← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ. أَمَّا إنْ كَانَ حَقًّا لِلَّهِ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ، وَقِسْمٌ يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ. فَأَمَّا مَا لَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ، كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ الشَّاهِدَ تَرْكُ إخْبَارِهِ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ سَتْرٌ سَتَرَهُ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لِهُذَالٍ فِي قَضِيَّةِ مَاعِزٍ هَلَّا سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ» وَأَشَارَ ابْنُ رُشْدٍ إلَى أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ مَنْ يَنْدُرُ مِنْهُ ذَلِكَ. أَمَّا مَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَعُلِمَ أَنَّهُ مُشْتَهَرٌ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُعْلِمَ الْإِمَامَ بِذَلِكَ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ يَكْتُمُونَهُ الشَّهَادَةَ، وَلَا يَشْهَدُوا فِي ذَلِكَ إلَّا فِي تَجْرِيحٍ إنْ شَهِدَ عَلَى أَحَدٍ. وَأَمَّا مَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ وَالرَّضَاعِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَتَمَلُّكِ الْأَحْبَاسِ، وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِشَهَادَتِهِ، وَيَقُومَ بِهَا عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يُخْبِرْ بِشَهَادَتِهِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ ذَلِكَ جُرْحَةٌ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ لَهُ عُذْرًا فِي عَدَمِ الْقِيَامِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ، أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي تَجْرِيحِ الشَّاهِدِ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي بُطْلَانِ شَهَادَتِهِ بِالسُّكُوتِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُنْكَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقَائِمُ بِالشَّهَادَةِ فَاخْتُلِفَ، هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَمْ لَا؟ ذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذَا كَانَ هُوَ الْقَائِمَ بِهَا، وَذَهَبَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ إلَى أَنَّ شَهَادَتَهُ جَائِزَةٌ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ كَانُوا جَمَاعَةً هُمْ الْقَائِمُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ الشُّهُودُ. تَنْبِيهٌ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ: إذَا أَخَذَ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ سَكْرَانًا فَسَجَنَهُ وَشَهِدَ عَلَيْهِ هُوَ وَآخَرُ مَعَهُ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ خَصْمًا بِسَجْنِهِ وَلَوْ رَفَعَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُنَهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، إنْ كَانَ عَدْلًا مَعَ آخَرَ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. أَمَّا إنْ قَامَ غَيْرُهُ بِالشَّهَادَةِ سَقَطَ عَنْهُ الْفَرْضُ، وَكَانَ قِيَامُهُ بِذَلِكَ اسْتِحْبَابًا؛ لِأَنَّ فِيهَا عَوْنًا عَلَى إقَامَةِ الْحَقِّ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِالشَّهَادَةِ سِوَاهُ لِكَوْنِ غَيْرِهِ أَبَى أَوْ مَنَعَهُ مَانِعٌ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فِيهَا. وَأَمَّا الضَّرْبُ الْآخَرُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لِآدَمِيٍّ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِشَهَادَتِهِ صَاحِبَ الْحَقِّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ شَهَادَتَهُ تَبْطُلُ، وَذَهَبَ سَحْنُونٌ إلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ.

стр. 247

وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمَبْسُوطَةِ لِأَشْهَبَ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَبْطُلُ بِالسُّكُوتِ، وَتَرْكِ الْإِخْبَارِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ بَعِيدٌ. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ تَفْصِيلٌ آخَرُ، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِ الشَّرْحِ لَهُ: الشَّهَادَاتُ تَنْقَسِمُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُدْعَى إلَى أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الْخَاصَّةُ بِالْمَالِ. وَقِسْمٌ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ بِمَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ مِثْلُ: الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَشَبَهِ ذَلِكَ. إلَّا عَلَى ظَاهِرِ قَوْلِ أَشْهَبَ. وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَعْنِي فِي وُجُوبِ الْقِيَامِ بِهَا، وَهِيَ الشَّهَادَةُ بِالْمَالِ لِلْغَائِبِ. وَقِسْمٌ مِنْهَا لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِهَا إذَا لَمْ يُدْعَ إلَيْهَا، وَهِيَ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْمَخْلُوقِ. كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَهَذَا لَا يَلْزَمُ الْقِيَامُ بِهِ، وَيُسْتَحَبُّ فِيهِ السَّتْرُ إلَّا فِي الْمُشْتَهِرِ. وَقِسْمٍ مِنْهَا لَا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ الْقِيَامُ بِهَا، وَإِنْ دُعِيَ إلَيْهَا وَهِيَ: الشَّهَادَةُ مَنْ بَاطِنُهَا خِلَافُ ظَاهِرِهَا. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قُلْنَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ، فَهَلْ يَكُونُ جُرْحَةً أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ عِيسَى: فِي الشَّاهِدِ يَرَى مِلْكَ رَجُلٍ يُبَاعُ، أَوْ يُحَوَّلُ عَنْ حَالِهِ ذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي الشَّاهِدِ حِينَ رَأَى ذَلِكَ وَلَمْ يُعْلِمْ بِشَهَادَتِهِ. قَالَ الْبَاجِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ جُرْحَةً، إذَا عَلِمَ الشَّاهِدُ أَنَّهُ إنْ كَتَمَ وَلَمْ يُعْلِمْ بِشَهَادَتِهِ بَطَلَ الْحَقُّ، وَأَدْخَلَ بِذَلِكَ مَضَرَّةً أَوْ مَعَرَّةً، أَمَّا غَيْرُ هَذَا فَلَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ صَاحِبَ الْحَقِّ قَدْ تَرَكَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَنْبَغِي لِهَذَا الشَّاهِدِ أَنْ يُعْلِمَ مَنْ لَهُ الْحَقُّ بِأَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَهَادَةً بِكَذَا، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ رَبُّ الْحَقِّ حَاضِرًا، وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْقِيَامِ أَنْ لَيْسَ لِحَقِّهِ شَاهِدٌ. وَيَنْبَغِي لِهَذَا الشَّاهِدِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْمُتَصَرِّفِ فِي مَالِ غَيْرِهِ، وَفِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الْمَكْتُومَةِ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. فَصْلٌ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَكُلُّ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ، لِجَرْحَةٍ فِيهِ أَوْ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَشْهَدَ، فَإِنْ شَهِدَ فَلْيُخْبِرْ الْحَاكِمَ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، أَوْ قَرِيبٌ لِلْمَشْهُودِ لَهُ. وَإِذَا شَهِدَ مُجَرَّحٌ فَلَا يُخْبِرُ الْقَاضِيَ بِجُرْحَتِهِ، لِئَلَّا يُبْطِلَ الْحَقَّ، وَقِيلَ بَلْ يُخْبِرُ الْقَاضِيَ بِجُرْحَتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدًا أَوْ نَصْرَانِيًّا فَعَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِذَلِكَ مِنْ ابْنِ يُونُسَ.

стр. 248

[فَصْلٌ أَدَاء الشَّهَادَةِ الَّتِي اُسْتُحْفِظَهَا] فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ الَّتِي اُسْتُحْفِظَهَا، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا وَذَلِكَ فِيمَا يُقْبَلُ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ اثْنَيْنِ وَإِنْ كَانُوا أَزْيَدَ، فَالْأَدَاءُ عَلَيْهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إلَّا أَنْ لَا يَكْفِيَ الْقَاضِي بِالِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ أَدَّيَا أَوَّلًا لِمَانِعٍ مِنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا أَوْ شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الثَّالِثِ، وَمَنْ لَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِشَهَادَتِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ شَهَادَتَهُ وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْأَدَاءِ، وَيُحِيلَ الْمَشْهُودَ لَهُ عَلَى يَمِينِهِ مَعَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ فِي الْحَلِفِ كُلْفَةً، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكْرَهُ الْيَمِينَ وَلَوْ تَحَقَّقَ صِدْقَ حَلِفِهِ، فَإِنْ فَعَلَ الشَّاهِدُ ذَلِكَ فَهُوَ آثِمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] الْآيَةَ قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ. مَسْأَلَةٌ: قَالُوا: وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ، إذَا كَانَ عَلَى نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ لِقِلَّةِ الْمَشَقَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ أَكْثَرَ مِنْ بَرِيدَيْنِ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ، وَتَحْدِيدُ الْبَرِيدَيْنِ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ وَانْتِفَاؤُهَا، فَإِذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ لَا يَجِبُ مِنْهَا الْأَدَاءُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَكْتُبُ إلَى رَجُلٍ مِنْ ثِقَتِهِ، فَيُوقِعُ هَذَا الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ عِنْدَهُ، وَيَكْتُبُ إلَى الْقَاضِي بِمَا أَدَّى عِنْدَهُ فَيَنْظُرُ فِيهِ. مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَلْزَمُ الشَّاهِدَ الْأَدَاءُ مِنْ نَحْوِ الْبَرِيدَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ شَيْئًا بِسَبَبِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ طَلَبَ عِوَضٍ عَلَى وَاجِبٍ، كَطَلَبِهِ أَخْذَ الْعِوَضِ عَلَى صَلَاةِ نَفْسِهِ، إلَّا فِي الرُّكُوبِ لِعُسْرِ الْمَشْيِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُشْبِهُ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ، وَأَيْضًا فَمَنْعُهُ الرُّكُوبَ لَيْسَتْ لِلشَّاهِدِ، بَلْ هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، فَإِنْ رَكِبَ دَابَّةَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَلَهُ دَابَّةٌ، أَوْ أَكَلَ طَعَامَهُ، فَفِي بُطْلَانِ شَهَادَتِهِ قَوْلَانِ، وَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ لَا يَقْدِرُ عَلَى النَّفَقَةِ جَازَ لَهُ قَبُولُهَا. قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَوْ أَخْبَرَ الْقَاضِي بِذَلِكَ لَكَانَ حَسَنًا، وَقِيلَ تَبْطُلُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُبَرِّزًا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ بَعِيدَةً مِثْلَ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ فَأَكْثَرَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي أَمِينٌ يَشْهَدُ هَذَا الشَّاهِدُ، عِنْدَهُ فَلَا يَضُرُّ الشَّاهِدَ أَكْلُ طَعَامِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ بَالٌ وَكَذَلِكَ رُكُوبُ دَابَّتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ احْتَجَبَ السُّلْطَانُ عَنْ فَصْلِ الْحُكْمِ، لَمْ يَضُرَّ الشَّاهِدَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ الْمَشْهُودُ لَهُ مَا أَقَامَ مُنْتَظِرًا لَهُ، إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، وَأَمَّا حِكْمَتُهَا، فَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا صِيَانَةُ الْحُقُوقِ.

стр. 249

[فَصْلٌ الْإِشْهَادِ فِي الْحُقُوقِ] فَصْلٌ: وَأَمَّا مَا تَجِبُ فِيهِ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي فَصْلَيْنِ: الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ الْإِشْهَادِ فِي الْحُقُوقِ: كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالسَّلَمِ وَالْقَرْضِ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَيَجْرِي مَجْرَى الْمُبَايَعَةِ الْحُقُوقُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: هُوَ عَلَى النَّدْبِ، وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ ذَلِكَ إنْ كَانَ مَذْهَبُهُ أَنَّ الْأَمْرَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ، إذَا تَعَرَّى مِنْ الْقَرَائِنِ لِأَدِلَّةٍ قَامَتْ عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، فَلَمَّا جَازَ أَنْ يُتْرَكَ الرَّهْنَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الشَّهَادَةِ، جَازَ تَرْكُ الْإِشْهَادِ إذْ لَا يُفَرِّقُ الْمُخَالِفُ بَيْنَ تَرْكِ الْإِشْهَادِ وَالرَّهْنِ الَّذِي هُوَ بَدَلُهُ، بَلْ يَقُومُ بِوُجُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، اُنْظُرْ بَاقِيَ الْأَدِلَّةِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ. فَصْلٌ: وَحُكْمُ الدَّيْنِ حُكْمُ الْبَيْعِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى الْإِشْهَادِ فِيهِ، فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِيهِمَا، فَإِنَّهُ حَقٌّ لِكُلِّ مَنْ دُعِيَ إلَيْهِ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَوْ الْمُتَدَايِنَيْنِ، عَلَى صَاحِبِهِ يُقْضَى لَهُ بِهِ عَلَيْهِ إنْ أَبَاهُ؛ لِأَنَّ مِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا يَأْتَمِنَهُ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى مَنْ بَاعَ سِلْعَةً لِغَيْرِهِ، الْإِشْهَادُ عَلَى الْبَيْعِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ رَبَّ السِّلْعَةِ لَمْ يَرْضَ بِائْتِمَانِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا فِيهِ حَقٌّ لِغَائِبٍ الْإِشْهَادُ فِيهِ وَاجِبٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الزَّانِيَيْنِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] ، فَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حَقِّ غَيْرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ اللِّعَانُ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ، لِانْقِطَاعِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ. [فَصْلٌ الْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ] الثَّانِي: حُكْمُ الْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ، وَالْإِشْهَادُ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ، لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الدُّخُولِ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ وَالْمَظِنَّةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَصَدَاقٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» ، أَيْ لَا يَكُونُ وَطْءُ النِّكَاحِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةً إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْوَطْءِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْعَقْدُ نِكَاحًا لِأَنَّ النِّكَاحَ الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ يَكُونُ بِهِ، فَسُمِّيَ بِاسْمِ مَا قَرُبَ مِنْهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ

стр. 250

قَدْ ذَكَرَ فِيهِ الصَّدَاقَ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْعَقْدُ بِإِجْمَاعٍ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ جَوَّزَ نِكَاحَ التَّفْوِيضِ. [فَصْلٌ الْإِشْهَادُ فِي الرَّجْعَةِ] فَصْلٌ: وَأَمَّا الْإِشْهَادُ فِي الرَّجْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَحَكَى الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ وَاجِبٌ لِرَفْعِ الدَّعَاوَى وَتَحْصِينِ الْفُرُوجِ وَالْأَنْسَابِ، وَحَكَى الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: الْوُجُوبَ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ الْقَرَوِيِّينَ. وَقَالَ فِي الْمَعُونَةِ: إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَلَاءِ: الْوُجُوبَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُوَ أَمْرٌ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الطَّلَاقِ، وَقِيلَ عَلَى الرَّجْعَةِ، وَقِيلَ الْمَعْنَى، وَأَشْهِدُوا عِنْدَ الرَّجْعَةِ وَالْفُرْقَةِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] عَقِبَ ذِكْرِ الطَّلَاقِ وَالْإِمْسَاكِ بِالرَّجْعَةِ وَالْمُفَارَقَةِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلَى الْجَمِيعِ رُجُوعًا وَاحِدًا إمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا نَدْبًا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ الْمَالِكِيُّ فِي تَأْلِيفِهِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: الْمَعْنَى فِي الْإِشْهَادِ، أَنَّهُ يُشْهِدُ ذَوَيْ عَدْلٍ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَنَّهُ قَدْ طَلَّقَ، وَأَنَّ عِدَّتَهَا قَدْ انْقَضَتْ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَمُوتَ فَتَدَّعِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ لَمْ تَطْلُقْ، أَوْ تَمُوتَ هِيَ فَيَدَّعِيَ الزَّوْجُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ لِيَنْحَسِمَ مَا يُخْشَى مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا أَمْسَكَهَا بِالرَّجْعَةِ فَيُشْهِدُ عَلَى رَجْعَتِهَا، لِيُعْلَمَ أَنَّهَا زَوْجَةٌ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي عِدَّةٍ لِمَا يُخْشَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْمَوْتِ، قَالَ ابْنُ بُكَيْرٍ: وَيَجِبُ عِنْدِي لِمَنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ أَنْ لَا يَنْتَظِرَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَلْيُشْهِدْ شَاهِدَيْنِ حِينَ الطَّلَاقِ أَنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنْهُ، خَشْيَةَ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْبَائِنَ فِي مَعْنَى الَّتِي انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَيَلْزَمُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ أَنْ يَلْزَمَ الْإِشْهَادُ فِي الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ حِينَ الطَّلَاقِ مَخَافَةَ الْمَوْتِ، وَيُشْهِدُ أَيْضًا إذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ عَلَى انْقِضَائِهَا مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ الزَّوْجُ فَتَدَّعِيَ الْمِيرَاثَ، أَوْ تَزْعُمَ أَنَّ عِدَّتَهَا لَمْ تَنْقَضِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَإِذَا قُلْنَا إنَّ الْإِشْهَادَ وَاجِبٌ، فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَكُونُ بِتَرْكِهِ آثِمًا لِتَضْيِيعِ الْفُرُوجِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْحُقُوقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ.

