Полный текст (849 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أَيْضًا مِنْ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَوْصَى بِهِ لِأَحَدِ الشُّهُودِ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ بِاتِّفَاقٍ وَتَجُوزُ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ حَلَفَ الْمُوصَى لَهُمْ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَاسْتَحَقُّوا وَصَايَاهُمْ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، يَسِيرًا أَيْضًا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ، وَاسْتَحَقَّ وَصِيَّتَهُ وَأَخَذَ مَنْ سِوَاهُمَا وَصَايَاهُمْ بِشَهَادَتِهِمَا دُونَ يَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ لِنَفْسِهِ بِشَيْءٍ حَلَفَ هُوَ مَعَهُ، وَاسْتَحَقَّ وَصِيَّتَهُ وَأَخَذَ مَنْ سِوَاهُ وَصِيَّتَهُ بِشَهَادَتِهِمَا دُونَ يَمِينٍ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لِنَفْسِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَتَجُوزُ لِغَيْرِهِ عَلَى قَوْلِ مُطَّرِفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَلَا تَجُوزُ عَلَى مَا فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ مِنْ كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمُطَّرِفٍ حَلَفَ الْمُوصَى لَهُمْ وَاسْتَحَقُّوا وَصَايَاهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ مَعَ شَهَادَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ لِنَفْسِهِ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ شَهَادَةِ صَاحِبِهِ فَاسْتَحَقَّ وَصِيَّتَهُ، إنْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ عَلَى مَذْهَبِهِمَا فِي الشُّهُودِ، يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تَجُوزُ إنْ كَانَتْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَأَخَذَ مَنْ سِوَاهُمَا وَصِيَّتَهُ بِشَهَادَتِهِمَا دُونَ يَمِينٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي نَقَلْت مِنْهَا حُكْمُ الْيَسِيرِ، فَانْظُرْهُ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهَا.
مَسْأَلَةٌ قَالَ سَحْنُونٌ: فِي الْمُتَكَارِيَيْنِ السَّفِينَةَ، وَقَدْ نَقَدُوا الْكِرَاءَ فَعَطِبَتْ قَبْلَ الْبَلَاغِ، وَأَنْكَرَ قَبْضَ الْكِرَاءِ، قَالَ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ جَائِزَةٌ وَيَرْجِعُونَ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا تَجُوزُ إذْ لَيْسَتْ بِمَوْضِعِ ضَرُورَةٍ، وَقَدْ كَانُوا يَجِدُونَ مَنْ يَشْهَدُ سِوَاهُمْ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَنْقُدُوهُ بِالْكِرَاءِ.
مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُقْنِعِ إنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى وَصِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، وَلَهُمَا فِي وَاحِدَةِ مِنْهُمَا شَيْءٌ إنْ كَانَ يَسِيرًا أَجَازَتْ وَإِلَّا لَمْ تَجُزْ فِيهِمَا جَمِيعًا.
مَسْأَلَةٌ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: وَإِذَا شَهِدَ عَلَى وَصِيَّةٍ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ وَلِغَيْرِهِ وَمُعَيَّنَيْنِ لَيْسَ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ مَا لِلشَّاهِدِ فِيهَا تَافِهًا لَا يُتَّهَمُ فِيهِ جَازَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَلَا يَمِينَ لَهُ مَعَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ
стр. 422
شَيْئًا لَهُ بَالٌ لَمْ تَجُزْ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَقَدْ كُنْت لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ فِي قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ ثُمَّ رَأَيْت هَذَا.
مَسْأَلَةٌ قَالَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَوْصَى فِي مَرَضِهِ إلَى امْرَأَتِهِ، وَإِلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ أَحَدُهُمْ غَائِبٌ، وَقَدْ أَوْصَى لَهُمْ فِيهَا بِشَيْءٍ، وَلَا يَشْهَدُ عَلَيْهَا غَيْرُهُمْ، فَيَشْهَدُ الْحَاضِرَانِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ إنْ كَانَ مَا أَوْصَى لَهُمَا بِهِ يَسِيرًا لَا يُتَّهَمَانِ فِيهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، قَالَ سَحْنُونٌ لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُمَا يُتَّهَمَانِ عَلَى مَا يَلِيَانِ لِلْيَتَامَى.
