← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فَصْلٌ: وَإِذَا طُلِبَ مِنْكَ ذِكْرُ مُعَايَنَةِ قَبْضِ الثَّمَنِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَأَلْزِمْهُمْ بِإِحْضَارِ الثَّمَنِ وَوَزْنِهِ وَنَقْدِهِ وَتَسْلِيمِهِ، حَتَّى يَكُونَ مُوَافِقًا لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، فَإِذَا صَحَّ لَكَ ذَلِكَ قُلْت لِلْبَائِعِ وَقَدْ قُرِئَ عَلَيْكَ هَذَا الْكِتَابُ وَوَافَقْت عَلَى مَا فِيهِ وَأَشْهَدَ عَلَيْكَ بِجَمِيعِ مَا فِيهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُتَيَقِّظًا يَفْهَمُ مَا كُتِبَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا تَشْهَدْ عَلَيْهِ حَتَّى تُفْهِمَهُ مَقَاصِدَ الْكِتَابِ، ثُمَّ تَقُولَ لِلْمُشْتَرِي مِثْلَ ذَلِكَ، وَتَشْهَدَ عَلَى إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ تَسَلَّمَ مَا اشْتَرَى، وَإِنْ اُسْتُثْنِيَ شَيْءٌ مِنْ الْمَبِيعِ أَوْ اُشْتُرِطَ عَلَيْهِ عَيْبٌ نَبَّهْتَهُ عَلَى ذَلِكَ. فَصْلٌ: وَإِذَا أُثْبِتَتْ بِكِتَابِ إجَارَةٍ فَتَسْأَلُهُ هَلْ هُوَ وَقْفٌ أَوْ طَلْقٌ فَقَدْ يُكْتَبُ فِي مُدَّةِ إجَارَةِ الْوَقْفِ أَكْثَرُ مِمَّا يَجُوزُ. [فَصْلٌ دُعِيَتْ إلَى الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّعْرِيفِ] فَصْلٌ: وَإِذَا دُعِيَتْ إلَى الشَّهَادَةِ فِي النِّكَاحِ وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّعْرِيفِ وَحَصَلَتْ لَك رِيبَةٌ تُرِيدُ زَوَالَهَا، فَاسْأَلْ الْوَلِيَّ عَنْ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَمَا هُوَ مِنْ الزَّوْجَةِ وَمَا اسْمُهَا وَنَسَبُهَا، وَتَنْظُرُ النَّسَبَ بَيْنَهُمَا فِي الْكِتَابِ، وَلَا تَضَعَ شَهَادَتَكَ بِأَنَّهُ وَلِيٌّ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ عِنْدَكَ. [فَصْلٌ تَجَنَّبْ أَنْ تَشْهَدَ بِمَوْتِ غَائِبٍ بِتَعْرِيفِ مَنْ عَرَّفَكَ] َ، فَقَدْ يَكُونُ بَلَغَهُ ذَلِكَ بَلَاغًا غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِهِ، فَتَشْهَدُ بِمَوْتِهِ ثُمَّ يَقْدَمُ فَتَكُونُ فَضِيحَةٌ وَتَجَنَّبْ أَنْ تُعَرِّفَ بِصِحَّةِ مَا عَرَّفَكَ بِهِ الْعَوَامُّ وَمَنْ لَا يَضْبِطُ مَا يَقُولُ. فَصْلٌ: إذَا سُئِلَتْ عَمَّا لَا تَذْكُرُهُ فَقُلْ مَا أَذْكُرُهُ، وَلَا تَقُلْ مَا كَانَ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ قَدْ تَذْكُرُ فَتَقُولُ قَدْ ذَكَرْته، وَلَوْ قُلْت مَا كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرْتَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ قَدْ تَذْكُرُ فَتَقُولُ قَدْ ذَكَرْته، وَلَوْ قُلْت مَا كَانَ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرْته وَشَهِدْت بِهِ كُنْت قَدْ خَالَفْت مَا قُلْته أَوَّلًا، وَإِنْ أَمْسَكَتْ عَنْ الشَّهَادَةِ كُنْت مَأْثُومًا، فَاضْبِطْ هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. فَصْلٌ: تَجَنَّبْ الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ لَمْ تَصِحَّ عَدَالَتُهُ، فَرُبَّمَا جُعِلَتْ شَهَادَتُكَ عَلَى شَهَادَتِهِ تَعْدِيلًا مِنْكَ لَهُ.

стр. 282

[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ كَاتِبِ الْوَثَائِق] وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ مِنْ الْأَوْصَافِ مَا نَذْكُرُهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الْكِتَابَةِ، قَلِيلَ اللَّحْنِ، عَالِمًا بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، عَارِفًا بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْحِسَابِ وَالْقِسَمِ الشَّرْعِيَّةِ، مُتَحَلِّيًا بِالْأَمَانَةِ، سَالِكًا طُرُقَ الدِّيَانَةِ وَالْعَدَالَةِ، دَاخِلًا فِي سِلْكِ الْفُضَلَاءِ، مَاشِيًا عَلَى نَهْجِ الْعُلَمَاءِ الْأَجِلَّاءِ، فَهِيَ صِنَاعَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ وَبِضَاعَةٌ عَالِيَةٌ مُنِيفَةٌ، تَحْتَوِي عَلَى ضَبْطِ أُمُورِ النَّاسِ عَلَى الْقَوَانِينِ الشَّرْعِيَّةِ، وَحِفْظِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَمُجَالَسَةِ الْمَمْلُوكِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أُمُورِهِمْ وَعِيَالِهِمْ، وَبِغَيْرِ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَا يَنَالُ أَحَدٌ ذَلِكَ وَلَا يَسْلُكُ هَذِهِ الْمَسَالِكَ. وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَصَّبَ لِكِتَابَةِ الْوَثَائِقِ إلَّا الْعُلَمَاءُ الْعُدُولُ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ لَا يَكْتُبُ الْكُتُبَ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا عَارِفٌ بِهَا عَدْلٌ فِي نَفْسِهِ مَأْمُونٌ عَلَى مَا يَكْتُبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَأَمَّا مَنْ لَا يُحْسِنُ وُجُوهَ الْكِتَابَةِ وَلَا يَقِفُ عَلَى فِقْهِ الْوَثِيقَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ الِانْتِصَابِ لِذَلِكَ، لِئَلَّا يُفْسِدَ عَلَى النَّاسِ كَثِيرًا مِنْ مُعَامَلَاتِهِمْ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُوهِ الْكِتَابَةِ إلَّا أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ فَلَا يَنْبَغِي تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضَعُ اسْمَهُ بِشَهَادَةٍ فِيمَا يَكْتُبُ، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُعَلِّمُ النَّاسَ وُجُوهَ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، وَيُلْهِمُهُمْ تَحْرِيفَ الْمَسَائِلِ لِتَوْجِيهِ الْإِشْهَادِ، فَكَثِيرًا مَا يَأْتِي النَّاسُ الْيَوْمَ يَسْتَفْتُونَ فِي نَوَازِلَ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ وَالْمُشَارَكَةِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَنْكِحَةِ الْمَفْسُوخَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ، فَإِذَا صَرَفَهُمْ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الدِّيَانَةِ أَتَوْا إلَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ، فَحَرَّفُوا أَلْفَاظَهَا، وَتَحَيَّلُوا لَهَا بِالْعِبَارَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى صَرِيحِ الْفَسَادِ، وَأَضَلُّوا. وَتَمَالَأَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ عَلَى التَّهَاوُنِ بِحُدُودِ الْإِسْلَامِ وَالتَّلَاعُبِ فِي طَرِيقِ الْحَرَامِ، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] . [فَصْلٌ رَأَى السُّلْطَانُ قَصْرَ الْوَثَائِقِ عَلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ] قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَإِذَا رَأَى السُّلْطَانُ مِنْ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ قَصْرَ الْوَثَائِقِ عَلَى إنْسَانٍ بِعَيْنِهِ أَوْ اثْنَيْنِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ الرَّجُلُ يُوثَقُ بِهِ فِي

стр. 283

دِينِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَنَظَرِهِ فِي الْوَثَائِقِ، وَلِنُفُوذِهِ فِي مُشْكِلِ النَّوَازِلِ، وَلِقُصُورِ غَيْرِهِ عَنْ إدْرَاكِ تِلْكَ الْحَقَائِقِ فَذَلِكَ سَائِغٌ حَسَنٌ، بِشَرْطِ كَوْنِهِ نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ لَا قَصْدًا لِلْمَنْفَعَةِ لِذَلِكَ الرَّجُلِ وَتَكْثِيرِهَا لَهُ بِمَا يَنَالُ مِنْ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُوَثِّقِ نَفْسِهِ أَنْ يَسْأَلَ مِنْ السُّلْطَانِ قَصْرَ الْوَثَائِقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِمَعْرِفَتِهَا إذَا قَصَدَ الِاسْتِكْثَارَ مِنْ الْفَائِدَةِ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَرَغِبَ فِيهِ فَهِيَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ وَقَدْحٌ فِي عَدَالَتِهِ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: لَا كَثَّرَ اللَّهُ أَمْثَالَ هَذَا الْفَقِيهِ إذْ طَلَبَ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ، وَمَنْ طَلَبُ ذَلِكَ فَإِمَامَتُهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَشَهَادَتُهُ سَاقِطَةٌ أَمَّا إنْ فَعَلَ ذَلِكَ احْتِسَابًا، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. [فَصْلٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَثِّقِ] وَفِي (الْعَالِي الرُّتْبَةِ فِي أَحْكَامِ الْحِسْبَةِ) لِأَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ النَّحْوِيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعِيِّ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُوَثِّقِ مِمَّا لَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ قَالَ: وَإِذَا كَتَبَ الْمُوَثِّقُ كِتَابًا بَدَأَ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ بِذِكْرِ لَقَبِ الْمُقِرِّ وَاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَجِدِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذِكْرَ الْجَدِّ اسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ. ثُمَّ يَذْكُرُ قَبِيلَتَهُ وَصِنَاعَتَهُ وَمَسْكَنَهُ، وَيُحَلِّيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، وَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا كَتَبَ: وَشُهُودُ هَذَا الْكِتَابِ بِهِ عَارِفُونَ وَلَهُ مُحَقِّقُونَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي اسْمِ الْمُقَرِّ لَهُ، ثُمَّ يُؤَرِّخُ مَكْتُوبَهُ بِالْيَوْمِ وَالشَّهْرِ وَالسَّنَةِ، وَعِنْدَنَا أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّارِيخُ بِالسَّاعَاتِ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ ذَكَرْتهَا فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِرْعَاءِ، قَالَ فَإِذَا فَرَغَ الْكَاتِبُ مِنْ ذِكْرِ كِتَابَتِهِ اسْتَوْعَبَهُ وَقَرَأَهُ وَتَمَيَّزَ أَلْفَاظَهُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُمَيِّزَ فِي خَطِّهِ بَيْنَ السَّبْعَةِ وَالتِّسْعَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ كَتَبَ بَعْدَهَا وَاحِدَةً، وَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ نِصْفَهَا فَإِنْ كَانَتْ أَلْفًا كَتَبَ وَاحِدَةً وَذَكَرَ نِصْفَهَا رَفْعًا لِلَّبْسِ، وَإِنْ كَانَتْ خَمْسَةَ آلَافٍ زَادَ فِيهَا لَامًا

стр. 284

فَصَيَّرَهَا آلَافًا لِئَلَّا تُصَلَّحَ الْخَمْسَةُ فَتَصِيرُ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَيَحْتَرِزُ بِذِكْرِ التَّصْنِيفِ مِمَّا تُمْكِنُ الزِّيَادَةُ فِيهِ كَالْخَمْسَةَ عَشَرَ تَصِيرُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ، وَالسَّبْعِينَ تِسْعِينَ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْكَاتِبُ النِّصْفَ مِنْ الْمَبْلَغِ، فَيَنْبَغِي لِلشُّهُودِ أَنْ يَذْكُرُوا الْمَبْلَغَ فِي شَهَادَتِهِمْ لِئَلَّا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ الشَّكُّ لَوْ طَرَأَ فِي الْكِتَابِ تَغْيِيرٌ وَتَبْدِيلٌ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْكِتَابِ إصْلَاحٌ أَوْ إلْحَاقٌ نَبَّهَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَحَلِّهِ فِي الْكِتَابِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْمِلَ أَسْطُرَ الْمَكْتُوبِ جَمِيعِهَا لِئَلَّا يُلْحَقَ فِي آخِرِ السَّطْرِ مَا يُفْسِدُ بَعْضَ أَحْكَامِ الْمَكْتُوبِ أَوْ يُفْسِدُهُ كُلُّهُ. فَلَوْ كَانَ آخِرُ سَطْرٍ مَثَلًا وَجَعَلَ النَّظَرَ فِي الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ، وَفِي أَوَّلِ السَّطْرِ الَّذِي يَلِيهِ لِزَيْدٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ السَّطْرِ فُرْجَةٌ أَمْكَنَ أَنْ يَلْحَقَ فِيهَا لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِزَيْدٍ، فَيَبْطُلُ الْوَقْفُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنْ اُتُّفِقَ أَنَّهُ بَقِيَ فِي آخِرِ السَّطْرِ فُرْجَةٌ لَا تَسَعُ الْكَلِمَةَ الَّتِي يُرِيدُ كِتَابَتَهَا لِطُولِهَا وَكَثْرَةِ حُرُوفِهَا، فَإِنَّهُ يَسُدُّ تِلْكَ الْفُرْجَةَ بِتَكْرَارِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي وَقَفَ عَلَيْهَا أَوْ كَتَبَ فِيهَا صَحَّ، أَوْ صَادًا مَمْدُودَةً، أَوْ دَائِرَةً مَفْتُوحَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُشْغِلُ بِهِ تِلْكَ الْفُرْجَةَ، وَلَا يُمْكِنُ إصْلَاحُهَا بِمَا يُخَالِفُ الْمَكْتُوبَ. وَإِنْ تَرَكَ فُرْجَةً فِي السَّطْرِ الْأَخِيرِ كَتَبَ فِيهَا حَسْبِي اللَّهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، مُسْتَحْضِرًا لِذِكْرِ اللَّهِ نَاوِيًا لَهُ، أَوْ يَأْمُرُ أَوَّلَ شَاهِدٍ يَضَعُ خَطَّهُ فِي الْمَكْتُوبِ، أَنْ يَكْتُبَ فِي تِلْكَ الْفُرْجَةِ، وَإِنْ كَتَبَ فِي وَرَقَةٍ ذَاتِ أَوْصَالٍ كَتَبَ عَلَامَتَهُ عَلَى كُلِّ وَصْلٍ، وَكَتَبَ عَدَدَ الْأَوْصَالِ فِي آخِرِ الْمَكْتُوبِ، وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ عَدَدَ أَسْطُرِ الْمَكْتُوبِ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَكْتُوبِ نُسَخٌ ذَكَرَهَا وَذَكَرَ عِدَّتَهَا وَأَنَّهَا مُتَّفِقَةٌ، وَهَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ سَهْلٍ وَابْنُ الْهِنْدِيِّ وَغَيْرُهُمَا. [فَصْلٌ حَضَرَ عِنْدَ الْمُوَثِّقِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا زَوْجَانِ] وَإِذَا حَضَرَ عِنْدَ الْمُوَثِّقِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ وَادَّعَيَا أَنَّهُمَا زَوْجَانِ بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، وَأَنَّ الْمَكْتُوبَ الَّذِي بَيْنَهُمَا عُدِمَ وَيَقْصِدَانِ تَجْدِيدَ كِتَابِ الصَّدَاقِ، فَإِنْ كَانَا غَرِيبِينَ طَارِئَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا، وَإِنْ رَأَى رِيبَةً تَرَكَهُمَا، وَإِنْ كَانَ قُدُومُهُمَا مَعَ رِفْقَةٍ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ فَلْيَكْشِفْ أَمَرَهُمَا مِنْ الرِّفْقَةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ بِانْفِرَادٍ وَيَمْتَحِنَهُمَا فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا

