← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مَعْرُوفًا، فَلِمَنْ لَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ، إلَّا أَنْ يَدْعُوَهُ الْإِمَامُ لِلْإِنْكَارِ، وَتَكُونَ مُخَالَفَتُهُ شِقَاقًا، فَتَجِبَ الطَّاعَةُ لِذَلِكَ. وَأَمَّا الْحَاكِمُ فَلَا يُسَاعَدُ عَلَى مَا نَعْتَقِدُ نَحْنُ خِلَافَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تُخْشَى فِتْنَةٌ يَنْهَى الشَّرْعُ عَنْ الْمُسَامَحَةِ فِيهَا. النَّوْعُ السَّابِعُ: تَنْفِيذَاتُ الْأَحْكَامِ الصَّادِرَةِ عَنْ الْحَاكِمِ فِيمَا تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الْمُنَفِّذِ بِأَنْ يَقُولَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ الْحُكَّامِ كَذَا، فَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْ الْمُنَفِّذِ أَلْبَتَّةَ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ بِكَذَا فَلَيْسَ حُكْمًا مِنْ هَذَا الْمُثْبِتِ، بَلْ لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا كَذَا؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْفَاسِدَ وَالْحَرَامَ قَدْ يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ؛ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ تَأْدِيبَ ذَلِكَ الْحَاكِمِ أَوْ عَزْلَهُ. تَنْبِيهٌ: كُلُّ تَسْجِيلٍ يَتَضَمَّنُ إرْجَاءَ الْحُجَّةِ لِغَائِبٍ أَوْ صَغِيرٍ حَاضِرٍ بَعُدَتْ بَيِّنَتُهُ فَلِلْقَاضِي الثَّانِي تَعَقُّبُهُ بِمَا يَجِبُ، بِخِلَافِ التَّسْجِيلَاتِ الْمُطْلَقَةِ. النَّوْعُ الثَّامِنُ: تَصَرُّفَاتُ الْحُكَّامِ بِتَعَاطِي أَسْبَابِ الِاسْتِخْلَاصِ وَوُصُولِ الْحُقُوقِ إلَى مُسْتَحَقِّيهَا مِنْ الْحَبْسِ وَالْإِطْلَاقِ، وَأَخْذِ الْكُفَلَاءِ الْأَمْلِيَاءِ، وَأَخْذِ الرُّهُونِ لِذَوِي الْحُقُوقِ وَتَقْدِيرِ مُدَّةِ الْحَبْسِ بِالشُّهُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ كَيْفَمَا تَقَلَّبَتْ لَيْسَتْ حُكْمًا لَازِمًا، وَلِغَيْرِ الْأَوَّلِ مِنْ الْحُكَّامِ تَغْيِيرُ ذَلِكَ وَإِبْطَالُهُ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ شَرْعًا. النَّوْعُ التَّاسِعُ: التَّصَرُّفَاتُ فِي أَنْوَاعِ الْحُجَجِ بِأَنْ يَقُولَ لَا أَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ؛ لِأَنَّك حَلَفْت قَبْلَهَا مَعَ عِلْمِك بِهَا، وَقُدْرَتِك عَلَى إحْضَارِهَا، فَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ أَنْ يَفْعَلَ مَا تَرَكَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا، وَمَا مَعَهُ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي لَيْسَتْ بِحُكْمٍ. النَّوْعُ الْعَاشِرُ: مِنْ التَّصَرُّفَاتِ: تَوْلِيَةُ النُّوَّابِ فِي الْأَحْكَامِ، وَنَصْبُ الْكُتَّابِ وَالْقُسَّامِ، وَالْمُتَرْجِمِينَ وَالْمُقَوِّمِينَ، وَأُمَنَاءِ الْحُكْمِ لِلْأَيْتَامِ، وَإِقَامَةُ الْحُجَّابِ، وَالْوَزَعَةِ وَنَصْبُ الْأُمَنَاءِ فِي أَمْوَالِ الْغُيَّابِ وَالْمَجَانِينِ. فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ نَقْضُ ذَلِكَ، وَإِبْدَالُهُ بِالطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ، لَا بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالْغَرَضِ.

стр. 107

النَّوْعُ الْحَادِيَ عَشَرَ: إثْبَاتُ الصِّفَاتِ فِي الذَّوَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْأَمْوَالِ كَالتَّرْشِيدِ، وَإِزَالَةِ الْحَجْرِ عَنْ الْمُفْلِسِينَ وَالْمَجَانِينَ وَالْمُبَذِّرِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِحُكْمٍ يَتَعَذَّرُ نَقْضُهُ، بَلْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ، وَمَتَى ظَهَرَ لَهُ وَتَحَقَّقَ عِنْدَهُ ضِدُّ مَا تَحَقَّقَ عِنْدَ الْأَوَّلِ نُقِضَ ذَلِكَ وَحُكِمَ بِضِدِّهِ، فَيُطْلَقُ مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ وَيُحْجَرُ عَلَى مَنْ أَطْلَقَهُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ إثْبَاتُ صِفَةٍ لَا إنْشَاءُ حُكْمٍ. النَّوْعُ الثَّانِيَ عَشَرَ: مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْأَئِمَّةِ الْإِطْلَاقَاتُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَتَقْدِيرُ مَقَادِيرِهَا فِي كُلِّ عَطَاءٍ، وَالْإِطْلَاقَاتُ مِنْ الْفَيْءِ وَالْخُمُسِ فِي الْجِهَادِ، وَالْإِطْلَاقَاتُ مِنْ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ الَّتِي تَحْتَ أَيْدِي الْحُكَّامِ عَلَى مَصَالِحِ الْأَيْتَامِ، وَالْإِطْلَاقَاتُ فِي الْأَرْزَاقِ لِلْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةِ الصَّلَاةِ وَالْقُسَّامِ وَأَرْبَابِ الْبُيُوتِ وَالصُّلَحَاءِ، وَإِطْلَاقَاتُ الْإِقْطَاعَاتِ لِلْأَجْنَادِ وَغَيْرِهِمْ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِ إذَا رُفِعَ إلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ بِمَا يَرَاهُ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ. النَّوْعُ الثَّالِثَ عَشَرَ: اتِّخَاذُ الْأَحْمِيَةِ مِنْ الْأَرَاضِي الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ تَرْعَى فِيهَا إبِلُ الصَّدَقَةِ وَغَيْرُهَا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁، فَهَذَا لَيْسَ حُكْمًا، وَلِغَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ يُبْطِلَ ذَلِكَ الْحِمَى وَيَفْعَلَ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ الشَّرْعِيَّةُ. النَّوْعُ الرَّابِعَ عَشَرَ: تَأْمِيرُ الْأُمَرَاءِ عَلَى الْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَقَدْ عَزَمَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى رَدِّ جَيْشِ أُسَامَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَهَّزَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَنَفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لِمَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ تَنْفِيذَهُ هُوَ الْمَصْلَحَةُ؛ لِأَنَّ تَنْفِيذَهُ عَقِيبَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى اجْتِمَاعِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتِهِمْ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَاهْتِمَامِهِمْ بِالْجُيُوشِ وَالسَّرَايَا. النَّوْعُ الْخَامِسَ عَشَرَ: تَعْيِينُ أَحَدِ الْخِصَالِ فِي عُقُوبَةِ الْمُحَارِبِينَ وَذَلِكَ التَّعْيِينُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَلَوْ رُفِعَ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ يَرَى التَّخْيِيرَ مُطْلَقًا قَبْلَ التَّنْفِيذِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي تَعْيِينِ غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ الْأَوَّلُ كَانَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْأَوَّلِ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا.

стр. 108

النَّوْعُ السَّادِسَ عَشَرَ: تَعْيِينُ مِقْدَارٍ مِنْ التَّعْزِيرَاتِ إذَا رُفِعَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْحَاكِمِ قَبْلَ التَّنْفِيذِ فَرَأَى خِلَافَ ذَلِكَ، فَلَهُ تَعْيِينُ مِقْدَارِهِ، وَإِبْطَالُ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بَلْ اجْتِهَادٌ فِي سَبَبٍ هُوَ الْجِنَايَةُ، فَإِذَا ظَهَرَ لِلثَّانِي أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي ذَلِكَ فَلَهُ الْحُكْمُ بِمَا يَرَاهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَعْيِين الْأُسَارَى لِلرِّقِّ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الْأُسَارَى يُقْتَلُونَ فَقَطْ، وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ جَوَازُ الِاسْتِرْقَاقِ أَوْ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ، فَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَهُوَ حُكْمٌ مِنْهُ بِاَلَّذِي اخْتَارَهُ، وَهُوَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ خَصْلَةٍ مِنْ الْخِصَالِ الْخَمْسِ الَّتِي يُخَيَّرُ فِيهَا الْإِمَامُ بَيْنَ الْأَسْرِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ وَالْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، فَاخْتِيَارُهُ لِخَصْلَةٍ مِنْ ذَلِكَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، بِخِلَافِ مَقَادِيرِ التَّعْزِيرَاتِ لَيْسَ فِيهَا خِلَافٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ فِيهِ وَالْقَوْلِ، أَوْ وَقَعَ مِنْهُ فِعْلٌ فَالتَّعْزِيرَاتُ بِحَسَبِ عِظَمِهِ وَحَقَارَتِهِ، وَكَذَلِكَ اخْتِيَارُهُ لِخَصْلَةٍ مِنْ عُقُوبَةِ الْمُحَارِبِينَ إنْ وَجَدَ مِنْ الْمُحَارِبِينَ الْقَتْلَ، وَعَيَّنَ الْإِمَامُ الْقَتْلَ فَلَيْسَ ذَلِكَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ. أَمَّا إذَا عَيَّنَ الْإِمَامُ الْقَتْلَ فِي مُحَارِبٍ لَمْ يُقْتَلْ بَلْ عَيَّنَ الْقَتْلَ لِعِظَمِ رَأْيِهِ وَدَهَائِهِ، وَإِنَّ قَتْلَهُ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ، فَالشَّافِعِيُّ يَمْنَعُ قَتْلَ الْمُحَارِبِ إلَّا إذَا قَتَلَ، وَلَا يَقْطَعُهُ إلَّا إذَا قَطَعَ، فَتَصِيرُ هَذِهِ كَمَسْأَلَةِ الْأُسَارَى فَتَتَعَيَّنُ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ عُقُوبَةِ الْمُحَارِبِ، وَيَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ، وَكَذَلِكَ تَعْيِينُ أَرْضِ الْعَنْوَةِ لِلْبَيْعِ أَوْ الْقَسْمِ أَوْ الْوَقْفِ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ. النَّوْعُ السَّابِعَ عَشَرَ: الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْجُنَاةِ وَرَدْعِ الطُّغَاةِ إذَا لَمْ يَنْفُذْ، لَيْسَ هُوَ إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْقُضَاةِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي تَحْقِيقِ سَبَبِهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفًا فِيهَا كَتَارِكِ الصَّلَاةِ وَقَتْلِ الزَّنَادِقَةِ، فَإِنَّهُ إذَا عَيَّنَ الْقَتْلَ، وَحَكَمَ بِهِ كَانَ هَذَا إنْشَاءُ حُكْمٍ فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ بِخِلَافِ قِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. النَّوْعُ الثَّامِنَ عَشَرَ: عَقْدُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ لَيْسَ مِنْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، بَلْ جَوَازُهُ عِنْدَ سَبَبِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ إنَّمَا هُوَ الْتِزَامٌ لِكِفَايَةِ الشَّرِّ حَالَةَ الضَّعْفِ، وَلِغَيْرِهِ بَعْدَهُ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ السَّبَبُ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيُبْقِيَهُ أَوْ لَا فَيَنْقُضَهُ وَيُبْطِلَهُ.

стр. 109

النَّوْعُ التَّاسِعَ عَشَرَ: عَقْدُ الْجِزْيَةِ لِلْكُفَّارِ لَا يَجُوزُ نَقْضُهُ لَكِنْ لَيْسَ لِكَوْنِهِ حُكْمًا إنْشَائِيًّا كَالْقَضَاءِ بِصِحَّةِ الْعُقُودِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا؛ بَلْ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَضَعَ هَذَا الْعَقْدَ مُوجِبًا لِلِاسْتِمْرَارِ فِي حَقِّ الْمَعْقُودِ لَهُ، وَلِذُرِّيَّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي النَّقْضَ كَعَقْدِهِ لِأَهْلِ دِينٍ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُمْ عَلَى ذَلِكَ، نَحْوَ الزَّنَادِقَةِ وَالْمُرْتَدِّينَ وَنَحْوِهِمْ. النَّوْعُ الْعِشْرُونَ: تَقْرِيرُ الْخَارِجِ عَلَى الْأَرَضِينَ وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تُجَّارِ الْحَرْبِيِّينَ لَيْسَ بِحُكْمٍ، إنَّمَا هُوَ تَرْتِيبُ مَا تَقْتَضِيهِ الْأَسْبَابُ الْحَاضِرَةُ، فَإِنْ ظَهَرَ لِغَيْرِهِ أَنَّ السَّبَبَ عَلَى خِلَافِ مَا اعْتَقَدَهُ الْأَوَّلُ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى خِلَافِ الْغِبْطَةِ لِلْمُسْلِمِينَ نَقْضُهُ كَمَا إذَا بَاعَ مَالَ الْيَتِيمِ بِالْبَخْسِ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَفْتَقِرُ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ وَمَا لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ] ِ وَبَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ وَاَلَّتِي لَا يَدْخُلُهَا. وَالْأَحْكَامُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَهُوَ مَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَتَحْرِيرٍ وَبَذْلِ جَهْدٍ فِي تَحْرِيرِ سَبَبِهِ وَمِقْدَارِ مُسَبِّبِهِ، وَذَلِكَ كَالطَّلَاقِ بِالْإِعْسَارِ وَالطَّلَاقِ بِالِاضْطِرَارِ وَالطَّلَاقِ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى تَحْقِيقِ الْإِعْسَارِ، وَهَلْ هُوَ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ أَمْ لَا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ فَقِيرًا عَلِمَتْ بِفَقْرِهِ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ، وَكَذَلِكَ تَحْقِيقُ حَالِهِ، وَهُوَ هَلْ هُوَ مِمَّنْ يُرْجَى لَهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ ، وَكَذَلِكَ تَحْقِيقُ صُورَةِ الْإِضْرَارِ، وَكَذَلِكَ يَمِينُ الْمَوْلَى، يُنْظَرُ هَلْ هِيَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ؟ كَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا وَهِيَ مُرْضِعٌ خَوْفًا عَلَى وَلَدِهِ فَيُنْظَرُ فِيمَا ادَّعَاهُ، فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الْإِضْرَارَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ التَّطْلِيقُ عَلَى الْغَائِبِ، وَكَذَلِكَ التَّطْلِيقُ عَلَى الْمُعْتَرِضِ وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ. تَنْبِيهٌ: إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ وَمَا أَشْبَهَهَا لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ، فَهَلْ صُدُورُ الطَّلَاقِ فِيهَا صَادِرٌ عَنْ الْحُكْمِ أَوْ عَنْ الزَّوْجَةِ أَوْ بَعْضِهِ عَنْ الْحَاكِمِ وَبَعْضِهِ عَنْ الزَّوْجَةِ؟ اُخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَحَكَى ابْنُ سَهْلٍ فِيهَا أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ سِرَاجًا، وَكَانَ أَحَدَ الْمُشَاوِرِينَ بِالْأَنْدَلُسِ أَجَابَ فِيهَا

стр. 110

أَنَّ الطَّلَاقَ لِلرِّجَالِ إلَّا مَا وَقَعَ فِيهِ تَخْيِيرٌ أَوْ تَمْلِيكٌ، فَذَلِكَ بِيَدِ الْمَرْأَةِ، بِمَا جَعَلَ الزَّوْجُ إلَيْهَا، أَوْ وَضَعَهُ بِيَدِهَا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ فَالطَّلَاقُ إلَيْهِ. وَأَجَابَ لِلْغَائِبِ فِيهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ بِجَوَابٍ يَطُولُ ذِكْرُهُ بِحُرُوفِهِ. مُلَخَّصُهُ: أَنَّ مَنْ قَامَتْ فِي مَغِيبِ زَوْجِهَا بِعَدَمِ النَّفَقَةِ وَنَظَرَ فِي أَمْرِهَا بِمَا يَجِبُ النَّظَرُ لِلْغَائِبِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُبِيحُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا طَلْقَةً يَمْلِكُ الْغَائِبُ فِيهَا رَجْعَتَهَا إنْ رَجَعَ مُوسِرًا فِي عِدَّتِهَا، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الْعَطَّارِ، قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: وَهُوَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ: وَلَا مُخَالِفَ لَهُ فِيمَا أَعْلَمُ. وَالْحُجَّةُ لَهُ قَائِمَةٌ عَنْ السُّنَّةِ وَهُوَ حَدِيثُ بَرِيرَةَ فَقَدْ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْتِ أَمْلَكُ بِنَفْسِك إنْ شِئْت أَقَمْت مَعَ زَوْجِك، وَإِنْ شِئْت فَارَقْتِيهِ» وَمَعْنَى الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ رَاجِعَةٌ إلَى هَذَا الْأَصْلِ وَمُسْتَنْبَطَةٌ مِنْهُ، فَالْحَاكِمُ يَقُولُ لِلْقَائِمَةِ عِنْدَهُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ بَعْدَ كَمَالِ نَظَرِهِ بِمَا يَجِبُ إنْ شِئْت أَنْ تُطَلِّقِي نَفْسَك، وَإِنْ شِئْت التَّرَبُّصَ عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَّقْت أَشْهَدْت عَلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: وَهَذَا وَاضِحٌ إلَّا عِنْدَ مَنْ عَانَدَ السُّنَّةَ وَخَالَفَ الْأَئِمَّةَ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ جَعَلَ مَالِكٌ خِيَارَ الْأَمَةِ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ؟ . قَالَ: لِأَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنْ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهَا مَالٌ. أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ فَضَرَبَ لَهُ أَجَلَ سَنَةٍ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهَا تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، وَالْمَعْنَى الْمَقْصُودُ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ الْمُفَارِقَةُ وَأَضَافَهُ إلَى السُّلْطَانِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ بِالْمُعْتَرِضِ عَنْ امْرَأَتِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى اتِّفَاقِهِمَا فِي الْحُكْمِ، وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى: الْحُرُّ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَلَهَا إيقَاعُ الطَّلَاقِ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ الْحَقَّ إذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ خَالِصًا فَإِنْفَاذُ الطَّلَاقِ إلَيْهَا مَعَ إبَاحَةِ الْحَاكِمِ لَهَا ذَلِكَ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ، وَنِسْبَةُ الطَّلَاقِ إلَى الْقَاضِي؛ لِكَوْنِهِ يُنْفِذُهُ وَيَحْكُمُ بِهِ كَمَا يُقَالُ فَرَّقَ السُّلْطَانُ بَيْنَهُمَا، وَكَمَا يُقَالُ قَطَعَ الْأَمِيرُ السَّارِقَ وَرَجَمَ وَجَلَدَ وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهِ، فَمَا جَاءَ مِنْ تَفْرِيقِ السُّلْطَانِ فَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَوْ أَرَادَ السُّلْطَانُ إنْفَاذَ الطَّلَاقِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْعِنِّينِ وَفِي الْأَمَةِ تُعْتَقُ، وَفِي الْحُرِّ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ، فَقَالَتْ الْمَرْأَةُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كُلِّهَا أَنَا أُقِيمُ، وَلَا أُرِيدُ الْفِرَاقَ كَانَ ذَلِكَ لَهَا. ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي امْرَأَةِ الْمُعْتَرِضِ تَقُولُ لَا تُطَلِّقُونِي وَأَنَا أَصْبِرُ إلَى أَجَلٍ آخَرَ، قَالَ ذَلِكَ لَهَا ثُمَّ تُطَلِّقُ نَفْسَهَا مَتَى شَاءَتْ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَحْلِفُ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ أَنَّهُ يُوقَفُ عَنْ امْرَأَتِهِ، فَإِذَا جَاءَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ قِيلَ لَهُ فَيْءٌ، وَإِلَّا طَلَّقْنَا عَلَيْك، فَتَقُولُ امْرَأَتُهُ

