الْآمِدِيُّ: حَاصِلُ هَذَا الْقِسْمِ يَرْجِعُ إلَى عَدَمِ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ عَدَمِ التَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ وَفِي الْأَصْلِ. قُلْت: وَلِهَذَا اقْتَصَرَ عَلَى إيرَادِهَا فِي " الْمِنْهَاجِ " وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِهِ. تَنْبِيهٌ: عَدَمُ الْعَكْسِ وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ بَانَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ عَدَمَ

стр. 2951

التَّأْثِيرِ أَعَمُّ مِنْ عَدَمِ الْعَكْسِ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهُمْ قَسَّمُوا عَدَمَ التَّأْثِيرِ إلَى مَا يَقَعُ فِي وَصْفِ الْعِلَّةِ، وَإِلَى مَا يَقَعُ فِي أَصْلِهَا. وَجَعَلُوا الْوَاقِعَ فِي الْأَصْلِ مُعَلَّلًا بِعِلَلٍ، فَالْعِلَّةُ الْوَاحِدَةُ لَا يَتَضَمَّنُ انْتِفَاؤُهَا انْتِفَاءَ الْحُكْمِ. وَهَذَا مَنْشَؤُهُ مِنْ تَعَدُّدِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ، وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْعِلَّةُ جَرّ ذَلِكَ إلَى الِانْعِكَاسِ، وَهُوَ يُوَضِّحُ أَنَّ تَقْسِيمَهُ إلَى الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ لَا حَاصِلَ لَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ " الْحُدُودِ: " إنَّ الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبَ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ التَّأْثِيرَ وَالْعَكْسَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعَكْسَ: عَدَمُ الْعِلَّةِ لِعَدَمِ الْحِكْمَةِ، وَالتَّأْثِيرُ: زَوَالُ الْحُكْمِ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ فِي مَوْضِعٍ مَا. قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: يَجِبُ زَوَالُ الْحُكْمِ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَصْلِ الْعِلَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَزُولَ الْحُكْمُ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ فِي مَوْضِعٍ مِنْ أَصْلِ الْعِلَّةِ. أَوْ مِنْ سَائِرِ الْأُصُولِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْقَاضِي. فَعَلَى هَذَا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَكْسِ وَالتَّأْثِيرِ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ الْعَكْسَ هُوَ زَوَالٌ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ، أَوْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ. وَالتَّأْثِيرُ: زَوَالُهُ لِزَوَالِ الْعِلَّةِ فِي مَوْضِعٍ. انْتَهَى. فَرْعٌ: ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ إلْزَامُ الْمُعْتَرِضِ نَفْيَ الْحُكْمِ عِنْدَ نَفْيِ عِلَّتِهِ بِمُجَرَّدِ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى عِلَّتِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوهُ إلَى إلْزَامِ الْعَكْسِ فَعَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَضُمَّ إلَى تَصْحِيحِ عِلَّتِهِ إبْطَالَ عِلَّةِ خَصْمِهِ، فَإِذَا تَمَّ لَهُ ذَلِكَ دَعَاهُ إلَى الْعَكْسِ، فَإِنْ بَيَّنَ الْخَصْمُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ حِينَئِذٍ مَعَ نَفْيِ الْعِلَّةِ فَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ حِينَئِذٍ أَنْ يُبَيِّنَ التَّوْقِيفَ الَّذِي مَنَعَ الْعَكْسَ. ثُمَّ طَرَدَ الْإِمَامُ هَذَا فِي الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ إذَا عَارَضَهَا الْخَصْمُ بِمُتَعَدِّيَةٍ، فَعَلَى الْمُعَلِّلِ بِالْقَاصِرَةِ إبْطَالُ الْمُتَعَدِّيَةِ، فَإِذَا تَمَّ لَهُ إبْطَالُهَا أَلْزَمَ خَصْمَهُ حِينَئِذٍ نَفْيَ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ التَّعَدِّي لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ عَنْهُ.

стр. 2952

تَنْبِيهٌ قَدْ يَبْقَى الْحُكْمُ بَعْدَ زَوَالِ عِلَّتِهِ فِي صُوَرٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ ﵁ كَلَمْسِ الْمَحَارِمِ، وَتَحْرِيمِ الِادِّخَارِ فِي زَمَانِنَا لِأَجْلِ مَنْ دُفَّ، وَمَنْعِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْجَلْبِ إنْ لَمْ يَغْبِنْ، وَلِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ إلَّا بَعْدَ زَوَالِهِ، وَلِمَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَلَمْ تَعْلَمَ عِتْقَهَا حَتَّى عَتَقَ، وَإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ لِمَنْ بَاعَ حِصَّتَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهَا. وَالْمُرَجَّحُ فِيهَا زَوَالُ الْحُكْمِ عِنْدَ زَوَالِ الْعِلَّةِ. وَشَذَّ عَنْ هَذَا وَطْءُ الرَّاهِنِ الْمَرْهُونَةَ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحْبَلُ. وَمُدْرَكُهُ أَنَّ الْمَظِنَّةَ تُقَامُ مَقَامَ الْمَظْنُونِ [الْخَامِسُ مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الْقَلْبُ] [حَقِيقَتِهِ الْقَلْبُ] الْخَامِسُ - الْقَلْبُ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ: الْأَوَّلُ - فِي حَقِيقَتِهِ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِهِ. فَقَالَ الْآمِدِيُّ: هُوَ أَنْ يُبَيِّنَ الْقَالِبُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ يَدُلُّ عَلَيْهِ، لَا لَهُ. أَوْ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَهُ. (قَالَ) : وَالْأَوَّلُ قَلَّمَا يَتَّفِقُ فِي الْأَقْيِسَةِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَنْصُوصِ بِاسْتِدْلَالِ الْحَنَفِيِّ فِي تَوْرِيثِ الْخَالِ بِقَوْلِهِ

стр. 2953

« ﷺ : الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ» فَأَثْبَتَ إرْثَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْوَارِثِ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: هَذَا يَدُلُّ عَلَيْك لَا لَك، لِأَنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ تَوْرِيثِ الْخَالِ بِطَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، أَيْ: الْخَالُ لَا يَرِثُ. كَمَا يُقَالُ: الْجُوعُ زَادُ مَنْ لَا زَادَ لَهُ، وَالصَّبْرُ حِيلَةُ مَنْ لَا حِيلَةَ لَهُ. أَيْ لَيْسَ الْجُوعُ [زَادًا] ، وَلَا الصَّبْرُ حِيلَةً. وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، وَلَهُ: مَحَلُّ التَّقْسِيمِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ: هُوَ إنْ تَعَلَّقَ عَلَى الْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قِيَاسٍ يَقْتَضِي الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِيهِ وَيُرَدُّ إلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ. وَإِنَّمَا اشْتَرَطْنَا اتِّحَادَ الْأَصْلِ لِأَنَّهُ لَوْ رُدَّ إلَى أَصْلٍ آخَرَ لَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْآخَرِ إمَّا حَاصِلًا فِي الْأَصْلِ الْأَوَّلِ فَمَرَدُّهُ إلَيْهِ، أَوْ غَيْرَ حَاصِلٍ بِأَصْلِ الْقِيَاسِ الْأَوَّلِ نُقِضَ عَلَى تِلْكَ الْعِلَّةِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ مَا يَكُونُ مِنْ الْقَلْبِ فِي غَيْرِ الْقِيَاسِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْقَلْبَ لَا يَخْتَصُّ بِالْقِيَاسِ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ دَعْوَى لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ عَلَيْهِ لَا لَهُ، فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ. [اعْتِبَارِهِ الْقَلْب] الثَّانِي -[فِي اعْتِبَارِهِ] : وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحُكْمَيْنِ، أَعْنِي مَا يُثْبِتُهُ الْمُسْتَدِلُّ وَمَا يُثْبِتُهُ الْقَالِبُ، إنْ لَمْ يَتَنَافَيَا فَلَا قَلْبَ، إذْ لَا مَنْعَ مِنْ اقْتِضَاءِ الْعِلَّةِ الْوَاحِدَةِ لِحُكْمَيْنِ غَيْرِ مُتَنَافِيَيْنِ، فَلَا يَفْسُدُ بِهِ. وَإِنْ اسْتَحَالَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَمْ يُمْكِنْ الرَّدُّ إلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ بِعَيْنِهِ، فَلَا يَكُونُ قَلْبًا، إذْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الرَّدِّ إلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ.

стр. 2954

وَالْجُمْهُورُ عَلَى إمْكَانِهِ. وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْحُكْمَيْنِ غَيْرُ مُتَنَافِيَيْنِ لِذَاتِهِمَا، فَلَا جَرَمَ يَصِحُّ اجْتِمَاعُهُمَا فِي الْأَصْلِ، لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي الْفَرْعِ، فَإِذَا أَثْبَتَ الْقَالِبُ الْحُكْمَ الْآخَرَ فِي الْفَرْعِ بِالرَّدِّ إلَى الْأَصْلِ وَشَهَادَةِ اعْتِبَارِهِ امْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِيهِ. وَأَحَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إشْعَارَ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ بِحُكْمَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ، فَمَنَعَ الشَّارِحُ الْإِبْيَارِيُّ التَّنَاقُضَ بَيْنَ حُكْمَيْ الْعِلَّةِ وَقَلْبِهَا فِي الثَّانِي، وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ التَّنَاقُضِ بِاجْتِمَاعِ الْحُكْمَيْنِ فِي الْأَصْلِ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَالصَّوَابُ مَنْعُ الْإِمَامِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَوَاضِعِ الْمُسْتَدِلِّ وَالْقَالِبِ، لِأَنَّهُمَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْفَرْعِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ عَنْهُ، فَهِيَ مُنَاقَضَةٌ بِالْمُوَاضَعَةِ، لَا بِالْحَقِيقَةِ. لَكِنْ لَا أُصَوِّبُ قَوْلَهُ: إنَّ الْوَصْفَ الْوَاحِدَ لَا يُشْعِرُ بِمُتَنَاقِضَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُشْعِرُ بِهِمَا، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْحُكْمَيْنِ لَا يُتَصَوَّرُ، فَتَعَيَّنَ أَحَدُهُمَا بِالتَّرْجِيحِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] فَنَبَّهَ عَلَى رُجْحَانِ الْمَفْسَدَةِ. [هَلْ الْقَلْب قَادِحٌ أَمْ لَا] الثَّالِثُ - فِي أَنَّهُ قَادِحٌ أَمْ لَا: وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقِيلَ: هُوَ إفْسَادُ الْعِلَّةِ مُطْلَقًا، فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَنَقَلَ تَسْلِيمَ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْجَامِعَ دَلِيلٌ، وَالْخِلَافُ فِي أَنَّهُ دَلِيلٌ لِلْمُسْتَدِلِّ أَوْ عَلَيْهِ، وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ مَنْ يُسَمِّيهِ (مُعَارَضَةً) ، فَإِنَّ الْمُعَارَضَةَ لَا تُفْسِدُ الْعِلَّةَ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ التَّعَلُّقِ بِهَا حَتَّى يَثْبُتَ رُجْحَانُهَا مِنْ خَارِجٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ. وَقِيلَ: إنَّهُ تَسْلِيمٌ لِلصِّحَّةِ، عَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ.

