Полный текст (849 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا إذَا شَهِدَ الشَّاهِدُ ثُمَّ لَمْ يَحْكُمْ بِشَهَادَتِهِ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ خُصُومَةٌ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُرَدُّ بِذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ شَهِدَ لِامْرَأَةٍ بِشَهَادَتِهِ فَلَمْ يَحْكُمْ بِهَا حَتَّى تَزَوَّجَهَا، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ مَاضِيَةٌ؛ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ وَالزَّوْجِيَّةَ إنَّمَا حَدَثَتَا بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فَلِذَلِكَ كَانَتْ مَاضِيَةً، وَفِي الْمُقْنِعِ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
[الْفَصْلُ الْعَاشِرُ فِي صِفَةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ]
وَاللَّفْظُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ قَالَ الْقَرَافِيُّ ﵀ فِي الْفَرْقِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَتَيْنِ: اعْلَمْ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ بِالْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ، فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِلْحَاكِمِ: أَنَا أُخْبِرُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِأَنَّ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دِينَارًا عَنْ يَقِينٍ، فَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ الْقَاضِي عَلَى هَذَا الْوَعْدِ، وَلَوْ قَالَ قَدْ أَخْبَرْتُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِكَذَا، كَانَ كَاذِبًا؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ تَقَدُّمُ الْإِخْبَارِ مِنْهُ، وَلَمْ يَقَعْ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْكَذِبِ لَا يَجُوزُ، فَالْمُسْتَقْبَلُ وَعْدٌ وَالْمَاضِي كَذِبٌ وَكَذَلِكَ اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُقْتَضِي لِلْحَالِ كَقَوْلِهِ: أَنَا مُخْبِرُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ اتِّصَافِهِ بِالْخَبَرِ لِلْقَاضِي وَذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ، فَالْخَبَرُ كَيْفَ تَصَرَّفَ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلشَّاهِدِ بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ؟ فَقَالَ حَضَرْت عِنْدَ فُلَانٍ فَسَمِعْته يُقِرُّ بِكَذَا، أَوْ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا، أَوْ شَهِدْت بَيْنَهُمَا بِصُدُورِ الْبَيْعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ، لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَدَاءَ شَهَادَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ اعْتِمَادٌ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بِسَبَبِ أَنَّ هَذَا مُخْبِرٌ عَنْ أَمْرٍ تَقَدَّمَ.
فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَانِعٍ مِنْ الشَّهَادَةِ بِهِ مِنْ فَسْخٍ أَوْ إقَالَةٍ أَوْ حُدُوثِ رِيبَةٍ لِلشَّاهِدِ تَمْنَعُ الْأَدَاءَ، فَلَا يَجُوزُ لِأَجْلِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الِاعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، إذَا صَدَرَ مِنْ الشَّاهِدِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ الْإِخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا، وَالْإِنْشَاءُ لَيْسَ بِخَبَرٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ، فَإِذَا قَالَ الشَّاهِدُ: أَشْهَدُ عِنْدَك أَيُّهَا الْقَاضِي كَانَ إنْشَاءً، وَلَوْ قَالَ شَهِدْت لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً، وَعَكْسُهُ فِي الْبَيْعِ لَوْ قَالَ أَبِيعُك لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ، بَلْ إخْبَارٌ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ بَيْعٌ بَلْ هُوَ وَعْدٌ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُك كَانَ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ، فَالْإِنْشَاءُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمُضَارِعِ وَفِي الْعُقُودِ بِالْمَاضِي، وَاسْمُ الْفَاعِلِ نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتَ حُرٌّ، وَلَمْ يَقَعْ الْإِنْشَاءُ فِي الْبَيْعِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَةِ نَحْوُ أَنَا شَاهِدٌ
стр. 317
عِنْدَك بِكَذَا، أَوْ أَنَا بَائِعُك بِكَذَا، فَهُوَ لَيْسَ إنْشَاءً. قَالَ وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ: الْوَضْعُ الْعُرْفِيُّ، فَمَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْعُرْفِ لِلْإِنْشَاءِ كَانَ إنْشَاءً وَمَا لَا فَلَا، فَإِنْ اُتُّفِقَ أَنَّ الْعَوَائِدَ تَغَيَّرَتْ، وَصَارَ الْمَاضِي مَوْضِعًا لِإِنْشَاءِ الشَّهَادَةِ، وَالْمُضَارِعُ لِإِنْشَاءِ الْعُقُودِ، جَازَ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا صَارَ مَوْضِعًا لِلْإِنْشَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعُرْفِ الْأَوَّلِ.
تَنْبِيهٌ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ: هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَلَمْ أَرَهُ لِأَحَدِ الْمَالِكِيَّةِ، وَنَقَلَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ الدِّمَشْقِيُّ: أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵀ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ، بَلْ مَتَى قَالَ الشَّاهِدُ رَأَيْت كَذَا وَكَذَا، أَوْ سَمِعْت نَحْوَ ذَلِكَ كَانَتْ شَهَادَتُهُ مِنْهُ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَا سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَلَا وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا وَرَدَ فِي الْقِيَاسِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، بَلْ الْأَدِلَّةُ الْمُتَظَاهِرَةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ تَنْفِي ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] الْآيَةَ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ التَّلَفُّظَ بِلَفْظِ أَشْهَدُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ بَلْ مُجَرَّدَ الْإِخْبَارِ بِتَحْرِيمِهِ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ [النساء: ١٦٦] ، وَلَا يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى أَنْ يَقُولَ - سُبْحَانَهُ - أَشْهَدُ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الْآيَةَ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف: ٨٦] أَيْ أَخْبَرَ بِهِ وَتَكَلَّمَ بِهِ عَنْ عِلْمٍ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦] الْآيَةَ.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] ، وَالْمُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَقُولُ أَشْهَدُ وَسَمَّى ذَلِكَ شَهَادَةً، وَلَا يَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْإِسْلَامِ إلَى أَنْ يَقُولَ الدَّاخِلُ فِي الْإِسْلَامِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، بَلْ لَوْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ كَفَى.
وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ - حُنَفَاءَ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١] .
وَقَالَ ﵊: «عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ الْإِشْرَاكَ بِاَللَّهِ» .
وَقَالَ ﵊: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ فَسَمَّى قَوْلَ الزُّورِ شَهَادَةً» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ، وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ
стр. 318
الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمْ يَقُلْ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عِنْدَك، وَلَكِنْ أَخْبَرَهُ فَسَمَّى ذَلِكَ شَهَادَةً، فَاشْتِرَاطُ لَفْظِ الشَّهَادَةِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، وَلَا فِي عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ وَنَسَبَهُ إلَى مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
تَنْبِيهٌ: وَيُؤَيِّدُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ عَنْ مَذْهَبِنَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي الْمُقْنِعِ عَنْ أَصَبْغَ قَالَ: لَقَدْ حَضَرْت ابْنَ وَهْبٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ الْقَاضِي الْعُمَرِيِّ، فَكَانَ كَاتِبُ الْقَاضِي يَقْرَأُ عَلَى الْقَاضِي شَهَادَةَ الشَّاهِدِ بِمَحْضَرِ الشَّاهِدِ، ثُمَّ يَقُولُ لِلشَّاهِدِ هَذِهِ شَهَادَتُك؟ فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَوْلُهُ نَعَمْ لَيْسَ هُوَ إنْشَاءٌ لِلشَّهَادَةِ، وَقَدْ اكْتَفَى بِهِ مِنْ الشَّاهِدِ وَفِي رِسَالَةِ الْقَضَاءِ، وَالْأَحْكَامِ فِيمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ عِنْدَ الْحُكَّامِ، قَالَ: وَإِذَا فَرَغَ الْكَاتِبُ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَحْضَرِ الَّذِي تُقَيَّدُ فِيهِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابُ قَالَ الْقَاضِي لِلْمُدَّعِي هَذِهِ دَعْوَاك؟ فَإِذَا قَالَ نَعَمْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الشُّهُودِ هَكَذَا شَهِدْت، فَإِذَا قَالَ نَعَمْ وَقَّعَ الْقَاضِي بِخَطِّهِ فِي آخِرِهِ، شَهِدَ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ عِنْدِي، وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ: كَذَلِكَ كَانَتْ الشَّهَادَةُ عِنْدِي. فَجَعَلَ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَفْظَةَ نَعَمْ فَقَطْ.
وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ أَنَّ شُرَيْحًا كَانَ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ إنَّمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا الْمُسْلِمِ أَنْتُمَا، وَإِنَى مُحِقٌّ بِكَمَا فَاتَّقِيَا اللَّهَ أَتَشْهَدَانِ أَنَّ الْحَقَّ لِهَذَا؟ فَإِذَا قَالَا نَعَمْ أَجَازَ شَهَادَتَهُمَا، فَظَاهِرُ نُصُوصِ الْمَذْهَبِ، أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ لَا يُشْتَرَطُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَقَبُولِهَا وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الشَّافِعِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ نَقَلَهُ مِنْ كَلَامِهِمْ، فَكَثِيرًا مَا يَنْقُلُ عِبَارَاتِهِمْ إذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا غَيْرُ مُخَالِفَةٍ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي تَصْحِيحِ الدَّعَاوَى، وَلَهُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي بَابِ السِّيَاسَةِ مِنْ كِتَابِ الذَّخِيرَةِ لَهُ، نَقَلَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ لِلْمَاوَرْدِيِّ الشَّافِعِيِّ، وَنُصُوصُ الْمَذْهَبِ مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ، وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِي قِسْمِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
[فَصْلٌ الْفَرْقُ بَيْن الشَّهَادَةِ بِالْمَصْدَرِ وَاسْمِ الْمَفْعُولِ وَالشَّهَادَةِ بِالصُّدُورِ]
فَصْلٌ: وَلِلشَّافِعِيَّةِ تَفْرِيقٌ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمَصْدَرِ، وَاسْمِ الْمَفْعُولِ وَالشَّهَادَةِ بِالصُّدُورِ، فَإِذَا قَالَ الشُّهُودُ نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا وَقْفٌ، أَوْ هَذَا مَبِيعٌ مِنْ فُلَانٍ، أَوْ هَذِهِ مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ، فَإِنَّ الْحَاكِمُ يَحْكُمُ بِمُوجِبِ شَهَادَتِهِمْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ وَنَحْوِهِ، وَلَوْ شَهِدُوا بِالصُّدُورِ فَقَالُوا: نَشْهَدُ بِصُدُورِ الْوَقْفِ أَوْ بِصُدُورِ الْبَيْعِ، لَمْ يَحْكُمْ بِمُوجَبِ
стр. 319
شَهَادَتِهِمْ لِاحْتِمَالِ تَغْيِيرِ تِلْكَ الْعُقُودِ، كَمَا لَوْ اُسْتُحِقَّ الْوَقْفُ أَوْ صَدَرَتْ الْإِقَالَةُ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، قَالَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ فِي بَعْضِ تَعَالِيقِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ قَبْلَ هَذَا، فَيَنْبَغِي تَأَمُّلُ ذَلِكَ.
[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ فِي أَنْوَاعِ الْبَيِّنَاتِ]
[الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي الْقَضَاءِ بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ]
وَمَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهَا وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا وَيَنْحَصِرُ ذَلِكَ فِي سَبْعِينَ بَابًا وَذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى إثْبَاتِ الزِّنَا، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ.
الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: الشَّهَادَةُ عَلَى رُؤْيَةِ الزِّنَا عِيَانًا، فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ.
الْوَجْهِ الثَّانِي: الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً، خِلَافًا لِمَنْ يَشْتَرِطُ الْإِقْرَارَ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَكْتَفِي بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى الْمُقِرِّ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ تَئُولُ إلَى إقَامَةِ الْحَدِّ، فَسَاوَتْ الشَّهَادَةَ عَلَى الْمُعَايَنَةِ لِتَسَاوِي مُوجِبِهِمَا. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّهَادَاتِ عَلَى الْإِقْرَارَاتِ أَنْ يُكْتَفَى فِيهَا بِشَاهِدَيْنِ، فَأَجْرَى الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ.
فَرْعٌ: وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ اُخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ اثْنَيْنِ فِي الْإِقْرَارِ وَالنَّقْلِ عَنْ شُهُودِ الْأَصْلِ الَّذِينَ عَايَنُوا الزِّنَا. وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي بِالْحُكْمِ بِذَلِكَ، هَلْ تَجُوزُ أَمْ لَا؟ ، وَإِذَا لَمْ تَجُزْ فَهَلْ يُحَدُّ الشَّاهِدَانِ أَمْ لَا؟ ، وَإِنْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى الْإِقْرَارِ حُدَّ، فَإِنْ نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ فَفِيهِ خِلَافٌ، قَالَ
стр. 320
ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحَدُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يُحَدُّ إذَا قَالَ أَشْهَدَنِي فُلَانٌ، إلَّا أَنْ يَقُولَ هُوَ زَانٍ أَشْهَدَنِي فُلَانٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ حُقِّقَ عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يُثْبِتْ حُدَّ.
فَرْعٌ: وَاخْتُلِفَ إذَا قَالَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ: رَأَيْت فُلَانًا مَعَ فُلَانَةَ أَوْ بَيْنَ فَخِذَيْهَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعَاقَبُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَا عُقُوبَةَ، وَرَأَى اللَّخْمِيُّ أَنَّ الشَّاهِدَ إنْ كَانَ عَدْلًا فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ، أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ فَيُعَاقَبُ، وَقِيلَ إنْ كَانَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ مِمَّنْ يُتَّهَمُ لَمْ يُعَاقَبْ الشَّاهِدُ، وَإِلَّا عُوقِبَ.
الْوَجْهِ الثَّالِثِ: الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ بِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ: يَكْفِي اثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ، وَقِيلَ لَا يَكْفِي إلَّا أَرْبَعَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ، فَتَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ، وَقِيلَ يَكْفِي أَرْبَعَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْمُعَايَنَةِ.
فَرْعٌ: لَوْ لَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي أَحَدَ الشُّهُودِ فَاخْتُلِفَ، هَلْ يَكْتَفِي فِي تَعْدِيلِهِ بِاثْنَيْنِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ؟ الْوَجْهِ الرَّابِعِ: الشَّهَادَةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي بِثُبُوتِهِ وَالْحُكْمِ بِهِ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، هَلْ يَكْفِي فِي الشَّهَادَةِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي اثْنَانِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ؟ .
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا عَلَى رَجُلٍ وَتَعَلَّقُوا بِهِ، وَأَتَوْا بِهِ إلَى السُّلْطَانِ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ قَالَ لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُمْ، وَأَرَاهُمْ قَذَفَةً، وَرَوَاهُ أَصَبْغُ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، فَإِنْ كَانُوا أَصْحَابَ شَرْطٍ مُوَكَّلِينَ بِتَغَيُّرِ الْمُنْكَرِ وَرَفْعِهِ، فَأَخَذُوهُ وَجَاءُوا بِهِ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ، جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا فِي أَخْذِهِ وَرَفْعِهِ مَا يَلْزَمُهُمْ.
وَفِي الْوَاضِحَةِ لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ، أَنَّهُ إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنًا عَلَى رَجُلٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا هُمْ الْقَائِمِينَ بِذَلِكَ مُجْتَمَعِينَ جَاءُوا، أَوْ مُتَفَرِّقِينَ إذَا كَانَ افْتِرَاقُهُمْ قَرِيبًا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَيُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعَةَ رِجَالٍ ذُكُورًا عُدُولًا، يَشْهَدُونَ بِزِنًا وَاحِدٍ مُجْتَمَعِينَ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، غَيْرَ مُفْتَرِقِينَ بِأَنَّهُ أَدْخَلَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ.
стр. 321
مَسْأَلَةٌ: وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ قَصْدًا لِلتَّحَمُّلِ، وَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ كَمَا يَسْأَلُ الشُّهُودَ فِي السَّرِقَةِ، مَا هِيَ؟ وَمِنْ أَيْنَ؟ . وَفُرُوعُ هَذَا الْبَابِ مَشْهُورَةٌ فِي مَحَالِّهَا.