стр. 251

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي مَرَاتِبِ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَةِ] فِي مَرَاتِبِ الشُّهُودِ فِي الشَّهَادَةِ وَهِيَ إحْدَى عَشْرَةَ رُتْبَةً: الْأُولَى: الشَّاهِدُ الْمُبَرِّزِ فِي الْعَدَالَةِ الْعَالَمُ بِمَا تَصِحُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَتَجْرِيحُهُ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِمَا شَهِدَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إذَا أَبْهَمَهُ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ التَّجْرِيحُ إلَّا بِالْعَدَاوَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ التَّجْرِيحَ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَصْلًا لَا بِالْعَدَاوَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا. الثَّانِيَةُ: الشَّاهِدُ الْمُبَرِّزُ فِي الْعَدَالَةِ غَيْرُ الْعَالَمِ بِمَا تَصِحُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، فَحُكْمُهُ كَالْأَوَّلِ إلَّا أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِمَا شَهِدَ بِهِ إذَا أَبْهَمَ ذَلِكَ. الثَّالِثَةُ: الشَّاهِدُ الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ بِمَا تَصِحُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ إلَّا فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي بَعْضِهَا، وَهِيَ: التَّزْكِيَةُ وَشَهَادَتُهُ لِأَخِيهِ وَلِمَوْلَاهُ وَلِصَدِيقِهِ الْمُلَاطِفِ وَلِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ التِّجَارَةِ، وَإِذَا زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا، وَيُقْبَلُ فِيهِ التَّجْرِيحُ بِالْعَدَاوَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِمَا شَهِدَ بِهِ إذَا أَبْهَمَ ذَلِكَ. الرَّابِعَةُ: الشَّاهِدُ الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ غَيْرُ الْعَالَمِ بِمَا تَصِحُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، حُكْمُهُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِمَا شَهِدَ بِهِ إذَا أَبْهَمَ ذَلِكَ. الْخَامِسَةُ: الشَّاهِدُ الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ، إذَا قَذَفَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ اُخْتُلِفَ فِي إجَازَةِ شَهَادَتِهِ فَلَمْ يُجِزْهَا ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَأَصْبَغُ وَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ بِالْحَدِّ تَسْقُطُ الشَّهَادَةُ. السَّادِسَةُ: الشَّاهِدُ الَّذِي يُتَوَسَّمُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُ دُونَ تَزْكِيَتِهِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَ الْمُسَافِرِينَ فِي السَّفَرِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ حَبِيبٍ وَلَا تَجُوزُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ دُونَ تَزْكِيَةٍ، فَهَذَا هُوَ الْمَجْهُولُ الْحَالِ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الشَّاهِدُ الَّذِي لَمْ تَثْبُتْ لَهُ عَدَالَةٌ وَلَا جُرْحَةٌ يَشْهَدُ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْبَحْثُ عَنْ حَالِهِ، وَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى فِسْقٍ وَلَا عَدَالَةٍ حَتَّى يَنْكَشِفَ لَهُ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: أَجَازَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ شَهَادَةَ الْمَجْهُولِ الْحَالِ فِي الْيَسِيرِ جِدًّا مِنْ الْمَالِ، وَهُوَ

стр. 252

اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ مَنْعُهُ وَاتَّفَقُوا فِي الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إلَّا الْعَدْلُ. السَّابِعَةُ: الشَّاهِدُ الَّذِي لَا يُتَوَسَّمُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَلَا الْجُرْحَةُ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ دُونَ تَزْكِيَةٍ، إلَّا أَنَّ شَهَادَتَهُ تَكُونُ شُبْهَةً فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، فَتُوجِبُ الْيَمِينَ وَتُوجِبُ الْحَمِيلَ وَتَوْقِيفَ الشَّيْءِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. الثَّامِنَةُ: الشَّاهِدُ الَّذِي يُتَوَسَّمُ فِيهِ الْجُرْحَةُ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ دُونَ التَّزْكِيَةِ، وَلَا تَكُونُ شَهَادَتُهُ شُبْهَةً تُوجِبُ حُكْمًا. التَّاسِعَةُ: الشَّاهِدُ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ جُرْحَةٌ قَدِيمَةٌ أَوْ يَعْلَمُهَا الْحَاكِمُ فِيهِ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ دُونَ تَزْكِيَةٍ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ التَّزْكِيَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ مِمَّنْ عُلِمَ بِجُرْحَتِهِ إذَا شَهِدَ عَلَى تَوْبَتِهِ مِنْهَا، وَنُزُوعِهِ عَنْهَا، وَالْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ بِمَنْزِلَتِهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ تَزْكِيَتَهُ لَا تَجُوزُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ بِمَعْرِفَةٍ تَزِيدُهُ فِي الْخَبَرِ. الْعَاشِرَةُ: الشَّاهِدُ الْمُقِيمُ عَلَى الْجُرْحَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَلَا يُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ فِيهِ وَإِنْ زُكِّيَ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ تَزْكِيَتُهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ إذَا تَابَ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: شَاهِدُ الزُّورِ، فَلَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُ وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ، وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ: أَنَّ شَهَادَتَهُ تَجُوزُ إذَا تَابَ وَعُرِفَتْ تَوْبَتُهُ بِتَزَيُّدِ حَالِهِ فِي الصَّلَاحِ، قَالَ وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ مِنْ الْقَوْلِ، وَقِيلَ: مَعْنَى رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ، إذَا جَاءَ تَائِبًا مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 253

[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي صِفَاتِ الْحُقُوقِ وَمَرَاتِبِ الشَّهَادَاتِ] وَالْحُقُوقُ الْمَشْهُودُ فِيهَا عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: أَحْكَامٌ تَثْبُتُ فِي الْبَدَنِ لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ غَالِبًا كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ، مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ، فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يُسْتَحَقُّ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، وَلَا مَدْخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ وَلَا لِلشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إلَّا الْقَسَامَةَ، وَجِرَاحَ الْعَمْدِ وَفِي بَعْضِهَا خِلَافٌ. الثَّانِي: أَحْكَامٌ تَثْبُتُ فِي الْبَدَنِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ غَالِبًا، كَالْوِلَادَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْبَابِ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُجْزِئُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ، وَفِي بَعْضِهِ خِلَافٌ سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الثَّالِثُ: أَحْكَامٌ تَثْبُتُ فِي الْبَدَنِ، وَتَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْوِكَالَةُ بِطَلَبِ الْمَالِ وَإِسْنَادِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ الْمَالِ، وَنَقْلُ شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ بِمَالٍ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى أَسْبَابِ التَّوَارُثِ كَالنِّكَاحِ بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِيَرِثَ الْآخَرُ مَالًا، وَكَذَا فِي الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ إذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا الْمَالَ وَثُبُوتَ الْإِرْثِ لَا ثُبُوتَ النَّسَبِ، فَفِي دُخُولِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ حَمْلًا عَلَى شَهَادَةِ الْأَمْوَالِ، وَمَنَعَ أَشْهَبُ ذَلِكَ وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ رَجُلَيْنِ اعْتِبَارًا بِأَعْيَانِهَا لَا بِمَالٍ تَئُولُ إلَيْهِ. الرَّابِعُ: حُقُوقُ الْأَمْوَالِ كَالْقَرْضِ الْوَدِيعَةِ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ، فَكُلُّ ذَلِكَ يُسْتَحَقُّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ. الْخَامِسُ: مَا تَئُولُ الشَّهَادَةُ فِيهِ إلَى أَحْكَامٍ تَتَعَلَّقُ بِالْأَبْدَانِ، كَالشَّهَادَةِ لِمُكَاتَبٍ أَنَّهُ دَفَعَ نُجُومَ كِتَابَتِهِ فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْعِتْقَ، أَوْ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ عَبْدًا مِنْ

стр. 254

أَبِي الْعَبْدِ الْمَبِيعِ، أَوْ ابْنِهِ مِمَّنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، أَوْ أَنَّهُ بَاعَ أَمَةً مِنْ زَوْجِهَا فَاقْتَضَى الْفَسْخَ، فَهَذَا أَيْضًا لَهُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَاتٌ تَئُولُ إلَى الْمَالِ، وَإِنْ كَانَتْ تَسْتَلْزِمُ تَحْرِيرَ الْمُكَاتَبِ، وَعِتْقَ الْعَبْدِ عَلَى أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ، وَفَسْخَ نِكَاحِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ إذَا شَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْمَالَ وَلَا يُقْطَعُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ وُجُوبَ التَّضْمِينِ لَا يَسْتَدْعِي الْقَطْعَ، وَثُبُوتَ أَدَاءِ نُجُومِ الْكِتَابَةِ يَسْتَدْعِي الْحُرِّيَّةَ، وَكَذَا مِلْكُ الْأَبِ ابْنَهُ وَمِلْكُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ، يَقْتَضِي ثُبُوتَ الشِّرَاءِ، وَعِتْقَ الِابْنِ وَفَسْخَ النِّكَاحِ فَهَذَا ذِكْرُ الْحُقُوقِ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ، وَسَيَأْتِي أَحْكَامُ هَذِهِ الشَّهَادَاتِ فِي أَبْوَابِهَا مُفَصَّلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْلٌ أَقْسَامُ الشَّهَادَاتِ فِي الْحُقُوقِ] فَصْلٌ: وَأَمَّا أَحْكَامُ الشَّهَادَاتِ فِي الْحُقُوقِ فَتَنْقَسِمُ عَلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ. الْأُولَى: شَهَادَةٌ تُوجِبُ الشَّيْءَ الْمَشْهُودَ بِهِ دُونَ يَمِينٍ. الثَّانِيَةُ: شَهَادَةٌ تُوجِبُ الشَّيْءَ الْمَشْهُودَ بِهِ مَعَ الْيَمِينِ. الثَّالِثَةُ: شَهَادَةٌ لَا تُوجِبُ الشَّيْءَ الْمَشْهُودَ بِهِ، إلَّا أَنَّهَا مَعَ ذَلِكَ تَسْتَدْعِي الْحُكْمَ فِيهِ. الرَّابِعَةُ: شَهَادَةٌ لَا تُوجِبُ الشَّيْءَ الْمَشْهُودَ فِيهِ أَيْضًا، وَتُوجِبُ مَعَ ذَلِكَ حَقًّا عَلَى الشَّاهِدِ. الْخَامِسَةُ: شَهَادَةُ لَغْوٍ، لَا تُوجِبُ شَيْئًا أَصْلًا. فَصْلٌ: أَمَّا الشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الشَّيْءَ الْمَشْهُودَ بِهِ دُونَ يَمِينٍ، فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: أَرْبَعَةُ شُهُودٍ ذُكُورٍ فِي إثْبَاتِ الزِّنَا وَسَيَأْتِي ذَلِكَ. الثَّانِي: شَاهِدَانِ رَجُلَانِ، وَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ سِوَى الزِّنَا وَمَا ذَكَر مَعَهُ وَسَيَأْتِي. الثَّالِثُ: شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ وَسَيَأْتِي. الرَّابِعُ: امْرَأَتَانِ بِانْفِرَادِهِمَا وَسَيَأْتِي.

стр. 255

الْخَامِسُ: شَاهِدٌ وَاحِدٌ فِيمَا يَبْتَدِئُ الْقَاضِي فِيهِ بِالسُّؤَالِ، وَفِيمَا كَانَ عِلْمًا يُؤَدِّيهِ الشَّاهِدُ: كَالتُّرْجُمَانِ وَالْقَائِفِ وَالطَّبِيبِ وَمُقَوِّمِ الْعَيْبِ فِي الرَّقِيقِ وَمُكْشِفِ الْقَاضِي فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ. السَّادِسُ: شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ وَسَيَأْتِي. [فَصْلٌ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الشَّيْءَ الْمَشْهُودَ بِهِ مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي] فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ: شَاهِدٌ أَوْ امْرَأَتَانِ وَيَمِينٌ، وَذَلِكَ فِي حُقُوقِ الْأَمْوَالِ وَمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الثَّالِثِ، وَيَلْحَقُ بِهَذَا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى الْقَتْلِ، أَقْسَمَ لَهُ مَعَ شَهَادَتِهِ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهَا وَبِمَا تَجِبُ. الثَّانِي: مَا يَقُومُ مَقَامَ الشَّهَادَةِ فِي قُوَّةِ الدَّعْوَى فِي الْحُقُوقِ، وَذَلِكَ كَالرَّهْنِ إذَا اُخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ الْحَقِّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا يَدَّعِيهِ، مَا لَمْ تُجَاوِزْ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَيَمِينُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي قِيَامِ الرَّهْنِ بِيَدِهِ مُوجِبَةٌ لِلْحُكْمِ لَهُ بِحَقِّهِ مِنْ التَّنْبِيهِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِنْ ذَلِكَ إرْخَاءُ السُّتُورِ فِي النِّكَاحِ إذَا أَنْكَرَ الْمَسِيسَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي دَعْوَى الْمَسِيسِ مَعَ يَمِينِهَا، وَقِيلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَيَجِبُ لَهَا الْحُكْمُ بِذَلِكَ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْيَدُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ، إذَا عَجَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ أَقَامَاهَا فَتَكَافَأَتَا وَسَقَطَتَا، فَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْيَدِ وَيَسْتَحِقُّ، وَمِنْ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ فِي اللُّقَطَةِ أَوْ مَا قَامَ مَقَامَ ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهَا فَيَحْلِفُ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ وَيَسْتَحِقُّهَا، وَفِي الْيَمِينِ خِلَافٌ، وَمِنْ ذَلِكَ نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَإِذَا نَكَلَ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ، فَبِاجْتِمَاعِ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي وَجَبَ الْحَقُّ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِهِ. الثَّالِثُ: شَاهِدٌ غَيْرُ عَدْلٍ عَلَى الْقَتْلِ عَمْدًا، فَتَجِبُ الْقَسَامَةُ مَعَهُ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْأَصَحُّ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَدْلٍ وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ.

стр. 256

الرَّابِعُ: الشَّهَادَةُ بِغَالِبِ الظَّنِّ فِيمَا لَا سَبِيلَ فِيهِ إلَى الْقَطْعِ، وَذَلِكَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْعَدْلِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي بَابِهِ. الْخَامِسُ: الشَّهَادَةُ عَلَى السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، لَا يُحْكَمُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ بِهِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ قَاطِعَةٍ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فَصْلٌ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ حُكْمًا وَلَا تُوجِبُ الشَّيْءَ الْمَشْهُودَ بِهِ] ِ، فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: شَاهِدٌ عَدْلٌ أَوْ امْرَأَتَانِ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إذَا أَنْكَرَ، وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ إذَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدٌ فَقَطْ أَوْ امْرَأَتَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِقَتْلٍ عَمْدٍ، فَنَكَلَ الْأَوْلِيَاءُ عَنْ الْقَسَامَةِ رُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِجَرْحٍ عَمْدًا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْقِصَاصِ، وَكَذَلِكَ شَاهِدٌ عَدْلٌ عَلَى النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ بِالنِّكَاحِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامٌ، وَلَا تُوجِبُ الشَّيْءَ الْمَشْهُودَ بِهِ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدَيْنِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: شَاهِدٌ عَدْلٌ أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَنَّهُ سَرَقَ لَهُ مِثْلَ مَا يَدَّعِي مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ أَيْضًا فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدَيْنِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: غَيْرُ الْعُدُولِ يَشْهَدُونَ فِي اسْتِحْقَاقِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ، فَذَلِكَ يُوجِبُ تَوْقِيفَهُ عِنْدَ أَصْبَغَ حَتَّى يَعْرِفَ مَا عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ. [فَصْلٌ الشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تُوجِبُ الْمَشْهُودَ بِهِ وَتُوجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ حُكْمًا] فَصْلٌ: وَأَمَّا الشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تُوجِبُ الْمَشْهُودَ بِهِ، وَتُوجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ حُكْمًا، فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: كَالشَّهَادَةِ فِي الْحُدُودِ وَالْأَعْرَاضِ إذَا لَمْ تَكْمُلْ عَلَى وَجْهِهَا، وَذَلِكَ كَالثَّلَاثَةِ فَدُونِ يَشْهَدُونَ عَلَى مُعَايَنَةِ الزِّنَا، فَعَلَيْهِمْ حَدُّ الْفِرْيَةِ، وَسَيَأْتِي مَا فِي الْقَضَاءِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ.

