← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْمَأْمُورُ السِّلْعَةَ بِعَشَرَةٍ، وَقَالَ الْآمِرُ: مَا أَمَرْتُك إلَّا بِاثْنَيْ عَشَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَمْرِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الْعَشَرَةُ، وَلَا يَحْلِفُ الْمَأْمُورُ، وَقِيلَ يَحْلِفُ فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ. مَسْأَلَةٌ: إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي عَدَدِ الصَّدَاقِ بَعْدَ الْبِنَاءِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّهَا مَكَّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَصَارَتْ مُدَّعِيَةً عَلَيْهِ، وَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِدَيْنٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ نَكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ بِزَوْجِهَا جُنُونًا وَأَنْكَرَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى الْمُشْتَرِي الْإِقَالَةَ فَأَقَرَّ لَهُ الْبَائِعُ بِذَلِكَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَقَالَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا أَقَالَهُ إلَّا بِمِثْلِ الثَّمَنِ. مَسْأَلَةٌ: لَوْ قَالَ مَنْ بِيَدِهِ الدَّارِ أَعَرْتنِي هَذِهِ الدَّارَ وَقَالَ رَبُّهَا: بَلْ بِعْتُكَهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْعَارِيَّةِ مَعَ يَمِينِهِ. مَسْأَلَةٌ: إذَا تَدَاعَى رَجُلَانِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ هَلْ كَانَ أَوْ لَمْ يَكُنْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيْعَ أَوْ الشِّرَاءَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ بِيَدِ صَاحِبِهَا. مَسْأَلَةٌ: إذَا أَشْهَدَ الْبَائِعُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ ثُمَّ قَالَ: إنَّمَا فَعَلْت ذَلِكَ ثِقَةً بِالْمُبْتَاعِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَالْمُشْتَرِي مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَ الْمُبْتَاعِ عَلَى دَفْعِ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. فَرْعٌ: إذَا أَشْهَدَ الْمُبْتَاعُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّ لِفُلَانٍ فِي ذِمَّتِهِ كَذَا مِنْ ثَمَنِ كَذَا ثُمَّ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ يَطْلُبُ الْمَبِيعَ فَهُوَ مُدَّعٍ، وَإِشْهَادُهُ بِذَلِكَ مُقْتَضٍ لِلْقَبْضِ عُرْفًا وَالْبَائِعُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالشَّاذُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ عَادَةً فَرَجَعَ إلَيْهَا وَعَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَوْ طَلَبَ الْمُشْتَرِي يَمِينَ الْبَائِعِ فَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ نَفْيَ الْيَمِينِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ أَوْ يَتَّهِمَ الْبَائِعَ فَيَحْلِفَ.

стр. 387

مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ وَجَدَ الدَّرَاهِمَ زُيُوفًا فَإِنْ تَقَيَّدَ عَلَيْهِ أَنَّهَا طَيِّبَةٌ فَالْبَائِعُ مُدَّعٍ، وَالْمُشْتَرِي مُدَّعًى عَلَيْهِ فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ تَحْلِيفُ الْمُبْتَاعِ لِإِقْرَارِهِ بِقَبْضِهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ طَيِّبَةً جِيَادًا، وَإِنْ سَقَطَ هَذَا مِنْ الْعَقْدِ حَلَفَ لَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ إنْ قَالَ الْمُبْتَاعُ مَا عَلِمْتهَا مِنْ دَرَاهِمِي حَلَفَ لَقَدْ دَفَعْت لَهُ جِيَادًا فِي عِلْمِي، وَمَا عَلِمْت هَذِهِ مِنْ دَرَاهِمِي فَإِنْ حَقَّقَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ دَرَاهِمِهِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ. فَإِنْ رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْبَائِعِ حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ أَنَّهَا دَرَاهِمُهُ وَمَا خَلَطَهَا بِسِوَاهَا وَلَزِمَهُ بَدَلُهَا، فَإِنْ كَانَتْ الدَّرَاهِمُ لَمْ يَدْفَعْهَا مَالِكُهَا وَإِنَّمَا دَفَعَهَا وَكِيلُهُ رُدَّتْ عَلَى الْوَكِيلِ فَإِنْ عَرَفَهَا الْوَكِيلُ لَزِمَتْ الْمُوَكِّلَ أَنْكَرَهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ أَمِينُهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا الْوَكِيلُ وَقَبِلَهَا حَلَفَ الْمُوَكِّلُ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ وَمَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ وَيَبْرَأُ، وَلِلَّذِي يَرُدُّهَا أَنْ يُحَلِّفَ الْآمِرَ مَا يَعْرِفُهَا مِنْ دَرَاهِمِهِ وَمَا أَعْطَاهُ إلَّا جِيَادًا فِي عِلْمِهِ وَتَسْقُطُ دَعْوَى الرَّدِّ، وَهَلْ يَبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُوَكِّلِ أَوْ بِيَمِينِ الْوَكِيلِ فِيهِ خِلَافٌ، وَاخْتَارَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. فَرْعٌ: وَدَعْوَى النَّقْصِ أَيْضًا كَذَلِكَ، إنْ تَقَيَّدَ عَلَى الْبَائِعِ أَنَّهُ قَبَضَهَا تَامَّةً، لَمْ يَحْلِفْ لَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ دَفَعَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى التَّصْدِيقِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ. فَرْعٌ: لَوْ قَامَ لِلْمَيِّتِ شَاهِدٌ بِحَقٍّ وَوَارِثُهُ أَخْرَسُ لَا يَفْهَمُ وَلَا يُفْهَمُ عَنْهُ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ وَيَبْرَأُ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ. وَمَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ يَخْرُجُ ذِكْرُهَا عَنْ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ اسْتَقْصَيْت مِنْهَا جُمْلَةً نَافِعَةً وَأَفْرَدَتْهَا فِي تَأْلِيفٍ تَرْجَمَتُهُ بِبُرُوقِ الْأَنْوَارِ الْمُوَضِّحَةِ لِأَنْوَاعِ طَرِيقِ الدَّعْوَى. [الْبَابُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ اللَّوْثِ وَأَيْمَانِ الْقَسَامَةِ] اللَّوْثُ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْوُجُوهُ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّلْوِيثُ وَالتَّلْطِيخُ فِي الدِّمَاءِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، وَمَعَ كَثْرَتِهَا لَا يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى التَّمَكُّنِ مِنْ الدُّعَاءِ لِعِظَمِ خَطَرِهَا وَرَفِيعِ قَدْرِهَا، فَوَجَبَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا إلَّا أَنَّ فِيهَا مَا لَهُ قُوَّةٌ لِأَجْلِ مَا احْتَفَّ بِهِ مِنْ الْقَرَائِنِ الْحَامِلَةِ عَلَى صِدْقِ مُدَّعِيه، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ مَا يُقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَعِنْدَ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ اللَّوْثَ هُوَ

стр. 388

الشَّاهِدُ الْعَدْلُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَوِّي جِهَةَ الْمُدَّعِينَ، وَلَا تَأْثِيرَ فِي نَقْلِ الْيَمِينِ إلَى جِهَةِ الْمُدَّعِينَ، وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِمَا قَالَهُ مَالِكٌ وَوَافَقَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُقْسِمُ مَعَ الشَّاهِدِ غَيْرِ الْعَدْلِ وَمَعَ الْمَرْأَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ وَالذِّمِّيَّ لَيْسَ بِلَوْثٍ وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَهُوَ اخْتِيَارُهُ أَنَّهُ لَوْثٌ فَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِ الْعَدَالَةُ، كَاَلَّذِي يَقُولُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، بَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَلَوْ كَانَ فَاسِقًا. وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ: وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْقَسَامَةَ لَا تَجِبُ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَدْلٍ، وَقِيلَ يُقْسِمُ مَعَ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْقَوْمِ لَيْسُوا بِعُدُولٍ. فَإِذَا وَقَعَتْ الْقَسَامَةُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ فِيهِ بِالْجَوَازِ اسْتَحَقَّ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ الدَّمَ، قَالَ: وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَوَدَ إنَّمَا وَجَبَ بِمُجَرَّدِ الْقَسَامَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا حُكْمَ لِلشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي ثُبُوتِ الْقَوَدِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَبَدَانِ الَّتِي لَا تُسْتَحَقُّ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَإِنَّمَا الْوَاحِدُ لَوْثٌ وَلَطْخٌ يُقَوِّي الدَّعْوَى فِي إبَاحَةِ الْقَسَامَةِ لَا عَلَى جِهَةِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ الَّذِي فِي حُقُوقِ الْأَمْوَالِ، وَلِذَلِكَ لَا يُقْبَلُ فِي قَسَامَةِ الْعَمْدِ إلَّا رَجُلَانِ فَصَاعِدًا، وَلَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلنِّسَاءِ، وَلَا حُكْمَ لِلْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُمَا أُقِيمَا فِي ثُبُوتِ الْحَقِّ بِإِثْبَاتِهِمَا مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ بِخِلَافِ الْقَسَامَةِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ لَوْثٌ لَا نِصْفَ شَهَادَةٍ تَكْمُلُ بِالْيَمِينِ، فَكَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ اللَّوْثُ بِغَيْرِ الْعَدْلِ وَبِاللَّفِيفِ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؛ لِأَنَّهُ لَطْخٌ لَا شَهَادَةٌ. وَالْقَسَامَةُ فِي هَذَا الْبَابِ أَصْلٌ مُخَصَّصٌ لِنَفْسِهِ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ عَلَى مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُقُوقِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْقَسَامَةُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُرَاقُ دَمُ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ الْعَدْلِ.

стр. 389

وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْمَعُونَةِ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَجْعَلُ شَهَادَةَ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ لَوْثًا، وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ. مَسْأَلَةٌ وَإِذَا قَالَ الْمَيِّتُ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهَا شُبْهَةٌ يُقْسِمُ الْأَوْلِيَاءُ مَعَهَا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَا يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِ الصَّبِيِّ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَاهَقَ فَيُقْسِمُ مَعَ قَوْلِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَأَلْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ عَنْ الْعَبْدِ أَوْ الصَّبِيِّ يَقُولُ أَحَدُهُمَا عِنْدَ مَوْتِهِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ قَتَلَنِي وَيُسَمِّي رَجُلًا حُرًّا، قَالَ أَرَى أَنْ يُسْجَنَ بِقَوْلِهِ حَتَّى يُسْتَبْرَأ أَمْرُهُ وَيُكْشَفَ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ قِبَلَهُ شَيْءٌ حَلَفَ عَلَى دَعْوَى الْعَبْدِ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَعَلَى دَعْوَى الصَّبِيِّ خَمْسِينَ يَمِينًا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَأَلْت أَصْبَغَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: رَوَى أَشْهَبُ وَابْنُ كِنَانَةَ ذَلِكَ رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَلَسْت آخُذُ بِهَا، وَقَوْلُ الْعَبْدِ هَدَرٌ وَلَا ضَرْبَ فِيهِ وَلَا سِجْنَ وَلَا يَمِينَ لِلسَّيِّدِ وَلَا قِيمَةَ، إلَّا أَنِّي أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمْسِينَ يَمِينًا لِحُرْمَةِ الدَّمِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ حَتَّى يُسْتَبْرَأَ أَمْرُهُ وَلَا يُضْرَبُ لِنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ وُجُوبًا تَامًّا، وَهَذَا فِيمَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالسُّوءِ، وَأَمَّا الْمُتَّهَمُ فَحُكْمُهُ مَذْكُورٌ فِي الْأَحْكَامِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ النَّوَادِرِ. تَنْبِيهٌ وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ حُكْمُ الْقَتْلِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْغِيلَةِ، فَأَمَّا قَتْلُ الْغِيلَةِ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ إنْ شَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً لَمْ يُقْسِمْ مَعَ شَهَادَتِهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي هَذَا إلَّا شَاهِدَانِ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَأَيْت لِيَحْيَى بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يُقْسِمُ مَعَهُ. مِنْ الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُدْمَى أَثَرُ جَرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ الضَّرْبَ الْمُدْمِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ بِأَثَرٍ بَيِّنٍ. وَقَالَ أَصَبْغُ: يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِهِ كَانَ بِهِ أَثَرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْحُكْمُ. تَنْبِيهٌ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُدْمِي بِهَذِهِ التَّدْمِيَةِ سِجْنٌ وَلَا شَيْءٌ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُدْمَى أَثَرُ جَرْحٍ وَلَا ضَرْبٍ، إلَّا أَنْ

стр. 390

يَمُوتَ الْمُدْمَى قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ بُرْؤُهُ فَيُسْجَنُ حِينَئِذٍ الْمُدْمَى عَلَيْهِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَاجِيُّ فِي وَثَائِقِهِ: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْعَدْلَ يُسْجَنُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيْسَ بِهِ عَمَلٌ وَلَا قَضَاءٌ. فَرْعٌ وَتَجِبُ الْقَسَامَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ بِقَوْلِ الْمَقْتُولِ وَإِنْ لَمْ يَرَ الشُّهُودُ جِرَاحًا وَلَا أَثَرَ ضَرْبٍ، وَإِنَّمَا سَمِعُوا مِنْهُ قَوْلَهُ وَقَوْلُهُ مَقْبُولٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ بِهَا الْحُكْمُ وَعَلَيْهَا الْعَمَلُ. فَرْعٌ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا كَانَ مُرَاهِقًا وُجِّهَتْ الْقَسَامَةُ مَعَ قَوْلِهِ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ. مَسْأَلَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَارِيخِهِ وَقَدْ كَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى يَرَى السَّجْنَ عَلَى مَنْ أَدْمَى عَلَيْهِ وَيُفْتِي بِهِ حَتَّى نَزَلَ ذَلِكَ بِهِ فَرَجَعَ عَنْ فَتْوَاهُ بِذَلِكَ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَلَّفَ أَخْبَارَ فُقَهَاءِ الْأَنْدَلُسِ أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَحْمَدَ اللُّؤْلُؤِيُّ شَيْخَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ زَرْبٍ وَشَيْخَ الْفَقِيهِ أَبِي زَمَنِينَ وَغَيْرِهِمَا كَانَ لَهُ حَقْلٌ يُجَاوِرُهُ حَقْلُ جَارِهِ، وَكَانَ حَرِيصًا أَنْ يُضِيفَ حَقْلَ جَارِهِ إلَى حَقْلِهِ فَاحْتَالَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِكُلِّ حِيلَةٍ وَاسْتَعْمَلَ كُلَّ وَسِيلَةٍ فَأَبَى صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُجِبْهُ إلَيْهِ، إلَى أَنْ اعْتَلَّ وَمَرِضَ فَجَاءَهُ اللُّؤْلُؤِيُّ زَائِرًا مُسْتَعْطِفًا مُحْتَفِيًا بِهِ فَأَظْهَرَ لَهُ الرَّجُلُ السُّرُورَ بِعِيَادَتِهِ وَالشُّكْرَ عَلَى مُشَارَكَتِهِ، وَأَظْهَرَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَطْمَعَ اللُّؤْلُؤِيَّ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَقْلِ، فَكَلَّمَهُ فِيهِ وَرَغَّبَ إلَيْهِ فِي تَصْيِيرِهِ لَهُ بِمَا رَسَمَ مِنْ ثَمَنٍ أَوْ مُعَاوَضَةٍ فَأَظْهَرَ لَهُ الْإِسْعَافَ لَمَّا رَأَى مِنْهُ الْإِلْحَافَ. وَقَالَ لَهُ أَشْهِدْ عَلَيَّ بِذَلِكَ مَنْ شِئْت مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنْ أَسْتَقِلَّ فَتَبْلُغَ مَا تُحِبُّهُ فَسُرَّ اللُّؤْلُؤِيُّ بِذَلِكَ، وَجَاءَ بِعِدَّةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَصْحَابِهِ وَأَدْخَلَهُمْ عَلَيْهِ وَإِذَا بِهِ قَدْ أَظْهَرَ انْهِدَامَ الْقُوَّةِ وَضَعْفَ النُّطْقِ فَدَنَا الْفَقِيهُ وَقَالَ لَهُ يَا فُلَانُ أَشْهِدْ الْفُقَهَاءَ حَفِظَهُمْ اللَّهُ عَلَى بَيْعِك مِنِّي الْحَقْلَ فَقَالَ لَهُمْ أُشْهِدُكُمْ أَنَّ الْفَقِيهَ اللُّؤْلُؤِيَّ هَذَا قَتَلَنِي مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِي وَأَنَّهُ الْمَأْخُوذُ بِدَمِي، فَإِنْ حَدَثَ بِي مَوْتٌ اسْتَقِيدُوا مِنْهُ لِي فَفِي عُنُقِهِ دَمِي، وَأَنْتُمْ رُهَنَاءُ بِالصِّدْقِ عَنِّي فَدَهِشَ الْفَقِيهُ وَمَنْ مَعَهُ وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ يَسْتَثْبِتُ ذِهْنَهُ وَيُذَكِّرُهُ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَيُخَوِّفَهُ اللَّهَ

стр. 391

تَعَالَى وَيَعِظُهُ وَسَلَكَ أَصْحَابُهُ سَبِيلَهُ فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ، فَخَرَجُوا عَنْهُ وَسَأَلَهُمْ اللُّؤْلُؤِيُّ أَنْ يَتَوَقَّفُوا عَلَيْهِ سَاعَةً بِالْبَابِ فَيَخْلُو بِهِ، فَفَعَلُوا وَتَفَرَّدَ وَعَذَلَهُ وَقَالَ لَهُ تَعْصِي اللَّهَ فِي أَمْرِي وَتَدَّعِي عَلَيَّ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَقَالَ لَهُ وَهَلْ قُلْتُ إلَّا مَا فَعَلْتُ دَخَلْتَ عَلَيَّ وَأَنَا أَحْسِبُكَ عَائِدًا مُشْفِقًا فَسُرِرْتُ بِذَلِكَ وَإِذَا بِكَ بَاغِي فُرْصَةٍ فَلَمَّا مَسَّتْنِي فِي سُوَيْدَاءِ قَلْبِي فِي أَمْرِ هَذَا الْحَقْلِ الْمَشْئُومِ بِمَا تَعْلَمُ كَرَاهِيَتَهُ إلَيَّ فَهَلْ أَرَدْتَ إلَّا قَتْلِي إذْ طَلَبْتَ أَخْذَ كَرِيمَةَ مَالِي، فَاعْتَذَرَ إلَيْهِ اللُّؤْلُؤِيُّ وَقَالَ أَنَا تَائِبٌ مُعْتَرِفٌ بِخَطَئِي. فَاتَّقِ اللَّهَ وَرَاجِعْ عَقْلَكَ، وَارْجِعْ عَمَّا عَقَدْتَهُ، فَمَا تَدْرِي مَا يَئُولُ حَالُكَ إلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ وَقَالَ أَمَا وَقَدْ صِرْتَ إلَى هَذِهِ الْإِنَابَةِ فَاحْلِفْ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ أَنَّك لَا تَلْتَمِسُ هَذَا الْحَقْلَ فِي حَيَاتِي وَلَا بَعْدَ مَمَاتِي، وَلَا تَسْعَى لِمِلْكِهِ وَلَا تُصَيِّرُهُ إلَيْك بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَنْ تُحَرِّمَهُ عَلَى نَفْسِك وَلَوْ صَارَ إلَيْك بِالْمِيرَاثِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنَّك لَا تَهُمُّ مَعَ ذَلِكَ بِمَسَاءَةٍ وَلَا تَحْقِدُ عَلَيَّ ذَلِكَ وَلَا عَلَى ذُرِّيَّتِي، فَحَلَفَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَتَوَثَّقَ مِنْهُ فِيهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَذِنَ لَهُ بِإِدْخَالِ الشُّهُودِ الْفُقَهَاءِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَهْدَرَ عَنْهُ تَبِعَةَ دَمِهِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَهُ اللُّؤْلُؤِيُّ إنَّمَا أُرِيدُ أَنْ تُكَذِّبَ نَفْسَك وَتَعُودَ إلَى الْحَقِّ فَقَالَ لَهُ هَذَا هُوَ الْحَقُّ فَإِنْ أَقْنَعَك هَذَا وَإِلَّا فَأَنَا عَلَى مَا عُقْدَتُهُ عَلَيْك، فَرَضِيَ مِنْهُ اللُّؤْلُؤِيُّ بِذَلِكَ، وَتَوَثَّقَ مِنْهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ وَاِتَّخَذَ حَدِيثَهُ مَوْعِظَةً اعْتَقَدَ بِهَا أَنْ لَا يُفْتِيَ بِتَدْمِيَةٍ بَعْدَهَا. فَرْعٌ وَفِي (الْمُتَيْطِيَّةِ) وَالتَّدْمِيَةُ عَلَى عَيْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَتَمُّ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ وَكَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفَ الْعَيْنِ مَشْهُورًا أَوْ عَرَفَهُ شُهُودُ التَّدْمِيَةِ فَذَلِكَ أَيْضًا تَامٌّ. فَرْعٌ: وَإِذَا ثَبَتَتْ التَّدْمِيَةُ وَلَمْ يَبْرَأْ مِمَّا بِهِ فِي عِلْمِ الشُّهُودِ وَأَثْبَتَ الْقَائِمُ بِالتَّدْمِيَةِ وَكَالَةَ الْمُدْمِي، وَشَهِدَ عَلَى عَيْنِ الْمُدْمَى عَلَيْهِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَوْ بِتَعْرِيفِ الْمُدْمَى لَهُمْ بِهِ فِي التَّدْمِيَةِ عَلَيْهِ عَلَى عَيْنِهِ، وَجَبَ سَجْنُ الْمُدْمَى عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ الْمَعْمُولِ بِهِ حَتَّى يَبْرَأَ الْمُدْمَى فَيُطْلَقُ، أَوْ يَمُوتُ الْمُدْمَى عَلَى تِلْكَ الْحَالِ قَبْلَ أَنْ يَصِحَّ صِحَّةً بَيِّنَةً فَيُقْسِمُ الْوَرَثَةُ وَيَسْتَقِيدُوا بَعْدَ ثُبُوتِ التَّدْمِيَةِ وَمَوْتِهِ وَعِدَّةِ وَرَثَتِهِ. فَرْعٌ وَإِذَا اضْطَرَبَ قَوْلُ الْجَرِيحِ فَرَمَى رَجُلًا ثُمًّ بَرَّأَهُ وَرَمَى آخَرَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ وَأَشْهَبُ: لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي الْأَوَّلِ وَلَا فِي الْآخِرِ،

стр. 392

وَبِهَذَا جَرَى الْحُكْمُ وَعَلَيْهِ الْفُتْيَا. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيُؤْخَذُ بِآخِرِ قَوْلَيْهِ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى طَلَبِ الْأَوَّلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. فَرْعٌ قَالَ أَصَبْغُ: فَإِنْ قَالَ بِي فُلَانٌ لَيْسَ بِي غَيْرُهُ فَلَا سَبِيلَ إلَى مَنْ رَمَاهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَيْسَ بِي غَيْرُهُ فَالْأَوَّلُ وَالْآخِرُ سَوَاءٌ، يُقْسِمُ وُلَاةُ الدَّمِ عَلَى أَحَدِهِمَا إنْ شَاءُوا، فَيُقْتَلُ وَيُجْلَدُ الْآخَرُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ. فَرْعٌ فَإِنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِبَلَدٍ بَعِيدٍ لَا يَصِلُ مِنْهُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ إلَى مَوْضِعِ الْمُدْمَى سَقَطَتْ التَّدْمِيَةُ، وَتَبَيَّنَ كَذِبُ الْمُدَّعِي، وَكَانَتْ الشَّهَادَةُ أَعْمَلَ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَغَيْرُهُمَا. مَسْأَلَةٌ وَمِنْ اللَّوْثِ الَّذِي يُوجِبُ الْقِصَاصَ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا رَجُلًا خَرَجَ مُسْتَتِرًا مِنْ دَارٍ فِي حَالٍ رَثَّةٍ فَاسْتَنْكَرَا ذَلِكَ، فَدَخَلَ الْعُدُولُ مِنْ سَاعَتِهِمْ الدَّارَ فَوَجَدُوا قَتِيلًا يَسِيلُ دَمُهُ وَلَا أَحَدَ فِي الدَّارِ غَيْرَهُ وَغَيْرَ الْخَارِجِ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ جَائِزَةٌ يُقْطَعُ الْحُكْمُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ رَأَى الْعُدُولُ الْمُتَّهَمَ يُجَرِّدُ الْمَقْتُولَ وَيُعَرِّيهِ وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ حِينَ صَابَهُ فَإِنَّ هَذَا لَوْثٌ تَجِبُ مَعَهُ الْقَسَامَةُ. مَسْأَلَةٌ وَفِي (الْجَلَّابِ) وَإِذَا وُجِدَ رَجُلٌ مَقْتُولٌ وَوُجِدَ رَجُلٌ بِقُرْبِهِ مَعَهُ سَيْفٌ أَوْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ آلَةِ الْقَتْلِ وَعَلَيْهِ آثَارُ الْقَتْلِ، فَذَلِكَ لَوْثٌ يُوجِبُ الْقَسَامَةَ لِوُلَاتِهِ. [فَصْلٌ فِي الْقَسَامَةِ] قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَالْقَسَامَةُ مُوجِبَةٌ مَعَ اللَّوْثِ لِلْقَتْلِ فِي الْعَمَدِ وَالدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ، وَلَا قَسَامَةَ فِي الْأَطْرَافِ وَلَا فِي الْجِرَاحِ وَلَا فِي الْعَبِيدِ وَلَا فِي الْكُفَّارِ، وَصِفَةُ الْقَسَامَةِ أَنْ يَحْلِفَ الْأَوْلِيَاءُ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّ فُلَانًا قَتَلَ وَلِيَّنَا فُلَانًا أَوْ أَنَّهُ ضَرَبَهُ وَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ إنْ كَانَ قَدْ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُقْتَصَرُ عَلَى قَوْلِهِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ يَزِيدُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَيَحْلِفُونَ فِي

стр. 393

الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ وَفِي غَيْرِهَا بِالْجَامِعِ قِيَامًا دُبُرَ الصَّلَاةِ بِمَحْضَرِ النَّاسِ، وَيُؤْتَى إلَى الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مِنْ مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَإِلَى سَائِرِ الْأَمْصَارِ مِنْ مَسِيرَةِ عَشَرَةِ أَمْيَالٍ. مَسْأَلَةٌ وَيَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ مِنْ الرِّجَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَيَحْلِفُ فِي الْخَطَأِ الْمُكَلَّفُونَ مِنْ الْوَرَثَةِ رِجَالًا وَنِسَاءً عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ. فَرْعٌ وَلَا قَسَامَةَ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ إذْ تَحْلِيفُ بَيْتِ الْمَالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. مَسْأَلَةٌ وَلَا قَسَامَةَ إلَّا بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ، وَلَا يُقْسِمُ مِنْ الْقَبِيلَةِ إلَّا مَنْ الْتَقَى مَعَهُ فِي نَسَبٍ ثَابِتٍ. فَرْعٌ وَلَا يُقْسِمُ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ، وَلَكِنْ تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا فَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَمُوتَ. مَسْأَلَةٌ: إذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً وَكَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً وَاسْتَحَقَّ الدِّيَةَ كَانَ ذَكَرًا، أَوْ نِصْفَهَا إنْ كَانَتْ أُنْثَى، أَوْ ثُلُثَيْهَا إنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً وُزِّعَتْ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ، فَإِنْ تَرَكَ ذَكَرًا وَأُنْثَى حَلَفَ الذَّكَرُ ثُلُثَيْ الْخَمْسِينَ وَالْأُنْثَى ثُلُثَهَا فَإِنْ تَرَكَ ابْنَةً وَعَصَبَةً حَلَفَتْ الْبِنْتُ نِصْفَهَا وَالْعَصَبَةُ نِصْفَهَا فَإِنْ غَابَ الْوَلَدُ أَوْ الْعَصَبَةُ لَمْ تَأْخُذْ الِابْنَةُ حَظَّهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ تَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ حَلَفَ مَا يَخُصُّهُ أَوْ لَوْ كَانَ حَاضِرًا أَوْ أَخَذَ نَصِيبَهُ. مَسْأَلَةٌ وَإِذَا وُزِّعَتْ الْأَيْمَانُ فَبَقِيَ كَسْرٌ جُبِرَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ حَظًّا مِنْهُ وَقِيلَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ حَظًّا مِنْ الْأَيْمَانِ. مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ زَوْجَاتٍ وَبَنَاتٍ وَأَخَوَاتٍ فَعَلَى الزَّوْجَاتِ سِتَّةُ أَيْمَانٍ وَرُبْعُ يَمِينٍ، وَعَلَى الْبَنَاتِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، وَعَلَى الْأَخَوَاتِ عَشَرَةُ أَيْمَانٍ وَثَلَاثَةُ أَثْمَانٍ وَثُلُثُ ثُمُنٍ.

стр. 394

فَهَلْ تُجْبَرُ الْيَمِينُ الْمُنْكَسِرَةُ عَلَى الْأَخَوَاتِ؛ لِأَنَّ حَظَّهُنَّ مِنْ الْكَسْرِ أَكْثَرُ، أَوْ عَلَى الْبَنَاتِ؛ لِأَنَّ حَظَّهُنَّ مِنْ الْأَيْمَانِ أَكْثَرُ، اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَيَبْقَى عَلَى الزَّوْجَاتِ سِتَّةٌ، فَإِنْ كُنَّ أَرْبَعًا حَلَفْنَ يَمِينَيْنِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ يَمِينًا يَمِينًا، ثُمَّ يَحْلِفُ اثْنَتَانِ مِنْهُنَّ يَمِينًا يَمِينًا، وَيَبْقَى عَلَى الْبَنَاتِ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ إنْ قُلْنَا إنَّ الْأَخَوَاتِ يَجْبُرْنَ الْكَسْرَ. فَإِنْ كَانَتْ الْبَنَاتُ عَشْرًا حَلَفْنَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثُمَّ يَحْلِفُ ثَلَاثٌ مِنْهُنَّ يَمِينًا يَمِينًا عَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ، وَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفْنَ أَرْبَعًا أَرْبَعًا، وَيَكُونُ عَلَى الْأَخَوَاتِ إحْدَى عَشَرَةَ إنْ جُبِرَتْ الْيَمِينُ الْمُنْكَسِرَةُ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ كُنَّ عَشَرًا فَعَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ يَحْلِفْنَ يَمِينَيْنِ يَمِينَيْنِ، وَعَلَى مَذْهَبِ أَشْهَبَ يَمِينًا يَمِينًا، وَتَحْلِفُ وَاحِدَةٌ يَمِينًا، فَإِنْ وَقَعَ تَشَاحٌّ فِيمَنْ يَحْلِفُ الْيَمِينَ الزَّائِدَةَ فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ لَا يَجْبُرُ الْإِمَامُ عَلَيْهَا أَحَدًا، وَيُقَالُ لَهُنَّ لَا نُعْطِي وَاحِدَةً مِنْكُنَّ شَيْئًا إلَّا أَنْ تَحْلِفُوا بَقِيَّةَ الْأَيْمَانِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَقُولَ أَشْهَبُ مِثْلَ ذَلِكَ وَيُشْبِهُ أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُنَّ. فَرْعٌ وَلَوْ كَانَ عَدَدُهُمْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ اُجْتُزِئَ مِنْهُمْ بِخَمْسِينَ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَعَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ كُلَّهُمْ يَمِينًا يَمِينًا. مَسْأَلَةٌ وَلَا قَسَامَةَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَإِنْ تَحَاكَمُوا إلَيْنَا وَلَا يَقْسِمُ مَعَ قَوْلِ النَّصْرَانِيِّ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ ذِمِّيٍّ عَلَى ذِمِّيٍّ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَلَا عَبْدٍ عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا صَبِيٍّ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا عَلَى كَبِيرٍ، كَمَا لَيْسَ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ قَسَامَةٌ، وَعِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ يُقْسِمُ مَعَ قَوْلِ الصَّبِيِّ الْمُرَاهِقِ وَرَوَاهُ مَالِكٌ. فَرْعٌ وَإِنْ قَالَ الْعَبْدُ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ الْحُرِّ، فَلَا يَحْلِفُ سَيِّدُهُ لِيَسْتَحِقَّ دَمَهُ، وَاسْتُحْسِنَ أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ كَانَ حُرًّا، قَالَ أَشْهَبُ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَبْرَأُ، وَيُضْرَبُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ سَيِّدُ الْعَبْدِ يَمِينًا وَاحِدًا، وَاسْتَحَقَّ قِيمَةَ عَبْدِهِ مَعَ ضَرْبِ مِائَةٍ وَسَجْنِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينًا وَاحِدَةً وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يُضْرَبُ وَلَا يُسْجَنُ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ الْقِيمَةَ وَضُرِبَ مِائَةً وَسُجِنَ سَنَةً.