[فَصْلٌ الشُّهُودُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ لِعَانَ الزَّوْجَيْنِ]
فَصْلٌ: وَيَلْحَقُ بِهَذَا النَّوْعِ أَحْكَامٌ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ.
الْأَوَّلُ: الشُّهُودُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ لِعَانَ الزَّوْجَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ أَقَلَّهُمْ أَرْبَعَةٌ.
الثَّانِي: شَهَادَةُ الْأَبْدَادِ فِي النِّكَاحِ، وَذَلِكَ إذْ أَنْكَحَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ مِنْ رَجُلٍ وَلَمْ يَحْضُرْهُمَا شُهُودٌ، بَلْ إنَّمَا عَقَدَا النِّكَاحَ وَتَفَرَّقَا.
وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ أَشْهِدْ مَنْ لَاقَيْت هَكَذَا، فَسَّرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، فَلَا تَتِمُّ الشَّهَادَةُ إلَّا بِأَرْبَعَةٍ شَاهِدَانِ عَلَى الْأَبِ، وَشَاهِدَانِ عَلَى الزَّوْجِ، فَإِنْ أَشْهَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الشُّهُودَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ صَاحِبُهُ، لَمْ تُسَمَّ هَذِهِ شَهَادَةَ أَبْدَادٍ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِهِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
فَرْعٌ: أَمَّا لَوْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ مَالِكَةً أَمْرِهَا، لَمْ تَكْمُلْ الشَّهَادَةُ عَلَى النِّكَاحِ إلَّا بِسِتَّةٍ، اثْنَانِ عَلَى النَّاكِحِ، وَاثْنَانِ عَلَى الْمُنْكِحِ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجَةِ.
الثَّالِثُ: لَوْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا فَأَتَى بِشَاهِدَيْنِ، يَشْهَدَانِ أَنَّهُمَا حَضَرَاهُ، يُجْلَدُ الْحَدُّ فِي الزِّنَا، قَالَ لَا يَنْفَعُهُ وَلَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ يَشْهَدُونَ أَنَّهُ حُدَّ فِي الزِّنَا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ: وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي كِتَابِ الْقَاضِي بِثُبُوتِ الزِّنَا، أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ اثْنَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
الرَّابِعُ: الشُّهُودُ الَّذِينَ يَحْضُرُونَ عُقُوبَةَ الزَّانِي أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ.
الْخَامِسُ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ وَغَيْرِهَا، لَا يُجْزِئُ فِيهَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهَا اثْنَانِ.
السَّادِسُ: الشَّهَادَةُ فِي بَابِ الِاسْتِرْعَاءِ، وَأَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَالْمَشْهُورُ اثْنَانِ.
стр. 322
السَّابِعُ: الشَّهَادَةُ فِي التَّرْشِيدِ وَالتَّسْفِيهِ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: وَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْكَثْرَةُ، وَأَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ اثْنَانِ.
الثَّامِنُ: شَهَادَةُ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَطَعَ اللُّصُوصُ عَلَيْهِمْ الطَّرِيقَ، قَالَ مَالِكٌ: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا كَثِيرًا، وَأَقَلُّ الْكَثِيرِ أَرْبَعَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ دِينَارٍ: لَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ عَدْلَانِ.
التَّاسِعُ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: حَكَى بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْجَهْمِ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ وَبِامْرَأَتَيْنِ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ]
لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُمَا، وَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْمُبَارَاةِ وَالْعِتْقِ وَالْإِسْلَامِ وَالرِّدَّةِ وَالْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْبُلُوغِ وَالْعِدَّةِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْإِحْلَالِ وَالْإِحْصَانِ وَقَتْلِ الْعَمْدِ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ وَالْوَصِيَّةُ عِنْدَ أَشْهَبَ، فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ: ذَكَرَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَغَيْرُهُ.
تَنْبِيهٌ: فَإِنْ شَهِدَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، أَحْدَثَ حُكْمًا آخَرَ، فَأَمَّا النِّكَاحُ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ مُقِرَّيْنِ أَشْهَدَا شَاهِدًا آخَرَ، وَأُجْبِرَ الْآبِي مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُنْكِرًا لَمْ يَحْلِفْ الْمَشْهُودُ لَهُ مَعَ الشَّاهِدِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ تَحْلِفْ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مِنْهُمَا يَحْلِفُ وَالْمَشْهُودُ، وَأَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ لَا يُوجِبُ يَمِينًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ شَهِدَ عَلَى النِّكَاحِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَثَبَتَ الْمَسِيسُ سَقَطَ الْحَدُّ، وَلَا يُحْكَمُ بِالنِّكَاحِ مِنْ تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ، وَأَمَّا دَعْوَى الْعَبْدِ أَوْ الْأَمَةِ الْعِتْقَ، فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا شَاهِدًا حَلَفَ السَّيِّدُ، فَإِنْ نَكَلَ فَقِيلَ يُعْتَقُ
стр. 323
عَلَيْهِ، وَقِيلَ يُسْجَنُ حَتَّى يَحْلِفَ، وَقِيلَ يُخْلَى مِنْ السِّجْنِ إذَا طَالَ وَالطُّولُ سَنَةٌ.
وَأَمَّا إنْ شَهِدَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، وَنَكَلَ الْأَوْلِيَاءُ عَنْ الْقَسَامَةِ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تُرَدُّ عَلَى الْقَاتِلِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ وَاخْتُلِفَ إذَا نَكَلَ، قِيلَ يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ طَالَ السِّجْنُ وَيُئِسَ أَنْ يَقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ، كَانَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ مِنْ التَّنْبِيهِ وَأَمَّا إنْ شَهِدَ بِجُرْحِ الْعَمْدِ شَاهِدٌ فَتَثْبُتُ الْيَمِينُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، إمَّا لِنُكُولِ الْمَشْهُودِ لَهُ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ ذَلِكَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوْ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ سُجِنَ أَبَدًا حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَخْرُجُ بَعْدَ سَنَةٍ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ التَّنْبِيهِ. وَأَمَّا الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عَلَى قَتْلِ الْخَطَأِ وَالْجِرَاحِ، فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَالِيَّاتِ، تَثْبُتُ الدِّيَةُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ الْقَسَامَةِ، وَبِشَاهِدٍ وَنُكُولِ الْمُدَّعِي عَلَيْهِمْ مِنْ التَّنْبِيهِ.
[فَصْلٌ كُلُّ مَنْ أَقَرَّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالْحَقِّ الْمَشْهُودِ بِهِ عَلَيْهِ]
فَصْلٌ: قَالَ فِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ مِنْ هَؤُلَاءِ بِالْحَقِّ الْمَشْهُودِ بِهِ، عَلَيْهِ بِسَبَبِ طُولِ السِّجْنِ، أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ، وَلَمْ يَكُنْ السِّجْنُ فِي حَقِّهِ إكْرَاهًا؛ لِأَنَّهُ سُجِنَ بِحَقٍّ بِخِلَافِ الْإِكْرَاهِ ظُلْمًا، وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنْ أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ شَاهِدًا بِالطَّلَاقِ، وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ حَلَفَ وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَطُولَ أَمْرُهُ وَالطُّولُ فِي ذَلِكَ سَنَةٌ، وَقِيلَ يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُطَلِّقَ، وَقِيلَ تَطْلُقُ عَلَيْهِ لِتَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لِمُشَابَهَتِهِ الْإِيلَاءَ. وَأَمَّا الشُّرْبُ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا نُكِّلَ الشَّاهِدُ. وَأَمَّا السَّرِقَةُ فَإِنْ كَانَ لَهَا مَنْ يَطْلُبُهَا لَمْ يُعَاقَبْ الشَّاهِدُ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَطْلُبُهَا عُوقِبَ إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَلَا فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَدْلٌ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ أَنَّهُ سُرِقَ لِلْمُدَّعِي مِثْلُ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى فِيهِ أَنَّهُ عَيْنُ شَيْئِهِ، فَإِنَّهُ يُوجِبُ تَوْقِيفَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ شَهِدَ لَهُ قَوْمٌ أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّهُ سُرِقَ لَهُ مِثْلُ مَا يَدَّعِي، فَإِنَّهُ يُدْفَعُ ذَلِكَ إلَيْهِ إذَا وَضَعَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً قَاطِعَةً، يَعْنِي أَنَّهُ يُمَكَّنُ مِنْ دَفْعِهِ إلَيْهِ لِتَشْهَدَ بِبَيِّنَتِهِ عَلَى عَيْنِهِ، فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ حُكِمَ لَهُ بِهِ مِنْ التَّنْبِيهِ، وَأَمَّا الْقَذْفُ فَيَحْلِفُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَيَبْرَأُ، فَإِنْ نَكَلَ فَهَلْ يُحَدُّ فِي الْقَذْفِ أَوْ يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَخْرُجَ بَعْدَ سَنَةٍ خِلَافٌ.
стр. 324
مَسْأَلَةٌ: وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ، وَاخْتُلِفَ فِي الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ عَلَى التَّوْكِيلِ بِالْمَالِ مِنْ غَائِبٍ، هَلْ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ مَعَهُ لِيَثْبُتَ التَّوْكِيلُ؟ أَوْ لَا فَالْأَشْهَرُ الْمَنْعُ وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ التَّوْكِيلِ حَقٌّ لِلْوَكِيلِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْغَائِبِ دَيْنٌ أَوْ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ الْمَالَ فِي يَدِهِ قِرَاضًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ]
ِ الْمُدَّعِي أَوْ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَحُقُوقِهَا، كَالْآجَالِ وَالْخِيَارِ وَالشُّفْعَةِ وَالْإِجَارَةِ وَالْحَبْسِ وَقَتْلِ الْخَطَأِ، وَنُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ عَتَقَ بِهَا، وَكَالشَّهَادَةِ عَلَى الْوَكَالَةِ بِطَلَبِ الْمَالِ، وَإِسْنَادِ الْوَصِيَّةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا غَيْرُ الْمَالِ وَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْقَرْضُ وَالْبَيْعُ وَمَا فِي بَابِهِ. وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَيَخْتَلِفُ أَيْضًا فِيهِ، هَلْ لَهُ حُكْمُ الْمَالِ أَوْ لَا الشَّهَادَةُ عَلَى التَّارِيخِ الْمُتَضَمِّنِ مَالًا، وَهُوَ يَئُولُ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَبْدَانِ، كَالرَّجُلِ تَلْزَمُهُ يَمِينٌ بِالطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ، لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلِ كَذَا فَيَمْضِي الْأَجَلُ، وَيَدَّعِي الْحَالِفُ أَنَّهُ قَدْ مَضَى الْمَالُ قَبْلَ الْأَجَلِ، وَيَشْهَدُ لَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِأَنَّهُ قَضَى الْمَالَ فَقَدْ سَقَطَ الْمَالُ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ، فَعَنْ مَالِكٍ قَوْلَانِ قَالَ مَرَّةً: إنَّ الطَّلَاقَ وَقَعَ بِمُضِيِّ الْأَجَلِ فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُهُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ.
وَقَالَ مَرَّةً: إنَّهُ يَسْقُطُ الطَّلَاقُ بِسُقُوطِ ذَلِكَ الْحَقِّ، إمَّا بِإِقْرَارِ الطَّالِبِ أَنَّهُ قَبَضَ، وَيَمِينِ الْمَطْلُوبِ عِنْدَ نُكُولِ الطَّالِبِ أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ وَالْمَرْأَتَانِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُ وَطِئَ أَمَةً لِفُلَانٍ، فَزَعَمَ الْوَاطِئُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ سَيِّدِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ إذَا ثَبَتَ مِلْكُهُ، بِمَا تَثْبُتُ بِهِ الْأَمْلَاكُ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ يَمِينِ الْوَاطِئِ مَعَ نُكُولِ السَّيِّدِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُحَدُّ وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، إلَّا أَنْ شَهِدَ بِهِ رَجُلَانِ وَاسْتُحْسِنَ إذَا شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، بِتَقَدُّمِ الشِّرَاءِ أَنْ يُدْرَأَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَذَلِكَ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ فِي كَمَالِ الشَّهَادَةِ، فَهَذَا وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مُخْتَلِفٌ فِي أَيِّ أَصْلٍ يَكُونُ؟ قِيلَ هُوَ شَهَادَةٌ عَنْ مَالٍ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَحْكَامِهِ فِي الشَّهَادَاتِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الْإِثْبَاتِ، فَإِذَا صَحَّ تَعَلَّقَ بِهِ
стр. 325
مَا يَتَقَاضَاهُ صِحَّةُ ذَلِكَ الْحَقِّ مِنْ حُكْمِ غَيْرِ الْمَالِ، كَمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ يُؤَدِّي نُجُومَهُ، وَالرَّجُلُ يَشْتَرِي أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ شَاهِدٌ عَلَى وَقْتٍ، وَالْوَقْتُ لَيْسَ هُوَ بِمَالٍ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ يَئُولُ إلَى غَيْرِ الْمَالِ فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ.
وَمِمَّا يُخْتَلَفُ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيهِ جِرَاحُ الْعَمْدِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. أَحَدُهُمَا: جَوَازُ شَهَادَتِهِنَّ فِيهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْجُرْحِ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالٌ وَقِيلَ تَجُوزُ فِيمَا صَغُرَ مِنْ الْجِرَاحِ دُونَ مَا كَبُرَ، فَوَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ مِنْ جِرَاحِ الْعَمْدِ مَا لَا قَوَدَ فِيهِ، إنَّمَا فِيهِ دِيَةُ ذَلِكَ الْجُرْحِ كَالْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، فَحُمِلَ مَا بَقِيَ مِنْ جِرَاحِ الْعَمْدِ عَلَى ذَلِكَ، وَحُمِلَ جَمِيعُ ذَلِكَ عَلَى بَابِ الْمَالِيَّاتِ. وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْأَبْدَانِ، فَلَا يُجْزِئُ فِيهَا إلَّا شَاهِدَانِ وَهُوَ أَجْرَى عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَمِنْ ذَلِكَ النَّقْلُ عَمَّنْ شَهِدَ بِمَالٍ وَالْوَكَالَةُ بِطَلَبِ الْمَالِ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى أَسْبَابِ التَّوَارُثِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا، وَكَذَلِكَ فِي الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَالْجَوَازُ لِابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْمَنْعُ لِأَشْهَبَ، فَحَمَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عَلَى شَهَادَتِهِنَّ فِي الْأَمْوَالِ، وَمَنَعَ أَشْهَبُ اعْتِبَارًا بِأَعْيَانِهِنَّ لَا بِمَا تَئُولُ إلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ثَبَتَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ، وَكَذَلِكَ فَسْخُ الْعُقُودِ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَكُلُّ جُرْحٍ لَا يُوجِبُ إلَّا الْمَالَ كَمَا تَقَدَّمَ مِثَالُهُ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الْمَالِ أَوْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ فَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَاَلَّذِي الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَالُ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَدِيعَةُ وَالْعَارِيَّةُ وَالرَّهْنُ وَالْقِرَاضُ وَالْغَصْبُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْمُغَارَسَةُ وَالصُّلْحُ وَالْكَفَالَةُ بِالْمَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ]
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقَضَاءُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فَهُوَ أَمْرٌ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَقَضَى بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَنْكَرَهُ، وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، قَالَ مَالِكٌ: يُقْضَى بِهِ فِي كُلِّ بَلَدٍ، وَيُحْمَلُ عَلَيْهِ
стр. 326
النَّاسُ حَيْثُ كَانُوا، وَأَمَّا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ اللَّيْثِيُّ فَإِنَّهُ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَرَ اللَّيْثَ يَقُولُ بِهِ، وَيُحْكَى عَنْ قَاضِي الْجَمَاعَةِ ابْنِ بَشِيرٍ الْأَنْدَلُسِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الَّذِي كُنْت أَعْرِفُهُ مِنْ وَالِدِي، أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ إلَى الْقَاضِي، إنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ مِنْ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا يُوصَلُ إلَى الْإِكْثَارِ فِيهَا مِنْ الشُّهُودِ، وَكَانَ الْأَمْرُ مَشْهُورًا عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ كَانَ كِتَابًا قَدِيمًا قَدْ مَاتَ شُهُودُهُ إلَّا وَاحِدًا مُبَرِّزًا، فَكَانَ يَرَى أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وَقُضَاتُنَا لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ، وَإِنِّي مُتَوَقِّفٌ عَنْ الِاخْتِيَارِ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَمَنْ صَحَّ نَظَرُهُ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ أَنْ يَقْضِيَ إلَّا بِالشَّاهِدِ الْمُبَرِّزِ فِي الْعَدَالَةِ.