стр. 285

يُزِيلُ عَنْهُ الرِّيبَةُ، فَإِنْ زَالَتْ الرِّيبَةُ وَإِلَّا دَفَعَهُمَا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَا بَلَدَيْنِ فَلَا يَكْتُبُ لَهُمَا حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ. [فَصْلٌ حَضَرَ رَجُلٌ وَزَوْجَتُهُ وَطَلَبَ أَنْ يَكْتُبَ أَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ الصَّدَاقِ] وَإِنْ حَضَرَ رَجُلٌ وَزَوْجَتُهُ وَطَلَبَ الزَّوْجُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنَّهَا أَبْرَأَتْهُ مِنْ الصَّدَاقِ، أَوْ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَكْتُبْ لَهُمَا حَتَّى يَصِحَّ عِنْدَهُ أَنَّهَا غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا بِأَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ، وَإِنْ كَانَا غَرِيبَيْنِ لَمْ يَكْتُبْ لَهُمَا. [فَصْلٌ حَضَرَتْ امْرَأَةٌ وَأَرَادَتْ أَنْ يَكْتُبَ لَهَا هِبَةَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا] وَإِذَا حَضَرَتْ امْرَأَةٌ وَأَرَادَتْ أَنْ يَكْتُبَ لَهَا هِبَةَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا، فَإِنْ كَانَ أَزْيَدَ مِنْ الثُّلُثِ وَلَهَا زَوْجٌ لَمْ يَكْتُبْ لَهَا ذَلِكَ لِحَقِّ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَالَهَا سَأَلَ عَنْ حَالِهَا وَهَلْ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَا. [فَصْلٌ عَقْدُ الِاسْتِحْلَالِ] وَإِذَا كَتَبَ عَقْدَ اسْتِحْلَالٍ فَإِنْ كَانَ عَاقِدُ النِّكَاحِ مَالِكِيَّ الْمَذْهَبِ فَلَا يَكْتُبْ ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَهُ أَنْ يَكْتُبَهُ إنْ كَانَ الْعَاقِدُ حَنَفِيًّا أَوْ شَافِعِيًّا. [فَصْلٌ حَضَرَ رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ وَذَكَرَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَأَنَّهُ يَقْصِدُ طَلَاقَهَا] وَإِذَا حَضَرَ رَجُلٌ بِمُفْرَدِهِ أَوْ مَعَ امْرَأَةٍ وَذَكَرَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، وَأَنَّهُ يَقْصِدُ طَلَاقَهَا وَلَيْسَ مَعَهَا كِتَابُ نِكَاحٍ يَدُلُّ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ، وَأَرَادَ كِتَابَةَ الطَّلَاقِ فِي وَرَقَةٍ مُجَرَّدَةٍ فَلْيَتَحَرَّزْ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَجْعَلُ ذَلِكَ صُورَةً وَلَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ، بَلْ يُرِيدُ بِكِتَابَةِ الطَّلَاقِ حَتَّى يُحْضِرَ عِنْدَ شُهُودٍ وَيُرَاجِعَهَا، وَتَكُونَ وَرَقَةُ الطَّلَاقِ تَدْرَأُ عَنْهُ التُّهْمَةَ، فَيَنْبَغِي التَّحَرُّزُ فِي ذَلِكَ. [فَصْلٌ مَا يَنْبَغِي لِلْمُوَثِّقِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّاهِدِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ اسْمِهِ وَعَيْنِهِ وَنَسَبِهِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلْمُوَثِّقِ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَقَدْ يَحْضُرُ إلَى الْمُوَثِّقِ رَجُلٌ يَدَّعِي أَنَّ اسْمَهُ كَذَا، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ مَسْطُورًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِفُلَانٍ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ قَدْ تَسَمَّى بِاسْمِ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانٍ يُخْرِجُ الْمَكْتُوبَ وَيَدَّعِي بِهِ عَلَى صَاحِبِ الِاسْمِ، وَلَعَلَّ الْمُكَاتَبَ قَدْ نَسِيَهُ أَوْ مَاتَ وَمَاتَتْ الشُّهُودُ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالْخَطِّ، فَيُحْكَمُ عَلَى ذَلِكَ الْمُدَّعِي بِاسْمِهِ وَهُوَ بَرِيءٌ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ إلَّا لِمَنْ عَرَفَ اسْمَهُ وَعَيْنَهُ مَعْرِفَةً تَامَّةً. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي كُلِّ كِتَابٍ مِنْ مُبَايَعَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ تَمْلِيكٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ صَدَاقٍ أَوْ طَلَاقٍ، لَا يُكْتَفَى بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الشَّخْصِ أَنَا فُلَانٌ وَلَا بِالْحِلْيَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ الْحِلْيَةَ تَتَغَيَّرُ وَالنَّاسُ يَتَشَابَهُونَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكَاتِبُ ذَكِيًّا فَطِنًا عَارِفًا، لِئَلَّا يَدْخُلَ الضَّرَرُ عَلَى النَّاسِ بِجَهْلِهِ بِالصِّنَاعَةِ.

стр. 286

فَصْلٌ وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يَكْتُبَ لِأَحَدٍ مُبَايَعَةً إلَّا بَعْدَ أَنْ يُحْضِرَ كُتُبَهَا، فَإِنْ شَهِدَتْ بِصِحَّةِ مَا يَطْلُبُ كِتَابَتَهُ بِانْتِقَالِهَا إلَيْهِ بِشِرَاءٍ أَوْ مِيرَاثٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَتَبَ، وَكَذَلِكَ كُتُبُ الْإِجَارَةِ، وَمَتَى لَمْ يُحْضِرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَكْتُبْ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا مَعْرُوفًا مَشْهُورًا بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، وَادَّعَى أَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُهُ، وَإِنَّ كُتُبَهُ ضَاعَتْ فَلْيَحْتَرِزْ فَإِنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ، فَقَدْ يَبِيعُ الْإِنْسَانُ مِلْكَ غَيْرِهِ وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَيَتَسَمَّى بِاسْمِ صَاحِبِ الْمِلْكِ وَيُؤَخِّرُ الْمُشْتَرِيَ بِالْقِيَامِ بِالشِّرَاءِ، حَتَّى يَطُولَ الزَّمَانُ قَلِيلًا، أَوْ يَمُوتَ صَاحِبُ الْمِلْكِ، فَيَدَّعِي عَلَى وَرَثَتِهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الضَّرَرِ. فَيَنْبَغِي إذَا ادَّعَى ضَيَاعَ الْكُتُبِ أَنْ يُحْضِرَ جَمَاعَةً يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْمِلْكِ وَلَوْ عَمِلَ بِذَلِكَ مَحْضَرًا وَشَهِدَ بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَأَثْبَتَ عَلَى الْحَاكِمِ كَانَ أَجْوَدَ، وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ بِيعَتْ أَمْلَاكُ النَّاسِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ. [فَصْلٌ كَاتِبُ الْوَثَائِقِ إذَا كَتَبَ الْمُبَايَعَةَ] وَإِذَا كَتَبَ الْمُبَايَعَةَ فَلْيُحَدِّدْ الْمَكَانَ، وَلْيَذْكُرْ الْجُدْرَانَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ وَالْمُشْتَرَكَةَ، وَطُرُقَهُ وَمَدْخَلَهُ وَيَذْكُرْ مَحَلَّهُ مِنْ الْبَلَدِ، وَيَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ إذَا سَافَرَ إلَى جِهَةٍ لَا يَعْرِفُ اصْطِلَاحَ أَهْلِهَا أَنْ لَا يَتَصَدَّى لِلْكِتَابَةِ بَيْنَ أَهْلِهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ سُنَّتَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ وَنَقُودَهُمْ وَمِكْيَالَهُمْ، وَأَسْمَاءَ الْأَصْقَاعِ وَالطُّرُقِ وَالشَّوَارِعِ، فَبِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ يَتِمُّ لَهُ الْأَمْرُ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ اسْمَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] . [فَصْلٌ فِي أُجْرَةِ الْكَاتِبِ] وَفِي التَّنْبِيهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى كَتْبِ الْوَثَائِقِ، فَأَجَازَ ذَلِكَ قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ، وَيَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ؛ وَلِأَنَّ مَنْ اُسْتُبِيحَ عَمَلُهُ وَكَذَا خَاطِرُهُ، كُلَّمَا احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ إنْسَانٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَضُرُّ بِهِ وَيَسْتَغْرِقُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا غَايَةُ الضَّرَرِ، وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْأَخْذِ عَلَى الْكِتَابَةِ فَالْأَوْلَى لِمَنْ قَدَرَ وَاسْتَغْنَى التَّنَزُّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَاحْتِسَابُ عَمَلِهِ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَخْذِ الْأُجْرَةِ، فَنَقُولُ: وَجْهُ الْإِجَارَةِ أَنْ تُسَمَّى الْأُجْرَةُ وَيُعَيَّنُ الْعَمَلُ، فَإِنْ وَافَقَ

стр. 287

الْكَاتِبُ الْمَكْتُوبَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَجَاءَ الْكِتَابُ عَلَى مَا اتَّفَقَ مَعَهُ عَلَيْهِ فَهِيَ إجَارَةٌ صَحِيحَةٌ. وَتَجُوزُ بِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، مَا لَمْ يَكُنْ الْمَكْتُوبُ لَهُ مُضْطَرًّا إلَى الْكَاتِبِ، إمَّا لِكَوْنِ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ وَإِمَّا لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ بِذَلِكَ، فَالْأَوْلَى حِينَئِذٍ الْمُسَامَحَةُ، وَلَا يَرْفَعُ عَلَى النَّاسِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ لِمَا عَلِمَ مِنْ ضَرُورَتِهِمْ إلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَهِيَ جُرْحَةٌ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ، أَمَّا إنْ لَمْ يُوَافِقْ الْكَاتِبُ الْمَكْتُوبَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ فَهَاهُنَا نَظَرٌ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَالِبُ كِتَابَاتِ النَّاسِ الْيَوْمَ، لِأَنَّ الْمُوَثِّقِينَ يَتَعَفَّفُونَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْحَيَاءِ وَالْمُرُوءَةِ، وَلِئَلَّا يَتَنَزَّلُوا مَنْزِلَةَ أَهْلِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ فِي الْمُكَايَسَةِ وَالْمُشَاحَّةِ، وَهَذَا غَرَضٌ حَسَنٌ وَمَذْهَبٌ جَمِيلٌ، إنْ كَانَ فَاعِلُ ذَلِكَ يَقْنَعُ بِمَا أُعْطِيَ عَلَى عَمَلِهِ بَعْدَ إكْمَالِهِ، وَلَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مِنْ الْمُشَاحَّةِ حِينَئِذٍ مَا هُوَ أَقْبَحُ حَالًا مِمَّا لَوْ ابْتَدَأَ الْمُشَارَطَةَ، وَهَذَا النَّوْعُ لَا يُسَمَّى إجَارَةً حَقِيقِيَّةً؛ لِأَنَّ مَا يُعَاوَضُ بِهِ مَجْهُولٌ عِنْدَ الْكَاتِبِ؛ لِأَنَّ عَطَاءَ النَّاسِ مُخْتَلِفٌ بِحَسَبِ أَقْدَارِهِمْ وَمَبْلَغِ مُرُوآتِهِمْ. وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْكَاتِبِ عَلَى سَبِيلِ الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا الْمُعَاوَضَةَ عَلَى عَمَلِهِ، وَأَنْ يُثَابَ عَلَى ذَلِكَ فَعَمَلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى طَلَبِ الثَّوَابِ مِنْ الْمَكْتُوبِ لَهُ بِحَسَبِ مَا أَدَّتْهُ مُرُوءَتُهُ إلَيْهِ عَلَى طَرِيقِ الْمُكَارَمَةِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْمُكَايَسَةِ وَالْمُشَاحَّةِ، وَذَلِكَ أَصْلُ هِبَةِ الثَّوَابِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَكْتُوبُ لَهُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ أَكْثَرَ لَزِمَهُ قَبُولُ ذَلِكَ. وَإِنْ أَعْطَاهُ أَقَلَّ فَالْكَاتِبُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَبُولِ أَوْ اسْتِرْجَاعِ مَا عَمِلَهُ، كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ حَقٌّ لِلْمَكْتُوبِ لَهُ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ اسْتِرْجَاعُ الْكِتَابِ؛ لِكَوْنِهِ تَضَمَّنَ شَهَادَةَ الشُّهُودِ أَوْ ثَبَتَ فِيهِ حَقٌّ فَيَكُونُ ذَلِكَ فَوْتًا، وَيُجْبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ كَمَا يُفْعَلُ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ. قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ: وَعَلَى مِثْلِ هَذَا يَجْرِي الْأَمْرُ عِنْدِي فِي كُلِّ مَنْ تَبَرَّعَ مِنْ الْأُجَرَاءِ وَالصُّنَّاعِ بِعَمَلِهِ مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةٍ عَلَيْهِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَيُحْمَلُ مَحْمَلَ هِبَةِ الثَّوَابِ، وَإِلَّا بَطَلَ وَفَسَدَ. انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنَاصِفِ مِنْ اسْتِرْجَاعِ الْكِتَابِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْكَاتِبُ وَاحِدًا قَدْ قَصُرَتْ الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ فَالْمَكْتُوبُ لَهُ لَا يَجِدُ

стр. 288

مِنْ الْكَاتِبِ عِوَضًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا حَكَاهُ فِي فَوْتِ الْكِتَابِ بِثُبُوتِ حَقٍّ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَصْلٌ فِي النُّعُوت] ، وَإِذَا احْتَاجَ الْكَاتِبُ إلَى ذِكْرِ نُعُوتِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ مِنْ صِفَاتِهِ أَشْهَرَهَا كَالصَّمَمِ وَالْعَمَى وَالْعَرَجِ، وَالْبَيَاضِ أَعْنِي الْبَرَصَ، وَآثَارَ الْجُدَرِيِّ وَالنَّمَشِ، فَتَقُولُ فِي وَجْهِهِ آثَارُ جُدَرِيٍّ أَوْ نَمَشٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خَالٌّ ذَكَرَهُ وَذَكَرَ مَوْضِعَهُ، وَيَذْكُرُ قَطْعَ الْأَنَامِلِ أَوْ عُضْوًا مِمَّا هُوَ مَشْهُورٌ ظَاهِرٌ فِي الْوَجْهِ أَوْ الْجَسَدِ، وَيَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَصِنَاعَتَهُ وَقَبِيلَتَهُ وَتَحَلِّيهِ حِلْيَةً جَيِّدَةً لَا تُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ الْمَنْعُوتُ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ فَهُوَ أَفْوَهُ وَالْمَرْأَةُ فَوْهَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْفَمُ غَائِرًا فَهُوَ أَفْقَمُ وَالْمَرْأَةُ فَقْمَاءُ، وَإِنْ كَانَ الْأَنْفُ طَوِيلًا مَعَ نُتُوءٍ فِي وَسَطِهِ فَهُوَ أَقْنَى وَالْمَرْأَةُ قَنْوَاءُ، وَإِنْ كَانَ طَرْفُهُ عَرِيضًا فَهُوَ أَفْطَسُ وَالْمَرْأَةُ فَطْسَاءُ. وَإِنْ كَانَ قَائِمًا مُنْتَصِبًا مُعْتَدِلًا فَهُوَ أَشَمُّ وَالْمَرْأَةُ شَمَّاءُ،، وَإِنْ كَانَ قَصِيرًا بَيْنَ الشَّمَمِ وَالْفَطْسِ فَهُوَ أَخْنَسُ وَالْمَرْأَةُ خَنْسَاءُ، وَيُقَالُ فِي قَصِيرَةِ الْأَنْفِ خَلْفَاءُ، وَإِذَا كَانَ الْخَدُّ مُسْتَطِيلًا فَهُوَ أَسِيلٌ وَالْمَرْأَةُ أَسِيلَةُ الْخَدِّ، وَإِذَا كَانَ الْعُنُقُ طَوِيلًا فَهُوَ أَغْيَدُ وَالْمَرْأَةُ غَيْدَاءُ، وَإِذَا كَانَ الْعُنُقُ قَصِيرًا فَهُوَ أَوْقَصُ وَالْمَرْأَةُ وَقْصَاءُ، وَإِذَا كَانَ فِي الْعَيْنَيْنِ غَوْرٌ فَهُوَ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ وَالْمَرْأَةُ غَائِرَةُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِذَا بَرَزَتَا فَهُوَ جَاحِظُ الْعَيْنَيْنِ وَهِيَ جَاحِظَةُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِذَا كَانَ مَوْضِعُ الْكُحْلِ أَسْوَدَ قُلْت: كَحْلَاءُ وَالرَّجُلُ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَإِذَا كَانَتْ خُضْرَةُ عَيْنَيْهِ غَيْرَ مُسْتَحْكِمَةٍ فَهُوَ أَشْهَلُ وَالْمَرْأَةُ شَهْلَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحْكِمَةً فَهِيَ زَرْقَاءُ، وَإِذَا كَانَتْ أَشْفَارُ الْعَيْنِ كَأَنَّهَا مُنْضَمَّةٌ فَهِيَ دَعْجَاءُ، وَإِذَا كَانَتْ فِي الْمُقْلَةِ إشَارَةً إلَى الِانْتِقَالِ فَهِيَ حَوْرَاءُ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْضُ الْمُقْلَةِ فِي الْمَاقِ مِمَّا يَلِي الْأَنْفَ فَالْعَيْنُ حَوْلَاءُ، وَإِذَا كَانَ بَيَاضُ الْعَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ السَّوَادِ فَهِيَ بَرْحَاءُ وَتُسَمَّى حَوْرَاءُ أَيْضًا. وَالنَّجْلَاءُ الْعَيْنِ الْوَاسِعَةُ، وَالدَّعْجَاءُ الَّتِي سَوَادُ عَيْنِهَا أَكْثَرُ مِنْ بَيَاضِهَا. وَالْوَطْفَاءُ الْمُغْمِضَةُ الْعَيْنَيْنِ، وَالسَّحْرَاءُ الْمُحْمَرَّةُ سَوَادِ الْحَدَقَتَيْنِ، وَالدَّوْسَاءُ الضَّيِّقَةُ الْعَيْنَيْنِ، وَالْأَقْلَحُ وَالْقَلْحَاءُ مَنْ كَانَ فِي أَسْنَانِهِ صُفْرَةٌ، وَتَقُولُ

