Полный текст (3 423 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وَالظُّلْمَةُ إنَّمَا سُمِّيَا " سُدْفَةً " مِنْ قَوْلِك: أَنَا فِي سُدْفِك أَيْ مُسْتَتِرٌ بِك، وَهَذَا فِي الظُّلْمَةِ وَاضِحٌ، وَفِي الضَّوْءِ لِأَنَّهَا تُقَالُ فِي الظُّلْمَةِ الَّتِي يُخَالِطُهَا مُقَدِّمَةُ ضَوْءٍ. وَتَقُولُ فِي مِثْلِ " الْجَلَلِ ": إنَّهُ الْعَظِيمُ بِحَقِّ الْإِثْبَاتِ وَعَلَى الصَّغِيرِ بِالسَّلْبِ، كَقَوْلِهِمْ: ب، وَنَائِمٌ، وَأَعْجَمْتُ الْكِتَابَ، وَرَجُلٌ مُبَطَّنٌ أَيْ خَمِيصُ الْبَطْنِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ اجْتِمَاعُ الْأَضْدَادِ فِي الشِّعْرِ إيطَاءً.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِّ الْإِشْبِيلِيُّ تِلْمِيذُ الشَّلَوْبِينَ: الْحَقُّ أَنَّ التَّضَادَّ فِي اللُّغَةِ مَوْجُودٌ عَلَى مَا صَوَّرْته مِنْ التَّدَاخُلِ، وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ دُونَ تَدَاخُلٍ، وَلَكِنْ بِتَوَاضُعٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنْ بِحَسَبِ قَصْدَيْنِ أَوْ وَقْتَيْنِ وَإِنَّمَا الْمُحَالُ أَنْ يَقْصِدَ الْوَاضِعُ وَضْعَ لَفْظٍ لِمَعْنَيَيْنِ ضِدَّيْنِ أَوْ غَيْرَيْنِ مُلْتَبِسًا لِذَلِكَ غَيْرَ مُبَيِّنٍ لَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وَضْعَ اللُّغَةِ وَيُبْطِلُ حِكْمَةَ الْمُخَاطَبَةِ.
وَقَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي " الْمُخَصَّصِ ": أَمَّا فِي اتِّفَاقِ اللَّفْظَيْنِ وَاخْتِلَافِ الْمَعْنَيَيْنِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ قَصْدًا فِي الْوَضْعِ وَلَا أَصْلًا، لَكِنَّهُ مِنْ تَدَاخُلِ اللُّغَاتِ، أَوْ يَكُونُ لَفْظُهُ يُسْتَعْمَلُ لِمَعْنًى، ثُمَّ يُسْتَعَارُ لِشَيْءٍ، فَيَكْثُرُ وَيَغْلِبُ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ.
قَالَ الْفَارِسِيُّ: وَكَانَ أَحَدُ شُيُوخِنَا يُنْكِرُ الْأَضْدَادَ الَّتِي حَكَاهَا أَهْلُ اللُّغَةِ، وَأَنْ تَكُونَ لَفْظَةً لِشَيْءٍ وَضِدِّهِ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إنْكَارُهُ لِذَلِكَ مِنْ حُجَّةٍ سَمَاعًا أَوْ قِيَاسًا، فَلَا حُجَّةَ لَهُ مِنْ جِهَةِ السَّمَاعِ، بَلْ الْحُجَّةُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ فِي الْمُرَادِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ كَأَبِي زَيْدٍ وَغَيْرِهِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيِّ وَمَنْ بَعْدَهُمْ قَدْ حَكَوْا ذَلِكَ وَصَنَّفُوا فِيهِ الْكُتُبَ، فَإِنْ قَالَ: الْحُجَّةُ مِنْ الْجِهَةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ الضِّدَّ بِخِلَافِ ضِدِّهِ، فَإِذَا اشْتَرَكَتَا فِي لَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَخُصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِلَفْظٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ أَلْبَسَ وَأَشْكَلَ، فَصَارَ الضِّدُّ شَكْلًا وَالشَّكْلُ ضِدًّا، وَهَذَا إلْبَاسٌ. قِيلَ لَهُ: هَلْ يَجُوزُ عِنْدَك أَنْ
стр. 807
يَجِيءَ فِي اللُّغَةِ لَفْظَانِ مُتَّفِقَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؟ فَإِنْ مَنَعَ ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعَ مَا ثَبَتَ جَوَازُهُ، وَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ لَهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى مَنْعِ هَذَا ثَبَتَ جَوَازُ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ لِلشَّيْءِ وَخِلَافِهِ، وَإِذَا جَازَ وُقُوعُهَا لِلشَّيْءِ وَخِلَافِهِ جَازَ وُقُوعُهَا لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ. إذْ الضِّدُّ ضَرْبٌ مِنْ الْخِلَافِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خِلَافٌ ضِدًّا.
قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى جِوَازِ وُقُوعِ اللَّفْظَةِ الْوَاحِدَةِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قَوْله تَعَالَى فِي وَصْفِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ٤٦] فَلَا يَكُونُ الطَّمَعُ هَذَا إلَّا بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الَّذِي يُطْمَعُ فِيهِ، وَيَقَعُ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآخِرَةِ شَكٌّ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى حِكَايَةٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بِمَعْنَى الْعِلْمِ، لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ لَا يَشُكُّ فِي الْمَغْفِرَةِ. انْتَهَى.
стр. 808
[مَبَاحِثُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ]
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الْحَقِيقَةُ مِنْ قَوْلِنَا: حَقَّ الشَّيْءُ إذَا وَجَبَ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الشَّيْءِ الْمُحَقِّ وَهُوَ الْمُحْكَمُ. تَقُولُ: ثَوْبٌ مُحَقَّقُ النَّسْجِ، أَيْ: مُحْكَمٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ: اشْتِقَاقُهَا مِنْ الِاسْتِحْقَاقِ لَا مِنْ الْحَقِّ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمَجَازُ بَاطِلًا. وَتُطْلَقُ الْحَقِيقَةُ وَيُرَادُ بِهَا ذَاتُ الشَّيْءِ وَمَاهِيَّتُهُ، كَمَا يُقَالُ حَقِيقَةُ الْعَالِمِ: مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ وَحَقِيقَةُ الْجَوْهَرِ: الْمُتَمَيِّزُ، وَهَذَا مَحَلُّ نَظَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ. تُطْلَقُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ، وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ» وَلَيْسَ غَرَضَنَا هُنَا. وَتُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْمُسْتَعْمَلُ فِي أَصْلِ مَا وُضِعَتْ لَهُ فِي اللُّغَةِ، وَهُوَ مُرَادُنَا، وَقَدْ مَنَعَ قَوْمٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا: حَقِيقَةً يَنْطَبِقُ عَلَى مَا عَدَا هَذَا،
стр. 809
لِأَنَّ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ لَا يَصِحُّ إلَّا فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الْمَجَازُ، حَكَاهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَزَيَّفَهُ بِأَنَّ اللُّغَةَ لَا تَمْنَعُ، وَقَدْ بَيَّنَّا لِلْحَقِيقَةِ فِيهَا اسْتِعْمَالَاتٍ، وَلِأَنَّ مِنْ الْكَلَامِ مَا هُوَ حَقِيقَةٌ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الْمَجَازُ فِيهِ. فَقَوْلُنَا: الْمُسْتَعْمَلُ خَرَجَ بِهِ اللَّفْظُ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ، فَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ وَقَوْلُنَا: مَا وُضِعَ لَهُ أَخْرَجَ الْمَجَازَ إنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، فَإِنْ قُلْنَا: مَوْضُوعٌ قُلْنَا: وُضِعَ أَوَّلًا. وَهَلْ إطْلَاقُهَا بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَذَهَبَ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ إلَى أَنَّهُ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ " فَعِيلَةٌ " مِنْ الْحَقِّ إمَّا بِمَعْنَى الْفَاعِلِ أَيْ: الثَّابِتِ، وَلِهَذَا دَخَلَتْ التَّاءُ، وَإِمَّا بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ: الْمُثْبَتِ، وَعَلَى هَذَا فَدُخُولُ التَّاءِ فِيهَا لِنَقْلِ الِاسْمِ مِنْ الْوَصْفِيَّةِ إلَى الِاسْمِيَّةِ الْمَحْضَةِ. وَالْحَقُّ: أَنَّهَا إنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ فَهِيَ عَلَى بَابِهَا لِلتَّأْنِيثِ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلتَّأْنِيثِ وَالتَّاءُ لِنَقْلِ الِاسْمِيَّةِ. وَقَالَ السَّكَّاكِيُّ: هِيَ عِنْدِي لِلتَّأْنِيثِ فِي الْوَجْهَيْنِ لِتَقْدِيرِ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ قَبْلَ الِاسْمِيَّةِ صِفَةَ مُؤَنَّثٍ غَيْرَ مُجْرَاةٍ عَلَى الْمَوْصُوفِ وَهُوَ الْكَلِمَةُ، ثُمَّ نُقِلَتْ إلَى الِاعْتِقَادِ الْمُطَابِقِ، ثُمَّ مِنْ الِاعْتِقَادِ إلَى اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ الْوَضْعِ، فَظَهَرَ أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْحَقِيقَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ لَيْسَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً، بَلْ مَجَازًا وَاقِعًا فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ إطْلَاقُ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ
стр. 810
تَرْجِيحُهُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ فِي " الْمُحْكَمِ ": الْحَقِيقَةُ فِي اللُّغَةِ: مَا أُقِرَّ فِي الِاسْتِعْمَالِ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ، وَالْمَجَازُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَحَكَاهُ فِي " الْمَحْصُولِ " عَنْ ابْنِ جِنِّي، وَقَالَ: إنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ لِخُرُوجِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ، وَهُوَ غَيْرُ وَارِدٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ كَالْمُصَرِّحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ اللُّغَوِيَّةُ فَقَطْ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ لَفْظُ الْحَقِيقَةِ لَا الْمَعْنَى، ثُمَّ تَعْدَادُ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ وَجَعْلُهُ مَجَازًا فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ. وَلِمَ لَا يَكُونُ نُقِلَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ إلَى الْمَقْصُودِ، وَالْعَلَاقَةُ مَوْجُودَةٌ؟ ثُمَّ إنَّ دَعْوَى الْمَجَازِ فِي لَفْظَيْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهَا صِفَتَانِ عُرْفِيَّتَانِ
[مَسْأَلَةٌ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ]
وَحُكْمُ الْحَقِيقَةِ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَةٍ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ عَنْ الْمَجَازِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَأَنَّهُ لَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي فِي الْعَامِّ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصَّصِ، وَلَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ احْتِمَالَ وُجُودِ الْمُخَصَّصِ أَقْوَى؛ إذْ مَا مِنْ عَامٍّ إلَّا وَقَدْ تَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. لَكِنْ صَرَّحَ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ.
стр. 811
وَيُقَوِّيهِ إذَا قُلْنَا: إنَّ الْمَجَازَ غَالِبٌ فِي اللُّغَاتِ.
وَقَالَ سُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي " التَّقْرِيبِ ": أَمَّا الْحَقَائِقُ فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا تُحْمَلُ عَلَى مُسَمَّيَاتِهَا حَتَّى يُنْظَرَ هَلْ هُنَاكَ مَا يُعْدَلُ بِهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا إذَا عُدِلَتْ عَنْ مُقْتَضَاهَا حُمِلَتْ عَلَى الْمَجَازِ، وَقِيلَ الْعُمُومُ إذَا حُمِلَ عَلَى الْخُصُوصِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْمَجَازِ.