стр. 395

مَسْأَلَةٌ وَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، حَلَفَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ إنْ كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا خَمْسِينَ يَمِينًا مُتَوَالِيَةً عَلَى الْبَتِّ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، أَوْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي الْعَمْدِ، وَتَوْزِيعُ الْأَيْمَانِ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ وَيَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ، فَإِنْ شَاءُوا قَتَلُوا وَإِنْ شَاءُوا عَفَوْا. فَرْعٌ وَيَبْدَأُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ بِالْيَمِينِ، وَلَهُمْ أَنْ يَسْتَعِينُوا مِنْ عَصَبَةِ الْمَيِّتِ بِمَنْ يَحْلِفُ مَعَهُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ وِلَايَةٌ فِي الدَّمِ، مِثْلَ أَنْ يَتْرُكَ الْمَيِّتُ بَنِينَ وَإِخْوَةً وَعُمُومَةً فَالْوِلَايَةُ لِلْبَنِينَ، فَإِنْ شَاءُوا حَلَفُوا وَإِنْ شَاءُوا أَدْخَلُوا مَعَهُمْ إخْوَةَ الْمَيِّتِ وَعُمُومَتَهُ، فَحَلَفُوا عَنْهُمْ أَوْ حَلَفُوا مَعَهُمْ. فَرْعٌ: وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ وَاحِدًا لَمْ يَحْلِفْ وَحْدَهُ فِي الْعَمْدِ، وَلَكِنْ يَسْتَعِينُ مِنْ عَصَبَةِ الْمَيِّتِ بِمَنْ يَحْلِفُ مَعَهُ. فَرْعٌ وَفِي الرَّابِعِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ مِنْ النَّوَادِرِ أَنَّ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ تُرَدُّ فِي الْعَمْدِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ فِي الْخَطَأِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا تُرَدُّ الْقَسَامَةُ فِي الْخَطَأِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تُرَدُّ عَلَى مَعْرُوفِينَ وَلَا عَلَى مَنْ حَقَّ عَلَيْهِمْ حَقٌّ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ يَوْمَ تُعْرَضُ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِالرَّدِّ أَحَبُّ إلَيَّ، فَكَمَا طَلَبُوا لِيَغْرَمُوا كَذَلِكَ يُطْلَبُونَ لِيَحْلِفُوا، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهَا تُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَلْزَمْ عَاقِلَتَهُ شَيْءٌ بِنُكُولِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنْ حَلَفَ مِنْ الْعَاقِلَةِ بَرِئَ، وَمَنْ نَكَلَ غَرِمَ قَدْرَ مَا يُصِيبُهُ، وَمَسَائِلُ الْقَسَامَةِ مَحَلُّهَا كُتُبُ الْفِقْهِ. [الْبَابُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ] حَقِيقَةُ اللِّعَانِ: يَمِينُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ بِزِنًا أَوْ نَفْيِ حَمْلِهَا أَوْ وَلَدِهَا، وَيَمِينُ الزَّوْجَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ وَسُمِّيَتْ أَيْمَانُهَا لِعَانًا؛ لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرُ اللَّعْنِ، وَلِكَوْنِهَا سَبَبًا فِي بُعْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبِهِ. وَصِفَتُهَا: أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَزِيدُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، فَإِنْ كَانَ ادَّعَى الرُّؤْيَةَ فَلْيَقُلْ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، إنِّي لِمَنْ الصَّادِقِينَ لَرَأَيْتهَا تَزْنِي زِنًا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، يَقُولُ ذَلِكَ أَرْبَعَ

стр. 396

مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، ثُمَّ تَقُولُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إنَّهُ لِمَنْ الْكَاذِبِينَ، وَمَا رَآنِي أَزْنِي، ثُمَّ تَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ. فَرْعٌ فَإِنْ لَاعَنَ لِنَفْيِ الْحَمْلِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَحْدَهَا عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ زَادَ فِي الْأَرْبَعِ وَمَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وَتَزِيدُ الْمَرْأَةُ وَأَنَّ الْحَمْلَ مِنْهُ. فَرْعٌ وَيَقُولُ فِي اللِّعَانِ إذَا اعْتَمَدَ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ وَحْدَهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ إنِّي لِمَنْ الصَّادِقِينَ، لَقَدْ اسْتَبْرَأْتهَا مِنْ كَذَا، فَإِنْ اعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا مَعًا ذَكَرَهُمَا مَعًا فِي الْأَرْبَعِ الْأَيْمَانِ. فَرْعٌ وَإِذَا لَاعَنَ مِنْ دَعْوَى الْغَضَبِ، قَالَ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي وَإِنِّي لِمَنْ الصَّادِقِينَ. وَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ وَأَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ، وَتَقُولُ الْمُغْتَصَبَةُ إذَا الْتَعَنَتْ لِنَفْيِ الْوَلَدِ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، مَا زَنَيْت وَلَا أَطَعْت، وَتَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ. فَرْعٌ وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ وَلَفْظُ اللَّعْنِ وَالْغَضَبِ بَعْدَهَا. فَرْعٌ وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ: وَالْحُرَّةُ الْمُسْلِمَةُ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ الْمَحِيضَ، وَقَدْ جُومِعَتْ تُلَاعِنُ زَوْجَهَا؛ لِأَنَّ مَنْ قَذَفَهَا يُحَدُّ. فَرْعٌ فَلَوْ بَدَأَتْ الْمَرْأَةُ بِاللِّعَانِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تُعَادُ وَقَالَ أَشْهَبُ تُعَادُ. فَرْعٌ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي أَشْرَفِ أَمْكِنَةِ الْبَلَدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ فِي الْمَدِينَةِ وَعِنْدَ الرُّكْنِ فِي مَكَّةَ، وَعِنْدَ الْمِحْرَابِ فِي غَيْرِهِمَا فِي الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ، وَهَلْ يَكُونُ فِي إثْرِ صَلَاةٍ قَوْلَانِ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ.

стр. 397

فَرْعٌ وَلَا يُحْكَمُ بِاللِّعَانِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَمْلِ، بِشَهَادَةِ امْرَأَتَيْنِ وَثُبُوتِ الزَّوْجِيَّةِ، إنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ حُدَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ مَكَّنَّهُ مِنْ اللِّعَانِ. فَرْعٌ: وَتَحْلِفُ الذِّمِّيَّةُ فِي كَنِيسَتِهَا لَا فِي الْمَسْجِدِ. فَرْعٌ: وَيَحْلِفُ الْمَرِيضُ بِمَوْضِعِهِ بِمَحْضَرِ عُدُولٍ يَبْعَثُهُمْ الْحَاكِمُ. فَرْعٌ وَتُؤَخَّرُ الْحَائِضُ بَعْدَ لِعَانِ زَوْجِهَا حَتَّى تَطْهُرَ. تَنْبِيهٌ وَلَا يَكُونُ اللِّعَانُ إلَّا بِمَجْلِسِ الْحَاكِمِ أَوْ فِي مَجْلِسِ رَجُلٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ. مَسْأَلَةٌ: وَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِتَمَامِ التَّحَالُفِ دُونَ حُكْمِ حَاكِمٍ، قَالَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لَا تَقَعُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ اللِّعَانِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْرَيَا عَلَى سُنَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنَّهُمَا لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبَدًا. وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ طَلَّقَهَا الْإِمَامُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ مُرَاجَعَتِهَا بَعْدَ زَوْجٍ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ: وَفُرْقَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ثَلَاثٌ، وَيَتَزَوَّجُهَا بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ وَفِي الْجَلَّابِ فُرْقَةُ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَسْخٌ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَالْمَشْهُورُ مَا قَدَّمْنَا عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالِاتِّهَامِ وَأَيْمَانِ التُّهْمَةِ] مَسْأَلَةٌ وَفِي الطُّرَرِ، لَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُكْرِيَ الرَّهْنَ مِنْ قَرِيبِ الرَّاهِنِ، وَلَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ سَبَبِهِ، وَلَا لِصَدِيقِهِ الْمُلَاطِفِ، وَلَا لِأَحَدٍ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ اكْتَرَى ذَلِكَ لِرَبِّ الدَّارِ، فَإِنْ أَكْرَاهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ أَكْرَاهُ مِنْ صَاحِبِ الدَّارِ خَرَجَ الرَّهْنُ مِنْ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا لِلتُّهْمَةِ الدَّاخِلَةِ فِيهِ مِنْ إجَارَتِهِ مِمَّنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ مِنْ الْمُخْتَلِطَةِ. مَسْأَلَةٌ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِيمَنْ أَشْهَدَ وَهُوَ صَحِيحٌ، أَنَّهُ اشْتَرَى لِابْنِهِ هَذِهِ الدَّارَ بِأَلْفِ دِينَارٍ مِنْ ابْنِهِ فِي زَعْمِهِ، وَأَشْهَد أَنَّهُ إنَّمَا يُكْرِيهَا وَيَغْتَلُّهَا لَهُ وَبِاسْمِهِ، ثُمَّ يَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي حِجْرِهِ، وَلَا يُعْلَمُ لِابْنِهِ مَالٌ مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، فَهُوَ تَوْلِيجٌ وَهِيَ مِيرَاثٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ.

стр. 398

فَرْعٌ قَالَ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّ هَذَا لِابْنِهِ مِمَّا وِرْثَهُ عَنْ أُمِّهِ وَلَا بَيِّنَةَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ يُعْرَفُ لَهَا مَالٌ أَوْ عَرْضٌ وَكَانَ أَمْرًا بَيِّنًا قُبِلَ قَوْلُهُ وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ. مَسْأَلَةٌ وَمَنْ أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ أَنِّي بِعْت مَنْزِلِي هَذَا مِنْ امْرَأَتِي أَوْ ابْنِي بِمَالٍ عَظِيمٍ، وَلَمْ يَرَ أَحَدٌ مِنْ الشُّهُودِ الثَّمَنَ، وَلَمْ تَزَلْ الدَّارُ بِيَدِ الْبَائِعِ إلَى أَنْ مَاتَ، قَالَ لَا يَجُوزُ هَذَا، وَلَيْسَ هَذَا بَيْعًا، وَإِنَّمَا هُوَ تَوْلِيجٌ وَخَدِيعَةٌ وَوَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ. قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَقَدْ قَالُوا فِي الْأَبِ يَبِيعُ مِنْ بَعْضِ وَلَدِهِ مِلْكًا، ثُمَّ يَقُومُ إخْوَتُهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُ تَوْلِيجٌ مِنْ أَبِيهِمْ، إنْ كَتَبَ فِي الْوَثِيقَةِ قَبَضَ الثَّمَنَ بِالْمُعَايَنَةِ فَلَا يَمِينَ عَلَى الِابْنِ، وَإِلَّا فَفِي الْيَمِينِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. ثَالِثُهَا: إنْ أَثْبَتُوا مَيْلَ أَبِيهِمْ إلَيْهِ دُونَهُمْ حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا. وَصِفَةُ الشَّهَادَةِ بِالتَّوْلِيجِ أَنْ يَقُولَ الشُّهُودُ حَضَرْنَا وَقْتَ الْعَقْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَبِ، وَإِنَّمَا أَظْهَرَ الْبَيْعَ وَأَضْمَرَ الْوَلِيجَةَ، وَلَا يَثْبُتُ التَّوْلِيجُ إلَّا بِإِقْرَارِ الْمُولَجِ إلَيْهِ، وَأَمَّا إنْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِ الْأَبِ فَلَا يَلْزَمُ الْوَلَدَ إلَّا الْيَمِينُ. فَرْعٌ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ بَاعَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ أَوْ الْكَبِيرَ أَوْ أَجْنَبِيًّا دَارِهِ الَّتِي يَسْكُنُ بِثَمَنٍ ضَعِيفٍ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَهَا بِعَشَرَةٍ وَهِيَ ثَمَانُمِائَةٍ، وَلَا تَزَالُ فِي يَدِهِ حَتَّى يَمُوتَ، قَالَ لَيْسَ هَذَا بَيْعًا وَهُوَ مِنْ بَابِ الْعَطِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ وَهِيَ بَاطِلَةٌ، وَتُرَدُّ الدَّنَانِيرُ إلَى رَبِّهَا وَهُوَ فِي الْأَجْنَبِيِّ أَبْعَدُ تُهْمَةً إلَّا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَرْدُودٌ مَا لَمْ يُشْبِهْ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا أَوْ مُقَارِبًا، أَوْ مُشْكِلًا فَيَمْضِي عَلَى جِهَةِ الْبَيْعِ. فَرْعٌ وَعَنْ سَحْنُونٍ فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ إلَيْهِ شُرَيْحٌ الْقَاضِي، فِيمَنْ بَاعَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ بَعْضِ وَرَثَتِهِ شَيْئًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَبَضَ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ بِمَحْضَرِ الْبَيِّنَةِ، وَشَهِدَ أَنَّهُ قَبَضَ الْجَمِيعَ، أَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا فَكَتَبَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ يَنْظُرُ الْحَاكِمُ فَإِنْ اسْتَرَابَ أَمْرًا وَخَافَ أَنْ يَكُونَ عَمِلَ عَلَى مَا لَا يَنْبَغِي نَظَرَ فِيهِ، وَكَشَفَ وَسَأَلَ وَالْفِعْلُ فِي الْمَرَضِ أَضْعَفُ، فَلَمَّا أَنْ صَحَّ

стр. 399

الْآمِرُ وَلَمْ يَكُنْ الدَّافِعُ مَعْرُوفًا، وَلَا عَرَفَتْ الْبَيِّنَةُ إلَّا أَنَّهُ مَحْدُودٌ فِي كِتَابِ الشِّرَاءِ، فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْكِتَابِ إبْرَارُ الْمُشْتَرِي بِالْقَبْضِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَيَنْظُرُ فِيهِ مِنْ ابْنِ سَهْلٍ. مَسْأَلَةٌ وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ فِي صِحَّتِهِ عِنْدَ الْإِشْهَادِ، فَفِي الطُّرَرِ أَنَّ إقْرَارَهُ وَإِشْهَادَهُ وَعَدَمَ إشْهَادِهِ سَوَاءٌ، وَهُوَ فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ سَمَاعِ أَشْهَبَ. وَقَالَ ابْنُ زَرْبٍ ذَلِكَ لَهَا وَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ لَهَا بِذَلِكَ وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ الْيَمِينِ، وَحُكِيَ أَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ كَانَ يُفْتِي أَنَّهُ لَا يَمِينَ عَلَيْهَا، إلَّا أَنْ يُحَقِّقَ الْوَرَثَةُ عَلَيْهَا مَا تَجِبُ بِهِ عَلَيْهَا الْيَمِينُ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ زَرْبٍ وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ، وَهَذَا كُلُّهُ كَمَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَ فِي صِحَّتِهِ حِينَ الْإِشْهَادِ، وَأَمَّا إنْ أَشْهَدَ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ الْإِشْهَادُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَأَفْتَى ابْنُ زَرْبٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَّا مَا كَانَ مِنْ زِيِّهَا فَإِنَّهَا تَأْخُذُهُ بِلَا يَمِينٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ زِيِّهِ أَوْ مِنْ زِيِّهِمَا فَلَا تَأْخُذُهُ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهَا. وَأَفْتَى ابْنُ وَضَّاحٍ فِي ذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ عَامِلٌ إلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَمَا كَانَ مِنْ ثِيَابِهِ أَوْ زِيِّهِ أَوْ عُرُوضٍ أَوْ طَعَامٍ فَهُوَ مَوْرُوثٌ، إلَّا أَنْ يُعَيِّنَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ، وَيُعَايِنَ الشُّهُودُ ذَلِكَ. وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الطُّرَرِ، إذَا حَضَرَتْ الرَّجُلَ الْوَفَاةُ وَكَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ عَرِيضٌ، فَذَكَرَ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ لِامْرَأَتِهِ مِنْ مَالِهَا، فَإِنْ كَانَ لَا يُتَّهَمُ صُدِّقَ وَإِنْ كَانَ يُتَّهَمُ عَلَى ذَلِكَ نُظِرَ فِيهِ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لِمَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ وَصِيَّةٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ وَصِيَّتَهُ لَا تَجُوزُ جَعَلَهَا إقْرَارًا. مَسْأَلَةٌ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ فِي رَجُلٍ تَرَدَّدَ عَلَى الْقَاضِي مُشْتَكِيًا بِرَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ حِينًا، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ يَدَّعِي عَلَى الْمُشْتَكِي بِالرَّجُلَيْنِ دَعْوَى، فَسَأَلَهُ الْقَاضِي بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ، فَسَمَّى الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ اشْتَكَى بِهِمَا الْمَطْلُوبُ، فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: هَلْ لَك غَيْرُهُمَا؟ فَقَالَ لَا فَاسْتَرَابَ الْقَاضِي مِنْ ذَلِكَ وَسَأَلَ الْفُقَهَاءَ فَأَجَابُوهُ بِأَنَّ التَّثْبِيتَ فِي الشُّهُودِ مِنْ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ وَأَحَقِّهَا، لِمَا ظَهَرَ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الشَّهَادَةِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَاَلَّذِي اسْتَرَابَ الْقَاضِي مِنْهُ مَحَلُّ رِيبَةٍ إلَّا فِي الْعُدُولِ الْمُبَرَّزِينَ فِي الْعَدَالَةِ الْمَعْرُوفِينَ بِالْفَضْلِ وَالْخَيْرِ وَاسْتِقَامَةِ الطَّرِيقَةِ عَلَى طُولِ الْأَيَّامِ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ شَهَادَةَ مِثْلِ هَؤُلَاءِ لَا يُسْقِطُهَا إلَّا التَّجْرِيحُ بِالْعَدَاوَةِ اُنْظُرْ أَحْكَامَ ابْنِ سَهْلٍ.

стр. 400

مَسْأَلَةٌ وَمَنْ أَقَرَّ بِقَتْلٍ خَطَأٍ فَإِنْ اُتُّهِمَ أَنَّهُ أَرَادَ غِنَاءَ وَلَدِ الْمَقْتُولِ، كَالْأَخِ وَالصِّدِّيقِ لَمْ يُصَدَّقْ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَبَاعِدِ صُدِّقَ إنْ كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، وَلَمْ يُخَفْ أَنْ يُرْشَى عَلَى ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ وَلَوْ كَانَ تَحْتَ يَدِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ أَوْ الْوَصِيِّ لِمَحْجُورِهِ مَالٌ، وَعَلَى الْيَتِيمِ دَيْنٌ فَادَّعَى الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ نَفَادَ الْمَالِ الَّذِي تَحْت يَدِهِ، وَلَمْ يُعْلَمْ نَفَادُهُ وَاتُّهِمَ عَلَى كَتْمِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَيُحْبَسُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ. مَسْأَلَةٌ لَوْ أَقَرَّ لِوَلَدِهِ بِدَيْنٍ لَا يُعْرَفُ سَبَبُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا، وَلَوْ قَالَ اشْهَدُوا أَنَّ لِوَلَدِي عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ مِنْ كَذَا وَكَذَا وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ لَهُ بِهِ مَالٌ وَذَلِكَ لِأَجْلِ التُّهْمَةِ فِي ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إقْرَارُهُ بِدَيْنٍ لِوَارِثٍ فِي الصِّحَّةِ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا يُتَّهَمُ فِي إقْرَارِهِ فِي الْمَرَضِ إلَّا فِي الزَّوْجَةِ إذَا كَانَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مُتَفَاقِمًا، وَأَمَّا إقْرَارُهُ فِي الصِّحَّةِ لِوَارِثٍ فَرِوَايَةُ أَصْبَغَ جَوَازُهُ كَمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، قَالَ أَصْبَغُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ لِوَلَدٍ لَهُ رَضِيعٍ، وَلَا يُعْرَفُ بِكَسْبٍ وَلَا فَائِدَةَ مِنْ مِيرَاثٍ دَخَلَ عَلَيْهِ صَارَ إلَى أَبِيهِ، أَوْ بِسَبَبٍ أَوْ هِبَةٍ مِنْ أَحَدٍ فَهُوَ حِينَئِذٍ تَوْلِيجٌ وَهَدَرٌ. فَرْعٌ وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّ لِكَبِيرٍ مِنْ الْمَالِ بِمَا لَا يُشْبِهُ وَلَا يُثْبِتُ أَسْبَابَ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ كُلُّهُ وَيَكُونُ تَوْلِيجًا. مَسْأَلَةٌ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ وَكَّلَ عَلَى قَبْضِ شُفْعَتِهِ فَأَقَرَّ الْوَكِيلُ أَنَّ مُوَكِّلَهُ قَدْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ فَهُوَ شَاهِدٌ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مَعَهُ وَتَبْطُلُ الشُّفْعَةُ، وَلَوْ كَانَ مَعَ إقْرَارِ الْوَكِيلِ شَاهِدٌ آخَرُ وَكَانَا عَدْلَيْنِ بَطَلَتْ الشُّفْعَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ غَائِبًا غَيْبَةً يُتَّهَمُ وَكِيلُهُ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِالْمَالِ، وَلِلْمَالِ بَالٌ فَلَا تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ بِشَهَادَتِهِ. مَسْأَلَةٌ وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ وَإِذَا أَقَرَّ الْأَبُ فِي مَرَضِهِ بِقَبْضِ صَدَاقِ ابْنَتِهِ، أَوْ انْعَقَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي الصَّدَاقِ، وَلَمْ تُعَايَنْ الْبَيِّنَةُ لِلْقَبْضِ لَحِقَتْهُ