стр. 2955

وَظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ لَازِمٌ جَدَلًا لَا دَيْنًا، وَلِهَذَا قَالَ: تَلْتَبِسُ فِيهِ الْحُظُوظُ الْمَعْنَوِيَّةُ بِالْمَرَاسِمِ الْجَدَلِيَّةِ، بِخِلَافِ الْمُعَارَضَةِ فَإِنَّهَا مُنَاقَضَةٌ دَيْنًا وَجَدَلًا. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ حُجَّةٌ قَادِحَةٌ فِي الْعِلَّةِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مِنْ أَلْطَفِ مَا يَسْتَعْمِلُهُ النَّاظِرُ. وَسَمِعْت الْقَاضِيَ أَبَا الطَّيِّبِ الطَّبَرِيَّ يَقُولُ: إنَّ هَذَا الْقَلْبَ إنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا حَيْثُ اسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِقَوْلِهِ ﵇: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» فِي مَسْأَلَةِ السَّاحَةِ، قَالَ: فِي هَدْمِ الْبِنَاءِ ضَرَرٌ بِالْغَاصِبِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُنَا: وَفِي مَنْعِ صَاحِبِ السَّاحَةِ مِنْ سَاحَتِهِ، إضْرَارٌ. فَقَالَ: يَجِبُ أَنْ يَذْكُرَ مِثْلَ هَذَا فِي الْقِيَاسِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَصِحُّ سُؤَالُ الْقَلْبِ. قَالَ: وَهُوَ شَاهِدُ زُورٍ، يَشْهَدُ لَكَ وَيَشْهَدُ عَلَيْك، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلَّا فَرْضُ مَسْأَلَةٍ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ، وَلَيْسَ لِلسَّائِلِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ، وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْقَالِبَ عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِمَا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَلِيلِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ عَارَضَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ. وَقِيلَ: هُوَ بَاطِلٌ، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ. وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: الْقَلْبُ سُؤَالٌ صَحِيحٌ يُوقِفُ الِاسْتِدْلَالَ بِالْعِلَّةِ وَيُفْسِدُهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَشَيْخُنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ يَقُولَانِ: هُوَ مُعَارَضَةٌ وَأَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْعِلَّةَ. قَالَ: وَعِنْدِي فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّ الْقَلْبَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: قَلْبٌ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْعِلَّةِ. فَهَذَا يُفْسِدُ الْعِلَّةَ الْمَقُولَ بِهَا، لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلَّةِ تَعَلُّقٌ بِالْحُكْمِ الَّذِي تَعَلَّقَ عَلَيْهَا وَاخْتِصَاصٌ بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُ الضِّدِّ بِهَا، فَإِذَا بَيَّنَ السَّائِلُ صِحَّةَ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَيْهَا ضِدَّهُ خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً، كَقَوْلِنَا فِي أَنَّ الْخِيَارَ فِي الْمَبِيعِ يُورَثُ، فَإِنَّ الْمَوْتَ مَعْنًى يُزِيلُ التَّكْلِيفَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُبْطِلَ الْخِيَارَ،

стр. 2956

كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: أَقْلِبُ هَذِهِ الْعِلَّةَ فَأَقُولُ: إنَّ الْمَوْتَ مَعْنًى يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَنْقُلَ الْخِيَارَ إلَى الْوَارِثِ، كَالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ. ثَانِيهِمَا: الْقَلْبُ بِبَعْضِ الْأَوْصَافِ: فَهَذَا هُوَ مُعَارَضَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا لِأَنَّ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا جَعَلْتُ الْعِلَّةَ جَمِيعَ الْأَوْصَافِ، فَإِذَا قَلَبَ بِبَعْضِهَا فَلَمْ تَفْسُدْ الْعِلَّةُ إنَّمَا جِئْتُ بِأُخْرَى. كَقَوْلِ الْمَالِكِيِّ فِي ضَمِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الزَّكَاةِ: مَالَانِ زَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرِ بِكُلِّ حَالٍ، فَيُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ، كَالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ، فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: أَقْلِبُ الْعِلَّةَ وَأَقُولُ: مَالَانِ زَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرُ بِكُلِّ حَالٍ فَلَمْ يُضَمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ بِالْقِيمَةِ، كَالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ. وَنُقِلَ فِي " الْمَنْخُولِ " عَنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ مَرْدُودٌ وَلَيْسَ مُعَارَضَةً، فَإِنَّ شَرْطَهُمَا التَّعَارُضُ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ نَوْعُ مُعَارَضَةٍ، إذْ مُحَالٌ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ مِنْ جِهَتَيْنِ، لِاشْتِرَاكِ الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ، فَكَانَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ، وَلِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ هِيَ أَبَدًا مَعْنًى فِي الْأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ، أَوْ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ يَقْتَضِي خِلَافَ مَا ادَّعَاهُ الْمُسْتَدِلُّ. وَهَذَا الْوَصْفُ كَذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَمْنَعَ حُكْمَ الْقَالِبِ فِي الْأَصْلِ، وَأَنْ يَقْدَحَ فِي الْعِلَّةِ بِالنَّقْضِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ إذَا أَمْكَنَهُ. وَفِي جَوَازِ قَلْبِ قَلْبِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا، حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ، فَإِذَا قَلَبَهُ عَلَى الْقَالِبِ صَارَ شَاهِدًا لَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَلِلْقَالِبِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَرَجَّحَهُ الْبَاجِيُّ، لِأَنَّهُ نَقْضٌ، وَالنَّقْضُ لَا يَصِحُّ أَنْ

стр. 2957

يُنْقَضَ، وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ لَا يُقْلَبُ. وَرَجَّحَ فِي " الْمَحْصُولِ " الْجَوَازَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُنَاقِضًا لِلْحُكْمِ، لِأَنَّ قَلْبَ الْقَالِبِ إذَا فَسَدَ بِالْقَلْبِ سَلِمَ أَصْلُ الْقِيَاسِ مِنْ الْقَلْبِ. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِمُعَارَضَةٍ بَلْ هُوَ إفْسَادُ الْعِلَّةِ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَدِلِّ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى قَلْبِهِ بِكُلِّ مَا لِلْقَالِبِ أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي النَّقْضِ. نَعَمْ، يَفْتَرِقُ الْقَلْبُ وَالْمُعَارَضَةُ فِي صُوَرٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقَلْبَ مُعَارَضَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى إجْمَاعِ الْخَصْمَيْنِ، سَوَاءٌ انْضَمَّ إلَيْهِمَا إجْمَاعُ الْأُمَّةِ أَمْ لَا. وَالْمُنَاقَضَةُ فِي الْمُعَارَضَةِ حَقِيقِيَّةٌ، وَفِي الْقَلْبِ وَضْعِيَّةٌ. أَيْ تَوَاضُعُ الْخَصْمَانِ أَوْ الْمُجْمِعُونَ عَلَى الْمُنَاقَضَةِ. ثَانِيهَا: أَنَّ عِلَّةَ الْمُعَارَضَةِ وَأَصْلَهَا قَدْ يَكُونُ مُغَايِرًا لِعِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ وَأَصْلِهِ، بِخِلَافِ الْقَلْبِ فَإِنَّ عِلَّتَهُ وَأَصْلَهُ هُمَا عِلَّتَا الْمُسْتَدِلِّ وَأَصْلُهُ، ذَكَرَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ وَلَا إثْبَاتِ الْوَصْفِ. وَكُلُّ قَلْبٍ مُعَارَضَةٌ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ. رَابِعُهَا: أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيَادَةُ فِي الْعِلَّةِ وَفِي سَائِرِ الْمُعَارَضَاتِ يُمْكِنُ. خَامِسُهَا: أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ وُجُودُ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، لِأَنَّ أَصْلَ الْقَالِبِ وَفَرْعَهُ هُوَ أَصْلُ الْمُعَلَّلِ وَفَرْعُهُ. وَيُمْكِنُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْمُعَارَضَاتِ. ذَكَرَ هَذَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ صَاحِبُ " الْمَحْصُولِ "، وَتَبِعَهُ الْهِنْدِيُّ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْجَدَلِيِّينَ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقَلْبِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَبَيَّنُ فِيهِ

стр. 2958

أَنَّ دَلِيلَ الْمُسْتَدِلِّ عَلَيْهِ، لَا لَهُ، هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاعْتِرَاضَاتِ، وَلَا يُتَّجَهُ فِي قَبُولِهِ خِلَافٌ. وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، كَمِثَالِ الِاعْتِكَافِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَبَيْعِ الْغَائِبِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، هَلْ هُوَ اعْتِرَاضٌ أَوْ مُعَارَضَةٌ؟ فَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ، لِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ يُعَارِضُ دَلَالَةَ الْمُسْتَدِلِّ بِدَلَالَةٍ أُخْرَى. (قَالَ) : وَلِهَذَا الْخِلَافِ فَوَائِدُ: مِنْهَا: أَنَّهُ إنْ قِيلَ: إنَّهُ مُعَارَضَةٌ جَازَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ، فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، كَالنِّكَاحِ، وَإِنْ قِيلَ: هُوَ اعْتِرَاضٌ لَمْ تَجُزْ فِيهِ الزِّيَادَةُ. انْتَهَى. وَهَذَا يُخَالِفُ مَا سَبَقَ عَنْ " الْمَحْصُولِ ". وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُعَارَضَةَ كَدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ فَلَا يَتَعَذَّرُ بِدَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ، بِخِلَافِ الِاعْتِرَاضِ فَإِنَّهُ مَنْعٌ لِلدَّلِيلِ، فَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ وَيَكُونُ كَالْكَذِبِ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ حَيْثُ يَقُولُ مَا لَمْ يَقُلْ. وَمِنْهَا: إنْ قُلْنَا: إنَّهُ مُعَارَضَةٌ جَازَ قَلْبُهُ مِنْ الْمُسْتَدِلِّ كَمَا يُعَارِضُ الْعِلَّةَ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُسْتَدِلُّ فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ: لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ، فَلَا يَصِحُّ قِيَاسًا عَلَى الشِّرَاءِ، فَيَقُولُ الْمُسْتَدِلُّ: أَنَا أَقْلِبُ هَذَا الدَّلِيلَ وَأَقُولُ: تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ، فَلَا يَقَعُ لِمَنْ أَضَافَهُ إلَيْهِ، كَالشِّرَاءِ، فَإِنَّ الشِّرَاءَ يَصْلُحُ لِمَنْ أُضِيفَ إلَيْهِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي لَهُ، بَلْ صَحَّ لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ الْفُضُولِيُّ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ اعْتِرَاضٌ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مَنْعٌ، وَالْمَنْعُ لَا يَمْنَعُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ إنْ قُلْنَا: إنَّهُ مُعَارَضَةٌ جَازَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهَا. وَإِنْ كَانَ اعْتِرَاضًا لَمْ يَجُزْ وَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهَا، لِأَنَّ الْمَنْعَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُعَارَضَةِ. وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ جَعَلَهُ مُعَارَضَةً قَبِلَ فِيهِ التَّرْجِيحَ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ اعْتِرَاضٌ