стр. 111

أَنَا أُنْظِرُهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَذَلِكَ لَهَا، ثُمَّ تَطْلُقُ مَتَى شَاءَتْ، بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تُطَلِّقُ نَفْسَهَا، وَلَا اعْتِرَاضَ مِمَّا فِي السُّؤَالِ مِنْ قَوْلِ الْمَرْأَةِ لَا تُطَلِّقُونِي؛ لِأَنَّهَا جَهِلَتْ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا؛ وَلِأَنَّهُ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِالْبَيَانِ بِأَنَّهَا هِيَ الْمُطَلِّقَةُ بَعْدَ التَّأْخِيرِ، فَكَذَلِكَ تَكُونُ هِيَ الْمُطَلِّقَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ إنْ أَحَبَّتْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا اعْتِرَاضَ بِقَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَوْلَى، وَإِلَّا طَلَّقْنَا عَلَيْك؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّا نَجْعَلُ ذَلِكَ إلَى الْمَرْأَةِ فَتُنَفِّذُ هِيَ طَلَاقَهَا إنْ شَاءَتْ. وَطَلَاقُ الْمَوْلَى عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ تُوقِعُهُ الْمَرْأَةُ وَهُوَ فِي الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَقِسْمٌ يُوقِعُهُ الْحَاكِمُ، وَهُوَ إذَا قَالَ لَهَا: إنْ وَطِئْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَفِيهَا أَقْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَوْلٍ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ وَطْئِهَا؛ لِأَنَّ بَاقِيَ وَطْئِهِ بَعْدَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ حَرَامٌ، فَإِذَا رَفَعَتْهُ إلَى الْحَاكِمِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُنْجِزُ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَإِنْ لَمْ تَرْفَعْهُ وَرَضِيَتْ بِالْمَقَامِ بِلَا وَطْءٍ فَلَهَا ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: سَمِعْت أَبَا مَرْوَانَ بْنَ مَالِكٍ الْقُرْطُبِيَّ يَسْتَحْسِنُ إيرَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الشَّيْخِ ابْنِ عَتَّابٍ، وَيَقُولُ لَوْ كَانَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ لَعُدَّتْ مِنْ فَضَائِلِهِ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَفِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ، قَالَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، فَمَا طَلَّقَتْ بِهِ نَفْسَهَا جَازَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَجْذُومُ فَلَا خِيَارَ لَهَا حَتَّى تَرْفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، ثُمَّ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهَا أَمْرَهَا تُطَلِّقُ مَتَى شَاءَتْ، وَلَكِنْ عَلَى السُّلْطَانِ إذَا كَرِهَتْهُ وَأَرَادَتْ فِرَاقَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِوَاحِدَةٍ، إذَا يَئِسَ مِنْ بُرْئِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ إلَّا أَنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلَ سَنَةٍ كَانَ مُوَسْوِسًا أَوْ يَغِيبُ مَرَّةً وَيُفِيقُ أُخْرَى، وَهَذَا يُوَضِّحُ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ مِنْ تَقْسِيمِ الطَّلَاقِ الْمَحْكُومِ بِهِ، أَنَّ قِسْمًا مِنْهُ تُوقِعُهُ الْمَرْأَةُ خَاصَّةً دُونَ الْحَاكِمِ، وَقِسْمًا آخَرَ يُنْفِذُهُ الْحَاكِمُ إذَا طَلَبَتْهُ. تَنْبِيهٌ: وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَتَّابٍ فِي التَّقْسِيمِ الطَّلَاقُ الَّذِي يُوقِعُهُ الْحَاكِمُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَرِهَتْ إيقَاعَهُ كَزَوَاجِهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَتَزْوِيجِهَا مِمَّنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ وَنِكَاحِهَا لِلْفَاسِقِ، وَمَنْ تَزَوَّجَتْ مَعَ وُجُودِ وَالِدِهَا، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ وَلِيُّهَا الَّذِي زَوَّجَهَا عَلَى مَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ وَأَنْوَاعِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ بَابٌ يَطُولُ تَعْدَادُهُ.

стр. 112

[فَصْلٌ وَمِمَّا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ تَفْلِيسُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ] ِ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ مَنْ أَعْتَقَهُ الدَّيَّانُ لِتَعَارُضِ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْعِتْقِ وَحَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَالِيَّةِ، وَكَذَلِكَ إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ، وَكَانَ الزَّمَانُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَمْ يَفُتْ الْمَقْصُودُ فَإِذَا رُفِعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ نَظَرَ فِي ذَلِكَ فَيَفْسَخُهُ عَنْهُ إنْ كَانَ فِي الصَّبْرِ مَضَرَّةٌ، وَلَا يُفْسَخُ بِغَيْرِ حُكْمِ الْحَاكِمِ مِنْ كِتَابِ (قَيْدُ الْمُشْكِلِ وَحَلُّ الْمُعْضِلِ) لِابْنِ يَاسِينَ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الْحُدُودُ، فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، وَإِنْ كَانَتْ مَقَادِيرُهَا مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّ تَفْوِيضَهَا لِجَمِيعِ النَّاسِ يُؤَدِّي إلَى الْفِتَنِ وَالشَّحْنَاءِ وَالْقَتْلِ وَفَسَادِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ، وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا فَعِتْقُهُ عَلَيْهِ، يَفْتَقِرُ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ ثَمَّ جِنَايَةٍ تَقْتَضِي مِثْلَ هَذَا الضَّرْبِ أَمْ لَا، وَيَحْتَاجُ إلَى تَحْقِيقِ كَوْنِ ذَلِكَ الضَّرْبِ مُبَرِّحًا بِذَلِكَ الْعَبْدِ، وَهَلْ السَّيِّدُ عَاصٍ بِهِ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يُوجِبُ تَعْجِيلَ الْعِتْقِ، أَوْ لَيْسَ عَاصِيًا فَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ وَهَذَا بَعْدَ وُقُوعِهِ مِنْ السَّيِّدِ. وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْعَبْدِ إلَّا بِالْحُكْمِ؛ لِتَعَارُضِ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْعِتْقِ وَحَقِّ السَّيِّدِ فِي الْمِلْكِ وَحَقِّ الْعَبْدِ فِي تَخْلِيصِ الْكَسْبِ، وَقُوَّةُ الْخِلَافِ فِي التَّكْمِيلِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ تَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْحُكْمِ، وَلَوْ رَضِيَ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ هُوَ وَسَيِّدُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ التَّطْلِيقُ عَلَى الْغَائِبِينَ مِنْ الْمَفْقُودِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَكَذَلِكَ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْمَقَادِيرِ، وَأَسْبَابُ الِاسْتِحْقَاقَاتِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْحَاكِمِ، وَلَوْ فُوِّضَتْ لِجَمِيعِ النَّاسِ لَدَخَلَهُمْ الطَّمَعُ، وَأَحَبَّ كُلُّ إنْسَانٍ لِنَفْسِهِ مِنْ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ مَا يَطْلُبُهُ غَيْرُهُ، فَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الْفِتَنِ، وَكَذَلِكَ جِبَايَةُ الْجِزْيَةِ وَأَخْذُ الْخَرَاجَاتِ مِنْ أَرَاضِي الْعَنْوَةِ لَوْ جُعِلَتْ إلَى الْعَامَّةِ لَفَسَدَ الْحَالُ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَكَذَلِكَ التَّعْزِيرَاتُ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى تَحْرِيرِ الْجِنَايَةِ وَحَالِ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْحَاكِمِ، وَكَذَلِكَ مَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى كَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ. وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ، يَطُولُ تَتَبُّعُهَا. [الْقِسْمُ الثَّانِي مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ] ٍ كَتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، كَالْعَصِيرِ إذَا اشْتَدَّ، وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَتَحْرِيمِ السِّبَاعِ، وَكَذَلِكَ وَفَاءُ الدُّيُونِ وَرَدُّ الْوَدَائِعِ وَالْمَغْصُوبِ وَأَحْكَامِ الْعِبَادَاتِ، فَالْمُبَادَرَةُ بِهَا مُتَعَيَّنٌ، وَلَا يَفْتَقِرُ فِيهَا إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ اسْتِقْلَالًا، وَأَمَّا بِطَرِيقِ الْعَرْضِ فَيَدْخُلُهَا حُكْمُ الْحَاكِمِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَمِمَّا لَا يَفْتَقِرُ فِيهِ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ إذَا هَرَبَ

стр. 113

الْجَمَّالُ بِالْإِبِلِ، وَكَانَ الْكِرَاءُ لِشَهْرٍ بِعَيْنِهِ انْفَسَخَ بِمُضِيِّهِ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَلَمْ يَفُتْ مَا اُكْتُرِيَتْ لَهُ فَلْيُرْفَعْ إلَى الْحَاكِمِ فَيَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُكْتَرِي فِي الصَّبْرِ لَمْ يُعَجِّلْ بِالْفَسْخِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّبْرِ مَضَرَّةٌ فُسِخَ، فَإِنْ لَمْ يُرْفَعْ إلَى الْحَاكِمِ فَهَلْ يُفْسَخُ كَالْمُعَيَّنِ أَوْ لَا قَوْلَانِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِي ضَبْطِ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمٍ أَوْ لَا] . مِثَالُ ذَلِكَ: قَبْضُ الْمَغْصُوبِ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ غَائِبًا، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ هَلْ يَفْتَقِرُ التَّكْمِيلُ وَعِتْقُ بَاقِيهِ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ أَمْ لَا. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ يُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ التَّقْوِيمِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ. وَقَالَ غَيْرُهُ يَفْتَقِرُ إلَى الْحَاكِمِ، وَكَذَلِكَ عِتْقُ الْقَرِيبِ إذَا مَلَكَهُ الْحُرُّ الْمَلِيءُ الْمَشْهُورُ عَدَمُ افْتِقَارِهِ لِحُكْمٍ، وَقِيلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْحُكْمِ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ بِالْمُثْلَةِ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَقُ إلَّا بِالْحُكْمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَفْتَقِرُ، وَكَذَلِكَ فَسْخُ الْبَيْعِ بَعْدَ تَحْلِيفِ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ. وَكَذَلِكَ فَسْخُ النِّكَاحِ بَعْدَ التَّحَالُفِ فِيهِ الْخِلَافُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ الْيَتِيمُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِوَصِيٍّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ هَلْ يَكْفِي إطْلَاقُهُ لِلْيَتِيمِ مِنْ الْحَجْرِ دُونَ مُطَالَعَةِ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ إطْلَاقُ الْوَصِيِّ لَهُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ فِيهِ خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ: قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ دُونَ حُكْمِ الْحَاكِمِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِتَمَامِ لِعَانِهِمَا حَتَّى يُفَرِّقَ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَتْ الْحَاضِنَةُ فَهَلْ يَسْقُطُ حَظُّهَا مِنْ الْحَضَانَةِ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْحُكْمِ بِأَخْذِ الْوَلَدِ مِنْهَا قَوْلَانِ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ لَمْ تَحِيضِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَهَلْ يَفْتَقِرُ الطَّلَاقُ إلَى الْحَاكِمِ أَوْ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ نُطْقِهِ قَوْلَانِ. اخْتَارَ اللَّخْمِيُّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا بِالْحُكْمِ. وَكَذَلِكَ السَّلَمُ الْمُخْتَلَفُ فِي فَسَادِهِ هَلْ يَفْتَقِرُ فَسْخُهُ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ لَا، وَإِذَا قُلْنَا يَفْتَقِرُ فَهُوَ كَالسَّلَمِ الصَّحِيحِ حَتَّى يُبَاشِرَ الْحُكْمَ بِالْفَسْخِ. اُخْتُلِفَ إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ، وَكَانَ الْكِرَاءُ لِقَصْدِ أَمْرٍ لَهُ بِأَنْ يَفُوتَ بِفَوَاتِهِ كَالْحَجِّ وَالْخُرُوجِ إلَى الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ مَعَ

стр. 114

الرُّفْقَةِ الْعَظِيمَةِ فَجَاءَهُ الْجَمَّالُ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ، فَقِيلَ يَنْفَسِخُ بِفَوَاتِ ذَلِكَ كَالزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ، وَقِيلَ لَا يَنْفَسِخُ لِتَوَقُّعِ الْحَجِّ وَالسَّفَرِ فِي وَقْتٍ ثَانٍ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَنْفَسِخُ إلَّا فِي الْحَجِّ وَحْدَهُ، وَلَا يُخْتَلَفُ أَنَّهُ إذَا رَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ فَفَسَخَهُ أَنَّهُ يُفْسَخُ مِنْ كِتَابِ (قَيْدُ الْمُشْكِلِ) ، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي هَلْ يَنْعَزِلُ بِمُجَرَّدِ فِسْقِهِ أَوْ لَا حَتَّى يَعْزِلَهُ الْإِمَامُ؟ قَوْلَانِ. وَكَذَلِكَ الْمُفْلِسُ إذَا قُسِمَ مَالُهُ وَحَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا وَوَافَقَهُ الْغُرَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ فَهَلْ يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ، وَيَكُونُ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُزِيلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ حَجْرَ التَّفْلِيسِ وَهُوَ أَكْثَرُ نُصُوصِهِمْ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ، أَوْ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ؟ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَالْقَاضِي أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَصَّارِ، وَتَتَبَّعَ هَذَا عَنْ الْمَقْصُودِ. [الْقِسْمُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا أَوْ تَضَمُّنًا] مُلَخَّصًا مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ الْعَلَّامَةِ سِرَاجِ الدِّينِ عُمَرَ الْبُلْقِينِيِّ - مَتَّعَ اللَّهُ بِبَقَائِهِ - وَبَعْضُهُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ، فَالطَّهَارَةُ لَا يَدْخُلُهَا شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَلَا بِالْمُوجِبِ اسْتِقْلَالًا، لَكِنْ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ، كَتَعْلِيقِ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ عَلَى طَهَارَةِ مَاءٍ أَوْ نَجَاسَةٍ، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ؛ لِوُجُودِ الصِّفَةِ فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ بِمُوجِبِ مَا صَدَرَ مِنْ الْمُعَلَّقِ وَوُجُودِ صِفَتِهِ كَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ بِالطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةُ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِالتَّضَمُّنِ مِثْلَ مَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ بِوُضُوءٍ خَالٍ عَنْ النِّيَّةِ، أَوْ مَعَ وُجُودِ مَسِّ الذَّكَرِ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعَ ذَلِكَ، فَإِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِعَدَالَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَالْحَاكِمُ مُعْتَقِدٌ صِحَّةَ ذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ مُتَضَمِّنًا صِحَّةَ وُضُوئِهِ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الصَّلَاةِ الْخَالِيَةِ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ أَوْ عَنْ الطُّمَأْنِينَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ: وَلَقَدْ عَجِبْت مِنْ قَاضٍ حَضَرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ وَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي جَامِعٍ بَنَاهُ ذَلِكَ السُّلْطَانُ فَلَمَّا تَكَلَّمُوا فِي الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي: نَحْكُمُ بِصِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ وَهَذَا الْكَلَامُ بَاطِلٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَدْخُلَ ذَلِكَ، وَلَا نَحْوُهُ تَحْتَ الْحُكْمِ اسْتِقْلَالًا، وَلَا تَضَمُّنًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَكِنْ يَدْخُلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ مِنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى صِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ. فَالْحُكْمُ إذَا تَوَجَّهَ إلَى الْمُعَلَّقِ بِمَا الْتَزَمَهُ يَتَضَمَّنُ صِحَّةَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى إلْزَامِ الشَّخْصِ لَا مُطْلَقًا.

стр. 115

وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَيَدْخُلُهَا الْحُكْمُ وَذَلِكَ مِثْلُ مَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ يَرَى جَوَازَ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ بِصِحَّةِ الْإِخْرَاجِ أَوْ بِمُوجِبِ الْإِخْرَاجِ عِنْدَهُ، وَهُوَ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِذَلِكَ، كَانَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجِبِ فِي ذَلِكَ سَوَاءً، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي إذَا كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ أَنْ يُطَالِبَ الْمَالِكَ بِإِخْرَاجِ الْوَاجِبِ عِنْدَهُ، سَوَاءٌ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ أَوْ حَكَمَ بِالْمُوجِبِ. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَدَخَلَهُ أَيْضًا، وَذَلِكَ إذَا صَامَ الْوَلِيُّ الْوَارِثُ مِنْ الْمَيِّتِ وَطَلَبَ الْوَصِيُّ أَنْ يُخْرِجَ الطَّعَامَ فَامْتَنَعَ الْوَارِثُ مِنْهُ، وَتَرَافَعَا إلَى حَاكِمٍ يَرَى صِحَّةَ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ أَوْ بِمُوجِبِهِ فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُخْرِجَ الطَّعَامَ حِينَئِذٍ، وَلَا أَنْ يُطَالِبَ الْوَارِثَ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْحُكْمِ. وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فَيَدْخُلُهُ اسْتِقْلَالًا وَتَضَمُّنًا، أَمَّا الِاسْتِقْلَالُ فَفِي مَسَائِلَ. مِنْهَا: أَنَّهُ يَقْضِي لِلْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ بِالِاعْتِكَافِ الْيَسِيرِ. وَمِنْهَا: مَنْ اعْتَكَفَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا فَلَهُ مَنْعُهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ، وَكَذَا لَوْ اعْتَكَفَ الْمِدْيَانُ هُرُوبًا مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ. وَمِنْهَا: إذَا وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ أَدَّبَهُ الْحَاكِمُ، وَأَمَّا التَّضَمُّنُ فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ. وَأَمَّا الْحَجُّ فَإِنَّهُ لَوْ فَسَخَ حَنْبَلِيٌّ حَجَّهُ إلَى عُمْرَةٍ حَيْثُ يَسُوغُ عِنْدَهُ، وَلَهُ زَوْجَةٌ لَيْسَ مُعْتَقَدُهَا ذَلِكَ فَامْتَنَعَتْ مِنْ تَمْكِينِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ فَارْتَفَعَا إلَى حَاكِمٍ حَنْبَلِيٍّ فَحَكَمَ عَلَيْهَا بِصِحَّةِ مَا فَعَلَ زَوْجُهَا الْحَنْبَلِيُّ أَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ، وَلَوْ حَكَمَ عَلَيْهَا بِالتَّمْكِينِ كَانَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ مَا فَعَلَهُ الزَّوْجُ وَهُوَ نَفْسُ الْمُوجِبِ. وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ فَهِيَ عِبَادَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا وَقَدْ يَدْخُلُهَا بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ فِي التَّعْلِيقِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الصَّيْدُ فَيَدْخُلُهُ الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا فَإِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي صَيْدٍ وَتَرَافَعَا إلَى الْحَاكِمِ وَتَصَادَقَا عَلَى فِعْلَيْنِ صَدَرَا مِنْهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ مَثَلًا أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ أَوْ لِلثَّانِي فَحَكَمَ لَهُ بِأَنَّهُ الْمَالِكُ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مُسْتَقِلًّا صَحِيحًا، وَإِنَّمَا دَخَلَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْمِلْكِ وَجَمِيعُ وُجُوهِ الْمِلْكِ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ.

