← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21593

البحر المحيط في أصول الفقه - ط الكتبي

بدر الدين الزركشي

Полный текст (3 423 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

عَلَى مَا عَدَاهَا مِنْ الدَّوَرَانِ وَأَشْبَاهِهِ، لِقُوَّةِ دَلَالَةِ الْمُنَاسَبَةِ وَاسْتِقْلَالِهَا فِي إفَادَةِ الْعِلِّيَّةِ وَقِيلَ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّوَرَانُ أَوْلَى وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُطَّرِدَةَ الْمُنْعَكِسَةَ أَقْوَى مِمَّا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، لِشَبَهِهَا بِالْعَقْلِيَّةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الظَّنَّ بِغَلَبَةِ الْمُنَاسَبَةِ أَكْثَرُ مِنْ الدَّوَرَانِ، وَيُرَجَّحُ الثَّابِتُ عِلِّيَّتُهُ بِالْمُنَاسَبَةِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِالسَّبْرِ، خِلَافًا لِقَوْمٍ وَلَيْسَ هَذَا الْخِلَافُ فِي السَّبْرِ الْمَقْطُوعِ بِهِ فَإِنَّ الْعَمَلَ بِهِ مُتَعَيَّنٌ، وَلَا يَدْخُلُهُ تَرْجِيحٌ، لِوُجُوبِ تَقْدِيمِ الْمَقْطُوعِ بِهِ عَلَى الْمَظْنُونِ، بَلْ فِي السَّبْرِ الْمَظْنُونِ الَّذِي كُلُّ مُقَدَّمَاتِهِ ظَنِّيَّةٌ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا قَطْعِيًّا اخْتَلَفَ حَالُهُ بِحَسَبِهَا وَإِذَا ثَبَتَ رُجْحَانُ الْمُنَاسَبَةِ عَلَى الدَّوَرَانِ وَالسَّبْرِ كَانَ رُجْحَانُهُ عَلَى الْبَاقِي أَظْهَرَ ثُمَّ الْمُنَاسَبَةُ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهَا، فَيُرَجَّحُ مِنْهَا مَا هُوَ وَاقِعٌ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ عَلَى مَا هُوَ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ، وَهُوَ الْمَصْلَحِيُّ، أَوْ التَّتِمَّةُ، وَهُوَ التَّحْسِينِيُّ وَالضَّرُورِيَّةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى الدُّنْيَوِيَّةِ وَيُرَجَّحُ فِي هَذَا مَا هُوَ أَقْرَبُ اعْتِبَارًا فِي الشَّرْعِ، فَيُرَجَّحُ مَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ نَوْعِ وَصْفِهِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُعْتَبَرِ نَوْعُ وَصْفِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ وَأَمَّا الْمُرَجَّحُ فِيهِمَا فَقَالَ الْإِمَامُ: هُمَا كَالْمُتَعَارَضِينَ وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: الْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْمُعْتَبَرِ نَوْعُ وَصْفِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ عَلَى عَكْسِهِ. تَنْبِيهٌ لَوْ تَعَارَضَ قِيَاسَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدُلُّ بِالْمُنَاسَبَةِ لَكِنَّ مَصْلَحَةَ أَحَدِهِمَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالدِّينِ، وَالْأُخْرَى بِالدُّنْيَا، فَالْأُولَى مُقَدَّمَةٌ، لِأَنَّ ثَمَرَةَ الدِّينِيَّةِ هِيَ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ الَّتِي لَا يُعَادِلُهَا شَيْءٌ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّازِيَّ وَالْآمِدِيَّ وَحَكَى ابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلًا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ، لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْآمِدِيُّ ذَلِكَ قَوْلًا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ سُؤَالًا.

стр. 3257

رَابِعُهَا - يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الَّذِي ثَبَتَ عِلِّيَّةُ وَصْفِهِ بِالدَّوَرَانِ: عَلَى الثَّابِتِ بِالسَّبْرِ وَمَا بَعْدَهُ، لِاجْتِمَاعِ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ فِي الْعِلَّةِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ الدَّوَرَانِ دُونَ غَيْرِهِ، بَلْ قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ، لِأَنَّ الِاطِّرَادَ وَالِانْعِكَاسَ شَبِيهٌ بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ ثُمَّ الثَّابِتُ بِالدَّوَرَانِ الْحَاصِلُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ عَلَى الْحَاصِلِ فِي مَحَلَّيْنِ لِقِلَّةِ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِي الْأَوَّلِ خَامِسُهَا - يُرَجَّحُ الثَّابِتُ عِلَّتُهُ بِالسَّبْرِ عَلَى الثَّابِتِ بِالشَّبَهِ وَمَا بَعْدَهُ: لِأَنَّهُ أَقْوَى فِي إفَادَةِ الظَّنِّ وَقِيلَ: يُقَدَّمُ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ لِإِفَادَتِهِ لِظَنِّ الْغَلَبَةِ وَبَقِيَ الْمُعَارِضُ، بِخِلَافِ الْمُنَاسِبِ، فَإِنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمُعَارِضِ، اخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الدَّوَرَانِ أَيْضًا عِنْدَ مَنْ يُقَدِّمُ الدَّوَرَانِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ، وَالْمُنَازَعَةِ فِي غَيْرِ الْمَقْطُوعِ بِهِ. سَادِسُهَا - يَتَرَجَّحُ الثَّابِتُ عِلَّتُهُ عَلَى الثَّابِتِ عِلَّتُهُ بِالطَّرْدِ، لِضَعْفِ الظَّنِّ الْحَاصِلِ مِنْهُ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَكَذَا عَلَى الثَّابِتِ عِلَّتُهُ بِالْإِيمَاءِ وَاَلَّذِي فِي الْمَحْصُولِ " اتِّفَاقُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ مَا ثَبَتَ عِلَّتُهُ بِالْإِيمَاءِ رَاجِحٌ عَلَى مَا ظَهَرَتْ عِلَّتُهُ بِالْوُجُوهِ الْعَقْلِيَّةِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ وَالدَّوَرَانِ وَالسَّبْرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ وَقَالَ الْهِنْدِيُّ: هَذَا ظَاهِرٌ إنْ قُلْنَا: لَا تُشْتَرَطُ الْمُنَاسَبَةُ فِي الْوَصْفِ الْمُومَى إلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا: يُشْتَرَطُ فَالظَّاهِرُ تَرْجِيحُ بَعْضِ الطُّرُقِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَيْهَا، كَالْمُنَاسَبَةِ، لِأَنَّهَا تَسْتَقِلُّ بِإِثْبَاتِ الْعِلِّيَّةِ، بِخِلَافِ الْإِيمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِذَلِكَ بِدُونِهَا فَكَانَتْ وَقَالَ الْإِبْيَارِيُّ شَارِحُ الْبُرْهَانِ ": وَقَدْ يُعْكَسُ، كَمَا فَعَلُوا فِي قَوْلِهِ

стр. 3258

- ﵇: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ إيمَاءٌ إلَى خُصُوصِ الْغَضَبِ، لَكِنْ قَدَّمُوا عَلَيْهِ الْعِلَّةَ الْمُسْتَنْبَطَةَ وَهُوَ الدَّهَشُ وَالْحِيرَةُ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ: وَإِنَّمَا تَمَسَّكَ بِالْإِيمَاءِ الْمُجَرَّدِ وَلَا اسْتِنْبَاطَ، فَإِنَّهُ أَدَّى بِالْغَضَبِ إلَى الدَّهَشِ الَّذِي اشْتَمَلَ الْغَضَبُ عَلَيْهِ، وَالْغَضَبُ طَرْدٌ لَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ لِخُرُوجِهِ مَخْرَجَ الْغَالِبِ نَعَمْ، إنْ قَوِيَ اجْتِهَادٌ بِهِ فَلْيُوكَلْ إلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ قُوَّةً وَضَعْفًا وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ مَعَ قَوْلِهِ بِبُطْلَانِ قِيَاسِ الْأَشْبَاهِ قَالَ هُنَا: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّرْجِيحُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ التَّمَسُّكُ بِهِ ابْتِدَاءً. الِاعْتِبَارُ الرَّابِعُ - بِحَسَبِ دَلِيلِ الْحُكْمِ فَيُرَجَّحُ مِنْ الْقِيَاسَيْنِ الْمُتَعَارِضَيْنِ مَا دَلِيلُ حُكْمِ أَصْلِهِ أَقْوَى مِنْ دَلِيلِ حُكْمِ الْأَصْلِ الْآخَرِ (فَمِنْهَا) أَنَّهُ يُرَجَّحُ الْقِيَاسُ الثَّابِتُ حُكْمُ أَصْلِهِ بِالْإِجْمَاعِ، عَلَى الثَّابِتِ بِالنَّصِّ، فَإِنَّ الَّذِي ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي أَصْلِهِ بِالدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ وَالنَّسْخَ وَالتَّأْوِيلَ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يَقْبَلُهَا هَكَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِلُ تَقْدِيمَ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ عَلَى الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فَرْعُ النَّصِّ، لِكَوْنِ الْمُثْبِتِ لَهُ النَّصَّ، وَالْفَرْعُ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ وَبِهَذَا جَزَمَ صَاحِبُ الْحَاصِلِ " وَالْمِنْهَاجِ " وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْإِجْمَاعُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُنْسَخْ فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ أَقْوَى مِنْهُ (وَمِنْهَا) قَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: إذَا كَانَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ مُخَرَّجًا مِنْ أَصْلٍ

стр. 3259

مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ، وَالْآخَرُ مُخَرَّجًا مِنْ غَيْرِ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ قُدِّمَ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي، كَقَوْلِنَا فِي جِلْدِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ: يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ، كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ، وَهِيَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْمُخَالِفِ: لَا يَطْهُرُ قِيَاسًا عَلَى جِلْدِ الْكَلْبِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ (وَمِنْهَا) قَالَ فِي الْمَنْخُولِ ": إذَا عَارَضَ قِيَاسٌ عَامٌّ تَشْهَدُ لَهُ الْقَوَاعِدُ قِيَاسًا هُوَ أَخَصُّ مِنْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَالْأَخَصُّ مُقَدَّمٌ فِيمَا قَالَهُ الْقَاضِي مِثَالُهُ: تَوْجِيهُ قَوْلِنَا: لَا تَتَحَمَّلُ الْعَاقِلَةُ قِيمَةَ الْعَبْدِ، لِأَنَّ الْجَانِيَ أَوْلَى بِجِنَايَتِهِ وَيُعَضِّدُ هَذَا سَائِرُ الْغَرَامَاتِ، يُعَارِضُهُ قِيَاسٌ أَخَصُّ وَهُوَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْعَبْدِ الذِّمَّةُ، بِدَلِيلِ الْكَفَّارَةِ وَالْقِصَاصِ، وَضَرْبُ الْعَقْلِ سَبَبُهُ مَسِيسُ حَاجَةِ الْعَرَبِ إلَى مُعَاطَاةِ الْأَسْلِحَةِ، وَإِيقَافِ هَفَوَاتٍ، وَنَقْلِ الْأُرُوشِ عَنْ الْجُنَاةِ، فَإِنَّ هَذَا مِثَالٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ ضَرْبَ الْعَقْلِ مُسْتَثْنًى عَنْ الْقِيَاسِ وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ تَعْوِيلٌ عَلَيْهَا. الِاعْتِبَارُ الْخَامِسُ - بِحَسَبِ كَيْفِيَّةِ الْحُكْمِ وَقَدْ سَبَقَ فِي تَرْجِيحِ الْأَخْبَارِ فَلْيَأْتِ مِثْلُهُ هَاهُنَا، فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى الْعِلَّتَيْنِ نَاقِلَةً عَنْ حُكْمِ الْعَقْلِ وَالْأُخْرَى مُقَرَّرَةً عَلَى الْأَصْلِ، فَالنَّاقِلَةُ أَوْلَى عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا، لِأَنَّ النَّاقِلَةَ أَثْبَتَتْ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَالْمُقَرَّرَةُ مَا أَثْبَتَتْ شَيْئًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْمُبْقِيَةُ أَوْلَى، لِاعْتِضَادِهَا بِحُكْمِ الْعَقْلِ الْمُسْتَقِلِّ بِالنَّفْيِ لَوْلَا هَذِهِ الْعِلَّةُ وَكَذَا قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا إلَى تَرْجِيحِ النَّاقِلَةِ عَنْ الْعَادَةِ، وَبِهِ جَزَمَ إلْكِيَا، لِأَنَّ النَّاقِلَةَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ الشَّرْعِ، وَالْأُخْرَى تَرْجِعُ إلَى عَدَمِ الدَّلِيلِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ: النَّاقِلَةُ وَالْمُوَافِقَةُ لِلْعَادَةِ سِيَّانِ، لِأَنَّ النَّسْخَ بِالْعِلَلِ لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الْخَبَرَيْنِ لِأَنَّ النَّسْخَ لِأَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ جَائِزٌ وَالْغَالِبُ فِي النَّسْخِ نَسْخُ

