Полный текст (849 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
يُفِيتُهُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، أَوْ يُخْرِجُهُ بِهِ عَنْ حَالِهِ كَالْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُرْفَعَ يَدُهُ عَنْهُ.
الثَّانِي: بَعْدَ أَنْ يُثْبِتَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ فِي ذَلِكَ بِشَهَادَةٍ قَاطِعَةٍ وَيُحَازُ الرَّبْعُ عَلَى مَا يَجِبُ وَيَدَّعِي الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُ مَدْفَعًا فِيمَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ لِلْمُدَّعِي فَيُضْرَبُ لِلْمُسْتَحِقِّ مِنْهُ الْآجَالُ، فَيُوقَفُ الْمُدَّعَى فِيهِ حِينَئِذٍ بِأَنْ تُرْفَعَ يَدُ الْأَوَّلِ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ دَارًا اُعْتُقِلَتْ بِالْقُفْلِ أَوْ أَرْضًا مُنِعَ مِنْ حَرْثِهَا أَوْ حَانُوتًا لَهُ خَرَاجٌ وُقِفَ الْخَرَاجُ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي حِصَّةٍ فَتُعْقَلُ جَمِيعُ الدَّارِ وَالْأَرْضِ وَجَمِيعُ الْخَرَاجِ، وَقِيلَ يُعْقَلُ مِنْ الْخَرَاجِ بِقَدْرِ مَا يَنُوبُ الْحِصَّةَ الْمُدَّعَى فِيهَا، وَيُدْفَعُ بَاقِيهِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيُؤْمَرُ بِإِخْلَاءِ الدَّارِ مِنْ نَفْسِهِ وَمَتَاعِهِ، وَيُؤَجَّلُ فِي إخْلَاءِ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهَا.
وَفِي الْمُقَرَّبِ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ هَذَا حُكْمُ الْمُدَّعَى فِيهِ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْحَاضِرَةِ بَعَثَ الْحَاكِمُ أَمِينًا يَعْقِلُ ذَلِكَ، فَإِنْ سَأَلَ الْمَعْقُولُ عَلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ فِي الدَّارِ مَا ثَقُلَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهُ أَجَابَهُ الْحَاكِمُ إلَى ذَلِكَ، وَبِهَذَا جَرَى عَمَلُ سَحْنُونٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ فِي الْعَقْلَةِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ أَنَّ الْعَقْلَ يَجِبُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ عَدْلٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ عَنْ لُبَابَةَ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ فِي وَثَائِقِهِ: لَا تَجِبُ الْعَقْلَةُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، لَكِنَّهُ يُمْنَعُ الْمَطْلُوبُ بِذَلِكَ أَنْ يُحْدِثَ فِي الْعَقَارِ بُنْيَانًا أَوْ بَيْعًا غَيْرَهُ، وَيَتَقَدَّمُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِالْقَوْلِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ يَدِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ضُرِبَ الْأَجَلُ لِلْمُدَّعِي فَإِنْ أَتَى بِشَيْءٍ نُظِرَ لَهُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ مَا ادَّعَى الطَّالِبُ حَقًّا، وَتُرِكَ الِاعْتِقَالُ عَنْ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَاكِمِ الَّذِي لَا يَقْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَأَمَّا مَنْ يَقْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُ الطَّالِبَ شَاهِدًا ثَانِيًا، فَإِنْ أَعْيَاهُ أَحْلَفَهُ مَعَ شَاهِدِهِ وَقَضَى لَهُ بِيَمِينِهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي شَهَادَاتِ الْمُدَوَّنَةِ فِي رَجُلٍ حَفَرَ فِي أَرْضٍ بِيَدِهِ عَيْنًا، فَادَّعَى فِيهَا رَجُلٌ دَعْوًى، وَاخْتَصَمَا إلَى صَاحِبِ الْمِيَاهِ، فَأَوْقَفَهُمْ حَتَّى يَرْتَفِعُوا إلَى الْمَدِينَةِ، فَشَكَا حَافِرُ الْعَيْنِ إلَى مَالِكٍ فَقَالَ مَالِكٌ قَدْ أَحْسَنَ حِينَ أَوْقَفَهَا،
стр. 212
وَأُرَاهُ قَدْ أَصَابَ، فَقَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَتْرُكُ عُمَّالِي يَعْمَلُونَ، فَإِذَا اسْتَحَقَّ الْأَرْضَ فَلْيُهْدَمْ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَدْرِي ذَلِكَ، وَرَأَى أَنْ تُوقَفَ فَإِنْ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ وَإِلَّا بُنِيَتْ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا إذَا كَانَ لِلدَّعْوَى وَجْهٌ وَإِلَّا فَلَا.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْأَصْبَغِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى فِيهِ أَصْلُ بَقْلٍ أَوْ زَيْتُونٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ ثَمَرَةٌ، وَكَانَتْ الثَّمَرَةُ يَوْمَ الدَّعْوَى قَدْ طَابَتْ فَهِيَ لِلْمُسْتَحِقِّ مَا لَمْ تُفَارِقْ الْأَصْلَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ لِلْمُسْتَحَقِّ مِنْهُ قِيمَةَ مَا أَسْقَى وَعَالَجَ، وَإِنْ كَانَتْ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ قَدْ خَرَجَ إبَّانَ زِرَاعَتِهِ فَهُوَ لِزَارِعِهِ وَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي رَجُلٍ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَنْشَبَ الْخُصُومَةَ وَأَقَامَ بَيِّنَةً غَيْرَ قَاطِعَةٍ، فَأَرَادَ الَّذِي فِي يَدِهِ الدَّارُ أَنْ يَبِيعَ أَوْ يَهَبَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى ذَلِكَ لَهُ يَصْنَعُ بِهَا مَا شَاءَ مَا لَمْ يُقْضَ بِهَا لِلْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ لَيْسَ مِمَّا يُبْطِلُ حُجَّةَ هَذَا وَلَا بَيِّنَتَهُ، قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ غَيْرُهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ غَرَرٌ وَخَطَرٌ يُرِيدُ أَنَّهُ قَدْ يَبِيعُهُ مِنْ ظَالِمٍ ثُمَّ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُخَاصَمَتِهِ، وَقَوْلُ الْغَيْرِ هُوَ الْأَوْلَى وَالْأَظْهَرُ.
النَّوْعُ الثَّانِي تَوْقِيفُ الْحَيَوَانِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي الْعَبْدِ وَالْجَارِيَةِ يَدَّعِيَانِ الْحُرِّيَّةَ إذَا أَقَامَا شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا فَإِنَّهُمَا يُوقَفَانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا وَيُخْرَجَانِ مِنْ يَدِهِ إذَا كَانَ مَا يَدَّعِيَانِ مِنْ الشَّاهِدِ الثَّانِي قَرِيبًا، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْحَابُ مَالِكٍ.
وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْأَصْبَغِ وَمَنْ اعْتَرَفَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْحَيَوَانِ بِيَدِ رَجُلٍ وَأَرَادَ تَوْقِيفَهُ لِيُلَطِّخَهُ أَوْ لِيَأْتِيَ عَلَى ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ بُعْدٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَى مِنْ الْبَيِّنَةِ بِمَوْضِعِهِ ذَلِكَ، وَكَّلَ الْقَاضِي بِالْعَبْدِ وَوَقَّفَهُ فِيمَا قَرُبَ مِنْ يَوْمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُ يَمِينٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي إنْكَارِ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا عِلْمَ عِنْدِي مِمَّا تَقُولُ، فَإِنْ ظَنَّ بِهِ عِلْمَ ذَلِكَ حَلَفَ، وَأَمَّا إنْ أَتَى الْقَائِمُ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ عَدْلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ حَلَفَ مَعَهُ وَاسْتَحَقَّ، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ لَا عِلْمَ عِنْدِي فَإِنْ ظَنَّ بِهِ عِلْمَ ذَلِكَ حَلَفَ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ أَتَى بِلَطْخٍ كَالْقَوْمِ غَيْرِ الْعُدُولِ يَشْهَدُونَ لَهُ بِمِلْكِهِ
стр. 213
أَوْ عُدُولٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ سُرِقَ لَهُ مِثْلُ مَا يَدَّعِي، وَلَمْ تَكُنْ شَهَادَتُهُ قَاطِعَةً أَوْ كَالشَّاهِدِ الْعَدْلِ عَلَى الْبَتِّ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ وَأَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الْعَبْدَ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى مَوْضِعِ بَيِّنَتِهِ، فَذَلِكَ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ قِيمَتَهُ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ سَحْنُونٌ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَنَفَقَةُ الْعَبْدِ فِي ذَهَابِهِ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ لِلْمُدَّعِي رَفْعُ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُلَطِّخْهُ بِشَيْءٍ، فَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَضَعَ قِيمَتَهُ وَقَالَ يُوَقَّفُ حَتَّى آتِيَ بِبَيِّنَتِي، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَقْرُبُ وُقِّفَ لَهُ مَا بَيْنَ الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ إلَى الْجُمُعَةِ قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَقِيلَ الشَّهْرُ وَنَحْوُهُ، فَإِنْ انْقَضَى الْأَجَلُ تَلَوَّمَ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أُسْلِمَ إلَى مَنْ كَانَ فِي يَدَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ، إنْ كَانَ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ عِلْمُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ يُوجِبُ لَهُ الْحَقَّ حُكِمَ لَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَبْعُدُ وَفِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَجِبْ تَوْقِيفُهُ وَأُحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ مِنْ غَيْرِ كَفِيلٍ يَلْزَمُهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ فِي نَفَقَةِ مَا وُقِفَ مِنْ الْحَيَوَانِ وَفِي غَلَّتِهِ وَمِمَّنْ تَكُونُ مُصِيبَتُهُ إنْ هَلَكَ فِي مُدَّةِ الْوَقْفِ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ نَفَقَتُهُ عَلَى مَنْ يُقْضَى لَهُ بِهِ وَغَلَّتُهُ لِمَنْ هُوَ فِي يَدَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ هَلَكَ كَانَ فِي ضَمَانِهِ. وَقَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنْ هَلَكَ فِي الْوَقْفِ ثُمَّ ثَبَتَ لِلْمُسْتَحِقِّ كَانَتْ مُصِيبَتُهُ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْغَلَّةُ لَهُ وَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ، وَزَادَ إلَّا أَنْ تَكُونَ جَارِيَةً وَالْمُشْتَرِي مُقِرٌّ بِالْوَطْءِ وَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا فَتَكُونُ الْمُصِيبَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَلَا يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: الْمُصِيبَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي حَتَّى يُحْكَمَ بِهِ لِلْمُسْتَحِقِّ فَتَكُونَ الْغَلَّةُ عَلَى ذَلِكَ لَهُ. وَرَأَى اللَّخْمِيُّ الْمُصِيبَةَ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْغَلَّةَ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: كَانَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْت. يَقُولُ فِي غَلَّةِ الْمُسْتَحِقِّ لِمَنْ تَكُونُ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لِلْمُدَّعِي إذَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ عَدْلٌ. وَالثَّانِي: فِي الْمُدَوَّنَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَالثَّالِثُ: فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ وَمَا اغْتَلَّتْ الْأَرْضُ مِنْ غَلَّةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ يَوْمَ ثَبَتَ حَقُّ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ ضَمِنَهَا.
стр. 214
النَّوْعُ الثَّالِثُ تَوْقِيفُ مَا يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ كَاللَّحْمِ وَرُطَبِ الْفَوَاكِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنْ شَهِدَ لِلْمُدَّعِي شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ.
وَقَالَ عِنْدِي شَاهِدٌ آخَرُ، أَوْ أَتَى بِلَطْخٍ وَادَّعَى بَيِّنَةً قَاطِعَةً، فَإِنَّهُ يُؤَجَّلُ أَجَلًا لَا يَفْسُدُ فِي مِثْلِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، فَإِنْ أَحْضَرَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ وَإِلَّا خُلِّيَ بَيْنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَمَتَاعِهِ، فَإِنْ أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ لَا يَعْرِفُهُمَا الْقَاضِي وَاحْتَاجَ إلَى تَزْكِيَتِهِمَا وَخِيفَ فَسَادُ الْمُدَّعَى فِيهِ أَمَرَ الْقَاضِي أَمِينًا فَبَاعَهُ وَوَضَعَ ثَمَنَهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ يَأْخُذُهُ مَنْ اسْتَحَقَّهُ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي إنَّمَا ادَّعَى ابْتِيَاعَهُ مِنْ مَالِكِهِ بِثَمَنٍ سَمَّاهُ وَأَرَادَ إثْبَاتَ ذَلِكَ يُتْبَعُ الْمُدَّعَى فِيهِ إنْ خَشِيَ فَسَادَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَعَلَيْهِ إذَا أَثْبَتَ دَعْوَاهُ أَدَاءَ الثَّمَنِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَيَقْبِضُ هُوَ ثَمَنَ السِّلْعَةِ الْمَبِيعَةِ بِهِ بِالْحُكْمِ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَوْ تَلِفَ كَانَتْ مُصِيبَتُهُ مِمَّنْ يَقْضِي لَهُ بِهِ كَانَ الْهَلَاكُ قَبْلَ الْحُكْمِ أَوْ بَعْدَهُ. .
[فَصْلٌ يُعْقَلُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا]
فَصْلٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ يُعْقَلُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُرُوضِ وَغَيْرِهَا، وَأَمَّا الْأُصُولُ فَكَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْعَطَّارِ، قَالَ: وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ الْغَلَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَحِيَازَتِهِمَا لِلْعَقَارِ، فَزَادَ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْحِيَازَةَ، قَالَ: وَهَذَا الَّذِي يَجْرِي عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِبَلَدِنَا، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ بَيِّنَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْغَلَّةَ إنَّمَا تَكُونُ بِالضَّمَانِ فَهِيَ لِلْمَطْلُوبِ حَتَّى يَقْضِيَ عَلَيْهِ وَضَمَانُهَا مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَا تَكُونُ لِلطَّالِبِ إلَّا إذَا كَانَ الضَّمَانُ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ الضَّمَانُ مِنْهُ إلَّا بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ عَدْلٍ وَحِيَازَتِهِمَا.
مَسْأَلَةٌ: وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالنَّوْعِ الثَّانِي أَنَّ مَنْ ادَّعَى مَاشِيَةً قِبَلَ رَجُلٍ، فَإِنْ كَانَ قِبَلَ غَاصِبٍ وُقِفَتْ لَهُ هِيَ وَغَلَّتُهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ وَيَسْتَبْرِئَ أَمْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهَا قِبَلَ غَاصِبٍ وَادَّعَاهَا بِوَجْهِ شُبْهَةٍ خَرَجَتْ بِهَا مِنْ يَدِهِ، فَإِنْ جَاءَ بِشُبْهَةِ بَيِّنَةٍ وَأَمْرٍ ظَاهِرٍ وُقِفَتْ لَهُ مَعَ غَلَّتِهَا وَإِلَّا لَمْ أَرَ ذَلِكَ، وَأَمَّا رِعْيَتُهَا فِي مُدَّةِ وَقْفِهَا فَعَلَى الَّذِي تَصِيرُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالْعُلُوفَةِ فِي الدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ إذَا وُقِّفَتْ بِالدَّعْوَى الظَّاهِرَةِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ بِدَعْوَاهَا قِبَلَ غَاصِبٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَا دَامَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى مَنْ تَصِيرُ إلَيْهِ، فَإِنْ قَدَرَ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ بِسَلَفٍ أَوْ إنْفَاقٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِلَّا كَانَ
стр. 215
أَوْلَاهُمَا بِأَنْ يَأْخُذَ مَنْ الَّذِي مِلْكُهُ قَائِمٌ فِيهَا. وَلَمْ يَزَلْ، فَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ أَعْدَاهُ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ. قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ النَّفَقَةَ بَيْنَهُمَا فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ اسْتَحَقَّ، قَالَ فَضْلٌ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ.
