← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوهُ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً وَلَا بَعَثَ إلَيْهَا بِشَيْءٍ فَوَصَلَهَا، وَلَا أَحَالَهَا بِهَا فَاسْتَحَالَتْ، وَلَا أَحَالَتْ عَلَيْهِ أَحَدًا بِهَا وَلَا بِشَيْءٍ مِنْهَا فَاسْتَحَالَتْ وَلَا وَكَّلَتْ أَحَدًا عَلَى قَبْضِهَا مِنْهُ، وَلَا طَاعَ أَحَدٌ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا بِسَبَبِهِ، وَلَا رَضِيَتْ بِالْمُقَامِ مَعَهُ دُونَ نَفَقَةٍ، وَلَا لَهُ مَالٌ تَعَدَّى فِيهِ بِنَفَقَتِهَا، فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْفُصُولُ عِنْدَهُ نَظَرَ فِي الْغَيْبَةِ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً أَعْذَرَ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً أَوْ كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْمَكَانِ أَجَّلَهَا الْقَاضِي بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ. وَذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإِذَا انْقَضَى الْأَجَلُ اسْتَظْهَرَ عَلَيْهَا بِالْيَمِينِ، وَوَجَّهَ لِحُضُورِ يَمِينِهَا عَدْلَيْنِ، فَتَحْلِفُ أَنَّهُ مَا رَجَعَ إلَيْهَا مِنْ غَيْبَتِهِ سِرًّا وَجَهْرًا إلَى حِينِ يَمِينِهَا هَذِهِ، وَلَا تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً قَلِيلَةً وَلَا كَثِيرَةً، وَتَذْكُرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُصُولِ الْمَشْهُودِ بِهَا. ثُمَّ تَقُولُ: وَمَا عَلِمْت أَنَّ عِصْمَةَ النِّكَاحِ انْقَطَعَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى الْآنَ، فَإِذَا ثَبَتَتْ يَمِينُهَا عِنْدَهُ طَلَّقَهَا عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: فِي امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ وَإِذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ الطَّلَاقَ لِلْغَيْبَةِ لِمَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْوَحْشَةِ وَعَدَمِ الْإِصَابَةِ وَكَانَ مَفْقُودًا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُكَلِّفُهَا إثْبَاتَ الزَّوْجِيَّةِ وَاتِّصَالِهَا إلَى حِينِ الْقِيَامِ وَأَنَّ زَوْجَهَا غَابَ عَنْهَا وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ وَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ بَحَثَ عَنْهُ وَذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي مَحَلِّهِ. مَسْأَلَةٌ: فِي مَمْلُوكَةٍ قَامَتْ فِي مَغِيبِ سَيِّدِهَا بِعَدَمِ النَّفَقَةِ، وَذَكَرَتْ أَنَّ سَيِّدَهَا غَابَ عَنْهَا وَتَرَكَهَا بِلَا شَيْءٍ تُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهَا شَيْئًا، وَسَأَلَتْ الْحَاكِمَ النَّظَرَ فِي أَمْرِهَا، فَكَلَّفَهَا مَا يَجِبُ إثْبَاتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهَا أَثْبَتَتْ عِنْدَهُ مِلْكَ سَيِّدِهَا إيَّاهَا وَمَغِيبَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُخَلِّفْ عِنْدَهَا شَيْئًا لِنَفَقَتِهَا، وَلَا أَرْسَلَ شَيْئًا إلَيْهَا، وَأَنَّهَا لَا مَالَ لَهَا وَلَا مَالَ تَعَدَّى فِيهِ بِنَفَقَتِهَا، وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَيَأْمُرُ الْحَاكِمُ بِبَيْعِهَا وَيَقْبِضُ ثَمَنَهَا لِلْغَائِبِ وَيُوقِفُهُ عِنْدَهُ، أَوْ عِنْدَ ثِقَةٍ غَيْرِهِ حَتَّى يَقْدُمَ الْغَائِبُ. مَسْأَلَةٌ: فِيهَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْمُفْتِينَ فِيمَا أَفْتَوْا بِهِ بَعْضَ الْقُضَاةِ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُهُمْ بَيَانُهُ مِمَّا يَجِبُ إثْبَاتُهُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَهِيَ أَنَّ رَجُلًا قَامَ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَثْبَتَ عِنْدَهُ مَوْتَ زَوْجَتِهِ فُلَانَةَ وَعِدَّةَ وَرَثَتِهَا وَهُمْ زَوْجُهَا الْقَائِمُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَأُخْتُهَا الْحَاضِرَةُ، وَأَخُوهَا الْغَائِبُ بِالْمَشْرِقِ، وَأَثْبَتَ لِلْمَيِّتَةِ شِرْكًا فِي دَارٍ مَعَ أَخِيهَا الْغَائِبِ، وَأَنَّهَا أَوْصَتْ بِثُلُثِهَا لِأُخْتِهَا وَأَعْذَرَ

стр. 177

الْقَاضِي فِي الْوَصِيَّةِ إلَى الْحَاضِرِينَ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتَةِ بِمَا وَجَبَ أَنْ يُعْذِرَ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَدْفَعٌ فِي ذَلِكَ. وَسَأَلَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ قَسْمَ الدَّارِ الَّتِي ثَبَتَ حَظُّ الْغَائِبِ فِيهَا، وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ الَّذِي يَصِيرُ مِنْ الدَّارِ لِأَقَلِّهِمْ نَصِيبًا مِنْهَا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِلسُّكْنَى بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، وَسَأَلَ هَذَا الرَّجُلُ الْقَائِمُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِبَيْعِ الدَّارِ إذْ لَا تَحْتَمِلُ الْقَسْمَ وَإِذْ لَا بُدَّ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِ الْمَيِّتَةِ مِنْهَا لِتَنْفِيذِ وَصِيَّتِهَا، وَلِمَا دَعَا إلَيْهِ زَوْجُ الْمَيِّتَةِ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ مِنْهَا، وَسَأَلَ الْقَائِمُ أَنْ يُوَكِّلَ الْقَاضِي لِلْغَائِبِ مَنْ يَبِيعُ نَصِيبَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا تَكَامَلَ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي أَحَبَّ مَعْرِفَةَ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ، وَكَتَبَ إلَيْهِ الْمُفْتُونَ الَّذِي نَقُولُ بِهِ - وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ - أَنَّ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُوَكِّلَ لِلْغَائِبِ مَنْ يَبِيعُ عَلَيْهِ نَصِيبَهُ مِنْ الدَّارِ مَعَ مَنْ يُشْرِكُهُ فِيهَا مِنْ الْحَاضِرِينَ، وَيَقْبِضُ الْوَكِيلُ نَصِيبَ الْغَائِبِ لَهُ إلَى أَنْ يَقْدُمَ وَيُنَفِّذَ وَصِيُّ الْمَرْأَةِ وَصِيَّتَهَا مِنْ ثُلُثِ مَالِهَا عَلَى مَا يَجِبُ. قَالَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ لُبَابَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَتَابَعَهُمَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ. وَقَالَ: تُرْجَأُ الْحُجَّةُ لِلْغَائِبِ، وَتَابَعَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ الْمُشَاوِرِينَ. اسْتِدْرَاكٌ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَجَوَابُهَا إغْفَالٌ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا ثُبُوتَ مَغِيبِ أَخِي الْمَيِّتَةِ، إنَّمَا ذَكَرَ فِي الْفُتْيَا عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ غَيْبَةَ الْغَائِبِ بِالْمَشْرِقِ وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَغِيبِهِ وَاتِّصَالِهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ رَجَعَ مِنْ مَغِيبِهِ إلَى حِينِ الشَّهَادَةِ، وَأَيْضًا لَمْ يُبَيِّنْ فِي الْفُتْيَا حَظَّ الْمَيِّتَةِ كَمْ هُوَ مِنْ الدَّارِ، وَإِنَّمَا قَالَ: وَأَثْبَتَ لِلْمَيِّتَةِ شِرْكًا فِي دَارٍ مَعَ أَخِيهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ نَصِيبَهَا مِنْ نَصِيبِهِ، وَلَا مِلْكَهَا لِذَلِكَ النَّصِيبِ، وَلَا مِلْكَ أَخِيهَا لِبَاقِي الدَّارِ وَلَا حِيَازَتَهُمَا، وَلَا يَجِبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ بِقَسْمِهَا وَلَا بِالْبَيْعِ عَلَى الْغَائِبِ حَتَّى يَثْبُتَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَاتِّصَالُ الْمِلْكِ عَلَى مَا يَجِبُ وَأَيْضًا، وَقَعَ فِي السُّؤَالِ أَنَّ الْمَيِّتَةَ أَوْصَتْ بِثُلُثِهَا لِأُخْتِهَا وَهِيَ وَارِثَتُهَا، وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَجُوزُ وَهُوَ إجْمَاعٌ، إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ وَبَعْضُهُمْ هُنَا غَائِبٌ، وَقَالُوا: إنَّ وَصِيَّ الْمَيِّتَةِ يُنَفِّذُ وَصِيَّتَهَا، وَهَذَا لَا يَكُونُ مَعَ غَيْبَةِ الْغَائِبِ، وَأَيْضًا أَنَّهُ وَقَعَ فِي السُّؤَالِ أَنَّهُ أَعْذَرَ، وَالْإِعْذَارُ فِي شَيْءٍ نَاقِصٍ لَا يُفِيدُ شَيْئًا، وَأَيْضًا إنَّهُمْ قَالُوا فِي جَوَابِهِمْ

стр. 178

أَنَّهُ يُنَفِّذُ الْوَصِيَّةَ وَصِيُّهَا وَلَمْ يَذْكُرُوا مَنْ هُوَ، وَلَا أَنَّهُ قَبِلَ الْإِيصَاءَ أَوْ امْتَنَعَ مِنْهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُ ذِكْرُهُ وَثُبُوتُهُ. وَخَصَّصَ ابْنُ وَلِيدٍ فِي جَوَابِهِ إرْجَاءَ الْحُجَّةِ لِلْغَائِبِ فِي وَصِيَّةِ أُخْتِهِ، وَمِنْ حَقِّهِ إرْجَاؤُهَا لَهُ فِي مَبْلَغِ نَصِيبِهِ مِنْ الدَّارِ، وَفِي بَيْعِهِ عَلَيْهِ إذْ قَدْ يُبَاعُ بِبَخْسٍ مِنْ الثَّمَنِ وَفِي الشَّهَادَةِ بِأَنَّ الدَّرَاهِمَ لَا تَنْقَسِمُ، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْرَاكِ فَوَائِدُ يُتَنَبَّهُ بِهَا عَلَى طَرِيقِ الْفُتْيَا وَالْحُكْمِ. مَسْأَلَةٌ: فِي الْقِسْمَةِ: قَامَ عِنْدَ الْقَاضِي رَجُلٌ فِي طَلَبِ قِسْمَةِ دَارٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْغَائِبِ، فَأَلْزَمَهُ إثْبَاتَ مِلْكِيَّتِهِمَا لِلدَّارِ وَأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ وَإِثْبَاتَ مَغِيبِ أَخِيهِ الْمَذْكُورِ، ثُمَّ تُحَازُ وَحِينَئِذٍ يَنْظُرُ فَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً وَالطَّرِيقُ آمِنَةً مَسْلُوكَةً فَيَلْزَمُ الْإِعْذَارُ إلَى أَخِيهِ الْغَائِبِ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَتَّابٍ، وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ ' وَابْنُ مَالِكٍ فِي الْإِعْذَارِ وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: فِي الْإِقْرَارِ: قَامَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ بِدَيْنٍ لَهَا عَلَيْهِ وَذَكَرَتْ أَنَّ لِلْغَائِبِ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ حَاضِرٍ قَدْ حَلَّ عَلَيْهِ، وَأَحْضَرَتْ الْعَقْدَ الْمَكْتُوبَ عَلَى الْغَرِيمِ الْحَاضِرِ فَحَضَرَ غَرِيمُ الْغَائِبِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، وَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ وَبِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَأَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ عَلَيْهِ لِلْغَائِبِ، وَأَثْبَتَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ غَيْبَةَ غَرِيمِهَا، فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ مَالِكٍ أَنَّ إقْرَارَ غَرِيمِ الْغَائِبِ لَا يُكْتَفَى بِهِ، وَأَنَّ الْقَاضِيَ يُلْزِمُ الْمَرْأَةَ الْقَائِمَةَ بِإِثْبَاتِ الْعَقْدِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَمَرَهَا بِالْحَلِفِ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَحْلِفَ بِهِ وَيَتَقَاضَى يَمِينَهَا مَنْ يُقَدِّمُهُ الْقَاضِي لِذَلِكَ، فَإِذَا حَلَفَتْ أُمِرَ غَرِيمُ الْغَائِبِ بِإِحْضَارِ مَا عَلَيْهِ، وَيَدْفَعُ لِلْمَرْأَةِ حَقَّهَا، وَتُرْجَأُ الْحُجَّةُ لِلْغَائِبِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ الْإِعْذَارُ إلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ قَامَ يَطْلُبُ نَفَقَتَهُ فِي مَالِ ابْنِهِ الْغَائِبِ: قَامَ رَجُلٌ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَثْبَتَ أَنَّهُ فَقِيرٌ عَدِيمٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَنَّ ابْنَهُ فُلَانًا غَابَ نَحْوَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، وَأَنَّ خَمْسَةَ أَثْمَانِ الدَّارِ الَّتِي بِحَاضِرِ بَلَدِ كَذَا، وَذَكَرَ صِفَتَهَا وَحُدُودَهَا، وَأَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ الَّذِي لَهُ بَاقِيهَا وَحِيزَتْ، وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي حِيَازَتُهَا وَأَقَرَّ عِنْدَهُ الَّذِي لَهُ بَاقِيهَا بِالِاشْتِرَاكِ مَعَ الْغَائِبِ عَلَى التَّجْزِئَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَثَبَتَ عِنْدَهُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ، وَإِقْرَارِهِ، فَسَأَلَ الْأَبُ مِنْ الْقَاضِي بَيْعَ نَصِيبِ ابْنِهِ مِنْهَا وَالْإِنْفَاقَ مِنْهُ عَلَيْهِ وَعَلَى زَوْجَتِهِ، فَشَاوَرَ

стр. 179

الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ بَقِيٍّ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءَ فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى بَيْعِ هَذِهِ الدَّارِ بِسَبَبِ الْأَبِ الطَّالِبِ لِلنَّفَقَةِ، إذْ لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ ثَمَنِهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَلَا غَيْرِهِمْ، وَلَا نَفَقَةَ لِلْأَبِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ حَيَاةِ الِابْنِ وَمَلَائِهِ، إذْ قَدْ يَكُونُ مَيِّتًا أَوْ مِدْيَانًا. وَلَوْ بَاعَ الْحَاكِمُ نَصِيبَ هَذَا الِابْنِ الْغَائِبِ قَبْلَ صِحَّةِ حَيَاتِهِ وَتَيَقُّنِهَا، وَأَنْفَقَ عَلَى الْأَبِ مِنْ ذَلِكَ لَلَزِمَهُ غُرْمُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْخَطَأِ الَّذِي لَا يُعْذَرُ فِيهِ، وَلَا يُبَاعُ حَظُّ الْغَائِبِ مِنْ الدَّارِ بِوَجْهٍ، وَإِنْ ادَّعَى شَرِيكُهُ فِيهَا إلَى ذَلِكَ، وَيُقْسَمُ وَيُوقَفُ نَصِيبُ الْغَائِبِ، وَإِنْ كَانَ حَصَلَ مِنْهَا كِرَاءٌ فَيُعْطَى لِلْأَبِ يَرْتَفِقُ بِهِ وَيُكْرَى نَصِيبَهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيُعْطَى لِلْأَبِ عَلَى وَجْهِ السَّلَفِ. [الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ فِي الدَّعْوَى] مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ لِرَجُلٍ وَلَا لِامْرَأَةٍ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخِصَامِ أَكْثَرَ مِنْ وَكِيلٍ كَانَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ فِي نَصِّ التَّوْكِيلِ الْإِقْرَارُ وَالْإِنْكَارُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا أَسْقَطَ مِنْ التَّوْكِيلِ ذِكْرَ الْإِقْرَارِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِنْكَارِ عَنْهُ كَانَ تَوْكِيلًا نَاقِصًا، وَلَزِمَ الْمُوَكِّلَ إتْمَامُهُ، عَلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ. وَرَأَيْت فُقَهَاءَ طُلَيْطِلَة يَذْهَبُونَ إلَى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ عَلَى طَلَبِ حُقُوقِهِ وَالْمُخَاصَمَةِ عَنْهُ فِيهَا وَفِيمَا طُولِبَ بِهِ، وَعَلَّقَ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ وَالْإِنْكَارَ عَنْهُ عَلَى مَا عُهِدَ فِي وَثَائِقِ التَّوْكِيلِ، فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ وَهَبَ دَارِهِ لِزَيْدٍ أَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَى الَّذِي وَكَّلَنِي مِائَةُ دِينَارٍ - أَنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِمُوَكِّلِهِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَتَّابٍ. وَقَالَ: إنَّمَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ فِيمَا كَانَ مِنْ مَعْنَى الْمُخَاصَمَةِ الَّتِي وَكَّلَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا أَنْ يُقِرَّ عَلَيْهِ بِمَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَمْلَاكِهِ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي. وَقَالَ أَصْبَغُ: يَقْبَلُ الْحَاكِمُ الْوَكَالَةَ وَلَا يَرُدُّهَا، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ فِيهَا الْإِقْرَارَ، وَإِنَّمَا جَعَلَ لَهُ الْمُدَافَعَةَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْعَطَّارِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَجْعَلَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَقَدْ نَزَلَتْ فَقُضِيَ فِيهَا بِأَنْ لَا تُقْبَلَ الْوَكَالَةُ إلَّا أَنْ يَحْضُرَ مَعَ وَكِيلِهِ لِيُقِرَّ بِمَا يُوقِفُهُ عَلَيْهِ خَصْمُهُ، أَوْ يَكُونَ فِي وَقْتِ الْحُكْمِ قَرِيبًا مِنْ مَجْلِسِ الْقَاضِي.