стр. 289

وَاسِعُ الْجَبْهَةِ أَوْ أَصْلَبُ الْجَبْهَةِ إذَا كَانَتْ مُنْبَسِطَةً بِهَا غُضُونٌ، وَتَقُولُ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ أَغَمُّ إذَا نَبَتَ عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَنْزَعُ إذَا كَانَتْ لَهُ نَزْعَتَانِ فِي جَانِبَيْ رَأْسِهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ، وَأَصْلَعُ إذَا انْحَسَرَ شَعْرُ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَأَقْرَعُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِهِ شَعْرٌ وَالْمَرْأَةُ قَرْعَاءُ. وَتَقُولُ فِي الْحَاجِبَيْنِ مَقْرُونٌ إذَا الْتَقَيَا،، وَأَبْلَجُ إذَا انْفَصَلَا. وَتَقُولُ فِي الْأَسْنَانِ أَفَصْمُ لِلْمَكْسُورَةِ نِصْفُهَا عَرْضًا، وَأَثْرَمُ إذَا سَقَطَتْ السِّنُّ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَسْنَانِ فُرْجَةٌ قُلْت مُفَلَّجُ الْأَسْنَانِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا رِقَّةٌ وَتَحَدُّدٌ قُلْت أَشْنَبُ الْأَسْنَانِ، وَالْأُنْثَى شَنْبَاءُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ذُو الرِّمَّةِ بِقَوْلِهِ: وَفِي أَنْيَابِهَا شَنَبٌ. وَإِنْ كَانَتْ الْأَسْنَانُ بَارِزَةً قُلْت بَارِزُ الْأَسْنَانِ، وَإِنْ كَانَتْ أَسْنَانُهُ الْعُلْيَا قَدْ دَخَلَتْ وَالسُّفْلَى قَدْ بَرَزَتْ قُلْت أَفْقَمُ الْأَسْنَانِ، وَالْأُنْثَى فَقْمَاءُ الْأَسْنَانِ، وَإِذَا كَانَ الشَّعْرُ غَيْرَ مُتَجَعِّدٍ وَلَا مُتَكَسِّرٍ فَهُوَ سَبْطُ الشَّعْرِ، وَالْأُنْثَى سَبْطَةُ الشَّعْرِ، وَإِذَا كَانَتْ فِيهِ جُعُودَةٌ قُلْت أَجَعْدُ الشَّعْرِ وَالْأُنْثَى جَعْدَةُ الشَّعْرِ، وَلَا يُقَالُ أَجْعَدُ وَلَا جَعْدَاءُ، وَإِذَا كَانَ يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِنْ حُمْرَةٍ سَمَّى الشَّعْرَ أَصْهَبَ، وَإِذَا كَانَ فِيهِ حُمْرَةٌ إلَى صُفْرَةٍ قُلْت فِي الرَّجُلِ أَشْقَرُ وَالْأُنْثَى شَقْرَاءُ الشَّعْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْوَجْنَتَيْنِ نُتُوءٌ قُلْت فِي الرَّجُلِ نَاتِئُ الْوَجْنَتَيْنِ وَفِي الْمَرْأَةِ وَجْنَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْأُذُنِ صِغَرٌ قِيلَ صَمْعَاءُ،، وَإِنْ كَانَتْ مَقْطُوعَةً قِيلَ مُصَلَّمِ الْأُذُنَيْنِ وَالْأُنْثَى مُصَلَّمَةُ الْأُذُنَيْنِ،، وَإِنْ كَانَ الصَّدْرُ قَدْ نَتَأَ وَبَرَزَ فَهُوَ أَزْوَرُ وَالْمَرْأَةُ زَوْرَاءُ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّدْرِ غَوْرٌ وَفِي الصُّلْبِ انْحِنَاءٌ قُلْت فِي الذَّكَرِ أَحْنَى وَفِي الْأُنْثَى بِهَا حَنَاءٌ أَوْ حَنْوٌ. [فَصْلٌ الْبُدَاءَةُ بِذِكْرِ السِّنِّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ] فَصْلٌ: وَالْبُدَاءَةُ بِذِكْرِ السِّنِّ أَوْلَى، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَنْعُوتِ شَيْبٌ قُلْت فِي الذَّكَرِ أَشْمَطُ وَفِي الْأُنْثَى شَمْطَاءُ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا كَهْلٌ وَيُقَالُ شَيْخٌ لِمَنْ غَلَبَهُ الْبَيَاضُ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْعُوتُ صَغِيرًا قُلْت فِيهِ رَضِيعٌ أَوْ فَطِيمٌ أَوْ صَبِيٌّ، وَالْأُنْثَى صَبِيَّةٌ، وَإِذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ يَتْبَعُهَا صَغِيرٌ أَوْ صَغِيرَةٌ قُلْت مُتَّبِعًا بِصَبِيٍّ صَغِيرٍ أَوْ بِصَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ لَا يَأْخُذُهُمَا نَعْتٌ لِصِغَرِهِمَا.

стр. 290

وَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ قَدْرَ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ قُلْت رُبَاعِيُّ الْقَدْرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ خَمْسَةِ أَشْبَارٍ قُلْت خُمَاسِيُّ الْقَدْرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْرَ سِتَّةِ أَشْبَارٍ قُلْت سُدَاسِيُّ الْقَدْرِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَارَبَ الْبُلُوغَ قُلْت مُرَاهِقٌ فِي سِنِّهِ، وَإِنْ كَانَ مُلْتَحِيًا قُلْت مُلْتَحٍ، وَإِنْ كَانَتْ لِحْيَتُهُ عَرِيضَةً طَوِيلَةً قُلْت مُسْبِلٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً قُلْت كَثُّ اللِّحْيَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي عَارِضِيهِ خِفَّةٌ قُلْت خَفِيفُ الْعَارِضَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عَارِضِيهِ شَيْءٌ قُلْت كَوْسَجٍ، وَإِنْ لَمْ يَطْلُعْ فِي وَجْهِهِ لِحْيَةٌ أَصْلًا قُلْت فِيهِ أَطْلَسُ. [فَصْلٌ فِي اللَّوْن] فَصْلٌ: وَأَمَّا اللَّوْنُ: فَقَالَ فِي الْعَالِي الرُّتْبَةِ فِي أَحْكَامِ الْحِسْبَةِ أَسْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ أَوْ أَحْمَرُ أَوْ أَسْوَدُ. وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ كَانَ أَبْيَضَ قُلْت فِيهِ أَحْمَرُ، وَلَا تَقُلْ أَبْيَضُ؛ لِأَنَّ الْبَيَاضَ هُوَ الْبَرَصُ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ عَنْ أُوَيْسٍ الْقَرَنِيِّ أَنَّهُ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ أَيْ بَرَصٌ فَدَعَا اللَّهُ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إلَّا قَدْرَ الدِّرْهَمِ، قَالَ وَالْعَامَّةُ تَجْعَلُ الْأَحْمَرَ دُونَ الْأَسْوَدِ وَفَوْقَ الْأَصْفَرِ وَهُوَ وَهْمٌ، يَدُلُّ ذَلِكَ «قَوْلُهُ ﵊ لِعَائِشَةَ يَا حُمَيْرَاءُ» وَقَوْلُهُ ﵊ «بُعِثْت إلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ» ، وَأَطَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى ذَلِكَ وَفِيمَا قَالَهُ فِي الْبَيَاضِ نَظَرٌ؛ لِقَوْلِ الْعَبَّاسِ يَمْدَحُ النَّبِيَّ ﷺ : ، وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ... ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وَقَالَ زُهَيْرٌ ، وَأَبْيَضُ فَيَّاضٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَحْمَرِ أَبْيَضُ وَفِي الْأَبْيَضِ أَحْمَرُ، وَيُقَالُ فِي بَيَاضِ الْأَبْيَضِ مِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ أَبْيَضُ نَاصِعٌ، وَفِي تَأْكِيدِ الْأَحْمَرِ أَحْمَرُ قَانٍ، وَفِي تَأْكِيدِ الْأَسْوَدِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَمِنْ غَيْرِ بَنِي آدَمَ أَسْوَدُ حَالِكٌ وَحَلَنْكٌ بِاللَّامِ وَالنُّونِ، وَتُؤَكِّدُ صُفْرَةَ الْأَصْفَرِ بِأَنْ تَقُولَ أَصْفَرُ فَاقِعٌ. تَنْبِيهٌ: وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ الصَّفْرَاءَ السَّوْدَاءَ، وَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ، وَعُدَّتْ مِنْهُ وَهْلَةً؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩] يَدُلُّ عَلَى وَهْمِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ أَسْوَدُ فَاقِعٌ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَصْفَرِ: إنَّهُ الْأَسْوَدُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ سَوَادَهَا مَشُوبٌ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ.

стр. 291

وَتَقُول امْرَأَةٌ خَدْلَاءُ فِي الْمَائِلَةِ الشِّقِّ، وَلَطْعَاءُ فِي مُبْيَضَّةِ الشَّفَتَيْنِ وَهُوَ مِنْ نُعُوتِ السُّودَانِ، وَلَعْسَاءُ حَمْرَاءُ الشَّفَتَيْنِ، وَالرَّجُلُ الْعَسُّ، وَاللَّمَى رِقَّتُهُمَا تَقُولُ رَجُلٌ أَلْمَى وَامْرَأَةٌ لَمْيَاءُ، وَالْمَتْكَاءُ الَّتِي لَا تَحْبِسُ بَوْلَهَا، وَالصَّهْبَاءُ الَّتِي لَا تَحِيضُ وَالْمُفْضَاةُ الَّتِي صَارَ مَسْلَكَاهَا شَيْئًا وَاحِدًا أَعْنِي مَسْلَكَ الْبَوْلِ وَمَسْلَكَ الذَّكَرِ، وَالزَّعْرَاءُ الَّتِي لَا شَعْرَ لَهَا فِي سَوْأَتِهَا. وَالْقَرْنَاءُ الْعَظِيمَةُ السُّرَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ بِهَا الْوَاطِئَ مِنْ إصَابَتِهَا قَالَهُ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ، وَنَقَلَهُ مِنْ وَثَائِقِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ. وَالْقَرْنُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَحَلِّ عَظْمٌ شَبِيهٌ بِقَرْنِ الشَّاةِ، وَعِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ هُوَ الْعَفَلَةُ الصَّغِيرَةُ قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَاخْتَصِمْ إلَى شُرَيْحٍ فِي جَارِيَةٍ بِهَا قَرْنٌ فَقَالَ أَقْعِدُوهَا فَإِنْ أَصَابَ الْأَرْضَ فَهُوَ عَيْبٌ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ الْأَرْضَ فَلَيْسَ بِعَيْبٍ، مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: وَالرَّتْقَاءُ الَّتِي لَهَا لَحْمَةٌ تَمْنَعُ الْوَطْءَ مِنْهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: هِيَ الَّتِي لَا يُسْتَطَاعُ جِمَاعُهَا لِارْتِقَاءِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهَا وَهُوَ مِنْ الرَّتْقِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفَتْقِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] قِيلَ وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْجِمَاعِ مُسْتَدًّا بِلَحْمٍ وَهَذَا يُمْكِنُ عِلَاجُهُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُسْتَدًّا بِعَظْمٍ وَلَا يُمْكِنُ عِلَاجُهُ. وَالْعَفْلَاءُ هِيَ الَّتِي أَصَابَهَا الْعَفَلُ وَالْعَفَلَةُ بِتَحْرِيكِ الْفَاءِ فِيهِمَا وَهِيَ شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ قُبُلِ النِّسَاءِ وَمِنْ حَيَا النَّاقَةِ شَبِيهٌ بِالْأُدْرَةِ الَّتِي لِلرِّجَالِ، وَيُقَالُ امْرَأَةٌ عَفْلَاءُ ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَتَبِعَهُمْ الْفُقَهَاءُ، وَالْبَخَرُ نَتْنُ الْفَمِ. وَالْأَصَكُّ هُوَ الضَّيِّقُ الْعُرْقُوبَيْنِ وَالْفَحَجُ اتِّسَاعُ الْعُرْقُوبَيْنِ حَتَّى يَكَادَ أَنْ يَخْرُجَ ذَلِكَ عَنْ الْقَدْرِ الْمُعْتَادِ، وَالطَّوِيلُ الْقَامَةِ يُقَالُ فِيهِ شَاطُّ الْقَامَةِ وَشَاطَّةُ الْقَامَةِ، وَإِنْ شِئْت قُلْت عَشَنَّقٌ، وَإِنْ كَانَ ضِدَّ ذَلِكَ فَهُوَ قَصِيرُ الْقَامَةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قُلْت حَسَنُ الْقَدِّ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ قُلْت مَرْبُوعُ الْقَامَةِ وَرِبْعَةُ الْقَامَةِ، وَإِنْ شِئْت قُلْت فِي الْمَرْأَةِ مَرْبُوعَةُ الْقَامَةِ وَرَبْعُ الْقَامَةِ. وَالْأَكْوَعُ مِنْ اعْوَجَّتْ يَدَاهُ مِنْ قِبَلِ الْكُوعَيْنِ إلَى خَارِجِ الْيَدَيْنِ، فَتَقُولُ فِيهِ أَكْوَعُ الْيَدَيْنِ وَالْأُنْثَى كَوْعَاءُ الْيَدَيْنِ، وَالْكُوعَانِ هُمَا أَصْلُ الْيَدَيْنِ فِي أَوَّلِ الزَّنْدَيْنِ، وَالزَّنْدَانِ عَظْمَاتُ الذِّرَاعَيْنِ،، وَإِنْ كَانَ فِي أَصَابِعِ يَدَيْهِ تَقَبُّضٌ

стр. 292

قُلْت مُقَفَّعُ الْيَدَيْنِ وَالْأُنْثَى مُقَفَّعَةُ الْيَدَيْنِ، وَإِنْ كَانَ فِي عُقْدَتَيْ إبْهَامِي قَدَمَيْهِ نُتُوءٌ فِي جَانِبِ الْقَدَمَيْنِ مِنْ دَاخِلِ الْقَدَمَيْنِ مَعَ مَيْلٍ فِي الْإِبْهَامَيْنِ إلَى الْأَصَابِعِ الَّتِي بَيْنَهُمَا قُلْت فِي الرَّجُلِ أَفْدَعُ وَفِي الْأُنْثَى فَدْعَاءُ، وَإِذَا كَانَ إبْهَامَا قَدَمَيْهِ قَدْ أَقْبَلَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبَتِهَا قُلْت أَحْنَفُ الرِّجْلَيْنِ وَالْأُنْثَى حَنْفَاءُ، وَإِذَا كَانَ وَسَطُ أَسْفَلِ قَدَمَيْهِ لَا يَلْصَقُ بِالْأَرْضِ أَوْ كَانَ فِي وَسَطِ حَاشِيَةِ قَدَمَيْهِ مِنْ دَاخِلِهِمَا تَقْبِيبٌ قُلْت أَخْمَصُ الْقَدَمَيْنِ وَالْأُنْثَى خَمْصَاءُ الْقَدَمَيْنِ،، وَإِنْ كَانَ أَسْفَلُ الْقَدَمَيْنِ مُعْتَدِلًا لَاصِقًا بِالْأَرْضِ قُلْت أَزَجُّ الْقَدَمَيْنِ وَالْأُنْثَى زَجَّاءُ الْقَدَمَيْنِ. [الْفَصْلُ الثَّامِنِ فِيمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَاتِ] وَفِيمَا يَحْتَرِزُ بِهِ مِنْ الْإِشْهَادِ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ فِي التَّسْجِيلَاتِ وَغَيْرِهَا وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى نَوْعَيْنِ: الْأَوَّلِ عِبَارَةٌ بِاللِّسَانِ يُصَرِّحُ بِهَا الشَّاهِدُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَيَتَلَقَّى الْحَاكِمُ مِنْهُ الشَّهَادَةَ بِحَسَبِ لَفْظِهِ. الثَّانِي: رَفْعُ شَهَادَاتٍ قَدْ ارْتَسَمَتْ فِي كِتَابٍ وَالشَّاهِدُ مَيِّتٌ أَوْ غَائِبٌ، وَفِي كِلَا النَّوْعَيْنِ أُمُورٌ يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لَهَا. وَأَمَّا النَّوْعُ الْأَوَّلُ: فَنَذْكُرُ مِنْهُ مَسَائِلَ مُتَنَوِّعَةً مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي: فَأَحْكَامُهُ مَذْكُورَةٌ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ. [فَصْلٌ الْقَاضِي إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ الْقَاضِي يَعْرِفُهُ] فَصْلٌ: وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ عِنْدَهُ وَلَمْ يَكُنْ الْقَاضِي يَعْرِفُهُ أَنْ يَكْتُبَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ وَمَسْكَنَهُ، وَالْمَسْجِدَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ، وَيَكْتُبَ حِلْيَتَهُ وَصِفَتَهُ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ سَحْنُونٍ، وَإِنْ عُرِفَ بِالْكُنْيَةِ كَتَبَ كُنْيَتَهُ، وَكُلَّ مَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْ صَنْعَةٍ وَغَيْرِهَا، وَهَلْ يَسْكُنَ مِلْكِ نَفْسِهِ أَوْ مِلْكِ غَيْرِهِ، قَالُوا لِئَلَّا يُسَمَّى غَيْرُ الْعَدْلِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، وَيُنْسَبَ

стр. 293

إلَى غَيْرِ نَسَبِهِ لِيُزَكِّيَ عَلَيْهِ، قَالُوا وَيَكْتُبُ الشَّهْرَ الَّذِي شَهِدَ فِيهِ وَالسَّنَةَ، وَيَجْعَلُ صَحِيفَةَ الشَّهَادَةِ فِي دِيوَانِهِ لِئَلَّا تَسْقُطَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ شَهَادَتُهُ فَيَزِيدُ فِيهَا الشَّاهِدُ أَوْ يَنْقُصُ. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ] وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَارِثٍ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الشُّهُودُ وَجْهَ الْحَقِّ الَّذِي شَهِدُوا فِيهِ وَلَا فَسَّرُوهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُبَيِّنُوا أَصْلَ الشَّهَادَةِ وَكَيْفَ كَانَتْ وَيَقُولُونَ أَسْلَفَهُ بِمَحْضَرِنَا أَوْ أَقَرَّ عِنْدَنَا الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ أَسْلَفَهُ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ بَيْعٍ فَسَّرُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا بَاعَ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا بِمَحْضَرِنَا، أَوْ بِإِقْرَارِهِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُصَدِّقَةٌ لِلدَّعْوَى. مَسْأَلَةٌ: فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي كِتَابِهِ: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَلَمْ يَقُولَا، وَأَقَرَّ بِذَلِكَ عِنْدَنَا وَلَا نَحْوَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَا الشَّهَادَةَ هَكَذَا، لَمْ أَرَ شَهَادَتَهُمَا تُحِقُّ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا كَأَنَّهُمَا كَحَاكِيَيْنِ حَتَّى يَقُولَا أَسْلَفَهُ أَوْ أَقَرَّ عِنْدَنَا بِذَلِكَ، أَوْ مِمَّا يُبَيِّنَانِ بِهِ مَا شَهِدَا فِيهِ، وَقَدْ نَجِدُ مِنْ النَّاسِ مَنْ يُحَلِّلُ بَيْعَ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ وَيُوجِبُ لَهُ ثَمَنًا وَغَيْرَ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ عِنْدَهُمَا بِالدَّيْنِ مُجْمَلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُقِرُّ وَجْهَهُ وَشَهِدَا أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِذَلِكَ. وَظَاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَارِثِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خِلَافُ هَذَا، حَتَّى يَشْهَدُوا بِإِقْرَارِهِ بِالسَّلَفِ أَوْ الْمُعَامَلَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ قَالَا نَشْهَدُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَةٍ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُمَا، وَلَا يَلْزَمُهُ الثَّمَنُ حَتَّى يَقُولَا وَقَبَضَ السِّلْعَةَ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ خَاطَ لِفُلَانٍ ثَوْبًا بِدِرْهَمٍ لَمْ يَجِبْ لِلْخَيَّاطِ شَيْءٌ حَتَّى يَقُولَا: إنَّهُ رَدَّ الثَّوْبَ مِخْيَطًا، وَجَمِيعُ الصُّنَّاعِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.