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي تَوْقِيفِ مَالِ الْغَائِبِ وَمَالِ الْيَتِيمِ]
ِ وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ: وَإِذَا رُفِعَ لِلْقَاضِي أَنَّ رَجُلًا غَرِيبًا مَاتَ بِبَلَدِ الْقَاضِي وَتَرَكَ مَالًا وَذُكِرَ أَنَّ وَرَثَتَهُ بِبَلَدِ كَذَا، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي ذَكَرَ الْهَالِكُ أَنَّ وَرَثَتَهُ بِهِ بَعِيدًا جِدًّا بَعَثَ بِذَلِكَ الْمَالِ مَعَ ثِقَةٍ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَكَتَبَ إلَيْهِ بِقِصَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْبَلَدُ بَعِيدًا جِدًّا حَبَسَ الْمَالَ عِنْدَهُ، وَكَتَبَ إلَى الْقَاضِي أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ نَعْتُهُ كَذَا مَاتَ بِبَلَدِي وَتَرَكَ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرَ أَنَّ وَرَثَتَهُ بِبَلَدِكَ، فَإِذَا وَرَدَ إلَيْهِ الْكِتَابُ بَعَثَ إلَيْهِمْ إنْ عَرَفَهُمْ أَوْ يَسْأَلُ عَنْهُمْ إنْ جَهِلَهُمْ، فَإِذَا أَتَوْهُ أَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ وَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُمْ وَرَثَتُهُ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ إلَى الْقَاضِي الَّذِي عِنْدَهُ الْمَالُ، وَبَعَثُوا مَنْ يَقْبِضُ لَهُمْ مَالَهُمْ، وَإِنْ جَهِلَ الْقَاضِي فَبَعَثَ بِالْمَالِ إلَيْهِ فَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْهُ الْبَاعِثُ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ يَبْعَثُ بِالْمَالِ إلَى أَهْلِهِ فَيَضِيعُ. قَالَ أَصْبَغُ: وَإِذَا بَعَثَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ بِمَالٍ فَعَلَى الرَّسُولِ أَنْ يُشْهِدَ بِإِيصَالِهِ وَإِلَّا يَضْمَنْ إنْ جَحَدَ الْقَاضِي الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ قَبْضَهُ أَوْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَلَمْ يُعْرَفْ لِلْمَالِ مَوْضِعٌ إلَّا أَنْ يُوجَدَ فِي دِيوَانِ الْمَيِّتِ ذِكْرُهُ: أَنَّا قَدْ قَبَضْنَا مِنْ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا قَدِمَ بِهَا عَلَيْنَا مِنْ عِنْدِ قَاضِي بَلَدِ كَذَا، وَهِيَ لِوَرَثَةِ فُلَانٍ، أَفَيَبْرَأُ الرَّسُولُ بِهَذَا، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ الْمَالُ وَلَا عُرِفَ مَوْضِعُهُ فَلَا يَضْمَنُهُ الْقَاضِي مَيِّتًا كَانَ أَوْ حَيًّا، إذَا قَالَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ قَدْ ضَاعَ أَوْ جَهِلْنَا مَوْضِعَهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى وَإِذَا دَفَعَ الْقَاضِي مَالًا إلَى رَجُلٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى فُلَانٍ فَقَالَ الْمَبْعُوثُ مَعَهُ الْمَالُ قَدْ دَفَعْتُهُ إلَى الَّذِي أَمَرْتَنِي
стр. 216
بِدَفْعِهِ إلَيْهِ وَأَنْكَرَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ، فَإِنْ قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى دَفْعِهِ إلَيْهِ وَإِلَّا ضَمِنَ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ: إذَا وُجِدَ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ أَنَّ عِنْدَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي عِنْدَنَا أَوْ قَالَ مِنْ مَالِ فُلَانٍ الْيَتِيمِ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا وَأَنْكَرَ الْأَمِينُ، فَإِنَّهُ يُحَلَّفُ وَيَبْرَأُ وَيَضْمَنُ الْقَاضِي ذَلِكَ الْمَالَ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا؛ لِأَنَّهُ فَرَّطَ حِينَ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ مَا يُرْفَعُ إلَى الْقُضَاةِ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى]
فَصْلٌ: وَفِي سَمَاعِ عِيسَى سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَمَّا يُرْفَعُ إلَى الْقُضَاةِ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى هَلْ يَسْتَوْدِعُونَهَا لَهُمْ أَوْ يُضَمِّنُونَهَا، فَقَالَ: الضَّمَانُ الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ يُضَمِّنُونَهَا أَقْوَامًا يَكُونُ لَهُمْ رِبْحُهَا وَعَلَيْهِمْ ضَمَانُهَا حَرَامٌ لَا يَحِلُّ، وَالسُّنَّةُ فِيهَا أَنْ يَسْتَوْدِعَهَا مَنْ يُوثَقُ بِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَوْصِيَاءٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ وَصِيٌّ لَمْ تُحَرَّكْ مِنْ يَدِهِ إنْ كَانَ ثِقَةً، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ أَخَذَهَا الْقَاضِي وَاسْتَوْدَعَهَا مَنْ يَثِقُ بِهِ، وَإِنْ رَأَى الْقَاضِي أَوْ الْوَصِيُّ دَفْعَهَا إلَى مَنْ يَتَّجِرُ بِهَا أَوْ يُقَارِضُ لَهُمْ أَهْلَ الثِّقَةِ عَلَى النَّظَرِ لَهُمْ فَذَلِكَ حَسَنٌ، وَلَوْ اتَّجَرَ فِيهَا الْوَصِيُّ لِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ أَوْدَعَهُ إيَّاهَا الْقَاضِي فَلَا بَأْسَ إنْ كَانَ مَلِيًّا، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ، وَالتَّنَزُّهُ عَنْهُ أَفْضَلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْفَصْلُ فِي آدَابِ الْقَاضِي.
وَهُنَاكَ زِيَادَةٌ وَبَيَانٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا وَإِنَّمَا أَعَدْتُهُ لِمَا جَرَى بِهِ عَمَلُ قُضَاةِ الْقَيْرَوَانِ، فَفِي رِسَالَةِ الْقَضَاءِ وَالْأَحْكَامِ فِيمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ عِنْدَ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ أَنَّ بَعْضَ قُضَاةِ الْقَيْرَوَانِ لَمَّا تَحَقَّقَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأُمَنَاءَ يَتَّجِرُونَ بِأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ لِأَنْفُسِهِمْ، كَانُوا يَدْفَعُونَ الْأَمْوَالَ إلَى الْأُمَنَاءِ فَإِذَا مَضَوْا بِهَا إلَى مَوْضِعِهِمْ عَادُوا إلَى الْقَاضِي، فَأَقَرُّوا عِنْدَهُ أَنَّهُمْ أَدْخَلُوا فِيهَا أَيْدِيَهُمْ وَصَرَفُوهَا فِي مَصَالِحِهِمْ حَتَّى صَارَتْ بِذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِمْ، فَكَتَبَهَا الْقَاضِي حِينَئِذٍ عَلَيْهِمْ فِي دِيوَانِهِ أَنَّهَا صَارَتْ فِي ذِمَّتِهِمْ بِتَحْرِيكِهِمْ إيَّاهَا، وَيَذْكُرُ فِي دِيوَانِهِ الْقِصَّةَ كَمَا جَرَتْ، وَيُشْهِدُ عَلَى الْأُمَنَاءِ وَذَلِكَ مِنْ الْقُضَاةِ هُرُوبٌ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّ دَفْعَهَا إلَى الْأُمَنَاءِ عَلَى أَنْ يَضْمَنُوهَا حَرَامٌ، فَتَوَصَّلُوا بِهَذَا الطَّرِيقِ إلَى تَضْمِينِهِمْ إيَّاهَا.
стр. 217
[الْقِسْمُ السَّادِسُ فِي ذِكْرِ الْيَمِينِ وَصِفَتِهَا وَزَمَانِهَا وَمَكَانِهَا]
وَالتَّغْلِيظِ فِيهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي كِتَابِ الْمُذْهَبِ: الْيَمِينُ تَكُونُ تَارَةً لِرَفْعِ الدَّعْوَى كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَالٍ فَيُنْكِرُهُ، وَتَارَةً لِتَصْحِيحِهَا كَالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَتَارَةً لِإِيقَافِهَا كَالْحَلِفِ عَلَى نَفْيِ حَقٍّ ثَبَتَ لِصَغِيرٍ بِشَاهِدٍ، وَتَارَةً لِتَتْمِيمِ الْحُكْمِ كَيَمِينِ الِاسْتِبْرَاءِ. أَمَّا صِفَتُهَا فَهِيَ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ أَنَّهُ يُزَادُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَفِي اللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ عَلَى الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ إنَّمَا يَحْلِفُ الْحَالِفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَا يَأْمُرُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ وَالدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ، وَكُلَّمَا كَانَ فِيهِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَالْمَجُوس، غَيْرَ أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ إنَّمَا يُحَلَّفُونَ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ، وَمَوَاضِعِ عِبَادَاتِهِمْ، وَيُرْسِلُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ رَسُولًا يُحَلِّفُهُمْ بِاَللَّهِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُزَادُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ.
فَرْعٌ: وَوَقَعَ لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّهُ يَقُولُ فِي الْقَسَامَةِ: بِاَللَّهِ الَّذِي أَحْيَا وَأَمَاتَ.
وَفِي اللِّعَانِ أَشْهَدُ بِعِلْمِ اللَّهِ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ.
فَرْعٌ: وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى الْيَهُودِيِّ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَعَلَى النَّصْرَانِيِّ الَّذِي أَنْزَلَ الْإِنْجِيلَ عَلَى عِيسَى.
تَنْبِيهٌ: وَمِنْ الْكُفَّارِ مَنْ لَا يَحْلِفُ بِمَا يَحْلِفُ بِهِ الْمُسْلِمُ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ التَّوْحِيدِ، وَيَحْتَجُّونَ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ الْخُرُوجُ عَنْ دِينِهِمْ لِيَمِينٍ
стр. 218
وَجَبَتْ عَلَيْهِمْ، قَالَ: فَيُحْتَاطُ حَتَّى يَقُولَ مَا لَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ، وَلَا يَحْلِفُ بِكُفْرِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي مَجُوسِيَّةٍ أَسْلَمَ زَوْجُهَا فَلَاعَنَتْ فَقَالَتْ أَقُولُ: وَالنَّارِ، فَقَالَ لَا تَحْلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ.
فَرْعٌ: لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ وَاَللَّهِ أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ فَقَالَ، أَشْهَبُ بِعَدَمِ الْإِجْزَاءِ فِيهِمَا.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: مُقْتَضَى النَّظَرِ أَنَّهَا يَمِينٌ مُجْزِئَةٌ مُنْعَقِدَةٌ وَتَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ أَنَّهُ رَدَّ يَمِينًا عَلَى رَجُلٍ ادَّعَى عَلَيْهِ دَعْوًى كَاذِبَةً، فَلَمَّا قَامَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ قَالَ لَهُ اقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِكَ وَاَللَّهِ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَمَا اسْتَتَمَّ يَمِينَهُ حَتَّى سَقَطَ مَيِّتًا فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ خَشِيت أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى فَيَحْلُمَ عَنْهُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ قَالَ: وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ شَعْبَانَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَلْيَقُلْ رَبِّ هَذَا الْمِنْبَرِ.
فَصْلٌ: وَهَلْ يَحْلِفُ قَائِمًا أَوْ لَا؟ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَحْلِفُ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالْحَلِفِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَيَكُونُونَ قُعُودًا، وَفِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَنَّهُ يَحْلِفُ قَائِمًا.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنَّ الْحَالِفَ لَا يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْقِبْلَةَ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ مَالِكٍ وَيَحْلِفُونَ قِيَامًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّفْسِيرِ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ يَعْنِي أَنَّهُ يَحْلِفُ قَائِمًا وَلَا يَسْتَقْبِلُ بِهِ الْقِبْلَةَ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّ الْقِيَامَ فِي الْأَيْمَانِ هُوَ فِي اللِّعَانِ وَالْقَسَامَةِ دُونَ سَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يَحْلِفُ قَائِمًا دُبُرَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ قِيلَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ قَائِمًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ انْتَهَى مِنْ الْبَيَانِ وَمِنْ ابْنِ شَاسٍ.
وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ يَحْلِفُ جَالِسًا يَعْنِي عِنْدَ الْمِنْبَرِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَائِمًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعُتْبِيَّةِ.
تَنْبِيهٌ: وَمَنْ قَالَ بِالْحَلِفِ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَسَوَاءٌ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ.
стр. 219
مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ لَمْ يَحْلِفْ قَائِمًا وَلَا مُسْتَقْبِلًا، بَلْ يَحْلِفُ بِمَكَانِهِ جَالِسًا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ حُكِمَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ وَالْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ قُلْت لِسَحْنُونٍ إنَّ ابْنَ عَاصِمٍ يُحَلِّفُ النَّاسَ بِالطَّلَاقِ يُغَلِّظُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذَهَا، فَقُلْت لَهُ مِنْ الْأَثَرِ " يُحْدِثُ النَّاسُ أَقْضِيَةً بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ " فَقَالَ: مِثْلُ ابْنِ عَاصِمٍ يَتَأَوَّلُ هَذَا،،، وَابْنُ عَاصِمٍ مِنْ رُوَاةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرَوَى عَنْ أَشْهَبَ أَيْضًا وَكَانَ مُحْتَسِبًا بِالْأَنْدَلُسِ. وَأَمَّا زَمَانُهَا: فَفِي الْجَوَاهِرِ لِابْنِ شَاسٍ اُخْتُلِفَ فِي التَّغْلِيظِ بِالزَّمَانِ، فَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ كِنَانَةَ يَتَحَرَّى بِالْأَيْمَانِ فِي الْمَالِ الْعَظِيمِ وَفِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ السَّاعَاتِ الَّتِي يَحْضُرُ النَّاسُ فِيهَا بِالْمَسَاجِدِ وَيَجْتَمِعُونَ لِلصَّلَاةِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَالٍ وَحَقٍّ فَفِي كُلِّ حِينٍ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ بِذَلِكَ فِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ فَقَطْ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ انْتَهَى.
وَعَنْ مَالِكٍ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ اللِّعَانَ يَكُونُ بِإِثْرِ صَلَاةٍ أَحَبُّ إلَيَّ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ عِنْدَنَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ، وَقِيلَ بَعْدَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ بَعْدَ الْعَصْرِ سُنَّةٌ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ الْإِمَامِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْقَاضِيَ أَوْ الْفَقِيهَ الْجَلِيلَ، يُرِيدُ عَنْ أَمْرِ الْإِمَامِ أَوْ الْقَاضِي، وَاسْتَحَبَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مَذْهَبَ سَحْنُونٍ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ لِسَحْنُونٍ: إنَّ ابْنَ عَجْلَانَ قَالَ لِي يُحَلَّفُ الْيَهُودِيُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَالنَّصْرَانِيُّ يَوْمَ الْأَحَدِ.
وَقَالَ إنِّي رَأَيْتُهُمْ يَرْهَبُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِ مَالِكٍ يُحَلَّفُونَ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ فَأَعْجَبَهُ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اخْتَلَفَ أَشْيَاخُ الْقَيْرَوَانِ فِي الطَّالِبِ يُسْأَلُ أَنْ يُحَلَّفَ لَهُ غَرِيمُهُ الْيَهُودِيُّ يَوْمَ السَّبْتِ هَلْ يُحْكَمُ عَلَى الْيَهُودِيِّ بِذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ فَيُحْكَمُ لَهُ بِذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُقْضَى لَهُ بِذَلِكَ، وَأَلَّفَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: وَفِي " الْمُتَيْطِيَّةِ " الْأَيْمَانُ إنَّمَا تَجِبُ بِالنَّهَارِ إلَّا عَلَى أَهْلِ السِّتْرِ وَالْحِجَابِ مِنْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ بِالنَّهَارِ أَشْنَعُ فَرُبَّمَا تَوَقَّعَ الْحَالِفُ الشُّنْعَةَ فَيَرْجِعُ إلَى الْحَقِّ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يُذْكَرَ فِي الْعُقُودِ الَّتِي تُكْتَبُ فِي
стр. 220
الْأَيْمَانِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ فُلَانَةَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَابِ، وَمِمَّنْ يَجِبُ أَنْ تُحَلَّفَ لَيْلًا، وَأَنَّ الْقَائِمَ بِالْيَمِينِ عَلَيْهَا مِمَّنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَكَانُهَا: فَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ وَجَمِيعُ مَشَايِخِنَا بِالْمَدِينَةِ فِي اسْتِحْلَافِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ أَوْ قَطَعُوهُ بِأَيْمَانِهِمْ كُلِّ أَمْرٍ لَهُ بَالٌ أَوْ بَلَغَ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَعِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
تَنْبِيهٌ: وَذَلِكَ إذَا أَبَى الطَّالِبُ أَنْ يَحْلِفَ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ قَالَهُ مُؤَلِّفُ مَسَائِلِ الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ مِنْ الْبُلْدَانِ فَفِي مَسْجِدِهِمْ الْأَعْظَمِ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ مِنْهُ عِنْدَ مِنْبَرِهِمْ أَوْ تِلْقَاءَ قِبْلَتِهِمْ. وَفِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ: يُحَلَّفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِيمَا لَهُ بَالٌ وَفِيمَا يَبْلُغُ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا عِنْدَ الْمِنْبَرِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمَالِكٌ لَا يَرَى الِاسْتِحْلَافَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَلَا فِي مِنْبَرِ الْمَدِينَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي كَاذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» وَمَا جَاءَ مِنْ ذِكْرِ الْمِنْبَرِ وَالْحَلِفِ عِنْدَهُ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِحُرْمَةِ مَوْضِعِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا لِحُرْمَتِهِ فِي نَفْسِهِ، إذْ لَوْ نُقِلَ عَنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَوْضِعٍ سِوَاهُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ تُنْقَلْ الْيَمِينُ مِنْ مَوْضِعِهَا إلَى حَيْثُ الْمِنْبَرُ، بِخِلَافِ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَ مِحْرَابِهِ ﵊؛ لِأَنَّهُ زِيدَ فِي قِبْلَتِهِ فَبَقِيَ الْمِنْبَرُ فِي مَوْضِعِهِ انْتَهَى. وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْمِنْبَرَ فِي مَكَانِهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ عِنْدَ مِحْرَابِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي الْمِحْرَابَ الَّذِي فِي الْقِبْلَةِ، وَنِسْبَةُ ذَلِكَ الْمِحْرَابِ إلَيْهِ ﷺ كَنِسْبَةِ جَمِيعِ الْمَسْجِدِ إلَيْهِ، فَيُقَالُ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ وَلِذَلِكَ قَالُوا: إنَّ الصَّلَاةَ تُضَاعَفُ فِيمَا زِيدَ فِيهِ كَمَا تُضَاعَفُ فِي الْمَسْجِدِ الْقَدِيمِ، وَلَمَّا زَادَ عُمَرُ ﵁ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ نَقَلَ مَحَلَّ الْإِمَامِ إلَى تِلْكَ الزِّيَادَةِ، وَكَانَ فِيهَا مِحْرَابٌ، وَاسْتُشْهِدَ ﵁ فِي ذَلِكَ الْمِحْرَابِ، ثُمَّ زَادَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ ﵁ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ أَيْضًا وَانْتَقَلَ مَحَلُّ الْإِمَامَةِ إلَى الْمِحْرَابِ الَّذِي فِي الْقِبْلَةِ الْآنَ وَهُوَ مِحْرَابُ عُثْمَانَ ﵁ وَكَانَ فِي أَيَّامِ مَالِكٍ يُصَلِّي الْإِمَامُ فِي مِحْرَابِ عُثْمَانَ فَلَمَّا قَلَّ النَّاسُ رَجَعُوا إلَى مِحْرَابِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي بَيْنَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَالْمِنْبَرِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ فَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ قَالَ مَالِكٌ يُحَلَّفُ بِمَكَّةَ عِنْدَ الرُّكْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ،
стр. 221
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَسَأَلْت سَحْنُونًا عَنْ الْحَلِفِ فِي مَكَّةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ هَلْ هُوَ مِثْلُ الْحَلِفِ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: لَا.