стр. 2959

مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ تَقْبَلُ التَّرْجِيحَ، كَالدَّلِيلِ الْمُبْتَدَأِ، وَالْمَنْعُ لَا يَقْبَلُ التَّرْجِيحَ. [أَقْسَام الْقَلْبُ] الرَّابِعُ - فِي أَقْسَامِهِ: أَحَدُهَا: قَلْبُ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ: وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَصْحِيحِ مَذْهَبِ الْمُعْتَرِضِ، مَعَ إبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ. إمَّا صَرِيحًا كَقَوْلِنَا فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ: عَقْدٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ وَلَا نِيَابَةٍ فَلَا يَصِحُّ، كَمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. فَيَقُولُ: الْخَصْمُ: عَقْدٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِلَا وِلَايَةٍ فَيَصِحُّ، كَمَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ: بِالْإِجْمَاعِ فِي حَقِّ الْعَاقِدِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ ﵀: وَهَذَا عَلَى أَقْسَامِ الْقَلْبِ. وَإِمَّا ضِمْنًا كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الِاعْتِكَافِ: لُبْثٌ فَلَا يَكُونُ بِنَفْسِهِ قُرْبَةً، كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَغَرَضُهُ اشْتِرَاطُ الصَّوْمِ وَإِنَّمَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ أَصْلًا يُلْحِقُهُ بِهِ فَيَقُولُ: لُبْثٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّوْمُ، كَالْوُقُوفِ. وَجَوَابُهُ إمَّا بِمَنْعِ صِحَّةِ الْقَلْبِ إنْ كَانَ لَا يَقْبَلُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ بِكُلِّ مَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُبْتَدَأَةِ مِنْ الْمَنْعِ وَعَدَمِ التَّأْثِيرِ وَالنَّقْضِ عَلَى مَا سَبَقَ فِيهِ مِنْ الْخِلَافِ. وَكَذَا الْقَلْبُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْأَوْصَافُ الَّتِي ذَكَرْت فِيهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي حُكْمِ الْقَلْبِ، وَهِيَ مُؤَثِّرَةٌ فِي حُكْمِ عِلَّتِي، أَوْ يَقُولُ: هَذِهِ الْعِلَّةُ لَا تَصْلُحُ لِلْحُكْمِ الَّذِي عُلِّقَتْ عَلَيْهَا وَتَصْلُحُ لِلْحُكْمِ الَّذِي عُلِّقَتْ عَلَيْهَا فَيَقُولُ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ: هَذِهِ الْأَوْصَافُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا فِي حُكْمِ عِلَّتِك، لِأَنَّك لَوْ اقْتَصَرْت عَلَى قَوْلِك: عَقْدٌ عَقَدَهُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ

стр. 2960

فَيَصِحُّ، لَمْ يُنْقَضْ، أَوْ يَقُولُ: هَذِهِ الْأَوْصَافُ الَّتِي ذَكَرْتَهَا تَقْتَضِي إفْسَادَ الْبَيْعِ وَقَدْ عَلَّقْت عَلَيْهَا صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَهَذَا خِلَافُ مُقْتَضَى الْعِلَّةِ لَمْ يَصِحَّ. الثَّانِي: مَا يَدُلُّ عَلَى إبْطَالِ مَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ: - - إمَّا صَرِيحًا، كَقَوْلِهِمْ: مَسْحُ الرَّأْسِ رُكْنٌ فَلَا يَكْفِي أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، كَالْوَجْهِ. فَيُقَالُ: فَلَا يَتَقَدَّرُ بِالرُّبُعِ، كَالْوَجْهِ. - وَإِمَّا بِالِالْتِزَامِ، كَقَوْلِهِمْ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ: صَحِيحٌ، كَنِكَاحِ الْغَائِبِ، بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَنَقُولُ: فَلَا تَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ، قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ، بِالْجَامِعِ الْمَذْكُورِ. وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ: قَلْبُ التَّسْوِيَةِ، لِتَضَمُّنِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ. وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ حُكْمَانِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مُنْتَفٍ فِي الْفَرْعِ بِالِاتِّفَاقِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَالْآخَرُ مُنَازَعٌ فِيهِ، فَإِذَا أَرَادَ إثْبَاتَهُ فِي الْفَرْعِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ اُعْتُرِضَ بِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ. فَيَلْزَمُ عَدَمُ ثُبُوتِهِ فِيهِ، كَقَوْلِهِمْ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ: مُكَلَّفٌ مَالِكٌ لِلطَّلَاقِ فَيَقَعُ طَلَاقُهُ، كَالْمُخْتَارِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَقَعَ طَلَاقُهُ ضِمْنًا، وَلِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ إقْرَارِهِ وَإِيقَاعِهِ، وَإِقْرَارُهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالِاتِّفَاقِ، فَيَكُونُ إيقَاعُهُ أَيْضًا غَيْرَ مُعْتَبَرٍ. كَقَوْلِهِمْ فِي الْوُضُوءِ: طَهَارَةٌ بِالْمَائِعِ، فَلَا تَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ، كَالنَّجَاسَةِ. فَنَقُولُ: فَيَسْتَوِي جَامِدُهَا وَمَائِعُهَا كَالنَّجَاسَةِ فِي النِّيَّةِ. وَفِي قَبُولِ هَذَا النَّوْعِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ كَجٍّ. لِأَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالتَّسْوِيَةُ لَيْسَتْ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْقَالِبَ يُرِيدُ فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مَا يُرِيدُ فِي الْفَرْعِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ حُكْمُ الشَّيْءِ مِنْ ضِدِّهِ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَطَائِفَةٌ

стр. 2961

مِمَّنْ قَبِلَ أَصْلَ الْقَلْبِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّصْرِيحُ فِيهِ بِحُكْمِ الْعِلَّةِ، فَإِنَّ الْحَاصِلَ فِي الْأَصْلِ نَفْيٌ، وَفِي الْفَرْعِ إثْبَاتٌ. وَالثَّانِي: وَحَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ ﵀ وَالْبَاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا، أَنَّ الشَّارِعَ لَوْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: أَقْصِدُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالْإِيقَاعِ كَانَ صَحِيحًا. وَكُلُّ مَا جَازَ أَنْ يَنُصَّ عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَسْتَنْبِطَ وَيُعَلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ. وَجَوَابُهُ: إمَّا بِإِمْكَانِ صِحَّةِ الْقَلْبِ أَوْ بِالْكَلَامِ عَلَيْهِ بِمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى الْعِلَلِ الْمُبْتَدَأَةِ فَنَقُولُ: التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَائِعِ وَالْجَامِدِ لَا تَصِحُّ بِالْإِجْمَاعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ عِنْدَك الْمَائِعَ فِي الْوُضُوءِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَعْيِينِ النِّيَّةِ، فَلَا يُمْكِنُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا. وَقِيلَ: مِنْ أَجْوِبَتِهِ: أَنْ يَقُولَ: هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْته مُصَرَّحٌ بِهِ، وَاَلَّذِي عَارَضْتَنِي بِهِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ، وَالْمُصَرَّحُ بِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ، لِأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ. الثَّالِثُ: الْقَلْبُ الْمَكْسُورُ وَهُوَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ جَمِيعَ أَوْصَافِ الْمُسْتَدِلِّ، كَاسْتِدْلَالِ الْمَالِكِيِّ عَلَى صِحَّةِ ضَمِّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُمَا مَالَانِ زَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرِ بِكُلِّ حَالٍ فَضُمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، كَالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ. فَيَقُولُ الشَّافِعِيُّ: أَقْلِبُ هَذِهِ الْعِلَّةَ فَأَقُولُ: مَالَانِ زَكَاتُهُمَا رُبُعُ الْعُشْرِ، وَهُمَا مِنْ وَصْفٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يُضَمَّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ بِالْقِيمَةِ، كَالصِّحَاحِ وَالْمُكَسَّرَةِ الرَّابِعُ الْقَلْبُ الْمُبْهَمُ وَهُوَ أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ تَسْوِيَةً، كَقَوْلِهِمْ فِي الْكُسُوفِ: صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ فَلَا يُثَنَّى فِيهَا الرُّكُوعُ، كَالْعِيدَيْنِ. فَيَقْلِبُهُ وَيَقُولُ: صَلَاةٌ مَسْنُونَةٌ تَخْتَصُّ بِزِيَادَةٍ، كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ. مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِخُصُوصِ الزِّيَادَةِ هَلْ هِيَ رُكُوعٌ أَوْ غَيْرُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ تَعَرَّضَ لِخُصُوصِهَا فِي الرُّكُوعِ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ.

стр. 2962

وَمِنْ أَنْوَاعِ الْقَلْبِ: جَعْلُ الْمَعْلُولِ عِلَّةً وَالْعِلَّةِ مَعْلُولًا. وَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ أَنْ لَا عِلَّةَ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْمُوجِبَةُ، وَالْمَعْلُولُ هُوَ الْحُكْمُ الْوَاجِبُ بِهِ، كَالْفَرْعِ مَعَ الْأَصْلِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عِلَّةً وَالْعِلَّةُ حُكْمًا. فَلَمَّا احْتَمَلَ الِانْقِلَابَ دَلَّ عَلَى بُطْلَانِ التَّعْلِيلِ، كَقَوْلِنَا فِي ظِهَارِ الذِّمِّيِّ: إنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَصِحُّ طَلَاقُهُ، كَالْمُسْلِمِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: الْمُسْلِمُ لَمْ يَصِحَّ ظِهَارُهُ لِأَنَّهُ صَحَّ طَلَاقُهُ، وَإِنَّمَا صَحَّ طَلَاقُهُ لِأَنَّهُ صَحَّ ظِهَارُهُ. وَمَنْ جَعَلَ الظِّهَارَ عِلَّةً لِلطَّلَاقِ لَمْ يُثْبِتْ ظِهَارَ الذِّمِّيِّ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ ﵀: هَذَا النَّوْعُ اُخْتُلِفَ فِيهِ: فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: إنَّهُ صَحِيحٌ يَمْنَعُ صِحَّةَ الدَّلِيلِ، لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى ثُبُوتِ الْآخَرِ، فَلَا يَثْبُتُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. لِلدَّوْرِ. وَقِيلَ: لَا يَمْنَعُ، لِأَنَّ الْعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ أَمَارَاتٌ بِجَعْلِ الشَّارِعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ كُلٌّ مِنْ الْحُكْمَيْنِ أَمَارَةً لِلْآخَرِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ الشَّيْخُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ذَهَبَ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ إلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ صَحِيحٌ يُوقِفُ الْعِلَّةَ. وَاَلَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَعْتَرِضُ عَلَى الْعِلَّةِ وَلَا يُوجِبُ وَقْفَهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا أَبِي الطَّيِّبِ ﵀، وَنَصَرَهُ فِي كِتَابِ " التَّبْصِرَةِ ". وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ ﵀ فِي " الْعُدَّةِ ": قِيلَ: لَا يُعَارِضُ الْعِلَّةَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمَا يَتَعَارَضَانِ. وَجَوَابُ هَذَا: التَّرْجِيحُ، إنْ قُلْنَا بِهِ. [السَّادِسُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ] السَّادِسُ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ (بِفَتْحِ الْجِيمِ) ، أَيْ: الْقَوْلُ بِمَا أَوْجَبَهُ دَلِيلُ الْمُسْتَدِلِّ. أَيْ الْمُوجِبِ