قَالَ الرُّعَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارِ وَيَحْكُمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي كُلِّ حَقٍّ يَدَّعِيهِ الرَّجُلُ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ مِنْ أَيِّ السِّلَعِ، كَانَ مِنْ دُورٍ أَوْ أَرْضِينَ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ رَقِيقٍ أَوْ ثِيَابٍ، أَوْ طَعَامٍ أَوْ كِرَاءٍ أَوْ إجَارَةٍ أَوْ شَرِكَةٍ، أَوْ مُعَاوَضَةٍ أَوْ مُسَاقَاةٍ أَوْ مُقَارَضَةٍ، أَوْ جُعْلٍ أَوْ صِنَاعَةٍ أَوْ سَلَفٍ أَوْ وَدِيعَةٍ، أَوْ غَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ تَعَدٍّ أَوْ هِبَةٍ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَوْ لِلثَّوَابِ أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نِحْلَةٍ أَوْ عَطِيَّةٍ أَوْ بِضَاعَةٍ أَوْ عَارِيَّةٍ، أَوْ حَبْسٍ أَوْ سُكْنَى أَوْ إخْدَامٍ أَوْ صَدَاقٍ أَوْ صُلْحٍ مِنْ إقْرَارٍ، أَوْ إنْكَارٍ فِي عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ أَوْ جِرَاحَةٍ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً أَوْ تَوْلِيَةٍ أَوْ إقَالَةٍ أَوْ خِيَارٍ، أَوْ تَبَرٍ مِنْ عَيْبٍ وَرِضًى بِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ تَبَرٍ، أَوْ وَكَالَةٍ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، مِمَّا يَكُونُ مَالًا أَوْ يَئُولُ إلَى مَالٍ، فَإِذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي عَلَى شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَدْلًا، وَحَلَفَ مَعَهُ أَخَذَ مَا ادَّعَى، وَيَثْبُتُ فِي الْقَتْلِ عَمْدُهُ وَخَطَؤُهُ إلَّا أَنَّهُ مَعَ الْقَسَامَةِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الرُّعَيْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ فِي حَبْسٍ يُرِيدُ عَلَى مُعَيَّنِينَ، فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِصَدَقَةٍ أَوْ حَبْسٍ عَلَى مُعَيَّنِينَ حَلَفُوا مَعَ شَاهِدِهِمْ، وَاسْتَحَقُّوهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنِينَ، حَلَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَبَرِئَ، فَإِنْ نَكَلَ حُكِمَ عَلَيْهِ بِهِ، قَالَ، وَإِنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ أَوْ الْحَبْسُ عَلَى بَنِي فُلَانٍ، فَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَحْلِفُ الْكُلُّ مَعَهُ وَيَنْفُذُ لِجَمِيعِهِمْ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ إنْ حَلَفَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ نُفِّذَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَرَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَصْحَابِهِ: أَنَّهُ لَا تَجُوزُ فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَكُونُ فِي الْمُشَاتَمَةِ، مَا عَدَا الْحُدُودَ فِي الْفِرْيَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ
стр. 327
وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهِدِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْوَكَالَةِ بِالْمَالِ، وَذَكَرَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَكَذَلِكَ الْوَكَالَةُ بِالْمَالِ وَالْوَصِيَّةُ بِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، قَالَ: وَمَنْشَأُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْوَكَالَةِ وَالْوَصِيَّةِ، أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاشَرَتْ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَكِنَّهَا تَئُولُ إلَى الْمَالِ.
فَاعْتَبَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْمَالَ فَأَجَازَ فِيهَا الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ وَالرَّجُلَ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ وَهْبٍ، لَمَّا كَانَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ الْجَوَازَ شَهَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ؛ لِأَنَّهَا بَاشَرَتْ مَا لَيْسَ بِمَالٍ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَإِنْ شَهِدَ عَلَى غَائِبٍ فِي وَكَالَةٍ شَاهِدٌ، فَرُوِيَ أَنَّهُ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ وَتَثْبُتُ وَكَالَتُهُ، وَالْأَكْثَرُ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ مَعَهُ.
قَالَ ابْنُ دَحُونٍ يَلْزَمُ مَنْ أَجَازَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ عَلَى الْوَكَالَةِ فِي الْمَالِ، أَنْ يُجِيزَ شَاهِدًا وَيَمِينًا عَلَى الْوَكَالَةِ فِي الْمَالِ؛ لِأَنَّهَا تَئُولُ إلَى الْمَالِ، وَزَادَ الْقَرَافِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ الْعُبَيْدِيِّ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ وَالْإِيصَاءِ وَالتَّرْشِيدِ، قَالَ: وَالْمَوَاضِعُ الْمُخْتَلِفَةُ فِيهَا خَمْسَةٌ: الْوَكَالَةُ بِالْمَالِ، وَالْوَصِيَّةُ بِهِ، وَالتَّجْرِيحُ وَالتَّعْدِيلُ، وَنِكَاحُ امْرَأَةٍ قَدْ مَاتَتْ، اُنْظُرْ الْقَوَاعِدَ فِي الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِائَتَيْنِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ نِكَاحُ امْرَأَةٍ قَدْ مَاتَتْ، أَنَّهُ إذَا شَهِدَ عَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَرْأَةِ شَاهِدٌ، أَوْ أَنَّ أَحَدَ الْوَارِثِينَ مَاتَ قَبْلَ الْآخَرِ، فَهَلْ يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ؟ وَيَثْبُتُ الْمِيرَاثُ أَوْ لَا. وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُوَرَّثُ مَعَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَأَشْهَبُ يَمْنَعُ؛ لِتَرَتُّبِ ثُبُوتِ النِّكَاحِ عَلَى ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَتَجُوزُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْوِرَاثَةِ، مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى تَسْمِيَةِ وَرَثَةِ مَيِّتٍ، فَيَقُولُ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ: لَا أَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمْ، وَيَقُولُ الْآخَرُ لَا أَدْرِي هَلْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهُمْ، أَوْ لَا فَإِنَّ الْوَرَثَةَ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ لَمَا لَهُ وَارِثٌ غَيْرُنَا، ثُمَّ يَسْتَحِقُّونَ الْمِيرَاثَ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ عَنْ مَالٍ وَوَلَدٍ فَيُثْبِتُ نَسَبُهُ مِنْ أَبِيهِ بِشَاهِدَيْنِ، فَيَسْأَلُهُ الْحَاكِمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى عِدَّةِ وَرَثَةِ أَبِيهِ، فَيَقُولُ لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرَى، وَيَأْتِي عَلَى ذَلِكَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ، وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ إلَّا بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ لَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ.
стр. 328
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، فَلَوْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ مَوْلَاهُ، وَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ، فَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: إنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ وَلَا يَسْتَحِقُّ الْوَلَاءَ. قَالَ أَشْهَبُ: لَا يَسْتَحِقُّ الْمَالَ وَلَا الْوَلَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْوَلَاءُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمَالَ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمَالَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْوَلَاءَ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ ادَّعَى الْمُبْتَاعُ فِي الْعَيْبِ الْخَفِيِّ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَرُدُّ الْعَبْدَ، قَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَالْمَخْزُومِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ مَعَهُ، فَكَأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ بِهِ ذَلِكَ الْعَيْبُ يَوْمَ ابْتَاعَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَالصَّوَابُ مَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لِلْمُبْتَاعِ أَنْ يَصِلَ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِهَذَا الْعَيْبِ، إلَّا حِينَ قِيَامِهِ؛ لِيَنْدَفِعَ بِذَلِكَ مَا اعْتَلَّ بِهِ ابْنُ كِنَانَةَ، وَإِذَا قُلْنَا يَحْلِفُ الْمُبْتَاعُ مَعَ شَاهِدِهِ، فَلَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَهَلْ يَحْلِفُ الْبَائِعُ عَلَى الْبَتِّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ، وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ أَوْ يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ قَالَهُ أَصَبْغُ اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّةِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ ﵀: قَدْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ فِي الْمَالِ تُؤَدِّي إلَى الطَّلَاقِ، مِثْلَ أَنْ يُقِيمَ شَاهِدًا وَاحِدًا أَنَّهُ اشْتَرَى امْرَأَتَهُ مِنْ سَيِّدِهَا، فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّهَا وَيَكُونُ فِرَاقًا.
فَرْعٌ: وَقَدْ يَدْخُلُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي مَالٍ يُؤَدِّي إلَى الْعِتْقِ، مِثْلَ أَنْ يُقِيمَ الْمُكَاتَبُ شَاهِدًا عَلَى أَدَاءِ كِتَابَتِهِ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهُ وَيَتِمُّ الْعِتْقُ، وَكَذَا لَوْ ثَبَتَ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي، فَإِنَّهُ يَرُدُّ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ الْعِتْقَ الَّذِي وَقَعَ بَعْدَ الدَّيْنِ.
فَرْعٌ: وَقَدْ يَدْخُلُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ فِي الْقَذْفِ، مِثْلَ أَنْ يَقْذِفَ رَجُلٌ رَجُلًا ظَاهِرَ الْحُرِّيَّةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَيَأْتِي مَنْ يَسْتَحِقُّ رَقَبَةَ الْمَقْذُوفِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَيُسْقِطُ الْحَدَّ عَنْ الْقَاذِفِ، أَوْ يَقْذِفُهُ مُكَاتَبًا، فَيَأْتِي الْمُكَاتَبُ بِشَاهِدٍ أَنَّهُ أَدَّى كِتَابَتَهُ فَيَحْلِفُ مَعَهُ فَيَجِبُ الْحَدُّ لِتَمَامِ الْعِتْقِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ.
مَسْأَلَةٌ: حَيْثُ قُلْنَا: يَحْكُمُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَهَلْ ذَلِكَ مَنْسُوبٌ إلَى الشَّاهِدِ فَقَطْ، وَالْيَمِينُ كَالِاسْتِظْهَارِ أَوْ الْيَمِينُ كَشَاهِدٍ ثَانٍ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ الْخِلَافِ إذَا رَجَعَ الشَّاهِدُ هَلْ يَغْرَمُ الْحَقَّ كُلَّهُ أَوْ نِصْفَهُ.
стр. 329
مَسْأَلَةٌ: وَحَيْثُ يَحْكُمُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَكَانَتْ الدَّعْوَى عَلَى يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ أَوْ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ أَوْ أَمَةٍ، أَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى لِوَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا يَمِينُهُ بِاَللَّهِ - تَعَالَى -.
[فَصْلٌ الْقَضَاءُ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ]
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْقَضَاءُ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ، فَيَجْرِي الْمُدَّعِي فِيمَا يَجْرِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ مِنْ الْأَمْوَالِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَكَذَا الْوَرَثَةُ، كَمَا لَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةٌ ثُمَّ مَاتَتْ هِيَ وَوَلَدُهَا، فَشَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّ الْأُمَّ مَاتَتْ قَبْلَ وَلَدِهَا فَإِنَّ الْأَبَ يَحْلِفُ أَوْ وَرَثَتُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَسْتَحِقُّونَ مَا يَرِثُ عَنْ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
تَنْبِيهٌ: وَاخْتُلِفَ فِي مَسَائِلَ مِنْهَا: لَوْ شَهِدَ النِّسَاءُ فِي طَلَاقٍ وَدَيْنٍ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ جَازَتْ فِي الدَّيْنِ مَعَ الْيَمِينِ دُونَ الطَّلَاقِ.
فَرْعٌ: وَكَذَا إذَا شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ أَوْصَى لِرَجُلٍ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا إنْ كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ عِتْقٌ، وَأَبْضَاعُ النِّسَاءِ يُرِيدُ نِكَاحَ الْبَنَاتِ فَأَبْطَلَ الْوَصِيَّةَ كُلَّهَا، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ مَا إذَا اشْتَمَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا تُجِيزُهُ السُّنَّةُ وَمَا لَا تُجِيزُهُ، وَالْمَشْهُورُ جَوَازُ مَا أَجَازَتْهُ السُّنَّةُ دُونَ مَا لَا تُجِيزُهُ، وَقِيلَ يُرَدُّ الْجَمِيعُ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]
عَنْ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ وَالْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ الرَّافِعَةِ وَالْيَمِينِ الْمُنْقَلِبَةِ وَحُكْمِ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَنْ الْيَمِينِ الْمُصَحَّحَةِ لِلدَّعْوَى وَذَلِكَ يَجْرِي فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُقْبَلُ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ وَالْمَرْأَتَانِ وَالْيَمِينُ. وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، فَإِذَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي رَدَّهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ قَضَى عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ لَا تُرَدُّ، فَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ تُسَمَّى الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ وَلَوْ لَمْ يَرُدَّهَا الْمُدَّعِي، فَإِنَّ الْحُكْمَ يُوجِبُ انْقِلَابَهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ.
стр. 330
وَأَمَّا الْيَمِينُ الرَّافِعَةُ لِلدَّعْوَى، فَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَدَّعِيَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا وَلَيْسَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ، فَيُنْكِرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَتَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ، فَهَذِهِ هِيَ الْيَمِينُ الرَّافِعَةُ لِلدَّعْوَى.
وَأَمَّا الْيَمِينُ الْمُنْقَلِبَةُ، فَهِيَ أَنْ يُطْلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ الرَّافِعَةِ لِلدَّعْوَى، فَيَنْكُلُ عَنْهَا فَتَنْقَلِبُ الْيَمِينُ عَلَى الطَّالِبِ فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ، فَإِنْ جَهِلَ الْمَطْلُوبُ رَدَّهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُخْبِرَهُ وَلَا يَقْضِيَ عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّهَا، فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي فَلَا شَيْءَ لَهُ.
فَرْعٌ: فَإِنْ حَلَفَ الْمُدَّعِي حِينَ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَخَذَ مَا ادَّعَاهُ، ثُمَّ إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَجَدَ بَيِّنَةً بِبَرَاءَتِهِ مِنْ ذَلِكَ نَفَعَهُ ذَلِكَ، وَاسْتَعَادَ مَا أَخَذَهُ مِنْهُ الْمُدَّعِي مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.
فَرْعٌ: وَعَكْسُ هَذَا إذَا امْتَنَعَ الْمُدَّعِي مِنْ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثُمَّ وَجَدَ الطَّالِبُ شَاهِدًا آخَرَ، فَقِيلَ يُضَمُّ إلَى شَاهِدِهِ الْأَوَّلِ، وَتَبْطُلُ يَمِينُ الْمَطْلُوبِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَكَلَّمْت فِيهِ ابْنُ كِنَانَةَ، فَقَالَ: هَذَا عِنْدَنَا وَهْمٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ قَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا أَبَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ، وَلَا الِاعْتِدَادُ بِهِ بِشَاهِدٍ آخَرَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، مِثْلُ الْمَرْأَةُ تُقِيمُ شَاهِدًا عَلَى طَلَاقِ زَوْجِهَا إيَّاهَا، وَالْعَبْدُ يُقِيمُ شَاهِدًا عَلَى عِتْقِ سَيِّدِهِ إيَّاهُ، فَيَحْلِفُ الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ ثُمَّ يَجِدُ الطَّالِبُ مِنْهُمَا شَاهِدًا آخَرَ، فَإِنَّهُ يُضَمُّ لَهُ إلَى شَاهِدِهِ الْأَوَّلِ وَيَبْطُلُ يَمِينُ الْحَالِفِ. قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَبِهَذَا أَقُولُ وَهُوَ الْحَقُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَقِيلَ إنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ سِوَى الْأَوَّلِ قَضَى لَهُ بِهِمَا، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ إنْ جَاءَ بِشَاهِدَيْنِ قُضِيَ لَهُ بِهِمَا، وَإِنْ جَاءَ بِشَاهِدٍ اُسْتُؤْنِفَ الْحُكْمُ فَيَحْلِفُ مَعَهُ. اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّةِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِشَهَادَةِ الثَّانِي، أَوْ كَانَ بَعِيدَ الْغَيْبَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ إذَا ادَّعَى الْمَطْلُوبُ الْعَدَمَ.