стр. 180

مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: أَمَّا تَوْكِيلُ الْوَصِيِّ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ عَنْ يَتِيمِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ لِلْوَكِيلِ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ، وَقَدْ شَاهَدْت بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يُنْكِرُ عَقْدَ ذَلِكَ فِي تَوْكِيلِ الْوَصِيِّ عَنْ يَتِيمِهِ. وَرَأَيْت بَعْضَ فُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ يُخَاطِبُ قُضَاةَ غَيْرِهَا بِثُبُوتِ مِثْلِ هَذِهِ الْوَكَالَةِ خَالِيَةً مِنْ ذِكْرِ الْإِقْرَارِ، وَشَافَهْت أَبَا مَرْوَانَ بْنَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لِي: هَذَا الَّذِي رَأَيْت يُعْمَلُ مُنْذُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ الَّذِي أُفْتِي بِهِ أَنَّ إقْرَارَ الْوَصِيِّ لَا يَجُوزُ عَلَى يَتِيمِهِ. قُلْت لَهُ: قَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ مِثْلَ هَذِهِ الْوَكَالَةِ وَذَكَرَ فِيهَا الْإِقْرَارَ، قَالَ كَذَلِكَ هُوَ، وَهُوَ خِلَافٌ قَدْ تَكَلَّمْت فِي ذَلِكَ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ فَقَالَ لِي: هُوَ خَطَأٌ مِنْ ابْنِ الْهِنْدِيِّ. مَسْأَلَةٌ: مَنْ وَكَّلَ ابْتِدَاءً إضْرَارًا لِخَصْمِهِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ لُبَابَةَ: كُلُّ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ عِنْدَ الْقَاضِي لَدَدٌ وَتَشْغِيبٌ فِي خُصُومَةٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْبَلَهُ فِي وَكَالَةٍ، إذْ لَا يَحِلُّ إدْخَالُ اللَّدَدِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَاَلَّذِي ذَهَبَ النَّاسُ إلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ قَبُولُ الْوُكَلَاءِ إلَّا مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ تَشْغِيبٌ وَلَدَدٌ، فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي إبْعَادُهُ وَأَنْ لَا يَقْبَلَ لَهُ وَكَالَةً عَلَى أَحَدٍ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ وَكَّلَ رَجُلًا عَلَى مُخَاصَمَةِ رَجُلٍ فَلَمْ يَقُمْ الْوَكِيلُ بِذَلِكَ إلَّا بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَقَدْ أَنْشَبَ الْخُصُومَةَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ لَمْ يُنْشِبْ الْخُصُومَةَ وَلَمْ يُعْرِضْ فِي شَيْءٍ حَتَّى مَرَّتْ السَّنَتَانِ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُمَا يَطْلُبُ بِتِلْكَ الْوَكَالَةِ الْقَدِيمَةِ أَلَهُ ذَلِكَ أَمْ يُجَدِّدُ الْوَكَالَةَ؟ فَقَالَ سَحْنُونٌ: يَبْعَثُ الْحَاكِمُ إلَى الْوَكِيلِ لِيَسْأَلَهُ أَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ أَوْ خَلَعَهُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْوَكِيلُ عَلَى وَكَالَتِهِ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: رَأَيْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَسْتَكْثِرُ إمْسَاكَهُ عَنْ الْخُصُومَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوَهَا، وَيَرَى تَجْدِيدَ الْوَكَالَةِ إنْ أَرَادَ الْخُصُومَةَ. قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ: أَمَّا إذَا خَاصَمَ وَاتَّصَلَ خِصَامُهُ وَطَالَ سِنِينَ فَهُوَ عَلَى وَكَالَتِهِ الْأُولَى. مَسْأَلَةٌ: لِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ الْوَكِيلِ مَا لَمْ يُنَاشِبْ الْخُصُومَةَ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ قَدْ نَازَعَ خَصْمَهُ وَجَالَسَهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ

стр. 181

عَزْلُهُ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ غِشٌّ أَوْ تَدْخِيلٌ فِي خُصُومَتِهِ وَمَيْلٌ مَعَ الْمُخَاصِمِ لَهُ فَلَهُ عَزْلُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ بِأَجْرٍ فَظَهَرَ غِشُّهُ كَانَ عَيْبًا، وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْوَكَالَةَ اُنْظُرْ التَّبْصِرَةَ لِلَّخْمِيِّ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَكَالَةِ حَقٌّ لِلْوَكِيلِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ بِعِوَضٍ فَإِنَّهَا تَكُونُ إجَارَةً، فَلَا يُمَكَّنُ الْمُوَكِّلُ مِنْ عَزْلِ الْوَكِيلِ أَوْ تَتَصَوَّرُ لِلْوَكِيلِ مَنْفَعَةٌ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْمُعَارَضَةِ، أَوْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ حَقٌّ لِغَيْرِهِ، فَلِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَمْنَعَ الْمُوَكِّلَ مِنْ عَزْلِ الْوَكِيلِ مِنْ الْمَازِرِيِّ. وَقَالَ أَصْبَغُ فِي الْوَاضِحَةِ: إذَا قَاعَدَهُ مُقَاعَدَةً تَثْبُتُ فِيهَا الْحُجَجُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْلُهُ، وَمِثْلُهُ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ. وَوَقَعَ لِأَصْبَغَ فِي الْوَاضِحَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْ الْخِصَامِ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى تَمَامِ الْحُكْمِ، فَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي لَا يَكُونُ لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْ الْخِصَامِ لَا يَكُونُ لَهُ هُوَ أَنْ يَتَنَصَّلَ عَنْ الْخِصَامِ إذَا قَبِلَ الْوَكَالَةَ. مَسْأَلَةٌ: لَا يُمْنَعُ الْخَصْمَانِ مِنْ السَّفَرِ وَلَا مَنْ أَرَادَهُ مِنْهُمَا، وَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عِنْدَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَيَلْزَمُهُ فِي السَّفَرِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا اسْتَعْمَلَ السَّفَرَ لِيُوَكِّلَ غَيْرَهُ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يُبَحْ لَهُ التَّوْكِيلُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ خَصْمُهُ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: وَيَكُونُ لَهُ أَيْضًا أَنْ يُوَكِّلَ إذَا كَانَ خَصْمُهُ قَدْ أَخْرَجَهُ وَشَاتَمَهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يُخَاصِمَهُ بِنَفْسِهِ. قَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ: فَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُخَاصِمَهُ دُونَ عُذْرٍ يُوجِبُ الْيَمِينَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ. . مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ادَّعَى الرَّجُلُ عَلَى خَصْمِهِ عِنْدَ الْحُكْمِ، فَهَلْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ تِلْكَ الدَّعْوَى بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ التَّوْكِيلِ حَتَّى يُجِيبَ، فَإِنْ لَمْ يُجِبْ حَمَلَهُ الْحَاكِمُ عَلَى الْجَوَابِ بِالْأَدَبِ قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ قَدْ أُجِيزَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يُوَكِّلَ.

стр. 182

قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّدَدَ فِيهِ ظَاهِرٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ قَبْلَ الْمُجَاوَبَةِ إذَا كَانَ الْوَكِيلُ بِالْحَضْرَةِ فَيُجَاوِبُ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ بَعْدَ الْأَدَبِ: قُلْ الْآنَ مَا كُنْت تَأْمُرُ بِهِ وَكِيلَك أَنْ يَقُولَهُ عَنْك، فَإِنْ أَبَى عُلِمَ أَنَّهُ مُلِدٌّ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَغَيْرُهُ: وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ التَّوْكِيلَ جَائِزٌ لِمَنْ شَاءَ مِنْ طَالِبٍ أَوْ مَطْلُوبٍ، وَكَانَ سَحْنُونٌ لَا يُبِيحُ لِلْمَطْلُوبِ أَنْ يُوَكِّلَ إلَّا لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ امْرَأَةٍ مَحْجُوبَةٍ أَوْ رَجُلٍ وَاقِفٍ فِي بَابِ الْحَاكِمِ كَالْحَاجِبِ وَنَحْوِهِ، وَيَرَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا مِنْ سَائِرِ الْجَبَابِرَةِ فَلَا " مِنْ الطُّرَرِ ". مَسْأَلَةٌ: فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ: وَلَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَكِّلَ أَبَاهُ لِيَطْلُبَ لَهُ حَقَّهُ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِهَانَةٌ لِلْأَبِ. . مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: إذَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ عِنْدَ حَاكِمٍ وَصَرَّحَ الْمُوَكِّلُ فِي التَّوْكِيلِ بِاسْمِ الْحَاكِمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّكَلُّمُ عِنْدَ حَاكِمٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّوْكِيلُ مُجْمَلًا فَلَهُ أَنْ يُخَاصِمَهُ حَيْثُ شَاءَ. . مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا مَاتَ الْمُوَكِّلُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَ إلَّا أَنْ يُشْرِفَ عَلَى تَمَامِ الْخُصُومَةِ، فَلَهُ أَنْ يُتَمِّمَهَا، وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ حِينَئِذٍ عَزْلُهُ عَنْهَا مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ لِابْنِ عَبْدِ الْغَفُورِ. . مَسْأَلَةٌ: إذَا أَقَرَّ الْوَكِيلُ بَعْدَ الْوَكَالَةِ أَنَّ الْمُوَكِّلَ قَبَضَ الْمَالَ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ ذَلِكَ وَسَقَطَ الْمَالُ عَنْ خَصْمِهِ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ نَفْسِهِ كَمَا يَلْزَمُهُ سَائِرُ إقْرَارِهِ كُلِّهِ، وَذَلِكَ فِيمَا كَانَ بَعْدَ تَوْكِيلِهِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَوْكِيلِهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَوَكَّلَ فِي بَاطِلٍ فَانْفَسَخَتْ وَكَالَتُهُ. . مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا وَكَّلَهُ عَلَى الْخِصَامِ فِي قَضِيَّةٍ فَخَاصَمَ عَنْهُ وَانْقَضَتْ تِلْكَ الْقَضِيَّةُ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ الْخِصَامِ الْأَوَّلِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ الْوَكَالَةُ مُبْهَمَةً لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ عَلَى مُخَاصَمَةِ فُلَانٍ، أَوْ فِي أَمْرِ كَذَا وَكَذَا إذَا اتَّصَلَ بَعْضُ ذَلِكَ بِبَعْضٍ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا الْأَيَّامُ وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ سِنِينَ وَالْمُوَكِّلُ غَائِبٌ لَمْ يَحْتَجْ إلَى

стр. 183

تَجْدِيدِ التَّوْكِيلِ إذَا لَمْ يَقْصُرْهُ عَلَى مَطْلَبٍ سَمَّاهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَأَمَّا إذَا قَصَرَهُ عَلَى مَطْلَبٍ مُعَيَّنٍ وَكَانَ بَيْنَ الْمَطْلَبَيْنِ الْأَشْهُرُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْهُ إلَّا فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ، وَيُسْتَحْسَنُ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ التَّوْكِيلَ وَحِينَئِذٍ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْكَافِي: جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا جَعَلَ الْمُوَكِّلُ إلَى الْوَكِيلِ الْإِقْرَارَ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي وَزَعَمَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ أَنَّ تَحْصِيلَ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إقْرَارُهُ، وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ، قَالَ: وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ قَالَ مَا أَقَرَّ بِهِ عَلَيَّ فَهُوَ لَازِمٌ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ عَزَلَ وَكِيلَهُ فَأَرَادَ الْوَكِيلُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِخَصْمِهِ فَأَبَى الْأَوَّلُ؛ لِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ عَوْرَاتِهِ وَوُجُوهِ خُصُومَاتِهِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ قَوْلُهُ وَيَتَوَكَّلُ لَهُ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ. مَسْأَلَةٌ: سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْوَكِيلِ إذَا قُيِّدَتْ عَلَيْهِ مَقَالَةٌ بِإِقْرَارِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ الَّذِي وَكَّلَهُ، فَلَمَّا طُلِبَ ذَلِكَ الْإِقْرَارُ اسْتَظْهَرَ مُوَكِّلُهُ بِعَزْلِهِ عَزَلَهُ إيَّاهَا قَبْلَ الْإِقْرَارِ الْمَذْكُورِ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ الْوَكِيلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، هَلْ يَسْقُطُ الْإِقْرَارُ الْمَذْكُورُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ مَا تَقَيَّدَ عَلَى الْوَكِيلِ لَازِمٌ لِمُوَكِّلِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَزَلَهُ قَبْلَ مُنَاشَبَةِ الْخِصَامِ عَزْلًا أَعْلَنَ بِهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ فِي تَأْخِيرِ إعْلَامِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ مُنَاشَبَةِ الْخِصَامِ أَوْ قَبْلَهُ سِرًّا فَلَا يَجُوزُ عَزْلُهُ. مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ فِي التَّوْكِيلِ إعْذَارٌ وَلَا آجَالً، وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِيمَنْ طَلَبَ أَنْ يُعْذَرَ إلَيْهِ فِي تَوْكِيلِ خَصْمِهِ، قَالَ لَمْ نَرَ أَحَدًا مِنْ الْقُضَاةِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَاطِينِ ضَرَبَ لِأَحَدٍ أَجَلًا فِي تَوْكِيلٍ، وَإِنَّمَا السِّيرَةُ عِنْدَ الْقُضَاةِ أَنْ يَثْبُتَ التَّوْكِيلُ عِنْدَهُمْ ثُمَّ يُسْمَعُ مِنْ الطَّالِبِ وَيُنْظَرُ فِيمَا جَاءَ بِهِ، فَأَمَّا إذَا دَعَا إلَى أَنْ يُؤَجِّلَ فِي الْمَدْفَعِ أَجَلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوَهَا. وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ: وَالْإِعْذَارُ إلَى الْمُوَكِّلِ مِنْ تَمَامِ الْوَكَالَةِ، فَإِنْ لَمْ يُعْذِرْ إلَيْهِ جَازَ، قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: كَانَ الْإِعْذَارُ مِنْ الشَّأْنِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ تُرِكَ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا تَرَكَ الْإِعْذَارَ مَنْ تَرَكَهُ فِي الْوَكَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُعْذِرَ إلَيْهِ عِنْدَ إرَادَتِهِ الْحُكْمَ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ، فَاسْتَغْنَى عَنْهُ أَوَّلًا.

стр. 184

قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَهَذِهِ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ اهـ، وَإِنَّمَا أَوْجَبُوا الْإِعْذَارَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَشْهُودٌ عَلَيْهِ بِالتَّوْكِيلِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْوَكَالَةُ ثَبَتَ لِلْوَكِيلِ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْمُوَكِّلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّصَرُّفِ. [مَسْأَلَةٌ فِي الْمَطْلُوبِ يُوَافِقُ عَلَى صِحَّةِ الْوَكَالَةِ قَبْلَ ثُبُوتِهَا] وَإِذَا قَامَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فِي مَهْرِ امْرَأَةٍ أَوْ دَيْنِ رَجُلٍ وَادَّعَى وَكَالَةَ صَاحِبِ ذَلِكَ فَأَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِالدَّيْنِ أَوْ الْمَهْرِ، وَاعْتَرَفَ بِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ دَفْعُ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَإِنْ قَامَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى الْمَطْلُوبِ بِطَلَبِهِ بِذَلِكَ قُضِيَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقْضَى عَلَيْهِ أَوَّلًا بِإِقْرَارِهِ، وَالْمُصِيبَةُ مِنْهُ. [فَصْلٌ الْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ] ٍ، فَإِنْ كَانَتْ بِعِوَضٍ فَهِيَ إجَازَةٌ تَلْزَمُهُمَا بِالْعَقْدِ، وَلَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا التَّخَلِّي وَتَكُونُ بِعِوَضٍ مُسَمًّى وَإِلَى أَجَلٍ مَضْرُوبٍ وَفِي عَمَلٍ مَعْرُوفٍ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهِيَ مَعْرُوفٌ مِنْ الْوَكِيلِ تَلْزَمُهُ إذَا قَبِلَ، وَلِلْمُوَكِّلِ عَزْلُهُ مَتَى شَاءَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْوَكَالَةُ فِي الْخِصَامِ، فَحُكْمُ عَزْلِهِ مَذْكُورٌ قَبْلُ. هَذَا وَيَجُوزُ لِلْوَكِيلِ فِي غَيْرِ الْخِصَامِ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ مَتَى شَاءَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ رِضَا مُوَكِّلِهِ، إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِأَحَدٍ، وَيَكُونُ فِي عَزْلِ نَفْسِهِ إبْطَالٌ لِذَلِكَ الْحَقِّ، فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَبَرَّعَ بِمَنَافِعِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ فِي الْجُعْلِ عَلَى الْخُصُومَةِ، عَلَى أَنَّهُ إنْ فَلَجَ فَلَهُ كَذَا وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَمَنْ أَجَازَهُ شَبَّهَهُ بِمُجَاعَلَةِ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ. وَفِي التَّهْذِيبِ: وَكَرِهَ مَالِكٌ الْجُعْلَ عَلَى الْخُصُومَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ إلَّا بِإِدْرَاكِ الْحَقِّ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَإِنْ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ ﵀ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا عَلَى الشَّرِّ وَالْمُجَادَلَةِ؛ وَلِأَنَّهَا قَدْ تَطُولُ وَلَا يُنْجِزُ مِنْهُمَا غَرَضَ الْجَاعِلِ فَيَذْهَبُ عَمَلُهُ مَجَّانًا، وَالرِّوَايَةُ بِإِجَازَةِ ذَلِكَ لِمَا بِالنَّاسِ مِنْ الضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ. وَفِي الطُّرَرِ قَالَ الشَّعْبَانِيُّ: لَا خَيْرَ فِي الْوَكَالَةِ عَلَى الْخُصُومَةِ إذَا كَانَتْ بِالْأُجْرَةِ حَتَّى تَنْقَطِعَ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَطُولُ وَتَقْصُرُ. قَالَ وَلَوْ تَوَكَّلَ عَلَى

стр. 185

أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ مَجْلِسَ السُّلْطَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ كَذَا يُنَاظِرُ عَنْهُ كَانَ جَائِزًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مُقَامِهِ مِنْ السَّاعَاتِ، قَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ خَفِيفُ الْقَدْرِ مُتَقَارِبُ الْأَمْرِ، قَالَ وَلَوْ حَضَرَ مَعَهُ الْيَوْمَ فَلَمْ يَجْلِسْ مَنْ يُخَاصِمُ إلَيْهِ فَانْتَظَرَهُ إلَى آخِرِ مَجْلِسِهِ وَجَبَ لَهُ حَقُّهُ، وَإِنْ انْصَرَفَ فِي أَوَّلِ مَا حَضَرَ بَطَلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حُضُورُ يَوْمٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي كَانَ أَجْرُهُ فِيهِ قَدْ ذَهَبَ. مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ الْوَكَالَةُ مِنْ الْمُتَّهَمِ بِدَعْوَى الْبَاطِلِ وَلَا الْمُجَادَلَةُ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] إنَّ النِّيَابَةَ عَنْ الْمُبْطِلِ الْمُتَّهَمِ فِي الْخُصُومَةِ لَا تَجُوزُ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﵇ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦] . مَسْأَلَةٌ: لَيْسَ لِلْوَكِيلِ الْمَخْصُوصِ أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا عِوَضًا عَنْهُ لِلنِّيَابَةِ عَنْ مُوَكِّلِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يَلِي مِثْلَ مَا وَكَّلَ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وَعَلِمَ الْمُوَكِّلُ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الْوَكِيلُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَنْ مُوَكِّلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ إلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الْبَضَائِعِ وَالْوَكَالَاتِ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَخْصُوصِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى عَلَى حَبْسٍ أَوْ مَسْجِدٍ أَوْ مَحَجَّةٍ وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُقِيمَ وَكِيلًا يَدْفَعُ عَنْهُ، فَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ قَضَى بِهِ وَإِلَّا فَلَا. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعُيُوبِ: الْوُكَلَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: وَكِيلٌ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ وَوَصِيٌّ، فَعَلَى هَذَيْنِ الْعُهْدَةُ وَالْيَمِينُ، وَوَكِيلٌ غَيْرُ مُفَوَّضٍ إلَيْهِ، فَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ إلَّا إنْ أَخْبَرَ أَنَّهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ فَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ وَلَا يَمِينَ، وَنَخَّاسُونَ وَسَمَاسِرَةُ فَهَؤُلَاءِ لَا عُهْدَةَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَمِينَ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ: إذَا اسْتَحَقَّ مَا بَاعَ السِّمْسَارُ أَوْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلَا عُهْدَةَ عَلَيْهِ وَالتِّبَاعَةُ عَلَى الْمَبِيعِ لَهُ إنْ عَرَفَ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ كَانَتْ مُصِيبَةُ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَالْوَكِيلُ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ عَلَيْهِ التِّبَاعَةُ إنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ وَكِيلٌ، فَإِنْ بَيَّنَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ (مِنْ الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ) .