стр. 116

وَأَمَّا الذَّبَائِحُ فَيَدْخُلُهَا الْحُكْمُ مِنْ جِهَةِ التَّقْصِيرِ الْمُقْتَضِي لِلتَّغْرِيمِ، وَكَذَلِكَ دَفْعُ الْأُجْرَةِ، لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ ذَبْحٌ صَحِيحٌ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَهُ بِاسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ. وَكَذَا لَوْ بَاعَ صَاحِبُ الذَّبِيحَةِ لِشَخْصٍ ثُمَّ ارْتَفَعَا إلَى حَاكِمٍ، وَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهَا حَرَامٌ لِأَمْرٍ ادَّعَاهُ أَوْ ظَهَرَ لِلْحَاكِمِ ذَلِكَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ حَكَمَ عَلَى الْبَائِعِ بِرَدِّ الثَّمَنِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنْهُ بِتَحْرِيمِ الذَّبِيحَةِ، وَكَذَا إذَا أَثْبَتَ التَّقْصِيرَ فِي الذَّبْحِ وَحَكَمَ بِالْغُرْمِ كَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِحُرْمَةِ الذَّبِيحَةِ. وَأَمَّا الْأَطْعِمَةُ فَيَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا. مِثَالُهُ: إذَا نَزَلَتْ بِرَجُلٍ مَخْمَصَةٌ فَوَجَدَ مَعَ رَجُلٍ طَعَامًا فَامْتَنَعَ مِنْ إطْعَامِهِ وَمِنْ مُسَاوَمَتِهِ، فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ فَإِنْ مَاتَ الْجَائِعُ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ أَخَذَهُ الْجَائِعُ قَهْرًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ. وَأَمَّا الْأَيْمَانُ فَيَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا كَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ لَيَجْلِدَنَّهَا مِائَةَ سَوْطٍ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيُطَلِّقُهَا عَلَيْهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. وَأَمَّا الْجِهَادُ فَيَدْخُلُهُ اسْتِقْلَالًا فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَمْثِيلٍ. وَأَمَّا النِّكَاحُ وَتَوَابِعُهُ فَدُخُولُ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْمُوجِبِ فِيهِ وَاضِحٌ، وَكَذَا سَائِرُ الْمُعَامَلَاتِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْقَرْضِ وَالرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِسْمَةِ وَالشُّفْعَةِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْحَبْسِ وَالْوَكَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالْحَمَالَةِ وَالضَّمَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْمُعَامَلَاتِ، كُلِّهَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ، وَالْحُكْمُ الْمُوجِبُ، فَلَا نُطَوِّلُ بِالتَّمْثِيلِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. [فَصْلٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ الْمُتَدَاوَلَةِ فِي التَّسْجِيلَاتِ] ِ وَهِيَ مَرَاتِبُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ فَأَعْلَاهَا لِيُسَجِّلَ بِثُبُوتِهِ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ أَعْنِي بِصِحَّةِ ذَلِكَ الْعَقْدِ وَقْفًا كَانَ أَوْ بَيْعًا أَوْ غَيْرَهُمَا، قَالَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ عُمَرُ الْبُلْقِينِيُّ الشَّافِعِيُّ - فَسَّحَ اللَّهُ لَهُ فِي مَدَّتِهِ -: الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ عِبَارَةٌ عَنْ قَضَاءِ مَنْ لَهُ ذَلِكَ فِي أَمْرٍ قَابِلٍ لِقَضَائِهِ ثَبَتَ عِنْدَهُ وُجُودُهُ بِشَرَائِطِهِ الْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا، أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ

стр. 117

فِي ذَلِكَ شَرْعًا. فَقَوْلُنَا: عَنْ قَضَاءٍ، يُخْرِجُ الثُّبُوتَ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: مَنْ لَهُ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِيهِ الْإِمَامُ وَنُوَّابُهُ الَّذِينَ لَهُمْ ذَلِكَ وَاَلَّذِي لَمْ يَبْلُغْهُ خَبَرُ الْعَزْلِ، وَحَاكِمُ أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا لَمْ يَسْتَحِلَّ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَالْكَافِرُ حَاكِمُ الْكَفَرَةِ إذَا حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وَالْمُحَكَّمُ. وَقَوْلُنَا: قَابِلٌ لِقَضَائِهِ، يَخْرُجُ بِهِ مَا لَمْ يَقْبَلْ الْقَضَاءَ مِنْ عِبَادَةٍ مُجَرَّدَةٍ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلْزَامٌ كَالْحُكْمِ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَيَنْجَرُّ ذَلِكَ إلَى الْحُكْمِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ، دَوْمًا قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَلَكِنْ لَا يَقْبَلُ الْإِلْزَامَ. وَقَوْلُنَا: ثَبَتَ عِنْدَهُ وُجُودُهُ يَعُمُّ الثُّبُوتَ بِالْبَيِّنَةِ الْكَامِلَةِ وَبِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَبِالْإِقْرَارِ وَبِعِلْمِ الْقَاضِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ وَبِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ بَعْدَ النُّكُولِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّة، وَأَمَّا مَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا: وُجُودُهُ أَنَّ الْعَدَمَ لَا يَتَوَجَّهُ الْحُكْمُ إلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: بِشَرَائِطِهِ الْمُمْكِنِ ثُبُوتُهَا، يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ جَمِيعَ الشُّرُوطِ لَا يُعْتَبَرُ أَنْ تَثْبُتَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَرْهُونِ وَيَقِفُ عَلَى إجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَالْجَانِي جِنَايَةً تُوجِبُ أَرْشًا مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ، وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ انْتِفَاءَ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ، وَلَا فِي الْحُكْمِ بِمُوجِبِهِ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ غَيْرَ الْمَحْصُورِ مُتَعَذِّرٌ، وَإِنَّمَا طُلِبَ ذَلِكَ فِي أَنْ لَا وَارِثَ لِلْمَيِّتِ سِوَى الْقَائِمِ مِنْ أَجْلِ ظُهُورِ اسْتِحْقَاقِ مَنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ الْوَارِثُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مَوَانِعُ وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَاَلَّذِي يَعْتَمِدُ غَالِبًا فِي التَّسْجِيلَاتِ بِالْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي الْوَقْفِ. وَنَحْوُهُ إثْبَاتُ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَاكْتَفَوْا بِشُهْرَةِ بُلُوغِ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ وَرُشْدِهِ. فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّا نَرَى الْحُكَّامَ فِي عُقُودِ الْأَنْكِحَةِ يَطْلُبُونَ الشَّهَادَةَ بِخُلُوِّ الزَّوْجَةِ مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ مِنْ زَوْجٍ وَعِدَّةٍ وَنَحْوِهِمَا، فَهَلَّا طَلَبُوا الشَّهَادَةَ عَلَى خُلُوِّ الْبَيْعِ مِنْ رَهْنٍ وَجِنَايَةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَقُلْنَا: سَبَبُهُ الِاحْتِيَاطُ فِي الْأَبْضَاعِ وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّزْوِيجَ لَوْ وَقَعَ كَانَ مُشْتَهِرًا غَالِبًا فَطَلَبْنَا الشَّهَادَةَ بِعَدَمِهِ لِإِمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الرَّهْنِ وَنَحْوِهِ، وَقَوْلُنَا: إنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ هَذَا هُوَ مَحَطُّ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ. اهـ. مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ فِي الْحُدُودِ. وَذَكَرْت فِيهِ شَيْئًا مِنْ مَسَائِلِنَا.

стр. 118

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي بَابِ الْوَقْفِ مَا مُلَخَّصُهُ: إنَّ الْحُكْمَ إذَا تَقَرَّرَ بِالصِّحَّةِ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْحُكْمِ، فَمِنْ شَرْطِ هَذَا الْحُكْمِ ثُبُوتُ مِلْكِ الْمَالِكِ وَحِيَازَتُهُ وَأَهْلِيَّتُهُ وَصِحَّةُ صِيغَتِهِ فِي مَذْهَبِ الْقَاضِي، يُرِيدُ إنْ كَانَ شَافِعِيًّا وَصِحَّةُ الصِّيغَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي مَوَاضِعَ مَعْدُودَةٍ كَلَفْظِ " سَاقَيْتُك " فِي بَابِ الْمُسَاقَاةِ وَالْحَوَالَةِ، وَالصِّيغَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْوَصِيَّةِ، وَالصِّيغَةُ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ وَالْوَكَالَةِ وَالْحَبْسِ وَالْقِرَاضِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: الْقِرَاضُ لَا يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ بَلْ بِلَفْظِ الْقِرَاضِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَذْكُرُهَا الْفُقَهَاءُ، فَفِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَمَا أَشْبَهَهَا تُعْتَبَرُ صِحَّةُ الصِّيغَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا فَإِذَا وَقَعَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَصَرَّحَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ أَعْنِي مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ فِي قَوْلِهِ أَعْنِي بِصِحَّةِ ذَلِكَ وَقْفًا كَانَ أَوْ بَيْعًا فَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ، إذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اخْتِلَافًا قَرِيبًا لَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي، وَكَمْ يَتَبَيَّنُ بِنَاؤُهُ عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ، وَقَدْ يَعْرِضُ لِهَذَا اللَّفْظِ أَعْنِي الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ الْفَسَادُ مِنْ جِهَةٍ تُبَيِّنُ عَدَمَ الْمِلْكِ أَوْ شَرْطٌ آخَرُ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا قَصَدَهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الْحُكْمِ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ نَقَضَهُ ذَلِكَ الْقَاضِي نَفْسُهُ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْخَلَلَ الَّذِي ظَهَرَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَحَلُّ الْحُكْمِ لَا فِي الْحُكْمِ وَمِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَعَارَفَةِ فِي التَّسْجِيلِ، لِيُسَجِّلَ بِثُبُوتِهِ وَصِحَّتِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كَثِيرًا مَا تُكْتَبُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي التَّسْجِيلَاتِ فَيُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي صِحَّتِهِ عَلَى الثُّبُوتِ فَيُرَاجَعُ فِيهِ الْحَاكِمُ، وَلَا يَكُونُ صَرِيحًا فَإِنْ عَسُرَتْ الْمُرَاجَعَةُ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحُكْمِ بِصِحَّةِ التَّصَرُّفِ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُتَعَارَفِ وَمَعْنَى صِحَّتِهِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ تَتَرَتَّبُ آثَارُهُ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى حُكْمِ الْقَاضِي بِذَلِكَ إلْزَامُهُ لِكُلِّ أَحَدٍ، فَإِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ نَفَذَ وَصَارَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ كَالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَمِنْ شَرْطِ هَذَا الْحُكْمِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ، وَالْحِيَازَةُ وَأَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ، وَصِحَّةُ الصِّيغَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَكُلَّمَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ وَعَرَفَهُ الْقَاضِي وَحَكَمَ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالْخِلَافِ ارْتَفَعَ أَثَرُ ذَلِكَ الْخِلَافِ بِالنِّسْبَةِ إلَى تِلْكَ الْوَاقِعَةِ فَهِيَ صِحَّةٌ مُطْلَقَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِحَسَبِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ رَفْعِ الْخِلَافِ، وَقَدْ يَعْرِضُ لِهَذَا الْفَسَادُ كَمَا تَقَدَّمَ. وَمِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ لِيُسَجِّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمُوجِبِهِ، وَهَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَعَارَفَةِ الَّتِي غَلَبَتْ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ أَحَطُّ رُتْبَةً مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يَسْتَدْعِي ثَلَاثَةَ

стр. 119

أَشْيَاءَ: أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ وَصِحَّةَ صِيغَتِهِ، وَكَوْنَ تَصَرُّفِهِ فِي مَحَلِّهِ، وَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِيهِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةُ، وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ يَسْتَدْعِي شَيْئَيْنِ، وَهُمَا: أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ وَصِحَّةُ صِيغَتِهِ، فَيُحْكَمُ بِمُوجِبِهَا وَهُوَ مُقْتَضَاهَا، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مَالِكًا صَحَّ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهَا وَمُوجِبَهَا ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ حَكَمَ بِصِحَّةِ تِلْكَ الصِّيغَةِ الصَّادِرَةِ مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ فَلَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ نَقْضٌ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ. قَالَ: وَلِذَلِكَ أَقُولُ: لَيْسَ حَاكِمٌ آخَرُ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ نَقَضَهُ، وَلَا يُنْقَضُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ عَدَمُ الْمِلْكِ، فَيَكُونُ نَقْضُهُ كَنَقْضِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ. تَنْبِيهٌ: وَإِنَّمَا جَازَ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعْسُرُ إثْبَاتُ الْمِلْكِ، قَالَ: وَلَمْ نَجِدْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذَاهِبِ، إلَّا فِي كِتَابِ أَصْحَابِنَا. وَقَدْ تَعَرَّضَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ لِبَيَانِ حَدِّ اللَّفْظَةِ فَقَالَ مَا مُلَخَّصُهُ: الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ هُوَ قَضَاءُ الْمُتَوَلِّي بِأَمْرٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالْإِلْزَامِ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ خَاصًّا أَوْ عَامًّا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا، فَذِكْرُ الْقَضَاءِ يَخْرُجُ بِهِ الثُّبُوتُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَيُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ " الْمُتَوَلِّي " الْإِمَامُ وَنُوَّابُهُ الَّذِينَ لَهُمْ ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي حَدِّ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَيَجْرِي فِي قَوْلِهِ " ثَبَتَ عِنْدَهُ " مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِّ الصِّحَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ " بِالْإِلْزَامِ " إلَى آخِرِهِ يَعْنِي بِالْإِلْزَامِ بِذَلِكَ الْأَمْرَ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ وَهُوَ صُدُورُ الصِّيغَةِ فِي ذَلِكَ، فَالْحُكْمُ يَتَوَجَّهُ إلَى الْإِلْزَامِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْخَاصِّ لَا مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. وَمِنْ هَا هُنَا يَظْهَرُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ فُرُوقٌ. الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ مُنْصَبٌّ إلَى نَفَاذِ الْعَقْدِ الصَّادِرِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ وَقْفٍ وَنَحْوِهِمَا، وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ مُنْصَبٌّ إلَى ثُبُوتِ صُدُورِ ذَلِكَ الشَّيْءِ وَالْحُكْمُ عَلَى مَنْ صَدَرَ مِنْهُ بِمُوجِبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ، وَلَا يَسْتَدْعِي ثُبُوتَ أَنَّهُ مَالِكٌ مَثَلًا إلَى حِينِ الْبَيْعِ أَوْ الْوُقُوفِ، وَلَا بَقِيَّةَ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْبَائِعِ أَوْ الْوَاقِفِ، إذَا حَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِمُوجِبِ مَا صَدَرَ مِنْهُ، وَهَذَا غَيْرُ سَالِمٍ مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَسَيَأْتِي مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ.

стр. 120

الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ الصَّادِرَ إذَا كَانَ صَحِيحًا بِاتِّفَاقٍ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي مُوجِبِهِ فَالْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ عِنْدَ غَيْرِ الَّذِي حَكَمَ بِالصِّحَّةِ، وَلَوْ حَكَمَ فِيهِ الْأَوَّلُ بِالْمُوجِبِ امْتَنَعَ الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الثَّانِي، مِثَالُ ذَلِكَ التَّدْبِيرُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقٍ، وَمُوجِبُهُ إذَا كَانَ تَدْبِيرًا مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُنِعَ الْبَيْعُ، فَلَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِصِحَّةِ التَّدْبِيرِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَكُنْ مَانِعًا مِنْ بَيْعِهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى صِحَّةَ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، وَلَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ بِمُوجِبِ التَّدْبِيرِ امْتَنَعَ الْبَيْعُ إلَّا عِنْدَ مَنْ يَرَى نَقْضَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ الصَّحِيحَةَ، وَهَذَا النَّقْضُ حِينَئِذٍ لِمُدْرَكٍ آخَرَ. الثَّالِثُ أَنَّ كُلَّ دَعْوَةٍ كَانَ الْمَطْلُوبُ فِيهَا إلْزَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ قَامَتْ بِهِ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَإِنَّ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ فِيهَا بِالْإِلْزَامِ هُوَ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ، وَلَا يَكُونُ بِالصِّحَّةِ، وَلَكِنْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الزَّانِي بِمُوجِبِ زِنَاهُ وَعَلَى السَّارِقِ بِمُوجِبِ سَرِقَتِهِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ، وَلَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ بِحَبْسِ الْمِدْيَانِ حُكْمٌ بِالْمُوجِبِ، وَلَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الْحَبْسِ، إلَّا إذَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَطُلِبَ فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ بِطَرِيقِهِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ حِينَئِذٍ بِالصِّحَّةِ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْحَبْسِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَهَذَا ضَابِطٌ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهُ. الْخَامِسُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِتَنْفِيذِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَكُونُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَ الْمُوَافِقِ، وَكَذَا عِنْدَ الْمُخَالِفِ الَّذِي يُجِيزُ التَّنْفِيذَ فِي الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَالْحُكْمُ بِمُوجِبِ الْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَكُونُ حُكْمًا بِالْإِلْزَامِ بِالْحُكْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَيَكُونُ حُكْمًا بِالْإِلْزَامِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَحْكُومِ بِهِ، فَيَجُوزُ مِنْ الْمُوَافِقِ، وَلَا يَجُوزُ مِنْ الْمُخَالِفِ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ بِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْحُكْمِ الْأَوَّلِ فِي هَذَا الْحُكْمِ الثَّانِي، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْمُخَالِفِ. تَنْبِيهٌ. قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ مُخَالِفٍ لِمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ؛ لِأَنَّ التَّنْفِيذَ عِنْدَهُ لَيْسَ هُوَ إنْشَاءُ حُكْمٍ إلَّا أَنْ يُنْشِئَ فِيهِ حُكْمًا وَسَيَأْتِي مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ.