وَقَالَ: إنَّ الْمُدَّعِيَ عَالِمٌ بِذَلِكَ فَلَهُ أَخْذُ الْيَمِينِ الرَّافِعَةِ لِلدَّعْوَى، فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي فَلَا مَقَالَ وَحَلَفَ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ، وَهَذِهِ الْيَمِينُ تُسَمَّى الْيَمِينَ الْمُصَحِّحَةَ لِلدَّعْوَى، وَالْمُدَّعِي فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُدَّعًى عَلَيْهِ، اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّةِ.
стр. 331
تَنْبِيهٌ: وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ حُكْمَ النُّكُولِ، إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي مَالٍ وَحُكْمِهِ إنْ كَانَتْ فِي طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالنُّكُولِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْبَابِ الثَّانِي.
[فَصْلٌ الدَّعْوَى إذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ وَنَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]
فَصْلٌ: وَأَصْلُ هَذَا الْبَابِ إقَامَةُ السَّبَبِ الْمُقَوِّي لِلدَّعْوَى مَقَامَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّعْوَى إذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهَا بَيِّنَةٌ، وَنَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ فَرُدَّتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ بِاجْتِمَاعِ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي، فَكَمَا كَانَتْ تَجِبُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ وَجَبَتْ مَعَ النُّكُولِ، فَالنُّكُولُ سَبَبٌ يَقُومُ مَقَامَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَالْيَمِينُ تَقُومُ مَقَامَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ، فَيَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ حَقَّهُ كَمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّاهِدَيْنِ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَإِنْ أَقَامَ عَلَى الدَّعْوَى شَاهِدًا فَنَكَلَ الَّذِي قَامَ لَهُ الشَّاهِدُ، حَلَفَ الْآخَرُ وَبَرِئَ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ تُكَافِئُ شَاهِدَ الْمُدَّعِي، فَيَسْقُطُ الطَّلَبُ، فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبُ بَعْدَ رَدِّ الْيَمِينِ عَلَيْهِ غَرِمَ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ سَبَبٌ ثَانٍ يُقَوِّي دَعْوَى الطَّالِبِ، فَوَجَبَ الْحَقُّ لِاجْتِمَاعِ السَّبَبَيْنِ كَمَا يَجِبُ بِالشَّاهِدَيْنِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَثْبُتُ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، كَمَا لَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.
فَتَلَخَّصَ مِنْ هَذَا صُورَتَانِ.
الْأُولَى: نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ الرَّافِعَةِ لِلدَّعْوَى، حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ فَتَنْقَلِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى الدَّعْوَى شَاهِدٌ فَيَنْكُلُ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ مَعَ شَاهِدِهِ، وَتُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِيءَ، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ.
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْقَضَاءِ بِالْبَيِّنَةِ التَّامَّةِ مَعَ يَمِينِ الْقَضَاءِ]
وَتُسَمَّى أَيْضًا يَمِينَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ لِرَجُلٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فِي يَدِ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ حَتَّى يَحْلِفَ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِهِ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ الْمُزِيلَةِ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفُتْيَا وَالْقَضَاءُ، وَعَلَّلَهُ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ، وَمَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ.
стр. 332
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَيَمِينٌ الْقَضَاءِ مُتَوَجِّهَةٌ عَلَى مَنْ يَقُومُ عَلَى الْمَيِّتِ، أَوْ عَلَى الْغَائِبِ، أَوْ عَلَى الْيَتِيمِ، أَوْ عَلَى الْأَحْبَاسِ، أَوْ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَعَلَى كُلِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ، وَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَعَلَى مَنْ اسْتَحَقَّ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ، وَلَا يَتِمُّ الْحُكْمُ إلَّا بِهَا.
فَرْعٌ: وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ مِمَّا نَقَلَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ لِلْبَاجِيِّ، قَالَ: أَجْمَعَ مَنْ عَلِمْتُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ لِمُسْتَحِقِّ غَيْرِ الرِّبَاعِ وَالْعَقَارِ حُكْمٌ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ، قَالَ وَرَأَى بَعْضُ مَشَايِخِنَا ذَلِكَ لَازِمًا فِي الْعَقَارِ وَالرِّبَاعِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَرَ فِي ذَلِكَ يَمِينًا.
مَسْأَلَةٌ: وَيَمِينٌ الْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ، وَيَمِينُ الْوَرَثَةِ عَلَى الْعِلْمِ أَنَّهُ مَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِ مُوَرِّثِهِمْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كُلِّهَا، وَأَنَّ مِلْكَ جَمِيعِهِمْ يَعْنِي الْوَرَثَةَ، بَاقٍ عَلَيْهِ إلَى حِينِ يَمِينِهِمْ، وَهَذِهِ التَّتِمَّةُ فِي الْيَمِينِ تَكُونُ عَلَى الْبَتِّ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ بِدَيْنٍ عَلَى مَيِّتٍ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ كِبَارًا وَلَمْ يَدَّعُوا دَفْعَ الدَّيْنِ مِنْ مُوَرِّثِهِمْ وَلَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ: لَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّيْنِ يَمِينٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانُوا صِغَارًا، فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ. وَظَاهِرُ مَا فِي النَّوَادِرِ خِلَافُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ مَخَافَةَ طُرُوءِ دَيْنٍ أَوْ وَارِثٍ آخَرَ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مَعِينُ الْحُكَّامِ، اُخْتُلِفَ فِيمَنْ اسْتَحَقَّ شَيْئًا مِنْ الرِّبَاعِ أَوْ الْأُصُولِ، هَلْ عَلَيْهِ يَمِينٌ أَمْ لَا؟ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ ﵀ وَجَرَى عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَى مُسْتَحِقِّ ذَلِكَ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ: أَنَّ الرِّبَاعَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَتْبِ الْوَثَائِقِ فِيهَا عِنْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ عَلَيْهَا وَالْإِعْلَانِ بِالشَّهَادَةِ فِيهَا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْعُقُودِ وَالْمُكَاتَبِ، وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ لِلطَّالِبِ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ، وَاكْتَفَى بِالْبَيِّنَةِ عَنْ إحْلَافِهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُمَوَّلَاتِ الَّتِي يَخْفَى وَجْهُ انْتِقَالِهَا، وَيَقِلُّ حِرْصُ النَّاسِ عَلَى الْمُشَاحَّةِ فِي كِتَابِ الْوَثَائِقِ فِيهَا، فَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ لِذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ: لَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ مَنْ اسْتَحَقَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، أَنَّهُ مَا بَاعَ وَمَا وَهَبَ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ، وَاتَّفَقُوا فِي غَيْرِ الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا يَقْضِي
стр. 333
لِمُسْتَحِقٍّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَحْلِفَ.
قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَيْسَ عَلَى مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فِي أَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ سِلْعَةٍ يَمِينٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الَّذِي ذَلِكَ فِي يَدَيْهِ أَمْرًا يَظُنُّ بِصَاحِبِهِ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ، فَيَحْلِفُ مَا فَعَلَهُ وَيَأْخُذُهُ حَقَّهُ وَهَذِهِ قَوْلَةٌ ثَالِثَةٌ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: هَذَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ مَنْ يَدِ غَيْرِ غَاصِبٍ، وَأَمَّا إنْ اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِ غَاصِبٍ فَلَا يَمِينَ عَلَى مُسْتَحَقِّيهَا إذَا ثَبَتَ مِلْكُهَا لَهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَإِذَا شَهِدَ لِرَجُلٍ شَاهِدَانِ عَلَى دَيْنٍ لِأَبِيهِ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ اقْتَضَى مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَاسْتَحَقَّهُ بِشَاهِدَيْنِ، حَلَفَ أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ أَنَّ أَبَاهُ لَا وَهَبَ وَلَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْمِلْكِ، وَالْيَمِينُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ يُظَنُّ بِهِ عِلْمُ ذَلِكَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى مَنْ لَا يُظَنُّ بِهِ عِلْمُ ذَلِكَ، وَلَا عَلَى صَغِيرٍ وَمَنْ نَكَلَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْيَمِينُ مِنْهُمْ سَقَطَ مِنْ الدَّيْنِ حِصَّتُهُ فَقَطْ، قَالَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى: بَعْدَ يَمِينِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْ ابْنِ يُونُسَ مِنْ قَوْلِهِ وَالْيَمِينُ فِي ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَلَا يُكَلَّفُ الْوَرَثَةُ أَنْ يَزِيدُوا فِي يَمِينِهِمْ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُسْتَحَقَّ كَانَ فِي مِلْكِ مُوَرِّثِهِمْ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ شَهِدُوا بِذَلِكَ وَقَطَعُوا بِهِ، وَقَدْ أُنْكِرَ هَذَا عَلَى بَعْضِ الْقُضَاةِ لَمَّا فَعَلَهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ إلَّا فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَيَنْبَغِي التَّحَفُّظُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَشَبَهِهَا.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ: مَنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ عَلَى خَطِّ غَرِيمِهِ بِمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ وَالْغَرِيمُ جَاحِدٌ فَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ حَتَّى يَحْلِفَ مَعَهُمَا، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَحَقٌّ، وَمَا اقْتَضَيْتُ شَيْئًا مِمَّا كَتَبَ بِهِ خَطُّهُ أُعْطِيَ حَقَّهُ.
تَنْبِيهٌ: مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى حَاضِرٍ بِدَيْنٍ فَلَا يَحْلِفُ مَعَ بَيِّنَتِهِ عَلَى إثْبَاتِ الْحَقِّ، وَلَا عَلَى أَنَّهُ مَا قَبَضَهُ مِنْهُ حَتَّى يَدَّعِيَ الْمَطْلُوبُ أَنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ، أَوْ دَفَعَهُ عَنْهُ دَافِعٌ مِنْ وَكِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
[فَصْلٌ شَهَادَةُ السَّمَاعِ]
فَصْلٌ: وَمِمَّا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ، شَهَادَةُ السَّمَاعِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ لَا يُقْضَى لِأَحَدٍ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ
стр. 334
يَكُونَ أَصْلُ السَّمَاعِ مِنْ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ الْيَمِينِ.
[فَصْلٌ جَعَلَ الزَّوْجُ أَمْر زَوْجَتِهِ بِيَدِهَا إنْ غَابَ عَنْهَا وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ وَغَابَ]
فَصْلٌ: وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا إذَا جَعَلَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ، إنْ غَابَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ مَثَلًا فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ وَغَابَ فَأَرَادَتْ الْأَخْذَ بِشَرْطِهَا عِنْدَ الْأَجَلِ، وَأَثْبَتَتْ عِنْدَ الْحَاكِمِ الزَّوْجِيَّةَ وَالْغَيْبَةَ وَاتِّصَالَهَا وَالشَّرْطَ بِذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ تَحْلِفَ أَنَّهَا مَا تَرَكَتْ مَا جَعَلَهُ بِيَدِهَا، وَأَنَّهُ غَابَ أَكْثَرَ مِنْ الْمُدَّةِ الَّتِي شَرَطَهَا، وَهَذِهِ يَمِينُ اسْتِبْرَاءٍ، وَمِنْ ذَلِكَ إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ لِلْغَرِيمِ الْمَجْهُولِ الْحَالِ بِأَنَّهُ مُعْدِمٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَلَا بَاطِنٌ، وَإِنْ وَجَدَ مَالًا لَيُؤَدِّيَنَّ حَقَّهُ عَاجِلًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا شَهِدَتْ عَلَى الظَّاهِرِ وَلَعَلَّهُ غَيَّبَ مَالًا، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَدَّعِي عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ النَّفَقَةَ، وَتُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِإِثْبَاتِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْغَيْبَةِ، وَاتِّصَالِهَا، وَأَنَّهُمْ مَا عَلِمُوهُ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً، فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى أَحْكَامٍ تَتَوَقَّفُ سَمَاعُ الدَّعْوَى بِهَا عَلَى إثْبَاتِ فُصُولٍ، وَضَابِطُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِظَاهِرٍ فَإِنَّهُ يُسْتَظْهَرُ بِيَمِينِ الطَّالِبِ عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ التَّفْلِيسِ.
[فَصْلٌ تَسْقُطُ يَمِينُ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ]
فَصْلٌ: قَدْ تَسْقُطُ يَمِينُ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: إذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُقْضَى دِينُهُ مِنْ ثُلُثِهِ فَلَا يَمِينَ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصَايَا.
فَرْعٌ: أَمَّا لَوْ أَقَرَّ لَهُ فِي مَرَضِهِ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ مَا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ ثُمَّ مَاتَ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالْإِقْرَارِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ أَنَّهُ مَا قَبَضَ وَلَا وَهَبَ وَلَا اسْتَحَالَ، وَأَنَّهُ لَبَاقٍ إلَى حِينِ يَمِينِهِ.
فَرْعٌ: أَمَّا لَوْ أَقَرَّ لَهُ بِعَرَضٍ بِعَيْنِهِ ثُمَّ مَاتَ الْمُقِرُّ، وَجَبَ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَخَذُ ذَلِكَ الْعَرَضِ دُونَ يَمِينٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ يَعْرِفُهُ الشُّهُودُ بِعَيْنِهِ فَيَنْبَغِي التَّفَطُّنُ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ. اُنْظُرْ ابْنَ سَهْلٍ.
[فَصْلٌ الصَّدَاقُ فِي ذِمَّةِ الْغَائِبِ]
فَصْلٌ: وَمِمَّا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ، الصَّدَاقُ فِي ذِمَّةِ الْغَائِبِ وَفِي الْمَذْهَبِ فِي ضَبْطِ قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ: الصَّدَاقُ دَيْنٌ، وَالدَّيْنُ لَا يُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْغُيَّبِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِ الْقَضَاءِ.
стр. 335
فَرْعٌ: فَلَوْ كَانَتْ الْبِنْتُ فِي وِلَايَةِ أَبِيهَا فَمَنْ الَّذِي يَحْلِفُ؟ قَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي كِتَابِ الْمَفْقُودِ: إذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ تَطْلُبُ كَالِئَهَا، وَهِيَ فِي وِلَايَةِ أَبِيهَا فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.: الْمَشْهُورُ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْلِفُ.
وَقَالَهُ ابْنُ عَتَّابٍ وَابْنُ الْعَطَّارِ وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا يَمِينَ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ وَلَا عَلَى أَبِيهَا.
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ: إنَّ الْأَبَ يَحْلِفُ دُونَهَا وَهِيَ عِنْدِي أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِقَبْضِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الزَّوْجِ بِذَلِكَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وُجُوبُ الْيَمِينِ.