مَسْأَلَةٌ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كِتَابِهِ عَنْ مَالِكٍ فِي شَاهِدَيْنِ أَوْصَى رَجُلٌ إلَيْهِمَا وَأَشْهَدَهُمَا فِي ثُلُثِهِ: إنَّ ثُلُثَ مَالَهُ ثُلُثُهُ لِلْمَسَاكِينِ وَثُلُثُهُ لِفُلَانٍ وَثُلُثُهُ لَهُمَا، قَالَ هَذَا يَسِيرٌ وَتَجُوزُ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا، وَلَوْ كَانَ شَيْئًا لَهُ بَالٌ لَمْ تَجُزْ لَهُمَا وَلَا لِغَيْرِهِمَا، وَقَدْ قِيلَ لَا تَجُوزُ أَصْلًا قَلَّ أَمْ كَثُرَ، وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ الْمُغِيرَةِ: فِيمَنْ افْتَرَى عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ النَّاسِ، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَنْ قَامَ بِهِ؟ وَكَيْفَ إنْ قَالَ الشُّهُودُ نَحْنُ لَا نَطْلُبُهُ؟ فَقَالَ إنْ كَانَ قَالَهُ لِجَمَاعَةٍ عَظِيمَةٍ، مِثْلَ أَهْلِ مِصْرَ أَوْ الشَّامِ أَوْ أَهْلِ مَكَّةَ جَازَتْ شَهَادَةُ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ لِبُعْدِ الْحَمِيَّةِ وَالتَّعَصُّبِ مِنْ هَذَا، وَإِنْ قَالَهُ لِبَطْنٍ أَوْ فَخْذٍ مِثْلَ زَهْرَةَ وَمَخْزُومٍ أَوْ جِيرَانِهِ، وَجِيرَانُهُ غَيْرُ كَثِيرٍ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ فِيهِ مِمَّنْ عَنِيَ بِالْقَوْلِ لِلتُّهْمَةِ.
مَسْأَلَةٌ وَأَجَازَ سَحْنُونٌ شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَطَعَ مِنْ طَرِيقِ الْعَامَّةِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ طَرِيقُهُ الَّذِي يَمُرُّ فِيهِ إذَا لَمْ يَلِ هُوَ الْخُصُومَةَ بِذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ عِيسَى فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ فِيمَنْ اُحْتُضِرَ وَوَرَثَتُهُ أَخَوَاهُ شَاهِدَانِ فِي حَقٍّ لَهُ، فَقَالَ لَهُمَا: اُتْرُكَا مِنْهُ مَوْرُوثَكُمَا، أَوْ يَتْرُكُهُ أَحَدُكُمَا فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ، فِيهِ فَفَعَلَا أَوْ فَعَلَ، قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ.
مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ عَنْ أَصْبَغَ فِيمَنْ تَرِثُهُ ابْنَتُهُ وَأَخَوَاهُ، فَتَرَكَا مِيرَاثَهُمَا مِنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ وَجَدَتْ الِابْنَةُ ذِكْرَ حَقٍّ لَهُ بِشَهَادَتِهِمَا، قَالَ هِيَ جَائِزَةٌ إذْ لَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا شَيْئًا.
стр. 423
مَسْأَلَةٌ وَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ مُبْدَأٍ، وَبِوَصَايَا لِقَوْمٍ فَشَهِدَ الْمُوصَى لَهُمْ أَنَّ الْمُوصَى لَهُ بِالْعَبْدِ مَاتَ قَبْلَ الْمُوصِي، جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ إذْ لَا نَفْعَ لَهُمْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْوَرَثَةَ يَقُومُونَ مَقَامَ الْمُبْدَأِ، وَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُمْ شَيْءٌ مِمَّا بُدِئَ بِهِ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْعَبْدِ.
مَسْأَلَةٌ وَقَالَ عِيسَى فِيمَنْ اُحْتُضِرَ، فَقَالَ مَا شَهِدَ عَلَيَّ بِهِ أَبِي مِنْ دَيْنٍ أَوْ شَيْءٍ فَهُوَ مُصَدَّقٌ إلَى مِائَةِ دِينَارٍ، وَلَمْ يُوَقِّتْ وَقْتًا ثُمَّ مَاتَ فَشَهِدَ فِيهِ الْقَوْمُ بِدُيُونٍ، وَشَهِدَ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ بِدَيْنٍ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِيَمِينٍ، إنْ كَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا كَالْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا أَوْ نَكَلَ الْمَشْهُودُ لَهُ عَنْ الْيَمِينِ، لَزِمَ الشَّاهِدَ قَدْرُ مِيرَاثِهِ مِنْ هَذَا الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَ سَفِيهًا لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ فِي مِيرَاثِهِ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَحْلِفْ الطَّالِبُ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ الْمُغِيرَةُ فِي الَّتِي مَاتَتْ وَلَيْسَ لَهَا وَارِثٌ إلَّا بَنَاتٌ فَشَهِدَ أَخُوهَا وَزَوْجُهَا أَنَّهَا حَنِثَتْ فِي رَقِيقٍ لَهَا فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا، وَيُعْتَقُ عَلَيْهِمَا حُظُوظُهُمَا مِنْ الرَّقِيقِ، وَلَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِمَا مَا بَقِيَ.
وَفِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ.
[الْبَابُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ]
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي أَرْبَعَةِ نَفَرٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَمْ يَلْفِظْ بِغَيْرِهَا، فَقَالَ الِاثْنَانِ مِنْهُمْ: نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ إنَّ امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَقَالَ الْآخَرَانِ بَلْ إنَّمَا قَالَ غُلَامِي حُرٌّ، أَوْ قَالَ الِاثْنَانِ مِنْهُمْ نَشْهَدُ أَنَّهُ قَالَ امْرَأَتِي فُلَانَةُ الْمُسْلِمَةُ طَالِقٌ، لَمْ يَلْفِظْ بِغَيْرِهَا.
وَقَالَ الْآخَرَانِ لَا بَلْ قَالَ: امْرَأَتِي النَّصْرَانِيَّةُ طَالِقٌ، أَوْ شَهِدَ الِاثْنَانِ بِطَلَاقِ الْحُرَّةِ، وَالْآخَرَانِ بِطَلَاقِ الْأَمَةِ، أَوْ قَالَ الِاثْنَانِ إنَّمَا أَعْتَقَ غُلَامَهُ مَيْمُونًا، وَقَالَ الْآخَرَانِ بَلْ مَرْزُوقًا، فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي هَذَا كُلِّهِ إذَا كَانَ مُنْكِرًا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ اخْتَلَفَتْ، وَأَكْذَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَمَّا مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فَقَالَا شَهَادَةُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الشُّهُودِ جَائِزَةٌ إذَا كَانُوا عُدُولًا؛ لِأَنَّ كُلًّا شَهِدَ بِغَيْرِ مَا شَهِدَ بِهِ الْفَرِيقُ الْآخَرُ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ وَهَذِهِ شَهَادَةٌ يُقَامَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَهَكَذَا سَمِعْنَا
стр. 424
مَالِكًا يَقُولُ وَجَمِيعَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ حُكْمُ حُكَّامِنَا، وَقَوْلُ عُلَمَائِنَا لَا نَعْلَمُ خِلَافَهُ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَبِهِ نَقُولُ.
فَرْعٌ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ: وَلَوْ شَهِدَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَيْهِ بِلَفْظَةٍ وَاحِدَةٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَالَ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَالَ الْآخَرَانِ بَلْ إنَّمَا قَالَ طَالِقٌ وَاحِدَةً، أُخِذَ بِقَوْلِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الثَّلَاثِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى خِلَافِهِمْ، إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ.
فَرْعٌ وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ بَلْ إنَّمَا أَقَرَّ بِخَمْسِينَ، قَضَى بِشَهَادَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْأَكْثَرِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُؤْخَذُ بِاَلَّذِي اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ أَوْ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ، ثُمَّ أَحَلَفَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ أَنَّهُ بَاطِلٌ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ تَكَاذَبُوا فِيمَا نَافٍ عَلَى مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاحِدٌ وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَوْ زَعَمَ الشَّاهِدَانِ الْآخَرَانِ أَنَّهُ صَمَتَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِمَا، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَوْلُ أَصْبَغَ وَابْنَ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ.