стр. 401

التُّهْمَةُ وَلَمْ يُصَدَّقْ، كَمَا لَوْ تَحَمَّلَ بِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْوَاضِحَةِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ: إقْرَارُهُ بِقَبْضِهِ نَافِذٌ قَالَ أَشْهَبُ: فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ لَمْ يَدْخُلْ وَتَرَك الْأَبُ مَالًا أُخِذَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَرَكَ مَالًا، لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ إلَيْهَا سَبِيلٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ الصَّدَاقَ وَيُتْبَعُ مَالُ الْمَيِّتِ. مَسْأَلَةٌ إذَا دَخَلَ الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ قَبْلَ الْإِشْهَادِ عَلَى النِّكَاحِ فُسِخَ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُحَدَّانِ إنْ ثَبَتَ وَطْءٌ، عَالَمَيْنِ كَانَا أَوْ جَاهِلَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ أَمْرُهُمَا فَاشِيًا. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَمْ يُعْذَرْ بِالْجَهَالَةِ حُدَّا، وَشَهَادَةُ الْوَلِيِّ لَهُمَا بِالنِّكَاحِ لَا تُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يُرِيدَ السَّتْرَ عَلَى وَلِيَّتِهِ. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَتَّهِمُ خَتَنَهُ، يَعْنِي زَوْجَ بِنْتِ امْرَأَتِهِ بِإِفْسَادِ أَهْلِهِ، فَيُرِيدُ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، أَوْ يَمْنَعَهُ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهَا، قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَّهَمَةً مُنِعَتْ بَعْضَ الْمَنْعِ لَا كُلَّ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُتَّهَمَةٍ لَمْ تُمْنَعْ الدُّخُولَ عَلَى ابْنَتِهَا. مَسْأَلَةٌ وَطَلَاقُ الْمَرِيضِ وَخُلْعُهُ جَائِزٌ، وَيَصِحُّ لَهُ مَا أَخَذَ مِنْ الزَّوْجَةِ، غَيْرَ أَنَّهُ إنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ قَبْلَ ظُهُورِ صِحَّتِهِ، وَرِثَتْهُ الْمَرْأَةُ بَائِنًا كَانَ الطَّلَاقُ أَوْ رَجْعِيًّا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْقَعَهُ هُوَ أَوْ الزَّوْجَةُ بِتَمْلِيكٍ أَوْ تَخْيِيرٍ، أَوْ كَانَتْ يَمِينًا فِي الصِّحَّةِ حَنِثَ بِهَا فِي الْمَرَضِ وَتَرِثُهُ أَبَدًا، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ أَزْوَاجًا سِوَاهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَفِرَّ بِمِيرَاثِهِ مِنْهَا. فَرْعٌ وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ لَهُ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا أَلْبَتَّةَ فِي صِحَّتِهِ لَمْ يُصَدَّقْ، وَوَرِثَتْهُ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي إخْرَاجِهَا مِنْ الْوَرَثَةِ. مَسْأَلَةٌ وَالشَّاهِدَانِ إذَا تَفَرَّدَا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي الصَّحْوِ فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ، فَقِيلَ تُرَدُّ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ انْفِرَادَهُمَا رِيبَةٌ تُرَدُّ بِهَا شَهَادَتُهُمَا، وَقِيلَ تُقْبَلُ اُنْظُرْ ابْنَ بَشِيرٍ.

стр. 402

فَرْعٌ وَكَذَلِكَ لَوْ خَاصَمَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ، فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِقِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى تُهْمَتِهِ فَرْعٌ وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ الَّتِي يَجُرُّ بِهَا أَوْ يَدْفَعُ، وَكَذَلِكَ أَكِيدُ الشَّفَقَةِ أَوْ السَّبَبِ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ. فَرْعٌ وَكَذَلِكَ الْعَدَاوَة الدُّنْيَوِيَّةُ تَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ. فَرْعٌ وَكَذَلِكَ الْحِرْصُ عَلَى زَوَالِ التَّعْبِيرِ وَذَلِكَ فِي صُورَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: إظْهَارُ الْبَرَاءَةِ مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ، ثُمَّ يَشْهَدُ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ بَعْدَ أَنْ صَارَ عَدْلًا، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِاتِّهَامِهِ عَلَى دَفْعِ عَارِ التَّكْذِيبِ، وَكَذَلِكَ إذَا رُدَّتْ لِكُفْرِهِ أَوْ صِبَاهُ أَوْ رِقِّهِ. الثَّانِيَةُ: قَصْدُ التَّسَلِّي وَالتَّأَسِّي، كَشَهَادَةِ الْمَقْذُوفِ فِي الْقَذْفِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَشَهَادَةِ وَلَدِ الزِّنَا فِي الزِّنَا. فَرْعٌ وَكَذَلِكَ الْحِرْصُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَالْقَبُولِ، فَالتَّحَمُّلُ كَالْمُخْتَفِي فِي رِوَايَةٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، وَقَيَّدَهُ مُحَمَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَخْدُوعٍ وَلَا خَائِفٍ وَلَا ضَعِيفٍ. وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى الْأَدَاءِ، فَمِثْلُ أَنْ يَبْدَأَ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ طَلَبِ صَاحِبِهَا وَهُوَ حَاضِرٌ عَالَمٌ بِهَا وَالْحَقُّ مَالٌ، فَإِنْ أَدَّاهَا سَقَطَتْ، وَأَمَّا الْحِرْصُ عَلَى شَهَادَتِهِ إذَا شَهِدَ بِهَا، وَذَلِكَ قَادِحٌ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ دَالَّةٌ عَلَى التَّعَصُّبِ وَشِدَّةِ الْحِرْصِ عَلَى إنْفَاذِهَا. مَسْأَلَةٌ وَلِأَجْلِ التُّهْمَةِ اشْتَرَطُوا التَّبْرِيزَ فِي سَبْعِ مَسَائِلَ، فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا مِنْ الْعَدْلِ الْمُبَرَّزِ. شَهَادَةُ الْمَوْلَى لِمَنْ أَعْتَقَهُ، وَالصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ لِصَدِيقِهِ، وَالشَّرِيكِ الْمُفَاوِضِ لِشَرِيكِهِ، وَإِذَا زَادَ الشَّاهِدُ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ شَهِدَ بِهَا، وَإِذَا سُئِلَ عَنْهَا فِي الْمَرَضِ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهَا، ثُمَّ شَهِدَ بِهَا وَذَكَرَ الْمَانِعَ مِنْ شَهَادَتِهِ فِي مَرَضِهِ، وَشَهَادَةُ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لِلْمُنْفِقِ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ قَوِيَّةٌ. فَرْعٌ وَكَذَلِكَ الِاسْتِبْعَادُ سَبَبٌ فِي التُّهْمَةِ، مِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ فِي الْحَاضِرَةِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ عَلَى مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ التَّقْيِيدِ

стр. 403

وَالتَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي تَرْكِهِ أَهْلَ الْحَضَرِ وَيَشْهَدُ الْعَرَبُ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ السُّؤَالِ فِي الْمَالِ الْكَثِيرِ، وَاَلَّذِي يُكْثِرُ مَسْأَلَةَ النَّاسِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ، لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا لِلتُّهْمَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ أَهْلُ الْإِقْلَالِ وَالْحَاجَةِ فِي الْمَالِ، فَلْيَكْشِفْ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ، وَعَمَّا شَهِدُوا بِهِ عِنْدَ مَنْ يُظَنُّ عِنْدَهُ عِلْمًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَعْجَلُ بِالْحُكْمِ وَلْيَتَثَبَّتْ وَيَحْتَاطُ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَشَهَادَةُ الرَّجُلِ لِجَدِّهِ وَجَدَّتِهِ مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَشَهَادَةُ الْكَذَّابِ وَالنَّمَّامِ وَاَلَّذِي يَطْعَنُ عَلَى النَّاسِ، وَتَسْقُطُ بِالْخِيَانَةِ وَالرِّشْوَةِ وَبِالْعَصَبِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَبْغَضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ قَبِيلَةِ كَذَا، وَبِتَلْقِينِ الْخَصْمِ الْخُصُومَةَ، فَقِيهًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَبِمُدَاوَمَةِ الْأَكْلِ عِنْدَ الْعُمَّالِ، وَبِإِتْيَانِهِ مَجْلِسَ الْقَاضِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؛ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ مِنْ خَوَاصِّ الْقَاضِي، وَبِسُكْنَى دَارٍ يُعْلَمُ أَنَّ أَصْلَهَا مَغْصُوبٌ، وَبِأَنْ يُسَاكِنَ وَلَدَهُ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ مِمَّنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَسْمَعُ الْغِنَاءَ، وَاسْتِيعَابُ هَذَا فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ. [فَصْلٌ فِي أَيْمَانِ التُّهَمِ] قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ الْكُبْرَى: الْأَيْمَانُ الَّتِي فِيهَا التُّهَمُ وَالظُّنُونُ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَتَّى يُثْبِتَ الْمُدَّعِي أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ مِثْلُ هَذِهِ التُّهْمَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّ الْيَمِينِ. مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَإِذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي تَعَدٍّ يَنْسُبُهُ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ، فَإِنَّ الْيَمِينَ لَا تَجِبُ فِي هَذَا بِالْخُلْطَةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي مِثْلِ هَذَا، إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالتَّعَدِّي مِمَّنْ يُتَّهَمُ بِذَلِكَ، وَيُنْسَبُ إلَيْهِ وَيَكُونُ مَعْرُوفًا بِهِ، زَادَ ابْنُ لُبَابَةَ سَوَاءٌ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْغَصْبُ وَالتَّعَدِّي، أَوْ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا أَنَّهُ ادَّعَى عَلَيْهِ بِهِ. فَرْعٌ فَلَوْ احْتَجَّ الْمُدَّعِي وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ، بِأَنْ قَالَ: قَدْ أَنْكَرَ صَدَاقَ ابْنَتِي وَأَثْبَتَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ زَلَّتُهُ غَيْرَ هَذَا فَلَيْسَتْ بِزَلَّةٍ يَبْلُغُ بِهَا الرِّيَبَ الَّتِي تُلْزِمُهُ الْيَمِينَ بِالتُّهْمَةِ قَالَهُ ابْنُ لُبَابَةَ: فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْرِفُهُ، فَإِنَّهُ يَكْشِفُ عَنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَمْرُهُ عِنْدَهُ.

стр. 404

مَسْأَلَةٌ اُخْتُلِفَ هَلْ تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى، أَوْ لَا تَجِبُ إلَّا بَعْدَ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى وَنُقِلَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ أَنَّ مَشْهُورَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ بِمُجَرَّدِ التُّهْمَةِ، وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ الدَّعْوَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرِيدُ بَعْدَ إثْبَاتِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ فِيمَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ. وَفِي الطُّرَرِ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ، أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنْ لَا يَمِينَ فِي الشَّكِّ، يَعْنِي إذَا لَمْ تَكُنْ الدَّعْوَى مُحَقَّقَةً، اُنْظُرْهَا فِي مَسْأَلَةِ رَدِّ الدِّرْهَمِ الزَّائِفِ. مَسْأَلَةٌ الْأَيْمَانُ فِي التُّهْمَةِ لَا تُرَدُّ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تَحْقِيقَ فِيهَا وَلَا قَطْعَ، بَلْ هِيَ ظَنٌّ، فَإِذَا تَوَجَّهَتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ؛ لِأَنَّهُ حَابِسٌ نَفْسَهُ. وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْكِتَابِ، وَذُكِرَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ أَيْمَانَ التُّهَمِ فِي رَدِّهَا اخْتِلَافٌ وَاَلَّذِي فِي الرِّوَايَةِ يُحْتَمَلُ، وَالصَّوَابُ أَنْ لَا تُرَدَّ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ، كَمَا إذَا قَامَ الصَّغِيرُ شَاهِدًا بِذِكْرِ حَقٍّ لِأَبِيهِ أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ الشَّاهِدِ إذَا كَبِرَ. تَنْبِيهٌ قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَأَصْحَابُهُ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ دَعْوَى مَنْصُوصَةٍ قَطَعَ الْمُدَّعِي بِأَخْذِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِذَلِكَ كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، مَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا مِنْ يَمِينِ تُهْمَةٍ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ شَدَّدَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِمَا يَرَاهُ مِنْ الْحَبْسِ أَوْ غَيْرِهِ. تَنْبِيهٌ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: إذَا لَمْ يُحَقِّقْ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا اتَّهَمَهُ بِخِيَانَةٍ وَشَبَهِهَا وَلَمْ يَقْطَعْ عَلَيْهِ، فَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُتَّهَمَ فِي دِينِهِ بِاسْتِحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ. تَنْبِيهٌ قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ وَالْمُسْلِمُونَ فِي دَعْوَى الْغَصْبِ وَالْعَدَاءِ مَحْمُولُونَ عَلَى الْعَافِيَةِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهَا. مَسْأَلَةٌ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى الْمَعْرِفَةِ حَتَّى يَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَعَلَى الْمَلَاءِ حَتَّى يَثْبُتَ الْفَقْرُ، وَعَلَى الْحُرِّيَّةِ حَتَّى يَثْبُتَ الرِّقُّ، وَعَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يَثْبُتَ الْكُفْرُ، وَعَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى تَثْبُتَ الْجُرْحَةُ وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَالْغَالِبُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَيَاةِ حَتَّى يَثْبُتَ الْمَوْتُ، قَالَهُ ابْنُ سَهْلٍ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الِاخْتِلَافِ

стр. 405

الْمَذْكُورِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ، هَلْ الْمُسْلِمُونَ مَحْمُولُونَ عَلَى الْعَدَالَةِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهَا؟ أَوْ عَلَى الْجُرْحَةِ حَتَّى تَثْبُتَ الْعَدَالَةُ؟ تَنْبِيهٌ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ وَالْمُتَنَاكِحِينَ، فَالنَّاسُ مَحْمُولُونَ عَلَى الصِّحَّةِ وَجَوَازِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ عَلَى الشُّهُودِ الْبَحْثُ هَلْ هُمَا فِي وِلَايَةٍ أَمْ لَا؟ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ. تَنْبِيهٌ وَالنَّاسُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحْرَارٌ، فَلَا تَحْتَاجُ الْمَرْأَةُ عِنْدَ إرَادَةِ النِّكَاحِ أَنْ تُثْبِتَ أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَعِنْدَ أَشْهَبَ وَغَيْرِهِ النَّاسُ حُرٌّ وَعَبْدٌ، فَيُحْتَاجُ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ. تَنْبِيهٌ النَّاسُ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِمْ مَحْمُولُونَ عَلَى الْجَهْلِ، حَتَّى يَثْبُتَ عَلَيْهِمْ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] . فَجَهْلُ الْإِنْسَانِ سَابِقٌ لِعِلْمِهِ. تَنْبِيهٌ النَّاسُ مَحْمُولُونَ عَلَى السَّفَهِ حَتَّى يَظْهَرَ مِنْهُمْ الرُّشْدُ قَالَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ. تَنْبِيهٌ النَّاسُ مَحْمُولُونَ عَلَى الْعَدَمِ حَتَّى يَثْبُتَ الْمَلَاءُ وَالْغِنَى، ذَكَرَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ قَالَ: وَالْعَمَلُ عِنْدَ الْحُكَّامِ عَلَى أَنَّ مُدَّعِي الْعَدَمِ عَلَيْهِ الْإِثْبَاتُ لِعَدَمِهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. مَسْأَلَةٌ إنْ شَرَطَ لِزَوْجَتِهِ أَنْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ ادَّعَتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَسَرَّى سِرًّا فَأَنْكَرَ فَطَلَبَتْ يَمِينَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ حَلَفَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تَلْحَقُهُ تُهْمَةٌ وَلَا ظِنَّةٌ، وَيَثْبُتُ عِنْدَ الْقَاضِي بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَسْتَسْهِلُ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَلَا يَسْتَحِلُّهُ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ بَعْدَ أَنْ يُعْذَرَ إلَى الْمَرْأَةِ فِيمَنْ شَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ، فَإِنْ ادَّعَتْ مِدْفَعًا أُجِّلَا فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِهِ، فَإِنْ لَمْ تَأْتِ بِشَيْءٍ عَجَّزَهَا وَأَنْفَذَ ذَلِكَ عَلَيْهَا. مَسْأَلَةٌ وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ، وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ سُئِلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: عَنْ رَجُلَيْنِ ابْتَاعَا طَعَامًا فَحَمَلَ الْحَمَّالُونَ إلَيْهِمَا الطَّعَامَ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا طَعَامَهُ يَنْقُصُ غَرَائِرَ، فَذَهَبَ إلَى الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ إلَيْهِ الطَّعَامَ فَقَالَ لَهُ: اُنْظُرْ لَعَلَّهُ حُمِلَ إلَيْك مِنْ طَعَامِي شَيْءٌ، فَكَالَ طَعَامَهُ فَوَجَدَ فِيهِ زِيَادَةً فَرَدَّهَا، فَأَرَادَ الَّذِي ذَهَبَ طَعَامُهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى بَاقِي مَا نَقَصَهُ مِنْ غَرَائِرَ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ نَكَلَ حَقَّ عَلَيْهِ الْحَقُّ.