стр. 257

الثَّانِي: رُجُوعُ الشُّهُودِ عَنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ أَدَائِهَا وَقَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا، وَاعْتَرَفُوا بِشَهَادَةِ الزُّورِ وَأَنَّهُمْ تَابُوا، فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تُوجِبُ شَيْئًا، وَفِي تَأْدِيبِهِمْ خِلَافٌ، وَأَمَّا لَوْ رَجَعُوا بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا إمَّا فِي مَالٍ أَوْ فِي نَفْسٍ أَوْ حَدٍّ مِنْ قَطْعٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ شَتْمٍ، فَإِنْ أَخْبَرُوا عَنْ غَلَطٍ غَرِمُوا الْمَالَ وَدِيَةَ الْمُتْلَفِ، وَإِنْ أَخْبَرُوا عَنْ تَعَمُّدِ كَذِبٍ غَرِمُوا الْمَالَ. وَاخْتُلِفَ فِي إلْزَامِ الْقِصَاصِ فِي الْمُتْلَفِ بِالْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِهِمَا، أَوْ الدِّيَةِ وَلِذَلِكَ مَحَلٌّ مَذْكُورٌ فِيهِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَأَمَّا الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ بِالْقَذْفِ وَالشَّتْمِ بَعْدَ الْحُكْمِ فَلَيْسَ فِيهِ غَيْرُ الْأَدَبِ. [فَصْلٌ الشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تُوجِبُ شَيْئًا أَصْلًا] فَصْلٌ: وَأَمَّا الشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تُوجِبُ شَيْئًا أَصْلًا، فَكَشَهَادَةِ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالنِّسَاءِ فِيمَا لَا يُقْبَلْنَ فِيهِ، وَلَا تُؤَثِّرُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ شَيْئًا، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمِثْلُ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِي غَيْرِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْقَتْلِ عَلَى مَا هُوَ مَشْرُوحٌ فِي بَابِهِ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ وَذِكْرِ مَوَانِعِ الْقَبُولِ] وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ وَفِيهِ فَصْلَانِ: الْأَوَّلُ: فِي فَضْلِ الشَّاهِدِ وَصِفَتِهِ، وَقَدْ نَطَقَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ بِفَضْلِ الشَّهَادَةِ، وَرَفَعَهَا وَنَسَبَهَا تَعَالَى إلَى نَفْسِهِ، وَشَرَّفَ بِهَا مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ وَأَفَاضِلَ خَلْقِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء: ١٦٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ؟ فَجَعَلَ كُلَّ نَبِيٍّ شَهِيدًا عَلَى أُمَّتِهِ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ خَلْقِهِ فِي عَصْرِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] وَيَكْفِي بِالشَّهَادَةِ شَرَفًا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَفَضَ الْفَاسِقَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَرَفَعَ الْعَدْلَ بِقَبُولِهَا

стр. 258

مِنْهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْعَدْلَ هُوَ الْمَرْضِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَعَرَّفَنَا سُبْحَانَهُ أَنَّ بِهِمْ قِوَامَ الْعَالَمِ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] ، قَالَ بَعْضُهُمْ: الْإِشَارَةُ إلَى مَا يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْ النَّاسِ بِالشُّهُودِ فِي حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَالنُّفُوسِ وَالدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ، فَهُمْ حُجَّةُ الْإِمَامِ وَبِقَوْلِهِمْ تَنْفِيذُ الْأَحْكَامِ. وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «أَكْرِمُوا مَنَازِلَ الشُّهُودِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَخْرِجُ بِهِمْ الْحُقُوقَ، وَيَرْفَعُ بِهِمْ الظُّلْمَ» . وَاشْتَقَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ اسْمًا مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَهُوَ الشَّهِيدُ تَفَضُّلًا وَكَرْمًا. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلِلشَّاهِدِ فِي شَهَادَتِهِ حَالَانِ: حَالُ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَحَالُ أَدَائِهَا. فَأَمَّا حَالُ تَحَمُّلِهَا فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الشَّاهِدِ فِيهَا، إلَّا كَوْنُهُ عَلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الضَّبْطُ وَالتَّمْيِيزُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا. وَأَمَّا حَالُ أَدَائِهَا، فَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ شَهَادَتِهِ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ خَمْسَةُ أَوْصَافٍ، مَتَى عَرِيَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ، وَهِيَ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَدَالَةُ، زَادَ ابْنُ رَاشِدٍ وَالْمُرُوءَةُ، وَاخْتُلِفَ فِي الرُّشْدِ وَزَادَ ابْنُ رُشْدٍ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّيَقُّظِ وَالسَّلَامَةِ مِنْ التَّغَفُّلِ. فَرْعٌ: فَلَوْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَمْ يَحْتَلِمْ، وَكَانَ عَدْلًا فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ابْنِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً إلَّا أَنْ يَحْتَلِمَ، أَوْ يَبْلُغَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ. تَنْبِيهٌ: وَفِي كِتَابِ آدَابِ الشَّهَادَةِ لِأَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ إسْمَاعِيلَ ابْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبٍ الْجَوْهَرِيِّ قَالَ: وَإِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ فَشَهِدَ شَهَادَةً وَقَدْ كَانَ عَدْلًا فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَجْدِيدِ تَعْدِيلٍ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُعَدَّلَ بَعْدَ بُلُوغِهِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مُحْتَجًّا لِمَذْهَبِهِ فِي كَوْنِهِ يَكْتَفِي بِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ فِي الْعَدَالَةِ إذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَشَهِدَ بِفَوْرِ إسْلَامِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ تَعْوِيلًا عَلَى

стр. 259

مُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ، قُلْنَا لَمْ يُعَوَّلْ فِي هَذَا إذَا قِيلَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ، لَكِنْ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْصِ وَلَمْ يَفْسُقْ بَلْ جَبَّ إسْلَامُهُ عَنْهُ الْآثَامَ، فَصَارَ عِنْدَ الْإِسْلَامِ كَمَنْ قُطِعَ بِطَهَارَتِهِ وَلَمْ يَرَ ابْنُ الْقَصَّارِ قَبُولَ شَهَادَتِهِ، بَلْ ذَهَبَ إلَى التَّوَقُّفِ عَنْ قَبُولِهَا، حَتَّى يُعْلَمَ مَا يَبْدُو مِنْهُ، بَعْدَ إسْلَامِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مُصِرًّا بِقَلْبِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ، أَوْ اعْتِقَادٍ فَاسِدٍ، فَلِهَذَا قَيَّدَ فِي كِتَابِ آدَابِ الشَّهَادَةِ بِكَوْنِهِ كَانَ عَدْلًا قَبْلَ إسْلَامِهِ، فَأَمَّا الْبُلُوغُ؛ فَلِأَنَّ التَّكْلِيفَ شَرْطٌ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ الْبُلُوغَ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ عَلَى شُرُوطٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا، وَكَذَلِكَ الْعَقْلُ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ، وَاشْتُرِطَتْ الْحُرِّيَّةُ لِظَوَاهِرِ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، يَطُولُ ذِكْرُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهَا، وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ مِنْهَا مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْإِسْلَامِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَالْكَافِرُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ. وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: اُخْتُلِفَ فِي حَدِّ الْعَدَالَةِ وَالرِّضَا، الَّذِي تَجُوزُ بِهِ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّهُ الشَّاهِدُ الَّذِي يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ وَيَتَوَقَّى الصَّغَائِرَ، عَلَى أَنْ لَا صَغِيرَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهَا صَغَائِرُ بِإِضَافَتِهَا إلَى الْكَبَائِرِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَالْعَدَالَةُ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ، تَحُثُّ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ، وَالتَّحَاشِي عَنْ الرَّذَائِلِ الْمُبَاحَةِ. وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: الْمُرَادُ بِهَا الِاعْتِدَالُ وَالِاسْتِوَاءُ فِي الْأَحْوَالِ الدِّينِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْأَمَانَةِ، عَفِيفًا عَنْ الْمَحَارِمِ، مُتَوَقِّيًا لِلْمَآثِمِ بَعِيدًا مِنْ الرِّيَبِ، مَأْمُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَيْسَتْ الْعَدَالَةُ أَنْ يُمْحِضَ الرَّجُلُ الطَّاعَةَ حَتَّى لَا تَشُوبَهَا مَعْصِيَةٌ، وَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ إلَّا فِي الْأَوْلِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَتْ أَكْثَرُ حَالِهِ الطَّاعَةَ وَهِيَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِهِ، وَهُوَ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبَائِرِ مُحَافِظٌ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ. فَهُوَ الْعَدْلُ. وَأَمَّا الْمُرُوءَةُ، فَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَى مُرُوءَتِهِ، قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُرُوءَةِ نَظَافَةَ الثَّوْبِ وَلَا فَرَاهَةَ الْمَرْكُوبِ وَجَوْدَةَ الْآلَةِ وَحُسْنَ الشَّارَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهَا: التَّصَوُّنُ وَالسَّمْتُ الْحَسَنُ، وَحِفْظُ اللِّسَانِ، وَتَجَنُّبُ مُخَالَطَةِ الْأَرَاذِلِ، وَتَرْكُ الْإِكْثَارِ مِنْ الْمُدَاعَبَةِ وَالْفُحْشِ وَكَثْرَةِ الْمُجُونِ، وَتَجَنُّبُ السُّخْفِ، وَالِارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ

стр. 260

رَدِيءٍ، يُرَى أَنَّ كُلَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يُحَافَظُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ جُرْحَةً. وَأَمَّا الرُّشْدُ: فَاخْتُلِفَ هَلْ مِنْ شَرْطِ الشَّاهِدِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا مَالِكًا لِأَمْرِ نَفْسِهِ؟ فَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ شَهَادَةَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ جَائِزَةٌ إنْ كَانَ عَدْلًا، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَيْضًا عَنْهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ لَوْ طَلَبَ مَالَهُ أُعْطِيهِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ قَالَ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْبِكْرِ فِي الْمَالِ حَتَّى تَعْنُسَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ. وَأَمَّا الْيَقِظَةُ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَمِنْ شَرْطِ جَوَازِ الشَّهَادَةِ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْ أَهْلِ الْيَقِظَةِ وَالتَّحَرُّزِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْغَفْلَةِ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ التَّخْبِيلُ وَالتَّحَيُّلُ فَيَشْهَدُ بِالْبَاطِلِ. الثَّانِي: فِي مَوَانِعِ الْقَبُولِ: وَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَانِعٌ مُطْلَقًا وَمَانِعٌ عَلَى جِهَةٍ يَعْنِي أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَدَالَةِ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ وَيَتَعَذَّرُ حَصْرُهُ وَلَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهُ مَا يَتَيَسَّرُ فَمِنْهُ كُلُّ وَصْفٍ أَوْ فِعْلٍ مُضَادٍّ لِلْعَدَالَةِ أَوْ لِلْمُرُوءَةِ، أَوَّلُهَا: كَتَعَاطِي فِعْلِ الْفَاحِشَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ الْكَبَائِرِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ يُصَيِّرُهَا كَبِيرَةً. وَمِنْهُ أَنْ يَقْتَطِعَ شَيْئًا مِنْ مَحَجَّةِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ الْبَاجِيُّ فِي وَثَائِقِهِ: ذَلِكَ جُرْحَةٌ إنْ كَانَ اقْتِطَاعُهُ عَنْ مَعْرِفَةٍ وَقَصْدٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضِيقُ وَلَا يَضُرُّ بِالْمَارِّينَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ إلَّا أَنْ يَضُرَّ وَيَفْعَلَهُ عَنْ مَعْرِفَةٍ، انْتَهَى. وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَنَقْلِهِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ إذَا كَانَتْ الطَّرِيقُ وَاسِعَةً جِدًّا. وَمِنْهُ: أَنْ يَدَّعِيَ عِلْمَ الْقَضَاءِ بِالنُّجُومِ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: إنْ ادَّعَاهُ وَاشْتُهِرَ بِهِ وَأَكَلَ الْمَالَ بِهِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، انْتَهَى مِنْ ابْنِ رَاشِدٍ، وَفِي فَتَاوَى ابْنِ رُشْدٍ: الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَوْفًى، وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّ الْمُنَجِّمَ إذَا كَانَ مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ ، مُقِرًّا بِأَنَّ النُّجُومَ وَاخْتِلَافَهَا فِي الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهَا أَدِلَّةً عَلَى مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ ، فَحُكْمُ هَذَا أَنْ يُزْجَرَ عَنْ اعْتِقَادِهِ وَيُؤَدَّبَ عَلَيْهِ أَبَدًا. حَتَّى يَكُفَّ عَنْهُ وَيَرْجِعَ عَنْ

стр. 261

اعْتِقَادِهِ وَيَتُوبَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ يُجْرَحُ بِهَا، فَتَسْقُطُ إمَامَتُهُ وَشَهَادَتُهُ عَلَى مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ تَصْدِيقُهُ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥] وقَوْله تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ. وَمِنْهُ: سَمَاعُ الْقِيَانِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: مَنْ سَمِعَ صَوْتَ الْعِيدَانِ وَحَضَرَهَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَبِيذٌ، إلَّا أَنْ يَحْضُرَهَا فِي عُرْسٍ أَوْ صَنِيعٍ فَلَا أَبْلُغُ بِهِ رَدَّ الشَّهَادَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَبِيذٌ، وَلَيْسَ الصَّنِيعُ كَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا عَلَى كُلِّ حَالٍ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُغَنِّي لَمْ أَرُدُّ بِذَلِكَ شَهَادَتَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدْمِنًا، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْمُغَنِّي وَالْمُغَنِّيَةِ إذَا عُرِفُوا بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ مَنْ يَغْشَى الْمُغَنِّينَ أَوْ يَغْشَوْنَهُ أَوْ أَكْثَرَ سَمَاعَ الْقِيَانِ. فَائِدَةٌ: فِي حُكْمِ السَّمَاعِ مِنْ الرِّحْلَةِ لِلْإِمَامِ الْخَطِيبِ الْعَلَّامَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَشِيدٍ، قَالَ: حَكَى الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ الْمُحَدِّثُ الصُّوفِيُّ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ بِبَغْدَادَ، قَالَ: سَأَلْت الشَّرِيفَ أَبَا عَلِيٍّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيَّ عَنْ السَّمَاعِ فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ فِيهِ، غَيْرَ أَنِّي حَضَرْت بِدَارِ شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ شَيْخِ الْحَنَابِلَةِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ فِي دَعْوَةٍ عَمِلَهَا لِأَصْحَابِهِ حَضَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ شَيْخُ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الدَّارَكِيُّ شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ شَيْخُ الطَّوَائِفِ وَإِمَامُ وَقْتِهِ، وَأَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ شَيْخُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ سَمْعُونٍ شَيْخُ الْوُعَّاظِ وَالزُّهَّادِ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُجَاهِدٍ شَيْخُ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: لَوْ سَقَطَ السَّقْفُ عَلَى هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْقَ بِالْعِرَاقِ أَحَدٌ يُفْتِي فِي نَازِلَةٍ يُشْبِهُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَحَضَرَ مَعَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ غُلَامُ بَابَا وَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ بِصَوْتٍ حَسَنٍ، وَرُبَّمَا قَالَ شَيْئًا فَقِيلَ لَهُ: قُلْ لَنَا شَيْئًا فَقَالَ وَهُمْ يَسْمَعُونَ: خَطَّتْ أَنَامِلُهَا فِي بَطْنِ قِرْطَاسِ ... رِسَالَةً بِعَبِيرٍ لَا بِأَنْفَاسِ

стр. 262

أَنْ زُرْ فَدَيْتُكَ لِي مِنْ غَيْرِ مُحْتَشَمٍ ... فَإِنَّ حُبَّكَ لِي قَدْ ضَاعَ فِي النَّاسِ فَكَانَ قَوْلِي لِمَنْ أَدَّى رِسَالَتَهَا ... قِفِي لِأَمْشِيَ عَلَى الْعَيْنَيْنِ وَالرَّاسِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: فَبَعْدَ مَا رَأَيْت هَذَا لَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُفْتِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا بِحَظْرٍ وَلَا إبَاحَةٍ. وَمِنْهُ النَّائِحَةُ إذَا عُرِفَتْ بِذَلِكَ. وَمِنْهُ شَهَادَةُ الشَّاعِرِ الَّذِي يَمْدَحُ مَنْ أَعْطَاهُ وَيَهْجُو مَنْ مَنَعَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا يَهْجُو مَنْ مَنَعَهُ وَلَا يُؤْذِي أَحَدًا بِلِسَانِهِ وَيَأْخُذُ مِمَّنْ أَعْطَاهُ، فَأَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إنْ كَانَ عَدْلًا، وَحَكَى ابْنُ رَاشِدٍ عَنْ زَرْبٍ: إنْ كَانَ الشَّاعِرُ يَكْذِبُ فِي شِعْرِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ، قَالَ: وَأَمَّا: وَصْفُ الشَّاعِرِ النِّسَاءَ، أَوْ الْخَمْرَ، بِمَا يَجُوزُ لَهُ فَلَا يَقْدَحُ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: لَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ فِي مَدْحِ الدِّينِ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ الْخَمْرُ مَمْدُوحَةً بِصِفَاتِهَا الْخَبِيثَةِ مِنْ طِيبِ رَائِحَةٍ وَحُسْنِ لَوْنٍ، وَاسْتَدَلَّ بِمَا فِي قَصِيدَةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ الَّتِي أَوَّلُهَا بَانَتْ سُعَادُ وَمِنْهُ عَصْرُ الْخَمْرِ وَبَيْعُهَا وَكِرَاءُ دَارِهِ مِمَّنْ يَبِيعُهَا. وَمِنْهُ: بَيْعُ النَّرْدِ وَالْمَزَامِيرِ وَالطَّنَابِيرِ وَآلَاتِ اللَّهْوِ قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَمِنْهُ: أَنْ يُحَلِّفَ أَبَاهُ، قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: أَوْ جَدَّهُ أَوْ يُحَدَّ لَهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: ذَلِكَ جُرْحَةٌ مَا لَمْ يُعْذَرْ بِجَهْلٍ. وَمِنْهُ: قَطْعُ السِّكَّةِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمَوَّازِ إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ. وَقَالَ عَنْهُ الْعُتْبِيُّ: لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا. وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَيْسَ قَطْعُ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِجُرْحَةٍ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ عِنْدِي إنَّمَا هُوَ إذَا قَطَعَهَا وَهِيَ وَازِنَةٌ فَرَدَّهَا نَاقِصَةً، وَالْبَلَدُ لَا تَجُوزُ فِيهِ إلَّا وَازِنَةً وَهِيَ تَجْرِي فِيهِ عَدَدًا بِغَيْرِ وَزْنٍ فَانْتَفَعَ بِمَا قَطَعَ مِنْهَا وَيُنْفِقُهَا بِغَيْرِ وَزْنٍ، فَتَجْرِي مَجْرَى الْوَازِنَةِ فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ ذَلِكَ جُرْحَةٌ، وَلَوْ قَطَعَهَا وَكَانَ التَّبَايُعُ بِهَا بِالْمِيزَانِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ التَّبَايُعَ بِهَا لَيْسَ بِجُرْحَةٍ وَإِنْ كَانَ عَالَمًا فَمَكْرُوهٌ وَذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْطَعَ الرَّجُلُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ حُلِيًّا لِبَنَاتِهِ وَنِسَائِهِ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ، وَانْظُرْ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ فِي رَسْمِ شَكَّ فِي طَوَافِهِ وَرَسْمِ تَأْخِيرِ الْعِشَاءَيْنِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ. وَيَجُوزُ مِنْهُ، وَمَا يُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ

стр. 263

ذَلِكَ وَيُخْتَلَفُ فِيهِ. وَمِنْهُ اعْتِقَادُ الْبِدْعَةِ، كَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْإِبَاضِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ، قَالَ سَحْنُونٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ لِلضَّرُورَةِ، وَمِنْهُ الْكِهَانَةُ. وَمِنْهُ أَنْ يَتْرُكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَقِيلَ إذَا تَرَكَهَا مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُبَرَّزِينَ فِي الصَّلَاحِ وَمِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ فَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، قَالَ ذَلِكَ فِيمَنْ تَرَكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي التَّجْرِيحِ بِتَرْكِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَقِيلَ: لَا يُجْرَحُ بِتَرْكِهَا؛ لِأَنَّ الْأَعْذَارَ الْقَاطِعَةَ عَنْ الْجُمُعَةِ قَدْ تَخْفَى عَنْ النَّاسِ وَمِنْهَا: مَا يُكْرَهُ إظْهَارُهُ، فَيُوكَلُ ذَلِكَ إلَى أَمَانَةِ الْمُتَخَلِّفِ عَنْهَا، وَلَا تَسْقُطُ الْعَدَالَةُ الثَّابِتَةُ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ هَلْ وَقَعَ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ أَوْ مَحْظُورٍ؟ وَقِيلَ: بَلْ يُجْرَحُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ تَرْكَهَا مَعْصِيَةٌ وَالْأَعْذَارُ نَادِرَةٌ وَنَحْنُ نَسْتَصْحِبُ الظَّاهِرَ مِنْ الْأُمُورِ. وَاخْتُلِفَ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ هَلْ يَقَعُ التَّجْرِيحُ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً، أَوْ لَا يَقَعُ إلَّا بِالتَّخَلُّفِ عَنْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ . وَمِنْهُ: مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ فِي فَرِيضَةٍ أَوْ نَافِلَةٍ قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ. وَمِنْهُ مَنْ لَا يُحْكِمُ فَرَائِضَ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ. وَمِنْهُ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ سَافَرَ فَاحْتَاجَ إلَى التَّيَمُّمِ فَلَمْ يُحْسِنْهُ. وَمِنْهُ: مَنْ لَزِمَتْهُ زَكَاةٌ فَلَمْ يَعْلَمْ نِصَابَهَا. وَمِنْهُ مَنْ اتَّصَلَ وَفْرُهُ وَقُوَّتُهُ فَبَلَغَ عُمْرُهُ إلَى سِتِّينَ سَنَةً فَلَمْ يَحُجَّ فَلَا شَهَادَةَ لَهُ، قِيلَ لَهُ: وَإِنْ كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَمِنْهُ: مَنْ حَبَسَ دَيْنًا فَلَمْ يَقْضِهِ وَهُوَ غَنِيٌّ. وَمِنْهُ: مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَعَلَيْهِ الْأَدَبُ إنْ كَانَ غَيْرَ جَاهِلٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ صَغِيرَةً مِثْلُهَا لَا يُوطَأُ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ. وَمِنْهُ: الْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ وَإِنْ فَرَّ الْإِمَامُ، قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُ وَيَزْدَادَ خَيْرًا، وَالْفِرَارُ مِنْ الزَّحْفِ أَنْ يَفِرَّ مِنْ الْمِثْلَيْنِ. وَمِنْهُ: تَرْكُ الصَّلَاةِ أَوْ الصِّيَامِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ الْمَشْرُوعُ. وَمِنْهُ: جَهْلُ أَحْكَامِ قَصْرِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّفَرِ. وَمِنْهُ: شَهَادَةُ الْفَقِيهِ فِيمَا اُسْتُفْتِيَ فِيهِ إذَا جَاءَهُ الْمُسْتَفْتِي فِي أَمْرٍ يَنْوِي فِيهِ، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يَشْهَدُ بِمَا سَمِعَ وَهِيَ رِوَايَةُ يَحْيَى. وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى عَنْهُ: لَا يَشْهَدُ بِمَا سَمِعَ وَبِهِ الْعَمَلُ، وَمِثْلُهُ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي مُنْتَخَبِهِ مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ. وَمِنْهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى تَرْكِ الْمَنْدُوبِ الْمُؤَكَّدِ: كَالْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. وَمِنْهُ: أَنْ يُحَدَّ فِي قَذْفٍ، فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ مُطْلَقًا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَنْ مَالِكٍ إلَّا مَا حُدَّ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ

стр. 264

وَابْنُ الْمَاجِشُونِ. وَهَذَا الْخِلَافُ يَدْخُلُ فِي شَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا، وَفِي شَهَادَةِ الْبِكْرِ الزَّانِي فِي الزِّنَا. وَشَهَادَةِ السَّارِقِ إذَا قُطِعَ فِيهَا. وَفِي شَهَادَةِ قَاتِلِ الْعَمْدِ إذَا عُفِيَ عَنْهُ فِي الْقَتْلِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي الْمَشْهُورُ، قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُرَدُّ شَهَادَةُ الزَّانِي فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالزِّنَا، وَكَذَلِكَ الْمَنْبُوذُ كَاللِّعَانِ وَالْقَذْفِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: لَمْ يَخْتَلِفْ الْمَذْهَبُ فِي رَدِّ شَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا، وَقَبُولِهَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَمِنْهُ: تَكَرُّرُ التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ فِي قَوْلِ سَحْنُونٍ. وَمِنْهُ: قَبُولُ جَوَازِ الْعُمَّالِ الْمَضْرُوبِ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَكَذَلِكَ إدْمَانُ الْأَكْلِ عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ قَبُولِ جَوَائِزِ الْخُلَفَاءِ مَنْ يُرْضَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَا يُرْضَى، وَقَدْ قَبِلَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَهْلِ الْفَضْلِ. وَمِنْهُ: مُعَامَلَةُ أَهْلِ الْغُصُوبِ وَالسَّلَفِ مِنْهُمْ: وَمِنْهُ اعْتِيَادُ الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. وَمِنْهُ: الْعَصَبِيَّةُ وَهُوَ أَنْ يُبْغِضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا. وَمِنْهُ: النَّمِيمَةُ. وَمِنْهُ الطَّعْنُ عَلَى النَّاسِ. وَمِنْهُ الْخِيَانَةُ وَالرِّشْوَةُ. وَمِنْهُ تَلْقِينُ الْخَصْمِ الْخُصُومَةَ فَقِيهًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. وَمِنْهُ: صَنْعَةُ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ. وَمِنْهُ: إتْيَانُ مَجْلِسِ الْقَاضِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَاتٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إظْهَارَ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي وَيَجْعَلُ ذَلِكَ مَأْكَلَةً لِلنَّاسِ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَمِنْهُ: أَنْ يَأْخُذَ حِجَارَةً مِنْ الْمَسْجِدِ وَيَقُولَ: تَسَلَّفْتهَا وَرَدَدْتُ مِثْلَهَا. وَمِنْهُ: أَنْ يَسْكُنَ فِي دَارٍ يَعْلَمُ أَنَّ أَصْلَهَا مَغْصُوبٌ. وَمِنْهُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ ابْنٌ شِرِّيبٌ سَمَّاعٌ لِلْغِنَاءِ مِنْ الْخَدَمِ وَغَيْرِهِنَّ يَسْكُنُ مَعَهُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ. وَمِنْهُ: الِالْتِفَاتُ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا. وَمِنْهُ: سُكُوتُهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلُ: عِتْقِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ يَرَاهُمَا يُمْلَكَانِ، وَطَلَاقِ امْرَأَةٍ يَرَى زَوْجَهَا مُقِيمًا مَعَهَا وَلَا يَقُومُ بِذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ، وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَمِنْهُ: الْإِدْمَانُ عَلَى اللَّعِبِ بِالْحَمَامِ، وَمِنْهُ: الْإِدْمَانُ عَلَى اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ، وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ الْمَرَّةُ بَعْدَ الْمَرَّةِ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَكَرِهَ مَالِكٌ اللَّعِبَ بِهَا وَإِنْ قَلَّ وَقَالَ هُوَ أَشَدُّ مِنْ النَّرْدِ. وَقَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَاللَّاعِبُ بِالْحَمَامِ وَالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ إنْ كَانَ يُقَامِرُ عَلَيْهَا، أَوْ كَانَ مُدْمِنًا لَمْ يُقَامِرْ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ كَانَ كَثِيرَ اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ حَتَّى يَشْغَلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، طُرِحَتْ شَهَادَتُهُ وَإِلَّا جَازَتْ. وَأَمَّا النَّرْدُ فَلَا أَعْلَمُ مَنْ يَلْعَبُ بِهِ فِي وَقْتِنَا هَذَا إلَّا أَهْلُ السَّفَهِ وَمَنْ تَرَكَ الْمُرُوءَةَ مِنْ الدِّينِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ لَا يُدْمِنُ اللَّعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ إذْ لَا يَخْلُو الْإِنْسَانُ مِنْ لَهْوٍ

стр. 265

وَفَرَحٍ يَسِيرٍ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ، قَالَ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُدْمِنًا عَلَى اللَّعِبِ. قَالَ فِي الْمَذْهَبِ، وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ لَعِبَهَا مَرَّةً فِي الْعُمْرِ تَسْقُطُ بِهِ الشَّهَادَةُ. وَمِنْهُ: الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا. وَمِنْهُ: رُكُوبُ الْبَحْرِ عِنْدَ ارْتِجَاجِهِ وَفِي غَيْرِ إبَّانِهِ. وَمِنْهُ: دُخُولُ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ وَعَدَمُ تَطَهُّرِهِ فِي الْحَمَّامِ بَعْدَ غُسْلِهِ بِمَاءٍ لَا يَشُكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ. وَمِنْهُ: إفْسَادُ الزَّرْعِ وَرَعْيُهُ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ. وَمِنْهُ: تَعْلِيمُ جَارِيَتِهِ الْغِنَاءَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ. وَمِنْهُ: وَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي حَيْضِهَا. وَمِنْهُ الطَّحِينُ فِي الرَّحَا الْمَغْصُوبَةِ إذَا عَلِمَ ذَلِكَ. وَمِنْهُ: الِانْتِسَابُ إلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَالِانْتِمَاءُ إلَى غَيْرِ مَوَالِيه. وَمِنْهُ: هَجْرُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَتَّى وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ غَيْرَ مُوَادٍّ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْهَجْرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِالْعَدَاوَةِ وَالْخُصُومَةِ إذَا كَانَتَا فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَمِنْهُ: أَنْ يَتَحَرَّفَ بِالْحِرَفِ الدَّنِيئَةِ اخْتِيَارًا وَيَكُونُ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، كَدِبَاغَةٍ وَحِجَامَةٍ وَحِيَاكَةٍ وَكُنَاسَةٍ، فَأَمَّا أَرْبَابُهَا وَفَاعِلُهَا مُضْطَرًّا فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ، وَمِنْهُ: الْأَكْلُ فِي السُّوقِ. وَمِنْهُ: شَهَادَةُ الْقِرَاءَةِ بِأَلْحَانٍ عَلَى اخْتِلَافٍ. وَفِي ابْنِ يُونُسَ وَأَكْرَهُ الْقِرَاءَةَ بِالْأَلْحَانِ حَتَّى يُشْبِهَ الْغِنَاءَ، وَلَا أَرُدُّ شَهَادَةَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ، قَالَ ابْنُ الْقُرَظِيِّ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُهُمْ أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ كَأَنَّهُ رَآهُمْ غَيْرَ مَرْضِيِّينَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَمِنْهُ: شَهَادَةُ الْبَخِيلِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي زَكَاتَهُ وَكَأَنَّ مَنْ لَمْ يُجِزْهَا رَآهُ بِتِلْكَ الْحَالَةِ غَيْرَ مَرْضِيٍّ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: الْبُخْلُ مَنْعُ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ. وَأَمَّا مَنْعُ مَا لَا يَجِبُ فَالْقَدَحُ بِهِ فِي الشَّهَادَةِ يَفْتَقِرُ إلَى تَفْصِيلٍ يَعْرِفُهُ مَنْ يَعْرِفُ الِاسْتِدْلَالَ بِحَرَكَاتِ النَّاسِ وَطِبَاعِهِمْ وَسَيْرِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَصِدْقِهِمْ. وَمِنْهُ: شَهَادَةُ الْأَخْرَسِ، قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا، وَمِنْهُ: شَهَادَةُ آكِلِ الطِّينِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِهَا قَالَهُ ابْنُ الْفَرَسِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ إذَا غَلَبَتْهُ شَهْوَتُهُ عَلَى أَكْلِ مَا يَضُرُّ بَدَنَهُ، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ تَغْلِبَهُ عَلَى أَنْ يَقْبَلَ الرِّشْوَةَ أَوْ يَشْهَدَ لِلْحَمِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ. وَمِنْهُ: شَهَادَةُ نَاتِفِ لِحْيَتِهِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا. وَمِنْهُ: شَهَادَةُ الْبَائِلِ قَائِمًا وَفِيهَا خِلَافٌ. وَمِنْهُ: شَهَادَةُ الْأَغْلَفِ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ تَرَكَ ذَلِكَ مِنْ عُذْرٍ فَشَهَادَتُهُ جَائِزَةٌ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا شَهَادَةَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فِطْرَةً مِنْ سُنَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا عُذْرَ لَهُ بِإِسْلَامِهِ وَهُوَ كَبِيرٌ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ، وَمِنْهُ: شَهَادَةُ غَيْرِ الْحَسَنِ

стр. 266

الزِّيِّ وَغَيْرِ الْحَسَنِ الِاسْمِ أَوْ الْكُنْيَةِ. وَمِنْهُ: شَهَادَةُ الصَّيْرَفِيِّ وَفِيهَا خِلَافٌ. وَمِنْهُ: شَهَادَةُ مُكَارِي الْحَمِيرِ وَفِيهَا أَيْضًا خِلَافٌ، ذَكَرَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِنَا. وَمِنْهُ: شَهَادَةُ الْبَخِيلِ إلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي شَهَادَةِ الْأَغْلَفِ، فَانْظُرْ هَلْ مُرَادُهُ بِالْخِلَافِ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ خَارِجَهُ، لَكِنْ جَرَتْ عَادَتُهُ إذَا كَانَ الْخِلَافُ خَارِجَ الْمَذْهَبِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. وَمِنْهُ: حَلْقُ الشَّارِبِ وَيُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ مِنْ ابْنِ رَاشِدٍ. وَمِنْهُ: مَنْ سَأَلَ الْأَمِيرَ أَنْ يَقْصُرَ عَقْدَ الْوَثَائِقِ عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يَكْتُبَهَا إلَّا هُوَ، فَأَجَابَهُ الْأَمِيرُ إلَى ذَلِكَ فَهُوَ جُرْحَةٌ، وَتَسْقُطُ شَهَادَتُهُ وَلَا تَجُوزُ إمَامَتُهُ إنْ كَانَ إمَامًا مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ. وَمِنْهُ: كَوْنُ الْإِنْسَانِ إذَا جَلَسَ فِي مَحْفِلٍ مَدَّ رِجْلَيْهِ بَيْنَهُمْ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي صُوَرٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى فَاعِلِ ذَلِكَ فِي الْجَمَاعَةِ الْحَاضِرِينَ وَمَقَادِيرِهِمْ وَمِقْدَارِهِ وَالْمَعْنَى الَّذِي اجْتَمَعُوا لِأَجْلِهِ وَعَدَمِ الْعُذْرِ فِي ذَلِكَ. [الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ مَوَانِعِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ مَا يَمْنَعُ عَلَى جِهَةٍ] ٍ، وَهُوَ رَدُّ الشَّهَادَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَدَالَةِ وَلَهُ سَبْعَةُ أَسْبَابٍ: السَّبَبُ الْأَوَّلُ: التَّغَفُّلُ وَقَدْ ذَكَرْنَا التَّغْفِيلَ فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ، وَأَنَّهُ اُشْتُرِطَ فِي الْمُشَاهَدِ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرِزًا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّحَيُّلُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَدْ يَكُونُ الْخَيِّرُ الْفَاضِلُ ضَعِيفًا لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَفْلَةُ وَأَنْ يُلَبَّسَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ قَبُولُ شَهَادَتِهِ. السَّبَبُ الثَّانِي: أَنْ يَجُرَّ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا مَضَرَّةً، مِثَالُ الْجَرِّ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى مُورَثِهِ الْمُحْصَنِ بِالزِّنَا أَوْ قَتْلِ الْعَمْدِ مَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَقِيرًا، أَوْ كَمَنْ شَهِدَ أَنَّ أَبَاهُ أَعْتَقَ عَبْدًا يُتَّهَمُ بِوَلَائِهِ، وَكَوَصِيٍّ شَهِدَ بِدَيْنٍ لِلْمَيِّتِ، وَكَمُنْفَقٍ عَلَيْهِ شَهِدَ لِلْمُنْفِقِ وَفِي عَكْسِهِ قَوْلَانِ، وَمِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ رَجُلًا جَرَحَ مُورِثَهُ أَوْ يَشْهَدَ بِدَيْنٍ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ وَلَوْ شَهِدَ بِوَصِيَّةٍ فِيهَا شَيْءٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فَسَيَأْتِي حُكْمُ ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ، وَمِثَالُ الدَّفْعِ أَنْ يَشْهَدَ بَعْضُ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ الْقَتْلِ خَطَأً، وَكَشَهَادَةِ الْمِدْيَانِ الْمُعْسِرِ لِرَبِّ الدَّيْنِ وَعَكْسُهُ؛ لِأَنَّهُ جَرَى لِنَفْسِهِ. السَّبَبُ الثَّالِثُ: كَيَدِ الشَّفَقَةِ بِالنَّسَبِ أَوْ السَّبَبِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْأُمُومَةِ وَإِنْ عَلَتْ، فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ الْجَدِّ لِوَلَدِ وَلَدِهِ وَكَالْبُنُوَّةِ وَإِنْ سَفْلَتَ وَكَالزَّوْجِيَّةِ.