стр. 3260

مَا يُوَافِقُ الْعَادَةَ لِمَا يُنْقِلُ عَنْهَا، فَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي الْأَخْبَارِ: إنَّ النَّاقِلَ أَوْلَى قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الطَّبَرِيُّ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْعِلَلِ وَالْأَخْبَارِ، فَيَقُولُ فِي الْخَبَرِ: النَّاقِلُ أَوْلَى، وَفِي الْعِلَلِ: إنَّ الْمُبْقِيَةَ فِيهَا عَلَى الْعَادَةِ أَوْلَى مِنْ النَّاقِلَةِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُثْبِتَةً وَالْأُخْرَى نَافِيَةً فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: تُقَدَّمُ الْمُثْبِتَةُ، قَالَ: وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا بِتَقْدِيمِ النَّاقِلَةِ عَلَى الْمُبْقِيَةِ لِلْأَصْلِ عَلَى مَا كَانَ قَالَ: وَرُبَّمَا خَلَطَ فِي هَذَيْنِ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَهُ، وَهُمَا يَجْرِيَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: قَدَّمَ قَوْمٌ الْمُثْبِتَةَ عَلَى النَّافِيَةِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ، لِأَنَّ النَّفْيَ الَّذِي لَا يَثْبُتُ إلَّا شَرْعًا كَالْإِثْبَاتِ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا أَصْلِيًّا رَجَعَ إلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي النَّاقِلَةِ وَالْمُقَرَّرَةِ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: الصَّحِيحُ أَنَّ التَّرْجِيحَ فِي الْعِلَّةِ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ، لِاسْتِوَاءِ الْمُثْبِتِ وَالنَّافِي فِي الِافْتِقَارِ إلَى الدَّلِيلِ قَالَ: وَإِلَى هَذَا الْقَوْلِ ذَهَبَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ وَكَأَنَّ مَنْ رَجَّحَ بِهِ لَاحَظَ إلْحَاقَهَا بِالْخَبَرِ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ، فَإِنَّ مَدَارَ التَّرْجِيحِ فِي الْأَخْبَارِ عَلَى أَنَّ الْعَقْلِيَّةَ أَشْبَهُ مِنْ الِاخْتِلَافِ، وَمَدَارُ التَّرْجِيحِ فِي الْعِلَلِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قُوَّةِ الْمُنَاسَبَةِ وَتَوَفُّرِ الشَّوَاهِدِ وَهَذَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، فَالْحَقُّ - كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ - إنْ قُلْنَا: إنَّ النَّفْيَ فِيهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ النَّفْيِ الْأَصْلِيِّ أَنْ يُلْتَمَسَ التَّرْجِيحُ مِنْ خَارِجٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّ النَّفْيَ لَا يَكُونُ مُقْتَضًى، لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يُقْتَضَى كَمَا لَا يَقْتَضِي وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّتِي تَقْتَضِي الْحَظْرَ أَوْلَى مِنْ الَّتِي تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا تَقْتَضِي حَدًّا وَالْأُخْرَى تُسْقِطُهُ، أَوْ تُوجِبُ الْعِتْقَ وَالْأُخْرَى تُسْقِطُهُ، فَقِيلَ: الْمُوجِبَةُ لِلْعِتْقِ وَالْمُسْقِطَةُ لِلْحَدِّ أَوْلَى، لِأَنَّ الْعِتْقَ

стр. 3261

مَبْنِيٌّ عَلَى الِاتِّسَاعِ وَالتَّكْمِيلِ، وَالْحَدُّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِسْقَاطِ وَالدَّرْءِ وَقِيلَ: عَلَى السَّوَاءِ وَلَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُبْقِيَةً لِلْعُمُومِ عَلَى عُمُومِهِ، وَالْأُخْرَى تُوجِبُ تَخْصِيصَهُ قَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ " فَقِيلَ: يَجِبُ تَرْجِيحُ الْمُبْقِيَةِ لِلْعُمُومِ، لِأَنَّهُ كَالنَّصِّ فِي وُجُوبِ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَمِنْ حَقِّ الْعِلَّةِ أَنْ لَا تَرْفَعَ النُّصُوصَ، فَإِذَا أَخْرَجَتْ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْعَامُّ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلْأُصُولِ الَّتِي يَجِبُ سَلَامَتُهَا عَنْهُ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْمُخَصِّصَةَ لَهُ أَوْلَى، لِأَنَّهَا زَائِدَةٌ. الِاعْتِبَارُ السَّادِسُ - بِحَسَبِ الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ وَهُوَ بِأُمُورٍ أَوَّلُهَا - أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْقِيَاسَيْنِ مُوَافِقًا لِلْأُصُولِ فِي الْعِلَّةِ: بِأَنْ تَكُونَ عِلَّةُ أَصْلِهِ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ الْمُمَهَّدَةِ فِي الشَّرْعِ، فَيُرَجَّحُ عَلَى مُوَافَقَةِ أَصْلٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ وُجُودَهَا فِي الْأُصُولِ الْكَثِيرَةِ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ اعْتِبَارِهَا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ فَهِيَ أَوْلَى وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا وَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ "، كَمَا لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ عِنْدَهُ أَمَّا إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ فُرُوعًا مِنْ الْأُخْرَى فَهَلْ الْكَثِيرَةُ أَوْلَى لِكَثْرَةِ فَائِدَتِهَا، أَوْ هُمَا سِيَّانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَجَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ بِتَقْدِيمِ الْكَثِيرَةِ، وَزَيَّفَهُ الْغَزَالِيُّ، لِأَنَّ تَقْدِيمَ الْمُتَعَدِّيَةِ عَلَى الْقَاصِرَةِ تَلَقَّيْنَاهُ مِنْ مَسْلَكِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ عِنْدَ كَثْرَةِ الْفُرُوعِ.

стр. 3262

ثَانِيهَا - يُرَجَّحُ الْمُوَافِقُ لِلْأُصُولِ فِي الْحُكْمِ: بِأَنْ يَكُونَ حُكْمُ أَصْلِهِ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ الْمُقَرَّرَةِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الْأَوَّلِ. ثَالِثُهَا - يُرَجَّحُ الَّذِي يَكُونُ مُطَّرِدًا فِي الْفُرُوعِ: بِأَنْ يَلْزَمَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ. رَابِعُهَا - انْضِمَامُ عِلَّةٍ أُخْرَى إلَيْهَا: لِأَنَّهَا تُزِيدُ قُوَّةَ الظَّنِّ وَالْحُكْمَ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ بِقُوَّةِ الظَّنِّ، وَاخْتَارَهُ فِي الْقَوَاطِعِ " وَحُكِيَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ تَصْحِيحُ عَدَمِ التَّرْجِيحِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَقَوَّى إلَّا بِصِفَةٍ فِي ذَاتِهِ، أَمَّا بِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ فَلَا خَامِسُهَا - أَنْ يَكُونَ مَعَ إحْدَاهُمَا فَتْوَى صَحَابِيٍّ: فَيُرَجَّحُ عَلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِمَّا يُثِيرُ الظَّنَّ بِاجْتِمَاعِهِمَا وَقَدْ سَبَقَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي تَفَارِيعِ مَذْهَبِ الصَّحَابِيِّ، فَإِنْ جَعَلْنَا مَذْهَبَهُ حُجَّةً مُسْتَقِلَّةً كَانَ هَذَا مِنْ التَّرْجِيحِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ بِحُجَّةٍ مُطْلَقًا، فَهَلْ تَكُونُ لَهُ مَزِيَّةُ تَرْجِيحِ الدَّلِيلِ أَوْ لَا؟ اخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاثِهِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا - أَنَّهُ بِمَزِيَّةٍ كَغَيْرِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي وَالثَّانِي - نَعَمْ، مُطْلَقًا وَالثَّالِثُ - وَهُوَ رَأْيُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الصَّحَابِيُّ مَشْهُورًا بِالْمَزِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْفَنِّ، كَزَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ، وَعَلِيٍّ فِي الْقَضَاءِ، اقْتَضَى التَّرْجِيحَ، وَإِلَّا فَلَا وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى الشَّافِعِيِّ، وَبَنَى الْإِبْيَارِيُّ الْخِلَافَ عَلَى قَوْلِ الْمُصَوِّبَةِ وَالْمُخَطِّئَةِ فَقَالَ: عَلَى قَوْلِ التَّصْوِيبِ بِعَدَمِ التَّرْجِيحِ، وَعَلَى الثَّانِي بِالتَّرْجِيحِ وَجَعَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَرَاتِبَ أَرْبَعًا: أَعْلَاهَا الشَّهَادَةُ لِزَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ، لِأَنَّهَا تَامَّةٌ ثُمَّ يَلِيهِ مُعَاذٌ، ثُمَّ يَلِيه عَلِيٌّ، ثُمَّ يَلِيهِ.

стр. 3263

الشَّيْخَانِ فِي قَوْلِهِ «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي» ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: (قَوْلُ عَلِيٍّ فِي الْأَقْضِيَةِ كَقَوْلِ زَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ) وَقَوْلُ مُعَاذٍ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ إذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْفَرَائِضِ كَقَوْلِ زَيْدٍ فِي الْفَرَائِضِ.