стр. 186

[الْقِسْمُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ الْجَوَابِ عَنْ الدَّعْوَى] وَإِذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ بِشُرُوطِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ، وَاسْتَفْرَغَ الْقَاضِي كَلَامَ الْمُدَّعِي وَفَهِمَهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ فِيهِ إشْكَالٌ وَلَا احْتِمَالٌ، أَمَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْجَوَابِ، وَهُوَ أَحَدُ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إمَّا إقْرَارٌ أَوْ إنْكَارٌ أَوْ امْتِنَاعٌ: الْأَوَّلُ الْإِقْرَارُ: فَإِذَا أَقَرَّ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لِلطَّالِبِ قَدْ أَقَرَّ لَك فَإِنْ شِئْت قَيِّدْ إقْرَارَهُ بِالشَّهَادَةِ، فَإِذَا قَيَّدَهَا وَرَفَعَ الشُّهُودُ شَهَادَتَهُمْ فِي الْمَجْلِسِ إلَى الْقَاضِي، فَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: يَقْضِي بِشَهَادَتِهِمْ دُونَ إعْذَارٍ وَبِهِ الْعَمَلُ. وَقَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ وَغَيْرُهُ: لَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْإِعْذَارِ، فَإِذَا حَكَمَ لَهُ الْقَاضِي بِهَا وَطَلَبَ الطَّالِبُ إنْصَافَهُ مِنْ الْغَرِيمِ فَعَلَ إنْ كَانَ لَهُ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا أَشْهَدَ لِلطَّالِبِ بِمَا حَكَمَ لَهُ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ. وَصِفَةُ تَقْيِيدِ الْإِقْرَارِ وَالْمَقَالَاتِ: أَقَرَّ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ لِمُنَازَعَةِ فُلَانٍ بِأَنَّ لَهُ قِبَلَهُ مَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كَذَا وَجَبَ لَهُ مِنْ وَجْهِ كَذَا حَالَّةً أَوْ مُؤَجَّلَةً، شَهِدَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَيَقُولُ فِي صِفَةِ تَقْيِيدِ الْمَقَالِ: قَالَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لِمُنَازَعَةِ فُلَانٍ حِينَ قَرَّرَهُ عَلَى كَذَا أَنَّهُ قِبَلَهُ مِنْ وَجْهِ كَذَا، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي بِيَدِهِ مَالُهُ وَمِلْكُهُ مَا أَعْرِفُ مَا يَقُولُ إنَّمَا هُوَ مِلْكِي تَصَيَّرَ إلَيَّ بِالْإِرْثِ أَوْ بِالِابْتِيَاعِ، أَوْ بِمَا يَذْكُرُهُ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَاخْتَارَ بَعْضُ شُيُوخِي أَنْ يَكْتُبَ كَاتِبُ الْقَاضِي قَالَ فِي مَجْلِسِ نَظَرِ الْقَاضِي فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِمَوْضِعِ كَذَا - فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ إذْ وَقَفَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ عَلَى كَذَا، وَكَذَا فَأَنْكَرَ مَا ادَّعَاهُ، وَذَلِكَ فِي تَارِيخِ كَذَا، ثُمَّ يَضَعُ الشُّهُودُ شَهَادَتَهُمْ، وَيُعَلِّمُ الْقَاضِي عَلَى أَسْمَائِهِمْ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ: وَإِنْ شِئْت قُلْت قَرَّرَ فُلَانٌ مُنَازَعَةَ فُلَانٍ عَلَى الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ مِنْ أَيْنَ صَارَ إلَيْهِ، وَبِأَيِّ وَجْهٍ مَلَكَهُ، فَأَجَابَهُ فُلَانٌ بِكَذَا، شَهِدَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ كُلِّهِ مَنْ سَمِعَهُ وَتَحَقَّقَهُ بِالْمَجْلِسِ الْمَذْكُورِ، وَعَرَّفَهُمَا بِحَالِ صِحَّةِ وَجَوَازِ أَمْرٍ، وَلَا يَكَادُ يَنْضَبِطُ هَذَا الْمَعْنَى لِاخْتِلَافِ وُجُوهِهِ وَكَثْرَتِهِ.

стр. 187

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ: قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: وَشَأْنُ الْقُضَاةِ فِي الْقَدِيمِ الطَّبْعُ عَلَى الْمَقَالَاتِ وَالشَّهَادَاتِ وَأَنْ يُؤَرِّخُوهَا وَيُشْهِدُوا الْعُدُولَ عَلَيْهَا، وَيَرْفَعُوهَا عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ أَوْ مَنْ يَثِقُونَ بِهِ. وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: وَمِنْ فَوَائِدِ تَقْيِيدِ الْإِقْرَارِ وَالْمَقَالِ أَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي، فَيُسْتَغْنَى عَنْ الْإِثْبَاتِ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ: وَلَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ مِنْ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي حَتَّى تَثْبُتَ الْمَقَالَةُ عِنْدَهُ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَهَذِهِ الْمَقَالَاتُ الْمُنْعَقِدَةُ عِنْدَ الْقَاضِي هِيَ الَّتِي تُفْتَتَحُ بِهَا الْخُصُومَاتُ وَتُسَمَّى مَحَاضِرَ لِمَا لَزِمَهَا مِنْ هَذَا الِاسْمِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْمُقَدَّمِينَ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حُضُورِ الْخَصْمَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي. وَاخْتُلِفَ فِي اللَّفْظِ الَّذِي تُفْتَتَحُ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْفُصُولِ، فَإِنْ كَانَ الْكَاتِبُ لَهَا هُوَ الْقَاضِي قَالَ حَضَرَنِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الصَّحِيفَةَ عِنْدَهُ، فَكَأَنَّهُ مُخَاطِبٌ لِنَفْسِهِ وَمُذَكِّرٌ لَهَا بِمَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُهُمَا، وَإِلَّا كَتَبَ حَضَرَنِي رَجُلٌ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ أَحَدَهُمَا نَبَّهَ عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ عَرَّفَهُ بِهِ أَحَدٌ قَالَ وَعَرَّفَنِي بِهِ فُلَانٌ ثُمَّ يَكْتُبُ الْقَاضِي اسْمَهُ فِي الْآخِرِ، وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ، قَالَ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِبَلَدِ كَذَا حَضَرَنِي فُلَانٌ، وَأَمَّا إنْ كَتَبَ عَنْهُ كَاتِبُهُ فَصِفَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ الْقَضَاءَ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ، وَأَنْكَرَ الطَّالِبُ فَلِلْمَطْلُوبِ تَحْلِيفُهُ، وَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً حَاضِرَةً أُجِّلَ فِي إحْضَارِهَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِ إلَى الْغَدِ وَيُؤَجِّلُهُ فِي الْغَائِبَةِ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ بَعْدَ رَهْنٍ أَوْ حَمِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَطَلَبَ الطَّالِبُ سَجْنَهُ مُكِّنَ مِنْهُ، وَلَوْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا بَيِّنَةَ لِي وَقَدْ كَانَ اسْتَحْلَفَ خَصْمَهُ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ إنْ كَانَ عَالِمًا بِهَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ كَانَ خِصَامُهُ عَلَى الْوَكِيلِ فَقَالَ مُوَكِّلُكَ أَبْرَأَنِي، فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ مَا عَلِمَ بِبَرَاءَتِهِ وَيَأْخُذُ الْحَقَّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَكِّلُهُ قَرِيبًا فَيَكْتُبَ إلَيْهِ، فَيَحْلِفَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَحْلِفُ الْوَكِيلُ وَيَنْتَظِرُ

стр. 188

صَاحِبَ الْحَقِّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْمُوَكِّلِ وَيَمِينِ الْوَكِيلِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ ادَّعَى الْغَرِيمُ الْقَضَاءَ وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ إنْكَارٌ لِلْحَقِّ وَثَبَتَ الْحَقُّ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَلَوْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَهَا، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِهِ الْعَمَلُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: تُسْمَعُ مِنْهُ وَلَهُ تَحْلِيفُ الطَّالِبِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ خَيْرٌ مِنْ يَمِينٍ فَاجِرَةٍ. مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ إنْكَارٌ بَلْ أَقَرَّ وَأَجَابَ إلَى الدَّفْعِ، لَكِنْ سَأَلَ النَّظِرَةَ أَنْظَرَهُ الْقَاضِي بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ، وَقِيلَ ذَلِكَ إلَى الطَّالِبِ، وَلَوْ ادَّعَى الْعَدَمَ أَوْ لَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُ الْأُصُولِ مُكِّنَ مِنْ إثْبَاتِ ذَلِكَ وَأَجَّلَهُ فِيهِ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ أَعْذَرَ فِيهِ لِلْقَائِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْفَعٌ حَلَّفَهُ وَسَرَّحَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ حَمِيلًا بِالْمَالِ إذَا أَثْبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ الْأُصُولُ وَأَجَّلَهُ فِي بَيْعِهَا نَحْوًا مِنْ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالْبَيْعِ وَالْإِنْصَافِ، فَإِنْ أَبَى ضَيَّقَ عَلَيْهِ بِالسَّجْنِ وَالضَّرْبِ حَتَّى يَبِيعَ. [فَصْلٌ ادَّعَى عَقَارًا بِيَدِ غَيْرِهِ زَعَمَ أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ عَمَّنْ وَرِثَهُ عَنْهُ] فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْعَقَارِ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِيمَا أَدْرَكْنَا وَأَفْتَى بِهِ شُيُوخُنَا فِيمَا عَلِمْنَا، أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَقَارًا بِيَدِ غَيْرِهِ زَعَمَ أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ عَمَّنْ وَرِثَهُ عَنْهُ، أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى يُثْبِتَ الطَّالِبُ مَوْتَ مُورِثِهِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ وَرِثَ ذَلِكَ الْعَقَارَ عَنْهُ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وُقِفَ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ خَاصَّةً، وَلَمْ يُسْأَلْ مِنْ أَيْنَ صَارَ إلَيْهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ وَقَالَ الْمَالُ مَالِي وَالْمِلْكُ مِلْكِي وَدَعْوَاك فِيهِ بَاطِلَةٌ اُكْتُفِيَ مِنْهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَكُلِّفَ الطَّالِبُ إثْبَاتَ الْمِلْكِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ وَرِثَهُ وَإِثْبَاتَ مَوْتِهِ وَوِرَاثَتِهِ لَهُ، فَإِنْ أَثْبَتَتْ ذَلِكَ عَلَى مَا يَجِبُ مِنْ صِحَّةِ شُرُوطٍ سُئِلَ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ مِنْ أَيْنَ صَارَ إلَيْهِ وَكُلِّفَ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَوْرُوثِ الطَّالِبِ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ الْمِلْكُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، وَلَا يَنْفَعُهُ إثْبَاتُهُ إنْ أَثْبَتَهُ، وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ صَارَ إلَيْهِ مِنْ قِبَلِ مَوْرُوثِ الطَّالِبِ بِوَجْهٍ يَذْكُرُهُ كُلِّفَ إثْبَاتَ ذَلِكَ، فَإِنْ أَثْبَتَهُ وَعَجَزَ الطَّالِبُ عَنْ الدَّفْعِ فِي ذَلِكَ بَطَلَتْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِ ذَلِكَ قَضَى عَلَيْهِ لِلطَّالِبِ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ أَحْفَظُهُ.

стр. 189

وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ بِأَنَّ الْفَتْوَى مَضَتْ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ يَلْزَمُهُ الْجَوَابُ ابْتِدَاءً قَبْلَ إثْبَاتِ الْمُدَّعِي الْمِلْكَ لِمُوَرِّثِهِ، هَلْ صَارَ إلَيْهِ بِسَبَبِهِ أَوْ بِسَبَبِ مُوَرِّثِهِ الَّذِي أَثْبَتَ مَوْتَهُ، وَوِرَاثَتُهُ إيَّاهُ بَعِيدٌ لَا يَصِحُّ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ مَالِكٍ عَمَّا وَقَعَ فِي شَهَادَاتِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنَّهُ لَا يُوقَفُ الْمَطْلُوبُ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى يُثْبِتَ الطَّالِبُ دَعْوَاهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفَ قَبْلَ أَنْ يُثْبِتَ دَعْوَاهُ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى عَبْدٍ مَا يُوجِبُ قِصَاصًا فَيَلْزَمُهُ الْجَوَابُ فَإِنْ كَانَ مَا يُوجِبُ الْأَرْشَ فَيُطْلَبُ الْجَوَابُ مِنْ السَّيِّدِ، وَإِنْ كَانَ مَا يُوجِبُ الْمَالَ فَيُطْلَبُ الْجَوَابُ مِنْ الْعَبْدِ، فَإِنْ أَقَرَّ وَكَانَ مَأْذُونًا فَهُوَ كَالْحُرِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا وُقِفَ إقْرَارُهُ عَلَى سَيِّدِهِ فَيَرُدُّهُ أَوْ يُلْزِمُهُ إيَّاهُ مِنْ الْمَذْهَبِ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ سِيَرِ الْحُكَّامِ أَنْ يُجْبِرُوا الْخَصْمَ عَلَى الْجَوَابِ فِيمَا وَقَفَهُ خَصْمُهُ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْوَثَائِقِ الْقَلِيلَةِ الْمَعَانِي وَالْفُصُولِ حَاشَا وَثَائِقِ الِاسْتِرْعَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى الْجَوَابِ فِي ذَلِكَ، يَعْنِي فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي الْأَحْكَامِ لَهُ مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ. الثَّانِي: مِنْ أَقْسَامِ الْجَوَابِ: الْإِنْكَارُ وَيُشْتَرَطُ فِي الْإِنْكَارِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ مَا أَظُنُّ لَهُ عِنْدِي شَيْئًا. وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ وَإِذَا وَقَفَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ عَلَى حَقٍّ لَهُ قِبَلَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمَطْلُوبِ أَنْ يَقُولَ لِخَصْمِهِ لَا حَقَّ لَك قِبَلِي، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُقِرَّ بِأَصْلِ الْمُبَايَعَةِ أَوْ السَّلَفِ أَوْ الْمُعَامَلَةِ أَوْ يُنْكِرَ، وَمَعْنَى ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَ الطَّالِبَ مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْحَقَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ، فَإِنْ قَالَ مِنْ سَلَفٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ ضَمَانٍ، أُلْزِمَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُجِيبَهُ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوْ يُقِرَّ بِهِ وَلَا يَكْفِي مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لِلطَّالِبِ: لَا حَقَّ لَك قِبَلِي. وَفِي الْمُذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ: وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَقْنَعُ مِنْهُ بِذَلِكَ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ. يَقْنَعُ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي الْبَابِ التَّاسِعَ عَشَرَ.

стр. 190

مَسْأَلَةٌ: إذَا صَرَّحَ بِالْإِنْكَارِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقُولُ لِلْقَائِمِ أَلَك بَيِّنَةٌ فَإِنْ أَتَى بِهَا وَقَبِلَهَا، أَعْذَرَ فِيهَا لِلْمَطْلُوبِ، فَإِنْ سَلَّمَهَا وَلَمْ يَطْعَنْ فِيهَا، أَوْ ادَّعَى فِيهَا مَدْفَعًا وَعَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهِ أَمَرَهُ بِالْإِنْصَافِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ أَحْلَفَهُ لَهُ إذَا ثَبَتَتْ الْخُلْطَةُ، حَسْبَمَا يَأْتِي ذِكْرُهُ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْخُلْطَةِ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ بِدَعْوَى عَلَى رَجُلٍ، فَسَأَلَهُ الْقَاضِي عَنْ السَّبَبِ فَذَكَرَهُ، فَقَالَ الْمَطْلُوبُ: أَنَا أَحْلِفُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدِي مِنْ هَذَا السَّبَبِ، فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُجْزِيهِ بِحَالٍ حَتَّى يَقُولَ وَلَا أَعْلَمُ لَهُ شَيْئًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ، قَالَ الْبَاجِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدَهُ مِنْ جِهَةِ مَطْلَبِهِ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ لَمْ يَطْلُبْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ قَالَ لِي عَلَيْك عَشَرَةٌ فَقَالَ لَا تَلْزَمُنِي الْعَشَرَةُ لَمْ يُكَلَّفْ الْيَمِينَ مُطْلَقًا، بَلْ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْهَا. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى سَلَفًا أَوْ بَيْعًا لَمْ يُجْزِهِ مِنْ الْجَوَابِ أَنْ يَقُولَ: لَا حَقَّ لَك عِنْدِي حَتَّى يَقُولَ لَمْ تُسَلِّفْنِي مَا تَدَّعِيهِ، أَوْ لَمْ تَبِعْ مِنَى شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْت رَوَاهُ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ، قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ رُبَّمَا قَبِلَ مِنْهُ مَالَهُ عَلَى حَقٍّ، وَإِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ رَجَعَ مَالِكٌ أَخِيرًا، وَفِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى طِبْقِ الدَّعْوَى شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. [فَصْلٌ امْتَنَعَ مِنْ الْجَوَابِ وَاسْتَمْهَلَ لِلنَّظَرِ فِي حِسَابٍ وَشِبْهِهِ] فَصْلٌ: وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْجَوَابِ وَاسْتَمْهَلَ لِلنَّظَرِ فِي حِسَابٍ وَشِبْهِهِ أُمْهِلَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ. الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْجَوَابِ الِامْتِنَاعُ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ إذَا أَبَى أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، فَرَأَى سَحْنُونٌ أَنَّهُ لَا يُتْرَكُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، وَيُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ بِالسَّجْنِ أَوَّلًا، فَإِنْ تَمَادَى فَبِالضَّرْبِ، وَقِيلَ إذَا أَبَى عَنْ الْجَوَابِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ وَعُدَّ كَالنُّكُولِ فَيُقْضَى لِلطَّالِبِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ. .