[أَقْسَامُ الْحَقِيقَةِ]
[أَقْسَامُ الْحَقِيقَةِ] وَتَنْقَسِمُ الْحَقِيقَةُ إلَى لُغَوِيَّةٍ وَعُرْفِيَّةٍ وَشَرْعِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الْوَضْعَ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ إمَّا وَضْعُ اللُّغَةِ، وَهِيَ اللُّغَوِيَّةُ كَالْأَسَدِ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ أَوَّلًا، وَهُوَ إمَّا وَضْعُ الشَّارِعِ، وَهِيَ الشَّرْعِيَّةُ كَالصَّلَاةِ، لِلْأَرْكَانِ وَقَدْ كَانَتْ فِي اللُّغَةِ لِلدُّعَاءِ أَوَّلًا، وَهِيَ الْعُرْفِيَّةُ الْمَنْقُولَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا الْأَصْلِيِّ إلَى غَيْرِهِ بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، وَلْتَتَنَبَّهْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ اللُّغَوِيَّةَ أَصْلُ الْكُلِّ، فَالْعُرْفُ نَقَلَهَا عَنْ اللُّغَةِ إلَى الْعُرْفِ، وَالشَّرْعُ نَقَلَهَا عَنْ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ. الثَّانِي: أَنَّ الْوَضْعَ فِي اللُّغَوِيَّةِ غَيْرُ الْوَضْعِ فِي الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ، فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ تَعْلِيقُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ مَعْنًى لَمْ يُعْرَفْ بِهِ غَيْرُ ذَلِكَ الْوَضْعِ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُرْفِيَّةِ فَبِمَعْنَى غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ الْمَعْنَى السَّابِقِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ
стр. 812
عَنْ الشَّارِعِ أَنَّهُ وَضَعَ لَفْظَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِإِزَاءِ مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ، بَلْ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ الشَّارِعِ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِإِزَاءِ تِلْكَ الْمَعَانِي حَيْثُ صَارَتْ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ مَهْجُورَةً، وَكَذَلِكَ الْعُرْفُ، فَإِنَّ أَهْلَهُ لَمْ يَضَعُوا لَفْظَ الْقَارُورَةِ مَثَلًا لِلظَّرْفِ مِنْ الزُّجَاجِ عَلَى جِهَةِ الِاصْطِلَاحِ، كَمَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَضَعْ لَفْظَ الزَّكَاةِ لِقَطْعِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمَالِ لِلْفُقَرَاءِ. بَلْ صَارَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ شَرْعِيَّةً وَعُرْفِيَّةً بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ دُونَ أَنْ يَسْبِقَهُ تَعْرِيفٌ بِتَوَاضُعِ الِاسْمِ، وَمِنْ هَاهُنَا مَنَعَ بَعْضُهُمْ إدْخَالَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي الْحَدِّ لِاخْتِلَافِ مَعْنَى الْوَضْعِ فِيهَا فَإِنَّ الِاصْطِلَاحَ غَيْرُ غَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ، فَإِنْ خَصَصْنَا الْوَضْعَ بِالِاصْطِلَاحِ خَرَجَتْ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْعُرْفِيَّةُ، وَإِنْ لَمْ نَخُصَّهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا، وَالْحُدُودُ تُصَانُ عَنْهُ، فَيَنْبَغِي إفْرَادُهَا بِحَدٍّ كَأَنْ يُقَالَ: الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الِاصْطِلَاحِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّخَاطُبُ، لَكِنْ هَذِهِ مُضَايَقَةٌ لَا طَائِلَ تَحْتَهَا بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّ لِلشَّرْعِ وَضْعًا كَاللُّغَةِ فَإِنَّ الْوَضْعَ تَعْلِيقُ لَفْظٍ بِإِزَاءِ مَعْنًى، وَهُوَ يَشْمَلُهُمَا لَكِنْ يَخْتَلِفَانِ فِي سَبَبِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ، فَفِي اللُّغَةِ إعْلَامُ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ وُضِعَ لِذَلِكَ، وَفِي الشَّرْعِ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، لِيَرْفَعَ الْوَضْعَ السَّابِقَ إنْ كَانَ.
وَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَنَقُولُ: أَمَّا اللُّغَوِيَّةُ فَهِيَ الَّتِي عَلَيْهَا جُلُّ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُمْ الْمُثْبِتُونَ لِلنَّقْلِ الشَّرْعِيِّ وَالْعُرْفِيِّ، أَوْ كُلُّهَا عِنْدَ آخَرِينَ، وَهُمْ النَّافُونَ لَهُ، فَيَقُولُونَ: إنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ بِحُرُوفِ اللُّغَةِ وَنَظْمِهَا، وَالْمَقْصُودُ بِهِ مِنْ نُطْقِ الشَّرْعِ هُوَ الْمَقْصُودُ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي إمْكَانِهَا وَوُقُوعِهَا فِي الْمَعْنَى الْوَاحِدِ. وَأَمَّا الْمُفِيدُ لِلشَّيْءِ وَخِلَافِهِ عَلَى طَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ فَمَنَعَهُ قَوْمٌ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِي مَبَاحِثِ الِاشْتِرَاكِ.
стр. 813
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْكِنُ النِّزَاعُ فِي الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ بِأَنْ يُقَالَ: إنَّهَا انْتَسَخَتْ، وَصَارَتْ الْأَلْفَاظُ بِأَسْرِهَا شَرْعِيَّةً أَوْ عُرْفِيَّةً لِكَثْرَةِ النَّقْلِ وَالتَّغْيِيرِ فِي انْتِقَالَاتِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ، وَعَلَى هَذَا يَجِبُ تَتَبُّعُ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ إنْ وَجَدْنَاهَا فِي أَلْفَاظِ الْخِطَابِ، فَإِنْ لَمْ نَجِدْهَا فَالْحَقَائِقُ الْعُرْفِيَّةُ. وَأَمَّا مَا يُنْقَلُ مِنْ وَاضِعِي اللُّغَاتِ فَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّهَا تَغَيَّرَتْ وَانْتَسَخَتْ فَلَا يُخَاطِبُنَا الشَّرْعُ بِهَا، وَالْجَوَابُ: هَذَا مَمْنُوعٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى الْوُقُوفِ لِنَقْلِ اللُّغَةِ فِي مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا فِي الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَبِالصَّلَاةِ لِمَنْ دُعِيَ إلَى وَلِيمَةٍ، وَهُوَ صَائِمٌ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعُرْفِيَّةُ فَتَنْقَسِمُ إلَى خَاصَّةٍ وَعَامَّةٍ، فَإِنْ كَانَ النَّاقِلُ طَائِفَةً مَخْصُوصَةً سُمِّيَتْ خَاصَّةً، وَإِنْ كَانَ عَامَّةَ النَّاسِ سُمِّيَتْ عَامَّةً. وَقَدْ أَوْضَحَ مَعْنَى الْعُرْفِيَّةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ فِي " التَّقْرِيبِ ": مَعْنَى وَصْفِ الِاسْمِ بِأَنَّهُ عُرْفِيٌّ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ إطْلَاقِهِ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي بَعْضِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوْ غَيْرِهِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى عُرْفِيٌّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ اُبْتُدِئَ وَضْعُهُ لِمَا جَرَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ عُرْفِيَّةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ مُجَرَّدَةٌ مُبْتَدَأَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَبِيلُ سَائِرِ الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا أَسْمَاءٌ ابْتَدَأَهَا وَوَضَعَهَا غَيْرُ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِضُرُوبِ الْعَلَامَاتِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَنَّهُ نُقِلَ عَنْ مَعْنَاهُ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَجَازُ، وَتَسْمِيَتُهُ مَجَازًا أَحَقُّ وَأَوْلَى. انْتَهَى. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَالِاعْتِبَارَاتُ فِي الْعُرْفِ إنَّمَا هُوَ بِعُرْفِ مَنْ
стр. 814
هُوَ لَهُ دُونَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّا قَدْ قُلْنَا: إنَّ الْعُرْفَ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ يَقُومُ مَقَامَ ابْتِدَاءِ الْمُوَاضَعَةِ فَإِذَا اخْتَصَّ ابْتِدَاءُ الْمُوَاضَعَةِ بِأَهْلِهَا فَكَذَلِكَ الْعُرْفُ. اهـ.
مَسْأَلَةٌ [إمْكَانُ الْعُرْفِيَّةِ] وَلَا خِلَافَ فِي إمْكَانِ الْعُرْفِيَّةِ، وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَلَا نِزَاعَ فِي وُجُودِ الْخَاصَّةِ مِنْهَا لِاسْتِقْرَاءِ كَلَامِ ذَوِي الْعُلُومِ وَالصِّنَاعَاتِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا أَهْلُ اللُّغَةِ، كَالْقَلْبِ وَالنَّقْضِ وَالْجَمْعِ وَالْفَرْقِ. وَأَمَّا الْعُرْفِيَّةُ الْعَامَّةُ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَهَا، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْوُقُوعِ قَالَهُ الْهِنْدِيُّ، وَتَابَعَ فِيهِ فِي " الْمَحْصُولِ " وَاسْتَغْرَبَ شَارِحُهُ الْأَصْفَهَانِيُّ هَذَا الْخِلَافَ، وَقَالَ: إنَّمَا الْمَعْرُوفُ الْخِلَافُ فِي الشَّرْعِيَّةِ. قُلْت: حَكَى الْخِلَافَ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِينَ أَجَازُوا انْتِقَالَ الِاسْمِ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ بِالْعُرْفِ إنَّمَا أَجَازُوا ذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ الِاسْمُ اللُّغَوِيُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنْ تَعَلَّقَ لَمْ يَجُزْ نَقْلُهُ عَنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَعْنًى آخَرَ قَطْعًا، لِأَنَّهُ يَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلَى التَّكْلِيفِ. اهـ.
فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ، وَيَخْرُجُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي وَأَتْبَاعِهِ وَالْإِمَامِ الرَّازِيَّ رَابِعٌ، فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا النَّقْلَ الْعُرْفِيَّ إلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ قَدْ وُضِعَ لِمَعْنًى عَامٍّ ثُمَّ تَخَصَّصَ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ
стр. 815
لِبَعْضِ أَنْوَاعِهِ، كَلَفْظِ الدَّابَّةِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِكُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، ثُمَّ خَصَّصَهَا الْعُرْفُ الْعَامُّ بِذَاتِ الْحَوَافِرِ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ قَدْ وُضِعَ لِمَعْنًى، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا لَهُ بِهِ نَوْعُ مُنَاسَبَةٍ وَمُلَابَسَةٍ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ كَالْغَائِطِ، وَالْأَوَّلُ نُقِلَ إلَى الْحَقِيقَةِ، وَالثَّانِي إلَى الْمَجَازِ. قَالَ الْقَاضِي: وَالْأَسْمَاءُ الْعُرْفِيَّةُ مُنْحَصِرَةٌ فِي هَذَيْنِ، وَلَا يُنْبِئُ الْعُرْفُ عَنْ الْوَضْعِ، لِلْإِجْمَاعِ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِ الْأَسَامِي، وَلَوْ صُرِفَ إلَى أَصْلِ الْوَضْعِ لَلَزِمَ تَسْمِيَةُ جُمْلَةِ اللُّغَةِ عُرْفِيَّةً، وَلَا يُنْبِئُ عَنْ تَجْدِيدِ الْوَضْعِ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ اللُّغَةِ، فَإِنَّ هَذَا سَبِيلُ كُلِّ لُغَةٍ سَبَقَهَا أُخْرَى، وَإِنَّمَا تُنْبِئُ عَمَّا يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ عُرْفًا مِنْ الْمَجَازَاتِ أَوْ يَغْلِبُ تَخْصِيصُهُ بِبَعْضِ الْمُقْتَضَيَاتِ، وَكَذَا قَالَ فِي " الْمَحْصُولِ ": التَّصَرُّفُ الْوَاقِعُ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ هُوَ الَّذِي ثَبَتَ عَنْ أَهْلِ الْعُرْفِ، وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهِمَا فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ وَذَكَرَ غَيْرُهُ مِنْ أَقْسَامِ الْعُرْفِيَّةِ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لِشَيْءٍ فِي اللُّغَةِ لَكِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فِيهَا، فَيَسْتَعْمِلُهُ الْعُرْفُ فِي غَيْرِهِ كَعَسَى، فَإِنَّهُ وُضِعَ أَوَّلًا لِلْفِعْلِ الْمَاضِي، وَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ قَطُّ، بَلْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْإِنْشَاءِ بِوَضْعِ الْعُرْفِ، فَصَارَتْ الْعُرْفِيَّةُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ فِيمَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ فِي اللُّغَةِ أَصْلًا إذَا لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ اللُّغَوِيُّ أَيْضًا، أَوْ كَانَ لَهُ وَضْعٌ فِي اللُّغَةِ، وَاسْتُعْمِلَ فِيهِ، لَكِنْ هُجِرَ كَالْغَائِطِ، أَوْ لَمْ يُهْجَرْ، وَلَكِنْ قَصَرَهُ الْعُرْفُ عَلَى بَعْضِ مَوْضُوعَاتِهِ كَالدَّابَّةِ. وَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَهِيَ مِنْ مُهِمَّاتِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ أَحْكَمَ شَرْحَهَا. وَيَتَعَلَّقُ بِهَا مَبَاحِثُ:
стр. 816
الْأَوَّلُ: فِي تَحْقِيقِ الْمُرَادِ بِالِاسْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهِيَ اللَّفْظَةُ الَّتِي اُسْتُفِيدَ وَضْعُهَا لِلْمَعْنَى مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، كَذَا قَالَهُ فِي " الْمَحْصُولِ " وَسَبَقَهُ إلَيْهِ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ ". وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ: مَا كَانَ مَعْنَاهُ ثَابِتًا بِالشَّرْعِ، وَالِاسْمُ مَوْضُوعٌ لَهُ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: هُوَ مَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الشَّرْعِ وَاللَّفْظِ مِنْ اللُّغَةِ، وَمَرَّةً يُسْتَفَادُ الْمَعْنَى مِنْ وَضْعِ اللُّغَةِ وَاللَّفْظِ فِي الشَّرْعِ، وَالْكُلُّ أَسَامِي شَرْعِيَّةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلًا فِي الشَّرْعِ، وَقِيلَ الِاسْمُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِقْرَارَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ وَالْحَرْفِ الشَّرْعِيَّيْنِ إلَّا بِالتَّبَعِ. وَهَلْ الْمُرَادُ بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ كُلُّ مَا وَرَدَ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ مِمَّا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، أَوْ سَوَاءٌ كَانَ مُوَافِقًا لِلْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ أَمْ لَا؟ وَالظَّاهِرُ: الْأَوَّلُ، فَإِنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أَرَادَ بِهِ الشَّارِعُ مَعْنًى يَصِحُّ إطْلَاقُ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَلَيْهِ فِي اللُّغَةِ حَقِيقَةً لَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى أَنْ نَقُولَ: إنَّهُ تَجَوَّزَ بِهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُرَادَةِ، كَإِطْلَاقِ الصَّلَاةِ عَلَى الدُّعَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] لَا نَقُولُ إنَّهُ مَجَازٌ بِحَسَبِ الصَّلَاةِ ذَاتِ الْأَرْكَانِ، بَلْ هُوَ الدُّعَاءُ، وَهَذَا حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وَإِذَا أَمْكَنَتْ فَمَا الدَّاعِي لِلْمَجَازِ الشَّرْعِيِّ.
стр. 817
[أَقْسَامُ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ]
ِ] وَأَقْسَامُهَا أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى مَعْلُومَيْنِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَضَعُوا ذَلِكَ الِاسْمَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا غَيْرَ مَعْلُومَيْنِ لَهُمْ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَعْلُومًا لَهُمْ وَالْمَعْنَى غَيْرَ مَعْلُومٍ. الرَّابِعُ: عَكْسُهُ، وَالْمَنْقُولَةُ الشَّرْعِيَّةُ أَخَصُّ مِنْ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ. ثُمَّ مِنْ الْمَنْقُولَةِ مَا نُقِلَ إلَى الدِّينِ وَأُصُولِهِ كَالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ، وَتُخَصُّ بِالدِّينِيَّةِ، وَمَا نُقِلَ إلَى فُرُوعِهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَخْتَصُّ بِالْفَرْعِيَّةِ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْبَهُ وُقُوعُهَا. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكَلَفْظِ الرَّحْمَنِ لِلَّهِ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ كَانَ مَعْلُومًا لَهُمْ، وَالثَّانِي: كَأَوَائِلِ السُّوَرِ، وَالثَّالِثُ: كَلَفْظِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَالرَّابِعُ كَلَفْظِ الْأَبِّ وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] قَالَ عُمَرُ: مَا الْأَبُّ؟ اهـ.
وَالنِّزَاعُ فِي الْكُلِّ عَلَى السَّوَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي " الْمَحْصُولِ " فَتَابَعُوهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْمُعْتَمَدِ " عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ الشَّرْعِيِّ بِمَا سَبَقَ، وَهُوَ مَاشٍ عَلَى مَذْهَبِهِمْ الْآتِي وَأَمَّا عَلَى أَصْلِنَا فَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ
стр. 818
بَلْ الشَّرْطُ كَمَا قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ: كَوْنُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ يَعْلَمُهَا أَهْلُ اللُّغَةِ، لِاسْتِحَالَةِ نَقْلِ الشَّرْعِ لَفْظَةً لُغَوِيَّةً إلَى مَعْنَى مَجَازِ لُغَةٍ، وَلَا يَعْرِفُهُمَا أَهْلُ اللُّغَةِ. الثَّانِي: فِي إمْكَانِهَا عَقْلًا، وَنَقَلَ الْإِمَامُ فِي " الْمَحْصُولِ " وَالْآمِدِيَّ فِي " الْإِحْكَامِ " الْإِجْمَاعَ عَلَى إمْكَانِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُقُوعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَفِي " شَرْحِ الْعُمَدِ " لِأَبِي الْحُسَيْنِ عَنْ قَوْمٍ إنْكَارُ إمْكَانِهَا، فَقَالَ: وَقَدْ أَبَى قَوْمٌ جَوَازَ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفَ تَعْلِيلُهُمْ، فَعِلَّةُ بَعْضِهِمْ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ إمْكَانِ ذَلِكَ، وَعِلَّةُ الْآخَرِينَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُمْ مَنَعُوا مَنْ حَسَّنَهُ. اهـ.
وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ أَيْضًا ابْنُ بَرْهَانٍ فِي " الْأَوْسَطِ " فَقَالَ: وَأَمَّا إمْكَانُ نَقْلِ الْأَسَامِي، أَوْ نَقْلِهَا مِنْ اللُّغَةِ إلَى الشَّرْعِ فَقَدْ جَوَّزَهُ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ، وَمَنَعَهُ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ، وَبِنَاءُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ نَقْلَهَا مِنْ اللُّغَةِ إلَى الشَّرْعِ لَا يُؤَدِّي إلَى قَلْبِ الْحَقَائِقِ، وَعِنْدَهُ يُؤَدِّي. الثَّالِثُ: أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ إمْكَانُهُ فَهُوَ حَسَنٌ وَلَيْسَ بِقَبِيحٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَثَابَةِ النَّسْخِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ نَسْخُهَا وَتَبْدِيلُهَا بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ حَسَنًا، فَلَأَنْ يَحْسُنَ ذَلِكَ فِي الْأَسَامِي أَوْلَى. وَقِيلَ: وَإِنْ جَازَ عَقْلًا لَكِنَّهُ لَا يَنْتَقِلُ؛ لِأَنَّهُ قَبِيحٌ لِإِفْضَائِهِ إلَى إسْقَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالنَّسْخِ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ.
الرَّابِعُ: إنَّهُ إذَا ثَبَتَ هَذَا فَهَلْ وَقَعَ أَوْ لَا؟ فِيهِ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ الدِّينِيَّةُ وَهِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأُصُولِ
стр. 819
الدِّينِ كَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَالْفَرْعِيَّةُ وَهِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْفُرُوعِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي " شَرْحِ الْبُرْهَانِ ": وَهُوَ رَأْيُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ، وَالْإِمَامِ أَبِي نَصْرِ بْنِ الْقُشَيْرِيّ، وَنَقَلَهُ عَنْ أَصْحَابِنَا، فَقَالَ: وَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَمْ يَنْقُلْ الشَّرْعُ شَيْئًا مِنْ الْأَسَامِي اللُّغَوِيَّةِ، بَلْ النَّبِيُّ ﷺ كَلَّمَ الْخَلْقَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَإِلَى هَذَا مَيْلُ الْقَاضِي. اهـ.
وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرُّوذِيِّ وَالشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فَقَالَ: أَجْمَعَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ بِالشَّرْعِ أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ عَنْ مَعَانِيهَا فِي اللُّغَةِ إلَى مَعَانٍ سِوَاهَا إلَّا أَبَا حَامِدٍ الْمَرُّوذِيَّ، فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْأَسَامِيَ كُلَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى مُقْتَضَاهَا فِي اللُّغَةِ قَبْلَ الشَّرْعِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، وَمِثَالُ ذَلِكَ: الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ، وَقَدْ صَارَ بِالشَّرْعِ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ اسْمًا لِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ الْآنَ أَيْضًا بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ أَسْمَاءٌ لِأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا كَانَ مَفْعُولًا مِنْهَا فِي اللُّغَةِ قَبْلَ الشَّرْعِ عِنْدَنَا، وَهِيَ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ ثَابِتَةٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الشَّرْعِ إلَّا أَنَّهَا لَا يَحْتَسِبُ بِهَا إلَّا إذَا أَتَى عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي عَلَّقَتْهَا الشَّرِيعَةُ بِهَا. اهـ. وَكَذَلِكَ حَكَاهُ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ فِي جُزْءٍ جَمَعَهُ فِي بَيَانِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. فَقَالَ: وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ، هَلْ نَقَلَتْ الشَّرِيعَةُ أَسْمَاءَ اللُّغَةِ عَنْ مَوْضُوعَاتِهَا إلَى غَيْرِهَا؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّهَا نَقَلَتْ، وَإِنَّ مِنْ ذَلِكَ الْإِيمَانَ، فَإِنَّهُ لُغَةً التَّصْدِيقُ، وَإِنَّمَا قِيلَ فِي الشَّرِيعَةِ لِلطَّاعَاتِ: كُلُّهَا إيمَانٌ، وَذَلِكَ شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ وَالْوُضُوءُ، فَجَمْعُهُ مَنْقُولٌ عَنْ اللُّغَةِ.
стр. 820
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: إنَّ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا لُغَوِيَّةٌ، وَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ مِنْهَا شَيْءٌ عَنْ مَوْضُوعِ اللُّغَةِ، وَأَنْ لَا إيمَانَ إلَّا بِتَصْدِيقٍ، وَأَنْ لَا تَصْدِيقَ إلَّا بِإِيمَانٍ، وَقَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ لُغَةً: الدُّعَاءُ، وَالْحَجَّ: الْقَصْدُ، وَالزَّكَاةَ: النَّمَاءُ، وَالْوُضُوءَ: النَّظَافَةُ، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ أَتَى بِفِعْلِهَا عَنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. وَفَرَّقَ أَبُو الْحَسَنِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، فَقَالَ: كُلُّ إيمَانٍ إسْلَامٌ، وَلَيْسَ كُلُّ إسْلَامٍ إيمَانًا، وَقَالَ: إنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ وَالِانْقِيَادُ وَالْمُتَابَعَةُ لِلَّهِ فِي طَاعَاتِهِ، وَالْإِيمَانُ بِهِ، وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ، وَقَالَ: إنَّ الْمُنَافِقَ مُسْلِمٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَسْلِمٌ فِي الظَّاهِرِ غَيْرُ مُصَدِّقٍ فِي الْبَاطِنِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فَفَرَّقَ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ. اهـ.