стр. 3264

[مَبَاحِثُ الِاجْتِهَادِ] ِ وَأَرْكَانُهُ ثَلَاثَةٌ - نَفْسُ الِاجْتِهَادِ - وَالْمُجْتَهِدِ - وَالْمُجْتَهَدِ فِيهِ

стр. 3265

الْأَوَّلُ نَفْسُ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ لُغَةً: افْتِعَالٌ مِنْ الْجَهْدِ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ، وَهُوَ الطَّاقَةُ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَخْتَصَّ هَذَا الِاسْمُ بِمَا فِيهِ مَشَقَّةٌ، لِتَخْرُجَ عَنْهُ الْأُمُورُ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي تُدْرَكُ ضَرُورَةً مِنْ الشَّرْعِ، إذْ لَا مَشَقَّةَ فِي تَحْصِيلِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَفِي الِاصْطِلَاحِ: بَذْلُ الْوُسْعِ فِي نِيلِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عَمَلِي بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، فَقَوْلُنَا: " بَذْلُ " أَيْ بِحَيْثُ يُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْ مَزِيدِ طَلَبٍ حَتَّى لَا يَقَعَ لَوْمٌ فِي التَّقْصِيرِ وَخَرَّجَ " الشَّرْعِيُّ " اللُّغَوِيَّ وَالْعَقْلِيَّ وَالْحِسِّيَّ، فَلَا يُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مُجْتَهِدًا وَكَذَلِكَ الْبَاذِلُ وُسْعَهُ فِي نَيْلِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ عِلْمِيٍّ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُسَمَّى عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ مُجْتَهِدًا وَإِنَّمَا قُلْنَا: " بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ " لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي نَيْلِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ مِنْ النُّصُوصِ ظَاهِرًا أَوْ بِحِفْظِ الْمَسَائِلِ وَاسْتِعْلَامِهَا مِنْ الْمَعْنَى أَوْ بِالْكَشْفِ عَنْهَا مِنْ الْكُتُبِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ سُمِّيَ اجْتِهَادًا فَهُوَ لُغَةً لَا اصْطِلَاحًا وَسَبَقَ

стр. 3266

فِي أَوَّلِ الْقِيَاسِ تَأْوِيلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " الْقِيَاسُ وَالِاجْتِهَادُ بِمَعْنًى " وَقِيلَ: طَلَبُ الصَّوَابِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: وَهُوَ أَلْيَقُ بِكَلَامِ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: اسْمُ الِاجْتِهَادِ يَقَعُ فِي الشَّرْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا - الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةَ الْحُكْمِ لِجَوَازِ وُجُودِهَا خَالِيَةً مِنْهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ الْعِلْمَ بِالْمَطْلُوبِ، فَلِذَلِكَ كَانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادَ وَالثَّانِي - مَا يَغْلِبُ فِي الظَّنِّ مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ، كَالِاجْتِهَادِ فِي الْمِيَاهِ وَالْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ وَتَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ وَمَهْرِ الْمِثْلِ وَالْمُتْعَةِ وَالنَّفَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالثَّالِثُ - الِاسْتِدْلَال بِالْأُصُولِ مَسْأَلَةٌ قَالَ الشِّهْرِسْتَانِيّ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ ": " الِاجْتِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ حَتَّى لَوْ اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَإِنْ قَصَّرَ مِنْهُ أَهْلُ عَصْرٍ عَصَوْا بِتَرْكِهِ وَأَشْرَفُوا عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الِاجْتِهَادِيَّةَ إذَا كَانَتْ مُتَرَتِّبَةً عَلَى الِاجْتِهَادِ تَرْتِيبَ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، وَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ كَانَتْ الْأَحْكَامُ عَاطِلَةً، وَالْآرَاءُ كُلُّهَا مُتَمَاثِلَةً فَلَا بُدَّ إذًا مِنْ مُجْتَهِدٍ " قُلْت: وَسَيَأْتِي فِي مَسْأَلَةِ جَوَازِ خُلُوِّ الْعَصْرِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ مَا يُنَازَعُ فِي ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْحَوَادِثِ، خِلَافًا لِلنَّظَّامِ، وَخِلَافُهُ فِيهِ وَفِي الْقِيَاسِ وَاحِدٌ، كَمَا قَالَهُ الرَّازِيَّ، وَإِنْكَارُهُ مُكَابَرَةٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ.

стр. 3267

مَسْأَلَةٌ وَمَا يُوجِبُهُ الِاجْتِهَادُ هَلْ يُسَمَّى دِينُ اللَّهِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْقِيَاسِ، حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ: نَعَمْ تَنْبِيهٌ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ جَعْلِ الِاجْتِهَادِ رُكْنًا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ، وَنَازَعَ فِيهِ الْعَبْدَرِيّ وَقَالَ: رُكْنُ الشَّيْءِ غَيْرُ الشَّيْءِ الثَّانِي الْمُجْتَهِدُ الْفَقِيهُ وَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ ذُو مَلَكَةٍ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى اسْتِنْتَاجِ الْأَحْكَامِ مِنْ مَأْخَذِهَا وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ أَوَّلُهَا - إشْرَافُهُ عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: فَإِنْ قَصَّرَ فِي أَحَدِهِمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ جَمِيعِ الْكِتَابِ، بَلْ مَا يَتَعَلَّقُ فِيهِ بِالْأَحْكَامِ

стр. 3268

قَالَ: قَالَ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهُوَ مِقْدَارُ خَمْسِمِائَةِ آيَةٍ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا مُقَاتِلَ بْنَ سُلَيْمَانَ أَوَّلَ مَنْ أَفْرَدَ آيَاتِ الْأَحْكَامِ فِي تَصْنِيفٍ وَجَعَلَهَا خَمْسَمِائَةِ آيَةٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الظَّاهِرَةَ لَا الْحَصْرَ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الدَّلِيلِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ، فَيَخْتَصُّ بَعْضُهُمْ بِدَرْكِ ضَرُورَةٍ فِيهَا وَلِهَذَا عُدَّ مِنْ خَصَائِصِ الشَّافِعِيِّ التَّفَطُّنُ لِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢] عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ وَلَدَهُ عَتَقَ عَلَيْهِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١] عَلَى صِحَّةِ أَنْكِحَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي لَمْ تُسَقْ لِلْأَحْكَامِ وَقَدْ نَازَعَهُمْ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَيْضًا وَقَالَ: هُوَ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي هَذَا الْعَدَدِ، بَلْ هُوَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ وَالْأَذْهَانِ وَمَا يَفْتَحُهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ وُجُوهِ الِاسْتِنْبَاطِ وَلَعَلَّهُمْ قَصَدُوا بِذَلِكَ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى الْأَحْكَامِ دَلَالَةً أَوَّلِيَّةً بِالذَّاتِ لَا بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ قُلْت: وَمَنْ أَرَادَ التَّحْقِيقَ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ بِكِتَابِ الْإِمَامِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الشَّرْعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَا فِيهَا مِنْ الْقَصَصِ وَالْمَوَاعِظِ وَإِذَا كَانَ عَالِمًا بِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِتِلَاوَتِهِ؟ قَالَ فِي الْقَوَاطِعِ ": ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، لِأَنَّ الْحَافِظَ أَضْبَطُ لِمَعَانِيهِ مِنْ النَّاظِرِ فِيهِ وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَلْزَمُ أَنْ يَحْفَظَ مَا فِيهِ مِنْ الْأَمْثَالِ وَالزَّوَاجِرِ وَجَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْحِفْظُ، وَجَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ.

стр. 3269

وَثَانِيهَا - مَعْرِفَةُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ السُّنَنِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَحْكَامِ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقِيلَ إنَّهَا خَمْسُمِائَةِ حَدِيثٍ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْمَحْصُولِ ": هِيَ ثَلَاثَةُ آلَافِ سُنَّةٍ وَشَدَّدَ أَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو الضَّرِيرِ: قُلْت لَهُ: كَمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنْ الْحَدِيثِ حَتَّى يُمْكِنُهُ أَنْ يُفْتِيَ؟ يَكْفِيهِ مِائَةُ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: مِائَتَا أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْت ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: لَا، قُلْت: خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ؟ قَالَ: أَرْجُو وَفِي رِوَايَةٍ: قُلْت: فَثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ: قَالَ: لَعَلَّهُ وَكَأَنَّ مُرَادَهُ بِهَذَا الْعَدَدِ آثَارُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَطُرُقُ الْمُتُونِ، وَلِهَذَا قَالَ: مَنْ لَمْ يَجْمَعْ طُرُقَ الْحَدِيثِ لَا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ عَلَى الْحَدِيثِ وَلَا الْفُتْيَا بِهِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ حَتَّى يَحْفَظَ هَذَا الْقَدْرَ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ وَالتَّغْلِيظِ فِي الْفُتْيَا أَوْ يَكُونُ أَرَادَ وَصْفَ أَكْمَلِ الْفُقَهَاءِ فَأَمَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: الْأُصُولُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا الْعِلْمُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْإِحَاطَةُ بِجَمِيعِ السُّنَنِ، وَإِلَّا لَا نَسُدُّ بَابَ الِاجْتِهَادِ وَقَدْ اجْتَهَدَ عُمَرُ ﵁ وَغَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ وَلَمْ يَسْتَحْضِرُوا فِيهَا النُّصُوصَ حَتَّى رَوَيْت لَهُمْ، فَرَجَعُوا إلَيْهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيَّ: وَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِحْضَارُهُ جَمِيعَ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ، إذْ لَا تُمْكِنُ الْإِحَاطَةُ بِهِ وَلَوْ تُصُوِّرَ لِمَا حَضَرَ ذِهْنَهُ عِنْدَ الِاجْتِهَادِ جَمِيعُ مَا رُوِيَ فِيهِ

стр. 3270

وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ: يَكْفِيهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ أَصْلٌ يَجْمَعُ أَحَادِيثَ الْأَحْكَامِ، كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَمَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ لِلْبَيْهَقِيِّ أَوْ أَصْلٌ وَقَعَتْ الْعِنَايَةُ فِيهِ بِجَمْعِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَيَكْتَفِي فِيهِ بِمَوَاقِعِ كُلِّ بَابٍ فَيُرَاجِعُهُ وَقْتَ الْحَاجَةِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ، وَنَازَعَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: لَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُد فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الصَّحِيحَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَلَا مُعْظَمَهَا وَكَمْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثٍ حُكْمِيٍّ لَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد؟ انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُنْوَانِ ": التَّمْثِيلُ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُد لَيْسَ بِجَيِّدٍ عِنْدَنَا لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) : أَنَّهُ لَا يَحْوِي السُّنَنَ الْمُحْتَاجَ إلَيْهَا وَ (الثَّانِي) : أَنَّ فِي بَعْضِهِ مَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْأَحْكَامِ، انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حِفْظُ السُّنَنِ بِلَا خِلَافٍ، لِعُسْرِهِ وَلَا يَجْرِي الْخِلَافُ فِي حِفْظِ الْقُرْآنِ هَاهُنَا وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُتَوَاتِرِ مِنْ الْآحَادِ، لِيُمَيِّزَ بَيْنَ مَا يَقْطَعُ بِهِ مِنْهَا وَمَا لَا يَقْطَعُ. وَثَالِثُهَا - الْإِجْمَاعُ: فَلْيَعْرِفْ مَوَاقِعَهُ حَتَّى لَا يُفْتِيَ بِخِلَافِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ حِفْظُ جَمِيعِهِ، بَلْ كُلُّ مَسْأَلَةٍ يُفْتِي فِيهَا يَعْلَمُ أَنَّ فَتْوَاهُ لَيْسَتْ مُخَالِفَةً لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا يُوَافِقُهُ مَذْهَبُ عَالِمٍ، أَوْ تَكُونُ الْحَادِثَةُ مُوَلَّدَةً وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَعْرِفَ الِاخْتِلَافَ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ " وَفَائِدَتُهُ حَتَّى لَا يُحْدِثَ قَوْلًا يُخَالِفُ أَقْوَالَهُمْ فَيَخْرُجَ بِذَلِكَ عَنْ الْإِجْمَاعِ