[فَصْلٌ يَمِينُ الْقَضَاءِ لَا نَصَّ عَلَى وُجُوبِهَا]
؛ لِعَدَمِ الدَّعْوَى عَلَى الْحَالِفِ بِمَا يُوجِبُهَا، إلَّا أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ رَأَوْا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْسَانِ نَظَرًا لِلْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ وَحِيَاطَةً عَلَيْهِ وَحِفْظًا لِمَالِهِ لِلشَّكِّ فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: فَإِذَا حَلَفَ مَرَّةً، وَتَأَخَّرَ الْقَضَاءُ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَحْلِفَ ثَانِيَةً بِالتَّوَهُّمِ الْمُحْتَمَلِ، وَلَا يُشْبِهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ حَاضِرًا وَادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ قَضَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَيْهِ وَاجِبَةٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
تَنْبِيهٌ: قَدْ تَكَرَّرَ يَمِينُ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، وَذَلِكَ إذَا تَأَخَّرَ الْقَضَاءُ بَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَيَمِينُ الْقَضَاءِ إلَى أَنْ قَدِمَ الْغَائِبُ الْمِدْيَانُ، وَأَقَامَ مُدَّةً ثُمَّ مَاتَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَقْضِيَ الطَّالِبُ حَقَّهُ حَتَّى يَحْلِفَ ثَانِيَةً؛ لِأَنَّ الشَّكَّ هَا هُنَا حَاصِلٌ كَمَا كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ، وَمِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى الْغَائِبِ دَيْنٌ مُنَجَّمٌ، فَأَقَامَ الطَّالِبُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ الْأَوَّلِ، وَحَلَفَ يَمِينَ الْقَضَاءِ فَلَا تُعَادُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ الثَّانِي وَلَا الثَّالِثِ، إلَّا أَنْ يَقْدُمَ الْغَائِبُ الْمِدْيَانُ فِي خِلَالِ الْمُدَّةِ، أَوْ بَعْدَ النَّجْمِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ أَنْ اقْتَضَى النَّجْمَ الْأَوَّلَ اقْتَضَى النَّجْمَ الثَّانِيَ، أَوْ وَكَّلَ مَنْ اقْتَضَاهُ فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مِنْ الطُّرَرِ.
стр. 336
[الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْقَضَاءِ بِتَبْدِئَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ]
وَتَأْخِيرِ يَمِينِ الْمُدَّعَى لَهُ مِنْ صَغِيرٍ حَتَّى يَبْلُغَ أَوْ غَائِبٍ حَتَّى يَقْدُمَ وَحُكْمِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: أَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ فِي الصَّغِيرِ: يَشْهَدُ لَهُ الشَّاهِدُ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ صَارَ لَهُ بِوَجْهٍ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُنْكِرًا لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ لَيْسَ عَلَيَّ، ثُمَّ يُتْرَكُ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ مَالًا أَوْ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، مِثْلَ الدَّارِ وَالْعَبْدِ أَوْ مَا لَهُ غَلَّةٌ كُلُّ ذَلِكَ يُسَلَّمُ إلَى الْحَالِفِ وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ.
وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يُوقَفُ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُخْشَى فَقْرُهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا كَبُرَ الصَّغِيرُ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَبَطَلَتْ يَمِينُ الْحَالِفِ أَوَّلًا وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ وَقَبَضَهُ إنْ كَانَ بِعَيْنِهِ، وَإِلَّا فَقِيمَتَهُ يَوْمَئِذٍ إنْ كَانَ فَائِتًا.
تَنْبِيهٌ: وَيَكْتُبُ الْقَاضِي لِلصَّبِيِّ بِمَا صَحَّ عِنْدَهُ؛ لِيُنَفِّذَهُ لَهُ مَنْ يَقُومُ عِنْدَهُ مِنْ الْقُضَاةِ، إذْ لَعَلَّ الشَّاهِدَ يَمُوتُ أَوْ تَتَغَيَّرُ حَالُهُ عَنْ الْعَدَالَةِ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّبِيِّ، فَإِنْ نَكَلَ الصَّبِيُّ عَنْ الْيَمِينِ إذَا بَلَغَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَاكْتَفَى بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ الْأُولَى عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ الصَّغِيرَ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ شَاذٌّ.
فَرْعٌ: أَمَّا لَوْ نَكَلَ الْغَرِيمُ أَوَّلًا عَنْ الْيَمِينِ، كَانَ نُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ وَأُخِذَ مِنْهُ الْحَقُّ وَدُفِعَ إلَى وَلِيِّ الصَّبِيِّ، وَلَا يُكَلَّفُ الصَّبِيُّ إذَا كَبُرَ يَمِينًا وَلَا شَيْئًا فَرْعٌ: فَإِنْ شَرِكَ الصَّغِيرَ وَارِثٌ كَبِيرٌ حَلَفَ وَاسْتَحَقَّ قَدْرَ نَصِيبِهِ وَيَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ، فَإِنْ نَكَلَ عَجَّلَ حَقَّ الطِّفْلِ إنْ كَانَ حَالًّا ثُمَّ لَا يَمِينَ لَهُ عَلَى الصَّغِيرِ بَعْدَ كِبَرِهِ كَحُكْمٍ نَفَذَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: تُرَدُّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ بَعْدَ كِبَرِهِ وَرُشْدِهِ، فَإِنْ حَلَفَ قَضَى لَهُ بِهِ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّ عَلَى الْمَطْلُوبِ مَا صَارَ إلَيْهِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ يَوْمَ بَلَغَ الصَّبِيُّ وَحَلَفَ عَلَى حَقِّهِ عَدِيمًا فَيُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ يَوْمَ أَخَذَ
стр. 337
الْكَبِيرُ حَقَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا مَا أَخَذَ، رَجَعَ الصَّغِيرُ عَلَى أَخِيهِ بِنِصْفِ مَا كَانَ أَخَذَ بَعْدَ يَمِينِهِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ، قِيلَ: فَكَيْفَ يَحْلِفُ الصَّغِيرُ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُ، قَالَ: لَا يَحْلِفُ حَتَّى يَعْلَمَ بِالْخَبَرِ الَّذِي يَتَيَقَّنُ بِهِ، فَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ، قَالَ مَالِكٌ: وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ لَحَقٌّ مِنْ رِسَالَةِ الْقَضَاءِ وَالْأَحْكَامِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الصَّبِيِّ: يَقُومُ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِحَقٍّ فَيَسْتَحْلِفُ الْحَاكِمُ الْمَطْلُوبَ فَيَحْلِفُ، فَلَمَّا كَبُرَ الصَّبِيُّ، قِيلَ لَهُ احْلِفْ مَعَ شَاهِدِك وَخُذْ حَقَّك، فَأَرَادَ تَحْلِيفَ الْمَطْلُوبِ ثَانِيَةً، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُوَلَّى عَلَيْهِ إذَا قَامَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى حَقِّهِ، قَضَى لَهُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، فَإِنْ حَلَفَ أَخَذَ الْحَقَّ، وَدُفِعَ لِلْمُوصَى عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّهِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ حَقَّهُ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَبْقَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ عَلَى حَقِّهِ حَتَّى يَرْشُدَ فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ وَلَمْ تَعُدْ الْيَمِينُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ يَجْعَلَانِ الْمَوْلَى عَلَيْهِ كَالْكَبِيرِ الرَّشِيدِ إنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ اسْتَحَقَّ حَقَّهُ، وَإِنْ نَكَلَ بَطَلَ حَقُّهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ وَمُطَرِّفٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ، إحْيَاءً لِلسُّنَّةِ الْوَارِدَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّةِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا ادَّعَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ حَقًّا عَلَى رَجُلٍ فَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَوَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمَطْلُوبِ لِرَفْعٍ الْخُصُومَةِ فَرَدَّهَا عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ: لَا يَحْلِفُ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ الْعَدْلِ مِنْ جِهَةِ إحْيَاءِ السُّنَّةِ، وَيَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهِ الْغُرْمُ بِنُكُولِهِ، وَيُرْجِئُ لَهُ الْيَمِينَ عَلَى الْمَحْجُورِ حَتَّى يَرْشُدَ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ: وَفِي هَذَا عِنْدِي نَظَرٌ وَالصَّحِيحُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ إذَا رَدَّ الْمَطْلُوبُ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، وَيَأْخُذُ حَقَّهُ كَمَا يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ، وَلَا وَجْهَ لِإِرْجَاءِ الْيَمِينِ، وَقَدْ رَضِيَ بِهَا مِنْهُ بِنُكُولِهِ عَنْهَا، ذَكَرَهَا الْمُتَيْطِيُّ وَهِيَ فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ أَتَمُّ.
فَرْعٌ: وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ وَلَهُ وَرَثَةٌ كِبَارٌ وَصِغَارٌ، وَتَرَكَ ذِكْرَ حَقٍّ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الْكِبَارَ يَحْلِفُونَ كُلَّهُمْ مَعَ شَاهِدِهِمْ وَيَسْتَحِقُّونَ
стр. 338
حَقَّهُمْ، وَأَمَّا الصِّغَارُ فَيُقَالُ لِلْغَرِيمِ: احْلِفْ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ عَلَيْك الشَّاهِدُ بَاطِلٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْك، فَإِنْ نَكَلَ أُخِذَ مِنْهُ حَقُّ الصَّبِيِّ، وَدُفِعَ إلَى وَلِيِّهِ، وَإِنْ حَلَفَ أَقَرَّ حَقَّ الصَّبِيِّ بِيَدِهِ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ حَلَفَ وَأَخَذَ، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ. فَصْلٌ: وَأَمَّا الْغَائِبُ يَقُومُ لَهُ وَكِيلُهُ فِي إثْبَاتِ حَقٍّ، وَيَشْهَدُ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ شَاهِدٌ وَاحِدٌ. فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّغِيرِ يَقُومُ لَهُ شَاهِدٌ بِحَقٍّ. وَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَتُؤَخَّرُ يَمِينُ الْمُوَكِّلِ حَتَّى يَقْدُمَ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً كُتِبَ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْقَائِمُ لِلْغَائِبِ وَلَدَهُ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: إنَّ لَهُ طَلَبَ الْغَرِيمِ بِغَيْرِهِ وَكَالَةً فَإِذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَعَجَزَ عَنْ الْآخَرِ، حَلَفَ الْغَرِيمُ وَتُرِكَ حَتَّى يَقْدُمَ الْغَائِبُ فَيَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، وَقَدْ ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَنْ يَسْمَعُ الْحَاكِمُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ، وَمَنْ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ فَصْلٌ: وَأَمَّا الْمَعْتُوهُ فَإِنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَحْلِفُ وَيَبْرَأُ، وَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ، فَإِنْ حَلَفَ الْمَطْلُوبُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَقَلَ الْمَعْتُوهُ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ مَعَ الشَّاهِدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ السَّابِعُ فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدِ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِ وَلِيِّهِ]
وَيَحْلِفُ الْأَبُ مَعَ الشَّاهِدِ فِي حَقِّ ابْنِهِ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى الْمُعَامَلَةَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ الْأَبُ غَرِمَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَبُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْمُعَامَلَةِ لِابْنِهِ، فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: أَحَدُهَا أَنَّ الصَّبِيَّ يَحْلِفُ وَهُوَ شَاذٌّ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: يَحْلِفُ أَبُوهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ زَوَّجَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ مِنْ صَبِيٍّ فَمَاتَ الزَّوْجُ وَطَلَبَ أَبُوهَا الْمِيرَاثَ وَالْمَهْرَ، فَإِنْ كَانَ لَهَا شَاهِدٌ حَلَفَتْ مَعَ الشَّاهِدِ إذَا كَبُرَتْ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَذَلِكَ مَا لَمْ يَدَّعِ الْأَبُ التَّسْمِيَةَ مَعَ الشَّاهِدِ، فَإِنْ ادَّعَاهَا حَلَفَ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ ضَمِنَ إذَا لَمْ يَتَوَثَّقْ لَهَا بِشَاهِدَيْنِ، وَلَهَا أَنْ تَدَعَ أَبَاهَا وَتَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهَا وَلَهَا ذَلِكَ فِي مَوْتِ الْأَبِ وَعَدَمِهِ.
стр. 339
فَرْعٌ: فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ، وَلَا طَلَاقٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً، وَإِلَّا فَقَوْلُ مَنْ عَقَدَ النِّكَاحَ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ، يَعْنِي مَعَ يَمِينِهِ وَهِيَ الْمُبْتَدِئَةُ بِالْيَمِينِ أَوْ أَبُوهَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: يَبْدَأُ الزَّوْجُ بِالْيَمِينِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا.
فَرْعٌ: إذَا زَوَّجَ الْأَبُ ابْنَهُ الْبَالِغَ الْمَالِكَ لِأَمْرِهِ وَهُوَ حَاضِرٌ صَامِتٌ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَا أَرْضَى وَإِنَّمَا صَمَتُّ لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُنِي، فَادَّعَى أَبُو الصَّبِيَّةِ أَنَّ مُخْبِرًا أَخْبَرَهُ: أَنَّ الِابْنَ أَمَرَ أَبَاهُ بِذَلِكَ، فَعَلَى الزَّوْجِ الْيَمِينُ فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَالِدُ الزَّوْجَةِ، وَثَبَتَ النِّكَاحُ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ فِي إجْبَارِ الْأَبِ ابْنَتَهُ.
فَرْعٌ: لَوْ كَانَ الصَّبِيُّ فَقِيرًا لَا مَالَ لَهُ وَإِنَّمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ أَبُوهُ، وَطَلَبَ الْأَبُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ عَلَى حَقٍّ لِوَلَدِهِ، فَرُوِيَ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَأَشَارَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ، وَرَآهُ كَالْحَلِفِ لِيَمْلِكَ غَيْرَ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ مَالِهِ.
فَرْعٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ عُرْفُ الْبَلَدِ أَنَّ الزَّوْجَ يَدْفَعُ الصَّدَاقَ قَبْلَ الْبِنَاءِ، أَوْ كَانَ عُرْفُ الْبَلَدِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إلَّا بَعْدَ الدَّفْعِ، فَادَّعَى بَعْدَ الْبِنَاءِ، أَنَّهُ دَفَعَهُ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَالِكَةً أَمْرَ نَفْسِهَا حَلَفَتْ، وَإِلَّا حَلَفَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ وَغَرِمَ الزَّوْجُ مِنْ النِّهَايَةِ.
فَرْعٌ: إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ وَجَدَ الزَّوْجَةَ ثَيِّبًا وَأَكْذَبَتْهُ، فَالْيَمِينُ لَهُ عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ مَالِكَةً أَمْرَ نَفْسِهَا، أَوْ عَلَى أَبِيهَا إذَا كَانَ لَهَا أَبٌ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا وَجَدَهَا ثَيِّبًا، وَمَا أَلْفَاهَا إلَّا بِكْرًا، وَيَلْزَمُ النِّكَاحُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي وِلَايَةِ أَبِيهَا، فَالْيَمِينُ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْأَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 340
[الْبَابُ الثَّامِنُ فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدِ الْعَبْدِ وَيَمِينِ سَيِّدِهِ]
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ يُقَيَّمُ شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى حَقٍّ فَيَأْبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، فَيُرِيدُ سَيِّدُهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ، وَيَسْتَحِقَّ حَقَّ عَبْدِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ مَا كَانَ الْعَبْدُ قَائِمًا، لِأَنَّ نُكُولَهُ عَنْ الْيَمِينِ كَإِقْرَارِهِ، وَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ، وَلَكِنْ لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ، كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ عَبْدِهِ، وَيَأْخُذَ الْمَالَ.
فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: إذَا أَمَرَ عَبْدَهُ بِدَفْعِ دَيْنٍ عَلَى السَّيِّدِ إلَى رَجُلٍ فَأَنْكَرَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ، وَقَدْ قَامَ لِلْعَبْدِ شَاهِدٌ وَنَكَلَ الْعَبْدُ عَنْ الْيَمِينِ، حَلَفَ سَيِّدُهُ.
وَفِي ابْنِ يُونُسَ؟ إنْ نَكَلَ الْعَبْدُ وَجَبَ أَنْ يَحْلِفَ السَّيِّدُ مَعَ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ عَنْ نَفْسِهِ بِشَاهِدٍ قَامَ لَهُ.
وَفِي الطُّرَرِ عَلَى التَّهْذِيبِ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: قِيلَ لِسَحْنُونٍ فَإِنْ نَكَلَ الْعَبْدُ أَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَحْلِفَ؟ قَالَ نَعَمْ؛ لِأَنَّا نَتَّهِمُ الْعَبْدَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ إبْطَالَ مَالِ سَيِّدِهِ. وَفِي كِتَابِ الْجِدَالِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ: لَا يَحْلِفُ السَّيِّدُ.
