← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

مَسْأَلَةٌ: وَكَذَا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِمَا دُونَ الْقَذْفِ مِنْ الشَّتْمِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحْلِفُ مَعَهُ لَكِنْ يُعَزَّرُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّفَهِ، فَأَثْبَتَ التَّعْزِيرَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مَعَ قَرِينَةِ السَّفَهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَحْلِفُ الْمَشْتُومُ مَعَهُ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا. وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ: يُحْبَسُ الشَّاتِمُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الثَّانِي فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ، أَنَّ الشَّاهِدَ الْوَاحِدَ تَحْدُثُ بِشَهَادَتِهِ أَحْكَامٌ ذَكَرْنَا هُنَاكَ بَعْضَهَا، وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا لِمَنْ تَتَبَّعَهَا. فَرْعُ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ: أَمَّا شَهَادَةُ الْوَاحِدِ وَاللَّفِيفِ مِنْ النَّاسِ، أَنَّ رَجُلًا سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَيَدْرَأُ عَنْهُ الْقَتْلَ وَيَجْتَهِدُ فِي أَدَبِهِ بِقَدْرِ شُهْرَةِ حَالِهِ، وَقُوَّةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ وَضَعْفِهَا وَكَثْرَةِ السَّمَاعِ عَنْهُ. فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى قَتْلِ الْغِيلَةِ، وَلَمْ يَجِدْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَدْفَعًا فِي الشَّاهِدِ، فَاَلَّذِي أَجَابَ بِهِ الْفُقَهَاءُ وَشُيُوخُ الْمَذْهَبِ الْمُتَأَخِّرُونَ: بِأَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا، وَاَلَّذِي نَأْخُذُ بِهِ وَنَخْتَارُهُ، أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مَعَ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَلَكِنْ إنْ أَخَذْت بِمَا قُلْنَاهُ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ عَامًا مِنْ تَارِيخِ الضَّرْبِ، وَتُرْجَأُ الْحُجَّةُ لِلدَّمِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ تَدَّعِي الْعِتْقَ فَيُنْكِرُ سَيِّدُهَا فَتُقِيمُ شَاهِدًا عَدْلًا بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ الْيَمِينُ، وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الرَّجُلِ يُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَ أَصْلًا، أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ إلَّا بِشَاهِدٍ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَدَّعِي أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا، فَلَا تَتَوَجَّهُ لَهَا عَلَيْهِ يَمِينٌ إلَّا بِشَاهِدٍ عَدْلٍ، وَكَذَلِكَ الْمَالُ يُوقَفُ لِلْمُدَّعِيَةِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَتَتَبُّعُ ذَلِكَ يَطُولُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: إذَا تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي شَيْءٍ، كُلُّ وَاحِدٍ يَظُنُّهُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ كَالشَّيْءِ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ أَوْ الْجَدِّ، فَيَسْأَلَانِ الرَّجُلَ يَفْزَعَانِ إلَيْهِ فِي عِلْمِهِ فَيَشْهَدُ أَنَّهُ لِأَحَدِهِمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ وَيَلْزَمُهُمَا، وَلَا تُشْبِهُ هَذِهِ مَسْأَلَةَ الرَّجُلَيْنِ يَتَدَاعَيَانِ الشَّيْءَ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: قَدْ رَضِيتُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ بَيْنِي وَبَيْنَك، فَيَشْهَدُ الرَّجُلُ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَيَقُولُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: ظَنَنْت أَنَّك تَقُولُ الْحَقَّ الَّذِي تَعْلَمُ أَنَّهُ الْحَقُّ، فَأَمَّا إذَا شَهِدْت عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَلَا أَرْضَى بِذَلِكَ، فَذَلِكَ لَهُ وَالشَّهَادَةُ غَيْرُ جَائِزَةٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى لَيْسَ مَعَ أَحَدِهِمَا يَقِينٌ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ، وَقَدْ رَضِيَا بِعِلْمِ

стр. 352

الرَّجُلِ وَشَهَادَتِهِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يَدَّعِي تَحْقِيقَ مِلْكِهِ لِلشَّيْءِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِيهِ فَافْتَرَقَا، وَوَافَقَ ابْنُ دِينَارٍ عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ وَابْنِ كِنَانَةَ، وَخَالَفَهُمْ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ: لَا تَنْفُذُ شَهَادَتُهُ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ نَافِعٍ أَنَّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ، مَا لَمْ يَحْكُمْ الْحَاكِمُ بِذَلِكَ، فَإِذَا حَكَمَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: فِي الْوَاضِحَةِ لِلَّذِي رَضِيَ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يَشْهَدْ الشَّاهِدُ، فَإِذَا شَهِدَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ كَالْإِقْرَارِ مِنْهُ بِمَا قَالَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّشْكِيكِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ فُلَانٌ يَعْرِفُ هَذَا وَيَشْهَدُ بِهِ، فَيَقُولُ الْآخَرُ اشْهَدُوا إنْ قَالَهُ فُلَانٌ فَقَدْ رَضِيتُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَقُولُ مَا ظَنَنْته أَنْ يَقُولَ هَذَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا مِثْلَ نُفُورِهِمَا إلَيْهِ لِأَجْلِ عِلْمِهِ بِالْمَشْهُودِ فِيهِ، فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي الْجِهَادِ: مَنْ فَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، إذَا كَانَتْ لَهُ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ، فَإِذَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي قَبُولِ ذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ السَّلَبَ إلَى أَبِي قَتَادَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يُحْلِفْهُ» ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَلَا يَجُوزُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَتَنَاوَلْ الْمَالَ، وَإِنَّمَا تَتَنَاوَلُ الْقَتْلَ، وَهُوَ حُكْمٌ فِي الْبَدَنِ لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الْوَاحِدِ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ ﵀: يُقْبَلُ قَوْلُ التَّاجِرِ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ، إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْقِيمَةِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ. مِثَالُ الْقِيمَةِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا حَدٌّ، كَتَقْوِيمِ الْعَرَضِ الْمَسْرُوقِ، هَلْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ إلَى النِّصَابُ أَمْ لَا؟ فَهَاهُنَا لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ حُصُولُ ثَلَاثَةِ أَشْبَاهٍ، شَبَهُ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إلْزَامٌ لِمُعَيِّنٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَشَبَهُ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمُقَوِّمَ مُتَصَدٍّ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ كَذَلِكَ، وَشَبَهُ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ يَنْفُذُ فِي الْقِيمَةِ وَالْحَاكِمُ يُنْفِذُهُ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِإِخْبَارِهِ حَدٌّ تَعَيَّنَ مُرَاعَاةُ الشَّهَادَةِ.

стр. 353

مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ الْعَدْلِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِم وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ، قَالَ سَحْنُونٌ: لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُلْحَقُ بِهِ نَسَبٌ، وَيُكْتَبُ بِهِ إلَى الْبُلْدَانِ وَيُنْتَظَرُ أَبَدًا حَتَّى يُضَمَّ إلَيْهِ آخَرُ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ، قَالَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ شَهَادَةٌ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ أَوْ الرِّوَايَةِ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمَا، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ بِالْأَمَارَاتِ، وَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُقَوِّمِ لِأَرْشِ الْجِنَايَةِ. مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْخَارِصِ الْوَاحِدِ فِيمَا يَخْرُصُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀. فَصْلٌ: ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ، تَعْلِيقَهُ الْخِلَافَ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْوَاحِدِ، وَتَبِعَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ وَزَادَ عَلَيْهِ مَسَائِلَ ذَكَرْتهَا اسْتِطْرَادًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا لَا مَدْخَلَ لِلْحُكْمِ فِيهِ. مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاوِي فِيمَا يَرْوِيهِ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ عِنْدَ مَالِكٍ قَوْلُ الطَّبِيبِ فِيمَا يَدَّعِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الطَّبِيبِ فِي قِيَاسِ الْجِرَاحِ وَتَسْمِيَتِهَا. مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَلَّاحِ فِي الْقِبْلَةِ إذَا خَفِيَتْ أَدِلَّتُهَا، وَكَانَ عَدْلًا دَرِيًّا فِي السَّيْرِ فِي الْبَحْرِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَتْ صِنَاعَتُهُ فِي الصَّحْرَاءِ وَهُوَ عَدْلٌ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ تَقْلِيدُ الْأُنْثَى وَالصَّبِيِّ وَالْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْوَاحِدِ فِي الْهَدِيَّةِ أَوْ الِاسْتِئْذَانِ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ يُقَلَّدُ الْقَصَّابُ فِي الذَّكَاةِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، وَمَنْ مِثْلُهُ يَذْبَحُ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ ذَكَّى وَلَيْسَ عَلَيْهِ

стр. 354

اسْتِعْلَامُهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ وَلَا الرِّوَايَةِ، بَلْ مِنْ بَابِ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ، أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُؤْتَمَنٌ عَلَى مَا يَدَّعِي أَنَّهُ مِلْكُهُ أَوْ مُبَاحٌ لَهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ كَانَ أَفْسَقَ النَّاسِ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَمِنْ تَعْلِيقِهِ الْخِلَافَ لِلطُّرْطُوشِيِّ. مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَامِّيِّ فِي تَرْجَمَةِ الْفَتْوَى، بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ أَوْ الْعَجَمِيِّ، وَفِي قِرَاءَتِهَا أَيْضًا. فَرْعٌ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: يُقَلَّدُ الْوَاحِدُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ إنْ أَرَادَ بِهِ عِلْمَ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ وَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ فَرْضٌ مِثْلَ صَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ الْفِطْرِ مِنْهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ إذَا أَخْبَرَ رَجُلٌ رَجُلًا أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ وَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى يُخْبِرَ بِتَعْيِينِ الْبَوْلِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَوْلَ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، حَتَّى يُخْبِرَ بِتَعْيِينِ النَّجَاسَةِ وَالتَّعْلِيلِ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَ هَذَا. فَرْعٌ: فَلَوْ كَانَ الْمُخْبِرُ أَعْمَى قُبِلَ خَبَرَهُ، كَمَا يُقْبَلُ خَبَرُ الْبَصِيرِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ ذَلِكَ قَطْعًا، أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ بَصِيرٌ. فَرْعٌ: إذَا أَخْبَرَ أَعْمَى أَعْمَى: أَنَّ هَذَا الْمَاءَ وَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ وَتَغَيَّرَ قَبِلَ خَبَرَهُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ قَطْعًا بِإِخْبَارِ بَصِيرٍ لَهُ بِذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: هَذَا الْمَاءُ نَجِسٌ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى يُبَيِّنَ بِأَيِّ شَيْءٍ تَنَجَّسَ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ، أَوْ أَسْآرَ السِّبَاعِ أَوْ أَبْوَالَ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ نَجِسَةٌ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْمُخْبِرُ مُبْصِرًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ عِنْدَهُ لَا يَنْجُسُ بِحُلُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ. فَرْعٌ: إذَا أَخْبَرَك رَجُلٌ أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ أَصَابَهُ بَوْلٌ دُونَ هَذَا الثَّوْبِ، وَقَالَ لَك رَجُلٌ آخَرُ بَلْ أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ هَذَا الثَّوْبَ الْآخَرَ دُونَ الْأَوَّلِ لَمْ يُصَلِّ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ صِدْقَ الْجَمِيعِ مُمْكِنٌ.

стр. 355

فَرْعٌ: إذَا وَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْقَافِلَةِ طَلَبُ الْمَاءِ، فَأَرْسَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ إلَى صَوْبِ الطَّلَبِ، فَرَجَعَ وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ شَيْئًا، قُبِلَ خَبَرُهُ وَجَازَ لَهُمْ التَّيَمُّمُ. فَرْعٌ: وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، وَأَمَرَ بِالصِّيَامِ فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُيَسَّرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، إذَا نَقَلَهُ إلَيْهِ عَدْلٌ أَوْ نَقَلَهُ وَاحِدٌ إلَى أَهْلِ بَلَدٍ آخَرَ لَزِمَهُمْ الصَّوْمُ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَبُولِ خَبَرِ الْعَدْلِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ: كَمَا أَنَّ الرَّجُلَ يَنْقُلُ إلَى أَهْلِهِ وَابْنَتِهِ الْبِكْرِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُهُمْ تَبْيِيتُ الصِّيَامِ بِقَوْلِهِ، فَيَكُونُ أَصْلُ ثُبُوتِهِ طَرِيقَةَ الشَّهَادَةِ لِعُذْرِ رُؤْيَةِ الْجَمِيعِ لَهُ. فَرْعٌ: أَمَّا لَوْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ مَنْ يَتَفَقَّدُ أَمْرَ النَّاسِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعِيَ ذَلِكَ وَيَتَفَقَّدَ، فَمَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ أَوْ بِرُؤْيَةِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، صَامَ لِذَلِكَ وَأَفْطَرَ، وَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يَقْتَدِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ ثُبُوتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَادَ إلَى أَصْلِهِ فِي ثُبُوتِهِ بِالْخَبَرِ. فَرْعٌ: إذَا ثَبَتَ الْهِلَالُ بِالشَّهَادَةِ أَوْ بِالرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، فَنَقَلَهُ نَاقِلٌ إلَى بَلَدٍ آخَرَ أَوْ إلَى أَهْلِهِ، هَلْ يَجُوزُ فِي ذَلِكَ النَّاقِلِ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً؟ فَهَذَا أَيْضًا فِي مَسْأَلَةِ التَّرْجَمَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفًا يَقُولَانِ: إنَّهُ يُجْزِئُ مُتَرْجِمٌ وَاحِدٌ، وَالِاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَتُجْزِئُ فِيهِ الْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ إذَا كَانَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَمَنَعَ سَحْنُونٌ مِنْ تَرْجَمَةِ النِّسَاءِ وَالرَّجُلِ الْوَاحِدِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْبَاجِيُّ: إذَا كَانَ عِنْدَ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلِ الْعَبْدِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ: وَالدَّلِيلُ عَلَى قَوْلِ الْبَاجِيِّ وَتَخْرِيجِهِ، أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ الْخَبَرُ وَالْفُتْيَا. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ: يَجُوزُ قَبُولُ الْمُعَرَّفِ بِالْمَرْأَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا.