مَسْأَلَةٌ وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ فِي شُهُودٍ شَهِدُوا أَنَّ كِتَابًا فِيهِ حُكْمٌ قُرِئَ عَلَى الْقَاضِي فَجَوَّزَهُ، أَشْهَدَ عَلَى تَجْوِيزِهِ، وَشَهِدَ أَخَّرُونِ أَنَّهُ قُرِئَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ تَجْوِيزٌ، أَوْ قَالُوا لَمْ يُجَوِّزهُ أَصْلًا، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ الَّذِينَ شَهِدُوا أَنَّ ذَلِكَ تَمَّ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ قَالُوا لَمْ يَتِمَّ أَصْلًا، أَوْ لَمْ نَسْمَعْ لَهُ إتْمَامًا كَانُوا فِي مَحْضَرٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي غَيْرِ مَحْضَرٍ وَاحِدٍ، تَكَافَئُوا فِي الْعَدَالَةِ أَوْ لَمْ يَتَكَافَئُوا فِيهَا، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى التَّمَامِ عُدُولًا، وَكَذَا لَوْ كَانَ الَّذِي شَهِدُوا فِيهِ صُلْحًا أَوْ بَيْعًا، فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ تَمَّ، وَشَهِدَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ، هُوَ عَلَى مَا فَسَّرْت لَك.
مَسْأَلَةٌ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، مَضَتْ الشَّهَادَةُ وَلَمْ تَكُنْ مِنْ بَابِ شَهَادَةِ الْأَبْدَادِ؛ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَى التَّحْرِيمِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ خَمْرٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ سَكِرَ مِنْ سُكَّرٍ، تَمَّتْ الشَّهَادَةُ وَوَجَبَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَى السُّكْرِ وَفِيهِ الْحَدُّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ مِثْلَهُ، وَكَذَا
стр. 425
لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: هِيَ حَرَامٌ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ الْبَتَّةُ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: هِيَ خَلِيَّةٌ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: هِيَ بَائِنٌ، فَشَهَادَتُهُمَا فِي هَذَا كُلِّهِ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا عَلَى الْبَتَاتِ، وَإِنْ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِذَا اخْتَلَفَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرَّائِحَةِ تُوجَدُ مِنْ الرِّجَالِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ رَائِحَةُ مُسْكِرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَتْ بِرَائِحَةِ مُسْكِرٍ، فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ عَدْلَانِ عَلَى أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ أُخِذَ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى الْآخَرِينَ إنْ كَانُوا عُدُولًا.
مَسْأَلَةٌ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِي الْقَوْمِ يَشْهَدُونَ عَلَى الرَّجُلِ بِالزِّنَا، وَيَتَّفِقُونَ فِي شَهَادَتِهِمَا عَلَى الرُّؤْيَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ وَالْمَوَاطِنِ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ سَكَتُوا عَنْهُ كَانَتْ تَامَّةً وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَلَا فِي أَيِّ يَوْمٍ، فَلِذَلِكَ لَا يَضُرُّ شَهَادَتَهُمْ اخْتِلَافُهُمْ فِيهَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُسْقِطُ الشَّهَادَةَ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ وَالْأَشْهُرِ وَالْمَوَاضِعِ، وَأَجَازَ ذَلِكَ فِي الْقَذْفِ وَالْخَمْرِ وَأَقَامَ بِهِ الْحَدَّ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِذَا شَهِدَ الْوَاحِدُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ لَا بَلْ بِخَمْسِينَ، وَقَدْ اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ إقْرَارًا وَاحِدًا، خُيِّرَ الْمَشْهُودُ لَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْخَمْسِينَ بِغَيْرِ يَمِينٍ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ شَاءَ حَلَفَ مَعَ الشَّاهِدِ الَّذِي شَهِدَ عَلَى الْمِائَةِ وَأَخَذَ الْمِائَةَ، وَلَوْ لَمْ يَقُولَا ذَلِكَ كَانَ إقْرَارًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا سَمِعَ مِنْ إقْرَارِهِ عَلَى حِدَةٍ، أَوْ بِمَا أَشْهَدَهُ بِهِ عَلَى يَدِ حَاكِمٍ، وَقَالَ الطَّالِبُ هُمَا حَقَّانِ اثْنَانِ، وَقَالَ الْمَطْلُوبُ إنَّمَا هُوَ حَقٌّ دَخَلَ قَلِيلُهُ فِي كَثِيرِهِ، فَالطَّالِبُ يَحْلِفُ مَعَ كُلِّ شَاهِدٍ مِنْهُمَا وَيَأْخُذُ الْحَقَّيْنِ.