стр. 267

مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ شَهِدَ الْأَبُ مَعَ ابْنِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ جَازَتْ عَلَى الْقَوْلِ الْمَعْمُولِ بِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ شَهَادَتُهُمَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ شَاهِدَيْنِ أَعْدَلُ. مَسْأَلَةٌ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ وَلَدِ الْقَاضِي عَلَى حُكْمِ أَبِيهِ، وَمَنَعَ ابْنُ سَحْنُونٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ إجَازَةِ الْقَاضِي شَهَادَةَ ابْنِهِ وَابْنِ ابْنِهِ عَلَى رَجُلٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ الِابْنُ أَوْ ابْنُ الِابْنِ مُبَرِّزَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ بَيِّنَيْ الْفَضْلِ لَا يُشَكُّ فِيهِمَا فَحِينَئِذٍ رَأَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ عِنْدَهُ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: شَهَادَةُ الْأَبِ عِنْدَ ابْنِهِ أَوْ الِابْنِ عِنْدَ أَبِيهِ، وَشَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى شَهَادَةِ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حُكْمِ صَاحِبِهِ، هَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ الِاخْتِلَافُ فِيهَا كُلِّهَا سَوَاءٌ، قِيلَ إنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ. مَسْأَلَةٌ: فَأَمَّا شَهَادَةُ الْأَخَوَيْنِ فِي حَقٍّ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِرَةٌ وَلَيْسَا كَالْأَبِ وَابْنِهِ. تَنْبِيهٌ: وَقَدْ تَلْحَقُهُمَا التُّهْمَةُ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَخَوَانِ أَنَّ هَذَا ابْنُ أَخِيهِمَا الْمَيِّتِ، وَالْمَشْهُودُ لَهُ ذُو شَرَفٍ، فَإِنَّ النَّسَبَ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَيَثْبُتُ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْمَالِ إنْ ادَّعَاهُ، وَهَذَا مِنْ مَسَائِلِ الْإِقْرَارِ بِالْوَارِثِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ لِجَرِّهِ إلَيْهِ، وَجَرِّهِ إلَيْهِ جَرٌّ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ وَكَانَ مُبَرِّزًا فِي حَالِهِ، جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ، فِي الْأَمْوَالِ وَالتَّعْدِيلِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُعَدِّلُهُ؛ لِأَنَّ شَرَفَ أَخِيهِ شَرَفٌ لَهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي عِيَالِ الشَّاهِدِ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ هَا هُنَا، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجُوزَ شَهَادَتُهُ لَهُ بِمَالٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِذَلِكَ نَفَقَتَهُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ تَرْكَ النَّفَقَةِ عَلَى أَخِيهِ وَالصِّلَةَ لَهُ مَعَرَّةٌ فَيُتَّهَمُ بِهَذَا، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ أَجْنَبِيًّا وَهُوَ فِي عِيَالِ الشَّاهِدِ فَشَهَادَتُهُ لَهُ جَائِزَةٌ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِمَا فِيهِ مَنْزِلَةٌ أَوْ بِمَا يَدْفَعُ عَنْهُ بِهِ عَارًا. مَسْأَلَةٌ: قَالَ فِي مُعِينِ الْحُكَّامِ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ فِي الْفِرْيَةِ وَالنِّكَاحِ إلَى مَنْ يَتَشَرَّفُ بِالنِّكَاحِ إلَيْهِ، وَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الدَّيْنِ إذَا

стр. 268

كَانَ الشَّاهِدُ مُبَرِّزًا فِي الْعَدَالَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِ الْمَشْهُودِ لَهُ، وَفِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِابْنِ الْفَرَسِ. وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَى شَرْطٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الشَّرْطِ مَا هُوَ، فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا، وَقِيلَ تَجُوزُ إذَا لَمْ تَنَلْهُ صِلَتُهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ تَجُوزُ فِي الْيَسِيرِ دُونَ الْكَثِيرِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا فَتَجُوزُ فِي الْكَثِيرِ. وَفِي الْمَذْهَبِ وَفِي شَهَادَتِهِ لَهُ بِمَالٍ أَرْبَعَةٌ، ثَالِثُهَا إنْ كَانَ مُبَرِّزًا جَازَتْ، وَرَابِعُهَا تَجُوزُ فِي الْيَسِيرِ دُونَ الْكَثِيرِ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الْمَذْهَبِ فِي شَهَادَةِ الرَّجُلِ لِابْنِ امْرَأَتِهِ وَلِأَبِيهَا، وَلِامْرَأَةِ أَبِيهِ، وَالْمَرْأَةِ لِابْنِ زَوْجِهَا، وَفِي شَهَادَةِ الرَّجُلِ لِزَوْجَةِ ابْنِهِ، وَلِزَوْجِ ابْنَتِهِ فَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَجَازَهُ سَحْنُونٌ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ لِابْنِ أَخِيهِ وَلِعَمِّهِ وَلِابْنِ عَمِّهِ جَائِزَةٌ بِالْمَالِ، وَلَمْ يُجِزْهَا ابْنُ كِنَانَةَ إلَّا فِي الْيَسِيرِ. تَنْبِيهٌ: كُلُّ مَوْضِعٍ تُمْنَعُ فِيهِ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ فَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ، وَلَا تَجْرِيحُهُ لِمَنْ جَرَّحَ مِنْ شَهِدَ لَهُ، وَلَا يُجَرِّحُ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِمَا يُؤَدِّي إلَى عُقُوبَتِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْأَبِ لِأَحَدِ وَلَدَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، وَفِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ عَلَى الْآخَرِ، قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ وَالصَّوَابُ: الْإِجَازَةُ مَا لَمْ يَكُنْ مَيْلٌ لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ تُهْمَةٌ. مَسْأَلَةٌ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الِابْنِ وَالْأَبِ وَالزَّوْجَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ، عَلَى أَنَّهُ وَكَّلَ فُلَانًا لَا أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَهُ. السَّبَبُ الرَّابِعُ الْعَدَاوَةُ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ وَتُقْبَلُ لَهُ، وَشَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ الْعَدَاوَةُ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَنْصِبٍ أَوْ خِصَامٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ الدِّينِيَّةِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى إفْرَاطِ الْأَذَى مِنْ الْفَاسِقِ الْمُعَادِي لِفِسْقِهِ لِمَنْ غَصَبَ عَلَيْهِ وَهَجْرِهِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا أَوْرَثَ الشَّحْنَاءَ.

стр. 269

مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ وَكَانَ يَذْكُرُهَا ثُمَّ عَادَاهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَاحْتِيجَ إلَى الْقِيَامِ بِهَا، قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَقَبُولُهَا هُنَا أَخَفُّ إذَا كَانَتْ قَدْ قُيِّدَتْ، قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَتِهِ عَلَى ابْنِ عَدُوِّهِ بِمَالٍ أَوْ بِمَا لَا يَلْحَقُ الْأَبَ فِيهِ مَعَرَّةٌ، فَأَجَازَهَا مُحَمَّدٌ وَإِنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا وَالِابْنُ فِي وِلَايَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ تَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي وِلَايَتِهِ. وَقَالَ أَيْضًا: لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ الْأَبُ حَيًّا، يُرِيدُ وَإِنْ كَانَ الِابْنُ رَشِيدًا؛ لِأَنَّ فِيهِ إدْخَالُ الْغَمِّ عَلَى أَبِيهِ، وَحُكْمُ الْأُمِّ وَالْجَدِّ حُكْمُ الْأَبِ اُنْظُرْ ابْنَ يُونُسَ. فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِمَالٍ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ جَازَتْ وَإِنْ شَهِدَ عَلَى الْأَبِ لَمْ تَجُزْ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ قَدْ صَارَ لِلْوَلَدِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ عَدُوًّا لِأَبِيهِ وَشَهِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ أَيْضًا إذَا شَهِدَ عَلَى صَبِيٍّ فِي وِلَايَةِ عَدُوِّهِ، فَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنَعَهَا مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا كَانَ رَجُلَانِ مُتَهَاجِرَيْنِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ اصْطَلَحَا فَقَالَ مُحَمَّدٌ تَجُوزُ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ كَانَا يُحْدِثَانِ الصُّلْحَ لَمْ تَجُزْ وَإِنْ طَالَ وَصَحَّ صُلْحُهُمَا جَازَتْ وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: إذَا كَانَتْ الْهِجْرَةُ خَفِيفَةً عَنْ أَمْرٍ خَفِيفٍ جَازَتْ وَهَذَا يَحْسُنُ فِي الْمُبَرِّزِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ. وَفِي ابْنِ يُونُسَ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى صَبِيٍّ بِجُرْحٍ وَهُمَا عَدُوَّانِ لِوَصِيِّهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِيرُ فِي مَالِهِ فَكَأَنَّهُمَا عَلَى الْوَصِيِّ شَهِدَا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا عَلَى مَيِّتٍ بِمَالٍ وَهُمَا عَدُوَّانِ لِوَصِيِّهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يُخْرِجَانِ مَا بِيَدِهِ. السَّبَبُ الْخَامِسُ: الْحِرْصُ عَلَى زَوَالِ التَّغْيِيرِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: إظْهَارُ الْبَرَاءَةِ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ، ثُمَّ يَشْهَدُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ بَعْدَ أَنْ صَارَ عَدْلًا فَتُرَدُّ لِاتِّهَامِهِ عَلَى دَفْعِ عَارِ التَّكْذِيبِ، وَكَذَلِكَ إذْ رُدَّتْ لِكُفْرِهِ أَوْ صِبَاهُ أَوْ رِقِّهِ. الثَّانِي: قَصْدُ التَّسَلِّي وَالتَّأَسِّي، كَشَهَادَةِ الْمَقْذُوفِ فِي الْقَذْفِ، وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا اتِّفَاقًا، وَكَشَهَادَةِ مَنْ حُدَّ فِي مِثْلِ مَا حُدَّ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ تُقْبَلُ.

стр. 270

السَّبَبُ السَّادِسُ: الْحِرْصُ عَلَى تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ أَوْ أَدَائِهَا أَوْ قَبُولِهَا أَمَّا التَّحَمُّلُ فَهِيَ شَهَادَةُ الْمُخْتَفِي، وَقَدْ ذَكَرْتهَا فِي بَابِ شَهَادَةِ الِاسْتِغْفَالِ، وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْأَدَاءِ فَمِثْلُ أَنْ يَبْدَأَ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ طَلَبِ صَاحِبِهَا وَهُوَ حَاضِرٌ وَالْحَقُّ مَالِيٌّ، فَإِذَا أَدَّاهَا سَقَطَتْ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْلَمَ صَاحِبُهَا بِهَا إنْ عَلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ عَالَمٍ بِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا وَلَوْ كَانَ غَائِبًا، فَفِي وُجُوبِ الْقِيَامِ بِهَا قَوْلَانِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَتْ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُسْتَدَامُ فِيهِ التَّحْرِيمُ وَبَيْنَ مَا لَا يُسْتَدَامُ. وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْقَبُولِ فَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى صِحَّةِ شَهَادَتِهِ إذَا أَدَّاهَا وَذَلِكَ قَادِحٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ دَلِيلٌ عَلَى التَّعَصُّبِ وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى نُفُوذِهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَوَامّ فَإِنَّهُمْ يَتَسَامَحُونَ فِي ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْذَرُوا مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى التَّعَصُّبِ وَكَذَلِكَ لَوْ خَاصَمَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى التَّعَصُّبِ وَذَلِكَ مُوجِبٌ لِافْتِقَارِهِ إلَى مَنْ يَشْهَدُ لَهُ بِصِحَّةِ مَا خَاصَمَ فِيهِ، هَذَا إذَا كَانَ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ فَإِنْ كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ تَقَدَّمَ الْحُكْمُ فِيمَا إذَا كَانَ الشَّاهِدُ هُوَ الْقَائِمَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. السَّبَبُ السَّابِعُ: الِاسْتِبْعَادُ لِصِحَّةِ وُقُوعِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ تَأَوَّلَهُ مَالِكٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشَّهَادَةُ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَمْ يُرِدْ الشَّهَادَةَ فِي الدِّمَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا تُطْلَبُ بِهِ الْخَلَوَاتُ. فَلِذَلِكَ قُلْنَا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْحَضَرِيِّ وَلَا شَهَادَتُهُ لَهُ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي يُمْكِنُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا فِي الْحَضَرِ دُونَ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: تَجُوزُ فِي الْقَذْفِ وَالْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ وَفِي الْمَالِ وَالنِّكَاحِ، إذَا قَالَ: مَرَرْت بِهِمَا، أَوْ كُنْت جَالِسًا فَسَمِعْتُهُ يُقِرُّ لَهُ بِكَذَا، أَوْ بَاعَ مِنْهُ كَذَا، أَوْ تَنَازَعَا فِي النِّكَاحِ فَأَقَرَّ بِالْعَقْدِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْوَثَائِقِ وَالصَّدَقَاتِ وَلَا فِيمَا يُقْصَدُ فِيهِ الِاهْتِمَامُ بِالشَّهَادَةِ، إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مُخَالَطَتَهُ لَهُمَا أَوْ يَجْمَعَهُمْ سَفَرٌ.

стр. 271

وَكَذَلِكَ شَهَادَةٌ بَيْنَ حَضَرِيٍّ وَبَدْوِيٍّ لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَدْوِيُّ مِنْ قَرْيَةِ الشَّاهِدِ فَيَشْهَدُ بِمُدَايِنَةٍ كَانَتْ فِي قَرْيَتِهِ أَوْ فِي الْحَاضِرَةِ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِالْعَدَالَةِ وَمِمَّنْ يُعَوَّلُ فِي الْمُدَايَنَةِ عَلَى مِثْلِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السُّؤَالِ إلَّا فِي التَّافِهِ الْيَسِيرِ لِحُصُولِ الرِّيبَةِ، وَاسْتِبْعَادِ إشْهَادِ الْفُقَرَاءِ دُونَ مَنْ عُرِفَ بِالشَّهَادَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ غَالِبًا إنَّمَا يَقْصِدُونَ بِوَثَائِقِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ أَعْيَانَ الشُّهُودِ، وَعَلَى هَذَا فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا لَمْ يَقْصِدُوا إلَى الْإِشْهَادِ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ السَّائِلُ مَرَرْت بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ وَهُمَا يَتَنَازَعَانِ، فَأَقَرَّ فُلَانٌ لِفُلَانٍ بِكَذَا، فَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ غَيْرَ سُؤَّالٍ، أَوْ سُؤَّالًا لِلْإِمَامِ وَالْأَعْيَانِ مِنْ النَّاسِ عِنْدَ نَائِبَةٍ تَنُوبُهُمْ قُبِلَتْ مُطْلَقًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ الصَّدَقَةَ أَيْضًا وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ رَدُّ شَهَادَتِهِمْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونُوا ظَاهِرِي الْعَدَالَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمَشْهُودُ بِهِ كَثِيرًا كَخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَهُوَ قَوْلٌ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْفَقْرَ لَيْسَ بِعَيْبٍ، لَا سِيَّمَا إذَا لَمْ يَسْأَلْ وَلَمْ يَقْبَلْ الصَّدَقَةَ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إذَا كَانَ الْفَقِيرُ لَا يَسْأَلُ وَلَكِنَّهُ إذَا أُعْطِيَ الصَّدَقَةَ قَبِلَهَا فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مَنْ يَسْأَلُ. [فَصْلٌ عَشْرُ مَسَائِلَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ] ِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. الْأُولَى: شَهَادَةُ الْأَجِيرِ لِمُسْتَأْجِرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ. الثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ بِمَالٍ. الثَّالِثَةُ: شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ. الرَّابِعَةُ: شَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ لِصَدِيقِهِ. الْخَامِسَةُ: شَهَادَةُ الشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ لِشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ مَالِ الْمُفَاوَضَةِ. السَّادِسَةُ: شَهَادَةُ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لِلْمُنْفِقِ. السَّابِعَةُ: إذَا زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ شَهِدَ بِهَا. الثَّامِنَةُ: إذَا سَأَلَ عَنْ شَهَادَةٍ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهَا ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْوَجْهَ الَّذِي امْتَنَعَ بِهِ مِنْ الشَّهَادَةِ فِي مَرَضِهِ.