стр. 191

مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْجَوَاهِرِ: فَإِنْ قَالَ لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ، لَكِنْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ، أَوْ قَالَ لِلْحَاكِمِ لَا أُحَاكِمُهُ إلَيْك، أَجْبَرَهُ عَلَى أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ. رَوَاهُ أَشْهَبُ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَنَّهُ يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ بِالْأَدَبِ، قَالَ: وَبِهِ الْعَمَلُ. وَقَالَ أَصْبَغُ يَقُولُ لَهُ الْقَاضِي إمَّا أَنْ تُحَاكِمَ وَإِمَّا أَحْلَفْت هَذَا الْمُدَّعِيَ وَحَكَمْت لَهُ عَلَيْك، هَذَا إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى تُسْتَحَقُّ بِالْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ عَنْ الْكَلَامِ نُكُولٌ عَنْ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِيمَا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ دَعَا خَصْمَهُ بِهَا وَحَكَمَ عَلَيْهِ إنْ تَمَادَى عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحْكُمُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ مِنْ الْمُدَّعِي. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ: الْمُدَّعِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ ثَلَاثٍ إمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْمُدَّعَى بِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ عَلَى أَنَّهُ مَتَى عَادَ إلَى الْإِنْكَارِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ الْآنَ وَيَحْكُمَ لَهُ بِهِ مِلْكًا بَعْدَ أَنْ يُعْلِمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرْ حَكَمَ عَلَيْهِ كَمَا يَحْكُمُ عَلَى النَّاكِلِ وَلَا يَنْقُضُ لَهُ الْحُكْمَ بَعْدَ أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ يُسْجَنَ لَهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ هُوَ يَعْرِفُ حَقِّي فَإِذَا سُجِنَ أَجَابَ وَاسْتَغْنَيْت عَنْ الْيَمِينِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ قَالَ: لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ؛ لِأَنِّي لَا أَعْرِفُ حَقِيقَةَ مَا يَدَّعِي قِيلَ لَهُ احْلِفْ أَنَّك إنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ مِنْ أَجْلِ أَنَّك عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ مِنْ الْأَمْرِ، فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِلطَّالِبِ أَثْبِتْ حَقَّك، وَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ عَنْ الْيَمِينِ فَاخْتُلِفَ، فَقِيلَ: يُجْبَرُ عَلَى الْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ وَقِيلَ: إنَّهُ يَقْضِي لِلطَّالِبِ مَعَ يَمِينِهِ وَقِيلَ يَقْضِي لَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ. وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ قَالَ الْمُشَاوِرُ: لَا يُوقَفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى الْجَوَابِ إلَّا بَعْدَ إثْبَاتِ الْمُدَّعِي مِنْ مَوْتِ مَنْ يَقُومُ عَنْهُ وَعِدَّةُ وَرَثَتِهِ وَتَنَاسُخِ الْوَارِثَاتِ فَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ لَهُ يَمِينٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُ فِي أَنْ يَقُولَ: إنَّ أَبَاك أَوْ جَدَّك أَوْ مَنْ تَقُومُ عَنْهُ حَيٌّ وَسَيَقُومُ وَيُقِرُّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدِي، أَوْ يَطْلُبُنِي إنْ كَانَ لَهُ عِنْدِي حَقٌّ فَيُلْزِمُنِي بِهِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ قَامَ الْوَرَثَةُ بِدُيُونٍ لَهُ أَوْ وَدَائِعَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. قُلْت: فَإِنْ قَالُوا إنَّك أَنْتَ عَالِمٌ بِمَوْتِهِ وَعِدَّةِ وَرَثَتِهِ قَالَ وَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إلْزَامِ الْحُقُوقِ، وَتَوْرِيثِ زَوْجَتِهِ وَتَزْوِيجِهَا،

стр. 192

وَإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَاهِدٌ بِذَلِكَ لَا مُقِرٌّ، وَلَهُ أَنْ يَقُولَ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ: قَدْ يَقْدُمُ صَاحِبُكُمْ فَيَأْخُذُونِي بِحَقِّهِ مَرَّةً أُخْرَى، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ مَنْ أَقَرَّ بِقَتْلِ رَجُلٍ لَمْ يُؤْخَذْ بِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّوْرِيثِ وَتَزْوِيجِ زَوْجَتِهِ وَإِنْفَاذِ وَصَايَاهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ حُقُوقًا وَكَشَفَهُ عَنْ بَعْضِهَا وَسَأَلَهُ الْجَوَابَ عَمَّيْ كَشَفَهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَطْلُوبُ: اجْمَعْ مَطَالِبَك كُلَّهَا حَتَّى أُجِيبَك لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ حُقُوقِهِ مَا شَاءَ وَيَتْرُكَ مَا شَاءَ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا قَالَ لَهُ هَلْ لَك فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ شَيْءٌ غَيْرُ الِابْتِيَاعِ الَّذِي قُمْت بِهِ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ خَصْمُهُ جَاوِبْنِي عَنْ الِابْتِيَاعِ أَوَّلًا، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ لَهُ لَيْسَ لِي دَعْوًى غَيْرُ الِابْتِيَاعِ، وَحِينَئِذٍ يُلْزِمُ الْمَطْلُوبَ بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَهَذَا خِلَافُ مَا حَكَاهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْمَوَارِيثَ لَا يُحَاطُ بِهَا فَيَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ عَلَى مَا ادَّعَى عَلَيْهِ مِنْهَا، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَوَارِيثِ لَا يَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْجَوَابُ حَتَّى يَجْمَعَ الْمُدَّعِي دَعَاوِيَهُ كُلَّهَا. مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُحَمَّدٌ مَنْ ادَّعَى بِسِتِّينَ دِينَارًا فَأَقَرَّ خَصْمُهُ بِخَمْسِينَ وَأَبَى فِي الْعَشَرَةِ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ بِالْحَبْسِ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ إذَا طَلَبَ ذَلِكَ الْمُدَّعِي، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ وَالتَّمَادِي عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، قَالَ مُحَمَّدٌ: لِأَنَّ كُلَّ مُدَّعًى عَلَيْهِ لَا يَدْفَعُ الدَّعْوَى فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، قَالَ: وَكَذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَدُورُ فِي يَدِهِ لَا يُقِرُّ وَلَا يُنْكِرُ، فَإِذَا أُجْبِرَ عَلَى ذَلِكَ فَتَمَادَى حُكِمَ عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي بِلَا يَمِينٍ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ: تَقَدَّمَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ الطَّالِبِ مُخَالَطَةٌ، فَمِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَدَّعِي هَذَا؟ لَزِمَ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ الطَّالِبَ، فَإِنْ بَيَّنَ وَجْهَ طَلَبِهِ وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ وَأُلْزِمَ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، وَإِنْ أَبَى الطَّالِبُ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ دَعْوَاهُ وَادَّعَى نِسْيَانَهُ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَأَلْزَمَ الْمَطْلُوبَ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: الْقِيَاسُ عِنْدِي أَنْ لَا يُوقَفَ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يَحْلِفَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَا يَذْكُرُ مَا يَدَّعِيهِ، إذْ لَعَلَّهُ بِذِكْرِ السَّبَبِ يَجِدُ مَخْرَجًا، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ ذِكْرِ السَّبَبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدَّعِيَ نِسْيَانًا لَمْ يَسْأَلْ الْمَطْلُوبَ عَنْ شَيْءٍ.

стр. 193

مَسْأَلَةٌ: إذَا طَالَبَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا أَنْ يُقِرَّ بِصَدَاقِهَا فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ أَبُو صَالِحٍ: لَا بُدَّ لِلْمَسْئُولِ أَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ وَيَلْزَمُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا إبَاحَةُ النِّكَاحِ فَإِنَّ قَوْلَنَا فِي ذَلِكَ إنْ كَانَ الزَّوْجَانِ غَرِيبَيْنِ وَتَقَارَرَا عَلَى ذَلِكَ قَبِلَ قَوْلَهُمَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِقَوْلِهِمَا أَنَّهُمَا زَوْجَانِ إلَّا عَنْ ثَبَاتِ أَصْلِ النِّكَاحِ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا أَوْرَدْتُهُ عَلَى كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ فِي قَبُولِ دَعْوَى الزَّوْجِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الدَّعْوَى. . مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا امْتَنَعَ الْمَطْلُوبُ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ وَقَالَ أَنَا آتِيهِ بِوَكِيلٍ يُجَاوِبُهُ عَنِّي، فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْإِلْزَامُ بِأَنْ يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، وَيُقَالُ لَهُ: الْآنَ مَا تُرِيدُ أَنْ تَأْمُرَ بِهِ وَكِيلَك، قَالَ أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي. وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ يُمْكِنُ. وَالثَّالِثُ: التَّفْرِقَةُ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى قَرِيبَةَ الْمَعْنَى أُمِرَ بِالْجَوَابِ، ثُمَّ وَكَّلَ فَإِنْ أَبَى حُمِلَ عَلَيْهِ الْأَدَبُ، وَإِلَّا فَلَهُ ذَلِكَ وَبِهِ الْعَمَلُ. [فَصْلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِمِلْكٍ فَكَانَ إنْكَارُهُ بِإِقْرَارِهِ بِهِ لِغَيْرِهِ] فَصْلٌ: لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِمِلْكٍ فَكَانَ إنْكَارُهُ بِإِقْرَارِهِ بِهِ لِغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: لَيْسَ لِي فِيهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى وَلَدِي، أَوْ هُوَ لِطِفْلٍ سَمَّاهُ، فَيُقَالُ لِلْمُدَّعِي: أَثْبِتْ أَنَّهُ لَك، فَإِنَّ هَذَا لَا يُنَازِعُك فِيهِ إلَّا أَنْ يُثْبِتَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَتَقِفَ الْمُخَاصَمَةُ عَلَى حُضُورِ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ، وَلَوْ قَالَ لَيْسَ هُوَ لِي أَوْ هُوَ لِمَنْ لَا أُسَمِّيهِ لَمْ يَمْنَعْ الْمُدَّعِي ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْمُحَاكَمَةِ، وَلَوْ قَالَ هُوَ لِفُلَانٍ، وَفُلَانٌ حَاضِرٌ فِي الْبَلَدِ فَحَضَرَ وَادَّعَى بِهِ فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَ الْمُقَرَّ لَهُ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَأَخَذَهُ، وَإِنْ حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ فَلِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَ الْمُقِرَّ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَأَخَذَ مِنْ الْمُقَرِّ بِهِ. أَمَّا لَوْ أَضَافَهُ إلَى مِلْكِ غَائِبٍ فَإِنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ انْصَرَفَتْ الْخُصُومَةُ عَنْهُ إلَى الْغَائِبِ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ ذَلِكَ لَمْ يُصَدَّقْ وَحَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ فَإِنْ نَكَلَ أَخَذَهُ الْمُدَّعِي بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَإِنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ صَرْفَ الْخُصُومَةِ عَنْ نَفْسِهِ.

стр. 194

[الْقِسْمُ الْخَامِسُ فِي بَيَانِ الْعَمَلِ فِي الْإِعْذَارِ] [ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْإِعْذَارِ وَإِرْجَاءِ الْحُجَّةِ لِلْغَائِبِ] وَالتَّأْجِيلِ وَالتَّلَوُّمِ وَالتَّعْجِيزِ وَتَوْقِيفِ الْمُدَّعَى فِيهِ وَفِيهِ خَمْسَةُ فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الْإِعْذَارِ وَإِرْجَاءِ الْحُجَّةِ لِلْغَائِبِ وَالْأَصْلُ فِي الْإِعْذَارِ قَوْله تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْهُدْهُدِ: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا﴾ [طه: ١٣٤] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَالْإِعْذَارُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْعُذْرِ، وَمِنْهُ قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ أَيْ قَدْ بَالَغَ فِي الْإِعْذَارِ مَنْ تَقَدَّمَ إلَيْك فَأَنْذَرَك، وَمِنْهُ إعْذَارُ الْقَاضِي إلَى مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ يُؤْخَذُ مِنْهُ فَيُعْذِرُ إلَيْهِ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي " مُعِينِ الْحُكَّامِ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى يُعْذِرَ إلَيْهِ بِرَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ، وَإِذَا أَعْذَرَ بِوَاحِدٍ أَجْزَأَهُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَيَحْكُمُ بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَهُ أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ؟ فَيَقُولُ لَا، فَإِنْ قَالَ نَعَمْ أَنْظَرَهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَدَدُهُ، وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ أَعَمُّ مِنْ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْمُتَبَادَرُ لِلذِّهْنِ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقْوَى حُجَّةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَتَوَجَّهُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُدَّعِي بِالْإِبْرَاءِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْحُكْمِ. وَوَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا: قَالَ مَالِكٌ: وَجْهُ الْحُكْمِ فِي الْقَضَاءِ إذَا أَدْلَى الْخَصْمَانِ بِحُجَّتِهِمَا وَفَهِمَ الْقَاضِي عَنْهُمَا، وَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا، أَنْ يَقُولَ لَهُمَا أَبَقِيَتْ لَكُمَا حُجَّةٌ فَإِنْ قَالَا

стр. 195

لَا. حَكَمَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ حُجَّةً بَعْدَ إنْفَاذِهِ، يَعْنِي إنْفَاذَ الْقَضَاءِ، وَإِنْ قَالَ: نَعَمْ بَقِيَتْ إلَيَّ حُجَّةٌ أَنْظَرَهُ الْقَاضِي، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى حُجَّتِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ غَيْرِهِ مَعَ بَقَاءِ وِلَايَتِهِ وَبَعْدَهَا، وَيُنْظِرُ لَهُ فِي ذَلِكَ الْقَاضِي وَمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يَظْهَرْ لَدَدُهُ فَحِينَئِذٍ يُعَجِّزُهُ وَالْكَلَامُ عَلَى التَّعْجِيزِ يَأْتِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. مَسْأَلَةٌ: إذَا حَصَلَتْ التَّزْكِيَةُ لِلشُّهُودِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ فِي الْمُزَكِّي وَالْمُزَكَّى، ثُمَّ هَلْ يُعْذِرُ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَهُ؟ فِي الْمَذْهَبِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ، قَالَ ابْنُ نَافِعٍ: يَقُولُ لَهُ دُونَكَ فَاجْرَحْ وَإِلَّا حَكَمْت عَلَيْكَ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ وَذَلِكَ وَهْنٌ لِلشَّاهِدِ. وَقَالَ أَشْهَبُ يَقُولُ لَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ الشَّاهِدُ بِالتَّزْكِيَةِ، وَلَا يَقُولُ لَهُ فِي الْمُبَرَّزِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَقُولُهُ لِمَنْ لَا يَدْرِي ذَلِكَ كَالْمَرْأَةِ وَالضَّعِيفِ. ثُمَّ حَيْثُ قُلْنَا بِالْإِعْذَارِ فَمَا الَّذِي يُسْمَعُ مِنْهُ؟ قَالَ ابْنُ شَاسٍ يُسْمَعُ فِي مُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ الْقَدْحُ فِيهَا، وَأَمَّا الْمُبَرِّزُ الْمَعْرُوفُ بِالصَّلَاحِ فَيُسْمَعُ فِيهِ الْقَدْحُ بِالْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَالْهِجْرَةِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: يُمَكَّنُ مِنْ التَّجْرِيحِ وَلَمْ يُفَرِّقْ. وَإِذَا قُلْنَا بِسَمَاعِ الْجَرْحِ فِي الْمُبَرِّزِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُقْبَلُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ الْمُبَرِّزِ فِي الْعَدَالَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُجَرِّحُ الشَّاهِدُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَفَوْقَهُ، وَلَا يُجَرِّحُهُ مَنْ هُوَ دُونَهُ، إلَّا بِالْعَدَاوَةِ، وَالْهِجْرَةِ، أَمَّا بِالْقَدْحِ فِي الْعَدَالَةِ فَلَا. وَقَالَ مُطَرِّفٌ يُجَرِّحُهُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَفَوْقَهُ وَدُونَهُ بِالْإِسْفَاهِ وَبِالْعَدَاوَةِ إذَا كَانَ عَدْلًا عَارِفًا بِوُجُودِ الْجَرْحِ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يُقْبَلُ التَّجْرِيحُ فِي الْمُبَرِّزِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُجَرِّحُونَ مَعْرُوفِينَ بِالْعَدَالَةِ وَأَعْدَلَ مِنْهُ، وَيَذْكُرُونَ مَا جَرَّحُوهُ بِهِ مِمَّا يَثْبُتُ بِالْكَشْفِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا يُجَرِّحُ الشَّاهِدُ مَنْ دُونَهُ بِالْعَدَاوَةِ وَأَجَازَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ. مَسْأَلَةٌ: وَيُعْذِرُ فِي تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ دُونَ تَعْدِيلِ السِّرِّ، فَلَا يُعْذِرُ الْقَاضِي فِي الْمُعَدِّلِينَ سِرًّا " اُنْظُرْهُ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ ". [فَصْلٌ وَقْتِ الْإِعْذَارِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ] فَصْلٌ: وَفِي " مُفِيدِ الْحُكَّامِ ": وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي وَقْتِ الْإِعْذَارِ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَقِيلَ يُعْذِرُ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَبِهِ الْعَمَلُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقِيلَ يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ يُعْذِرُ إلَيْهِ.