стр. 406

مَسْأَلَةٌ فَإِذَا أَبْرَأَ الرَّجُلُ بَعْضَ وَرَثَتِهِ مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَقَامَ سَائِرُ الْوَرَثَةِ يُرِيدُونَ تَحْلِيفَ الْمُبْرَأِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْلُفْ عِنْدَهُ شَيْئًا، فَلَا يَمِينَ لَهُمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَوْا أَنَّ الْمُتَوَفَّى أَفَادَ مَالًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ وَخَلَفَهُ عِنْدَهُ، فَلَهُمْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي ذَلِكَ، وَلِلْمُبْرَأِ رَدُّهَا عَلَيْهِمْ. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُقْنِعِ فِي بَابِ جَامِعِ الْأَيْمَانِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَمَرْوِيُّ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي شَرِيكَيْنِ فِي زَرْعٍ اشْتَغَلَ أَحَدُهُمَا أَوْ مَرِضَ فَحَصَدَ الْآخَرُ وَأَنْفَقَ، فَلَمَّا صَحَّ شَرِيكُهُ قَالَ لَهُ الْمُتَوَلِّي: هَذَا الَّذِي خَرَجَ مِنْ الزَّرْعِ وَقَدْ أَنْفَقْت كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ لَهُ احْلِفْ لِي أَنَّهُ مَا خَرَجَ مِنْ الزَّرْعِ إلَّا هَذَا، وَأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى مَا قُلْت، فَقَالَ إنَّمَا أَحْلِفُ أَنَّهُ الَّذِي دَفَعَ إلَيَّ وُكَلَائِي، فَقَالَ يَحْلِفُ مَا دَفَعَ إلَيْهِ الْقَوْمُ إلَّا ذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَحْلِفُ عَلَى عِلْمِهِ إذَا كَانَ عَنْهُ غَائِبًا، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا مَا حَلَفَ إلَّا عَلَى عِلْمِهِ، لَعَلَّهُ ذَهَبَ مِنْهُ مَا لَا يَعْلَمُهُ. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُقْنِعِ أَيْضًا فِي الْمُودَعِ يَدَّعِي ضَيَاعَ الْوَدِيعَةِ، فَإِنْ كَذَّبَهُ رَبُّهَا وَقَالَ أَكَلْتهَا، فَالْمُودِعُ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ فَيَحْلِفُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ فَإِنْ نَكَلَ ضَمِنَ وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ هَا هُنَا عَلَى رَبِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا هُوَ ظَنٌّ. تَنْبِيهٌ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَيْمَانَ التُّهَمِ لَا تُرَدُّ، فَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ بِتُهْمَةٍ وَغَيْرِهَا، مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَتْحَ تَابُوتَه وَأَخَذَ مِنْهُ وَثَائِقَ وَأَنَّهُ اسْتَعَارَ مِنْهُ ثَوْبًا وَأَسْلَفَهُ دَنَانِيرَ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَأَلْزَمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَمِينِ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الثَّوْبِ وَالدَّنَانِيرِ أَوْ فِي أَحَدِهِمَا، وَلَا يَرُدُّهَا عَلَيْهِ فِي فَتْحِ التَّابُوتِ، اُنْظُرْ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَسْمِ دَعْوَى وَتُهْمَةٍ. مَسْأَلَةٌ وَفِي مَسَائِلِ ابْنِ زَرْبٍ كَانَ ابْنُ زَرْبٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إذَا قَامَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ بِدَعْوَى بِتُهْمَةٍ فِيهَا فَوَجَبَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهَا، وَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِمَّنْ تَأْخُذُهُ الْيَمِينُ عَلَى التُّهْمَةِ، حَتَّى يَحْلِفَ الْمُدَّعِي لَقَدْ ضَاعَ لَهُ مَا ادَّعَاهُ عَلَى الْمُقَوَّمِ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إذَا قَالَ لِلْمُدَّعِي لَمْ يَضِعْ الشَّيْءُ، وَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تُحْرِجَنِي بِالْيَمِينِ، وَبِهَذَا كَانَ يَحْكُمُ وَكَانَ يُغْرِبُ بِهَا، وَيَقُولُ إنَّهَا مِنْ دَقِيقِ الْمَسَائِلِ.

стр. 407

مَسْأَلَةٌ وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ يَمِينُ التُّهْمَةِ لَا تُرَدُّ، فَإِنْ أَبَى الْمُتَّهَمُ وَنَكَلَ عَنْهَا حُبِسَ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ مِنْ مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى. وَفِي رِسَالَةِ الْقَضَاءِ مِمَّا نَقَلَهُ مِنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ رَأَى لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ غَرِمَ مَا ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ. فَرْعٌ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْغَرِيمِ يُرِيدُ سَفَرًا فَيَتَعَلَّقُ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَيَقُولُ إنَّك تُرِيدُ سَفَرًا وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَحِلَّ أَجَلُ دَيْنِي وَأَنْت غَائِبٌ، وَلَكِنْ اعْطِنِي حَمِيلًا إنْ غِبْت عَنِّي يَقُومُ لِي بِحَقِّي، فَقَالَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ السُّلْطَانُ، فَإِنْ رَأَى أَنَّ الْأَجَلَ يَحِلُّ قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ سَفَرُهُ، لِبُعْدِ الْمَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ حَمِيلًا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ حَمِيلٌ، وَأَحْلَفَ بِاَللَّهِ مَا يُرِيدُ إلَّا سَفَرَ مَا يَخْرُجُ النَّاسُ إلَيْهِ مِنْ التِّجَارَةِ، وَطَلَبِ التِّجَارَةِ، وَطَلَبِ الْحَوَائِجِ الْقَرِيبَةِ مِمَّا يَأْتِي فِي مِثْلِهِ وَيَجْلِبُهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَمِينَهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِيهَا فِي اخْتِصَارِ الْمُدَوَّنَةِ يُرِيدُ وَيَحْلِفُ. فَرْعٌ وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ يُرِيدُ سَفَرًا، فَتَقُومُ عَلَيْهِ زَوْجَتُهُ تَطْلُبُهُ أَنْ يُقِيمَ لَهَا حَمِيلًا بِنَفَقَتِهَا، فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَنْظُرُ إلَى سَفَرِهِ الَّذِي يُرِيدُ، فَيَفْرِضُ لِزَوْجَتِهِ قَدْرَ ذَلِكَ فَيَدْفَعُهُ إلَيْهَا، أَوْ يَأْتِيهَا بِحَمِيلٍ يُجْرِيه عَلَيْهَا، وَمَعْنَاهُ بَعْدَ يَمِينِهِ إنْ زَعَمَتْ أَنَّهُ يُرِيدُ سَفَرًا إلَى مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَالْيَمِينُ فِي هَذَا يَمِينُ تُهْمَةٍ، فَفِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ هَلْ تَلْحَقُهُ أَمْ لَا؟ فَرْعٌ وَكَذَلِكَ حَمِيلُ الْوَجْهِ، إذَا اشْتَرَطَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ضَمَانِ الْمَالِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ إحْضَارُهُ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَرِيمِهِ، فَإِنْ غَابَ الْغَرِيمُ أُجِّلَ الْحَمِيلُ فِي طَلَبِهِ آجَالًا كَثِيرَةً، قَالَ مَالِكٌ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرَ طَلَبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ وَعَجَزَ عَنْ إحْضَارِهِ بَرِئَ، وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا قَصَّرَ فِي طَلَبِهِ وَلَا دَلَّسَ وَلَا يَعْرِفُ لَهُ مُسْتَقَرًّا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ. فَرْعٌ وَكَذَلِكَ إذَا خِيفَ غَرَقُ الْمَرْكَبِ وَطَرْحُ مَالِ التِّجَارَةِ وُزِّعَ الْمَطْرُوحُ عَلَى مَالِ التِّجَارَةِ الْمَطْرُوحِ وَالسَّالِمِ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمَطْرُوحِ مَتَاعُهُ فِي قِيمَتِهِ، فَإِنْ اُتُّهِمَ حَلَفَ.

стр. 408

فَرْعٌ وَإِذَا قَامَ عَلَى الرَّجُلِ غُرَمَاؤُهُ فَأَقَرَّ أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ وَدِيعَةٌ عِنْدِي لِفُلَانٍ، وَالْمُقَرُّ لَهُ حَاضِرٌ يَدَّعِيهَا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ الْمُقَرُّ لَهُ وَيَأْخُذُهَا؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ يُتَّهَمُ أَنَّهُ يُحَابِيه بِإِقْرَارِهِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَلَيْسَتْ يَمِينُهُ مِنْ بَابِ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّ هَذَا مُقِرٌّ وَلَيْسَ بِشَاهِدٍ، وَلَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ الَّتِي تُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ وَالْيَمِينُ لِلتُّهْمَةِ. تَنْبِيهٌ وَفِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: أَنَّ يَمِينَ التُّهْمَةِ يَحْلِفُ فِيهَا فِي الْقَطْعِ الْحَقِّ، ذَكَرَهُ فِي تَرْجَمَةِ دَعْوَى وَيَمِينِ تُهْمَةٍ فِي الْمُدَّعِي، وَذَكَرَهَا أَيْضًا فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، فِي بَابِ الْمَقَالَاتِ وَالشَّهَادَاتِ، أَنَّ الْمُتَّهَمَ إذَا طَالَ حَبْسُهُ وَدَامَ عَلَى إنْكَارِهِ، أَنَّهُ يَحْلِفُ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ أَنَّهُ مَا أَخَذَ شَيْئًا. فَرْعٌ وَمَنْ اُدْعِي عَلَيْهِ بِغَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ، لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا فَيَحْلِفَ، فَإِنْ امْتَنَعَ حُبِسَ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالسِّيَاسَةِ. فَرْعٌ وَفِي التَّنْبِيهَاتِ لِلْقَاضِي عِيَاضٌ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى السِّمْسَارِ فِي دَعْوَى ضَيَاعِ الْمَتَاعِ وَلَا فِيمَا حَدَثَ فِيهِ فِي يَدَيْهِ مِنْ عَيْبٍ، وَيَحْلِفُ أَنْ اُتُّهِمَ. فَرْعٌ وَإِذَا ادَّعَى الْأَبُ بَعْدَ أَنْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ فِي صَدَاقِ ابْنَتِهِ، أَنَّهُ قَبَضَ نَقْدَ ابْنَتِهِ مِنْ الزَّوْجِ أَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا، وَأَنَّهُ أَشْهَدَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ ذَلِكَ، فَعَلَى الزَّوْجِ الْيَمِينُ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا، وَالْأَبُ لَا يُظَنُّ بِهِ دَعْوَى الْبَاطِلِ، وَبَسَطَهَا فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالْأَيْمَانِ فِي الدَّعْوَى. فَرْعٌ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَسْأَلَ الْوَلِيَّ فِيمَا صَرَفَ النَّقْدَ فِيهِ مِنْ الْجِهَازِ وَعَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يُفَسِّرَ ذَلِكَ، وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ إنْ اتَّهَمَهُ. فَرْعٌ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: سُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ رَدَّ جَارِيَةً بِعَيْبٍ عَلَى بَائِعِهَا مِنْهُ، فَأَرَادَ الْبَائِعُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ أَنَّهُ مَا وَطِئَهَا مُنْذُ رَأَى الْعَيْبَ بِهَا، فَقَالَ

стр. 409

لَا يَمِينَ عَلَيْهِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ نَحْوَهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ عِيسَى: إنْ كَانَ مُتَّهَمًا حَلَفَ وَإِلَّا فَلَا. فَرْعٌ وَمِنْهَا قَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ: إذَا اشْتَرَطَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُبْتَاعِ سُقُوطَ الْيَمِينِ فِي بَيْعِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْعُيُوبِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ فَلَهُ شَرْطُهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ لَمْ يَنْفَعْهُ الشَّرْطُ وَحَلَفَ. فَرْعٌ إذَا كَانَ الْإِيدَاعُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَادَّعَى الْمُودَعُ الرَّدَّ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَيَحْلِفُ مَأْمُونًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْمُونٍ، وَهُوَ خِلَافُ دَعْوَى التَّلَفِ وَلَهُ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى رَبِّهَا، فَإِنْ رَدَّهَا عَلَيْهِ حَلَفَ وَغَرِمَ الْمُودِعُ عِنْدَهُ، وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ عَبْدِ الْحَقِّ وَاللَّخْمِيِّ وَهُوَ خِلَافُ مَا وَقَعَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ مِنْ مُخْتَصَرِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَذْهَبُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَنَحْوُهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَلَيْسَ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي التَّلَفِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ إذَا أُخِذَ فِيهِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا يَحْلِفُ إلَّا أَنْ يُتَّهَمَ، وَإِذَا ادَّعَى الْمُودَعُ عِنْدَهُ تَلَفَ الْوَدِيعَةِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَسَوَاءٌ أَخَذَهَا بِبَيِّنَةٍ أَوْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِي يَمِينِهِ فَقِيلَ: إنْ كَانَ مُتَّهَمًا حَلَفَ. لَقَدْ تَلْفِت مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ وَلَا تَضْيِيعٍ وَلَا تَدْلِيسٍ وَيَبْرَأُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مَأْمُونًا فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَلَا ضَمَانَ قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَقَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ، فِيمَنْ أَمَرَ رَجُلًا يَشْتَرِي لَهُ سِلْعَةً وَيَنْقُدُ عَنْهُ، وَقِيلَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ وَهُوَ أَمِينُهُ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ يَحْلِفُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: أَنَّهُ يَحْلِفُ مُتَّهَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، وَرَأَى النَّاسَ قَدْ اسْتَحَقُّوا التُّهَمَ وَتَغَيَّرَ حَالُهُمْ، فَجَعَلَ الْيَمِينَ حِمَايَةً إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ رَجُلٌ بِالصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّةَ.

стр. 410

[الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَرْطِ التَّصْدِيقِ] وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي بَابِ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ: اُخْتُلِفَ فِي شَرْطِ التَّصْدِيقِ، هَلْ يَنْتَفِعُ بِهِ مُشْتَرِطُهُ أَمْ لَا؟ فَقِيلَ يَنْفَعُهُ، وَقِيلَ لَا يَنْفَعُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ كَانَ مُشْتَرِطُهُ مَأْمُونًا يَعْرِفُهُ بِالْحَالَةِ الْحَسَنَةِ نَفَعَهُ الشَّرْطُ، وَإِلَّا لَمْ يَنْفَعْهُ. مَسْأَلَةٌ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ بِالدَّيْنِ، فَيَشْتَرِطُ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي أَصْلِ الْمُعَامَلَةِ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي دَعْوَى الْقَضَاءِ دُونَ يَمِينٍ تَلْزَمُهُ، ثُمَّ يَدَّعِي الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ رَهَنَهُ بِالدَّيْنِ رَهْنًا، أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ، أَوْ أَنْظَرَهُ بِهِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِتِلْكَ الْمُعَامَلَةِ، أَوْ تَغَيَّبَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوْ يَمُوتَ، فَيُكَلِّفُ الْقَاضِي صَاحِبَ الدَّيْنِ يَمِينَ الِاسْتِبْرَاءِ أَنَّهُ مَا وَهَبَهُ وَلَا تَصَدَّقَ، وَلَا ارْتَهَنَ بِهِ مِنْهُ رَهْنًا، وَلَا اسْتَحَالَ بِهِ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا أَحَالَ بِهِ عَلَيْهِ أَحَدًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي، إلَّا أَنْ يَقُولَ فِي الشَّرْطِ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي الِاقْتِضَاءِ وَفِي جَمِيعِ أَسْبَابِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ، دُونَ يَمِينٍ تَلْزَمُهُ، فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ وَنَحْوُ ذَلِكَ لِابْنِ الْعَطَّارِ، قَالَ: إذَا قَامَ الرَّجُلُ عَلَى صَاحِبِ دَيْنِهِ وَهُوَ غَائِبٌ فَوَجَبَ لَهُ قَبْضُ حَقِّهِ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ شَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي الِاقْتِضَاءِ دُونَ يَمِينٍ تَلْزَمُهُ. تَنْبِيهٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَخَّارِ فِي انْتِقَادِهِ عَلَى ابْنِ الْعَطَّارِ، وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْغَرِيمَ إذَا غَابَ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَقْصِيَ حُقُوقَهُ، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا مَا كَانَ يَدْرِي مَا يَدْرَأُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِي شَرْطِ تَصْدِيقِ الِاقْتِضَاءِ، إذْ يَقُولُ شَرَطَتْهُ لِأَجَلْ كَذَا لَا أَنَّك مِنْ أَهْلِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ جَمِيعِ مَا يُتَوَهَّمُ وَهِيَ يَمِينُ الِاسْتِظْهَارِ مِنْ السُّلْطَانِ، لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ إسْقَاطُهَا، وَلَا يُحْكَمُ عَلَى غَائِبٍ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ حُقُوقِهِ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَأْتِيَ غَرِيمٌ آخَرُ يَسْتَحِقُّ مُخَاصَمَةَ هَذَا الْغَرِيمِ فِيمَا أَخَذَ أَوْ يَسْتَحِقُّهُ دُونَهُ، إذْ لَعَلَّهُ قَدْ اسْتَحَالَ بِدَيْنِهِ عَلَى غَيْرِ غَرِيمِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ، أَوْ قَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهِ مَنْ يَعْلَمُهُ الْغَائِبُ وَلَا يَعْلَمُهُ غُرَمَاؤُهُ، فَهَذَا الْغَرِيمُ الطَّارِئُ لَمْ يُصَدِّقْ الْغَرِيمَ الْأَوَّلَ الْمَحْكُومَ لَهُ بِدِينِهِ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُ لِلْحَاكِمِ لِمَ