стр. 272

التَّاسِعَةُ: شَهَادَةُ الصُّنَّاعِ لِمَنْ يُكْثِرُ اسْتِعْمَالَهُمْ لِلتُّهْمَةِ فِي جَرِّ أَعْمَالِهِمْ إلَيْهِمْ وَتَوْقِيفِهَا عَلَيْهِمْ. الْعَاشِرَةُ: الشَّهَادَةُ لِلصَّانِعِ إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَرْغَبُ فِي عَمَلِهِ، وَلَا عِوَضَ مِنْهُ، مِنْ (الْمُتَيْطِيَّةِ) وَمِنْ (مُعِينِ الْحُكَّامِ) وَمِنْ ابْنِ رَاشِدٍ. [الْفَصْلُ السَّابِعُ فِيمَا يَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَتَنَبَّهُوا لَهُ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ وَأَدَائِهَا] مِمَّا يَقَعُ فِيهِ الْغَلَطُ وَالتَّسَاهُلُ الْمَذْمُومُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنَاصِفِ فِي (تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ عَلَى مَأْخَذِ الْأَحْكَامِ) : وَيَنْبَغِي التَّنَبُّهُ وَالتَّحَفُّظُ مِنْ الْغَفْلَةِ فِي الشَّهَادَةِ، وَالْمُسَامَحَةِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا الْعَادَةُ، وَقَدْ شَهِدْنَا فِي أَحْوَالِ بَعْضِ الشُّهُودِ مِنْ قِلَّةِ الضَّبْطِ وَغَمْصِ الْحَقِّ مَا أَوْرَدَهُمْ ذَلِكَ مَوَارِدَ مُنْكَرَةً، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ عَلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ اقْتِدَاءً مِنْ بَعْضِهِمْ بِمُسَامَحَةِ بَعْضٍ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ بِاهْتِدَاءٍ وَلَا أَصْلِ اقْتِدَاءٍ، وَاعْتِيدَ ذَلِكَ حَتَّى وَقَعَ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وَسَنُشِيرُ مِنْ ذَلِكَ إلَى مَوَاضِعَ. فَمِنْ ذَلِكَ الِاسْتِرْسَالُ فِي تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَصِحُّ بَعْدَ حُصُولِ مَعْرِفَةِ الْعَيْنِ وَالِاسْمِ مَعًا، وَلَا يُكْتَفَى فِي ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْعَيْنِ، يَعْنِي أَنْ يَعْرِفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَلَا يَعْرِفَ اسْمَهُ وَلَا نَسَبَهُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلُّ مِنْ وُجُوهٍ إذْ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَخْدَعَهُ فَيَتَسَمَّى لَهُ بِاسْمِ غَيْرِهِ لِيُوجِبَ عَلَيْهِ حَقًّا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ، وَقَدْ تَطُولُ الْمُدَّةُ فَيَنْسَى عَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، أَوْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ فِي غَيْبَتِهِ، وَيَكُونُ قَدْ تَسَمَّى الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِاسْمِ ذَلِكَ الْغَائِبِ، فَتَقُومُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْغَائِبِ وَيَحْكُمُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَلَيْسَ هُوَ الْمَشْهُودَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْعَيْنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ مِمَّا فَسَادُهُ ظَاهِرٌ وَضَرَرُهُ مُتَفَاقِمٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ هِيَ الْمَعْرِفَةَ الْمَقْصُودَةَ فِي هَذَا الْبَابِ. بَلْ يَحِقُّ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ الِاسْمِ الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِهِ مِثْلُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَزُولُ مَعَهُ الِاشْتِرَاكُ أَوْ يَخِفُّ وَلَا يَكْفِي مَعْرِفَةُ

стр. 273

اسْمِهِ خَاصَّةً دُونَ مَعْرِفَةِ اسْمِ أَبِيهِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي التَّعْرِيفِ وَالِاخْتِصَاصِ، وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَزِيدَ اسْمَ الْجَدِّ؛ لِأَنَّهُ أَضْبَطُ وَأَبْعَدُ لِمَا يُتَوَقَّى مِنْ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ فِي الْمُسَمَّى وَأَبِيهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَوْ عَرَفَ الِاسْمَ دُونَ الْعَيْنِ كَمَا لَوْ كَانَ يَسْمَعُ بِرَجُلٍ مَشْهُورٍ لَمْ يَقِفْ عَلَى عَيْنِهِ فَقِيلَ لَهُ هَذَا فُلَانٌ، وَلَمْ يَتَقَرَّرْ عِنْدَهُ تَقَرُّرًا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِصِحَّتِهِ فَلَا يُقْدِمُ عَلَى تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ فِي الْمَعْرِفَةِ بِمُجَرَّدِ شُهْرَةِ الِاسْمِ عِنْدَهُ، فَكُلُّ ذَلِكَ غَلَطٌ وَتَدْلِيسٌ، وَالْوَهْمُ فِيهِ مُمْكِنٌ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْأَمْرِ جَمِيعًا فِي الِاسْمِ وَالْعَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَمَنْ لَا يُعْرَفُ نَسَبُهُ فَلَا يُشْهَدُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ اسْمَ غَيْرِهِ عَلَى اسْمِهِ أَوْ بِالْعَكْسِ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: يَكْتُبُ اسْمَهُ وَقَرْيَتَهُ وَمَسْكَنَهُ وَيَجْتَزِئُ بِذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْأَحْسَنُ أَنْ يَكْتُبَ نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ وَيُشْهِدَ الشُّهُودَ عَلَى الصِّفَةِ حَيًّا أَوْ مَاتَ أَوْ غَابَ، قَالَ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ هُوَ التَّحْقِيقُ. وَنَحْوُ ذَلِكَ: أَنْ يَتَرَدَّدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يَتَسَمَّى بِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ أَوْ يُخَالِطَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَلَا يَعْجَلُ بِالشَّهَادَةِ بِالْمَعْرِفَةِ، حَتَّى يَحْصُلَ مِنْ التَّرَدُّدِ وَاشْتِهَارِ عَيْنِهِ وَاسْمِهِ بِمَحْضَرِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَتَوَاطُئِهِمْ عَلَيْهِ مَا يَقَعُ لَدَيْهِ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي لَا يَشُكُّ فِيهَا، وَهَذَا بَابٌ كَبِيرٌ غَلَطَ فِيهِ الْجُمْهُورُ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَأْتِيَهُ الرَّجُلَانِ لَا يَعْرِفُ إلَّا أَحَدَهُمَا فَيُشْهِدُهُ أَنِّي قَبَضْت مِنْ هَذَا وَيُشِيرُ إلَيْهِ وَلَا يَذْكُرُ اسْمَهُ حَقًّا لِي عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَا وَكَذَا أَوْ أَبْرَأْتُهُ أَوْ لَهُ عَلَيَّ كَذَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ فِيهِ الْحَقُّ لِلْمَجْهُولِ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْمُقِرُّ وَيُرِيدُ الْمَشْهُودُ لَهُ تَقْيِيدَ الشَّهَادَةِ فَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ التَّوَقُّفُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُ الْمَشْهُودَ لَهُ أَيْضًا، وَقَدْ كَانَ سَأَلَ عَنْ اسْمِهِ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ بِمَحْضَرِ الْمُقِرِّ لَهُ فَوَافَقَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ اعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِ الْمَشْهُودِ لَهُ فِي غَيْبَةِ الْمُقِرِّ أَنَّ اسْمَهُ فُلَانٌ فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا سَمَّى لَهُ غَيْرَ نَفْسِهِ مِمَّنْ عَلَيْهِ لِلْمُشْهِدِ الْغَائِبِ حَقٌّ كَثِيرٌ لِيُضَيِّعَهُ، أَوْ خِصَامٌ شَدِيدٌ لِيَقْطَعَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ الْغَائِبُ.

стр. 274

وَلَا يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا، فَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ وَإِقْدَامُ الشَّاهِدِ عَلَى ذَلِكَ أَمْرٌ قَادِحٌ وَغَلَطٌ وَاضِحٌ. وَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ قَوْمًا بِوَثِيقَةٍ كَتَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ لِرَجُلٍ غَائِبٍ، فَيُشْهِدُهُمْ فِيهَا لَا أَرَى أَنْ يَشْهَدَ فِيهَا لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَى نَفْسِهِ لِلْغَائِبِ فَيَسْتَوْجِبَ مُخَالَطَتَهُ، فَيُحَلِّفَهُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى. وَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ يُشْهِدَهُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ فَيُرِيدُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِتَعْرِيفِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَهُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ أَوْ لَا يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي شَيْءٍ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجُرْأَةِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِمَنْ صَحَّ دِينُهُ وَرَاقَبَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَصْرِفَ كُلَّ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فِي الشَّهَادَةِ إلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ مَهْمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ، فَإِنْ اضْطَرَّهُ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَمِيرٌ أَوْ كَانَ لِذَلِكَ وَجْهٌ، فَلْيَكُنْ الْمُعَرِّفُ رَجُلَيْنِ فَصَاعِدًا مِمَّنْ يَرْضَى دِينَهُمَا وَيَسْتَجِيزُ شَهَادَتَهُمَا وَيُسَمِّيهِمَا، فَيَكُونُ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، أَوْ يَتَقَرَّرُ عِنْدَهُ مِنْ تَرَادُفِ التَّعْرِيفِ وَقَرِينَةِ الْحَالِ مَا يَأْمَنُ التَّدْلِيسَ مَعَهُ، كَمَا لَوْ اسْتَظْهَرَ بِسُؤَالِ مَنْ لَا يَفْهَمُ غَرَضَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا حَضَرَ أَوَّلَ الْأَمْرِ، بِحَيْثُ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ التَّعْرِيفِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ لَهُ أَنَّ الْكَشْفَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَشِبْهِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِهِ فِي حُكْمِ التَّعْرِيفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عُدُولٌ؛ لِأَنَّهُ عِلْمٌ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ بِالضَّرُورَةِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ عَرَفَ بِهِ عَلَى وَجْهِ كَذَا وَكَذَا، فَيَذْكُرُ الْمُعَرِّفِينَ إنْ كَانُوا عُدُولًا، وَالْوَجْهُ الَّذِي تَقَرَّرَ ذَلِكَ بِهِ عِنْدَهُ. وَإِذَا كَانَ التَّعْرِيفُ عَلَى غَيْرِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُقْبَلُ، وَذَلِكَ ضَلَالٌ مُبِينٌ وَتَدْلِيسٌ عَلَى حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ ذَلِكَ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى آخَرَ بِدَعْوَى فَلَمْ يُنْكِرْ الْخَصْمُ دَعْوَاهُ وَلَا أَقَرَّ بِهَا، بَلْ قَالَ عَقِيبَ دَعْوَاهُ عَلَيْهِ: وَأَنَا لِي أَيْضًا عَلَيْكَ مَالٌ أَوْ شَيْءٌ سَمَّاهُ، فَقَالَ الْمُدَّعِي لِمَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ اشْهَدُوا لِي عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ فَلَا يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَقَدْ سُئِلَ الْمَازِرِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ هَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي الْتِزَامِ

стр. 275

مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَقْصِدُهُ مُقَابَلَةَ الْفَاسِدِ بِالْفَاسِدِ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْجِدَالِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مَشْكَانَ الْقَيْرَوَانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ الْمَازِرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَمِنْ ذَلِكَ: مَا أَهْمَلُوهُ مِنْ سُؤَالِ الْمُعْتَدَّةِ إذَا أَرَادَتْ النِّكَاحَ وَمُبَاحَثَتِهَا عَنْ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِمَا تَفْهَمُ بِهِ أَحْكَامَهَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَتَعْيِينِ الْأَقْرَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِ الْحَيْضَةِ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ فَيَنْبَغِي الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُكْتَفَى بِقَوْلِهَا قَدْ انْقَضَتْ عِدَّتِي عَلَى الْإِجْمَالِ، فَإِنَّ النِّسَاءَ الْيَوْمَ جَهِلْنَ ذَلِكَ جَهْلًا كَثِيرًا، بَلْ جَهِلَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ عِلْمٌ، وَيَرَى لِنَفْسِهِ حَظًّا وَتَقَدُّمًا، قَالَ وَلَقَدْ عَايَنْت بَعْضَ الْجَهَلَةِ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ يَسْتَغْنِي عَنْ سُؤَالِ الْمَرْأَةِ جُمْلَةً، إذَا هُوَ وَجَدَ لِتَارِيخِ الطَّلَاقِ شَهْرَيْنِ فَصَاعِدًا، وَاِتَّخَذَ الْيَوْمَ هَذَا الْمِقْدَارَ مِنْ الْمُدَّةِ كَثِيرٌ مِنْ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ أَصْلًا فِي إكْمَالِ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَ أَصْلُ هَذَا الْغَلَطِ الْقَبِيحِ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا اسْتَخَفُّوهُ مِنْ تَقْيِيدِ الْعُيُوبِ الَّتِي يَشْتَرِطُهَا الدَّلَّالُونَ فِي الْمَبِيعِ مِنْ الدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ وَالرِّبَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَرْسِلُونَ فِي تَصْدِيقِهِ، وَرُبَّمَا عَدُّوا أَشْيَاءَ مَحْفُوظَةً عِنْدَهُمْ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُهَا فِي الْمَبِيعِ وَأَكْثَرُهَا بَاطِلٌ مُتَحَقِّقُ الْكَذِبِ، وَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ مِنْ مُخَادَعَةِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، فَقَدْ يَغْتَرُّ الْبَائِعُ فِي إمْضَاءِ الْبَيْعِ إذَا سَمِعَ كَثْرَةَ ذَلِكَ فِي سِلْعَتِهِ إيهَامًا مِنْهُمْ لَهُ وَإِظْهَارًا لِلتَّصْحِيحِ، وَيَغْتَرُّ الْمُشْتَرِي أَيْضًا فِي الْتِزَامِ تِلْكَ الْعُيُوبِ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهَا أَوْ جُلَّهَا بَاطِلٌ وَتَشْدِيدٌ فِي الْبَيْعِ لِمَا عَهِدَ النَّاسُ مِنْ زِيَادَاتِهِمْ الْكَاذِبَةِ وَجَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ الْفَاسِدَةُ، فَيَرْضَى بِمَا يَشْتَرِطُونَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ يَدُسُّونَ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْعُيُوبِ الْكَاذِبَةِ لَهُ عَيْبًا أَوْ عَيْبَيْنِ هِيَ ثَابِتَةٌ فِي الْمَبِيعِ عَظِيمَةُ الضَّرَرِ يَجْهَلُهَا الْمُشْتَرِي بِجَهْلِ غَيْرِهَا، إذْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ، فَهُوَ لَوْ عَلِمَ بِثُبُوتِهَا قَطْعًا مَا رَضِيَ وَلَا أَقْدَمَ عَلَى الشِّرَاءِ بِوَجْهٍ، فَهَذَا مِمَّا غَفَلَ الْمُوَثَّقُونَ الْيَوْمَ عَنْهُ وَالْحُكَّامُ أَيْضًا، مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهِ جِدًّا، لَا سِيَّمَا مِنْ الدَّلَّالِينَ عَلَى الدَّوَابِّ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ وُجُوهٌ. مِنْهَا: إقْرَارُهُمْ عَلَى التَّكَاذُبِ وَإِمْضَاؤُهُمْ لَهُ وَمِنْهَا: التَّدْلِيسُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ الثَّابِتِ مِنْ جُمْلَةِ الْعُيُوبِ الَّتِي يَحْمِلُهَا عَلَى الْمُبَالَغَةِ وَالْكَذِبِ.

стр. 276

وَمِنْهَا: إيقَاعُ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا عَلِمَ الشَّاهِدُ غَيْرَهُ مِنْ بَاطِنِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ كَمَا يَتَحَقَّقُ الْمُشْتَرِي أَنَّ بَعْضَهَا أَوْ جُلَّهَا مِنْ زِيَادَةِ النَّخَّاسِينَ وَكَذِبِهِمْ، فَيَنْبَغِي أَوْ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا مَا يَصِحُّ وَيُمْكِنُ وَأَشْبَاهُ هَذَا كَثِيرٌ. وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا مِنْهُ عَلَى الْآكَدِ إذْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُ مَا يَقَعُ مِنْ الْغَلَطِ وَالسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْرِي عَلَى أَصْلٍ قَالَ وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَوْ لَمْ نَذْكُرْهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِانْفِصَالُ عَنْهَا فِي الْبَلَدِ الَّتِي اُعْتِيدَتْ فِيهِ إلَّا بِاعْتِنَاءِ الْقَاضِي بِهَا، وَالتَّقَدُّمِ فِيهَا وَمُوَالَاةِ الْبَحْثِ عَنْهَا، وَالتَّعْنِيفِ لِمَنْ يُوَاقِعُهَا؛ لِأَنَّ مَا يَعْتَادُهُ الْجُمْهُورُ لَا يَصْرِفُهُمْ عَنْهُ تَوَقِّي الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ لَهُ، وَلَا تَعْلِيمُ الْمُعَلِّمِينَ وَوَعْظُ الْمُجْتَهِدِينَ، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إرْهَابٌ مِنْ السُّلْطَانِ فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي وَيَحِقُّ عَلَيْهِ الِاعْتِنَاءُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالتَّنْقِيبُ عَنْ أَمْثَالِهَا وَرَدُّ مَسَائِلِ الشَّرْعِ إلَى أُصُولِهَا. [فَصْلٌ لَا يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ فِي كِتَابٍ مَخْتُومٍ] ٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا فِيهِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ أَصْلًا، أَوْ لَعَلَّ فِيهِ مَا لَا يَحِلُّ سَمَاعُهُ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ، فَإِنْ وَثِقَ بِصَاحِبِهِ وَأَمِنَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَدَعَتْهُ الثِّقَةُ بِهِ إلَى الشَّهَادَةِ فَفِي جَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ خِلَافٌ. قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ وَإِنْ دَفَعَ رَجُلٌ إلَى الشُّهُودِ صَحِيفَةً مَطْوِيَّةً، وَقَالَ لَهُمْ دَافِعُهَا: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهَا وَلَمْ يَعْرِفْ الشُّهُودُ مَا تَضَمَّنَتْهُ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْوَهَّابِ ذَكَرَ فِي الْمَعُونَةِ أَنَّ فِي هَذَا رِوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، بِجَوَازِ الشَّهَادَةِ وَقَبُولِهَا، وَبِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ، وَرَجَّحَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ الْجَوَازَ، وَاحْتَجَّ لَهُ وَوَافَقَهُ الْمَازِرِيُّ وَفِي مُخْتَصَرِ أَبِي بَكْرٍ الْوَقَارِ: لَا يَجُوزُ لِلشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا بِمَا فِيهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ خَتَمَ عَلَيْهَا خَتْمًا يَعْرِفُهُ، فَإِنْ كَانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ وَلَمْ