стр. 3271

وَرَابِعُهَا - الْقِيَاسُ: فَلْيَعْرِفْهُ بِشُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ، فَإِنَّهُ مَنَاطُ الِاجْتِهَادِ وَأَصْلُ الرَّأْيِ وَمِنْهُ يَتَشَعَّبُ الْفِقْهُ وَيَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ فَمَنْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِنْبَاطُ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ نَعَمْ، إنْ جَوَّزْنَا تَجَزُّؤَ الِاجْتِهَادِ فَهَذِهِ الْحَاجَةُ لَا تَعُمُّ وَالْمَسَائِلُ الَّتِي تَرْجِعُ إلَى النَّصِّ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِيهَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ: وَيَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ هَذَا أَنْ لَا يَكُونَ الظَّاهِرِيَّةُ النُّفَاةُ لِلْقِيَاسِ مُجْتَهِدِينَ. وَخَامِسُهَا - كَيْفِيَّةُ النَّظَرِ: فَلْيَعْرِفْ شَرَائِطَ الْبَرَاهِينِ وَالْحُدُودِ وَكَيْفِيَّةَ تَرْكِيبِ الْمُقَدَّمَاتِ وَيَسْتَفْتِحُ الْمَطْلُوبَ لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَأَصْلُهُ اشْتِرَاطُ الْغَزَالِيُّ مَعْرِفَتَهُ بِعِلْمِ الْمَنْطِقِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ مَا يَقَعُ اصْطِلَاحُ أَرْبَابِ هَذَا الْفَنِّ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِعِلْمِنَا بِأَنَّ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ لَمْ يَكُونُوا خَائِضِينَ فِيهِ وَلَا شَكَّ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ تَصْحِيحُ الدَّلِيلِ وَمَعْرِفَةُ الْحَقَائِقِ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِهِ. وَسَادِسُهَا - أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَمَوْضُوعِ خِطَابِهِمْ: لُغَةً وَنَحْوًا وَتَصْرِيفًا، فَلْيَعْرِفْ الْقَدْرَ الَّذِي يَفْهَمُ بِهِ خِطَابَهُمْ وَعَادَتَهُمْ فِي الِاسْتِعْمَالِ إلَى حَدٍّ يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ صَرِيحِ الْكَلَامِ وَظَاهِرِهِ، وَمُجْمَلِهِ وَمُبَيَّنِهِ، وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ، وَحَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: وَيَكْفِيهِ مِنْ اللُّغَةِ أَنْ يَعْرِفَ غَالِبَ الْمُسْتَعْمَلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّبَحُّرُ، وَمِنْ النَّحْوِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ التَّمْيِيزُ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ، كَالْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَالْخَافِضِ وَالرَّافِعِ وَمَا تَتَّفِقُ

стр. 3272

عَلَيْهِ الْمَعَانِي فِي الْجَمْعِ وَالْعَطْفِ وَالْخِطَابِ وَالْكِنَايَاتِ وَالْوَصْلِ وَالْفَصْلِ وَلَا يَلْزَمُ الْإِشْرَافُ عَلَى دَقَائِقِهِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ التَّقْرِيبِ ": يَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ مَا فِي كِتَابِ الْجُمَلِ " لِأَبِي الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيِّ، وَيَفْصِلُ بَيْنَ مَا يَخْتَصُّ مِنْهَا بِالْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ لِاخْتِلَافِ الْمَعَانِي بِاخْتِلَافِ الْعَوَامِلِ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَاشْتِرَاطُ الْأَصْلِ فِيهِ مُتَعَيَّنٌ، لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ عَرَبِيَّةٌ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ نَعَمْ، لَا يُشْتَرَطُ التَّوَسُّعُ الَّذِي أُحْدِثَ فِي هَذَا الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ مَعْرِفَةُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَهْمُ الْكَلَامِ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمَعْرِفَةُ لِسَانِهِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ مَا يَبْلُغُهُ جَهْدُهُ فِي أَدَاءِ فَرْضِهِ وَقَالَ فِي الْقَوَاطِعِ ": مَعْرِفَةُ لِسَانِ الْعَرَبِ فَرْضٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، إلَّا أَنَّهُ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ عَلَى الْعُمُومِ فِي إشْرَافِهِ عَلَى الْعِلْمِ بِأَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ أَمَّا فِي حَقِّ غَيْرِهِ مِنْ الْأُمَّةِ فَفَرْضٌ فِيمَا وَرَدَ التَّعَبُّدُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ: إحَاطَةُ الْمُجْتَهِدِ بِلِسَانِ الْعَرَبِ تَتَعَذَّرُ، لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعَرَبِ لَا يُحِيطُ بِجَمِيعِ لُغَاتِهِمْ، فَكَيْفَ نُحِيطُ نَحْنُ؟ قُلْنَا: لِسَانُ الْعَرَبِ وَإِنْ لَمْ يُحِطْ بِهِ وَاحِدٌ مِنْ الْعَرَبِ فَإِنَّهُ يُحِيطُ بِهِ جَمِيعُ الْعَرَبِ، كَمَا قِيلَ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ: مَنْ يَعْرِفُ كُلَّ الْعِلْمِ؟ قَالَ: كُلُّ النَّاسِ وَاَلَّذِي يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِأَكْثَرِهِ وَيَرْجِعُ فِيمَا عَزَبَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ، كَالْقَوْلِ فِي السُّنَّةِ وَقَدْ زَلَّ كَثِيرٌ بِإِغْفَالِهِمْ الْعَرَبِيَّةَ، كَرِوَايَةِ الْإِمَامِيَّةِ: «مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةً» بِالنَّصْبِ، وَالْقَدَرِيَّةُ: «فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى» بِنَصَبِ آدَمَ، وَنَظَائِرُهُ وَيَلْحَقُ بِالْعَرَبِيَّةِ التَّصْرِيفُ، لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنْ مَعْرِفَةِ أَبْنِيَةِ الْكَلِمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا، كَمَا فِي بَابِ الْمُجْمَلِ مِنْ لَفْظِ (مُخْتَارٍ) وَنَحْوِهِ فَاعِلًا وَمَفْعُولًا.

стр. 3273

وَسَابِعُهَا - مَعْرِفَةُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ: مُخَالَفَةَ أَنْ يَقَعَ فِي الْحُكْمِ بِالْمَنْسُوخِ الْمَتْرُوكُ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁، لِقَاضٍ: أَتَعْرِفُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلَكْت وَأَهْلَكْت وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ وُجُوهِ النَّصِّ فِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَالْمُفَسَّرِ وَالْمُجْمَلِ، وَالْمُبَيَّنِ، وَالْمُقَيَّدِ وَالْمُطْلَقِ فَإِنْ قَصَّرَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ وَثَامِنُهَا - مَعْرِفَةُ حَالِ الرُّوَاةِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ: وَتَمْيِيزُ الصَّحِيحِ عَنْ الْفَاسِدِ، وَالْمَقْبُولِ عَنْ الْمَرْدُودِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيُّ: وَيَقُولُ عَلَى قَوْلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، كَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَأَبِي دَاوُد، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ، فَجَازَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِمْ، كَمَا نَأْخُذُ بِقَوْلِ الْمُقَوِّمِينَ فِي الْقِيَمِ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهَذَا مُضْطَرٌّ إلَيْهِ فِي الْأَحْكَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي هِيَ فِي بَابِ الْآحَادِ، فَإِنَّهُ الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلُ إلَى مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ مِنْ السَّقِيمِ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ: وَمَنْ عَرَفَ هَذِهِ الْعُلُومَ فَهُوَ فِي الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا، وَمَنْ قَصَّرَ عَنْهُ فَمِقْدَارُهُ مَا أَحْسَنَ، وَلَنْ يَجُوزُ أَنْ يُحِيطَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْعُلُومِ أَحَدٌ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ مُتَفَرِّقٌ فِي جُمْلَتِهِمْ وَالْغَرَضُ اللَّازِمُ مِنْ عِلْمِ مَا وَصَفْت مَا لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ بِتَرْكِ فِعْلِهِ وَكُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا ازْدَادَ مَنْزِلَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] ، قَالَ: وَالشَّرْطُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَعْرِفَةُ جُمَلِهِ لَا جَمِيعِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، لِأَنَّ هَذَا لَمْ نَرَهُ فِي السَّادَةِ الْقُدْوَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ كَانَ يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ، مِنْ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ فَيَعْرِفُونَهَا مِنْ الْغَيْرِ.

стр. 3274

وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذِهِ الْعُلُومُ الَّتِي يُسْتَفَادُ مِنْهَا مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ، وَعِظَمُ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثِهِ فُنُونٍ: الْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَقَالَ الْإِمَامُ: أَهَمُّ الْعُلُومِ لِلْمُجْتَهِدِ أُصُولُ الْفِقْهِ وَشَرَطَ الْغَزَالِيُّ وَالرَّازِيَّ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَبِأَنَّنَا مُكَلَّفُونَ وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِلْكِيَا الطَّبَرِيُّ فِيهِ الْفِطْنَةَ وَالذَّكَاءَ، لِيَصِلَ بِهِمَا إلَى مَعْرِفَةِ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مِنْ أَمَارَاتِ الْمَنْطُوقِ، فَإِنْ قُلْت فِيهِ الْفِطْنَةُ وَالذَّكَاءُ لَمْ يَصِحَّ وَشَرَطَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ وَالْغَزَالِيُّ وَإِلْكِيَا وَغَيْرُهُمْ الْعَدَالَةَ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِهِ. قَالُوا: وَأَمَّا هُوَ فِي نَفْسِهِ إذَا كَانَ عَالِمًا فَلَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِنَفْسِهِ وَيَأْخُذَ بِاجْتِهَادِهِ لِنَفْسِهِ فَالْعَدَالَةُ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْفَتْوَى، لَا لِصِحَّةِ الِاجْتِهَادِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ غَيْرِهِمْ أَنَّ الْعَدَالَةَ رُكْنٌ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إنْ قَصَدَ بِالِاجْتِهَادِ الْعِلْمَ صَحَّ اجْتِهَادُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْحُكْمَ وَالْفُتْيَا كَانَتْ الْعَدَالَةُ شَرْطًا فِي نُفُوذِ حُكْمِهِ وَقَبُولِ فُتْيَاهُ، لِأَنَّ شَرَائِطَ الْحُكْمِ أَغْلَظُ مِنْ شَرَائِطِ الْفُتْيَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: لَكِنْ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ ثِقَةً مَأْمُونًا، غَيْرَ مُتَسَاهِلٍ فِي أَمْرِ الدِّينِ قَالَ: وَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ مُرَادُهُمْ بِهِ مَا وَرَاءَ هَذَا وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ تَبَحُّرِهِ فِي أُصُولِ الدِّينِ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: (أَحَدُهُمَا) الِاشْتِرَاطُ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَدَرِيَّةِ وَ (الثَّانِي) لَا يُشْتَرَطُ بَلْ مِنْ أَشْرَفَ مِنْهُ عَلَى وَصْفِ الْمُؤْمِنِ كَفَاهُ قَالَ: وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جُلُّ أَصْحَابِ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرُهُمْ وَأَطْلَقَ الرَّازِيَّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ عِلْمِ الْكَلَامِ، وَفَصَّلَ الْآمِدِيُّ فَشَرَطَ الضَّرُورِيَّاتِ، كَالْعِلْمِ بِوُجُودِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَصِفَاتِهِ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ وُجُوبُ