стр. 294

مَسْأَلَةٌ: إذَا أَثْبَتَ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَلِيءٌ، وَلَمْ يُعَيِّنْ الشُّهُودُ مَالَهُ، فَشَهَادَتُهُمْ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الشَّهَادَةُ عَامِلَةٌ وَيُسْجَنُ حَتَّى يُؤَدِّيَ. وَقَالَهُ الْقَاضِي ابْنُ زَرْبٍ، قَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ: وَبِهِ الْقَضَاءُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ إذَا شَهِدَ قَوْمٌ لِلْغَرِيمِ بِالْعَدَمِ وَشَهِدَ آخَرُونَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَلِيءٌ وَلَمْ يُعَيِّنُوا شَيْئًا، أَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ تَهَاتَرَا وَلَا يَقْضِي بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. مَسْأَلَةٌ: إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَمْ تَتِمَّ الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ وَلَا تَتِمَّ الشَّهَادَةُ حَتَّى يُبَيِّنُوا أَنَّ سَيِّدَهُ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ يَقُولُوا أَنَّهُمْ حَضَرُوا لِلتِّجَارَةِ فِي مَوْضِعِ كَذَا بِمَحْضَرِ مَالِكِهِ وَعِلْمِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ، فَهَذَا وَشَبَهُهُ أَصْلٌ فِي عِلْمِ الشَّهَادَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ، حَكَى ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ فِي الرَّجُلِ يَشْهَدُ عَلَى الرَّجُلِ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ، وَأَنَّهُ حَمِيلٌ بِهِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَلِيًّا جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَشَهَادَتُهُ سَاقِطَةً، وَيَغْرَمُ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْحَمَالَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا. وَقَالَ: بِعْتنِي هَذَا وَبِهِ عَيْبٌ وَلَمْ تُعْلِمْنِي. وَقَالَ الْبَائِعُ: مَا بِعْتُك إلَّا صَحِيحًا وَالْعَيْبُ الَّذِي ادَّعَى بِهِ مِثْلُهُ يَحْدُثُ، فَأَتَى الْمُشْتَرِي بِشَاهِدٍ فَشَهِدَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ اشْتَرَى هَذَا الْعَبْدَ مِنْ هَذَا الْبَائِعِ فَوَجَدَ بِهِ هَذَا الْعَيْبَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، هَلْ تَكُونُ هَذِهِ شَهَادَةً وَلَا يُتَّهَمُ فِيهَا الشَّاهِدُ حِينَ قَالَ ابْتَعْته مِنْهُ وَرَدَدْته عَلَيْهِ بِهَذَا الْعَيْبِ؟ قَالَ لَا أَرَى لَهُ شَهَادَةً، وَأَرَاهُ ظَنِينًا، وَلَا أَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يُحَقِّقَ مَا كَانَ قَامَ بِهِ عَلَيْهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ قَامَ بِحَقٍّ وَادَّعَى حَقًّا وَذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا بِقَوْلِهِ، فَلَا أَرَى لَهُ شَهَادَةً. مَسْأَلَةٌ: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ لِرَجُلٍ سِلْعَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ لَمْ يَقْضِ بِذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَهَادَتِهِمَا مَا يُوجِبُ أَنَّهُ قَبَضَ السِّلْعَةَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي (الدِّمْيَاطِيَّةِ) : إذَا كَانَ الْبَيْعُ بِالنَّقْدِ فَعَلَى الْبَائِعِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ دَفَعَ السِّلْعَةَ، إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ ذَلِكَ وَيَأْتِيَ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُ الْمُشْتَرِي، فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ وَيَبْرَأُ، وَأَمَّا مَا يَتَأَخَّرُ الْقَبْضُ فِيهِ وَيَشْتَغِلُ النَّاسُ بِحَوَائِجِهِمْ الْأَيَّامَ وَالْجُمُعَةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَعَلَى الْبَائِعِ

стр. 295

الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ مِنْ الْأَمَدِ مَا يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُ الْمُشْتَرِي فَلَا يُصَدَّقْ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: الشَّهَادَةُ بِالِابْتِيَاعِ لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ، وَلَكِنْ تُوجِبُ الْيَدَ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ مَالِكٍ، وَلَوْ قَالَ شُهُودُ الِابْتِيَاعِ: إنَّهُ قَبَضَهُ، وَأَسْلَفَهُ مِمَّنْ كَانَ حِينَ الْعَقْدِ بِيَدِهِ لَكَانَ ذَلِكَ يَدًا، وَكَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ السَّرِقَةِ مِنْهَا فِيمَنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ فَفَلِسَ الْمُبْتَاعُ، قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيَسَعُ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهَا مَتَاعُ الْبَائِعِ قَالَ يَشْهَدُونَ أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِعَيْنِهَا اشْتَرَاهَا هَذَا الْمُفْلِسُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، وَلَا يَشْهَدُوا إلَّا بِمَا عَايَنُوا وَعَلِمُوا زَادَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِيهَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ بِيَدِ بَائِعِهَا. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَمَا شَاكَلَهُ] مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ لِرَجُلٍ بِسِلْعَةٍ أَنَّهَا لَهُ فَمِنْ تَمَامِ شَهَادَتِهِمَا أَنْ يَقُولَانِ بَعْدَ الشَّهَادَةِ لَهُ بِهَا: وَلَا نَعْلَمُ أَنَّهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ حَتَّى سَمِعْنَاهُ يَذْكُرُ إبَاقَ الْعَبْدِ مَثَلًا، إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ فِيهِ عَبْدًا، أَوْ سَرِقَةً إنْ كَانَتْ دَابَّةً أَوْ غَيْرَهَا مِنْ السِّلَعِ، وَيَحْلِفُ الْمُسْتَحِقُّ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ عَنْ يَدِهِ بِوَجْهٍ وَيَأْخُذُهُ، قَالَ ابْنُ سَهْلِ: زَادَ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ مِنْ (الْمُدَوَّنَةِ) وَقَالَ فَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ حَلَفَ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَقَضَى لَهُ بِهِ، قَالَ فَانْظُرْ كَيْفَ أَمْضَى هُنَا شَهَادَتَهُمْ وَلَمْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ، قَالَ يُعَادُونَ فَيُسْتَفْسَرُونَ إنْ كَانُوا حُضُورًا، وَفِي شَهَادَاتِ الْمُقَرَّبِ لِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ: أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ إذَا سَقَطَ مِنْهَا ذَلِكَ لَمْ تُقْبَلْ إلَّا إذَا لَمْ يُوجَدْ سَبِيلٌ إلَى سُؤَالِهِمْ، وَإِنْ حَضَرُوا فَسُئِلُوا فَأَبَوْا أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ فَشَهَادَتُهُمْ بَاطِلَةٌ. تَنْبِيهٌ: وَكَوْنِ شَهَادَتِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْعِلْمِ هُوَ مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ إنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى الْبَتِّ يَعْنِي أَنَّهُ شَيْؤُهُ لَمْ يَبِعْهُ وَلَمْ يَفُتْهُ، وَلَا يَشْهَدُونَ عَلَى الْعِلْمِ. مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ دَابَّةً أَوْ عَبْدًا فَأَنْكَرَ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَأَتَى الطَّالِبُ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَقَرَّ أَنَّ بِيَدِهِ دَابَّةً أَوْ عَبْدًا بِصِفَةِ

стр. 296

كَذَا وَكَذَا لِلصِّفَةِ الَّتِي ادَّعَى الطَّالِبُ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ شَهِدُوا أَنَّ دَابَّةَ فُلَانٍ أَوْ عَبْدَ فُلَانٍ عِنْدَ فُلَانٍ فَقَدْ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ قَالُوا إنَّ فِي يَدَيْهِ الصِّفَةَ الَّتِي يَدَّعِي فَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ. تَنْبِيهٌ: لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ مَا اُدُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْيَمِينَ تَلْزَمُهُ. مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فِي عَبْدٍ قَدْ مَاتَ فِي يَدِ رَجُلٍ أَنَّهُ عَبْدُهُ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الَّذِي مَاتَ فِي يَدِهِ ضَمَانٌ، حَتَّى تَقُولَ الْبَيِّنَةُ: إنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ عَبْدُهُ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَكَانَ بِذَلِكَ عَبْدُهُ، قَالَهُ فِي الشَّهَادَاتِ وَفِي مُنْتَخَبِ الْأَحْكَامِ لِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ، قَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْحُرِّيَّةِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيهِ. فَصْلٌ فِي الشَّهَادَاتِ فِي الْوِرَاثَةِ مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الشُّهُودِ فِي الْمِلْكِ الَّذِي تَوَفَّى عَنْهُ مَالِكُهُ حَتَّى يَقُولُوا: إنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْمَشْهُودَ لَهُ بِهِ فَوَّتَ شَيْئًا مِنْهُ إلَى آخِرِ إيقَاعِهِمْ لِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ شِئْت قُلْت فِي الْعَقْدِ بَعْدَ التَّحْدِيدِ: وَحَازُوهَا بِالْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِ الْمُتَوَفَّى، وَلَا فَوَّتَهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّفْوِيتِ فِي عِلْمِهِمْ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَوَرِثَهُ وَرَثَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ الشُّهُودُ هَذَا لَمْ يَتِمَّ انْتِقَالُ الْمِلْكِ لِلْوَرَثَةِ، وَلَا تَصِحُّ الشَّهَادَةُ لَهُمْ بِوِرَاثَةِ الْمِلْكِ إلَّا بِذَلِكَ، وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى الْبَتِّ كَانَتْ غَمُوسًا زُورًا لَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْعِلْمِ فِي هَذَا سَاقِطٌ لَا تَجُوزُ حَتَّى تَقْطَعَ الشُّهُودُ فِي الشَّهَادَةِ، قَالَ وَالْبَتُّ يَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ وَبِالْأَوَّلِ الْقَضَاءُ. فَرْعٌ: وَإِنْ قَالَ شُهُودُ الْوَرَثَةِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَوَّتَ شَيْئًا مِمَّا نَقَلَتْهُ الْوَرَثَةُ الْمَذْكُورَةُ إلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إلَى حِينَ شَهَادَتِهِمْ فَإِنَّهُ أَتَمُّ، وَإِنْ سَقَطَ هَذَا مِنْ الْعَقْدِ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ دُونَهُ. فَرْعٌ: وَإِذَا مَاتَ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ وَاحِدٌ وَلَمْ يَقُلْ الشُّهُودُ بِالْعِلْمِ يَفُوتُ مَا نَقَلَتْهُ الْوَارِثَةُ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِي عِلْمِ الشُّهُودِ، إلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَوَرِثَهُ

стр. 297

وَرَثَتُهُ لَمْ تَعْمَلْ الشَّهَادَةُ لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ الثَّانِي شَيْئًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَوْلِ فِي الْوَرَثَةِ الْأَوَّلِينَ. فَرْعٌ: وَمِثْلُ هَذَا شَهَادَتُهُمْ فِي عِدَّةِ الْوَرَثَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمْ وَلَا يَشْهَدُونَ فِي هَذَا إلَّا عَلَى الْبَتِّ، قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى الْعِلْمِ. فَرْعٌ: وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ بِإِفْرِيقِيَةِ وَوَارِثُهُ بِمِصْرَ فَقَالَ الشُّهُودُ لَا نَعْلَمُ لِفُلَانٍ بِأَرْضِ مِصْرَ وَارِثًا إلَّا فُلَانًا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ حَتَّى يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَرْضِ. وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: قَوْلُ أَلْبَتَّةَ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرَهُ لَا يُقْبَلُ حَتَّى يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَّرِفٌ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: أَدْرَكْنَا الْحُكَّامَ بِبَلَدِنَا وَمَا عِلْمَنَا فِيهِ اخْتِلَافًا، أَنَّ وَجْهَ الشَّهَادَةِ عَلَى عِدَّةِ الْوَرَثَةِ أَنْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا إلَّا فُلَانًا وَلَا يَقُولُونَ عَلَى الْبَتِّ، ثُمَّ حَدَثَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْبَتِّ بَعْدَ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ: هَذَا وَارِثٌ مَعَ وَرَثَةٍ آخَرِينَ سَمَّوْهُمْ أَعْطَى هَذَا نَصِيبَهُ وَتَرَكَ الْبَاقِي بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَتَّى يَأْتِيَ مُسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ قَدْ يَقِرُّ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا فِي يَدِهِ، فَإِنْ قَالُوا لَا نَعْرِفُ عَدَدَ الْوَرَثَةِ لَمْ يَقْضِ لِهَذَا الْوَارِثِ بِشَيْءٍ لِعَدَمِ تَعْيِينِهِمْ، وَلَا يَنْظُرْ إلَى تَسْمِيَةِ الْمُدَّعِي لِلْوَرَثَةِ وَيَبْقَى فِيهِ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَثْبُتَ عَدَدُ الْوَرَثَةِ بِبَيِّنَةٍ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ شَهِدُوا لِرَجُلٍ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي بِيَدِ فُلَانٍ دَارُ جَدِّهِ لَمْ يَقْضِ لَهُ حَتَّى يَقُولُوا: إنَّ أَبَاهُ وَرِثَهَا مِنْ جَدِّهِ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، وَإِنَّ هَذَا وَرِثَ أَبَاهُ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، أَوْ مَعَهُ مِنْ الْوَرَثَةِ كَذَا وَكَذَا. تَنْبِيهٌ: وَلَا يَلْزَمُ الشُّهُودَ أَنْ يَعْرِفُوا عَيْنَ الْبَنَاتِ بَلْ يَكْفِي ذِكْرُ عَدَدِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْبَنَاتَ مَحْمُولَاتٌ عَلَى الْحِجَابِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي (مُفِيدِ الْحُكَّامِ) : وَعَلَى هَذَا يَجِبُ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ فُلَانًا مَاتَ، وَأَحَاطَ بِمِيرَاثِهِ زَوْجَتُهُ فُلَانَةُ وَبَنُوهُ فُلَانٌ وَفُلَانَةُ وَفُلَانَةُ، وَقَالُوا إنَّمَا نَعْرِفُ عَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالِابْنِ وَلَا نَعْرِفُ أَعْيَانَ الْبِنْتَيْنِ،

стр. 298

أَنَّ الشَّهَادَةَ جَائِزَةٌ، وَإِنْ قَالُوا: نَعْرِفُ أَعْيَانَ الِابْنِ وَالْبِنْتَيْنِ وَلَا نَعْرِفُ عَيْنَ الزَّوْجَةِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ الْبَنَاتَ مَحْمُولَاتٌ عَلَى الْحِجَابِ، وَلِذَلِكَ يُعْذَرُ الشُّهُودُ فِي تِلْكَ الشَّهَادَةِ، وَالزَّوْجَاتُ لَسْنَ بِمَحْمُولَاتٍ عَلَى الْحِجَابِ فَلِذَلِكَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ مَنْ يَجْهَلُ عَيْنَ الزَّوْجَةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اُنْظُرْ إذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَقَامَتْ الْمَرْأَةُ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنْهُ، وَأَنْكَرَهَا وَرَثَتُهُ وَلَمْ تَقِفْ الْبَيِّنَةُ عَلَى تَعْيِينِهَا، أَوْ أَنْكَرَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ وَلَمْ يُعَيَّنْ الشُّهُودُ الْمَرْأَةَ، فَظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَأَنَّهُ لَا يُفْتَقَرُ فِي ذَلِكَ إلَى تَعْيِينِ النِّسَاءِ، وَأَنَّ الْمَوَارِيثَ وَاجِبَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، حَكَاهُ ابْنُ وَزَّانٍ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ نَزَلْنَا بِقُرْطُبَةَ فَحَكَمَ فِيهَا بِهَذَا. انْتَهَى. فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا أَنَّ الزَّوْجَةَ حُكْمُهَا حُكْمُ الْبَنَاتِ لَا يَلْزَمُ الشُّهُودَ أَنْ يَعْرِفُوا عَيْنَهَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَفِي نِكَاحِ الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْن وَزَّانٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَقَدْ نَزَلْت بِقُرْطُبَةَ فَحَكَمَ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ وَلَا وَلَدَ لَهُ غَيْرُهَا فَيَمُوتُ الْأَبُ فَتَزْعُمُ الْبِنْتُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنْتَهُ، وَأَنَّهَا كَانَتْ يَتِيمَةً عِنْدَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لِلزَّوْجِ أَنَّهَا هِيَ بِعَيْنِهَا إلَّا بِالسَّمَاعِ مِنْ الْأَبِ، أَنَّ لَهُ بِنْتًا بِكْرًا وَقَدْ فَشَا ذَلِكَ فِي النَّاسِ وَلَا يُثْبِتُهَا الشُّهُودُ بِعَيْنِهَا، أَنَّ النِّكَاحَ لَهَا لَازِمٌ وَمِيرَاثُهَا وَاجِبٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ سَحْنُونٌ وَقَالَ الْقَوْلُ قَوْلُهَا. فَرْعٌ: وَمِنْ مُنْتَقَى الْأَحْكَامِ قَالَ أَصَبْغُ فِي السَّامِعِينَ مِنْ الْمُنْكَحَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفَاهَا هَذَا أَمْرٌ لَا يَجِدُ النَّاسُ مِنْهُ بُدًّا، وَمَنْ لَا يَرَى وَلِيَّتَهُ حَتَّى تَبْلُغَ النِّكَاحَ، فَلَا حَرَجَ عَلَى السَّامِعِينَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَأَمَّا فِي الْحُقُوقِ مِنْ الْبُيُوعِ وَالْوِكَالَاتِ وَالْهِبَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالشُّهُودُ لَا يَعْرِفُونَهَا فَلَيْسَ ذَلِكَ، وَلَا أَرَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا مَنْ يَعْرِفُهَا بِعَيْنِهَا وَاسْمِهَا، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ أَصَبْغَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي ثُبُوتِ عِدَّةِ الْوَرَثَةِ إلَى تَعْيِينِ الْوَرَثَةِ إذَا كَانُوا نِسَاءً يَعْنِي مَعْرِفَتَهُمْ بِالْعَيْنِ اُنْظُرْ (مُفِيدَ الْحُكَّامِ) . مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَعَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِي رَسْمِ حَمْلِ صَبِيٍّ قَالَ فِي رَجُلٍ مَاتَ عَنْ امْرَأَتِهِ يُرِيدُ وَهِيَ عِنْدَهُ فَجَاءَ شُهُودٌ عُدُولٌ