стр. 196

مَسْأَلَةٌ: وَلَيْسَ فِي التَّوْكِيلِ إعْذَارٌ وَلَا أَجَلٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي ذَلِكَ فِي حُكْمِ الْوَكَالَةِ. تَنْبِيهٌ: وَالْإِعْذَارُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَتَمَامِ النَّظَرِ، وَالْإِعْذَارُ فِي شَيْءٍ نَاقِصٍ لَا يُفِيدُ شَيْئًا قَالَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ قَامَ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَثْبَتَ عِنْدَهُ مَوْتَ زَوْجَتِهِ وَعِدَّةَ وَرَثَتِهَا وَهُمْ زَوْجُهَا الْقَائِمُ عِنْدَ الْقَاضِي وَأُخْتُهَا الْحَاضِرَةُ وَأَخُوهَا الْغَائِبُ بِالْمَشْرِقِ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْفُصُولِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ أُمُورٍ. مَسْأَلَةٌ: إذْ قَالَ الْقَاضِي لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ كُنْت خَاصَمْت عِنْدِي وَأَعْذَرْت إلَيْكَ فَلَمْ تَأْتِ بِحُجَّةٍ، وَحَكَمْت عَلَيْكَ وَأَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْخِصَامَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَالْحُكْمُ فِيهَا مَذْكُورٌ فِي آخِرِ الرُّكْنِ الثَّانِي فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا الْخَصْمُ وَتَقْدَحُ فِي الْحُكْمِ. [فَصْلٌ انْعَقَدَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي مَقَالٌ وَشَهِدَتْ بِهِ شُهُودُ الْمَجْلِسِ] فَصْلٌ: إذَا انْعَقَدَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي مَقَالٌ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ وَشَهِدَتْ بِهِ شُهُودُ الْمَجْلِسِ عِنْدَ الْقَاضِي أَنْفَذَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ عَلَى قَائِلِهَا وَلَمْ يُعْذِرْ إلَيْهِ فِي شَهَادَةِ شُهُودِهَا لِكَوْنِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَعِلْمِهِ بِهَا وَقَطْعِهِ بِحَقِيقَتِهَا، وَهَذَا هُوَ الْإِجْمَاعُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ، قَالَهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ بْنِ إبْرَاهِيمَ التُّجِيبِيُّ. وَقَالَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ، وَبِهِ جَرَى الْحُكْمُ وَالْعَمَلُ عِنْدَ الْحُكَّامِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْفَخَّارِ لَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ وَلَا بِمَا يُقَرُّ بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ يَنْكَشِفُ عِنْدَ الْإِعْذَارِ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ غَيْرَ عَدْلَيْنِ أَوْ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَدَاوَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الْمُطَّرِدُ الصَّحِيحُ، لَكِنَّ الِاسْتِحْسَانَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ وَابْنُ الْعَطَّارِ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي عَلَى مَنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ نَظَرِهِ بِمَا سَمِعَ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْ بَيِّنَةً. وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَبِهِ أَخَذَ سَحْنُونٌ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِعِلْمِهِ وَلَا بِمَا أُقِرَّ بِهِ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ لَا فِي حَدٍّ وَلَا فِي غَيْرِهِ. تَقْسِيمٌ آخَرُ: الْإِعْذَارُ فِي الْمَقَالَاتِ الَّتِي تَجْرِي عِنْدَ الْحُكَّامِ ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي " مُفِيدِ الْحُكَّامِ " قَالَ: وَالْإِعْذَارُ فِي الْمَقَالَاتِ الَّتِي تَجْرِي عِنْدَ الْحُكَّامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ.

стр. 197

الْأَوَّلُ: أَنْ يُوقِفَ الْخَصْمُ خَصْمَهُ عَلَى مَا يَطْلُبُهُ فَيُجَاوِبَهُ بِجَوَابٍ مَحْضٍ كَامِلٍ، فَيَأْمُرَ الْحَاكِمُ بِعَقْدِهِ وَبِقِرَاءَتِهِ عَلَى الْمُقَرِّ لَهُ، ثُمَّ يُشْهِدَ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ الْعُدُولَ، فَإِذَا شَهِدُوا فِيهَا أَدَّوْا شَهَادَتَهُمْ بِهَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ نَفْسِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْمُقَرَّ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَطَلَبَ أَنْ يُعْذِرَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ لَمْ يُجِبْهُ الْحَاكِمُ إلَى ذَلِكَ لِمَعْرِفَتِهِ بِصِحَّةِ مَا شَهِدُوا بِهِ عِنْدَهُ قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ بَطَّالٍ فِي أَحْكَامِهِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُجَاوِبَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ بِجَوَابٍ كَامِلٍ مَحْضٍ فَتَنْعَقِدَ مَقَالَتُهُ وَيَكْتُبَ الشُّهُودُ عَلَى ذَلِكَ أَسْمَاءَهُمْ، ثُمًّ يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بَعْدَ أَيَّامٍ مِنْ تَارِيخِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ، فَلِلْمُقِرِّ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ إذَا أَنْكَرَهَا أَنْ يُعْذِرَ إلَيْهِ فِيمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَشْهَدَ شُهُودٌ أَنَّهُمْ سَمِعُوا فُلَانًا يُقِرُّ بِكَذَا وَكَذَا عِنْدَ الْحَاكِمِ دُونَ أَنْ يَعْقِدُوا مَقَالَتَهُ، فَلْيَأْمُرْ الْحَاكِمُ بِعَقْدِ تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَيَكْتُبُوا شَهَادَتَهُمْ عَلَى مَا سَمِعُوا وَيَشْهَدُوا بِهَا عِنْدَهُ، فَإِذَا ثَبَتَ أَعْذَرَ فِي ذَلِكَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ - انْتَهَى. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَرَأَيْت فِي غَيْرِ كِتَابِ ابْنِ الْعَطَّارِ أَنَّ شُهُودَ الْمَجْلِسِ إذَا كَتَبُوا شَهَادَتَهُمْ عَلَى مَقَالِ مُقِرٍّ أَوْ مُنْكِرٍ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي وَلَمْ يَشْهَدُوا بِهَا عِنْدَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ثُمَّ أَدَّوْا الشَّهَادَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا فَإِنَّهُ يُعْذِرُ فِي شَهَادَتِهِمْ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِهِمْ إذَا أَدَّوْهَا فِي الْمَجْلِسِ نَفْسِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَقَالُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَفِظُوهَا وَإِنْ لَمْ يَكْتُبُوهَا ثُمَّ أَدَّوْهَا بَعْدَ ذَلِكَ إذَا طُلِبُوا بِهَا وَكَانُوا عُدُولًا، فَإِنَّهُ لَا يُعْذِرُ فِيهَا إلَى مَنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِهَا. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ: وَلَا يُعْذِرُ الْقَاضِي فِيمَنْ أَعْذَرَ بِهِ إلَى مَشْهُودٍ عَلَيْهِ مِنْ امْرَأَةٍ أَوْ مَرِيضٍ لَا يَخْرُجَانِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُعْذِرُ فِي الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ يُوَجِّهُهُمَا لِحُضُورِ حِيَازَةِ الشُّهُودِ لِمَا شَهِدُوا فِيهِ مِنْ دَارٍ أَوْ عَقَارٍ. وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَسَأَلْت ابْنَ عَتَّابٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا إعْذَارَ، وَأَمَّا الْمُوَجَّهَانِ لِلْحِيَازَةِ فَيُعْذِرُ فِيهِمَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ.

стр. 198

مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الشَّاهِدَانِ الْمُوَجَّهَانِ لِحُضُورِ الْيَمِينِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِمَا فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ أَقَامَهُمَا مَقَامَ نَفْسِهِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ فِيهِمَا. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الشُّهُودُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ تَطْلِيقَ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا وَأَخْذَهَا بِشُرُوطِهَا فِي الطَّلَاقِ فِي مَسَائِلِ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَسْمِيَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا إعْذَارَ فِيهِمْ. تَتْمِيمٌ: لِبَيَانِ الْوُجُوهِ الَّتِي يَسْقُطُ فِيهَا الْإِعْذَارُ وَكُلُّ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِحَقٍّ عَنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، أَوْ دَعْوَى بِفَسَادٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ تَعَدٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِعْذَارِ إلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ الظَّاهِرِ أَوْ الزَّنَادِقَةِ الْمَشْهُورِينَ بِمَا يُنْسَبُ إلَيْهِمْ فَلَا يَعْذِرُ إلَيْهِمْ فِيمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ وَقَعَ فِي آخِرِ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي مَسْأَلَةِ أَبِي الْخَيْرِ الزِّنْدِيقِ لَمَّا شُهِدَ عَلَيْهِ بِمَا يَتَعَاطَاهُ مِنْ الْقَوْلِ الْمُصَرِّحِ بِالْكُفْرِ وَالِانْسِلَاخِ مِنْ الْإِيمَانِ، وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَكَانُوا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَاهِدًا، وَكَانَ الْقَاضِي يَوْمَئِذٍ مُنْذِرَ بْنَ سَعِيدٍ قَاضِيَ الْجَمَاعَةِ فَأَشَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنْ يَعْذِرَ إلَيْهِ فِيمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَشَارَ قَاضِي الْجَمَاعَةِ وَإِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ التُّجِيبِيُّ وَصَاحِبُ الصَّلَاةِ أَحْمَدُ بْنُ مُطَرِّفٍ بِأَنَّهُ يُقْتَلُ بِغَيْرِ إعْذَارٍ؛ لِأَنَّهُ مُلْحِدٌ كَافِرٌ، وَقَدْ وَجَبَ قَتْلُهُ بِدُونِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ، فَقُتِلَ بِغَيْرِ إعْذَارٍ، فَقِيلَ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ فِي ذَلِكَ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَشْرَحَ لَهُمْ أَصْلَ الْفُتْيَا فِي قَتْلِهِ بِغَيْرِ إعْذَارٍ، فَذَكَرَ أَنَّ مِنْ أَصْلِهِ الَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَلَى قَاعِدَةِ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ فِي قَطْعِ الْإِعْذَارِ عَمَّنْ اسْتَفَاضَتْ عَلَيْهِ الشَّهَادَاتُ فِي الظُّلْمِ. وَعَلَى مَذْهَبِهِ فِي السَّلَّابَةِ وَالْمُغِيرِينَ وَأَشْبَاهِهِمْ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ الْمَسْلُوبُونَ وَالْمُنْتَهَبُونَ بِأَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ وَفِي قَبُولِهَا عَلَيْهِمْ سَفْكُ دِمَائِهِمْ. وَفِي الرَّجُلِ يَتَعَلَّقُ بِالرَّجُلِ وَجُرْحُهُ يُدْمِي فَيُصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَفِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالرَّجُلِ فِي الْمَكَانِ الْخَالِي وَقَدْ فَضَحَتْ نَفْسَهَا بِإِصَابَتِهِ لَهَا فَتُصَدَّقُ بِفَضِيحَةِ نَفْسِهَا.

стр. 199

وَفِي الَّذِي وَجَدَهُ مَالِكٌ ﵀ عِنْدَ أَحَدِ الْحُكَّامِ وَهُوَ يَضْرِبُ بِدَعْوَى صَبِيٍّ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ وَهُوَ يُدْمِي فَضَرَبَهُ الْحَاكِمُ فِيمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ مِنْ إصَابَتِهِ لَهُ فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ وَمَالِكٌ جَالِسٌ عِنْدَهُ حَتَّى ضَرَبَ ثَلَثَمِائَةِ سَوْطٍ وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ مَعَ مَا تَقَدُّمٍ لَهُ مِنْ الضَّرْبِ قَبْلَ وُصُولِ مَالِكٍ ﵀ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ انْتَهَى بِهِ الضَّرْبُ إلَى سِتِّمِائَةِ سَوْطٍ، وَفِي أَهْلِ حِصْنٍ مِنْ الْعَدُوِّ يَأْتُونَ مُسْلِمِينَ رِجَالًا وَنِسَاءً حَوَامِلَ وَغَيْرَ حَوَامِلَ فَيُصَدَّقُونَ فِي أَنْسَابِهِمْ وَيَتَوَارَثُونَ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً لَهُمْ عَدَدٌ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْعِشْرُونَ عِنْدِي جَمَاعَةٌ فَأَيْنَ الْإِعْذَارُ فِي هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، وَإِذَا كَانَ مَالِكٌ يَرَى فِي أَهْلِ الظُّلْمِ لِلنَّاسِ وَالسَّلَّابِينَ وَالْمُحَارِبِينَ وَنَحْوِهِمْ أَنْ يُقْطَعَ عَنْهُمْ الْإِعْذَارُ فَالظَّالِمُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ أَحَقُّ بِأَنْ يُقْطَعَ عَنْهُ الْإِعْذَارُ فِيمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي مُتَقَرِّبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِسْقَاطِ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِ فِي طَلَبِ الْمَخَارِجِ لَهُ بِالْإِعْذَارِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ» وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ أُمُّ الْقَضَايَا وَلَا إعْذَارَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَإِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵃، وَهُمَا أَيْضًا مَلَاذُ الْحُكَّامِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَا إعْذَارَ فِيهِمَا وَلَا إقَالَةَ مِنْ حُجَّةٍ وَلَا مِنْ كَلِمَةٍ، غَيْرَ أَنَّ الْإِعْذَارَ فِيمَا يَتَحَاكَمُ النَّاسُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَسْبَابِ الدِّيَانَاتِ اسْتِحْسَانٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَأَنَا عَلَى اتِّبَاعِهِمْ فِيهِ وَالْأَخْذِ بِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ مُسْتَحْكِمَةٍ فِيمَا أَوْجَبُوا الْإِعْذَارَ فِيهِ مِنْ الْحُقُوقِ، وَأَلْتَزِمُ التَّسْلِيمَ لِمَا اسْتَحْسَنُوهُ، إذْ هُمْ الْقُدْوَةُ وَالْهُدَاةُ. فَأَمَّا فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ فِي الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ ﵊ فَلَمْ أَسْمَعْ بِهِ، وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ مِمَّنْ وَصَلَ إلَيْنَا عِلْمُهُ وَمِمَّا لَا إعْذَارَ فِيهِ شَهَادَاتُ مَنْ يَحْضُرُ مَجْلِسَ الْحَاكِمِ وَيَشْهَدُ عِنْدَهُ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنْ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَمِنْهَا شَهَادَاتُ مَنْ يُعْذِرُ لَهُمْ الْحَاكِمُ إلَى مَنْ تَحْجُبُهُ الْأَحْوَالُ الْمَانِعَةُ مِنْ مُشَاهَدَتِهِمْ لِلشُّهُودِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَهَؤُلَاءِ لَا إعْذَارَ فِيهِمْ.

стр. 200

وَمِنْهَا شَهَادَاتُ مَنْ يُوَجِّهُهُمْ الْحَاكِمُ إلَى امْتِحَانِ مَا لَا غِنَى بِهِمْ عَنْ امْتِحَانِهِ مِمَّنْ يَثِقُونَ بِهِ كَالْعَبْدِ فِيهِ الْعَيْبُ، فَيَبْعَثُ بِهِ الْحَاكِمُ إلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالنَّظَرِ يَشْهَدُونَ عِنْدَهُ بِهِ فَلَيْسَ فِيهِمْ إعْذَارٌ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسْأَلُوا الشَّهَادَةَ، وَإِنَّمَا الْقَاضِي اسْتَخْبَرَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ، وَالْإِعْذَارُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الظُّنُونِ وَالتُّهْمَةِ لِلشُّهُودِ، وَكَذَلِكَ الْإِعْذَارُ فِي الْمُوَجَّهِينَ إلَى حِيَازَةِ مَا شُهِدَ بِهِ عِنْدَهُمْ مِمَّا لَا بُدَّ أَنْ يُحَازُوا إلَى تَنْفِيذِ مَا لَا يُمْكِنُهُمْ إنْفَاذُهُ فِي مَجَالِسِهِمْ لِأَسْبَابٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا فَلَا إعْذَارَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَاتِ، وَرُبَّمَا اُكْتُفِيَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ هَذِهِ كُلُّهَا إلَّا شَهَادَاتٌ، وَهَلْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا فَرْقٌ فِي شَيْءٍ. وَمِنْهَا اسْتِفَاضَةُ الشَّهَادَاتِ الْمَشْهُودِ بِهَا عِنْدَ الْحُكَّامِ فِي الْأَسْبَابِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ، وَفِي الْمَوْتِ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، وَفِي النِّكَاحَاتِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ، وَفِي الْوَلَاءِ الْقَدِيمِ، وَفِي الْأَحْبَاسِ الْقَدِيمَةِ وَفِي الضَّرَرِ يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَفِي أَشْيَاءَ غَيْرِ هَذَا يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَلِهَذِهِ الشَّهَادَاتِ بَابٌ مُسْتَوْعَبٌ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ وَالضَّرَرِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ الْإِعْذَارُ فِي الشَّهَادَةِ بِالضَّرَرِ وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ الْإِعْذَارُ فِي حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُمَا يَحْكُمَانِ فِي ذَلِكَ بِمَا خَلَصَ إلَيْهِمَا بَعْدَ النَّظَرِ وَالْكَشْفِ وَلَيْسَ حُكْمُهُمَا بِالشَّهَادَةِ الْقَاطِعَةِ، قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ فَإِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ نَزَعْت فِي تَرْكِ الْإِعْذَارِ إلَى هَذَا الْمُلْحِدِ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: لَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو إبْرَاهِيمَ ﵀ فِي هَذَا التَّبْيِينِ وَالنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ فِي فُصُولٍ مِنْ كَلَامِهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْأُصُولِ وَفِي بَعْضِهَا اخْتِلَافٌ. وَالْحَقُّ الْبَيِّنُ: أَنَّ مَنْ تَظَاهَرَتْ الشَّهَادَاتُ عَلَيْهِ فِي إلْحَادٍ أَوْ غَيْرِهِ هَذَا التَّظَاهُرَ وَكَثُرَتْ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَثْرَةَ فَالْإِعْذَارُ إلَيْهِ مَعْدُومُ الْفَائِدَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ تَجْرِيحَ جَمِيعِهِمْ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِمَا يُسْقِطُ بِهِ شَهَادَتَهُمْ وَمَنْ قَالَ بِالْإِعْذَارِ قَالَ أَصْلُهُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ وَالْحُكَّامِ فِي لُزُومِ الْإِعْذَارِ فِي الْأَمْوَالِ، وَمَنْ اجْتَهَدَ أَصَابَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

