Полный текст (849 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
سَيِّدَ الْأَمَةِ غَرَّهُ وَزَوَّجَهُ بِهَا وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، فَقَالَ أَشْهَبُ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ، فَتَعَارَضَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْغُرُورِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ السَّيِّدِ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ الدُّخُولِ عَلَى زَوَاجِ الْإِمَاءِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِنَّ، وَزَوَاجُ الْأَحْرَارِ لِلْإِمَاءِ نَادِرٌ فَيُقَدَّمُ الْغَالِبُ عَلَى النَّادِرِ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ فِي مَسَائِلِ الدَّعَاوَى. وَأَيْضًا فَهُنَاكَ أُمُورٌ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَرْجِيحِ قَوْلِ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِسَبَبِهَا كَدَعْوَى الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْحَاضِرِ مَعَهَا أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ وَالْغَالِبَ يَشْهَدُ بِصِدْقِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ تَمَسُّكًا بِالْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِنْفَاقِ، وَأُمُورٌ اتَّفَقُوا عَلَى التَّرْجِيحِ بِهَا كَالْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ وَاعْتِبَارِهِ فِي الْأَحْكَامِ فَهُوَ رُجُوعٌ إلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ وَقُدِّمَ عَلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَلَكِنْ قَدْ يَخْتَلِفُ النَّظَرُ فِي تَحْقِيقِ حُصُولِ ذَلِكَ الْمُرَجِّحِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ.
تَنْبِيهٌ: وَأَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَإِلْغَاءِ الْغَالِبِ فِي دَعْوَى الدَّيْنِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَتْقَى النَّاسِ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَدَّعِي إلَّا حَقًّا وَأَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَإِلْغَاءِ الْأَصْلِ فِي الْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ، فَإِنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهَا وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: قَالَ بَعْضُهُمْ الْمُدَّعِي مَنْ إذَا سَكَتَ تُرِكَ وَسُكُوتُهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ إذَا سَكَتَ لَمْ يُتْرَكْ وَسُكُوتُهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ الْمُدَّعِي مَنْ ادَّعَى أَمْرًا خَفِيًّا وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْحَدَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ الْفَقِيهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ تُعْرَضُ، بَلْ هَا هُنَا مَا هُوَ آكَدُ وَاعْتِبَارُهُ أَنْفَعُ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ وَهُوَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ، فَإِنَّهَا هِيَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي مُقْتَضَى النَّظَرِ، وَلَا تَرَدُّدَ فِي ذَلِكَ وَلَا إشْكَالَ إذَا لَمْ يُعَارِضْ الْحَالُ الْحَالَ، وَلَكِنْ قَدْ يَعْتَرِضُ حَالَانِ اسْتِصْحَابَ أَحَدِ مَا يُضَادُّ اسْتِصْحَابَ الْحَالِ الْآخَرِ، فَهَاهُنَا يَقَعُ الْإِشْكَالُ، فَيَخْتَلِفُ أَهْلُ النَّظَرِ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِي تَمْيِيزِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَفْتَقِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى تَرْجِيحِ الْحَالَةِ الَّتِي اسْتَصْحَبَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَذْهَبَ عِنْدَنَا عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مُكْرِي دَارٍ زَعَمَ بَعْدَ إنْفَاقِهِ هُوَ وَالْمُكْتَرِي عَلَى أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا أَنَّهَا انْهَدَمَتْ شَهْرَيْنِ عَلَى قَوْلِ صَاحِبِ الدَّارِ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُكْتَرِي تَكُونُ مُدَّةُ الْهَدْمِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ قِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الْمُطَالَبَةِ وَالْغَرَامَةِ فَيُسْتَصْحَبُ ذَلِكَ، وَإِذَا اسْتَصْحَبْنَاهُ كَانَ الْمُكْتَرِي هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ
стр. 142
الْآخَرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُكْرِي؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ أَوْجَبَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُكْتَرِي، وَالْمُكْتَرِي يَدَّعِي إسْقَاطَ بَعْضِهِ فَلَا يُصَدَّقُ اسْتِصْحَابًا لِحَالِ كَوْنِ الْكِرَاءِ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ وَاسْتِصْحَابًا لِكَوْنِ الدَّارِ صَحِيحَةً.
وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ عِنْدَنَا عَلَى قَوْلَيْنِ فِيمَنْ قَبَضَ مِنْ رَجُلٍ دَنَانِيرَ فَلَمَّا طَلَبَهُ بِهَا دَافِعُهَا زَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا قَبَضَهَا عَنْ سَلَفٍ كَانَ أَسْلَفَهُ لِدَافِعِهَا، وَقَالَ دَافِعُهَا بَلْ أَنَا أَسْلَفْتُك إيَّاهَا وَمَا كُنْت أَنْتَ أَسْلَفْتَنِي شَيْئًا قَطُّ، فَإِنْ اعْتَبَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ مَنْ لَوْ سَكَتَ تُرِكَ وَسُكُوتُهُ وَجَدْنَا هَا هُنَا الدَّافِعَ هُوَ الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَكَتَ لَتُرِكَ وَسُكُوتُهُ، وَالْقَابِضُ لَوْ سَكَتَ عَنْ جَوَابِ الطَّالِبِ مَا تُرِكَ وَسُكُوتُهُ، وَإِنْ بَنَيْنَا عَلَى الْأَصْلِ الْآخَرِ وَهُوَ دَعْوَى الْأَمْرِ الْجَلِيِّ أَوْ الْخَفِيِّ، فَإِنَّا إذَا اسْتَصْحَبْنَا كَوْنَ الدَّافِعِ بَرِيءَ الذِّمَّةِ مِنْ سَلَفِ هَذَا الْقَابِضِ صَدَّقْنَا الدَّافِعَ وَجَعَلْنَاهُ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ السَّلَفُ الَّذِي الْأَصْلُ عَدَمُهُ، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا حَالَ الْقَابِضِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ أَيْضًا فِيهِ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ فَلَا يُؤْخَذُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، جَعَلْنَا الْقَابِضَ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَمَا يَعْرِضُ الْإِشْكَالُ إلَّا عِنْدَ تَصَادُمِ مُقْتَضَى الْأَحْوَالِ، فَيَفْتَقِرُ إلَى تَرْجِيحِ اسْتِصْحَابِ أَحَدِ الْحَالَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ وُلِّيتُ الْقَضَاءَ وَعِنْدِي أَنِّي لَا أَعْجِزُ عَنْ مَعْرِفَةِ مَا يَتَخَاصَمُ إلَيَّ فِيهِ، فَأَوَّلُ مَا ارْتَفَعَ إلَيَّ خَصْمَانِ أَشْكَلَ عَلَى مِنْ أَمْرِهِمَا مَنْ الْمُدَّعِي وَمَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. قَالَ الْمَازِرِيُّ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ إلَى هَذَا الَّذِي نَبَّهَنَا عَلَيْهِ، وَلِلْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي بَابِ كِرَاءِ الرَّوَاحِلِ وَالدَّوَابِّ فَصْلٌ فِي تَمْيِيزِ الْمُدَّعِي مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَضَمَّنَهُ فَوَائِدَ تَرَكْنَا ذِكْرَهَا خَشْيَةَ الْإِطَالَةِ، فَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ وَمَا أَشْبَهَهَا صَعُبَ عِلْمُ الْقَضَاءِ وَدَقَّ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ بِأَمْثِلَةٍ ذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا بَلَغَ الْيَتِيمُ وَرَشَدَ وَطَلَبَ مِنْ الْوَصِيِّ مَالَهُ الَّذِي لَهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَالْيَتِيمُ فِيمَا يَظْهَرُ أَنَّهُ صَارَ بِسَبَبِ طَلَبِهِ مُدَّعٍ وَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَالْوَصِيُّ الْمَطْلُوبُ هُوَ الْمُدَّعِي لِرَدِّ الْمَالِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَمَرَ الْأَوْصِيَاءَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْأَيْتَامِ إذَا بَلَغُوا وَدَفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، فَلَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى الدَّفْعِ بَلْ عَلَى التَّصَرُّفِ وَالْإِنْفَاقِ خَاصَّةً، فَالْوَصِيُّ مَطْلُوبٌ وَهُوَ مُدَّعٍ وَالْيَتِيمُ طَالِبٌ وَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي دَعْوَى الْإِنْفَاقِ عَلَى الْيَتِيمِ لَا يُقْبَلُ مِنْ قَوْلِهِ إلَّا مَا أَشْبَهَ الصِّدْقَ.
стр. 143
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ طَالِبُ الْوَدِيعَةِ الَّذِي سَلَّمَهَا بِالْإِشْهَادِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْ الْمُودَعَ عِنْدَهُ لِمَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ طَالِبًا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُودَعِ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ مَا أُسْلِمَ إلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ إلَّا بِالْإِشْهَادِ لِيَبْرَأَ مِنْهَا، وَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ الدَّفْعِ، فَاجْتَمَعَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ عَلَى تَصْدِيقِ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ دُونَ الْقَابِضِ لَهَا.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ إذَا قُبِضَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ قُبِضَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ الْقِرَاضُ بِغَيْرِ بَيِّنَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُودَعِ عِنْدَهُ وَقَوْلُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّ يَدَهُمَا يَدُ أَمَانَةٍ وَالْأَمِينُ مُصَدَّقٌ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ مُدَّعِي حُرِّيَّةِ الْأَصْلِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّاسِ الْحُرِّيَّةُ، وَإِنَّمَا عُرِضَ لَهُمْ الْمِلْكُ بِسَبَبِ السَّبْيِ بِشَرْطِ الْكُفْرِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ السَّبْيِ مَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حَوْزُ الْمِلْكِ، فَتَكُونُ دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ حِينَئِذٍ نَاقِلَةً عَنْ الْأَصْلِ فَلَا تُسْمَعُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، لِكَوْنِهِ مُدَّعِيًا وَلِأَنَّ الْعُرْفَ يُكَذِّبُهُ.
فَرْعٌ: وَأَمَّا مُدَّعِي الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَدَّعِي انْتِقَالَ الثَّابِتِ إلَى الْحُرِّيَّةِ وَذَلِكَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمَّا ثَبَتَ صَارَ أَصْلًا، فَمَنْ طَلَبَ الِانْتِقَالَ عَنْهُ فَهُوَ مُدَّعٍ وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَأَمَّا إذَا تَجَرَّدَ الْأَصْلُ عَنْ الظَّاهِرِ وَعَنْ الْعُرْفِ كَمَنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ دَيْنًا أَوْ غَصْبًا أَوْ جِنَايَةً فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ يُخَالِفُ الطَّالِبَ وَيَعْضُدُ الْمَطْلُوبَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْغَصْبِ وَالْجِنَايَةِ مِمَّنْ اشْتَهَرَ بِذَلِكَ وَنُسِبَ إلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُكْشَفُ عَنْهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالسِّيَاسَةِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ شَاسٍ الْمُدَّعِي هُوَ أَضْعَفُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ سَبَبًا.
[فَصْلٌ فِيمَا إذَا تَدَاعَى قَزَّازٌ وَدَبَّاغٌ جِلْدًا]
فَصْلٌ: وَمِنْ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي يَكُونُ الطَّالِبُ فِيهَا مُدَّعًى عَلَيْهِ إذَا تَدَاعَى قَزَّازٌ وَدَبَّاغٌ جِلْدًا فَإِنَّ الدَّبَّاغَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: اخْتِلَافُ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّجُلِ فِيمَا يُشْبِهُ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِيمَا يُشْبِهُ أَنَّهُ لِلنِّسَاءِ. وَمِنْهَا: لَوْ تَدَاعَى قَاضٍ وَجُنْدِيٌّ رُمْحًا كَانَ الْجُنْدِيُّ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: إذَا تَنَازَعَا عَطَّارٌ وَصَبَّاغٌ مِسْكًا أَوْ صِبْغًا قُدِّمَ الْعَطَّارُ فِي الْمِسْكِ وَالصَّبَّاغُ فِي الصِّبْغِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ التَّرْجِيحُ بِالْعَوَائِدِ وَظَاهِرِ الْأَحْوَالِ وَالْقَرَائِنِ.
стр. 144
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: خُولِفَتْ قَاعِدَةُ الدَّعْوَى فِي خَمْسَةِ مَوَاطِنَ فَقُبِلَ فِيهَا قَوْلُ الطَّالِبِ: أَحَدُهَا اللِّعَانُ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْفِي عَنْ زَوْجَتِهِ الْفَوَاحِشَ فَحَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى رَمْيِهَا بِالْفَاحِشَةِ مَعَ الْأَيْمَانِ قَدَّمَهُ الشَّرْعُ، وَثَانِيهَا الْقَسَامَةُ يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الطَّالِبِ لِتَرَجُّحِهِ بِاللَّوْثِ، وَثَالِثُهَا قَبُولُ الْأُمَنَاءِ فِي التَّلَفِ لِئَلَّا يَزْهَدَ النَّاسُ فِي قَبُولِ الْأَمَانَاتِ فَتَفُوتُ مَصَالِحُهَا وَحِفْظُهَا، وَالْأَمِينُ قَدْ يَكُونُ أَمِينًا مِنْ جِهَةِ مُسْتَحِقِّ الْأَمَانَةِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ كَالْوَصِيِّ، وَالْمُلْتَقِطِ أَوْ مَنْ أَلْقَتْ الرِّيحُ الثَّوْبَ فِي بَيْتِهِ. وَرَابِعُهَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ لِئَلَّا تَفُوتَ الْمَصَالِحُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى وِلَايَةِ الْأَحْكَامِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي. وَخَامِسُهَا قَبُولُ الْغَاصِبِ فِي التَّلَفِ مَعَ يَمِينِهِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا يَخْلُدَ فِي الْحَبْسِ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي ذِكْرِ الدَّعَاوَى وَأَقْسَامِهَا]
وَفِيهِ فُصُولٌ. الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ وَشُرُوطِهَا وَكَيْفِيَّةِ تَصْحِيحِ الدَّعْوَى.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي تَقْسِيمِ الدَّعَاوَى.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى لَهُمْ وَمَا يُسْمَعُ مِنْ بَيِّنَاتِهِمْ وَمَا لَا يُسْمَعُ مِنْهَا.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي بَيَانِ مَا يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهِ عَلَى إثْبَاتِ أُمُورٍ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ فِي الدَّعْوَى وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا.
стр. 145
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ وَلَهَا خَمْسَةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً: فَلَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ، قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ إذَا كَانَ يُعْلَمُ قَدْرُ حَقِّهِ وَامْتَنَعَ مِنْ بَيَانِهِ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي هَذِهِ الدَّعْوَى وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الطَّالِبُ لَوْ أَيْقَنَ بِعِمَارَةِ ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ بِشَيْءٍ وَجَهِلَ مَبْلَغَهُ وَأَرَادَ مِنْ خَصْمِهِ أَنْ يُجَاوِبَهُ عَنْ ذَلِكَ بِإِقْرَارٍ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَذَكَرَ الْمَبْلَغَ وَالْجِنْسَ لَزِمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ، أَمَّا لَوْ قَالَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ فَضْلَةِ حِسَابٍ لَا أَعْلَمُ قَدْرَهُ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمَا تَحَاسَبَا وَبَقِيَتْ لَهُ عِنْدَهُ بَقِيَّةٌ لَا عِلْمَ لَهُمْ بِقَدْرِهَا فَدَعْوَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَسْمُوعَةٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى حَقًّا فِي هَذِهِ الدَّارِ وَالْأَرْضِ وَقَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا لَا يَعْلَمُونَ قَدْرَهُ فَهِيَ دَعْوَى مَسْمُوعَةٌ، وَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ النَّاقِصَةِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَمِمَّا أُلْحِقَ بِمَسَائِلِ كَوْنِ الدَّعْوَى مَعْلُومَةً أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى سِمْسَارٍ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا لِيَبِيعَهُ لَهُ بِدِينَارَيْنِ قِيمَتُهُ دِينَارٌ وَنِصْفٌ فَأَنْكَرَ السِّمْسَارُ أَنْ يَكُونَ دَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ تُسْمَعَ دَعْوَاهُ هَا هُنَا مَعَ كَوْنِهِ لَا يَدْرِي مَا يَجِبُ لَهُ عَلَى السِّمْسَارِ، هَلْ الثَّمَنُ الَّذِي سَمَّاهُ لَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ بِهِ فَبَاعَ بِهِ، أَوْ قِيمَةُ الثَّوْبِ إنْ كَانَ اسْتَهْلَكَهُ، أَوْ عَيْنُ الثَّوْبِ إنْ كَانَ لَمْ يَبِعْهُ وَلَا اسْتَهْلَكَهُ؟ وَهَذَا لَا يَنْقُضُ الْأَصْلَ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى هَا هُنَا مَسْمُوعَةٌ وَتَعَلَّقَتْ بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ فِي أَصْلِهِ، وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهُ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ لَا تَضُرُّ الْجَهَالَةُ بِهِ فِي أَصْلِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِعَيْنِ الثَّوْبِ أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ اسْتَهْلَكَهُ، أَوْ بِرَدِّهِ إنْ مَنَعَهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِمَّا يَجْرِي فِي هَذَا الْأُسْلُوبِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي الْمُدَّعِي أَمْرًا مَعْلُومًا هَلْ يَلْزَمُهُ بَيَانُ شُرُوطِ صِحَّتِهِ أَمْ لَا قَالَ الْمَازِرِيُّ ﵀: وَعِنْدَنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، بَلْ إنْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَنْكَحَهُ ابْنَتَهُ أَوْ بَاعَ مِنْهُ دَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي سَمَاعِ هَذِهِ الدَّعْوَى ذِكْرُ شُرُوطِ النِّكَاحِ
стр. 146
وَصِحَّةُ الْبَيْعِ، وَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ اسْتِفْسَارُ الْمُدَّعِي لِذَلِكَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي النِّكَاحِ خَاصَّةً، فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى حَتَّى يَذْكُرَ الْمُدَّعِي شُرُوطَ الصِّحَّةِ فَيَقُولَ عَقَدْت النِّكَاحَ بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْنِ، بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ تَرْكَ الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ يُفْسِدُهُ. قَالَ: وَهَذَا مُعْتَرَضٌ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَيْهِ اسْتِقْصَاءُ شُرُوطِ الصِّحَّةِ كُلِّهَا فِي النِّكَاحِ كَكَوْنِهِ لَمْ يَقَعْ فِي عِدَّةٍ وَلَا فِي إحْرَامٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ، وَوَافَقَنَا فِي دَعْوَى الْأَعْيَانِ أَوْ الدُّيُونِ فِي الذِّمَمِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الِاسْتِفْسَارُ فِيهَا، قَالَ: وَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الِاسْتِفْسَارُ عَنْ عُرُوِّ الْعَقْدِ مِمَّا يُفْسِدُهُ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يَذْكُرَ فِي دَعْوَى النِّكَاحِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي عِدَّةٍ وَلَا فِي إحْرَامٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُ الْعَقْدَ لَوْ ثَبَتَ فَلَا يَلْزَمُ عِنْدَنَا ذِكْرُ شُرُوطِ الصِّحَّةِ وَلَا ذِكْرُ اجْتِنَابِ شُرُوطِ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ أَصْلُهَا الصِّحَّةُ حَتَّى يَثْبُتَ الْفَسَادُ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: مِنْ شُرُوطِ الدَّعْوَى أَنْ تَكُونَ مِمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ، فَإِنَّهُ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ هِبَةً وَقُلْنَا إنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ، فَيَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ وَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْمُخَالِفِ، وَالْقَوْلُ الشَّاذُّ عِنْدَنَا أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ وَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ عَنْهَا مَا لَمْ تُقْبَضْ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْجَوَابَ فِيهِ لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْ هَذَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ وَقَالَ رَجَعْت عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مُطَالَبَتُهُ بِشَيْءٍ. وَلَا فَائِدَةَ فِي إلْزَامِهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إذَا رَجَعَ عَنْهُ، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي الْأَمْرُ فِي دَعْوَى إنْسَانٍ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ وَعَدَهُ بِشِرَاءٍ يُعْطِيهِ إيَّاهُ عَلَى الْقَوْلِ عِنْدَنَا أَنَّ الْوَاعِدَ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْوَفَاءِ بِوَعْدِهِ، وَكَذَلِكَ الْوَصَايَا الَّتِي لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا، وَكَذَلِكَ التَّدْبِيرُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي يَرَى أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَنْهُ، فَإِنَّ هَذَا الْأَصْلَ ذَهَبَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْجَوَابُ عَنْهُ حَتَّى يُضِيفَ إلَيْهِ مَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ، فَيَقُولُ فِي الْهِبَةِ: يَلْزَمُك تَسْلِيمُهَا إلَيَّ، وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ عَلَى الْقَوْلِ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَيُضِيفُ إلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْفَسْخُ بَعْدَ الْعَقْدِ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا عِنْدِي إنَّمَا يُتَّجَهُ عَلَى الْبِنَاءِ أَنَّ الْإِنْكَارَ لِأَصْلِ الشَّيْءِ لَا يَحِلُّ مَحَلَّ الرُّجُوعِ عَنْهُ، وَعَلَى أَنَّ مَا فِيهِ الْخِيَارَ بَيْنَ إمْضَائِهِ أَوْ رَدِّهِ مَحْلُولٌ حَتَّى يَنْعَقِدَ بِرَفْعِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْخِيَارِ، فَإِذَا بُنِيَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا اتَّجَهَ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ.