стр. 356

فَرْعٌ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْقَاسِمِ إذَا قَسَمَ شَيْئًا بَيْنَ اثْنَيْنِ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ، كَمَا يُقَلَّدُ الْمُقَوِّمُ لِأَرْشِ الْجِنَايَاتِ؛ لِمَعْرِفَتِهِ بِذَلِكَ. وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ يَجِبُ أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَاسِمِ فِيمَا قَسَمَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ أَرْسَلَهُمَا فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا، وَهَذَا أَتَمُّ فَائِدَةً، وَيُوَضِّحُ حُكْمَ الْقَاسِمِ بِنَفْسِهِ بِغَيْرِ إرْسَالِ حَاكِمٍ، وَالْفَرْعُ السَّابِقُ هُوَ الْقَاسِمُ الَّذِي نَصَبَهُ الْحَاكِمُ، قَالَ الْقَرَافِيُّ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْحُكْمِ أَوْ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ أَوْ الشَّهَادَةِ؟ وَالْأَظْهَرُ شَبَهُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ اسْتَنَابَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَيْضًا. فَرْعٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمُفْتِي الْوَاحِدِ، إذَا كَانَ عَدْلًا بَالِغًا سَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ امْرَأَةً، وَيَجُوزُ أَنْ تُقَلِّدَ رَسُولَك إلَيْهِ إذَا كَانَ ثِقَةً، وَكَذَلِكَ إذَا كَتَبَ الْمُفْتِي خَطَّهُ فِي رُقْعَةٍ لِلْمُسْتَفْتِي، جَازَ الْعَمَلُ بِالْخَطِّ إنْ كَانَ الرَّسُولُ ثِقَةً، فَإِنْ عَرَفَ الْمُسْتَفْتِي خَطَّهُ وَكَانَ الرَّسُولُ غَيْرَ ثِقَةٍ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَوَجْهُ هَذَا مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ مَعَ ضَرُورَةِ النَّاسِ إلَى ذَلِكَ، وَكَانَتْ الْخَوَاتِمُ تَجُوزُ عَلَى كُتُبِ الْقُضَاةِ، حَتَّى أُحْدِثَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي لِأَجْلِ حُدُوثِ التُّهْمَةِ عَلَى خَاتَمِ الْقَاضِي، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الشَّهَادَةَ عَلَى ذَلِكَ هَارُونُ الرَّشِيدِ، وَقِيلَ: أَبُوهُ الْمَهْدِيُّ، قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ فِي الزَّاهِي. فَرْعٌ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: إذَا كَانَ الْكِتَابُ مُتَرْجَمًا بِاسْمِ صَاحِبِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ رُسُومُ الْمُسْلِمِينَ، مِثْلَ: مُوَطَّأِ مَالِكٍ، وَمُدَوَّنَةِ سَحْنُونٍ، وَكِتَابِ الثَّوْرِيِّ، وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ فِي شَيْءٍ تَجِدُهُ فِيهِ قَالَ فُلَانٌ؟ . قَالَ: فَإِنْ كَانَ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي قَدْ انْتَشَرَ ذِكْرُهَا مِثْلَ: مُوَطَّأِ مَالِكٍ، وَجَامِعِ سُفْيَانَ وَأَمْثَالِهِمَا، جَازَ أَنْ يُعْزَى ذَلِكَ إلَى الْمُتَرْجَمِ عَنْهُ، إذَا كَانَ الْكِتَابُ صَحِيحًا مَقْرُوءًا عَلَى الْعُلَمَاءِ مُعَارِضًا بِكُتُبِهِمْ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مِنْ الْكُتُبِ الَّتِي لَمْ تَنْتَشِرْ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ حَتَّى يَرْوِيَهُ عَنْ الثِّقَاتِ مَوْصُولًا إلَى الْمُتَرْجَمِ عَنْهُ. فَرْعٌ: إذَا أَخْبَرَهُ بِعَدَدِ مَا صَلَّى عَدْلٌ فَهَلْ يَكْتَفِي بِهِ؟ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ خِلَافٌ.

стр. 357

فَرْعٌ: وَالْمُؤَذِّنُ يَكْفِي إخْبَارُهُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، إذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ مُسْلِمًا ذَكَرًا، وَيُعْتَمَدُ عَلَى قَوْلِهِ. فَرْعٌ: يَجُوزُ الْحُكْمُ بِقَوْلِ التُّرْجُمَانِ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا اخْتَصَمَ إلَى الْقَاضِي مَنْ لَا يَتَكَلَّمُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يُفْهَمُ عَنْهُ، فَلْيُتَرْجِمْ عَنْهُ رَجُلٌ ثِقَةٌ مُسْلِمٌ مَأْمُونٌ فَيُخْبِرُهُ، وَاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَلَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مَسْخُوطٍ، وَفِي قَبُولِ تَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ الْعَدْلِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ أَوْ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ؟ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ يُتَرْجِمُ لَهُ، وَكَانَ مِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَةِ الْفَتْوَى وَالْخُطُوطِ بَعْضُ هَذَا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي قَوْلِهِمْ: لَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْكُفْرِ وَلَا الْعَبِيدُ وَلَا الْمَسْخُوطُونَ. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: يُرِيدُ مَعَ وُجُودِ عَدْلٍ وَلَوْ اُضْطُرَّ إلَى تَرْجَمَةِ أَحَدِهِمْ عَمِلَ بِقَوْلِهِ، كَالْحُكْمِ بِقَوْلِ الطَّبِيبِ النَّصْرَانِيِّ فِيمَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ فِيهِ. فَرْعٌ: لَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى الَّذِي يُتَرْجِمُ عَنْهُ؛ لِمَا يُتَّهَمُ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ الْخَصْمِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ. فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ عَنْ سَحْنُونٍ: لَا بَأْسَ أَنْ تُقْبَلَ تَرْجَمَةُ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ مِمَّنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ اللِّسَانُ مُرَادَ غَيْرِهِ إذَا كَانَا مِمَّنْ تَكَلَّمَا بِهَا وَأَحْكَمَاهَا وَسَكَنَا بَيْنَ أَهْلِهَا، حَتَّى عَرَفَا تَصَارِيفَ كَلَامِهِمْ وَمَعَانِيَهُ، وَلَمْ يَخَفْ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَخَافَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا الْغَلَطَ فِي ذَلِكَ، فَيُقَلِّدُهُمَا الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا. فَرْعٌ: وَيَكْتَفِي الْقَاضِي بِقَوْلِ أَمِينِهِ فِي التَّزْكِيَةِ، وَيُعَوِّلُ عَلَى قَوْلِهِ فِي تَعْدِيلِ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا ثِقَةً عَالِمًا بِوَجْهِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.

стр. 358

[الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ امْرَأَتَيْنِ بِانْفِرَادِهِمَا] وَذَلِكَ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ كَالْوِلَادَةِ وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَالْحَيْضِ، وَالْحَمْلِ وَالسَّقْطِ وَالِاسْتِهْلَالِ وَالرَّضَاعِ، وَإِرْخَاءِ السُّتُورِ وَعُيُوبِ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ وَفِي كُلِّ مَا تَحْتَ ثِيَابِهِنَّ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ وَلَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهَا، أُقِيمَ فِيهَا النِّسَاءُ مَقَامَ الرِّجَالِ لِلضَّرُورَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ وَالشَّهَادَةُ فِي الْوَلَدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: عَلَى نَفْسِ الْوِلَادَةِ، وَعَلَى الِاسْتِهْلَالِ، وَعَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ فَأَمَّا شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الْوِلَادَةِ فَجَائِزَةٌ مَعَ حُضُورِ الْوَلَدِ يَشْهَدَانِ أَنَّ هَذِهِ وَلَدَتْهُ فَيُحْكَمُ بِذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَلَدُ مَوْجُودًا، فَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا تَجُوزُ لَهُنَّ الشَّهَادَةُ فِيهِ، وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ؛ لِأَنَّ جَوَازَ شَهَادَتِهِنَّ لِلضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْوِلَادَةِ. وَأَمَّا وُجُودُ الْمَوْلُودِ فَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِنَّ فَلَمْ يُقْبَلْ فِي ذَلِكَ، وَفَرَّقَ اللَّخْمِيُّ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُنَّ بِقُرْبِ الْوِلَادَةِ فَلَا تَجُوزُ إذَا عَدِمَ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إظْهَارِهِ حِينَئِذٍ، وَلَوْ كَانَ مَقْبُورًا، وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ، وَقَدْ اُحْتِيجَ إلَى إقَامَتِهَا الْآنَ؛ لِأَجْلِ قُدُومِ مَنْ أَنْكَرَ الْوِلَادَةَ، أَوْ جُحُودِ شَهَادَتِهِنَّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ، فَشَهَادَتُهُنَّ حِينَئِذٍ جَائِزَةٌ لِلضَّرُورَةِ. فَرْعٌ: وَلَوْ وَلَدَتْهُ ثُمَّ مَاتَتْ هِيَ وَالْوَلَدُ، فَشَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّ الْأُمَّ مَاتَتْ قَبْلَهُ، فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ الْأَبَ يَحْلِفُ أَوْ وَرَثَتُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَسْتَحِقُّونَ مَا يَرِثُ عَنْ أُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ. وَأُمًّا شَهَادَتُهُنَّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ فَجَائِزَةٌ أَيْضًا، إذَا كَانَ الْبَدَنُ مَوْجُودًا كَمَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَسْتَهِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ. وَاخْتُلِفَ فِي شَهَادَتِهِنَّ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ مَعَ غَيْبَةِ الْجَسَدِ، فَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهَا سَحْنُونٌ كَمَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الِاتِّفَاقُ مِنْ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْوِلَادَةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي الِاسْتِهْلَالِ فَشَهَادَتُهُنَّ أَيْضًا جَائِزَةٌ، وَإِنْ عُدِمَ الْبَدَنُ؛ لِأَنَّ اتِّفَاقَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى وُجُودِهِ مُغْنٍ عَنْ حُضُورِهِ.

стр. 359

فَرْعٌ: وَإِذَا شَهِدَتَا بِأَنَّ فُلَانَةَ زَوْجَةُ فُلَانٍ وَلَدَتْ وَلَدًا وَاسْتَهَلَّ صَارِخًا، فَإِنْ أَمْكَنَهُمْ إخْرَاجُهُ لِلرِّجَالِ حَتَّى يَسْمَعُوا اسْتِهْلَالَهُ فَلَمْ يُخْرِجُوهُ حَتَّى مَاتَ، فَيُخْتَلَفُ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ مَاتَ إثْرَ سَمَاعِهِمَا لِاسْتِهْلَالِهِ، فَلَا يُخْتَلَفُ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا. وَأَمَّا شَهَادَتُهُنَّ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرٌ فَلَا يُحْكَمُ فِي ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ شَهَادَتِهِنَّ مَعَ غَيْبَةِ الْجَسَدِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَإِنَّهُ قَالَ يَحْلِفُ الطَّالِبُ مَعَ شَهَادَتِهِنَّ وَيَسْتَحِقُّ فَأَقَامَهُمَا مَقَامَ رَجُلٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ ذَكَرًا مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَهِيَ شَهَادَةٌ فِي غَيْرِ مَالٍ، وَيَسْتَحِقُّ بِهَا الْمَالَ، فَأَجْرَاهَا مَجْرَى الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا تَجُوزُ بِوَجْهٍ جَرْيًا عَلَى أَصْلِهِ فِي مَنْعِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَإِنْ كَانَ يَئُولُ إلَى الْمَالِ، وَقِيلَ إنْ فَاتَ بِالدَّفْنِ وَطَالَ مُكْثُهُ وَتَعَذَّرَ إخْرَاجُهُ فَيَنْظُرُ، فَإِنْ كَانَ فَضْلُ ذَلِكَ الْمَالِ يَرْجِعُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْعَشِيرَةِ الْبَعِيدَةِ فَتَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ يَرْجِعُ إلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ دُونَ بَعْضٍ لَمْ يَجُزْ، قَالَهُ أَصَبْغُ وَضَعَّفَهُ مُحَمَّدٌ. وَقَالَ ذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ حَقَّ بَيْتِ الْمَالِ كَحَقِّ أَقْرَبِ الْوَرَثَةِ. وَأَمَّا شَهَادَتُهُنَّ عَلَى عُيُوبِ الْفَرْجِ، فَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ نَوْعَانِ حَرَائِرُ وَإِمَاءٌ. فَأَمَّا الْحُرَّةُ يَدَّعِي الزَّوْجُ بِهَا عَيْبًا يُوجِبُ الرَّدَّ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَيْهَا، وَهِيَ مُصَدَّقَةٌ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقِيلَ: يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ، حَكَاهُ سَحْنُونٌ، وَالْقَوْلُ: بِالنَّظَرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تُتَّهَمُ فِي أَنْ تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا، فَالشَّهَادَةُ عَلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ، وَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنْ كَانَ عَيْبًا لَا يَتَحَقَّقُ الرِّجَالُ قَدْرَهُ، وَإِنَّمَا يُوجَدُ عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ النِّسَاءِ، يَنْظُرْنَ إلَيْهَا ثُمَّ لَا يَخْلُو ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ بِبَعْثِ مَنْ يَكْشِفُ ذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافٌ، قِيلَ: تُجْزِئُ فِيهِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَإِيصَالِ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهَذَا مَعَ حُضُورِ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ أَوْ غَابَتْ، فَلَا بُدَّ مِنْ امْرَأَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ رُفِعَ إلَيْهِ عَلَى مَعْنَى الشَّهَادَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَأَمَّا أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَعْلَمُهُ الرِّجَالُ: كَالْبَكَارَةِ، فَاخْتُلِفَ فِي إيجَابِ الْيَمِينِ مَعَ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ فِي ذَلِكَ.

стр. 360

وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى مَا تَحْتَ الثِّيَابِ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ فِي الْحَرَائِرِ فَفِيهِ خِلَافٌ، قِيلَ: لَا بُدَّ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ الرِّجَالُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يُبْقَرَ الثَّوْبُ عَنْ مَوْضِعِ الْحَاجَةِ، حَتَّى يَنْكَشِفَ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ لِلنَّظَرِ، وَقِيلَ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ امْرَأَتَانِ قَالَهُ أَصَبْغُ وَحُجَّتُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْجَسَدِ فِي الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ بِخِلَافِ الْإِمَاءِ، وَأَمَّا شَهَادَتُهُمَا فِي الرَّضَاعِ، فَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِامْرَأَتَيْنِ إنْ كَانَ فَاشِيًا مِنْ قَوْلِهِمَا، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَقَيْدُ الْفُشُوِّ ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي وَثَائِقِهِ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ فَانْظُرْهُ . مَسْأَلَةٌ: وَتَجُوزُ الْقَسَامَةُ مَعَ شَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ فِيمَا تَجُوزُ مَعَهُ الْقَسَامَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ شَهِدَتَا عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ، فِي صِفَاتِ الْحُقُوقِ وَمَرَاتِبِ الشَّهَادَاتِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ، فَتَلِدُ تَوْأَمَيْنِ فَيَشْهَدُ امْرَأَتَانِ عَلَى أَوَّلِهِمَا خُرُوجًا فَهُوَ كَالِاسْتِهْلَالِ، تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي ذَلِكَ، وَيَعْتِقُ بِذَلِكَ مَنْ شَهِدَتَا لَهُ وَيَرِقُّ الْآخَرُ، وَقَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ أَيْضًا. [فَصْلٌ فِي شَهَادَة النِّسَاء فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَآتِمِ وَالْحَمَّامِ] فَصْلٌ: وَأَمَّا شَهَادَتُهُنَّ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَآتِمِ وَالْحَمَّامِ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ، فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَالْأَصْلُ الْجَوَازُ لِلضَّرُورَةِ، كَشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ قِيلَ: وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ لَا يَحْضُرُهُ الْعُدُولُ، وَرَأَى اللَّخْمِيُّ أَنْ يُقْسَمَ مَعَهُمَا فِي الْقَتْلِ، ثُمَّ يُقَادُ وَيُحْلَفُ فِي الْجِرَاحِ ثُمَّ يُقْتَصُّ، قَالَ وَإِنْ عَدَلَ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ اثْنَتَانِ أُقِيدَ فِي الْقَتْلِ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ، وَاقْتُصَّ فِي الْجِرَاحِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَنَحَى بِهِنَّ مَنْحَى الرِّجَالِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ بَعْضُهُنَّ عَلَى بَعْضٍ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ: كَالْحَمَّامِ وَالْعُرْسِ وَالْمَأْتَمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَا تَجُوزُ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُنَّ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ ضَرُورَتِهِنَّ إلَى الِاجْتِمَاعِ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ تَجُوزُ لِحَاجَتِهِنَّ إلَى ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ النِّسَاءُ يَجْتَمِعْنَ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْمَآتِمِ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَهَلُمَّ جَرَّا، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ بَعْضِهِنَّ عَلَى بَعْضٍ، ذَهَبَتْ دِمَاؤُهُنَّ. وَفِي الْإِمْلَاءِ عَلَى الْجَلَّابِ الْمُقَيَّدِ عَنْ ابْن زَيْدٍ الْبُرْنَاسِيِّ، قَالَ: وَهَذَا إذَا كَانَ