[النَّافُونَ لِلْحَقِيقَةِ] ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّافُونَ عَلَى مَذْهَبَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهَا مُقَرَّةٌ عَلَى حَقَائِقِ اللُّغَاتِ، لَمْ تُنْقَلْ وَلَمْ يُزَدْ فِي مَعْنَاهَا، وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا أَقَرَّتْ وَزِيدَ فِي مَعْنَاهَا فِي الشَّرْعِ، وَنَقَلَاهُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ. قُلْت: وَهُوَ مَا نَصَّهُ ابْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الِاسْمِ عَنْ اللُّغَةِ إلَى الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا هُوَ إبَانَةُ مَوْضِعِ مَا أُرِيدَ بِإِيقَاعِهِ فِيهِ، فَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ مَعَانِيهَا الدُّعَاءُ، وَلَمْ يَخْرُجْ بِالشَّرْعِ عَنْ مَعْنَاهُ، بَلْ أَتَى بِوَضْعِهِ الَّذِي جُعِلَ فِيهِ، فَقِيلَ: نَدْعُو عَلَى صِفَةِ كَذَا، وَلَا يَتَغَيَّرُ مَعْنَى الِاسْمِ بِذَلِكَ. اهـ.
стр. 821
وَيَخْرُجُ مِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ التَّفْضِيلُ بَيْنَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالِاسْمِ فَرْضٌ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ عَنْ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ يُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا، فَلَا يَمْتَنِعُ، وَقَدْ سَبَقَ نَقْلُهُ صَرِيحًا فِي الْحَقِيقَةِ الْعُرْفِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ قَائِلَهُ يَطْرُدُهُ هُنَا. الْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهَا وَاقِعَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُعْتَزِلَةِ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ فِي " الْمُعْتَمَدِ "، وَحَكَاهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَصَحَّحَهُ،
وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي كَيْفِيَّةِ وُقُوعِهَا عَلَى مَذْهَبَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهَا حَقَائِقُ وَضَعَهَا الشَّارِعُ مُبْتَكَرَةً لَمْ يُلَاحَظْ فِيهَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَصْلًا، وَلَيْسَ لِلْعَرَبِ فِيهَا تَصَرُّفٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ. قَالُوا: وَتَارَةً يُصَادِفُ الْوَضْعُ الشَّرْعِيُّ عَلَاقَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، فَيَكُونُ اتِّفَاقِيًّا غَيْرَ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ، وَتَارَةً لَا يُصَادِفُهُ، وَقَالُوا: نَقَلَ الشَّارِعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ مُسَمَّيَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، وَابْتِدَاءً وَضْعَهَا لِهَذِهِ الْمَعَانِي، فَلَيْسَتْ حَقَائِقَ لُغَوِيَّةً، وَلَا مَجَازَاتٍ عَنْهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ بِأَنْ يَكُونَ اُسْتُعِيرَ لَفْظُهَا لِلْمَدْلُولِ الشَّرْعِيِّ لِعَلَاقَةٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فِي " الْمَحْصُولِ "، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَوَسَّطَ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرَ أَنَّ الشَّرْعَ نَقَلَهَا نَقْلًا كُلِّيًّا، فَإِنَّ مَعَانِيَ اللُّغَةِ لَا تَخْلُو مِنْهَا، وَلَا اسْتَعْمَلَهَا اسْتِعْمَالًا كُلِّيًّا، وَإِلَّا لَتَبَادَرَ الذِّهْنُ إلَى حَقَائِقِهَا اللُّغَوِيَّةِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهَا فِي حَقِيقَتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، بَلْ فِي مَجَازِهَا اللُّغَوِيِّ، فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالْحَقِيقَةِ كَمَا يَتَكَلَّمُونَ بِالْمَجَازِ، وَمِنْ مَجَازِهَا: تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ أَجْزَائِهِ، وَالصَّلَاةُ
стр. 822
كَذَلِكَ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ جُزْءٌ مِنْهَا، بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، قَالَ: فَلَمْ يَخْرُجْ اسْتِعْمَالُهُ عَنْ وَضْعِ اللُّغَةِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي ذَيْلِ الْمَسْأَلَةِ: وَهُوَ مِمَّنْ صَحَّحَ الْوُقُوعَ رَدًّا عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّهَا مَجَازَاتٌ شَرْعِيَّةٌ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ، ثُمَّ حَقَّقَ، وَقَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ فِيهَا مَعْنَى اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخْلُو عَنْ الدُّعَاءِ فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَخْرَسُ نَادِرٌ، وَلِأَنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ فَقَدْ يَخْلُو فِي بَعْضِ الْمَرْضَى عَنْ مُعْظَمِ الْأَفْعَالِ، وَبِهَذَا اللَّفْظِ لَا بَأْسَ بِهِ اهـ.
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الشَّارِعَ تَجَوَّزَ، وَوَضَعَ اللَّفْظَ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَضْعًا حَقِيقِيًّا. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: ثَبَتَ مِنْهَا قَصْرُ التَّسْمِيَةِ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهَا، فَإِنَّ الصَّلَاةَ لُغَةً: الدُّعَاءُ، وَقَصَرَهُ الشَّرْعُ عَلَى دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ، وَثَبَتَ أَيْضًا إطْلَاقُهَا عَلَى الْأَفْعَالِ مِنْ السُّجُودِ وَنَحْوِهِ تَوَسُّعًا وَاسْتِعَارَةً مِنْ الدُّعَاءِ، لِأَنَّ الدَّاعِيَ خَاضِعٌ، فَكَذَلِكَ السَّاجِدُ، فَالْمُثْبِتُ لِلنَّقْلِ إنْ أَرَادَ الْقَصْرَ أَوْ التَّجَوُّزَ فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهِ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَهُ فَبَاطِلٌ، وَنَازَعَهُ الْمَازِرِيُّ، وَقَالَ الْقَصْرُ وَالتَّجَوُّزُ لَا تَغْيِيرَ فِيهِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَقْصُرُ الشَّيْءَ عَلَى غَيْرِ مَا وَضَعَتْهُ لَهُ، وَيَصِيرُ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً مَهْجُورَةً كَمَا فِي ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا تَحْرِيمُ الْوَطْءِ وَهُوَ مَجَازٌ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: الزِّيَادَةُ عَلَى وَضْعِهِمْ تَغْيِيرٌ، فَكَذَلِكَ النَّقْصُ مِنْهُ، لِتَعَدِّيهِ إلَى غَيْرِهِ. وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ: أَنَّ الْمَوْضُوعَاتِ الشَّرْعِيَّةَ مُسَمَّيَاتٌ لَمْ تَكُنْ مَعْهُودَةً مِنْ
стр. 823
قَبْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَسَامِي تُعْرَفُ بِهَا تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتُ، وَعِنْدَ هَذَا لَا بُدَّ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ شُبْهَةِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا وُضِعَ ابْتِدَاءً مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ، وَنَحْنُ نَقُولُ فِي الْجَوَابِ: جَعْلُهُ عُرْفِيًّا عَلَى مِثَالِ أَهْلِ الْعُرْفِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّ الشَّارِعَ يَضَعُ الشَّرْعِيَّاتِ أَبَدًا عَلَى وَزْنِ الْعُرْفِيَّاتِ حَتَّى تَكُونَ الطِّبَاعُ أَقْبَلَ عَلَيْهَا. الثَّانِي: أَنَّ اللَّفْظَ أُطْلِقَ وَأَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ التَّقْرِيرُ، وَفِيمَا قُلْنَاهُ تَقْرِيرٌ مِنْ وَجْهٍ، وَعِنْدَ هَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْآيَةِ وَالْخَبَرِ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْإِيمَانِ عَنْ الصَّلَاةِ، وَبِالصَّلَاةِ عَنْ الْإِيمَانِ، إنَّمَا كَانَ لِنَوْعِ تَعَلُّقٍ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ دَلِيلُ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَفِي اللُّغَةِ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِأَحَدِ الْمُتَعَلِّقَيْنِ عَنْ الْآخَرِ. وَمِنْ فَوَائِدِ هَذَا الْخِلَافِ الثَّانِي أَنَّهُ هَلْ يَحْتَاجُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ إلَى عَلَاقَةٍ أَمْ لَا؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْتَاجُ، وَعَلَى الثَّانِي نَعَمْ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ " الْحَاوِي ": وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الشَّرْعَ لَاحَظَ فِيهَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ. قُلْت: وَنَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي " الْأُمِّ " صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ، قَالَهُ ابْنُ اللَّبَّانِ فِي تَرْتِيبِ الْأُمِّ ".
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُثْبِتُونَ فِي وُقُوعِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهُ هَلْ وَقَعَ النَّقْلُ فِيهَا مُطْلَقًا سَوَاءٌ تَعَلَّقَتْ بِأُصُولِ الدِّينِ كَالْإِيمَانِ أَوْ فُرُوعِهِ أَوْ إنَّمَا وَقَعَ فِي فُرُوعِهِ فَقَطْ؟ فَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فِي التَّسْمِيَةِ، فَخَصُّوا اللَّفْظَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْفُرُوعِ بِالشَّرْعِيِّ،
стр. 824
وَبِالْأُصُولِ بِالدِّينِيِّ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إلَى أَنَّ النَّقْلَ إنَّمَا وَقَعَ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَقَطْ، وَهُوَ رَأْيُ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي " شَرْحِ اللُّمَعِ " وَابْنُ الصَّبَّاغِ، فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْفَرْعِيَّةَ مَحَلُّ وِفَاقٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الدِّينِيَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَكَسَ فَحَكَى الْخِلَافَ فِي الشَّرْعِيَّةِ وَالْقَطْعَ بِالْمَنْعِ فِي الدِّينِيَّةِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي " الْقَوَاطِعِ ": وَصُورَةُ الْخِلَافِ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْمَشْهُورُ: الْأَوَّلُ.
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ مِنْ النَّاس مَنْ نَفَى النَّقْلَ مُطْلَقًا فِي الدِّينِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ كَالْقَاضِي، وَمَنْ أَثْبَتَهُ مُطْلَقًا كَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الدِّينِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، فَأَثْبَتَ الشَّرْعِيَّةَ وَنَفَى الدِّينِيَّةَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِعَكْسِهِ، فَالْقَاضِي يَقُولُ: إنَّهَا مُقَرَّةٌ عَلَى حَقَائِقِهَا فِي اللُّغَةِ لَمْ تُنْقَلْ وَلَمْ يُزَدْ فِيهَا، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ: كَذَلِكَ زِيدَ فِي الِاعْتِدَادِ بِمَدْلُولَاتِهَا أُمُورٌ أُخْرَى. وَالْإِمَامُ الرَّازِيَّ يَقُولُ: إنَّهَا مُقَرَّةٌ عَلَى مَجَازَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: نُقِلَتْ عَنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ نَقْلًا بِالْكُلِّيَّةِ إلَى مَعَانٍ أُخْرَى شَرْعِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ النَّقْلِ إلَى الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يَقُولَانِ: اسْتَعْمَلَهَا الشَّارِعُ مَجَازَاتٍ ثُمَّ اُشْتُهِرَتْ فَصَارَتْ حَقَائِقَ شَرْعِيَّةً، لِغَلَبَتِهَا فِيمَا نُقِلَتْ إلَيْهِ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ الرَّازِيَّ، وَلِهَذَا نَقَلَ الْهِنْدِيُّ عَنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثِ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا مِنْ الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مَا كَانَ لُغَوِيًّا كَمَا فِي الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ دُونَ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ مَنْقُولًا عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلِيَّيْنِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نَفَى النَّقْلَ جُمْلَةً، وَأَمَّا
стр. 825
مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي النَّقْلِ أَنْ يَكُونَ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ مَجَازًا لُغَوِيًّا. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: عِنْدَنَا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مَجَازَاتٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَضْعِ اللُّغَةِ، فَإِنَّهُ أُفِيدَ بِهَا مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ، وَهِيَ حَقَائِقُ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَضْعِ الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَضَعْهَا إلَّا لِتِلْكَ الْمَعَانِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ حَقِيقَةً وَمَجَازًا بِاعْتِبَارَيْنِ. وَتَوَقَّفَ الْآمِدِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا.