стр. 201

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي ذِكْرِ وُجُوهِ التَّأْجِيلِ وَالتَّلَوُّمِ] وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْإِعْذَارِ وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ إلَى الْمُدَّعِي، فَإِذَا أَعْذَرَ الْقَاضِي إلَى مَنْ تَوَجَّهَ الْإِعْذَارُ إلَيْهِ مِنْ طَالِبٍ أَوْ مَطْلُوبٍ وَسَأَلَهُ أَبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ وَسَأَلَهُ التَّأْجِيلَ ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا بِحَسَبِ تِلْكَ الْوَاقِعَةِ بِمَا يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فِي بُلُوغِ الْمُؤَجَّلِ مَقْصُودَهُ مَعَ انْتِفَاءِ ضَرَرِ خَصْمِهِ، فَإِنْ كَانَ التَّأْجِيلُ فِي حَقِّ الْمَطْلُوبِ وَأَتَى بِمَدْفَعٍ فِيمَا شُهِدَ عَلَيْهِ أَوْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ فَسَأَلَ الطَّالِبُ التَّأْجِيلَ أَيْضًا، وَزَعَمَ أَنَّ لَهُ مَدْفَعًا فِيمَا أَتَى بِهِ الْمَطْلُوبُ ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا أَيْضًا وَتَلَوَّمَ عَلَيْهِ حَتَّى أَلْحَقَ وَيَتَبَيَّنَ عَجْزُ أَحَدِهِمَا فَيُنْفِذَ الْحُكْمَ حِينَئِذٍ، وَيَحْكُمَ بِالتَّعْجِيزِ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ. وَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِ التَّعْجِيزِ وَضَرْبُ الْأَجَلِ مَصْرُوفٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحُكَّامِ بِحَسَبِ حُسْنِ النَّظَرِ فِي أَمْرِ الْخَصْمَيْنِ وَلَيْسَ فِيهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ لَا يُتَجَاوَزُ، إنَّمَا هُوَ الِاجْتِهَادُ، وَنَذْكُرُ طَرَفًا مِمَّا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ بَيْنَ الْحُكَّامِ، وَالْآجَالُ مُخْتَلِفَةٌ، فَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ فِيمَا يَطُولُ النَّظَرُ فِيهِ وَالْإِثْبَاتُ كَدَعْوَى الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالْوِرَاثَاتِ أُجِّلَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَتَلَوَّمُ عَلَيْهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَتِمَّةَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا قَالَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ وَغَيْرُهُ، وَيُوقِفُهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ تَمَامِ كُلِّ أَجَلٍ مِنْ هَذِهِ الْآجَالِ ثُمَّ يُوسِعُ لَهُ بِالْأَجَلِ الثَّانِي إلَى تَمَامِ الشَّهْرِ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَكَانَ الْحُكَّامُ يَجْمَعُونَهَا فِي حُكْمٍ وَيُفَرِّقُونَهَا فِي آخَرَ بِحَسَبِ مَا يُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ، وَذَكَرَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ يُوقِفُهُ، ثُمَّ سِتَّةٌ ثُمَّ يُوقِفُهُ أَيْضًا، ثُمَّ أَرْبَعَةٌ أَيْضًا كَذَلِكَ، ثُمَّ يَتَلَوَّمُ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ ضَرَبَ الْأَجَلَ الْأَوَّلَ عِشْرِينَ يَوْمًا تَلَوَّمَ عَلَيْهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. قَالَ أَبُو سَهْلٍ: وَكَانَ أَبُو الْمُطَرِّفِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرٍ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ يَضْرِبُ الْآجَالَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ آخِرَ الْقُضَاةِ عِلْمًا وَدِرَايَةً وَتَفَنُّنًا فِي الْأَقْضِيَةِ.

стр. 202

قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَضْرِبَ لَهُ أَجَلًا قَاطِعًا مِنْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَيُدْخِلَ فِيهِ الْأَجَلَ وَالتَّلَوُّمَ، وَيُخْبِرُ الْحَاكِمُ الْخَصْمَ أَنَّهُ جَمَعَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْآجَالَ وَالتَّلَوُّمَ حَتَّى يَعْرِفَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيِّ إذَا كَانَ التَّأْجِيلُ فِي الْأُصُولِ فَالشَّهْرَانِ وَالثَّلَاثَةُ لَا سِيَّمَا إذَا ادَّعَى مَغِيبَ الْبَيِّنَةِ وَأَنَّهُمْ تَفَرَّقُوا، وَكَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ، هَذَا مَعَ حُضُورِ بَيِّنَتِهِ فِي الْبَلَدِ، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ غَائِبَةً عَنْ الْبَلَدِ فَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِيمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فِي دَارٍ فِي يَدَيْهِ فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ حُجَّةٍ قَوِيَّةٍ، فَإِنَّهُ يُؤَجَّلُ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَرَوَى أَشْهَبُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَزَادَ فَإِنْ طَلَبَ بَعْدَ ذَلِكَ أَجَلًا آخَرَ وَقَالَ تَفَرَّقَ شُهُودِي وَغَابُوا، فَإِنْ ظَهَرَ الصِّدْقُ مِنْ قَوْلِهِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَدَدُهُ ضُرِبَ لَهُ أَجَلٌ آخَرُ وَإِلَّا لَمْ يُضْرَبْ لَهُ أَجَلٌ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ اُنْظُرْهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ. وَإِنْ كَانَ التَّأْجِيلُ فِي إثْبَاتِ الدُّيُونِ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَنَحْوُهَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ، وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ فِي الْإِعْذَارِ فِي الْبَيِّنَاتِ وَحَلِّ الْعُقُودُ فَثَلَاثُونَ يَوْمًا، وَلِلْقَاضِي جَمْعُهَا وَبِتَفْرِيقِهَا جَرَى الْعَمَلُ، قَالَهُ الْجَزِيرِيُّ، وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ فِي إثْبَاتِ شَيْءٍ مِمَّا يُدَّعَى فِيهِ مَا عَدَا الْأُصُولَ أَجَّلَ الْمُثْبِتُ دَعْوَاهُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ سِتَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَرْبَعَةً، ثُمَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تَلَوُّمًا لِتَمَامِ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ فِي الَّذِي يَدَّعِي الشَّيْءَ عَلَى الرَّجُلِ وَيُقِيمُ شَاهِدًا أَوْ لَطْخًا وَيَدَّعِي شَاهِدًا آخَرَ فَإِنَّمَا يَضْرِبُ لَهُ أَجَلًا الْجُمُعَةَ وَنَحْوَهَا حَكَاهُ سَحْنُونٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ. وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ فِي دَعْوَى الْحُرِّيَّةِ فَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَادَّعَى شَاهِدًا آخَرَ أَنَّهُ يُؤَجَّلُ الشَّهْرَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، لَا سِيَّمَا إذَا ادَّعَى مَغِيبَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ لِمَنْ ادَّعَى دَابَّةً أَوْ أَمَةً يَخَاف أَنْ يَغِيبَ عَلَيْهَا الْمُدَّعِي فَإِنَّهَا تُوقَفُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، فَإِنْ أَتَى بِشَيْءٍ يُوجِبُ التَّوْقِيفَ وَإِلَّا أُطْلِقَتْ عَلَيْهَا يَدُ صَاحِبِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ، فَإِنْ أَقَامَ عَلَى الْعَبْدِ أَوْ الدَّابَّةِ شَاهِدًا، وَطَلَبَ الْمُدَّعِي أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ الْمُدَّعَى فِيهِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعِ بَيِّنَتِهِ، فَذَلِكَ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَضَعَ قِيمَتَهُ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ سَحْنُونٌ، فَإِنْ

стр. 203

لَمْ يُرِدْ أَنْ يَضَعَ قِيمَتَهُ. وَقَالَ: يُوقَفُ حَتَّى آتِيَ بِبَيِّنَتِي، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَقْرُبُ وُقِفَ لَهُ مَا بَيْنَ الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ إلَى الْجُمُعَةِ قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَقِيلَ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي تَوْقِيفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا. وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ فِي تَوْقِيفِ الْمُدَّعَى فِيهِ التَّأْجِيلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي مَحَلِّهَا وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ قَدْ ضُرِبَ لِلْمِدْيَانِ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ فَيُؤَجَّلُ نَحْوَ الشَّهْرَيْنِ قَالَهُ ابْنُ زَرْبٍ وَغَيْرُهُ، وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ. وَإِنْ كَانَ الْأَجَلُ فِي الْإِعْسَارِ بِالصَّدَاقِ فَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ يُؤَجَّلُ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَيْسَ النَّاسُ فِي التَّلَوُّمِ سَوَاءً مِنْهُمْ مَنْ يُرْجَى لَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُرْجَى لَهُ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا أَحُدُّ فِي ذَلِكَ حَدًّا، قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا أَنَّ مَنْ لَا يُرْجَى لَهُ شَيْءٌ لَا يُتَلَوَّمُ لَهُ، وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ، لِوَقْتِهِ، قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهَذَا قَبْلَ الْوَطْءِ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا مِنْ الدُّخُولِ وَمِنْ الْوَطْءِ بَعْدَهُ وَمِنْ السَّفَرِ مَعَهُ حَتَّى تَقْبِضَ مَا وَجَبَ مِنْ صَدَاقِهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تُلُوِّمَ لَهُ بِأَجَلٍ بَعْدَ أَجَلٍ ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ، فَإِنْ وَطِئَهَا لَمْ يَبْقَ لَهَا إلَّا الْمُطَالَبَةُ يُرِيدُ أَنَّهُ صَارَ دَيْنًا مِنْ جُمْلَةِ دُيُونِهَا، وَلَا تَطْلُقُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ بِمَطْلِهِ دَيْنَهَا أَوْ بِإِعْسَارِهِ بِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يُؤَخَّرُ السَّنَتَيْنِ وَلَا يُعَجَّلُ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُضْرَبُ لَهُ أَجَلُ سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ يُجْرِي النَّفَقَةَ وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ يُرْجَى لَهُ الْيَسَارُ كَالتَّاجِرِ يَنْتَظِرُ إنْفَاقَ السِّلَعِ وَالْأَسْوَاقَ أَوْ يَنْتَظِرُ مَالًا مِنْ بَلَدِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ اُتُّهِمَ أَنَّهُ أَخْفَى مَالَهُ لَمْ يُوسَعْ لَهُ فِي الْأَجَلِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَحَلِّهِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا طَالَبَ أَبُو الِابْنَةِ صِهْرَهُ بِالنَّقْدِ مِنْ الصَّدَاقِ وَبِالْبِنَاءِ بِأَهْلِهِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَدَاءَهُ وَسَأَلَ التَّأْجِيلَ فِيهِ وَالْإِنْظَارَ بِهِ،

стр. 204

فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُكَلِّفُ الزَّوْجَ إثْبَاتَ عَدَمِهِ، وَبَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ عِنْدَهُ الزَّوْجِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ فَإِذَا ثَبَتَ عَدَمُهُ حَلَّفَهُ عَلَى تَحْقِيقِ مَا شُهِدَ لَهُ بِهِ مِنْ الْعَدَمِ ثُمَّ يُؤَجِّلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْأَجَلُ الْمَضْرُوبُ لَهُ فِي إثْبَاتِ الْعَدَمِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، قَالَ بَعْضُ الْمُوَثِّقِينَ: وَإِنَّمَا حَدَّدْنَا التَّأْجِيلَ فِي هَذَا بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا لِاتِّفَاقِ الْقُضَاةِ بِقُرْطُبَةَ وَغَيْرِهَا وَاسْتِحْسَانِهِمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ لَهَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ، وَهُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَإِذَا سَأَلَ الْغَرِيمُ الْحَاكِمَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ بِالدَّيْنِ الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ وَيُعْطِيَ حَمِيلًا بِالْمَالِ أَخَّرَهُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَالْقُضَاةُ الْيَوْمَ يُؤَخِّرُونَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بِحَسَبِ مَا يَظْهَرُ مِنْ حَالِ الْغَرِيمِ مِنْ لَدَدٍ وَغَيْرِهِ، وَوَقَعَ فِي فُتْيَا بَعْضِ الشُّيُوخِ فِيمَنْ سَأَلَ التَّأْخِيرَ حَتَّى يَجْمَعَ الْمَالَ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَلَى الْقَاضِي تَأْخِيرٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْحُكْمُ وَالْأَعْدَاءُ، فَإِنْ أَبَى الطَّالِبُ أَنْ يُؤَخَّرَ فَالْحَبْسُ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ سَهْلٍ وَقَالَ هَذَا خِلَافُ نُصُوصِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ بِمَا فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ فِي أَحْكَامِ حَبْسِ الْغَرِيمِ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ الْكِتَابِ. وَالْأَجَلُ الْمَضْرُوبُ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ الْقَرِيبَةِ مَا بَيْنَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ إلَى الْجُمُعَةِ، وَيُؤَجَّلُ الْمَطْلُوبُ إذَا قَالَ أَمْهِلْنِي لِأَنْظُرَ فِي حِسَابِي وَأُحَقِّقَ مَا أُجِيبُ بِهِ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ بِحَمِيلٍ بِوَجْهِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُمْهِلُهُ الْحَاكِمُ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ لِزَمَانِ الْمُهْلَةِ، فَقَدْ يَطُولُ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ يَقْصُرُ وَيُؤَجَّلُ الْمُسْتَمْهِلُ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْيَمِينِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، وَالْأَجَلُ فِي الدَّارِ الَّتِي يُرِيدُ الْقَاضِي اعْتِقَالَهَا وَإِيقَافَهَا فَيَسْأَلُهُ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ أَنْ يُمْهِلَهُ حَتَّى يُخْرِجَ مِنْهَا مَتَاعَهُ فَإِنَّهُ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْأَجَلُ لِمَنْ طَلَبَ الْإِمْهَالَ لِيَنْظُرَ هَلْ يَأْخُذُ الْحِصَّةَ الْمُسْتَشْفَعَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَقِيلَ لَا يُؤَجَّلُ، وَكَذَا تَأْجِيلُهُ لِتَحْصِيلِ الثَّمَنِ، وَأَجَلُ مَنْ يَتَلَوَّمُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ لِأَجْلِ الْإِنْفَاقِ فَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ أَوْ يُطَلِّقَ، رُوِيَ شَهْرٌ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَضُرَّ بِالْمَرْأَةِ، وَرُوِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: شَهْرَانِ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ، وَفِيهَا مِنْ الْخِلَافِ غَيْرُ هَذَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَجَلَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الرَّجَاءِ لَهُ، وَأَمَّا الْأَجَلُ فِي حَقِّ الزَّنَادِقَةِ إذَا ادَّعَوْا مَدْفَعًا فِيمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَمَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الشُّيُوخِ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَفَاضَتْ عَنْهُ الْأُمُورُ الْمُوجِبَةُ لِلْقِيَامِ عَلَيْهِ

стр. 205

وَكَثُرَتْ الشَّهَادَاتُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُعْذَرُ إلَيْهِ وَلَا يُضْرَبُ لَهُ أَجَلٌ فِي دَفْعِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُؤَجَّلُ شَهْرًا لِدَفْعِ الْبَيِّنَاتِ، فَإِنْ طَلَبَ أَجَلًا آخَرَ وَظَهَرَ مِنْهُ الصِّدْقُ وَطُمِعَ لَهُ بِمَا يَدْفَعُ عَنْهُ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ، أُجِّلَ أَجَلًا دُونَ الْأَوَّلِ أَوْ مِثْلَهُ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ حَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ صِدْقُ قَوْلِهِ وَظَهَرَ أَنَّ طَلَبَهُ الْآجَالَ لِلَدَدٍ أَوْ مُمَاطَلَةٍ لَمْ يُوسَعْ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ " أَحْكَامَ ابْنِ سَهْلٍ " فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ فِي ذِكْرِ الْآجَالِ، وَفِي آخِرِهِ مَسْأَلَةُ أَبِي الْخَيْرِ الزِّنْدِيقِ. تَنْبِيهٌ: وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَدَارِكِ مِنْ تَأْجِيلِ هَارُونَ بْنِ حَبِيبٍ فِيمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ وَنُظَرَائِهِ لَمْ يَكُنْ تَأْجِيلُهُمْ الشَّهْرَيْنِ وَأَكْثَرَ لِمَا وَقَعَ فِي الشُّهُودِ وَإِنَّمَا كَانَ عُقُوبَةً وَلِكَمَالِ النَّظَرِ فِي تَحْقِيقِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيمَا صَدَرَ مِنْهُمْ فَاعْلَمْ ذَلِكَ. وَالْأَجَلُ فِي حَقِّ الْمَفْقُودِ فِي الْمُعْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا تَعْتَدُّ بَعْدَ التَّلَوُّمِ بِالِاجْتِهَادِ، وَرُوِيَ بَعْدَ سَنَةٍ، وَرُوِيَ سَنَةٌ فِيهَا الْعِدَّةُ. [فَصْلٌ بَعْضُ الْآجَالِ لَا يَدْخُلُهَا اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ] فَصْلٌ: وَبَعْضُ الْآجَالِ لَا يَدْخُلُهَا اجْتِهَادُ الْحَاكِمِ كَأَجَلِ الْمُعْتَرِضِ وَهُوَ مُدَّةُ سَنَةٍ مِنْ يَوْمِ رَفْعِهِ إنْ كَانَ حُرًّا، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، قِيلَ مِثْلُهُ وَقِيلَ نِصْفُ سَنَةٍ، وَأَجَلُ الْمَجْنُونِ جُنُونًا حَادِثًا يُعْزَلُ عَنْ زَوْجَتِهِ سَنَةً، فَإِنْ صَحَّ وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَجَلُ الْمَفْقُودِ خَبَرُهُ إذَا رَفَعَتْ زَوْجَتُهُ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ فَيُؤَجَّلُ الْحُرُّ أَرْبَعَ سِنِينَ وَالْعَبْدُ سَنَتَيْنِ مُنْذُ يَعْجِزُ عَنْ خَبَرِهِ بَعْدَ الْبَحْثِ، وَأَجَلُ الْمَوْلَى تَمَامُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَحَلِّهِ بِشُرُوطِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَيَلْحَقُ بِالْمَوْلَى مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَلَا عِلَّةٍ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي ذَلِكَ، وَالْأَجَلُ الَّذِي يُوقَفُ فِيهِ مِيرَاثُ الْحَمْلِ عَلَى الْخِلَافِ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ، وَالْأَجَلُ الَّذِي يُوقَفُ فِيهِ قَسْمُ الْمَالِ لِلتَّعْمِيرِ، وَالْأَجَلُ الَّذِي يُوقَفُ فِيهِ عَقْلُ سِنِّ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَثْغَرْ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَحَلِّهِ، وَالْأَجَلُ فِي تَأْخِيرِ قِصَاصِ مَا سِوَى النَّفْسِ حَتَّى يَبْرَأَ وَالْأَجَلُ فِي تَأْخِيرِ الْعَقْلِ فِي الْخَطَأِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَالْأَجَلُ فِي تَأْخِيرِ الْقِصَاصِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ الْمُفْرِطَيْنِ وَمَا أَشْبَهُ ذَلِكَ مِنْ تَأْخِيرِ الْقِصَاصِ لِمَرَضِ الْجَانِي، وَتَأْخِيرِ الْمُوَالَاةِ فِي قَطْعِ الْأَطْرَافِ، وَتَأْخِيرِ الْحَامِلِ فِي اسْتِيفَاءِ النَّفْسِ، وَتَأْخِيرِ الْمُرْضِعِ إلَى أَنْ يُوجَدَ مَنْ يُرْضِعُ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي ذَلِكَ، وَأَجَلُ الْمُرْتَدِّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ فَهَذِهِ الْآجَالُ مُتَّبَعَةٌ عَلَى مَا قَرَّرَهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ، وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ إشَارَةٌ إلَى مَا لَمْ أَذْكُرْهُ وَتَنْبِيهٌ عَلَيْهِ.