стр. 361

فِي الْعُرْسِ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يَخْتَلِطُ فِيهِ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنْكَرٌ بَيِّنٌ، وَكَانَ دُخُولُهُنَّ الْحَمَّامَ بِالْمِئْزَرِ فَهَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخِلَافِ، وَأَمَّا إذَا كُنَّ فِي الْحَمَّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَفِي الْأَعْرَاسِ الَّتِي يَمْتَزِجُ فِيهَا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَلَا يُخْتَلَفُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِنَّ لِبَعْضٍ لَا تُقْبَلُ، وَكَذَلِكَ الْمَأْتَمُ لَا يَحِلُّ حُضُورُهُ إذَا كَانَ فِيهِ نَوْحٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ؛ لِأَنَّ بِحُضُورِهِنَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تَسْقُطُ عَدَالَتِهِنَّ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - اشْتَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . [الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي] مَسْأَلَةٌ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: إذَا شَهِدَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الْحَمْلِ، حَلَفَ الْمُشْتَرِي، وَرَدَّ الْجَارِيَةَ. مَسْأَلَةٌ: إذَا شَهِدَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الْحَيْضِ، وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ بَعْدَ أَنْ انْتَقَلَتْ إلَى الطُّهْرِ حَلَفَ الْبَائِعُ وَسَلَّمَهَا. وَلَا يُصِيبُهَا الْمُشْتَرِي وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إنْ كَانَ قَدْ كَذَّبَ شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ حَتَّى تَحِيضَ. مَسْأَلَةٌ: إذَا شَهِدَتْ امْرَأَةٌ أَنَّ بِالْأَمَةِ عَيْبًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَطَّلِعُ الرِّجَالُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَرُدُّ. مَسْأَلَةٌ: أَجَازَ أَشْهَبُ الْقَسَامَةَ مَعَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ. الْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ امْرَأَةٍ بِانْفِرَادِهَا مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَتْ الْأَمَةُ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، فَشَهِدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَحْلِفُ السَّيِّدُ إذَا أَقَرَّ بِالْوَطْءِ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ، قَالَ: لِأَنَّهَا لَوْ أَقَامَتْ امْرَأَتَيْنِ ثَبَتَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ، فَإِذَا أَقَامَتْ امْرَأَةٌ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ دَعْوَاهَا، يُرِيدُ أَنَّ شَهَادَةَ امْرَأَتَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَنْزِلَةِ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ فِي غَيْرِهِ، فَشَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ نِصْفُ شَهَادَةٍ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهُوَ السَّيِّدُ، كَمَا يَحْلِفُ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.

стр. 362

فَرْعٌ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: فَعَلَى هَذَا إذَا شَهِدَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ، حَلَفَ مَنْ قَامَ بِشَهَادَتِهَا وَاسْتَحَقَّ، وَأَدْنَى مَرَاتِبِهَا أَنْ يَحْلِفَ الْمُنْكِرُ لِلشَّهَادَةِ إذَا قَالَتْ الْأُمُّ أَنَّهُ عَلِمَ، وَمِنْهَا إثْبَاتُ الْخُلْطَةِ، قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: تَثْبُتُ الْخُلْطَةُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدٍ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَرَوَى عِيسَى بْنُ الْقَاسِمِ مِثْلَهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا فِي الْأَمَةِ الْمُتَوَاضِعَةِ تَحْتَ يَدِهَا، أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ، قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ لَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ، قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَصِيلِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْكَاتِبِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ الْقَرَوِيِّينَ وَالْأَنْدَلُسِيِّينَ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَنَّاسٍ: لَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ امْرَأَتَيْنِ، وَلَيْسَ بِهِ عَمَلٌ وَالْقَضَاءُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ وُضِعَتْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ، فَلَمَّا أَخْبَرَ بِخُرُوجِهِمَا مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ، قِيلَ لَهُ: بِمَ عَرَفْتَ أَنَّهَا قَدْ حَاضَتْ؟ فَيَقُولُ خَادِمِي أَوْ زَوْجَتِي أَخْبَرَنِي بِذَلِكَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ قَالَهُ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا أَنْكَرَ الزَّوْجُ مَا ادَّعَتْهُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ مِنْ الِاعْتِرَاضِ، فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ مَشْهُورٌ، وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي الثَّيِّبِ، وَيَجْعَلُ مَعَهُمَا امْرَأَةً تَنْظُرُ إذَا غَشِيَهَا الزَّوْجُ، وَأَجَازَ قَوْلَ امْرَأَةٍ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْوَاضِحَةِ: مَنْ ابْتَاعَ جَارِيَةً فَزَعَمَ أَنَّهَا تَبُولُ فِي الْفِرَاشِ، وَأَرَادَ رَدَّهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ عِنْدَ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَحْدُثُ فِي لَيْلَةٍ، وَيَحْلِفُ الْبَائِعُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ ذَلِكَ بِهَا. وَلَا يَحْلِفُ بِقَوْلِ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا تَبُولُ، حَتَّى يَعْلَمَ ذَلِكَ بِأَنْ تُوضَعَ عِنْدَ امْرَأَةٍ، فَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ جَازَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا، وَقَوْلُ الرَّجُلِ فِي ذَلِكَ عَنْ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَى جِهَةِ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ اسْتِخْبَارِ الْقَاضِي، ذَلِكَ مِمَّنْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ وَيُخْبِرُ بِهِ، وَمِنْهَا ثُبُوتُ الرَّضَاعِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ أَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَأَجَازَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا فَشَا عِنْدَ الْأَهْلِينَ وَالْمَعَارِفِ. وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊: أَمَرَ بِالْفِرَاقِ، بِقَوْلِ امْرَأَةٍ: إنَّهَا أَرْضَعَتْ وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ، وَاخْتُلِفَ فِي أُمِّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ هَلْ هِيَ كَالْأَجْنَبِيَّةِ أَوْ

стр. 363

أَرْفَعُ مِنْهَا؟ فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بِقَوْلِهَا لِنَفْيِ التُّهْمَةِ إذْ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ قَوْلِهَا، وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَالَتْ ذَلِكَ فِي ابْنَتِهَا، أَوْ قَالَهُ الْأَبُ فِي وَلَدِهِ، أَنَّ الْفُرْقَةَ تَقَعُ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ وَيُحْكَمُ بِالْفِرَاقِ إذَا قَالُوهُ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهَا بَعْدَ الْعَقْدِ، عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ حَاضِرَةَ الْعَقْدِ فَلَمْ تُنْكِرْهُ، ثُمَّ ادَّعَتْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَتْ غَائِبَةً فَلَمَّا قَدِمَتْ، أَنْكَرَتْ قُبِلَ قَوْلُهَا، وَهَذَا إذَا قَالَتْ أَنَا أَرْضَعَتْهُمَا. [فَصْلٌ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ] فَصْلٌ: وَمِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَرْأَةِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ، أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، إذَا أُرِيدَ بِهِ عِلْمُ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ فَرْضٌ كَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْفِطْرِ مِنْهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ. وَمِنْهَا: إذَا ثَبَتَ الْهِلَالُ بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِالرُّؤْيَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، فَنَقَلَهُ نَاقِلٌ إلَى بَلَدٍ آخَرَ أَوْ إلَى أَهْلِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ فِي ذَلِكَ النَّاقِلِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا؟ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ: هِيَ مِثْلُ مَسْأَلَةِ التَّرْجَمَةِ لِلْحَاكِمِ وَسَنَذْكُرُهَا. وَمِنْهَا: هَلْ يُقْبَلُ فِي تَرْجَمَةِ الْفَتْوَى وَالْخَطِّ امْرَأَةٌ أَوْ لَا؟ . فِيهِ خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَاضِي لَا يَفْهَمُ كَلَامَ الْخَصْمَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ: يُجْزِئُ فِي التَّرْجَمَةِ عَنْهُمَا امْرَأَةٌ، وَمَنَعَ ذَلِكَ سَحْنُونٌ وَهُوَ عِنْدَهُمَا مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَعِنْدَ سَحْنُونٍ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يُقْبَلُ الْخَبَرُ وَالْفُتْيَا. وَمِنْهَا: أَنْ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي إرْسَالِ الْهَدِيَّةِ، وَيَجُوزُ قَبُولُهَا وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْأَكْلِ بِقَوْلِهَا. وَمِنْهَا: أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهَا فِي الْإِذْنِ فِي دُخُولِ الدَّارِ، وَالْهَجْمِ عَلَى الْعِيَالِ. [فَصْلٌ قِيَافَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ] فَصْلٌ: وَيَلْحَقُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ مَسَائِلُ: مِنْهَا مَا خَرَّجَهُ الْبَاجِيُّ مِنْ جَوَازِ قِيَافَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ.

стр. 364

وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْعُيُوبِ الَّتِي فِي الْأَمَةِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ، إذَا كَانَتْ الْأَمَةُ حَاضِرَةً وَلَمْ يَكُنْ الْخَصْمُ مُنْكِرًا، فَإِنْ أَنْكَرَ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ السَّابِقِ أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ الْيَمِينُ مَعَ شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ غَائِبَةً أَوْ مَيِّتَةً، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا امْرَأَتَانِ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا هُوَ مِنْ عُيُوبِهِنَّ تَحْتَ الثِّيَابِ: مِنْ الْبَرَصِ، وَالْحَيْضِ وَالْعَذِرَةِ وَالنِّفَاسِ وَالْعُيُوبِ الْبَاطِنَةِ، وَالْمَرْأَتَانِ فِي هَذَا كَالرَّجُلَيْنِ. وَمِنْهَا: قَالَ الْقَرَافِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: نَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ، إجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي إهْدَاءِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا لَيْلَةَ الْعُرْسِ، مَعَ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ تَعْيِينٍ مُبَاحٍ، جَرَى بِجُزْئِي وَمُقْتَضَاهُ أَنْ لَا يُقْبَلَ فِيهِ إلَّا رَجُلَانِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالنِّكَاحِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ، الَّتِي لَا تُقْبَلُ فِيهَا النِّسَاءُ إلَّا لِلضَّرُورَةِ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الصُّورَةِ اجْتَمَعَ فِيهَا قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ. وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى الْمَرْأَةِ، وَهَكَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَنَقَلَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَفِيَّةَ عَلَى ذَلِكَ. [الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدٍ وَامْرَأَةٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي] وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي بَابِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ: قَالَ أَشْهَبُ، قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي رَجُلٍ شَهِدَ لَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ: أَنَّهُ وَارِثُ فُلَانٍ لِرَجُلٍ قَدْ مَاتَ أَنَّهُ يُسْتَأْنَى بِمِثْلِ هَذَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا هَذَيْنِ حَلَفَ، وَكَانَ ذَلِكَ لَهُ كَمَا يُرِيدُ وَكَانَ نَسَبُهُ قَدْ ثَبَتَ بِعَدْلَيْنِ. اُنْظُرْ وَثَائِقَ أَبِي الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيِّ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا. وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَذَكَرَهُ أَشْهَبُ وَمُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ عِنْدَ مَالِكٍ شَهَادَةُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَمَّا حَضَرَ لِذَلِكَ صَارَ مِمَّا قَدْ اسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ شَهَادَةِ النِّسَاءِ، فَسَقَطَتْ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، وَجَازَتْ فِيهِ شَهَادَةُ الرَّجُلِ إذَا وُجِدَ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَإِلَّا سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ غَيْرَ أَنَّى سَمِعْت مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجِيزُ شَهَادَةَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي

стр. 365

الِاسْتِهْلَالِ، وَيَرَى ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ شَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ وَهْبٍ رَوَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، وَعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَمَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - حَكَمُوا بِجَوَازِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَحْدَهَا عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ، إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ عَدْلَةً مَرْضِيَّةً، وَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَرَّثَ صَبِيًّا عَلَى أَنَّهُ اسْتَهَلَّ، ثُمَّ مَاتَ هُوَ وَأُمُّهُ فَوَرَّثَهُ بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ، فَإِذَا كَانَ مَعَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ رَجُلٌ كَانَ أَتَمَّ لِلشَّهَادَةِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ. [الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي الْقَضَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ] عَنْ الْحَلِفِ عَلَى طِبْقِ الدَّعْوَى وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ جَحَدَ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ طَالِبُ الْحَقِّ أَنْ يُحْلِفَهُ مَا أَسْلَفْتُك شَيْئًا وَقَالَ الْمَطْلُوبُ أَحْلِفُ مَا لَك عَلَيَّ شَيْءٌ، قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ مَا لَك عِنْدِي حَقٌّ، وَمَا الَّذِي ادَّعَيْت عَلَيَّ بِهِ بَاطِلٌ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الطَّالِبُ وَاسْتَحَقَّ. وَقَالَ أَصَبْغُ: حَضَرْت ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَدْ حَكَمَ بِأَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا أَسْلَفَهُ شَيْئًا. مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ فِيمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ بَيْعًا، وَبَقِيَ عَلَيْهِ بَعْضُ الثَّمَنِ فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يُحْلِفَهُ، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ احْلِفْ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَك قِبَلِي، وَيُرِيدُ الطَّالِبُ يَمِينَهُ أَنْ مَا بِعْتُك، قَالَ مَالِكٌ: بَلْ يَحْلِفُ مَا بِعْتنِي ذَلِكَ وَلَا لَك حَقٌّ قِبَلِي، وَهَذَا يُرِيدُ الْأَلْغَازَ وَالتَّحْرِيفَ. قَالَ فَضْلٌ: يُرِيدُ أَنَّهُ يَعْنِي فِي يَمِينِهِ أَنَّى قَدْ ابْتَعْت مِنْك بِمَا تَقُولُ وَقَضَيْتُك الثَّمَنَ، فَأَنَا أَحْلِفُ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَك قِبَلِي، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْهُ وَقَضَاهُ، كَانَ الْحَقُّ قَدْ لَزِمَهُ، وَصَارَتْ الْيَمِينُ عَلَى الطَّالِبِ أَنَّهُ مَا قَضَاهُ شَيْئًا، ثُمَّ يَأْخُذُ حَقَّهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ مَا لَك عَلَيَّ مِنْ كُلِّ مَا تَدَّعِيهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، فَقَدْ بَرِئَ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ مَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، وَكَانَ الْمُدَّعِي مِنْ أَهْلِ التُّهْمَةِ وَالظِّنَّةِ وَالطَّلَبِ بِالشُّبْهَةِ.