مَسْأَلَةٌ وَفِي الْمُقْنِعِ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَقَرَّ لِفُلَانٍ يَوْمَ عَرَفَةَ بِمَكَّةَ مِنْ سَنَةِ كَذَا بِمِائَةِ إرْدَبٍّ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ بِمِصْرَ لِآخَرَ بِمِائَةِ إرْدَبٍّ مِنْ قَمْحٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ فِي
стр. 426
الشَّامِ بِمِائَةِ إرْدَبِّ شَعِيرٍ لِثَالِثٍ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْعَدَالَةِ سَوَاءٌ سَقَطَتْ الشَّهَادَاتُ كُلُّهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي سَوَاءً، وَالْآخَرُ دُونَهُمَا سَقَطَتْ الشَّهَادَاتُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَدْلَيْنِ يُسْقِطُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَهُمَا جَمِيعًا يُسْقِطَانِ الَّذِي دُونَهُمَا، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا عَدَلَ الثَّلَاثَةَ حَلَفَ مَعَهُ الْمُدَّعِي، وَأَخَذَ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ.
[الْبَابُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ]
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ لَهَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ.
الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: تُفِيدُ الْعِلْمَ وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالتَّوَاتُرِ، كَالسَّمَاعِ بِأَنَّ مَكَّةَ مَوْجُودَةٌ وَمِصْرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ إذَا حَصَلَتْ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ بِالرُّؤْيَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُفِيدُ الْعِلْمَ.
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: شَهَادَةُ الِاسْتِفَاضَةِ: وَهِيَ تُفِيدُ ظَنَّا قَوِيًّا، يَقْرُبُ مِنْ الْقَطْعِ وَيَرْتَفِعُ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ مِنْ أَوْثَقِ مَنْ أَخَذَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ فَيَجُوزُ الِاسْتِنَادُ إلَيْهَا.
وَمِنْهَا إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ رُؤْيَةً مُسْتَفِيضَةً، وَرَآهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَشَاعَ أَمْرُهُ فِيهِمْ، لَزِمَ الصَّوْمُ أَوْ الْفِطْرُ مَنْ رَآهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ، لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى شَهَادَةٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَلَا تَعْدِيلٍ، قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ الْخِلَافَ.
وَمِنْهَا اسْتِفَاضَةُ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ وَمَا يَسْتَفِيضُ عِنْدَ الْحَاكِمِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ الْحَاكِمُ لِاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ. وَمِنْهُمْ: مَنْ لَا يَسْأَلُ عَنْهُ لِاشْتِهَارِ جُرْحَتِهِ، وَإِنَّمَا يَكْشِفُ عَمَّنْ أَشْكَلَ، وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ قَاضِي الْمَدِينَةِ أَوْ عَامِلِهَا، فَقَالَ: أَمَّا الِاسْمُ فَاسْمُ عَدْلٍ، وَلَكِنْ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّك ابْنَ أَبِي حَازِمٍ؟ فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ عَدَالَةَ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ
стр. 427
لَا تَجْتَرِحُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهَا، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ شَخْصَهُ لِشُهْرَتِهِ بِالْعَدَالَةِ، بَلْ سَأَلَ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ عَلَى عَيْنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ هُوَ.
وَمِنْ الْقَسَامَةِ بِالسَّمَاعِ بِالِاسْتِفَاضَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِثْلَ أَنْ يَعْدُو رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فِي سُوقٍ مِثْلِ سُوقِ الْأَحَدِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ كَثْرَةِ النَّاسِ، فَيَقْطَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ حَضَرَ عَلَيْهِ بِالشَّهَادَةِ، فَرَأَى مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَلِكَ إذَا كَثُرَ هَكَذَا وَتَظَاهَرَ بِمَنْزِلَةِ اللَّوْثِ، تَكُونُ فِيهِ الْقَسَامَةُ. مِنْ مَعِينِ الْحُكَّامِ.
وَمِنْهَا: قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: وَإِذَا بَلَغَ مِنْ شُهْرَةِ الْمُحَارِبِ بِاسْمِهِ مَا أَكَّدَ تَوَاتُرَهُ بِاسْمِهِ، فَأَتَى مَنْ يَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا هَذَا، وَقَالُوا: لَمْ نُشَاهِدُ قَطْعَهُ الطَّرِيقَ إلَّا أَنَّا نَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ اسْتَفَاضَ عِنْدَنَا وَاشْتَهَرَ قَطْعُهُ لِلطَّرِيقِ، وَمَا شُهِرَ بِهِ مِنْ الْقَتْلِ وَأَخْذِ الْمَالِ وَالْفَسَادِ، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَلَى الْعِيَانِ.