стр. 299

كَانُوا غَائِبِينَ فَشَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا مُنْذُ سِنِينَ أَنَّهَا تَرِثُهُ، وَلَوْ مَاتَتْ هِيَ لَمْ يَرِثْهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَمْ يُرْجَمْ؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا كَانَ يَدْرَأُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي (مُفِيدِ الْحُكَّامِ) إذَا ثَبَتَ الْمَوْتُ وَالْوَرَثَةُ لِرَجُلٍ وَشَهِدَ لَهُ شُهُودٌ عُدُولٌ أَنَّهُ وَارِثُ هَذَا الْمَيِّتِ لَا يَعْلَمُونَ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمِيرَاثَ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا أَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرِي، فَيَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ إنَّمَا شَهِدُوا لَهُ عَلَى الْعِلْمِ هَكَذَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى أَنْ يَحْلِفَ. مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ أَبُو إبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ بْنُ التُّجِيبِيُّ عَنْ الدَّيْنِ يَكُونُ لِلْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ فَيَقُومُ لِلْوَرَثَةِ بَيِّنَةٌ بِثَبَاتِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنْ يَقُولُوا فِي شَهَادَتِهِمْ، وَأَنَّهُ مَاتَ وَتَرَكَ هَذَا الدَّيْنَ مِيرَاثًا لِوَرَثَتِهِ مِثْلَ الْعَقَارِ، أَوْ تُجْزِيهِمْ شَهَادَتُهُمْ بِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ. فَقَالَ: أَمَّا الشُّهَدَاءُ فِي دَيْنِ الْمَيِّتِ فَإِنْ أَنْكَرَهُ الْغَرِيمُ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَزِيدُوا فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْمُتَوَفَّى قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا إلَى حِينَ شَهَادَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، إذَا كَانَ هُوَ الْمَيِّتُ فَيَلْزَمُهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ (مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى) . [فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ] مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا رُفِعَ إلَى الْقَاضِي عَقْدٌ كُتِبَ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ وَشَهِدَ فِيهِ الشُّهُودُ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ الْغَائِبُ فَلَا يَسْمَعْ الْحَاكِمُ شَهَادَةَ الشُّهُودِ حَتَّى يَنُصُّوا عَلَى مَعَانِي الشَّهَادَةِ مِنْ حِفْظِهِمْ، وَلَا يَكْتَفِي فِي إثْبَاتِ الْعَقْدِ بِقَوْلِ الشَّاهِدِ هَذَا خَطِّي وَهَذِهِ شَهَادَتِي أَشْهَدُ بِهَا عِنْدَك؛ لِأَنَّ الْمُوَثِّقِينَ جَرَتْ لَهُمْ عَوَائِدُ فِي كِتَابَةِ الْعُقُودِ فَرُبَّمَا كَانَ فِي أَلْفَاظِهِمْ مَا لَوْ سَمِعَهُ الْغَائِبُ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذِكْرِهِ فِي الْعَقْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي التَّنْبِيهَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّسْجِيلِ.

стр. 300

مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي شُهُودٌ عُدُولٌ بِمَا يَعْلَمُ هُوَ خِلَافَهُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَا يَقْضِيَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَيَدْفَعَ الْخَصْمَيْنِ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَكُونَ شَاهِدًا عِنْدَ مَنْ يَتَحَاكَمَانِ إلَيْهِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ، قَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ: وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِ مَالِكٍ إلَّا ابْنَ كِنَانَةَ وَحْدَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كِتَابِهِ: إذَا شَهِدَ الْعُدُولُ عِنْدَ الْقَاضِي بِشَيْءٍ، يَعْلَمُ الْقَاضِي أَنَّ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ بَاطِلٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّ شَهَادَتِهِمْ وَيُنَفِّذُ شَهَادَتَهُمْ بَعْدَ الِانْتِظَارِ الْيَسِيرِ، وَاسْتُحْسِنَ لَوْ خَلَا بِهِمْ فَأَعْلَمَهُمْ بِعِلْمِهِ وَشَهَادَتِهِمْ، فَلَعَلَّهُ، يَنْكَشِفُ لَهُمْ بِقَوْلِهِ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِمْ، وَأَرَى أَنْ يُعْلِمَ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَهَادَةً. وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُبْطِلَ الشَّهَادَةَ وَلَا يَرُدَّهَا وَلَا أَنْ يُمْضِيَ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِبَاطِلٍ، وَيَرُدَّ مَا هُوَ بَاطِلٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُمْضِيَ بَاطِلًا يَعْلَمُهُ وَلَا يُبْطِلَ الشَّهَادَةَ وَلَكِنْ يَرْفَعُهَا إلَى غَيْرِهِ وَيَشْهَدُ الْقَاضِي بِمَا يَعْلَمُهُ فِي ذَلِكَ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَالْقَاضِي يَعْلَمُ أَنَّهُ شَهِدَ بِحَقٍّ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُجِيزَ الشَّهَادَةَ وَلَا يَحْكُمُ بِهَا. مَسْأَلَةٌ: وَمِمَّا يَنْبَغِي تَنْبِيهُ الشَّاهِدِ فِيهِ إذَا شَهِدَ بِمَا لَا يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ فَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِيمَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ عَلَى شَيْءٍ لَا يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ سَأَلْت سَحْنُونًا عَنْ الرَّجُلِ تَكُونُ عِنْدَهُ الشَّهَادَةُ وَهِيَ مِمَّا لَا تَجُوزُ عِنْدَهُ وَالْقَاضِي مِمَّا يَرَى إجَازَتَهَا، أَتَرَى عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَى الْقَاضِي؟ . فَقَالَ كَيْفَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ؟ . قُلْت: مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى صَدَاقٍ مُعَجَّلٍ فِي نِكَاحٍ وَمَعَهُ مُؤَجَّلٌ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ أَجَلٌ. فَقَالَ: مَا أَرَى أَنْ يَشْهَدَ فَإِنْ جَهِلَ الشَّاهِدُ وَشَهِدَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُنَبِّهَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْهَدَ فِي ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي عَدْلَانِ ثُمَّ أَشْهَدَهُمَا عَلَى حُكْمِهِ بِشَهَادَتِهِمَا، فَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لِغَيْرِهِ إمْضَاءَ شَهَادَتِهِمَا فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وَقِيلَ لَا يُمْضِيهِ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى تَنْفِيذِ شَهَادَتِهِمَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ.

стр. 301

مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ فَرِيقَيْنِ اخْتَصَمُوا فَقُضِيَ عَلَى أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَخَرَجَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِمْ يُحَدِّثُونَ النَّاسَ عَلَانِيَةً أَنَّهُ قُضِيَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ اُحْتِيجَ إلَى قَضَاءِ ذَلِكَ الْقَاضِي فَلَمْ يُوجَدْ عَنْهُ أَحَدٌ عَلِمَ بِذَلِكَ إلَّا الَّذِينَ سَمِعُوا مِنْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ عِنْدَهُمْ قَدْ قُضِيَ عَلَيْنَا، فَسُئِلُوا لِلشَّهَادَةِ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ يَقُولُونَ سَمِعْنَاهُمْ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ وَلَا نَدْرِي أَكَانَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ مَالِكٌ: وَلَرُبَّمَا قَالَ الْمَرْءُ قَدْ قُضِيَ عَلَيَّ وَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ، وَإِنِّي لَأَرَى هَذِهِ الشَّهَادَةَ ضَعِيفَةً. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي مُطَّرِفٌ فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُمَا كَانَا شَهِدَا عِنْدَ قَاضٍ قَبْلَهُ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ، وَأَشْهَدَهُمَا أَنَّهُ قَدْ قَضَى بِشَهَادَتِهِمَا فَإِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ، وَيَبْتَدِئُ هَذَا الْقَاضِي الْحُكْمَ بِهِمَا كَأَنَّهُمَا ابْتَدَآ وَضْعَهَا عِنْدَهُ وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ أَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِهَا فَيَكُونُ حُكْمًا قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، وَلَا أَرَى مَا ذَكَرَا فِي شَهَادَتِهِمَا مِنْ قَضِيَّةِ الْقَاضِي الْأَوَّلِ تُفْسِدُ شَهَادَتَهُمَا. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ لَا عَلَى أَصْلِ الشَّهَادَةِ وَلَا عَلَى الْحُكْمِ بِهَا؛ لِأَنَّهَا إذَا سَقَطَتْ فِي الْحُكْمِ بِهَا اُتُّهِمَا فِيهَا كُلِّهَا. وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَأَصْبَغُ وَبِهِ نَقُولُ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَلَوْ كَانَا لَمْ يَجْمَعَا الْأَمْرَيْنِ وَشَهِدَا عَلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ فَقَطْ أَوْ عَلَى أَصْلِ الشَّهَادَةِ وَسَكَتَا عَنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ جَازَتْ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الشُّهَدَاءُ يَشْهَدُونَ عِنْدَ قَاضٍ عَلَى حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ ثُمَّ يَكْتُبُ بِذَلِكَ إلَى قَاضٍ غَيْرِهِ فَلَمْ يَجِدْ شُهُودًا يَشْهَدُونَ عَلَى كِتَابِهِ إلَيْهِ إلَّا أُولَئِكَ الشُّهُودَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى أَصْلِ الْحُكْمِ، فَذَلِكَ الْكِتَابُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُمْ بَعْدُ لَا عَلَى أَصْلِ الشَّهَادَةِ وَلَا عَلَى ثُبُوتِ الْكِتَابِ إلَّا أَنْ يُعِيدُوا الشَّهَادَةَ عِنْدَ هَذَا الْحَاكِمِ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، إمَّا عَلَى أَصْلِ الْحَقِّ فَقَطْ، وَإِمَّا عَلَى ثُبُوتِ الْكِتَابِ، وَهَكَذَا سَمِعْت أَصَبْغَ يَقُولُ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ سَحْنُونٌ: أَجْمَعَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِشَهَادَةٍ عِنْدَ الْقَاضِي فَرَدَّهَا لِتُهْمَةٍ أَوْ لِجُرْحَةٍ ثُمَّ شَهِدَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي بَعْدَ أَنْ زَالَتْ التُّهْمَةُ وَزَالَتْ الْجُرْحَةُ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ شَهِدَ لِزَوْجَتِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ زُكِّيَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ فَإِنَّ تِلْكَ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ حَاكِمًا رَدَّهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَهَادَةٍ رَدَّهَا حَاكِمٌ لَا تُقْبَلُ بَعْدَ ذَلِكَ.

стр. 302

مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْوَاضِحَةِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَالْمَرْأَةُ يَقَعُ لَهَا مُورَثٌ فِي بَلَدٍ فَتُرِيدُ أَنْ تُوَكِّلَ عَلَى ذَلِكَ وَكِيلًا غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ يَقُومُ لَهَا فِي ذَلِكَ الْمُورَثِ، فَيَشْهَدُ لَهَا شُهُودٌ عِنْدَ الْقَاضِي الَّذِي مَعَهَا فِي الْبَلَدِ أَنَّهَا وَكَّلَتْ ذَلِكَ الْغَائِبَ، وَلَمْ تَحْضُرْ الْمَرْأَةُ وَلَا وَكِيلُهَا عَلَى الْقِيَامِ بِتَوْكِيلِ الْغَائِبِ، فَلَا نَرَى لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ لَهَا بِذَلِكَ إلَى قَاضِي الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُورَثِ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تَجُوزُ هَكَذَا؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا شُهُودًا وَمُوَكَّلِينَ فِيمَا شَهِدُوا فِيهِ وَبِالْقِيَامِ بِهِ، كَأَنَّهُمْ شَهِدُوا؛ لِأَنْفُسِهِمْ فِي بَعْضِ شَهَادَتِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَيَشْهَدُ الشُّهُودُ عَلَى تَوْكِيلِهَا الْغَائِبَ وَتُقِيمُ أَحَدًا يَقُومُ لَهَا بِذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْهَدَ لَهَا أُولَئِكَ الشُّهُودُ أَنَّهَا وَكَّلَتْ هَذَا بِالْقِيَامِ لَهَا بِتَوْكِيلِ الْغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ إنَّمَا يُؤَدُّونَ شَهَادَتَهُمْ عِنْدَ الْقَاضِي فَقَطْ وَلَا يُقَاضُونَهُ بِتَنْفِيذِ ذَلِكَ وَلَا يَسْأَلُونَهُ الْكِتَابَ لَهَا بِهِ، ثُمَّ يَكُونُ الْقَاضِي يَصْنَعُ فِي ذَلِكَ مَا رَأَى وَيُرْسِلُ إلَيْهَا أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يَقُومُ لَك عِنْدِي بِمَا شَهِدَ لَك بِهِ الشُّهُودُ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا فَيَجُوزُ ذَلِكَ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَبِهِ نَقُولُ، وَقَدْ سَمِعْت مُطَّرِفًا يَسْتَخِفُّ جَوَازَ شَهَادَتِهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى كُلِّ حَالٍ. مَسْأَلَةٌ: إذَا اشْتَمَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا فِيهِ تُهْمَةٌ وَمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ رُدَّتْ كُلُّهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ أَصَبْغُ فِيمَنْ أَعْتَقَ عَبْدَيْنِ ثُمَّ شَهِدَ الْعَبْدَانِ أَنَّ الْمُعْتِقَ غَصَبَهُمَا مِنْ فُلَانٍ وَغَصَبَ مَعَهُمَا مِائَةَ دِينَارٍ: فَإِنَّ شَهَادَتَهُمَا جَائِزَةٌ فِي الْمِائَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُمَا يُتَّهَمَانِ عَلَى إرْقَاقِ أَنْفُسِهِمَا وَمِثْلُ ذَلِكَ شَهَادَةُ الْمَسْلُوبِينَ عَلَى الْمُحَارَبِينَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تُقْبَلُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ دُونَ مَا ادَّعَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَقِلَّ جِدًّا فِيمَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَسْلُوبِ لِغَيْرِهِ، وَقِيلَ تَجُوزُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِيمَا قَلَّ، وَقِيلَ تَجُوزُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ قَالَهُ مُطَّرِفٌ وَابْنُ حَبِيبٍ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: مَنْ أَنْكَرَ شَهَادَتَهُ ثُمَّ شَهِدَ فَلَا يَضُرُّهُ مِثْلَ أَنْ يَلْقَاهُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلَهُ فَيَقُولَ لَهُ الشَّاهِدُ مَا أَشْهَدُ عَلَيْك بِشَيْءٍ وَلَا عِنْدِي عَلَيْك شَهَادَةٌ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ وَلَا يَضُرُّهُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ فَقَالَ لَهُ مَا شَهِدْت بِهِ عَلَيْك فَأَنَا فِيهِ مُبْطِلٌ فَلَا يَضُرُّهُ هَذَا الْقَوْلُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ عَنْ شَهَادَتِهِ

стр. 303

رُجُوعًا بَيِّنًا يَقِفُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْكِرُهُ وَلَوْ قَالَ مِثْلَ هَذَا عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ عِنْدَ مَا طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يَنْقُلَ شَهَادَتَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَذَلِكَ إبْطَالٌ لَهَا. وَقَالَ أَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ مِثْلَ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ. وَأَمَّا إنْ قَالَ عِنْدَ الْحَاكِمِ مَا أَذْكُرُ أَمْرَ كَذَا أَوْ مَا عِنْدِي شَهَادَةٌ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ وَتَذَكَّرَ، فَإِنْ كَانَ مُبْرِزًا قُبِلَ مِنْهُ الْحُكْمُ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا إلَّا مَا زَعَمَ أَنَّهُ نَسِيَهُ كَمَنْ شَهِدَ بِثَلَاثِينَ دِينَارًا ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا أَرْبَعُونَ فَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ مِنْ مُنْتَقَى الْأَحْكَامِ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَمَنْ سَمِعْته يَقُولُ: أَشْهَدُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مِائَةُ دِينَارٍ وَلَمْ يُشْهِدْك فَاشْهَدْ بِمَا سَمِعْت إنْ كُنْت سَمِعْته يُؤَدِّيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيَحْكُمَ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا حَتَّى يُشْهِدَك إذْ لَعَلَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّك تَنْقُلُهَا عَنْهُ لَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُنْقِصُهَا، وَإِنَّمَا تَشْهَدُ بِمَا سَمِعْت مِنْ قَذْفٍ وَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ بِخِلَافِ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَقْصًى، أَعْنِي الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ وَالْقَذْفَ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: لَا تَشْهَدْ بِقَوْلِ الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي لِفُلَانٍ كَذَا حَتَّى يُشْهِدَك، وَإِلَّا فَلَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ، قَالَ أَصَبْغُ وَلَا بِمَا سَمِعْت الشَّاهِدَ يُؤَدِّي عِنْدَهُ حَتَّى يُشْهِدَك عَلَى ذَلِكَ نَصًّا، أَوْ يُشْهِدَك الْقَاضِي عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ تَابَعَ مُطَرِّفٌ ابْنَ الْقَاسِمِ فِي هَذَا. مَسْأَلَةٌ: لَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ عُدُولٌ بِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ صِفَةِ الْبَيْعِ حَتَّى يَعْرِفَ هَلْ هُوَ صَحِيحٌ أَوْ فَاسِدٌ؟ بَلْ يَكْتَفِي مِنْ شَهَادَتِهِمَا أَنَّ هَذَا بَاعَ مِنْ هَذَا دَارِهِ بَيْعًا صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ يَتَنَوَّعُ إلَى صِحَّةٍ وَفَسَادٍ. مَسْأَلَةٌ: إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ فَكَذَّبَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ فِي بَعْضِ مَا شَهِدَ لَهُ بِهِ، فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ - فِي ذَلِكَ: الَّذِي نَعْرِفُ مِنْ فُتْيَا مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ الشُّيُوخِ أَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ يَلْزَمُهُ مَا شَهِدَ بِهِ شَاهِدُهُ لَهُ، وَعَلَيْهِ إذَا كَانَ لَا يَصِلُ إلَى حَقِّهِ إلَّا بِشَهَادَتِهِ، وَيُقَالُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ إنْ قُلْت صَدَقَ الشَّاهِدُ فَيَلْزَمُك مَا شَهِدَ بِهِ، وَإِنْ قُلْت كَذَبَ فِي الْبَعْضِ فَقَدْ جَرَحْته بِالْكَذِبِ فَلَا تُعْطَى بِشَهَادَتِهِ شَيْئًا.