стр. 366

مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: وَكَانَ سَحْنُونٌ إذَا قَالَ الْخَصْمُ لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ، أَوْ قَالَ مَا لَهُ عِنْدِي حَقٌّ، وَالْآخَرُ يَدَّعِي دَعْوَى مُفَسَّرَةً يَقُولُ: أَسْلَفْتُهُ أَوْ بِعْته أَوْ أَوْدَعْته، فَكَانَ لَا يَقْبَلُ قَوْلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، مَا لَهُ عِنْدِي حَقٌّ حَتَّى يُقِرَّ بِالدَّعْوَى نَفْسِهَا أَوْ يُنْكِرَهَا، فَيَقُولُ: مَا بَاعَنِي وَلَا أَسْلَفَنِي وَلَا أَوْدَعَنِي فَإِنْ تَمَادَى عَلَى اللَّدَدِ سَجَنَهُ، فَإِنْ تَمَادَى أَدَّبَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا تَمَادَى فِي أَنْ لَا يُقِرَّ وَلَا يُنْكِرَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَا لَهُ عِنْدِي حَقٌّ رُبَّمَا قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَأَمَرَ بِكَتْبِ دَعْوَى الْمُدَّعِي وَإِنْكَارِ الْآخَرِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ حَتَّى يُقِرَّ بِالشَّيْءِ نَفْسِهِ أَوْ يُنْكِرَهُ، وَرَجَعَ إلَى هَذَا فِي آخِرِ أَيَّامِهِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ فِي الشَّهَادَاتِ الثَّانِي. مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا قَالَ لِي عَلَيْك عَشَرَةٌ حَلَفَ مَا لَك عَلَى عَشَرَةٌ، وَلَا شَيْءٌ، مِنْهَا فَإِنْ ذَكَرَ السَّبَبَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: اشْتَرَيْت مِنِّي سِلْعَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ كَانَ الْمُبْتَاعُ دَفَعَ لَهُ ثَمَنَهَا وَجَحَدَ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ، فَفِيهَا قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةَ كَذَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَالَ ابْنُ دِينَارٍ: قُلْت لِابْنِ عَبْدُوسٍ: إذَا أَسْلَفَهُ مَالًا فَقَضَاهُ إيَّاهُ فَجَحَدَ، وَأَرَادَ الْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مَا أَسْلَفَهُ، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَحْلِفُ مَا لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ، فَقَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ مَا أَسْلَفَهُ شَيْئًا، قُلْت لِابْنِ عَبْدُوسٍ فَقَدْ اضْطَرَرْتُمُوهُ إلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ أَوْ غُرْمِ مَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَالَ: يَنْوِي سَلَفًا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ الْآنَ وَيَبْرَأُ مِنْ الْإِثْمِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَشْهَبُ: إذَا قَالَ لِي عَلَيْهِ عَشَرَةٌ مِنْ سَلَفٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ لَهُ مَا لَهُ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنْ سَلَفٍ، لَمْ يُجْزِهِ ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ: وَلَا أَعْلَمُ لَهُ شَيْئًا مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَنَحْوِهِ، فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ لَا شَيْءَ لَهُ عِنْدِي مِنْ وَجْهٍ يَطْلُبُهُ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ لَمْ يَطْلُبْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. فَرْعٌ: وَيَحْلِفُ فِي دَعْوَى الْإِجَارَةِ، مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ إجَارَةً فِي هَذِهِ الدَّارِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَةِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ شَرْطُ صِحَّةِ الْيَمِينِ الْمُطَابِقَةُ، وَأَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْبَتِّ إلَّا فِيمَا نَسَبَهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ النَّفْيِ، قَالَ ابْنُ شَاسٍ: يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فِي كُلِّ مَا نَسَبَهُ إلَى نَفْسِهِ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ وَفِيمَا نَسَبَهُ إلَى غَيْرِهِ مِنْ

стр. 367

الْإِثْبَاتِ، وَأَمَّا النَّفْيُ فَيَكْفِي الْحَلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَيَقُولُ لَا أَعْلَمُ عَلَى مُوَرِّثِي، وَلَا أَعْلَمُ مِنْهُ إسْلَافًا أَوْ بَيْعًا اهـ. فَمَتَى نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ عَلَى طِبْقِ الدَّعْوَى حَلَفَ الْمُدَّعِي وَاسْتَحَقَّ. وَفِي كِتَابِ أَدَبِ الشَّهَادَاتِ، كَانَ الْقَاضِي بَكَّارٌ يَرَى شُفْعَةَ الْجِوَارِ، فَادَّعَى عِنْدَهُ حَنَفِيٌّ عَلَى شَافِعِيٍّ بِالشُّفْعَةِ فَأَنْكَرَ الشَّافِعِيُّ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي بَكَّارٌ: احْلِفْ أَنَّ هَذَا مَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْك هَذِهِ الشُّفْعَةَ بِالْجِوَارِ عَلَى مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ، فَتَوَقَّفَ عَنْ الْيَمِينِ، وَحَدَّثَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْمُزَنِيَّ صَاحِبَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ لَهُ الْمُزَنِيّ: وَقَعْتَ عَلَى قَاضٍ فَقِيهٍ وَإِنَّمَا حَلَّفَهُ عَلَى هَذَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَتَأَوَّلَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ، وَيَحْلِفَ فَيَنْبَغِي التَّنْبِيهُ لِذَلِكَ فَهُوَ تَنْبِيهٌ حَسَنٌ، فَقَدْ تَقَعُ الْحُكُومَةُ لِمَنْ لَا يَرَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ. [الْبَابُ الْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْيَمِينِ] فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ فِيمَا لَهُ بَالٌ مِنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ أَوْ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، فَامْتَنَعَ مِنْ الْحَلِفِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ فِي الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ أَوْ عِنْدَ الرُّكْنِ بِمَكَّةَ، وَقَالَ أَنَا أَحْلِفُ بِمَوْضِعِي، فَهُوَ كَنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ فِي مُقَاطَعِ الْحُقُوقِ وَغَرِمَ. قَالَ ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ بَعْدَ يَمِينِ الْمُدَّعِي فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، يَعْنِي مَقْطَعَ الْحَقِّ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي بَطَل حَقُّهُ، وَبِذَلِكَ قَضَى مَرْوَانُ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. [الْبَابُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي وَنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْ الْجَوَابِ] قَالَ أَصَبْغُ: إذَا تَكَلَّمَ الْمُدَّعِي وَادَّعَى بِحُجَّتِهِ، قَالَ الْحَاكِمُ لِلْآخَرِ تَكَلَّمَ فَإِذَا سَكَتَ أَوْ قَالَ لَا أُخَاصِمُهُ إلَيْك، قَالَ لَهُ الْقَاضِي: إمَّا خَاصَمْتَ وَإِمَّا أَحَلَفْتُ هَذَا الْمُدَّعِي عَلَى دَعْوَاهُ وَحَكَمْتُ لَهُ، فَإِنْ تَكَلَّمَ نَظَرَ فِي حُجَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ أَحْلَفَ الْمُدَّعِيَ وَقَضَى لَهُ بِحَقِّهِ، إنْ كَانَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ مَعَ نُكُولِ

стр. 368

الْمَطْلُوبِ عَنْ الْيَمِينِ، وَكَانَتْ الْخُلْطَةُ ثَابِتَةً وَالدَّعْوَى مُشْبِهَةً عُرْفًا؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ عَنْ التَّكَلُّمِ نُكُولٌ عَنْ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، دَعَا بِالْبَيِّنَةِ وَلَا يَسْجُنُهُ حَتَّى يَتَكَلَّمَ، وَلَكِنْ يَسْمَعُ مِنْ صَاحِبِهِ، وَيَحْمِلُ الْحُكْمَ عَلَيْهِ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْفَصْلُ، وَلَمْ يَرْجِعْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى إقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ، وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْمُدَّعَى بِلَا يَمِينٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ قَالَ لَا أُقِرُّ وَلَا أُنْكِرُ لَمْ يَتْرُكْهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، وَإِنْ أَبَى سَجَنَهُ حَتَّى يُقِرَّ أَوْ يُنْكِرَ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ أَنْ يُسْجَنَ وَيُؤَدَّبَ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى امْتِنَاعِهِ حُكِمَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يُخَيَّرُ الطَّالِبُ بَيْنَ حَبْسِ الْمَطْلُوبِ حَتَّى يُجَاوِبَهُ أَوْ يَحْلِفَ، وَيَأْخُذَهُ مِلْكًا أَوْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَيَبْقَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى حُجَّتِهِ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: فَإِنْ قَالَ: لَا أُجَاوِبُهُ، حَتَّى يُبَيِّنَ الْوَجْهَ الَّذِي تَرَتَّبَ لَهُ ذَلِكَ بِهِ قِبَلِي، فَلِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ بَيَانِهِ لَمْ يَسْأَلْ الْمَطْلُوبَ عَنْ شَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ نِسْيَانًا فَيَقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَأَلْزَمَ الْمَطْلُوبَ الْجَوَابَ. وَقَالَ الْبَاجِيُّ: الْقِيَاسُ أَنْ يَحْلِفَ لَقَدْ نَسِيَ. فَرْعٌ: وَإِنْ قَالَ أَنَا آتِيهِ بِوَكِيلٍ يُجَاوِبُهُ، فَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ. الْأَوَّلُ: الْإِلْزَامُ، وَيُقَالُ لَهُ: قُلْ الْآنَ مَا تَأْمُرُ بِهِ وَكِيلَك. قَالَ أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي. الثَّانِي: قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: التَّفْرِقَةُ، فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى قَرِيبَةَ الْمَعْنَى، أُمِرَ بِالْجَوَابِ ثُمَّ وَكَّلَ، فَإِنْ أَبَى حُمِلَ عَلَيْهِ بِالْأَدَبِ، وَإِلَّا فَلَهُ ذَلِكَ وَبِهِ الْعَمَلُ. فَرْعٌ: وَإِنْ قَالَ: لَا أُخَاصِمُهُ عِنْدَك جُبِرَ عَلَيْهِ بِالسِّجْنِ وَالْأَدَبِ.

стр. 369

[الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ] وَبَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا إجَابَةُ دَعْوَةِ الْحَاكِمِ، وَمَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْإِجَابَةُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [النور: ٤٨] الْآيَةَ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَنْ دُعِيَ إلَى حَاكِمٍ فَعَلَيْهِ الْإِجَابَةُ، وَيُجْرَحُ إنْ تَأَخَّرَ، وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ دُعِيَ إلَى حَاكِمٍ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهُوَ ظَالِمٌ لَا حَقَّ لَهُ» ) . انْتَهَى مِنْ مَعِينِ الْحُكَّامِ. وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ قَالَ الشَّعْبَانِيُّ: مَنْ ادَّعَى عَلَى غَيْرِهِ دَعْوَى فَدَعَاهُ إلَى الْقَاضِي فَامْتَنَعَ، خَتَمَ لَهُ خَاتَمًا مِنْ طِينٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بَعَثَ مَعَهُ بَعْضَ أَعْوَانِهِ لِيَدْعُوَهُ إلَيْهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ وَتَوَارَى عَنْهُ سُئِلَ الْخَصْمُ عَنْ دَعْوَاهُ، فَإِنْ ادَّعَى شَيْئًا مَعْلُومًا وَأَثْبَتَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً مَرْضِيَّةً حُكِمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، إنْ كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَالٌ ظَاهِرٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ وَثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ يَبْعَثُ إلَيْهِ رَسُولًا ثِقَةً مَعَ شَاهِدَيْنِ يُنَادِي عَلَى بَابِهِ ثَلَاثًا يَا فُلَانُ، الْقَاضِي فُلَانٌ يَدْعُوك لِتَحْضُرَ مَجْلِسَ الْحُكْمِ مَعَ خَصْمِك فُلَانٍ، وَإِلَّا نَصِّبْ لَك وَكِيلًا وَيَسْمَعُ مِنْ شُهُودِ الْمُدَّعِي وَيُمْضِي الْحُكُومَةَ عَلَيْك، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهَا دَارُ سُكْنَاهُ، وَأَنَّهُ تَغَيَّبَ فِيهَا، وَأَنَّ الرَّسُولَ دَعَاهُ، فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِطَبْعِ الدَّارِ وَتَسْمِيرِهَا بَعْدَ أَنْ تُفَتَّشَ، فَإِنْ خَرَجَ أَخَذَ مِنْهُ الْحَقَّ وَعَاقَبَهُ عَلَى امْتِنَاعِهِ وَتَغَيُّبِهِ. وَفِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ: إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي تَغَيُّبُ الْمَطْلُوبِ فِي مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ، فَعَلَى الْقَاضِي أَنْ يَسْتَعِينَ بِالسُّلْطَانِ، وَيَبْعَثُ إلَيْهِ أَنْ يُرْسِلَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ الْمَطْلُوبُ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً، مَنْ يُخْرِجُهُمَا مِنْهُ إلَى حَيْثُ يَنْتَصِفُ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يَدْفَعَا الْحَقَّ، وَهُمَا بِمَوْضِعِهِمَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُمَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ امْتَنَعَ الْمَطْلُوبُ فِي مَوْضِعٍ، أَمَرَ السُّلْطَانُ بِتَثْقِيفِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إذَا لَمْ يُوصَلْ إلَيْهِ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ، فَإِذَا خَرَجَ

стр. 370

أَخَذَ مِنْهُ الْحَقَّ وَعَاقَبَهُ عَلَى امْتِنَاعِهِ، وَإِنْ طَالَ أَمْرُهُ وَأَضَرَّ ذَلِكَ بِصَاحِبِ الْحَقِّ، أَمَرَ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ بِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعَانِدُ السُّلْطَانِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَالِهِ إلَّا بِحَقٍّ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ الدُّخُولُ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ مُخْتَفٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، أَمَرَ السُّلْطَانُ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ بِعَزْلِ النِّسَاءِ إلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَيُفَتِّشُ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَطْمَعُ بِهِ فِيهِ، حَتَّى يُفَتِّشَ جَمِيعَ الْمَوَاضِعِ، فَإِنْ أَعْيَا السُّلْطَانَ أَمْرُهُ وَلَمْ يَجِدْهُ سَمِعَ مِنْ الطَّالِبِ وَمِنْ بَيِّنَتِهِ، وَقَضَى لِصَاحِبِ الْحَقِّ عَلَيْهِ، وَلَمْ تُرْجَ لَهُ حَجَّةٌ عُقُوبَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ امْرَأَةً، أَمَرَ السُّلْطَانُ امْرَأَةً تَعْرِفُهَا بِالتَّفْتِيشِ عَلَيْهَا، فَإِنْ أَخْرَجَتْهَا عُرِضَتْ عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، وَيَعْرِفُ عَيْنَهَا، وَيُثْبِتُ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهَا هِيَ الْمُقِرَّةُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ مَا ذَكَرَ عَنْهَا وَقَضَى عَلَيْهَا. وَفِي الطُّرَرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنْ يُرْسِلَ الْقَاضِي عَدْلَيْنِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْخَدَمِ وَالنِّسْوَانِ وَمَعَهُمْ الْأَعْوَانُ، فَيَكُونُ الْأَعْوَانُ بِالْبَابِ وَحَوْلَ الدَّارِ، ثُمَّ يَدْخُلُ النِّسَاءُ ثُمَّ الْخَدَمُ، وَتُعْزَلُ حُرَمُ الْمَطْلُوبِ فَيُجْعَلُونَ فِي بَيْتٍ، ثُمَّ تُفَتَّشُ الدَّارُ ثُمَّ يَدْخُلُ النِّسَاءُ إلَى مَنْزِلِ الْحُرَمِ فَيُفَتِّشْنَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كُلُّهُ بَغْتَةً بِغَيْرِ إذْنِهِ، لِئَلَّا يَصِرْنَ النِّسَاءُ فِي الدَّارِ ثُمَّ يَدْخُلَ الْخَدَمُ فِي إثْرِهِنَّ. وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ: قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: فَإِنْ ثَبَتَ تَغَيُّبُ الْمَطْلُوبِ فِي دَارِهِ، شُدِّدَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُطْبَعَ بَابُ مَسْكَنِهِ وَيُخْرَجُ مَا فِيهِ مِنْ الْحَيَوَانِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: وَالطَّبْعُ خَيْرٌ مِنْ التَّسْمِيرِ؛ لِأَنَّ التَّسْمِيرَ يُفْسِدُ الْبَابَ وَيَنْقُصُ ثَقْبُ الْمَسَامِيرِ وَلَا مَكَانَ أَنْ يُزَالَ التَّسْمِيرُ وَيُعَادَ وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ. تَنْبِيهٌ: وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ: وَإِذَا رَأَى التَّسْمِيرَ وَلَمْ يَرَ أَنْ يُطْبَعَ عَلَى الْبَابِ فَلْيُثْبِتْ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهَا دَارُهُ، وَحِينَئِذٍ يَأْمُرُ بِتَسْمِيرِهَا، قَالُوا: وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَقْبَلَ قَوْلَ الرَّسُولِ فِي تَغَيُّبِ الْمَطْلُوبِ حَتَّى يَكْشِفَ وَيَسْأَلَ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ: إنْ تَغَيَّبَ عَنْ الْحُضُورِ مَعَ الطَّالِبِ عِنْدَ الْقَاضِي، فَمِنْ حَقِّ الطَّالِبِ السَّمَاعُ مِنْ بَيِّنَتِهِ وَالنَّظَرُ لَهُ، إذَا تَبَيَّنَ تَوَرُّكُ الْمَطْلُوبِ وَتَنَحِّيهِ، قَالَهُ ابْنُ لُبَابَةَ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ وَسَعِيدُ بْنُ مُعَاذٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ وَلِيَدٍ.