стр. 3275

وُجُودِهِ لِذَاتِهِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالرَّسُولِ وَمَا جَاءَ بِهِ، لِيَكُونَ فِيمَا يُسْنِدُهُ إلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مُحِقًّا وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِدَقَائِق الْكَلَامِ وَلَا بِالْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ وَأَجْوِبَتِهَا كَالنَّحَارِيرِ مِنْ عُلَمَائِهِ. وَكَلَامُ الرَّازِيَّ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ التَّفَارِيعِ فِي الْفِقْهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وَإِلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ وَكَيْفَ يَحْتَاجُ إلَيْهَا وَهُوَ الَّذِي يُوَلِّدُهَا بَعْدَ حِيَازَةِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ؟ ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطًا لِمَا تَقَدَّمَ وُجُودُهُ عَلَيْهَا وَذَهَبَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو مَنْصُورٍ إلَى اشْتِرَاطِهِ وَحَمَلَ عَلَى اشْتِرَاطِ مُمَارَسَتِهِ الْفِقْهَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فَقَالَ: إنَّمَا يَحْصُلُ الِاجْتِهَادُ فِي زَمَانِنَا بِمُمَارَسَتِهِ فَهُوَ طَرِيقُ تَحْصِيلِ الدُّرْبَةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَلَمْ يَكُنْ الطَّرِيقُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَكَلَامُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ يُخَالِفُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِجُمَلٍ مِنْ فُرُوعِ الْفِقْهِ يُحِيطُ بِالْمَشْهُورِ وَبِبَعْضِ الْغَامِضِ كَفُرُوعِ الْحَيْضِ وَالرَّضَاعِ وَالدَّوْرِ وَالْوَصَايَا وَالْعَيْنِ وَالدَّيْنِ قَالَ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُتَعَلِّقِ بِالْحِسَابِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شَرْطٌ، لِأَنَّ مِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ الْجَوَابِ مِنْهُ إلَّا بِالْحِسَابِ وَكَذَلِكَ قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: مَعْرِفَةُ أُصُولِ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ وَالضَّرْبِ وَالْقِسْمَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُحِيطًا بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ، مُتَمَكِّنًا مِنْ اقْتِبَاسِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، عَارِفًا بِحَقَائِقِهَا وَرُتَبِهَا، عَالِمًا بِتَقْدِيمِ مَا يَتَقَدَّمُ مِنْهَا وَتَأْخِيرِ مَا يَتَأَخَّرُ وَقَدْ عَبَّرَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَنْ الشُّرُوطِ كُلِّهَا بِعِبَارَةٍ وَجِيزَةٍ جَامِعَةٍ فَقَالَ: " مَنْ عَرَفَ كِتَابَ اللَّهِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا اسْتَحَقَّ الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ " وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِكُلِّ مَسْأَلَةٍ تَرِدُ عَلَيْهِ، فَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ: لَا أَدْرِي وَكَثِيرًا مَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ: لَا أَدْرِي وَتَوَقَّفَ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي مَسَائِلَ وَقَالَ

стр. 3276

بَعْضُهُمْ: مَنْ أَفْتَى فِي كُلِّ مَا سُئِلَ عَنْهُ فَهُوَ مَجْنُونٌ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ. أَمَّا الْمُجْتَهِدُ فِي حُكْمٍ خَاصٍّ فَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى قُوَّةِ قَامَةٍ فِي النَّوْعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُجْتَهِدٌ، فَمَنْ عَرَفَ طُرُقَ النَّظَرِ الْقِيَاسِيِّ، لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَسْأَلَةٍ قِيَاسِيَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهُ وَكَذَا الْعَالِمُ بِالْحِسَابِ وَالْفَرَائِضِ هَذَا بِنَاءً عَلَى جَوَازِ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ الْمُقَيَّدُ الَّذِي لَا يَعْدُو مَذْهَبَ إمَامٍ خَاصٍّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ مَعْرِفَةِ قَوَاعِدِ إمَامِهِ وَلْيُرَاعِ فِيهَا مَا يُرَاعِيهِ الْمُطْلَقُ فِي قَوَانِينِ الشَّرْعِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: مَنْ عَرَفَ مَأْخَذَ إمَامٍ وَاسْتَقَلَّ بِإِجْرَاءِ الْمَسَائِلِ عَلَى قَوَاعِدِهِ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: - أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْقَوَاعِدُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهَا ذَلِكَ الْإِمَامُ وَبَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ مَعَهُ فَهَذَا يُمْكِنُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ الْمُقَيَّدُ - وَأَمَّا الْقَوَاعِدُ الْعَامَّةُ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ، كَكَوْنِ خَبَرِ الْوَاحِدِ حُجَّةً، وَالْقِيَاسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَوَاعِدِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ فَتَنَبَّهْ لِهَذَا وَقَدْ اسْتَقَلَّ قَوْمٌ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ بِبِنَاءِ أَحْكَامٍ عَلَى أَحَادِيثَ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، مَعَ أَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ غَيْرُ مَنْصُوصَةٍ لِإِمَامِهِمْ، وَهُمْ يَحْتَاجُونَ فِي هَذَا إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، فَإِذَا قَصَّرُوا عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُنْسَبَ تِلْكَ الْأَحْكَامُ إلَى ذَلِكَ الْإِمَامِ، انْتَهَى وَهَذَا مَوْضِعٌ نَفِيسٌ يَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لَهُ، وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ فِي التَّعَرُّضِ لِمَسْأَلَةٍ غَيْرِ مَنْصُوصَةٍ لِلْإِمَامِ ذَكَرَهَا بَعْضُ أَتْبَاعِهِ مُحْتَجًّا فِيهَا بِقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، فَيَظُنُّ الْوَاقِفُ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ ذَلِكَ الْإِمَامِ لِكَوْنِ ذَلِكَ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ جُمْلَةِ مُقَلِّدِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 3277

مَسْأَلَةٌ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُ الِاجْتِهَادِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ، بَلْ فِيمَا هُوَ مِنْهَا خَفِيٌّ، إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ بَذْلُ الْوُسْعِ، فَيَطْلُبَهَا لِأَنَّهَا تُنَالُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. مَسْأَلَةٌ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ تَعَرُّفِ حُكْمِ اللَّهِ فِي الْوَقَائِعِ، وَتَعَرُّفُ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى التَّعْيِينِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْمُجْتَهِدِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ قُطْرٍ مَا تَقُومُ بِهِ الْكِفَايَاتُ وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ الِاجْتِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَاَلَّذِي رَأَيْت فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فَرْضُ الْكِفَايَةِ بِالْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ، قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي الْفَتْوَى وَإِنْ لَمْ يَتَأَدَّ بِهِ فِي آحَادِ الْعُلُومِ الَّتِي مِنْهَا الِاسْتِمْدَادُ فِي الْفَتْوَى، قَالَ بَعْضُهُمْ: الِاجْتِهَادُ فِي حَقِّ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ (١) فَرْضُ عَيْنٍ، (٢) وَفَرْضُ كِفَايَةٍ (٣) وَنَدْبٌ: - فَالْأَوَّلُ: عَلَى حَالَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) اجْتِهَادُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ عِنْدَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ وَ (الثَّانِي) اجْتِهَادُهُ فِيمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِيهِ فَإِنْ ضَاقَ فَرْضُ الْحَادِثَةِ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِلَّا عَلَى التَّرَاخِي - وَالثَّانِي: عَلَى حَالَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) إذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْتَفْتِي حَادِثَةٌ فَاسْتَفْتَى أَحَدَ الْعُلَمَاءِ تَوَجَّهَ الْفَرْضُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَأَخَصُّهُمْ بِمَعْرِفَتِهَا مَنْ خُصَّ بِالسُّؤَالِ عَنْهَا، فَإِنْ أَجَابَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ سَقَطَ الْفَرْضُ، وَإِلَّا أَثِمُوا جَمِيعًا لَكِنْ حَكَى أَصْحَابُنَا وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ غَيْرُ الْمُفْتِي، هَلْ يَأْثَمُ بِالرَّدِّ؟ أَصَحُّهُمَا: لَا وَالثَّانِي: إنْ تَرَدَّدَ الْحُكْمُ بَيْنَ قَاضِيَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ فِي النَّظَرِ

стр. 3278

فَيَكُونُ فَرْضُ الِاجْتِهَادِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَأَيُّهُمَا تَفَرَّدَ بِالْحُكْمِ فِيهِ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنْهُمَا وَالثَّالِثُ عَلَى حَالَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) فِيمَا يَجْتَهِدُ فِيهِ الْعَالِمُ مِنْ غَيْرِ النَّوَازِلِ، لِيَسْبِقَ إلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ قَبْلَ نُزُولِهِ وَ (الثَّانِي) أَنْ يَسْتَفْتِيَهُ قَبْلَ نُزُولِهَا. مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَحْصُولِ " وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: الْخَلْقُ كَالْمُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ وَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْإِمَامِ الرَّازِيَّ، أَوْ مِنْ قَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ ": قَدْ خَلَا الْعَصْرُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ وَنَقْلُ الِاتِّفَاقِ فِيهِ عَجِيبٌ، وَالْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَابِلَةِ، وَسَاعَدَهُمْ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا، وَالْحَقُّ أَنَّ الْفَقِيهَ الْفَطِنَ الْقَيَّاسَ كَالْمُجْتَهِدِ فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ، لَا النَّاقِلِ فَقَطْ وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ: لَا يَجُوزُ خُلُوُّ الْعَصْرِ عَنْ مُجْتَهِدٍ، وَبِهِ جَزَمَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالزُّبَيْرِيُّ فِي الْمُسْكِتِ " فَقَالَ الْأُسْتَاذُ: وَتَحْتَ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: لَا يُخْلِي اللَّهُ زَمَانًا مِنْ قَائِمٍ بِالْحُجَّةِ، أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْهَمَهُمْ ذَلِكَ وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ خَلَّى زَمَانًا مِنْ قَائِمٍ بِحُجَّةٍ زَالَ التَّكْلِيفُ، إذْ التَّكْلِيفُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْحُجَّةِ الظَّاهِرَةِ وَإِذَا زَالَ التَّكْلِيفُ بَطَلَتْ الشَّرِيعَةُ وَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: لَنْ تَخْلُوَ الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِالْحُجَّةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَدَهْرٍ وَزَمَانٍ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَوْجُودٍ - كَمَا قَالَ الْخَصْمُ - فَلَيْسَ بِصَوَابٍ، لِأَنَّهُ لَوْ عَدِمَ الْفُقَهَاءُ لَمْ تَقُمْ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا، وَلَوْ عُطِّلَتْ الْفَرَائِضُ كُلُّهَا لَحَلَّتْ النِّقْمَةُ بِذَلِكَ فِي الْخَلْقِ، كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ» وَنَحْنُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نُؤَخَّرَ مَعَ الْأَشْرَارِ. انْتَهَى.

стр. 3279

وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، لَكِنْ إلَى الْحَدِّ الَّذِي يُنْتَقَضُ بِهِ الْقَوَاعِدُ بِسَبَبِ زَوَالِ الدُّنْيَا فِي آخَرِ الزَّمَانِ وَقَالَ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْإِلْمَامِ ": وَالْأَرْضُ لَا تَخْلُو مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِالْحُجَّةِ، وَالْأُمَّةُ الشَّرِيفَةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ سَالِكٍ إلَى الْحَقِّ عَلَى وَاضِحِ الْمُحَجَّةِ، إلَى أَنْ يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الْكُبْرَى، وَيَتَتَابَعُ بَعْدَهُ مَا بَقِيَ مَعَهُ إلَى قُدُومِ الْأُخْرَى وَمُرَادُهُ بِالْأَشْرَاطِ الْكُبْرَى: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا مَثَلًا، وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَنَّ الْخُلُوَّ مِنْ مُجْتَهِدٍ يَلْزَمُ مِنْهُ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى الْخَطَأِ، وَهُوَ تَرْكُ الِاجْتِهَادِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَالَ وَالِدُهُ الْعَلَّامَةُ مَجْدُ الدِّينِ فِي كِتَابِهِ تَلْقِيحِ الْأَفْهَامِ ": عَزَّ الْمُجْتَهِدُ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِتَعَذُّرِ حُصُولِ آلَةِ الِاجْتِهَادِ، بَلْ لِإِعْرَاضِ النَّاسِ فِي اشْتِغَالِهِمْ عَنْ الطَّرِيقِ الْمُفْضِيَةِ إلَى ذَلِكَ وَتَوْقِيفُ الْفُتْيَا عَلَى حُصُولِ الْمُجْتَهِدِ يُفْضِي إلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ فَالْمُخْتَارُ قَبُولُ فَتْوَى الرَّاوِي عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَالَ جَدُّهُ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعِزِّ الْمُقْتَرَحِ، مُعْتَرِضًا عَلَى قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ: " لَا يَجُوزُ انْحِطَاطُ الْعُلَمَاءِ ": إنْ أَرَادَ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَادَةِ، وَزَمَانُنَا هَذَا قَدْ يَشْغَرُ مِنْهُمْ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ النَّقَلَةَ فَهَذَا يُتَّجَهُ، فَإِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَقْضِ بِانْحِطَاطِهِمْ وَالدَّوَاعِي تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِ الْأَحَادِيثِ وَلَفْظِ الْمَذَاهِبِ وَنَقْلِ الْقُرْآنِ نَعَمْ، إنْ فَتَرَتْ الدَّوَاعِي وَقَلَّتْ الْهِمَمُ فَيَجُوزُ شُغُورُ الزَّمَانِ عَنْهُمْ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، انْتَهَى وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: وَقَدْ خَلَا الْعَصْرُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ فَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الْقَفَّالُ شَيْخُ الْخُرَاسَانِيِّينَ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ مُجْتَهِدٌ قَائِمٌ بِالْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَانُوا يَرْغَبُونَ عَنْهُ، وَلَا يَلِي فِي زَمَانِهِمْ غَالِبًا إلَّا مَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَعْصَارِ بِخُلُوِّهَا عَنْ مُجْتَهِدٍ وَالْقَفَّالُ نَفْسُهُ كَانَ يَقُولُ لِلسَّائِلِ فِي مَسْأَلَةِ الصُّبْرَةِ: تَسْأَلُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَمْ مَا عِنْدِي؟ وَقَالَ، هُوَ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْقَاضِي الْحُسَيْنُ: لَسْنَا مُقَلِّدَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ، بَلْ وَافَقَ رَأْيُنَا رَأْيَهُ فَمَاذَا كَلَامُ مَنْ يَدَّعِي رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ اثْنَانِ أَنَّ