فَرْعٌ: وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ مِنْ جَوَامِعِ الْأَمْصَارِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ أَمَّا الْيَمِينُ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ مِنْ جَوَامِعِ الْأَمْصَارِ فَعِنْدَ الْمِحْرَابِ.
وَفِي " الطُّرَرِ " لِأَبِي إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجِ عِنْدَ قَوْلِهِ - فِي التَّهْذِيبِ: لَا يَعْرِفُ مَالِكٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِيهِ إلَى أَنَّ الْجَامِعَ كُلَّهُ سَوَاءٌ، وَهِيَ رِوَايَةٌ فِي الْمُذْهَبِ.
فَرْعٌ: وَفِي الْأَحْكَامِ لِابْنِ سَهْلٍ: وَلَا يُحَلَّفُ فِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ.
فَرْعٌ: وَيُحَلَّفُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِمْ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ مِنْهَا، قِيلَ لَهُ فَيُحَلَّفُ الْمَجُوسِيُّ فِي بَيْتِ نَارِهِ قَالَ يُحَلَّفُ حَيْثُ يُعَظِّمُ مِنْ بَيْتِ نَارِهِ أَوْ غَيْرِهِ.
فَرْعٌ: وَفِي " الْمُتَيْطِيَّةِ " وَاخْتُلِفَ فِي إخْرَاجِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِهَا عِنْدَ وُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَيْهَا فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ فِيمَا لَهُ بَالٌ فَتُحَلَّفُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَخْرُجُ نَهَارًا فَلْتَخْرُجْ لَيْلًا وَتُحَلَّفُ فِي بَيْتِهَا، إنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ تَخْرُجُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَحَكَى أَبُو عَمْرِو بْنُ عَاتٍ فِي " الطُّرَرِ " أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ إلَى الْحَمَّامِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهَا تُحَلَّفُ بِالنَّهَارِ وَإِنْ خَرَجَتْ مُسْتَتِرَةً، قَالَ وَعِنْدِي فِي خُرُوجِ الْمَرْأَةِ بِالنَّهَارِ إلَى الْجَامِعِ كَشْفٌ لَهَا وَلِحَالِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ؛ لِأَنَّهَا إذَا خَرَجَتْ لِلْحَلِفِ عُرِفَ أَنَّهَا فُلَانَةُ، بِخِلَافِ مَا إذَا خَرَجَتْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهَا وَقَعَتْ بِتُونُسَ وَأَنَّهُ وَجَدَ فِيهَا نَصًّا بِذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَفِي شَهَادَاتِ الْمُدَوَّنَةِ وَأَقْضِيَةِ الْمُخْتَلِطَةِ قُلْت: أَرَأَيْت النِّسَاءَ الْعَوَاتِقَ وَغَيْرَهُنَّ مِنْ الْإِمَاءِ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ الْمُدَبَّرَاتِ وَالْمُكَاتَبَاتِ أَيُحَلَّفْنَ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ إنَّمَا سَأَلْت مَالِكًا عَنْ النِّسَاءِ أَيْنَ يُحَلَّفْنَ، فَقَالَ: فِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ بَالٌ فَإِنَّهُنَّ يُحَلَّفْنَ فِيهِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ. قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ فِي مُنْتَخَبِهِ: الْعَوَاتِقُ لَا يَمِينَ عَلَى مَنْ لَمْ تُطْلَقْ مِنْهُنَّ مِنْ الْوِلَايَةِ، إلَّا فِي
стр. 222
شَيْءٍ يَكُونُ لَهُنَّ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُنَّ يُحَلَّفْنَ فِيهِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، كَمَا يُحَلَّفُ السَّفِيهُ فِيهِ، وَفِي مِثْلِ ادِّعَائِهِنَّ عَلَى الْأَزْوَاجِ الْوَطْءَ بَعْدَ الْبِنَاءِ.
فَرْعٌ: وَأَجَازَ سَحْنُونٌ كِتَابَ ابْنِهِ، أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهَا فِي دُورٍ وَأَرْضٍ وَلَيْسَتْ مِمَّنْ يَخْرُجُ أَنْ تُحَلَّفَ فِي أَقْرَبِ مَسْجِدٍ إلَيْهَا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ إذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهَا: تُحَلَّفُ فِي بَيْتِهَا، وَأَمَّا إنْ أَرَادَتْ أَنْ تَسْتَحِقَّ حَقًّا فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهَا إلَى مَوَاضِعِ الْأَيْمَانِ.
وَقَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَتُحَلَّفُ فِيمَا لَهَا وَعَلَيْهَا فِي الْمَسْجِدِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ فَتُحَلَّفَ فِي بَيْتِهَا.
فَرْعٌ: وَفِي " الْمُتَيْطِيَّةِ ": وَاخْتُلِفَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَخْرُجُ فِيهِ إلَى الْجَامِعِ، فَقِيلَ كَالرَّجُلِ وَهُوَ فِي الْوَاضِحَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَيْسَ النِّسَاءُ كَالرِّجَالِ وَلَا يُحَلَّفْنَ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الشَّيْءِ الْكَثِيرِ الَّذِي لَهُ بَالٌ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ مَا يَلْحَقُ النِّسَاءَ مِنْ الْخُرُوجِ وَالْمَشَقَّةِ وَالظُّهُورِ لِلنَّاسِ أَشَدُّ مِمَّا يَلْحَقُ الرِّجَالَ. وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنَّهَا تُحَلَّفُ فِي الْجَامِعِ فِي دِينَارٍ فَأَكْثَرَ، وَتُحَلَّفُ فِي بَيْتِهَا فِي أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ. فَرْعٌ: وَالْمُكَاتَبَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْحُرَّةِ فِي أَحْكَامِ الْيَمِينِ وَالْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَمَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ كَالْحُرِّ فِي الْيَمِينِ.
فَرْعٌ: وَمَنْ بَاعَ ثَوْبًا فَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ، فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ بَيَّنَهُ لِلْمُبْتَاعِ، فَأَنْكَرَ الْمُبْتَاعُ وَأَرَادَ يَمِينَ الْبَائِعِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فَإِنْ كَانَ نُقْصَانُ الْعَيْبِ أَكْثَرَ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ لَمْ يُحَلَّفْ إلَّا فِي الْجَامِعِ.
[فَصْلٌ الْحَلِفِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ الْقَرَمُونِيَّةِ]
فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ سَأَلْت ابْنَ عَتَّابٍ وَابْنَ مَالِكٍ عَنْ الْحَلِفِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ الْقَرَمُونِيَّةِ وَكَانَ فِيهَا مِنْ الذَّهَبِ نَحْوُ الْمُسَبَّعِ، فَقَالَا لِي: لَا يُحَلَّفُ فِيهِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ.
وَقَالَ لِي ابْنُ الْقَطَّانِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَخَالَفَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يُفْتِي مَعَنَا، وَكَانَ يَرَى الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِيمَا لَهُ بَالٌ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ رُبُعَ دِينَارٍ طَيِّبٍ، وَفِي " مُفِيدِ الْحُكَّامِ " قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُحَلَّفُ عِنْدَهُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
[فَصْلٌ التَّغْلِيظُ بِالتَّحْلِيفِ عَلَى الْمُصْحَفِ]
فَصْلٌ: وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالتَّحْلِيفِ عَلَى الْمُصْحَفِ فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَرِدْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ أَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ اُنْظُرْ الْأَحْكَامَ فِي
стр. 223
سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَكَانَ ابْنُ لُبَابَةَ يُفْتِي فِي الْمَرِيضَةِ تَجِبُ عَلَيْهَا الْيَمِينُ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ أَنَّهَا تُحَلَّفُ فِي بَيْتِهَا عَلَى الْمُصْحَفِ.
[فَصْلٌ حُضُور الْمَحْلُوفِ لَهُ أَوْ وَكِيلِهِ لِتَقَاضِي الْيَمِينِ]
فَصْلٌ: لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْمَحْلُوفِ لَهُ أَوْ وَكِيلِهِ لِتَقَاضِي الْيَمِينِ، فَإِنْ تَغَيَّبَ وَكَّلَ الْقَاضِي مَنْ يَقْتَضِيهَا إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ تَغَيُّبُهُ، وَلَا يُحَلِّفُ الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا بِسُؤَالِ خَصْمِهِ أَوْ قَرِينَةِ حَالٍ تَدُلُّ عَلَى طَلَبِهِ لِذَلِكَ مِنْ الْقَاضِي قَالَهُ الْمَازِرِيُّ، اُنْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِذَا أَمَرَ الْقَاضِي رَجُلًا أَنْ يُحَلِّفَ رَجُلًا فَقَالَ قَدْ حَلَّفْتُهُ وَالطَّالِبُ يُنْكِرُ ذَلِكَ فَقَوْلُ الْمَأْمُورِ نَافِذٌ.
[فَصْلٌ تُحَلَّفُ الْمَرْأَةُ إذَا أَرَادَتْ تَطْلِيقَ نَفْسِهَا مِنْهُ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ]
فَصْلٌ: إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْيَمِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَفِي مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَفِيمَا لَهُ بَالٌ، فَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ عُلِمَ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَنَذْكُرُ مِنْ مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ فِي رَجُلٍ أَشْهَدَ لِامْرَأَتِهِ أَنَّهُ غَابَ عَنْهَا فِي سَفَرِهِ أَكْثَرَ مِنْ كَذَا وَكَذَا فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، بَعْدَ أَنْ تَحْلِفَ بِاَللَّهِ لَقَدْ غَابَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا شَرَطَهُ لَهَا، ثُمَّ تَقْضِي فِي نَفْسِهَا مَا أَحَبَّتْ، فَغَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا أَكْثَرَ مِمَّا شَرَطَهُ فَرَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى بَعْضِ الْحُكَّامِ، وَأَحَبَّتْ أَنْ تَأْخُذَ بِشَرْطِهَا وَأَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا شَرَطَهُ زَوْجُهَا وَعَلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَحَلَّفَهَا الْحَاكِمُ فِي بَيْتِهَا.
وَكَانَ الْحَاكِمُ الْوَزِيرَ أَبَا بَكْرِ بْنَ حَرِيشٍ وَكَتَبَ إلَى الْفُقَهَاءِ يَسْتَشِيرُهُمْ فِي ذَلِكَ فَكَتَبَ إلَيْهِ أَبُو عُمَرَ بْنُ الْقَطَّانِ: أَمَّا يَمِينُهَا فِي بَيْتِهَا فَغَيْرُ مُجْزِئَةٍ، وَالْيَمِينُ وَاجِبَةٌ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَكَذَلِكَ تُحَلَّفُ الْمَرْأَةُ إذَا أَرَادَتْ تَطْلِيقَ نَفْسِهَا مِنْهُ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ أَنَّهُ مَا تَرَكَ لَهَا شَيْئًا وَلَا أَرْسَلَ إلَيْهَا بِشَيْءٍ، وَقَدْ شَهِدَ لَهَا بِذَلِكَ الشُّهُودُ، وَكَذَلِكَ يُحَلَّفُ مُسْتَحِقُّ الْحَيَوَانِ وَشِبْهُهُ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ، بَعْدَ أَنْ تَشْهَدَ لَهُ الْبَيِّنَةُ.
وَكَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي يَمِينِهَا فِي سِجِلِّ الْقَضَاءِ لَهَا بِالْأَخْذِ يُشْرَطُ فِي الْمَغِيبِ بِأَنَّ الْفُقَهَاءَ أَشَارُوا أَنْ تُحَلَّفَ الْمَرْأَةُ فِي
стр. 224
مَقْطَعِ الْحَقِّ احْتِيَاطًا لِلْغَائِبِ، فَتُحَلَّفُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَقَدْ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا فُلَانٌ الْغَيْبَةَ الَّتِي شُهِدَ لَهَا بِهَا، وَمَا قَدِمَ عَلَيْهَا، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فَهَذَا نَصٌّ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ هُوَ حُجَّتُهُ، وَجَوَابٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ بِأَنَّ يَمِينَهَا فِي بَيْتِهَا لَا تُجْزِئُ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ فِي شَرْطِهَا، وَلَا فِي كِتَابِ الِاسْتِرْعَاءِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ أَنَّ زَوْجَهَا لَوْ جَعَلَ لَهَا أَنْ تُحَلَّفَ فِي بَيْتِهَا كَانَ ذَلِكَ لَهَا، وَإِذَا لَمْ يَجْعَلْهُ لَهَا فَالِاحْتِيَاطُ لِلْغَائِبِ أَنْ تُحَلَّفَ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي " الْمُتَيْطِيَّةِ " إذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا وَهُوَ غَائِبٌ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ وَأَثْبَتَتْ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا إثْبَاتُهُ، فَإِنَّهُ يُؤَجِّلُهَا ثُمَّ يَأْمُرُهَا بِالْحَلِفِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِمَوْضِعِ الْحَلِفِ أَنَّ زَوْجَهَا فُلَانًا لَمْ يُخَلِّفْ عِنْدَهَا نَفَقَةً تُنْفِقُهَا، وَلَا مَا يُعَدَّى فِيهِ بِنَفَقَتِهَا، وَلَا أَرْسَلَ شَيْئًا وَصَلَ إلَيْهَا، وَلَا وَضَعَتْ شَيْئًا عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ مَنْ وُجِّهَ لِحُضُورِ يَمِينِهَا أَنَّهَا حَلَفَتْ الْيَمِينَ الْمَنْصُوصَةَ كَمَا يَجِبُ وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ نَظَرَ فِي ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ إذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْبَتَاتِ وَذَلِكَ قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا وَنَوَى وَاحِدَةً وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِلَفْظِهِ وَبِادِّعَائِهِ النِّيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ أَرَادَ مُرَاجَعَتَهَا فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ عِنْدَ مُرَاجَعَتِهَا عَلَى مَا نَوَاهُ، وَيُحَلَّفُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ فُلَانَةَ حَبْلُك عَلَى غَارِبِكَ إلَّا طَلْقَةً وَاحِدَةً.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَبَهَا وَأَقَامَتْ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ لَهَا عَلَى تَكْذِيبِ الشَّاهِدِ، وَيَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مِنْ " الْمُتَيْطِيَّةِ ".
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا رَدَّ الْمُبْتَاعُ الْأَمَةَ بِعَيْبٍ فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: احْلِفْ أَنَّكَ مَا وَطِئَتْهَا، فَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ، قِيلَ لَا يُحَلَّفُ، وَقِيلَ يُحَلَّفُ، وَقِيلَ لَا يُحَلَّفُ إلَّا أَنْ يَكُون مُتَّهَمًا، وَمَنْ قَالَ بِالتَّحْلِيفِ فَيُحَلِّفُهُ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ عَلَى ذَلِكَ.
فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ أَيْمَانُ اللِّعَانِ وَأَيْمَانُ الْقَسَامَةِ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ.
стр. 225
تَنْبِيهٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ فَتَاوَى ابْنِ رُشْدٍ لِلْقَاضِي ابْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ. إذَا كَانَ قِيمَةُ الْعَيْبِ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ وَقَالَ الْبَائِعُ بِبَيِّنَتِهِ لِلْمُشْتَرِي فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً يَجِبُ رَدُّهَا حَلَفَ الْمُشْتَرِي فِي الْجَامِعِ مَا عَلِمَ وَرَدَّهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ، وَهُوَ رَدُّ السِّلْعَةِ وَإِنْ كَانَتْ فَائِتَةً وَلَمْ يَجِبْ لِلْمُشْتَرِي إلَّا قِيمَةُ الْعَيْبِ لَمْ يُحَلَّفْ الْمُشْتَرِي فِي الْجَامِعِ، وَهَذَا مِثْلُ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ، فِي أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ، فَيَتَحَالَفَانِ فِي الْجَامِعِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَكَذَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الصَّرْفِ فِيمَا يُوجَبُ نَقْضُهُ وَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا وَاحِدًا.
[فَصْلٌ لَا يُجْلَبُ الْحَالِفُ فِي الْأَيْمَانِ إلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ]
فَصْلٌ: وَلَا يُجْلَبُ الْحَالِفُ فِي الْأَيْمَانِ إلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ إلَّا فِي الْقَسَامَةِ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ يُجْلَبُ إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ مَنْ كَانَ فِي أَعْمَالِهَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ حَيْثُمَا كَانُوا مِنْ أَعْمَالِهَا، وَأَمَّا أَهْلُ الْآفَاقِ فَيُسْتَحْلَفُونَ فِي مَوْضِعِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَرِيبًا مِنْ الْمِصْرِ نَحْوَ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ فَأَرَى أَنْ يُجْلَبُوا إلَى الْمِصْرِ فَيُحَلَّفُونَ فِي الْمَسْجِدِ. مِنْ " مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ النُّكُولِ عَنْ الْيَمِينِ]
ِ: وَنَعْنِي بِهِ نُكُولَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ الْمُدَّعِي إذَا تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَنَكَلَ عَنْهَا، وَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ نُكُولِهِ كَمَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَ نُكُولِهِ مِنْ يَمِينِ الْمُدَّعِي، وَيَتِمُّ نُكُولُهُ بِقَوْلِهِ لَا أَحْلِفُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَنَا نَاكِلٌ عَنْ الْيَمِينِ، أَوْ بِقَوْلِهِ لِلْمُدَّعِي: احْلِفْ أَنْتَ، وَأَمَّا تَمَادِيهِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْيَمِينِ فَإِنْ كَانَ مَعَ نُطْقِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَلَا إشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ بِدُونِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَهُوَ يُشْبِهُ الِامْتِنَاعَ مِنْ الْجَوَابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَقْسَامِ الْجَوَابِ عَنْ الدَّعْوَى.
وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ بَيَانُ حُكْمِ النُّكُولِ بِأَنْ يَقُولَ لِمُدَّعًى عَلَيْهِ إنْ نَكَلْت عَنْ الْيَمِينِ اسْتَحَقَّ مَا ادَّعَاهُ عَلَيْكَ وَهَذَا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ فِيمَنْ يَخْشَى مِنْهُ الْجَهْلَ بِحُكْمِ النُّكُولِ، وَإِذَا تَمَّ نُكُولُهُ بِالنُّطْقِ أَوْ الِامْتِنَاعِ مِنْ الْيَمِينِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَا أَحْلِفُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَلَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ خَصْمَهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَهَذَا مِثْلُ مَنْ قَامَ لَهُ شَاهِدٌ بِحَقٍّ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ ثُمَّ بَدَا لَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ.
стр. 226
فَرْعٌ: وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَامْتَنَعَ مِنْهَا حَتَّى يُبْرِزَ الْمَطْلُوبُ الْمَالَ الَّذِي يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الْمَطْلُوبِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِ الطَّالِبِ إذْ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَالَ إلَّا بِالْيَمِينِ، فَإِنْ قَالَ: أَخْشَى أَنْ أَحْلِفَ ثُمَّ يَدَّعِي الَّذِي أَحْلَفَنِي الْعَدَمَ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ مُوسِرٌ وَلَيْسَ بِعَدِيمٍ، فَإِذَا شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ، فَإِنْ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ الْعَدَمَ حُبِسَ حَتَّى يُؤَدِّيَ، فَإِنْ شَهِدَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِالْعَدَمِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكْذَبَهَا، فَثَمَرَةُ الشَّهَادَةِ عَلَى نَفْسِهِ تَطْوِيلُ سَجْنِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ.
فَرْعٌ: وَأَمَّا لَوْ ادَّعَى الْمَطْلُوبُ قَضَاءَ الدَّيْنِ فَأَنْكَرَ الطَّالِبُ ذَلِكَ وَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ فَنَكَلَ عَنْهَا وَقَلَبَهَا عَلَى الْمَطْلُوبِ فَنَكَلَ عَنْهَا أَيْضًا، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ يَلْزَمُهُ غُرْمُ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ إلَّا الْآنَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَيْهِ كَفِيلٌ بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ الْآنَ شَاكٌّ فِي بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ إذَا شَكَّ الْمَطْلُوبُ هَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ دُونَ يَمِينٍ تَلْزَمُ الطَّالِبَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالْحَقُّ قَدْ تَوَجَّهَ عَلَى الْمَطْلُوبِ إذْ هُوَ فِي مَعْنَى التَّوَجُّهِ وَإِذَا انْتَهَى الْحَقُّ إلَى هَذَا الظُّهُورِ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِالْمَالِ هَذِهِ هِيَ الْقَاعِدَةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا سَأَلَ الْمَطْلُوبُ أَنْ يُمْهَلَ لِحِسَابٍ وَشِبْهِهِ أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ بِقَدْرِ مَا يَرَى مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ لِزَمَانِ الْمُهْلَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الشَّكِّ مُخْتَلِفَةٌ، فَقَدْ يَطُولُ زَمَانُ الْمُعَامَلَةِ بَيْنَهُمَا وَيَكْثُرُ الْمَالُ وَالتَّقَاضِي، وَقَدْ يَقِلُّ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ كَانَ إمْهَالُهُ بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ وَيَظْهَرُ لَهُ مِنْ أَمْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ حِينَ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَمْهِلُونِي فَلِي بَيِّنَةٌ دَافِعَةٌ أُمْهِلَ مَا لَمْ يَبْعُدْ فَيُقْضَى عَلَيْهِ وَيُبْقَى عَلَى حُجَّتِهِ إذَا أَحْضَرَهَا، وَلَوْ قَالَ أَبْرَأَنِي فَحَلَّفُوهُ فَلْيَحْلِفْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَلَمْ يَحْلِفْ وَقَالَ لِي بَيِّنَةٌ قَرِيبَةٌ فَاطْلُبُوا مِنْ الْغَرِيمِ كَفِيلًا أُخِذَ مِنْهُ كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ إلَى الْجُمُعَةِ.
стр. 227
[فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ تَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ الْيَمِينِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي الْيَمِينِ تَجِبُ لِلْوَرَثَةِ وَيَتَقَاضَاهَا أَحَدُهُمْ، فِي " الْمُتَيْطِيَّةِ " إذَا وَجَبَتْ الْيَمِينُ لِوَرَثَتِهِ يُمَلِّكُونِ أُمُورَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى رَجُلٍ فَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ وَتَقَاضَى الْيَمِينَ أَحَدُهُمْ فَيَمِينُهُ تُجْزِئُ عَنْ الْجَمِيعِ، إذَا كَانَتْ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ، وَذَلِكَ حُكْمٌ مَاضٍ وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَمْرِ الْحَاكِمِ، فَكُلُّ مَنْ قَامَ مِنْهُمْ عَلَيْهِ كَلَّفَهُ يَمِينًا ثَانِيَةً، وَمِثْلُهُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وَقَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ، وَبِهِ الْحُكْمُ، وَلِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي أَسْئِلَتِهِ خِلَافُهُ، وَأَنَّ لِمَنْ غَابَ مِنْهُمْ أَنْ يُحَلِّفَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا حَلَفَ الْخَصْمُ دُونَ حُضُورِ خَصْمِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ الْيَمِينُ، وَكَذَلِكَ إذَا بَدَرَ بِالْيَمِينِ بِحُضُورِ خَصْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهَا لَمْ تُجْزِهِ: اُنْظُرْ " الْمُنْتَقَى " لِلْبَاجِيِّ " وَأَحْكَامَ ابْنِ سَهْلٍ ".
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ يَمِينٌ عَلَى غَيْرِهِ فَحَلَفَ لَهُ وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى يَمِينِهِ أَحَدًا ثُمَّ طَلَبَهُ بِالْيَمِينِ ثَانِيَةً وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَحْلَفَهُ، فَإِنَّ الطَّالِبَ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَحْلَفَهُ، فَإِذَا حَلَفَ وَجَبَتْ لَهُ الْيَمِينُ مِنْ " الْمُتَيْطِيَّةِ ".
مَسْأَلَةٌ: إذَا وَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى امْرَأَةٍ وَقَالَ الْمُحَلِّفُ لَهَا: أَنَا طَالِبٌ مِنْهَا أَنْ تُحْضِرَ مَنْ يَعْرِفُ عَيْنَهَا فَإِنِّي أَتَوَقَّعُ أَنْ يَحْلِفَ لِي غَيْرُهَا، وَلَا تُوفِيَنِي حَقِّي، وَذَكَرَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَا تَجِدُ مَنْ يَعْرِفُ عَيْنَهَا فَمِنْ حَقِّ الْمُحَلِّفِ لَهَا أَنْ يُكَلِّفَهَا إحْضَارَ مَنْ يَعْرِفُ عَيْنَهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَيْهَا وَجَبَتْ فَمِنْ حَقِّ الْمُحَلِّفِ لَهَا أَنْ تُوفِيَهُ حَقَّهُ بِإِحْضَارِ مَنْ يَعْرِفُ عَيْنَهَا، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهِنْدِيُّ: وَقَدْ نَزَلَتْ وَقِيلَ فِيهَا غَيْرُ هَذَا، وَأَنَّ عَلَى مَنْ يَسْتَحْلِفُهَا إحْضَارَ مَنْ يَعْرِفُ عَيْنَهَا، وَحَسْبُ الْمَرْأَةِ أَنْ تَقُولَ: أَنَا هِيَ حَتَّى يُثْبِتَ مَنْ يَسْتَحْلِفُهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةَ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَصْوَبُ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ يُحَلِّفُهَا أَنْ تُعَرِّفَهُ بِنَفْسِهَا. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُدَّعِي يَعْرِفُهَا بِالْعَيْنِ وَالِاسْمِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ يَعْرِفُهَا وَحَلَفَتْ بِمَحْضَرِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحُضُورِهِ لِيَمِينِهَا وَاقْتِدَائِهِ لَهَا وَاعْتِرَافِهِ أَنَّهَا هِيَ الْمَطْلُوبَةُ بِالْحَقِّ فَلَا وَجْهَ لِلْخِلَافِ، وَأَيُّ شَيْءٍ يَبْقَى بَعْدَ هَذَا.
стр. 228
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي " الْمُقَرَّبِ ": وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ يَمِينٌ لِبَعْضِ مَا جَرَى بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي: اجْمَعْ مَطَالِبَكَ إنْ كُنْت تَزْعُمُ أَنَّ لَكَ عِنْدِي مَطْلَبًا غَيْرَ هَذَا الَّذِي تُرِيدُ إحْلَافِي عَلَيْهِ لِأَحْلِفَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ يَمِينًا وَاحِدَةً، فَهُوَ مِنْ حَقِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَنْ وَجَبَتْ لَهُ يَمِينٌ عَلَى صَاحِبِهِ بِسَبَبِ مِيرَاثٍ، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي: اجْمَعْ مَطَالِبَك قِبَلِي فِي هَذَا الْمِيرَاثِ لِأَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ يَمِينًا وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمِيرَاثَ لَا يُحَاطُ بِالْحُقُوقِ فِيهِ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا جَرَتْ الْفُتْيَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْجَوَابِ عَنْ الدَّعْوَى حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهَا مِنْ الْخِلَافِ غَيْرُ هَذَا.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِحُقُوقٍ نَصَّهَا وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ لَهُ فِي بَعْضِهَا وَأَنَّ لَهُ بَيِّنَةً عَلَى بَعْضِهَا، وَذَهَبَ إلَى اسْتِحْلَافِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيمَا لَا بَيِّنَةَ لَهُ فِيهِ، وَأَنَّهُ يُبْقِي عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فِيمَا لَهُ فِيهِ بَيِّنَةٌ، فَإِنَّهُ إنْ الْتَزَمَ إنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا زَعَمَ أَنَّ لَهُ فِيهِ بَيِّنَةً، أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ يَمِينٌ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ فِيمَا لَا بَيِّنَةَ لَهُ فِيهِ، فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْبَاقِي مِنْ دَعْوَاهُ وَإِلَّا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَعْجِلَ يَمِينَهُ فِيمَا لَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَيُؤَخِّرُ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ لَهُ الْبَيِّنَةُ الَّتِي زَعَمَهَا عَلَى الْبَعْضِ، فَإِنْ أَقَامَهَا وَإِلَّا جَمَعَ دَعَاوِيَهُ وَحَلَفَ لَهُ عَلَى الْجَمِيعِ. مِنْ " الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ " فِي بَابِ الْحَمَالَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى وَأَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِي الْمُدَّعِي يَقُولُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: احْلِفْ وَابْرَأْ فَيَقُولُ لَهُ الْآخَرُ: بَلْ احْلِفْ أَنْتَ. وَخُذْ مَا ادَّعَيْت، فَإِذَا هَمَّ بِالْيَمِينِ بَدَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَالَ لَمْ أَظُنَّكَ تَجْتَرِئُ عَلَى الْيَمِينِ، قَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَلْيَحْلِفْ الْمُدَّعِي وَيَأْخُذْ حَقَّهُ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ سُلْطَانٍ أَوْ عِنْدَ غَيْرِ سُلْطَانٍ، وَقَدْ لَزِمَهُ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا وَجَبَتْ لِرَجُلٍ عَلَى امْرَأَةٍ يَمِينٌ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَابِ وَوَجَبَتْ يَمِينٌ عَلَى الرَّجُلِ لَهَا فَذَهَبَتْ الْمَرْأَةُ إلَى أَنْ تَحْلِفَ لَيْلًا وَأَنْ تُحَلِّفَ الرَّجُلَ نَهَارًا فَقَالَ الرَّجُلُ أَخَافُ أَنْ أَحْلِفَ لَهَا نَهَارًا فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ نَكَلَتْ عَنْ الْيَمِينِ وَرُدَّتْ الْيَمِينَ عَلَيَّ، فَأَحْلِفُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِالنَّهَارِ وَمَرَّةً بِاللَّيْلِ، فَإِذَا أُلْزِمَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَا تَرُدُّ الْيَمِينَ حَلَفَ الرَّجُلُ لَهَا نَهَارًا وَحَلَفَتْ الْمَرْأَةُ لَيْلًا، وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْتِزَامَهَا لِعَدَمِ الرَّدِّ يَلْزَمُهَا.
стр. 229
مَسْأَلَةٌ: إذَا وَجَبَتْ يَمِينٌ عَلَى رَجُلٍ فَأَرَادَ الطَّالِبُ تَأْخِيرَهَا وَأَرَادَ الْمَطْلُوبُ تَعْجِيلَهَا أَوْ بِالْعَكْسِ، فَتَعْجِيلُهَا أَوْجَبُ لِمَنْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهَا، وَلَا تُؤَخَّرُ، نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ عَنْ ابْنِ الْجَرَّاحِ.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَأَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَرَدَّهَا عَلَى مَنْ طَلَبَهُ بِهَا بِمَحْضَرِهِ فَسَكَتَ الَّذِي رُدَّتْ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَمَضَى زَمَانٌ، ثُمَّ ذَهَبَ إلَى أَنْ يَحْلِفَ فَقَالَ الرَّادُّ: لَا أُمَكِّنُكَ الْآنَ مِنْ الْيَمِينِ، وَأَنَا أَحْلِفُ عَلَى إنْكَارِي دَعْوَاكَ، وَإِنَّمَا مَلَّكْتُكَ حِينَئِذٍ فَإِذَا لَمْ تَحْلِفْ وَطَالَ الزَّمَانُ فَالْيَمِينُ إنَّمَا بَقِيَتْ عَلَيَّ لَا عَلَيْكَ، وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا رَدَّ الْيَمِينَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ فِيهَا طَالَ الزَّمَانُ فِي ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ، وَيَحْلِفُ الَّذِي رُدَّتْ عَلَيْهِ وَيَسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي " الْمُغْرِبِ " لِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ: وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ حَقًّا بِأَمْرٍ ذَكَرَهُ مِنْ مِيرَاثٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ وَدَعَا إلَى إحْلَافِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ وَيَصِفُهُ كَيْمَا إنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ حَلَفَ عَلَى مَا وُصِفَ، قَالَ وَعَلَى هَذَا تَجْرِي الْفُتْيَا.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فَرَدَّهَا عَلَى مَنْ وَجَبَتْ لَهُ عِنْدَ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَرَضِيَ بِأَنْ يَحْلِفَ صَاحِبُهُ وَيَغْرَمَ، فَلَمَّا جَاءَ مَقْطَعُ الْحَقِّ نَزَعَ عَنْ الرِّضَا وَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ لَزِمَهُ الرِّضَا، كَانَ عِنْدَ سُلْطَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ فِي " مَسَائِلِهِ " وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ فِيمَنْ قَامَ لَهُ شَاهِدٌ بِحَقٍّ فَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ: وَأَمَّا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ الْيَمِينَ ثُمَّ يُرِيدُ الرُّجُوعَ عَنْهَا إلَى إحْلَافِ الْمُدَّعِي فَذَلِكَ لَهُ، قَالَ وَقَدْ خَالَفَنِي فِي ذَلِكَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْكَاتِبِ وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْيَمِينِ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ.