стр. 371

فَرْعٌ: وَمِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: قَالَ سَحْنُونٌ: مَنْ ادَّعَى دَارًا بِالْقَيْرَوَانِ وَاَلَّذِي هِيَ بِيَدِهِ غَائِبٌ بِتُونِسَ، كَتَبَ قَاضِي الْقَيْرَوَانِ إلَى قَاضِي تُونِسَ، أَنْ يُقَدِّمَ فُلَانًا يُخَاصِمُ، أَوْ يُوَكِّلَ مَنْ يُخَاصِمُ لَهُ، فَإِنْ أَبَى سَمِعَ مِنْ حُجَّةِ الْمُدَّعِي وَبَيِّنَتِهِ، فَإِنْ أَثْبَتَ الدَّعْوَى وَأَوْقَعَ الْبَيِّنَةَ كَشَفَ عَنْ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ زُكِّيَتْ حَكَمَ عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ وَغَيْرِهِ: وَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَلَدُّ بِالْمُدَّعِي، وَدَعَاهُ الطَّالِبُ إلَى الِارْتِفَاعِ إلَى الْقَاضِي فَأَبَى، فَيَكُونُ عَلَى الْمَطْلُوبِ أُجْرَةُ الرَّسُولِ إلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الطَّالِبِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَيُؤَدِّبُ الْقَاضِي كُلَّ مَنْ أَبَى أَنْ يَرْتَفِعَ إلَيْهِ، وَقَالَ مِثْلَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَطَّارِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ: فِي الِانْتِقَادِ عَلَى ابْنِ الْعَطَّارِ، وَلَا نَعْلَمُ ذَنْبًا يُوجِبُ اسْتِبَاحَةَ الْمَالِ إلَّا الْكُفْرَ وَحْدَهُ، وَلَيْسَ مَطْلُهُ يُوجِبُ اسْتِبَاحَةَ مَالِهِ، وَأَنْ تَكُونَ أُجْرَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ ظَالِمٌ بِمَطْلِهِ وَتَبْطُلُ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ، وَيَسْتَحِقُّ اسْمَ الظُّلْمِ وَمَالُهُ مُحَرَّمٌ وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا قَالَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ اسْتِبَاحَةِ الْمَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَدْخَلَ غَرِيمَهُ فِي غُرْمٍ وَعَرَّضَ بِإِتْلَافِ مَالِهِ، بِعَدَمِ انْقِيَادٍ إلَى الْحُكْمِ فَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ غُرْمُ ذَلِكَ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلشُّرَطِ الْمُتَصَرِّفِينَ بَيْنَ أَيْدِي الْقُضَاةِ، رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، كَأَنْ جَعَلَ الْغُلَامَ الْمُتَصَرِّفَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الطَّالِبِ، إلَّا أَنْ يَلِدَّ الْمَطْلُوبُ وَيَخْتَفِيَ تَعْنِيتًا بِالْمُطَالَبِ، فَيَكُونُ الْجُعَلُ فِي إحْضَارِهِ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ النُّصُوصُ كُلُّهَا تُخَالِفُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْفَخَّارِ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي الشَّرِيكَيْنِ: يَطْلُبُ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَيَتَغَيَّبُ الْآخَرُ، قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ وَلِيَدٍ وَابْنُ غَالِبٍ: إذَا تَوَرَّكَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ عَلَى الْحُضُورِ لِلْقِسْمَةِ، وَظَهَرَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي بِاتِّصَالِ تَوَرُّكِهِ، أَوْ بِطُولِ التَّرَدُّدِ فِي طَلَبِهِ لِلْحُضُورِ فَلَمْ يَحْضُرْ، أَمَرَ الْقَاضِي بِالْقَسْمِ عَلَيْهِ وَوَكَّلَ لَهُ مَنْ يَقْبِضَ نَصِيبَهُ، فَيَبْعَثُ الْقَاضِي قَاسِمًا يَرْضَاهُ، وَرَجُلَيْنِ يُقْبِلَانِ عَلَيْهِمَا، يُحْضِرَانِ الْقَسْمَ، وَوَكِيلًا يُوَكِّلُهُ لِلْغَائِبِ وَكَالَةً يَشْهَدُ لَهُ بِهَا، فَمَا حَصَلَ لِلْغَائِبِ قَبَضَهُ وَكِيلُهُ، وَكَانَ قَبْضُهُ لَهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي كَقَبْضِهِ لِنَفْسِهِ

стр. 372

لَوْ كَانَ حَاضِرًا، وَيَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْقِسْمَةِ الْمَعْنَى الَّذِي وَكَّلَ الْوَكِيلَ لِأَجْلِهِ مِنْ ثُبُوتِ التَّوَرُّكِ عِنْدَهُ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ وَكَتَبَ ابْنُ غَانِمٍ، إلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵀ يَسْأَلُهُ عَنْ الْخَصْمَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِي الْأَرْضِ، فَيُقِيمُ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ بِأَنَّهَا لَهُ، فَإِذَا عَلِمَ خَصْمُهُ بِذَلِكَ، هَرَبَ وَتَغَيَّبَ فَطُلِبَ فَلَمْ يُوجَدْ أَيُقْضَى عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ؟ قَالَ مَالِكٌ ﵀: إذَا أَثْبَتَ عِنْدَك الْحُجَجَ، وَسَأَلْته عَنْ كُلِّ مَا تُرِيدُ أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْهُ، وَاسْتَقَرَّ عِنْدَك عِلْمُ كُلِّ مَا تُرِيدُ أَنْ تَسْأَلَهُ عَنْهُ فَلَمْ تَبْقَ حُجَّةٌ فَاقْضِ عَلَيْهِ وَهُوَ غَائِبٌ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهَذَا كَمَا قَالَ: إنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ عِلْمِ ذَلِكَ وَيُعْجِزُهُ، وَلَا يَكُونُ لَهُ إذَا قَدِمَ أَنْ يَقُومَ بِحُجَّتِهِ، بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ قَضَى عَلَيْهِ وَهُوَ حَاضِرٌ، إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ إذَا أَتَى بِحُجَّةٍ لَهَا وَجْهٌ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، يُسْمَعُ مِنْهُ، فَأَمَّا إنْ هَرَبَ وَتَغَيَّبَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ حُجَجِهِ، فَالْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُتَلَوَّمَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَتَمَادَى عَلَى تَغَيُّبِهِ وَاخْتِفَائِهِ، قَضَى عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْطَعَ حُجَجَهُ. [فَصْلٌ الدَّعْوَى عَلَى الْمَحْبُوسِ فِي حَبْسِ السُّلْطَانِ] فَصْلٌ: وَمِمَّا يُلْتَحَقُ بِهَذَا الْبَابِ، الدَّعْوَى عَلَى الْمَحْبُوسِ فِي حَبْسِ السُّلْطَانِ، وَإِذَا كَانَتْ لِلنَّاسِ حُقُوقٌ عَلَى مَنْ حَبَسَ السُّلْطَانُ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يُخَاصِمَ عَنْهُ وَيَسْمَعُ الدَّعْوَى، وَيُعْذِرُ إلَيْهِ، فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّوْكِيلِ حَكَمَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يُعْذِرَ إلَيْهِ مِنْ الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا إجَابَةُ الْحَاكِمِ] ِ وَمِنْهَا: إنْ دُعِيَ مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَمَا دُونَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتِمُّ مَصَالِحُ الْأَحْكَامِ، وَإِنْصَافُ الْمَظْلُومِينَ مِنْ الظَّالِمِينَ إلَّا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ أَبْعَدَ مِنْ الْمَسَافَةِ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَهُ الْخَصْمُ إلَى حَقٍّ مُخْتَلَفٍ فِي ثُبُوتِهِ، وَخَصْمُهُ يَعْتَقِدُ ثُبُوتَهُ فَتَجِبُ الْإِجَابَةُ؛ لِأَنَّهَا دَعْوَى حَقٍّ، وَإِنْ اعْتَقَدَ عَدَمَ ثُبُوتِهِ لَمْ تَجِبْ؛ لِأَنَّهُ

стр. 373

مُبْطِلٌ وَإِنْ دَعَاهُ الْحَاكِمُ وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَحَلَّ قَابِلٌ لِلْحُكْمِ وَالتَّصَرُّفِ وَالِاجْتِهَادِ. وَمِنْهَا: النَّفَقَاتُ، فَيَجِبُ الْحُضُورُ فِيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِتَقْدِيرِهَا إنْ كَانَتْ لِلْأَقَارِبِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِلرَّقِيقِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إبَانَةِ الزَّوْجَةِ وَعِتْقِ الرَّقِيقِ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ. وَمِنْهَا: الْفُسُوخُ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى الْحُكَّامِ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الْإِجَابَةُ] ُ وَفِيمَا هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِجَابَةِ وَعَدَمِهَا فَمِنْهَا: إذَا دَعَاهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ، أَوْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ وَلَكِنْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَاكِمِ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ، فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَائِهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ وَلَا يَذْهَبُ إلَيْهِ. وَمِنْهَا: مَتَى عَلِمَ الْخَصْمُ إعْسَارَ خَصْمِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ وَدَعْوَاهُ إلَى الْحَاكِمِ. وَمِنْهَا: إذَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِجَوْرٍ لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ وَتَحْرُمُ الْإِجَابَةُ إذَا كَانَ الْحُكْمُ فِي الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَالْحُدُودِ وَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وَمِنْهَا: إذَا كَانَ الْحَقُّ مَوْقُوفًا عَلَى الْحَاكِمِ كَتَأْجِيلِ الْعِنِّينِ فَإِنَّ الزَّوْجَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الطَّلَاقِ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ، فَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا. وَمِنْهَا: الْقِسْمَةُ الْمُتَوَقَّعَةُ عَلَى الْحُكَّامِ فَيُخَيَّرُ الْمَطْلُوبُ بَيْنَ تَمْلِيكِ حِصَّتِهِ لِغَرِيمِهِ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي نَفَقَةِ الزَّوْجِ وَالرَّقِيقِ. تَنْبِيهٌ: مَتَى طُولِبَ بِحَقٍّ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِخَصْمِهِ لَا أَدْفَعُهُ لَك إلَّا بِالْحُكْمِ. لِأَنَّ الْمَطْلَ ظُلْمٌ، وَالْوُقُوفَ عَلَى الْحُكَّامِ صَعْبٌ مِنْ (الْقَوَاعِدِ لِلْقَرَافِيِّ) ﵀ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِائَتَيْنِ.

стр. 374

[الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالتَّحَالُفِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ] وَذَلِكَ بِأَنْ يَتَحَالَفَا وَيَقْسِمَ الْمُدَّعَى فِيهِ بَيْنَهُمَا، فَيَقْضِيَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ، أَوْ يَحْكُمَ بِالْفَسْخِ بَيْنَهُمَا فَيَفْسَخَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَزِمَهُ بِمُوجِبِ الْعَقْدِ بِيَمِينِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدْخُلُ فِي أَبْوَابٍ كَثِيرَةٍ. مِنْهَا: اخْتِلَافُ الْمُتَبَايِعَيْنِ وَاخْتِلَافُهُمَا يَرْجِعُ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَوْعًا يَقَعُ التَّحَالُفُ مِنْهُمَا فِي أَحَدَ عَشَرَ نَوْعًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا» . النَّوْعُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا دَنَانِيرُ وَيَقُولُ الْآخَرُ ثَوْبٌ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ إذْ لَيْسَ تَصْدِيقُ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَيَرُدُّ الْمُبْتَاعُ قِيمَةَ السِّلْعَةِ عِنْدَ الْفَوَاتِ. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ مَعَ يَمِينِهِ وَعَلَى الْآخَرِ الْبَيِّنَةُ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ هِيَ الْأَثْمَانُ وَبِهَا يَقَعُ الْبَيْعُ. الثَّانِي: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي نَوْعِ الْمُثَمَّنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: هُوَ قَمْحٌ وَيَقُولُ الْآخَرُ هُوَ شَعِيرٌ، فَأَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَخْتَلِفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا بِعِشْرِينَ وَيَقُولُ الْآخَرُ بِعَشَرَةٍ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ مَا لَمْ يَقْبِضْ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ، إذْ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِذَا تَرَجَّحَتْ دَعْوَى الْمُشْتَرِي بِقَبْضِ السِّلْعَةِ فَفِيهَا أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُصَدَّقُ فِي الثَّمَنِ مَعَ يَمِينِهِ لِقُوَّةِ الْيَدِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ وَإِنْ قَبَضَهَا مَا لَمْ يَبْنِ بِهَا فَيُصَدَّقُ حِينَئِذٍ لِلْبَيْنُونَةِ، وَالرِّوَايَتَانِ لِابْنِ وَهْبٍ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَإِنْ قَبَضَهَا وَبَانَ بِهَا مَا لَمْ تَفُتْ بِتَغَيُّرِ سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَبِهَا آخُذُ.