стр. 3280

ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَكَذَلِكَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَصْرَ خَلَا عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، لَا عَنْ مُجْتَهِدٍ فِي مَذْهَبِ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ مُنْحَصِرٌ فِي هَذِهِ الْمَذَاهِبِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِغَيْرِهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ الِاجْتِهَادُ إلَّا فِيهَا. مَسْأَلَةٌ الصَّحِيحُ جَوَازُ تَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ مُجْتَهِدًا فِي بَابٍ دُونَ غَيْرِهِ وَعَزَاهُ الْهِنْدِيُّ لِلْأَكْثَرِينَ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ النُّكَتِ " عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ الْعِنَايَةُ بِبَابٍ مِنْ الْأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ حَتَّى يَحْصُلَ الْمَعْرِفَةُ بِمَأْخَذِ أَحْكَامِهِ وَإِذَا حَصَلَتْ الْمَعْرِفَةُ بِالْمَأْخَذِ أَمْكَنَ الِاجْتِهَادُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ بِمَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ فِي بَابٍ دُونَ بَابٍ وَالنَّاظِرُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُشَارَكَةِ تَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ أُصُولِ الْفَرَائِضِ، وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَعْرِفَ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ فِي تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ مَثَلًا وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى الْمَنْعِ، لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ فِي نَوْعٍ مِنْ الْفِقْهِ رُبَّمَا كَانَ أَصْلُهَا نَوْعًا آخَرَ مِنْهُ، كَتَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ تَحْلِيلَ الْخَمْرِ بِالِاسْتِعْجَالِ، فَلَا تَكْتَمِلُ شَرَائِطُ الِاجْتِهَادِ فِي جُزْءٍ حَتَّى يَسْتَقِلَّ بِالْفُنُونِ كُلِّهَا. وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ فِي هَذَا أَنَّهُ هَلْ يُعْتَبَرُ خِلَافُ الْأُصُولِيِّ فِي الْفِقْهِ؟

стр. 3281

فَإِنْ قُلْنَا: يَتَجَزَّأُ اُعْتُبِرَ خِلَافُهُ، وَإِلَّا فَلَا قِيلَ: وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْخِلَافِ إذَا عَرَفَ بَابًا دُونَ بَابٍ أَمَّا مَسْأَلَةً دُونَ مَسْأَلَةٍ فَلَا تَتَجَزَّأُ قَطْعًا وَالظَّاهِرُ جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِبْيَارِيُّ، وَتَوَسَّطَ فَقَالَ: إنْ أَجْمَعُوا فِي مَسْأَلَةٍ عَلَى ضَبْطِ مَآخِذِهَا وَكَانَ النَّاظِرُ الْمَخْصُوصُ مُحِيطًا بِالنَّظَرِ فِي تِلْكَ الْمَآخِذِ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِيهَا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، بِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ بِالدَّلِيلِ حَتَّى تَحْصُلَ غَلَبَةُ الظَّنِّ وَفِقْدَانُ الْمُعَارِضِ مِنْ الشَّرِيعَةِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ النَّاظِرُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَكَيْفَ يَجْزِمُ أَوْ يَظُنُّ؟ ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الزَّمْلَكَانِيِّ: الْحَقُّ التَّفْصِيلُ: فَمَا كَانَ مِنْ الشُّرُوطِ كُلِّيًّا، كَقُوَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ وَمَعْرِفَةِ مَجَارِي الْكَلَامِ وَمَا يُقْبَلُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَمَا يُرَدُّ وَنَحْوُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِجْمَاعِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ دَلِيلٍ وَمَدْلُولٍ، فَلَا تَتَجَزَّأُ تِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ وَمَا كَانَ خَاصًّا بِمَسْأَلَةٍ أَوْ مَسَائِلَ أَوْ بَابٍ فَإِذَا اسْتَجْمَعَهُ الْإِنْسَانُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْبَابِ أَوْ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَوْ الْمَسَائِلِ مَعَ الْأَهْلِيَّةِ كَانَ فَرْضُهُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ الِاجْتِهَادَ دُونَ التَّقْلِيدِ

стр. 3282

[فَصْلٌ الْمُجْتَهِدِ مِنْ الْقُدَمَاءِ وَمَنْ الَّذِي حَازَ الرُّتْبَةَ مِنْهُمْ] فَصْلٌ فِي الْمُجْتَهِدِ مِنْ الْقُدَمَاءِ وَمَنْ الَّذِي حَازَ الرُّتْبَةَ مِنْهُمْ ذَكَرَهُ إلْكِيَا وَهُوَ فَصْلٌ عَظِيمُ النَّفْعِ، فَإِنَّ مَذَاهِبَهُمْ نُقِلَتْ إلَيْنَا، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمُجْتَهِدِ مِنْهُمْ، لِيُعْلَمَ مَنْ الَّذِي تُعْتَبَرُ فَتْوَاهُ، وَمَنْ يَقْدَحُ الْإِجْمَاعُ مُخَالَفَتَهُ وَمَنْ لَا يَقْدَحُ - قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ الْأَرْبَعَةَ لَا شَكَّ فِي حِيَازَتِهِمْ هَذِهِ الرُّتْبَةَ - وَأُلْحِقَ بِهِمْ أَهْلُ الشُّورَى الَّذِينَ جَعَلَهُمْ عُمَرُ ﵃ قَالَ: وَأَمَّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَدْ مَالَ الْأَكْثَرُونَ إلَى إخْرَاجِهِ عَنْ أَحْزَابِ الْمُجْتَهِدِينَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ التَّصَدِّي لِلْفَتْوَى، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَصَدَّى لِلرِّوَايَةِ - وَتُوُقِّفَ فِي ابْنِ عُمَرَ ﵄، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ التَّصَدِّي لِلْفَتْوَى - وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَكَانَ فَقِيهَ الصَّحَابَةِ وَمُنْتَدَبًا لِلْفَتْوَى - وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ - وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِمَّنْ شَهِدَ الرَّسُولُ بِأَنَّهُ أَفْرَضُ الْأَئِمَّةِ، وَالْمُعْتَبَرُ تَصَدِّيهِ لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، أَوْ شَهَادَةُ الرَّسُولِ، وَمُرَاجَعَةُ الْأَوَّلِينَ لَهُ وَبَعْدَ النُّزُولِ عَنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ الْعَالِيَةِ، لِلشَّافِعِيِّ وَقْفَةٌ فِي الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَيَقُولُ فِيهِمَا: وَاعِظٌ وَمُعَبِّرٌ وَلَمْ يَرَهُمَا مُتَصَدِّيَيْنِ لِهَذَا الشَّأْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ، فَإِنَّهُمَا كَانَا يُفْتِيَانِ عَلَى مَا قَالَهُ السَّلَفُ وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: أَمَّا الصَّحَابَةُ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْفُقَهَاءَ الْمَشْهُورِينَ مِنْهُمْ

стр. 3283

مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَأَسَامِيهِمْ مَعْلُومَةٌ فِي التَّوَارِيخِ وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ الْعَشَرَةِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ مَنْ انْتَشَرَتْ فَتَاوِيهِ، كَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَثُرَتْ فَتَاوِيهِمْ وَنُقِلَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ وَجَابِرٌ لَيْسُوا فُقَهَاءَ، وَإِنَّمَا هُمْ رُوَاةُ أَحَادِيثَ وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ أَفْتَى فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَتَأَهَّلَ لِلْإِمَامَةِ فَزَهِدَ فِيهَا وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَلِيَ الْقَضَاءَ، وَأَنَسٌ وَجَابِرٌ أَفْتَيَا فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَقَدْ اشْتَهَرَ الْمُجْتَهِدُونَ فِيهِمْ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ، وَقَدْ نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ: وَاعِظٌ وَمُعَبِّرٌ، ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ الْحَسَنَ أَفْتَى فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَابْنُ سِيرِينَ كَذَلِكَ وَقَدْ شَهِدَ لَهُمَا أَهْلُ عَصْرِهِمَا بِالْجَلَالَةِ وَالْإِمَامَةِ وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ فَأَهْلٌ لِلِاجْتِهَادِ وَلَا مَحَالَةَ وَكَذَلِكَ الْفُقَهَاءُ الْخَمْسَةُ أَرْبَابُ الْمَذَاهِبِ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُزَنِيّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَابْنِ سُرَيْجٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَ هَؤُلَاءِ بِرُتْبَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الدِّينِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْمَذَاهِبِ قُلْت: وَمَا ذَكَرَهُ إلْكِيَا فِي أَبِي هُرَيْرَةَ تَابَعَ فِيهِ الْقَاضِي، فَإِنَّهُ قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُفْتِيًا وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ الرُّوَاةِ وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْحَنَفِيُّ فِي التَّحْقِيقِ ": كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقِيهًا، وَلَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ كَانَ يُفْتِي فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ، وَمَا كَانَ يُفْتِي فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إلَّا فَقِيهٌ مُجْتَهِدٌ وَقَدْ جَمَعَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ السُّبْكِيُّ جُزْءًا فِي فَتَاوَى أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِي الْمَنْخُولِ ": وَالضَّابِطُ عِنْدَنَا فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّهُ

стр. 3284

تَصَدَّى لِلْفَتْوَى فِي أَعْصَارِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُمْنَعْ عَنْهُ فَهُوَ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ وَمَنْ لَمْ يَتَصَدَّ لَهُ قَطْعًا فَلَا وَمَنْ تَرَدَّدْنَا فِي ذَلِكَ فِيهِ تَرَدَّدْنَا فِي صِفَتِهِ وَقَدْ انْقَسَمَتْ الصَّحَابَةُ إلَى مُتَنَسِّكِينَ لَا يَعْتَنُونَ بِالْعِلْمِ، وَإِلَى مُعْتَنِينَ بِهِ فَهُمْ الْمُجْتَهِدُونَ، وَلَا مَطْمَعَ فِي عَدِّ آحَادِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ الضَّابِطِ وَهُوَ الضَّابِطُ أَيْضًا فِي التَّابِعِينَ، وَعَدَّ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْأَحْكَامِ فُقَهَاءَ الصَّحَابَةِ فَبَلَغَ بِهِمْ مِائَةً وَنَيِّفًا وَهَذَا حَيْفٌ وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي طَبَقَاتِهِ " أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ الْمُلَازِمِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَانُوا فُقَهَاءَ، لِأَنَّ طَرِيقَ الْفِقْهِ فِيهِمْ خِطَابُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَفْعَالُهُ، وَكَانُوا عَارِفِينَ بِذَلِكَ، لِنُزُولِ الْقُرْآنِ بِلُغَتِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ ": لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ رَجَعَ فِي تَفْسِيرِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلِهَذَا قَالَ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» غَيْرَ أَنَّ الَّذِي اشْتَهَرَ مِنْهُمْ بِالْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ جَمَاعَةٌ مَخْصُوصَةٌ.