стр. 230
مَسْأَلَةٌ: وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ إذَا أَقَرَّ وَرَثَةٌ أَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ حَبْسٌ عَلَيْهِمْ وَاتَّفَقُوا عَلَى وُجُوهِ مَصَارِفِهِ وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ لَزِمَهُمْ الْإِقْرَارُ فِي حِصَصِهِمْ، وَعَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُ أَنَّ الْمُحْبِسَ حَبَسَهُ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ لَيْسَ كَالْمُطْلَقِ، وَلَا يَمْلِكُ مِلْكَ الْبَيْعِ مِنْ جِهَةِ مَصِيرِهِ إلَى الْأَعْقَابِ، وَالْمَرْجِعُ الَّذِي جَعَلَهُ الْمُحْبِسُ فَلَيْسَتْ يَمِينُ الْمُدَّعِي لِلْحَبْسِ إذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ بَلْ يَمِينُهُ مُنْقَسِمَةٌ عَلَى الْأَعْقَابِ، وَالْمَرْجِعِ وَلَيْسَ يَحْلِفُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَوْ أَنَّهُ نَكَلَ إذَا رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ لَمْ يَبْطُلْ الْحَبْسُ بِنُكُولِهِ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ تَمْنَعُ مِنْ رَدِّ الْيَمِينِ فِي الْحَبْسِ.
فَصْلٌ فِي جَمِيعِ الدَّعَاوَى فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ وَمَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ يَمِينَيْنِ
مَسْأَلَةٌ: فِي الْمَرْأَةِ تُثْبِتُ كَالِئَهَا عَلَى زَوْجِهَا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا فَلَمَّا وَجَبَتْ عَلَيْهَا يَمِينُ الِاسْتِبْرَاءِ طَلَبَتْ أَنْ تَكُونَ يَمِينُهَا فِي الْكَالِئِ وَفِي جَمِيعِ دَعَاوَى الْوَرَثَةِ أَنَّ عِنْدَهُمْ بَيِّنَةً عَلَى دَعَاوِيهِمْ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَرْجُو إثْبَاتَ بَيِّنَتِهِمْ حَلَفَهَا عَلَى الْكَالِئِ وَحْدَهُ وَكَلَّفَهُمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا زَعَمُوا قَالَ بَعْضُهُمْ: فَإِنْ عَجَزُوا عَنْهَا حَلَفَتْ يَمِينًا أُخْرَى عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ الدَّعْوَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَسْأَلُهُمْ الْقَاضِي عَنْ بَيِّنَتِهِمْ فَإِنْ ذَكَرُوا مَنْ يُرْجَى قَبُولُهُ نَظَرَ فِي قَوْلِهِمْ، وَإِنْ ذَكَرُوا مَنْ لَا يُرْجَى لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى قَوْلِهِمْ وَحَلَّفَهَا عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْإِضْرَارَ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ: جَمْعُ الدَّعَاوَى فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ فِيهِ خِلَافٌ، وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ جَمْعُ الدَّعَاوَى فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ إلَّا فِي يَمِينِ الرَّدِّ فَلَا تُجْمَعُ مَعَ غَيْرِهَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِي " مُفِيدِ الْحُكَّامِ " مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ قَدْ وَجَبَتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَجِبُ لَهُ أَيْضًا الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَرُدُّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَجْمَعُ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْمُطَرِّفِ، وَعَنْ الشُّيُوخِ قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: هِيَ لِمَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَبِهِ أَفْتَى الشُّيُوخُ عِنْدَنَا وَوَقَعَتْ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ وَفِي رَسْمِ الرُّهُونِ فِي الْعُتْبِيَّةِ نَحْوُ هَذَا فِي تَفْرِيقِ الْأَيْمَانِ فَانْظُرْهُ.
قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ مُنَازَعَةٌ فِي بَيْتٍ وَكَانَتْ هِيَ بِنْتَ عَمِّهِ فَحَلَفَ بِطَلَاقِهَا أَلْبَتَّةَ مَا لَهَا فِيهِ حَقٌّ فَجَاءَتْ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ
стр. 231
لِجَدِّهَا وَجَاءَ الرَّجُلُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَحُوزُهُ دُونَ إخْوَتِهِ وَيَسْكُنَهُ، وَجَاءَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَشَهِدَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ قَدْ اسْتَخْلَصَهُ مِنْ إخْوَتِهِ. قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ وَمَا لَهَا فِيهِ حَقٌّ، وَأَنَّ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّلَاقِ لَحَقٌّ وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَهَذِهِ مِنْ قَوْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِي جَمْعِ أَشْيَاءَ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ: وَجْهُ الصَّوَابِ أَنَّ الدَّعَاوَى وَإِنْ كَثُرَتْ فَتَجْمَعُهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَنَا وَإِنْ كَانَ النَّاسُ قَدْ تَنَازَعُوا إذَا كَثُرَتْ الدَّعَاوَى، هَلْ يَجْمَعُهَا يَمِينٌ وَاحِدَةٌ أَمْ لَا؟ وَنَقَلَ ابْنُ سَهْلٍ عَنْ أَصْبَغَ تَفْرِيقَ الْأَيْمَانِ، وَكَذَلِكَ نَقَلَهُ عَنْ مُطَرِّفٍ فِيمَنْ ادَّعَى دَابَّةً أَوْ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا بِيَدِ رَجُلٍ لِابْنِهِ الْغَائِبِ أَوْ أَبِيهِ أَوْ جَارِهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ وَالْحَبْسِ عَلَيْهِمْ وَكُلُّهُمْ غَائِبٌ، فَإِنَّ الْقَائِمَ فِي ذَلِكَ يُمَكَّنُ مِنْ إيقَاعِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهَا أَشْيَاءُ تَحُولُ وَتَفُوتُ، فَإِذَا أَتَى الْغَائِبُ وَقَدْ كَانَتْ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ حَلَفَ بِاَللَّهِ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهِ حَقٍّ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا قَامَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ أَنَّ حَقَّهُ لَحَقٌّ، وَحَلَفَ أَيْضًا أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ يَدِهِ بِوَجْهِ حَقٍّ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ يَمِينَيْنِ، وَذَكَرُوا مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُفَرَّقُ فِيهَا الْأَيْمَانُ عِدَّةَ مَسَائِلَ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ حَلَفَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ وَدَخَلَهَا وَشَهِدَ عَلَيْهِ آخَرُ أَنَّهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَرْكَبَ الدَّابَّةَ وَرَكِبَهَا فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَصْلِ الشَّهَادَةِ، فَعَلَيْهِ يَمِينَانِ يَحْلِفُ أَنْ مَا رَكِبَ الدَّابَّةَ فَيَدْفَعُ عَنْهُ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا دَخَلَ الدَّارَ فَيَدْفَعُ عَنْهُ شَهَادَةَ الشَّاهِدِ عَلَى دُخُولِهَا، مِنْ مُخْتَصَرِ " الْوَقَارِ الْكَبِيرِ "، وَإِذَا قُلْنَا بِتَفْرِيقِ الْأَيْمَانِ فَقَدْ يَحْلِفُ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجُ فِي طُرَرِ التَّهْذِيبِ فِي كِتَابِ الْعُيُوبِ قَالَ: إذَا قَامَ رَجُلٌ بِعَيْبٍ فِي سِلْعَةٍ وَاَلَّذِي بَاعَهَا غَائِبٌ وَرَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ يُكَلِّفُهُ إثْبَاتَ سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: الِابْتِيَاعِ، وَنَقْدِ الثَّمَنِ، وَقَدْرِهِ، وَأَمَدِ التَّبَايُعِ، وَإِثْبَاتِ الْعَيْبِ الَّذِي يُوجِبُ الرَّدَّ وَهُوَ كُلُّ مَا يُنْقِصُ الثَّمَنَ، وَأَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ أَمَدِ التَّبَايُعِ، وَإِثْبَاتِ الْغَيْبَةِ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ أَبَعِيدَةٌ أَمْ قَرِيبَةٌ، ثُمَّ يُكَلِّفُهُ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ: أَنَّهُ بَيْعٌ صَحِيحٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْهُ
стр. 232
وَمَا أَعْلَمُهُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، وَأَنَّهُ لَمَّا اطَّلَعَ بَعْدَ الْبَيْعِ عَلَيْهِ مَا رَضِيَ لَهُ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلَهُ جَمْعُ ذَلِكَ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرُوا أَنَّهُ يَلْزَمُ فِيهَا بِيَمِينَيْنِ مَا ذَكَرَهُ الشَّارْمَسَاحِيُّ فِي شَرْحِ " الْجَلَّابِ " قَالَ إذَا أَحْضَرَ الْمُدَّعِي خَطَّ الْمُقِرِّ، وَشَهْد لَهُ شَاهِدٌ بِأَنَّ هَذَا خَطُّ الْمُقِرِّ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ، قَالَ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَيَحْلِفُ بِيَمِينَيْنِ إحْدَاهُمَا مَعَ شَاهِدِهِ وَأُخْرَى يَكْمُلُ بِهَا سَبَبٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.
[فَصْلٌ فِي الدَّعَاوَى الَّتِي لَا تُوجِبُ الْيَمِينَ وَحُكْمِ الْخُلْطَةِ]
قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: اُخْتُلِفَ فِي الدَّعْوَى إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ فَظَاهِرُ مَسْأَلَةِ النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ إلَّا بِتَحْقِيقِ الدَّعْوَى؛ لِأَنَّهُ قَالَ إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الصَّدَاقِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ أَوْ وَرَثَتِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ أَوْ وَرَثَتِهِ، غَيْرَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ عَلَى وَرَثَتِهِ إلَّا أَنْ تَدَّعِيَ الْمَرْأَةُ أَوْ وَرَثَتُهَا عَلَيْهِمْ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ شَيْئًا فَتَجِبُ الْيَمِينُ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَلَا يَمِينَ عَلَى غَائِبٍ وَلَا عَلَى مَنْ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَى وَرَثَةِ الزَّوْجِ الْيَمِينَ حَتَّى يَدَّعِيَ عَلَيْهِمْ وَرَثَةُ الزَّوْجَةِ الْعِلْمَ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُ فِي كِتَابِ التَّدْلِيسِ فِي الدَّابَّةِ إذَا رُدَّتْ بِعَيْبٍ، فَطَلَبَ الْبَائِعُ يَمِينَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَمْ يَسْتَخْدِمْهَا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالْعَيْبِ، فَقَالَ: لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا بِتَحْقِيقِ الدَّعْوَى، أَوْ يَدَّعِي أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مُخْبِرٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ يُرِيدُ مُخْبِرُ صِدْقٍ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إسْقَاطِ الْيَمِينِ.
وَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ بِغَيْرِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى فَمَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ، إذَا قَبَضَ الدَّرَاهِمَ وَلَمْ يَعْرِفْهَا وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةٌ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ الشِّقْصُ أَوْ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَخَافُ أَنَّكَ ابْتَعْتَهُ مِنْهُ أَوْ عَاوَضْتَهُ سِرًّا أَوْ أَرَدْتُمَا قَطْعَ الشُّفْعَةِ بِمَا أَظْهَرْتُمَا فَاحْلِفْ لِي. فَقَالَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ حَلَّفَهُ وَإِلَّا لَمْ يُحَلِّفْهُ فَأَوْجَبَ الْيَمِينَ هُنَا مَعَ عَدَمِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى.
стр. 233
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الرُّعَيْنِيُّ فِي كِتَابِ " الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ " وَلَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ يَمِينٌ بِدَعْوَى حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ فِي قَذْفٍ وَلَا فِرْيَةٍ وَلَا مُشَاتَمَةٍ وَلَا تَعْرِيضٍ يَجِبُ بِهِ حَدٌّ وَلَا تَعْزِيرٌ، وَلَا بِدَعْوَى قِصَاصٍ فِي قَتْلٍ وَلَا جُرْحٍ عَمْدًا وَلَا بِدَعْوَى الدِّيَةِ بِقَتْلِ الْخَطَأِ، وَلَا جِرَاحِ الْخَطَأِ، وَلَا بِدَعْوَى حَوَالَةٍ وَلَا حَمَالَةٍ وَلَا كَفَالَةٍ، وَلَا بِدَعْوَى نِكَاحٍ، وَلَا بِدَعْوَى عَتَاقَةٍ، وَلَا بِتَدْبِيرٍ، وَلَا بِدَعْوَى أَمَةٍ لِلْوِلَادَةِ، وَالسَّيِّدُ مُنْكِرٌ لِوَطْئِهَا، وَلَا بِدَعْوَى وِرَاثَةٍ وَلَا بِدَعْوَى نَسَبٍ وَلَا وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ، كَانَتْ الدَّعْوَى مِنْ قِبَلِ الْمُدَّعِي أَوْ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِ، وَلَا تَجِبُ بِدَعْوَى طَلَاقٍ وَلَا بِتَخْيِيرٍ وَلَا تَمْلِيكٍ وَلَا خُلْعٍ وَلَا مُبَارَاةٍ، وَلَا بِدَعْوَى غَصْبٍ عَلَى مِنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ، وَلَا بِدَعْوَى سَرِقَةٍ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْتَهِرْ بِهَا وَلَا عُرِفَ أَنَّهُ ذَهَبَ لِلْمُدَّعِي شَيْءٌ إلَّا بِقَوْلِهِ، وَلَا بِدَعْوَى امْرَأَةٍ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ أَنَّهُ غَصَبَهَا نَفْسَهَا، وَلَوْ جَاءَتْ تُدْمِي، وَلَا يَمِينَ بِدَعْوَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
تَنْبِيهٌ: نَظَرُ قَوْلِ الرُّعَيْنِيِّ وَلَا بِدَعْوَى كَفَالَةٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ كَفَالَةً، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بُدَّ مِنْ الْخُلْطَةِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ يُرِيدُ خُلْطَةَ صُحْبَةٍ وَمُؤَاخَاةٍ لَا خُلْطَةَ مُبَايَعَةٍ، قَالَ، ابْنُ مُحْرِزٍ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْخُلْطَةَ تُعْتَبَرُ بِصُحْبَةِ مُدَّعِي الدَّيْنِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحَمَالَةَ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنَّهُ يُرَاعَى ذَلِكَ مِنْ الْغَرِيمِ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحَمَالَةَ، وَوَجْهُ ابْنِ يُونُسَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ يَقُولُ: إنَّمَا وَثِقْت بِمُبَايَعَةِ مَنْ لَا أَعْرِفُ لِكَفَالَتِكَ إيَّاهُ، فَلِذَلِكَ تَوَجَّهَتْ لَهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.
وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْحَاجِبِ كُلُّ دَعْوًى لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ فَلَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا وَلَا تُرَدُّ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالنَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَالرَّجْعَةِ وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الْإِسْلَامُ وَالرِّدَّةُ وَالْكِتَابَةُ وَالتَّدْبِيرُ وَالْبُلُوغُ وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ وَالشُّرْبُ وَالْحِرَابَةُ وَالشَّرِكَةُ وَالْإِحْلَالُ وَالْإِحْصَانُ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ وَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ أَشْهَبَ، فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ مَعَ مَا ذَكَرَهُ الرُّعَيْنِيُّ لَا يَمِينَ بِمُجَرَّدِهَا.
وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَسَائِلُ: مِنْهَا: مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ بَاعَ سِلْعَةً فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَهُ.
стр. 234
وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الشِّرَاءَ.
وَمِنْهَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَشْرَكَهُ فِيهَا أَوْ وَلَّاهُ إيَّاهَا فَكَمَا تَقَدَّمَ، أَمَّا دَعْوَى الْإِقَالَةِ فَتَجِبُ فِيهَا الْيَمِينُ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَكَانَ ابْنُ عَتَّابٍ يَقُولُ: لَا تَجِبُ الْيَمِينُ بِدَعْوَى الْإِقَالَةِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِشُبْهَةٍ تَقْوَى بِهَا دَعْوَاهُ، وَبِهِ كَانَ يُفْتَى.
وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الْمُدَّعِيَ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةَ بَيْعٌ أَوْ إبْرَاءٌ قَالَهُ ابْنُ شَاسٍ.
وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً لِرَجُلٍ أَوْ اشْتَرَى لِرَجُلٍ سِلْعَةً وَزَعَمَ أَنَّهُ وَكِيلٌ فِي الصُّورَتَيْنِ وَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْوَكَالَةَ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى عَبْدًا أَوْ دَابَّةً وَقَالَ لِلْبَائِعِ احْلِفْ لِي أَنَّهُ مَا لَهُ عَيْبٌ تَعْلَمُهُ وَلَا كَتَمْتَهُ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ.
وَمِنْهَا: إذَا ظَهَرَ بِالْعَبْدِ أَوْ الدَّابَّةِ عَيْبٌ قَدِيمٌ فَوَجَبَ بِهِ الرَّدُّ فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي احْلِفْ أَنَّكَ مَا رَضِيتَهُ بَعْدَ عِلْمِكَ، بِهِ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنِي مُخْبِرُ صِدْقٍ أَنَّكَ رَضِيتَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ فَيُنْكِرُ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.
وَمِنْهَا الرَّجُلُ يَشْتَرِي الْعَبْدَ فَيَأْبَقُ فَيَقُولُ لِلْبَائِعِ: احْلِفْ أَنَّهُ مَا أَبَقَ عِنْدَكَ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَقُولَ أَخْبَرَنِي مُخْبِرُ صِدْقٍ أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَك فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ، وَغَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَرَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ إذَا أَبَقَ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ قَدْ ظَهَرَ.
وَمِنْهَا: إذَا اشْتَرَى عَبْدٌ أَوْ يَتِيمٌ سِلْعَةً أَوْ بَاعَهَا فَأَرَادَ السَّيِّدُ أَوْ الْوَصِيُّ فَسْخَ ذَلِكَ فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي مِنْهُمَا أَوْ الْبَائِعُ أَنْ يَحْلِفَ السَّيِّدُ وَالْوَصِيُّ أَنَّهُمَا مَا أَذِنَا لَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ " الرُّعَيْنِيِّ ".
وَمِنْهَا لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا مِنْ شَرِكَةٍ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الشَّرِكَةَ فَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِالشَّرِكَةِ، أَوْ تَقُومَ بِذَلِكَ الْبَيِّنَةُ فَيَحْلِفَ عَلَى إبْطَالِ دَعْوَى الْمُدَّعِي.
стр. 235
وَمِنْهَا إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى صَانِعٍ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ شَيْئًا لِيَصْنَعَهُ أَيَّ الصِّنَاعَاتِ كَانَتْ، صَبَّاغًا أَوْ خَيَّاطًا أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ جَمِيعِ الصِّنَاعَاتِ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَسَأَلَ الْحَاكِمَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ الصَّانِعُ عَلَى دَعْوَاهُ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ يَشْهَدُونَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ يُعَامَلُ عَلَيْهِ فِي مِثْلِ تِلْكَ الصِّنَاعَةِ الَّتِي ادَّعَى، فَحِينَئِذٍ تَجِبُ الْيَمِينُ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَغَرِمَ الصَّانِعُ، وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الصَّانِعِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ هَذَا خِلَافُ مَا سَيَأْتِي فِي كَلَامِ الرُّعَيْنِيِّ أَنَّ الصُّنَّاعَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ دُونَ ثُبُوتِ خُلْطَةٍ، وَكَذَا فِي كَلَامِ الْمُتَيْطِيِّ فِي تَوَجُّهِ الْيَمِينِ عَلَى الصُّنَّاعِ فِيمَا اُدُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ الْخُلْطَةُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَمِنْهَا إذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ أَكْرَاهُ دَارِهِ أَوْ حَانُوتَهُ أَوْ حَمَّامَهُ أَوْ رَحَاهُ وَدَابَّتَهُ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَلَا يَمِينَ عَلَى رَبِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَبُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَدْ أَوْقَفَهَا لِذَلِكَ، أَوْ يَكُونَ هَذَا الْمُدَّعِي مِمَّنْ عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ عَامَلَهُ بِذَلِكَ، أَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِالْكِرَاءِ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَتَقُومُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ أَوْ إقْرَارٌ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا رَبِّ الدَّارِ، أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ، أَوْ صَاحِبِ الدَّابَّةِ
وَمِنْهَا: لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ عَاجَلَهُ عَلَى الْقِرَاضِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَ الْعَامِلَ أَوْ رَبَّ الْمَالِ، فَلَيْسَ عَلَى الْمُدَّعِي لِذَلِكَ بَيِّنَةٌ وَلَا عَلَى الْمُنْكِرِ يَمِينٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَصَادَقَا عَلَى ذَلِكَ.
وَمِنْهَا: إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَاقَاهُ عَلَى حَوَائِطِهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْآخَرُ، فَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ لَا يَمِينَ عَلَى الْمُنْكِرِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُمَا تَسَاوَمَا عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا، أَوْ يُقِرَّانِ بِذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ مِنْهُمَا، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ، وَتَثْبُتُ الْمُسَاقَاةُ وَإِنْ نَكَلَا جَمِيعًا فُسِخَتْ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ وَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنْهُ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
стр. 236
[فَصْلٌ فِي الْخُلْطَةِ وَمَا يُوجِبُهَا وَمَا تَجِبُ فِيهِ الْيَمِينُ بِغَيْرِ خُلْطَةٍ]
وَفِي كِتَابِ " الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ " لِلرُّعَيْنِيِّ: وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ عَلَى أَصْلِ حَقِّهِ، وَلَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِخُلْطَةِ الْمُدَّعِي، فَاَلَّذِي يُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ عَدْلَانِ حُرَّانِ لَا مَدْفَعَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِمَا، فَيَقُولَانِ: عَرَفْنَا هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ يَتَبَايَعَانِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَلَمْ نَعْلَمْ بَيْنَهُمَا مُفَاصَلَةً مُنْذُ عَرَفْنَاهُمَا شَرِيكَيْنِ، وَلَا نَعْلَمُ عَلَامَ افْتَرَقَا، أَوْ أَنَّهُمَا كَانَا مُتَقَارِضَيْنِ أَوْ مُتَسَاقِيَيْنِ، أَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَجِيرٌ لِصَاحِبِهِ أَوْ آجَرَ مِنْهُ عَبْدَهُ أَوْ دَارِهِ أَوْ دَابَّتَهُ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَانِعًا أَوْ صَبَّاغًا أَوْ خَيَّاطًا أَوْ صَائِغًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ الصِّنَاعَاتِ وَالْأَكْرِيَةِ وَالْإِجَارَاتِ، فَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ بِهَذَا أَوْجَبْت الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ ذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ نَبَّهَهُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعِي أَخَذَ، وَإِنْ نَكَلَ بَطَلَتْ دَعْوَاهُ تَنْبِيهٌ: وَفَائِدَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّهُ بَايَعَهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، أَنَّهُ لَوْ بَايَعَهُ مَرَّةً بِالنَّقْدِ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَتَفَاصَلَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ خُلْطَةً؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا بَقِيَّةٌ تُوجِبُ الْيَمِينَ، ثُمَّ حَيْثُ اعْتَبَرْنَا الْخُلْطَةَ فَإِنَّمَا نَعْتَبِرُهَا فِيمَا كَانَ مِنْ الدَّعَاوَى الْمُشْبِهَةِ عُرْفًا، فَأَمَّا مَا يُشْبِهُ مِنْ الدَّعَاوَى فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ قَرِيبًا. وَيُعْقَدُ فِي إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ: شَهِدَ مَنْ يُسَمَّى أَسْفَلَ هَذَا الْعَقْدِ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ فُلَانًا وَفُلَانًا مَعْرِفَةً صَحِيحَةً تَامَّةً بِعَيْنِهِمَا وَأَسَامِيهِمَا، وَيَعْرِفُونَ فُلَانًا مُخَالِطًا لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ وَمُدَاخِلًا لَهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا عَامًا، وَلَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ انْقَطَعَ بَيْنَهُمَا فِي عِلْمِهِمْ إلَى حِينِ إيقَاعِ شَهَادَتِهِمْ فِي تَارِيخِ كَذَا، وَيُذْكَرُ فِيهِ تَعْرِيفُ الشَّاهِدَيْنِ بِهِمَا إنْ لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي يَعْرِفُهُمَا، وَفَائِدَةُ التَّحْدِيدِ بِالتَّارِيخِ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى دَاخِلَةً فِي مُدَّةِ التَّحْدِيدِ، فَلَوْ كَانَتْ قَبْلَهَا لَمْ تَجِبْ الْيَمِينُ إلَّا بِثُبُوتِ الْخُلْطَةِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ: وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ مَنْ كَانَ يُقْتَدَى بِهِ وَهُوَ الْفَقِيهُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللُّؤْلُؤِيُّ يَتَوَسَّطُ فِي
стр. 237
إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ، فَيَرَى أَنَّهُ إذَا ادَّعَى الْإِشْكَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ دَعَاوَى تُوجِبُ الْأَيْمَانَ فَإِنَّهَا تَجِبُ، وَإِذَا ادَّعَى عَلَى الرَّجُلِ الْعَدْلِ الْمُبَرِّزِ مَنْ لَيْسَ مِنْ شَكْلِهِ وَلَا نَمَطِهِ لَمْ تَجِبْ لَهُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ إلَّا بِثُبُوتِ الْخُلْطَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي " الْمُتَيْطِيَّةِ " وَفَسَّرَ أَصْبَغُ الْخُلْطَةَ فَلَمْ يَرَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ وَلَا الْجُلَسَاءَ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْجِيرَانَ خُلَطَاءَ، وَلَمْ يَرَهَا إلَّا بِتَكْرَارِ الْمُبَايَعَةِ، وَأَنْ يَبِيعَ مِنْهُ بِالنَّسِيئَةِ، وَقَدْ تُقَامُ فَائِدَةُ اشْتِرَاطِ تَكْرَارِ الْمُبَايَعَةِ، وَهِيَ الْفَائِدَةُ أَيْضًا فِي اشْتِرَاطِ النَّسِيئَةِ.
تَنْبِيهٌ: وَوَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ خُلْطَةِ الْمُبَايَعَةِ وَبَيْنَ خُلْطَةِ الْمُصَاحَبَةِ وَالْمُؤَاخَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ عَقِيبَ كَلَامِ الرُّعَيْنِيِّ فِي الدَّعَاوَى الَّتِي لَا تُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْخُلْطَةِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ عَلَى إثْبَاتِ الْخُلْطَةِ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ يَمِينٍ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَقَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ أَحْسَنُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ إثْبَاتُ لَطْخِ الدَّعْوَى، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْمَرْأَةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا تَثْبُتُ بِشَاهِدٍ دُونَ يَمِينٍ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ أَقَامَ بِالْخُلْطَةِ شَاهِدًا وَاحِدًا حَلَفَ مَعَهُ وَتَثْبُتُ الْخُلْطَةُ، ثُمَّ يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ حِينَئِذٍ.
وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ كِنَانَةَ أَيْضًا.
فَرْعٌ: وَاخْتُلِفَ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ فَدَفَعَهُمَا بِدَعْوَى الْعَدَاوَةِ هَلْ تَجِبُ لَهُ عَلَيْهِ يَمِينٌ بِغَيْرِ خُلْطَةٍ أَوْ لَا؟ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ لَا تَجِبُ.
فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا أَحْضَرَ خَطَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَثَبَتَ أَنَّهُ خَطُّهُ فَهُوَ كَثُبُوتِ إقْرَارِهِ تَجِبُ بِهِ الْخُلْطَةُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي رَدَّ فِيهِ عَلَى ابْنِ الْعَطَّارِ: وَيَجِبُ ثُبُوتُ الْخُلْطَةِ فِي الْمُبَايَعَةِ بَيْنَ الْأَبِ وَوَلَدِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَهَذَا التَّفْرِيعُ الْمُتَقَدِّمُ كُلُّهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهُوَ اعْتِبَارُ الْخُلْطَةِ وَاشْتِرَاطُهَا.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ إنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ.
وَفِي " الْمُتَيْطِيَّةِ " عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِثْلُهُ، وَأَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ دُونَ خُلْطَةٍ
стр. 238
وَبِهِ أَخَذَ ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، لِقَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
مَسْأَلَةٌ: وَفِي " الْمُتَيْطِيَّةِ " وَلَا تَكُونُ الْخُلْطَةُ فِي دَعْوَى بَيْعِ الْعَقَارِ بِالْمُبَايَعَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ فِي بَيْعِ الْعَقَارِ إلَّا بِشُبْهَةٍ وَهُوَ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
تَنْبِيهٌ: وَثُبُوتُ الْخُلْطَةِ يُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَى الْمَطْلُوبِ فِي دَعْوَى السَّلَفِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْمُقَارَضَةِ أَوْ الشَّرِكَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، إنْ كَانَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى بَعْدَ الْمُدَّةِ الَّتِي يُحَدِّدُهَا الشُّهُودُ، وَلِذَلِكَ يُحْتَاجُ إلَى تَحْدِيدِهَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ تَحْدِيدِ الْأَمَدِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي الْحَبْسِ وَشَهَادَةُ الضَّرَرِ لِلِاخْتِلَافِ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ إنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي مُدَّةِ الْأَمَدِ الَّذِي تُحَدِّدُهُ الشُّهُودُ لِلْخُلْطَةِ لَمْ تَجِبْ الْيَمِينُ فِيهِ إلَّا ثُبُوتَ الْخُلْطَةِ فِي مُدَّةِ الدَّعْوَى، وَلَا تَجِبُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْخُلْطَةِ يَمِينٌ فِي دَعْوَى مُبَايَعَةٍ فِي عَقَارٍ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ عَبِيدٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ عُرُوضٍ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّمَا تُرَاعَى الْخُلْطَةُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَمِ مِنْ الْحُقُوقِ، وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الْمُعَيَّنَةُ الَّتِي يَقَعُ التَّدَاعِي فِيهَا بَيْنَهُمَا، فَالْيَمِينُ لَاحِقَةٌ مِنْ غَيْرِ خُلْطَةٍ، وَقِيلَ لَا تَجِبُ الْيَمِينُ إلَّا بِالْخُلْطَةِ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُعَيَّنَةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَهَذَا أَبْيَنُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ إنَّمَا رَآهَا الْعُلَمَاءُ لِلْمَضَرَّةِ الدَّاخِلَةِ لَوْ سُمِعَ مِنْ كُلِّ مُدَّعٍ.
[فَصْلٌ تَجِبُ الْيَمِينُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى دُونَ خُلْطَةٍ فِي مَوَاضِعَ]
تَجِبُ الْيَمِينُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى دُونَ خُلْطَةٍ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: أَهْلُ التُّهَمِ وَالْعَدَاءِ وَالظُّلْمِ. وَمِنْهَا الصُّنَّاعُ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ أَنَّهُمْ اسْتَصْنَعُوهُمْ، وَكَذَلِكَ هِيَ عَلَى أَهْلِ الْأَسْوَاقِ وَأَرْبَابِ الْحَوَانِيتِ، فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ بَاعُوهُ مِمَّا يُدِيرُونَهُ وَيَتَّجِرُونَ فِيهِ دُونَ خُلْطَةٍ أَيْضًا، وَإِنْ اُدُّعِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ مَا يُدِيرُهُ وَلَا يَتَّجِرُ بِهِ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ فِيهِ إلَّا بِشُبْهَةٍ.
وَمِنْهَا: التُّجَّارُ لِمَنْ تَاجَرَهُمْ.
стр. 239
وَمِنْهَا: الرَّجُلُ يَحْضُرُ الْمُزَايَدَةَ فَيَقُولُ الْبَائِعُ: بِعْتُك بِكَذَا، وَيَقُولُ الْمُبْتَاعُ بَلْ بِكَذَا. وَمِنْهَا: الرُّفَقَاءُ فِي السَّفَرِ يَدَّعِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَمِنْهَا الرَّجُلُ يُتَضَيَّفُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيَدَّعِي عَلَيْهِ، وَمِنْهَا الرَّجُلُ يُوصِي عِنْدَ الْمَوْتِ أَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، وَيُوصِي أَنْ يُتَقَاضَى مِنْهُ، قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ.