стр. 375

الرَّابِعَةُ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَإِنْ فَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ بَدَلَ الْعَيْنِ وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ، وَبِهَا آخُذُ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ كَانَ يُفْتِي شَيْخُنَا، وَأَنَا أُفْتِي بِهِ أَيْضًا، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَإِنَّمَا يَرُدُّ الْقِيمَةَ مَا لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ. فَرْعٌ: وَحَيْثُ قُلْنَا يَتَحَالَفَانِ فَالْبُدَاءَةُ بِالْبَائِعِ، وَقِيلَ بِالْمُشْتَرِي، وَقِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَلَوْ تَنَاكَلَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ، كَمَا إذَا تَحَالَفَا وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَمْضِي الْعَقْدُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ، وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَهَلْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُلْزِمَ صَاحِبَهُ الْبَيْعَ بِمَا ذَكَرَ قَوْلًا، وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَهَلْ يُفْتَقَرُ إلَى يَمِينٍ أَمْ لَا قَوْلَانِ. فَرْعٌ: وَهَلْ يُفْسَخُ الْبَيْعُ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ أَوْ يُفْتَقَرُ إلَى الْحُكْمِ قَوْلَانِ. الْأَوَّلُ: قَوْلُ سَحْنُونٍ. الثَّانِي: لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنْ يَرْضَى أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ إنْ تَحَالَفَا بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ وَإِلَّا انْفَسَخَ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ. الرَّابِعُ: إذَا اخْتَلَفَا فِي تَعْجِيلِ الثَّمَنِ وَتَأْجِيلِهِ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت بِنَقْدٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بِنَسِيئَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى الْعُرْفَ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ السِّلْعَةِ عُرْفٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ بِيَدِ الْبَائِعِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ قَبَضَهَا الْمُبْتَاعُ صَدَقَ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ، وَقِيلَ إنْ ادَّعَى الْمُبْتَاعُ أَجَلًا قَرِيبًا يَتَحَالَفَا وَيَتَفَاسَخَا إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ الْفَوَاتِ، وَإِنْ ادَّعَى أَجَلًا بَعِيدًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ. فَرْعٌ: وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَجَلِ وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ مَعَ الْفَوَاتِ، وَيَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَجَلِ وَاخْتَلَفَا فِي انْقِضَائِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الِانْقِضَاءِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِيهِ مَعَ يَمِينِهِ.

стр. 376

الْخَامِسُ: إذَا اخْتَلَفَا فِي الْخِيَارِ وَالْبَتِّ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْبَتِّ مَعَ يَمِينِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: قَوْلُ مُدَّعِي الْخِيَارِ، وَقِيلَ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ، فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ دُونَ الْآخَرِ فَاخْتُلِفَ هَلْ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ أَوْ يَتَحَالَفَانِ وَيَثْبُتُ الْبَيْعُ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ. السَّادِسُ: اخْتِلَافُهُمَا فِي الرَّهْنِ وَالْحَمِيلِ وَذَلِكَ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَزِيدُ مَعَ فَقْدِهِمَا وَيَنْقُصُ مَعَ وُجُودِهِمَا. السَّابِعُ: إذَا اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَخْتَلِفَا فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت مِنْك هَذَا الثَّوْبَ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ بَلْ هَذَا، تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ بَعْدَ الْقَبْضِ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِالرَّدِّ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَدَدْته عَلَيْك بَعْدَ التَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ، فَلَا يَزَالُ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يُقِرَّ لَهُ الْبَائِعُ بِالْقَبْضِ لَوْ تَقُومُ لَهُ الْبَيِّنَةُ. الثَّامِنُ: إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَثْمُون فِي بَيْعِ النَّقْدِ فَفِيهِ الْأَقْوَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ. التَّاسِعُ: إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فَحَكَى ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ بِالْقُرْبِ مِنْ عَقْدِ السَّلَمِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسَلِّمِ إلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسَلِّمِ فِيمَا يُشْبِهُ. قَالَ مُحَمَّدٌ: فَإِنْ أَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ حَمْلًا عَلَى الْوَسَطِ مِمَّا يُشْبِهُ مَنْ سَلَمِ النَّاسِ. الْعَاشِرُ: إذَا اخْتَلَفَا فِي الْجَوْدَةِ فَقَالَ رَبُّ السَّلَمِ سَمْرَاءُ، وَقَالَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ مَحْمُولَةٌ، فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ، وَقَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ. الْحَادِيَ عَشَرَ: إذَا اخْتَلَفَا فِي مَوْضِعِ الْقَضَاءِ صُدِّقَ مُدَّعِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ، فَإِنْ تَبَاعَدَ قَوْلُهُمَا وَأَتَيَا

стр. 377

بِمَا لَا يُشْبِهُ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَذَلِكَ إذَا تَبَاعَدَتْ الْمَوَاضِعُ جِدًّا حَتَّى لَا يُشْبِهَ قَوْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. [فَصْلٌ وَالتَّحَالُفُ وَالتَّفَاسُخُ يَجْرِي فِي النِّكَاحِ] ِ إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي نَوْعِ الصَّدَاقِ أَوْ عَدَدِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ وَلَا طَلَاقٍ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا تَنَازَعَا فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْبِنَاءِ تَحَالَفَا وَوَجَبَ صَدَاقُ الْمِثْلِ. [فَصْلٌ تَنَازَعَا دَارًا لَيْسَتْ فِي أَيْدِيهِمَا] فَصْلٌ. وَإِذَا تَنَازَعَا دَارًا لَيْسَتْ فِي أَيْدِيهِمَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا. [فَصْلٌ اخْتَلَفَ الْمُتَكَارَيَانِ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ] فَصْلٌ. وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَكَارَيَانِ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَالدَّوَابِّ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ أَوْ جِنْسِهَا أَوْ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي التَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ. [فَصْلٌ اخْتَلَفَ رَبُّ الْحَائِطِ وَالْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ فِي غِلْمَانِ الْحَائِطِ وَالدَّوَابِّ] فَصْلٌ. وَإِذَا اخْتَلَفَ رَبُّ الْحَائِطِ وَالْعَامِلِ فِي الْمُسَاقَاةِ فِي غِلْمَانِ الْحَائِطِ وَالدَّوَابِّ، فَقَالَ الْعَامِلُ: كَانُوا فِيهِ وَأَنْكَرَ رَبُّ الْحَائِطِ، فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا فِي جُزْءِ الْمُسَاقَاةِ قَبْلَ الْعَمَلِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا. [فَصْلٌ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنَانِ أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ رَهْنٍ] فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ دَيْنَانِ أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ رَهْنٍ فَقَضَاهُ أَحَدَ الْحَقَّيْنِ ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ رَبُّ الدَّيْنِ هُوَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ رَهْنٌ، وَقَالَ الْمَطْلُوبُ هُوَ الَّذِي فِيهِ الرَّهْنُ، تَحَالَفَا وَقُسِمَ ذَلِكَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَهَذَا إذَا ادَّعَيَا أَنَّهُمَا بَيَّنَا ذَلِكَ عِنْدَ دَفْعِ الْحَقِّ، وَأَمَّا لَوْ دَفَعَهُ الْمَطْلُوبُ وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا فَلَمْ يُخْتَلَفَ أَنَّهُ يُقْسَمُ إذَا كَانَا حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ الْحَالِّ. [الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْيَدِ وَالتَّرْجِيحِ بِهَا وَبِالْبَيِّنَاتِ] وَإِذَا تَدَاعَى رَجُلَانِ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَتْ الدَّعْوَى مُتَسَاوِيَةً مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ جَمِيعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَيْدِيهِمَا وَلَكِنْ فِي يَدِ مَنْ لَا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِهِ لِأَحَدِهِمَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِهِ حُكِمَ لَهُ بِهِ،

стр. 378

فَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً نُظِرَ إلَى أَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ فَحُكِمَ بِهَا، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْعَدَالَةِ عُرِضَتْ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا حُكِمَ بِهِ لِلْحَالِفِ، فَإِنْ حَلَفَا قَسَمَهُمْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ نَكَلَا تُرِكَا عَلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ فِي أَيْدِيهِمَا فَالْحُكْمُ فِيهِ، مِثْلَ مَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي أَيْدِيهِمَا سَوَاءٌ، حَيْثُ قُلْنَا يُقْسَمُ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا فَإِنَّهُ يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الدَّعَاوَى، فَإِنْ كَانَ بِأَيْدِيهِمَا فَقِيلَ يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الدَّعَاوَى، وَقِيلَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْحِيَازَةِ، إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بَعْدَ حِيَازَتِهِ. وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ بِالْقِسْمَةِ عَلَى قَدْرِ الدَّعَاوَى فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ جَمِيعَهُ يُقْسَمُ عَلَى قَدْرِ الدَّعَاوَى، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْحِصَصُ الْمُدَّعَى بِهَا كَعَوْلِ الْفَرَائِضِ، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ وَأَصْبَغُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنْ اخْتَلَفَتْ الدَّعَاوَى فَإِنَّمَا يُقْسَمُ مَا اشْتَرَكُوا فِيهِ فِي الدَّعْوَى، فَيُقْسَمُ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ أَمَّا مَا اخْتَصَّ بِهِ أَحَدُهُمَا فَلَا يُقَاسِمُهُ فِيهِ الْآخَرُ. فَلَوْ تَدَاعَيَا فِي دَارٍ مَثَلًا فَادَّعَى أَحَدُهُمَا جَمِيعَهَا وَادَّعَى الْآخَرُ نِصْفَهَا فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ تُقْسَمُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا لِمُدَّعِي الْكُلِّ سَهْمَانِ وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ سَهْمٌ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ تُقْسَمُ أَرْبَاعًا لِمُدَّعِي الْكُلِّ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِمُدَّعِي النِّصْفِ سَهْمٌ، مِنْ ابْنِ رَاشِدٍ. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً وَتَسَاوَيَا فِي الْعَدَالَةِ رُجِّحَ جَانِبُ الَّذِي بِيَدِهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ حَائِزًا، فَيُحْكَمُ لَهُ بِهِ مَعَ الْيَمِينِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عِنْدَ التَّكَافُؤِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَنْتَفِعُ الْحَائِزُ بِبَيِّنَتِهِ وَبَيِّنَةُ الْمُدَّعِي أَوْلَى لِقَوْلِهِ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ، فَخَصَّ الْبَيِّنَةُ بِالْمُدَّعِي. فَرْعٌ: فَإِنْ نَكَلَ الْحَائِزُ حَلَفَ الْمُدَّعِي وَحُكِمَ لَهُ بِهِ فَإِنْ نَكَلَ أَقَرَّ عَلَى يَدِهِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ. فَرْعٌ: وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَرْجَحَ قُدِّمَتْ؛ لِأَنَّ الْيَدَ لَا اعْتِبَارَ لَهَا مَعَ الْحُجَّةِ الضَّعِيفَةِ، ثُمَّ هَلْ يَحْلِفُ الْخَارِجُ لِأَجْلِ اقْتِرَانِ الْيَدِ وَالْبَيِّنَةِ قَوْلَانِ.

стр. 379

فَرْعٌ: قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ غَيْرِ مُضَافٍ إلَى سَبَبٍ أَوْ فِي مِلْكٍ غَيْرِ مُطْلَقٍ وَهُوَ الْمُضَافُ إلَى سَبَبٍ يَتَكَرَّرُ أَوْ لَا يَتَكَرَّرُ، فَالْمُطْلَقُ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ لَهُ مِلْكًا مُطْلَقًا، وَغَيْرُ الْمُطْلَقِ هُوَ الْمُضَافُ إلَى سَبَبٍ، وَهُوَ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ الْمِلْكِ، مِثْلُ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ مِلْكُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الدَّابَّةَ نُتِجَتْ فِي مِلْكِهِ، وَأَنَّ هَذَا الثَّوْبَ مِلْكُهُ نُسِجَ فِي مِلْكِهِ. ثُمَّ هَذَا السَّبَبُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مِنْهُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَكَرَّرَ فِي الْمِلْكِ مِثْلُ الْغِرَاسِ إذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: غَرَسْته فِي مِلْكِي، فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَكَرَّرَ بِأَنْ يَغْرِسَ دَفْعَتَيْنِ، وَهَكَذَا نَسْجُ الثَّوْبِ الْخَزِّ عَلَى مَا يَقُولُهُ أَهْلُ صَنْعَتِهِ يُمْكِنُ أَنْ يُنْسَجَ دَفْعَتَيْنِ. وَمِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُ تَكْرَارُهُ كَالْوِلَادَةِ وَالنِّتَاجِ وَنَسْجِ ثَوْبِ الْقُطْنِ [فَصْلٌ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَانِ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا] فَصْلٌ: إذْ تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا جُمِعَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ رُجِعَ إلَى التَّرْجِيحِ إنْ أَمْكَنَ وَالتَّرْجِيحُ يَحْصُلُ بِوُجُوهٍ. الْأَوَّلُ: الزِّيَادَةُ فِي الْعَدَالَةِ وَالْمَشْهُورُ التَّرْجِيحُ بِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ بِهَا وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَلِفِ مَنْ زَادَتْ عَدَالَةُ بَيِّنَتِهِ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا يَحْلِفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْعَدَالَةِ هَلْ هِيَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ أَوْ بِشَاهِدَيْنِ مِنْ التَّوْضِيحِ، وَلَا يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ عِنْدَ التَّكَافُؤِ فِي الْعَدَالَةِ، إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا كَثْرَةً يُكْتَفَى بِهِمْ فِيمَا يُرَادُ مِنْ الِاسْتِظْهَارِ وَالْآخَرُونَ كَثِيرُونَ جِدًّا، فَلَا تُرَاعَى الْكَثْرَةُ حِينَئِذٍ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِمَزِيَّةِ الْعَدَالَةِ دُونَ مَزِيَّةِ الْعَدَدِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَنْ رَجَّحَ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ لَمْ يَقُلْ بِهِ كَيْفَمَا اُتُّفِقَ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَهُ مَعَ قَيْدِ الْعَدَالَةِ الثَّانِي: قُوَّةُ الْحُجَّةِ، فَيُقَدَّمُ الشَّاهِدَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَعَلَى الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْعَدَالَةِ، قَالَهُ أَشْهَبُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُقَدَّمَانِ، ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لِقَوْلِ أَشْهَبَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ أَعْدَلَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكِمَ بِهِ مَعَ الْيَمِينِ وَقُدِّمَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ لَا يُقَدَّمُ، وَلَوْ كَانَ أَعْدَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَهُوَ أَقْيَسُ؛ لِأَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ لَا يَرَى الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ.

стр. 380

الثَّالِثِ: اشْتِمَالُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى زِيَادَةِ تَارِيخِ الْمُتَقَدِّمِ أَوْ سَبَبِ مِلْكٍ مُرَجَّحٍ، مِثْلَ أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ مَلَكَهُ مُنْذُ سَنَةٍ وَتَشْهَدُ الْأُخْرَى لِلْآخَرِ أَنَّهُ مَلَكَهُ مُنْذُ سَنَتَيْنِ، فَتُقَدَّمُ السَّابِقَةُ. وَأَمَّا سَبَبُ الْمِلْكِ فَمِثْلَ أَنْ تَذْكُرَ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ سَبَبَ الْمِلْكِ مِنْ نِتَاجٍ أَوْ زِرَاعَةٍ وَتَكُونَ شَهَادَةُ الْبَيِّنَةِ الْأُخْرَى مُطْلَقَةً لَا تَذْكُرُ سِوَى مُجَرَّدِ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ يُرَجِّحُ مَنْ ذَكَرَ السَّبَبَ. تَنْبِيهٌ: حَكَى الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِ (الْإِحْكَامِ فِي تَمْيِيزِ الْفَتَاوَى عَنْ الْأَحْكَامِ) فِي السُّؤَالِ السَّابِعِ وَالثَّلَاثِينَ: أَنَّ مَذْهَبَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ عِنْدَ التَّعَارُضِ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً. فَرْعٌ: إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِمِلْكِيَّتِهِ بِالْأَمْسِ مَثَلًا، وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْحَالِ لَمْ تُسْمَعْ، حَتَّى يَقُولُوا: وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الْعَارِيَّةِ، وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ الدَّارَ لَهُ وَلَمْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ لَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ، وَلَا تَصَدَّقَ وَيُقْضَى لَهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ مِثْلَهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى سُؤَالِهِمْ، وَإِنْ وُجِدُوا سُئِلُوا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَقُولُوا مَا عَلِمُوهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ فَشَهَادَتُهُمْ بَاطِلَةٌ. اُنْظُرْ تَمَامَ الْمَسْأَلَةِ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ. فَرْعٌ: وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِرَجُلٍ بِأَنَّ فُلَانًا أَقَرَّ لِخَصْمِهِ مُنْذُ كَذَا بِهَذَا الشَّيْءِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقْضَى لِلشُّهُودِ بِهِ، وَيُكْتَفَى بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ لَمْ تَقُلْ الشُّهُودُ وَلَا نَعْلَمُ خُرُوجَ ذَلِكَ عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْآنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِقْرَارِ مُسْتَصْحَبٌ، فَعَلَيْهِ بَيَانُ صِحَّةِ مَا يَدَّعِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِشِرَاءٍ مِنْ الشُّهُودِ لَهُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْإِمْلَاكِ. فَرْعٌ: وَكَذَا لَوْ قَالَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ كَانَ هَذَا الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ مِلْكًا بِالْأَمْسِ لِخَصْمِي، فَذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ لِخَصْمِهِ، فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَيُسْتَصْحَبُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ كَالْفَرْعِ السَّابِقِ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ اشْتَرَاهُ مِنْ الْآخَرِ فَقَدْ حَصَلَ زَوَالُ مِلْكِ الْبَائِعِ عَنْ الْمَبِيعِ.