стр. 304

تَنْبِيهٌ: وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ فِي رَسْمِ تَقْيِيدِ عَدَاوَةٍ لِيَكُونَ عِدَّةً. قَالَ وَرُوِيَ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَدُوًّا لِلرَّجُلِ فَيَشْهَدُ لَهُ وَعَلَيْهِ بِشَهَادَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَعَلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ سَقَطَتَا؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ تَجْوِيزَ شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ لَهُ، وَإِنْ كَانَتَا فِي وَقْتَيْنِ مُفْتَرِقَتَيْنِ جَازَتْ لَهُ وَلَمْ تَجُزْ عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى شَهَادَةِ قَوْمٍ لَا يَعْرِفُونَهُمْ فَشَهَادَتُهُمْ مَرْدُودَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ عُدُولًا. مَسْأَلَةٌ: إذَا اشْتَمَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا تُجِيزُهُ السُّنَّةُ وَعَلَى مَا لَا تُجِيزُهُ فَالْمَشْهُورُ إجَازَةُ مَا أَجَازَتْهُ وَرَدُّ مَا لَمْ تُجِزْهُ، وَقِيلَ تُرَدُّ كُلُّهَا كَشَهَادَةِ النِّسَاءِ فِي الْوَصِيَّةِ إذَا كَانَ عِتْقٌ، وَأَبْضَاعُ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ فِي وَصِيَّةٍ فِيهَا عِتْقٌ وَوَصِيَّةٍ لِمُعَيَّنٍ فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ وَيُرَدُّ الْعِتْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ تُرَدُّ كُلُّهَا. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْغَيْبَةِ] وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ فِي الْغَيْبَةِ أَنَّهُ غَابَ مُنْذُ حِينٍ فَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ مِنْ كَلَامِ الْمُفْتِينَ نَظَرْنَا - وَفَّقَك اللَّهُ تَعَالَى - فِي شُهُودِ مَنْ شَهِدَ فِي غَيْبَةِ فُلَانٍ أَنَّهُ غَابَ مُنْذُ حِينٍ لَا يَدْرُونَ أَيْنَ هُوَ؟ فَهَذَا يَكُونُ كَالْمَفْقُودِ، قَالَهُ ابْنُ لُبَابَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَابْنُ وَلِيدٍ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ هَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُسْتَبِينٍ؛ لِأَنَّ الْحِينَ قَدْ يَكُونُ سَاعَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ سِنِينَ، فَحَصْرُهُ بِأَمَدٍ أَبْيَنُ وَأَقُومُ لِلشَّهَادَةِ وَوَقَعَ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ أَنَّ الْحِينَ سَنَةٌ، وَوَقَعَ فِي مَسَائِلِ الطَّلَاقِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوهِ بَعْضِ الْأَقْوَالِ بِأَدِلَّةٍ مِنْ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فَانْظُرْهُ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تَصِحُّ الشَّهَادَةُ دُونَ بَيَانِ الْأَمَدِ وَذِكْرِ الْعَدَدِ لِمَا فِي هَذَا مِنْ النِّزَاعِ، فَهَذَا مِمَّا لَا تُسْمَعُ فِيهِ شَهَادَةٌ.

стр. 305

[فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْحُرِّيَّةِ] مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ فِي الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْعِلْمِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ، وَلَمْ تُوجِبْ حُكْمًا، وَلَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ إلَّا عَلَى الْبَتِّ، قَالَ ابْنُ عَاتٍ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْعِتْقِ وَانْظُرْ لَوْ شَهِدَ أَنَّهَا تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْحَرَائِرِ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَفِي الْأَوَّلِ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ أَنَّ بَيْنَ الشُّيُوخِ فِيهَا اخْتِلَافًا فَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ عَامِلَةٌ وَالْحُرِّيَّةُ مَاضِيَةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: الشَّهَادَةُ نَاقِصَةٌ غَيْرُ تَامَّةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَطَّانِ قَالَ وَالْآبِقُ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْأَحْرَارِ. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْوَلَاءِ] وَفِي الْمُقْنِعُ لِابْنِ بَطَّالٍ، وَإِذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ هَذَا مَوْلَى جَدِّ هَذَا وَلَمْ يُحَدِّدُوا الْمَوَارِيثَ فَلَا يَحْتَاجُ هَا هُنَا إلَى أَنَّ الْجَدَّ مَاتَ وَوَرِثَهُ ابْنُهُ، وَأَنَّ الْأَبَ مَاتَ وَوَرِثَهُ هَذَا، وَلَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ لِلْجَدِّ وَلَدًا ذَكَرًا غَيْرَ أَبِيهِ، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَقْعَدَ النَّاسَ بِجَدِّهِ الْيَوْمَ وَقَدْ مَاتَ لَهُ مَوْلَى وَتَرَكَ مَالًا فَلَا تَنْفَعُهُ الشَّهَادَةُ حَتَّى يَقُولُوا أَنَّهُ أَقْعَدَ النَّاسَ مِنْ يَوْمِ مَاتَ الْمَوْلَى، وَكَثِيرٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْمُقْنِعِ. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْغَصْبِ] وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى الْغَصْبِ لَمْ تَعْمَلْ شَهَادَتُهُمْ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُعَيِّنُوا الْمِلْكَ الْمَغْصُوبَ أَوْ نَاحِيَةً مِنْ الْأَرْضِ يَكُونُ ذَلِكَ فِيهَا، مِنْ وَثَائِقِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيِّ فِي عُقُودِ الِاسْتِحْقَاقِ.

стр. 306

[فَصْلٌ فِي الشَّهَادَاتِ فِي الْقَذْفِ وَالزِّنَا وَاللِّوَاطِ] مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ فُلَانًا افْتَرَى عَلَى فُلَانٍ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ آذَاهُ أَوْ سَفَّهَهُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَكْشِفُوا عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ إذْ قَدْ يَظُنُّونَ صِحَّةَ مَا قَالُوهُ وَهُوَ عَلَى خِلَافِ مَا ظَنُّوا وَقَالَهُ أَصَبْغُ، قَالَ أَصَبْغُ: إلَّا أَنْ تَفُوتَ الْبَيِّنَةُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إعَادَتِهِمْ فَلْيُعَاقَبْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى أَحَقِّ مَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ فَيَسْأَلُهُمْ الْحَاكِمُ وَيَسْتَفْسِرُهُمْ كَمَا يَسْأَلُهُمْ فِي السَّرِقَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ مُبْرِزًا عَالِمًا بِوُجُوهِ الشَّهَادَةِ، وَلَا يَسْأَلُهُمْ عَمَّا أَكَلُوا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَا عَنْ لِبَاسِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ التَّعْنِيتِ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِذَا سَأَلَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ عَنْ صِفَةِ الزِّنَا فَأَبَوْا وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا فَلْتَرُدَّ شَهَادَتُهُمْ وَلْيُحَدُّوا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ كَشْفِ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَدُلَّ تَفْسِيرُهُمْ أَنَّهُ الزِّنَا وَيَقُولُوا مِثْلَ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَإِنْ اسْتَرَابَ الْقَاضِي مِنْ غَيْرِ عَدْلٍ سَأَلَهُ عَنْ غَيْرِ هَذَا مِمَّا يَرْجُو فِيهِ بَيَانًا مِنْ اخْتِلَافِ شَهَادَتِهِ. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي السَّرِقَةِ] وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ فِي السَّرِقَةِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مُجْمَلَةٌ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ الْحَاكِمُ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ السَّرِقَةِ مَا هِيَ؟ وَكَيْفَ أَخَذَهَا؟ وَمِنْ أَيْنَ أَخْرَجَهَا؟ ، وَإِلَى أَيْنَ أَخْرَجَهَا؟ فَإِنْ غَابَا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمَا الْحَاكِمُ لَمْ يُقْطَعْ السَّارِقُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دُونَ النِّصَابِ أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، فَإِنْ قَالَا: إنَّهَا مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ وَغَابَا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمَا لَمْ يُقْطَعْ إلَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمَذْهَبُهُمَا مَذْهَبُ الْحَاكِمِ.

стр. 307

فَصْلٌ مِنْ نَوْعِ مَا تَقَدَّمَ وَفِي وَثَائِقِ الْغَرْنَاطِيِّ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ مُجْمَلَةً فِي تَرْشِيدٍ أَوْ تَسْفِيهٍ أَوْ مَالِكٍ أَوْ غَبْنٍ أَوْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَعْدِيلٍ أَوْ تَوْلِيجٍ إلَّا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَمَّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إلَّا مُفَسَّرَةً، وَكَذَا فِي الْكُفْرِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَكْفُرُ بِهَا. نَوْعٌ مِنْهُ: وَإِذَا قَالَ الشُّهُودُ نَشْهَدُ عَلَى فُلَانَةَ بِنْتِ فُلَانٍ الْبِكْرِ الْمُعَنَّسِ بِكَذَا، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ تَكُونَ الشُّهُودُ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِحَدِّ التَّعْنِيسِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الشُّهَدَاءِ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى التَّرْشِيدِ] وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ فَقَطْ فِي تَرْشِيدِ السَّفِيهِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ فَاشِيًا قَالَهُ أَصَبْغُ، وَتَجُوزُ فِي فُشُوِّ ذَلِكَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي شَهَادَتِهِنَّ فِيهِ. وَفِي الْأَحْكَامِ لِابْنِ حَبِيبٍ سَمِعْت أَصَبْغَ يَقُولُ: لَا أَرَى أَنْ يَخْرُجَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ مِنْ وِلَايَتِهِ وَلَا أَنْ يَجُوزَ لِلْبِكْرِ تَصَرُّفٌ فِي مَالِهَا، وَإِنْ عَنَّسَتْ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَنَّ نَظَرَهُمَا فِي أَمْوَالِهِمَا حَسَنٌ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ شَهَادَتِهِمَا فَاشِيًا غَالِبًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَا أَرَى أَنْ تُدْفَعَ إلَيْهِمَا أَمْوَالُهُمَا بِشَهَادَتِهِمَا. وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ مُزَيْنٍ قَالَ عِيسَى فِي قَوْلِ مَالِكٍ: لَيْسَ لِلْبِكْرِ جَوَازٌ فِي مَالِهَا حَتَّى تَدْخُلَ بَيْتَهَا وَيُعْرَفُ الرُّشْدُ مِنْ حَالِهَا وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ الِاخْتِبَارِ أَنَّهَا صَحِيحَةُ الْعَقْلِ حَسَنَةُ النَّظَرِ فِي مَالِهَا مُصْلِحَةٌ لَهُ حَابِسَتُهُ عَلَى نَفْسِهَا. وَلَا يَكُونُ هَذَا بِشَهِيدِينَ حَتَّى يَشْهَدَ لَهَا مَلَأٌ مِنْ النَّاسِ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْهَا وَيُشْتَهَرُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ جَازَ أَمْرُهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَدِيثَةَ السِّنِّ، وَلَا يُنْتَظَرُ بِهَا سَنَةً بَعْدَ الْبِنَاءِ، وَلَا أُحِبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهَا وَلَا إلَى الْمَوْلَى عَلَيْهِ مَالَهُمَا، وَلَا يُخْرِجُهُمَا مِنْ وِلَايَةِ مَنْ يَنْظُرُ لَهُمَا حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ أَمْرِهِمَا جَمَاعَةٌ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، أَوْ الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، وَيَكُونُ أَمْرُهُمَا فَاشِيًا، وَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ وَلَا يُكْتَفَى فِيهِ بِرَجُلَيْنِ حَتَّى يَكُونَ

стр. 308

مَعَهُمَا سَمَاعٌ فَاشٍ يُعْرَفُ بِهِ حُسْنُ حَالِهِمَا وَرَأْيُهُمَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَإِصْلَاحُهُمَا بِمَالِهِمَا. وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ مِثْلَهُ، قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَا يَجُوزُ فِي هَذِهِ إلَّا شَهَادَةُ الْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ، وَمَنْ يُرَى أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، وَبِهِ كَانَتْ تَعْمَلُ قُضَاتُنَا بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ وَقَالَ لِي أَصَبْغُ تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ الْأَبَاعِدِ، إذَا لَمْ يَقُمْ الْأَقَارِبُ وَيُنْكِرُوا شَهَادَةَ الْأَبَاعِدِ. فَرْعٌ: قَالَ أَصَبْغُ: وَإِنْ عَجَزَ السَّفِيهُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَهِيدِينَ، لَمْ أَرَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ أَخْذِ مَالِهِ. وَفِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ، أَنَّ شُهُودَ التَّرْشِيدِ تَجِبُ فِيهِمْ الْكَثْرَةُ، وَأَقَلُّهُمْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَرْبَعَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي التَّسْفِيهِ وَفِي الِاسْتِرْعَاءَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي التَّرْشِيدِ وَالسَّفَهِ لَا تُقْبَلُ مُجْمَلَةً وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُفَسَّرَةً. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ] وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ عَنْ مَأْخَذِ الْأَحْكَامِ، قَالَ وَلِقَبُولِ الشَّهَادَةِ فِي النَّقْلِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهُمَا: فِي شَهَادَةِ التَّعْدِيلِ. الثَّانِي: فِي الْمُخَالَطَةِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّعْدِيلِ. الثَّالِثُ: فِي الْوَصْفِ الْكَافِي فِي التَّعْدِيلِ. فَأَمَّا شَاهِدُ التَّعْدِيلِ، فَالْمُبَرِّزُ النَّاقِدُ الْفَطِنُ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي عَقْلِهِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شُرُوطُ التَّعْدِيلِ، وَلَا تُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ مِنْ الْأَبْلَهِ وَالْجَاهِلِ بِوَجْهِ الْعَدَالَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ عَدْلًا مَقْبُولًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُقْبَلُ تَعْدِيلُ مَنْ يَرَى تَعْدِيلَ كُلِّ مُسْلِمٍ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الْمُخَالَطَةُ الْمُبِيحَةُ لِلتَّعْدِيلِ فَأَنْ يَتَكَرَّرَ اخْتِبَارُهُ لَهُ، وَتَطُولَ مُخَالَطَتُهُ إيَّاهُ، وَلَا يَقْنَعُ فِي ذَلِكَ بِالْيَسِيرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةٍ ظَاهِرَةٍ وَبَاطِنَةٍ، وَذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إلَّا مَعَ الْمُطَاوَلَةِ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ النَّاسِ تَزْيِينَ الظَّوَاهِرِ وَكِتْمَانَ الْعُيُوبِ، وَمَعْنَى مَعْرِفَةِ بَاطِنِهِ أَنْ يَعْلَمَ الْغَائِبَ مِنْ بَاطِنِهِ الَّذِي يَصِحُّ لَهُ بِهِ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْقَطْعُ عَلَى ذَلِكَ فَمِنْ الْغَيْبِ.