стр. 121

السَّادِسُ: لَوْ تَرَافَعَ الْمُتَبَايِعَانِ إلَى حَاكِمٍ شَافِعِيٍّ أَوْ مَالِكِيٍّ وَتَنَازَعَا عَلَى وَجْهٍ يَقْتَضِي التَّحَالُفَ فَحَكَمَ بِتَحَالُفِهِمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ حُكْمًا بِالْإِلْزَامِ لَا بِصِحَّةِ التَّحَالُفِ، فَالتَّحَالُفُ قَبْلَ وُقُوعِهِ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ، وَكَذَا كُلُّ يَمِينٍ وَإِلْزَامٍ فِيمَا لَمْ يَقَعْ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ فِيهِ إلَّا بِالْإِلْزَامِ، وَهُوَ مُوجِبُ الْحُجَّةِ الْقَائِمَةِ، وَلَا يُحْكَمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ. السَّابِعُ: لَوْ حَكَمَ حَنَفِيٌّ بِمُوجِبِ الْبَيْعِ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التَّصَرُّفِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ، وَلَكِنْ يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي حُكْمًا لَهُ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ عِنْدَهُ بَعْدَ الْقَبْضِ حُصُولُ الْمِلْكِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَمُوجِبَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بَعْدَ الْفَوَاتِ حُصُولُ الْمِلْكِ عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِيمَا يَفُوتُ بِهِ الْبَيْعُ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ عَرَفَ الْحَاكِمُ فَسَادَ الْبَيْعِ وَحُصُولَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي أَوْ فَسَادَ الْبَيْعِ وَفَوَاتَ الْمَبِيعِ بِيَدِهِ، وَطَلَبَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْقَاضِي الْحُكْمَ بِالْمِلْكِ أَوْ بِمُوجِبِ مَا جَرَى، فَإِنَّهُ يَحْكُمُ لَهُ بِذَلِكَ، أَعْنِي بِالْمُوجِبِ، وَلَا يَحْكُمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ أَعْنِي صِحَّةَ الْبَيْعِ، وَلَا بِصِحَّةِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي الْأَصْلِ قَبْضًا صَحِيحًا. الثَّامِنُ: يُتَصَوَّرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي بَعْضِ صُوَرِ الْقَبْضِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَفِي قَبْضِ الْمُخْتَلَفِ فِي صِحَّتِهِ وَفَسَادِهِ كَمَا إذَا أَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَكِيلَ لِنَفْسِهِ مَا اشْتَرَاهُ مَكِيلًا فَفَعَلَ فَإِنَّ فِي صِحَّةِ الْقَبْضِ وَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَصِحُّ. قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ: فَلَوْ اشْتَرَى قَمْحًا مَثَلًا وَشَرَطَ فِيهِ الْكَيْلَ، وَكَانَ الْبَائِعُ قَدْ اشْتَرَاهُ مَكِيلًا وَهُوَ فِي مِكْيَالِ الْبَائِعِ، فَهَلْ يُغْنِي ذَلِكَ عَنْ التَّجْدِيدِ فِيهِ وَجْهَانِ. رَجَّحَ جَمْعٌ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِهِ، وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ حَتَّى يَجْرِيَ فِيهِ الصَّاعَانِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ جَوَازُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ فِي السَّلَمِ الثَّانِي. فَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَارْتَفَعَتْ قَضِيَّةٌ مِنْ هَاتَيْنِ أَعْنِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا لِحَاكِمٍ شَافِعِيٍّ مَثَلًا، فَحَكَمَ بِصِحَّةِ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي التَّصَرُّفَ الَّذِي لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ إلَّا بَعْدَ صِحَّةِ الْقَبْضِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْقَبْضِ، وَلَوْ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْقَبْضِ بِطَرِيقِهِ صَحَّ، وَلَوْ حَكَمَ بِمُوجِبِ الْقَبْضِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمُعْتَقَدِهِ فِي الْقَبْضِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ مُفِيدًا لِصِحَّةِ الْقَبْضِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ. قَالَ: إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ الْحَاكِمُ عَقِيدَتَهُ فِي الْقَبْضِ، وَيَقُولُ: حَكَمْت بِمُوجِبِ الْقَبْضِ فِي ذَلِكَ عَلَى مُعْتَقِدِي، فَلَوْ كَانَ مُعْتَقَدُ الْحَاكِمِ أَنَّ الْقَبْضَ

стр. 122

لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَمُعْتَقَدُهُ أَنَّهُ يَسْتَقِرُّ بِهِ عَقْدُ الْبَيْعِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، كَانَ الْحُكْمُ بِمُوجِبِ الْقَبْضِ حِينَئِذٍ مُقْتَضَاهُ اسْتِقْرَارُ الْبَيْعِ بِهَذَا الْقَبْضِ. التَّاسِعُ: أَنَّ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ يَتَضَمَّنُ أَشْيَاءَ لَا يَتَضَمَّنُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ، فَمِنْهَا الْحُكْمُ بِإِلْزَامِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إذَا صَدَرَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمَالِكِيَّ وَالْحَنَفِيَّ إذَا حَكَمَا بِصِحَّةِ الْبَيْعِ أَعْنِي بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْبَيْعِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ إثْبَاتَ خِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَلَا فَسْخَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا بِسَبَبِ ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ يُجَامِعُ ذَلِكَ، فَأَمَّا لَوْ حَكَمَ الْمَالِكِيُّ أَوْ الْحَنَفِيُّ بِمُوجِبِ الْبَيْعِ، وَالْإِلْزَامُ بِمُقْتَضَاهُ فَإِنَّهُ عَلَى الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ تَمْكِينُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مِنْ الْفَسْخِ لِخِيَارِ الْمَجْلِسِ، وَلَيْسَ لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَلَا لِأَحَدِهِمَا الِانْفِرَادُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ حُكْمِ الْحَاكِمِ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي حَكَمَ بِهِ وَهُوَ الْإِيجَابُ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْظُرْ إلَى نَقْضِ الْقَضَاءِ بِنَفْيِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ فَإِنْ نَظَرْنَا إلَى ذَلِكَ فَذَلِكَ لِمُدْرَكٍ آخَرَ. وَمِنْهَا الْقَرْضُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ إذَا وُجِدَ مُقْتَضِيهَا وَيَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ فَيَنْظُرُ فِيهِ حِينَئِذٍ إلَى عَقِيدَةِ الْحَاكِمِ فِي حُكْمِهِ بِالْمُوجِبِ فَإِنْ كَانَ مِنْ عَقِيدَتِهِ أَنَّ الْقَرْضَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ كَمَا تَقُولُهُ الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ الْمُقْرِضُ فِيمَا أَقْرَضَهُ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ قَدْ حَكَمَ بِصِحَّةِ الْقَرْضِ لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى الْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِي الْقَرْضِ عِنْدَ حَاكِمٍ يَرَى الرُّجُوعَ فِيهِ، إذْ هُوَ فَرْضٌ صَحِيحٌ، وَيَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ فَلَا يُنَافِي الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ الْقِيَامَ بِالرُّجُوعِ فِي الْقَرْضِ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْمُوجِبِ وَالْإِلْزَامِ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ امْتَنَعَ عَلَى الْمُقْرِضِ الرُّجُوعُ فِي الْعَيْنِ الْمُقْرَضَةِ الْبَاقِيَةِ عِنْدَ الْمُقْتَرِضِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْقَرْضِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ امْتِنَاعُ الرُّجُوعِ. وَمِنْهَا: الرَّهْنُ فَإِنَّهُ يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ بِالصِّحَّةِ لَا يَمْنَعُ الْمُخَالِفَ فِي الْآثَارِ مِنْ الْعَمَلِ بِأَثَرِهِ عَلَى عَقِيدَتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُنَاقِضُ شَيْئًا مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَإِنْ صَدَرَ فِيهِ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ، وَالْإِلْزَامُ بِمُقْتَضَاهُ نُظِرَ إلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ مُوجِبِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ الْإِلْزَامُ امْتَنَعَ عَلَى الْمُخَالِفِ الْعَمَلُ بِمَا يُخَالِفُ عَقِيدَةَ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ. وَمِثَالُهُ لَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ وَحَصَلَ فِيهِ إعَادَتُهُ إلَى الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَانِعًا لِمَنْ يَرَى فَسْخَ الرَّهْنِ بِالْعَوْدِ إلَى الرَّاهِنِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ أَنْ يُعِيدَهُ اخْتِيَارًا أَوْ يَفُوتَ الْحَقُّ فِيهِ

стр. 123

بِإِعْتَاقِ الرَّاهِنِ مَثَلًا وَقِيَامِ الْغُرَمَاءِ عَلَيْهِ، أَوْ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّاهِنِ فِي الْوَطْءِ أَنْ يَفْسَخَهُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ لَيْسَ مُنَافِيًا لِلْفَسْخِ بِمَا ذُكِرَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَكَمَ شَافِعِيٌّ بِمُوجِبِ الرَّهْنِ عِنْدَهُ، وَالْإِلْزَامُ بِمُقْتَضَاهُ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ أَنْ يَفْسَخَهُ بِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ الشَّافِعِيِّ دَوَامُ الْحَقِّ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ مَعَ الْعَوْدِ مُطْلَقًا، فَالْحُكْمُ بِالْفَسْخِ لِأَجْلِ الْعَوْدِ الْمَذْكُورِ مُنَافٍ لِحُكْمِ الشَّافِعِيِّ بِمُوجِبِهِ عِنْدَهُ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -. فَهَذِهِ الْفُرُوقُ التِّسْعَةُ مَعَ الْفَرْقِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْعَاشِرُ يَحْصُلُ بِهَا التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا يَجْتَمِعُ فِيهِ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ] ِ وَذَلِكَ فِي أُمُورٍ: مِنْهَا أَنَّهُ لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا إذَا صَدَرَا فِي مَجَالِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي لَا يُنْقَضُ الْحُكْمُ فِيهَا، وَإِنَّمَا اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ لِتَضَمُّنِ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ، إمَّا عَامًّا عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ أَوْ خَاصًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَكَمَا لَا يَرِدُ النَّقْضُ عَلَى الْحَاكِمِ بِالصِّحَّةِ لَا يَرِدُ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُهَا إذَا أَجَزْنَاهُ، فَأَمَّا إذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ مَعَ عَدَمِ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ قَدْ وَقَعَ مُخْتَلًّا، وَالْحُكْمُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ غَيْرُ الْحُكْمِ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَيَسُوغُ لِمَنْ لَا يَرَى الْحُكْمَ بِذَلِكَ أَنْ يَنْقُضَهُ إلَّا إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ قَبْلَهُ بِصِحَّةِ الْحُكْمِ الصَّادِرِ بِالْمُوجِبِ، وَكَانَ الْحَاكِمُ مِمَّنْ يَرَى تَسْوِيغَ الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يُنْقَضُ وَمِنْهَا: أَنَّهُ إذَا رُفِعَ لِلْقَاضِي كِتَابُ حُكْمٍ يُسَوَّغُ تَنْفِيذُهُ عِنْدَ نَفَّذَهُ قَرُبَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ فِيهِ أَوْ بَعُدَتْ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالْمُوجِبِ، بِخِلَافِ كِتَابِ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَامِعِ الْبَيِّنَةِ بِحَيْثُ تُقْبَلُ فِي مِثْلِهَا الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ إمْضَاءَ ذَلِكَ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، يَعْنِي اشْتِرَاطَ الْمَسَافَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ. وَمِنْهَا تَقْدِيمُ الشُّهُودِ الرَّاجِعِينَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ أَوْ بِالْمُوجِبِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَثْبُتُ فِيهَا تَغْرِيمُهُمْ.

стр. 124

وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ يَرَى جَوَازَ إخْرَاجِ الْقِيمَة فِي الزَّكَاةِ بِصِحَّةِ الْإِخْرَاجِ أَوْ بِمُوجِبِ الْإِخْرَاجِ عِنْدَهُ، وَهُوَ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِذَلِكَ كَانَا سَوَاءً فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَطْلُبَ الْمَالِكَ بِإِخْرَاجِ الْوَاجِبِ عِنْدَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ. وَمِنْهَا: إذَا تَرَافَعَ الْوَلِيُّ الْوَارِثُ وَالْوَصِيُّ إلَى حَكَمٍ يَرَى صِحَّةَ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ فَطَلَبَ الْوَصِيُّ أَنْ يُخْرِجَ الطَّعَامَ وَامْتَنَعَ الْوَارِثُ وَصَامَ عَنْ الْمَيِّتِ فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّةِ الصَّوْمِ أَوْ بِمُوجِبِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ مُطَالَبَةُ الْوَارِثِ. تَنْبِيهٌ: إذَا كَانَ الْحُكْمُ بِالْمُوجِبِ مُسْتَوْفِيًا لِمَا يُعْتَبَرُ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ كَانَ أَقْوَى؛ لِوُجُودِ الْإِلْزَامِ فِيهِ وَتَضَمُّنِهِ الْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ. [فَصْلٌ قَدْ يَتَضَمَّنُ الْحُكْمَ بِالْمُوجِبِ وَالْحُكْمَ بِالصِّحَّةِ] مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا شَهِدَتْ عِنْدَهُ الشُّهُودُ بِأَنَّ هَذَا وَقْفٌ وَذَكَرُوا الْمَصْرِفَ عَلَى وَجْهٍ مُعَيَّنٍ فَحَكَمَ الْقَاضِي بِمُوجِبِ شَهَادَتِهِمْ، كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ وَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، وَأَنَّهُ الَّذِي جَرَى بِهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ يُخَالِفُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا فِي الْقِسْمَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ بِأَيْدِي جَمَاعَةٍ أَرْضٌ أَوْ غَيْرُهَا فَجَاءُوا إلَى الْحَاكِمِ وَطَلَبُوا مِنْهُ الْقِسْمَةَ وَلَمْ يُثْبِتُوا أَنَّهَا مِلْكُهُمْ فَإِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ لَا يُجِيبَهُمْ، وَيَقُولَ لَهُمْ إنْ شِئْتُمْ فَاقْسِمُوا بَيْنَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ يَقْسِمُ بَيْنَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ، وَإِنْ شِئْتُمْ قَسْمِي فَأَقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى أُصُولِ حُقُوقِكُمْ مِنْهَا، وَذَلِكَ أَنِّي إنْ قَسَمْت بِلَا بَيِّنَةٍ وَجِئْتُمْ بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ أَنِّي قَسَمْت بَيْنَكُمْ هَذِهِ الدَّارَ إلَى قَاضٍ غَيْرِي كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لَأَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ حُكْمًا مِنِّي لَكُمْ بِهَا، وَلَعَلَّهَا لِغَيْرِكُمْ لَيْسَ لَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلَا يَقْسِمُ الْحَاكِمُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَهَذَا النَّصُّ لِلْمَالِكِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ، قَالَ: وَقِيلَ يَقْسِمُ الْقَاضِي بَيْنَهُمْ وَيُشْهِدُ أَنَّهُ قَسَمَ عَلَى إقْرَارِهِمْ. تَنْبِيهٌ: وَعَلَى هَذَا فَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ أَنْ يَحْكُمَ بِالْمُوجِبِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الشُّرُوطَ الْمَطْلُوبَةَ فِي الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ، هَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ،

стр. 125

قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَمَنْ أَحْضَرَ كِتَابَ وَقْفٍ أَوْ بَيْعٍ وَأَثْبَتَ صُدُورَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَا يَقْتَضِي الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ فَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيبَهُ إلَى الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ وَلَا بِمُوجِبِهِ، لِأَنَّ الْوَاقِفَ قَدْ يَأْتِي مَثَلًا بِشُهُودٍ يَشْهَدُونَ عِنْدَ حَاكِمٍ آخَرَ أَنَّ الْحَاكِمَ الْأَوَّلَ حَكَمَ بِمُوجِبِ هَذَا الْوَقْفِ فَيَجْعَلُهُ الْحَاكِمُ الثَّانِي حُكْمًا مِنْ الْأَوَّلِ بِنَفَاذِ الْوَقْفِ، وَلَعَلَّهُ لِغَيْرِ الْوَاقِفِ، فَعَلَى هَذَا لَا يُجِيبُهُ إلَى الْحُكْمِ بِمُوجِبِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ مِلْكُهُ حِينَ الْوَقْفِ، قَالَ: وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَيَزِيدُونَ: الْحِيَازَةَ، عَلَى مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَحَلِّهِ، وَمَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ، فَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الِاعْتِرَاضُ الْوَارِدُ عَلَى الْفَرْقِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفُرُوقِ الْعَشَرَةِ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ الْحَاكِمِ فِيمَا يُثْبِتُهُ مِنْ صُدُورِ وَقْفٍ أَوْ بَيْعٍ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ أَوْ بِصِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ كَقَوْلِ الشُّهُودِ نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ أَوْ هَذَا مَبِيعٌ مِنْ فُلَانٍ أَوْ هَذِهِ مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِمُوجِبِ شَهَادَتِهِمْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ، فَلْيَعْرِفْ الْفَقِيهُ الْفَرْقَ بَيْنَ الشَّهَادَةِ بِالْمَصْدَرِ أَوْ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ وَلْيَقِسْ عَلَى ذَلِكَ. اهـ. وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ فِي الْأَمْرِ بِالتَّسْجِيلِ لِيُسَجِّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِمُوجَبِ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ: وَلَمْ أَقِفْ لِلْمَالِكِيَّةِ عَلَى هَذِهِ التَّفْرِقَةِ، وَظَاهِرُ قَوَاعِدِهِمْ عَدَمُ اعْتِبَارِهَا، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ مَا ذَكَرْته قَبْلُ، وَاسْتَبْعَدَهُ، فَقَالَ: قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ الْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ، يُرِيدُ إلَى حِينِ صُدُورِ الْوَقْفِ، قَالَ: وَهَذَا بَعِيدٌ وَفِيهِ تَعْطِيلٌ لِلْحُقُوقِ، وَالْيَدُ يُكْتَفَى بِهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ. [فَصْلٌ فِي الْحُكْمِ بِمَضْمُونِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ] ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ اسْتِطْرَادًا فِي كَلَامِهِ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ فَقَالَ: وَقَدْ عَرَضَ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ بَحْثٌ فِي الْحُكْمِ بِالْمُوجِبِ وَشَغَفَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ، لَقِينَاهُمْ وَعَاصَرْنَاهُمْ وَبَحَثْنَا مَعَهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ أَنَّ الْمُوجِبَ عِنْدَهُمْ أَمْرٌ مُبْهَمٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الصِّحَّةُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهَا، وَحُكْمُ الْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَيَّنَ، فَإِذَا لَمْ يُعَيَّنْ فَلَا يَصِحُّ وَلَا يُرْفَعُ الْخِلَافُ، وَلَا يُمْنَعُ الْحُكْمُ مِنْ قَاضٍ يَرَى خِلَافَ ذَلِكَ، وَنَقَضُوا بِهَذَا أَوْقَافًا كَثِيرَةً وَأَحْكَامًا كَثِيرَةً،