стр. 206

مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَدْخَلَ الْقَاضِي أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ تَحْتَ أَجَلٍ، أَوْ أَدْخَلَهُمَا مَعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ثُمَّ عُزِلَ أَوْ مَاتَ قَبْلَ انْصِرَامِ الْآجَالِ، وَلَمْ يَسْتَأْنِفْ الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ ضَرْبَ أَجَلٍ آخَرَ، وَلْيُنَفَّذْ الْحُكْمُ مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ الْعَزْلُ أَوْ الْمَوْتُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْخَصْمَيْنِ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ الَّذِي ضُرِبَ لَهُ، فَإِنَّهُ يُكْمَلُ فِي حَقِّ الْآخَرِ أَوْ فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ مِنْ " مُفِيدِ الْحُكَّامِ ". [فَصْلٌ لَا يَعُدُّ الْيَوْمَ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ الْأَجَلَ وَلَا يَحْتَسِبُ بِهِ] فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ مَالِكٍ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَا يَعُدُّ الْيَوْمَ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ الْأَجَلَ وَلَا يَحْتَسِبُ بِهِ، كَمَا لَا يَحْتَسِبُ بِالْيَوْمِ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ الْعُهْدَةَ، وَفِي الْعُهْدَةِ خِلَافٌ. اُنْظُرْهُ فِي بَابِ الِاسْتِرْعَاءِ. تَنْبِيهٌ: وَإِذَا تَمَّ الْأَجَلُ الْأَوَّلُ لَمْ يَكْتُبْ الْأَجَلَ الثَّانِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بَعْدَهُ، وَلَا يَحْتَسِبُ بِهِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي الْآجَالِ كُلِّهَا. تَنْبِيهٌ: وَيَقُولُ فِي التَّارِيخِ فِي الْآجَالِ كُلِّهَا، لِكَذَا وَكَذَا خَلَوْنَ، وَلَا يَقُولُ خَلَتْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَخْلُ اللَّيْلَةُ الَّتِي تُؤَرَّخُ بِهَا إلَّا بِانْقِضَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ " مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ ". مَسْأَلَةٌ: وَالْقَاضِي مُصَدَّقٌ فِي التَّأْجِيلِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ شُهُودًا يُرِيدُ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ التَّأْجِيلِ، قَالَهُ فِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ. [فَصْلٌ وَالطَّرِيقَةُ فِي كِتَابَةِ الْأَجَلِ] ِ إنْ كَتَبَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ يَكْتُبُ: أَجَّلْنَا أَوْ أَجَّلْت فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ فِي الْمَدْفَعِ الَّذِي ادَّعَاهُ فِي الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَا عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ فِي الْعَقْدِ الَّذِي فِي أَعْلَى هَذَا الْكِتَابِ، بَعْدَ أَنْ أَعْلَمْنَاهُ أَوْ أَعْلَمْتُهُ بِهِمَا وَبِقَبُولِي لَهُمَا، وَبِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدِي بِشَهَادَتِهِمَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، أَوَّلُهَا يَوْمُ كَذَا لِكَذَا وَكَذَا خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ كَذَا، مِنْ سَنَةِ كَذَا، فَإِذَا انْقَضَتْ كَتَبَ، وَأَجَلًا ثَانِيًا مِنْ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا كَذَا كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِذَا انْقَضَتْ كَتَبَ وَأَجَلًا ثَالِثًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا، فَإِذَا انْقَضَتْ كَتَبَ وَتَلَوَّمْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ انْصِرَامِ الْآجَالِ الْمَضْرُوبَةِ لَهُ الَّتِي فَوْقَ هَذَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا كَذَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَرُبَّمَا كَتَبَ فِي الْأَجَلِ الثَّالِثِ وَأَجَلًا ثَالِثًا دَخَلَ فِيهِ التَّلَوُّمُ مِنْ سَبْعَةِ أَيَّامٍ أَوَّلُهَا كَذَا.

стр. 207

وَإِنْ كَتَبَ عَنْ الْقَاضِي كَاتِبُهُ كَتَبَ أَجَّلَ الْقَاضِي فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَاضِي حَاضِرَةِ كَذَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَجَلِ مَا ثَبَتَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ فِي الْعَقْدِ الْوَاقِعِ فِي بَطْنِ هَذَا الْكِتَابِ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِمَا فِيهِ وَبِمَنْ ثَبَتَ أَجَلًا قَاطِعًا جَامِعًا لِلتَّلَوُّمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوَّلُهَا كَذَا لِكَذَا وَكَذَا خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كُلِّ أَجَلٍ، فَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ بِخَطِّ الْكِتَابِ كَتَبَ الْقَاضِي بِخَطٍّ هَذَا صَحِيحٌ أَوْ هَذَا الْأَجَلُ صَحِيحٌ أَوْ الْآجَالُ صَحِيحَةٌ. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي التَّعْجِيزِ] وَإِذَا انْقَضَتْ الْآجَالُ وَالتَّلَوُّمُ وَاسْتُوْفِيَتْ الشُّرُوطُ وَلَمْ يَأْتِ الشَّخْصُ الْمُؤَجَّلُ بِشَيْءٍ يُوجِبُ لَهُ نَظَرًا، عَجَّزَهُ الْقَاضِي وَأَنْفَذَ الْقَضَاءَ عَلَيْهِ، وَسَجَّلَ وَقَطَعَ بِذَلِكَ تَبِعَتَهُ عَنْ خَصْمِهِ فِي ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ، ثُمَّ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ حُجَّةً إنْ وَقَعَ عَلَيْهَا، وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ بَيِّنَةً إنْ أَتَى بِهَا كَانَ هَذَا الْمُعَجَّزُ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا. تَنْبِيهٌ: فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ قَضَى عَلَى الْقَائِمِ بِإِسْقَاطِ دَعْوَاهُ حِينَ لَمْ يَجِدْ بَيِّنَةً مِنْ غَيْرِ صُدُورِ تَعْجِيزٍ ثُمَّ وَجَدَ بَيِّنَةً فَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لَهُ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا حَكَمَ الْقَاضِي عَلَى الْغَرِيمِ لِعَجْزِهِ ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا حُلِّفَ وَقُضِيَ لَهُ بِهَا، وَقِيلَ لَا يُقْضَى لَهُ بِهَا وَبِهِ الْعَمَلُ. وَفِي " مُعِينِ الْحُكَّامِ ": وَإِذَا أَتَى الْمُعَجَّزُ بِبَيِّنَةٍ فَهَلْ تُقْبَلُ مِنْهُ أَوْ لَا؟ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مِنْهُ كَانَ الْمُعَجَّزُ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمِ النِّكَاحِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ فِي تَعْجِيزِ الطَّالِبِ، قَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ: وَإِذَا قَالَهُ فِي الطَّالِبِ فَأَحْرَى أَنْ يَقُولَهُ فِي الْمَطْلُوبِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ كَانَ الْمُعَجَّزُ طَالِبًا أَوْ مَطْلُوبًا إذَا كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، إذْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ تَعْجِيزِ الطَّالِبِ أَوْ الْمَطْلُوبِ.

стр. 208

وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْ الطَّالِبِ دُونَ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ وَالْهِبَاتِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ قَالُوا: هَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا عَجَّزَهُ الْقَاضِي بِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ، أَمَّا إذَا عَجَّزَهُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَالْإِعْذَارِ وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّ لَهُ حُجَّةً فَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْحُجَجِ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ هَلْ الِاخْتِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي التَّعْجِيزِ يَخْتَصُّ بِالْقَاضِي الَّذِي وَقَعَ الْعَجْزُ عِنْدَهُ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ وَلِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْحُكَّامِ عَلَى قَوْلَيْنِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا أَجَابَ الْقَائِمُ بَعْدَ انْصِرَامِ الْآجَالِ بِأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً يَرْتَجِيهَا نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً أَجَّلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ قَضَى عَلَيْهِ وَأَرْجَأَ الْحُجَّةَ لَهُ وَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا مَتَى جَاءَتْ عِنْدَ هَذَا الْقَاضِي أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلِمَنْ وَلِيَ بَعْدَهُ نَقْضُ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، إذَا أَتَى بِمَا يَنْفَعُهُ. [فَصْلٌ الْأَشْيَاء الَّتِي لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَجِّزَ فِيهَا] فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَجِّزَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ الْعِتْقِ وَالنَّسَبِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ وَهْبٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، وَسَيَأْتِي مَا أُلْحِقَ بِهَا، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يَقُولُ فِي الثَّلَاثَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الدَّعَاوَى فَيَخْتَلِفُ أَمَّا كُلُّ مَا كَلَّفَ الْمُدَّعِي إثْبَاتَ دَعْوَاهُ وَتَعْدِيلَ شُهُودِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ مَالًا أَوْ دَارًا أَوْ عَبْدًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُكَلِّفْ الَّذِي هُوَ فِي يَدَيْهِ بَيِّنَةً أَوْ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ يُدْخِلُ عَلَى الْحَاكِمِ شُبْهَةً فِي أَمْرِهِمَا فَعَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ إثْبَاتِ دَعْوَاهُ أَوْ تَعْدِيلِ شُهُودِهِ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَدْفَعُهُ عَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقَطْ وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَكْتُبَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ كِتَابًا بِقَطْعِ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَلَا يُسَجِّلُ عَلَيْهِ وَلَا يُحْدِثُ لَهُ فِي ذَلِكَ حُكْمًا وَلَا إشْهَادًا وَيَتْرُكُهُ وَتَحْقِيقَ مَطْلَبِهِ، فَمَتَى جَاءَ الطَّالِبُ بِمَا هُوَ أَحَقُّ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَوَّلًا نَظَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْحَاكِمُ وَمَنْ كَانَ بَعْدَهُ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ الطَّالِبُ قَدْ أَتَى بِشَيْءٍ أَوْجَبَ عَلَى الْمَطْلُوبِ عَمَلًا، مِثْلَ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ تِلْكَ الدَّارَ كَانَتْ لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ، وَهِيَ الْيَوْمَ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيُكَلَّفُ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ كَيْفَ صَارَتْ إلَيْهِ، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ

стр. 209

مِنْ حَقِّهِ بِحِيَازَتِهِ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ وَهَذَا حَاضِرٌ وَأَتَى عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ فَتَبْقَى بِيَدِ الْمَطْلُوبِ، وَيُقَالُ لِلْمُدَّعِي لِمَ تَرَكْتَهُ يَحُوزُهَا عَلَيْك هَذَا الزَّمَانَ، فَإِنْ قَالَ بِكِرَاءٍ أَوْ إسْكَانٍ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً لَمْ تُعَدَّلْ وَضُرِبَتْ الْآجَالُ لَهُ فَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ، عَجَّزَهُ السُّلْطَانُ عَنْ أَخْذِ ذَلِكَ، وَكَانَ حَقًّا عَلَى الْقَاضِي هَا هُنَا أَنْ يَكْتُبَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ كِتَابًا، وَيُسَجِّلَ لَهُ بِحُكْمِهِ، وَيَقْطَعَ حُجَّةَ الْمُدَّعِي عَنْهُ، ثُمَّ إنْ أَتَى بِبَيِّنَةٍ أَحَقَّ مِنْ الْأُولَى أَوْ أَعْدَلَ لَمْ يَنْظُرْ لَهُ فِي ذَلِكَ لَا ذَلِكَ الْحَاكِمُ، وَلَا مَنْ بَعْدَهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَوْلُهُ هَذَا دَقِيقٌ حَسَنٌ وَمَنْ أَخَذَ بِهِ لَمْ يُخْطِئْ، وَقَدْ أَعْلَمْت بِهِ أَصْبَغَ فَاسْتَحْسَنَهُ، وَرُوِيَ الْقَوْلُ الْآخَرُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يُعَجِّزُ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ وَلَا يَنْظُرُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّعْجِيزِ فِي بَيِّنَتِهِ، لَا هَذَا الْحَاكِمُ وَلَا مَنْ بَعْدَهُ إلَّا فِي الْعَتَاقِ وَالنَّسَبِ وَالطَّلَاقِ كَمَا تَقَدَّمَ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَمِمَّا يُشْبِهُ الْعَتَاقَ وَالنَّسَبَ وَالطَّلَاقَ الْحَبْسُ وَطَرِيقُ الْعَامَّةِ، وَشِبْهُهُ مِنْ مَنَافِعِهِمْ لَيْسَ عَجْزَ طَالِبِهِ يُوجِبُ مَنْعَهُ أَوْ مَنْعَ غَيْرِهِ مِنْ النَّظَرِ لَهُ إنْ أَتَى بِوَجْهٍ، وَقَدْ شَاهَدْت الْحُكْمَ وَالْفَتْوَى بِذَلِكَ فِي الْحَبْسِ. وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ وَالدَّمُ مِثْلُ الطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ وَالْعَتَاقِ اُنْظُرْهُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا قَامَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فَخَاصَمَ فِي شَيْءٍ فَقَضَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ أَحَدُ شُرَكَائِهِ يُرِيدُ الْمُخَاصَمَةَ فِيهِ أَيْضًا، فَإِنْ قَامَ بِمَا قَامَ بِهِ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ حَكَمَ عَلَيْهِ وَأَلْحَقَهُ بِهِ وَلَمْ تُسْمَعْ حُجَّتُهُ وَلَا بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ جَاءَ بِغَيْرِ ذَلِكَ نَظَرَ لَهُ فِيهِ وَلَمْ يُعَجِّزْهُ، وَكَذَا مَنْ يَدَّعِي حَقًّا لِلْعَامَّةِ، وَذَلِكَ مَبْسُوطٌ فِي تَقْسِيمِ الْمُدَّعَى لَهُمْ فِي النَّوْعِ السَّادِسِ. تَنْبِيهٌ: وَمَذْهَبُ سَحْنُونٍ فِي الطَّالِبِ كَمَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي تَرْكِ تَعْجِيزِهِ، وَأَنَّهُ مَتَى أَحَقَّ حَقَّهُ قَضَى لَهُ بِهِ، وَيَقُولُ فِي الْمَطْلُوبِ مِنِّي حُكِمَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْإِعْذَارِ وَاسْتِقْصَاءِ الْحُجَجِ وَالتَّسْجِيلِ أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ حُجَّةً يَأْتِي بِهَا. [فَصْلٌ الْقَاضِي إذَا أَرَادَ أَنْ يُسَجِّلَ عَلَى الَّذِي عَجَّزَهُ] فَصْلٌ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا أَرَادَ أَنْ يُسَجِّلَ عَلَى الَّذِي عَجَّزَهُ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنَّ الْيَمِينَ لَهُ عَلَى الْمُسَجِّلِ لَهُ، إنْ كَانَتْ الْقَضِيَّةُ فِي مَالٍ، وَظَهَرَتْ

стр. 210

الْخُلْطَةُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ مَا ضَارَعَهُ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ فِي الرُّكْنِ الْخَامِسِ فِي الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْغَائِبِ وَتَعْجِيزَهُ وَتَرْكَ تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ فِي التَّسْجِيلِ. [فَصْلٌ لَمْ تَجْرِ عَادَةُ الْمُوَثِّقِينَ بِإِفْرَادِ عَقْدٍ لِلتَّعْجِيزِ] فَصْلٌ: وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ الْمُوَثِّقِينَ بِإِفْرَادِ عَقْدٍ لِلتَّعْجِيزِ وَإِنَّمَا يَضُمُّونَهُ عُقُودَ التَّسْجِيلَاتِ، فَإِنْ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ قُيِّدَتْ فِيهِ: أَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ فُلَانًا قَامَ عِنْدَهُ وَادَّعَى عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَأَنَّهُ مَالُهُ وَمِلْكُهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ يَدِهِ إلَى حِينِ قِيَامِهِ، وَحَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَثَبَتَ عِنْدَهُ إنْكَارُهُ بِمَنْ قَبِلَ مِنْ الشُّهُودِ، فَكَلَّفَ الْقَائِمَ الْإِثْبَاتَ وَأَجَّلَهُ فِي ذَلِكَ أَجَلًا بَعْدَ أَجَلٍ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْحُكَّامِ فِي الْآجَالِ، ثُمَّ تَلَوَّمَ عَلَيْهِ أَجَلَ التَّلَوُّمِ الْمَعْلُومِ وَلَمْ يَأْتِ فِي خِلَالِ ذَلِكَ بِشَيْءٍ يُوجِبُ لَهُ حُكْمًا، فَسَأَلَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَعْجِيزَهُ وَقَطْعَ دَعْوَاهُ عَنْهُ، فَأَجَابَهُ الْقَاضِي إلَى ذَلِكَ، وَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْمُدَّعِيَ أَبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ تُحَقِّقُ دَعْوَاكَ فَقَالَ: لَا، فَاسْتَبَانَ لَهُ عَجْزُهُ فَعَجَّزَهُ، وَقَطَعَ عَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ طَلَبَتَهُ وَتَعْنِيتَهُ وَسَجَّلَ بِذَلِكَ، وَأَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي تَارِيخِ كَذَا. [الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي تَوْقِيفِ الْمُدَّعَى فِيهِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ] النَّوْعُ الْأَوَّلُ الْعَقَارُ وَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ دُورٍ وَأَرَاضٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاعْتِقَالَ وَالتَّوْقِيفَ لَا يَكُونُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْخَصْمِ فِي الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَلَا يُعْقَلُ عَلَى أَحَدٍ شَيْءٌ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى الْغَيْرِ فِيهِ، حَتَّى يَنْضَمَّ إلَى ذَلِكَ سَبَبٌ يُقَوِّي الدَّعْوَى أَوْ لَطْخٌ وَالسَّبَبُ كَشَهَادَةِ الْعَدْلِ أَوْ الْمَرْجُوِّ تَزْكِيَتُهُ وَاللَّطْخُ لِلشُّهُودِ غَيْرِ الْعُدُولِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالِاعْتِقَالُ فِي الرِّبَاعِ عَلَى وَجْهَيْنِ. الْأَوَّلُ: عِنْدَ قِيَامِ الشُّبْهَةِ الظَّاهِرَةِ أَوْ ظُهُورِ اللَّطْخِ فَيُرِيدُ الْمُدَّعِي تَوْقِيفَهُ لِيُثْبِتَهُ، فَالتَّوْقِيفُ هُنَا بِأَنْ يَمْتَنِعَ الَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ تَصَرُّفًا