تَنْبِيهَانِ [التَّنْبِيهُ] الْأَوَّلُ هَذَا الْخِلَافُ يَضْمَحِلُّ إذَا حُقِّقَ الْأَمْرُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ يُسْتَفَادُ مِنْهَا فِي الشَّرْعِ زِيَادَةٌ عَلَى أَصْلِ وَضْعِ اللُّغَةِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ ذَلِكَ الْمَعْنَى يُصَيِّرُ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ مَوْضُوعَةً كَالْوَضْعِ الِابْتِدَائِيِّ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ، أَوْ هِيَ مُبْقَاةٌ عَلَى الشَّرْعِ، أَوْ هِيَ مُبْقَاةٌ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا تَصَرَّفَ فِي شُرُوطِهَا وَأَحْكَامِهَا؟ فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ، وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الشَّارِعَ تَصَرَّفَ فِيهَا، فَذَكَرَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ " تَعْلِيقِهِ " كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْأَسْمَاءُ الَّتِي نَقَلَهَا الشَّارِعُ مِنْ اللُّغَةِ إلَى الشَّرْعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا زَادَ فِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ، فَأَبْقَاهَا الشَّارِعُ عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ، وَزَادَ الْقِرَاءَةَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَالثَّانِي: مَا نَقَصَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالْحَجِّ فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ، وَفِي الشَّرْعِ: الْقَصْدُ إلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ.
стр. 826
الثَّالِثُ: مَا نَقَصَ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ وَزَادَ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ كَالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ فِي اللُّغَةِ الْإِمْسَاكُ، وَفِي الشَّرْعِ: إمْسَاكٌ مَخْصُوصٌ مَعَ شُرُوطٍ وَالنِّيَّةِ وَغَيْرِهَا. [التَّنْبِيهُ] الثَّانِي إذَا أَثْبَتْنَا النَّقْلَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ الشَّارِعُ بِالِاسْمِ الشَّرْعِيِّ، وَنَعْنِي بِهِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيَّ، وَنَعْلَمُ أَنَّهُ عَنَى بِبَيَانٍ مُتَقَدِّمٍ، أَوْ مُقَارَنٍ، إنْ مَنَعْنَا تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ، أَوْ بَيَانٍ مُتَأَخِّرٍ إنْ جَوَّزْنَاهُ.
الْبَحْثُ الْخَامِسُ فِي تَبَيُّنِ الْمُرَادِ بِالدِّينِيِّ وَالشَّرْعِيِّ: قَسَّمَتْ الْمُعْتَزِلَةُ اللَّفْظَ إلَى دِينِيٍّ وَشَرْعِيٍّ فَالْأَسْمَاءُ الدِّينِيَّةُ ثَلَاثَةٌ: الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ وَالْفِسْقُ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الشَّرْعِ فِي غَيْرِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ حَقِيقَةً وَمَجَازًا، وَغَرَضُهُمْ أَنَّ الشَّرْعَ اسْتَعْمَلَهَا فِي غَيْرِ مَا اسْتَعْمَلَهَا الْوَاضِعُ اللُّغَوِيُّ؛ وَلِهَذَا أَثْبَتُوا الْوَاسِطَةَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ. وَأَمَّا الشَّرْعِيَّةُ فَهِيَ عِنْدَهُمْ أَسْمَاءٌ لُغَوِيَّةٌ نُقِلَتْ فِي الشَّرْعِ عَنْ أَصْلِ وَضْعِهَا إلَى أَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ، فَزَعَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ إنَّمَا حَدَثَتْ فِي الشَّرْعِ، نُقِلَتْ إلَيْهَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ مِنْ اللُّغَةِ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ الدِّينِيَّةِ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي " الْقَرِيبِ "، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " التَّلْخِيصِ " " وَالْبُرْهَانُ " وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَفِي " الْمَحْصُولِ " عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ: أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ تَخْتَصُّ بِأَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَالدِّينِيَّةُ بِأَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ كَالْمُؤْمِنِ وَالْفَاسِقِ، وَقَضِيَّتُهُ:
стр. 827
أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ دَاخِلٌ فِي الشَّرْعِيِّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ وَالْفِسْقُ فِي الشَّرْعِيَّةِ، وَيَخْرُجُ عَنْ الدِّينِيَّةِ، وَأَنَّ أَسْمَاءَ الْفَاعِلِينَ كُلَّهَا دِينِيَّةٌ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُصَلِّي وَالْمُزَكِّي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُمَا تَابِعَانِ لِلصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُمَا شَرْعِيَّانِ، وَالْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ أَصْلٌ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَهُمَا مِنْ الدِّينِيَّةِ. وَالصَّوَابُ: أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا عَمَلِيَّةٌ، وَهِيَ الشَّرْعِيَّةُ، أَوْ اعْتِقَادِيَّةٌ وَهِيَ الدِّينِيَّةُ.
الْبَحْثُ السَّادِسُ: أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ تُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: مَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، وَمَا فِي كَلَامِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلَامِ الشَّارِعِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَشَرِّعَةِ فَلَيْسَتْ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً بَلْ عُرْفِيَّةً، وَلَيْسَتْ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي شَيْءٍ، وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ غَيْرَ الْقَاضِي عَضُدِ الدِّينِ ﵀. الْبَحْثُ السَّابِعُ: أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَرْجَمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ هَلْ هِيَ وَاقِعَةٌ أَمْ لَا كَمَا فِي " الْمَحْصُولِ "، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرْجَمَهَا بِالْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي " الْمُنْتَهَى "، وَالْبَيْضَاوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ "، وَهُوَ الصَّوَابُ، لِيَشْمَلَ كُلًّا مِنْ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَجَازَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنَّ الْبَحْثَ جَارٍ فِيهِمَا وِفَاقًا وَخِلَافًا.
الْبَحْثُ الثَّامِنُ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: هَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ نَشَأَتْ فِي
стр. 828
الِاعْتِزَالِ، وَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، أَيْ جَعَلُوا الْفِسْقَ مَنْزِلَةً مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ فِي اللُّغَةِ التَّصْدِيقُ، وَالْفَاسِقُ مُوَحِّدٌ وَمُصَدِّقٌ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ فِي اللُّغَةِ، وَنُقِلَ فِي الشَّرْعِ إلَى مَنْ يَرْتَكِبُ شَيْئًا مِنْ الْمَعَاصِي. فَمَنْ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِنْهَا خَرَجَ عَنْ الْإِيمَانِ، وَلَمْ يَبْلُغْ الْكُفْرَ، ثُمَّ أَجَازَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الْإِيمَانَ يَبْقَى عَلَى مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ، وَأَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَنْقُولَةٌ، قَالَ: وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ النَّقْلِ أَنْ يَكُونَ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى حَسَبِ مَا يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَ الْإِيمَانَ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ إلَى الشَّرْعِيِّ بِأَنَّهُ نَقَلَ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ وَنَحْوَهُمَا إلَى مَعَانٍ أُخْرَى قَالَ: فَمَا بَالُ الْإِيمَانِ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْخِلَافِ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ فِي ظُهُورِ الِاعْتِزَالِ. وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: حَرْفُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِنَقْلِ الْأَسَامِي لَا يُفْضِي إلَى تَفْسِيقِ الصَّحَابَةِ، وَلَا إلَى خُرُوجِ الْفَاسِقِ إلَى الْإِيمَانِ، وَعِنْدَهُمْ يُفْضِي إلَى ذَلِكَ
الْبَحْثُ التَّاسِعُ: أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ. إحْدَاهُمَا وَهُوَ أَصْلُهُ أَنَّهُ هَلْ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَاسِطَةٌ وَهُوَ الْفِسْقُ أَمْ لَا؟ فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُثْبِتُونَهُ، وَأَثْبَتَتْهُ الْمُعْتَزِلَةُ قَائِلِينَ بِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَلَا
стр. 829
كَافِرٍ، أَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافِرٍ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ فَلِأَنَّ الْإِيمَانَ فِعْلُ الْوَاجِبِ الَّذِي مِنْهُ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الشَّهَوَاتِ، وَقَدْ أَخَلَّ بِهِ فَرَأَوْا أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالتَّسْمِيَةِ وَقَعَ مِنْ الشَّرْعِ، وَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَعْنًى لَمْ تُرِدْهُ الْعَرَبُ، وَحَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ ظَوَاهِرَ الْأَحَادِيثِ النَّافِيَةِ لِلْإِيمَانِ عَنْ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ، نَحْوَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ نَفْيَ التَّصْدِيقِ. وَأَمَّا الْأَشْعَرِيَّةُ فَيُؤَوِّلُونَهُ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ وَغَيْرِهِ، وَمَنَعُوا كَوْنَ الشَّرْعِ غَيْرَ اللُّغَةِ، بَلْ التَّصْدِيقُ بَاقٍ فِيهِ، وَقَالُوا: صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ مُطِيعٌ بِإِيمَانِهِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْأَسْمَاءِ الْفَرْعِيَّةِ، كَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ قِرَاءَةٍ، فَمَنْ رَأَى أَنَّهَا بَاطِلَةٌ قَالَ: إنَّهُ مَا أَتَى بِمَا يُسَمَّى صَلَاةً فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وَمَنْ صَحَّحَهَا قَالَ: دُعَاءُ الشَّرْعِ غَيْرُ دُعَاءِ اللُّغَةِ، وَكَذَا الْبَاقِي. وَاسْتَشْكَلَ الْإِمَامُ فِي الْمَعَالِمِ " عَلَى الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقَاعِدَةَ: أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُرَكَّبَةَ تَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ مُرَكَّبَةٌ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَاعْتِقَادٍ، فَيَنْبَغِي إذَا انْتَفَى الْعَمَلُ أَنْ يَنْتَفِيَ الْإِيمَانُ، قَالَ: وَهُوَ سُؤَالٌ صَعْبٌ، وَلِأَجْلِهِ طَرَدَتْ الْمُعْتَزِلَةُ مَذْهَبَهُمْ فَسَلَبُوا الْإِيمَانَ عَنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي كِتَابِ تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ " وَأَجَابَ عَنْهَا: بِأَنَّ لِلْإِيمَانِ أَصْلًا مَتَى نَقَصَ عَنْهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ زَالَ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ، وَقَوْلُهُ: يَنْقُصُ لَمْ يَزُلْ الِاسْمُ، وَلَكِنْ يَزْدَادُ بَعْدُ إيمَانًا إلَى إيمَانِهِ، فَإِنْ نَقَصَتْ الزِّيَادَةُ الَّتِي بَعْدَ الْأَصْلِ لَمْ يَنْقُصْ الْأَصْلُ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ، وَذَلِكَ كَنَخْلَةٍ تَامَّةٍ ذَاتِ أَغْصَانٍ وَوَرَقٍ، فَكُلَّمَا قُطِعَ مِنْهَا غُصْنٌ
стр. 830
لَمْ يَزُلْ عَنْهَا اسْمُ الشَّجَرَةِ، وَكَانَتْ دُونَ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْكَمَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ اسْمُهَا، وَهِيَ شَجَرَةٌ نَاقِصَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهَا مِنْ اسْتِكْمَالِهَا التَّامَّةَ
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ إذَا وُجِدَتْ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ مُجَرَّدَةً عَنْ الْقَرِينَةِ مُحْتَمِلَةً الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ وَالشَّرْعِيَّ فَعَلَى أَيِّهِمَا يُحْمَلُ؟ فَمَنْ أَثْبَتَ النَّقْلَ قَالَ: إنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى عُرْفِ الشَّارِعِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ كُلَّ مُتَكَلِّمٍ يُحْمَلُ لَفْظُهُ عَلَى عُرْفِهِ، وَقِيَاسُهُ قَوْلُ الْقَاضِي: حَمْلُهَا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الْقَاضِي أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى أَصْلِهِ هُنَا. قَالَ الْإِبْيَارِيُّ: قَوْلُ الْقَاضِي: إنَّهُ مُجْمَلٌ يُنَاقِضُ مَذْهَبَهُ فِي حُجَّةِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ قَوْلٌ آخَرُ بِإِثْبَاتِهَا، وَإِلَّا فَالْإِجْمَالُ مَعَ اتِّحَادِ جِهَةِ الدَّلَالَةِ مُحَالٌ، أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُثْبِتُهَا، وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ مِنْ أَيْنَ لَهُ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ؟ فَإِنَّهُمْ يُسَوُّونَ بَيْنَ النِّسْبَةِ إلَى الْمُسَمَّيَيْنِ. قُلْت: وَبِهَذَا الْأَخِيرِ صَرَّحَ الْقَاضِي فِي " التَّقْرِيبِ " فَقَالَ: فَإِنْ قِيلَ: مَا تَقُولُونَ لَوْ ثَبَتَ أَسْمَاءٌ شَرْعِيَّةٌ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى مُوجِبِ اللُّغَةِ أَوْ الشَّرْعِ؟ قُلْنَا: يَجِبُ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَا هُوَ لَهَا فِي اللُّغَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ مَا هُوَ فِي الشَّرْعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْأَمْرَيْنِ، فَيَجِبُ لِتَجْوِيزِ ذَلِكَ الْوَقْفِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الْمُرَادِ.