وَفِي التَّفْسِيرِ لِيَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ نَكَلَ الْعَبْدُ حَلَفَ السَّيِّدُ، فَيَكُونُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلَانِ.
[الْبَابُ التَّاسِعُ فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدِ الْوَكِيلِ وَيَمِينِ الْمُوَكِّلِ]
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: فِي الرَّجُلِ يُوَكِّلُ الْوَكِيلَ عَلَى دَفْعِ دَيْنِهِ عَنْهُ إلَى رَجُلٍ وَكَانَ وَكِيلًا مُفَوَّضًا إلَيْهِ، فَدَفَعَهُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَجَحَدَ الْقَابِضُ فَأَبَى الْوَكِيلُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ، وَأَرَادَ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، مَا كَانَ الْوَكِيلُ مَلِيًّا لِأَنَّهُ ضَامِنُ ذَلِكَ لِلْمُوَكِّلِ حِينَ فَرَّطَ، وَلَمْ يَشْهَدْ وَصَارَ نُكُولُ الْوَكِيلِ كَإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ ذَلِكَ إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْوَكِيلُ مُفْلِسًا فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجُوزُ لِلَّذِي وَكَّلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ، وَيَبْرَأَ
стр. 341
لِأَنَّهُ صَارَ كَغَرِيمِ الْغَرِيمِ.
وَفِي الطُّرَرِ لِأَبِي الْأَعْرَجِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلَانِ فِي يَمِينِ الْمُوَكِّلِ، إذَا نَكَلَ الْوَكِيلُ عَنْ الْيَمِينِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ نَكَلَ الْوَكِيلُ وَكَانَ عَدِيمًا، فَكَالْعَبْدِ يَحْلِفُ الْمُوَكِّلُ وَيَبْرَأُ، وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي مَتَى أَيْسَرَ الْوَكِيلُ حَلَفَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَرَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ، وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ مَلِيًّا وَنَكَلَ، حَلَفَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَبَرِئَ وَغَرِمَ الْوَكِيلُ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ، قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِيمَنْ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً أَوْ سِلْعَةً فَفَعَلَ، فَقَامَ لَهُ بِذَلِكَ شَاهِدٌ وَالْبَائِعُ مُنْكِرٌ، فَإِنَّهُ إذَا قَامَتْ لِلْآمِرِ بَيِّنَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ وَكِيلِهِ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْيَمِينُ عَلَى الْوَكِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْمُوَكِّلِ وَيَمِينِ الْوَكِيلِ]
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، فِي الرَّجُلِ يَكُونُ بِمِصْرَ وَلَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ إفْرِيقِيَةَ، فَوَكَّلَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَكِيلًا يَقْتَضِي مِنْ الْغَرِيمِ حَقَّهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَثَبَتَتْ وَكَالَتُهُ، ادَّعَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ، وَسُئِلَ أَنْ يُؤَخَّرَ قَبْضُ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يَسْتَحْلِفَ صَاحِبَ الْحَقِّ بِمِصْرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ، وَلَكِنْ عَلَى الْوَكِيلِ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ مَا عَلِمْت أَنَّهُ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ يَقْبِضُ مِنْهُ الْحَقَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْحَقِّ قَرِيبًا عَلَى الْيَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَلْيَكْتُبْ إلَيْهِ فَيَحْلِفُ، وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا: إنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْوَكِيلُ، وَلَكِنْ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِصَاحِبِ الْحَقِّ فَيَحْلِفُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَكْتُبَ لِلطَّالِبِ الْكِتَابَ حَتَّى يُحْلِفَهُ أَنَّهُ مَا اقْتَضَى مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ شَيْئًا اسْتِقْصَاءً لِحُجَجِ الْغَائِبِ.
وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ إذَا تَوَجَّهَ الْوَكِيلُ لِطَلَبِ الْغَرِيمِ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْمُوَكِّلِ، فَادَّعَى الْغَرِيمُ أَنَّهُ دَفَعَ لِلْمُوَكِّلِ جَمِيعَ الدَّيْنِ أَوْ بَعْضَهُ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً عَلَى مَسِيرَةِ الْيَوْمَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، أُخِّرَ حَتَّى يَكْتُبَ إلَيْهِ فَيَحْلِفُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ بَعِيدَةً لَمْ تُؤَخَّرْ، وَقَضَى عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى وَقَوْلِ أَصْبَغَ، وَرَوَى فِي الْمَجْمُوعَةِ وَغَيْرِهَا عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ
стр. 342
وَابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ الْوَكِيلَ يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ، وَحِينَئِذٍ يُقْضَى لَهُ، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا حَلَفَ الْوَكِيلُ هُنَا؛ لِأَنَّ لَهُ أُجْرَةً عَلَى تَقَاضِي الدَّيْنِ.
وَفِي الْمَذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ: وَإِذَا كَانَتْ مُخَاصِمَةُ الْمَطْلُوبِ مَعَ وَكِيلِ الطَّالِبِ فَقَالَ مُوَكِّلُك أَبْرَأَنِي، فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: يَحْلِفُ الْوَكِيلُ مَا عَلِمَ بِبَرَاءَتِهِ، وَيَأْخُذُ الْمَالَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُوَكِّلُهُ قَرِيبًا فَيَكْتُبُ إلَيْهِ فَيَحْلِفُ.
تَنْبِيهٌ: وَهَذَا حُكْمُ الْوَكِيلِ الْقَائِمِ بِالْوِكَالَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْقَائِمُ عَلَى الْغَرِيمِ هُوَ ابْنُ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وَقُلْنَا لَهُ الْقِيَامُ وَالطَّلَبُ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ، فَأَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا وَعَجَزَ عَنْ آخَرَ لَمْ يَحْلِفْ مَعَ الشَّاهِدِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَحَلَفَ الْغَرِيمُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ بَرِئَ مِنْ هَذَا الدَّيْنِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ الْآنَ مِنْ الْمُعَارَضَةِ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ أُخِذَ الْحَقُّ مِنْهُ مُعَجَّلًا.
[الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدِ الْمُفْلِسِ وَيَمِينِ الْغُرَمَاءِ]
وَإِذَا شَهِدَ لِلْمُفْلِسِ بَعْدَ فَلَسِهِ شَاهِدٌ بِحَقٍّ، وَنَكَلَ الْمُفْلِسُ عَنْ الْيَمِينِ حَلَفَ مَعَهُ الْغُرَمَاءُ وَأَخَذُوهُ، فَإِنْ نَكَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَاصَّ فِيمَا أَخَذَ مَنْ حَلَفَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَكُونُ لِمَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ مِنْهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يَكُونُ جَمِيعُ الدَّيْنِ بَيْنَ مَنْ حَلَفَ مِنْهُمْ.
مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ إذَا أَقَامَ الْمُفْلِسُ شَاهِدًا أَنَّهُ قَضَى بَعْضَهُمْ، وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ هَلْ يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ مَعَ الشَّاهِدِ أَمْ لَا؟ تَنْبِيهٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَإِنَّمَا يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ حَقٌّ عَلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ عَلَى مَا يَنُوبُهُ مِنْهُ، وَمَنْ نَكَلَ فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ بَعْدَ نُكُولِهِ فَهَلْ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَيَحْلِفُ أَوْ لَا يُمَكَّنُ مِنْ الْحَلِفِ؟ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُمَكَّنُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ لَا يُمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَحْلِفَ، وَلَا يُقَالُ وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: أَنَّ نُكُولَهُ لَيْسَ بِنُكُولٍ، وَلَيْسَ كَنُكُولِهِ عَنْ حَقِّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ ظَنَنْت أَنَّ الْغَرِيمَ سَيَحْلِفُ، وَيَكْفِينَا عَنْ الْحَلِفِ أَوْ أَرَدْت أَنْ أَكْشِفَ عَنْ عِلْمٍ ذَلِكَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ.
стр. 343
فَرْعٌ: وَفِي الْوَاضِحَةِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَقَامَ شَاهِدًا بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، فَلَيْسَ لِغُرَمَائِهِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ الشَّاهِدِ، وَيَأْخُذُوا ذَلِكَ الدَّيْنَ فِي حُقُوقِهِمْ مَا كَانَ قَائِمَ الْوَجْهِ وَلَمْ يُفْلِسْ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ جَائِزٌ، فَنُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ فَأَمَّا إنْ أَفْلَسَ حَتَّى لَا يَجُوزَ إقْرَارُهُ، فَلِغُرَمَائِهِ أَنْ يَحْلِفُوا إذَا نَكَلَ وَيَسْتَحِقُّوا ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا هَلَكَ رَجُلٌ وَلَهُ دَيْنٌ لَهُ عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ، فَلِلْوَرَثَةِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ الشَّاهِدِ وَيَسْتَحِقُّونَ الدَّيْنَ فَإِذَا حَلَفُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ، قَضَى مِنْهُ الدَّيْنَ وَأَخَذُوا الْبَاقِي مِيرَاثًا، وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ إجْبَارُهُمْ عَنْ الْيَمِينِ، فَإِنْ أَبَى الْوَرَثَةُ أَنْ يَحْلِفُوا، فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يَحْلِفُونَ وَيَأْخُذُونَ حُقُوقَهُمْ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ بَعْدَ اسْتِيفَائِهِمْ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا فَتَرَكُوهَا، إلَّا أَنْ يَقُولُوا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ يَفْضُلُ لِصَاحِبِنَا فَضْلٌ، وَنَعْلَمُ أَنَّ نُكُولَهُمْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، فَيَحْلِفُونَ وَيَأْخُذُونَ مَا بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِ، قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ نَكَلَ مِنْ الْغُرَمَاءِ بَطَلَ قَدْرُ حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَلَمْ يَجُزْ عَنْهُ يَمِينُ غَيْرِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ نَكَلَ مِنْ الْوَرَثَةِ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَلَمْ تَجُزْ يَمِينُ غَيْرِهِ مِنْ الْوَرَثَةِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فَضْلٌ: قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا بَدَأَ الْوَرَثَةُ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَكُنْ ثَبَتَ عَلَى الْمَيِّتِ لِلْغُرَمَاءِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ دَيْنُ الْغُرَمَاءِ ثَابِتًا مَعْرُوفًا، كَانُوا هُمْ الْمُبْدِئِينَ بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ دُونَ الْوَرَثَةِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَمِعْت مُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ يَقُولَانِ فِي الرَّجُلِ يُقْتَلُ خَطَأً وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، فَيَأْبَى وَرَثَتُهُ أَنْ يَقْتَسِمُوا، أَنَّ لِأَهْلِ دِيَتِهِ أَنْ يَقْتَسِمُوا وَيَأْخُذُوا دِيَتَهُ فِي دَيْنِهِمْ، إذَا كَانَ دَيْنُهُمْ يُحِيطُ بِدِيَتِهِ، وَيَنْزِلُونَ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْوَرَثَةِ إذَا أَقْسَمَ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضُهُمْ.
وَقَالَهُ أَصَبْغُ وَابْنُ نَافِعٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ مَاتَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ لِلنَّاسِ فَيَشْهَدُ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِدَفْعِ بَعْضِ الدُّيُونِ، فَأَرَادَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَ شَاهِدِ غَرِيمِهِمْ أَوْ كَانُوا وَرَثَةً فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لِغَرِيمِهِمْ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى دَيْنِهِ، هُنَالِكَ يَحْلِفُونَ أَنَّ حَقَّهُمْ حَقٌّ، وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَهُنَا لَوْ حَلَفُوا فَإِنَّمَا
стр. 344
يَحْلِفُونَ لَقَدْ دَفَعَ كَذَا، وَهَذَا مِنْ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ حَلِفُهُمْ عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرَةُ مَسْأَلَةِ الْمُفْلِسِ وَنَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ فِي تِلْكَ الْخِلَافَ.
[الْبَابُ الثَّانِيَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينِ أَحَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ]
وَإِذَا قَامَ جَمَاعَةٌ فِي صَدَقَةٍ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِمْ، وَمِنْهُمْ الْحَاضِرُ وَالْغَائِبُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، فَقَامُوا يَطْلُبُونَ صَدَقَتَهُمْ مِنْ وَرَثَةِ الْمُوَصِّي وَلَمْ يَجِدُوا عَلَيْهَا إلَّا شَاهِدًا وَاحِدًا، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ رَجُلٌ مِنْهُمْ مِمَّنْ حَضَرَ مَعَ شَاهِدِهِمْ، وَيَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ لِجَمِيعِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَحْلِفُوا كُلُّهُمْ كَمَا يَحْلِفُ الْوَرَثَةُ فِي ذِكْرِ الْحَقِّ، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَهُ فَضْلٌ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ إنْ كَانَتْ الصَّدَقَةُ أَوْ الْحَبْسُ عَلَى بَنِي فُلَانٍ، فَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَحْلِفُ الْجُلُّ مَعَهُ، أَيْ مَعَ الشَّاهِدِ وَتَنْفُذُ لِجَمِيعِهِمْ، وَالْجُلُّ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.
فَرْعٌ: وَأَمَّا إذَا أَوْصَى لِلْمَسَاكِينِ أَوْ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ أَوْ لِبَنِي تَمِيمٍ أَوْ لِقُرَيْشٍ أَوْ لِلْأَنْصَارِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَمِينَ فِي ذَلِكَ مَعَ الشَّاهِدِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا أَوْصَى لِمَنْ يَحْصُرُهُمْ الْعَدَدُ كَآلِ فُلَانٍ أَوْ مَسَاكِينِ آلِ فُلَانٍ، فَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِيهَا، هَلْ يَحْلِفُ الْجُلُّ أَوْ يُكْتَفَى فِيهَا بِوَاحِدٍ؟ وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ وَقِيلَ لَا يَمِينَ فِي ذَلِكَ مَعَ الشَّاهِدِ، قَالَ وَيَقُومُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الْوَصَايَا الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يُوصِي لِأَخْوَالِهِ وَأَوْلَادِهِمْ.
[فَصْلٌ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ فَوُجِدَ لِلْمَيِّتِ كِتَابٌ يَذْكُرُ حَقًّا لَهُ عَلَى رَجُلٍ]
فَصْلٌ: وَيَلْحَقُ بِهَذَا الْبَابِ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ ﵀ فِي رِسَالَةِ الْقَضَاءِ قَالَ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَوُجِدَ لِلْمَيِّتِ كِتَابٌ يَذْكُرُ حَقًّا لَهُ عَلَى رَجُلٍ لَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَيَأْخُذُ ثُلُثَ ذَلِكَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَارِثِ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 345
[الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي]
بَعْدَ فَصْلِ الْقَضَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ رَجُلٍ مَالًا وَدَعَا إلَى يَمِينِ الْمَطْلُوبِ فَحَلَفَ لَهُ ثُمَّ زَعَمَ أَنَّهُ وَجَدَ بَيِّنَةً تَشْهَدُ لَهُ بِمَا ادَّعَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِهَا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِهَا فِي حِينِ اسْتِحْلَافِهِ، ثُمَّ يَسْمَعُ الْحَاكِمُ مِنْ بَيِّنَتِهِ، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَقُّ مِنْ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.
تَنْبِيهٌ: وَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِبَيِّنَتِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ يَوْمَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَاضِرَةً أَوْ غَائِبَةً.
فَرْعٌ: أَمَّا إنْ اسْتَحْلَفَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِبَيِّنَتِهِ تَارِكًا لَهَا، إمَّا تَصْرِيحًا أَوْ مُعَرِّضًا عَنْهَا، وَهِيَ حَاضِرَةٌ أَوْ غَائِبَةٌ فَلَا حَقَّ لَهُ.