стр. 2963

بِكَسْرِهَا) فَهُوَ الدَّلِيلُ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ، وَهُوَ تَسْلِيمُ مُقْتَضَى مَا نَصَبَهُ الْمُسْتَدِلُّ مُوجِبًا لِعِلَّتِهِ، مَعَ بَقَاءِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا فِيهِ. وَذَلِكَ بِأَنْ يَظُنَّ الْمُعَلِّلُ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ مُسْتَلْزِمٌ لِمَطْلُوبِهِ مِنْ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا، مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ، فَلَا يَنْقَطِعُ النِّزَاعُ بِتَسْلِيمِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ تَعْرِيفِ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ لَهُ بِمُوجَبِ الْعِلَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْقِيَاسِ، أَيْ: أَنْ يَكُونَ دَلِيلُهُ لَا يُشْعِرُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا. وَهَذَا فِيهِ إشْكَالٌ، لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِمُوجَبِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ قَدْ يَتَخَيَّلُ مِنْ الْخَصْمِ مَانِعًا لِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ بِحَيْثُ لَوْ بَطَلَ ذَلِكَ الْمَانِعُ تَقَرَّرَ أَنَّ الْخَصْمَ يُسَلِّمُ لَهُ الْحُكْمَ، فَيَجْعَلُ الْمُسْتَدِلَّ عُمْدَتَهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِإِبْطَالِ مَا تَخَيَّلَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ إذَا بَطَلَ كَوْنُهُ مَانِعًا سَلِمَ الْحُكْمُ، فَكَأَنَّهُ قَدْ اسْتَدَلَّ عَلَى غَيْرِ الْحُكْمِ الْمَسْئُولِ، أَوْ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْ الْحُكْمِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعًا لَزِمَ الْحُكْمُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: حَدُّوهُ بِتَسْلِيمِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ بَيَانُ غَلَطِ الْمُسْتَدِلِّ عَلَى إيجَابِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ بِقَوْلِهِ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» فَقَالَ الْمُعْتَرِضُ: أَقُولُ بِمُوجَبِ هَذَا الدَّلِيلِ، لَكِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَحَلَّ النِّزَاعِ فَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَيْسَ

стр. 2964

قَوْلًا بِالْمُوجَبِ، لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَظْهَرَ عُذْرٌ لِلْمُسْتَدِلِّ فِي الْغَلَطِ، فَتَمَامُ الْحَدِّ أَنْ يُقَالَ: هُوَ تَسْلِيمُ نَقِيضِ الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ حَيْثُ يَكُونُ لِلْمُسْتَدِلِّ عُذْرٌ مُعْتَبَرٌ. انْتَهَى. وَكَانَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ الْقَرَمِيسِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ وَالْجَدَلِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ تَقْرِيرُ التَّسْلِيمِ وَلَيْسَ بِتَسْلِيمٍ حَقِيقَةً. وَحَقِيقَتُهُ بَيَانُ انْحِرَافِ الدَّلِيلِ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِانْقِطَاعُ، بَلْ إنْ ثَبَتَ انْحِرَافُ الدَّلِيلِ فَقَدْ انْقَطَعَ الْمُسْتَدِلُّ، وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ مُنْحَرِفٍ لَمْ يَنْقَطِعْ الْمُعْتَرِضُ، بَلْ يَنْزِلُ عَلَى أَنَّهُ فِي مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ وَيُورِدُ عَلَيْهِ مَا يَلِيقُ بِهِ وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَرْعَانِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ تَأْخِيرُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَسْئِلَةِ؟ (الثَّانِي) : أَنَّهُ حَيْثُ لَزِمَ فَهَلْ هُوَ انْقِطَاعٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَإِذَا سَلَّمَ الْمُعْتَرِضُ ذَلِكَ حَقِيقَةً وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَقَدْ سَلَّمَ الْمَسْأَلَةَ وَكَانَ مُنْقَطِعًا. وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي: إنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ انْحِرَافِ الدَّلِيلِ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَأَنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ بِأَنْ سَلَّمَ مَدْلُولَ الدَّلِيلِ تَقْدِيرًا لَا تَحْقِيقًا مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ، فَعَلَى هَذَا إنْ لَزِمَ ذَلِكَ فَقَدْ انْقَطَعَ الْمُسْتَدِلُّ، وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ لَمْ يُحْكَمْ بِانْقِطَاعِ الْمُعْتَرِضِ. بَلْ لَهُ أَنْ يُورِدَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَخْتَارُهُ الْقَرَمِيسِيُّ وَمِنْ أَعْذَارِهِ: أَنْ يَبْنِي الْمُسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الْخَصْمَ يُوَافِقُ عَلَى الْمُقْتَضِي، وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ مِنْ

стр. 2965

الْعَمَلِ ثُمَّ تَخَيَّلَ مَا لَيْسَ بِمَانِعٍ مَانِعًا، فَيَعْمِدُ الْمُسْتَدِلُّ إلَى ذَلِكَ الْمَانِعِ فَيُبْطِلُهُ لِيَسْلَمَ الْمُقْتَضِي فَيَلْزَمُ الْخَصْمَ الْمُوَافَقَةُ. هَذَا ظَنُّ الْمُسْتَدِلِّ، وَيَكُونُ الْمُعْتَرِضُ مَثَلًا لَا يُوَافِقُهُ عَلَى الْمُقْتَضِي، أَوْ يُوَافِقُهُ وَلَكِنَّ الْمَانِعَ عِنْدَهُ أَجْنَبِيٌّ عَمَّا يُخَيِّلُ الْمُسْتَدِلُّ، أَنَّهُ الْمَانِعُ عِنْدَهُ، أَوْ غَيْرُ أَجْنَبِيٍّ وَلَكِنَّهُ جُزْءُ الْمَانِعِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ سَلْبِ الْمَاهِيَّةِ عَنْ الْجُزْءِ سَلْبُ الْمَاهِيَّةِ عَنْ الْكُلِّ، أَوْ مَانِعٌ مُسْتَقِلٌّ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَانِعٌ آخَرُ. وَإِذَا جَازَ تَعَدُّدُ الْعِلَلِ جَازَ تَعَدُّدُ الْمَوَانِعِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَذْكُرَ الْمُسْتَدِلُّ إحْدَى الْمُقَدِّمَتَيْنِ وَيَسْكُتَ عَنْ الْأُخْرَى ظَنًّا أَنَّهَا مُسَلَّمَةٌ، فَيَقُولُ الْخَصْمُ بِمُوجَبِ الْمُقَدِّمَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَبْقَى عَلَى الْمَنْعِ، لِأَنَّهُ يُتَّجَهُ عَلَى مَنْعِ السُّكُوتِ عَنْهَا. وَمِنْهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ تَلَازُمًا بَيْنَ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَبَيْنَ مَحَلٍّ آخَرَ، فَيَنْصِبَ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ مَا ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ لَزِمَ أَنْ يَثْبُتَ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ بِالْمُوجَبِ وَيَمْنَعُ الْمُلَازَمَةَ. انْتَهَى. وَالْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ مِنْ أَحْسَنِ مَا يَجِيءُ بِهِ الْمُنَاظِرُ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] . . . فِي جَوَابِ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَإِنَّهُمْ كَنَّوْا بِالْأَعَزِّ عَنْ فَرِيقِهِمْ وَبِالْأَذَلِّ عَنْ فَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَثْبَتُوا لِلْأَعَزِّ الْإِخْرَاجَ، فَأَثْبَتَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ صِنْفَ الْعِزَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، أَيْ: فَإِذَا كَانَ الْأَعَزُّ يُخْرِجُ الْأَذَلَّ فَأُنْتَمَ الْمُخْرَجُونَ (بِفَتْحِ الرَّاءِ) وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ وُجُوهِ الِاعْتِرَاضَاتِ، وَأَكْثَرُ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى النُّصُوصِ تَرْجِعُ إلَيْهِ، لِأَنَّ النَّصَّ إذَا ثَبَتَ فَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالٌ إلَّا وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إلَى تَسْلِيمِ النَّصِّ وَمَنْعِ لُزُومُ الْحُكْمِ مِنْهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعَارَضَةِ أَنَّ حَاصِلَهُ يَرْجِعُ إلَى حَيْدِ الدَّلِيلِ الصَّحِيحِ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَالْمُعَارَضَةُ فِيهَا اعْتِرَافٌ بِمِسَاسِ الدَّلِيلِ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ. قَالَ

стр. 2966

إلْكِيَا: وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ إذَا لَمْ يَأْتِ الْمُعَلِّلُ بِمَا يُؤَثِّرُ فِي نَفْسِ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، بَلْ يَعْتَرِضُ لِإِبْطَالِ مَا ظَنَّهُ مُوجَبًا وَمُؤَثِّرًا عِنْدَ الْخَصْمِ وَالْمُؤَثِّرُ غَيْرُهُ، وَلَوْ صَرَّحَ بِنَفْسِ الْحُكْمِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَوَجُّهُ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، تَبَعًا لِلْإِمَامِ: هُوَ سُؤَالٌ صَحِيحٌ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُمَانَعَةِ، وَلَا بُدَّ فِي تَوَجُّهِهِ مِنْ شَرْطٍ، وَهُوَ أَنْ يَسْنُدَ الْحُكْمَ الَّذِي تُنْصَبُ لَهُ الْعِلَّةُ إلَى شَيْءٍ، مِثْلَ قَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي مَاءِ الزَّعْفَرَانِ: مَاءٌ خَالَطَهُ طَاهِرٌ، وَالْمُخَالَطَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ، فَيَقُولُ السَّائِلُ: الْمُخَالِطُ لَا يَمْنَعُ الْمَاءَ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ. وَشَرَطَ فِي " الْمَنْخُولِ " لِصِحَّتِهِ أَنْ يَبْقَى الْخِلَافُ مَعَهُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، (قَالَ) : وَلَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالْحُكْمِ الَّذِي أَثْبَتَ النِّزَاعَ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ. وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ إذَا أَجْمَلَ الْحُكْمَ، وَقَالَ: إنْ كَانَ كَذَا فَجَازَ أَنْ يَكُونَ كَذَا، فَيَقُولُ بِمُوجَبِهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، أَوْ يَتَعَرَّضَ لِنَفْيِ عِلَّةِ الْخَصْمِ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَعْلِهِ مِنْ قَوَادِحِ الْعِلَّةِ صَرَّحَ بِهِ إلْكِيَا وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَغَيْرُهُمْ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ بِمُوجَبِهَا كَانَتْ الْعِلَّةُ فِي مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ، وَلَا تَكُونُ مُتَنَاوِلَةً لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ، وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَسْلِيمُ مُوجَبِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الدَّلِيلِ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ عَلِمْنَا أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ بِدَلِيلِ الْحُكْمِ الَّذِي قَصَدَ إثْبَاتَهُ. وَظَاهِرُ كَلَامِ، الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَوَادِحِ الْعِلَّةِ، لِأَنَّ الْقَوْلَ بِمُوجَبِ الدَّلِيلِ تَسْلِيمٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُفْسِدًا؟ وَحَكَى فِي " الْمَنْخُولِ " أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمُوجَبِ لَا يُسَمَّى اعْتِرَاضًا؛ لِأَنَّهُ مُطَابَقَةٌ لِلْعِلَّةِ، وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ.