стр. 411

لَمْ تَسْتَقْصِ قَبْلَ أَنْ تَحْكُمَ؟ فَلِذَلِكَ وَجَبَ فِي الْغَائِبِ مَا لَمْ يَجِبُ فِي الْحَاضِرِ. فَرْعٌ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا إذَا قَالَ الْعَاقِدُ فِي شَرْطِ التَّصْدِيقِ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي وُجُوبِ الْيَمِينِ وَسُقُوطِهَا، فَأَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ يَرَى مِنْهُمْ سُقُوطَهَا، هَلْ يَنْفَعُ ذَلِكَ رَبُّ الدَّيْنِ وَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ؟ فَقِيلَ: يَنْفَعُهُ وَتَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَتَخَيَّرَ عَلَى الْحَاكِمِ وَيَحْكُمَ لِنَفْسِهِ، بِقَوْلِ قَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بَلْ يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِمَا ظَهَرَ لَهُ. قَالَ وَلَوْ زَادَ الْعَاقِدُ بَعْدَ قَوْلِهِ، فَآخُذُ بِقَوْلِ مَنْ يَرَى مِنْهُمْ سُقُوطَهُمَا ثِقَةً بِرَبِّ الدَّيْنِ وَأَمَانَتِهِ، لَسَقَطَتْ الْيَمِينُ بِلَا خِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَلَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ اشْتِرَاطُ إسْقَاطِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُهُ سَلَفٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، قَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ وَصَدَقَ ﵀ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَإِنْ طَاعَ لَهُ الْمُتَسَلِّفُ بَعْدَ عَقْدِ السَّلَفِ بِإِسْقَاطِ الْيَمِينِ فِي دَعْوَى الْقَضَاءِ، لَزِمَهُ التَّصْدِيقُ حِينَئِذٍ وَصَحَّ السَّلَفُ. تَنْبِيهٌ قَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ: وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ عَقْدِ السَّلَفِ هَدِيَّةُ الْمِدْيَانِ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ فِي عَقْدِ صَفْقَةِ الْبَيْعِ، كَالرَّهْنِ الَّذِي يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ، يُرِيدُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ، وَلَا يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَتَطَوَّعَ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَأَنْ يُبِيحَ لِلْمُرْتَهِنِ الِانْتِفَاعَ بِالرَّهْنِ إذْ هُوَ مِنْ هَدِيَّةِ الْمِدْيَانِ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّهُ مَكْرُوهٌ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ، فَكَذَلِكَ إسْقَاطُ الْيَمِينِ بَعْدَ عَقْدِ السَّلَفِ إذْ هُوَ هَدِيَّةُ الْمِدْيَانِ. مَسْأَلَةٌ وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ: شَرْطُ التَّصْدِيقِ لَا يُوَرَّثُ، وَالْيَمِينُ تَلْزَمُ وَرَثَةَ مَنْ كَانَ الْمِدْيَانُ شَرَطَ لَهُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ؛ لِأَنَّ مِنْ حُجَّةِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَنْ يَقُولَ: إنَّمَا الْتَزَمْتُ تَصْدِيقَ الْمُتَوَفَّى لِعِلْمِي بِدِينِهِ وَثِقَتِي بِصِدْقِهِ، فَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ قَضَى وَرَثَتَهُ بَعْدَهُ لَزِمَتْهُمْ الْيَمِينُ. مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: فَإِنْ كَانَ الْغَرِيمُ الْمُفْلِسُ صَدَّقَ غُرَمَاءَهُ فِي الِاقْتِضَاءِ، وَقَامُوا بِتَفْلِيسِهِ وَاقْتَسَمُوا مَالَهُ بِحُكْمِ السُّلْطَانِ، انْتَفَعُوا بِالتَّصْدِيقِ وَلَمْ يَحْلِفُوا.

стр. 412

تَنْبِيهٌ قَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ: وَهَذَا أَيْضًا غَلَطٌ وَلَا يَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَقْضِيَ لَهُمْ إلَّا بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ، إذْ قَدْ يَطْرَأُ مَنْ تَجِبُ لَهُ مُخَاصَمَتُهُمْ أَوْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ دُونَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا. مَسْأَلَةٌ وَإِذَا شَرَطَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي الْمَغِيبِ عَنْهَا، وَأَنَّهَا مُصَدَّقَةٌ فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهَا بِهَذَا التَّصْدِيقِ مُؤْنَةُ إثْبَاتِ الْمَغِيبِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهَا أَنْ تُثْبِتَ الزَّوْجِيَّةَ عِنْدَهُ وَالشَّرْطَ، ثُمَّ يَأْمُرَهَا بِالْحَلِفِ فِي بَيْتِهَا إنْ كَانَ ذَلِكَ فِي شَرْطِهَا، أَوْ فِي أَقْرَبِ الْجَوَامِعِ إلَيْهَا، إنْ لَمْ تَشْتَرِطْ الْيَمِينَ فِي بَيْتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْرُجُ نَهَارًا أُخْرِجَتْ وَحَلَفَتْ، وَإِلَّا حَلَفَتْ لَيْلًا، ثُمَّ يُبِيحُ لَهَا تَطْلِيقَ نَفْسِهَا. تَنْبِيهٌ وَالْيَمِينُ فِي ذَلِكَ: أَنْ تَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى، أَنَّهُ قَدْ غَابَ عَنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا شَرَطَهُ لَهَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَقْدُمْ إلَيْهَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا، وَلَا أَسْقَطَتْ عَنْهُ شَرْطَهَا، وَلَا كَانَ سُكُوتُهَا وَتَلَوُّمُهَا تَرْكًا مِنْهَا لِشَرْطِهَا، قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَتَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَيْتِهَا، إنْ كَانَ فِي شَرْطِهَا أَنَّهَا تَحْلِفُ فِي بَيْتِهَا، فِي الْمُنْقَضِي مِنْ أَجَلِهَا، وَانْتَقَدَ ذَلِكَ ابْنُ الْفَخَّارِ. وَقَالَ: كَيْفَ تَحْلِفُ فِي بَيْتِهَا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ؟ وَإِنَّمَا شَرَطَ لَهَا أَنْ تَحْلِفَ فِي بَيْتِهَا فِي الْمُنْقَضِي مِنْ أَجَلِهَا، ثُمَّ خَرَجَتْ إلَى الْجَامِعِ وَحَلَفَتْ فِي سَائِرِ ذَلِكَ. فَرْعٌ إذَا شَرَطَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ أَنَّهَا مُصَدَّقَةٌ فِي دَعْوَى إضْرَارِهِ بِهَا دُونَ يَمِينٍ تَلْزَمُهَا فَذَلِكَ لَهَا، فَإِذَا شَكَتْ إضْرَارَهُ بِهَا وَثَبَتَ الشَّرْطُ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا دُونَ يَمِينٍ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيُّ فِي وَثَائِقِهِ: إذَا طَاعَ بِتَصْدِيقِهَا فِي الضَّرَرِ لَزِمَهُ وَيُكْرَهُ عَقْدُهُ، فَإِنْ قَيَّدَهُ بِيَمِينِهَا فِيهِ حَلَفَتْ حَيْثُ تَجِبُ، إلَّا أَنْ يَقُولَ فِيهِ دُونَ يَمِينٍ مَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَإِنْ تَلَذَّذَ مِنْهَا بِشَيْءٍ سَقَطَ شَرْطُهَا، وَإِنْ ادَّعَى التَّلَذُّذَ وَأَنْكَرَتْهُ، حَلَفَتْ وَلَهَا رَدُّ الْيَمِينِ. تَنْبِيهٌ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَطَّارِ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ الرَّهْنِ، إذَا كَانَ فِي وَثِيقَةِ الدَّيْنِ تَصْدِيقُ صَاحِبِهِ فِي اقْتِضَاءِ دَيْنِهِ دُونَ يَمِينٍ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ مَأْمُونًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَ التَّصْدِيقَ أَوْ شَرَطَهُ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَأْمُونٍ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ يَمِينٍ وَحُكْمٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ عَبْدُ اللَّهِ: يَجُوزُ بَيْعُهُ دُونَ الْحَاكِمِ، إذَا أَصَابَ وَجْهَ الْبَيْعِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَثِيقَةِ شَرَطَ التَّصْدِيقَ أَوْ لَمْ يَكُنْ.

стр. 413

مَسْأَلَةٌ إذَا شَرَطَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُصَدَّقٌ فِي اقْتِضَاءِ السَّلَمِ دُونَ يَمِينٍ، لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُ فِي الدَّعَاوَى فِي تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ، إنْ زَعَمَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ أَنَّهُ أَقَالَهُ أَوْ أَنْظَرَهُ بِالسَّلَمِ بَعْدَ حُلُولِهِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الدَّعَاوَى الْمُوجِبَةِ لِلْيَمِينِ، فَإِنْ قَالَ إنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي الِاقْتِضَاءِ أَوْ فِي جَمِيعِ أَسْبَابِ السَّلَمِ دُونَ يَمِينٍ، نَفَعَهُ ذَلِكَ. قَالَ الْبَاجِيُّ فِي وَثَائِقِهِ: وَالْأَحْسَنُ فِي ذَلِكَ، أَنْ يَذْكُرَ أَنَّ التَّصْدِيقَ عَلَى الطَّوْعِ؛ لِأَنَّك إذَا ذَكَرْت أَنَّ التَّصْدِيقَ انْعَقَدَ فِي أَصْلِ السَّلَمِ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقِيلَ يَلْزَمُهُ الشَّرْطُ وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْعَقْدِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَى الطَّوْعِ، فَلَا تَغْفُلُ أَنْ تَقُولَ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ، فَأَلْزَمَ نَفْسَهُ قَوْلَ مَنْ يَرَى سُقُوطَهَا ثِقَةً مِنْهُ بِالْمُسْلِمِ وَرِضًى بِدِينِهِ وَأَمَانَتِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَقَوَّاهُ، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَطَّارِ. وَقَالَ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ قَوْلَ عَالِمٍ عَلَى عَالِمٍ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ يَخْتَارُ مِنْ ذَلِكَ مَا رَآهُ، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي نَوَازِلِ الْأَحْكَامِ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَضَى عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ لَزِمَهُ، وَجَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِمَا حَكَمَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا. فَرْعٌ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي وَثَائِقِهِ: وَخَاطَبْت أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَسَأَلْته عَنْ اشْتِرَاطِ التَّصْدِيقِ فِي عَقْدِ السَّلَفِ وَعَنْ وُقُوعِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى الطَّوْعِ، هَلْ هُمَا سَوَاءٌ فِي اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ؟ أَمْ لَيْسَ فِي ذِكْرِهِ عَلَى الطَّوْعِ اخْتِلَافٌ وَأَنَّهُ جَائِزٌ، فَكَتَبَ إلَيَّ أَنَّ الِاخْتِلَافَ الْمَذْكُورَ، يَدْخُلُ فِي شَرْطِ التَّصْدِيقِ فِي عَقْدِ السَّلَفِ وَفِي الطَّوْعِ بِهِ. وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ إذَا وَقَعَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، وَأَمَّا إذَا وَقَعَ عَلَى الطَّوْعِ فَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ. تَنْبِيهٌ وَاَلَّذِي يَنْفَعُ مِنْ التَّصْدِيقِ أَنْ يَقُولَ يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ، فَلَوْ قَالَ يُصَدَّقُ وَلَمْ يَقُلْ بِلَا يَمِينٍ، فَفِيهِ اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَمَرَّةً قَالَ يُصَدَّقُ وَيَحْلِفُ، وَقَالَ مَرَّةً يُصَدَّقُ وَلَا يَحْلِفُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَمْ يُصَدَّقْ إذَا حَلَّفَهُ.

стр. 414

مَسْأَلَةٌ وَإِنْ ذَهَبَ الْمُوصِي إلَى أَنْ يَكُونَ الْوَصِيُّ مُصَدَّقًا فِي تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ بِلَا بَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا عَلَى التَّنْفِيذِ، فَلَهُ شَرْطُهُ إذَا كَانَ الْوَصِيُّ ثِقَةً مَأْمُونًا مَشْهُورًا بِالصَّلَاحِ، قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَصِيُّ مِنْ الْوَرَثَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُ، وَلَا يَنْفُذُ فِيهِ شَرْطُهُ وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ يَحْضُرَ التَّنْفِيذَ جَمِيعُ مَنْ يَرِثُ مَعَهُ، أَوْ يُقِرُّونَ لَهُ بِذَلِكَ فَيَبْرَأُ. مَسْأَلَةٌ لَوْ اشْتَرَى رَجُلٌ أَمَةً مِنْ سَيِّدِهَا، ثُمَّ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ وَانْبِرَامِهِ، قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: أَغْلَيْتَهَا عَلَيَّ وَمَا أَحْسِبُنِي أَتَخَلَّصُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ الْبَائِعُ: بِعْ وَلَا نُقْصَانَ عَلَيْك وَلَا خُسْرَانَ، وَأَنْت مُصَدَّقٌ فِيمَا تَزْعُمُ أَنَّك بِعْتَهَا بِهِ دُونَ يَمِينٍ تَلْزَمُك، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَازِمٌ لِلْبَائِعِ. تَنْبِيهٌ وَهَذَا الِالْتِزَامُ مِنْ الْبَائِعِ بَعْدَ الْعَقْدِ لَازِمٌ لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ فَإِنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّةَ. مَسْأَلَةٌ إذَا شَرَطَ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي اقْتِضَاءِ السَّلَفِ دُونَ يَمِينٍ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ رَهَنَهُ بِهِ رَهْنًا، فَإِنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ فِي ذَلِكَ، حَتَّى وَإِنْ اشْتَرَطَ فِي تَصْدِيقِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ ادَّعَى بِهِ عَلَيْهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ فِي دَعْوَى الرَّهْنِ: أَوْ الْإِحَالَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ. وَقَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْمُفْتِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَوَّلُ الْبَابِ مِنْ الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُسْتَعِيرُ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي تَلَفِ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ، أَوْ اشْتَرَطَ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي تَلَفِ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ لَهُ شَرْطُهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ السَّيِّدُ فِي الْكِتَابَةِ التَّصْدِيقَ فِي الِاقْتِضَاءِ دُونَ يَمِينٍ تَلْزَمُهُ، وَادَّعَى الْمُكَاتَبُ الْأَدَاءَ إلَيْهِ، وَأَنْكَرَهُ السَّيِّدُ فَإِنَّ الْيَمِينَ تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ، وَلَهُ رَدُّهَا عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي جَمِيعِ أَسْبَابِ هَذِهِ الْكِتَابَةِ، وَادَّعَى السَّيِّدُ أَنَّهُ قَدْ حَلَّ نَجْمٌ وَأَكْذَبَهُ الْمُكَاتَبُ يُصَدَّقُ الْمُكَاتَبُ، وَبِاشْتِرَاطِ التَّصْدِيقِ يَكُونُ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُ السَّيِّدِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ بِيَمِينٍ. مَسْأَلَةٌ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي مَرِيضٍ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِائَتِي مِثْقَالٍ، وَعَهِدَ أَنْ يُصَدَّقَ فِيهَا دُونَ يَمِينٍ تَلْزَمُهُ، وَأَنْ تُدْفَعَ إلَيْهِ بِلَا يَمِينٍ، فَأَفْتَى فِيهَا ابْنُ الْقَطَّانِ بِسُقُوطِ الْيَمِينِ،

стр. 415

وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا وَقَعَ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فِي الرَّجُلِ يُوصِي بِدَيْنٍ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: كُنْت أُدَايِنُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَا ادَّعَوْا قَبْلِي فَهُمْ مُصَدَّقُونَ، أَنَّ ذَلِكَ لَهُمْ بِلَا يَمِينٍ عَلَى مَا ادَّعَوْا، قَالَ وَمَسْأَلَةُ الْإِقْرَارِ أَقْوَى فِي سُقُوطِ الْيَمِينِ مِنْ مَسْأَلَةِ السَّمَاعِ؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ فِي مَرَضِهِ قَدْ حَدَّ الدَّيْنَ فِيهَا، وَلَمْ يَجِدْ الدِّينَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي السَّمَاعِ، وَأَفْتَى فِيهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ بِلُزُومِ الْيَمِينِ، وَقَالَ إنَّ الْمَالَ صَارَ لِغَيْرِ الْمَيِّتِ وَانْتَقَلَ لِوَارِثِهِ، فَالْحَقُّ لَهُمْ وَالْيَمِينُ لَازِمَةٌ، قَالَ: وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي شَرْطِ التَّصْدِيقِ فِي الَّذِي يُلْزِمُ نَفْسَهُ التَّصْدِيقُ، فَلَهُ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ: مِنْهَا: أَنَّ الشَّرْطَ سَاقِطٌ، فَإِذَا قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِسُقُوطِهِ فِي حَقِّ الَّذِي يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ بِالْحَيَاةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالسُّقُوطِ فِيمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُلْزِمَهُ وَرَثَتَهُ، وَمَسْأَلَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمُتَقَدِّمَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْأَصْلِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ أَوْصَى بِتَصْدِيقِهِ مُلَابَسَةٌ عَلَى أَنْ لَا يَقِفَ عَلَى مَبْلَغِهَا، فَأَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْهَا بِتَصْدِيقِهِمْ فِيهَا وَهَذَا أَصْلٌ آخَرُ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَاعْلَمْهُ، قَالَ: وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَكَانَ مِنْ طَرِيقِ الْإِنْصَافِ أَنْ يَذْكُرَ ابْنُ الْقَطَّانِ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ، إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ بِهَا عِلْمٌ فَيُعْذَرُ، وَنَقَلَ الْقَاضِي ابْنُ زَرْبٍ الْحُكْمَ فِي الْمَسْأَلَةِ بِمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَتَّابٍ، وَكَتَبَ بِالْمَسْأَلَةِ ابْنُ سَهْلٍ إلَى أَحْمَدَ بْنِ رَشِيقٍ فَقِيهِ الْمِرْيَةِ، فَأَفْتَى بِأَنْ لَا يَمِينَ عَلَى الْمُقِرِّ لَهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تُهْمَةٌ فِي إقْرَارِ الْمُقِرِّ وَلَا صَحَّتْ عَلَيْهِ رِيبَةٌ. مَسْأَلَةٌ وَسُئِلَ مَالِكٌ ﵁ عَمَّنْ أَوْصَى فِي مَرَضِهِ، أَنَّ لِفُلَانٍ أَرْبَعِينَ دِينَارًا، وَأَوْصَى مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِيمَا قَالَ، فَادَّعَى الرَّجُلُ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ دِينَارًا، قَالَ أَرَى أَنْ يَحْلِفَ وَيَأْخُذَ خَمْسِينَ، وَبِهَذِهِ مِثْلُهَا اسْتَدَلَّ ابْنُ عَتَّابٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. مَسْأَلَةٌ وَفِي سَمَاعِ أَصْبَغَ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ أَوْصَى فَقَالَ قَدْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ فُلَانٍ مُعَامَلَةٌ، فَمَا ادَّعَى مِنْ شَيْءٍ فَأَعْطَوْهُ وَهُوَ فِيهِ مُصَدَّقٌ، فَقَالَ إنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ مُعَامَلَةَ مِثْلِهِ لِمِثْلِهِ أُعْطِيه، وَأَحْسِبُهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ فِي قِلَّةِ الْمَالِ وَكَثْرَتِهِ سَوَاءً. قَالَ: وَإِنْ ادَّعَى مَالًا يُشْبِهُ بَطَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَلَا فِي الثُّلُثِ، قَالَ أَصْبَغُ يُرِيدُ إنَّمَا تَبْطُلُ الزِّيَادَةُ عَلَى