وَقَالَ السُّهْرَوَرْدِيّ: تَرَدَّدَ الْقَاضِي بَيْنَ نَفْيِ الْكَمَالِ وَالصِّحَّةِ لَيْسَ لِاعْتِرَافِهِ بِاللُّغَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، بَلْ لِأَنَّهُ يَرَى الْإِضْمَارَ، وَلَا تَعَيُّنَ لِأَحَدِ الْإِضْمَارَيْنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعِيَّةَ تُطْلَقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: مَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، وَمَا فِي
стр. 831
كَلَامِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَهَذَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الشَّرْعِيَّةِ، إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى كَلَامِ الشَّارِعِ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّرْعِيَّةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ لَا حَاجَةَ لَهُمْ فِيهَا إلَى الْقَرِينَةِ كَمَا هُوَ حُكْمُ الْحَقَائِقِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي " الْحَاوِي " فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا هَلْ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ إلَّا بِالشَّرْعِ، أَوْ هُوَ ظَاهِرٌ قَبْلَ وُرُودِ الْبَيَانِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَبَنَوْا عَلَيْهِمَا أَنَّ اسْمَ الصَّلَاةِ هَلْ جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ كَمَا جَاءَ بِبَيَانِ الْحُكْمِ، أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَالشَّرْعُ اخْتَصَّ بِبَيَانِ الْأَحْكَامِ؟ فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ قَالَ: إنَّ الشَّرْعَ أَحْدَثَ الِاسْمَ كَالْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي قَالَ: إنَّ الِاسْمَ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَالْبَيَانُ مِنْ الشَّرْعِ. وَقَالَ أَيْضًا: اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ هَلْ جَاءَ بِبَيَانِ الشَّرْعِ كَمَا جَاءَ بِبَيَانِ الْحُكْمِ، كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أَهْلِ اللِّسَانِ، وَالشَّرْعُ اخْتَصَّ بِبَيَانِ الْحُكْمِ؟ عَلَى ثَلَاثِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَحْدَثُ الْأَسْمَاءِ شَرْعًا كَالْأَحْكَامِ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اسْمَ الصَّلَاةِ مُجْمَلٌ، فَجَعَلَهُ مُسْتَحْدَثًا بِالشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ مُخْتَصٌّ بِوُرُودِ الْأَحْكَامِ، وَإِنَّمَا الْأَسْمَاءُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ لَوْ وَرَدَتْ شَرْعًا لَصَارُوا مُخَاطَبِينَ بِمَا لَيْسَ مِنْ لُغَتِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّهَا لَيْسَتْ بِمُجْمَلَةٍ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَافَّةِ أَهْلِ اللُّغَةِ: أَنَّهَا أَسْمَاءٌ قَدْ كَانَ لَهَا فِي اللُّغَةِ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، فَكَانَ حَقِيقَتُهَا مَا نَقَلَهَا الشَّرْعُ عَنْهُ، وَمَجَازُهَا مَا قَرَّرَهَا الشَّرْعُ عَلَيْهِ لِوُجُودِ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْحَقِيقَةِ، فَعَلَى هَذَا سُمِّيَتْ صَلَاةً لِمَا تَضَمَّنَتْ مِنْ الدُّعَاءِ هُوَ مُسَمًّى فِي اللُّغَةِ صَلَاةً.
стр. 832
مَسْأَلَةٌ كَمَا زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ بَعْضَ الْأَسْمَاءِ اسْتَعْمَلَهُ الشَّارِعُ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ، زَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ كَلِمَاتٌ لَيْسَتْ بِصِيَغٍ عَرَبِيَّةٍ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُعَرَّبِ - بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا - مَا أَصْلُهُ عَجَمِيٌّ ثُمَّ، عُرِّبَ اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ عَلَى نَحْوِ اسْتِعْمَالِهَا لِكَلَامِهَا، فَقِيلَ: مُعَرَّبٌ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْعَجَمِيِّ وَالْعَرَبِيِّ، وَهُوَ عَكْسُ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالُ الْمَعْنَى بِغَيْرِ اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي تِلْكَ اللُّغَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ وَاقِعٌ فِي اللُّغَةِ، وَفِي وُقُوعِهِ فِي الْقُرْآنِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى إثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَمَنْ أَثْبَتَهَا وَجَعَلَهَا مَجَازَاتٍ لُغَوِيَّةٍ، لَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ عَرَبِيٍّ. وَقَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ: لَيْسَ هَذَا الْخِلَافُ مَعَ مَنْ يَقُولُ فِي الشَّرِيعَةِ أَسْمَاءٌ مَنْقُولَةٌ مِنْ اللُّغَةِ إلَى الشَّرْعِ بَلْ ذَاكَ فَنٌّ آخَرُ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَنَفَاهُ الْأَكْثَرُونَ، مِنْهُمْ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ كَمَا رَأَيْته فِي كِتَابِهِ، وَأَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَابْنُ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: وَعَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي فِقْهِ اللُّغَةِ ": وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: وَعُزِيَ إلَى الشَّافِعِيِّ. قُلْت: نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ " فِي الْبَابِ الْخَامِسِ، فَقَالَ: وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْعِلْمِ مَنْ لَوْ أَمْسَكَ عَنْ بَعْضِ مَا تَكَلَّمَ فِيهِ لَكَانَ الْإِمْسَاكُ أَوْلَى لَهُ، فَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ: إنَّ فِي الْقُرْآنِ عَرَبِيًّا وَأَعْجَمِيًّا، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ إلَّا بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَوَجَدْنَا قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ قَبْلِ
стр. 833
ذَلِكَ مِنْهُ تَقْلِيدًا، وَتَرْكًا لِلْمَسْأَلَةِ لَهُ عَنْ حُجَّةٍ، وَمَسْأَلَةِ غَيْرِهِ مِمَّنْ خَالَفَهُ، وَبِالتَّقْلِيدِ أَغْفَلَ مَنْ أَغْفَلَ مِنْهُمْ، وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُمْ. اهـ.
وَقَدْ نَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي تَعْلِيقِهِ " فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي " الرِّسَالَةِ "، ثُمَّ قَالَ: الَّذِي عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ غَيْرُ الْعَرَبِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ بِأَسْرِهِمْ ثُمَّ نَصَرَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُثْبِتِينَ لَهُ كِبَارٌ، فَيَحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِ كَلَامِهِمْ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ ": لَعَلَّ قَائِلَهُ أَرَادَ أَنَّ فِيهِ مَا يَجْهَلُ مَعْنَاهُ بَعْضُ الْعَرَبِ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ لَمَّا سَمِعَ ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] : لَا أَدْرَى مَا الْأَبُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا كُنْت أَدْرِي مَعْنَى ﴿افْتَحْ بَيْنَنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] حَتَّى سَمِعْت أَعْرَابِيَّةً تَقُولُ: تَعَالَ أُفَاتِحْك إلَى الْقَاضِي. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ لِوَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ عَرَبِيًّا. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرَادَ أَعْجَمِيًّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَصْلَ اسْتِعْمَالِهَا فِي كَلَامِ الْعَجَمِ، فَحَوَّلَتْهَا الْعَرَبُ إلَى لُغَتِهِمْ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ فِي غَرِيبِهِ "، فَنَقَلَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَّهُ قَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ لِسَانًا سِوَى الْعَرَبِيَّةِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْقَوْلَ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ. مِثْلَ: " سِجِّيلٍ " " وَمِشْكَاةٍ " " وَالْيَمِّ " " وَ " الطُّورِ " وَ " أَبَارِيقَ " وَ " إسْتَبْرَقٍ " وَغَيْرِ ذَلِكَ.
стр. 834
ثُمَّ قَالَ: وَهَؤُلَاءِ أَعْلَمُ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَكِنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى مَذْهَبٍ، وَذَهَبَ هُوَ إلَى غَيْرِهِ، وَكِلَاهُمَا مُصِيبٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ بِغَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ فِي الْأَصْلِ، فَقَالَ أُولَئِكَ عَلَى الْأَصْلِ، ثُمَّ لَفَظَتْ بِهِ الْعَرَبُ بِأَلْسِنَتِهَا، فَعَرَّبَتْهَا فَصَارَ عَرَبِيًّا بِتَعْرِيبِهَا إيَّاهُ، فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَعْجَمِيَّةُ الْأَصْلِ، فَهَذَا الْقَوْلُ يُصَدِّقُ الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا. اهـ.
وَقَالَ ابْنُ خَرُوفٍ النَّحْوِيُّ: جَمِيعُهَا مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ اللِّسَانِ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا أَعْجَمِيَّاتٌ تَلَقَّتْهَا الْعَرَبُ وَعَمِلَتْ بِهَا، وَأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ مَلْآنُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلَ: " إبْرَاهِيمَ "، " وَإِسْحَاقَ "، " وَيَعْقُوبَ "، " وَجِبْرِيلَ "، " وَيُوسُفَ "، " وَيُونُسَ "، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ " كِتَابِهِ " فِيمَا لَا يَنْصَرِفُ، وَفِي النَّسَبِ وَالْأَمْثِلَةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ مَحْجُوجٌ، فَإِنَّهُ مُجْمِعٌ مَعَهُمْ عَلَى أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ مَلْآنُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأَعْلَامُ أَعْجَمِيَّةٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ أَعْجَمِيَّةٌ، وَفِي الْقُرْآنِ عَرَبِيَّةٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْأَعْجَمِيَّةِ مُعَرَّبَةٌ فَصِيحَةٌ، وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةً وَاحِدَةً أَعْجَمِيَّةً لَا تُعْرِبُهَا الْعَرَبُ، وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِالْأَعْلَامِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَشَيْخُهُ الْإِبْيَارِيُّ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَحَلِّ الْخِلَافِ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ الْأَعْلَامِ كَاللِّجَامِ وَالْفِرِنْدِ.