стр. 309

مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ شُهُودُ التَّزْكِيَةِ بِخِلَافِ شُهُودِ الْحُقُوقِ، قَالَ مَالِكٌ: قَدْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْدِيلُهُ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا تَعْدِيلُ الْعَارِفِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُقْبَلُ فِي التَّزْكِيَةِ إلَّا الْعَدْلُ الْمُبَرِّزُ الْفَطِنُ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي عَقْلِهِ وَلَا يُسْتَنْزَلُ فِي رَأْيِهِ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَبِهِ جَرَى الْعَمَلُ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا: أَنَّ شُهُودَ التَّزْكِيَةِ كَشُهُودِ سَائِرِ الْحُقُوقِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ الشَّاهِدُ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ جُرْحَةٌ قَدِيمَةٌ أَوْ يَعْلَمُهَا الْحَاكِمُ فِيهِ، لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِتَزْكِيَتِهِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ مِمَّنْ عَلِمَ بِجُرْحَتِهِ ثُمَّ شَهِدَ عَلَى تَوْبَتِهِ مِنْهَا وَنَزْعِهِ عَنْهَا وَحِينَئِذٍ يُزَكِّيهِ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ الْمَحْدُودُ وَالْمَقْذُوفُ بِمَنْزِلَتِهِ لَا تَجُوزُ تَزْكِيَتُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ بِمَعْرِفَةٍ تَزَيُّدِهِ فِي الْخَيْرِ. تَنْبِيهٌ: تَعْدِيلُ الْأَبِ ابْنَهُ أَوْ الِابْنُ أَبَاهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُعَدِّلُ مُبَرِّزًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَ قِيَامُهُ لِغَيْرِ التَّعْدِيلِ وَلَمْ يَقْصِدْ إلَّا إحْيَاءَ الشَّهَادَةِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَصِفَهُ بِاَلَّذِي تَتِمُّ بِهِ شَهَادَتُهُ مِنْ عَدَالَتِهِ مِنْ الْبَيَانِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي الشَّاهِدِ الَّذِي لَمْ تَثْبُتْ عَدَالَتُهُ وَلَا جُرْحَتُهُ يَشْهَدُ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ: مَذْهَبُ مَالِكٍ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْبَحْثُ عَنْ حَالِهِ وَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى فِسْقٍ وَلَا عَلَى عَدَالَةٍ حَتَّى تَنْكَشِفَ لَهُ إحْدَى الْحَالَتَيْنِ. مَسْأَلَةٌ: لَا يُزَكَّى الشَّاهِدُ إذَا لَمْ يَعْرِفْهُ الْقَاضِي إلَّا عَلَى عَيْنِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الْمُزَكِّيَ عَنْ تَفْسِيرِ الْعَدَالَةِ: إذَا كَانَ عَالِمًا بِوُجُوهِهَا، وَلَا عَنْ الْجُرْحَةِ إذَا كَانَ عَالِمًا بِهَا. [فَصْلٌ عَدَدُ مَنْ يُقْبَلُ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ] فَصْلٍ: وَأَمَّا عَدَدُ مَنْ يُقْبَلُ فِي تَزْكِيَةِ الْعَلَانِيَةِ، فَقِيلَ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ عَدْلَانِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ، وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ أَقَلَّ مَا يُزَكِّي الرَّجُلَ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: فِي الْوَاضِحَةِ وَالتَّزْكِيَةُ تَخْتَلِفُ، فَتَكُونُ بِالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ بِقَدْرِ مَا يَظْهَرُ لِلْحَاكِمِ وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَهُ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَمَا كَثُرَ مِنْ الشُّهُودِ فَهُوَ أَحْسَنُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ التَّزْكِيَةُ فِي شَاهِدٍ شَهِدَ بِزِنًا، فَإِنَّ مُطَرِّفًا رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُزَكِّيهِ إلَّا أَرْبَعَةٌ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ، فَمَرَّةً اسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَجْتَزِئَ بِقَوْلِ وَاحِدٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ أَجَازَهُ، وَاَلَّذِي جَرَى

стр. 310

بِهِ الْقَضَاءُ أَنَّهُ لَا يَجْتَزِئُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ عَدَاوَةٌ، قَالَهُ الْمُتَيْطِيُّ. وَقَالَ أَيْضًا وَاسْتُحْسِنَ إذَا ثَبَتَتْ الْعَدَالَةُ بِاثْنَيْنِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْبَحْثِ وَالْكَشْفِ فَلَا يَزِيدُهُ ذَلِكَ إلَّا خَيْرًا. فَرْعٌ: وَلَا يَكْتَفِي الْقَاضِي بِتَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ دُونَ تَعْدِيلِ السِّرِّ، وَلَهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِتَعْدِيلِ السِّرِّ دُونَ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ. وَمَعْنَاهُ فِي الِاخْتِيَارِ دُونَ اللُّزُومِ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا. فَرْعٌ: وَلَا تُقْبَلُ تَزْكِيَةُ النِّسَاءِ لَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَلَا فِي حَقِّ النِّسَاءِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّ التَّزْكِيَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ تَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ، قَالَ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُنَّ يُزَكِّينَ الرِّجَالَ إذَا شَهِدُوا فِيمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطَةِ، وَالْقِيَاسُ جَوَازُ تَزْكِيَتِهِنَّ لِلنِّسَاءِ اُنْظُرْ الْبَيَانَ. تَنْبِيهٌ: تَعْدِيلُ السِّرِّ يُفَارِقُ تَعْدِيلَ الْعَلَانِيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إعْذَارٌ فِي تَعْدِيلِ السِّرِّ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَيُعْذَرُ إلَيْهِ فِي تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يُجْتَزَأُ فِي تَعْدِيلِ السِّرِّ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ اثْنَيْنِ بِخِلَافِ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ، يَعْنِي الْإِعْذَارَ وَعَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِالْوَاحِدِ. [فَصْلٌ إذَا كَتَبَ الشُّهُودُ شَهَادَتَهُمْ فِي عَقْدِ التَّزْكِيَةِ وَشَهِدُوا بِهَا] فَصْلٌ: فَإِذَا كَتَبَ الشُّهُودُ شَهَادَتَهُمْ فِي عَقْدِ التَّزْكِيَةِ، وَشَهِدُوا بِهَا عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى عَيْنِ الْمُزَكَّى فِيهِ، كَتَبَ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَهِدَ عِنْدِي عَلَى عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْعَيْنِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَدْلُ مَشْهُورَ الْعَيْنِ فِي الْبَلَدِ لَا يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ بِتَعْدِيلِهِ غَائِبًا. تَنْبِيهٌ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَأَمَّا الْبَعِيدُ الْغَيْبَةِ فَيَسْمَعُ التَّزْكِيَةَ فِيهِ، وَيَقْبَلُ كَمَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ غَائِبًا.

стр. 311

[فَصْلٌ فِي صِفَةِ شَهَادَةِ التَّعْدِيلِ] وَالتَّعْدِيلُ التَّامُّ عِنْدَ مَالِكٍ، وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنْ يَقُولَ: هُوَ عَدْلٌ رِضًا، قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا، وَلَوْ قَالَ نِعْمَ الْعَبْدُ، أَوْ قَالَ هُوَ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ تَعْدِيلًا إذَا كَانَ الْمُعَدِّلُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَمْ يَنْفُذْ تَعْدِيلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ هُوَ عَدْلٌ رِضًا فِي عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَلَا أَنْ يَقُولَ أَرْضَاهُ لِي، وَعَلَيَّ وَرَوَاهُ أَشْهَبُ وَابْنُ لُبَابَةَ، عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ، وَلَا لَهُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُهُ إلَّا عَدْلًا رِضًا. قَالَ سَحْنُونٌ وَلَا أَنْ يَقُولَ هُوَ صَالِحٌ. وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُدِيُّ: هُوَ تَعْدِيلٌ. فَرْعٌ: قَالَ أَصَبْغُ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ هُوَ عَدْلٌ، وَلَكِنْ يَقُولُ أَرَاهُ عَدْلًا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: كُلُّ لَفْظٍ عُبِّرَ بِهِ عَنْ عَدْلٍ رِضًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ. فَرْعٌ: فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الْكَلِمَتَيْنِ فَفِي الْجَلَّابِ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا. وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ اقْتَصَرَ عَلَى عَدْلٍ أَجْزَأَهُ. وَقَالَهُ غَيْرُهُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، وَأَجَازَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ الِاقْتِصَارَ عَلَى رِضًا؛ لِقَوْلِهِ : ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْكَافِي تَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا يَجْتَزِئُ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ عَنْ الْآخَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ رِوَايَةُ ابْنِ الْجَلَّابِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا: أَنَّ حَدَّ الْوَصْفَيْنِ تَعْدِيلٌ قَالَ وَهُوَ الصَّوَابُ، وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَالْقَضَاءُ مَا قَدَّمْنَاهُ. تَنْبِيهٌ: وَمَعْنَى رِضًا هُوَ الَّذِي لَا يُخْدَعُ، وَلَا يُلَبَّسُ عَلَيْهِ، وَلَا يُطْمَعُ فِي غَفْلَتِهِ، وَلَا خُدْعَتِهِ. فَرْعٌ: وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُضِيفَ إلَى عَدْلٍ رِضًا مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَيُقْضَى بِهَا، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ وَهُوَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهَا دُونَ عَدْلٍ رِضًا، فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ الْعَالِمِ كَمَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ التَّزْكِيَةِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ] فَصْلٌ: مَنَعَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ التَّزْكِيَةِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ، وَمِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالتَّعْدِيلِ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ رَجُلٌ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ

стр. 312

غَائِبٍ وَمَيِّتٍ، وَيُزَكِّيهِ مَعَ ذَلِكَ. وَقَالَ هُوَ الَّذِي لَا نَعْلَمُ خِلَافَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَعَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَجَازَ سَحْنُونٌ أَنْ يَشْهَدَ رَجُلٌ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا الْغَائِبَيْنِ أَوْ الْمَيِّتَيْنِ، أَشْهَدَهُمَا عَلَى تَعْدِيلِ فُلَانٍ الَّذِي يَشْهَدُ الْآنَ فِي حَقٍّ وَهُوَ عِنْدَهُ تَعْدِيلٌ كَامِلٌ. فَرْعٌ: قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: زَادَ فِي الْعُتْبِيَّةِ قِيلَ لَهُ فِي التَّجْرِيحِ أَتَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى مَا وُصِفْتُ لَك فِي الْعَدَالَةِ فِي غَيْبَةِ الشُّهُودِ أَوْ مَرَضِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَحْنُونٍ أَنَّ أَبَاهُ رَجَعَ عَنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الشُّهُودِ فِي الْعَدَالَةِ وَالتَّجْرِيحِ إلَّا فِي تَعْدِيلِ الْبَدْوِيِّ فَذَلِكَ جَائِزٌ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَمَا رَجَعَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ التَّعْدِيلَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الشَّهَادَةِ وَلَوْ جَازَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ لَجَازَتْ شَهَادَةُ غَيْرِ الْعَدْلِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ تَتَغَيَّرُ أَحْوَالُهُمْ، وَإِنَّمَا يُعَدَّلُونَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ. فَرْعٌ: وَلَا يُزَكِّي الشَّاهِدُ مَنْ شَهِدَ مَعَهُ وَلَا مَنْ نَقَلَ مَعَهُ شَهَادَتَهُ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ، وَأَجَازَ سَحْنُونٌ إذَا شَهِدَتْ طَائِفَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ، أَنْ تُزَكِّيَ كُلُّ طَائِفَةٍ صَاحِبَتَهَا وَهُوَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَتَا فِي حَقَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْهُ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَلَوْ شَهِدَتَا فِي حَقَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. فَرْعٌ: وَإِذَا زَكَّى الشَّاهِدُ رَجُلًا فِي حَقٍّ ثُمَّ شَهِدَ ذَلِكَ الْمُزَكَّى عَلَى الشَّاهِدِ مَضَتْ شَهَادَتُهُ دُونَ افْتِقَارِ التَّزْكِيَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ زَكَّاهُ أَوَّلًا حَكَاهُ صَاحِبُ الطُّرَرِ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ. [فَصْلٌ فِي صِفَةِ تَعْدِيلِ السِّرِّ] وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، وَتَعْدِيلُ السِّرِّ أَنْ يَتَّخِذَ الْحَاكِمُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالرِّضَا مُجْمَعًا عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَيُوَلِّيهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ الشُّهُودِ سِرًّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلَا يُشْهِرُهُ لِئَلَّا يَصِيرَ حَكَمًا مِثْلَهُ، فَيَسْأَلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَنْ الشَّاهِدِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ مَسْجِدِهِ، وَأَهْلِ مَحَلَّتِهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى سُؤَالٍ وَاحِدٍ، خِيفَةَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّاهِدِ ضَغَنٌ، وَلَكِنْ يَسْأَلُ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، وَيَسْتَسِرُّ بِذَلِكَ وَلَا يَنْقُلُ لِلْحَاكِمِ إلَّا مَا اتَّفَقَ

стр. 313

عَلَيْهِ عَدْلَانِ فَأَكْثَرُ، فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ إذَا وَثِقَ بِعَدَالَةِ الرَّجُلِ وَصَلَاحِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِأَهْلِ مَكَانِهِ، وَبِوُجُوهِ الْعَدَالَةِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَيُعَرِّفَهُ مَنْ تُجْهَلُ عَدَالَتُهُ أَوْ جُرْحَتُهُ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ تَعْدِيلِ السِّرِّ. [فَصْلٌ صِفَةُ الشَّهَادَةِ عَلَى التَّجْرِيحِ] فَصْلٌ: وَأَمَّا صِفَةُ الشَّهَادَةِ عَلَى التَّجْرِيحِ، فَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ هُوَ عِنْدَنَا مَجْرُوحٌ، وَمِثْلُهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُجَرِّحِينَ أَنْ يَكْشِفُوا التَّجْرِيحَ إذَا كَانُوا مِمَّنْ يَعْرِفُ وَجْهَ التَّجْرِيحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ فُصُولِ الْأَعْذَارِ ذِكْرُ مَا يُسْمَعُ مِنْ التَّجْرِيحِ وَمَا لَا يُسْمَعُ. فَرْعٌ: وَالْوَاحِدُ يُجَرِّحُ وَذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِمَسْأَلَةِ الْقَاضِي وَكَانَ عَدْلًا، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ التَّجْرِيحُ إذَا كَانَ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ الَّذِي أَحَاطَ بِهِ الْعِلْمُ وَجَرَى بِهِ الْحُكْمُ فِي التَّجْرِيحِ بِالْعَدَاوَةِ أَنَّهَا تَكُونُ بِشَهَادَةٍ مَنْ يُزَكَّى مِنْ الشُّهَدَاءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَهْلُ التَّبْرِيزِ فِي الْعَدَالَةِ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ التَّبْرِيزُ فِي غَيْرِ الْعَدَاوَةِ مِنْ وُجُودِ التَّجْرِيحِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي فِي رَسْمٍ تَدَاعَى بَيْنَ سَهْلِ بْنِ الدَّبَّاغِ وَيَعْمُرَ فِي سَانِيَةٍ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُجَرِّحَ شَاهِدًا أَنَّهُ شَهِدَ بِالْحَقِّ، ذَكَرَهَا فِي رَسْمِ تَقْيِيدِ عَدَاوَةٍ لِتَكُونَ عِدَّةً. [فَصْلٌ فِي تَعَارُضِ شُهُودِ التَّزْكِيَةِ وَالْجَرْحِ] وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ لَوْ عَدَّلَ شَاهِدَانِ رَجُلًا وَجَرَّحَهُ آخَرَانِ، فَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: قِيلَ يَقْضِي بِأَعْدَلِهِمَا لِاسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ يَقْضِي بِشُهُودِ الْجَرْحِ؛ لِأَنَّهُمْ زَادُوا عَلَى شُهُودِ التَّعْدِيلِ، إذْ الْجَرْحُ مِمَّا يَبْطُنُ فَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ كُلُّ النَّاسِ، بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ، وَلِلَّخْمِيِّ تَفْصِيلٌ قَالَ إنْ كَانَ اخْتِلَافُ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي فِعْلِ شَيْءٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، كَدَعْوَى إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا. وَقَالَتْ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَقْضِي بِأَعْدَلِهِمَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ قَضَى بِشَهَادَةِ الْجَرْحِ؛ لِأَنَّهَا زَادَتْ عِلْمًا فِي الْبَاطِنِ

стр. 314

وَإِنْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ الْمَجْلِسَيْنِ قَضَى بِآخِرِهِمَا تَارِيخًا، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَدْلًا فَفَسَقَ، أَوْ فَاسِقًا فَتَزَكَّى، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ تَقْيِيدِ الْجَرْحِ ظَاهِرُ الْعَدَالَةِ، فَبَيِّنَةُ الْجَرْحِ مُقَدَّمَةٌ؛ لِأَنَّهَا زَادَتْ. [فَصْلٌ فِي شَهَادَةِ الِاسْتِرْعَاءِ] وَشَهَادَاتُ الِاسْتِرْعَاءِ: لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الشُّهُودُ يَسْتَحْضِرُونَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا الْوَثِيقَةَ. إذَا كَانَتْ الْوَثِيقَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى مَعْرِفَةِ الشُّهُودِ، وَذَلِكَ فِي عُقُودِ الِاسْتِرْعَاءِ الَّتِي يُكْتَبُ فِيهَا، يَشْهَدُ الْمُسَمَّوْنَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ رِيبَةً تُوجِبُ التَّثَبُّتَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُمْ مَا تَشْهَدُونَ بِهِ فَإِنْ ذَكَرُوا شَهَادَتَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلَى مَا فِي الْوَثِيقَةِ، جَازَتْ وَإِلَّا رَدَّهَا، وَلَيْسَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ هَذَا وَلَا بِكُلِّ الشُّهُودِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوَثِيقَةُ مُنْعَقِدَةً عَلَى إشْهَادِ الشَّاهِدَيْنِ كَالصَّدَقَةِ وَالِابْتِيَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ الشُّهُودُ بِحِفْظِ مَا فِي الْوَثِيقَةِ، وَحَسْبُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ شَهَادَتَهُمْ فِيهَا حَقٌّ، وَأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مَنْ أَشْهَدَهُمْ، وَلَا يُمْسِكُ الْقَاضِي الْكِتَابَ وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ. [فَصْلٌ فِي الشَّهَادَةِ فِي الْعَدَمِ] ِ. وَصِفَتُهَا أَنْ تَقُولَ الشُّهُودُ: إنَّا نَعْرِفُ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ مَعْرِفَةً صَحِيحَةً، وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَقْرِ وَالْعَدَمِ، وَمَا عِلْمَنَا أَنَّ لَهُ مَالًا حَاضِرًا وَلَا غَائِبًا وَلَا رِيعًا وَلَا عُرُوضًا، وَلَا شَيْئًا يُعْدَى عَلَيْهِ فِيهِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمِدْيَانِ أَنَّ لَهُ مَالًا وَلَمْ تُعَيِّنْ ذَلِكَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ إذَا كَانَ الْعَدَمُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ، وَإِنَّمَا أُلْزِمَ بِالْيَمِينِ اسْتِبْرَاءً إذَا اُتُّهِمَ أَنَّهُ أَخْفَى مَالًا. [فَصْلٌ إذَا وَقَعَ فِي وَثِيقَة مَحْوٌ أَوْ بَشْرٌ أَوْ ضَرْبٌ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْعَدَدِ] فَصْلٌ: وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ إذَا وَقَعَ فِي الْوَثِيقَةِ مَحْوٌ أَوْ بَشْرٌ أَوْ ضَرْبٌ فِي غَيْرِ مَوَاضِعِ الْعَدَدِ، مِثْلُ عَدَدُ الدَّنَانِيرِ أَوْ جُلُّهَا أَوْ تَارِيخُ الْوَثِيقَةِ