стр. 416

مَا يُشْبِهْ وَلَا يَبْطُلُ الْجَمِيعُ، بَلْ يُعْطَى مَا يُشْبِهُ مِمَّا لَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ كَذِبُهُ، وَيُحْمَلُ ذَلِكَ يَعْنِي الْأَشْبَهُ مَحْمَلَ الشَّهَادَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ. مَسْأَلَةٌ وَفِي سَمَاعِ عِيسَى فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَقَالَ: مَا شَهِدَ بِهِ ابْنِي عَلَيَّ مِنْ دَيْنٍ أَوْ ابْنَتِي فَهُوَ مُصَدَّقٌ، مِنْ دِينَارٍ إلَى مِائَةٍ، أَوْ لَمْ يُوَقِّتْ عَدَدًا ثُمَّ مَاتَ، فَشَهِدَ ابْنُهُ ذَلِكَ لِقَوْمٍ بِدُيُونٍ، وَشَهِدَ أَيْضًا لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ بِدَيْنٍ، فَقَالَ لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ عِنْدِي إلَّا بِيَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا، وَمَذْهَبُهُ عِنْدِي مَذْهَبُ الْقَضَاءِ، يَعْنِي حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُكْمُ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْ الْمَيِّتِ، لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ يَمِينِ الْقَضَاءِ، قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، أَوْ نَكَلَ الْمَشْهُودُ لَهُ عَنْ الْيَمِينِ، لَزِمَ الشَّاهِدَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ مِيرَاثِهِ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ فِي مِيرَاثِهِ وَلَمْ يَحْلِفْ، طَالِبُ الْحَقِّ. مَسْأَلَةٌ وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قُلْت لِأَصْبَغَ مَنْ قَالَ عِنْدَ مَوْتِهِ عَلَيَّ دُيُونٌ، وَفُلَانٌ مَوْلَايَ أَوْ ابْنِي يَعْلَمُ أَمْرَ أَهْلِهَا، فَمَنْ بَيَّنَّا أَنَّ لَهُ عَلَيَّ شَيْئًا فَأَعْطَوْهُ فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ كَالشَّاهِدِ، إنْ كَانَ عَدْلًا حَلَفَ مَعَهُ الْمُدَّعِي وَأَخَذَ مَا قَالَ، قَالَ أَصْبَغُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ وَلَا أَعْرِفُهُ مِنْ قَوْلِهِ، وَلَكِنْ يُصَدَّقُ مَنْ جَعَلَ الْمَيِّتُ التَّصْدِيقَ إلَيْهِ كَانَ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، كَقَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ قَالَ: وَصِيَّتِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَمَا أَخْرَجَ فَأَنْفِذُوهُ، أَنَّ ذَلِكَ نَافِذٌ، وَمَا اسْتَثْنَى مَالِكٌ عَدْلًا مِنْ غَيْرِ عَدْلٍ، وَذَلِكَ سَوَاءٌ مَا لَمْ يُسَمِّ مَنْ يُتَّهَمُ عَلَيْهِ تُهْمَةً بِبَيِّنَةٍ مِنْ أَقَارِبِهِ مِمَّنْ هُوَ كَنَفْسِهِ، قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَقُلْ فَمَا أَخْرَجَ مِنْهَا فَأَنْفَذُوهُ، وَلَكِنْ قَالَ وَصِيَّتِي عِنْدَ فُلَانٍ وَسَكَتَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْئًا حَتَّى يَقُولَ فَأَنْفِذُوا مَا فِيهَا. وَفِي الْمَسْأَلَةِ طُولٌ وَبَحْثٌ مَعَ أَصْبَغَ، ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ حَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْعَدَالَةِ فِيمَنْ أَسْنَدَ الْمَيِّتُ إلَيْهِ ذَلِكَ، وَذَكَرَهُ فِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْأَوَّلِ مِنْ وَصَايَا النَّوَادِرِ، قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ قَالَ: كُنْت أُعَامِلُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَمَا ادَّعَوْا فَصَدِّقُوهُمَا، قَالَ فَلْيُعْطَوْا مَا ادَّعَوْا بِلَا يَمِينٍ. مَسْأَلَةٌ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ أَصْبَغُ: وَلَوْ أَوْصَى فَقَالَ: مَنْ ادَّعَى عَلَيَّ دَيْنًا فَأَحْلِفُوهُ عَلَيْهِ، وَاقْضُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، أَوْ قَالَ اقْضُوهُ إيَّاهُ

стр. 417

بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا يَمِينٍ، وَلَوْ لَمْ يُوَقِّتْ لِلدَّيْنِ وَقْتًا، فَأَرَى ذَلِكَ جَائِزًا فِي ثُلُثِهِ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ يَجُوزُ فِي ثُلُثَيْ الْوَرَثَةِ، وَأَرَاهُ كَالْوَصِيَّةِ، وَأَمَّا الَّذِي وَقَّتَ الدَّيْنَ وَسَمَّاهُ، فَهُوَ كَرَجُلٍ أَقَرَّ بِدَيْنٍ وَسَمَّاهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ وَلَا أَصْلَهُ، فَقَالَ مَنْ جَاءَ يَدَّعِيه فَاقْضُوهُ إيَّاهُ، فَذَلِكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ اثْنَانِ أَوْ جَمَاعَةٌ، كُلُّ وَاحِدٍ يَدَّعِيه لِنَفْسِهِ تَحَاصُّوا فِيهِ. مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فِي رَجُلٍ أَوْصَى أَنَّ مَا ادَّعَى بَنُو فُلَانٍ قِبَلِي فَأَعْطَوْهُمْ إيَّاهُ، وَمَا أَقَرُّوا بِهِ لِي قِبَلَهُمْ فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُمْ غَيْرَهُ، وَلَا تَسْتَحْلِفُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ أَشْيَاءُ وَحِسَابٌ، فَقَضَى ابْنُ وَهْبٍ أَنْ يُجِيزُوا قَوْلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثُّلُثِ، وَمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ كَانَتْ فِيهِ الْبَيِّنَاتُ وَالْأَيْمَانُ. وَقَالَ مُطَّرِفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ مِثْلَهُ. [الْبَابُ الثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَقِّ] مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْعُتْبِيَّةِ، وَأَرَاهَا مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ قُلْتُ أَرَأَيْت الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِشَيْءٍ لِلْعَامَّةِ كَالطَّرِيقِ أَوْ الْخَاصَّةِ أَوْ الْمُورَدَةِ وَنَحْوِهَا مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ؟ قَالَ عُدُولٌ مِنْ الْعَامَّةِ، قُلْت: وَكَيْفَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ سَهْمٌ؟ قَالَ هَذَا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، قَالَ لِي: وَلَيْسَ هَذَا سَهْمًا أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ سَهْمًا مَا قُطِعَ مَنْ سَرَقَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا حُدَّ مَنْ زَنَى بِجَارِيَةٍ مِنْ الْمَغْنَمِ وَهَذَا مِثْلُهُ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فِي الْقَوْمِ تَعْرِضُ لَهُمْ اللُّصُوصُ، فَيَأْخُذُهُمْ الْقَوْمُ فَيَأْتُونَ بِهِمْ الْإِمَامَ وَيَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ تَعَرَّضُوا لَنَا، وَتَلَصَّصُوا أَنَّ الْإِمَامَ يَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِينَ بِشَهَادَتِهِمْ، قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ إلَّا هُمْ وَهَذَا مِثْلُهُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُقْنِعِ فِي الْمَسْلُوبِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ سَلَبُونَا هَذَا الْمَتَاعَ وَهَذِهِ الدَّوَابَّ، وَذَلِكَ بِأَيْدِي اللُّصُوصِ، قَالَ مُطَّرِفٌ: فَشَهَادَةُ عَدْلَيْنِ مِنْهُمْ جَائِزَةٌ فِي الْقَطْعِ وَفِي أَمْوَالِهِمْ وَأَمْوَالِ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ لَمْ تَجُزْ

стр. 418

فِي الْمَالِ لَمْ تَجُزْ فِي الْقَطْعِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْبَلُ بَعْضُ الشَّهَادَةِ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا. وَقَالَ أَصْبَغُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ عَدْلَانِ مِنْهُمْ. وَفِي الْقَطْعِ وَفِي أَمْوَالِ الرُّفْقَةِ غَيْرِ أَمْوَالِهِمَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَالُهَا يَسِيرًا فَتَجُوزُ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ. وَقَالَ أَصْبَغُ لَا تَجُوزُ فِي الْقَطْعِ وَلَا لَهُمَا وَلَا لِغَيْرِهِمَا إنْ كَثُرَ مَا كَانَ لَهُمَا، فَإِذَا اُتُّهِمُوا فِي بَعْضِ الشَّهَادَةِ سَقَطَتْ كُلُّهَا، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَجْمُوعَةِ، وَيُقَامُ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَتِهِمْ إذَا كَانُوا كَثِيرًا، وَأَقَلُّ الْكَثِيرِ أَرْبَعَةٌ، وَالْأَرْبَعَةُ قَوْلُ مَالِكٍ، قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَا يُعْطَوْا الْأَمْوَالَ بِشَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ لِنَفْسِهِ، وَلَكِنْ يُعْطَوْنَ بِشَهَادَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَلَا يَكُونُونَ أَظِنَّاءُ بِمَا لِأَنْفُسِهِمْ وَإِنْ قَالَ اللُّصُوصُ لَمَّا قَطَعْنَا عَلَيْكُمْ زَالَتْ الظِّنَّةُ وَجَازَتْ الشَّهَادَةُ وَإِنْ قَالُوا قَطَعْنَا عَلَيْكُمْ فَقَدْ أَقَرُّوا بِشَهَادَتِهِمْ، وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ عَلَيْهِمْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ وَفِي التَّهْذِيبِ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَى وَصِيَّةٍ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ تَافِهٌ لَا يُتَّهَمُ فِيهِ، جَازَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، إذْ لَا يَصِحُّ بَعْضُ الشَّهَادَةِ وَيُرَدُّ بَعْضُهَا. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: إنْ كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ غَيْرُهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ جَازَتْ لِغَيْرِهِ وَلَمْ تَجُزْ لَهُ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. تَنْبِيهٌ وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْأَوَّلِ تَجُوزُ لَهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ التَّبَعِ وَالتَّافِهِ ثُلُثُ الْوَصِيَّةِ. وَفِي الطُّرَرِ لِلطَّنْجِيِّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرِ: إنْ كَانَ مَعَ الشَّاهِدِ غَيْرُهُ وَكَانَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ أَمْ لَا، فَإِنَّ الثَّالِثَ الَّذِي لَمْ يَشْهَدْ يَأْخُذُ نَصِيبَهُ بِلَا يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِشَاهِدَيْنِ، وَالشَّاهِدَانِ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ، وَيَأْخُذُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ وَغَيْرُهُ قَدْ حَلَفَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَيْضًا قَالَ: لَا يَخْلُو حَالُ هَذَا الشَّاهِدِ مِنْ وَجْهَيْنِ، إمَّا أَنْ يَشْهَدَ مَعَهُ غَيْرُهُ أَوْ يَنْفَرِدَ بِالشَّهَادَةِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ شَاهِدًا جَازَتْ فِي حَقِّ الْغَيْرِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَفِي حَقِّهِ بِيَمِينٍ، وَإِنْ انْفَرَدَ فَلَا يَخْلُو مَا شَهِدَ فِيهِ، إمَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا فَيَمْتَنِعُ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ الْغَيْرِ قَوْلَانِ، أَوْ يَكُونَ يَسِيرًا فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، قَوْلُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -.

стр. 419

الْأَوَّلُ: يَجُوزُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَقَوْلُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُقْنِعِ: قَالَ أَصْبَغُ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى وَصِيَّةٍ رَجُلٍ، فَشَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لَهُ بِكَذَا، فَإِنْ كَانَ عَلَى كِتَابٍ وَاحِدٍ فِيهِ ذَلِكَ لَهُمَا فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَ عَلَى غَيْرِ كِتَابٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ الْوَصِيَّةُ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِفُلَانٍ بِكَذَا، ثُمَّ قَالَ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْوَصِيَّةِ: اشْهَدْ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ فُلَانًا الْمَيِّتَ أَوْصَى لِفُلَانٍ بِكَذَا، يَعْنِي الَّذِي شَهِدَ لَهُ بِالْوَصِيَّةِ فَهِيَ جَائِزَةٌ لَهُمَا، وَيَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ الْآخَرِ. مَسْأَلَةٌ وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدَّمَاتِ، عَلَى مَسْأَلَةِ التَّهْذِيبِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَمَا بَعْدَهَا كَلَامٌ فِيهِ جَمْعٌ وَتَفْصِيلٌ، رَأَيْت إثْبَاتَهُ هُنَا، قَالَ: وَأَمَّا التُّهْمَةُ الْحَاصِلَةُ فِي بَعْضِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا تُبْطِلُ جُمْلَةَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَعْلُومِ فِي الْمَذْهَبِ، مِثْل أَنْ يَشْهَدَ رَجُلٌ أَنَّ لَهُ أَوْ لِأَبِيهِ وَلِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ مُعَامَلَةٍ أَوْ سَلَفٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ يَشْهَدُ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى لَهُ وَلِغَيْرِهِ بِوَصِيَّةِ مَالٍ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ، يَفْتَقِرُ تَحْصِيلُهُ إلَى تَفْصِيلٍ وَتَقْسِيمٍ وَذَلِكَ أَنَّهَا مَسْأَلَةٌ تَنْقَسِمُ عَلَى قِسْمَيْنِ، كُلُّ قِسْمٍ مِنْهُمَا لَا يَخْلُو مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُ الْقِسْمَيْنِ: أَنْ يَكُونَ الْمُوصِي أَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَقَدْ أَوْصَى فِيهَا لِلشَّاهِدِ بِوَصِيَّةٍ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى لَفْظٍ بِغَيْرِ كِتَابٍ، فَيَقُولَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا لِأَحَدِ الشُّهُودِ. فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يُشْهِدَ الْمُوصِي عَلَى وَصِيَّتِهِ، وَقَدْ أَوْصَى فِيهَا لِلشَّاهِدِ بِوَصِيَّةٍ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا سَمَّى الشَّاهِدُ فِيهَا يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنَّ شَهَادَةَ الْمُوصِي لَهُ لَا تَجُوزُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ فِي الْيَسِيرِ، كَذَا يُتَّهَمُ فِي غَيْرِ الْوَصِيَّةِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْمُدَوَّنَةِ.

стр. 420

وَالثَّانِي أَنَّ شَهَادَتَهُ تَجُوزُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ حَلَفَ الْمُوصِي لَهُمْ مَعَ شَهَادَتِهِ، أَنَّ مَا شَهِدَ بِهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ حَقٌّ، وَأَخَذَ مَالَهُ فِيهَا بِشَهَادَتِهِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ التَّبَعِ لِجُمْلَةِ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ أَوْصَى لَهُ أَيْضًا بِيَسِيرٍ، ثَبَتَتْ الْوَصِيَّةُ أَيْضًا بِشَهَادَتِهِمَا، وَأَخَذَ هُوَ مَا لَهُ فِيهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَرِوَايَةُ مُطَّرِفٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْوَاضِحَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ شَهَادَتَهُ تَجُوزُ لِغَيْرِهِ وَلَا تَجُوزُ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ حَلَفَ الْمُوصَى لَهُمْ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَاسْتَحَقُّوا وَصَايَاهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ أَوْصَى لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ يَسِيرٍ أَيْضًا، ثَبَتَتْ الْوَصِيَّةُ بِشَهَادَتِهِمَا لِمَنْ سِوَاهُمَا، وَأَخَذُوا وَصَايَاهُمْ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ فَاسْتَحَقَّ وَصِيَّتَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ مَنْ لَمْ يُوصِ لَهُ فِيهَا بِشَيْءٍ، ثَبَتَتْ الْوَصِيَّةُ بِشَهَادَتِهِمَا لِمَنْ سِوَاهُ، وَحَلَفَ مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ فَاسْتَحَقَّ وَصِيَّتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْوَاضِحَةِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ شَهَادَتَهُ تَجُوزُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ إنْ كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ غَيْرُهُ، فَتَثْبُتُ الْوَصِيَّةُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَيَأْخُذُ مَا لَهُ فِيهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَكَذَلِكَ صَاحِبُهُ أَيْضًا إنْ كَانَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ، وَيَأْخُذُ مَا لَهُ فِيهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَاهِدٌ غَيْرَهُ فَإِنَّهَا تَجُوزُ لِغَيْرِهِ، وَلَا تَجُوزُ لِنَفْسِهِ وَيَحْلِفُ غَيْرُهُ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَيَسْتَحِقُّ وَصِيَّتَهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ هُوَ شَيْءٌ، وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى بِهِ لِلشَّاهِدِ كَثِيرًا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ الْأَقْوَالِ، وَقِيلَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا تَجُوزُ لِنَفْسِهِ عَلَى قِيَاسِ أَصْبَغَ فِي نَوَازِلِهِ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، فِي الْعَبْدَيْنِ يَشْهَدَانِ بَعْدَ عِتْقِهِمَا، أَنَّ الَّذِي أَعْتَقَهُمَا غَصَبَهُمَا مِنْ رَجُلٍ مَعَ مِائَةِ دِينَارٍ، أَنَّ شَهَادَتَهُمَا تَجُوزُ فِي الْمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَا تَجُوزُ فِي غَصْبِ رِقَابِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا يُتَّهَمَانِ أَنْ يُرِيدَا إرْقَاقَ أَنْفُسِهِمَا، وَلَا يَجُوزُ لِحُرٍّ أَنْ يُرِقَّ نَفْسَهُ. وَيَقُومُ مِنْ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا رُدَّ بَعْضُهَا لِتُهْمَةٍ جَازَ مِنْهَا مَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ الْمَعْلُومِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يُشْهِدَ الْمُوصِي عَلَى وَصِيَّتِهِ لَفْظًا بِغَيْرِ كِتَابٍ، فَيَقُولَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، لِأَحَدِ الشُّهُودِ، فَلَا يَخْلُو

стр. 421

أَيْضًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَوْصَى بِهِ لِأَحَدِ الشُّهُودِ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ بِاتِّفَاقٍ وَتَجُوزُ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ حَلَفَ الْمُوصَى لَهُمْ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَاسْتَحَقُّوا وَصَايَاهُمْ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، يَسِيرًا أَيْضًا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ، وَاسْتَحَقَّ وَصِيَّتَهُ وَأَخَذَ مَنْ سِوَاهُمَا وَصَايَاهُمْ بِشَهَادَتِهِمَا دُونَ يَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ لِنَفْسِهِ بِشَيْءٍ حَلَفَ هُوَ مَعَهُ، وَاسْتَحَقَّ وَصِيَّتَهُ وَأَخَذَ مَنْ سِوَاهُ وَصِيَّتَهُ بِشَهَادَتِهِمَا دُونَ يَمِينٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَتَجُوزُ لِغَيْرِهِ عَلَى قَوْلِ مُطَّرِفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَّرِفٍ حَلَفَ الْمُوصَى لَهُمْ وَاسْتَحَقُّوا وَصَايَاهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ فَاسْتَحَقَّ وَصِيَّتَهُ، إنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ عَلَى مَذْهَبِهِمَا فِي الشُّهُودِ، يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تَجُوزُ إنْ كَانَتْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَأَخَذَ مَنْ سِوَاهُمَا وَصِيَّتَهُ بِشَهَادَتِهِمَا دُونَ يَمِينٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي نَقَلْت مِنْهَا حُكْمُ الْيَسِيرِ، فَانْظُرْهُ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهَا. مَسْأَلَةٌ قَالَ سَحْنُونٌ: فِي الْمُتَكَارِيَيْنِ السَّفِينَةَ، وَقَدْ نَقَدُوا الْكِرَاءَ فَعَطِبَتْ قَبْلَ الْبَلَاغِ، وَأَنْكَرَ قَبْضَ الْكِرَاءِ، قَالَ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ جَائِزَةٌ وَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا تَجُوزُ إذْ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ ضَرُورَةٍ، وَقَدْ كَانُوا يَجِدُونَ مَنْ يَشْهَدُ سِوَاهُمْ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَنْقُدُوهُ بِالْكِرَاءِ. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُقْنِعِ إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى وَصِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَلَهُمَا فِي وَاحِدَةِ مِنْهُمَا شَيْءٌ إنْ كَانَ يَسِيرًا أَجَازَتْ وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ فِيهِمَا جَمِيعًا. مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: وَإِذَا شَهِدَ عَلَى وَصِيَّةٍ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ وَلِغَيْرِهِ وَمُعَيَّنَيْنِ لَيْسَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ مَا لِلشَّاهِدِ فِيهَا تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ فِيهِ جَازَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَلَا يَمِينَ لَهُ مَعَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ

стр. 422

شَيْئًا لَهُ بَالٌ لَمْ تَجُزْ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَقَدْ كُنْت لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ ثُمَّ رَأَيْت هَذَا. مَسْأَلَةٌ قَالَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَوْصَى فِي مَرَضِهِ إلَى امْرَأَتِهِ، وَإِلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ أَحَدُهُمْ غَائِبٌ، وَقَدْ أَوْصَى لَهُمْ فِيهَا بِشَيْءٍ، وَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهَا غَيْرُهُمْ، فَيَشْهَدُ الْحَاضِرَانِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ إنْ كَانَ مَا أَوْصَى لَهُمَا بِهِ يَسِيرًا لَا يُتَّهَمَانِ فِيهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، قَالَ سَحْنُونٌ لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُمَا يُتَّهَمَانِ عَلَى مَا يَلِيَانِ لِلْيَتَامَى. مَسْأَلَةٌ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كِتَابِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي شَاهِدَيْنِ أَوْصَى رَجُلٌ إلَيْهِمَا وَأَشْهَدَهُمَا فِي ثُلُثِهِ: إنَّ ثُلُثَ مَالَهُ ثُلُثُهُ لِلْمَسَاكِينِ وَثُلُثُهُ لِفُلَانٍ وَثُلُثُهُ لَهُمَا، قَالَ هَذَا يَسِيرٌ وَتَجُوزُ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا لَهُ بَالٌ لَمْ تَجُزْ لَهُمَا وَلَا لِغَيْرِهِمَا، وَقَدْ قِيلَ لَا تَجُوزُ أَصْلًا قَلَّ أَمْ كَثُرَ، وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ الْمُغِيرَةِ: فِيمَنْ افْتَرَى عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَنْ قَامَ بِهِ؟ وَكَيْفَ إنْ قَالَ الشُّهُودُ نَحْنُ لَا نَطْلُبُهُ؟ فَقَالَ إنْ كَانَ قَالَهُ لِجَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ، مِثْلَ أَهْلِ مِصْرَ أَوْ الشَّامِ أَوْ أَهْلِ مَكَّةَ جَازَتْ شَهَادَةُ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ لِبُعْدِ الْحَمِيَّةِ وَالتَّعَصُّبِ مِنْ هَذَا، وَإِنْ قَالَهُ لِبَطْنٍ أَوْ فَخْذٍ مِثْلَ زَهْرَةَ وَمَخْزُومٍ أَوْ جِيرَانِهِ، وَجِيرَانُهُ غَيْرُ كَثِيرٍ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ فِيهِ مِمَّنْ عَنِيَ بِالْقَوْلِ لِلتُّهْمَةِ. مَسْأَلَةٌ وَأَجَازَ سَحْنُونٌ شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَطَعَ مِنْ طَرِيقِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ طَرِيقُهُ الَّذِي يَمُرُّ فِيهِ إذَا لَمْ يَلِ هُوَ الْخُصُومَةَ بِذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ قَالَ عِيسَى فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ فِيمَنْ اُحْتُضِرَ وَوَرَثَتُهُ أَخَوَاهُ شَاهِدَانِ فِي حَقٍّ لَهُ، فَقَالَ لَهُمَا: اُتْرُكَا مِنْهُ مَوْرُوثَكُمَا، أَوْ يَتْرُكُهُ أَحَدُكُمَا فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ، فِيهِ فَفَعَلَا أَوْ فَعَلَ، قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ عَنْ أَصْبَغَ فِيمَنْ تَرِثُهُ ابْنَتُهُ وَأَخَوَاهُ، فَتَرَكَا مِيرَاثَهُمَا مِنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ وَجَدَتْ الِابْنَةُ ذِكْرَ حَقٍّ لَهُ بِشَهَادَتِهِمَا، قَالَ هِيَ جَائِزَةٌ إذْ لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا شَيْئًا.

стр. 423

مَسْأَلَةٌ وَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ مُبْدَأٍ، وَبِوَصَايَا لِقَوْمٍ فَشَهِدَ الْمُوصَى لَهُمْ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ مَاتَ قَبْلَ الْمُوصِي، جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ إذْ لَا نَفْعَ لَهُمْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ يَقُومُونَ مَقَامَ الْمُبْدَأِ، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُمْ شَيْءٌ مِمَّا بُدِئَ بِهِ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْعَبْدِ. مَسْأَلَةٌ وَقَالَ عِيسَى فِيمَنْ اُحْتُضِرَ، فَقَالَ مَا شَهِدَ عَلَيَّ بِهِ أَبِي مِنْ دَيْنٍ أَوْ شَيْءٍ فَهُوَ مُصَدَّقٌ إلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَلَمْ يُوَقِّتْ وَقْتًا ثُمَّ مَاتَ فَشَهِدَ فِيهِ الْقَوْمُ بِدُيُونٍ، وَشَهِدَ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ بِدَيْنٍ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِيَمِينٍ، إنْ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا كَالْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا أَوْ نَكَلَ الْمَشْهُودُ لَهُ عَنْ الْيَمِينِ، لَزِمَ الشَّاهِدَ قَدْرُ مِيرَاثِهِ مِنْ هَذَا الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ فِي مِيرَاثِهِ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَحْلِفْ الطَّالِبُ. مَسْأَلَةٌ قَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الَّتِي مَاتَتْ وَلَيْسَ لَهَا وَارِثٌ إلَّا بَنَاتٌ فَشَهِدَ أَخُوهَا وَزَوْجُهَا أَنَّهَا حَنِثَتْ فِي رَقِيقٍ لَهَا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِمَا حُظُوظُهُمَا مِنْ الرَّقِيقِ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِمَا مَا بَقِيَ. وَفِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ. [الْبَابُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ] وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي أَرْبَعَةِ نَفَرٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَمْ يَلْفِظْ بِغَيْرِهَا، فَقَالَ الِاثْنَانِ مِنْهُمْ: نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ إنَّ امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ الْآخَرَانِ بَلْ إنَّمَا قَالَ غُلَامِي حُرٌّ، أَوْ قَالَ الِاثْنَانِ مِنْهُمْ نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ امْرَأَتِي فُلَانَةُ الْمُسْلِمَةُ طَالِقٌ، لَمْ يَلْفِظْ بِغَيْرِهَا. وَقَالَ الْآخَرَانِ لَا بَلْ قَالَ: امْرَأَتِي النَّصْرَانِيَّةُ طَالِقٌ، أَوْ شَهِدَ الِاثْنَانِ بِطَلَاقِ الْحُرَّةِ، وَالْآخَرَانِ بِطَلَاقِ الْأَمَةِ، أَوْ قَالَ الِاثْنَانِ إنَّمَا أَعْتَقَ غُلَامَهُ مَيْمُونًا، وَقَالَ الْآخَرَانِ بَلْ مَرْزُوقًا، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي هَذَا كُلِّهِ إذَا كَانَ مُنْكِرًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ، وَأَكْذَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَمَّا مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فَقَالَا شَهَادَةُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الشُّهُودِ جَائِزَةٌ إذَا كَانُوا عُدُولًا؛ لِأَنَّ كُلًّا شَهِدَ بِغَيْرِ مَا شَهِدَ بِهِ الْفَرِيقُ الْآخَرُ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ وَهَذِهِ شَهَادَةٌ يُقَامَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَهَكَذَا سَمِعْنَا

стр. 424

مَالِكًا يَقُولُ وَجَمِيعَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ حُكْمُ حُكَّامِنَا، وَقَوْلُ عُلَمَائِنَا لَا نَعْلَمُ خِلَافَهُ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَبِهِ نَقُولُ. فَرْعٌ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ: وَلَوْ شَهِدَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَيْهِ بِلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَالَ الْآخَرَانِ بَلْ إنَّمَا قَالَ طَالِقٌ وَاحِدَةً، أُخِذَ بِقَوْلِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الثَّلَاثِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى خِلَافِهِمْ، إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ. فَرْعٌ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ إنَّمَا أَقَرَّ بِخَمْسِينَ، قَضَى بِشَهَادَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْأَكْثَرِ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُؤْخَذُ بِاَلَّذِي اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ أَوْ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ، ثُمَّ أَحَلَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ أَنَّهُ بَاطِلٌ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ تَكَاذَبُوا فِيمَا نَافٍ عَلَى مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَوْ زَعَمَ الشَّاهِدَانِ الْآخَرَانِ أَنَّهُ صَمَتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِمَا، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَوْلُ أَصْبَغَ وَابْنَ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ. مَسْأَلَةٌ وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ فِي شُهُودٍ شَهِدُوا أَنَّ كِتَابًا فِيهِ حُكْمٌ قُرِئَ عَلَى الْقَاضِي فَجَوَّزَهُ، أَشْهَدَ عَلَى تَجْوِيزِهِ، وَشَهِدَ أَخَّرُونِ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ تَجْوِيزٌ، أَوْ قَالُوا لَمْ يُجَوِّزهُ أَصْلًا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الَّذِينَ شَهِدُوا أَنَّ ذَلِكَ تَمَّ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ قَالُوا لَمْ يَتِمَّ أَصْلًا، أَوْ لَمْ نَسْمَعْ لَهُ إتْمَامًا كَانُوا فِي مَحْضَرٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي غَيْرِ مَحْضَرٍ وَاحِدٍ، تَكَافَئُوا فِي الْعَدَالَةِ أَوْ لَمْ يَتَكَافَئُوا فِيهَا، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى التَّمَامِ عُدُولًا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الَّذِي شَهِدُوا فِيهِ صُلْحًا أَوْ بَيْعًا، فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَمَّ، وَشَهِدَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ، هُوَ عَلَى مَا فَسَّرْت لَك. مَسْأَلَةٌ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، مَضَتْ الشَّهَادَةُ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ بَابِ شَهَادَةِ الْأَبْدَادِ؛ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَى التَّحْرِيمِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ خَمْرٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ سُكَّرٍ، تَمَّتْ الشَّهَادَةُ وَوَجَبَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَى السُّكْرِ وَفِيهِ الْحَدُّ. وَقَالَ أَصْبَغُ مِثْلَهُ، وَكَذَا

стр. 425

لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: هِيَ حَرَامٌ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الْبَتَّةُ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: هِيَ خَلِيَّةٌ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ بَائِنٌ، فَشَهَادَتُهُمَا فِي هَذَا كُلِّهِ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا عَلَى الْبَتَاتِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ. مَسْأَلَةٌ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِذَا اخْتَلَفَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرَّائِحَةِ تُوجَدُ مِنْ الرِّجَالِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ رَائِحَةُ مُسْكِرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَتْ بِرَائِحَةِ مُسْكِرٍ، فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ عَدْلَانِ عَلَى أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ أُخِذَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى الْآخَرِينَ إنْ كَانُوا عُدُولًا. مَسْأَلَةٌ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِي الْقَوْمِ يَشْهَدُونَ عَلَى الرَّجُلِ بِالزِّنَا، وَيَتَّفِقُونَ فِي شَهَادَتِهِمَا عَلَى الرُّؤْيَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ وَالْمَوَاطِنِ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ سَكَتُوا عَنْهُ كَانَتْ تَامَّةً وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَلَا فِي أَيِّ يَوْمٍ، فَلِذَلِكَ لَا يَضُرُّ شَهَادَتَهُمْ اخْتِلَافُهُمْ فِيهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُسْقِطُ الشَّهَادَةَ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ وَالْأَشْهُرِ وَالْمَوَاضِعِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي الْقَذْفِ وَالْخَمْرِ وَأَقَامَ بِهِ الْحَدَّ. مَسْأَلَةٌ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِذَا شَهِدَ الْوَاحِدُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ لَا بَلْ بِخَمْسِينَ، وَقَدْ اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ إقْرَارًا وَاحِدًا، خُيِّرَ الْمَشْهُودُ لَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْخَمْسِينَ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ شَاءَ حَلَفَ مَعَ الشَّاهِدِ الَّذِي شَهِدَ عَلَى الْمِائَةِ وَأَخَذَ الْمِائَةَ، وَلَوْ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ كَانَ إقْرَارًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا سَمِعَ مِنْ إقْرَارِهِ عَلَى حِدَةٍ، أَوْ بِمَا أَشْهَدَهُ بِهِ عَلَى يَدِ حَاكِمٍ، وَقَالَ الطَّالِبُ هُمَا حَقَّانِ اثْنَانِ، وَقَالَ الْمَطْلُوبُ إنَّمَا هُوَ حَقٌّ دَخَلَ قَلِيلُهُ فِي كَثِيرِهِ، فَالطَّالِبُ يَحْلِفُ مَعَ كُلِّ شَاهِدٍ مِنْهُمَا وَيَأْخُذُ الْحَقَّيْنِ. مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُقْنِعِ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمَكَّةَ مِنْ سَنَةِ كَذَا بِمِائَةِ إرْدَبٍّ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ بِمِصْرَ لِآخَرَ بِمِائَةِ إرْدَبٍّ مِنْ قَمْحٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ فِي
следующие страницы →