стр. 2967

وَقَدْ عَدَّهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْبُرْهَانِ " مِنْ الِاعْتِرَاضَاتِ الصَّحِيحَةِ، ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ الْأُصُولِيُّونَ تَارَةً يَقُولُونَ: الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ لَيْسَ اعْتِرَاضًا، وَهُوَ لَعَمْرِي كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْعِلَّةَ، لِأَنَّهُ إذَا جَرَتْ الْعِلَّةُ وَحُكْمُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَأَنْ تَجْرِيَ وَحُكْمُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَوْلَى قَالَ الْمُقْتَرِحُ فِي تَعْلِيلِهِ: إنْ أَرَادُوا بِقَوْلِهِمْ: لَا يُبْطِلُ الْعِلَّةَ مُطْلَقًا فَمُسَلَّمٌ، فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ فِي جَمِيعِ مَجَارِيهَا، وَإِنْ أَرَادُوا لَا تَبْطُلُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ إبْطَالُ الْعِلَّةِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَصَدَّى الْمُعْتَرِضُ لَهُ، وَهُوَ إبْطَالُ عِلَّةِ الْمُسْتَدِلِّ فِي الْمَحَلِّ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، فَلَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ لَيْسَ مُبْطِلًا لِلْعِلَّةِ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ أَنَّهُ لَا يُبْطِلُهَا فِي جَمِيعِ مَجَارِيهَا. وَقَالَ الْخُوَارِزْمِيُّ فِي " النِّهَايَةِ ": إذَا تَوَجَّهَ الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ انْقَطَعَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ: إنْ بَقِيَ النِّزَاعُ انْقَطَعَ الْمُسْتَدِلُّ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ النِّزَاعُ انْقَطَعَ السَّائِلُ (انْتَهَى) وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ إبْدَاءُ سَنَدِ الْقَوْلِ بِالْمُوجَبِ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: يَجِبُ لِقُرْبِهِ إلَى ضَبْطِ الْكَلَامِ وَصَوْنِهِ عَنْ الْخَبْطِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَقُولُ بِالْمُوجَبِ عَلَى سَبِيلِ الْعِنَادِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ، لِأَنَّهُ وَفَّى بِمَا عَلَيْهِ، وَعَلَى الْمُسْتَدِلِّ الْجَوَابُ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَأْخَذِ مَذْهَبِهِ، فَيَصْدُقُ فِيمَا يَقُولُهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَخْبَارِ. قَالَ الْآمِدِيُّ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ. ثُمَّ هُوَ إمَّا أَنْ يَرِدَ مِنْ الْمُعْتَرِضِ دَفْعًا عَنْ مَذْهَبِهِ، أَوْ إبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ بِاسْتِيفَاءِ الْخِلَافِ مَعَ تَسْلِيمِ نَقِيضِ دَلِيلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتَّبَ عَلَى دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ إبْطَالُ مَدْرَكِ الْخَصْمِ إثْبَاتَ مَذْهَبِهِ هُوَ أَوْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَالْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ يَكُونُ مِنْ الْمُعْتَرِضِ دَفْعًا عَنْ مَأْخَذِهِ لِئَلَّا يَفْسُدَ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ كَانَ إبْطَالًا لِمَذْهَبِ الْمُسْتَدِلِّ، لِأَنَّهُمَا كَالْمُتَحَارَبِينَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَقْصِدُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهِ وَتَعْطِيلَ صَاحِبِهِ.

стр. 2968

فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِمْ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْخَيْلِ: يُسَابَقُ عَلَيْهَا فَتَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ، كَالْإِبِلِ. فَيَقُولُ: مُسَلَّمٌ فِي زَكَاةِ التِّجَارَةِ، وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي زَكَاةِ الْعَيْنِ. وَدَلِيلُكُمْ إنَّمَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي الْجُمْلَةِ. وَالثَّانِي: كَقَوْلِنَا فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ فِي الْمُثَقَّلِ: الْمُتَفَاوِتُ فِي الْوَسِيلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ، كَالتَّفَاوُتِ فِي الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ وَهُوَ الْقَتْلُ، فَإِنَّهُ لَوْ ذَبَحَهُ أَوْ ضَرَبَ عُنُقَهُ أَوْ طَعَنَهُ لَمْ يَمْنَعْ الْقِصَاصَ. وَهَذَا فِيهِ إبْطَالُ مَذْهَبِ الْخَصْمِ، إذْ الْحَنَفِيُّ يَرَى أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْآلَةِ يَمْنَعُ الْقِصَاصَ فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: تَسْلِيمُ التَّفَاوُتِ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إبْطَالِ الْمَنْعِ لِلْقِصَاصِ ثُبُوتُهُ، بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ مِنْ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ وَهُوَ السَّبَبُ الصَّالِحُ لِإِثْبَاتِهِ، وَالنِّزَاعِ فِيهِ. وَجَوَابُهُ بِأَنْ يُبَيِّنَ الْمُسْتَدِلُّ لُزُومَ الْحُكْمِ مَحَلَّ النِّزَاعِ بِوُجُودِ نَقِيضِهِ بِمَا ذُكِرَ فِي دَلِيلِهِ إنْ أَمْكَنَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ فِي الْمِثَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ: يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ التَّفَاوُتِ فِي الْآلَةِ لَا يَمْنَعُ الْقِصَاصَ وُجُودُ مُقْتَضَى الْقِصَاصِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُودَ الْمَانِعِ وَعَدَمَهُ قِيَامُ الْمُقْتَضِي، إذْ لَا يَكُونُ الْوَصْفُ تَابِعًا بِالْفِعْلِ إلَّا لِمُعَارَضَةِ الْمُقْتَضِي، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي وُجُودَهُ. أَوْ يُبَيِّنُ الْمُسْتَدِلُّ أَنَّ النِّزَاعَ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُ بِإِقْرَارٍ أَوْ اعْتِرَاضٍ مِنْ الْمُعْتَرِضِ بِدَلِيلٍ. مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا فَرَضْنَا الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ بَيْعِ الْغَائِبِ، لَا فِي ثُبُوتِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَيَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ. [السَّابِعُ مِنْ الِاعْتِرَاضَات الْفَرْقُ وَيُسَمَّى سُؤَالَ الْمُعَارَضَةِ] السَّابِعُ: الْفَرْقُ وَيُسَمَّى (سُؤَالَ الْمُعَارَضَةِ) وَ (سُؤَالَ الْمُزَاحَمَةِ) ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَلْقَابٍ. وَهُوَ: إبْدَاءُ وَصْفٍ فِي الْأَصْلِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِلْحُكْمِ أَوْ جُزْءَ عِلَّةٍ، وَهُوَ مَعْدُومٌ فِي الْفَرْعِ، سَوَاءٌ كَانَ مُنَاسِبًا أَوْ شَبَهًا إنْ كَانَتْ الْعِلَّةُ شَبِيهَةً

стр. 2969

بِأَنْ يَجْمَعَ الْمُسْتَدِلُّ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِأَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا، فَيُبْدِي الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا فَارِقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْعِ. وَقَدْ اشْتَرَطُوا فِيهِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَرْقٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَإِلَّا لَكَانَ هُوَ هُوَ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْأَصْلُ مِنْ الْأَوْصَافِ يَكُونُ مُؤَثِّرًا مُقْتَضِيًا لِلْحُكْمِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُلْغًى بِالِاعْتِبَارِ بِغَيْرِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْفَارِقُ قَادِحًا وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَاطِعًا لِلْجَمْعِ، بِأَنْ يَكُونَ أَخَصَّ مِنْ الْجَمْعِ لِيُقَدَّمَ عَلَيْهِ، أَوْ مِثْلَهُ لِيُعَارِضَهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: اخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِي حَدِّهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ، وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ: إنَّ حَقِيقَةَ الْفَرْقِ قَطْعُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ إذْ اللَّفْظُ أَشْعَرَ بِهِ وَهُوَ الَّذِي يُقْصَدُ مِنْهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْجَدَلِيِّينَ: حَقِيقَتُهُ الْمَنْعُ مِنْ الْإِلْحَاقِ بِذِكْرِ وَصْفٍ فِي الْفَرْعِ أَوْ فِي الْأَصْلِ. وَيَنْبَنِي عَلَى هَذِهِ الْخِلَافِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْفَارِقَ إذَا ذَكَرَ فَرْقًا فِي الْأَصْلِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْكِسَهُ فِي الْفَرْعِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَمَا عَلَيْهِ الْحُذَّاقُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ، لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ قَطْعِ الْجَمْعِ، وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ الْجَمْعُ إذَا عَكَسَهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْفَرْقُ، وَالِافْتِرَاقُ لَهُ رُكْنَانِ: (أَحَدُهُمَا) وُجُودُ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ، وَ (الثَّانِي) انْتِفَاؤُهُ فِي الْفَرْعِ، لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ يَقُولُ:

стр. 2970

وُجُودُ مَعْنًى آخَرَ لَا يَضُرُّنِي، لِأَنَّهُ يُؤَكِّدُ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَعْلِيلِي، وَصَارَ غَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُعْتَرِضَ عَكْسُهُ لِأَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ وَصْفُ كَذَا، فَإِذَا أَبْدَى الْمُعْتَرِضُ وَصْفًا آخَرَ امْتَنَعَ التَّعْلِيلُ فِي الْأَصْلِ بِهِ، وَإِذَا امْتَنَعَ التَّعْلِيلُ امْتَنَعَتْ التَّعْدِيَةُ. وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهِ وَقَدْحِهِ فِي الْعِلَّةِ عَلَى مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: - أَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ، لِأَنَّ الْجَامِعَ لَمْ يَلْتَزِمْ بِجَمْعِهِ مُسَاوَاةَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فِي جَمِيعِ الْقَضَايَا، وَإِنَّمَا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي وَجْهٍ، وَلَا يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ بَيْنَ أَسْئِلَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَلِأَنَّ الْمُعْتَرِضَ ذَكَرَ مَعْنًى فِي جَانِبِ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَعْلِيلَ الْمُعَلِّلِ بِجَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ، وَحَكَاهُ فِي " الْبُرْهَانِ " عَنْ طَوَائِفَ مِنْ الْجَدَلِيِّينَ وَالْأُصُولِيِّينَ (قَالَ) : وَإِنَّمَا يَسْتَمِرُّ هَذَا مَعَ الْقَوْلِ بِرَدِّ الْمُعَارَضَةِ فِي جَانِبِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَمِيعًا (قَالَ) : وَهُوَ عِنْدَ الْمُحَصِّلِينَ سَاقِطٌ مَرْدُودٌ. وَأَمَّا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فَقَالَ: وَعِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ أَضْعَفُ سُؤَالٍ يُذْكَرُ، وَلَيْسَ مِمَّا يَمَسُّ الْعِلَّةَ الَّتِي نَصَبَهَا الْمُعَلِّلُ بِوَجْهٍ مَا، لَكِنَّ نِهَايَةَ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْفَارِقَ يَدَّعِي مَعْنًى فِي الْأَصْلِ مَعْدُومًا فِي الْفَرْعِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَعْنَى الَّذِي نَصَبَهُ الْمُعَلِّلُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مَعْلُولًا بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ وَوُجِدَتْ إحْدَاهُمَا فِي الْفَرْعِ وَعُدِمَتْ الْأُخْرَى، وَإِحْدَاهُمَا كَافِيَةٌ لِوُجُوبِ الْحُكْمِ، وَانْتِفَاءُ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ لَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ حُكْمِهَا إذَا خَلَفَتْهَا عِلَّةٌ أُخْرَى. وَالثَّانِي: - قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْفَرْقَ لَيْسَ سُؤَالًا عَلَى حِيَالِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْنَى مُعَارَضَةِ الْأَصْلِ بِمَعْنًى، وَمُعَارَضَةُ الْعِلَّةِ الَّتِي نَصَبَهَا الْمُسْتَدِلُّ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمُعَارَضَةُ.