стр. 315

وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّ الْوَثِيقَةَ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَذِرْ مِنْهُ الْكَاتِبُ، وَإِنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ، سُئِلَتْ الْبَيِّنَةُ عَنْهُ، فَإِنْ حَفِظَتْ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا الْوَثِيقَةَ مَضَتْ، وَسُئِلُوا عَنْ الْبَشْرِ، فَإِنْ حَفِظُوهُ مَضَتْ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظُوهُ سَقَطَتْ الْوَثِيقَةُ. [الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِيمَا يُحَدِّثُهُ الشَّاهِدُ بَعْدَ شَهَادَتِهِ فَتَبْطُلُ] وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَلَمَّا أَدَّى شَهَادَتَهُ عِنْدَهُ قَالَ لَهُ بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا يَعْنِي الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ، يُهَدِّدُنِي وَيَشْتُمُنِي وَيَرْمِينِي بِالْمَكْرُوهِ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: قَدْ أَبْطَلَ شَهَادَتُهُ، وَلَا أَرَى لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْبَلَهَا؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ أَنَّهُ عَدُوُّهُ فَكَيْفَ يَشْهَدُ عَلَيْهِ؟ وَبِأَدْنَى مِنْ هَذَا الْكَلَامِ تَطْرَحُ شَهَادَتَهُ. وَقَالَ أَصَبْغُ: إنْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الشَّكْوَى وَقَصَدَهُ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ الْأَذَى، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى طَلَبِ خُصُومَتِهِ بِذَلِكَ، وَلَا سَمَّى الشَّتِيمَةَ فَلَا أَرَى ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِنْ سَمَّى الشَّتِيمَةَ وَقَامَ بِهَا يُطَالِبُهُ أَوْ يُخَاصِمُهُ، أَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْخُصُومَةِ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَشَهَادَتُهُ سَاقِطَةٌ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ ثُمَّ حَدَثَ مِنْهُ زِنًا أَوْ قَذْفٌ أَوْ شُرْبُ خَمْرٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُجَرِّحُهُ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ، إلَّا أَنْ يَنْفُذَ الْقَضَاءُ بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ إلَى ذَلِكَ، فَيَنْفُذُ الْحُكْمُ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إذَا كَتَبَ الْقَاضِي شَهَادَةَ الشَّاهِدِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَتَّى قَتَلَ أَوْ قَذَفَ أَوْ قَاتَلَ، مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَلَا تَسْقُطُ بِهَذَا شَهَادَتُهُ الَّتِي وَقَعَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ، إلَّا أَنْ يُحْدِثَ مَا يَسْتُرُهُ النَّاسُ مِنْ الزِّنَا وَالشُّرْبِ فَتَسْقُطُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ، وَأَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ فَقِبَلَهُ الْإِمَامُ، وَأَحْلَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ فَسَدَتْ حَالُ الشَّاهِدِ، ثُمَّ شَهِدَ آخَرُ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِ، قَالَ: لَا يُقْبَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الزَّوْجِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ تُضَمُّ شَهَادَتُهُ إلَى الشَّاهِدِ الثَّانِي غَيْرِ الْعَدْلِ، فَشَهَادَةُ الْأَوَّلِ سَاقِطَةٌ.

стр. 316

مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ ثُمَّ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ خُصُومَةٌ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ بِذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ لِامْرَأَةٍ بِشَهَادَتِهِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَتَّى تَزَوَّجَهَا، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ مَاضِيَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ وَالزَّوْجِيَّةَ إنَّمَا حَدَثَتَا بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلِذَلِكَ كَانَتْ مَاضِيَةً، وَفِي الْمُقْنِعِ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى. [الْفَصْلُ الْعَاشِرُ فِي صِفَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ] وَاللَّفْظُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ قَالَ الْقَرَافِيُّ ﵀ فِي الْفَرْقِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَتَيْنِ: اعْلَمْ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ بِالْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ، فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِلْحَاكِمِ: أَنَا أُخْبِرُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِأَنَّ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دِينَارًا عَنْ يَقِينٍ، فَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ الْقَاضِي عَلَى هَذَا الْوَعْدِ، وَلَوْ قَالَ قَدْ أَخْبَرْتُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِكَذَا، كَانَ كَاذِبًا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ تَقَدُّمُ الْإِخْبَارِ مِنْهُ، وَلَمْ يَقَعْ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْكَذِبِ لَا يَجُوزُ، فَالْمُسْتَقْبَلُ وَعْدٌ وَالْمَاضِي كَذِبٌ وَكَذَلِكَ اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُقْتَضِي لِلْحَالِ كَقَوْلِهِ: أَنَا مُخْبِرُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ اتِّصَافِهِ بِالْخَبَرِ لِلْقَاضِي وَذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ، فَالْخَبَرُ كَيْفَ تَصَرَّفَ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلشَّاهِدِ بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ؟ فَقَالَ حَضَرْت عِنْدَ فُلَانٍ فَسَمِعْته يُقِرُّ بِكَذَا، أَوْ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا، أَوْ شَهِدْت بَيْنَهُمَا بِصُدُورِ الْبَيْعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ، لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَدَاءَ شَهَادَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ اعْتِمَادٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بِسَبَبِ أَنَّ هَذَا مُخْبِرٌ عَنْ أَمْرٍ تَقَدَّمَ. فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَانِعٍ مِنْ الشَّهَادَةِ بِهِ مِنْ فَسْخٍ أَوْ إقَالَةٍ أَوْ حُدُوثِ رِيبَةٍ لِلشَّاهِدِ تَمْنَعُ الْأَدَاءَ، فَلَا يَجُوزُ لِأَجْلِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الِاعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إذَا صَدَرَ مِنْ الشَّاهِدِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا، وَالْإِنْشَاءُ لَيْسَ بِخَبَرٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ، فَإِذَا قَالَ الشَّاهِدُ: أَشْهَدُ عِنْدَك أَيُّهَا الْقَاضِي كَانَ إنْشَاءً، وَلَوْ قَالَ شَهِدْت لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً، وَعَكْسُهُ فِي الْبَيْعِ لَوْ قَالَ أَبِيعُك لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ، بَلْ إخْبَارٌ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ بَيْعٌ بَلْ هُوَ وَعْدٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُك كَانَ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ، فَالْإِنْشَاءُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمُضَارِعِ وَفِي الْعُقُودِ بِالْمَاضِي، وَاسْمُ الْفَاعِلِ نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتَ حُرٌّ، وَلَمْ يَقَعْ الْإِنْشَاءُ فِي الْبَيْعِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَةِ نَحْوُ أَنَا شَاهِدٌ

стр. 317

عِنْدَك بِكَذَا، أَوْ أَنَا بَائِعُك بِكَذَا، فَهُوَ لَيْسَ إنْشَاءً. قَالَ وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ: الْوَضْعُ الْعُرْفِيُّ، فَمَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْعُرْفِ لِلْإِنْشَاءِ كَانَ إنْشَاءً وَمَا لَا فَلَا، فَإِنْ اُتُّفِقَ أَنَّ الْعَوَائِدَ تَغَيَّرَتْ، وَصَارَ الْمَاضِي مَوْضِعًا لِإِنْشَاءِ الشَّهَادَةِ، وَالْمُضَارِعُ لِإِنْشَاءِ الْعُقُودِ، جَازَ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا صَارَ مَوْضِعًا لِلْإِنْشَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعُرْفِ الْأَوَّلِ. تَنْبِيهٌ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ: هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدِ الْمَالِكِيَّةِ، وَنَقَلَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ الدِّمَشْقِيُّ: أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵀ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ، بَلْ مَتَى قَالَ الشَّاهِدُ رَأَيْت كَذَا وَكَذَا، أَوْ سَمِعْت نَحْوَ ذَلِكَ كَانَتْ شَهَادَتُهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا وَرَدَ فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، بَلْ الْأَدِلَّةُ الْمُتَظَاهِرَةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ تَنْفِي ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] الْآيَةَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ التَّلَفُّظَ بِلَفْظِ أَشْهَدُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بَلْ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ بِتَحْرِيمِهِ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ [النساء: ١٦٦] ، وَلَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى أَنْ يَقُولَ - سُبْحَانَهُ - أَشْهَدُ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الْآيَةَ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] أَيْ أَخْبَرَ بِهِ وَتَكَلَّمَ بِهِ عَنْ عِلْمٍ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] الْآيَةَ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] ، وَالْمُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَقُولُ أَشْهَدُ وَسَمَّى ذَلِكَ شَهَادَةً، وَلَا يَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْإِسْلَامِ إلَى أَنْ يَقُولَ الدَّاخِلُ فِي الْإِسْلَامِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، بَلْ لَوْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كَفَى. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ - حُنَفَاءَ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١] . وَقَالَ ﵊: «عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ» . وَقَالَ ﵊: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ فَسَمَّى قَوْلَ الزُّورِ شَهَادَةً» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ

стр. 318

الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يَقُلْ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عِنْدَك، وَلَكِنْ أَخْبَرَهُ فَسَمَّى ذَلِكَ شَهَادَةً، فَاشْتِرَاطُ لَفْظِ الشَّهَادَةِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَا فِي عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ وَنَسَبَهُ إلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. تَنْبِيهٌ: وَيُؤَيِّدُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ عَنْ مَذْهَبِنَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي الْمُقْنِعِ عَنْ أَصَبْغَ قَالَ: لَقَدْ حَضَرْت ابْنَ وَهْبٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ الْقَاضِي الْعُمَرِيِّ، فَكَانَ كَاتِبُ الْقَاضِي يَقْرَأُ عَلَى الْقَاضِي شَهَادَةَ الشَّاهِدِ بِمَحْضَرِ الشَّاهِدِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلشَّاهِدِ هَذِهِ شَهَادَتُك؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَوْلُهُ نَعَمْ لَيْسَ هُوَ إنْشَاءٌ لِلشَّهَادَةِ، وَقَدْ اكْتَفَى بِهِ مِنْ الشَّاهِدِ وَفِي رِسَالَةِ الْقَضَاءِ، وَالْأَحْكَامِ فِيمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ عِنْدَ الْحُكَّامِ، قَالَ: وَإِذَا فَرَغَ الْكَاتِبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَحْضَرِ الَّذِي تُقَيَّدُ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابُ قَالَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي هَذِهِ دَعْوَاك؟ فَإِذَا قَالَ نَعَمْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّهُودِ هَكَذَا شَهِدْت، فَإِذَا قَالَ نَعَمْ وَقَّعَ الْقَاضِي بِخَطِّهِ فِي آخِرِهِ، شَهِدَ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ عِنْدِي، وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ: كَذَلِكَ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عِنْدِي. فَجَعَلَ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَفْظَةَ نَعَمْ فَقَطْ. وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ شُرَيْحًا كَانَ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ إنَّمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ أَنْتُمَا، وَإِنَى مُحِقٌّ بِكَمَا فَاتَّقِيَا اللَّهَ أَتَشْهَدَانِ أَنَّ الْحَقَّ لِهَذَا؟ فَإِذَا قَالَا نَعَمْ أَجَازَ شَهَادَتَهُمَا، فَظَاهِرُ نُصُوصِ الْمَذْهَبِ، أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ لَا يُشْتَرَطُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبُولِهَا وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الشَّافِعِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ نَقَلَهُ مِنْ كَلَامِهِمْ، فَكَثِيرًا مَا يَنْقُلُ عِبَارَاتِهِمْ إذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا غَيْرُ مُخَالِفَةٍ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي تَصْحِيحِ الدَّعَاوَى، وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي بَابِ السِّيَاسَةِ مِنْ كِتَابِ الذَّخِيرَةِ لَهُ، نَقَلَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْمَاوَرْدِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَنُصُوصُ الْمَذْهَبِ مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ، وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِي قِسْمِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ. [فَصْلٌ الْفَرْقُ بَيْن الشَّهَادَةِ بِالْمَصْدَرِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ وَالشَّهَادَةِ بِالصُّدُورِ] فَصْلٌ: وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْرِيقٌ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمَصْدَرِ، وَاسْمِ الْمَفْعُولِ وَالشَّهَادَةِ بِالصُّدُورِ، فَإِذَا قَالَ الشُّهُودُ نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ، أَوْ هَذَا مَبِيعٌ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ هَذِهِ مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ، فَإِنَّ الْحَاكِمُ يَحْكُمُ بِمُوجِبِ شَهَادَتِهِمْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ شَهِدُوا بِالصُّدُورِ فَقَالُوا: نَشْهَدُ بِصُدُورِ الْوَقْفِ أَوْ بِصُدُورِ الْبَيْعِ، لَمْ يَحْكُمْ بِمُوجَبِ

стр. 319

شَهَادَتِهِمْ لِاحْتِمَالِ تَغْيِيرِ تِلْكَ الْعُقُودِ، كَمَا لَوْ اُسْتُحِقَّ الْوَقْفُ أَوْ صَدَرَتْ الْإِقَالَةُ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، قَالَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ قَبْلَ هَذَا، فَيَنْبَغِي تَأَمُّلُ ذَلِكَ. [الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيِّنَاتِ] [الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي الْقَضَاءِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ] وَمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهَا وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا وَيَنْحَصِرُ ذَلِكَ فِي سَبْعِينَ بَابًا وَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى إثْبَاتِ الزِّنَا، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ. الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: الشَّهَادَةُ عَلَى رُؤْيَةِ الزِّنَا عِيَانًا، فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ. الْوَجْهِ الثَّانِي: الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً، خِلَافًا لِمَنْ يَشْتَرِطُ الْإِقْرَارَ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَكْتَفِي بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى الْمُقِرِّ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ تَئُولُ إلَى إقَامَةِ الْحَدِّ، فَسَاوَتْ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمُعَايَنَةِ لِتَسَاوِي مُوجِبِهِمَا. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّهَادَاتِ عَلَى الْإِقْرَارَاتِ أَنْ يُكْتَفَى فِيهَا بِشَاهِدَيْنِ، فَأَجْرَى الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ. فَرْعٌ: وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ اُخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ اثْنَيْنِ فِي الْإِقْرَارِ وَالنَّقْلِ عَنْ شُهُودِ الْأَصْلِ الَّذِينَ عَايَنُوا الزِّنَا. وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي بِالْحُكْمِ بِذَلِكَ، هَلْ تَجُوزُ أَمْ لَا؟ ، وَإِذَا لَمْ تَجُزْ فَهَلْ يُحَدُّ الشَّاهِدَانِ أَمْ لَا؟ ، وَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى الْإِقْرَارِ حُدَّ، فَإِنْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ، قَالَ

стр. 320

ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحَدُّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُحَدُّ إذَا قَالَ أَشْهَدَنِي فُلَانٌ، إلَّا أَنْ يَقُولَ هُوَ زَانٍ أَشْهَدَنِي فُلَانٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ حُقِّقَ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يُثْبِتْ حُدَّ. فَرْعٌ: وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ: رَأَيْت فُلَانًا مَعَ فُلَانَةَ أَوْ بَيْنَ فَخِذَيْهَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعَاقَبُ. وَقَالَ غَيْرُهُ لَا عُقُوبَةَ، وَرَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّ الشَّاهِدَ إنْ كَانَ عَدْلًا فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ، أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فَيُعَاقَبُ، وَقِيلَ إنْ كَانَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ مِمَّنْ يُتَّهَمُ لَمْ يُعَاقَبْ الشَّاهِدُ، وَإِلَّا عُوقِبَ. الْوَجْهِ الثَّالِثِ: الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: يَكْفِي اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ، وَقِيلَ لَا يَكْفِي إلَّا أَرْبَعَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ، فَتَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ، وَقِيلَ يَكْفِي أَرْبَعَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُعَايَنَةِ. فَرْعٌ: لَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي أَحَدَ الشُّهُودِ فَاخْتُلِفَ، هَلْ يَكْتَفِي فِي تَعْدِيلِهِ بِاثْنَيْنِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ؟ الْوَجْهِ الرَّابِعِ: الشَّهَادَةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، هَلْ يَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي اثْنَانِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ؟ . مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا عَلَى رَجُلٍ وَتَعَلَّقُوا بِهِ، وَأَتَوْا بِهِ إلَى السُّلْطَانِ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ قَالَ لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ، وَأَرَاهُمْ قَذَفَةً، وَرَوَاهُ أَصَبْغُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، فَإِنْ كَانُوا أَصْحَابَ شَرْطٍ مُوَكَّلِينَ بِتَغَيُّرِ الْمُنْكَرِ وَرَفْعِهِ، فَأَخَذُوهُ وَجَاءُوا بِهِ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ، جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا فِي أَخْذِهِ وَرَفْعِهِ مَا يَلْزَمُهُمْ. وَفِي الْوَاضِحَةِ لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ، أَنَّهُ إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنًا عَلَى رَجُلٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا هُمْ الْقَائِمِينَ بِذَلِكَ مُجْتَمَعِينَ جَاءُوا، أَوْ مُتَفَرِّقِينَ إذَا كَانَ افْتِرَاقُهُمْ قَرِيبًا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. مَسْأَلَةٌ: وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعَةَ رِجَالٍ ذُكُورًا عُدُولًا، يَشْهَدُونَ بِزِنًا وَاحِدٍ مُجْتَمَعِينَ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، غَيْرَ مُفْتَرِقِينَ بِأَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ.
следующие страницы →