стр. 3285

[فَصْلٌ فِي زَمَانِ الِاجْتِهَاد] فَصْلٌ فِي زَمَانِهِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَكُونَ الْمُجْتَهِدُ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ زَمَنِ النُّبُوَّةِ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَجْتَهِدُوا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِح الدُّنْيَا وَتَدْبِيرِ الْحُرُوبِ وَنَحْوِهَا وَقَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، كَمَا قَالَ سُلَيْمٌ، وَكَذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ وَمَثَّلَهُ بِإِرَادَةِ النَّبِيِّ ﵇ أَنْ يُصَالِحَ غَطَفَانَ عَلَى ثُلُثِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ، فَهَذَا مُبَاحٌ لِأَنَّ لَهُمْ أَنْ يَهَبُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا أَحَبُّوا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي تَلْقِيحِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ، لِأَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُلَقِّحَ نَخْلَةً وَأَنْ يَتْرُكَهَا، قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَرَكَ ثِمَارَهُ سِنِينَ دُونَ تَأْبِيرٍ فَاسْتَغْنَى عَنْهُ، انْتَهَى فَأَمَّا اجْتِهَادُهُمْ فِي أَمْرِ الشَّرْعِ فَاخْتَلَفُوا أَنَّهُ هَلْ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَجْتَهِدُوا فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ؟ عَلَى مَذَاهِبَ.

стр. 3286

الْأَوَّلُ - لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى النَّصِّ، بِنُزُولِ الْوَحْيِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى النُّطْقِ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ": كُلُّ مَنْ نَفَى الْقِيَاسَ أَحَالَ تَعَبُّدَهُ ﷺ بِهِ قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ اخْتِيَارِ ابْنِ حَزْمٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ « ﷺ كَانَ إذَا سُئِلَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ وَيَقُولُ: مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي هَذَا الشَّيْءِ» ، ذَكَرَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ زَكَاةِ الْحُمُرِ، وَمِيرَاثِ الْبَنِينَ مَعَ الزَّوْجِ وَالْعَمَّةِ قَالَ: وَلَنَا أَخْذُهُ ﵇ الْفِدَاءَ ثُمَّ نَزَلَ عِتَابُهُ عَلَيْهِ، فَلَا يُنْكِرُ أَنْ يُفْعَلَ ﵊ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ نَهْيُ رَبِّهِ تَعَالَى فِيهِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَنْبِيهِهِ عَلَيْهِ. قُلْت: ثُمَّ قِيلَ: هُوَ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي التَّلْخِيصِ " وَذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ وَابْنُهُ أَبُو هَاشِمٍ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَبَّدًا بِهِ وَتَوَقَّفَ فِيهِ كَثِيرُونَ، مِنْهُمْ الرَّازِيَّ وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَسُلَيْمٌ - وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ مِنْهُمْ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَالْقَاضِيَانِ أَبُو يُوسُفَ وَعَبْدُ الْجَبَّارِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَالْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ ": أَنَّهُ يَجُوزُ لِنَبِيِّنَا وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ ذَلِكَ وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ "، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَاطَبَ نَبِيَّهُ كَمَا خَاطَبَ عِبَادَهُ، وَضَرَبَ لَهُ الْأَمْثَالَ، وَأَمَرَهُ بِالتَّدَبُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، وَهُوَ أَجَلُّ الْمُتَفَكِّرِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ، وَأَعْظَمُ الْمُعْتَبِرِينَ بِهَا وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] فَالْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ. سَلَّمْنَا أَنَّ

стр. 3287

الضَّمِيرَ لِلنُّطْقِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَا ذَكَرْتُمْ، لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ الشَّرْعِيَّ مَأْذُونٌ فِيهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ فِي الْآرَاءِ وَالْحُرُوبِ كَثِيرٌ، كَقَتْلِهِ النَّضْرَ وَنَحْوَهُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَحَرَّى فِيهَا وَاخْتَارَ أَحَدَ الْجَائِزَيْنِ وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَلِأَنَّهُ أَكْمَلُ مِنْ غَيْرِهِ، لِعِصْمَتِهِ مِنْ الْخَطَأِ، فَإِذَا جَازَ لِغَيْرِهِ الَّذِي هُوَ عُرْضَةٌ لِلْخَطَأِ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلْكَامِلِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ بِالِاجْتِهَادِ أَشَقُّ مِنْ الْعَمَلِ بِالْيَقِينِ فَيَكُونُ أَكْثَرَ ثَوَابًا وَالثَّالِثُ - الْوَقْفُ عَنْ الْقَطْعِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لِجَوَازِهِ كُلِّهِ وَزَعَمَ الصَّيْرَفِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ " أَنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، لِأَنَّهُ حَكَى الْأَقْوَالَ وَلَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا، فَقَالَ: مَا سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصُّ كِتَابٍ، اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِتَوْفِيقِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَمْ يَسُنَّ سُنَّةً قَطُّ إلَّا وَلَهَا أَصْلٌ فِي الْكِتَابِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ جَاءَتْهُ رِسَالَةُ اللَّهِ فَأَثْبَتَ سُنَّتَهُ بِفَرْضِ اللَّهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أُلْقِيَ فِي رُوعِهِ كُلُّ مَا سَنَّ، انْتَهَى لَكِنَّهُ قَالَ بَعْدَ هَذَا، فِي بَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ: قَالَ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥] دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِرَسُولِهِ أَنْ يَقُولَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بِتَوْفِيقِهِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ بِهِ كِتَابٌ قَالَ: قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] : يَمْحُو فَرْضَ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ فَرْضَ مَا يَشَاءُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا يُشْبِهُ مَا قِيلَ انْتَهَى. وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا، (ثَالِثُهَا) ، وَاخْتَارَهُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مِمَّا يُشَارِكُ فِيهِ الْأُمَّةَ، كَتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَمْرِ الشَّخْصِ لِنَفْسِهِ، وَبَيَّنَ أَنْ لَا يُشَارِكَهُمْ فِيهِ، كَمَنْعِ تَوْرِيثِ الْقَاتِلِ وَحَدِّ الشَّارِبِ وَقِيلَ: يَجُوزُ لِنَبِيِّنَا دُونَ غَيْرِهِ.

стр. 3288

وَأَمَّا وُقُوعُهُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ: - فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى وُقُوعِهِ مُطْلَقًا، وَمِنْهُمْ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَتَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ سُلَيْمَانَ وَدَاوُد، «وَقَوْلُهُ لِعُمَرَ: أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت» ، «وَقَوْلُ الْعَبَّاسِ لَهُ: إلَّا الْإِذْخِرَ فَقَالَ: إلَّا الْإِذْخِرَ» فَلَوْ كَانَ بِالْوَحْيِ لَمَا تَأَخَّرَ الِاسْتِثْنَاءُ - وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَهُ مُطْلَقًا - وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ فَقَالَ: كَانَ لَا يَجْتَهِدُ فِي الْقَوَاعِدِ، وَكَانَ يَجْتَهِدُ فِي الْفُرُوعِ، كَقَوْلِهِ: «أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت» وَاخْتَارَهُ فِي الْمَنْخُولِ " - وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، فَقَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى ": وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ قَاطِعٌ وَالْمُنْكِرُونَ لِلْوُقُوعِ قَالُوا: السُّنَّةُ كُلُّهَا وَحْيٌ وَلَكِنَّهُ لَا يُتْلَى، وَالْقُرْآنُ وَحْيٌ يُتْلَى وَفِي السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

стр. 3289

«أَلَا إنِّي أُوتِيت الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» ، وَفِي حَدِيثِ «الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ الْعُمْرَةِ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: اصْنَعْ فِي عُمْرَتِك مَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِك» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهُوَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ كَانَتْ تَنْزِلُ كَمَا يَنْزِلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ أَخْذُ نُزُولِ الْوَحْيِ وَأَعْظَمُهَا وَصَرَّحَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الرِّسَالَةِ " بِأَنَّ السُّنَّةَ مُنْزَلَةٌ كَالْقُرْآنِ وَفِي الْحَدِيثِ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» وَالْمَسْأَلَةُ مُتَجَاذِبَةٌ، وَلَيْسَ فِيهَا كَثِيرُ فَائِدَةٍ، فَإِنَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا وَطَاعَتُهَا كَالْقُرْآنِ وَمِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ الْقَائِلِينَ بِالْوُقُوعِ قَوْلُهُ: «إلَّا الْإِذْخِرَ» عَقِيبَ مَا قِيلَ لَهُ: إلَّا الْإِذْخِرَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَيْسَ قَاطِعًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَوْحَى إلَيْهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَادَّعَى الْقَرَافِيُّ فِي أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْفَتَاوَى، وَأَنَّ الْأَقْضِيَةَ يَجُوزُ فِيهَا بِلَا نِزَاعٍ وَفِيهِ نَظَرٌ، لِمَا سَيَأْتِي وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي الْمُعْتَمَدِ ": إنْ أُرِيدَ بِاجْتِهَادِ النَّبِيِّ ﷺ الِاسْتِدْلَال بِالنُّصُوصِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ قَطْعًا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِدْلَال بِالْأَمَارَاتِ الشَّرْعِيَّةِ: فَإِنْ كَانَ أَخْبَارُ آحَادٍ فَلَا يَتَأَتَّى مِنْهُ ﵇، وَإِنْ كَانَتْ أَمَارَاتٌ مُسْتَنْبَطَةٌ وَهِيَ الَّتِي يُجْمَعُ بِهَا بَيْنَ الْأَصْلِ

стр. 3290

وَالْفَرْعِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ كَانَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَعَبَّدَ بِهِ عَلَيْهِ؟ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ فُرُوعٌ الْأَوَّلُ - إذَا جَوَّزْنَا، فَهَلْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَعْلِيقِهِ " فِي الْأَقْضِيَةِ، وَصَحَّحَ الْوُجُوبَ وَكَذَا حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَقْضِيَةِ ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصَحُّ عِنْدِي التَّفْصِيلُ بَيْنَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَى حُقُوقِهِمْ إلَّا بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَجِبُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ الثَّانِي - إذَا اجْتَهَدَ فَهَلْ يَسْتَبِيحُ الِاجْتِهَادُ بِرَأْيِهِ أَوْ يَرْجِعُ فِيهَا إلَى دَلَائِلِ الْكِتَابِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ أَيْضًا، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي اجْتِهَادِهِ إلَى الْكِتَابِ، لِأَنَّ سُنَنَهُ أَصْلٌ كَالْكِتَابِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى الْفَرْعِ الَّذِي قَاسَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَعَلَى كُلِّ فَرْعٍ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى إلْحَاقِهِ بِالْأَصْلِ، قَالَ: لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا بِالْإِجْمَاعِ وَالنَّصِّ فَلَا يُعْطَى إلَى مَآخِذِهِمْ الثَّالِثُ - إذَا جَوَّزْنَا لَهُ الِاجْتِهَادَ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَتَطَرَّقُ الْخَطَأُ إلَى اجْتِهَادِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَوَجَبَ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ فِيهِ، وَهُوَ يُنَافِي كَوْنَهُ خَطَأً وَالْمَسْأَلَةُ قَدْ نَصَّ عَلَيْهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ " فَقَالَ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ: وَالِاجْتِهَادُ فِي الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ، وَلَنْ يُؤْمَرَ النَّاسُ أَنْ يَتَّبِعُوا إلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ الَّذِي عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْ الْخَطَأِ وَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُ فَقَالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] فَأَمَّا مَنْ رَأْيُهُ خَطَأٌ وَصَوَابٌ فَلَنْ يُؤْمَرَ أَحَدٌ بِاتِّبَاعِهِ، انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: هُوَ مَعْصُومٌ فِي اجْتِهَادِهِ كَمَا هُوَ مَعْصُومٌ فِي خَبَرِهِ وَحَكَاهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الْهِنْدِيُّ إنَّهُ الْحَقُّ عِنْدَنَا، وَمِمَّنْ