стр. 277

يَخْتِمْ عَلَيْهَا إلَّا هُوَ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِمَا فِيهَا، لَا يَشْهَدُ فِيهَا إلَّا هُوَ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنَّقْصِ مِنْهَا. فَصْلٌ: وَمِنْ كِتَابِ آدَابِ الشَّهَادَةِ لِأَبِي الْفَضْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ حَبِيبٍ الْجَوْهَرِيِّ قَالَ: يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ إذَا جِيءَ إلَيْهِ بِكِتَابٍ لِيَشْهَدَ فِيهِ أَنْ يَقْرَأَ جَمِيعَ مَا فِيهِ لِيَعْرِفَ الْخَطَأَ إنْ كَانَ فِيهِ مِنْ الصَّوَابِ، وَالصَّحِيحَ مِنْ السَّقِيمِ، فَيَعْرِفَ مَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ، وَلْتَكُنْ قِرَاءَتُهُ إيَّاهُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ تَجَنُّبُ الشَّهَادَةِ عَلَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَيْسَ لَهُ بِهِنَّ خُلْطَةٌ، فَلَنْ تَنْضَبِطَ مَعْرِفَةُ الْمَعْرُوفَةِ مِنْهُنَّ، فَكَيْفَ بِالْمَجْهُولَةِ، وَاَلَّتِي لَا يَرَاهَا الشَّاهِدُ فِي عُمْرِهِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَهِيَ مُتَخَفِّيَةٌ مُسْتَتِرَةٌ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ مُتَكَلِّمَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَتَكْشِفُ مَنْ لَا تُعْرَفُ لِيَشْهَدَ عَلَى رُؤْيَتِهَا، وَيَتَثَبَّتَ فِي شَخْصِهَا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ عَرَفَهَا رَجُلَانِ يُرِيدُ عَدْلَيْنِ، فَفِي جَوَازِ أَدَائِهِ عَلَيْهَا قَوْلَانِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ نَقَلَ شَهَادَتَهُ عَنْهُمَا فَيُقْبَلُ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَدَائِهِمَا وَيُسَمِّيهُمَا لِيُعْذِرَ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِيهِمَا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: أَمَّا إذَا حَصَلَ الْعِلْمُ بِامْرَأَةٍ فَلَا إشْكَالَ لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِهَا؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ قَدْ تَقْتَرِنُ بِهِ قَرِينَةٌ فَيُفِيدُ الْعِلْمَ. وَقَالَ أَصْبَغُ فِي السَّامِعَيْنِ مِنْ الْمُنْكَحَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفَاهَا، هَذَا أَمْرٌ لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْهُ بُدًّا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَرَى مُولِيَتَهُ حَتَّى تَبْلُغَ النِّكَاحَ فَلَا حَرَجَ عَلَى السَّامِعَيْنِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَأَمَّا فِي الْحُقُوقِ مِنْ الْبُيُوعِ وَالْوَكَالَةِ وَالْهِبَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ لَا يَعْرِفُونَهَا فَلَيْسَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَلَا أَرَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا مَنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا اُنْظُرْ (مُفِيدَ الْحُكَّامِ) . وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ الشَّهَادَةَ لِمَنْ يُتَّهَمُ بِسَبَبِهِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ صَدِيقٍ وَشِبْهِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنَّبَ الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ ذِي جُرْحَةٍ أَوْ مُتَّهَمٍ فِي الشَّهَادَةِ فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ، وَمَنْ لَا يُقْبَلُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ خَوْفًا مِنْ غَلَطِ الْحَاكِمِ فِيهِ إذَا نَقَلَ إلَيْهِ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّ نَقْلَكَ عَنْهُ يُوهِمُ عَدَالَتَهُ،

стр. 278

وَلَا بَأْسَ أَنْ تَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ لَا تَعْلَمُهُ بِجَرْحٍ وَلَا تَعْدِيلٍ مِنْ (تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ) . وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ مِنْ التَّزْوِيرِ عَلَيْهِ فِي الْخَطِّ، فَقَدْ هَلَكَ بِذَلِكَ خَلْقٌ عَظِيمٌ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَأَمَّلَ الْأَسْمَاءَ الَّتِي تَنْقَلِبُ بِإِصْلَاحٍ يَسِيرٍ فَيَتَحَفَّظَ مِنْ تَغْيِيرِهَا نَحْوَ مُظَفَّرٍ فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ مُظَهَّرٍ، وَنَحْوِ بَكْرٍ فَإِنَّهُ يَنْقَلِبُ بُكَيْرٍ، وَنَحْوِ صَقْرٍ فَإِنَّهُ يَجِيءُ ظَفْرٍ، فَيَكُونُ فِي أَصْلِ الْكِتَابِ صَقْرُ بْنُ ظَفْرٍ مَثَلًا فَيَصْلُحُ ظَفْرُ بْنُ مَظْهَرٍ، وَنَحْوِ حَبِيبٍ فَإِنَّهُ يَجِيءُ مِنْهُ مُحَمَّدٌ، وَنَحْوِ عَائِشَةَ فَإِنَّهُ يَنْصَلِحُ عَاتِكَةَ، وَيَجِيءُ مِنْهَا أَيْضًا فَاطِمَةُ، وَيَجِيءُ مِنْ زَادَانِ شَادَانُ، وَيَجِيءُ مِنْ يَاقُوتَ يَعْقُوبُ، وَيَجِيءُ مِنْ جَمِيلٍ كُمَيْلٌ، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا خَلِيلٌ، وَيَجِيءُ مِنْ يَسَارٍ يُشَارُ، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا بَكَّارٌ، وَيَجِيءُ مِنْهُ أَيْضًا نَصَّارٌ، وَيَجِيءُ مِنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ عَبْدُ الْحَمِيدِ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ يَكْفِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ بِهَذَا. وَقَدْ يَكُونُ آخِرُ السَّطْرِ بَيَاضًا فَيُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ شَيْءٌ كَمَا لَوْ كَانَ آخِرُهُ بَكْرٌ فَيُزَادُ بَكْرَانِ، أَوْ يَكُونُ عُمَرُ فَيُجْعَلُ عِمْرَانُ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ مِنْ أَنْ يَتِمَّ عَلَيْهِ زِيَادَةُ حَرْفٍ فِي الْكِتَابِ فَقَدْ تُغَيِّرُ الْأَلْفُ الْمَعْنَى إذَا زِيدَتْ. مِثَالُهُ: أَنْ يُقِرَّ رَجُلٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِرَجُلٍ فَيَكْتُبُ فِي الْوَثِيقَةِ أَقَرَّ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ نِصْفَ الْمَبْلَغِ أَمْكَنَ بَعْدُ زِيَادَةُ أَلِفٍ فَصَارَتْ أَلْفَا دِرْهَمٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي الْوَثِيقَةِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو فَإِذَا زِيدَتْ أَلْفٌ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو صَارَتْ لِزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو، فَبَطَلَ الدَّيْنُ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَلْفَ لَمْ يُجْزَمْ بِهَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ يَكُونُ فِي الْكِتَابِ دِينَارٌ وَاحِدٌ فَيُجْعَلُ دِينَارًا وَنِصْفًا؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ يَصْلُحُ وَنِصْفٌ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَفَقَّدَ حَوَاشِيَ الْكِتَابِ، فَقَدْ يَبْقَى مِنْهَا مَا يُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ مَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الْكِتَابِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ. [فَصْلٌ شَهِدْت الْبَيِّنَةُ فِي الْكِتَابِ فِيهِ ثَقْبٌ] فَصْلٌ: إذَا شَهِدْت فِي الْكِتَابِ فِيهِ ثَقْبٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا هُوَ فِي أَصْلِ الْوَرَقَةِ فَنَبِّهْ عَلَى ذَلِكَ فَتَقُولُ: وَفِي سَطْرِ كَذَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ثَقْبٌ قَبْلَهُ كَذَا وَبَعْدَهُ كَذَا، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَلَا تُكْتَبُ إنْ فِي الْكِتَابِ قَرْضَ فَأْرٍ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَقَرَضَهُ الْفَأْرُ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنْ شَهِدْت فِي كِتَابٍ سَلِيمٍ مِنْ الْآثَارِ ثُمَّ وَجَدْت فِيهِ أَثَرًا حِينَ الْأَدَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ مَقَاصِدُ

стр. 279

الْكِتَابِ قَدْ سَلِمَتْ أَقَمْت الشَّهَادَةَ، وَقُلْت: خَلَا مَوَاضِعَ الْآثَارِ وَهِيَ كَذَا وَكَذَا مَوْضِعًا، وَتَصِفُهَا وَتَقُولُ: إنَّهَا كَانَتْ سَلِيمَةً يَوْمَ وَضْعِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ فِي مَوْضِعٍ يُحِيلُ مَعْنًى مِنْ مَقَاصِدِ الْكِتَابِ فَلَا تَشْهَدْ أَصْلًا. [فَصْلٌ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَأَمَّلَ تَارِيخَ الْمَسْطُورِ وَيَنْظُرَ فِي الْعَدَدِ] فَصْلٌ: وَإِذَا كُنْت أَوَّلَ مَنْ يَشْهَدُ فِي كِتَابٍ فَانْظُرْ آخِرَ حَرْفٍ مِنْ آخِرِ الْكِتَابِ، فَاكْتُبْ فِيمَا يَلِيهِ بِغَيْرِ فُرْجَةٍ تَتْرُكُهَا بَيْنَ شَهَادَتِكَ وَبَيْنَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ، لِئَلَّا يُغَيَّرَ فِي الْكِتَاب شَيْءٌ، وَيُعْتَذَرَ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ، فَإِنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً لَا تَسَعُ الشَّهَادَةَ فَسُدَّهَا بِحَسْبِنَا اللَّهُ أَوْ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَانْوِ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا تَضَعُهَا فِي آخِرِ السَّطْرِ مِنْ الْكِتَابِ بِلَا نِيَّةٍ فَقَدْ نَصَّ الْقَرَافِيُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. فَصْلٌ: إذَا كَانَ آخِرُ السَّطْرِ مِنْ الْكِتَابِ قَدْ اسْتَوْفَى آخِرَ السَّطْرِ وَلَمْ تَبْقَ فُرْجَةٌ وَكُنْت أَوَّلَ مَنْ يَشْهَدُ فَاكْتُبْ فِي أَوَّلِ سَطْرٍ يَلِيهِ يَمْنَةَ الْكِتَابِ، وَلَا تَكْتُبْ يَسْرَتَهُ فَتَبْقَى فُرْجَةٌ هِيَ بَعْضُ سَطْرٍ، فَيَكْتُبُ اعْتِذَارًا عَنْ إلْحَاقٍ أَوْ كَشْطٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. فَصْلٌ: إذَا شَهِدَ قَبْلَكَ شُهُودٌ ثُمَّ جِيءَ إلَيْك بِالْكِتَابِ فَتَأَمَّلْ شَهَادَةَ أَوَّلِهِمْ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْ الْكِتَابِ فُرْجَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُكْتَبَ فِيهَا شَيْءٌ، فَصَحَّ أَنْتَ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ هَكَذَا: (صَحَّ صَحَّ) حَتَّى تَشْغَلَ تِلْكَ الْفُرْجَةَ. فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَتْ شَهَادَتُكَ فِي مَسْطُورٍ وَهُوَ مِنْ الْوَرَقِ الدِّمَشْقِيِّ فَتَأَمَّلْهُ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ شَهَادَتَكَ فَإِنَّهُ يَنْبَشِرُ بَشْرًا خَفِيًّا، كَذَلِكَ مَا يُكْتَبُ فِي بَعْضِ الْقَرَاطِيسِ فَإِنَّهُ يُمْحَى بِسُرْعَةٍ وَيُجْعَلُ فِيهِ غَيْرُ مَا مُحِيَ، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْحِبْرُ مِدَادًا، وَاحْتَرِزْ مِنْ الْحِبْرِ الَّذِي يُنْتَقَضُ. فَصْلٌ: وَتَأَمَّلْ تَعْتِيقَ الْكُتُبِ فَإِنَّ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حِيلَةً يَجْعَلُونَ بِهَا الْكِتَابَ الطَّرِيَّ كَأَنَّهُ عَتِيقٌ. فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَتَأَمَّلَ تَارِيخَ الْمَسْطُورِ وَيَنْظُرَ فِي الْعَدَدِ، فَإِنَّ سِتِّينَ تَصِيرُ بِسُرْعَةٍ ثَمَانِينَ، وَتَصِيرُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَيَبْطُلُ التَّارِيخُ، وَتُمَيِّزُ الْفَرْقَ بَيْنَ سَبْعَةٍ وَتِسْعَةٍ، وَخَمْسَةَ عَشَرَ

стр. 280

تُجْعَلُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَالسَّبْعِينَ تَصِيرُ تِسْعِينَ، وَكَذَلِكَ تَأَمَّلْ عَدَدَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ بِحَسَبِ مَا ذَكَرْتُهُ، وَلَقَدْ أَجَادَ مَنْ يَجْعَلُ فِي الْمَسَاطِيرِ كَذَا وَكَذَا دَنَانِيرَ نِصْفُهَا كَذَا وَكَذَا، وَبَعْضُهُمْ يَزِيدُ وَرُبُعُهَا كَذَا وَكَذَا. فَصْلٌ: وَتَأَمَّلْ أَسْمَاءً مِنْ الْكُتُبِ وَأَنْسَابِهِمْ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي وَالضَّامِنِ إذَا كُنْت مَا تَعْرِفُهُمْ مَعْرِفَةً تَامَّةً، وَلَا تَقْرَأُ عَلَيْهِمْ الْكِتَابَ، وَسَلْهُمْ عَنْ أَسْمَائِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ، فَقَدْ يَكُونُ مُزَوَّرًا فَمَا يَعْرِفُ الشَّاهِدُ اسْمَ نَفْسِهِ أَوْ يَجْهَلُ نَسَبَهُ وَيَنْسَى مَا كُتِبَ فِي الْكِتَابِ، فَيَضْطَرِبُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ شِرَاءً سَأَلْت الْبَائِعَ عَمَّا بَاعَهُ هَلْ هُوَ كَامِلٌ أَوْ حِصَّةٌ، وَالْمِلْكِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ، وَتَسْأَلُهُ عَنْ الثَّمَنِ. [فَصْلٌ إذَا كَتَبَ الشَّاهِدُ فِي شَهَادَتِهِ أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِ الْمُقِرِّينَ] َ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَذَلِكَ غَفْلَةٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُقِرُّ بِمَا فِيهِ غَيْرُ الْمُسَمَّيْنَ فِيهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِمَا بِمَا نُسِبَ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ تِلْكَ شَهَادَةٌ نَاقِصَةٌ، وَقَوْلُهُ عَلَى إقْرَارِهِمَا إشَارَةٌ إلَى اثْنَيْنِ مَنْكُورَيْنِ، وَإِنَّمَا يَتَأَوَّلُ فِي حَقِّهِ أَنَّهُمَا الْمُسَمَّيَانِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَأَنَّهُمَا مَعْرُوفَانِ عِنْدَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُمَا فَيَجِبُ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ عَلَى الْمُسَمَّيَيْنِ أَوْ الْمَذْكُورَيْنِ، لِتَكُونَ شَهَادَةً مُفَسَّرَةً، فَإِنْ أَتَى بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَفْسِرَهُ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِمَا، فَرُبَّمَا كَانَا غَيْرَ مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الشَّاهِدِ. فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَمِعْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ: مَنْ كَتَبَ عَلَى رَجُلٍ كِتَابًا بِحَقٍّ لَهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ شُهُودًا، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ كِتَابَ الْحَقِّ قَدْ ضَاعَ وَسَأَلَ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِمَا حَفِظُوا مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَشْهَدُوا عَلَى حَرْفٍ مِنْهُ، وَإِنْ كَانُوا لِجَمِيعِ مَا فِيهِ حَافِظِينَ؛ لِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَضَى حَقَّهُ وَدَفَعَهُ لِلْمِدْيَانِ فَمَحَاهُ، وَقَدْ اكْتَفَى الْيَوْمَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ بِمَحْوِ كُتُبِ الْحَقِّ مِنْ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهَا، فَإِنْ جَهِلُوا وَقَامُوا بِشَهَادَتِهِمْ لَمْ يَسَعْ الْحَاكِمَ إلَّا قَبُولُهَا، وَيُقَالُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ: أَقِمْ بَيِّنَةً بِبَرَاءَتِكَ، وَبِمَا تَدْفَعُ بِهِ الشَّهَادَةَ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا، وَإِنَّمَا الْكُتُبُ تَذْكِرَةٌ. وَقَالَهُ مَالِكٌ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي مَأْمُونًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ فَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَحَبُّ إلَيَّ.