стр. 147
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: مِنْ شُرُوطِ سَمَاعِ الدَّعْوَى أَنْ تَكُونَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ أَوْ غَرَضٌ صَحِيحٌ، فَمِثَالُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمٌ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِدَيْنٍ وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَعَدَلَتْ الْبَيِّنَةُ، فَقَالَ الْمَطْلُوبُ لِلْقَاضِي: اسْتَحْلِفْ لِي الطَّالِبَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَ شُهُودِهِ مَجْرُوحِينَ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، هَلْ تَجِبُ فِيهِ الْيَمِينُ أَوْ لَا تَجِبُ؟ فَمَنْ لَمْ يُوجِبْهَا اعْتَلَّ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الدَّعْوَى أَنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِاسْتِحْقَاقِ أَمْرٍ يُسْتَخْرَجُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهَا هُنَا لَا يُطْلَبُ مِنْ الْقَاضِي اسْتِخْرَاجُ شَيْءٍ مِنْ الَّذِي شَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ بِحَقِّهِ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْمُدَّعِي إذَا طَالَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْمَطْلُوبُ: كُنْت اسْتَحْلَفْتَنِي، فَاحْلِفْ لِي أَنَّك لَمْ تَسْتَحْلِفْنِي فَمَنْ ذَهَبَ إلَى اسْتِحْلَافِهِ رَأَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي هَذَا الْأَصْلِ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى لَوْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا تَنْفَعُ الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ، فَيَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَحْلِفَ مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً وَعَدَلَتْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِفِسْقِهِمْ وَلَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ إذَا قَالَ لَهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَنَا أَعْلَمُ بِعِلْمِك بِفِسْقِ شُهُودِك، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهُ احْلِفْ لِي أَنَّك لَمْ تَسْتَحْلِفْنِي عَلَى هَذَا الْحَقِّ فِيمَا مَضَى، لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَهُ يَمِينًا ثَانِيَةً حَتَّى يَحْلِفَ، وَبِهَذَا مَضَى الْقَضَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَالْفُتْيَا عِنْدَنَا أَنْ يَلْزَمَ الْمُدَّعِيَ الْيَمِينُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا اسْتَحْلَفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ أَنَّهُ قَدْ اسْتَحْلَفَهُ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَى ثُمَّ لَا يُحَلِّفُهُ مَرَّةً أُخْرَى. وَقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ كُلَّ دَعْوَى لَوْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا تَنْفَعُ الْمُدَّعِيَ بِإِقْرَارِهِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُقِرَّ وَأَنْكَرَ تَعَلَّقَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى الْجُمْلَةِ مَا لَمْ يُحَرِّمْ بِذَلِكَ أَصْلًا مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ، مِثْلَ أَنْ يَطْلُبَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْقَاضِيَ بِالْيَمِينِ أَنَّهُ مَا جَارَ عَلَيْهِ، أَوْ يَطْلُبَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يَمِينَ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكْذِبُوا فِي شَهَادَتِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَخْتَلِفُ فِي سُقُوطِ الدَّعْوَى وَكَوْنِهَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا تُفْسِدُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَا شَاءَ أَحَدٌ أَنْ يَحُطَّ مَنْزِلَةَ الْقَاضِي أَوْ الشُّهُودِ إلَّا وَادَّعَى مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلَى الْوُقُوفِ عَنْ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ. وَأَمَّا تَحْلِيفُ الْقَاضِي لِلشُّهُودِ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي قِسْمِ السِّيَاسَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَتُسْتَثْنَى مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَيْضًا دَعْوَى الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا، وَدَعْوَى الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، فَإِنَّ عِنْدَنَا لَا تَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ لِأَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ فُتِحَ فِيهِ الْبَابُ لَمْ تَشَأْ امْرَأَةٌ أَنْ تَسْتَحْلِفَ زَوْجَهَا كُلَّ يَوْمٍ مِرَارًا إلَّا وَفَعَلَتْ، وَكَذَا الْعَبْدُ مَعَ سَيِّدِهِ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ الْعِتْقَ فَسَقَطَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى مَعَ كَوْنِهَا مُفِيدَةً لَوْ أَقَرَّ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ،
стр. 148
لِأَجْلِ مَا يُتَخَوَّفُ مِنْ تَكْرِيرِهَا مُضَارَّةُ حُصُولِ الْأَذَى لِلْأَزْوَاجِ وَالسَّادَاتِ فَأَمَّا قَوْلُنَا أَوْ غَرَضٌ صَحِيحٌ فَاحْتِرَازٌ مِنْ الدَّعْوَى بِعُشْرِ سِمْسِمَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ سَمَاعُ مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَنَصَّ الْقَرَافِيُّ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى وَشِبْهَهَا لَا تُسْمَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا نَفْعٌ شَرْعِيٌّ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى مُحَقَّقَةً فَلَوْ قَالَ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَيْهِ أَلْفًا، أَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ أَظُنُّ أَنِّي قَضَيْته لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى لِتَعَذُّرِ الْحُكْمِ بِالْمَجْهُولِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْخَطَرِ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ مِنْ الْمُدَّعِي.
تَنْبِيهٌ: وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّحْقِيقِ الظَّنُّ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً فِي تَرِكَةِ مُوَرِّثِهِ، أَوْ وَجَدَ ذَلِكَ بِخَطِّهِ أَوْ بِخَطِّ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِحَقٍّ لَهُ فَالْمَنْقُولُ جَوَازُ الدَّعْوَى بِمِثْلِ هَذَا وَالْحَلِفُ بِمُجَرَّدِهِ. وَهَذِهِ الْأَسْبَابُ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ دُونَ التَّحَقُّقِ، لَكِنَّ غَالِبَ الْأَحْكَامِ وَالشَّهَادَاتِ إنَّمَا تَنْبَنِي عَلَى الظَّنِّ وَتَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّحْقِيقِ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى مِمَّا لَا تَشْهَدُ الْعَادَةُ وَالْعُرْفُ بِكَذِبِهَا (وَالدَّعَاوَى بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ) نَوْعٌ تُكَذِّبُهُ الْعَادَةُ، وَنَوْعٌ تُصَدِّقُهُ الْعَادَةُ، وَنَوْعٌ مُتَوَسِّطٌ لَا تَقْضِي الْعَادَةُ بِصِدْقِهِ وَلَا بِكَذِبِهِ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَا تَشْهَدُ الْعَادَةُ بِكَذِبِهِ كَدَعْوَى الْحَاضِرِ الْأَجْنَبِيِّ مِلْكَ دَارٍ بِيَدِ رَجُلٍ وَهُوَ يَرَاهُ يَهْدِمُ وَيَبْنِي وَيُؤَاجِرُ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الطَّلَبِ مِنْ تَوْقِيعِهِ رَهْبَةً أَوْ رَغْبَةً، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يُعَارِضُهُ فِيهَا، وَلَا يَدَّعِي أَنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شَرِكَةٌ، ثُمَّ قَامَ يَدَّعِي أَنَّهَا لَهُ، وَيُرِيدُ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ فَهَذَا لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ أَصْلًا، فَضْلًا عَنْ بَيِّنَتِهِ، لِتَكْذِيبِ الْعُرْفِ إيَّاهُ، وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدٍ هَذَا ابْنِي فَإِنَّهُ يَلْتَحِقُ بِهِ مَا لَمْ يُكَذِّبْهُ الْحِسُّ بِأَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنْهُ سِنًّا، أَوْ الْعُرْفُ بِأَنْ يَسْتَيْقِنَ النَّاسُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْغُلَامُ سِنْدِيًّا وَالرَّجُلُ فَارِسِيًّا لَمْ يَدْخُلْ بِلَادَ السِّنْدِ، قَالَ مَالِكٌ: فَلَا يُلْحَقُ بِهِ إنْ كَذَّبَهُ الشَّرْعُ بِأَنْ يَكُونَ مَشْهُورَ النَّسَبِ، وَمِنْ ذَلِكَ دَعْوَى الْغَصْبِ وَالْفَسَادِ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا يَلِيقُ بِهِ فَلَا تُسْمَعُ تِلْكَ الدَّعْوَى وَشِبْهُ ذَلِكَ.
стр. 149
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا تُصَدِّقُهُ الْعَادَةُ مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً بِيَدِ رَجُلٍ، أَوْ يَدَّعِيَ غَرِيبٌ وَدِيعَةً عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ، أَوْ يَدَّعِيَ مُسَافِرٌ أَنَّهُ أَوْدَعَ أَحَدَ رُفْقَتِهِ وَكَالْمُدَّعِي عَلَى صَانِعٍ مُنْتَصِبٍ لِلْعَمَلِ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ مَتَاعًا يَصْنَعُهُ لَهُ، وَكَالْمُدَّعِي عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ الْمُنْتَصِبِينَ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ أَنَّهُ بَاعَ مِنْهُ أَوْ اشْتَرَى، وَكَالرَّجُلِ يَذْكُرُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا قِبَلَ رَجُلٍ وَأَوْصَى أَنْ يُتَقَاضَى مِنْهُ فَيُنْكِرَهُ الْمَطْلُوبُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ الدَّعْوَى مَسْمُوعَةٌ مِنْ مُدَّعِيهَا، وَيُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مُطَابَقَتِهَا، أَوْ يُسْتَحْلَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي اسْتِحْلَافِهِ إلَى إثْبَاتِ خُلْطَةٍ.
النَّوْع الثَّالِث: وَهُوَ مَا لَا تَقْضِي الْعَادَةُ بِصِدْقِهِ وَلَا بِكَذِبِهِ، مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ دِينًا فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ، أَوْ يَدَّعِيَ مُعَامَلَةً، فَهَذِهِ الدَّعْوَى أَيْضًا مَسْمُوعَةٌ مِنْ مُدَّعِيهَا وَيُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مُطَابَقَتِهَا، فَأَمَّا اسْتِحْلَافُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْخُلْطَةِ بَيْنَهُمَا وَسَيَأْتِي ذَلِكَ.
[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ تَصْحِيحِ الدَّعْوَى]
وَالْمُدَّعَى بِهِ أَنْوَاعٌ فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَعْيَانِ وَهُوَ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَتَصْحِيحُ الدَّعْوَى أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَدَّعِي وَيَذْكُرَ أَنَّهُ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ أَوْ الْعَدَاءِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْعَارِيَّةِ أَوْ الرَّهْنِ أَوْ الْإِجَارَةِ أَوْ الْمُسَاقَاةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُدَّعِي أَنْ يَسْأَلَ الْحَاكِمَ النَّظَرَ بَيْنَهُمَا بِمَا يُوجِبُهُ الشَّرْعُ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: إذَا نَقَصَ الْمُدَّعِي مِنْ دَعْوَاهُ مَا فِيهِ بَيَانُ مَطْلَبِهِ أَمَرَهُ بِتَمَامِهِ، وَإِنْ أَتَى بِإِشْكَالٍ أَمَرَهُ بِبَيَانِهِ فَإِذَا صَحَّتْ الدَّعْوَى سَأَلَ الْحَاكِمُ الْمَطْلُوبَ عَنْهَا.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ وَالدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ كَالْحَاضِرِ فَيَجِبُ أَنْ يَذْكُرَ الْحَقَّ وَمِقْدَارَهُ وَجِنْسَهُ، وَكَوْنَ الْبَيِّنَةِ تَشْهَدُ بِهِ وَيُفَصِّلُ فِي الدَّعْوَى عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ فِي دَعْوَى الْحَاضِرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِنْدَنَا مَا قَالَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ أَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ عِنْدَهُ بَيِّنَةً تَشْهَدُ، وَأَنَّ الْغَائِبَ مُنْكِرٌ لِحَقِّهِ، وَمَتَى ذَكَرَ أَنَّهُ مُقِرٌّ لَمْ يَقْضِ لَهُ عَلَيْهِ، قَالُوا: لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا تُطْلَبُ لِإِظْهَارِ مَا خَفِيَ وَأَمَّا إذَا كَانَ مُقِرًّا فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا، وَإِنْ شَهِدَتْ لَمْ تَقَعْ الشَّهَادَةُ مَوْقِعَهَا.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ فَيُبَيِّنُ قَدْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي هَذَا إلَى ذِكْرِ أَنَّهُ فِي يَدِهِ بَلْ يَذْكُرُ أَنَّهُ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ سَلَمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَارٍ أَوْ
стр. 150
عَقَارٍ مِنْ الْأَرَاضِي فَيُبَيِّنُ مَوْضِعَهَا مِنْ الْبَلَدِ وَالْمَحَلَّةِ وَالسِّكَّةِ وَيَقُولُ ادَّعَى عَلَى فُلَانٍ ابْنِ فُلَانٍ هَذَا أَنَّ جَمِيعَ الدَّارِ الْمَوْصُوفَةِ الْمَحْدُودَةِ بِجَمِيعِ حُقُوقِهَا وَحُدُودِهَا مِلْكٌ لِي مِنْ جِهَةِ كَذَا، وَأَنَّهَا بِيَدِهِ بِطَرِيقِ كَذَا، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَسَيَأْتِي فِي قِسْمِ الْجَوَابِ عَنْ الدَّعْوَى كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الْمُدَّعِيَ عَقَارًا بِيَدِ غَيْرِهِ إذَا زَعَمَ أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ عَمَّنْ وَرِثَهُ عَنْهُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يُثْبِتَ الطَّالِبُ مَوْتَ مُوَرِّثِهِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ سَيَأْتِي، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فِي ذِمَّةِ الْمَطْلُوبِ أَوْ عَنْ ثَمَنِ شَيْءٍ مِنْ الْمَثْمُونَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ الْجِنْسَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ وَالنَّوْعَ مِصْرِيَّةً أَوْ مَغْرِبِيَّةً، وَالصِّفَةَ صِحَاحًا أَوْ مَكْسُورَةً، وَالْمِقْدَارَ وَالسِّكَّةَ، قَالَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ.
وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فَإِنَّهُ يَذْكُرُ الْكَيْلَ أَوْ الْوَزْنَ أَوْ الْعَدَدَ وَيُبَيِّنُ مِنْ صِفَةِ ذَلِكَ مَا يَنْضَبِطُ بِهِ وَيَتَمَيَّزُ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ مِنْ السَّلَمِ أَوْ الْقَرْضِ ذَكَرَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةَ الَّتِي يَضْبِطُهُ بِهَا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ كَالتَّمْرِ فَإِنَّهُ أَنْوَاعٌ فَيَذْكُرُ الْبَرْنِيَّ مَثَلًا وَيَذْكُرُ الْجَوْدَةَ وَالْوَسَطَ وَكَذَا سَائِرُ الْأَلْوَانِ، وَالْقَمْحُ أَيْضًا يَتَنَوَّعُ وَكَذَا الثِّيَابُ وَالرَّقِيقُ وَالدَّوَابُّ وَالْخَشَبُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَيَذْكُرُ فِي كُلِّ نَوْعٍ مَا يَنْضَبِطُ بِهِ وَيَتَمَيَّزُ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَذِكْرُ الْقِيمَةِ مَعَ الصِّفَةِ أَحْوَطُ، وَلَا بُدَّ فِي ذِكْرِ الْحَيَوَانِ مِنْ تَبْيِينِ أَسْنَانِهِ وَشِيَاتِهِ وَجِنْسِهِ وَذَكَرٌ هُوَ أَوْ أُنْثَى، وَيَذْكُرُ فِي الرَّقِيقِ حِلْيَتَهُ وَجِنْسَهُ وَسِنَّهُ وَأَنَّهُ خُمَاسِيٌّ أَوْ سُدَاسِيٌّ أَوْ مُحْتَلِمٌ أَوْ مُرَاهِقٌ أَوْ أَمْرَدُ أَوْ مُلْتَحٍ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُقَوَّمَاتِ فَيَصِفُهُ وَصْفًا تَنْضَبِطُ بِهِ قِيمَتُهُ وَتُعْرَفُ صِفَتُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِيمَا لَا تَضْبِطُهُ الصِّفَةُ كَالْجَوَاهِرِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْقِيمَةِ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ.
قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَيَذْكُرُ فِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالذَّهَبِ قِيمَتَهُ فِضَّةً، وَالْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ قِيمَتَهُ ذَهَبًا، وَالْمُحَلَّى بِهِمَا يَذْكُرُ قِيمَتَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى بِأَنَّهُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ أَوْ غَصَبَهُ إيَّاهُ وَلَمْ يَكُنْ الْمُدَّعَى فِيهِ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْقِيمَةِ فِي الدَّعْوَى وَذِكْرِ الصِّفَةِ، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الرَّهْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي شَجَّةٍ أَوْ جُرْحٍ ذَكَرَ مَوْضِعَهُ وَقَدْرَهُ وَسَمَّاهُ إنْ عَرَفَ تَسْمِيَتَهُ لِيَقِفَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْبَصَرِ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي قَذْفٍ ذَكَرَ لَفْظَ الْقَائِلِ، فَلَيْسَ كُلُّ شَتْمٍ وَسَبٍّ يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي سَرِقَةٍ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ مَا هِيَ وَمِقْدَارَهَا وَيَذْكُرُ
стр. 151
الْحِرْزَ الَّذِي أَخَذَهَا مِنْهُ، وَأَنَّهُ خَرَجَ بِهَا مِنْ الْحِرْزِ، وَيَذْكُرُ صِفَةَ الْحِرْزِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَا يُظَنُّ أَنَّهُ حِرْزٌ حِرْزًا شَرْعِيًّا، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ ذَكَرَ أَنَّهُ شَرِيكٌ لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ الْمَبِيعِ، وَيَذْكُرُ صُدُورَ الْبَيْعِ فِي الْحِصَّةِ الَّتِي يُرِيدُ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَشْفِعُونَ جَمَاعَةً ذَكَرَ أَنَّهُ أَحَدُهُمْ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ذَكَرَ أَنَّهُ ابْتَاعَ كَذَا بِكَذَا مِنْ مُدَّةِ كَذَا، وَأَنَّهُ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا مُتَقَدِّمًا عَلَى أَمَدِ التَّبَايُعِ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ غَائِبًا ذَكَرَ غَيْبَتَهُ وَهَلْ هِيَ بَعِيدَةٌ أَوْ قَرِيبَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الزَّوْجِيَّةِ فَقَالَ ابْنُ شَاسٍ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا سُمِعَتْ دَعْوَاهُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ بِوَلِيٍّ وَبِرِضَاهَا، بَلْ لَوْ أَطْلَقَ سُمِعَ أَيْضًا، بَلْ لَوْ قَالَ هِيَ زَوْجَتِي كَفَاهُ الْإِطْلَاقُ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ حُكْمُ الطَّارِئِينَ، أَمَّا لَوْ كَانَا بَلَدِيَّيْنِ وَادَّعَى أَنَّهُ نَكَحَهَا بِقُرْطُبَةَ مَثَلًا نِكَاحًا صَحِيحًا فَلَا يَسْمَعُ قَاضِي قُرْطُبَةَ الدَّعْوَى بَيْنَهُمَا قَبْلَ ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ عِنْدَهُ، وَيَلْزَمُ الْقَاضِيَ الْكَشْفُ عَنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ قَبْلَ الْحُكْمِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَأَقَرَّا بِالْوَطْءِ أَقَامَ الْقَاضِي عَلَيْهِمَا الْحَدَّ ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي كِتَابِهِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا لَمْ نَذْكُرُهُ فِي سَائِرِ الْأَبْوَابِ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي تَقْسِيمِ الدَّعَاوَى]
وَالدَّعَاوَى ثَمَانِيَةُ أَنْوَاعٍ مِنْهَا مَا لَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعِيَ بِسَبَبِ مَا ادَّعَاهُ شَيْئًا، وَمِنْهَا مَا لَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَيُؤَدَّبُ الْمُدَّعِي بِسَبَبِ مَا ادَّعَاهُ، وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الدَّعْوَى بِهِ وَيُمَكِّنُ الْمُدَّعِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ، وَلَا يُلْزِمُ الْحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ، وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ وَيَمْنَعُ الْمُدَّعِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَاهُ وَيَرَى فِيهِ الْقَاضِي رَأْيَهُ، وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَلَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ عَنْهَا إلَّا بِشُرُوطٍ، وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَيُمَكِّنُ الْمُدَّعِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِمَا ادَّعَاهُ وَلَا يَحْكُمُ لَهُ بِمُوجِبِ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَمِنْهَا مَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَيُمَكِّنُ الْمُدَّعِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ وَيُلْزِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَسْمَعُهُ الْحَاكِمُ وَلَا يُمَكِّنُ الْمُدَّعِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَاهُ وَيَغْرَمُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَنْوَاعٍ.
стр. 152
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الدَّعَاوَى الَّتِي يُكَذِّبُهَا الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.
النَّوْعُ الثَّانِي: الدَّعَاوَى عَلَى أَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِهِمْ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي أَحْكَامِ السِّيَاسَةِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الدَّعَاوَى عَلَى الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ قَرِيبًا النَّوْعُ الرَّابِعُ: الدَّعَاوَى عَلَى مَنْ تَسَوَّرَ عَلَى مَالِ غَائِبٍ أَوْ قَرِيبٍ لِلْمُدَّعِي، فَيَقُومُ رَجُلٌ عِنْدَ الْقَاضِي يَدَّعِي نِيَابَتَهُ عَنْ الْغَائِبِ مِنْ غَيْرِ وَكَالَةٍ لِيَحْفَظَ لِلْغَائِبِ أَوْ لِقَرِيبِهِ مَالَهُ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: دَعْوَى الرَّجُلِ الدَّارَ أَوْ الْعَقَارَ عَلَى مَنْ هُوَ حَائِزُهُ فَلَا يُلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْجَوَابَ إلَّا بِشُرُوطٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا فِي فَصْلِ الْجَوَابِ عَنْ الدَّعْوَى فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِ.
النَّوْعُ السَّادِسُ: دَعْوَى الرَّجُلِ أَنَّ الْمَفْقُودَ أَوْصَى لَهُ أَوْ أَوْصَى إلَيْهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُمَكِّنُ الْمُدَّعِيَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ وَيَسْمَعُهَا، وَيُثْبِتُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمَفْقُودِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَأْتِي قَرِيبًا.
النَّوْعُ السَّابِعُ: الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ بِشُرُوطِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ.
النَّوْعُ الثَّامِنُ: كَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ فَجَحَدَهَا، فَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِهَا فَادَّعَى أَنَّهُ رَدَّهَا وَأَرَادَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَلَهَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي فَصْلِ الدَّعَاوَى الَّتِي يَسْمَعُ الْحَاكِمُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا، وَالدَّعَاوَى الَّتِي لَا تُسْمَعُ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ]
ْ وَهُمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: دَعْوَى عَلَى الْحَاضِرِ الْمَالِكِ لِأَمْرِهِ، وَدَعْوَى عَلَى الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَدَعْوَى عَلَى الْغَائِبِ، وَدَعْوَى فِي مَالِ الْمَيِّتِ.
стр. 153
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الدَّعْوَى عَلَى الْحَاضِرِ الرَّشِيدِ وَيُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ. الْقِسْمُ الثَّانِي فِي الدَّعْوَى عَلَى الصَّغِيرِ وَالسَّفِيهِ وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ الدَّعْوَى عَلَى مَنْ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ فَلَا تُسْمَعُ عَلَى السَّفِيهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَدَّعِي بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا يُكَلِّفَهُ فِي ذَلِكَ إقْرَارًا وَلَا إنْكَارًا، وَذَلِكَ فِي مِثْلِ الدَّعْوَى بِالدُّيُونِ وَالْمُعَامَلَاتِ مِنْ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ وَالسَّلَفِ وَالْإِبَاحَةِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مِمَّا يَلْزَمُهَا فِي أَمْوَالِهِمَا مِثْلُ مَا يَكُونُ مِنْهُمَا عَلَى الْعَدَاءِ كَاسْتِهْلَاكِ الشَّيْءِ أَوْ غَصْبِهِ أَوْ اخْتِلَاسِهِ أَوْ نَهْبِهِ، وَكَالْجُرْحِ وَالْقَتْلِ وَمَا أَشْبَهَهُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَإِنَّهُ يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ مِنْ الْمُدَّعِي وَيُكَلِّفُهُ إثْبَاتَ صِحَّةِ دَعْوَاهُ، وَيَقْضِي بِذَلِكَ فِي أَمْوَالِهِمَا إنْ كَانَ لَهُمَا مَالٌ أَوْ يُتْبَعَانِ بِذَلِكَ، إلَّا فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ وَهُوَ مَا دُفِعَ مِنْ الْمَالِ لِلسَّفِيهِ لِيُخْتَبَرَ بِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَلْحَقُهُ فِيهِ دَيْنٌ وَلَا فِيمَا بَقِيَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْوِلَايَةِ بِذَلِكَ وَقَالَ غَيْرُهُ: يَلْحَقُهُ ذَلِكَ فِيمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ خَاصَّةً.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ دَفَعَ أَجْنَبِيٌّ إلَى مَحْجُورٍ مَا لَا يُتَّجَرُ فِيهِ فَمَا لَحِقَهُ مِنْ دَيْنٍ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ خَاصَّةً، بِخِلَافِ دَفْعِ الْوَصِيِّ، وَلَا يَلْزَمُ ذِمَّتَهُ وَلَا ذِمَّةَ الدَّافِعِ شَيْءٌ وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِ ذَلِكَ بِيَدِهِ سَمِعَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ عَلَى بَيْعِهِ أَوْ إسْلَافِهِ، فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى مُعَايَنَةِ ذَلِكَ أَنْفَذَهُ، وَإِنْ كَانُوا إنَّمَا شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، إلَّا أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ إقْرَارَهُ كَانَ بِحَضْرَةِ الْمُبَايَعَةِ وَبِفَوْرِهَا، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَحْضُرُوهَا لَكِنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مَجْلِسِ التَّبَايُعِ وَفِي حِينِهِ فَتَجُوزُ، وَيُعَدِّي رَبُّ الْحَقِّ فِيمَا بِيَدِ السَّفِيهِ مِنْ الْمَالِ بَعْدَ الْإِعْذَارِ إلَى وَلِيِّهِ فِيمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِمْ الْعَبْدُ فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فَيَلْزَمُهُ الْجَوَابُ، وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْأَرْشَ فَيُطْلَبُ الْجَوَابُ مِنْ السَّيِّدِ، وَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْمَالَ فَيُطْلَبُ الْجَوَابُ مِنْ الْعَبْدِ فَإِنْ
стр. 154
أَقَرَّ وَكَانَ مَأْذُونًا فَهُوَ كَالْحُرِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا وَقَفَ إقْرَارُهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَيَرُدُّهُ أَوْ يُلْزِمُهُ إيَّاهُ، فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا عِنْدَ سَيِّدِهِ لَزِمَهُ الدَّيْنُ، وَلَا يَحْكُمُ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِإِلْزَامِ الدَّيْنِ ذِمَّتَهُ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ مَا عِنْدَ السَّيِّدِ فِيهِ مِنْ إلْزَامٍ أَوْ إسْقَاطٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَهُ حَالُ الْعَبْدِ مِنْ إذْنٍ أَوْ حَجْرٍ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَهُوَ عَلَى الْحَجْرِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ خِلَافُهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ فِي الصَّبِيِّ الَّذِي يُدَّعَى قِبَلَهُ أَوْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ فِي ذَلِكَ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُوَكِّلَ عَنْهُ وَكِيلًا يُخَاصِمُ عَنْهُ، وَلَسْت أَقُولُهُ يَعْنِي أَصْبَغَ، وَلَكِنْ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُوَكِّلَ عَلَيْهِ وَكِيلًا مُفَوِّضًا إلَيْهِ جَمِيعَ أُمُورِهِ فَتَكُونُ هَذِهِ الْخُصُومَةُ مِنْ أُمُورِهِ الَّتِي يَنْظُرُ لَهُ فِيهَا وَفِيمَا شَابَهَهَا؛ لِأَنَّ حَقًّا عَلَى الْقُضَاةِ أَنْ لَا يُهْمِلُوا الْأَيْتَامَ، وَإِنَّمَا الَّذِي أَكْرَهُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَلَيْهِ وَكِيلًا لِهَذِهِ الْخُصُومَةِ ثُمَّ يَعْزِلُهُ عَنْهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِثْلَ قَوْلِ أَصْبَغَ.
[الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ]
ِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الرُّكْنِ الْخَامِسِ فِي الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ جُمْلَةً مِنْ مَسَائِلِهِ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ غَائِبٌ عَنْ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ وَغَائِبٌ عَنْ الْبَلَدِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ سَحْنُونٌ لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ دُونَ حُضُورِهِ إلَّا أَنْ يَتَوَارَى أَوْ يَتَعَزَّزَ بِسُلْطَانٍ فَيُقْضَى عَلَيْهِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُشْتَرَطُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَسَمَاعِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِمَوْضِعِ الْحُكْمِ مَالٌ أَوْ وَكِيلٌ أَوْ حَمِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَلَّ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ بَلْ عَلَى بَلَدٍ خَاصٍّ، وَفِي أَسْئِلَةِ الشَّيْخَيْنِ أَبِي عُمَرَ وَأَبِي بَكْرٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ فِي غَيْرِ عَمَلِهِ جَائِزٌ فِي الْقِسْمِ، إذَا كَانَ لَهُ فِي مَوْضِعِهِ مَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: سَمِعْت مَنْ يَذْكُرُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي الدُّورِ وَهُوَ رَأْيٌ، إلَّا فِي الْبَعِيدِ الْغَيْبَةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الْمُدَّعِيَ السَّيْرُ إلَيْهِ لِبُعْدِهِ وَانْقِطَاعِهِ.
تَنْبِيهٌ: وَلَا يُسَجِّلُ الْقَاضِي بِتَخْلِيدِ دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْغَائِبِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ وَلَا يَضُرُّ إنْ سَافَرَ إلَى غَيْرِ عَمَلِهِ، أَمَّا إنْ اسْتَوْطَنَ غَيْرَ عَمَلِهِ
стр. 155
أَوْ لَمْ يَسْكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ فِيهِ فَحَسْبُهُ أَنْ يُقَيَّدَ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ لَا الْحُكْمِ بِتَخْلِيدِهِ، مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى غَائِبٍ فِي مَالِهِ حَقًّا أَوْ فِي دَارِهِ أَوْ فِي أَرْضِهِ وَغَيْبَتُهُ بَعِيدَةٌ مُنْقَطِعَةٌ فَلَا يُوَكِّلُ الْحَاكِمُ وَكِيلًا يَقُومُ عَنْهُ بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ إنْ تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي حَقٌّ عَلَى الْغَائِبِ وَرَأَى وَجْهَ حُكْمٍ حَكَمَ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْحُكْمِ غَيْبَتَهُ وَأَنَّهُ قَدْ أَبْقَى لَهُ حُجَّتَهُ فَإِذَا قَدِمَ وَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ وَجَاءَ بِحُجَّتِهِ نَظَرَ الْقَاضِي لَهُ فِيهَا.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ: وَالدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ كَالدَّعْوَى عَلَى الْحَاضِرِ يَجِبُ أَنْ يَذْكُرَ الْحَقَّ وَجِنْسَهُ وَمِقْدَارَهُ، وَكَوْنُ الْبَيِّنَةِ تَشْهَدُ بِهِ وَيُفَصِّلُ الدَّعْوَى عَلَى حَسَبِ مَا يَجِبُ فِي دَعْوَى الْحَاضِرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ فِي تَصْحِيحِ الدَّعْوَى.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا كَانَ الْغَائِبُ عَلَى مَسِيرَةِ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالطَّرِيقُ مَأْمُونَةٌ أَعْذَرَ إلَيْهِ فِي الدَّيْنِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فَإِمَّا قَدِمَ وَإِلَّا وَكَّلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ بَاعَ عَلَيْهِ أُصُولَهُ، وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْأُصُولِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ مِنْ طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا تُرْجَى لَهُ حُجَّةٌ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ كَعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَنَحْوِهَا حَكَمَ عَلَيْهِ فِيمَا عَدَا الْأُصُولَ دُونَ إعْذَارٍ وَتُرْجَى لَهُ الْحُجَّةُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُقِيمُ الْقَاضِي لِغَائِبٍ وَلَا لِطِفْلٍ مَنْ يَقُومُ بِحُجَّتِهِ، ابْنُ رُشْدٍ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ فِي هَذِهِ الْغَيْبَةِ فِي الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا وَلَا تُرْجَى لَهُ حُجَّةٌ، قَالَ: وَعَلَى قَوْلِهِمَا فَيُوَكِّلُ مَنْ يَعْذُرُ إلَيْهِ فِي حَقِّهِمَا بِبَيَانٍ، وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ عَلَى الْغَائِبِ فِي الْأُصُولِ وَإِنَّمَا يَسْمَعُ مِنْ بَيِّنَةِ الْقَائِمِ وَيَشْهَدُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَلَا يَنْزِلُ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، أَيْ لَا يُسَلِّمُهُ إلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ وَيُوقِعُ شَهَادَتَهُمْ فَإِذَا حَضَرَ عَرَّفَهُ بِهِمْ وَأَعْذَرَ إلَيْهِ فِيهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَدْفَعٌ قَضَى عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ جِدًّا أَوْ مَفْقُودًا حَكَمَ عَلَيْهِ فِي الْأُصُولِ وَغَيْرِهَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَمِعْت مَنْ يَذْكُرُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَى الْغَائِبِ فِي الدُّورِ، وَهُوَ رَأْيٌ إلَّا فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ كَالْأَنْدَلُسِ أَوْ طَنْجَةَ.
стр. 156
تَنْبِيهٌ: وَلَا يُحْكَمُ عَلَى الْغَائِبِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِ الْقَضَاءِ.
مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْغَائِبِ بِبَلَدِ الْقَائِمِ مَالٌ يَحْكُمُ عَلَيْهِ فِيهِ، وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يُخَاطِبَ لَهُ عَلَى حُكْمِهِ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ أَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ، وَالْخِطَابُ يَكُونُ بِالْإِشْهَادِ أَوْ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالْمُشَافَهَةِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي وَمُشَافَهَتِهِ، وَسَيَأْتِي فِي فَصْلِ الْأَعْذَارِ مَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ الشُّهُودَ الَّذِينَ ثَبَتَ بِهِمْ الْحَقُّ عَلَى الْغَائِبِ. وَالْحَكَمُ إذَا لَمْ يُسَمِّ الشُّهُودَ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا كَانَتْ عِنْدَ رَجُلٍ كُتُبٌ لِغَائِبٍ فَقَامَ رَجُلٌ عِنْدَ الْقَاضِي وَذَكَرَ أَنَّ لَهُ فِي تِلْكَ الْكُتُبِ حَقًّا وَمَنْفَعَةً، وَسَأَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ الرَّجُلَ بِإِحْضَارِ الْكُتُبِ؛ لِيَنْظُرَ لَهُ فِيهَا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَأْمُرُ الَّذِي عِنْدَهُ الْكُتُبُ بِإِحْضَارِهَا وَيَنْظُرُ فِيهَا (مِنْ ابْنِ سَهْلٍ فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ) .
[الْقِسْمُ الرَّابِعُ الدَّعْوَى عَلَى الْمَيِّتِ]
وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى فِي مَالِ الْمَيِّتِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ وَفَاتِهِ وَعَدَدِ وَرَثَتِهِ فَإِنْ أَقَرَّ الْوَارِثُ الرَّشِيدُ بِهَا وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ غَيْرُهُ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى ثُبُوتِهَا، وَإِنْ ثَبَتَ الدَّيْنُ بِالشَّهَادَةِ، وَأَعْذَرَ فِيهِ لِلْوَارِثِ وَعَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ حَلَّفَ الْقَاضِي الْمُدَّعِيَ يَمِينَ الْقَضَاءِ أَنَّهُ مَا اقْتَضَى ذَلِكَ الدَّيْنَ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ، وَلَا سَقَطَ عَنْ الْمَيِّتِ بِوَجْهٍ، وَأَنَّهُ لَبَاقٍ لَهُ عَلَيْهِ وَفِي تَرِكَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ إلَى حِينِ يَمِينِهِ هَذِهِ، وَأَعْدَاهُ بِهِ عَلَى الْوَارِثِ.