стр. 381

فَرْعٌ: لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِ الْمُدَّعِي أَمْسِ لَمْ يَأْخُذْهُ مَنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ فِي يَدِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَا أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ بِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ. فَرْعٌ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ غَلَبَ الْآخَرَ عَلَى مَا فِي يَدَيْهِ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى هَذَا الْغَالِبِ بِأَنْ يَرُدَّهُ إلَى الْمَغْلُوبِ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ هَذَا الْمَرْدُودُ إلَيْهِ صَاحِبَ يَدٍ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمِلْكِ وَلَا يَشْهَدُونَ بِأَنَّهُ مِلْكٌ. فَرْعٌ: وَلَوْ شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِالْمِلْكِ وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى بِالْحَوْزِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ أَقْوَى، وَالْحَوْزُ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ مِلْكٍ فَيُقْضَى بِبَيِّنَةِ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ تَارِيخُ الْحَوْزِ مُتَقَدِّمًا. فَرْعٌ: وَتُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ عَلَى الْمُسْتَصْحَبَةِ وَمِثَالُهَا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ أَقْوَى، وَالْحَوْزُ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ مِلْكٍ فَيُقْضَى بِبَيِّنَةِ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ تَارِيخُ الْحَوْزِ مُتَقَدِّمًا. فَرْعٌ: وَتُقَدَّمُ الْبَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ عَلَى الْمُسْتَصْحَبَةِ وَمِثَالُهَا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِزَيْدٍ بَنَاهَا مُنْذُ مُدَّةٍ، وَلَا يَعْلَمُونَهَا خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْآنِ، وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ الْأُخْرَى أَنَّ هَذَا اشْتَرَاهَا مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْبَيِّنَةُ النَّاقِلَةُ عَلِمَتْ وَالْمُسْتَصْحَبَةُ لَمْ تَعْلَمْ، فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ. [فَصْلٌ لَمْ يُمْكِنْ التَّرْجِيحُ بَيْنَ بَيِّنَتَيْنِ مُتَعَرِّضَتَيْنِ] فَصْلٌ: وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ سَقَطَتَا وَبَقِيَ الْمُدَّعَى فِيهِ بِيَدِ حَائِزِهِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَ بِيَدِ غَيْرِهِمَا فَقِيلَ يَبْقَى بِيَدِهِ وَقِيلَ يُقْسَمُ بَيْنَ مُقِيمِي الْبَيِّنَتَيْنِ لِاتِّفَاقِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى إسْقَاطِ مِلْكِ الْحَائِزِ وَإِقْرَارِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ لِأَحَدِهِمَا فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْيَدِ لِلْمُقَرِّ لَهُ.

стр. 382

[الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي] لِرُجْحَانِهِ بِالْعَوَائِدِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ أَوْ لِاتِّصَافِهِ بِالْأَمَانَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ وَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْبَابِ نُبْذَةً يَسِيرَةً عَلَى وَجْهِ الْمِثَالِ: مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي الْإِصَابَةِ إذَا خَلَا بِهَا خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ. وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالصَّدَاقِ، وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا لِلْوَطْءِ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ بِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ يَشْهَدُ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُفَارِقُ الْمَرْأَةَ حَتَّى يَصِلَ إلَيْهَا، وَهَلْ يَلْزَمُهَا يَمِينٌ أَمْ لَا قَوْلَانِ، وَفِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ خِلَافٌ، قِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُهَا، قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَقِيلَ قَوْلُ الزَّائِرِ مِنْهُمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الثَّيِّبِ وَيَنْظُرُ النِّسَاءُ الْبِكْرَ. مَسْأَلَةٌ: إذَا أَقَرَّ الْوَصِيُّ أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ الْغُرَمَاءِ مَا عَلَيْهِمْ وَضَاعَ صُدِّقَ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الدَّفْعِ لِكَوْنِهِ قَائِمًا مَقَامَ أَبِيهِمْ فِي الشَّفَقَةِ وَالْأَمَانَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَقَرَّ الْأَبُ أَنَّهُ قَبَضَ النَّقْدَ مِنْ صَدَاقِ ابْنَتِهِ مِنْ الزَّوْجِ وَادَّعَى تَلَفَهُ، فَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَبَ مُصَدَّقٌ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ بِغَيْرِ مُعَايَنَةِ الْبَيِّنَةِ يَبْرَأُ الزَّوْجُ وَيَدْخُلُ بِزَوْجَتِهِ، وَكَذَا الْوَصِيُّ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَغَيْرُهُ: وَيَلْزَمُ الْأَبَ الْيَمِينُ لِحَقِّ الزَّوْجِ فِي تَجْهِيزِ زَوْجَتِهِ بِهِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى الْمُعْتَرِضُ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَقِيلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْوَاضِحَةِ. وَقِيلَ يَنْظُرُ النِّسَاءُ الْبِكْرَ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا وَلَدَتْ هَذَا الْوَلَدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ. مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَصِيِّ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَى الْيَتِيمِ إذَا أَشْبَهَ قَوْلُهُ الصِّدْقَ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا أَنْفَقَ فِي عِمَارَةِ رَبْعِهِ وَبُسْتَانِهِ إذَا أَشْبَهَ الصِّدْقَ.

стр. 383

مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَى زَوْجَتِهِ إذَا كَانَ مُقِيمًا مَعَهَا وَادَّعَتْ أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا لِشَهَادَةِ الْعُرْفِ لَهُ. مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا إذَا كَانَ الزَّمَنُ مُمْكِنًا، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهَا. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ عِدَّتَهَا انْقَضَتْ قَبْلَ قَوْلِهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ بِيَوْمٍ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى تَكْذِيبِ الْجِيرَانِ لَهَا. مَسْأَلَةٌ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْأَمَةِ أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ الَّذِي مَعَهَا وَلَدُهَا فَلَا تَجُوزُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ، وَلَا يُعْمَلُ بِقَوْلِهَا فِي الْمِيرَاثِ فَلَوْ عَتَقَا لَمْ يَتَوَارَثَا بِدَعْوَاهُمَا. مَسْأَلَةٌ: إذَا خِيفَ غَرَقُ الْمَرْكَبِ وَطُرِحَ مِنْهُ مَا يُرْجَى بِهِ سَلَامَتُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْرُوحِ مَتَاعُهُ فِيمَا يُشْبِهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ فِي ثَمَنِ مَتَاعِهِ الْمَطْرُوحِ، مَا لَمْ يَأْتِ بِمَا يُسْتَنْكَرُ، قَالَ سَحْنُونٌ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ فَيَحْلِفَ. مَسْأَلَةٌ إذَا ادَّعَى الْمُسَاقِي أَنَّهُ دَفَعَ لِرَبِّ الْحَائِطِ الْجُزْءَ الَّذِي سَاقَاهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ رَبُّ الْحَائِطِ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُسَاقَاةِ: لَمْ يَدْفَعْ الْعَامِلُ لِي شَيْئًا، فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ قَدْ جَذَّ الثَّمَرَةَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَعَلَى الْعَامِلِ الْيَمِينُ كَانَ بِقُرْبِ الْجِذَاذِ أَوْ بَعْدِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ جَذَّ بَعْضَهَا رُطَبًا وَالْبَاقِي تَمْرًا فَقَالَ قَبْلَ جِذَاذِ الثَّمَرَةِ لَمْ يَدْفَعْ لِي شَيْئًا مِنْ الرُّطَبِ وَلَا مِنْ ثَمَنِهِ، فَالْعَامِلُ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ حَقَّهُ فِي عَيْنِ الثَّمَرَةِ لَا فِي ذِمَّةِ الْعَامِلِ؛ لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِدَفْعِ ذَلِكَ بِغَيْرِ إشْهَادٍ. مَسْأَلَةٌ: مَنْ حَازَ شَيْئًا مُدَّةً تَكُونُ الْحِيَازَةُ فِيهِ مُعْتَبَرَةً وَالْمُدَّعِي حَاضِرٌ سَاكِتٌ، وَلَيْسَ لَهُ عُذْرٌ فِي سُكُوتِهِ، ثُمَّ يَقُومُ عَلَى الْحَائِزِ وَيَدَّعِي عَلَيْهِ، فَادَّعَى الْحَائِزُ الشِّرَاءَ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ رَدَّ الْوَدِيعَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَهُوَ مُدَّعٍ، وَإِنَّمَا تَرَجَّحَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْمَنَهُ وَالْأَمِينُ مُصَدَّقٌ.

стр. 384

مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ بَاعَ بِالدَّرَاهِمِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ بِسِلْعَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ لِقُوَّةِ قَرِينَةِ صِدْقِهِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ هِيَ الْأَثْمَانُ وَبِهَا يَقَعُ الْبَيْعُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا بَاعَ السِّمْسَارُ سِلْعَةً فَوَجَدَ الْمُشْتَرِي بِهَا عَيْبًا فَسَأَلَ السِّمْسَارَ عَنْ رَبِّ السِّلْعَةِ، فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ حَلَفَ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُهُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا وُضِعَتْ الْجَارِيَةُ الْمُسْتَبْرَأَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَاسْتَأْمَنَهُ عَلَيْهَا الْبَائِعُ، فَقَالَ: بَعْدَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ لَمْ تَحِضْ، أَوْ مَاتَتْ، صُدِّقَ فِي ذَلِكَ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ. مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ دَفَعَ ثَوْبًا إلَى رَجُلٍ يَخِيطُهُ لَهُ بِلَا أُجْرَةٍ وَالرَّجُلُ لَيْسَ مِنْ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلنَّاسِ بِالْأَجْرِ، فَادَّعَى ضَيَاعَ الثَّوْبِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ ضَاعَ مِنْ غَيْرِ الزِّيَادَةِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى الْمَضْرُوبُ ذَهَابَ جَمِيعِ سَمْعِهِ أَوْ جَمِيعِ بَصَرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بَعْدَ الِاخْتِبَارِ بِمَا يُمْكِنُ، وَيُصَدَّقُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَى صِدْقِهِ إلَّا مِنْ قَوْلِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ أَمَّنَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى تَأْمِينِهِ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ الْغَرْبِيَّةُ الطَّارِئَةُ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ أَنَّهُ لَا زَوْجَ لَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَيُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ إذَا لَمْ يَطْمَعْ فِي الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ دَعْوَاهَا. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قَدِمَتْ امْرَأَةٌ مَبْتُوتَةٌ وَادَّعَتْ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْ قُبِلَ قَوْلُهَا وَحَلَّ لِلَّذِي طَلَّقَهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى الْمَأْمُورُ أَنَّهُ تَصَرَّفَ كَمَا أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ فَقَالَ الْمُوَكِّلُ: لَمْ تَتَصَرَّفْ بَعْدُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ قَالَ الْمَأْمُورُ بِعْت السِّلْعَةَ بِعَيْنٍ، وَقَالَ الْآمِرُ أَمَرْتُك أَنْ تَبِيعَهَا بِعَرَضٍ، فَالْمَأْمُورُ مُصَدَّقٌ؛ لِأَنَّ مَنْ بَاعَ بِعَيْنٍ فَالْأَصْلُ يَعْضُدُهُ؛ لِأَنَّهَا الْقِيَمَ الَّتِي يَتَبَايَعُ النَّاسُ بِهَا غَالِبًا.

стр. 385

مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَمَرَهُ الْمُوَكِّلُ بِبَيْعِ سِلْعَةٍ أَوْ شِرَائِهَا وَادَّعَى الْمَأْمُورُ أَنَّهُ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْآمِرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَأْمُورِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ فِي ضَيَاعِ الثَّمَنِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ادَّعَى الْمُسْتَأْجِرُ أَنَّهُ رَدَّ مَا اسْتَأْجَرَهُ مِنْ الْعَرُوضِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ أَمَانَةٍ قَبَضَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى الْغَاصِبُ أَنَّهُ غَصَبَ الثَّوْبَ خَلَقًا، وَقَالَ رَبُّهُ بَلْ جَدِيدًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِذَا حَلَفَ أَدَّى قِيمَتَهُ خَلَقًا. [فَصْلٌ فِي تَصْدِيقِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالرُّجُوعِ إلَى قَوْلِهِ] مَسْأَلَةٌ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُبْتَاعُ وَالشَّفِيعُ فِي مُرُورِ السَّنَةِ وَانْقِضَائِهَا بَعْدَ الْبَيْعِ وَلَا بَيِّنَةَ فَالشَّفِيعُ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ، وَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشُّفْعَةَ قَدْ وُجِّهَتْ لَهُ وَالْمُشْتَرِي مُدَّعٍ لِتَارِيخٍ يُسْقِطُ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْهَا، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْبَائِعِ فِي ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَا مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا، ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ فَطَلَبَهَا بِالشُّفْعَةِ، فَزَعَمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئًا مَقْسُومًا، وَقَالَ الشَّفِيعُ: إنَّهَا لَمْ تُقْسَمْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا وَهَبَ رَجُلٌ رَجُلًا هِبَةً مُطْلَقَةً وَادَّعَى أَنَّهَا لِلثَّوَابِ. وَقَالَ الْمَوْهُوب لِغَيْرِ الثَّوَابِ حُكِمَ بِالْعُرْفِ مَعَ الْيَمِينِ، فَإِنْ أَشْكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ مَعَ يَمِينِهِ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ السِّلْعَةَ، وَقَالَ بِذَلِكَ أَمَرْتنِي وَقَالَ رَبُّهَا إنَّمَا أَمَرْتُك بِرَهْنِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ السِّلْعَةِ فَاتَتْ أَوْ لَمْ تَفُتْ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ اشْتَرَى الْمَأْمُورُ السِّلْعَةَ بِعِشْرِينَ فَقَالَ الْآمِرُ مَا أَمَرْتُك إلَّا بِعَشَرَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَغْرَمُ الْوَكِيلُ الْعَشَرَةَ لِرَبِّ السِّلْعَةِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.