فَرْعٌ وَإِذَا كَانَ الَّذِينَ قَطَعَ عَلَيْهِمْ الطَّرِيقَ غَيْرَ عُدُولٍ، أَوْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ نَصَارَى، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى اللُّصُوصِ، وَلَكِنْ إذَا اسْتَفَاضَ ذَلِكَ مِنْ الذِّكْرِ وَكَثْرَةِ الْقَوْلِ، أَدَّبَهُمْ الْإِمَامُ وَنَفَاهُمْ. مِنْ الْمُنْتَقَى.
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ: وَهِيَ الَّتِي يَقْصِدُ الْفُقَهَاءُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا، وَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ بِصِفَتِهَا وَشُرُوطِهَا وَمَحَلِّهَا.
فَأَمَّا صِفَتُهَا فَأَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًّا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَقُولُونَ: إنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الثِّقَاتِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ يَقُولُونَ سَمَاعًا فَاشِيًّا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَهَذِهِ الشَّهَادَةُ تُفِيدُ ظَنًّا دُونَ شَهَادَةِ الِاسْتِفَاضَةِ، وَأُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ.
وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ: وَتَفْسِيرُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ: أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَوْ أَرْبَعَةٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ صَدَقَةٌ عَلَى بَنِي فُلَانٍ، أَوْ أَنَّ فُلَانًا مَوْلَى فُلَانٍ، قَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وَكَثُرَ سَمَاعُهُمْ لَهُ وَفَشَا حَتَّى لَا يَدْرُونَ وَلَا يَحْفَظُونَ مِمَّنْ سَمِعُوهُ، مِنْ كَثْرَةِ مَا سَمِعُوا بِهِ مِنْ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا يَكُونُ السَّمَاعُ بِأَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا مِنْ أَقْوَامٍ بِأَعْيَانِهِمْ
стр. 428
يُسَمُّونَهُمْ أَوْ يَعْرِفُونَهُمْ، إذْ لَيْسَتْ حِينَئِذٍ شَهَادَةُ سَمَاعٍ، بَلْ هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، فَتَخْرُجُ عَنْ حَدِّ شَهَادَةِ السَّمَاعِ.
وَأَمَّا شُرُوطُهَا فَسَبْعَةٌ:
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يُسْتَخْرَجُ بِهَا مِنْ يَدِ حَائِزٍ، وَإِنَّمَا يُشْهَدُ بِهَا لِمَنْ كَانَ الشَّيْءُ بِيَدِهِ فَتُصَحَّحُ حِيَازَتُهُ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ حَائِزٌ دَارًا، فَيُثْبِتُ رَجُلٌ أَنَّهَا لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ، وَهَذَا الرَّجُلُ الْمُدَّعِي كَانَ غَائِبًا، فَيُقِيمُ الْحَائِزُ بَيِّنَةً بِالسَّمَاعِ فِي تَطَاوُلِ الزَّمَانِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ أَبِي هَذَا الْقَائِمِ أَوْ مِنْ جَدِّهِ أَوْ مِمَّنْ صَارَتْ إلَيْهِ مِنْهُ، فَيُحْكَمُ لَهُ بِبَقَائِهَا فِي يَدِهِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَصْبَغَ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهَا مِنْ يَدِ الْحَائِزِ.
فَرْعٌ وَاشْتَرَطَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ السَّمَاعِ لِتَقْرِيرِ الدَّارِ فِي يَدِ الْحَائِزِ أَنْ تَقُولَ الشُّهُودُ سَمِعْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا هُوَ أَوْ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ مِنْ هَذَا الْقَائِمِ فِيهَا، أَوْ مِنْ أَبِيهِ أَوْ مِنْ جَدِّهِ، وَلَوْ قَالُوا: سَمِعْنَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا وَلَا نَدْرِي مِمَّنْ لَمْ تَنْفَعْ الشَّهَادَةُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهَا مِنْ غَاصِبٍ.
فَرْعٌ وَكَذَلِكَ السَّمَاعُ فِي الْأَحْبَاسِ، إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِالسَّمَاعِ أَنَّهُ حَبَسَ عَلَى الْحَائِزِينَ لَهُ وَهُوَ تَحْتَ أَيْدِيهمْ، أَوْ يَكُونُ لَا يَدَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ، فَتَشْهَدُ بَيِّنَةٌ بِالسَّمَاعِ أَنَّهُ حَبَسَ عَلَى بَنِي فُلَانٍ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا، فَهَذَا الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ إذَا تَطَاوَلَ الزَّمَانُ.