وَمِنْهَا: الْغَرِيبُ يَنْزِلُ الْمَدِينَةَ فَيَدَّعِي أَنَّهُ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا. وَمِنْهَا إذَا ادَّعَى وَرَثَةُ مُتَوَفًّى عَلَى رَجُلٍ، بِأَنَّ لِمُورَثِهِمْ مَالًا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ نَصُّوهُ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ لِلْوَرَثَةِ دُونَ ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ ادَّعَى بِسَبَبِ مُتَوَفًّى فَهُوَ بِخِلَافِ الْحَيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةَ رَجُلٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا وَأَنْكَرَهُ صَاحِبُهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهَا.
وَمِنْهَا: الْقَاتِلُ يَدَّعِي أَنَّ وَلِيَّ الْمَقْتُولِ عَفَا عَنْهُ فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَحْلِفُ وَأَنْكَرَهُ أَشْهَبُ. وَمِنْهَا: أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مُتَّهَمًا بِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فَإِنَّ الْيَمِينَ تَتَعَلَّقُ بِهِ. وَمِنْهَا: لَوْ لَقِيَ رَجُلًا فَادَّعَى عَلَيْهِ بَقِيَّةَ كِرَاءٍ، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا اكْتَرَى مِنْهُ شَيْئًا. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ صَاحِبَ الدَّابَّةِ، حَلَفَ إنْ كَانَ مُنْكِرًا ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ مِنْهَا سَبْعَةً وَبَعْضُهَا مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ، وَبَعْضُهَا مِنْ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ لِلرُّعَيْنِيِّ.
стр. 240
[الْقِسْمُ السَّابِعُ فِي ذِكْرِ الْبَيِّنَاتِ]
وَفِيهِ مُقَدِّمَةٌ تَشْتَمِلُ عَلَى عَشَرَةِ فُصُولٍ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي التَّعْرِيفِ بِحَقِيقَةِ الْبَيِّنَةِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي أَقْسَامِ مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي حَدِّ الشَّهَادَةِ وَحُكْمِهَا وَمَا تَجِبُ فِيهِ.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي مَرَاتِبِ الشُّهُودِ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي صِفَاتِ الْحُقُوقِ وَمَرَاتِبِ الشَّهَادَاتِ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ وَذِكْرِ مَوَانِعِ الْمَقْبُولِ.
الْفَصْلُ السَّابِعُ: فِيمَا يَنْبَغِي لِلشُّهُودِ التَّنَبُّهُ لَهُ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ.
الْفَصْلُ الثَّامِنُ: فِيمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَاتِ.
الْفَصْلُ التَّاسِعُ: فِيمَا يُحْدِثُهُ الشَّاهِدُ بَعْدَ شَهَادَتِهِ فَتَبْطُلُ.
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: فِي صِفَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَاللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ أَدَاؤُهَا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي التَّعْرِيفِ بِحَقِيقَتِهَا وَمَوْضِعِهَا شَرْعًا اعْلَمْ أَنَّ الْبَيِّنَةَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ، وَسَمَّى النَّبِيُّ ﵊ الشُّهُودَ بَيِّنَةً لِوُقُوعِ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِمْ وَارْتِفَاعِ الْإِشْكَالِ بِشَهَادَتِهِمْ، كَوُقُوعِ الْبَيَانِ بِقَوْلِ الرَّسُولِ ﵇ قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ نَصْرٍ النَّحْوِيُّ، فِي كِتَابِ الْحِسْبَةِ.
وَقَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ وَلَمْ تَأْتِ الْبَيِّنَةُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُرَادًا بِهَا الشُّهُودُ. وَإِنَّمَا أَتَتْ مُرَادًا بِهَا الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ مُفْرَدَةً وَمَجْمُوعَةً.
وَنَقَلَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ: أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ فِي مِثْلِ اخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ؛ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، إلَّا الْمَوْضِعَ الَّذِي تُمْكِنُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ وَإِلَى هَذَا
стр. 241
ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. فَمَتَى وُجِدَتْ الْقَرَائِنُ الَّتِي تَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ عُمِلَ بِهَا. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قِصَّةُ يُوسُفَ فِي قَدِّ الْقَمِيصِ، وَإِقَامَةِ ذَلِكَ مَقَامَ الشُّهُودِ. قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: هَذِهِ الْآيَةُ يَحْتَجُّ بِهَا الْعُلَمَاءُ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فِيمَا لَا تَحْضُرُهُ الْبَيِّنَاتُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] قَالَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ الْفَرَسِ: رُوِيَ أَنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا أَتَوْا بِقَمِيصِهِ إلَى أَبِيهِمْ، تَأَمَّلَهُ فَلَمْ يَرَ فِيهِ خَرْقًا وَلَا أَثَرَ نَابٍ، فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِمْ.
وَقَالَ لَهُمْ: مَتَى كَانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ وَلَا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الدَّمَ عَلَامَةَ صِدْقِهِمْ، قَرَنَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ عَلَامَةً تُكَذِّبُهَا: وَهِيَ سَلَامَةُ الْقَمِيصِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ، فَاسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، وَأَقَامُوهَا مَقَامَ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ قِيلَ: هَذِهِ أُمُورٌ وَرَدَتْ فِي غَيْرِ شَرْعِنَا فَلَا تَلْزَمُنَا، فَالْجَوَابُ عَلَى ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ كَبَاهْ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسِّيمَا، حَالٌ يَظْهَرُ عَلَى الشَّخْصِ، حَتَّى إذَا رَأَيْنَا مَيِّتًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ زُنَّارٌ وَهُوَ غَيْرُ مَخْتُونٍ، فَإِنَّهُ لَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وَوَرَدَ فِي الصَّحِيحِ: «قَوْلُهُ ﷺ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ. فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي، ثُمَّ جَلَسْت ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ الثَّالِثَةَ، فَقُمْت فَقَالَ ﷺ : مَالَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ فَاقْتَصَصْت عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: لَاهَا اللَّهِ إذْ لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ، يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيك سَلَبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 242
- ﷺ : صَدَقَ فَأَعْطِهِ إيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَاشْتَرَيْت بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: احْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَفَعَ السَّلَبَ إلَى أَبِي قَتَادَةَ، بِقَوْلٍ وَاحِدٍ دُونَ يَمِينٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ الْوَاحِدُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَكُونُ طَرِيقُهُ الْخَبَرُ لَا الشَّهَادَةُ.
قَالَ الْبَاجِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهُ يَجُوزُ فِي ذَلِكَ قَبُولُ الْوَاحِدِ، وَإِلَّا فَظَاهِرُ الْبَيِّنَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : (لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ يَقْتَضِي الشَّهَادَةَ) وَلَا تَكُونُ إلَّا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَلَكِنْ لَمَّا ظَهَرَ صِدْقُ أَبِي قَتَادَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ. وَذَكَرَ الْقِصَّةَ اكْتَفَى بِذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ «مَا وَقَعَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ لِابْنَيْ عَفْرَاءَ، لَمَّا تَدَاعَيَا قَتْلَ أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ فَقَالَا: لَا، فَقَالَ: أَرِيَانِي سَيْفَيْكُمَا فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِمَا قَالَ: هَذَا قَتَلَهُ، وَقَضَى لَهُ بِسَلَبِهِ» ، فَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَثَرِ فِي السَّيْفِ.
وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ قَتْلِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، لَمَّا «دَخَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ لَيْلًا فَضَرَبُوهُ بِسُيُوفِهِمْ، وَغَرَزَ أَحَدُهُمْ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى سُيُوفِهِمْ، وَجَدَ فِي ذَلِكَ السَّيْفِ أَثَرَ الطَّعَامِ فَقَالَ: هَذَا قَتَلَهُ، وَحَكَمَ ﷺ بِمُوجِبِ اللَّوْثِ، وَنَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ الشَّاهِدِ، وَجَعَلَ لِوُلَاةِ الدَّمِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ» .
وَكَذَلِكَ جَعَلَ مَعْرِفَةَ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ قَائِمًا مَقَامَ الْبَيِّنَةِ، وَكَذَلِكَ «حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْقَافَةِ» وَجَعَلَهَا دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ. وَمِنْ ذَلِكَ حَكَمَ عُمَرُ ﵁ بِرَجْمِ الْمَرْأَةِ إذَا ظَهَرَ بِهَا حَمَلٌ، وَلَيْسَ لَهَا زَوْجٌ، وَجَعَلَ ذَلِكَ يَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ فِي أَنَّهَا زَانِيَةٌ، وَكَذَلِكَ إذَا قَاءَ الْخَمْرَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ تَعْدَادُهُ، وَقَدْ اسْتَوْعَبْنَاهُ فِي بَابِ الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ، فَمَتَى ظَهَرَ الْحَقُّ وَأَسْفَرَتْ طَرِيقُ الْعَدْلِ، فَثَمَّ شَرْعُ اللَّهِ وَدِينُهُ، وَلَمَّا كَانَتْ الْبَيِّنَاتُ مُرَتَّبَةً بِحَسَبِ الْحُقُوقِ الْمَشْهُودِ فِيهَا، وَالْمُحْتَاجِ إلَى إقَامَتِهَا، وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ التَّوْسِعَةِ وَالتَّضْيِيقِ وَالتَّثْقِيلِ وَالتَّخْفِيفِ، وَإِمْكَانِ التَّوْثِيقِ
стр. 243
وَتَعَذُّرِهِ، وَاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، احْتَجْنَا إلَى ذِكْرِهَا وَعَدِّ أَنْوَاعِهَا وَتَمْثِيلِ مَسَائِلِهَا.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْهَا فِي الْمَعُونَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا، وَكَذَلِكَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ، وَزَادَ عَلَيْهَا الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ وَعَدَّهَا سَبْعَةَ عَشَرَ نَوْعًا، وَهِيَ أَضْعَافُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الِاعْتِبَارِ الَّذِي أَسَّسُوهُ، وَالطَّرِيقُ الَّذِي سَلَكُوهُ، فَانْظُرْهَا فِي الْقَوَاعِدِ فِي الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِائَتَيْنِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ، وَلَهُمْ - رَحْمَةُ اللَّه عَلَيْهِمْ - فَضِيلَةُ السَّبْقِ وَفَتْحِ بَابِ التَّوَسُّعِ فِي الْفَهْمِ، وَيَنْدَرِجُ فِي سِلْكِ الْبَيِّنَاتِ، وَمَا يَقُومُ مَقَامَهَا ذِكْرُ مَا تُفَصَّلُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ الصُّلْحِ وَالْإِقْرَارِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَقْسَامِ مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ]
فِي أَقْسَامِ مُسْتَنَدِ عِلْمِ الشَّاهِدِ وَلَا يَصِحُّ لِلشَّاهِدِ شَهَادَتُهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ بِهِ الْعِلْمُ، إذْ لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ إلَّا بِمَا عُلِمَ، وَقُطِعَ بِمَعْرِفَتِهِ لَا بِمَا شَكَّ فِيهِ، وَلَا بِمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَعْرِفَتُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] ، وَقَدْ يَلْحَقُ الظَّنُّ الْغَالِبُ بِالْيَقِينِ لِلضَّرُورَةِ فِي مَوَاضِعَ يَأْتِي ذِكْرُهَا. كَالشَّهَادَةِ فِي التَّفْلِيسِ وَحَصْرِ الْوَرَثَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى النَّفْيِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا وَالْعِلْمُ يُدْرَكُ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ:
الْأَوَّلُ: الْعَقْلُ بِانْفِرَادِهِ، فَإِنَّهُ يُدْرِكُ بَعْضَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّاتِ، مِثْلُ: أَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ الْوَاحِدِ، فَيَعْلَمُ بِهِ حَالَ نَفْسِهِ مِنْ صِحَّتِهِ وَسَقَمِهِ وَإِيمَانِهِ وَكُفْرِهِ، وَتَصِحُّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الثَّانِي: الْعَقْلُ مَعَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، حَاسَّةِ السَّمْعِ وَحَاسَّةِ الْبَصَرِ، وَحَاسَّةِ الشَّمِّ وَحَاسَّةِ الذَّوْقِ، وَحَاسَّةِ اللَّمْسِ - فَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ السَّمْعِ الْكَلَامَ وَجَمِيعَ الْأَصْوَاتِ، وَلِذَلِكَ نُجِيزُ بِشَهَادَةِ الْأَعْمَى عَلَى الْأَقْوَالِ، إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ قَدْ لَازَمَهُ كَثِيرًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْأَعْمَى كَلَامَهُ وَيَقْطَعَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ نُجِيزُ شَهَادَةَ الِاسْتِغْفَالِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا. وَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسِّهِ الْبَصَرِ جَمِيعَ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْمُبْصَرَاتِ، وَلِذَلِكَ نُجِيزُ شَهَادَةَ
стр. 244
الْأَصَمِّ عَلَى الْأَفْعَالِ، وَنُجِيزُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ، وَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ الشَّمِّ جَمِيعَ الرَّوَائِحِ الْمَشْمُومَاتِ، فَيُدْرِكُ بِهَا حَالَ الْمُسْكِرِ، فَيُرَاقُ الْخَمْرُ، وَيُحَدُّ شَارِبُهَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الرَّائِحَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ. وَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ الذَّوْقِ جَمِيعَ الطُّعُومِ الْمَذُوقَاتِ، وَلِذَلِكَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي صِفَةِ الْمَبِيعِ، كَالزَّيْتِ الْحُلْوِ وَعَكْسِهِ، وَالْعَسَلِ الشَّتْوِيِّ وَالزَّبِيبِ وَالسَّمْنِ الْمُتَغَيِّرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ ذِكْرُهُ.
وَيُدْرِكُ بِالْعَقْلِ مَعَ حَاسَّةِ اللَّمْسِ جَمِيعَ الْمَلْمُوسَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَنُجِيزُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي صِفَةِ الْمَبِيعِ فِي اللِّينِ وَالْخُشُونَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: حُصُولُ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْعِلْمُ بِالْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ، وَظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ وَدُعَائِهِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَمَعَالِمِ الدِّينِ، وَكَذَلِكَ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِمَا عُلِمَ مِنْ جِهَةِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِي بَابِ الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَالْمَوْتِ وَوِلَايَةِ الْقَاضِي وَعَزْلِهِ وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ اسْتَوْعَبْت ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: فَالْعِلْمُ الْمُدْرَكُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ عِلْمُ ضَرُورَةٍ، يَلْزَمُ النَّفْسَ لُزُومًا لَا يُمْكِنُهُ الِانْفِصَالُ مِنْهُ، وَلَا الشَّكُّ فِيهِ.
الرَّابِعُ: الْعِلْمُ الْمُدْرَكُ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَالشَّهَادَةُ بِمَا عُلِمَ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ جَائِزَةٌ، كَمَا تَجُوزُ بِمَا عُلِمَ مِنْ جِهَةِ الضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ شَهِدَ أَنَّ رَجُلًا قَاءَ خَمْرًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَتَشْهَدُ أَنَّهُ شَرِبَهَا؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ قَاءَهَا، فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَذَا التَّعَمُّقُ؟ فَلَا وَرَبِّكَ مَا قَاءَهَا حَتَّى شَرِبَهَا.
وَمِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الْحُكَمَاءِ فِي قِدَمِ الْعُيُوبِ وَحُدُوثِهَا، وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي قِدَمِ الضَّرَرِ وَحُدُوثِهِ، وَالشَّهَادَةُ فِي مَعَاقِدِ الْقُمُطِ فِي الْحِيطَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى: شَهَادَةُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلنَّبِيِّينَ عَلَى أُمَمِهِمْ بِالْبَلَاغِ، وَشَهَادَةُ الْمُؤْمِنِ بِأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّهُ حَيٌّ عَالَمٌ قَادِرٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ مِنْ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ.
стр. 245
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي حَدِّ الشَّهَادَةِ وَحُكْمِهَا وَحِكْمَتِهَا وَمَا تَجِبُ فِيهِ]
أَمَّا حَدُّ الشَّهَادَةِ: فَهُوَ إخْبَارٌ يَتَعَلَّقُ بِمُعَيَّنٍ، وَبِقَيْدِ التَّعْيِينِ تُفَارِقُ الرِّوَايَةَ. وَأَمَّا حُكْمُهَا: فَلَهُ حَالَتَانِ: حَالَةُ تَحَمُّلٍ، وَحَالَةُ أَدَاءً، فَأَمَّا التَّحَمُّلُ: وَهُوَ أَنْ يُدْعَى لِيَشْهَدَ وَيُسْتَحْفَظَ الشَّهَادَةَ، فَإِنَّ ذَلِكَ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَحْمِلُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ بَعْضٍ، حَيْثُ يُفْتَقَرُ إلَى ذَلِكَ، وَيُخْشَى تَلَفُ الْحَقِّ بِعَدَمِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ عَنْهُ، تَعَيَّنَ الْفَرْضُ عَلَيْهِ فِي خَاصَّتِهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ دُعِيَ إلَى شَهَادَةٍ، أَنْ يُجِيبَ سَوَاءٌ دُعِيَ إلَى أَنْ يُسْتَحْفَظَ الشَّهَادَةَ، أَوْ يُؤَدِّيَ مَا حَفِظَ، لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَصِحُّ أَنْ يُسَمَّى شَاهِدًا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالشَّهَادَةِ، وَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهَا فَلَيْسَ بِشَاهِدٍ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلَّا مَنْ هُوَ شَاهِدٌ.