стр. 3291

جَزَمَ بِهِ الْحَلِيمِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ " فَقَالَ فِي خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ: وَمِنْهَا الْعِصْمَةُ مِنْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ وَخُصُّوا بِأَدِلَّاءٍ حَتَّى تَتَّسِعَ الضُّرُوبُ مِنْ الِاسْتِنْبَاطِ فِيمَا أُوحِيَ إلَيْهِ وَإِذَا تَفَاوَتَتْ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَجْلِهِ فِي ذَلِكَ فَالنَّبِيُّ هُوَ الَّذِي أَعْلَمَ الْعُلَمَاءَ أَوْلَى بِالِارْتِقَاءِ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ عَامَّةَ سُنَنِ الرَّسُولِ تَرْجِعُ إلَى الْقُرْآنِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ وَإِنْ بَذَلُوا الْجَهْدَ فِيهِ فَهُوَ إذًا يَفْهَمُهُ ﵊ فَهْمًا لَا يَبْلُغُهُ فَهْمُ غَيْرِهِ ﵊. انْتَهَى. وَقِيلَ: يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُقَرَّ عَلَيْهِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ " وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا وَالْخَطَّابِيُّ فِي أَعْلَامِ الْحَدِيثِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَجَعَلَهُ عُذْرًا لِعُمَرَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَكْتُبَهُ، وَارْتِضَاءُ الرَّافِعِيِّ فِي الْعَدَدِ، فِي الْكَلَامِ عَنْ سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ عَنْ الْوَفَاةِ، وَكَذَا ابْنُ حَزْمٍ فِي الْإِحْكَامِ " قَالَ: «كَفِعْلِهِ بِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ إذْ أُنْزِلَتْ عَبَسَ» قُلْت: وَهُوَ قَوْلٌ لَا نُورَ عَلَيْهِ وَقَوْلُ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّهُ الْمُخْتَارُ غَيْرُ صَوَابٍ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّقْرِيرُ عَلَيْهِ

стр. 3292

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُمْ لَا يَجْتَهِدُونَ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ وَنَصٍّ وَ (الثَّانِي) الْمَنْعُ، لَكِنْ لَا يُقِرُّهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ لِيَزُولَ الِارْتِيَابُ بِهِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ مُقِرًّا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْوَجْهِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ بِنَصٍّ وَقَالَا: قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَبِيُّنَا ﵊ مَعْصُومٌ فِي الِاجْتِهَادِ مِنْ الْخَطَأِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لِأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ يَسْتَدْرِكُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قُلْت: وَهَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي تَعْلِيقِهِ " فِي الْأَقْضِيَةِ فَحَصَلَ فِي عِصْمَتِهِمْ فِي الِاجْتِهَادِ مَذَاهِبُ: (ثَالِثُهَا) : نَبِيُّنَا فَقَطْ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرُ مُقِرِّينَ عَلَى الْخَطَأِ فِي وَقْتِ التَّنْفِيذِ، وَلَا يُمْهِلُونَ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى يَسْتَدْرِكَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ قُلْت: وَهُوَ قَوْلٌ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَهُوَ أَفْسَدُ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي غَيْرِ أُمُورِ الدُّنْيَا، أَمَّا أُمُورُ الدُّنْيَا فَيَجُوزُ عَلَى الْكُلِّ، لِحَدِيثِ التَّلْقِيحِ. مَسْأَلَةٌ تَصَرُّفَاتُهُ ﷺ تَنْحَصِرُ فِيمَا يَكُونُ بِالْإِمَامَةِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْفَتْوَى وَوَجْهُ الْحَصْرِ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْثِ الْجُيُوشِ وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فَهُوَ مِنْ تَصَرُّفِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِإِنْقَاذِهِ وَالْحُكْمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَهُوَ الْقَضَاءُ الَّذِي يَتَوَلَّاهُ الْقُضَاةُ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعِبَادَاتِ وَالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَهُوَ الْفَتْوَى وَالْخِلَافُ فِي الْكُلِّ ثُمَّ إذَا دَارَتْ الْحَادِثَةُ بَيْنَ تَنْزِيلِهَا عَلَى الْقَضَاءِ أَوْ عَلَى الْفَتْوَى فَعِنْدَنَا تَنْزِيلُهَا عَلَى الْقَضَاءِ أَوْلَى.

стр. 3293

[الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي زَمَانِهِمْ] الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي جَوَازِ الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي زَمَانِهِمْ كَاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ فِي عَصْرِ الرَّسُولِ. وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَقَامَيْنِ: الْجَوَازُ، وَالْوُقُوعُ. أَمَّا الْجَوَازُ: فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ مِنْهُ مُطْلَقًا، وَنُقِلَ عَنْ الْجُبَّائِيُّ وَأَبِي هَاشِمٍ. وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إلَى مُسْتَحِيلٍ. فَإِنْ أَرَادُوا مَنْعَ الشَّرْعِ تَوَقَّفَ عَلَى الدَّلِيلِ فَهُوَ مَفْقُودٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ فُورَكٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُمَا، وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُسْتَصْفَى، وَقَالَ فِي " التَّقْرِيبِ ": إنَّهُ الْمُخْتَارُ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ مُطْلَقًا. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْغَائِبِ عَنْهُ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ فَيَجُوزُ دُونَ الْحَاضِرِينَ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ. ثُمَّ الْمُجَوِّزُونَ اخْتَلَفُوا: فَقِيلَ: يُكْتَفَى بِسُكُوتِهِ ﵇، حَكَاهُ فِي

стр. 3294

الْمُسْتَصْفَى. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ مَنْعٌ. قَالَ الْهِنْدِيُّ: وَلَيْسَ بِمَرَضِيٍّ، لِأَنَّ مَا بَعْدَهُ أَيْضًا كَذَلِكَ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ بِزَمَانِهِ ﵊ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ وَرَدَ الْإِذْنُ بِذَلِكَ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ نَزَّلَ السُّكُوتَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِوُقُوعِهِ مَنْزِلَةَ الْإِذْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ اشْتَرَطَ صَرِيحَ الْإِذْنِ، حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ. ثُمَّ قَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحَاضِرِ الِاجْتِهَادُ قَبْلَ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﵇، كَمَا لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ قَبْلَ طَلَبِ النَّصِّ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ لِلسَّالِكِ فِي بَرِّيَّةٍ مَخُوفَةٍ أَنْ يَقُولَ عَلَى رَأْيِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ سُؤَالِ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ الطَّرِيقِ عَنْ عِلْمٍ. وَإِذَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﵊ يَجُوزُ أَنْ يَكِلَهُ النَّبِيُّ ﵇ إلَى اجْتِهَادِهِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ عَقْلًا وَلَا شَرْعًا. وَقَالَ ابْنُ فُورَكٍ: يُشْتَرَطُ تَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ مَعَ النَّصِّ ثُمَّ يَتَأَمَّلُ: فَإِنْ كَانَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ صِرْنَا إلَى النَّصِّ، كَذَلِكَ يَجْتَهِدُ بِحَضْرَتِهِ، فَإِنْ أَفْتَى عَلَيْهِ عَلِمْنَا أَنَّهُ حَقٌّ، وَفَصَّلَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْحَاضِرِ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ، كَإِيجَابِ شَيْءٍ أَوْ تَحْرِيمِهِ فَلَا يَجُوزُ. وَقَدْ أَفْتَى أَبُو السَّنَابِلِ بِاجْتِهَادِهِ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْحَامِلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ فَأَخْطَأَ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَيَجُوزُ، كَاجْتِهَادِهِمْ فِيمَا يَجْعَلُونَ عَلَمًا لِلدُّعَاءِ إلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى إيجَابِ شَرِيعَةٍ تُلْزِمُ، وَإِنَّمَا كَانَ إيذَانًا مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَاجْتَهَدَ قَوْمٌ بِحَضْرَتِهِ ﵊ فِيمَنْ هُمْ السَّبْعُونَ أَلْفًا الَّذِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَأَخْطَئُوا فِي ذَلِكَ، حَتَّى بَيَّنَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ هُمْ، وَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ فِي اجْتِهَادِهِمْ. قُلْت: وَإِذَا جَوَّزْنَا لِلْغَائِبِ فَمَا ضَابِطُ الْغَيْبَةِ؟ هَلْ هِيَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ أَمْ لَا؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا. لَكِنْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْمَنْخُولِ " أَنَّهُ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ بِفَرْسَخٍ أَوْ فَرَاسِخَ.

стр. 3295

وَأَمَّا الْوُقُوعُ: فَاخْتَلَفَ الْمُجَوِّزُونَ فِيهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ بِأَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: وَقَعَ ظَنًّا لَا قَطْعًا، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ بَيْنَ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، فَقَالَ: وَقَعَ لِلْغَائِبِ دُونَ الْحَاضِرِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعُدَّةِ " وَإِلَيْهِ مَيْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَنَقَلَهُ إلْكِيَا عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. قَالَ: وَهُوَ اُسْتُبْشِعَ فِي الِاسْتِقَامَةِ، وَأَمْيَلُ إلَى الِاقْتِصَادِ مِنْ حَيْثُ تَعَذُّرُ الْمُرَاجَعَةِ مَعَ تَأَنِّي الدَّارِّ فِي كُلِّ وَاقِعَةٌ. وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنَّ الْأَقْوَى عَلَى أُصُولِ أَصْحَابِهِمْ. وَقَالَ صَاحِبُ " اللُّبَابِ ": إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ فِي الْحَاضِرِ، وَقَطَعَ فِي الْغَائِبِ بِالْوُقُوعِ. هَذَا حَاصِلُ مَا فِي كُتُبِ الْأُصُولِ مِنْ الْأَقْوَالِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ: اجْتِهَادُ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِهِ لَهُ حَالَتَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ، كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الْيَمَنِ، فَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُمَا، لِأَنَّ مُعَاذًا قَالَ: أَجْتَهِدُ بِرَأْيِي، فَاسْتَصْوَبَهُ، وَسَوَاءٌ اجْتَهَدَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ. وَيَكُونُ اجْتِهَادُهُ أَمْرًا مُسَوَّغًا مَا لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُهُ. ثَانِيهِمَا - أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ وِلَايَةٌ فَلَهُ حَالَانِ: (أَحَدُهُمَا) - أَنْ يَظْفَرَ بِأَصْلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فَيَجُوزُ اجْتِهَادُهُ فِي الرُّجُوعِ إلَيْهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ إذَا قَدَرَ عَلَى النَّبِيِّ أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا اجْتَهَدَ فِيهِ، لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ بِأَصْلٍ لَازِمٍ. و (ثَانِيهِمَا) - أَنْ يَعْدَمَ أَصْلًا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ. وَأَمَّا فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخَافُ فَوَاتَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَهِدَ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَشْرَعَ.
следующие страницы →