стр. 126

وَتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ عَنْهُ وَمَالَ إلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ مَا يُكْتَبَ عَلَى ظُهُورِ الْكُتُبِ الْحُكْمِيَّةِ وَهُوَ صَحَّ وُرُودُ هَذَا الْكِتَابِ عَلَيَّ فَقَبِلْته قَبُولَ مِثْلِهِ، وَأُلْزِمْت الْعَمَلَ بِمُوجِبِهِ لَيْسَ بِحُكْمٍ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ تَصْحِيحُ الْكِتَابِ وَإِثْبَاتُ الْحُجَّةِ، قَالَ وَاَلَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ فِي كِتَابِ أَبِي سَعِيدٍ وَأُلْزِمْت الْعَمَلَ بِمَضْمُونِهِ لَا بِمُوجِبِهِ. قَالَ: وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا فَنَقُولُ إذَا أَعَدْنَا الضَّمِيرَ عَلَى الْكِتَابِ صَحَّ مَا قَالَاهُ؛ لِأَنَّ مَضْمُونَ الْكِتَابِ وَمُوجِبَهُ مَعْنَاهُمَا صُدُورُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ إنْشَاءٍ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْدٍ فَلِذَلِكَ صَوَّبَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَنَحْنُ نُوَافِقُهُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، إذَا أُرِيدَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ هَذَا الْمَعْنَى، أَوْ اُحْتُمِلَ أَنَّهَا مُرَادُ الْحَاكِمِ، أَمَّا إذَا حَكَمَ بِمُوجِبِ الْإِقْرَارِ أَوْ بِمُوجِبِ الْوَقْفِ فَلَيْسَ مُوجِبُهُ إلَّا كَوْنَهُ وَقْفًا، وَكَوْنُ الْمُقِرِّ بِهِ لَازِمًا، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مُوجِبُهُ يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ اللَّفْظَ الصَّحِيحَ يُوجِبُ حُكْمَهُ وَاللَّفْظَ الْفَاسِدَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا، نَعَمْ قَدْ يَكُونُ لَفْظٌ يَحْتَمِلُ مُوجِبَيْنِ فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُبَيِّنَ فِي حُكْمِهِ مَا أَرَادَهُ، وَإِبْهَامُ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، إلَّا أَنْ يَخْشَى مِنْ ظَالِمٍ وَنَحْوِهِ يُرِيدُهُ فَيَكْتُبَ لَهُ لِيُسَجِّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِمُوجِبِهِ أَوْ مَضْمُونِهِ، وَمُرَادُهُ إعَادَةُ الضَّمِيرِ فِي مُوجِبِهِ وَمَضْمُونِهِ عَلَى الْكِتَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَفْعَلُ ذَلِكَ مُدَافَعَةً لَهُ، فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ مُرَادِهِ عَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ، وَبِدُونِ ذَلِكَ لَا يُحْمَلُ حُكْمُ الْقَاضِي إلَّا عَلَى الْبَيَانِ الْوَاضِحِ، وَمَتَى حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي مُوجِبِ اللَّفْظِ مِثْلُ الْهِبَةِ هَلْ مُجَرَّدُ الْقَوْلِ فِيهَا يَكْفِي فِي اللُّزُومِ وَنَقْلِ الْمِلْكِ أَوْ لَا يَكْفِي؟ . حَتَّى يَكُونَ الْوَاجِبُ صَحِيحًا حَائِزًا. وَمِثْلُ التَّبَرُّعِ فِي الطَّاعُونِ هَلْ يَكُونُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْقَاضِي حَكَمْت بِمُوجِبِهِ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ هَذَا الْحُكْمُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ يُرْجَعُ إلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي فَيُحْمَلُ حُكْمُهُ عَلَيْهِ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَصُونَ حُكْمَهُ عَنْ ذَلِكَ وَيُبَيِّنَ مَقْصُودَهُ، ثُمَّ قَالَ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَكَلَامُنَا إذَا حَكَمَ بِمُوجِبِ وَقْفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ إقْرَارٍ وَنَحْوِهِمَا فَهُوَ حُكْمٌ عَلَى الْعَاقِدِ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ، وَلَيْسَ لِحَاكِمٍ آخَرَ نَقْضُهُ لِاقْتِضَاءِ مَذْهَبِهِ بُطْلَانَهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ نَقْضَ الِاجْتِهَادِ بِالِاجْتِهَادِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالثُّبُوتِ وَحَقِيقَتُهُ حُكْمٌ بِتَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ وَسَمَاعِهَا، وَفَائِدَتُهَا عَدَمُ احْتِيَاجِ حَاكِمٍ آخَرَ إلَى النَّظَرِ فِيهَا وَجَوَازِ التَّنْفِيذِ فِي الْبُلْدَانِ فَإِنَّ فِي تَنْفِيذِ الثُّبُوتِ فِي الْبَلَدِ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَانِهِ بِحُكْمٍ خِلَافًا، فَإِذَا صَرَّحَ بِالْحُكْمِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ جَازَ التَّنْفِيذُ فَهُمَا فَائِدَتَانِ، قَالَ: وَقَدْ تَوَسَّعَ

стр. 127

بَعْضُ قُضَاةِ الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَعَمَدَ إلَى أَوْقَافٍ وَقَفَهَا وَاقِفُونَ وَاسْتَمَرَّتْ فِي أَيْدِيهِمْ يَصْرِفُونَهَا عَلَى حُكْمِ الْوَقْفِ ثُمَّ بِأَيْدِي نُظَّارِهَا بَعْدَهُمْ كَذَلِكَ مُدَّةَ مِائَةِ سَنَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَأَبْطَلَهَا، وَرَدَّهَا إلَى مِلْكِ وَرَثَةِ الْوَاقِفِ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الْيَدِ الْمُسْتَمِرَّةِ عَلَى حُكْمِ الْوَقْفِ، وَلَا إلَى سُكُوتِ الْوَارِثِينَ وَوَارِثِيهِمْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ بِذَلِكَ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الْحَوْزِ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ وَامْتِنَاعُ الدَّعْوَى مَعْرُوفٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحْضِرَهَا هُنَا، وَرُبَّمَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَوْقَافُ قَدْ ثَبَتَتْ عِنْدَ حَاكِمٍ فَيَتَعَلَّقُ فِي إبْطَالِهَا بِعَدَمِ الْحَوْزِ، وَبِأَنَّ الثُّبُوتَ لَيْسَ بِحُكْمٍ وَرُبَّمَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ الثُّبُوتِ حُكْمٌ، وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ: " حَكَمْت بِصِحَّتِهِ " فَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْإِبْطَالِ إلَّا حُكْمُ حَاكِمٍ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ، قَالَ: وَأَنَا أَذْكُرُهَا هُنَا قَاعِدَةً فَأَقُولُ: الْقَاضِي الْمُعْتَبَرُ حُكْمُهُ تَارَةً يَقْتَصِرُ عَلَى الثُّبُوتِ وَتَارَةً يُضِيفُ إلَيْهِ حُكْمًا أَوْ يَذْكُرُ الْحُكْمَ مُجَرَّدًا، وَمِنْ لَوَازِمِهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَقَدَّمَهُ ثُبُوتٌ. فَالْحَالَةُ الْأُولَى، وَهِيَ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الثُّبُوتِ فَتَارَةً يُضِيفُ الثُّبُوتَ إلَى السَّبَبِ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ الْحُكْمُ، وَتَارَةً يُضِيفُ الثُّبُوتَ إلَى الْحُكْمِ نَفْسِهِ فَهُمَا قِسْمَانِ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُضِيفَهُ إلَى السَّبَبِ كَإِثْبَاتِ جَرَيَانِ عَقْدِ الْوَقْفِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ النِّكَاحِ وَنَحْوِهَا هَذَا غَالِبُ مَا يَقَعُ مِنْ الثُّبُوتِ، وَقَدْ يَقُولُ الْقَاضِي: ثَبَتَ عِنْدِي قِيَامُ الْبَيِّنَةِ بِهَذِهِ الْعُقُودِ أَوْ ثَبَتَ عِنْدِي الْإِقْرَارُ بِهَا أَوْ بِالدَّيْنِ مَثَلًا، فَالْبَيِّنَةُ وَالْإِقْرَارُ لَيْسَا بِسَبَبَيْنِ لِلْحُكْمِ، بَلْ لِأَسْبَابِهِ، يَعْنِي أَنَّهُمَا سَبَبَانِ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ لَا لِلْحَاكِمِ بِحَقِيقَةِ ثُبُوتِ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ تَزْكِيَتُهَا وَقَبُولُهَا، وَقَدْ تَرَدَّدَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ أَوْ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ حُكْمٌ، وَلَا يُتَّجَهُ فِي مَعْنَى كَوْنِهِ إلَّا أَنَّهُ حُكْمٌ بِتَعْدِيلِ الْبَيِّنَةِ وَقَبُولِهَا وَجَرَيَانِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَأَمَّا صِحَّتُهُ أَوْ الْإِلْزَامُ بِشَيْءٍ فَلَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْإِلْزَامُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ فَقَالَ: وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الثُّبُوتَ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُثْبِتَ بَاطِلًا لِقَوْلِهِ ﵊ «إنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يُثْبِتُ الشَّيْءَ؛ لِيَنْظُرَ كَوْنَهُ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا، وَقَدْ يُثْبِتُ الشَّيْءَ الْبَاطِلَ. وَقَالَ الْقَرَافِيُّ: إنَّهُ قَدْ يُثْبِتُ مَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ؛ لِيَنْظُرَ غَيْرَهُ فِيهِ. أَمَّا إثْبَاتُ مَا يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهُ لَا لِقَصْدِ الْإِبْطَالِ وَلَا لِيَنْظُرَ غَيْرَهُ فِيهِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.

стр. 128

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْحَقُّ الصَّحِيحُ أَنَّ الثُّبُوتَ لَيْسَ حُكْمًا بِالثَّابِتِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا بِثُبُوتِهِ يَعْنِي لِجَرَيَانِ الْعَقْدِ وَصُدُورِهِ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي (الْفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ) وَقَدْ يَقَعُ فِي لَفْظِ الْحُكَّامِ لِيُسَجِّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ (فَمَا) إنْ كَانَتْ مَصْدَرِيَّةً فَهُوَ كَقَوْلِهِ بِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مَوْصُولَةً وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهُوَ كَإِثْبَاتِ جَرَيَانِ الْعُقُودِ الْمَشْهُودِ بِهَا، وَجَعَلَ الثُّبُوتَ حُكْمًا فِيمَا إذَا كَانَ الثَّابِتُ هُوَ الْمَعْقُودَ أَقْوَى مِنْهُ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّابِتُ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ، وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ثَبَتَ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَقَدْ يُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَالْكُلُّ ضَعِيفٌ. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُضِيفَ الثُّبُوتَ إلَى الْحُكْمِ كَقَوْلِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَقْفٌ أَوْ مِلْكُ فُلَانٍ، أَوْ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ زَوْجَةُ فُلَانٍ، فَهَذَا مِثْلُ الْحُكْمِ، فَلَا يُمْكِنُ التَّعَرُّضُ لِنَقْضِهِ إلَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّ مُسْتَنَدَهُ جَرَيَانُ عَقْدٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، كَقَوْلِ الْحَنَفِيِّ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَعُودُ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ أَوْ لَا، وَيَقْوَى جَرَيَانُ الْخِلَافِ فِيهِ. فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ حُكْمٌ امْتَنَعَ عَلَى حَاكِمٍ آخَرَ إبْطَالُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ لَا يَمْتَنِعُ، وَمَنْ يَقُولُ بِنَقْضِ حُكْمِ الْقَاضِي بِلَا وَلِيٍّ لَمْ يَمْتَنِعْ عِنْدَهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ الْقَاضِي بِبَيَانِ السَّبَبِ وَاقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ وَعَلِمَ بِبَيِّنَةٍ أُخْرَى أَنَّ مُسْتَنَدَهُ تَزْوِيجُهَا نَفْسَهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الْعِلْمَ بِذَلِكَ صَعْبٌ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ جَاءَ وَلِيُّهَا فَجَدَّدَ عَقْدَهَا بِحُضُورِهِ فِي غَيْبَةِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالثُّبُوتِ الْمُطْلَقِ، وَبِتَزْوِيجِهِ نَفْسَهَا وَإِنْ كَانَ احْتِمَالًا بَعِيدًا. الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقْتَرِنَ بِالثُّبُوتِ حُكْمٌ وَأَلْفَاظُ الْحُكْمِ مُتَعَدِّدَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَا بَقِيَ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَحِينَئِذٍ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ بِاجْتِهَادٍ مِثْلِهِ، فَمَتَى كَانَ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اخْتِلَافًا قَرِيبًا لَا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي، وَلَمْ يَكُنْ بَنَاهُ عَلَى سَبَبٍ بَاطِلٍ لَمْ يُنْقَضُ بِحَالٍ، وَالْمَقْطُوعُ بِهِ فِي ذَلِكَ إذَا صَرَّحَ بِصِحَّةِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ، هَذَا فِيمَا إذَا حَكَمَ بِالصِّحَّةِ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْمُوجِبِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَمِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ لِيُسَجِّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، فَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الثُّبُوتِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُكْمِ بِالثُّبُوتِ، وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الثَّابِتِ عِنْدَهُ فَهُوَ مَاضٍ وَلَا يُحْكَمُ بِهِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ إيجَابٍ أَوْ مَنْعٍ أَوْ طَلَاقٍ، فَإِذَا قَالَ: حَكَمْت بِأَنَّ هَذَا بَاعَ أَوْ وَهَبَ أَوْ وَقَفَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَمَعْنَاهُ حَكَمْت بِأَنَّهُ ثَبَتَ

стр. 129

عِنْدِي ذَلِكَ، فَيَرْجِعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْحُكْمِ بِالثُّبُوتِ، وَمِنْ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ لِيُسَجِّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ. قَالَ: وَكَثِيرًا مَا يُوجَدُ فِي إسْجَالَاتِ الْحُكَّامِ لِيُسَجِّلَ بِثُبُوتِهِ، وَالْحُكْمِ بِهِ وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَهُوَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهَا، وَمِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ غَيْرِ الْفَائِدَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى الْحُكْمِ بِالثُّبُوتِ وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَمْتَنِعُ عَلَى حَاكِمٍ آخَرَ نَقْضُهُ لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ إنْشَاءً كَانَ أَوْ إقْرَارًا، أَوْ لَا يَمْتَنِعُ النَّقْضُ؟ . فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَطْلَقَ الْبَيْعَ أَوْ نَحْوَهُ أَوْ ذَكَرَ صِيغَتَهُ وَشُرُوطَهُ وَكَيْفَ وَقَعَ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ فِي الْكُتُبِ فَيُمْنَعُ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِوُقُوعِ ذَلِكَ الْإِنْشَاءِ أَوْ الْإِقْرَارِ، وَالْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ إذَا أُطْلِقَتْ تُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ: وَإِنَّمَا قَيَّدْت بِقَوْلِي: " لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ " احْتِرَازًا مِنْ أَنْ يُنْقَضَ لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْعَاقِدِ أَوْ لِعَدَمِ شُرُوطِ مَحَلِّهِ حَيْثُ لَا يُطْلَقُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّصَرُّفِ الْمَعْهُودِ، كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي الْكُتُبِ الْحُكْمِيَّةِ، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ إذَا قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي الْبَيْعُ أَوْ الْوَقْفُ وَنَحْوُهُمَا، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِذَا قَالَ " لِيُسَجِّلَ بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ، فَالْمُرَادُ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ الْمَشْرُوحُ فِي الْكِتَابِ، فَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ فَاسِدًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ كَوْنُهُ فَاسِدًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ لَيْسَ لِلْقَاضِي إثْبَاتُهُ، إلَّا إذَا قَصَدَ إبْطَالَهُ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ كَوْنُهُ مُخْتَلَفًا فِيهِ، فَإِنَّ لِمَنْ يَرَى صِحَّتَهُ أَنْ يُثْبِتَهُ وَيَحْكُمَ بِثُبُوتِهِ وَبِصِحَّتِهِ عَلَى مَذْهَبِهِ، فَإِنْ حَكَمَ بِالثُّبُوتِ فَلَا يُنْقَضُ، وَإِنْ أَثْبَتَ ثُبُوتًا مُجَرَّدًا فَلِغَيْرِهِ نَقْضُهُ، وَكَذَا إنْ حَكَمَ بِالثُّبُوتِ فَلَيْسَ لِمَنْ يَرَى فَسَادَهُ أَنْ يُثْبِتَهُ إلَّا لِغَرَضِ إبْطَالِهِ يُرِيدُ أَوْ لِيَنْظُرَ غَيْرُهُ فِيهِ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ شُهُودُ الْكِتَابِ فَأَثْبَتَهُ الْمَالِكِيُّ بِالْخَطِّ لِيَنْظُرَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَإِذَا رَأَيْنَا حَاكِمًا أَثْبَتَهُ أَوْ حَكَمَ بِثُبُوتِهِ وَلَمْ نَعْلَمْ قَصْدَهُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ حُكْمٌ.

стр. 130

[فَصْلٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ] قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ فِي السُّؤَالِ الثَّلَاثِينَ: إنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ، وَهَلْ الثُّبُوتُ حُكْمٌ أَوْ لَا؟ وَإِذَا قُلْنَا: بِأَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ فَهَلْ هُوَ عَيْنُ الْحُكْمِ أَوْ يَسْتَلْزِمُهُ ظَاهِرًا؟ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَهَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الثُّبُوتِ أَمْ لَا؟ . جَوَابُهُ: أَنَّ الثُّبُوتَ هُوَ قِيَامُ الْحُجَّةِ عَلَى ثُبُوتِ السَّبَبِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ السَّيِّدَ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ، أَوْ أَنَّ النِّكَاحَ كَانَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، أَوْ بِصَدَاقٍ فَاسِدٍ، أَوْ أَنَّ الشَّرِيكَ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ فِي مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ، أَوْ أَنَّهَا زَوْجَةٌ لِلْمَيِّتِ حَتَّى تَرِثَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ ثُبُوتِ أَسْبَابِ الْحُكْمِ، فَإِنْ بَقِيَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ رِيبَةٌ أَوْ لَمْ تَبْقَ وَلَكِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ الْخَصْمَ هَلْ لَهُ مَطْعَنٌ أَوْ مُعَارِضٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ؟ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِي هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ ثُبُوتًا وَلَا حُكْمًا؛ لِوُجُودِ الرِّيبَةِ أَوْ عَدَمِ الْإِعْذَارِ، وَإِنْ قَامَتْ الْحُجَّةُ عَلَى سَبَبِ الْحُكْمِ وَانْتَفَتْ الرِّيبَةُ وَحَصَلَتْ الشُّرُوطُ فَهَذَا هُوَ الثُّبُوتُ، وَالْحُكْمُ مِنْ لَازِمِهِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْحَاكِمِ الْحُكْمُ إذَا سُئِلَ بِهِ، فَصَارَ الْحُكْمُ مِنْ لَوَازِمِ الثُّبُوتِ، فَيَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ حُكْمٌ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: الْمَشْهُورُ أَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ يُرِيدُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الثُّبُوتِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَهَذَا التَّشْهِيرُ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ: أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَهُمْ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَقَالَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ أَيْضًا. وَقَالَ: إنَّهُ التَّحْقِيقُ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَيْسَ قَوْلُ الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا حُكْمًا مِنْهُ بِمُقْتَضَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَعَمُّ مِنْهُ، قَالَ: وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْقَرَوِيِّينَ غَلِطَ فِي ذَلِكَ، وَأَلَّفَ الْمَازِرِيُّ جُزْءًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَجَلَبَ فِيهِ نُصُوصَ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالْقَوْلُ الشَّاذُّ يَرَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْحُكْمِ مُغَايِرَةٌ لِحَقِيقَةِ الثُّبُوتِ وَمَعَ تَغَايُرِ الْحَقَائِقِ لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِحُصُولِ أَحَدِ الْمُتَغَايِرَيْنِ عِنْدَ حُصُولِ الْآخَرِ، إلَّا أَنْ يَجْزِمَ بِالْمُلَازَمَةِ، وَاللُّزُومُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْحَاكِمِ رِيبَةٌ مَا عَلِمْنَا بِهَا، فَيَتَوَقَّفُ حَتَّى يَحْصُلَ الْيَقِينُ