الثَّانِي الزَّمَانُ: قَالَ مَالِكٌ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي مِلْكِ الدَّارِ خَمْسَ سِنِينَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا تَجُوزُ فِيمَا أَتَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ سَنَةً، حَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ، وَلَمْ يَرَ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ طُولًا، وَعَدَّهَا طُولًا فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ. قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَرُوِيَ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْعِشْرِينَ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ تَبِيدُ فِي ذَلِكَ لِقَصْرِ الْأَعْمَارِ. وَقِيلَ إنْ كَانَ وَبَاءٌ فَهِيَ طُولٌ وَإِلَّا فَلَا، يُغْنِي الْخَمْسَةَ عَشَرَ؛ لِأَنَّ فِي الْوَبَاءِ تَمُوتُ الشُّهُودُ فَتُفِيدُ حِينَئِذٍ شَهَادَةُ السَّمَاعِ.
стр. 429
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: السَّلَامَةُ مِنْ الرَّيْبِ، فَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالسَّمَاعِ، وَفِي الْقَبِيلَةِ مِائَةٌ مِنْ أَسْنَانِهِمَا لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ عِلْمُ ذَلِكَ فَاشِيًا فِيهِمْ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ شَهِدَ بِذَلِكَ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ قَدْ بَادَ جِيلُهُمَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِذَلِكَ غَيْرُهُمَا، قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ.
وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ: وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ فَشَهِدَا بِاسْتِفَاضَةِ مَوْتٍ أَوْ نَحْوِهِ بِبَلَدِهِمَا، وَلَيْسَ مَعَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ غَيْرُهُمَا فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَحْلِفَ الْمَشْهُودُ لَهُ، قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: وَلَا يُقْضَى لِأَحَدٍ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ السَّمَاعِ مِنْ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَالشَّاهِدُ الْوَاحِدُ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ الْيَمِينِ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَسْمَعُوا الْمَسْمُوعَ مِنْهُمْ، وَإِلَّا كَانَ نَقْلُ شَهَادَةٍ فَلَا تُقْبَلُ إذَا كَانَ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ غَيْرَ عُدُولٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ إذَا كَانَ يُنْتَزَعُ بِهَا فَلَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى السَّمَاعِ مِنْ الْعُدُولِ، وَإِنْ كَانَتْ لِيُقِرَّ بِهَا فِي يَدِ الْحَائِزِ فَهَذِهِ مُخْتَلَفٌ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِيهَا.
تَنْبِيهٌ قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: إنْ سَقَطَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ فَلَيْسَتْ شَهَادَتُهُ تَامَّةً، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا فِي شَهَادَتِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَهَادَةً عَلَى السَّمَاعِ، وَإِنَّمَا هِيَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ، فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ تَسْمِيَةِ الْعُدُولِ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَتِهِمْ، وَيَرَى الْقَائِلُ بِذَلِكَ أَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ تَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِمْ: لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ سَمَاعًا فَاشِيًا، وَسَقَطَ مِنْ الشَّهَادَةِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَمَا قَالَ: أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي إذَا سَقَطَ مِنْهَا أَهْلُ الْعَدْلِ، فَلَا تَعْمَلُ الشَّهَادَةُ وَلَا تُفِيدُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسْمَعُ ذَلِكَ مِنْ اللَّفِيفِ وَغَيْرِ الْعُدُولِ، وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَلَا تَعْمَلُ شَيْئًا، فَالشَّهَادَةُ فِي السَّمَاعِ لَا تَكْمُلُ إلَّا بِأَنْ يَضْمَنَ فِيهَا أَهْلُ الْعَدْلِ وَغَيْرُهُمْ، وَلَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ شَهَادَةً عَلَى قَوْمٍ مُسَمِّينَ بِأَعْيَانِهِمْ، كَمَا ظَهَرَ لِلْقَائِلِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْسَى السَّامِعُونَ الْعُدُولُ الَّذِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَهُمْ قَدْ أَيْقَنُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ سَمَاعًا فَاشِيًا مُتَّصِلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَلَى تَجْوِيزِ ذَلِكَ وَعَقْدِهِ فِي الْمَكَاتِبِ مَضَى النَّاسُ وَأَثْبَتَتْ السِّجِلَّاتُ وَالْأَحْكَامُ وَلَمْ يَأْتِ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ أَوَّلُهَا.
стр. 430
الشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا، وَيُكْتَفَى بِهِمَا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَرْبَعَةٌ.