مَسْأَلَةٌ: وَيَمِينُ الْقَضَاءِ مُتَوَجِّهٌ عَلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى الْمَيِّتِ أَوْ الْغَائِبِ أَوْ الْيَتِيمِ، أَوْ عَلَى الْأَحْبَاسِ، أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ كَانَ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ كِبَارًا وَلَمْ يَدَّعُوا الدَّفْعَ مِنْ الْمَيِّتِ وَلَا مِنْهُمْ فَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ لَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّيْنِ يَمِينٌ بِخِلَافِ الْأَصَاغِرِ، وَظَاهِرُ مَا فِي النَّوَادِرِ خِلَافُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ مَخَافَةَ طُرُوِّ دَيْنٍ أَوْ وَارِثٍ آخَرَ، فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ وَصِغَرِ
стр. 157
الْوَرَثَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَتْ الْخُصُومَةُ مَعَ الْوَصِيِّ غَيْرَ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يُكَلَّفُ جَوَابًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ إنْكَارَهُ غَيْرُ عَامِلٍ، وَلَكِنْ يَحْضُرُ؛ لِيَعْلَمَ مَنْ شَهِدَ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْوَنَ لَهُ فِي مَدْفَعٍ إنْ رَامَهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ رَشِيدًا وَلَمْ يُخَلِّفْ الْمَيِّتُ مَالًا ظَاهِرًا فَلَهُ تَحْلِيفُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرِثْ عَنْهُ شَيْئًا.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى لَهُمْ وَمَا يُسْمَعُ مِنْ بَيِّنَاتِهِمْ]
ْ وَمَا لَا يُسْمَعُ مِنْهَا وَهُمْ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِنَفْسِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِمُوَكِّلِهِ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِقَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ مِنْ غَيْرِ وَكَالَةٍ لَهُ عَلَى مَا قَامَ فِيهِ.
النَّوْعُ الرَّابِعُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ لِلْغَائِبِ.
النَّوْعُ الْخَامِسُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِمَنْ هُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ.
النَّوْعُ السَّادِسُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: مَنْ يُرِيدُ إقَامَتَهَا لِنَفْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةَ يُمَكَّنُ مُدَّعِيهَا مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّتِهَا، وَقَدْ يُمْنَعُ مِنْ إقَامَتِهَا فِي وُجُوهٍ. مِنْهَا: إذَا اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعِي الْمَطْلُوبَ مَعَ الْعِلْمِ بِبَيِّنَتِهِ الْحَاضِرَةِ ثُمَّ أَرَادَ الْقِيَامَ بِهَا، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ إقَامَتِهَا عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي الْبَابِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ.
стр. 158
وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِدَيْنٍ مِنْ سَلَفٍ أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِقِرَاضٍ أَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ أَوْ بِبِضَاعَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ بِحَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ فَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَافَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ أَقَرَّ بِهِ وَادَّعَى فِيهِ وَجْهًا مِنْ الْوُجُوهِ يُرِيدُ إسْقَاطَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَإِنْ قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَا زَعَمَ أَخِيرًا؛ لِأَنَّ جُحُودَهُ أَوَّلًا إكْذَابٌ لِبَيِّنَتِهِ فَلَا تُسْمَعُ، وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ بَلْ لَمَّا جَحَدَ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِمَا يُبْرِئُهُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، إلَّا فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالْجُحُودِ.
وَمِنْهَا: لَوْ أَنْكَرَ الْوَكِيلُ قَبْضَ الثَّمَنِ فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَقَالَ تَلِفَ أَوْ رَدَدْته لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا. وَمِنْهَا: مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ بِشَاهِدٍ فَقَالَ لِلْمُدَّعِي احْلِفْ مَعَ شَاهِدِك فَقَالَ أَخْشَى أَنْ أَحْلِفَ، وَتَدَّعِي الْعَدَمَ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَنَّهُ مُوسِرٌ، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي، ثُمَّ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ الْعَدَمَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى ذَلِكَ لَمْ تُسْمَعْ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.
وَمِنْهَا: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ تَصَدَّقَ بِأَرْضٍ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ غَابَ الْمُتَصَدِّقُ فَأَرَادَ الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنْ يُثْبِتَ صَدَقَتَهُ عِنْدَ السُّلْطَانِ؛ لِيَحُوزَهَا وَيَحِقَّهَا، فَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْمَعَ بَيِّنَتَهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا حَتَّى يَدْفَعَهُ عَنْ قَبْضِ ذَلِكَ دَافِعٌ، مِثْلُ ذَلِكَ الرَّجُلِ أَوْ وَكِيلِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ، فَإِنْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: خَرَجَ عَنَّا صَاحِبُنَا وَلَا نَعْلَمُهُ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُضْرَبُ الْأَجَلُ لِلْغَائِبِ عَلَى قَدْرِ مَسَافَةِ سَفَرِهِ، وَبَعْدَ غَيْبَتِهِ، فَإِذَا انْقَضَتْ وَلَمْ يَأْتِ سَمِعَ مِنْ بَيِّنَتِهِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ حَقٌّ دُفِعَ إلَيْهِ ذَلِكَ وَثَبَتَتْ الْعَطِيَّةُ، وَلَا نَرَى أَنْ تُوقَفَ الْأَرْضُ وَكِرَاؤُهَا؛ لِيَنْظُرَ حَالَ الْغَائِبِ. إنْ كَانَ حَيًّا يَوْمَ قَبْضِهَا أَوْ مَيِّتًا، بَلْ يُمْضِي لَهُ صَدَقَتَهُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ حَقِيقَتِهَا، ثُمَّ إنْ ادَّعَى وَرَثَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَهُمْ مَاتَ قَبْلَ حَوْزِ الصَّدَقَةِ بِالْحُكْمِ وَأَثْبَتُوا ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ قَامَتْ عَلَى التَّارِيخِ رَدَّتْهَا مِيرَاثًا، وَإِلَّا فَقَدْ نَفَذَتْ لِصَاحِبِهَا.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لَا نَرَى أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا وَلَا يَنْظُرَ فِيهَا بِشَيْءٍ حَتَّى يَقْدُمَ الْغَائِبُ، وَلَيْسَتْ الصَّدَقَةُ فِي الْحُكْمِ بِهَا عَلَى الْغَائِبِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْحُقُوقِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا أَرَى أَنْ يُسْمَعَ مِنْ بَيِّنَتِهِ فَإِذَا حَقَّتْ لَهُ الصَّدَقَةُ أَوْقَفَهَا وَكِرَاءَهَا لِيَنْظُرَ
стр. 159
الْغَائِبَ أَحَيٌّ، هُوَ يَوْمَ الْحُكْمِ أَوْ مَيِّتٌ، فَإِنْ كَانَ يَوْمَئِذٍ حَيًّا دَفَعَهَا إلَيْهِ، وَمَا اجْتَمَعَ مِنْ كَرَائِهَا، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا كَانَتْ وَمَا اجْتَمَعَ مِنْ كَرَائِهَا مِيرَاثًا عَنْهُ لِوَرَثَتِهِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْحَيَاةِ حَتَّى يَثْبُتَ مَوْتُهُ.
وَمِنْهَا: إذَا حَلَّ الْقَاضِي بِغَيْرِ عَمَلِهِ فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَتِهِمْ عَلَى رَجُلٍ فِي عَمَلِهِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَالِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَتِهِ فِيهَا، وَلَا يَنْظُرَ فِي بَيِّنَةِ أَحَدٍ، وَلَا يَشْهَدُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إلَّا فِي بَلَدِهِ، قَالَ أَصْبَغُ: إلَّا أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ الْقَاضِيَ إلَى بَلَدٍ لِأَمْرٍ يَنُوبُهُ مِنْ أَمْرِ الْعَامَّةِ، فَيَأْتِيَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَيَذْكُرَ أَنَّ لَهُ حَقًّا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ، وَبَيِّنَتُهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ، وَيَسْأَلَهُ مِنْهُمْ فَلَهُ ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: إذَا أَوْصَى الْمَفْقُودُ لِرَجُلٍ بِوَصِيَّةٍ أَوْ أَوْصَى إلَيْهِ وَادَّعَى الْمُوصَى لَهُ بِذَلِكَ جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَةِ الْمُوصَى لَهُ وَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّهُ قَبْلَ تَمْوِيتِ الْمَفْقُودِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَسْمَعُ مِنْ بَيِّنَتِهِ وَلَا يُشْهِدُ لَهُ عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ لِهَذَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ الْمَفْقُودُ، وَلَيْسَ مِنْ الصَّوَابِ أَنْ يَسْمَعَ الْقَاضِي مِنْ بَيِّنَةِ رَجُلٍ عَلَى أَمْرٍ لَا يَحْكُمُ لَهُ بِهِ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِهَذَا أَنْ يُشْهِدَ عَلَى شَهَادَةِ شُهَدَائِهِ، وَأَصْلُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ بَيِّنَةً إلَّا عَلَى أَمْرٍ يُدَافِعُ عَنْهُ أَوْ يُخَاصِمُ فِيهِ أَوْ يَطْلُبُ أَخْذَهُ يَوْمَ تَقُومُ بَيِّنَتُهُ وَهُوَ شَأْنُ الْحُكَّامِ عِنْدَنَا، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ.
وَمِنْهَا: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي يَدِهِ الْحُكْمُ مِنْ السُّلْطَانِ أَوْ الشِّرَاءُ لِمَنْزِلِهِ أَوْ عَبْدِهِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَقُومُ بِهِ إلَى سُلْطَانِ مَوْضِعِهِ؛ لِيَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَتِهِ وَيُحْيِيَ لَهُ ذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ وَالْإِمْضَاءِ لَهُ، إنْ كَانَ الَّذِي بِيَدِهِ حُكْمًا فَلَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا لِأَحَدٍ حَتَّى يُعَارَضَ فِيهِ بِخُصُومَةٍ أَوْ دَعْوَى أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَأْمُرُ صَاحِبَهُ يُجِيبُهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى شُهَدَاءِ حَقِّهِ أَوْ شُهَدَاءِ كِتَابِهِ إنْ أَحَبَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ طَرَأَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُهُمْ وَيُعَدِّلُهُمْ، فَيُسْأَلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمْ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ وَيُحْيِيَ لَهُ حَقَّهُ بِهِمْ قَبْلَ مَوْتِهِ وَفَوَاتِ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَجِدُ الْآنَ مَنْ يُعَدِّلُ بِهِ شُهَدَاءَهُ
стр. 160
الطَّارِئِينَ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّلْطَانِ مِمَّنْ يَعْرِفُهُمْ السُّلْطَانُ، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجِيبَهُ لِذَلِكَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى شَهَادَتِهِمْ؛ لِأَنَّ مَنْ يُشْهِدُهُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ لَا يَعْرِفُونَهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَدِّلُهُمْ عِنْدَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى شَهَادَتِهِمْ، فَمِثْلُ هَذَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْظُرَ لَهُ فِيهِ وَيُحْيِيَ لَهُ حَقَّهُ وَيُشْهِدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَذْكُرَ فِي كِتَابِ الْإِشْهَادِ أَنَّهُ لَمْ يُخَاصِمْهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ وَلَا قَطَعَ بِهِ حُجَّةَ أَحَدٍ يَقُومُ بِهَا عَلَيْهِ فِيهِ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ تَحْقِيقِ الْحَقِّ، وَإِظْهَارِ مَا يُتَّقَى مِنْ عَوْرَةٍ فَيَنْظُرُ فِيهِ أَوْ يَكُونُ حُكْمًا قَدْ خَرَجَتْ وَثِيقَتُهُ وَأَشْفَى مِنْهَا عَلَى ذَهَابِهِ، وَلَا يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى إحْيَائِهِ إلَّا بِالسُّلْطَانِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ لَهُ فِي إحْيَائِهِ بِمَا يَرَى وَيُشْهِدُ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُخَاصِمْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يَقْطَعْ بِاَلَّذِي فَعَلَ حُجَّةَ أَحَدٍ يَدَّعِي فِيهِ حَقًّا بَعْدَ الْيَوْمِ.
وَمِنْهَا: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي أَصْبَغُ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا عُزِلَ الْوَصِيُّ لِأَمْرٍ كَرِهَهُ مِنْهُ أَوْ لِعُذْرٍ رَآهُ فِيهِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بَرَاءَةً مِمَّا جَرَى عَلَى يَدَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِمَّا زَعَمَ أَنَّهُ أَنْفَقَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَتَاهُ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَسْمَعُهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْيَتِيمُ مَبْلَغَ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ إنْ أَخَذَ الْقَاضِي مِنْهُ مَالًا لِيَتِيمٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ عِنْدَ عَزْلِهِ إيَّاهُ كَتَبَ لَهُ بَرَاءَةً مِنْهُ وَأَخَذَهُ مِنْهُ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى صَغِيرٍ أَوْ سَفِيهٍ بِدَيْنٍ مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ ابْتِيَاعٍ أَوْ سَلَفٍ فَلَا يُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ كَانَتْ لَهُ دَعْوَى فَأَجَّلَهَا الْحَاكِمُ وَأَعْذَرَ إلَيْهِ ثُمَّ عَجَزَهُ فَإِنَّهُ لَا تُسْمَعُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حُجَّةٌ وَلَا يُمَكِّنُهُ مِنْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ فِيمَا ادَّعَاهُ إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ ذَكَرْتهَا فِي فَصْلِ التَّعْجِيزِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ كَانَ مَعْلُومَ الْمَلَاءَةِ ظَاهِرَ الْغِنَى وَلِلنَّاسِ عَلَيْهِ دُيُونٌ ثُمَّ ادَّعَى الْفَلَسَ وَطَلَبَ أَنْ يُقِيمَ عَلَى فَقْرِهِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ بَيِّنَةً بِالْعُدْمِ، وَإِنَّمَا يَسْمَعُ بَيِّنَتَهُ بِأَنَّهُ ذَهَبَ مَا بِيَدِهِ، وَحُكْمُهُ الضَّرْبُ وَالْحَبْسُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ. وَمِنْهَا: أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُنَجَّمٌ أَدَّى بَعْضَهُ ثُمَّ ادَّعَى الْعَجْزَ فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى ذَهَابِ مَا بِيَدِهِ، ذَكَرَ هَذَا وَمَا قَبْلَهُ اللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ.
стр. 161
وَمِنْهَا الرَّجُلُ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ ثُمَّ تَطْلُبُ مِنْهُ نَفَقَةَ أَوْلَادِهِ فَيَدَّعِي الْعَدَمَ، فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ بِذَهَابِ مَا بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَمْسِ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى زَوْجَتِهِ، فَهُوَ الْيَوْم أَقْدَرُ لِزَوَالِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَنْهُ اُنْظُرْ اللَّخْمِيَّ.
[النَّوْعُ الثَّانِي مَنْ يُرِيدُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِمُوَكِّلِهِ]
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا عَلَى طَلَبِ عَبْدٍ لَهُ آبِقٍ فَأَدْرَكَهُ الْوَكِيلُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ لِلَّذِي وَكَّلَهُ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُوَكَّلُ عَلَى طَلَبِ الْآبِقِ وَلَا يُوَكَّلُ عَلَى الْخُصُومَةِ فِيهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُثْبِتَ الْوَكَالَةَ عَلَى الْخُصُومَةِ فِيهِ وَأَنَّهُ هَذَا الْعَبْدُ بِعَيْنِهِ، وَيُشْهِدُوا عَلَى الصِّفَةِ كَمَا وَصَفَ لَهُمْ صَاحِبُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلرَّجُلِ الْعَبْدُ فَيَبِيعُهُ ثُمَّ يَكُونُ لَهُ آخَرُ فَيَأْبَقُ، فَلَعَلَّ هَذَا الْعَبْدَ قَدْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ وَلَيْسَ هُوَ الَّذِي أَبَقَ مِنْهُ.
قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَوْ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ قَدْ وَكَّلَهُ عَلَى الْخُصُومَةِ فِي كُلِّ عَبْدٍ لَهُ لَكَانَ جَائِزًا أَيْضًا وَتَتِمُّ الْوَكَالَةُ، ثُمَّ تَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ لَهُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ عَبْدُ فُلَانٍ لَا يَعْلَمُونَهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ ثُمَّ يَنْظُرُ السُّلْطَانُ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ وَلَا يَحْلِفُ الْوَكِيلُ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً يُجْلَبُ مِنْ مِثْلِهَا إلَى الْيَمِينِ أُمِرَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ حَتَّى يَحْلِفَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً كَتَبَ الْقَاضِي إلَى أُمَنَائِهِ بِاَلَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهُ لِصَاحِبِ الْعَبْدِ وَأَمَرَ مَنْ كَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يُحَلِّفَهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، وَيَقْضِي بِهِ لِلْمُوَكِّلِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً جِدًّا قَضَى بِهِ لِلْمُوَكِّلِ وَلَمْ يُحْبَسْ عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَتَى الْوَكِيلُ إلَى الْقَاضِي بِشُهُودِ الْحَقِّ الَّذِي وُكِّلَ عَلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ يَسْمَعَ الْقَاضِي مِنْ بَيِّنَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَثْبُتَ وَكَالَتُهُ عِنْدَهُ فَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهَا، فَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ: إنْ خَافَ أَنْ يُجْرَحَ الشُّهُودُ وَكَانَ لِمَا سَأَلَهُ وَجْهٌ سَمِعَ بَيِّنَتَهُ ثُمَّ يُثْبِتُ الْوَكَالَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَسْمَعْهَا حَتَّى تَثْبُتَ وَكَالَتُهُ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ بَيِّنَةً إلَّا فِي حَالٍ يُحْكَمُ بِهَا لِلطَّالِبِ أَوْ يُدْفَعُ عَنْ الْمَطْلُوبِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ حَتَّى يُثْبِتَ وَكَالَتَهُ، وَإِنْ خَشِيَ غَيْبَتَهُمْ أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ.
стр. 162
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا وَكَّلَتْ الْمَرْأَةُ رَجُلًا عَلَى عَقْدِ نِكَاحِهَا مِنْ رَجُلٍ فَعَقَدَهُ ثُمَّ قَامَ عَلَى الزَّوْجِ يَطْلُبُهُ بِالْحَالِ مِنْ صَدَاقِهَا، وَطَلَبَ مُخَاصَمَتَهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَأَرَادَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ وَكِيلُهَا لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ عَلَى التَّوْكِيلِ فِي قَبْضِ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لَا يَسْتَلْزِمُ قَبْضَ الصَّدَاقِ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ عَلَى بَيْعِ الدَّارِ أَوْ الْعَقَارِ إذَا أَرَادَ قَبْضَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ وَكِيلٌ عَلَى الْبَيْعِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ أَنَّ وَكِيلَ الْبَيْعِ فِي الدَّارِ وَالْعَقَارِ لَا يَقْبِضُ الثَّمَنَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلٍ خَاصٍّ عَلَى قَبْضِ الثَّمَنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ بَلَدٍ جَرَتْ عَادَتُهُمْ بِأَنْ مُتَوَلِّي الْبَيْعِ يَتَوَلَّى قَبْضَ الثَّمَنِ فَيُجْزِئُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ عَلَى الْبَيْعِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَكِيلِ عَلَى بَيْعِ السِّلَعِ فَإِنَّ لَهُ قَبْضَ الثَّمَنِ وَالْمُطَالَبَةَ بِهِ (اُنْظُرْ التَّقْيِيدَ عَلَى التَّهْذِيبِ وَالطُّرَرَ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي بَابِ الصَّدَاقِ) .
مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى مُخَاصَمَةِ رَجُلٍ فَلَمْ يَقُمْ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَقَدْ أَنْشَبَ الْخُصُومَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ أَوْ لَمْ يُنْشِبْ خُصُومَةً وَلَمْ يَعْرِضْ فِي شَيْءٍ حَتَّى مَرَّتْ بِهِ السَّنَتَانِ ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُمَا يَطْلُبُ بِتِلْكَ الْوَكَالَةِ الْقَدِيمَةِ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، وَيُخَاصِمَ فِي ذَلِكَ أَمْ يُجَدِّدَ الْوَكَالَةَ؟ فَقَالَ سَحْنُونٌ: يَبْعَثُ الْحَاكِمُ إلَى الْمُوَكِّلِ يَسْأَلُهُ أَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ أَوْ خَلَعَهُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ غَائِبًا فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: رَأَيْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَسْتَكْثِرُ إمْسَاكَهُ عَنْ الْخُصُومَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوَهَا، وَيَرَى تَجْدِيدَ الْوَكَالَةِ إنْ أَرَادَ الْخُصُومَةَ.
[النَّوْعُ الثَّالِثُ مَنْ يُرِيدُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِقَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ]
ِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَتَعَلَّقُ بِالرَّجُلِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَيَدَّعِي أَنَّ لِأَبِيهِ عَلَيْهِ دَيْنًا أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ إيقَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَوْكِيلٍ. قَالَ مُطَرِّفٌ: وَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُدَّعِي لَهُ قَرِيبًا، فَإِذَا أَتَى بِالْبَيِّنَةِ أَعْذَرَ إلَيْهِ السُّلْطَانُ بِالْمَالِ فَأَتَى بِهِ وَوَقَفَهُ لِلْغَائِبِ وَضَرَبَ لَهُ أَجَلًا، فَإِنْ جَاءَ فَطَلَبَهُ أَخَذَهُ، وَإِنْ قَالَ: كُنْتُ تَقَاضَيْتُهُ أَوْ لَمْ يَأْتِ الْأَجَلُ رُدَّ إلَى الْغَرِيمِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يُوقَفْ لَهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَعْرِضْ لِلْغَرِيمِ إلَّا بِتَوْكِيلٍ يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ
стр. 163
تَفْوِيضٌ إلَيْهِ فِي أُمُورِ أَبِيهِ وَالْقِيَامُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ مُقِرًّا بِالدَّيْنِ تُرِكَ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ كَانَتْ غَيْبَةُ الْأَبِ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ تَوْكِيلُ الْوَلَدِ فَيَأْخُذَهُ، وَلَوْ كَانَ حِينَ عَجَزَ الْغَرِيمُ عَنْ الدَّفْعِ وَمُكِّنَ الْمُدَّعِي مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَعَجَزَ عَنْ الْآخَرِ حَلَفَ الْغَرِيمُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ هَذَا الدَّيْنِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ إلَّا مِنْ الْعُرْضَةِ لَهُ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ وَاتَّبَعَهُ بِهَذَا الْحَقِّ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ صَاحِبُ الْحَقِّ فَعَنْ حَقِّهِ نَكَلَ. أَمَّا لَوْ نَكَلَ الْغَرِيمُ عَنْ الْيَمِينِ أُخِذَ مِنْهُ الْحَقُّ مُعَجَّلًا ثُمَّ أُوقِفَ الْمَالُ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ أَخَذَهُ بِلَا يَمِينٍ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ: فِي رَجُلٍ ادَّعَى عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ مَنْزِلًا لِابْنِ عَمِّهِ أَوْ قَرْيَةً لِجَارٍ لَهُ غَائِبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ قَدْ خَشِيَ عَلَيْهِ التَّوَاءَ وَالْهَلَاكَ، فَسَأَلَ الْقَاضِي تَوْكِيلَهُ لَهُ؛ لِيُخَاصِمَهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ مَالِكًا كَتَبَ فِي هَذَا إلَى ابْنِ غَانِمٍ الْقَاضِي بِإِفْرِيقِيَةَ أَنْ لَا يَقْبَلَ لِلْقَائِمِ حُجَّةً إلَّا بِوَكَالَةٍ مِنْ الْغَائِبِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: كَذَلِكَ سَمِعْت ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ، وَيَذْكُرُهُ عَنْ مَالِكٍ ﵀ وَزَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا بَأْسَ عَلَى الْقَاضِي بِأَنْ يَأْمُرَ الَّذِي يَرْفَعُ إلَيْهِ ذَلِكَ بِأَنْ يُثْبِتَ مَالَ الْغَائِبِ عِنْدَهُ بِالْبَيِّنَةِ وَيَسْمَعَ مِنْهَا، وَيَكْتُبَ لِلْغَائِبِ بِذَلِكَ كِتَابًا، وَيَطْبَعَ عَلَيْهِ وَيُشْهِدَ لَهُ بِمَا فِيهِ، فَمَتَى قَامَ الْغَاصِبُ يَوْمًا عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي الَّذِي كَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ مَاتَ شُهُودُهُ، أَنْفَذَ لَهُ ذَلِكَ الْكِتَابَ بِمَا أَشْهَدَ الْقَاضِي مِنْ ثَبَاتِهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ بِالْقَيْرَوَانِ وَيَتْرُكُ زَوْجَتَهُ وَأَخًا لَهُ غَائِبًا بِالْأَنْدَلُسِ وَيُخَلِّفُ مَتَاعًا وَحَيَوَانًا وَدُورًا، فَأَرَادَتْ الْمَرْأَةُ بَيْعَ ذَلِكَ وَادَّعَتْهُ، فَقَامَ وَلَدُ الْأَخِ الْغَائِبِ فَطَلَبَ مَنْ يُثْبِتُ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ فَقَالَ مَالِكٌ: إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الْهَالِكَ مَاتَ وَأَخُوهُ حَيٌّ فَإِنَّهُ يُمَكَّنُ هَذَا الْقَائِمُ مِنْ مُخَاصَمَةِ الْمَرْأَةِ وَإِثْبَاتِ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ، فَمَا ثَبَتَ مِمَّا يَصِيرُ لِلْغَائِبِ لَمْ يُدْفَعْ لِوَلَدِهِ وَلَكِنْ يُوقَفُ لَهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْأَخُ يَقُومُ لِأَخِيهِ وَالْجَارُ يَقُومُ لِجَارِهِ فَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْعَبْدِ أَوْ الدَّابَّةِ أَوْ الثَّوْبِ يَدَّعِيهِ فِي يَدِ الرَّجُلِ لِأَبِيهِ أَوْ لِابْنِهِ أَوْ لِأَخِيهِ أَوْ لِجَارِهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ وَالْحَبْسِ عَلَيْهِمْ، وَكُلُّهُمْ غَائِبٌ فَأَرَى أَنْ يُمَكَّنَ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ إيقَاعِ الْبَيِّنَةِ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَشْيَاءُ تَفُوتُ وَتُحَوَّلُ وَتَغِيبُ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً قَاطِعَةً أَوْ شَاهِدًا وَاحِدًا ادَّعَاهُ
стр. 164
السُّلْطَانُ بِحَمِيلِ قِيمَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ يَذْكُرَ صِفَتَهُ فِي كِتَابٍ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ كَمَا يُشْهِدُ عَلَى الْحُكْمِ، وَيَضْرِبُ فِيهِ أَجَلًا لِلْغَائِبِ، فَإِنْ أَبَى إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ حَلَفَ بِاَللَّهِ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ وَلَا عَنْ يَدِهِ بِوَجْهِ حَقٍّ، وَيَأْخُذُهُ إذَا كَانَ قَدْ قَامَتْ لَهُ شَهَادَةٌ قَاطِعَةٌ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا قَامَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ وَأَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ بِوَجْهِ حَقٍّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَسْت أَرَى أَنْ أُمَكِّنَ أَحَدًا مِنْ إيقَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَحَدٍ بِدَعْوَاهُ عَلَيْهِ لِغَيْرِ نَفْسِهِ لَا لِأَبٍ وَلَا لِوَلَدٍ وَلَا لِجَارِهِ لَا لِأَخٍ فِي دَيْنٍ وَلَا فِي حَيَوَانٍ وَلَا فِي عَرَضٍ كَانَتْ غَيْبَةُ الْمُدَّعَى لَهُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً، وَلَا يَعْرِضُ لِلْمُدَّعِي ذَلِكَ عَلَيْهِ إلَّا بِوَكَالَةٍ لِلْقَائِمِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا أَصْبَغُ فَذَهَبَ مُطَرِّفٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي دَعْوَى الْوَلَدِ لِأَبِيهِ بِالدَّيْنِ إنْ كَانَتْ غَيْبَةُ الْأَبِ بَعِيدَةً وَقَدْ أَثْبَتَهُ الْوَلَدُ بِالْبَيِّنَةِ فَطُولُ غَيْبَتِهِ كَمَوْتِهِ يَقْبِضُهُ السُّلْطَانُ وَيُوقِفُهُ مَعَ مَالِهِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ.
[النَّوْعُ الرَّابِعُ مَنْ يُرِيدُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِلْغَائِبِ]
ِ أَوْ لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ لِابْنِ كِنَانَةَ فِي مَالِ الْغَائِبِ إذَا كَانَ بِيَدِ رَجُلٍ بِغَيْرِ خِلَافَةٍ، فَهَلْ يُمَكَّنُ أَحَدٌ مِنْ الْقِيَامِ فِيهِ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ؟ فَقَالَ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَنَظَرِهِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ جَهِلَ الْإِمَامُ فَأَمَرَهُ بِالْمُخَاصَمَةِ فَحَكَمَ عَلَى الْقَائِمِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى الْغَائِبِ، وَلَا لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِثْلَهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ فَضْلٌ: وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَنْعُمٍ قَاضِي أَفْرِيقِيَّةَ كَانَ يَفْعَلُ فِيمَنْ رَفَعَ إلَيْهِ مَالَ غَائِبٍ أَنَّهُ بِيَدِ غَيْرِهِ أَنَّهُ يُوَكِّلُهُ عَلَى الْقِيَامِ فِيهِ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ مُخَاصَمَتِهِ، فَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَهُ وَذَلِكَ لِطُولِ الزَّمَانِ وَدُرُوسِ الْعِلْمِ، قَالَ فَضْلٌ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيمَا قَرُبَ لَأَمْكَنَهُ مِنْ مُخَاصَمَتِهِ.
стр. 165
مَسْأَلَةٌ: وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي الْغَائِبِ يَخْرُجُ فِي سَفَرِهِ فَيُخَلِّفُ عَقَارًا أَوْ مَالًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَصِيرُ بِيَدِ رَجُلٍ بِغَيْرِ خِلَافَةٍ هَلْ يَنْزِعُهُ الْقَاضِي مِنْهُ وَيُوَكِّلُ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ تَرَكَهُ بِيَدِ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ فَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتْرُكْهُ بِيَدِ أَحَدٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَأَخَذَهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْزِعُهُ مِنْهُ وَيُوَكِّلُ لِلْغَائِبِ عَلَيْهِ، وَلَا يُمَكَّنُ أَهْلُ الْعَدَاءِ مِنْ عَدَائِهِمْ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ وَمُطَرِّفٌ: فِي الْأَرْضِ تَكُونُ لِلْغَائِبِ بِيَدِ الرَّجُلِ بِخِلَافَةٍ أَوْ بِغَيْرِ خِلَافَةٍ، لَا أَرَى لِسُلْطَانٍ أَنْ يَتَوَثَّقَ لِلْغَائِبِ مِنْهَا إنْ رُفِعَ ذَلِكَ إلَيْهِ، وَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا يُخَاصِمُ فِيهَا إلَّا بِوَكَالَةٍ، وَلَا يَقْبَلُهَا مِمَّنْ هِيَ بِيَدِهِ إنْ تَبَرَّأَ مِنْهَا إلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ شُهُودًا عَلَى إقْرَارِ الْمُدَّعِي الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ أَنَّهَا لَيْسَتْ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقِرُّ بِهَا لِمَنْ لَيْسَتْ لَهُ، فَيَكُونُ إشْهَادُ السُّلْطَانِ عَلَى إقْرَارِهِ حُجَّةً لِلْمُبْطِلِ، وَوَهْنًا لِلْمُحِقِّ، وَكَذَلِكَ وَرَثَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ أَصْبَغُ: إلَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُتَبَرِّي الْمُقِرُّ عَاجِزًا عَنْ وِلَايَتِهَا، فَإِنَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا أَقَرَّ وَرَفْعِهِ إلَى الْحَاكِمِ ثُمَّ يُوَلِّيهَا الْقَاضِي مَنْ رَأَى لِلْغَائِبِ بِغَيْرِ حُكْمٍ وَلَا إشْهَادٍ مِنْهُ بِأَنَّهَا لَهُ إلَّا عَلَى حَالِ تَخْلِيَةِ هَذَا مِنْهَا، فَإِنْ جَاءَ طَالِبٌ سِوَاهُ لَمْ يُبْطِلْ عَنْهُ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْ حُجَّتِهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَيْسَتْ بِيَدِ أَحَدٍ وَلَا يَدَّعِيهَا أَحَدٌ وَرَفَعَ إلَيْهِ الْعُدُولُ أَنَّ صَاحِبَهَا خَرَجَ عَنْهَا وَيُسَمُّونَهُ وَيَنْسُبُونَهُ، وَأَنَّهُ تَرَكَهَا هَكَذَا، وَقَدْ تَطَاوَلَ أَمْرُهَا وَخِيفَ أَنْ يَذْهَبَ حَقُّهُ فِيهَا فَلْيُوَكِّلْ عِنْدَ ذَلِكَ وَكِيلًا لِلْغَائِبِ وَيُشْهِدْ لَهُ بِهَا، وَلَوْ كَانَ إنَّمَا رَفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَعْرِضَ لَهَا بِتَوْكِيلٍ وَلَا بِإِشْهَادٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ الَّذِي سُمِّيَتْ لَهُ، فَيَكُونُ إيقَافُ السُّلْطَانِ ذَلِكَ لَهُ وَفِعْلُهُ إنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَبِيهًا بِالْحُكْمِ، أَوْ تَكُونَ أَرْضًا لِصَغِيرٍ لَا وَلِيَّ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُوَلِّيَ عَلَيْهَا وَلِيًّا يَنْظُرُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا مِنْ مَالِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قَامَ مُحْتَسِبٌ لِلْغَائِبِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ تَسَوَّرَ فِيهِ عَلَى الْغَائِبِ فِي دَارِهِ أَوْ عَقَارِهِ أَوْ فِي عَيْبٍ أَحْدَثَ عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ أَوْ ضَرَرٍ أُحْدِثَ عَلَيْهِ فَالْحُكْمُ فِي الْقِيَامِ فِي الْعَيْبِ وَالضَّرَرِ مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي حُكْمِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالْجَارِ وَالْأَجْنَبِيِّ، وَمَنْ لَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَمَنْ لَا يُمَكِّنُهُ الْحَاكِمُ مِنْ الدَّعْوَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الِاخْتِلَافِ. وَانْظُرْ: لَوْ قَامَ مُحْتَسِبٌ
стр. 166
فِيمَا تَسَوَّرَ عَلَى حَبْسٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي النَّوْعِ الثَّالِثِ فِي مَسْأَلَةِ ابْنِ غَانِمٍ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا وَفِيمَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا النَّوْعِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ فَتَدَبَّرْهُ.
[النَّوْعُ الْخَامِسُ مَنْ يُرِيدُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِمَنْ هُوَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ]
مَسْأَلَةٌ: لَيْسَ لِلْأَبِ وَلَا لِلْوَصِيِّ الْقِيَامُ عَمَّنْ فِي نَظَرِهِمَا مِنْ ابْنَتِهِ أَوْ يَتِيمَتِهِ إذَا أَضَرَّ بِهَا زَوْجُهَا فِي نَفْسِهَا إلَّا بِتَوْكِيلِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا تَحْتَ حَجْرِهِ وَوِلَايَتِهِ وَيَدَّعِي لَهَا؛ لِأَنَّ لَهَا الرِّضَا بِاحْتِمَالِ الضَّرَرِ، وَإِنْ كَانَتْ مُوَلًّى عَلَيْهَا وَلَيْسَ لِلْأَبِ وَلَا لِلْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ اعْتِرَاضٌ مِنْ (الْمُتَيْطِيَّةِ) فِي بَابِ الْأَخْذِ بِالشُّرُوطِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَقَامَتْ الزَّوْجَةُ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا عِنْدَ زَوْجِهَا ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ أَرَادَ أَبُوهَا أَنْ يُطَالِبَ زَوْجَهَا بِالْكَالِئِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ حُقُوقِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلِهَا لَهُ، إلَّا أَنْ يَتَّصِلَ سَفَهُهَا وَسُوءُ حَالِهَا وَتَبْذِيرُهَا لِمَالِهَا.