أَمَّا فِيهَا فَلَا، وَلِهَذَا اتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ صَرْفِ نَحْوِ إبْرَاهِيمَ لِلْعَجَمِيَّةِ وَالْعَلَمِيَّةِ.
стр. 835
تَنْبِيهٌ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُقُوعِ الْمُعَرَّبِ فِي اللُّغَةِ، وَأَطْلَقُوا هَذَا إطْلَاقًا، وَذَكَرَ حَازِمٌ فِي " مِنْهَاجِ الْبُلَغَاءِ " تَقْسِيمًا حَسَنًا، فَقَالَ: إنْ كَانَ اللَّفْظُ غَيْرَ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ اسْمًا أَوْ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا، فَإِنْ كَانَ فِعْلًا أَوْ حَرْفًا، فَلَا يَجُوزُ إيقَاعُهُ أَلْبَتَّةَ فِيمَا أُجْرِيَ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى قَوَانِينِ الْعَرَبِ وَمَجَارِي كَلَامِهَا، وَإِنْ كَانَ اسْمًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِمُسَمَّاهُ اسْمٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ فَلَا يَخْلُوَا إمَّا أَنْ يَكُونَ الِاسْمَانِ الْعَرَبِيُّ وَالْعَجَمِيُّ عَلَمَيْنِ عَلَى الْمُسَمَّى أَوْ نَكِرَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَا عَلَمَيْنِ جَازَ تَعْرِيبُ الْعَجَمِيِّ، وَإِنْ كَانَا نَكِرَتَيْنِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ غَيْرِ الْعَرَبِيِّ؛ إذْ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ عَرَبِيٍّ أَنْ يُعَرِّبَ غَيْرَ الْأَعْلَامِ. وَأَعْنِي بِالتَّعْرِيبِ: أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيمَا أَجْرَى مِنْ الْكَلَامِ عَلَى قَوَانِينِ كَلَامِ الْعَرَبِ بِأَنْ يُلْحِقَهُ لَوَاحِقَ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسَمَّى اسْمٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَجَائِزٌ أَنْ يَسْتَعْمِلَ الِاسْمَ الَّذِي لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ حَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الِاسْمُ مِنْ وَضْعِ مَنْ لَا يَتَكَلَّمُ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ عَلَى وَجْهِهِ، أَوْ كَانَ وَاقِفًا فِي بَعْضِ أَلْسُنِ الْعَجَمِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الِاسْمُ يَعْرِفُهُ أَهْلُ زَمَانِ مَنْ يُرِيدُ اسْتِعْمَالَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مَعْرِفَةً أَوْ نَكِرَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ غَيْرَ الْعَلَمِ الَّذِي لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ لَا يَجُوزُ تَعْرِيبُهُ مَعَ وُجْدَانِ الْبَدَلِ مِنْهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَرَبُ قَدْ عَرَّبَتْ أَسْمَاءً أَعْجَمِيَّةً نَكِرَاتٍ، فَذَلِكَ شَيْءٌ مَقْصُورٌ عَلَيْهَا، وَلَعَلَّهُمْ أَيْضًا إنَّمَا عَرَّبُوهَا، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَيَكُونُ وَجْهُ تَعْرِيبِهِمْ إيَّاهَا الْوَجْهَ الَّذِي اسْتَنْسَبُوا مَعَهُ لِلْمُحْدَثِ أَنْ يُعَرِّبَ النَّكِرَةَ حَيْثُ لَا يَجِدَ بَدَلًا مِنْهَا.
стр. 836
فَأَمَّا الْعَلَمُ فَسَائِغٌ لِلْمُحْدَثِ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيمَا يُعَرِّبُ مِنْ كَلَامِهِ وَجَدَ بَدَلًا مِنْهُ أَمْ لَا. فَائِدَةٌ قَالَ الثَّعَالِبِيُّ فِي " فِقْهِ اللُّغَةِ ": فَصْلٌ فِي ذِكْرِ أَسْمَاءٍ قَائِمَةٍ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَالْفُرْسِ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ: " التَّنُّورُ "، " الْخَمِيرُ "، " الرُّمَّانُ "، " اللَّبَنُ "، " الدِّينَارُ " " الدِّرْهَمُ ".
فَصْلٌ فِي أَسْمَاءٍ تَفَرَّدَتْ بِهَا الْفُرْسُ دُونَ الْعَرَبِ وَاضْطُرَّتْ الْعَرَبُ إلَى تَعْرِيبِهَا أَوْ تَرْكِهَا كَمَا هِيَ. فَمِنْهَا مِنْ الْأَوَانِي: " الْكُوزُ "، " الْجَرَّةُ "، " الْإِبْرِيقُ "، " الطَّشْتُ "، " الْخُوَانُ "، " الطَّبَقُ "، " الْقَصْعَةُ "، " السُّكْرُجَةُ ".
وَمِنْ الْمَلَابِسِ: " السُّمُورُ "، " السِّنْجَابُ "، " الْخَزُّ "،
стр. 837
الدِّيبَاجُ "، " السُّنْدُسُ "، " النَّاصِحُ "، " الرَّاجِحُ ".
وَمِنْ الْجَوَاهِرِ: " الْيَاقُوتُ "، " الْفَيْرُوزَجُ "، " الْبَلُّورُ ".
وَمِنْ الْمَأْكُولَاتِ: " السَّمِيدُ "، " الجردق "، " الدرمك "، " الْكَعْكُ "، " السِّكْبَاجُ "، " الزيرياج "، " الطباهج "، " الْجَرْدَانُ "، " الزماورد "، " الفالوذج "، " اللَّوْزِينَجُ "، " الْجُوزَيَنْجُ "، " السكنجبين "، " الْخَلَنْجَيِينُ ".
وَمِنْ الْأَقَاوِيَّةِ وَالرَّيَاحِينِ: " الْقِرْفَةُ "، " الدَّارَصِينُ "، " الْفُلْفُلُ "، " الكراويا "، " الزَّنْجَبِيلُ "، " الخولنجان "، " السَّوْسَنُ "، " الْمَرْكُوشُ "، " الْيَاسَمِينُ "، " الْجُلَّنَارُ "، " الْكَافُورُ "، وَ " الصَّنْدَلُ "، " الْقُرُنْفُلُ ".
[الْمُعَرَّبُ وَاقِعٌ فِي السُّنَّةِ أَيْضًا]
مَسْأَلَةٌ الْمُعَرَّبُ وَاقِعٌ فِي السُّنَّةِ أَيْضًا، وَمِنْهُمْ مَنْ نَصَبَ الْخِلَافَ فِيهِ
стр. 838
كَابْنِ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ " بَابَ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالرَّطَانَةِ، وَأَسْنَدَ فِيهِ عَنْ «أُمِّ خَالِدٍ: أَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أَبِي، وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ سنه سنه» . قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: هِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ حَسَنَةٌ، وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا «وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: الْقَتْلُ» . قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: هِيَ لُغَةُ الْحَبَشَةِ.
فُرُوعٌ عَلَى جَوَازِ النَّقْلِ: الْأَوَّلُ: النَّقْلُ خِلَافُ الْأَصْلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ احْتِمَالِ النَّقْلِ وَبَقَائِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَالْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فَيَكُونُ الْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى. الثَّانِي: قَدْ سَبَقَ انْقِسَامُ الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ الْمُتَبَايِنَةِ وَالْمُتَوَاطِئَةِ
стр. 839
وَالْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُشَكَّكَةِ فَهَلْ هَذِهِ الْأَقْسَامُ فِي الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ أَمْ لَا؟ فَنَقُولُ: أَمَّا الْمُتَبَايِنَةُ فَلَا شَكَّ فِيهَا كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَكَذَلِكَ الْمُتَوَاطِئَةُ كَالصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَفْرُوضَةِ وَالنَّافِلَةِ وَصَلَاةِ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ، وَالصَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْضِ وَالنَّقْلِ. وَزَعَمَ الْإِمَامُ الرَّازِيَّ وَالْبَيْضَاوِيُّ أَنَّ إطْلَاقَ الصَّلَاةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّلَاةِ الْأُخْرَى وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْمُومِئِ بِالظَّهْرِ وَنَحْوِهِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ يُمْكِنُ جَعْلُهُ مَدْلُولَ اللَّفْظِ. قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ وَاقِعًا بِالتَّحَرُّمِ وَالتَّحَلُّلِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ تِلْكَ الصَّلَوَاتِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهَا؟ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا مُتَوَاطِئَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُلِّ؛ إذْ التَّوَاطُؤُ خَيْرٌ مِنْ الِاشْتِرَاكِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ " التَّحْصِيلِ " نَحْوَهُ. وَأَمَّا الْمُشْتَرَكَةُ فَالْأَشْبَهُ وُقُوعُهَا أَيْضًا فَإِنَّ إطْلَاقَ الطَّهُورِ عَلَى الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَعَلَى مَا يُدْفَعُ بِهِ لَيْسَ اشْتِرَاكًا مَعْنَوِيًّا؛ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مَعْنًى مُشْتَرَكٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولَ اللَّفْظِ، كَذَا قَالَ الْهِنْدِيُّ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ بِمِثْلِ مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ.
стр. 840
وَأَمَّا الْمُشَكَّكَةُ: فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا وَاقِعَةٌ أَيْضًا، وَهِيَ كَالْفَاسِقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ فَعَلَ الْكَبِيرَةَ الْوَاحِدَةَ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى فِعْلِ الْكَبَائِرِ الْمُتَعَدِّدَةِ، فَإِنَّ تَنَاوُلَهُ لِلثَّانِي بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَأَمَّا الْمُتَرَادِفُ: فَالْأَظْهَرُ وُقُوعُهُ أَيْضًا خِلَافًا لِلرَّازِيِّ كَالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ عِنْدَنَا وَالتَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالْمَنْدُوبِ، هَذَا كُلُّهُ نَقْلٌ فِي الْأَسْمَاءِ، وَهِيَ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدِهِمَا: مَا وَضَعَهُ بِإِزَاءِ الْمَاهِيَّاتِ الْجَعْلِيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَأَمْثَالِهَا. وَالثَّانِي: الْأَسْمَاءُ الْمُتَّصِلَةُ بِالْأَفْعَالِ وَهِيَ ثَمَانِيَةٌ: الْمَصْدَرُ وَاسْمُ الْفَاعِلِ وَاسْمُ الْمَفْعُولِ وَالصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ وَأَفْعَلُ التَّفْضِيلِ وَأَسْمَاءُ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. فَاسْمُ الْفَاعِلِ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ. وَاسْمُ الْمَفْعُولِ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْوَكَالَةِ وَيَقْرُبُ مِنْهُ: أَنْتِ حَرَامٌ، وَأَنْتَ حُرٌّ، وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّيِّ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ فِي الطَّلَاقِ فِي قَوْلِهِ: أَنْتِ الطَّلَاقُ وَهَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ؟ فِيهِ خِلَافٌ وَلَا يَبْعُدُ جَرَيَانُ مِثْلِهِ فِي الْعِتْقِ، وَفِي الضَّمَانِ ذَكَرُوا فِي صِيغَةِ: أَنَا ضَامِنٌ وَكَفِيلٌ وَقَبِيلٌ، وَفِي قَبِيلٍ وَجْهٌ. قَالَ الرَّافِعِيُّ: يَطَّرِدُ فِي الْحَمِيلِ. وَأَمَّا الْحُرُوفُ فَلَمْ يُنْقَلْ مِنْهَا شَيْءٌ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
стр. 841
وَالْحَقُّ: أَنَّهُ كَالْأَفْعَالِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ نَقْلَ مُتَعَلِّقِ مَعَانِي الْحُرُوفِ مِنْ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ إلَى الشَّرْعِيَّةِ مُسْتَلْزِمٌ لِنَقْلِهَا أَيْضًا، وَفِي " نَعَمْ " بَحْثٌ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ السُّؤَالَ هَلْ هُوَ كَالْمُعَادِ فِي الْجَوَابِ؟ وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَلَمْ يُوجَدْ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَيُوجَدُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِمَصَادِرِهَا، فَإِنْ كَانَ الْمَصْدَرُ شَرْعِيًّا كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ كَانَ الْفِعْلُ الدَّالُّ عَلَيْهِ شَرْعًا كَصَلَّى وَزَكَّى، وَإِنْ كَانَ لُغَوِيًّا كَانَ الْفِعْلُ أَيْضًا لُغَوِيًّا كَأَكْثَرِ الْأَفْعَالِ.