فَرْعٌ: وَفِي الثَّمَانِيَةِ لِأَبِي زَيْدٍ، قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَمَنْ اسْتَحْلَفَ رَجُلًا فِي حَقِّهِ، وَهُوَ عَالِمٌ بِبَيِّنَتِهِ وَهِيَ حَاضِرَةٌ مَعَهُ فَحَلَفَ لَهُ، لَمْ يَضُرَّهُ اسْتِحْلَافُهُ إيَّاهُ، وَلَهُ الْقِيَامُ بِهَا وَيُقْضَى بِهَا؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ أَنْ يَقُولَ ظَنَنْت أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ وَلَا يَتَجَرَّأُ عَلَى الْيَمِينِ، وَأَنَّهُ يُقِرُّ لَهُ حِينَئِذٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: أَرَاهُ آثِمًا حِينَ أَلْجَأَهُ إلَى الْيَمِينِ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْمَازِرِيُّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكِ ﵀: إنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا اسْتَحْلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى دَعْوَاهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا فَلَا يَحْلِفُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَدْ بَرِئَ مِنْ الدَّعْوَى بِيَمِينِهِ، فَلَا يُكْتَفَى بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِي إبْطَالِ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يَثْبُتُ حَقُّهُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ، وَقِيلَ يَحْلِفُ مَعَهُ.
فَرْعٌ: قَالَ سَحْنُونٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْحَقِّ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِبَيِّنَتِهِ مَعَ يَمِينِهِ، وَهَذَا إذَا ادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِبَيِّنَتِهِ وَجَحَدَ الْآخَرُ، وَرَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ لَهُ الْقِيَامَ، وَإِنْ عَلِمَ بِبَيِّنَتِهِ.
стр. 346
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَمِنْ الْحَزْمِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي يَمِينَهُ أَنْ يُلْزِمَ الْمُدَّعِيَ أَنَّهُ قَدْ أَسْقَطَ بَيِّنَتَهُ مَا عَلِمَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ مِثْلَ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بَعْدَ يَمِينِهِ بِالْبَيِّنَةِ.
فَرْعٌ: فَإِذَا ادَّعَى أَنَّ بَيِّنَتَهُ غَائِبَةٌ، وَأَرَادَ أَنْ يَسْتَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَلَى بَيِّنَتِهِ إذَا قَدِمَتْ، فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَيِّنَةَ بِمَوْضِعٍ قَرِيبٍ، وَأَنْ يُقِيمَهَا فِي الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ أُخِّرَتْ الْيَمِينُ، فَإِنْ أَحْضَرَ الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ عَلَى تَرْكِ الْبَيِّنَةِ وَإِسْقَاطِهَا، وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ بِمَوْضِعٍ بَعِيدٍ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَانَ عَلَى بَيِّنَتِهِ يُقِيمُهَا إذَا حَضَرَتْ.
تَنْبِيهٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْمُدَّعِي أَنْ يُحَلِّفَهُ، إذَا ادَّعَى أَنَّ بَيِّنَتَهُ بِمَوْضِعٍ بَعِيدٍ، بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّ بَيِّنَتَهُ بِمَوْضِعٍ بَعِيدٍ وَيُسَمِّي الْبَيِّنَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ: قَالَ وَقَدْ كَانَ أَبُو إبْرَاهِيمَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ التُّجِيبِيُّ، لَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي، وَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ سَمِّ بَيِّنَتَك، وَاشْهَدْ أَنَّك لَا بَيِّنَةَ لَك غَيْرَهَا، فَإِذَا فَعَلَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيَبْقَى الْمُدَّعِي عَلَى إقَامَةِ مَنْ سَمَّاهُ، فَإِنْ كَانُوا عُدُولًا وَشَهِدُوا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِمْ مَدْفَعٌ حَكَمَ لَهُ بِهِمْ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي شَيْءٌ، قَالَ: وَحَضْرَتُهُ يُفْتِي بِهَذَا مِرَارًا.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي لَا شَاهِدَ لَهُ وَطَلَبَ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، فَرَجَعَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي فَحَلَفَ وَأَخَذَ ثُمَّ إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَجَدَ الْبَيِّنَةَ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْحَقِّ فَإِنَّهُ يُبَرَّأُ، وَيَرْجِعُ إلَى مَا أَخَذَ مِنْهُ فَيَأْخُذُهُ.
فَرْعٌ: وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي حِينَ رَجَعَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِ نَكَلَ عَنْهَا، فَلَمْ يُعْطِ شَيْئًا لِنُكُولِهِ، ثُمَّ وَجَدَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ دَعْوَاهُ حَقٌّ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِبَيِّنَتِهِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ نُكُولُهُ عَنْ الْيَمِينِ حِينَ رُدَّتْ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَفِي الطُّرَرِ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ: وَلَوْ أَنَّ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالًا فَأَنْكَرَهُ، وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ بَيِّنَةٌ قَدْ عَلِمَ بِهَا فَصَالَحَهُ بِبَعْضِ الْحَقِّ، ثُمَّ حَضَرَتْ الْبَيِّنَةُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ.
فَرْعٌ: وَلَوْ صَالَحَ الطَّالِبُ الْمَطْلُوبَ عَلَى شَيْءٍ لِبُعْدِ غَيْبَةِ الْبَيِّنَةِ فَلَا قِيَامَ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ إذَا قَدِمَتْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِمَا قَدْ أَخَذَ.
стр. 347
تَنْبِيهٌ: قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: إنَّ الْغَيْبَةَ الْقَرِيبَةَ مِثْلُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيمَنْ ادَّعَى عَبْدًا بِيَدِ رَجُلٍ وَذَكَرَ أَنَّ لَهُ بَيِّنَةً قَرِيبَةً مِثْلَ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ، وَسَأَلَ وَضْعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى بَيِّنَتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَتَى بِشَاهِدٍ أَوْ بِسَمَاعٍ وَادَّعَى شُهُودًا حُضُورًا، وَسَأَلَ إيقَافَ الْعَبْدِ أُوقِفَ الْعَبْدُ لَهُ نَحْوَ الْخَمْسَةِ الْأَيَّامِ وَالْجُمُعَةِ،.
وَقَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجُ: فَانْظُرْ هَلْ هَذَا وِفَاقٌ أَوْ خِلَافٌ. انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ ﵀: فِيمَنْ قَضَى رَجُلًا دِينَارًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ شَاهِدَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ يَتَقَاضَاهُ الدِّينَارَ فَقَالَ: قَدْ قَضَيْتُك وَأَشْهَدْت عَلَيْك فُلَانًا وَفُلَانًا، فَقَالَ مَا قَبَضْته، فَقَالَ تَحْلِفُ وَأُعْطِيك فَحَلَفَ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدَيْنِ أَتَرَى لَهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى ذَلِكَ فَلْيَأْتِ بِهِمَا.
[الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ رَجُلٍ بِانْفِرَادِهِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ]
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: وَيَكْفِي الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ فِيمَا يُبْتَدَأُ الْحُكْمُ فِيهِ بِالسُّؤَالِ، وَفِيمَا كَانَ عِلْمًا يُؤَدِّيهِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَمَا اُخْتُصِمَ فِيهِ مِنْ الْعُيُوبِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْعَبْدِ الْمَبِيعِ، وَعُيُوبِ الْإِمَاءِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إلَّا النِّسَاءُ، فَكَانَا قَائِمَيْنِ غَيْرَ فَائِتَيْنِ، فَلِلْحَاكِمِ الَّذِي يَتَوَلَّى الْكَشْفَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُرْسِلَ بِالْعَبْدِ إلَى مَنْ يَرْتَضِيهِ، أَوْ يَثِقُ بِبَصَرِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ الْعَيْبِ وَغَوْرِهِ، مِثْلَ: الشِّغَافِ وَالطِّحَالِ وَالْبَرَصِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، فَيَأْخُذُ فِيهِ بِالْمُخْبِرِ الْوَاحِدِ وَبِقَوْلِ الطَّبِيبِ الَّذِي لَيْسَ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عِلْمٌ يَأْخُذُهُ الْحَاكِمُ عَمَّنْ يُبْصِرُهُ وَيَعْرِفُهُ، مَرَضِيًّا كَانَ أَوْ مَسْخُوطًا وَاحِدًا كَانَ أَوْ اثْنَيْنِ.
فَرْعٌ: إذَا كَانَ فَائِتًا بِغَيْبَةٍ أَوْ مَوْتٍ، كَانَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى سُنَّتِهَا تَحْيَا بِمَا تَحْيَا بِهِ الشَّهَادَاتُ، وَتَضْعُفُ بِمَا يُضْعِفُهَا.
стр. 348
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ، وَرُوِيَ فِي الرَّجُلِ يَشْهَدُ لِابْنِهِ بِحَقٍّ، فَيَدْفَعُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْمَالَ إلَى الِابْنِ شَهَادَةُ الْأَبِ بِغَيْرِ حُكْمٍ مِنْ سُلْطَانٍ.
وَفِي الرَّجُلِ يَقُومُ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى حَقِّهِ، فَيَدْفَعُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْحَقَّ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ.
وَفِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فَتَدَّعِي حَمْلًا وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، فَيُنْفِقُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَنْفُشُ الْحَمْلُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، لَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ مِمَّا دَفَعُوهُ، وَلَيْسَ يَنْفَعُهُمْ قَوْلُهُمْ ظَنَنَّا أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُنَا، وَقَدْ أُمْضِيَ الْحَقُّ لِمَنْ أَخَذَهُ وَلَوْ شَاءُوا تَثَبَّتُوا قَبْلَ الدَّفْعِ، وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُفِعَتْ إلَى الْحَاكِمِ ابْتِدَاءً، فَإِنَّهُ يُمْضِي مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إذَا وَقَعَ التَّحَاكُمُ عِنْدَهُ، اُنْظُرْهَا فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ فِي رَسْمِ تَقْيِيدِ عَدَاوَةٍ لِتَكُونَ عِنْدَهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي التَّهْذِيبِ فِيمَنْ أَوْدَعْتَهُ وَدِيعَةً فَاسْتَهْلَكَهَا ابْنُهُ الصَّغِيرُ، فَذَلِكَ فِي مَالِ الِابْنِ وَفِي طُرَرِ التَّهْذِيبِ لِأَبِي الْحَسَنِ الطَّنْجِيِّ، عَمَّا قَيَّدَهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ، قَالَ: وَظَاهِرُ هَذَا سَوَاءٌ ثَبَتَ اسْتِهْلَاكُهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِشَهَادَةِ الْأَبِ، وَيُصَدَّقُ الْأَبُ وَهِيَ شَهَادَةٌ وَلَيْسَ هَذَا إقْرَارًا، إنَّمَا يَكُونُ الْإِقْرَارُ فِيمَا وَلِيَ مِنْ الْمُعَامَلَات عَلَيْهِ وَالْوَصِيِّ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الْقَايِسِ لِلْجِرَاحِ، إذَا كَانَ الْحَاكِمُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْظُرَ الشَّجَّةَ وَالْجِرَاحَ مَا هِيَ وَمَا غَوْرُهَا وَمَا اسْمُهَا وَقِيَاسُهَا، كَاَلَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَمْرِ الطَّبِيبِ، وَمَا أَشْبَهَهُ، فَيُقْبَلُ فِي ذَلِكَ وَحْدَهُ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُنَصِّبَ لِهَذَا مِنْ أُمُورِ النَّاسِ عَدْلًا، وَإِنْ لَمْ يُنَصِّبْ لِذَلِكَ أَحَدًا بِعَيْنِهِ، اكْتَفَى بِأَنْ يُرْسِلَ الْمَجْرُوحَ إلَى مَنْ ارْتَضَاهُ وَوَثِقَ بِرَأْيِهِ وَبَصَرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا طَبِيبًا مِثْلَ الْعُيُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الشَّهَادَةِ.
تَنْبِيهٌ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ السُّلْطَانُ فِي أَوَّلِ ذَلِكَ أَمَرَ بِقِيَاسِهِ، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا يَطْلُبُ عَقْلَ مَا قَدْ مَضَى وَبَرِئَ وَصَحَّ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَدْعُوَهُ بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ عَلَى أَنْ يَجْلِبَهُ مَا كَانَ حِينَئِذٍ.
مَسْأَلَةٌ: الْمُوَجَّهُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي لِلْحِيَازَةِ يُجْزِئُ فِيهِ وَاحِدٌ عَدْلٌ، وَكَذَلِكَ الْمُوَجَّهُ مِنْ قِبَلِهِ لِلْإِعْذَارِ وَيُجْزِئُ فِيهِ الْوَاحِدُ الْعَدْلُ مِنْ الطُّرَرِ.
стр. 349
مَسْأَلَةٌ: وَفِي بَقْرِ بَطْنِ الْمَيِّتِ عَلَى الْمَالِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي الْمَذْهَبِ: إنَّمَا يَبْقُرُ عَنْ الْمَالِ إذَا ثَبَتَ بِعَدْلَيْنِ، فَإِنْ شَهِدَ بِهِ عَدْلٌ، فَأَجْرَاهُ أَبُو عِمْرَانَ الْفَاسِيُّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى عَلَى إنْسَانٍ أَنَّهُ تَخَلَّفَ فِي الْجِهَادِ عَنْ الْجَيْشِ، وَأَرَادَ مَنَعَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا شَهِدَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ بِنَفْسِهِ، فَفِي الْعَمَلِ بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي الْحَاكِمِ، هَلْ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ أَوْ لَا مِنْ الْمَذْهَبِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا دَخَلَ الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ قَبْلَ الْإِشْهَادِ فُسِخَ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُحَدَّانِ إنْ ثَبَتَ الْوَطْءُ مَا لَمْ يَكُنْ فَاشِيًا، ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْمُشَاهَدُ الْوَاحِدُ لَهُمَا بِالنِّكَاحِ أَوْ بِابْتِنَائِهِمَا بِاسْمِ النِّكَاحِ، وَذَكَرَهُ كَالْأَمْرِ الْفَاشِي يَعْنِي فَيَسْقُطُ عَنْهُمَا الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ لِغَرِيمِهِ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ، لَيَقْضِيَنَّهُ عِنْدَ الْهِلَالِ فَيَقْضِيهِ قَبْلَ الْهِلَالِ، فَتَقُومُ امْرَأَتُهُ تُرِيدُ فِرَاقَهُ وَتَدَّعِي عَدَمَ الْقَضَاءِ فَيَقُومُ لِلْحَالِفِ شَاهِدٌ مَعَ الْغَرِيمِ فَيَشْهَدَانِ أَنَّهُ قَضَاهُ قَبْلَ الْهِلَالِ، فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ، وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ إلَّا الْغَرِيمُ وَحْدَهُ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْحِنْثِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: أَرَى ذَلِكَ مُخْرِجًا لَهُ مِنْ الْحِنْثِ إنْ كَانَ مَأْمُونًا.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَا الْقَاسِمُ إذَا أَرْسَلَهُ الْحَاكِمُ لِقَسْمِ شَيْءٍ بَيْنَ أَهْلِهِ، وَوَثِقَ بِهِ وَنَصَّبَهُ لَهُ، فَجَائِزٌ لِلْحَاكِمِ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُ وَحْدَهُ وَالْإِشْهَادُ عَلَيْهِ لِأَهْلِهِ إذَا رَآهُ صَوَابًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ الشَّهَادَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَالْمُحَلِّفُ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْبَابِ إذَا أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِإِحْلَافِ أَحَدٍ، فَقَوْلُهُ فِي ذَلِكَ مَقْبُولٌ إذَا أَنْكَرَ الطَّالِبُ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ كَاتِبِ الْقَاضِي وَحْدَهُ، عَلَى مَا كَتَبَ بِأَمْرِهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَلَوْ شَهِدَ كَاتِبُ الْقَاضِي عَلَى كِتَابَةِ شَهَادَةِ رَجُلٍ قَدْ مَاتَ أَوْ غَابَ، وَالْقَاضِي لَا يَحْفَظُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِإِيقَاعِهَا، وَلَا أَنَّهُ شَهِدَ بِهَا عِنْدَهُ، لَمْ يَكْتَفِ فِي هَذَا بِالْكِتَابِ وَحْدَهُ وَكَانَ بِمَقَامِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ الشَّاهِدُ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي؛ لِأَنَّهُ لَا يُخْلِصُ شَهَادَتَهُ وَلَا تَتِمُّ لِمَنْ جَاءَ
стр. 350
بِهَا لَا بِإِيقَاعِهَا، فَلَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا عَلَى شَاهِدٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ آخَرُ عَلَى شَهَادَةِ شَاهِدٍ حَيٍّ وَإِلَّا لَمْ يَحْيَى، قَالَ فَضْلٌ: مَعْنَاهُ عِنْدِي عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ لَمْ يَكُنْ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي، وَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُجِيزَ شَهَادَاتٍ وَجَدَهَا فِي دِيوَانِهِ لَا يَعْرِفُهَا إلَّا بِطَوَابِعِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِخَطِّ يَدِهِ أَوْ خَطِّ كَاتِبِهِ، وَكَانَ عِنْدَهُ مَأْمُونًا فَلْيُنَفِّذْهَا.