стр. 131

بِالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ حُكْمٌ، هَذَا فِي الصُّوَرِ الْمُتَنَازَعِ فِيهَا الَّتِي حَكَمَ الْحَاكِمُ فِيهَا بِطَرِيقِ الْإِنْشَاءِ. أَمَّا الصُّوَرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا كَثُبُوتِ الْقِيمَةِ فِي الْإِتْلَافِ، وَالْقَتْلِ لِلْقِصَاصِ وَثُبُوتِ الدَّيْنِ عِنْدَهُ فِي الذِّمَّةِ، وَعَقْدِ الْقِرَاضِ، وَثُبُوتِ السَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ، فَالثُّبُوتُ الْكَامِلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ جَمِيعِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ إنْشَاءَ حُكْمٍ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ، بَلْ أَحْكَامُ هَذِهِ الصُّوَرِ مُتَقَرِّرَةٌ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ إجْمَاعًا، وَوَظِيفَةُ الْحُكَّامِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ إنَّمَا هِيَ التَّنْفِيذُ وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَعْنَاهُ. وَأَمَّا فِيمَا عَدَا التَّنْفِيذَ فَالْحَاكِمُ وَالْمُفْتِي فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ هَا هُنَا حُكْمٌ اسْتَنَابَ صَاحِبُ الشَّرْعِ فِيهِ الْحَاكِمَ أَصْلًا أَلْبَتَّةَ، بَلْ هَذِهِ أَحْكَامٌ تَتْبَعُ أَسْبَابَهَا كَانَ ثَمَّ حَاكِمٌ أَمْ لَا، نَعَمْ الَّذِي يَقِفُ عَلَى الْحَاكِمِ التَّنْفِيذُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ فِي الدَّيْنِ وَشِبْهِهِ، فَأَوْدَعَ الْمُتْلِفُ الْقِيمَةَ وَالْمَدِينُ الدَّيْنَ وَسَلَّمَ الْبَائِعُ الْبَيْعَ اسْتَغْنَى عَنْ مُنَفِّذٍ مِنْ حَاكِمٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْحَاكِمِ فِي الصُّوَرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا إذَا كَانَتْ تَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ وَتَحْرِيرِ أَسْبَابٍ، كَفَسْخِ الْأَنْكِحَةِ، أَوْ كَانَ تَفْوِيضُهَا لِلنَّاسِ يُؤَدِّي إلَى التَّهَارُجِ وَالْقِتَالِ كَالْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ، مَعَ أَنَّ التَّعَازِيرَ مِنْ الْقِسْمِ الَّذِي يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ فِي تَقْدِيرِ التَّعْزِيرِ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ وَالْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَظَهَرَ أَنَّ الثُّبُوتَ غَيْرُ الْحُكْمِ قَطْعًا، وَقَدْ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ وَقَدْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ، وَقَدْ تَكُونُ الصُّورَةُ قَابِلَةً لِاسْتِلْزَامِ الْحُكْمِ وَقَدْ لَا تَكُونُ قَابِلَةً كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي صُوَرِ الْإِجْمَاعِ. وَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الثُّبُوتَ حُكْمٌ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ خَطَأٌ قَطْعًا، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، وَتَأْوِيلُ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ، وَحَمْلُهُ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ. وَقَالَ أَيْضًا فِي الْقَوَاعِدِ فِي (الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَتَيْنِ) اُخْتُلِفَ فِي الْحُكْمِ وَالثُّبُوتِ هَلْ هُمَا مَعْنًى وَاحِدٌ أَوْ الثُّبُوتُ غَيْرُ الْحُكْمِ؟ . وَالْعَجَبُ أَنَّ الثُّبُوتَ يُوجَدُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمَوَاطِنِ الَّتِي لَا حُكْمَ فِيهَا بِالضَّرُورَةِ إجْمَاعًا فَيَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ هِلَالُ رَمَضَانَ وَهِلَالُ شَوَّالٍ، وَتَثْبُتُ طَهَارَةُ الْمَاءِ وَنَجَاسَتُهُ، وَيَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ التَّحْرِيمُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ، وَيَثْبُتُ التَّحْلِيلُ بِسَبَبِ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ، وَإِذَا وُجِدَ الثُّبُوتُ بِدُونِ الْحُكْمِ كَانَ أَعَمَّ مِنْ الْحُكْمِ، وَالْأَعَمُّ مِنْ الشَّيْءِ غَيْرُهُ بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ الثُّبُوتِ هُوَ مَفْهُومٌ مِنْ الْحُجَّةِ كَالْبَيِّنَةِ وَغَيْرِهَا السَّالِمَةِ مِنْ الْمَطَاعِنِ فَمَتَى وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُقَالُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ ثَبَتَ عِنْدَ

стр. 132

الْقَاضِي ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يُوجَدُ الْحُكْمُ بِدُونِ الثُّبُوتِ أَيْضًا، كَالْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ كَإِعْطَاءِ أَمِيرِ الْجَيْشِ الْأَمَانَ لِلْعَدُوِّ، وَكَذَلِكَ فِي قَسْمِ الْحَبْسِ بَيْنَ أَهْلِهِ يَجْتَهِدُ وَيُفَضِّلُ أَهْلَ الْحَاجَةِ، وَإِذَا أَسَرَ الْإِمَامُ الْعَدُوَّ فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، وَكَذَلِكَ عَقْدُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَتَقْدِيرُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ، وَقَدْ أَفْرَدْت لِذَلِكَ بَابًا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عُلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ، ثُمَّ ثُبُوتُ الْحُجَّةِ مُغَايِرٌ لِلْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ الْإِنْشَائِيِّ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي التَّعْرِيفِ بِحَقِيقَةِ الْحُكْمِ، فَثَبَتَ كَوْنُهُمَا غَيْرَيْنِ بِالضَّرُورَةِ، وَأَنَّ الثُّبُوتَ هُوَ نُهُوضُ الْحُجَّةِ، وَالْحُكْمُ إنْشَاءُ كَلَامٍ فِي النَّفْسِ هُوَ إلْزَامٌ أَوْ إطْلَاقٌ. [فَصْلٌ فِي مَعْنَى تَنْفِيذِ الْحُكْمِ] ِ وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ. تَنْفِيذُ حُكْمِ نَفْسِهِ، وَتَنْفِيذُ حُكْمِ غَيْرِهِ، فَالْأَوَّلُ مَعْنَاهُ الْإِلْزَامُ بِالْحَبْسِ وَأَخْذُ الْمَالِ بِيَدِ الْقُوَّةِ وَدَفْعُهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَتَخْلِيصُ سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ يَجُوزُ لَهُ إيقَاعُهُ عَلَيْهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالتَّنْفِيذُ غَيْرُ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ، فَالثُّبُوتُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْأُولَى، وَالْحُكْمُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْوُسْطَى، وَالتَّنْفِيذُ هُوَ الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ. وَلَيْسَ كُلُّ الْحُكَّامِ لَهُمْ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ لَا سِيَّمَا الْحَاكِمُ الضَّعِيفُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْجَبَابِرَةِ فَهُوَ يُنْشِئُ الْإِلْزَامَ، وَلَا يَخْطِرُ لَهُ تَنْفِيذُهُ؛ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَالْحَاكِمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَاكِمٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْإِنْشَاءُ، وَأَمَّا قُوَّةُ التَّنْفِيذِ فَأَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ حَاكِمًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحَكَّمَ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي الرُّتْبَةِ السَّادِسَةِ مِنْ رُتَبِ الْوِلَايَةِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: تَنْفِيذُ حُكْمِ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ فِيمَا تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ الْحُكَّامِ كَذَا، فَهَذَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْ الْمُنَفِّذِ أَلْبَتَّةَ، وَكَذَا إذَا قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ بِكَذَا، وَكَذَا فَلَيْسَ حُكْمًا مِنْ هَذَا الْمُثْبِتِ، بَلْ لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ صَحَّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْفَاسِدَ وَالْحَرَامَ قَدْ يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ مُوجِبَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا

стр. 133

فِي النَّوْعِ السَّابِعِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ. وَبِالْجُمْلَةِ لَيْسَ فِي التَّنْفِيذِ حُكْمٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَا فِي الْإِثْبَاتِ أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ مُسَاعَدَةً عَلَى صِحَّةِ الْحُكْمِ السَّابِقِ، فَلَا يُعْتَدُّ بِكَثْرَةِ الْإِثْبَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، فَهُوَ كُلُّهُ كَحُكْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ الثَّانِي حَكَمْت بِمَا حَكَمَ بِهِ الْأَوَّلُ وَأُلْزِمْت بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ. تَنْبِيهٌ: هَذَا حُكْمُ مَا إذَا كَانَ الْحَاكِمُ الْأَوَّلُ وَالْمُنَفِّذُ الثَّانِي مَذْهَبُهُمَا وَاحِدٌ، أَمَّا مَعَ اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا وَرَدَ عَلَى حَاكِمٍ حُكْمٌ بِأَحَدِ الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ وَالْقَاضِي الْوَارِدُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ اعْتِقَادُهُ مَذْهَبٌ آخَرُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَنْفِيذُ هَذَا الْحُكْمِ، وَإِلْزَامُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِدَفْعِ الْمَالِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ الْقَاضِي، وَإِلْزَامُ الزَّوْجَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ وَتَمْكِينِ الزَّوْجِ مِنْهَا، مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ هُوَ خِلَافُ مَا نَفَّذَ بِهِ ذَلِكَ الْحُكْمَ؟ . فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَقِفُ عَنْ تَنْفِيذِهِ وَإِبْطَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ نَفَّذَهُ وَأَلْزَمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مَا فِيهِ أَلْزَمَهُ مَا لَا يَرَى أَنَّهُ الْحَقُّ عِنْدَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُنَفِّذُهُ وَيَلْزَمُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مَا تَضَمَّنَهُ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَهُ عَنْ إنْفَاذِهِ كَإِبْطَالِهِ، وَقَدْ قُلْنَا إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا. [فَصْلٌ فِي الْمَنْعِ مِنْ تَنْفِيذِ مَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمُ أَهْلِ الذِّمَّةِ] ِ وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ، إذَا ثَبَتَ عِنْدَ حَاكِمٍ أَصْلُ مَطْلَبٍ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَشْهَدَ حَاكِمُهُمْ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ مُسْلِمَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُنْفِذَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَنْفَذَ ذَلِكَ فَقَدْ أَنْفَذَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ الدِّينُ وَاحِدٌ، أَمَّا مَعَ اخْتِلَافِ الْمَذْهَبِ، فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: إذَا وَرَدَ عَلَى حَاكِمٍ حُكْمٌ بِأَحَدٍ ثَبَتَ بِهِمْ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا شَهِدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حُكْمِ حَاكِمِهِمْ فَشَهَادَتُهُمْ فَرْعٌ وَشَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ هِيَ الْأَصْلُ. فَائِدَةٌ: فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى مَا يُكْتَبُ فِي التَّسْجِيلَاتِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَهُوَ نَافِذُ الْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ مَاضِيهِمَا قُلْنَا كُلٌّ مِنْ اللَّفْظَيْنِ إذَا اُسْتُعْمِلَ وَحْدَهُ فَهُوَ بِمَعْنَى الْآخَرِ، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا، كَقَوْلِهِمْ فِي الْوَثَائِقِ طَائِعًا مُخْتَارًا وَقَوْلِهِمْ فِي صِحَّةٍ مِنْهُ وَسَلَامَةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ تَأْكِيدِ الْمُوَثَّقِ.

стр. 134

وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ثُبُوتُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ بِإِقْرَارِهِ بَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ، فَإِنْ ادَّعَى الْإِكْرَاهَ عَلَى الْإِقْرَارِ مَثَلًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ خَصْمِهِ مَعَ يَمِينِهِ، إلَّا إذَا كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْإِكْرَاهِ، فَإِنَّ النَّصَّ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وَكَذَا مُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀؛ وَلْنَرْجِعْ إلَى مَا تَقَدَّمَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَتَغَايَرَا مِنْ وَجْهٍ كَمَا تَقُولُ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ التَّغَايُرِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ قُلْنَا ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَضَاءَ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الْمُسْتَنَدِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِنْفَاذِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَغَايَرَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ فِي الْوَاقِعَةِ الْمَخْصُوصَةِ كَذَا، وَقَضَى بِهِ وَأَلْزَمَ. اهـ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ سِرَاجِ الدِّينِ الْبُلْقِينِيِّ - مَتَّعَ اللَّهُ بِحَيَاتِهِ -. [فَصْلٌ فِيمَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ] قَالَ الْقَرَافِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ كَمَا يَدُلُّ الْقَوْلُ عَلَى الْحُكْمِ فِي قَوْلِ الْحَاكِمِ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي حَكَمْت بِكَذَا، فَكَذَلِكَ الْفِعْلُ يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ أَيْضًا، وَذَلِكَ إذَا كَتَبَ الْحَاكِمُ إلَى حَاكِمٍ آخَرَ أَنِّي قَدْ حَكَمْت بِكَذَا، فَهَذِهِ الْكِتَابَةُ تَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ كَمَا هُوَ مَشْرُوحٌ فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ لَوْ سُئِلَ هَلْ حَكَمْت بِكَذَا فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ وَيُفْهَمُ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ الْحُكْمَ بِيَدِهِ، وَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَضْمُونِهِ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صُدُورِ الْحُكْمِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ أَمْرٌ نَفْسَانِيٌّ لَا لِسَانِيٌّ؛ لِأَنَّهُ تَارَةً يُخْبِرُ عَنْهُ الْقَوْلَ وَتَارَةً بِالْفِعْلِ وَتَارَةً بِالْإِشَارَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ قَوْلِهِ وَكِتَابَتِهِ وَإِشَارَتِهِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأُمُورُ دَالَّةٌ عَلَى الْحُكْمِ كَسَائِرِ مَا يَقُومُ بِالنَّفْسِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ وَغَيْرِهِمَا. [فَصْلٌ فِي أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ أَمْرٌ قَائِمٌ بِالنَّفْسِ لَا بِاللِّسَانِ] وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ أَمْرٌ قَائِمٌ بِالنَّفْسِ لَا بِاللِّسَانِ، أَنَّهُ قَدْ يَقْتَرِنُ إنْشَاءُ الْحُكْمِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيُوَافِقُ إنْشَاءُ الْحُكْمِ وَقْتَ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَفْتَرِقَانِ سِنِينَ كَثِيرَةً بِأَنْ يَحْكُمَ فِي شَيْءٍ وَلَا يُشْهِدُ بِالْحُكْمِ عَلَى نَفْسِهِ فِي ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فِي نَفْسِهِ قَائِمٌ بِذَاتِهِ مِنْ كَلَامِهِ النَّفْسَانِيِّ لَا اللِّسَانِيِّ.

стр. 135

[فَصْلٌ فِي أَنَّ الْحُكْمَ تَارَةً يَكُونُ خَبَرًا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ] وَتَارَةً يَكُونُ إنْشَاءً قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ تَارَةً يَكُونُ خَبَرًا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَتَارَةً يَكُونُ إنْشَاءً لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، فَالْأَوَّلُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ قَدْ حَكَمْت بِكَذَا فِي الصُّورَةِ الْفُلَانِيَّةِ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ بِحَسَبِ مَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ مِنْ حَالِهِ، وَالثَّانِي مِثْلُ أَنْ يَقُولَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِكَذَا أَوْ أَنِّي أَلْزَمْت فُلَانًا بِكَذَا فَهَذَا إنْشَاءٌ لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَلَا الْكَذِبَ؛ لِأَنَّهُ إنْشَاءُ الطَّلَبِ مِنْ الشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِكَذَا، وَإِنَّمَا يُوصَفُ هَذَا بِالصِّحَّةِ أَوْ الْفَسَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. تَنْبِيهَاتٌ: فِي التَّسْجِيلَاتِ بِإِحْيَاءِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ وَمَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْإِشْهَادِ بِهِ، وَفِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ بِيَدِهِ حُكْمٌ مِنْ قَاضٍ أَوْ شِرَاءِ عَبْدٍ أَوْ مَنْزِلٍ، فَيَقُومُ بِذَلِكَ إلَى سُلْطَانِ مَوْضِعِهِ لِيَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَتِهِ عَلَى ذَلِكَ لِيُحْيِيَهُ لَهُ بِالْحُكْمِ فَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِلْإِمَامِ، حَتَّى يُعَارِضَهُ فِيهِ أَحَدٌ بِخُصُومَةٍ أَوْ دَعْوَى، وَلِيُحْيِيَهُ صَاحِبُهُ بِأَنْ يُشْهِدَ عَلَى شَهَادَةِ شُهُودِ الْكِتَابِ إنْشَاءً، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَرَأَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ، الْحَقِّ مِنْ بَلَدٍ آخَرَ، وَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُهُمْ هَا هُنَا، وَمَنْ يَعْدِلُهُمْ، فَيَسْأَلُ الْقَاضِيَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ أُولَئِكَ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ عَنْهُ وَيُحْيِيَ لَهُ بِهِمْ حَقَّهُ قَبْلَ فَوْتِهِ بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ عَلَيْهِ وَمَوْتِهِ، وَأَنَّهُ يَجِدُ الْآنَ مَنْ يَعْدِلُ بِهِ شَهَادَةَ الطَّارِئِينَ مِمَّنْ يَعْرِفُهُمْ السُّلْطَانُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُحْيِيَهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى شَهَادَتِهِمْ إذْ لَا يَعْرِفُونَهُمْ فَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْظُرَ لَهُ فِيهِ وَيُحْيِيَ لَهُ حَقَّهُ، وَيُشْهِدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَذْكُرَ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى الْقَاضِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُخَاصِمُهُ فِيهِ أَحَدٌ، وَلَا قَطَعَ السُّلْطَانُ بِهِ حُجَّةَ أَحَدٍ يَقُومُ عَلَيْهِ، وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يَتَبَيَّنُ بِهِ سَبَبُ الْإِحْيَاءِ، أَوْ يَكُونُ حَقًّا أَوْ حُكْمًا قَدْ دُرِسَتْ وَثِيقَتُهُ وَأَشْفَتْ عَلَى الذَّهَابِ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَهَا إلَّا بِنَظَرِ السُّلْطَانِ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ لَهُ فِيهَا بِمَا يُحْيِيهَا، وَيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَمْ يَقْطَعْ بِهِ حُجَّةَ أَحَدٍ. نَوْعٌ مِنْهُ: وَفِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ قَالَ أَبُو زَيْدٍ قَالَ أَصْبَغُ: وَقَدْ سُئِلَ فِي الرَّجُلِ يَأْتِي إلَى قَاضٍ بِكِتَابٍ فِيهِ قَضَاءُ غَيْرِهِ فَيَسْأَلُهُ أَنْ يُثْبِتَهُ عِنْدَهُ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، بِأَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ حَكَمَ لَهُ بِمَا فِيهِ، وَيُشْهِدَ لَهُ بِثُبُوتِهِ عِنْدَهُ لِمَا يَتَخَوَّفُ مِنْ مَوْتِ شَاهِدَيْهِ أَوْ حَوَادِثَ يَخْشَاهَا عَلَيْهِ، هَلْ يَسْمَعُ مِنْ