تَنْبِيهٌ: فِي التَّحَمُّلِ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ، قَالَ أَشْهَبُ فِي سَمَاعِهِ: إذَا دُعِيَ رَجُلٌ إلَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، فَلَا يَفْعَلُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ مَعَهُ مَنْ يَعْرِفُهُ. وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَأَنَّ النَّاسَ يَشْهَدُونَ وَيَكُونُ فِيهِمْ مَنْ يَعْرِفُهُ وَفِي ذَلِكَ سَعَةٌ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا عَرَفَ الشَّاهِدُ عَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْرِفْ عَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ. وَوَجَدَ اسْمَهُ فِي الْوَثِيقَةِ بِخَطِّ يَدِهِ، فَلَا يَشْهَدُ فِيهَا إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ وَأَمَّا إنْ لَمْ يَعْرِفْهُمَا جَمِيعًا فَلَا يَشْهَدْ، وَكَذَلِكَ إذَا عَرَفَ الْمَشْهُودَ لَهُ وَلَمْ يَعْرِفْ الْمَشْهُودَ، لَمْ يَشْهَدْ، أَلْبَتَّةَ مِنْ نَوَازِلِ سَحْنُونٍ ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ.
وَأَمَّا الْأَدَاءُ وَهُوَ أَنْ يُدْعَى لِيَشْهَدَ بِمَا عَلِمَهُ وَاسْتُحْفِظَ إيَّاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِلْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] .
فَصْلٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ هَذَا حُكْمُ الْأَدَاءِ. فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يَكْتُمَهَا، وَيَلْزَمُهُ إذَا دُعِيَ إلَيْهَا أَنْ يَقُومَ بِهَا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُدْعَ إلَى الْقِيَامِ بِهَا فَهَذَا يَنْقَسِمُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
стр. 246
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ. أَمَّا إنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وَقِسْمٌ يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ. فَأَمَّا مَا لَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ، كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ الشَّاهِدَ تَرْكُ إخْبَارِهِ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَتْرٌ سَتَرَهُ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لِهُذَالٍ فِي قَضِيَّةِ مَاعِزٍ هَلَّا سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ» وَأَشَارَ ابْنُ رُشْدٍ إلَى أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يَنْدُرُ مِنْهُ ذَلِكَ.
أَمَّا مَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَعُلِمَ أَنَّهُ مُشْتَهَرٌ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُعْلِمَ الْإِمَامَ بِذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ يَكْتُمُونَهُ الشَّهَادَةَ، وَلَا يَشْهَدُوا فِي ذَلِكَ إلَّا فِي تَجْرِيحٍ إنْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ. وَأَمَّا مَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَتَمَلُّكِ الْأَحْبَاسِ، وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِشَهَادَتِهِ، وَيَقُومَ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ بِشَهَادَتِهِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ ذَلِكَ جُرْحَةٌ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ لَهُ عُذْرًا فِي عَدَمِ الْقِيَامِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي تَجْرِيحِ الشَّاهِدِ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي بُطْلَانِ شَهَادَتِهِ بِالسُّكُوتِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُنْكَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقَائِمُ بِالشَّهَادَةِ فَاخْتُلِفَ، هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَمْ لَا؟ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ هُوَ الْقَائِمَ بِهَا، وَذَهَبَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ إلَى أَنَّ شَهَادَتَهُ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ كَانُوا جَمَاعَةً هُمْ الْقَائِمُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ الشُّهُودُ.
تَنْبِيهٌ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ: إذَا أَخَذَ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ سَكْرَانًا فَسَجَنَهُ وَشَهِدَ عَلَيْهِ هُوَ وَآخَرُ مَعَهُ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ خَصْمًا بِسَجْنِهِ
وَلَوْ رَفَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُنَهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، إنْ كَانَ عَدْلًا مَعَ آخَرَ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. أَمَّا إنْ قَامَ غَيْرُهُ بِالشَّهَادَةِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَكَانَ قِيَامُهُ بِذَلِكَ اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّ فِيهَا عَوْنًا عَلَى إقَامَةِ الْحَقِّ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِالشَّهَادَةِ سِوَاهُ لِكَوْنِ غَيْرِهِ أَبَى أَوْ مَنَعَهُ مَانِعٌ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِيهَا.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الْآخَرُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِشَهَادَتِهِ صَاحِبَ الْحَقِّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ شَهَادَتَهُ تَبْطُلُ، وَذَهَبَ سَحْنُونٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ.
стр. 247
وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمَبْسُوطَةِ لِأَشْهَبَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَبْطُلُ بِالسُّكُوتِ، وَتَرْكِ الْإِخْبَارِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ تَفْصِيلٌ آخَرُ، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الشَّرْحِ لَهُ: الشَّهَادَاتُ تَنْقَسِمُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُدْعَى إلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الْخَاصَّةُ بِالْمَالِ. وَقِسْمٌ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ بِمَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ مِثْلُ: الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَشَبَهِ ذَلِكَ. إلَّا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ أَشْهَبَ. وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَعْنِي فِي وُجُوبِ الْقِيَامِ بِهَا، وَهِيَ الشَّهَادَةُ بِالْمَالِ لِلْغَائِبِ.
وَقِسْمٌ مِنْهَا لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِهَا إذَا لَمْ يُدْعَ إلَيْهَا، وَهِيَ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْمَخْلُوقِ. كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُ الْقِيَامُ بِهِ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ السَّتْرُ إلَّا فِي الْمُشْتَهِرِ. وَقِسْمٍ مِنْهَا لَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ الْقِيَامُ بِهَا، وَإِنْ دُعِيَ إلَيْهَا وَهِيَ: الشَّهَادَةُ مَنْ بَاطِنُهَا خِلَافُ ظَاهِرِهَا.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قُلْنَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ، فَهَلْ يَكُونُ جُرْحَةً أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ عِيسَى: فِي الشَّاهِدِ يَرَى مِلْكَ رَجُلٍ يُبَاعُ، أَوْ يُحَوَّلُ عَنْ حَالِهِ ذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي الشَّاهِدِ حِينَ رَأَى ذَلِكَ وَلَمْ يُعْلِمْ بِشَهَادَتِهِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ جُرْحَةً، إذَا عَلِمَ الشَّاهِدُ أَنَّهُ إنْ كَتَمَ وَلَمْ يُعْلِمْ بِشَهَادَتِهِ بَطَلَ الْحَقُّ، وَأَدْخَلَ بِذَلِكَ مَضَرَّةً أَوْ مَعَرَّةً، أَمَّا غَيْرُ هَذَا فَلَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ صَاحِبَ الْحَقِّ قَدْ تَرَكَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَنْبَغِي لِهَذَا الشَّاهِدِ أَنْ يُعْلِمَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ بِأَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَهَادَةً بِكَذَا، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ رَبُّ الْحَقِّ حَاضِرًا، وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْقِيَامِ أَنْ لَيْسَ لِحَقِّهِ شَاهِدٌ.
وَيَنْبَغِي لِهَذَا الشَّاهِدِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْمُتَصَرِّفِ فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَفِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الْمَكْتُومَةِ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
فَصْلٌ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَكُلُّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ، لِجَرْحَةٍ فِيهِ أَوْ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَ، فَإِنْ شَهِدَ فَلْيُخْبِرْ الْحَاكِمَ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، أَوْ قَرِيبٌ لِلْمَشْهُودِ لَهُ.
وَإِذَا شَهِدَ مُجَرَّحٌ فَلَا يُخْبِرُ الْقَاضِيَ بِجُرْحَتِهِ، لِئَلَّا يُبْطِلَ الْحَقَّ، وَقِيلَ بَلْ يُخْبِرُ الْقَاضِيَ بِجُرْحَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدًا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.
стр. 248
[فَصْلٌ أَدَاء الشَّهَادَةِ الَّتِي اُسْتُحْفِظَهَا]
فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ الَّتِي اُسْتُحْفِظَهَا، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا وَذَلِكَ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ اثْنَيْنِ وَإِنْ كَانُوا أَزْيَدَ، فَالْأَدَاءُ عَلَيْهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إلَّا أَنْ لَا يَكْفِيَ الْقَاضِي بِالِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَدَّيَا أَوَّلًا لِمَانِعٍ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا أَوْ شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الثَّالِثِ، وَمَنْ لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِشَهَادَتِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ شَهَادَتَهُ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْأَدَاءِ، وَيُحِيلَ الْمَشْهُودَ لَهُ عَلَى يَمِينِهِ مَعَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَلِفِ كُلْفَةً، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ الْيَمِينَ وَلَوْ تَحَقَّقَ صِدْقَ حَلِفِهِ، فَإِنْ فَعَلَ الشَّاهِدُ ذَلِكَ فَهُوَ آثِمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] الْآيَةَ قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ.
مَسْأَلَةٌ: قَالُوا: وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، إذَا كَانَ عَلَى نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ لِقِلَّةِ الْمَشَقَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ أَكْثَرَ مِنْ بَرِيدَيْنِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ، وَتَحْدِيدُ الْبَرِيدَيْنِ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ وَانْتِفَاؤُهَا، فَإِذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ لَا يَجِبُ مِنْهَا الْأَدَاءُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَكْتُبُ إلَى رَجُلٍ مِنْ ثِقَتِهِ، فَيُوقِعُ هَذَا الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ عِنْدَهُ، وَيَكْتُبُ إلَى الْقَاضِي بِمَا أَدَّى عِنْدَهُ فَيَنْظُرُ فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَلْزَمُ الشَّاهِدَ الْأَدَاءُ مِنْ نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ شَيْئًا بِسَبَبِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ طَلَبَ عِوَضٍ عَلَى وَاجِبٍ، كَطَلَبِهِ أَخْذَ الْعِوَضِ عَلَى صَلَاةِ نَفْسِهِ، إلَّا فِي الرُّكُوبِ لِعُسْرِ الْمَشْيِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ، وَأَيْضًا فَمَنْعُهُ الرُّكُوبَ لَيْسَتْ لِلشَّاهِدِ، بَلْ هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، فَإِنْ رَكِبَ دَابَّةَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَلَهُ دَابَّةٌ، أَوْ أَكَلَ طَعَامَهُ، فَفِي بُطْلَانِ شَهَادَتِهِ قَوْلَانِ، وَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّفَقَةِ جَازَ لَهُ قَبُولُهَا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَوْ أَخْبَرَ الْقَاضِي بِذَلِكَ لَكَانَ حَسَنًا، وَقِيلَ تَبْطُلُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُبَرِّزًا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَعِيدَةً مِثْلَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَأَكْثَرَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي أَمِينٌ يَشْهَدُ هَذَا الشَّاهِدُ، عِنْدَهُ فَلَا يَضُرُّ الشَّاهِدَ أَكْلُ طَعَامِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَالٌ وَكَذَلِكَ رُكُوبُ دَابَّتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ احْتَجَبَ السُّلْطَانُ عَنْ فَصْلِ الْحُكْمِ، لَمْ يَضُرَّ الشَّاهِدَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ الْمَشْهُودُ لَهُ مَا أَقَامَ مُنْتَظِرًا لَهُ، إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَأَمَّا حِكْمَتُهَا، فَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا صِيَانَةُ الْحُقُوقِ.
стр. 249
[فَصْلٌ الْإِشْهَادِ فِي الْحُقُوقِ]
فَصْلٌ: وَأَمَّا مَا تَجِبُ فِيهِ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي فَصْلَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ الْإِشْهَادِ فِي الْحُقُوقِ: كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَيَجْرِي مَجْرَى الْمُبَايَعَةِ الْحُقُوقُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: هُوَ عَلَى النَّدْبِ، وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ ذَلِكَ إنْ كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّ الْأَمْرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ، إذَا تَعَرَّى مِنْ الْقَرَائِنِ لِأَدِلَّةٍ قَامَتْ عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يُتْرَكَ الرَّهْنَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الشَّهَادَةِ، جَازَ تَرْكُ الْإِشْهَادِ إذْ لَا يُفَرِّقُ الْمُخَالِفُ بَيْنَ تَرْكِ الْإِشْهَادِ وَالرَّهْنِ الَّذِي هُوَ بَدَلُهُ، بَلْ يَقُومُ بِوُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، اُنْظُرْ بَاقِيَ الْأَدِلَّةِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ.
فَصْلٌ: وَحُكْمُ الدَّيْنِ حُكْمُ الْبَيْعِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى الْإِشْهَادِ فِيهِ، فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِيهِمَا، فَإِنَّهُ حَقٌّ لِكُلِّ مَنْ دُعِيَ إلَيْهِ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ الْمُتَدَايِنَيْنِ، عَلَى صَاحِبِهِ يُقْضَى لَهُ بِهِ عَلَيْهِ إنْ أَبَاهُ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَأْتَمِنَهُ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنْ بَاعَ سِلْعَةً لِغَيْرِهِ، الْإِشْهَادُ عَلَى الْبَيْعِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ رَبَّ السِّلْعَةِ لَمْ يَرْضَ بِائْتِمَانِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فِيهِ حَقٌّ لِغَائِبٍ الْإِشْهَادُ فِيهِ وَاجِبٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزَّانِيَيْنِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ، فَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ اللِّعَانُ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، لِانْقِطَاعِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ.
[فَصْلٌ الْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ]
الثَّانِي: حُكْمُ الْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ، وَالْإِشْهَادُ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الدُّخُولِ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ وَالْمَظِنَّةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» ، أَيْ لَا يَكُونُ وَطْءُ النِّكَاحِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةً إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْعَقْدُ نِكَاحًا لِأَنَّ النِّكَاحَ الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ يَكُونُ بِهِ، فَسُمِّيَ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 250
قَدْ ذَكَرَ فِيهِ الصَّدَاقَ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْعَقْدُ بِإِجْمَاعٍ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ جَوَّزَ نِكَاحَ التَّفْوِيضِ.
[فَصْلٌ الْإِشْهَادُ فِي الرَّجْعَةِ]
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْإِشْهَادُ فِي الرَّجْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَحَكَى الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ وَاجِبٌ لِرَفْعِ الدَّعَاوَى وَتَحْصِينِ الْفُرُوجِ وَالْأَنْسَابِ، وَحَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْوُجُوبَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ الْقَرَوِيِّينَ.
وَقَالَ فِي الْمَعُونَةِ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَلَاءِ: الْوُجُوبَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ أَمْرٌ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الطَّلَاقِ، وَقِيلَ عَلَى الرَّجْعَةِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى، وَأَشْهِدُوا عِنْدَ الرَّجْعَةِ وَالْفُرْقَةِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] عَقِبَ ذِكْرِ الطَّلَاقِ وَالْإِمْسَاكِ بِالرَّجْعَةِ وَالْمُفَارَقَةِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلَى الْجَمِيعِ رُجُوعًا وَاحِدًا إمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا نَدْبًا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ الْمَالِكِيُّ فِي تَأْلِيفِهِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: الْمَعْنَى فِي الْإِشْهَادِ، أَنَّهُ يُشْهِدُ ذَوَيْ عَدْلٍ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَنَّهُ قَدْ طَلَّقَ، وَأَنَّ عِدَّتَهَا قَدْ انْقَضَتْ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَمُوتَ فَتَدَّعِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ لَمْ تَطْلُقْ، أَوْ تَمُوتَ هِيَ فَيَدَّعِيَ الزَّوْجُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ لِيَنْحَسِمَ مَا يُخْشَى مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا أَمْسَكَهَا بِالرَّجْعَةِ فَيُشْهِدُ عَلَى رَجْعَتِهَا، لِيُعْلَمَ أَنَّهَا زَوْجَةٌ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّةٍ لِمَا يُخْشَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَوْتِ، قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ: وَيَجِبُ عِنْدِي لِمَنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ أَنْ لَا يَنْتَظِرَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَلْيُشْهِدْ شَاهِدَيْنِ حِينَ الطَّلَاقِ أَنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْهُ، خَشْيَةَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِنَ فِي مَعْنَى الَّتِي انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَيَلْزَمُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ أَنْ يَلْزَمَ الْإِشْهَادُ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ حِينَ الطَّلَاقِ مَخَافَةَ الْمَوْتِ، وَيُشْهِدُ أَيْضًا إذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ عَلَى انْقِضَائِهَا مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ الزَّوْجُ فَتَدَّعِيَ الْمِيرَاثَ، أَوْ تَزْعُمَ أَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَنْقَضِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْإِشْهَادَ وَاجِبٌ، فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ بِتَرْكِهِ آثِمًا لِتَضْيِيعِ الْفُرُوجِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْحُقُوقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ.
следующие страницы →