مَسْأَلَةٌ: وَيَكْفِي عِنْدَ أَشْهَبَ فِي ثُبُوتِ الْخُلْطَةِ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ اللَّوْثُ يَكْفِي فِيهِ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ، وَعِنْدَ أَشْهَبَ يَكْفِي فِيهِ الشَّاهِدُ غَيْرُ الْمُعَدَّلِ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ مِنْ الْمُقَدِّمَاتِ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِ وَاحِدٍ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ إخْبَارٌ، وَالْخَبَرُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْوَاحِدِ وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَئُولُ إلَى الْحُكْمِ، وَالْحُكْمُ لَا يَكُونُ إلَّا بِاثْنَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْكَاشِفِ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَّخِذَهُ يُخْبِرُهُ بِمَا تَقُولُ النَّاسُ فِي أَحْكَامِهِ وَسِيرَتِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا تَنَازَعَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الْعَيْبِ الْخَفِيِّ أَوْ فِي قَدِمَ الْعَيْبِ، وَكَانَ الْعَيْبُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ، كَالْأَمْرَاضِ الَّتِي تَحْدُثُ بِالنَّاسِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ، فَإِنْ وُجِدُوا وَإِلَّا قُبِلَ غَيْرُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ. قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَالْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَافٍ، وَالِاثْنَيْنِ أَوْلَى إذْ طَرِيقُ ذَلِكَ الْخَبَرُ لَا الشَّهَادَةُ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُرَدُّ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا مَا اجْتَمَعَ فِيهِ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ وَالْمَعْرِفَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَعِيبُ حَيًّا حَاضِرًا، فَيَجُوزُ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِاثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا وَهَذَا أَبْيَنُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: وَهَذَا كُلُّهُ إنْ كَانَ الْقَاضِي أَرْسَلَهُمْ لِيَقِفُوا عَلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُبْتَاعُ أَوْقَفَ عَلَيْهِ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ، فَلَا يَثْبُتُ بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، إلَّا بِعَدْلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ.
стр. 351
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِمَا دُونَ الْقَذْفِ مِنْ الشَّتْمِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ مَعَهُ لَكِنْ يُعَزَّرُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّفَهِ، فَأَثْبَتَ التَّعْزِيرَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مَعَ قَرِينَةِ السَّفَهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَحْلِفُ الْمَشْتُومُ مَعَهُ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا.
وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: يُحْبَسُ الشَّاتِمُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الثَّانِي فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ، أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ تَحْدُثُ بِشَهَادَتِهِ أَحْكَامٌ ذَكَرْنَا هُنَاكَ بَعْضَهَا، وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا لِمَنْ تَتَبَّعَهَا.
فَرْعُ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ: أَمَّا شَهَادَةُ الْوَاحِدِ وَاللَّفِيفِ مِنْ النَّاسِ، أَنَّ رَجُلًا سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَيَدْرَأُ عَنْهُ الْقَتْلَ وَيَجْتَهِدُ فِي أَدَبِهِ بِقَدْرِ شُهْرَةِ حَالِهِ، وَقُوَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَضَعْفِهَا وَكَثْرَةِ السَّمَاعِ عَنْهُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى قَتْلِ الْغِيلَةِ، وَلَمْ يَجِدْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَدْفَعًا فِي الشَّاهِدِ، فَاَلَّذِي أَجَابَ بِهِ الْفُقَهَاءُ وَشُيُوخُ الْمَذْهَبِ الْمُتَأَخِّرُونَ: بِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا، وَاَلَّذِي نَأْخُذُ بِهِ وَنَخْتَارُهُ، أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَلَكِنْ إنْ أَخَذْت بِمَا قُلْنَاهُ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا مِنْ تَارِيخِ الضَّرْبِ، وَتُرْجَأُ الْحُجَّةُ لِلدَّمِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ تَدَّعِي الْعِتْقَ فَيُنْكِرُ سَيِّدُهَا فَتُقِيمُ شَاهِدًا عَدْلًا بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ الْيَمِينُ، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الرَّجُلِ يُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَ أَصْلًا، أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ إلَّا بِشَاهِدٍ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَدَّعِي أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، فَلَا تَتَوَجَّهُ لَهَا عَلَيْهِ يَمِينٌ إلَّا بِشَاهِدٍ عَدْلٍ، وَكَذَلِكَ الْمَالُ يُوقَفُ لِلْمُدَّعِيَةِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَتَتَبُّعُ ذَلِكَ يَطُولُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: إذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي شَيْءٍ، كُلُّ وَاحِدٍ يَظُنُّهُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ كَالشَّيْءِ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ، فَيَسْأَلَانِ الرَّجُلَ يَفْزَعَانِ إلَيْهِ فِي عِلْمِهِ فَيَشْهَدُ أَنَّهُ لِأَحَدِهِمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ وَيَلْزَمُهُمَا، وَلَا تُشْبِهُ هَذِهِ مَسْأَلَةَ الرَّجُلَيْنِ يَتَدَاعَيَانِ الشَّيْءَ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: قَدْ رَضِيتُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ بَيْنِي وَبَيْنَك، فَيَشْهَدُ الرَّجُلُ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَيَقُولُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: ظَنَنْت أَنَّك تَقُولُ الْحَقَّ الَّذِي تَعْلَمُ أَنَّهُ الْحَقُّ، فَأَمَّا إذَا شَهِدْت عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَلَا أَرْضَى بِذَلِكَ، فَذَلِكَ لَهُ وَالشَّهَادَةُ غَيْرُ جَائِزَةٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى لَيْسَ مَعَ أَحَدِهِمَا يَقِينٌ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ، وَقَدْ رَضِيَا بِعِلْمِ
стр. 352
الرَّجُلِ وَشَهَادَتِهِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يَدَّعِي تَحْقِيقَ مِلْكِهِ لِلشَّيْءِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِيهِ فَافْتَرَقَا، وَوَافَقَ ابْنُ دِينَارٍ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَابْنِ كِنَانَةَ، وَخَالَفَهُمْ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ: لَا تَنْفُذُ شَهَادَتُهُ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ، مَا لَمْ يَحْكُمْ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ، فَإِذَا حَكَمَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ: فِي الْوَاضِحَةِ لِلَّذِي رَضِيَ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَشْهَدْ الشَّاهِدُ، فَإِذَا شَهِدَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ كَالْإِقْرَارِ مِنْهُ بِمَا قَالَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّشْكِيكِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ فُلَانٌ يَعْرِفُ هَذَا وَيَشْهَدُ بِهِ، فَيَقُولُ الْآخَرُ اشْهَدُوا إنْ قَالَهُ فُلَانٌ فَقَدْ رَضِيتُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَقُولُ مَا ظَنَنْته أَنْ يَقُولَ هَذَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ نُفُورِهِمَا إلَيْهِ لِأَجْلِ عِلْمِهِ بِالْمَشْهُودِ فِيهِ، فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي الْجِهَادِ: مَنْ فَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، إذَا كَانَتْ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ، فَإِذَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي قَبُولِ ذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ السَّلَبَ إلَى أَبِي قَتَادَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُحْلِفْهُ» ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَتَنَاوَلْ الْمَالَ، وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُ الْقَتْلَ، وَهُوَ حُكْمٌ فِي الْبَدَنِ لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الْوَاحِدِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ ﵀: يُقْبَلُ قَوْلُ التَّاجِرِ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْقِيمَةِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ. مِثَالُ الْقِيمَةِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَدٌّ، كَتَقْوِيمِ الْعَرَضِ الْمَسْرُوقِ، هَلْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ إلَى النِّصَابُ أَمْ لَا؟ فَهَاهُنَا لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ حُصُولُ ثَلَاثَةِ أَشْبَاهٍ، شَبَهُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إلْزَامٌ لِمُعَيِّنٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَشَبَهُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقَوِّمَ مُتَصَدٍّ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ كَذَلِكَ، وَشَبَهُ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ فِي الْقِيمَةِ وَالْحَاكِمُ يُنْفِذُهُ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِإِخْبَارِهِ حَدٌّ تَعَيَّنَ مُرَاعَاةُ الشَّهَادَةِ.
стр. 353
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ الْعَدْلِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِم وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ، قَالَ سَحْنُونٌ: لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ نَسَبٌ، وَيُكْتَبُ بِهِ إلَى الْبُلْدَانِ وَيُنْتَظَرُ أَبَدًا حَتَّى يُضَمَّ إلَيْهِ آخَرُ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ، قَالَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ شَهَادَةٌ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ أَوْ الرِّوَايَةِ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمَا، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ بِالْأَمَارَاتِ، وَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُقَوِّمِ لِأَرْشِ الْجِنَايَةِ.
مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْخَارِصِ الْوَاحِدِ فِيمَا يَخْرُصُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀.
فَصْلٌ: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ، تَعْلِيقَهُ الْخِلَافَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْوَاحِدِ، وَتَبِعَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ وَزَادَ عَلَيْهِ مَسَائِلَ ذَكَرْتهَا اسْتِطْرَادًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا لَا مَدْخَلَ لِلْحُكْمِ فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاوِي فِيمَا يَرْوِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ عِنْدَ مَالِكٍ قَوْلُ الطَّبِيبِ فِيمَا يَدَّعِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الطَّبِيبِ فِي قِيَاسِ الْجِرَاحِ وَتَسْمِيَتِهَا.
مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَلَّاحِ فِي الْقِبْلَةِ إذَا خَفِيَتْ أَدِلَّتُهَا، وَكَانَ عَدْلًا دَرِيًّا فِي السَّيْرِ فِي الْبَحْرِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ فِي الصَّحْرَاءِ وَهُوَ عَدْلٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ تَقْلِيدُ الْأُنْثَى وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْوَاحِدِ فِي الْهَدِيَّةِ أَوْ الِاسْتِئْذَانِ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ يُقَلَّدُ الْقَصَّابُ فِي الذَّكَاةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، وَمَنْ مِثْلُهُ يَذْبَحُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ ذَكَّى وَلَيْسَ عَلَيْهِ
стр. 354
اسْتِعْلَامُهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ وَلَا الرِّوَايَةِ، بَلْ مِنْ بَابِ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا يَدَّعِي أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْ مُبَاحٌ لَهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ أَفْسَقَ النَّاسِ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَمِنْ تَعْلِيقِهِ الْخِلَافَ لِلطُّرْطُوشِيِّ.
مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِّيِّ فِي تَرْجَمَةِ الْفَتْوَى، بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ الْعَجَمِيِّ، وَفِي قِرَاءَتِهَا أَيْضًا.
فَرْعٌ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: يُقَلَّدُ الْوَاحِدُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إنْ أَرَادَ بِهِ عِلْمَ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ فَرْضٌ مِثْلَ صَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ الْفِطْرِ مِنْهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ إذَا أَخْبَرَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ وَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى يُخْبِرَ بِتَعْيِينِ الْبَوْلِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَوْلَ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، حَتَّى يُخْبِرَ بِتَعْيِينِ النَّجَاسَةِ وَالتَّعْلِيلِ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَ هَذَا.
فَرْعٌ: فَلَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ أَعْمَى قُبِلَ خَبَرَهُ، كَمَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْبَصِيرِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ ذَلِكَ قَطْعًا، أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ بَصِيرٌ.
فَرْعٌ: إذَا أَخْبَرَ أَعْمَى أَعْمَى: أَنَّ هَذَا الْمَاءَ وَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ وَتَغَيَّرَ قَبِلَ خَبَرَهُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ قَطْعًا بِإِخْبَارِ بَصِيرٍ لَهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: هَذَا الْمَاءُ نَجِسٌ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى يُبَيِّنَ بِأَيِّ شَيْءٍ تَنَجَّسَ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ، أَوْ أَسْآرَ السِّبَاعِ أَوْ أَبْوَالَ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ نَجِسَةٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ مُبْصِرًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ عِنْدَهُ لَا يَنْجُسُ بِحُلُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ.
فَرْعٌ: إذَا أَخْبَرَك رَجُلٌ أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ أَصَابَهُ بَوْلٌ دُونَ هَذَا الثَّوْبِ، وَقَالَ لَك رَجُلٌ آخَرُ بَلْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ هَذَا الثَّوْبَ الْآخَرَ دُونَ الْأَوَّلِ لَمْ يُصَلِّ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ صِدْقَ الْجَمِيعِ مُمْكِنٌ.
стр. 355
فَرْعٌ: إذَا وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْقَافِلَةِ طَلَبُ الْمَاءِ، فَأَرْسَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ إلَى صَوْبِ الطَّلَبِ، فَرَجَعَ وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ شَيْئًا، قُبِلَ خَبَرُهُ وَجَازَ لَهُمْ التَّيَمُّمُ.
فَرْعٌ: وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، وَأَمَرَ بِالصِّيَامِ فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، إذَا نَقَلَهُ إلَيْهِ عَدْلٌ أَوْ نَقَلَهُ وَاحِدٌ إلَى أَهْلِ بَلَدٍ آخَرَ لَزِمَهُمْ الصَّوْمُ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَبُولِ خَبَرِ الْعَدْلِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ: كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ يَنْقُلُ إلَى أَهْلِهِ وَابْنَتِهِ الْبِكْرِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُهُمْ تَبْيِيتُ الصِّيَامِ بِقَوْلِهِ، فَيَكُونُ أَصْلُ ثُبُوتِهِ طَرِيقَةَ الشَّهَادَةِ لِعُذْرِ رُؤْيَةِ الْجَمِيعِ لَهُ.
فَرْعٌ: أَمَّا لَوْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يَتَفَقَّدُ أَمْرَ النَّاسِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ ذَلِكَ وَيَتَفَقَّدَ، فَمَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ أَوْ بِرُؤْيَةِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، صَامَ لِذَلِكَ وَأَفْطَرَ، وَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ ثُبُوتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَادَ إلَى أَصْلِهِ فِي ثُبُوتِهِ بِالْخَبَرِ.
فَرْعٌ: إذَا ثَبَتَ الْهِلَالُ بِالشَّهَادَةِ أَوْ بِالرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، فَنَقَلَهُ نَاقِلٌ إلَى بَلَدٍ آخَرَ أَوْ إلَى أَهْلِهِ، هَلْ يَجُوزُ فِي ذَلِكَ النَّاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً؟ فَهَذَا أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ التَّرْجَمَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفًا يَقُولَانِ: إنَّهُ يُجْزِئُ مُتَرْجِمٌ وَاحِدٌ، وَالِاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَتُجْزِئُ فِيهِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ إذَا كَانَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَمَنَعَ سَحْنُونٌ مِنْ تَرْجَمَةِ النِّسَاءِ وَالرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْبَاجِيُّ: إذَا كَانَ عِنْدَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلِ الْعَبْدِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: وَالدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِ الْبَاجِيِّ وَتَخْرِيجِهِ، أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْخَبَرُ وَالْفُتْيَا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ: يَجُوزُ قَبُولُ الْمُعَرَّفِ بِالْمَرْأَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا.
следующие страницы →