стр. 2971

وَالثَّالِثُ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، وَارْتَضَاهُ كُلُّ مَنْ يَنْتَمِي إلَى التَّحْقِيقِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ: " إنَّهُ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ، وَهُوَ إنْ اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى مُعَارَضَةِ الْأَصْلِ وَعَلَى مُعَارَضَةِ عِلَّةِ الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمُعَارَضَةَ، بَلْ مُنَاقَضَةُ الْجَمْعِ وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّهُ أَقْوَى الِاعْتِرَاضَاتِ وَأَجْدَرُهَا بِالِاعْتِنَاءِ بِهِ. هَكَذَا حَكَاهُ فِي " الْمَنْخُولِ " عَنْ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي " الْمُلَخَّصِ ": إنَّهُ أَفْقَهُ شَيْءٍ يَجْرِي فِي النَّظَرِ، وَبِهِ يُعْرَفُ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ خُلُوُّهَا عَنْ الْمُعَارَضَةِ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَا يَسْتَقِرُّ مَا لَمْ يُبْطِلْ بِمَسْلَكِ السَّبْرِ كُلُّ مَا عَدَا عِلَّتِهِ مِمَّا يُقَدَّرُ التَّعْلِيلُ بِهِ، فَإِذَا عَلَّلَ وَلَمْ يَسْبُرْ فَعُورِضَ بِمَعْنًى فِي الْأَصْلِ، فَكَأَنَّهُ طُولِبَ بِالْوَفَاءِ بِالسَّبْرِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى مَعْنَى التَّعْلِيلِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْقَاضِيَ اسْتَدَلَّ عَلَى قَبُولِهِ بِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَجْمَعُونَ وَيُفَرِّقُونَ، وَيَتَعَلَّقُونَ بِالْفَرْقِ كَمَا يَتَعَلَّقُونَ بِالْجَمْعِ، كَمَا فِي قَضِيَّةِ الْجَارِيَةِ الْمُرْسِيَةِ الَّتِي أَجْهَضَتْ الْجَنِينَ وَقَدْ أَرْسَلَ إلَيْهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُهَدِّدُهَا، فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: إنَّمَا أَنْتَ مُؤَدِّبٌ، وَلَا أَرَى عَلَيْك شَيْئًا. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: إنْ لَمْ يَجْتَهِدْ فَقَدْ غَشَّك، وَإِنْ اجْتَهَدَ فَقَدْ أَخْطَأَ، أَرَى عَلَيْك الْغُرَّةَ. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ حَاوَلَ تَشْبِيهَ تَأْدِيبِهِ بِالْمُبَاحَاتِ الَّتِي لَا تُعَقَّبَ

стр. 2972

ضَمَانًا، وَجَعَلَ الْجَامِعَ أَنَّهُ فَعَلَ مَا لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ، فَاعْتَرَضَهُ عَلِيٌّ ﵁ بِالْفَرْقِ، وَأَبَانَ أَنَّ الْمُبَاحَاتِ الْمَضْبُوطَةِ النِّهَايَاتِ لَيْسَتْ كَالتَّعْزِيرَاتِ الَّتِي يَجِبُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا دُونَ مَا يُؤَدِّي إلَى الْإِتْلَافِ قَالَ: وَلَوْ تَتَبَّعْنَا مُعْظَمَ مَا يَخُوضُ فِيهِ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ. وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْإِمَامِ فِي هَذَا الْكَلَامِ، وَقَالَ: قَوْلُهُ: شَرْطُ صِحَّةِ الْعِلَّةِ خُلُوُّهَا عَنْ الْمُعَارَضَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ إنَّمَا تَقْدَحُ فِي حُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، أَمَّا إذَا ذُكِرَتْ عِلَّتَانِ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ فَلَا يَقْدَحُ، وَلَا يُسَمَّى مُعَارَضَةً. وَقَوْلُهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ الْمُعَلِّلِ مَا لَمْ يَبْطُلْ كَلَامُهُ مَا عَدَا عِلَّتِهِ يُقَالُ: مَنْ قَالَ هَذَا؟ وَلِأَيِّ مَعْنًى يَجِبُ؟ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ مَخِيلَةً فِي الْحُكْمِ مُنَاسِبَةً لَهُ إذَا وُجِدَ فِيهَا أَلْحَقَهُ بِالْأَصْلِ الَّذِي اسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْعِلَّةَ. وَأَمَّا السَّبْرُ وَالتَّقْسِيمُ وَإِبْطَالُ مَا عَدَا الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ (قَالَ) : وَقَدْ نُسِبَ هَذَا إلَى الْبَاقِلَّانِيِّ ﵀ (قَالَ) : وَكُلُّ مَنْ كَلَّفَ الْمُعَلِّلَ هَذَا أَوْ رَامَ تَصْحِيحَ الْعِلَّةِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَقَدْ أَعْلَمَنَا مِنْ نَفْسِهِ أَنَّ الْفِقْهَ لَيْسَ مِنْ بَابِهِ وَلَا مِنْ شَأْنِهِ، وَأَنَّهُ دَخِيلٌ فِيهِ مُدَّعٍ لَهُ. (قَالَ) : وَقَدْ بَانَ بُطْلَانُ طَرِيقِ السَّبْرِ وَقَوْلُهُ: إنَّهُ الْتِزَامٌ كَذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ فِي تَعْلِيلِ الْمُعَلِّلِ الْتِزَامُ إبْطَالِ كُلِّ عِلَّةٍ سِوَى عِلَّتِهِ، فَهَذِهِ مِنْ التُّرَّهَاتِ وَالْخُرَافَاتِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنَّ تَعْلِيلَ الْأَصْلِ بِعِلَّتَيْنِ لَا يَجُوزُ. قُلْت: وَلَمْ يَتَوَارَدْ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ، لِأَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ مَنَعَ اجْتِمَاعَ عِلَّتَيْنِ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ يُجَوِّزُهُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَأَمَّا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ ابْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ فَقَدْ حَاوَلَ شَيْئًا بَعِيدًا، لِأَنَّ الْفَرْقَ وَالْجَمْعَ عَلَى الَّذِي يَخُوضُ فِيهِ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا كَانُوا يَتَّبِعُونَ التَّأْثِيرَاتِ. وَاَلَّذِي نُقِلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مَعْنًى صَحِيحٌ، وَاَلَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ عَلِيٌّ ﵁ فِي مَعْنَى الضَّمَانِ أَلْطَفُ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يُبَاحُ لَهُ التَّأْدِيبُ وَلَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالسَّلَامَةِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَيْسَ بِحَتْمٍ

стр. 2973

بَلْ يَجُوزُ فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ، فَيُطْلَقُ فِعْلُهُ بِشَرْطِ السَّلَامَةِ. (قَالَ) : وَلَيْسَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ الْفَرْقِ وَالْجَمْعِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَلَا يُدْرَى كَيْفَ وَقَعَ هَذَا الْخَبْطُ مِنْ هَذَا الْقَائِلِ. وَإِنْ وَقَعَ الْفَرْقُ فَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ الْفَرْقَ بِالْمَعَانِي الْمُؤَثِّرَةِ وَتَرْجِيحِ الْمَعْنَى عَلَى الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي شَيْءٍ وَرَاءَ هَذَا، وَهُوَ أَنَّ الْمُعَلِّلَ لَمَّا ذَكَرَ عِلَّةً قَامَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّتِهَا، فَفَرَّقَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِمَعْنًى، فَإِنْ كَانَ فَرْقًا لَا يَقْدَحُ فِي التَّأْثِيرِ الَّذِي لِوَصْفِ الْمُعَلِّلِ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فَرْقٌ صُورَةً، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَإِنْ فَرَّقَ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ فَغَايَتُهُ التَّعْلِيلُ بِعِلَّتَيْنِ. وَإِنْ بَيَّنَ الْفَارِقُ مَعْنًى مُؤَثِّرًا فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَالْقَادِحُ بَيَانُ مَعْنًى يُؤَثِّرُ فِي الْفَرْعِ يُفِيدُ خِلَافَ الْحُكْمِ الَّذِي أَفَادَهُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، فَلَا بُدَّ لِهَذَا مِنْ إسْنَادِهِ إلَى أَصْلٍ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُعَارَضَةً، وَلَا يَكُونُ الْفَرْقُ الَّذِي يُقْصَدُ بِالسُّؤَالِ، وَنَحْنُ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُعَارَضَةَ قَادِحَةٌ. (انْتَهَى) وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعَارَضَةَ فِي الْفَرْعِ لَا تُسَمَّى فَرْقًا، وَيَصِيرُ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا. وَأَمَّا الْمُعَارَضَةُ فِي الْأَصْلِ فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَسْأَلَةِ التَّعْلِيلِ بِعِلَّتَيْنِ. وَنَقَلَ إلْكِيَا مَا حَكَاهُ الْإِمَامُ فِي اسْتِدْلَالِ الْقَاضِي عَنْ عَامَّةِ الْأُصُولِيِّينَ ثُمَّ قَالَ: وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّ الْفَرْقَ إنَّمَا يَقْدَحُ إذَا كَانَ أَخَصَّ مِنْ جَمِيعِ الْعِلَلِ، فَإِذْ ذَاكَ يَتَبَيَّنُ بِهِ فَسَادُ الْجَمْعِ، إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ ابْتِدَاءً تَعْلِيلٌ فِي الْأَصْلِ، وَعَكْسُهُ فِي الْفَرْقِ. وَرُبَّ فَرْقٍ يَظْهَرُ فَتَخْرُجُ عِلَّةُ الْمُعَلِّلِ عَنْ اعْتِبَارِهَا شَرْعًا، وَحِينَئِذٍ فَيَلْحَقُ تَعْلِيلُ الْمُعَلِّلِ بِالطَّرْدِ، فَإِنَّهُ أَخَصُّ مِنْ الْجَمْعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ مَثَلًا لِلْفَرْقِ أَوْ أَخَصَّ فَلَا نُبَالِي بِهِ، كَقَوْلِ الْمَالِكِيِّ فِي الْهِبَةِ: عَقْدُ تَمْلِيكٍ تَرَتَّبَ عَلَى صِحَّةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِيهَا الْمِلْكُ بِالْمُعَاوَضَةِ، فَيَقُولُ الْفَارِقُ: الْمُعَاوَضَةُ يَتَضَمَّنُهَا النُّزُولُ عَنْ الْعِوَضِ وَالرِّضَا بِالْمُعَوَّضِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَالْهِبَةُ قَدْ عَارَتْ بِهَا. فَالْمُعَلِّلُ يَقُولُ: تِلْكَ الصِّيغَةُ مُطْرَحَةٌ فَيَضْطَرِبُ النَّظَرُ فِيهَا.