стр. 281

فَصْلٌ: وَإِذَا طُلِبَ مِنْكَ ذِكْرُ مُعَايَنَةِ قَبْضِ الثَّمَنِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَأَلْزِمْهُمْ بِإِحْضَارِ الثَّمَنِ وَوَزْنِهِ وَنَقْدِهِ وَتَسْلِيمِهِ، حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، فَإِذَا صَحَّ لَكَ ذَلِكَ قُلْت لِلْبَائِعِ وَقَدْ قُرِئَ عَلَيْكَ هَذَا الْكِتَابُ وَوَافَقْت عَلَى مَا فِيهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْكَ بِجَمِيعِ مَا فِيهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُتَيَقِّظًا يَفْهَمُ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا تَشْهَدْ عَلَيْهِ حَتَّى تُفْهِمَهُ مَقَاصِدَ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَقُولَ لِلْمُشْتَرِي مِثْلَ ذَلِكَ، وَتَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ تَسَلَّمَ مَا اشْتَرَى، وَإِنْ اُسْتُثْنِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَبِيعِ أَوْ اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ عَيْبٌ نَبَّهْتَهُ عَلَى ذَلِكَ. فَصْلٌ: وَإِذَا أُثْبِتَتْ بِكِتَابِ إجَارَةٍ فَتَسْأَلُهُ هَلْ هُوَ وَقْفٌ أَوْ طَلْقٌ فَقَدْ يُكْتَبُ فِي مُدَّةِ إجَارَةِ الْوَقْفِ أَكْثَرُ مِمَّا يَجُوزُ. [فَصْلٌ دُعِيَتْ إلَى الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّعْرِيفِ] فَصْلٌ: وَإِذَا دُعِيَتْ إلَى الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّعْرِيفِ وَحَصَلَتْ لَك رِيبَةٌ تُرِيدُ زَوَالَهَا، فَاسْأَلْ الْوَلِيَّ عَنْ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَمَا هُوَ مِنْ الزَّوْجَةِ وَمَا اسْمُهَا وَنَسَبُهَا، وَتَنْظُرُ النَّسَبَ بَيْنَهُمَا فِي الْكِتَابِ، وَلَا تَضَعَ شَهَادَتَكَ بِأَنَّهُ وَلِيٌّ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ عِنْدَكَ. [فَصْلٌ تَجَنَّبْ أَنْ تَشْهَدَ بِمَوْتِ غَائِبٍ بِتَعْرِيفِ مَنْ عَرَّفَكَ] َ، فَقَدْ يَكُونُ بَلَغَهُ ذَلِكَ بَلَاغًا غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِهِ، فَتَشْهَدُ بِمَوْتِهِ ثُمَّ يَقْدَمُ فَتَكُونُ فَضِيحَةٌ وَتَجَنَّبْ أَنْ تُعَرِّفَ بِصِحَّةِ مَا عَرَّفَكَ بِهِ الْعَوَامُّ وَمَنْ لَا يَضْبِطُ مَا يَقُولُ. فَصْلٌ: إذَا سُئِلَتْ عَمَّا لَا تَذْكُرُهُ فَقُلْ مَا أَذْكُرُهُ، وَلَا تَقُلْ مَا كَانَ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ قَدْ تَذْكُرُ فَتَقُولُ قَدْ ذَكَرْته، وَلَوْ قُلْت مَا كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرْتَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ قَدْ تَذْكُرُ فَتَقُولُ قَدْ ذَكَرْته، وَلَوْ قُلْت مَا كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرْته وَشَهِدْت بِهِ كُنْت قَدْ خَالَفْت مَا قُلْته أَوَّلًا، وَإِنْ أَمْسَكَتْ عَنْ الشَّهَادَةِ كُنْت مَأْثُومًا، فَاضْبِطْ هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. فَصْلٌ: تَجَنَّبْ الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ لَمْ تَصِحَّ عَدَالَتُهُ، فَرُبَّمَا جُعِلَتْ شَهَادَتُكَ عَلَى شَهَادَتِهِ تَعْدِيلًا مِنْكَ لَهُ.

стр. 282

[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ كَاتِبِ الْوَثَائِق] وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ الْأَوْصَافِ مَا نَذْكُرُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الْكِتَابَةِ، قَلِيلَ اللَّحْنِ، عَالِمًا بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، عَارِفًا بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْحِسَابِ وَالْقِسَمِ الشَّرْعِيَّةِ، مُتَحَلِّيًا بِالْأَمَانَةِ، سَالِكًا طُرُقَ الدِّيَانَةِ وَالْعَدَالَةِ، دَاخِلًا فِي سِلْكِ الْفُضَلَاءِ، مَاشِيًا عَلَى نَهْجِ الْعُلَمَاءِ الْأَجِلَّاءِ، فَهِيَ صِنَاعَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ وَبِضَاعَةٌ عَالِيَةٌ مُنِيفَةٌ، تَحْتَوِي عَلَى ضَبْطِ أُمُورِ النَّاسِ عَلَى الْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ، وَحِفْظِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَمُجَالَسَةِ الْمَمْلُوكِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أُمُورِهِمْ وَعِيَالِهِمْ، وَبِغَيْرِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَا يَنَالُ أَحَدٌ ذَلِكَ وَلَا يَسْلُكُ هَذِهِ الْمَسَالِكَ. وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَصَّبَ لِكِتَابَةِ الْوَثَائِقِ إلَّا الْعُلَمَاءُ الْعُدُولُ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَا يَكْتُبُ الْكُتُبَ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا عَارِفٌ بِهَا عَدْلٌ فِي نَفْسِهِ مَأْمُونٌ عَلَى مَا يَكْتُبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَأَمَّا مَنْ لَا يُحْسِنُ وُجُوهَ الْكِتَابَةِ وَلَا يَقِفُ عَلَى فِقْهِ الْوَثِيقَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ الِانْتِصَابِ لِذَلِكَ، لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَى النَّاسِ كَثِيرًا مِنْ مُعَامَلَاتِهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْكِتَابَةِ إلَّا أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ فَلَا يَنْبَغِي تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضَعُ اسْمَهُ بِشَهَادَةٍ فِيمَا يَكْتُبُ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُعَلِّمُ النَّاسَ وُجُوهَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، وَيُلْهِمُهُمْ تَحْرِيفَ الْمَسَائِلِ لِتَوْجِيهِ الْإِشْهَادِ، فَكَثِيرًا مَا يَأْتِي النَّاسُ الْيَوْمَ يَسْتَفْتُونَ فِي نَوَازِلَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَالْمُشَارَكَةِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَنْكِحَةِ الْمَفْسُوخَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ، فَإِذَا صَرَفَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الدِّيَانَةِ أَتَوْا إلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ، فَحَرَّفُوا أَلْفَاظَهَا، وَتَحَيَّلُوا لَهَا بِالْعِبَارَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى صَرِيحِ الْفَسَادِ، وَأَضَلُّوا. وَتَمَالَأَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ عَلَى التَّهَاوُنِ بِحُدُودِ الْإِسْلَامِ وَالتَّلَاعُبِ فِي طَرِيقِ الْحَرَامِ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . [فَصْلٌ رَأَى السُّلْطَانُ قَصْرَ الْوَثَائِقِ عَلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ] قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَإِذَا رَأَى السُّلْطَانُ مِنْ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ قَصْرَ الْوَثَائِقِ عَلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ أَوْ اثْنَيْنِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ الرَّجُلُ يُوثَقُ بِهِ فِي

стр. 283

دِينِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَنَظَرِهِ فِي الْوَثَائِقِ، وَلِنُفُوذِهِ فِي مُشْكِلِ النَّوَازِلِ، وَلِقُصُورِ غَيْرِهِ عَنْ إدْرَاكِ تِلْكَ الْحَقَائِقِ فَذَلِكَ سَائِغٌ حَسَنٌ، بِشَرْطِ كَوْنِهِ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ لَا قَصْدًا لِلْمَنْفَعَةِ لِذَلِكَ الرَّجُلِ وَتَكْثِيرِهَا لَهُ بِمَا يَنَالُ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُوَثِّقِ نَفْسِهِ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ السُّلْطَانِ قَصْرَ الْوَثَائِقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِمَعْرِفَتِهَا إذَا قَصَدَ الِاسْتِكْثَارَ مِنْ الْفَائِدَةِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَرَغِبَ فِيهِ فَهِيَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ وَقَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: لَا كَثَّرَ اللَّهُ أَمْثَالَ هَذَا الْفَقِيهِ إذْ طَلَبَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ، وَمَنْ طَلَبُ ذَلِكَ فَإِمَامَتُهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَشَهَادَتُهُ سَاقِطَةٌ أَمَّا إنْ فَعَلَ ذَلِكَ احْتِسَابًا، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. [فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَثِّقِ] وَفِي (الْعَالِي الرُّتْبَةِ فِي أَحْكَامِ الْحِسْبَةِ) لِأَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ النَّحْوِيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَثِّقِ مِمَّا لَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ قَالَ: وَإِذَا كَتَبَ الْمُوَثِّقُ كِتَابًا بَدَأَ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ بِذِكْرِ لَقَبِ الْمُقِرِّ وَاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجِدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذِكْرَ الْجَدِّ اسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ. ثُمَّ يَذْكُرُ قَبِيلَتَهُ وَصِنَاعَتَهُ وَمَسْكَنَهُ، وَيُحَلِّيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا كَتَبَ: وَشُهُودُ هَذَا الْكِتَابِ بِهِ عَارِفُونَ وَلَهُ مُحَقِّقُونَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي اسْمِ الْمُقَرِّ لَهُ، ثُمَّ يُؤَرِّخُ مَكْتُوبَهُ بِالْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ، وَعِنْدَنَا أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّارِيخُ بِالسَّاعَاتِ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ ذَكَرْتهَا فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِرْعَاءِ، قَالَ فَإِذَا فَرَغَ الْكَاتِبُ مِنْ ذِكْرِ كِتَابَتِهِ اسْتَوْعَبَهُ وَقَرَأَهُ وَتَمَيَّزَ أَلْفَاظَهُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُمَيِّزَ فِي خَطِّهِ بَيْنَ السَّبْعَةِ وَالتِّسْعَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ كَتَبَ بَعْدَهَا وَاحِدَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ نِصْفَهَا فَإِنْ كَانَتْ أَلْفًا كَتَبَ وَاحِدَةً وَذَكَرَ نِصْفَهَا رَفْعًا لِلَّبْسِ، وَإِنْ كَانَتْ خَمْسَةَ آلَافٍ زَادَ فِيهَا لَامًا

стр. 284

فَصَيَّرَهَا آلَافًا لِئَلَّا تُصَلَّحَ الْخَمْسَةُ فَتَصِيرُ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَيَحْتَرِزُ بِذِكْرِ التَّصْنِيفِ مِمَّا تُمْكِنُ الزِّيَادَةُ فِيهِ كَالْخَمْسَةَ عَشَرَ تَصِيرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَالسَّبْعِينَ تِسْعِينَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْكَاتِبُ النِّصْفَ مِنْ الْمَبْلَغِ، فَيَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَذْكُرُوا الْمَبْلَغَ فِي شَهَادَتِهِمْ لِئَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ الشَّكُّ لَوْ طَرَأَ فِي الْكِتَابِ تَغْيِيرٌ وَتَبْدِيلٌ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْكِتَابِ إصْلَاحٌ أَوْ إلْحَاقٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَحَلِّهِ فِي الْكِتَابِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْمِلَ أَسْطُرَ الْمَكْتُوبِ جَمِيعِهَا لِئَلَّا يُلْحَقَ فِي آخِرِ السَّطْرِ مَا يُفْسِدُ بَعْضَ أَحْكَامِ الْمَكْتُوبِ أَوْ يُفْسِدُهُ كُلُّهُ. فَلَوْ كَانَ آخِرُ سَطْرٍ مَثَلًا وَجَعَلَ النَّظَرَ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ، وَفِي أَوَّلِ السَّطْرِ الَّذِي يَلِيهِ لِزَيْدٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ السَّطْرِ فُرْجَةٌ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَ فِيهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِزَيْدٍ، فَيَبْطُلُ الْوَقْفُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنْ اُتُّفِقَ أَنَّهُ بَقِيَ فِي آخِرِ السَّطْرِ فُرْجَةٌ لَا تَسَعُ الْكَلِمَةَ الَّتِي يُرِيدُ كِتَابَتَهَا لِطُولِهَا وَكَثْرَةِ حُرُوفِهَا، فَإِنَّهُ يَسُدُّ تِلْكَ الْفُرْجَةَ بِتَكْرَارِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي وَقَفَ عَلَيْهَا أَوْ كَتَبَ فِيهَا صَحَّ، أَوْ صَادًا مَمْدُودَةً، أَوْ دَائِرَةً مَفْتُوحَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُشْغِلُ بِهِ تِلْكَ الْفُرْجَةَ، وَلَا يُمْكِنُ إصْلَاحُهَا بِمَا يُخَالِفُ الْمَكْتُوبَ. وَإِنْ تَرَكَ فُرْجَةً فِي السَّطْرِ الْأَخِيرِ كَتَبَ فِيهَا حَسْبِي اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، مُسْتَحْضِرًا لِذِكْرِ اللَّهِ نَاوِيًا لَهُ، أَوْ يَأْمُرُ أَوَّلَ شَاهِدٍ يَضَعُ خَطَّهُ فِي الْمَكْتُوبِ، أَنْ يَكْتُبَ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ، وَإِنْ كَتَبَ فِي وَرَقَةٍ ذَاتِ أَوْصَالٍ كَتَبَ عَلَامَتَهُ عَلَى كُلِّ وَصْلٍ، وَكَتَبَ عَدَدَ الْأَوْصَالِ فِي آخِرِ الْمَكْتُوبِ، وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ عَدَدَ أَسْطُرِ الْمَكْتُوبِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَكْتُوبِ نُسَخٌ ذَكَرَهَا وَذَكَرَ عِدَّتَهَا وَأَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ، وَهَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ سَهْلٍ وَابْنُ الْهِنْدِيِّ وَغَيْرُهُمَا. [فَصْلٌ حَضَرَ عِنْدَ الْمُوَثِّقِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا زَوْجَانِ] وَإِذَا حَضَرَ عِنْدَ الْمُوَثِّقِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا زَوْجَانِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، وَأَنَّ الْمَكْتُوبَ الَّذِي بَيْنَهُمَا عُدِمَ وَيَقْصِدَانِ تَجْدِيدَ كِتَابِ الصَّدَاقِ، فَإِنْ كَانَا غَرِيبِينَ طَارِئَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا، وَإِنْ رَأَى رِيبَةً تَرَكَهُمَا، وَإِنْ كَانَ قُدُومُهُمَا مَعَ رِفْقَةٍ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ فَلْيَكْشِفْ أَمَرَهُمَا مِنْ الرِّفْقَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِانْفِرَادٍ وَيَمْتَحِنَهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا

стр. 285

يُزِيلُ عَنْهُ الرِّيبَةُ، فَإِنْ زَالَتْ الرِّيبَةُ وَإِلَّا دَفَعَهُمَا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَا بَلَدَيْنِ فَلَا يَكْتُبُ لَهُمَا حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ. [فَصْلٌ حَضَرَ رَجُلٌ وَزَوْجَتُهُ وَطَلَبَ أَنْ يَكْتُبَ أَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ الصَّدَاقِ] وَإِنْ حَضَرَ رَجُلٌ وَزَوْجَتُهُ وَطَلَبَ الزَّوْجُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ الصَّدَاقِ، أَوْ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَكْتُبْ لَهُمَا حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّهَا غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا بِأَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ، وَإِنْ كَانَا غَرِيبَيْنِ لَمْ يَكْتُبْ لَهُمَا. [فَصْلٌ حَضَرَتْ امْرَأَةٌ وَأَرَادَتْ أَنْ يَكْتُبَ لَهَا هِبَةَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا] وَإِذَا حَضَرَتْ امْرَأَةٌ وَأَرَادَتْ أَنْ يَكْتُبَ لَهَا هِبَةَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا، فَإِنْ كَانَ أَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ وَلَهَا زَوْجٌ لَمْ يَكْتُبْ لَهَا ذَلِكَ لِحَقِّ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَالَهَا سَأَلَ عَنْ حَالِهَا وَهَلْ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَا. [فَصْلٌ عَقْدُ الِاسْتِحْلَالِ] وَإِذَا كَتَبَ عَقْدَ اسْتِحْلَالٍ فَإِنْ كَانَ عَاقِدُ النِّكَاحِ مَالِكِيَّ الْمَذْهَبِ فَلَا يَكْتُبْ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَهُ أَنْ يَكْتُبَهُ إنْ كَانَ الْعَاقِدُ حَنَفِيًّا أَوْ شَافِعِيًّا. [فَصْلٌ حَضَرَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ وَذَكَرَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَأَنَّهُ يَقْصِدُ طَلَاقَهَا] وَإِذَا حَضَرَ رَجُلٌ بِمُفْرَدِهِ أَوْ مَعَ امْرَأَةٍ وَذَكَرَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَأَنَّهُ يَقْصِدُ طَلَاقَهَا وَلَيْسَ مَعَهَا كِتَابُ نِكَاحٍ يَدُلُّ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَأَرَادَ كِتَابَةَ الطَّلَاقِ فِي وَرَقَةٍ مُجَرَّدَةٍ فَلْيَتَحَرَّزْ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَجْعَلُ ذَلِكَ صُورَةً وَلَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ، بَلْ يُرِيدُ بِكِتَابَةِ الطَّلَاقِ حَتَّى يُحْضِرَ عِنْدَ شُهُودٍ وَيُرَاجِعَهَا، وَتَكُونَ وَرَقَةُ الطَّلَاقِ تَدْرَأُ عَنْهُ التُّهْمَةَ، فَيَنْبَغِي التَّحَرُّزُ فِي ذَلِكَ. [فَصْلٌ مَا يَنْبَغِي لِلْمُوَثِّقِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّاهِدِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ اسْمِهِ وَعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمُوَثِّقِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَقَدْ يَحْضُرُ إلَى الْمُوَثِّقِ رَجُلٌ يَدَّعِي أَنَّ اسْمَهُ كَذَا، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ مَسْطُورًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِفُلَانٍ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ قَدْ تَسَمَّى بِاسْمِ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانٍ يُخْرِجُ الْمَكْتُوبَ وَيَدَّعِي بِهِ عَلَى صَاحِبِ الِاسْمِ، وَلَعَلَّ الْمُكَاتَبَ قَدْ نَسِيَهُ أَوْ مَاتَ وَمَاتَتْ الشُّهُودُ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالْخَطِّ، فَيُحْكَمُ عَلَى ذَلِكَ الْمُدَّعِي بِاسْمِهِ وَهُوَ بَرِيءٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ إلَّا لِمَنْ عَرَفَ اسْمَهُ وَعَيْنَهُ مَعْرِفَةً تَامَّةً. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ كِتَابٍ مِنْ مُبَايَعَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ تَمْلِيكٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ صَدَاقٍ أَوْ طَلَاقٍ، لَا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الشَّخْصِ أَنَا فُلَانٌ وَلَا بِالْحِلْيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الْحِلْيَةَ تَتَغَيَّرُ وَالنَّاسُ يَتَشَابَهُونَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ ذَكِيًّا فَطِنًا عَارِفًا، لِئَلَّا يَدْخُلَ الضَّرَرُ عَلَى النَّاسِ بِجَهْلِهِ بِالصِّنَاعَةِ.
следующие страницы →