стр. 211

يُفِيتُهُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، أَوْ يُخْرِجُهُ بِهِ عَنْ حَالِهِ كَالْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُرْفَعَ يَدُهُ عَنْهُ. الثَّانِي: بَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ فِي ذَلِكَ بِشَهَادَةٍ قَاطِعَةٍ وَيُحَازُ الرَّبْعُ عَلَى مَا يَجِبُ وَيَدَّعِي الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُ مَدْفَعًا فِيمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي فَيُضْرَبُ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْهُ الْآجَالُ، فَيُوقَفُ الْمُدَّعَى فِيهِ حِينَئِذٍ بِأَنْ تُرْفَعَ يَدُ الْأَوَّلِ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ دَارًا اُعْتُقِلَتْ بِالْقُفْلِ أَوْ أَرْضًا مُنِعَ مِنْ حَرْثِهَا أَوْ حَانُوتًا لَهُ خَرَاجٌ وُقِفَ الْخَرَاجُ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي حِصَّةٍ فَتُعْقَلُ جَمِيعُ الدَّارِ وَالْأَرْضِ وَجَمِيعُ الْخَرَاجِ، وَقِيلَ يُعْقَلُ مِنْ الْخَرَاجِ بِقَدْرِ مَا يَنُوبُ الْحِصَّةَ الْمُدَّعَى فِيهَا، وَيُدْفَعُ بَاقِيهِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيُؤْمَرُ بِإِخْلَاءِ الدَّارِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَتَاعِهِ، وَيُؤَجَّلُ فِي إخْلَاءِ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهَا. وَفِي الْمُقَرَّبِ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ هَذَا حُكْمُ الْمُدَّعَى فِيهِ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْحَاضِرَةِ بَعَثَ الْحَاكِمُ أَمِينًا يَعْقِلُ ذَلِكَ، فَإِنْ سَأَلَ الْمَعْقُولُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ فِي الدَّارِ مَا ثَقُلَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ أَجَابَهُ الْحَاكِمُ إلَى ذَلِكَ، وَبِهَذَا جَرَى عَمَلُ سَحْنُونٍ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ فِي الْعَقْلَةِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّ الْعَقْلَ يَجِبُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَدْلٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ عَنْ لُبَابَةَ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ فِي وَثَائِقِهِ: لَا تَجِبُ الْعَقْلَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّهُ يُمْنَعُ الْمَطْلُوبُ بِذَلِكَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الْعَقَارِ بُنْيَانًا أَوْ بَيْعًا غَيْرَهُ، وَيَتَقَدَّمُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِالْقَوْلِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ يَدِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ضُرِبَ الْأَجَلُ لِلْمُدَّعِي فَإِنْ أَتَى بِشَيْءٍ نُظِرَ لَهُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ مَا ادَّعَى الطَّالِبُ حَقًّا، وَتُرِكَ الِاعْتِقَالُ عَنْ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّذِي لَا يَقْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَأَمَّا مَنْ يَقْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُ الطَّالِبَ شَاهِدًا ثَانِيًا، فَإِنْ أَعْيَاهُ أَحْلَفَهُ مَعَ شَاهِدِهِ وَقَضَى لَهُ بِيَمِينِهِ. مَسْأَلَةٌ: فِي شَهَادَاتِ الْمُدَوَّنَةِ فِي رَجُلٍ حَفَرَ فِي أَرْضٍ بِيَدِهِ عَيْنًا، فَادَّعَى فِيهَا رَجُلٌ دَعْوًى، وَاخْتَصَمَا إلَى صَاحِبِ الْمِيَاهِ، فَأَوْقَفَهُمْ حَتَّى يَرْتَفِعُوا إلَى الْمَدِينَةِ، فَشَكَا حَافِرُ الْعَيْنِ إلَى مَالِكٍ فَقَالَ مَالِكٌ قَدْ أَحْسَنَ حِينَ أَوْقَفَهَا،

стр. 212

وَأُرَاهُ قَدْ أَصَابَ، فَقَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَتْرُكُ عُمَّالِي يَعْمَلُونَ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ الْأَرْضَ فَلْيُهْدَمْ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي ذَلِكَ، وَرَأَى أَنْ تُوقَفَ فَإِنْ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ وَإِلَّا بُنِيَتْ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا إذَا كَانَ لِلدَّعْوَى وَجْهٌ وَإِلَّا فَلَا. مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْأَصْبَغِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ أَصْلُ بَقْلٍ أَوْ زَيْتُونٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ ثَمَرَةٌ، وَكَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الدَّعْوَى قَدْ طَابَتْ فَهِيَ لِلْمُسْتَحِقِّ مَا لَمْ تُفَارِقْ الْأَصْلَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ قِيمَةَ مَا أَسْقَى وَعَالَجَ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ قَدْ خَرَجَ إبَّانَ زِرَاعَتِهِ فَهُوَ لِزَارِعِهِ وَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي رَجُلٍ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَنْشَبَ الْخُصُومَةَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً غَيْرَ قَاطِعَةٍ، فَأَرَادَ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَهَبَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى ذَلِكَ لَهُ يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ مَا لَمْ يُقْضَ بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ مِمَّا يُبْطِلُ حُجَّةَ هَذَا وَلَا بَيِّنَتَهُ، قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ غَيْرُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ غَرَرٌ وَخَطَرٌ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ يَبِيعُهُ مِنْ ظَالِمٍ ثُمَّ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُخَاصَمَتِهِ، وَقَوْلُ الْغَيْرِ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَظْهَرُ. النَّوْعُ الثَّانِي تَوْقِيفُ الْحَيَوَانِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ يَدَّعِيَانِ الْحُرِّيَّةَ إذَا أَقَامَا شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا فَإِنَّهُمَا يُوقَفَانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا وَيُخْرَجَانِ مِنْ يَدِهِ إذَا كَانَ مَا يَدَّعِيَانِ مِنْ الشَّاهِدِ الثَّانِي قَرِيبًا، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ. وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْأَصْبَغِ وَمَنْ اعْتَرَفَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْحَيَوَانِ بِيَدِ رَجُلٍ وَأَرَادَ تَوْقِيفَهُ لِيُلَطِّخَهُ أَوْ لِيَأْتِيَ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ بُعْدٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَى مِنْ الْبَيِّنَةِ بِمَوْضِعِهِ ذَلِكَ، وَكَّلَ الْقَاضِي بِالْعَبْدِ وَوَقَّفَهُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُ يَمِينٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي إنْكَارِ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا عِلْمَ عِنْدِي مِمَّا تَقُولُ، فَإِنْ ظَنَّ بِهِ عِلْمَ ذَلِكَ حَلَفَ، وَأَمَّا إنْ أَتَى الْقَائِمُ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ عَدْلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ حَلَفَ مَعَهُ وَاسْتَحَقَّ، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا عِلْمَ عِنْدِي فَإِنْ ظَنَّ بِهِ عِلْمَ ذَلِكَ حَلَفَ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ أَتَى بِلَطْخٍ كَالْقَوْمِ غَيْرِ الْعُدُولِ يَشْهَدُونَ لَهُ بِمِلْكِهِ

стр. 213

أَوْ عُدُولٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ سُرِقَ لَهُ مِثْلُ مَا يَدَّعِي، وَلَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُ قَاطِعَةً أَوْ كَالشَّاهِدِ الْعَدْلِ عَلَى الْبَتِّ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ وَأَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعِ بَيِّنَتِهِ، فَذَلِكَ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَتَهُ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ سَحْنُونٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَنَفَقَةُ الْعَبْدِ فِي ذَهَابِهِ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ لِلْمُدَّعِي رَفْعُ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُلَطِّخْهُ بِشَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَضَعَ قِيمَتَهُ وَقَالَ يُوَقَّفُ حَتَّى آتِيَ بِبَيِّنَتِي، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَقْرُبُ وُقِّفَ لَهُ مَا بَيْنَ الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ إلَى الْجُمُعَةِ قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَقِيلَ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ، فَإِنْ انْقَضَى الْأَجَلُ تَلَوَّمَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أُسْلِمَ إلَى مَنْ كَانَ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ، إنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ عِلْمُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ يُوجِبُ لَهُ الْحَقَّ حُكِمَ لَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَبْعُدُ وَفِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ تَوْقِيفُهُ وَأُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ مِنْ غَيْرِ كَفِيلٍ يَلْزَمُهُ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ فِي نَفَقَةِ مَا وُقِفَ مِنْ الْحَيَوَانِ وَفِي غَلَّتِهِ وَمِمَّنْ تَكُونُ مُصِيبَتُهُ إنْ هَلَكَ فِي مُدَّةِ الْوَقْفِ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ نَفَقَتُهُ عَلَى مَنْ يُقْضَى لَهُ بِهِ وَغَلَّتُهُ لِمَنْ هُوَ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ هَلَكَ كَانَ فِي ضَمَانِهِ. وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنْ هَلَكَ فِي الْوَقْفِ ثُمَّ ثَبَتَ لِلْمُسْتَحِقِّ كَانَتْ مُصِيبَتُهُ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْغَلَّةُ لَهُ وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَزَادَ إلَّا أَنْ تَكُونَ جَارِيَةً وَالْمُشْتَرِي مُقِرٌّ بِالْوَطْءِ وَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا فَتَكُونُ الْمُصِيبَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَلَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: الْمُصِيبَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي حَتَّى يُحْكَمَ بِهِ لِلْمُسْتَحِقِّ فَتَكُونَ الْغَلَّةُ عَلَى ذَلِكَ لَهُ. وَرَأَى اللَّخْمِيُّ الْمُصِيبَةَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْغَلَّةَ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: كَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْت. يَقُولُ فِي غَلَّةِ الْمُسْتَحِقِّ لِمَنْ تَكُونُ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لِلْمُدَّعِي إذَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ عَدْلٌ. وَالثَّانِي: فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَالثَّالِثُ: فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ وَمَا اغْتَلَّتْ الْأَرْضُ مِنْ غَلَّةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ يَوْمَ ثَبَتَ حَقُّ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ ضَمِنَهَا.

стр. 214

النَّوْعُ الثَّالِثُ تَوْقِيفُ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ كَاللَّحْمِ وَرُطَبِ الْفَوَاكِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ شَهِدَ لِلْمُدَّعِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ. وَقَالَ عِنْدِي شَاهِدٌ آخَرُ، أَوْ أَتَى بِلَطْخٍ وَادَّعَى بَيِّنَةً قَاطِعَةً، فَإِنَّهُ يُؤَجَّلُ أَجَلًا لَا يَفْسُدُ فِي مِثْلِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإِنْ أَحْضَرَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ وَإِلَّا خُلِّيَ بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمَتَاعِهِ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ لَا يَعْرِفُهُمَا الْقَاضِي وَاحْتَاجَ إلَى تَزْكِيَتِهِمَا وَخِيفَ فَسَادُ الْمُدَّعَى فِيهِ أَمَرَ الْقَاضِي أَمِينًا فَبَاعَهُ وَوَضَعَ ثَمَنَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ يَأْخُذُهُ مَنْ اسْتَحَقَّهُ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي إنَّمَا ادَّعَى ابْتِيَاعَهُ مِنْ مَالِكِهِ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ وَأَرَادَ إثْبَاتَ ذَلِكَ يُتْبَعُ الْمُدَّعَى فِيهِ إنْ خَشِيَ فَسَادَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَعَلَيْهِ إذَا أَثْبَتَ دَعْوَاهُ أَدَاءَ الثَّمَنِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَيَقْبِضُ هُوَ ثَمَنَ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ بِهِ بِالْحُكْمِ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَوْ تَلِفَ كَانَتْ مُصِيبَتُهُ مِمَّنْ يَقْضِي لَهُ بِهِ كَانَ الْهَلَاكُ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ. . [فَصْلٌ يُعْقَلُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا] فَصْلٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ يُعْقَلُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا الْأُصُولُ فَكَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْعَطَّارِ، قَالَ: وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْغَلَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَحِيَازَتِهِمَا لِلْعَقَارِ، فَزَادَ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْحِيَازَةَ، قَالَ: وَهَذَا الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِبَلَدِنَا، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْغَلَّةَ إنَّمَا تَكُونُ بِالضَّمَانِ فَهِيَ لِلْمَطْلُوبِ حَتَّى يَقْضِيَ عَلَيْهِ وَضَمَانُهَا مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا تَكُونُ لِلطَّالِبِ إلَّا إذَا كَانَ الضَّمَانُ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ الضَّمَانُ مِنْهُ إلَّا بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ وَحِيَازَتِهِمَا. مَسْأَلَةٌ: وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالنَّوْعِ الثَّانِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى مَاشِيَةً قِبَلَ رَجُلٍ، فَإِنْ كَانَ قِبَلَ غَاصِبٍ وُقِفَتْ لَهُ هِيَ وَغَلَّتُهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ وَيَسْتَبْرِئَ أَمْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا قِبَلَ غَاصِبٍ وَادَّعَاهَا بِوَجْهِ شُبْهَةٍ خَرَجَتْ بِهَا مِنْ يَدِهِ، فَإِنْ جَاءَ بِشُبْهَةِ بَيِّنَةٍ وَأَمْرٍ ظَاهِرٍ وُقِفَتْ لَهُ مَعَ غَلَّتِهَا وَإِلَّا لَمْ أَرَ ذَلِكَ، وَأَمَّا رِعْيَتُهَا فِي مُدَّةِ وَقْفِهَا فَعَلَى الَّذِي تَصِيرُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالْعُلُوفَةِ فِي الدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ إذَا وُقِّفَتْ بِالدَّعْوَى الظَّاهِرَةِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ بِدَعْوَاهَا قِبَلَ غَاصِبٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَا دَامَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى مَنْ تَصِيرُ إلَيْهِ، فَإِنْ قَدَرَ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ بِسَلَفٍ أَوْ إنْفَاقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِلَّا كَانَ

стр. 215

أَوْلَاهُمَا بِأَنْ يَأْخُذَ مَنْ الَّذِي مِلْكُهُ قَائِمٌ فِيهَا. وَلَمْ يَزَلْ، فَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ أَعْدَاهُ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ. قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ النَّفَقَةَ بَيْنَهُمَا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ اسْتَحَقَّ، قَالَ فَضْلٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ. [الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي تَوْقِيفِ مَالِ الْغَائِبِ وَمَالِ الْيَتِيمِ] ِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ: وَإِذَا رُفِعَ لِلْقَاضِي أَنَّ رَجُلًا غَرِيبًا مَاتَ بِبَلَدِ الْقَاضِي وَتَرَكَ مَالًا وَذُكِرَ أَنَّ وَرَثَتَهُ بِبَلَدِ كَذَا، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي ذَكَرَ الْهَالِكُ أَنَّ وَرَثَتَهُ بِهِ بَعِيدًا جِدًّا بَعَثَ بِذَلِكَ الْمَالِ مَعَ ثِقَةٍ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَكَتَبَ إلَيْهِ بِقِصَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْبَلَدُ بَعِيدًا جِدًّا حَبَسَ الْمَالَ عِنْدَهُ، وَكَتَبَ إلَى الْقَاضِي أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ نَعْتُهُ كَذَا مَاتَ بِبَلَدِي وَتَرَكَ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرَ أَنَّ وَرَثَتَهُ بِبَلَدِكَ، فَإِذَا وَرَدَ إلَيْهِ الْكِتَابُ بَعَثَ إلَيْهِمْ إنْ عَرَفَهُمْ أَوْ يَسْأَلُ عَنْهُمْ إنْ جَهِلَهُمْ، فَإِذَا أَتَوْهُ أَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ وَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُمْ وَرَثَتُهُ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ إلَى الْقَاضِي الَّذِي عِنْدَهُ الْمَالُ، وَبَعَثُوا مَنْ يَقْبِضُ لَهُمْ مَالَهُمْ، وَإِنْ جَهِلَ الْقَاضِي فَبَعَثَ بِالْمَالِ إلَيْهِ فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ الْبَاعِثُ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ يَبْعَثُ بِالْمَالِ إلَى أَهْلِهِ فَيَضِيعُ. قَالَ أَصْبَغُ: وَإِذَا بَعَثَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ بِمَالٍ فَعَلَى الرَّسُولِ أَنْ يُشْهِدَ بِإِيصَالِهِ وَإِلَّا يَضْمَنْ إنْ جَحَدَ الْقَاضِي الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ قَبْضَهُ أَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَلَمْ يُعْرَفْ لِلْمَالِ مَوْضِعٌ إلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي دِيوَانِ الْمَيِّتِ ذِكْرُهُ: أَنَّا قَدْ قَبَضْنَا مِنْ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا قَدِمَ بِهَا عَلَيْنَا مِنْ عِنْدِ قَاضِي بَلَدِ كَذَا، وَهِيَ لِوَرَثَةِ فُلَانٍ، أَفَيَبْرَأُ الرَّسُولُ بِهَذَا، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْمَالُ وَلَا عُرِفَ مَوْضِعُهُ فَلَا يَضْمَنُهُ الْقَاضِي مَيِّتًا كَانَ أَوْ حَيًّا، إذَا قَالَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ قَدْ ضَاعَ أَوْ جَهِلْنَا مَوْضِعَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى وَإِذَا دَفَعَ الْقَاضِي مَالًا إلَى رَجُلٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ فَقَالَ الْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْمَالُ قَدْ دَفَعْتُهُ إلَى الَّذِي أَمَرْتَنِي
следующие страницы →