стр. 2974

قَالَ) وَحَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ نُكْتَةَ الْفَرْقِ كَوْنُهُ أَخَصَّ مِنْ الْجَمْعِ، وَالْجَمْعُ أَعَمُّ، فَإِذًا فِي الْفَرْقِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَصَحُّهَا أَنَّ الْفَرْقَ يَرْجِعُ إلَى قَطْعِ الْجَمْعِ مِنْ حَيْثُ الْخُصُوصِيَّةُ. وَ (الثَّانِي) إبْطَالُ الْفَرْقِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُعَارَضَةً فِي جَانِبِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَالْمُعَارَضَةُ بَاطِلَةٌ. وَ (الثَّالِثُ) أَنَّهُ مَقْبُولٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ قَدْحًا فِي غَرَضِ الْجَمْعِ. وَهَذَا مُلَخَّصٌ مِنْ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْفَرْقَ إمَّا أَنْ يَلْحَقَ الْجَامِعَ بِوَصْفٍ طَرْدِيٍّ، أَوْ لَا. وَ (الْأَوَّلُ) مَقْبُولٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَمِنْ عَلَامَتِهِ أَنْ يُقَيِّدَ الْفَارِقُ جَمْعَ الْجَامِعِ وَيَزِيدَ فِيهِ مَا يُوَضِّحُ بُطْلَانَ أَثَرِهِ، كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ: مُعَاوَضَةٌ عَنْ تَرَاضٍ فَتُفِيدُ الْمِلْكَ، كَالصَّحِيحِ. فَيَقُولُ الْمُعْتَرِضُ: الْمَعْنَى فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ جَرَتْ عَلَى وَفْقِ الشَّرْعِ فَنَقَلَتْ الْمِلْكَ بِالشَّرْعِ، بِخِلَافِ الْمُعَاوَضَةِ الْفَاسِدَةِ. وَ (الثَّانِي) هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، كَقَوْلِ الْمَالِكِيِّ فِي الْهِبَةِ، يَحْصُلُ فِيهَا الْمِلْكُ فِيهِ بِالصِّيغَةِ بِلَا قَبْضٍ، لِأَنَّهُ عَقْدُ تَمَلُّكٍ، فَيَحْصُلُ الْمِلْكُ فِيهِ بِالصِّيغَةِ كَالْبَيْعِ، فَيَقُولُ الْفَارِقُ: الْمُعَاوَضَةُ تَتَضَمَّنُ النُّزُولَ عَنْ الشَّيْءِ بِعِوَضٍ، فَتَضَمَّنَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ الرِّضَا مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِخِلَافِ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ نُزُولٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَافْتَقَرَ إلَى الْقَبْضِ لِيَدُلَّ عَلَى الرِّضَا. فَهَذَا النَّوْعُ هُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ. فَمَنْ رَدَّ الْمُعَاوَضَةَ فِي الْأَصْلِ أَوْ فِي الْفَرْعِ أَوْ أَحَدِهِمَا رَدَّهُ. وَقِيلَ بِقَبُولِهِ عَلَى أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ، وَالْمُخْتَارُ قَبُولُهُ لِحَاجَةٍ. وَهِيَ مُنَاقَضَةٌ فِقْهِيَّةٌ لِلْجَمْعِ. ثُمَّ أَتَى الْإِمَامُ بَعْدَ ذَلِكَ بِكَلَامٍ جَامِعٍ فَقَالَ: الْفَرْعُ وَالْجَمْعُ إنْ ازْدَحَمَا عَلَى أَصْلٍ وَفَرْعٍ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ، فَالْمُخْتَارُ فِيهِ عِنْدَنَا اتِّبَاعُ الْإِحَالَةِ. فَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ أَصْلًا عَلَّلَ الْجَمْعَ وَعَكْسَهُ، وَإِنْ اسْتَوَيَا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ هُنَا بِالْعِلَّتَيْنِ الْمُتَنَاقِضَتَيْنِ وَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى صِيغَةِ التَّسَاوِي أَمْكَنَ أَنْ يُقَدَّمَ الْجَمْعَ مِنْ جِهَةِ وُقُوعِ

стр. 2975

الْفَرْقِ بَعْدَهُ غَيْرَ مُنَاقِضٍ لَهُ (قَالَ) : وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْفَرْقُ لَا يُحِيطُ فِيهِ الْجَمْعُ بِالْكُلِّيَّةِ. فَإِنْ أَبْطَلَهُ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُسْتَدِلُّ مِنْ الْجَمْعِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَيَكُونُ مَقْبُولًا قَطْعًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ أَبَانَ الْفَرْقُ أَنَّ الْجَامِعَ طَرْدِيٌّ فَلَا خِلَافَ فِي قَبُولِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهِ خِلَافٌ مِنْ الْقَائِلِينَ بِرَدِّ الطَّرْدِيِّ. وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فَفِيهِ مَذْهَبَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ مَرْدُودٌ مُطْلَقًا. وَ (ثَانِيهُمَا) أَنَّهُ مَقْبُولٌ. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهِ: فَقِيلَ: لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ فَرْقًا، بَلْ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مُعَارَضَةً، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ الْقَصْدُ مِنْهُ الْمُعَارَضَةَ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ أَضْعَفُ سُؤَالٍ يُذْكَرُ، وَحَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ. وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ مِنْ أَقْوَى الْأَسْئِلَةِ. ثُمَّ قِيلَ: هُوَ سُؤَالَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ سُرَيْجٍ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مُعَارَضَةِ عِلَّتِهِ لِلْأَصْلِ بِعِلَّةٍ، ثُمَّ مُعَارَضَةُ عِلَّتِهِ لِلْفَرْعِ بِعِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي جَانِبِ الْفَرْعِ. وَالْمُخْتَارُ - كَمَا قَالَهُ فِي " الْمَنْخُولِ " - أَنَّهُ سُؤَالٌ وَاحِدٌ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى اتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْفَرْقُ وَإِنْ تَضَمَّنَ الْإِشْعَارَ بِمَنْعِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ وَدَعْوَى عِلَّةٍ أُخْرَى فِيهِ وَمُعَارَضَةٍ فِي الْفَرْعِ بِعَكْسِ الْمُدَّعِي فِي الْأَصْلِ. إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْفَارِقُ وَصْفًا آخَرَ فِي جَانِبِ الْفَرْعِ عِنْدَ عَكْسِهِ فَيَكُونُ مُعَارِضًا وَتَتَعَدَّدُ. وَالْمُخْتَارُ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى أُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ، قَبُولُ فُرُوقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، إذْ قَدْ لَا يُسَاعِدُ الْفَارِقَ فِي الْفَرْقِ الْإِتْيَانُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مُتَنَاوِلٍ لِجَمِيعِ الْأُصُولِ. وَقَدْ ذَكَرَ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي قَبُولِ الْفَرْقِ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيلِ الْحُكْمِ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَنْبَطَتَيْنِ. فَمَنْ جَوَّزَهُ قَالَ: لَا يَقْدَحُ الْفَرْقُ فِي الْعِلِّيَّةِ فَلَا يَفْسُدُ قِيَاسُهُ وَلَا جَمْعُهُ بِعِلِّيَّةِ الْفَرْقِ لِجَوَازِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى. وَمَنْ مَنَعَهُ فَهُوَ قَائِلٌ بِالْعَكْسِ فَيَقْدَحُ الْفَرْقُ حِينَئِذٍ وَيَبْطُلُ الْقِيَاسُ. وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْقَائِلُ بِأَنَّ الْحُكْمَ يُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُجْعَلَ جَوَابًا عَنْ الْفَرْقِ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ عَدَمَ إشْعَارِهِ بِإِثَارَةِ الْفَرْقِ وَيُرَجِّحَ مَسْلَكَ الْجَامِعِ مِنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ.

стр. 2976

مَسْأَلَةٌ إذَا فَرَّقَ الْمُفَرِّقُ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعْكِسَ ذَلِكَ فِي الْفَرْعِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الْفَرْعِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَبِغَيْرِهِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ يَجُوزُ ثُبُوتُهُ بِعِلَّتَيْنِ، قَالَ أَبُو الْخَيْرِ بْنُ جَمَاعَةَ الْمَقْدِسِيُّ فِي " الْفُرُوقِ " وَمَثَّلَهُ بِقِيَاسِ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَنَّ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، حَتَّى قَالُوا: ذِكْرٌ لَا يُجْهَرُ بِهِ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ فَلَمْ يَجِبْ، كَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَفَرَّقَ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا: التَّسْبِيحُ يُشْرَعُ فِي رُكْنٍ هُوَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، فَلِهَذَا كَانَ وَاجِبًا. مَسْأَلَةٌ وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ فِي أَنَّ " الْفَرْقَ مُعَارَضَةٌ أَوْ مَقْبُولٌ لِنَفْسِهِ " أَنَّهُ إذَا أَبْدَى الْفَارِقُ مَعْنًى فِي الْأَصْلِ مُغَايِرًا لِمَعْنَى الْمُعَلِّلِ وَعَكْسِهِ فِي الْفَرْعِ، وَرَبَطَ بِهِ الْحُكْمَ مُنَاقِضًا لِحُكْمِ الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ. فَفِي اشْتِرَاطِ رَدِّ مَعْنَى الْفَرْعِ إلَى الْأَصْلِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَرُدَّ عِلَّةَ الْأَصْلِ إلَى الْأَصْلِ، وَعِلَّةَ الْفَرْعِ إلَى أَصْلٍ. وَذَهَبَ إلَيْهِ طَوَائِفُ مِنْ الْجَدَلِيِّينَ. وَنُقِلَ عَنْ الْأُسْتَاذِ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ مُعَارَضَةٌ فَيَنْبَغِي اشْتِمَالُهَا عَلَى عِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَعَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ الْمُرْسَلَ مَرْدُودٌ. فَقَالَ الْقَاضِي: مَذْهَبِي قَبُولُ الِاسْتِدْلَالِ، وَلَوْ كُنْت مِنْ الْقَائِلِينَ بِإِبْطَالِ الِاسْتِدْلَالِ لَقَبِلْته عَلَى أَنَّهُ فَرْقٌ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يُقْبَلُ لِخَاصِّيَّتِهِ وَهُوَ الْمُنَاقَضَةُ، وَهَذَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ إلَى أَصْلٍ. وَمَا أَظْهَرَهُ الْفَارِقُ لَا أَصْلَ لَهُ.