стр. 136

بَيِّنَتِهِ؟ قَالَ نَعَمْ وَأَرَاهُ حَسَنًا، وَيُشْهِدُ فِي كِتَابِهِ عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ فَيُشْهِدُ لَهُ أَنَّهُ أَنْفَذَهُ إنْفَاذًا كَالْقَاضِي الْأَوَّلِ، قَالَ لَا يُشْهِدُ أَنَّهُ أَنْفَذَهُ، إنَّمَا يُشْهِدُ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ الْقَاضِيَ فُلَانًا حَكَمَ بِمَا فِيهِ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا يَتَدَبَّرُهُ، وَيَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ الْأَوَّلَ قَدْ أَصَابَ وَجْهَ الْقَضَاءِ فِيمَا تَبَيَّنَ لَهُ، فَإِنْ رَأَى أَنَّهُ أَخْطَأَ فِيهِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ بَيِّنَتِهِ عِنْدَهُ، إلَّا أَنْ يَبْتَدِئَ عِنْدَهُ خُصُومَةً مُبْتَدَأَةً، قِيلَ لَهُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ وَجَدَ فِي قَضَاءِ الْأَوَّلِ خِلَافًا لِرَأْيِهِ وَهُوَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِمَّا لَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُ الْقَضَاءِ بِهِ، قَالَ لَا يَنْظُرُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَقَدَّمَ نَقْلُهُمَا عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي مَعْنَى تَنْفِيذِ الْحُكْمِ، قِيلَ لِأَصْبَغَ: وَكَيْفَ يَنْظُرُ لَهُ فِي كِتَابِهِ وَيُحْيِيهِ لَهُ وَهُوَ لَمْ يُنَازِعْهُ أَحَدٌ فِيهِ، قَالَ ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ حُجَّةَ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، فَمَتَى قَامَ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ عَبْدًا أَتَى إلَى السُّلْطَانِ فَزَعَمَ أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَسَيِّدُهُ مُقِرٌّ لَهُ بِالْعِتْقِ، غَيْرَ أَنَّ الْعَبْدَ سَأَلَ الْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَتِهِ وَيُحْيِيَ لَهُ عِتْقَهُ وَيُكْثِرَ لَهُ مِنْ الشُّهُودِ عَلَيْهِ؛ لِيَكُونَ إحْيَاءً لِلْعِتْقِ وَتَوْثِيقًا لِلْحُرِّيَّةِ، أَمَا كَانَ لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَهُوَ مِثْلُهُ، وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ (الْمُقْنِعِ) مِنْ أَنَّهُ لَا يُحْيِيهِ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. فَصْلٌ وَمِنْ ذَلِكَ إذَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ أَرْضًا بِالصَّحْرَاءِ وَتَنَازَعَا فِيهَا، ثُمَّ أَتَيَا الْحَاكِمَ فَتَدَاعَيَا فِيهَا، ثُمَّ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ فَلَا يَشْهَدُ الْحَاكِمُ أَنَّهُ حَكَمَ بِهَذِهِ الْأَرْضِ لِفُلَانٍ، وَلَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ لِفُلَانٍ بِكَذَا، وَلَا يَحْكُمُ لَهُ بِهَا، وَلَا يُشْهِدُ عَلَى نَفْسِهِ فِيهَا بِقَضَاءٍ، حَتَّى تَقُومَ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا لَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. [فَصْلٌ فِيمَا إذَا ابْتَاعَ رَجُلٌ دَارًا مِنْ رَجُلٍ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ ذَلِكَ] وَمِنْ ذَلِكَ إذَا ابْتَاعَ رَجُلٌ دَارًا مِنْ رَجُلٍ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ ذَلِكَ وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةُ بِالِاشْتِرَاءِ، فَلَا يَكْتُبُ لَهُمْ الْقَاضِي كِتَابَ حُكْمٍ حَتَّى يُقِيمَ الْمُشْتَرِي عِنْدَهُ بَيِّنَتَهُ أَنَّ الْبَائِعَ بَاعَ مِنْهُ شَيْئًا يَعْرِفُونَهُ فِي مِلْكِهِ (مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ) فِي بَابِ (الْقِسْمَةِ) . نَوْعٌ مِنْهُ: قَالَ أَصْبَغُ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا عَزَلَ الْوَصِيَّ لِأَمْرٍ كَرِهَهُ أَوْ لِعُذْرٍ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بَرَاءَةً مِمَّا جَرَى عَلَى يَدَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، مِمَّا زَعَمَ أَنَّهُ أَنْفَقَهُ عَلَى الْيَتِيمِ، وَإِنْ أَتَاهُ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ حَتَّى يَبْلُغَ الْيَتِيمُ مَبْلَغَ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ إنْ أَخَذَ مِنْهُ مَالًا عِنْدَ الْعَزْلِ كَتَبَ لَهُ مِنْهُ بَرَاءَةً.

стр. 137

نَوْعٌ مِنْهُ: إذَا دَخَلَ تَحْتَ يَدَيْ الْقَاضِي مَالٌ لِغَائِبٍ فَقَامَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهُ وَكِيلُهُ وَأَحْضَرَ عَقْدًا بِوَكَالَتِهِ، وَذَكَرَ الشُّهُودُ فِي الْعَقْدِ أَنَّ تَارِيخَ الشَّهَادَةِ بِالْوَكَالَةِ قَبْلَ كِتَابَةِ هَذَا الْعَقْدِ بِعَامٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَفِي الْعَقْدِ أَنَّهُ وَكِيلُهُ عَلَى طَلَبِ حُقُوقِهِ كُلِّهَا وَقَبْضِهَا وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ وَقَبْضِ مُسْتَغَلَّاتِهِ تَوْكِيلًا تَامًّا مُفَوَّضًا أَقَامَهُ فِيهِ مَقَامَ نَفْسِهِ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُثْبِتَهُ لَهُ، فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ الْغَائِبَ لَمْ يُشْهِدْ عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذَا الْعَقْدِ الَّذِي أَظْهَرَ الْوَكِيلُ وَلَا رَأَى الْكِتَابَ، وَإِنَّمَا لَفَّقَ الْوَكِيلُ مَا فِي الْكِتَابِ مِنْ حِفْظِ الشُّهُودِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِرْعَاءِ، وَهَذَا الْمَوْضِعُ وَشِبْهُهُ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ الشَّهَادَةَ فِيهِ عَلَى الْوَكَالَةِ أَوْ غَيْرِهَا، إلَّا بِأَنْ يَنُصَّ الشَّاهِدُ مَعَانِيَهَا مِنْ حِفْظِهِ كَمَا يَزْعُمُ الْقَائِمُ بِالْوَكَالَةِ أَنَّ مِنْ حِفْظِهِمْ كَتَبَ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ لِلْقَاضِي هَذِهِ شَهَادَتِي أَشْهَدُ بِهَا عِنْدَك لِيُعَلَّمَ لَهُ عَلَيْهَا يَعْنِي عَلَامَةَ الْأَدَاءِ وَالْقَبُولِ وَتَثْبُتُ الْوَكَالَةُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَلَا يَسَعُ الْقَاضِيَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى التَّسَاهُلُ فِي مِثْلِ هَذَا، فَاَللَّهَ اللَّهَ فِي الِاهْتِبَالِ بِأُمُورِ النَّاسِ وَالنَّظَرِ لِنَفْسِك، قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: لَا يَدْفَعُ الْقَاضِي ذَلِكَ الْمَالَ لِلْوَكِيلِ إلَّا بِتَوْكِيلِ الْغَائِبِ عَلَى قَبْضِهِ تَوْكِيلًا يَنُصُّ فِيهِ عَلَى قَبْضِهِ، وَأَمَّا بِالتَّوْكِيلِ الْمُكْتَتَبِ فَلَا، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَإِنَّمَا قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَكِيلَ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهِ، فَرَأَى مِنْ النَّظَرِ إبْقَاءَهُ تَحْتَ يَدِ أَمِينِ الْقَاضِي مَعَ مَا فِي الْوَكَالَةِ مِنْ الضَّعْفِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى عَقْدِ الْوَكَالَةِ. نَوْعٌ مِنْهُ: وَمِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ أَيْضًا قَالَ: وَفِي نَوَازِلِ ابْنِ سَحْنُونٍ مَنْ أَتَى بِيَتِيمَةٍ بَلَغَتْ إلَى الْقَاضِي أَوْ يَتِيمٍ بَالِغٍ، وَقَالَ: إنَّ أَبَاهُ أَوْ أَبَا هَذَا أَوْصَى بِهِ إلَيَّ وَبِمَالِهِ وَقَدْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّضَا وَأَنَا أَبْرَأُ إلَيْهِ بِمَالِهِ فَاكْتُبْ لِي بَرَاءَةً مِنْهُ قَالَ يَكْتُبُ لَهُ فِي الْبَرَاءَةِ، إنَّ فُلَانًا أَتَى بِفُلَانٍ صِفَتُهُ كَذَا وَزَعَمَ أَنَّهُ يُسَمَّى فُلَانًا أَوْ بِامْرَأَةٍ صِفَتُهَا كَذَا وَزَعَمَ أَنَّهَا تُسَمَّى فُلَانَةَ وَأَنَّ أَبَاهَا أَوْصَى إلَيْهِ بِهَا وَبِمَالِهَا، وَأَنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَبْلَغَ الْأَخْذِ لِنَفْسِهَا وَالْإِعْطَاءِ مِنْهَا وَسَأَلَنَا أَنْ نَأْمُرَهُ بِدَفْعِ مَالِهَا وَأَنْ نَكْتُبَ لَهُ الْبَرَاءَةَ فَأَمَرْنَاهُ بِذَلِكَ، فَدَفَعَ لَهَا عِنْدَنَا كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ أَشْهَدَنَا عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَيَكْتُبُ لَهُ هَذِهِ الْبَرَاءَةَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُ وَصِيُّهُ، إلَّا بِقَوْلِهِ. قِيلَ لَهُ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ هَكَذَا قَالَ نَعَمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ الْبَرَاءَةَ إلَّا هَكَذَا، ذَكَرَهَا ابْنُ سَهْلٍ فِي مَسَائِلِ الْمَحْجُورِ.

стр. 138

[فَصْلٌ لَا يُسَجِّلُ الْقَاضِي بِتَخْلِيدِ دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ غَائِبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ] قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَغَيْرُهُ: لَا يُسَجِّلُ الْقَاضِي بِتَخْلِيدِ دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ غَائِبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ، وَإِنْ سَافَرَ إلَى غَيْرِ عَمَلِهِ، أَمَّا إنْ اسْتَوْطَنَ غَيْرَ عَمَلِهِ أَوْ لَمْ يَسْكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ فَحَسْبُهُ أَنْ يُقَيِّدَ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ لَا الْحُكْمُ بِتَخْلِيدِهِ فِي ذِمَّتِهِ. مَسْأَلَةٌ: لَا يُسَجِّلُ نَائِبُ الْقَاضِي بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يَجُوزُ تَسْجِيلُهُ، وَيَبْطُلُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي اسْتَنَابَهُ عَنْ إذْنِ الْإِمَامِ وَرَأْيِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ هَذَا مُسْتَوْفًى فِي الْبَابِ الْخَامِسِ فِي اسْتِخْلَافِ الْقَاضِي. [فَصْلٌ فِي الْمَحْكُومُ لَهُ إذَا سَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ لَهُ عِنْدَهُ] الْمَحْكُومُ لَهُ إذَا سَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ بِمَا ثَبَتَ لَهُ عِنْدَهُ لَزِمَ الْحَاكِمَ أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ ذَلِكَ وَيَذْكُرَ الْوَجْهَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ الْحَقُّ، وَإِنَّ ذَلِكَ يَغْلِبُ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ بِكَذَا، أَوْ بِسَبَبِ نُكُولٍ، أَوْ لِأَجْلِ يَمِينٍ أَوْ بِسَبَبِ سُقُوطِ بَيِّنَةٍ جُرِّحَتْ؛ لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِتِلْكَ الْبَيِّنَةِ، وَاخْتُلِفَ إذَا عَجَزَ الْقَاضِي الطَّالِبُ، فَسَأَلَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُسَجِّلَ لَهُ بِقَطْعِ حُجَّتِهِ عَنْهُ لِئَلَّا تَتَكَرَّرَ عَلَيْهِ تِلْكَ الدَّعْوَى وَيُعْتِقُهُ مَتَى شَاءَ، فَقِيلَ ذَلِكَ لَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْقَاضِي مِنْ (تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ) لِابْنِ الْمُنَاصِفِ. مَسْأَلَةٌ: قَوْلُ الْقَاضِي فِي سِجِلِّهِ فِي شَهَادَةِ غَيْرِ الْمَقْبُولِينَ إنَّهُمْ شَهِدُوا بِكَذَا وَاسْتُظْهِرَ بِهِمْ نَفْعٌ لِلْمَشْهُودِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى دَفَعَ الْغَائِبُ فِيمَنْ ثَبَتَ بِهِ ذَلِكَ كَانَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يُعَدِّلَ اثْنَيْنِ مِنْ الَّذِينَ لَمْ يَقْبَلْهُمْ الْقَاضِي وَاسْتَغْنَى عَنْ إعَادَةِ شَهَادَتِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَزَكَّاهُمْ عَلَى أَعْيَانِهِمْ إنْ كَانُوا أَحْيَاءً، وَإِنْ كَانُوا مَوْتَى زَكَّاهُمْ بِشَهَادَةِ مَنْ يَقْطَعُ بِمَعْرِفَةِ أَعْيَانِهِمْ. [فَصْلٌ لِلْقَاضِي إذَا سَجَّلَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَنْ يَذْكُرَ فِي الْكِتَابِ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ] يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا سَجَّلَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَنْ يَذْكُرَ فِي الْكِتَابِ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى وَقَعَ الْحُكْمُ فَالْأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُبَدِّلَ الْكِتَابَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى عُزِلَ أَوْ مَاتَ نَفَذَ الْحُكْمُ إلَّا عَلَى الْغَائِبِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَنَظَائِرُهَا مَبْسُوطَةٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَوَازِ تَسْجِيلٍ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِأَسْمَاءِ الشُّهُودِ، وَالْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ يُصَرِّحُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَالصَّغِيرِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْحَاضِرِ، وَفِي الرُّكْنِ الْخَامِسِ فِي الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ وَفِي آخِرِ فَصْلِ التَّعْجِيزِ أَيْضًا بَسَطَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ.

стр. 139

[فَصْلٌ أَمَرَ كَاتِبَهُ عِنْدَ التَّسْجِيلِ أَنْ يُبْقِيَ بَيَاضًا لِيُتَمِّمَهُ الْقَاضِي بِخَطِّهِ] وَفِي (الطُّرَرِ) ذَكَرَ ابْنُ مُغِيثٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مِنْ الْقُضَاةِ مَنْ يَأْمُرُ كَاتِبَهُ عِنْدَ كِتَابَةِ التَّسْجِيلِ أَنْ يُبْقِيَ بَيَاضًا فِي آخِرِ التَّسْجِيلِ لِيُتَمِّمَهُ الْقَاضِي بِخَطِّهِ وَبِذَلِكَ جَرَتْ عَادَةُ الْقُضَاةِ فِي الْأَعْمَالِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَالْحِجَازِيَّةِ، وَصِفَةُ مَا يَكْتُبُ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. قَالَ: وَبِمَا ذَكَرَهُ ابْنُ مُغِيثٍ جَرَى عَمَلُ الْقُضَاةِ بِقُرْطُبَةَ، وَفَعَلَهُ مُنْذَرُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ السُّلَيْمِ وَابْنُ زَرْبٍ. [فَصْلٌ فِي الْحُكْمِ الْمُعَلَّقِ عَلَى شَرْطِ صِدْقِ الْمُدَّعِي وَإِرْجَاءِ الْحُجَّةِ لِلْخَصْمِ] مَسْأَلَةٌ: وَفِي (الْحَاوِي فِي الْفَتَاوَى) لِابْنِ عَبْدِ النُّورِ التُّونِسِيِّ قَالَ سُئِلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ امْرَأَةٍ مَجْهُولَةٍ طَارِئَةٍ عَلَى بَلَدٍ فَأَتَتْ إلَى قَاضِيهِ فَذَكَرَتْ أَنَّ زَوْجَهَا غَابَ عَنْهَا فِي بَلَدِهَا غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً وَلَا يَعْلَمُ صِدْقَهَا مِنْ كَذِبِهَا، وَشَكَتْ الضَّيْعَةَ، فَمَا تَرَى فِي أَمْرِهَا هَلْ تَطْلُقُ وَتُزَوَّجُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ أَنَّهُ يَتَثَبَّتُ فِي أَمْرِهَا حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ الْعُثُورِ عَلَى صِدْقِهَا أَوْ كَذِبِهَا، أَوْ تُثْبِتُ كَوْنَهَا طَارِئَةً مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْكَشْفُ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ، فَتُسْتَحْلَفُ حِينَئِذٍ الْيَمِينَ الْوَاجِبَةَ فِي مِثْلِ هَذَا، وَأَنَّهَا صَادِقَةٌ فِيمَا ذَكَرَتْ، وَيُوقِعُ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا، وَيَكْتُبُ لَهَا الْحَاكِمُ أَنَّهُ أَوْقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَتْ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي (الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ) فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ فِي رَجُلٍ أَتَى إلَى زَمْزَمَ فَقَالَ لِرَجُلٍ: نَاوِلْنِي قَدَحَك، فَقَالَ إنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ فَقَالَ هَذَا كِسَائِي عِنْدَك حَتَّى أَعُودَ بِهِ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ وَوَضَعَ الْكِسَاءَ ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَجِدْ الرَّجُلَ فَحُكْمُهُ أَنْ يَأْتِيَ السُّلْطَانَ فَيُخْبِرَهُ فَيَأْمُرَهُ السُّلْطَانُ إنْ كَانَ صَادِقًا أَنْ يَبِيعَ الْقَدَحَ وَيَقْبِضَ ثَمَنَهُ مِنْ ثَمَنِ الْكِسَاءِ، قِيلَ لِأَشْهَبَ: وَيَأْمُرُهُ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ؟ قَالَ نَعَمْ، يَأْمُرُ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ عَلَى الْغَائِبِ، وَيَقُولُ لَهُ إنْ كُنْت صَادِقًا فَافْعَلْ، فَإِنَّ جَاءَ الرَّجُلُ كَانَ عَلَى خُصُومَتِهِ. وَفَائِدَةُ رَفْعِهِ إلَى السُّلْطَانِ أَنَّ صَاحِبَ الْقَدَحَ إذَا جَاءَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الَّذِي بَاعَهُ إلَّا الثَّمَنُ الَّذِي بَاعَ بِهِ، وَإِنْ بَاعَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْقَدَحِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ لِفَضْلِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْقَاضِي وَطَلَبَتْ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ، وَحَالُهُ