[أَقْسَامُ الْفِعْلِ]
[أَقْسَامُ الْفِعْلِ] وَالْفِعْلُ يَنْقَسِمُ إلَى مَاضٍ وَأَمْرٍ وَمُضَارِعٍ. فَأَمَّا الْمُضَارِعُ: فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي الشَّرْعِ فِي شَيْءٍ أَصْلًا إلَّا فِي لَفْظَةِ " أَشْهَدُ " فِي الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا تَعَيَّنَتْ وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، وَكَذَلِكَ فِي اللِّعَانِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّهُ يَمِينٌ أَوْ شَهَادَةٌ، أَوْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَيَجُوزُ فِي الْيَمِينِ: أُقْسِمُ بِاَللَّهِ وَأَشْهَدُ، وَلَا يَتَعَيَّنُ. وَأَمَّا الْمَاضِي: فَيُعْمَلُ بِهِ فِي الْإِنْشَاءَاتِ كَالْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ.
وَأَمَّا فِعْلُ الْأَمْرِ: فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِيجَابِ فِي الْعُقُودِ وَالطَّلَاقِ، فَكَذَا يُعْمَلُ بِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُعْمَلُ بِالْمَاضِي عَلَى الصَّحِيحِ. الثَّالِثُ: صِيَغُ الْعُقُودِ كَبِعْتُ وَطَلَّقْت لَا شَكَّ فِي كَوْنِهَا وُضِعَتْ فِي اللُّغَةِ لِلْإِخْبَارِ عَنْ أَمْرٍ مَاضٍ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ كَمَا إذَا صَدَرَ عَنْ إنْسَانٍ بَيْعٌ أَوْ طَلَاقٌ أَوْ غَيْرُهُمَا، ثُمَّ قَالَ: بِعْتُ أَوْ طَلَّقْتُ وَمُرَادُهُ
стр. 842
الْإِخْبَارُ عَمَّا نَصَّ. وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِاسْتِحْدَاثِ أَحْكَامٍ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ، فَهَلْ هِيَ إخْبَارَاتٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بَاقِيَةٌ عَلَى الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ، أَوْ إنْشَاءَاتٌ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ نَقَلَهَا إلَى الْإِنْشَاءَاتِ الْمَخْصُوصَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. وَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ عَلَى الثَّانِي وَنُسِبَ الْأَوَّلُ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي شَمْسُ الدِّينِ السُّرُوجِيُّ فِي " الْغَايَةِ "، وَقَالَ: الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا إنْشَاءَاتٌ.
قُلْت: وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ " الْبَدِيعِ ": إنَّهُ الْحَقُّ حِينَئِذٍ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَلِهَذَا أَجْمَعُوا عَلَى ثُبُوتِ أَحْكَامِهَا عِنْدَ التَّلَفُّظِ بِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَثْبُتُ مَعَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهَا أَوْ عَقِبَهُ، وَنَسَبَ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ " الْقَوْلَ بِأَنَّهَا إخْبَارَاتٌ لِاخْتِبَارِ أَئِمَّةِ النَّظَرِ مِنْ الْخِلَافِيِّينَ. قَالُوا: وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّقْلِ الشَّرْعِيِّ إمَّا مُطْلَقًا كَقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَوْ إلَى مَجَازَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ، وَلَا يَتَأَتَّى عَلَى رَأْيِ الْقَاضِي، وَتَحْرِيرُ الْقَوْلِ بِالْإِخْبَارِ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِك: بِعْت، الْإِخْبَارُ عَمَّا فِي قَلْبِك، فَإِنَّ أَصْلَ الْبَيْعِ هُوَ التَّرَاضِي، وَوُضِعَتْ لَفْظَةُ بِعْت لِلدَّلَالَةِ عَلَى الرِّضَى، فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَ بِهَا عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ بِتَقْدِيرِ وُجُودِهَا قُبَيْلَ اللَّفْظِ لِلضَّرُورَةِ، وَغَايَةُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ النَّقْلِ. وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّهَا إنْشَاءٌ قَالُوا: لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا نُقِلَتْ عَنْ مَعْنَى الْإِخْبَارِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَوُضِعَتْ لِإِيقَاعِ هَذِهِ الْأُمُورِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهَا صِيَغٌ يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ مَدْلُولَاتِهَا اللُّغَوِيَّةِ عَلَى ثُبُوتِ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ، فَاعْتَبَرَ الشَّرْعُ
стр. 843
إيقَاعَهَا مِنْ جِهَتِهِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ تَصْحِيحًا لِهَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَابِعَةً، وَلِهَذَا كَانَ جَعْلُهُ إنْشَاءً لِلضَّرُورَةِ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِكَوْنِهِ إخْبَارًا لَمْ يُجْعَلْ إنْشَاءً بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُطَلَّقَةِ وَالْمَنْكُوحَةِ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ، لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إذَا قَالَ: قَصَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ.
تَنْبِيهٌ كَذَا فَرَضُوا الْخِلَافَ فِي الْعُقُودِ، وَيُلْتَحَقُ بِهِ الْحُلُولُ كَفَسَخْتُ وَطَلَّقْت، فَالطَّلَاقُ إنْشَاءٌ لَا يَقُومُ الْإِقْرَارُ مَقَامَهُ، وَلَكِنْ يُؤَاخَذُ ظَاهِرًا بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْإِقْرَارَ بِالطَّلَاقِ عَلَى صِيغَتِهِ حَتَّى يَنْفُذَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَصِيرُ إنْشَاءً حَتَّى يَنْفُذَ بَاطِنًا. قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْشَاءَ يَتَنَافَيَانِ، فَذَلِكَ إخْبَارٌ عَنْ مَاضٍ، وَهَذَا إحْدَاثٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَذَلِكَ يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ.
[الْمَجَازُ]
ُ الْمَجَازُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْجَوَازِ، وَالْجَوَازُ فِي الْأَمَاكِنِ حَقِيقَةٌ وَهُوَ الْعُبُورُ، يُقَالُ: جُزْت الدَّارَ أَيْ عَبَرْتهَا، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعَانِي، وَمِنْهُ الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَصْدَرِ، وَنُقِلَ مِنْهُ إلَى الْفَاعِلِ، وَهُوَ الْجَائِزُ
стр. 844
لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَلَاقَةِ. ثُمَّ نُقِلَ مِنْهُ إلَى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنًى غَيْرِ مَوْضُوعٍ لَهُ أَوَّلًا يُنَاسِبُ الْمُصْطَلَحَ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ إنْ قُلْنَا: الْمَجَازُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، فَإِنْ قُلْنَا: مَوْضُوعٌ، فَلْنَقُلْ بِوَضْعٍ ثَانٍ. وَخَرَجَ الْحَقِيقَةُ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ، وَأَشَارَ بِالْقَيْدِ الْآخَرِ إلَى شُمُولِ الْحَدِّ كُلَّ مَجَازٍ مِنْ شَرْعِيٍّ وَعُرْفِيٍّ عَامٍّ وَخَاصٍّ وَلُغَوِيٍّ، وَأَنَّ الْعَلَاقَةَ شَرْطٌ، وَيَجِيءُ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي أَنَّ انْتِقَالَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ. وَكَلَامُ ابْنِ سِيدَهْ السَّابِقُ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ اسْتِعْمَالًا فِي اللُّغَةِ. وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ فِي " الْبَصَائِرِ ": الْمَجَازُ طَرِيقُ الْمَعْنَى بِالْقَوْلِ، تَقُولُ: جَازَ يَجُوزُ جَوَازًا وَمَجَازًا، وَإِنْ جَعَلْته مَصْدَرًا مِنْ ذَلِكَ كَانَ الْجَوَازُ كَالسُّلُوكِ فَكَأَنَّهُ سُلُوكُ الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ. وَقَالَ الْقَاضِي: يُسَمَّى مَجَازًا، لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يُجَاوِزُونَ بِهِ عَنْ أَصْلِ الْوَضْعِ تَوَسُّعًا مِنْهُمْ، كَتَسْمِيَةِ الرَّجُلِ الشُّجَاعِ أَسَدًا وَالْبَلِيدِ حِمَارًا.
стр. 845
[فَصْلٌ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَجَازَ مَوْضُوعٌ أَمْ لَا]
اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَجَازَ مَوْضُوعٌ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ: مَوْضُوعٌ كَالْحَقِيقَةِ إلَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ بِوَضْعٍ أَصْلِيٍّ، وَالْمَجَازُ بِوَضْعٍ طَارٍ، وَقِيلَ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ، بَلْ الْمَوْضُوعُ طَرِيقُهُ دُونَ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّ فِي وَضْعِهِمْ الْحَقِيقَةَ غُنْيَةً عَنْ وَضْعِ الْمَجَازِ، وَلَكِنْ وَضَعُوا الْمَجَازَ تَوْسِعَةً لِلنَّاسِ فِي الْكَلَامِ، وَقِيلَ: لَمْ يَضَعُوا لَفْظَهُ وَلَا طَرِيقَهُ؛ لِأَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ، وَمَتَى كَانَتْ الْعِلَّةُ مَوْضُوعَةً كَانَ الْحُكْمُ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، كَالْعِلَّةِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا كَانَتْ مَنْصُوصَةً كَانَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ فِيهَا مَنْصُوصًا فَيَفْسُدُ بَابُ الْمَجَازِ، وَهُوَ خِلَافُ إجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الْكَلَامَ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، لَكِنَّ الْمَجَازَ عُرِفَ بِالتَّأَمُّلِ فِي أَشْعَارِهِمْ، وَهَذَا الْخِلَافُ حَكَاهُ صَاحِبُ " الْمِيزَانِ " مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. تَنْبِيهٌ الْوَضْعُ فِي الْمَجَازِ خِلَافُ الْوَضْعِ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ تَعَلُّقُ اللَّفْظِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الَّذِي جُعِلَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً لَهُ، وَأَمَّا الْوَضْعُ فِي الْمَجَازِ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ كَمَا قَالَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي " شَرْحِ الْمَحْصُولِ ": أَنْ يَكُونَ نَوْعُ ذَلِكَ الْمَجَازِ مَنْقُولًا عَنْ الْعَرَبِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، كَاسْتِعْمَالِهِمْ الْكُلَّ فِي الْجُزْءِ وَعَكْسِهِ، هَكَذَا جَعَلَ هَذَا الْخِلَافَ هُوَ الْخِلَافُ الْآتِي فِي أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ النَّقْلُ وَفِيهِ نَظَرٌ كَمَا سَبَقَ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِيهِ يَلْتَفِتُ عَلَى تَفْسِيرِ الْوَضْعِ بِأَنَّهُ التَّعْيِينُ مُطْلَقًا، أَوْ التَّعْيِينُ الَّذِي بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَوْضُوعٌ لَا بِمَعْنَى تَوَقُّفِ الِاسْتِعْمَالِ بَعْدَ الْمُنَاسَبَةِ بِإِذْنِ الْوَاضِعِ، بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلَى وَضْعِ الْحَقِيقَةِ، وَلِهَذَا كَانَ وَضْعًا غَيْرَ أَوْلَى.
следующие страницы →