стр. 2977

وَالثَّانِي: لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، لَا فِي الْأَصْلِ وَلَا فِي الْفَرْعِ، وَنُسِبَ لِلْجُمْهُورِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ، وَبَنَاهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ قَطْعُ الْجَمْعِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، وَبَنَاهُ الْغَزَالِيُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ الْمُرْسَلَ مَقْبُولٌ، وَنَقَلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ذَلِكَ فِي تَفَاصِيلَ ذَكَرَهَا فِي " الْمَنْخُولِ ". وَالثَّالِثُ: يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي عِلَّةِ الْفَرْعِ دُونَ الْأَصْلِ، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، أَيْ إنْ كَانَ الْفَرْقُ بِذِكْرِ وَصْفٍ فِي الْفَرْعِ انْقَطَعَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَصْلٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ إذَا عَكَسَهُ فِي الْفَرْعِ انْقَطَعَ الْجَمْعُ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ الظَّنُّ. وَالرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ الْفَرْقُ عَلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى قِيَاسِ الْمَعْنَى احْتَاجَ إلَيْهِ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ الْفَرْقَ فِي الْفَرْعِ إنْ كَانَ يُخِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى أَصْلٍ، وَإِنْ لَمْ يُخِلَّ افْتَقَرَ إلَى أَصْلٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إثْبَاتِ الْحُكْمِ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَرُدَّ كُلًّا مِنْهَا إلَى أَصْلٍ كَانَ مُدَّعِيًا فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عِلَّتَيْنِ وَاقِفَتَيْنِ، وَمُسَلِّمًا لِعِلَّةِ الْمَسْئُولِ، وَهِيَ مُتَعَدِّيَةٌ، وَالْمُتَعَدِّيَةُ أَوْلَى مِنْ الْوَاقِفَةِ، فَكَأَنَّهُ عَارَضَ الْمُسْتَدِلَّ بِدُونِ دَلِيلِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكْفِي فِي الْمُعَارَضَةِ، لِأَنَّ الْمُسْتَدِلَّ لَوْ رَجَحَ دَلِيلُهُ عَلَى مُعَارَضَةِ السَّائِلِ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ التَّرْجِيحِ لَحُكِمَ لَهُ بِالسَّبْقِ. وَمِمَّنْ حَكَى هَذِهِ الْمَذَاهِبَ الْبَاجِيُّ وَأَبُو الْخَيْرِ بْنُ جَمَاعَةَ فِي كِتَابِهِ " الْوَسَائِلِ ". فَرْعٌ: فَإِنْ شَرَطْنَا رَدَّ مَعْنَى الْفَرْعِ فِي الْفَرْقِ إلَى أَصْلٍ، فَلَوْ أَبْدَاهُ فِي الْأَصْلِ فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَى أَصْلٍ آخَرَ، فَيَحْتَاجُ الْفَرْعُ وَالْأَصْلُ إلَى أَصْلَيْنِ، لِأَنَّهُمَا مَعْنَيَانِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ، بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مُضَادَّةُ الْجَامِعِ فِيهِمَا كَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ، وَلَوْ قُلْنَا بِالِاحْتِيَاجِ إلَى أَصْلٍ لَقَبِلْنَا

стр. 2978

الْمُعَارَضَةَ فِي ذَلِكَ الْأَصْلِ بِأَصْلٍ آخَرَ وَيَسْتَمِرُّ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَهُوَ بَاطِلٌ. هَذَا إذَا أَبْدَى مَعْنًى فِي الْأَصْلِ وَعَكْسَهُ فِي الْفَرْعِ. فَلَوْ عَكَسَ الْفَارِقُ فِي الْفَرْعِ مَعْنَى الْأَصْلِ فَلَمْ يُنَاقِضْ فِقْهُ الْعَكْسِ فِقْهَ الْجَمْعِ، أَوْ نَاقَضَهُ عَلَى بُعْدٍ، فَاحْتَاجَ إلَى مَزِيدٍ فِي الْفَرْعِ، فَاخْتَلَفَ الْجَدَلِيُّونَ فِيهِ: فَمَنْ اعْتَقَدَ الْفَرْقَ مُعَارَضَةً لَمْ يَمْنَعْ الزِّيَادَةَ. وَمَنْ قَالَ: إنَّمَا هُوَ مَعْنًى يُضَادُّ الْجَامِعَ اكْتَفَى بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ وَنَفْيِهِ فِي الْفَرْعِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي الْفَرْعِ لَيْسَ لَهَا فِي جَانِبِ الْأَصْلِ ثُبُوتٌ، فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا. مَسْأَلَةٌ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ مِنْ الْقَوَادِحِ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ مِنْ تَمَامِهِ وَلَوَازِمِهِ نَفْيُهُ عَنْ الْفَرْعِ أَمْ لَا؟ مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَى الْفَارِقِ، لِأَنَّ قَصْدَهُ افْتِرَاقُ الصُّورَتَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ: وَقِيلَ بِالتَّفْصِيلِ: إنْ صَرَّحَ فِي إيرَادِ الْفَرْقِ بِالِافْتِرَاقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَلَا بُدَّ مِنْ نَفْيِهِ عَنْهُ، وَإِلَّا فَإِنْ قَصَدَ أَنَّ دَلِيلَهُ غَيْرُ قَائِمٍ فَلَا يَجِبُ. هَذَا كُلُّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ وَاحِدًا. وَأَمَّا إذَا كَانَ مُتَعَدِّدًا فَقِيلَ: يُمْنَعُ ذَلِكَ لِإِفْضَائِهِ إلَى انْتِشَارِ الْكَلَامِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلتَّقْوِيَةِ. ثُمَّ الْمُجَوِّزُونَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ إذَا فَرَّقَ الْمُعْتَرِضُ بَيْنَ أَصْلٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ الْفَرْعِ هَلْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ أَمْ لَا بَلْ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْفَرْعِ وَبَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؟ فَقِيلَ: يَكْفِيهِ ذَلِكَ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ إلْحَاقَ الْفَرْعِ بِتِلْكَ الْأُصُولِ بِأَسْرِهَا غَرَضُ الْمُسْتَدِلِّ، وَإِلَّا لَمْ يُعَدِّدْهُ، وَهُوَ غَيْرُ حَاصِلٍ ضَرُورَةً أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُلْحَقًا بِالْأَصْلِ الَّذِي فَرَّقَ الْمُعْتَرِضُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَرْعِ. وَقِيلَ: لَا يَكْفِيهِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِلٌّ. وَالْقَائِلُونَ بِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفَرْقُ وَاحِدًا لِئَلَّا يَنْتَشِرَ الْكَلَامُ أَمْ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: أُولَاهُمَا الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ فِي الْأَكْثَرِ فَيَلْزَمُ سَدُّ بَابِ

стр. 2979

الْقَدْحِ عَلَى الْمُعْتَرِضِ. ثُمَّ إذَا ذَكَرَ الْمُعْتَرِضُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْفَرْعِ وَبَيْنَ تِلْكَ الْأُصُولِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ مُتَعَدِّدًا، فَهَلْ يَكْفِي الْمُسْتَدِلَّ أَنْ يُجِيبَ عَنْهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ تِلْكَ الْأُصُولِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ. [مَسْأَلَةٌ شُرُوط الْفَرْقِ] مَسْأَلَةٌ لِلْفَرْقِ شُرُوطٌ أَحَدُهَا: أَنْ يُرَدَّ إلَى أَصْلٍ، عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ الْخِلَافِ. ثَانِيهَا: أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ أَخَصَّ مِنْ الْجَمْعِ. فَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ أَعَمَّ مِنْهُ فَالْجَمْعُ الْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْفَرْقِ الْعَامِّ. فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ يُوجِبُ الِافْتِرَاقَ إلَّا إذَا تَرَجَّحَ الْجَمْعُ عَلَى الْفَرْقِ. وَمِثَالُ الْفَرْقِ الْعَامِّ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِفَاسِقَيْنِ: إذَا قِسْنَا عَلَى حُضُورِ الصَّبِيِّ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: بَعْدَ الْبُلُوغِ لَوْ أَعَادَ شَهَادَتَهُ الْمَرْدُودَةَ دُونَ الصَّبِيِّ قُبِلَتْ، بِخِلَافِ الْفَاسِقِ. فَهَذَا فَرْقٌ لَا يُشْعِرُ بِمَا هُوَ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا يُعَارِضُ الدَّلِيلَ الْمُشْعِرَ بِحُكْمِهَا. ثَالِثُهَا: أَنْ لَا يَحْتَاجَ الْفَارِقُ إلَى زِيَادَةِ أَمْرٍ فِي جَانِبِ الْفَرْعِ إذَا عَكَسَهُ، فَإِنَّهُ إذَا ذَكَرَ زِيَادَةً كَانَ جَمْعًا بَيْنَ مُعَارَضَةٍ فِي الْأَصْلِ وَمُعَارَضَةٍ فِي الْفَرْعِ، كَقَوْلِنَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ: حَقٌّ مَالِيٌّ لَازِمٌ يَجْرِي الْإِرْثُ فِيهِ، كَخِيَارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، فَيَقُولُ الْحَنَفِيُّ: خِيَارُ الْعَيْبِ مُعْتَاضٌ عَنْهُ وَلَيْسَ بِوَثِيقَةٍ، احْتِرَازًا عَنْ الرَّهْنِ. فَهَذَا بَاطِلٌ. رَابِعُهَا: أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إذَا اعْتَبَرَ الْفَرْعَ بِأُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ، هَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ مُتَّحِدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْأُصُولِ؟ فِيهِ خِلَافٌ يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ الْقِيَاسِ عَلَى أُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَإِذَا جَازَ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَرْقِ -

стр. 2980

مَعَ اتِّحَادِهِ - مُتَنَاوِلًا لِجَمِيعِ الْأُصُولِ؟ فِيهِ خِلَافٌ: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْفَرْقُ فِي مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ، وَالْجَمْعُ مُتَّحِدٌ، فَالْفَرْقُ يَكُونُ مُتَّحِدًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بِفُرُوقٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يُسَاعِدُ فِي الْغَالِبِ مَعْنًى وَاحِدٌ عَلَى الْفَرْقِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ. وَإِذَا قُلْنَا بِتَعْدِيدِ الْأُصُولِ، هَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْفَرْقِ وَالْقَطْعِ عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِ؟ فِيهِ خِلَافٌ: مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، لِأَنَّ مَا بَقِيَ يَكْفِي لِبِنَاءِ الْفَرْعِ عَلَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمَّا ذَكَرَ الْأُصُولَ وَتَقَلَّدَ بِتَقْرِيرِهَا وَالذَّبَّ عَنْهَا فَطَرِيقُ الْفَارِقِ الْقَطْعُ عَنْ جَمِيعِهَا. مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَارِقِ أَنْ يَكُونَ مَعْنًى، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، كَقَوْلِهِ: مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ كَالْمُسْلِمِ. فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْقُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَالْعِلَّةِ قُبِلَ وَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي التَّرْجِيحِ وَتَقْرِيبِ الْأَشْبَاهِ إنْ كَانَ الْقِيَاسُ مَعْنَوِيًّا وَإِنْ جَرَى الْفَارِقُ عَلَى صِفَةِ إلْحَاقِ حُكْمٍ بِحُكْمٍ. فَهَذَا مِنْ الْفَارِقِ مُحَاوَلَةُ مُعَارَضَةِ الْمَعْنَى بِالشَّبَهِ، فَلَا يُقْبَلُ، لِأَنَّ أَدْنَى مَعَانِي الْمُنَاسَبَةِ يُقَدَّمُ عَلَى أَجْلَى الْأَشْبَاهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هَلْ يَجُوزُ الْفَرْقُ بِالنَّصِّ؟ قَوْلَانِ؛ كَقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» . قِيلَ: وَالْخِلَافُ يَتَنَزَّلُ عَلَى حَالَيْنِ: فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْفَرْقَ الْقِيَاسِيَّ الْمُتَضَمِّنَ الْوَصْفَ الْمُنَاسِبَ فَقَدْ لَا يَحْصُلُ بِالنَّصِّ، لِجَوَازِ كَوْنِهِ بَعِيدًا، كَقَوْلِنَا: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ السَّبُعِ وَالْكَلْبِ وَالشَّاةِ حَتَّى كَانَ نَجِسًا مُحَرَّمَ الْبَيْعِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ جَائِزَةُ الْبَيْعِ؟ فَيُقَالُ: الشَّرْعُ مَنَعَ بَيْعَ الْكَلْبِ وَأَجَازَ بَيْعَ الشَّاةِ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنْ لَا تَنَاسُبَ.
следующие страницы →