стр. 386

مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْمَأْمُورُ السِّلْعَةَ بِعَشَرَةٍ، وَقَالَ الْآمِرُ: مَا أَمَرْتُك إلَّا بِاثْنَيْ عَشَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمْرِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْعَشَرَةُ، وَلَا يَحْلِفُ الْمَأْمُورُ، وَقِيلَ يَحْلِفُ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ. مَسْأَلَةٌ: إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي عَدَدِ الصَّدَاقِ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهَا مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَصَارَتْ مُدَّعِيَةً عَلَيْهِ، وَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِدَيْنٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ نَكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ بِزَوْجِهَا جُنُونًا وَأَنْكَرَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي الْإِقَالَةَ فَأَقَرَّ لَهُ الْبَائِعُ بِذَلِكَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَقَالَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا أَقَالَهُ إلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ قَالَ مَنْ بِيَدِهِ الدَّارِ أَعَرْتنِي هَذِهِ الدَّارَ وَقَالَ رَبُّهَا: بَلْ بِعْتُكَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْعَارِيَّةِ مَعَ يَمِينِهِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا تَدَاعَى رَجُلَانِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ هَلْ كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيْعَ أَوْ الشِّرَاءَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ بِيَدِ صَاحِبِهَا. مَسْأَلَةٌ: إذَا أَشْهَدَ الْبَائِعُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا فَعَلْت ذَلِكَ ثِقَةً بِالْمُبْتَاعِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَالْمُشْتَرِي مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَ الْمُبْتَاعِ عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَرْعٌ: إذَا أَشْهَدَ الْمُبْتَاعُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّ لِفُلَانٍ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا مِنْ ثَمَنِ كَذَا ثُمَّ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ يَطْلُبُ الْمَبِيعَ فَهُوَ مُدَّعٍ، وَإِشْهَادُهُ بِذَلِكَ مُقْتَضٍ لِلْقَبْضِ عُرْفًا وَالْبَائِعُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالشَّاذُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ عَادَةً فَرَجَعَ إلَيْهَا وَعَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَوْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي يَمِينَ الْبَائِعِ فَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ نَفْيَ الْيَمِينِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ أَوْ يَتَّهِمَ الْبَائِعَ فَيَحْلِفَ.

стр. 387

مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ وَجَدَ الدَّرَاهِمَ زُيُوفًا فَإِنْ تَقَيَّدَ عَلَيْهِ أَنَّهَا طَيِّبَةٌ فَالْبَائِعُ مُدَّعٍ، وَالْمُشْتَرِي مُدَّعًى عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ تَحْلِيفُ الْمُبْتَاعِ لِإِقْرَارِهِ بِقَبْضِهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ طَيِّبَةً جِيَادًا، وَإِنْ سَقَطَ هَذَا مِنْ الْعَقْدِ حَلَفَ لَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ إنْ قَالَ الْمُبْتَاعُ مَا عَلِمْتهَا مِنْ دَرَاهِمِي حَلَفَ لَقَدْ دَفَعْت لَهُ جِيَادًا فِي عِلْمِي، وَمَا عَلِمْت هَذِهِ مِنْ دَرَاهِمِي فَإِنْ حَقَّقَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ دَرَاهِمِهِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ. فَإِنْ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْبَائِعِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهَا دَرَاهِمُهُ وَمَا خَلَطَهَا بِسِوَاهَا وَلَزِمَهُ بَدَلُهَا، فَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ لَمْ يَدْفَعْهَا مَالِكُهَا وَإِنَّمَا دَفَعَهَا وَكِيلُهُ رُدَّتْ عَلَى الْوَكِيلِ فَإِنْ عَرَفَهَا الْوَكِيلُ لَزِمَتْ الْمُوَكِّلَ أَنْكَرَهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَمِينُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا الْوَكِيلُ وَقَبِلَهَا حَلَفَ الْمُوَكِّلُ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ وَمَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ وَيَبْرَأُ، وَلِلَّذِي يَرُدُّهَا أَنْ يُحَلِّفَ الْآمِرَ مَا يَعْرِفُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ وَمَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ وَتَسْقُطُ دَعْوَى الرَّدِّ، وَهَلْ يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُوَكِّلِ أَوْ بِيَمِينِ الْوَكِيلِ فِيهِ خِلَافٌ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. فَرْعٌ: وَدَعْوَى النَّقْصِ أَيْضًا كَذَلِكَ، إنْ تَقَيَّدَ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ قَبَضَهَا تَامَّةً، لَمْ يَحْلِفْ لَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ دَفَعَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى التَّصْدِيقِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ. فَرْعٌ: لَوْ قَامَ لِلْمَيِّتِ شَاهِدٌ بِحَقٍّ وَوَارِثُهُ أَخْرَسُ لَا يَفْهَمُ وَلَا يُفْهَمُ عَنْهُ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ وَيَبْرَأُ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ. وَمَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ يَخْرُجُ ذِكْرُهَا عَنْ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ اسْتَقْصَيْت مِنْهَا جُمْلَةً نَافِعَةً وَأَفْرَدَتْهَا فِي تَأْلِيفٍ تَرْجَمَتُهُ بِبُرُوقِ الْأَنْوَارِ الْمُوَضِّحَةِ لِأَنْوَاعِ طَرِيقِ الدَّعْوَى. [الْبَابُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ اللَّوْثِ وَأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ] اللَّوْثُ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْوُجُوهُ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّلْوِيثُ وَالتَّلْطِيخُ فِي الدِّمَاءِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَمَعَ كَثْرَتِهَا لَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى التَّمَكُّنِ مِنْ الدُّعَاءِ لِعِظَمِ خَطَرِهَا وَرَفِيعِ قَدْرِهَا، فَوَجَبَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا إلَّا أَنَّ فِيهَا مَا لَهُ قُوَّةٌ لِأَجْلِ مَا احْتَفَّ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ الْحَامِلَةِ عَلَى صِدْقِ مُدَّعِيه، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ مَا يُقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَعِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ اللَّوْثَ هُوَ

стр. 388

الشَّاهِدُ الْعَدْلُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَوِّي جِهَةَ الْمُدَّعِينَ، وَلَا تَأْثِيرَ فِي نَقْلِ الْيَمِينِ إلَى جِهَةِ الْمُدَّعِينَ، وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَوَافَقَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقْسِمُ مَعَ الشَّاهِدِ غَيْرِ الْعَدْلِ وَمَعَ الْمَرْأَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ وَالذِّمِّيَّ لَيْسَ بِلَوْثٍ وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَهُوَ اخْتِيَارُهُ أَنَّهُ لَوْثٌ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَالَةُ، كَاَلَّذِي يَقُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، بَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا. وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ: وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَدْلٍ، وَقِيلَ يُقْسِمُ مَعَ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْقَوْمِ لَيْسُوا بِعُدُولٍ. فَإِذَا وَقَعَتْ الْقَسَامَةُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ فِيهِ بِالْجَوَازِ اسْتَحَقَّ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الدَّمَ، قَالَ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوَدَ إنَّمَا وَجَبَ بِمُجَرَّدِ الْقَسَامَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا حُكْمَ لِلشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي ثُبُوتِ الْقَوَدِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَبَدَانِ الَّتِي لَا تُسْتَحَقُّ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَإِنَّمَا الْوَاحِدُ لَوْثٌ وَلَطْخٌ يُقَوِّي الدَّعْوَى فِي إبَاحَةِ الْقَسَامَةِ لَا عَلَى جِهَةِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الَّذِي فِي حُقُوقِ الْأَمْوَالِ، وَلِذَلِكَ لَا يُقْبَلُ فِي قَسَامَةِ الْعَمْدِ إلَّا رَجُلَانِ فَصَاعِدًا، وَلَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلنِّسَاءِ، وَلَا حُكْمَ لِلْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُمَا أُقِيمَا فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ بِإِثْبَاتِهِمَا مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ بِخِلَافِ الْقَسَامَةِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ لَوْثٌ لَا نِصْفَ شَهَادَةٍ تَكْمُلُ بِالْيَمِينِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ اللَّوْثُ بِغَيْرِ الْعَدْلِ وَبِاللَّفِيفِ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَطْخٌ لَا شَهَادَةٌ. وَالْقَسَامَةُ فِي هَذَا الْبَابِ أَصْلٌ مُخَصَّصٌ لِنَفْسِهِ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُرَاقُ دَمُ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ الْعَدْلِ.

стр. 389

وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمَعُونَةِ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُ شَهَادَةَ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ لَوْثًا، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. مَسْأَلَةٌ وَإِذَا قَالَ الْمَيِّتُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهَا شُبْهَةٌ يُقْسِمُ الْأَوْلِيَاءُ مَعَهَا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِ الصَّبِيِّ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَاهَقَ فَيُقْسِمُ مَعَ قَوْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَأَلْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ عَنْ الْعَبْدِ أَوْ الصَّبِيِّ يَقُولُ أَحَدُهُمَا عِنْدَ مَوْتِهِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ قَتَلَنِي وَيُسَمِّي رَجُلًا حُرًّا، قَالَ أَرَى أَنْ يُسْجَنَ بِقَوْلِهِ حَتَّى يُسْتَبْرَأ أَمْرُهُ وَيُكْشَفَ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ قِبَلَهُ شَيْءٌ حَلَفَ عَلَى دَعْوَى الْعَبْدِ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَعَلَى دَعْوَى الصَّبِيِّ خَمْسِينَ يَمِينًا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَأَلْت أَصْبَغَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: رَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ كِنَانَةَ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَلَسْت آخُذُ بِهَا، وَقَوْلُ الْعَبْدِ هَدَرٌ وَلَا ضَرْبَ فِيهِ وَلَا سِجْنَ وَلَا يَمِينَ لِلسَّيِّدِ وَلَا قِيمَةَ، إلَّا أَنِّي أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا لِحُرْمَةِ الدَّمِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ حَتَّى يُسْتَبْرَأَ أَمْرُهُ وَلَا يُضْرَبُ لِنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ وُجُوبًا تَامًّا، وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالسُّوءِ، وَأَمَّا الْمُتَّهَمُ فَحُكْمُهُ مَذْكُورٌ فِي الْأَحْكَامِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ النَّوَادِرِ. تَنْبِيهٌ وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ حُكْمُ الْقَتْلِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْغِيلَةِ، فَأَمَّا قَتْلُ الْغِيلَةِ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ شَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً لَمْ يُقْسِمْ مَعَ شَهَادَتِهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي هَذَا إلَّا شَاهِدَانِ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَأَيْت لِيَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يُقْسِمُ مَعَهُ. مِنْ الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُدْمَى أَثَرُ جَرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الضَّرْبَ الْمُدْمِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ بِأَثَرٍ بَيِّنٍ. وَقَالَ أَصَبْغُ: يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِهِ كَانَ بِهِ أَثَرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْحُكْمُ. تَنْبِيهٌ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُدْمِي بِهَذِهِ التَّدْمِيَةِ سِجْنٌ وَلَا شَيْءٌ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُدْمَى أَثَرُ جَرْحٍ وَلَا ضَرْبٍ، إلَّا أَنْ

стр. 390

يَمُوتَ الْمُدْمَى قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ بُرْؤُهُ فَيُسْجَنُ حِينَئِذٍ الْمُدْمَى عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَاجِيُّ فِي وَثَائِقِهِ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْعَدْلَ يُسْجَنُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيْسَ بِهِ عَمَلٌ وَلَا قَضَاءٌ. فَرْعٌ وَتَجِبُ الْقَسَامَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ وَإِنْ لَمْ يَرَ الشُّهُودُ جِرَاحًا وَلَا أَثَرَ ضَرْبٍ، وَإِنَّمَا سَمِعُوا مِنْهُ قَوْلَهُ وَقَوْلُهُ مَقْبُولٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِهَا الْحُكْمُ وَعَلَيْهَا الْعَمَلُ. فَرْعٌ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا كَانَ مُرَاهِقًا وُجِّهَتْ الْقَسَامَةُ مَعَ قَوْلِهِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ. مَسْأَلَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَارِيخِهِ وَقَدْ كَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى يَرَى السَّجْنَ عَلَى مَنْ أَدْمَى عَلَيْهِ وَيُفْتِي بِهِ حَتَّى نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ فَرَجَعَ عَنْ فَتْوَاهُ بِذَلِكَ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ أَخْبَارَ فُقَهَاءِ الْأَنْدَلُسِ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ شَيْخَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ زَرْبٍ وَشَيْخَ الْفَقِيهِ أَبِي زَمَنِينَ وَغَيْرِهِمَا كَانَ لَهُ حَقْلٌ يُجَاوِرُهُ حَقْلُ جَارِهِ، وَكَانَ حَرِيصًا أَنْ يُضِيفَ حَقْلَ جَارِهِ إلَى حَقْلِهِ فَاحْتَالَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِكُلِّ حِيلَةٍ وَاسْتَعْمَلَ كُلَّ وَسِيلَةٍ فَأَبَى صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُجِبْهُ إلَيْهِ، إلَى أَنْ اعْتَلَّ وَمَرِضَ فَجَاءَهُ اللُّؤْلُؤِيُّ زَائِرًا مُسْتَعْطِفًا مُحْتَفِيًا بِهِ فَأَظْهَرَ لَهُ الرَّجُلُ السُّرُورَ بِعِيَادَتِهِ وَالشُّكْرَ عَلَى مُشَارَكَتِهِ، وَأَظْهَرَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَطْمَعَ اللُّؤْلُؤِيَّ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَقْلِ، فَكَلَّمَهُ فِيهِ وَرَغَّبَ إلَيْهِ فِي تَصْيِيرِهِ لَهُ بِمَا رَسَمَ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ مُعَاوَضَةٍ فَأَظْهَرَ لَهُ الْإِسْعَافَ لَمَّا رَأَى مِنْهُ الْإِلْحَافَ. وَقَالَ لَهُ أَشْهِدْ عَلَيَّ بِذَلِكَ مَنْ شِئْت مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنْ أَسْتَقِلَّ فَتَبْلُغَ مَا تُحِبُّهُ فَسُرَّ اللُّؤْلُؤِيُّ بِذَلِكَ، وَجَاءَ بِعِدَّةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَصْحَابِهِ وَأَدْخَلَهُمْ عَلَيْهِ وَإِذَا بِهِ قَدْ أَظْهَرَ انْهِدَامَ الْقُوَّةِ وَضَعْفَ النُّطْقِ فَدَنَا الْفَقِيهُ وَقَالَ لَهُ يَا فُلَانُ أَشْهِدْ الْفُقَهَاءَ حَفِظَهُمْ اللَّهُ عَلَى بَيْعِك مِنِّي الْحَقْلَ فَقَالَ لَهُمْ أُشْهِدُكُمْ أَنَّ الْفَقِيهَ اللُّؤْلُؤِيَّ هَذَا قَتَلَنِي مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِي وَأَنَّهُ الْمَأْخُوذُ بِدَمِي، فَإِنْ حَدَثَ بِي مَوْتٌ اسْتَقِيدُوا مِنْهُ لِي فَفِي عُنُقِهِ دَمِي، وَأَنْتُمْ رُهَنَاءُ بِالصِّدْقِ عَنِّي فَدَهِشَ الْفَقِيهُ وَمَنْ مَعَهُ وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ يَسْتَثْبِتُ ذِهْنَهُ وَيُذَكِّرُهُ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَيُخَوِّفَهُ اللَّهَ
следующие страницы →