стр. 140

فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ مَجْهُولٌ، وَأَحَبَّتْ أَنْ يَنْظُرَ لَهَا فِي فَرْضِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَلُزُومِهَا لَهَا إنْ ظَهَرَ مَلِيًّا فَيُشْهِدُ لَهَا السُّلْطَانُ، لَئِنْ كَانَ فُلَانٌ زَوْجَ فُلَانَةَ مَلِيًّا الْيَوْمَ مُوسِرًا فِي غَيْبَتِهِ هَذِهِ فَقَدْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ لِامْرَأَتِهِ فَرِيضَةَ مِثْلِهَا مِنْ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيَكْتُبُ التَّارِيخَ ثُمَّ تَكُونُ الْفَرِيضَةُ لَازِمَةً لَهُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عَدَمُهُ فِي غَيْبَتِهِ كُلِّهَا حَتَّى قَدِمَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. [الْقِسْمُ الثَّانِي فِي بَيَانِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ] اعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ الْقَضَاءِ يَدُورُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ مُشْكِلٌ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي حُكْمِ مَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَنَّ عَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ إذَا أَنْكَرَ الْمَطْلُوبَ، وَأَنَّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ إذَا لَمْ تَقُمْ الْبَيِّنَةُ، وَقَدْ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْدِيدِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمُدَّعِي مَنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى وَفْقِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ. وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ الْمُدَّعِي مَنْ تَجَرَّدَتْ دَعْوَاهُ عَنْ أَمْرٍ يُصَدِّقُهُ أَوْ كَانَ أَضْعَفَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَمْرًا فِي الدَّلَالَةِ عَنْ الصِّدْقِ، أَوْ اقْتَرَنَ بِهَا مَا يُوهِنُهَا عَادَةً، وَذَلِكَ كَالْخَارِجِ عَنْ مَعْهُودٍ وَالْمُخَالِفِ لِأَصْلٍ، وَشِبْهِ ذَلِكَ وَمَنْ تَرَجَّحَ جَانِبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا مَا يُوَافِقُ الْعُرْفَ وَادَّعَى الْآخَرُ مَا يُخَالِفُهُ فَالْأَوَّلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالثَّانِي هُوَ الْمُدَّعِي، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ ادَّعَى وَفَاءَ مَا عَلَيْهِ أَوْ رَدَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ يُصَدِّقُ دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ مُدَّعٍ، وَاخْتَصَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِبِ فَقَالَ الْمُدَّعِي مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ تَرَجَّحَ بِمَعْهُودٍ أَوْ أَصْلٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْمَعْهُودُ هُوَ شَهَادَةُ الْعُرْفِ، وَالْأَصْلُ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إذَا أَشْكَلَ عَلَيْك الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَوَاجِبُ الِاعْتِبَارِ فِيهِ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ هُوَ آخِذٌ أَوْ دَافِعٌ وَهَلْ يَطْلُبُ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ يَنْفِيهِ، فَالطَّالِبُ أَبَدًا مُدَّعٍ وَالدَّافِعُ الْمُنْكِرُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ مَنْ يُرِيدُ الْأَخْذَ أَوْ يَطْلُبُ الْبَرَاءَةَ مِنْ شَيْءٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فَهُوَ مُدَّعٍ. وَكَلَامُهُمْ وَتَحْوِيمُهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الْمُتَمَسِّكَ بِالْأَصْلِ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمَنْ أَرَادَ النَّقْلَ عَنْهُ فَهُوَ الْمُدَّعِي غَيْرَ أَنَّهُ يَتَعَارَضُ النَّظَرُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ مَنْ هُوَ الْمُتَمَسِّكُ بِالْأَصْلِ مِنْ الْخَصْمَيْنِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ

стр. 141

سَيِّدَ الْأَمَةِ غَرَّهُ وَزَوَّجَهُ بِهَا وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، فَقَالَ أَشْهَبُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ، فَتَعَارَضَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْغُرُورِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ السَّيِّدِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ الدُّخُولِ عَلَى زَوَاجِ الْإِمَاءِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِنَّ، وَزَوَاجُ الْأَحْرَارِ لِلْإِمَاءِ نَادِرٌ فَيُقَدَّمُ الْغَالِبُ عَلَى النَّادِرِ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي مَسَائِلِ الدَّعَاوَى. وَأَيْضًا فَهُنَاكَ أُمُورٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَرْجِيحِ قَوْلِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِسَبَبِهَا كَدَعْوَى الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْحَاضِرِ مَعَهَا أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ وَالْغَالِبَ يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ تَمَسُّكًا بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِنْفَاقِ، وَأُمُورٌ اتَّفَقُوا عَلَى التَّرْجِيحِ بِهَا كَالْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ وَاعْتِبَارِهِ فِي الْأَحْكَامِ فَهُوَ رُجُوعٌ إلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ وَقُدِّمَ عَلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَلَكِنْ قَدْ يَخْتَلِفُ النَّظَرُ فِي تَحْقِيقِ حُصُولِ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ. تَنْبِيهٌ: وَأَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَإِلْغَاءِ الْغَالِبِ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَتْقَى النَّاسِ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَدَّعِي إلَّا حَقًّا وَأَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَإِلْغَاءِ الْأَصْلِ فِي الْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ، فَإِنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهَا وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُدَّعِي مَنْ إذَا سَكَتَ تُرِكَ وَسُكُوتُهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ إذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ وَسُكُوتُهُ. وَقَالَ آخَرُونَ الْمُدَّعِي مَنْ ادَّعَى أَمْرًا خَفِيًّا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْحَدَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ تُعْرَضُ، بَلْ هَا هُنَا مَا هُوَ آكَدُ وَاعْتِبَارُهُ أَنْفَعُ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَهُوَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ، فَإِنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي مُقْتَضَى النَّظَرِ، وَلَا تَرَدُّدَ فِي ذَلِكَ وَلَا إشْكَالَ إذَا لَمْ يُعَارِضْ الْحَالُ الْحَالَ، وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَرِضُ حَالَانِ اسْتِصْحَابَ أَحَدِ مَا يُضَادُّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ الْآخَرِ، فَهَاهُنَا يَقَعُ الْإِشْكَالُ، فَيَخْتَلِفُ أَهْلُ النَّظَرِ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي تَمْيِيزِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَفْتَقِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى تَرْجِيحِ الْحَالَةِ الَّتِي اسْتَصْحَبَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مُكْرِي دَارٍ زَعَمَ بَعْدَ إنْفَاقِهِ هُوَ وَالْمُكْتَرِي عَلَى أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا أَنَّهَا انْهَدَمَتْ شَهْرَيْنِ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الدَّارِ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُكْتَرِي تَكُونُ مُدَّةُ الْهَدْمِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ قِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الْمُطَالَبَةِ وَالْغَرَامَةِ فَيُسْتَصْحَبُ ذَلِكَ، وَإِذَا اسْتَصْحَبْنَاهُ كَانَ الْمُكْتَرِي هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ

стр. 142

الْآخَرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُكْرِي؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ أَوْجَبَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُكْتَرِي، وَالْمُكْتَرِي يَدَّعِي إسْقَاطَ بَعْضِهِ فَلَا يُصَدَّقُ اسْتِصْحَابًا لِحَالِ كَوْنِ الْكِرَاءِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَاسْتِصْحَابًا لِكَوْنِ الدَّارِ صَحِيحَةً. وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ عِنْدَنَا عَلَى قَوْلَيْنِ فِيمَنْ قَبَضَ مِنْ رَجُلٍ دَنَانِيرَ فَلَمَّا طَلَبَهُ بِهَا دَافِعُهَا زَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا قَبَضَهَا عَنْ سَلَفٍ كَانَ أَسْلَفَهُ لِدَافِعِهَا، وَقَالَ دَافِعُهَا بَلْ أَنَا أَسْلَفْتُك إيَّاهَا وَمَا كُنْت أَنْتَ أَسْلَفْتَنِي شَيْئًا قَطُّ، فَإِنْ اعْتَبَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مَنْ لَوْ سَكَتَ تُرِكَ وَسُكُوتُهُ وَجَدْنَا هَا هُنَا الدَّافِعَ هُوَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ لَتُرِكَ وَسُكُوتُهُ، وَالْقَابِضُ لَوْ سَكَتَ عَنْ جَوَابِ الطَّالِبِ مَا تُرِكَ وَسُكُوتُهُ، وَإِنْ بَنَيْنَا عَلَى الْأَصْلِ الْآخَرِ وَهُوَ دَعْوَى الْأَمْرِ الْجَلِيِّ أَوْ الْخَفِيِّ، فَإِنَّا إذَا اسْتَصْحَبْنَا كَوْنَ الدَّافِعِ بَرِيءَ الذِّمَّةِ مِنْ سَلَفِ هَذَا الْقَابِضِ صَدَّقْنَا الدَّافِعَ وَجَعَلْنَاهُ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ السَّلَفُ الَّذِي الْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا حَالَ الْقَابِضِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ أَيْضًا فِيهِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ فَلَا يُؤْخَذُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، جَعَلْنَا الْقَابِضَ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَمَا يَعْرِضُ الْإِشْكَالُ إلَّا عِنْدَ تَصَادُمِ مُقْتَضَى الْأَحْوَالِ، فَيَفْتَقِرُ إلَى تَرْجِيحِ اسْتِصْحَابِ أَحَدِ الْحَالَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ وُلِّيتُ الْقَضَاءَ وَعِنْدِي أَنِّي لَا أَعْجِزُ عَنْ مَعْرِفَةِ مَا يَتَخَاصَمُ إلَيَّ فِيهِ، فَأَوَّلُ مَا ارْتَفَعَ إلَيَّ خَصْمَانِ أَشْكَلَ عَلَى مِنْ أَمْرِهِمَا مَنْ الْمُدَّعِي وَمَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى هَذَا الَّذِي نَبَّهَنَا عَلَيْهِ، وَلِلْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي بَابِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ فَصْلٌ فِي تَمْيِيزِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَضَمَّنَهُ فَوَائِدَ تَرَكْنَا ذِكْرَهَا خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ، فَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ وَمَا أَشْبَهَهَا صَعُبَ عِلْمُ الْقَضَاءِ وَدَقَّ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ ذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا بَلَغَ الْيَتِيمُ وَرَشَدَ وَطَلَبَ مِنْ الْوَصِيِّ مَالَهُ الَّذِي لَهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَالْيَتِيمُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّهُ صَارَ بِسَبَبِ طَلَبِهِ مُدَّعٍ وَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَالْوَصِيُّ الْمَطْلُوبُ هُوَ الْمُدَّعِي لِرَدِّ الْمَالِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ الْأَوْصِيَاءَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْأَيْتَامِ إذَا بَلَغُوا وَدَفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، فَلَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى الدَّفْعِ بَلْ عَلَى التَّصَرُّفِ وَالْإِنْفَاقِ خَاصَّةً، فَالْوَصِيُّ مَطْلُوبٌ وَهُوَ مُدَّعٍ وَالْيَتِيمُ طَالِبٌ وَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي دَعْوَى الْإِنْفَاقِ عَلَى الْيَتِيمِ لَا يُقْبَلُ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا مَا أَشْبَهَ الصِّدْقَ.

стр. 143

مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ طَالِبُ الْوَدِيعَةِ الَّذِي سَلَّمَهَا بِالْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْ الْمُودَعَ عِنْدَهُ لِمَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ طَالِبًا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُودَعِ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ مَا أُسْلِمَ إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ إلَّا بِالْإِشْهَادِ لِيَبْرَأَ مِنْهَا، وَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ الدَّفْعِ، فَاجْتَمَعَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ عَلَى تَصْدِيقِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ دُونَ الْقَابِضِ لَهَا. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ إذَا قُبِضَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ قُبِضَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ الْقِرَاضُ بِغَيْرِ بَيِّنَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودَعِ عِنْدَهُ وَقَوْلُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ يَدَهُمَا يَدُ أَمَانَةٍ وَالْأَمِينُ مُصَدَّقٌ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ مُدَّعِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ، وَإِنَّمَا عُرِضَ لَهُمْ الْمِلْكُ بِسَبَبِ السَّبْيِ بِشَرْطِ الْكُفْرِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ السَّبْيِ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حَوْزُ الْمِلْكِ، فَتَكُونُ دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ حِينَئِذٍ نَاقِلَةً عَنْ الْأَصْلِ فَلَا تُسْمَعُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، لِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا وَلِأَنَّ الْعُرْفَ يُكَذِّبُهُ. فَرْعٌ: وَأَمَّا مُدَّعِي الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَدَّعِي انْتِقَالَ الثَّابِتِ إلَى الْحُرِّيَّةِ وَذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمَّا ثَبَتَ صَارَ أَصْلًا، فَمَنْ طَلَبَ الِانْتِقَالَ عَنْهُ فَهُوَ مُدَّعٍ وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَأَمَّا إذَا تَجَرَّدَ الْأَصْلُ عَنْ الظَّاهِرِ وَعَنْ الْعُرْفِ كَمَنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ دَيْنًا أَوْ غَصْبًا أَوْ جِنَايَةً فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ يُخَالِفُ الطَّالِبَ وَيَعْضُدُ الْمَطْلُوبَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ وَالْجِنَايَةِ مِمَّنْ اشْتَهَرَ بِذَلِكَ وَنُسِبَ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُكْشَفُ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالسِّيَاسَةِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ الْمُدَّعِي هُوَ أَضْعَفُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ سَبَبًا. [فَصْلٌ فِيمَا إذَا تَدَاعَى قَزَّازٌ وَدَبَّاغٌ جِلْدًا] فَصْلٌ: وَمِنْ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي يَكُونُ الطَّالِبُ فِيهَا مُدَّعًى عَلَيْهِ إذَا تَدَاعَى قَزَّازٌ وَدَبَّاغٌ جِلْدًا فَإِنَّ الدَّبَّاغَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: اخْتِلَافُ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّجُلِ فِيمَا يُشْبِهُ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِيمَا يُشْبِهُ أَنَّهُ لِلنِّسَاءِ. وَمِنْهَا: لَوْ تَدَاعَى قَاضٍ وَجُنْدِيٌّ رُمْحًا كَانَ الْجُنْدِيُّ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: إذَا تَنَازَعَا عَطَّارٌ وَصَبَّاغٌ مِسْكًا أَوْ صِبْغًا قُدِّمَ الْعَطَّارُ فِي الْمِسْكِ وَالصَّبَّاغُ فِي الصِّبْغِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ التَّرْجِيحُ بِالْعَوَائِدِ وَظَاهِرِ الْأَحْوَالِ وَالْقَرَائِنِ.

стр. 144

تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: خُولِفَتْ قَاعِدَةُ الدَّعْوَى فِي خَمْسَةِ مَوَاطِنَ فَقُبِلَ فِيهَا قَوْلُ الطَّالِبِ: أَحَدُهَا اللِّعَانُ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْفِي عَنْ زَوْجَتِهِ الْفَوَاحِشَ فَحَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى رَمْيِهَا بِالْفَاحِشَةِ مَعَ الْأَيْمَانِ قَدَّمَهُ الشَّرْعُ، وَثَانِيهَا الْقَسَامَةُ يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الطَّالِبِ لِتَرَجُّحِهِ بِاللَّوْثِ، وَثَالِثُهَا قَبُولُ الْأُمَنَاءِ فِي التَّلَفِ لِئَلَّا يَزْهَدَ النَّاسُ فِي قَبُولِ الْأَمَانَاتِ فَتَفُوتُ مَصَالِحُهَا وَحِفْظُهَا، وَالْأَمِينُ قَدْ يَكُونُ أَمِينًا مِنْ جِهَةِ مُسْتَحِقِّ الْأَمَانَةِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ كَالْوَصِيِّ، وَالْمُلْتَقِطِ أَوْ مَنْ أَلْقَتْ الرِّيحُ الثَّوْبَ فِي بَيْتِهِ. وَرَابِعُهَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ لِئَلَّا تَفُوتَ الْمَصَالِحُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى وِلَايَةِ الْأَحْكَامِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي. وَخَامِسُهَا قَبُولُ الْغَاصِبِ فِي التَّلَفِ مَعَ يَمِينِهِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا يَخْلُدَ فِي الْحَبْسِ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ الدَّعَاوَى وَأَقْسَامِهَا] وَفِيهِ فُصُولٌ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ وَشُرُوطِهَا وَكَيْفِيَّةِ تَصْحِيحِ الدَّعْوَى. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي تَقْسِيمِ الدَّعَاوَى. الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ. الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى لَهُمْ وَمَا يُسْمَعُ مِنْ بَيِّنَاتِهِمْ وَمَا لَا يُسْمَعُ مِنْهَا. الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي بَيَانِ مَا يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهِ عَلَى إثْبَاتِ أُمُورٍ. الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ فِي الدَّعْوَى وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا.

стр. 145

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ وَلَهَا خَمْسَةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً: فَلَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ، قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ إذَا كَانَ يُعْلَمُ قَدْرُ حَقِّهِ وَامْتَنَعَ مِنْ بَيَانِهِ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الطَّالِبُ لَوْ أَيْقَنَ بِعِمَارَةِ ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ بِشَيْءٍ وَجَهِلَ مَبْلَغَهُ وَأَرَادَ مِنْ خَصْمِهِ أَنْ يُجَاوِبَهُ عَنْ ذَلِكَ بِإِقْرَارٍ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَذَكَرَ الْمَبْلَغَ وَالْجِنْسَ لَزِمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ، أَمَّا لَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ فَضْلَةِ حِسَابٍ لَا أَعْلَمُ قَدْرَهُ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمَا تَحَاسَبَا وَبَقِيَتْ لَهُ عِنْدَهُ بَقِيَّةٌ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِقَدْرِهَا فَدَعْوَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَسْمُوعَةٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى حَقًّا فِي هَذِهِ الدَّارِ وَالْأَرْضِ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا لَا يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ فَهِيَ دَعْوَى مَسْمُوعَةٌ، وَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ النَّاقِصَةِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَمِمَّا أُلْحِقَ بِمَسَائِلِ كَوْنِ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى سِمْسَارٍ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا لِيَبِيعَهُ لَهُ بِدِينَارَيْنِ قِيمَتُهُ دِينَارٌ وَنِصْفٌ فَأَنْكَرَ السِّمْسَارُ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ تُسْمَعَ دَعْوَاهُ هَا هُنَا مَعَ كَوْنِهِ لَا يَدْرِي مَا يَجِبُ لَهُ عَلَى السِّمْسَارِ، هَلْ الثَّمَنُ الَّذِي سَمَّاهُ لَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ بِهِ فَبَاعَ بِهِ، أَوْ قِيمَةُ الثَّوْبِ إنْ كَانَ اسْتَهْلَكَهُ، أَوْ عَيْنُ الثَّوْبِ إنْ كَانَ لَمْ يَبِعْهُ وَلَا اسْتَهْلَكَهُ؟ وَهَذَا لَا يَنْقُضُ الْأَصْلَ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى هَا هُنَا مَسْمُوعَةٌ وَتَعَلَّقَتْ بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ فِي أَصْلِهِ، وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهُ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ لَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ بِهِ فِي أَصْلِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِعَيْنِ الثَّوْبِ أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ اسْتَهْلَكَهُ، أَوْ بِرَدِّهِ إنْ مَنَعَهُ. مَسْأَلَةٌ: وَمِمَّا يَجْرِي فِي هَذَا الْأُسْلُوبِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي الْمُدَّعِي أَمْرًا مَعْلُومًا هَلْ يَلْزَمُهُ بَيَانُ شُرُوطِ صِحَّتِهِ أَمْ لَا قَالَ الْمَازِرِيُّ ﵀: وَعِنْدَنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، بَلْ إنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ أَوْ بَاعَ مِنْهُ دَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي سَمَاعِ هَذِهِ الدَّعْوَى ذِكْرُ شُرُوطِ النِّكَاحِ
следующие страницы →