النَّوْعُ السَّادِسُ مَنْ يُرِيدُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ لِصِحَّةِ مَا ادَّعَى بِهِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِي الْوَارِثِ يَطْلُبُ حَقًّا أَوْ مِيرَاثًا لَهُ وَلِشَرِكَتِهِ، أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ الْخُصُومَةِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ قُضِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ إلَّا بِتَوْكِيلٍ مِنْهُمْ لَهُ عَلَى طَلَبِ ذَلِكَ، وَإِنْ قُضِيَ لَهُ وَأَحْيَا مَا طَلَبَ قُضِيَ لَهُ بِحَظِّهِ فَقَطْ وَتَرَكَ حَظَّ الْغَائِبِ فِي يَدِ الْمَطْلُوبِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ، يَطَأُ وَيُقَبِّلُ وَيَبِيعُ وَيَحْكُمُ كَمَا يَحْكُمُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ قَدِمَ الْغُيَّبُ أَوْ وَرَثَتُهُمْ فَأَرَادَ أَخْذَ ذَلِكَ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ أَخَذُوهُ بِلَا اسْتِيفَاءٍ وَلَا خُصُومَةٍ وَلَا شَيْءٍ. فَإِنْ قَالُوا: لَا حَقَّ لَنَا فِيهِ تُرِكَ فِي يَدِ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنْهُمْ مُفْلِسًا قَدْ قَامَ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ فَلَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ حَقٌّ
стр. 167
قَدْ وَجَبَ لَهُ عَنْ أَبِيهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَزَادَ مُطَرِّفٌ فِي نَصِيبِ الْغُيَّبِ مِنْ الْوَرَثَةِ أَنَّهُ لَا يُورَثُ عَنْهُمْ إنْ مَاتُوا قَبْلَ قُدُومِهِمْ، وَلَا تُقْضَى مِنْهُ دُيُونُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مَالٌ سِوَاهُ، حَتَّى تُعْرَفَ دَعْوَاهُمْ لَهُ وَطَلَبُهُمْ إيَّاهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِوَرَثَةِ الْغُيَّبِ إذَا طَلَبُوهُ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لِآبَائِهِمْ فِي ذَلِكَ دَعْوَى؛ لِأَنَّ رَجُلًا لَوْ قَامَ يَطْلُبُ دَارًا هَلَكَ عَنْهَا جَدُّهُ، وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ فَجَرَّ إلَى نَفْسِهِ مِيرَاثَ أَبِيهِ مِنْ تِلْكَ الدَّارِ فَذَلِكَ لَهُ إذَا أَحَقَّهَا، فَكَذَلِكَ هَذَا، قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ إنْ قُضِيَ عَلَى الْغَائِبِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَإِنْ جَاءَ بِحُجَّةٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ الْخُصُومَةِ وَلَا مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِحُجَّةٍ أَوْ بَيِّنَةٍ غَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ الْأَوَّلُ فَيُمَكَّنُ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْحَابِ مَالِكٍ ﵏.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ مَزِيدُ بَيَانٍ وَاخْتِلَافٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ قُلْت: فَإِذَا قَامَ رَجُلٌ يَطْلُبُ شَيْئًا لِلْعَامَّةِ وَهُوَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَخَاصَمَ فِيهِ فَرَأَى الْقَاضِي أَنْ لَا حَقَّ لِلْعَامَّةِ فِي ذَلِكَ وَقَضَى بِهِ لِلْخَصْمِ كَيْفَ يَكْتُبُ الْحَاكِمُ أَعَلَى الْعَامَّةِ أَمْ عَلَى الْقَائِمِ، فَمَرَّةً قَالَ عَلَيْهِمْ وَمَرَّةً قَالَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ، وَيَذْكُرُ فِيهِ أَنَّهُ قَامَ يَطْلُبُ لِلْعَامَّةِ كَذَا فَلَمْ أَرَ لَهُ حَقًّا وَحَكَمْت عَلَيْهِ، فَإِنْ قَامَ أَحَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدُ مُخَاصَمَةَ الْمَقْضِيَّ لَهُ سَمِعَ الْقَاضِي مِنْ حُجَّتِهِ وَمِنْ بَيِّنَتِهِ، وَإِنْ قَالَ كَقَوْلِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ حَكَمَ عَلَيْهِ وَأَلْحَقَهُ بِهِ، وَلَمْ يَسْمَعْ حُجَّتَهُ وَلَا مِنْ بَيِّنَتِهِ، وَإِنْ جَاءَ بِغَيْرِ ذَلِكَ نَظَرَ لَهُ فِيهِ أَيْضًا وَلَا يُعَجَّزُ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي الشَّيْءِ يُقْضَى عَلَيْهِ ثُمَّ يَقُومُ أَحَدُ شُرَكَائِهِ يُرِيدُ الْمُخَاصَمَةَ فِيهِ أَيْضًا مِثْلَ ذَلِكَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا يُعَجَّزُ فِيهَا الطَّالِبُ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا مُسْتَوْفَاةً فِي فَصْلِ التَّأْجِيلِ وَالتَّلَوُّمِ وَالتَّعْجِيزِ فَانْظُرْهُ.
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ فُصُولٍ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي الْمَذْهَبِ يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ لَا يُمَكِّنَ الْمَرْأَةَ مِنْ النِّكَاحِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ مَا يَتَّصِلُ بِهِ إلَى ذَلِكَ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
стр. 168
الْأَوَّلُ: الْبِكْرُ الْيَتِيمَةُ الْبَلَدِيَّةُ إذَا أَرَادَتْ النِّكَاحَ، كَلَّفَهَا إثْبَاتَ يُتْمِهَا وَبَكَارَتِهَا وَبُلُوغِهَا وَخُلُوِّهَا مِنْ زَوْجٍ، وَأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوا أَنَّ أَبَاهَا أَوْصَى بِهَا إلَى أَحَدٍ، وَلَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ قَدَّمَ عَلَيْهَا مُقَدَّمًا، وَتُثْبِتُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا وَلِيَّ نَسَبٍ لَهَا، أَوْ أَنَّ لَهَا وَلِيًّا أَحَقَّ بِعَقْدِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، وَتُثْبِتُ كَفَاءَةَ الزَّوْجِ، وَأَنَّ الصَّدَاقَ صَدَاقُ مِثْلِهَا عَلَى مِثْلِهِ. قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: وَأَنَّهَا حُرَّةٌ، وَيَسْمَعُ الشُّهُودُ مِنْهَا رِضَاهَا بِالزَّوْجِ وَبِالصَّدَاقِ، وَأَنَّهَا فَوَّضَتْ الْقَاضِيَ فِي نِكَاحِهَا بِذَلِكَ وَسَمَاعُهُمْ مِنْهَا صَمْتًا لَا نُطْقًا.
الثَّانِي: الثَّيِّبُ الْبَلَدِيَّةُ وَإِذَا طَلَبَتْ الثَّيِّبُ الزَّوَاجَ كَلَّفَهَا أَنْ تُثْبِتَ أَصْلَ الزَّوْجِيَّةِ وَطَلَاقَ الزَّوْجِ لَهَا أَوْ وَفَاتَهُ عَنْهَا، وَأَنَّهَا لَمْ تُخَلِّفْ زَوْجًا إنْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ طُولٌ، وَأَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا، وَأَنَّ وَلِيَّهَا فُلَانٌ وَأَنَّهُ أَحَقُّ بِعَقْدِ نِكَاحِهَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ الْكَفَاءَةِ فِي الثَّيِّبِ فَتُثْبِتُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْأَبُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ وَيَأْتِي إلَى الْحَاكِمِ لِيُزَوِّجَ ابْنَتَهُ، فَقَدْ كَلَّفَهُ بَعْضُ قُضَاةِ الْعَصْرِ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لَهُ ابْنَةً.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ جَرَتْ عَادَةُ قُضَاةِ الْعَصْرِ بِمَنْعِ الْمَرْأَةِ الْمَبْتُوتَةِ مِنْ رَجْعَةِ مُطَلِّقِهَا حَتَّى تُثْبِتَ دُخُولَ الزَّوْجِ الثَّانِي بِهَا دُخُولَ اهْتِدَاءٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يَبِيتُ عِنْدَهَا وَيَتَصَرَّفُ عَلَيْهَا تَصَرُّفَ الْأَزْوَاجِ عَلَى الزَّوْجَاتِ، وَمَا عَلِمُوا فِي نِكَاحِهَا رِيبَةً وَلَا دُلْسَةً، وَأَمَّا لَوْ قَدِمَتْ مَبْتُوتَةٌ فَقَالَتْ تَزَوَّجْتُ فَأَرَادَ الَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ قَالَ إنَّهَا لَا تُصَدَّقُ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَتْ امْرَأَةٌ أَنَّ وَلِيَّهَا عَضَلَهَا، فَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُسْأَلَ الْوَلِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْعَقْدِ عَلَيْهَا سُئِلَ عَنْ وَجْهِ امْتِنَاعِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ مَا يُوجِبُهُ وَبِأَنَّ صَوَابَهُ تَرْكُهُ وَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ صَوَابُهُ، وَدَامَ عَلَى امْتِنَاعِهِ فَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُثْبِتَ رِضَاهَا وَالْكَفَاءَةَ، وَأَنَّهَا خُلُوٌّ مِنْ زَوْجٍ، وَفِي غَيْرِ عِدَّةٍ وَيُوَكِّلُ الْقَاضِي مَنْ يُنْكِحُهَا مِنْهُ، وَزَادَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ وَتُثْبِتُ حُرِّيَّتَهَا.
стр. 169
مَسْأَلَةٌ: يَتِيمَةٌ رَغِبَتْ فِي نِكَاحِ رَجُلٍ وَرَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْقَاضِي وَسَأَلَتْهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الزَّوْجَ كُفْءٌ لَهَا فِي حَالِهِ وَمَالِهِ وَجَمِيعِ أَسْبَابِهِ، وَأَنَّهَا يَتِيمَةٌ فِي سِنِّهَا، وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لَهَا وَصِيًّا مِنْ أَبٍ وَلَا وَكِيلًا مِنْ قَاضٍ وَلَا وَلِيَّ لَهَا غَيْرُ السُّلْطَانِ، وَأَنَّهَا خُلُوٌّ مِنْ زَوْجٍ فِي عِلْمِهِمْ، وَأَنَّهَا فِي غَيْرِ عِدَّةٍ مِنْ زَوْجٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُمْ مِنْ أَيْنَ عَلِمُوا أَنَّهُ كُفُؤٌ لَهَا.
مَسْأَلَةٌ: ادَّعَى رَجُلٌ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ أَبَاهُ غَابَ مُنْذُ سِنِينَ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً لَا يُعْلَمُ لَهَا مُسْتَقَرٌّ، وَتَرَكَ عِنْدَهُ أُخْتًا بِكْرًا، وَقَدْ احْتَاجَتْ وَصَارَتْ فِي ضَيْعَةٍ وَخَطَبَهَا كُفُؤٌ، فَيُلْزِمُهُ الْحَاكِمُ إثْبَاتَ مَا ذَكَرَ مِنْ غَيْبَةِ الْأَبِ وَانْقِطَاعِ خَبَرِهِ، وَالْجَهْلِ بِمَكَانِهِ، أَوْ أَنَّهُ أَسِيرٌ وَيُثْبِتُ حَاجَةَ الْأُخْتِ وَكَفَاءَةَ الزَّوْجِ وَرِضَاهَا بِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ يُزَوِّجُهَا مِنْ ذَلِكَ الْخَاطِبِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ الْبِنْتُ هِيَ الْقَائِمَةَ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، كَلَّفَهَا إثْبَاتَ ذَلِكَ ثُمَّ زَوَّجَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا تَدَاعَى رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الزَّوْجِيَّةِ وَأَقَرَّا بِالزَّوْجِيَّةِ فَإِنْ كَانَا طَارِئَيْنِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُمَا الْحَاكِمُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَادَّعَيَا وُقُوعَ الزَّوْجِيَّةِ فِي الْبَلَدِ كَلَّفَهُمَا إثْبَاتَ النِّكَاحِ، وَسَأَلَهُمَا عَنْ الْوَلِيِّ الْعَاقِدِ وَالشُّهُودِ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ بَانَ لَهُ كَذِبُهُمَا، وَأَقَرَّا بِالْوَطْءِ أَقَامَ عَلَيْهِمَا الْحَدَّ، اُنْظُرْ ابْنَ سَهْلٍ فِي الثَّانِي مِنْهُ فِي امْرَأَةٍ ادَّعَتْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَرَّبَ وَلَدَهَا.
مَسْأَلَةٌ: إذَا أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُزَوِّجَ يَتِيمَةً تَحْتَ نَظَرِهِ مِنْ وَلَدِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُثْبِتَ عِنْدَ الْقَاضِي رِضَا الْيَتِيمَةِ بِالزَّوْجِ، وَالسَّدَادَ فِي صَدَاقِهَا، وَأَنَّ الزَّوْجَ كُفُؤٌ لَهَا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَحِينَئِذٍ يَأْذَنُ لَهُ الْقَاضِي أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ وَلَدِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ وَكَّلَ الْقَاضِي غَيْرَهُ عَلَى الْعَقْدِ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ سَهْلٍ.
وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: لَا مَعْنَى لِمَا قَالَهُ هَذَا الْمُفْتِي؛ لِأَنَّ الْمَحْذُورَ قَدْ زَالَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ أَنْكَحَ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ مِنْ رَجُلٍ ثُمَّ غَابَ عَنْهَا الزَّوْجُ قَبْلَ بِنَائِهِ بِهَا غَيْبَةً طَوِيلَةً فِي الْقَيْرَوَانِ، فَقَامَ أَبُوهَا عِنْدَ الْقَاضِي يُرِيدُ تَطْلِيقَهَا
стр. 170
عَلَيْهِ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ، وَامْتَنَعَ هُوَ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُثْبِتَ عِنْدَ الْقَاضِي مَغِيبَ الزَّوْجِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُخَلِّفْ لَهَا شَيْئًا وَلَا أَرْسَلَ إلَيْهَا بِشَيْءٍ، وَلَا رَجَعَ مِنْ غَيْبَتِهِ، ثُمَّ يَتَلَوَّمُ الْقَاضِي عَلَيْهِ شَهْرَيْنِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ: وَلَا بُدَّ أَنْ يُثْبِتَ قِيَامَ الْأَبِ عَنْهَا بِتَوْكِيلِهَا إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ قِيَامٌ فِي ذَلِكَ إلَّا بِتَوْكِيلِهَا إيَّاهُ، إذْ لَهَا أَنْ تَتَرَبَّصَ عَلَى زَوْجِهَا وَتُنْظِرَهُ وَتُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ مَالِهَا وَعَمَلِ يَدَيْهَا، وَالْيَمِينُ عَلَى الزَّوْجَةِ لَا عَلَى الْأَبِ، فَإِذَا حَلَفَتْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا، وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا صِفَةُ يَمِينِهَا. وَأَفْتَى أَبُو عُمَرَ بْنُ رَشِيقٍ فَقِيهُ الْمَرِيَّةِ إذَا ثَبَتَ الْمَغِيبُ وَسَأَلَ النَّفَقَةَ عَلَى ابْنَتِهِ بِتَوْكِيلِهَا إيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَهَا النَّفَقَةُ، مِنْ حِينِ قَامَتْ، وَيَضْرِبُ السُّلْطَانُ أَجَلَ شَهْرَيْنِ، فَإِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ حَلَفَتْ الزَّوْجَةُ أَنَّهُ مَا تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلَا كِسْوَةً وَلَا شَيْئًا تُمَوِّنُ بِهِ نَفْسَهَا، وَلَا تَعْلَمُ لَهُ مَالًا تَرْجِعُ فِيهِ، وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ انْقَطَعَتْ بَيْنَهُمَا، وَتَثْبُتُ هَذِهِ الْيَمِينُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَيَكُونُ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَتَتَزَوَّجُ سَاعَتَئِذٍ، وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا إذَا لَمْ يَبْنِ بِهَا.
مَسْأَلَةٌ: إذَا شَكَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا الضَّرَرَ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُهَا بِإِثْبَاتِ مَا ذَكَرَتْهُ، وَإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَتْهُ بَعْدَ تَبْيِينِهَا الضَّرَرَ مَا هُوَ وَكَيْفَ هُوَ. فَلَعَلَّ الضَّرَرَ كَانَ عِنْدَهَا مَنْعَهَا مِنْ الْحَمَّامَاتِ، وَتَأْدِيبَهَا عَلَى تَعْطِيلِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا أَثْبَتَتْ ضَرَرًا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ بِهَا وُقِفَ عَلَيْهِ زَوْجُهَا، فَرُبَّمَا أَقَرَّ بِهِ فَأَسْقَطَ كُلْفَةَ الْإِثْبَاتِ عَنْهَا، وَإِنْ أَنْكَرَ دَعْوَاهَا أُمِرَتْ حِينَئِذٍ بِإِحْضَارِ بَيِّنَةٍ إنْ كَانَتْ مَعًا، فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْهَا وَتَكَرَّرَتْ شَكْوَاهَا كَشَفَ الْقَاضِي عَنْ أَمْرِهَا مِنْ جِيرَانِهَا إنْ كَانَ فِيهِمْ عُدُولٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عُدُولٌ أُمِرَ زَوْجُهَا أَنْ يُسْكِنَهَا فِي مَوْضِعٍ حَوْلَهُ الْجِيرَانُ الْعُدُولُ، فَإِنْ بَانَ لَهُ مِنْ ضَرَرِهَا مَا يُوجِبُ تَأْدِيبَ زَوْجِهَا عَلَيْهِ أَدَّبَهُ وَنَهَاهُ عَنْ الْعَوْدَةِ إلَى مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا شَرْطٌ فِي الضَّرَرِ أَبَاحَ لَهَا الْأَخْذَ بِهِ، وَإِنْ عَمَى عَلَيْهِ خَبَرُهَا وَرَأَى إسْكَانَهُمَا مَعَ ثِقَةٍ يَتَفَقَّدُ أَمْرَهُمَا أَوْ إسْكَانَ ثِقَةٍ مَعَهُمَا نَظَرَ فِي ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ، وَإِنَّمَا الْحُكْمَانِ إذَا اشْتَكَى الزَّوْجَانِ بَعْضُهُمَا بَعْضًا وَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّ صَاحِبَهُ يَضُرُّ بِهِ، وَانْتَفَى هُوَ مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْآخَرِ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْ تَشَكِّيهِمَا عَلَى الْحَاكِمِ،
стр. 171
وَلَمْ يَبِنْ لَهُ أَمْرُهُمَا، وَخَافَ الشِّقَاقَ بَيْنَهُمَا، فَحِينَئِذٍ يَبْعَثُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، اُنْظُرْ أَحْكَامَ ابْنِ سَهْلٍ فِي بَابِ الطَّلَاقِ فِي مَسْأَلَةِ شَكْوَى ابْنَةِ تَمَّامٍ الْوَزِيرِ بِزَوْجِهَا فَقَدْ أَوْعَبَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِهَا وَبَيَانِهَا.
مَسْأَلَةٌ: لَا تَجِبُ الْمُلَاعَنَةُ إذَا كَانَ الزَّوْجُ وَالْمَرْأَةُ مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الزَّوْجِيَّةُ لَزِمَ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ لَزِمَتْ الْمُلَاعَنَةُ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الزَّوْجِيَّةُ مَسْأَلَةٌ: مَنْ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ بِدَعْوَى فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ لَهُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى يَمِينٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى تَثْبُتَ الْخُلْطَةُ بَيْنَهُمَا، إلَّا فِي مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي مَسَائِلِ الْخُلْطَةِ.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ أَتَى الْقَاضِي مُتَعَلِّقًا بِرَجُلٍ يَرْمِيهِ بِدَمِ وَلِيِّهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا جَاءَهُ مِثْلُ هَذَا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْمُرَ الْمُدَّعِيَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ وَلِيُّ الدَّمِ، فَإِذَا ثَبَتَ لَهُ قَوَدُهُ مِنْ الْمُدَّعِي دَمَهُ كَشَفَ هَلْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَاهُ أَمْ لَا، وَلَا يَسْأَلُهُ عَنْ الْبَيِّنَةِ قَبْلَ ثُبُوتِ قَوَدِهِ مِنْ ابْنِ سَهْلٍ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ الْوَصِيَّةِ: إذَا ادَّعَى عَلَى الْوَصِيِّ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَالْوَرَثَةُ صِغَارٌ فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ وَصِغَرِ الْوَرَثَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كَانَتْ الْخُصُومَةُ مَعَ الْوَصِيِّ حِينَئِذٍ غَيْرَ أَنَّ الْوَصِيَّ لَا يُكَلَّفُ جَوَابًا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ إنْكَارَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَلَكِنْ يَحْضُرُ؛ لِيَعْلَمَ مَنْ شَهِدَ عَلَى الْمَيِّتِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَعْوَنَ لَهُ فِي مَدْفَعٍ إنْ رَامَهُ.
مَسْأَلَةُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ زَرِيعَةً وَزَرَعَهَا فَلَمْ تَنْبُتْ، فَإِنْ وَجَدَ مِنْ تِلْكَ الزَّرِيعَةِ بَقِيَّةً فَإِنَّهَا تُجَرَّبُ، فَيُعْرَفُ صِدْقُ الْمُشْتَرِي مِنْ كَذِبِهِ، فَيَجِبُ لَهُ إذَا عَرَفَ صِدْقَهُ الرُّجُوعُ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْبَائِعُ مُدَلِّسًا، وَبِجَمِيعِ الثَّمَنِ إنْ كَانَ مُدَلِّسًا، وَلَا يَجِبُ لَهُ شَيْءٌ إذَا عُرِفَ كَذِبُهُ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا مَا تُجَرَّبُ بِهِ كُلِّفَ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ زَرَعَهَا فِي أَرْضِ تُرْبَةٍ تُنْبِتُ فَلَمْ تَنْبُتْ، فَإِذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الرُّجُوعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ حَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى الْعِلْمِ أَنَّهُ مَا عَلِمَ أَنَّهَا لَا تَنْبُتُ، مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ.
стр. 172
مَسْأَلَةٌ: مِنْ الْقِسْمَةِ: وَفِي الْوَاضِحَةِ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي إذَا سَأَلَهُ الْوَرَثَةُ أَوْ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ مَا وَرِثُوهُ أَنْ يَأْمُرَ بِقَسْمِ ذَلِكَ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ إنْ كَانَ مِلْكًا لِلْهَالِكِ، وَمَالًا مِنْ أَمْوَالِهِ حَتَّى مَاتَ عَنْهُ، وَأَنَّ الْهَالِكَ كَانَ سَاكِنًا فِي تِلْكَ الدَّارِ إنْ كَانَتْ دَارًا، كَمَا يَسْكُنُ الرَّجُلُ دَارَ نَفْسِهِ، حَتَّى هَلَكَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَرْيَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْمَةِ حَتَّى يَأْتُوهُ بِمَنْ يَحُوزُ مَا كَانَ سَهْمًا لِلْهَالِكِ وَصِفَتُهُ فِي كِتَابٍ وَشُهُودٍ يَعْرِفُونَهُ مِلْكًا لِلْهَالِكِ أَوْ فِي يَدَيْهِ وَعِمَارَتِهِ حَتَّى هَلَكَ عَنْهُ، خِيفَةَ أَنْ يُدْخِلُوا فِي قِسْمَتِهِمْ مَا لَيْسَ لَهُمْ بِحَقٍّ. اُنْظُرْ كَيْفَ جَعَلَ الشَّهَادَةَ بِالْيَدِ، وَالِاعْتِمَارُ كَالشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ، وَانْظُرْ مَا فِي السَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: فِي الَّذِي يَكُونُ بِيَدِهِ الدَّارِ فَيَأْتِيهِ رَجُلٌ فَيَقُولُ إنَّهَا لِجَدِّهِ، هَلْ يَلْزَمُ الَّذِي بِيَدِهِ الدَّارُ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، قَالَ الْقَاضِي ابْنُ زَرْبٍ: وَهَذَا بَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ الطَّالِبُ مَوْتَ جَدِّهِ وَعِدَّةَ وَرَثَتِهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ جَدُّهُ حَيًّا أَوْ لَا يَكُونُ هُوَ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ فِي حُكْمِ الْجَوَابِ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ الْحَجْرِ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي مَسَائِلِ الْمَحْجُورِ: فِي بِكْرٍ يَتِيمَةٍ رَفَعَتْ إلَى الْقَاضِي كِتَابًا تَشْكُو فِيهِ حَالَهَا وَسُوءَ مَوْضِعِهَا، فَاَلَّذِي يَجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَبْعَثَ الْقَاضِي رَجُلَيْنِ يَعْرِفَانِهَا بِالْكِتَابِ الَّذِي رُفِعَ إلَى الْقَاضِي، فَإِذَا أَقَرَّتْ بِهِ سَأَلَ الْقَاضِي عَنْ حَالِهَا فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مَوْتُ أَبِيهَا وَأَنَّهُ لَا نَاظِرَ لَهَا بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَبٍ وَلَا بِوِلَايَةٍ مِنْ قَاضٍ، وَأَنَّهَا بِحَالٍ مَكْرُوهٍ، وَكَّلَ الْقَاضِي لَهَا مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِهَا وَيُقِيمُهُ مَقَامَ الْوَصِيِّ، وَيُخْرِجُهَا إلَى مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ لِلْحَالَةِ الَّتِي اشْتَكَتْ إلَيْهَا بِهَا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْجُزُولِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: لَا يَكُونُ الْحَاكِمُ وَلِيًّا فِي النِّكَاحِ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَصْلًا: وَهِيَ كَوْنُهَا صَحِيحَةً بَالِغَةً غَيْرَ مُحْرِمَةٍ، وَلَا مُحَرَّمَةً عَلَى الزَّوْجِ وَأَنَّهَا حُرَّةٌ، وَأَنَّهَا بِكْرٌ أَوْ ثَيِّبٌ، وَأَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا أَوْ عَضَلَهُ لَهَا، أَوْ غَيْبَتَهُ، وَخُلُوُّهَا مِنْ الزَّوَاجِ وَالْعِدَّةِ، وَرِضَاهَا بِالزَّوْجِ وَالصَّدَاقِ، وَأَنَّهُ كُفْءٌ لَهَا فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ، وَأَنَّ الْمَهْرَ مَهْرُ مِثْلِهَا فِي غَيْرِ الْمَالِكَةِ أَمْرَ نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ بَالِغَةٍ فَيُثْبِتُ فَقْرَهَا، وَأَنَّهَا بِنْتُ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ مِنْ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ.
стр. 173
مَسْأَلَةٌ: إذَا طَلَبَ أَبُو الِابْنَةِ صِهْرَهُ بِالنَّقْدِ مِنْ الصَّدَاقِ وَالْبِنَاءِ بِأَهْلِهِ فَلَا يُسْمَعُ دَعْوَاهُ حَتَّى تَثْبُتَ عِنْدَهُ الزَّوْجِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ، ثُمَّ حِينَئِذٍ يُلْزِمُ الزَّوْجَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَإِنْ ادَّعَى الْإِعْسَارَ كَلَّفَهُ إثْبَاتَ عَدَمِهِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْآجَالِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى الطَّالِبُ أَنَّ الْمَطْلُوبَ تَغَيَّبَ وَدَعَا إلَى الطَّبْعِ عَلَى دَارِهِ أَوْ تَسْمِيرِهَا حَسَبَ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُ تَغَيَّبَ، وَيُثْبِتُ أَنَّ تِلْكَ الدَّارَ هِيَ دَارُ الْمَطْلُوبِ، وَحِينَئِذٍ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ الْوَكَالَةِ: لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي مِنْ أَحَدٍ دَعْوَى الْوَكَالَةِ حَتَّى يُثْبِتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِ الْمُوَكِّلِ، وَيَثْبُتُ عِنْدَهُ أَيْضًا عَيْنُ الْوَكِيلِ إمَّا بِالشَّاهِدَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَوْ بِغَيْرِهِمَا. وَإِذَا حَضَرَ الْوَكِيلُ وَالْخَصْمُ وَتَقَارَّا عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ فَلَا يُحْكَمُ بَيْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِغَيْرِهِمَا يُتَّهَمَانِ عَلَى التَّوَاطُؤِ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَدَّقَ الْخَصْمُ الْوَكِيلَ فِي الدَّعْوَى وَاعْتَرَفَ بِالْمُدَّعَى بِهِ لَمْ يُجْبِرْهُ الْحَاكِمُ عَلَى دَفْعِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، حَتَّى يُثْبِتَ عِنْدَهُ صِحَّةَ الْوَكَالَةِ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ: وَمَنْ اشْتَرَى أَمَةً وَادَّعَى أَنَّهَا تَبُولُ فِي الْفِرَاشِ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حَتَّى يُثْبِتَ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ بِانْفِرَادِهَا.
مَسْأَلَةٌ: الْقَائِمُ بِالضَّرَرِ فِي الْعَقَارِ لَا يَحْكُمُ لَهُ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ الَّذِي يَدْفَعُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي كُلِّ ضَرَرٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ بَابِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ: وَفِي طُرَرِ التَّهْذِيبِ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجِ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ: إذَا قَامَ رَجُلٌ بِعَيْبٍ فِي سِلْعَةٍ وَاَلَّذِي بَاعَهَا غَائِبٌ، وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُهُ إثْبَاتَ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: أَنَّهُ ابْتَاعَ، وَأَنَّهُ نَقَدَ الثَّمَنَ، وَأَنَّهُ كَذَا وَكَذَا، وَأَمَدَ التَّبَايُعِ، وَإِثْبَاتَ الْعَيْبِ الَّذِي يُوجِبُ الرَّدَّ، وَهُوَ كُلُّ مَا يَنْقُصُ الثَّمَنَ، وَأَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ أَمَدِ التَّبَايُعِ، وَإِثْبَاتَ الْغَيْبَةِ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ أَهِيَ بَعِيدَةٌ أَوْ قَرِيبَةٌ، ثُمَّ يُكَلِّفُهُ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ: أَنَّهُ ابْتَاعَ بَيْعًا صَحِيحًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمَهُ بِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، وَأَنَّهُ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَيْعِ وَرَضِيَ بِهِ، وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ.
стр. 174
مَسْأَلَةٌ مِنْ بَابِ الرَّهْنِ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي آخِرِ كِتَابِ السُّلْطَانِ: الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَحْكُمُ لِلْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الرَّهْنِ حَتَّى يُثْبِتَ عِنْدَهُ الرَّهْنُ وَالدَّيْنُ وَمِلْكُ الرَّاهِنِ لَهُ، وَيُحَلِّفُهُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ مَا وَهَبَ دَيْنَهُ وَلَا قَبَضَهُ وَلَا أَحَالَ بِهِ وَلَا اسْتَحَالَ بِهِ، وَأَنَّهُ لَبَاقٍ عَلَيْهِ إلَى حِينِ قِيَامِهِ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ بَابِ الشُّفْعَةِ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ إذَا قَامَ الشَّفِيعُ يَطْلُبُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، وَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ حَكَمَ لَهُ بِالْأَخْذِ مِنْ الْمُسْتَشْفَعِ مِنْهُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِيَّتِهَا وَثُبُوتِ الشِّرَاءِ وَثُبُوتِ غَيْبَةِ الْمُبْتَاعِ إنْ كَانَ غَائِبًا وَتُرْجَأُ الْحُجَّةُ لَهُ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِيَّتِهَا، يَعْنِي أَنَّ الْقَائِمَ بِالشُّفْعَةِ يَلْزَمُهُ أَنْ يُثْبِتَ مِلْكِيَّتَهُ لِلْحِصَّةِ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَسْتَشْفِعَ بِهَا، وَتَثْبُتُ مِلْكِيَّةُ الْبَائِعِ لِلْحِصَّةِ الَّتِي يُرِيدُ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ، وَيُثْبِتُ الْمُبْتَاعُ الشِّرَاءَ مِنْ شَرِيكِ الْقَائِمِ بِالشُّفْعَةِ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ الدَّعَاوَى: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ دَيْنًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ الْمَيِّتِ أَوْ مُوَرِّثِهِ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُثْبِتَ مَوْتَ مُوَرِّثِهِ وَعِدَّةَ وَرَثَتِهِ؛ لِيَعْلَمَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِمَّا يَدَّعِيهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي صِحَّةِ مَا يَدَّعِيهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ عِنْدَهُ عُرُوضًا أَوْ نَحْوَهَا لِمَوْرُوثِهِ وَادَّعَى أَنَّهَا صَارَتْ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ، فَيَلْزَمُهُ إثْبَاتُ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ وَعِدَّةِ وَرَثَتِهِ وَانْتِقَالِ الْمِيرَاثِ إلَيْهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الدَّعْوَى فَإِنْ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْخُلْطَةِ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى بِهِ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُدَّعِي إثْبَاتُ الْخُلْطَةِ، فَإِذَا ثَبَتَتْ أَوْ شَهِدَ بِهَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَيَنْظُرُ، فَإِنْ ادَّعَى عَلَيْهِ الْعُرُوضَ وَالثِّيَابَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ فَالْيَمِينُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَاهَا مِنْ طَرِيقِ غَصْبٍ أَوْ عِدَاءٍ فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْعِدَاءِ وَالتُّهَمِ لَزِمَتْهُ الْيَمِينُ، وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ يَمِينٌ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ بَابِ الْحَجْرِ: إذَا رُفِعَ إلَى الْحَاكِمِ مَالُ يَتِيمٍ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَبِيعَهُ لِضَرُورَتِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ مِلْكِهِ وَحِيَازَتِهِ، وَالْحَاجَةُ إلَى الْبَيْعِ، وَكَوْنُهُ أَيْسَرَ مَا يُبَاعُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي رَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي وَصِيًّا فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ وَصِيَّتِهِ، وَإِثْبَاتِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالْبَيْعِ، وَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنْ ثُبُوتِ انْتِهَاءِ الرَّغَبَاتِ وَالسَّدَادِ فِي الثَّمَنِ. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ: بَيْعُ الْحَاضِنِ لِلْأُصُولِ لَا يَصِحُّ أَيْ لَا يَمْضِي حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ لِلْمُبْتَاعِ بِمَعْرِفَةِ سَبْعَةِ شُرُوطٍ، فِي تَارِيخِ الْبَيْعِ وَهِيَ الْيُتْمُ، وَالْحَضَانَةُ، وَالْحَاجَةُ إلَى بَيْعِ مَا بِيعَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَكُونَ لَهُ
стр. 175
عُرُوضٌ وَلَا قَرْضٌ غَيْرُ أُصُولِهِ، وَلَا يُمْكِنُ التَّحَيُّلُ عَلَى إقَامَةِ مَعِيشَتِهِ مِنْ صِنَاعَةٍ أَوْ تَصَرُّفٍ فِي غَيْرِ وَجْهِ الْمَسْأَلَةِ لِلنَّاسِ، وَالسَّدَادِ فِي الثَّمَنِ، وَأَنَّ الْمَبِيعَ أَحَقُّ مَا بِيعَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ تَافِهًا لَا بَالَ لَهُ ثَمَنُ عِشْرِينَ دِينَارًا فَدُونَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ الْيَتِيمِ الْوَاحِدِ، وَأَنَّ الثَّمَنَ صُرِفَ فِي مَصَالِحِ الْيَتِيمِ وَانْتَفَعَ بِهِ فِي حِينِ الْبَيْعِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ أَصْبَغَ وَبِهِ الْعَمَلُ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ بَابِ التَّفْلِيسِ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إذَا قَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْمِدْيَانِ فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يُكَلِّفَهُمْ إثْبَاتَ دُيُونِهِمْ ثُمَّ يُعْذِرُ إلَى الْمُفْلِسِ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَإِلَى كُلِّ وَاحِدٍ فِي دَيْنِ صَاحِبِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَبِيعُ الْقَاضِي مَالًا حَتَّى يُثْبِتَ الْغُرَمَاءُ عِنْدَهُ أَنَّ مَا يَطْلُبُونَ بَيْعَهُ مِلْكٌ لِلْمُفْلِسِ، اُنْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ الْوَدِيعَةِ: إذَا أَتَى رَجُلٌ إلَى الْحَاكِمِ وَقَالَ لَهُ: فُلَانًا دَفَعَ إلَيَّ أَوْ بَعَثَ إلَيَّ دَنَانِيرَ وَذَكَرَ أَنَّهَا لِوَرَثَةِ فُلَانٍ، وَأَنْ أَدْفَعَهَا بِأَمْرِ الْحَاكِمِ إلَيْهِمْ، فَالْحُكْمُ فِي هَذَا أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ عِدَّةُ الْوَرَثَةِ، وَأَقَرَّ هَذَا أَنَّ الْغَائِبَ أَمَرَهُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِمْ، كَتَبَ لَهُ الْحَاكِمُ أَنَّك ذَكَرْت أَنَّ فُلَانًا أَمَرَك بِدَفْعِ ذَلِكَ إلَى وَرَثَةِ فُلَانٍ بِأَمْرِي، وَأَنِّي أَمَرْتُك أَنْ تَدْفَعَهَا الْيَوْمَ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُمْ وَرَثَةُ فُلَانٍ.
مَسْأَلَةٌ مِنْ النِّكَاحِ: إذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ تَدَّعِي بِشَرْطٍ فِي كِتَابِ صَدَاقِهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ تُثْبِتَ كِتَابَ الصَّدَاقِ حَتَّى يَثْبُتَ الشَّرْطُ.
مَسْأَلَةٌ: فِي الْمَرْأَةِ تُرِيدُ الْفِرَاقَ مِنْ زَوْجِهَا بِشَرْطِ الْمَغِيبِ عَنْهَا، وَإِذَا شَرَطَ الْمَغِيبَ عَنْهَا، وَإِذَا شَرَطَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ أَنَّهُ إنْ غَابَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، فَقَامَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ تُرِيدُ الْأَخْذَ بِشَرْطِهَا، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُكَلِّفُهَا إثْبَاتَ الزَّوْجِيَّةِ وَالشَّرْطِ الَّذِي ادَّعَتْهُ وَغَيْبَتِهِ عَنْهَا، ثُمَّ يُحَلِّفُهَا فِي الْجَامِعِ لَقَدْ غَابَ عَنْهَا أَزْيَدَ مِنْ كَذَا وَمَا أَذِنَتْ لَهُ فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا رَجَعَ إلَيْهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا، وَمَا أَسْقَطَتْ شَرْطَهَا عَنْهُ، وَمَا كَانَ سُكُوتُهَا تَرْكًا مِنْهَا لِشَرْطِهَا، وَمَا عَلِمَتْ بِانْقِطَاعِ عِصْمَتِهَا مِنْهُ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَبَاحَ لَهَا الْأَخْذَ بِشَرْطِهَا.
مَسْأَلَةٌ: فِي الْمَرْأَةِ تُرِيدُ الْفِرَاقَ مِنْ زَوْجِهَا الْغَائِبِ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ، وَإِذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ كَلَّفَهَا الْقَاضِي إثْبَاتَ الزَّوْجِيَّةِ وَالْغَيْبَةِ وَاتِّصَالِهَا،
стр. 176
وَأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوهُ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلَا بَعَثَ إلَيْهَا بِشَيْءٍ فَوَصَلَهَا، وَلَا أَحَالَهَا بِهَا فَاسْتَحَالَتْ، وَلَا أَحَالَتْ عَلَيْهِ أَحَدًا بِهَا وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهَا فَاسْتَحَالَتْ وَلَا وَكَّلَتْ أَحَدًا عَلَى قَبْضِهَا مِنْهُ، وَلَا طَاعَ أَحَدٌ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا بِسَبَبِهِ، وَلَا رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ دُونَ نَفَقَةٍ، وَلَا لَهُ مَالٌ تَعَدَّى فِيهِ بِنَفَقَتِهَا، فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْفُصُولُ عِنْدَهُ نَظَرَ فِي الْغَيْبَةِ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً أَعْذَرَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً أَوْ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْمَكَانِ أَجَّلَهَا الْقَاضِي بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ.
وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ اسْتَظْهَرَ عَلَيْهَا بِالْيَمِينِ، وَوَجَّهَ لِحُضُورِ يَمِينِهَا عَدْلَيْنِ، فَتَحْلِفُ أَنَّهُ مَا رَجَعَ إلَيْهَا مِنْ غَيْبَتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا إلَى حِينِ يَمِينِهَا هَذِهِ، وَلَا تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً قَلِيلَةً وَلَا كَثِيرَةً، وَتَذْكُرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُصُولِ الْمَشْهُودِ بِهَا. ثُمَّ تَقُولُ: وَمَا عَلِمْت أَنَّ عِصْمَةَ النِّكَاحِ انْقَطَعَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى الْآنَ، فَإِذَا ثَبَتَتْ يَمِينُهَا عِنْدَهُ طَلَّقَهَا عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ وَإِذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ الطَّلَاقَ لِلْغَيْبَةِ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْوَحْشَةِ وَعَدَمِ الْإِصَابَةِ وَكَانَ مَفْقُودًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُكَلِّفُهَا إثْبَاتَ الزَّوْجِيَّةِ وَاتِّصَالِهَا إلَى حِينِ الْقِيَامِ وَأَنَّ زَوْجَهَا غَابَ عَنْهَا وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ وَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ بَحَثَ عَنْهُ وَذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي مَحَلِّهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي مَمْلُوكَةٍ قَامَتْ فِي مَغِيبِ سَيِّدِهَا بِعَدَمِ النَّفَقَةِ، وَذَكَرَتْ أَنَّ سَيِّدَهَا غَابَ عَنْهَا وَتَرَكَهَا بِلَا شَيْءٍ تُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهَا شَيْئًا، وَسَأَلَتْ الْحَاكِمَ النَّظَرَ فِي أَمْرِهَا، فَكَلَّفَهَا مَا يَجِبُ إثْبَاتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهَا أَثْبَتَتْ عِنْدَهُ مِلْكَ سَيِّدِهَا إيَّاهَا وَمَغِيبَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُخَلِّفْ عِنْدَهَا شَيْئًا لِنَفَقَتِهَا، وَلَا أَرْسَلَ شَيْئًا إلَيْهَا، وَأَنَّهَا لَا مَالَ لَهَا وَلَا مَالَ تَعَدَّى فِيهِ بِنَفَقَتِهَا، وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَأْمُرُ الْحَاكِمُ بِبَيْعِهَا وَيَقْبِضُ ثَمَنَهَا لِلْغَائِبِ وَيُوقِفُهُ عِنْدَهُ، أَوْ عِنْدَ ثِقَةٍ غَيْرِهِ حَتَّى يَقْدُمَ الْغَائِبُ.
مَسْأَلَةٌ: فِيهَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْمُفْتِينَ فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ بَعْضَ الْقُضَاةِ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُهُمْ بَيَانُهُ مِمَّا يَجِبُ إثْبَاتُهُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَثْبَتَ عِنْدَهُ مَوْتَ زَوْجَتِهِ فُلَانَةَ وَعِدَّةَ وَرَثَتِهَا وَهُمْ زَوْجُهَا الْقَائِمُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَأُخْتُهَا الْحَاضِرَةُ، وَأَخُوهَا الْغَائِبُ بِالْمَشْرِقِ، وَأَثْبَتَ لِلْمَيِّتَةِ شِرْكًا فِي دَارٍ مَعَ أَخِيهَا الْغَائِبِ، وَأَنَّهَا أَوْصَتْ بِثُلُثِهَا لِأُخْتِهَا وَأَعْذَرَ
стр. 177
الْقَاضِي فِي الْوَصِيَّةِ إلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتَةِ بِمَا وَجَبَ أَنْ يُعْذِرَ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَدْفَعٌ فِي ذَلِكَ. وَسَأَلَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ قَسْمَ الدَّارِ الَّتِي ثَبَتَ حَظُّ الْغَائِبِ فِيهَا، وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الَّذِي يَصِيرُ مِنْ الدَّارِ لِأَقَلِّهِمْ نَصِيبًا مِنْهَا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِلسُّكْنَى بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَسَأَلَ هَذَا الرَّجُلُ الْقَائِمُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِبَيْعِ الدَّارِ إذْ لَا تَحْتَمِلُ الْقَسْمَ وَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِ الْمَيِّتَةِ مِنْهَا لِتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهَا، وَلِمَا دَعَا إلَيْهِ زَوْجُ الْمَيِّتَةِ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ مِنْهَا، وَسَأَلَ الْقَائِمُ أَنْ يُوَكِّلَ الْقَاضِي لِلْغَائِبِ مَنْ يَبِيعُ نَصِيبَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَكَامَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي أَحَبَّ مَعْرِفَةَ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ، وَكَتَبَ إلَيْهِ الْمُفْتُونَ الَّذِي نَقُولُ بِهِ - وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ - أَنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُوَكِّلَ لِلْغَائِبِ مَنْ يَبِيعُ عَلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنْ الدَّارِ مَعَ مَنْ يُشْرِكُهُ فِيهَا مِنْ الْحَاضِرِينَ، وَيَقْبِضُ الْوَكِيلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ لَهُ إلَى أَنْ يَقْدُمَ وَيُنَفِّذَ وَصِيُّ الْمَرْأَةِ وَصِيَّتَهَا مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا عَلَى مَا يَجِبُ.
قَالَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ لُبَابَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَتَابَعَهُمَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ: تُرْجَأُ الْحُجَّةُ لِلْغَائِبِ، وَتَابَعَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ الْمُشَاوِرِينَ. اسْتِدْرَاكٌ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَجَوَابُهَا إغْفَالٌ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا ثُبُوتَ مَغِيبِ أَخِي الْمَيِّتَةِ، إنَّمَا ذَكَرَ فِي الْفُتْيَا عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ غَيْبَةَ الْغَائِبِ بِالْمَشْرِقِ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَغِيبِهِ وَاتِّصَالِهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ رَجَعَ مِنْ مَغِيبِهِ إلَى حِينِ الشَّهَادَةِ، وَأَيْضًا لَمْ يُبَيِّنْ فِي الْفُتْيَا حَظَّ الْمَيِّتَةِ كَمْ هُوَ مِنْ الدَّارِ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَأَثْبَتَ لِلْمَيِّتَةِ شِرْكًا فِي دَارٍ مَعَ أَخِيهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ نَصِيبَهَا مِنْ نَصِيبِهِ، وَلَا مِلْكَهَا لِذَلِكَ النَّصِيبِ، وَلَا مِلْكَ أَخِيهَا لِبَاقِي الدَّارِ وَلَا حِيَازَتَهُمَا، وَلَا يَجِبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِقَسْمِهَا وَلَا بِالْبَيْعِ عَلَى الْغَائِبِ حَتَّى يَثْبُتَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَاتِّصَالُ الْمِلْكِ عَلَى مَا يَجِبُ وَأَيْضًا، وَقَعَ فِي السُّؤَالِ أَنَّ الْمَيِّتَةَ أَوْصَتْ بِثُلُثِهَا لِأُخْتِهَا وَهِيَ وَارِثَتُهَا، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ وَهُوَ إجْمَاعٌ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ وَبَعْضُهُمْ هُنَا غَائِبٌ، وَقَالُوا: إنَّ وَصِيَّ الْمَيِّتَةِ يُنَفِّذُ وَصِيَّتَهَا، وَهَذَا لَا يَكُونُ مَعَ غَيْبَةِ الْغَائِبِ، وَأَيْضًا أَنَّهُ وَقَعَ فِي السُّؤَالِ أَنَّهُ أَعْذَرَ، وَالْإِعْذَارُ فِي شَيْءٍ نَاقِصٍ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَأَيْضًا إنَّهُمْ قَالُوا فِي جَوَابِهِمْ
стр. 178
أَنَّهُ يُنَفِّذُ الْوَصِيَّةَ وَصِيُّهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا مَنْ هُوَ، وَلَا أَنَّهُ قَبِلَ الْإِيصَاءَ أَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُ ذِكْرُهُ وَثُبُوتُهُ.
وَخَصَّصَ ابْنُ وَلِيدٍ فِي جَوَابِهِ إرْجَاءَ الْحُجَّةِ لِلْغَائِبِ فِي وَصِيَّةِ أُخْتِهِ، وَمِنْ حَقِّهِ إرْجَاؤُهَا لَهُ فِي مَبْلَغِ نَصِيبِهِ مِنْ الدَّارِ، وَفِي بَيْعِهِ عَلَيْهِ إذْ قَدْ يُبَاعُ بِبَخْسٍ مِنْ الثَّمَنِ وَفِي الشَّهَادَةِ بِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَنْقَسِمُ، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ فَوَائِدُ يُتَنَبَّهُ بِهَا عَلَى طَرِيقِ الْفُتْيَا وَالْحُكْمِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي الْقِسْمَةِ: قَامَ عِنْدَ الْقَاضِي رَجُلٌ فِي طَلَبِ قِسْمَةِ دَارٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْغَائِبِ، فَأَلْزَمَهُ إثْبَاتَ مِلْكِيَّتِهِمَا لِلدَّارِ وَأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَإِثْبَاتَ مَغِيبِ أَخِيهِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ تُحَازُ وَحِينَئِذٍ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً وَالطَّرِيقُ آمِنَةً مَسْلُوكَةً فَيَلْزَمُ الْإِعْذَارُ إلَى أَخِيهِ الْغَائِبِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَتَّابٍ، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ ' وَابْنُ مَالِكٍ فِي الْإِعْذَارِ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي الْإِقْرَارِ: قَامَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ بِدَيْنٍ لَهَا عَلَيْهِ وَذَكَرَتْ أَنَّ لِلْغَائِبِ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ حَاضِرٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ، وَأَحْضَرَتْ الْعَقْدَ الْمَكْتُوبَ عَلَى الْغَرِيمِ الْحَاضِرِ فَحَضَرَ غَرِيمُ الْغَائِبِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ وَبِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَأَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ عَلَيْهِ لِلْغَائِبِ، وَأَثْبَتَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ غَيْبَةَ غَرِيمِهَا، فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ مَالِكٍ أَنَّ إقْرَارَ غَرِيمِ الْغَائِبِ لَا يُكْتَفَى بِهِ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ يُلْزِمُ الْمَرْأَةَ الْقَائِمَةَ بِإِثْبَاتِ الْعَقْدِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَمَرَهَا بِالْحَلِفِ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَحْلِفَ بِهِ وَيَتَقَاضَى يَمِينَهَا مَنْ يُقَدِّمُهُ الْقَاضِي لِذَلِكَ، فَإِذَا حَلَفَتْ أُمِرَ غَرِيمُ الْغَائِبِ بِإِحْضَارِ مَا عَلَيْهِ، وَيَدْفَعُ لِلْمَرْأَةِ حَقَّهَا، وَتُرْجَأُ الْحُجَّةُ لِلْغَائِبِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْإِعْذَارُ إلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ قَامَ يَطْلُبُ نَفَقَتَهُ فِي مَالِ ابْنِهِ الْغَائِبِ: قَامَ رَجُلٌ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَثْبَتَ أَنَّهُ فَقِيرٌ عَدِيمٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَنَّ ابْنَهُ فُلَانًا غَابَ نَحْوَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، وَأَنَّ خَمْسَةَ أَثْمَانِ الدَّارِ الَّتِي بِحَاضِرِ بَلَدِ كَذَا، وَذَكَرَ صِفَتَهَا وَحُدُودَهَا، وَأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ الَّذِي لَهُ بَاقِيهَا وَحِيزَتْ، وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي حِيَازَتُهَا وَأَقَرَّ عِنْدَهُ الَّذِي لَهُ بَاقِيهَا بِالِاشْتِرَاكِ مَعَ الْغَائِبِ عَلَى التَّجْزِئَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ، وَإِقْرَارِهِ، فَسَأَلَ الْأَبُ مِنْ الْقَاضِي بَيْعَ نَصِيبِ ابْنِهِ مِنْهَا وَالْإِنْفَاقَ مِنْهُ عَلَيْهِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ، فَشَاوَرَ
стр. 179
الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ بَقِيٍّ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءَ فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى بَيْعِ هَذِهِ الدَّارِ بِسَبَبِ الْأَبِ الطَّالِبِ لِلنَّفَقَةِ، إذْ لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ثَمَنِهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَلَا غَيْرِهِمْ، وَلَا نَفَقَةَ لِلْأَبِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ حَيَاةِ الِابْنِ وَمَلَائِهِ، إذْ قَدْ يَكُونُ مَيِّتًا أَوْ مِدْيَانًا. وَلَوْ بَاعَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ هَذَا الِابْنِ الْغَائِبِ قَبْلَ صِحَّةِ حَيَاتِهِ وَتَيَقُّنِهَا، وَأَنْفَقَ عَلَى الْأَبِ مِنْ ذَلِكَ لَلَزِمَهُ غُرْمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي لَا يُعْذَرُ فِيهِ، وَلَا يُبَاعُ حَظُّ الْغَائِبِ مِنْ الدَّارِ بِوَجْهٍ، وَإِنْ ادَّعَى شَرِيكُهُ فِيهَا إلَى ذَلِكَ، وَيُقْسَمُ وَيُوقَفُ نَصِيبُ الْغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ حَصَلَ مِنْهَا كِرَاءٌ فَيُعْطَى لِلْأَبِ يَرْتَفِقُ بِهِ وَيُكْرَى نَصِيبَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيُعْطَى لِلْأَبِ عَلَى وَجْهِ السَّلَفِ.
[الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ فِي الدَّعْوَى]
مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ كَانَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ فِي نَصِّ التَّوْكِيلِ الْإِقْرَارُ وَالْإِنْكَارُ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا أَسْقَطَ مِنْ التَّوْكِيلِ ذِكْرَ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِنْكَارِ عَنْهُ كَانَ تَوْكِيلًا نَاقِصًا، وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ إتْمَامُهُ، عَلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ.
وَرَأَيْت فُقَهَاءَ طُلَيْطِلَة يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ عَلَى طَلَبِ حُقُوقِهِ وَالْمُخَاصَمَةِ عَنْهُ فِيهَا وَفِيمَا طُولِبَ بِهِ، وَعَلَّقَ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ وَالْإِنْكَارَ عَنْهُ عَلَى مَا عُهِدَ فِي وَثَائِقِ التَّوْكِيلِ، فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ وَهَبَ دَارِهِ لِزَيْدٍ أَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَى الَّذِي وَكَّلَنِي مِائَةُ دِينَارٍ - أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِمُوَكِّلِهِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَتَّابٍ.
وَقَالَ: إنَّمَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ فِيمَا كَانَ مِنْ مَعْنَى الْمُخَاصَمَةِ الَّتِي وَكَّلَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَيْهِ بِمَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَمْلَاكِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي.
وَقَالَ أَصْبَغُ: يَقْبَلُ الْحَاكِمُ الْوَكَالَةَ وَلَا يَرُدُّهَا، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِيهَا الْإِقْرَارَ، وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْمُدَافَعَةَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْعَطَّارِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَجْعَلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَقَدْ نَزَلَتْ فَقُضِيَ فِيهَا بِأَنْ لَا تُقْبَلَ الْوَكَالَةُ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَعَ وَكِيلِهِ لِيُقِرَّ بِمَا يُوقِفُهُ عَلَيْهِ خَصْمُهُ، أَوْ يَكُونَ فِي وَقْتِ الْحُكْمِ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي.
стр. 180
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: أَمَّا تَوْكِيلُ الْوَصِيِّ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ عَنْ يَتِيمِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوَكِيلِ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ، وَقَدْ شَاهَدْت بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يُنْكِرُ عَقْدَ ذَلِكَ فِي تَوْكِيلِ الْوَصِيِّ عَنْ يَتِيمِهِ. وَرَأَيْت بَعْضَ فُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ يُخَاطِبُ قُضَاةَ غَيْرِهَا بِثُبُوتِ مِثْلِ هَذِهِ الْوَكَالَةِ خَالِيَةً مِنْ ذِكْرِ الْإِقْرَارِ، وَشَافَهْت أَبَا مَرْوَانَ بْنَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لِي: هَذَا الَّذِي رَأَيْت يُعْمَلُ مُنْذُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي أُفْتِي بِهِ أَنَّ إقْرَارَ الْوَصِيِّ لَا يَجُوزُ عَلَى يَتِيمِهِ. قُلْت لَهُ: قَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ مِثْلَ هَذِهِ الْوَكَالَةِ وَذَكَرَ فِيهَا الْإِقْرَارَ، قَالَ كَذَلِكَ هُوَ، وَهُوَ خِلَافٌ قَدْ تَكَلَّمْت فِي ذَلِكَ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ فَقَالَ لِي: هُوَ خَطَأٌ مِنْ ابْنِ الْهِنْدِيِّ.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ وَكَّلَ ابْتِدَاءً إضْرَارًا لِخَصْمِهِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ لُبَابَةَ: كُلُّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ عِنْدَ الْقَاضِي لَدَدٌ وَتَشْغِيبٌ فِي خُصُومَةٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ فِي وَكَالَةٍ، إذْ لَا يَحِلُّ إدْخَالُ اللَّدَدِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَاَلَّذِي ذَهَبَ النَّاسُ إلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ قَبُولُ الْوُكَلَاءِ إلَّا مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَشْغِيبٌ وَلَدَدٌ، فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إبْعَادُهُ وَأَنْ لَا يَقْبَلَ لَهُ وَكَالَةً عَلَى أَحَدٍ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى مُخَاصَمَةِ رَجُلٍ فَلَمْ يَقُمْ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَقَدْ أَنْشَبَ الْخُصُومَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ لَمْ يُنْشِبْ الْخُصُومَةَ وَلَمْ يُعْرِضْ فِي شَيْءٍ حَتَّى مَرَّتْ السَّنَتَانِ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُمَا يَطْلُبُ بِتِلْكَ الْوَكَالَةِ الْقَدِيمَةِ أَلَهُ ذَلِكَ أَمْ يُجَدِّدُ الْوَكَالَةَ؟ فَقَالَ سَحْنُونٌ: يَبْعَثُ الْحَاكِمُ إلَى الْوَكِيلِ لِيَسْأَلَهُ أَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ أَوْ خَلَعَهُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ.
قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: رَأَيْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَسْتَكْثِرُ إمْسَاكَهُ عَنْ الْخُصُومَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوَهَا، وَيَرَى تَجْدِيدَ الْوَكَالَةِ إنْ أَرَادَ الْخُصُومَةَ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ: أَمَّا إذَا خَاصَمَ وَاتَّصَلَ خِصَامُهُ وَطَالَ سِنِينَ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ الْأُولَى.
مَسْأَلَةٌ: لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ الْوَكِيلِ مَا لَمْ يُنَاشِبْ الْخُصُومَةَ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ نَازَعَ خَصْمَهُ وَجَالَسَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ
следующие страницы →