الشَّرْطُ السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ السَّمَاعُ فَاشِيًا مِنْ الثِّقَاتِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَمَّا كَوْنُهُ فَاشِيًا فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ مِنْ الثِّقَاتِ فَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَحْصُلَ لِلشَّاهِدِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ يُقَارِبُهُ، وَرُبَّمَا كَانَ خَبَرُ الْعَدْلِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مُفِيدًا، لِمَا يُفِيدُهُ خَبَرُ الْعَدْلِ لِقَرَائِنَ تَحْتَفُّ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السَّمَاعِ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ وَمِنْ الْعَدْلِ، وَأَنَّ كَوْنَ السَّمَاعِ مَقْصُورًا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ يُخْرِجُهُ إلَى نَقْلِ الشَّهَادَةِ عَنْ الْمُعَيَّنِينَ، وَذَلِكَ بَابٌ آخَرُ.
وَأَمَّا مَحَلُّ شَهَادَةِ السَّمَاعِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ مِنْ الْمَوَاطِنِ الَّتِي يُشْهَدُ فِيهَا بِالسَّمَاعِ أَحَدًا وَعِشْرِينَ مَوْطِنًا، وَقَدْ نَظَمْتهَا فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
أَيَا سَائِلِي عَمَّا يَنْفُذُ حُكْمُهُ ... وَيُثْبِتُ سَمْعًا دُونَ عِلْمٍ بِأَصْلِهِ
فَفِي الْعَزْلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْكُفْرِ بَعْدَهُ ... وَفِي سَفَهٍ أَوْ ضِدَّ ذَلِكَ كُلِّهِ
وَفِي الْبَيْعِ وَالْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ مَعَ ... رَضَاعٍ وَخُلْعٍ وَنِكَاحٍ وَحَلِّهِ
وَفِي قِسْمَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ وَوِلَادَةٍ ... وَمَوْتٍ وَحَمْلٍ وَالْمُضِرِّ بِأَهْلِهِ
فَقَدْ كَمُلَتْ عِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدٍ ... تَدُلُّ عَلَى حِفْظِ الْفَقِيهِ وَنُبْلِهِ
стр. 431
وَزَادَ عَلَيْهِ وَلَدُهُ سِتَّةً نَظَمَهَا أَيْضًا فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
وَمِنْهَا هِبَاتٌ وَالْوَصِيَّةُ فَاعْلَمْنَ ... وَمِلْكٌ قَدِيمٌ قَدْ يُظَنُّ بِمِثْلِهِ
وَمِنْهَا وِلَادَاتٌ وَمِنْهَا حِرَابَةٌ ... وَمِنْهَا إبَاقٌ فَلْيُضَمَّ لِشَكْلِهِ
أَبِي نَظَمَ الْعِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدٍ ... وَأَتْبَعْتهَا سِتًّا تَمَامًا لِفِعْلِهِ
قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ قَوْلُهُ فِي النَّظْمِ أَوْ ضِدَّ ذَلِكَ كُلِّهِ، يَعْنِي الْوِلَايَةَ وَالتَّعْدِيلَ وَالْإِسْلَامَ وَالرُّشْدَ، وَقَوْلُهُ: وَالْوَصِيَّةُ يُرِيدُ مَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ فِي الْكَافِي إذَا شَهِدُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ أَنَّ فُلَانًا كَانَ فِي وِلَايَةِ فُلَانٍ، وَأَنَّهُ كَانَ يَتَوَلَّى النَّظَرَ لَهُ وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ بِإِيصَاءِ أَبِيهِ بِهِ إلَيْهِ، أَوْ بِتَقْدِيمِ قَاضٍ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْهُمْ أَبُوهُ بِالْإِيصَاءِ وَلَا الْقَاضِي بِالتَّقْدِيمِ، وَلَكِنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ بِالِاسْتِفَاضَةِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إذَا شَهِدَ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ، وَفِيهَا بَيْنَ أَصْحَابِ مَالِكٍ اخْتِلَافٌ.
قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَسُئِلَ ابْنُ زَرْبٍ عَنْ وَصِيٍّ قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، بِالسَّمَاعِ عَلَى تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ أُسْنِدَتْ إلَيْهِ، فَقَالَ شَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ: شَهَادَةُ السَّمَاعِ جَائِزَةٌ فِي خُطُوطِ الشُّهُودِ الْأَمْوَاتِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ سَمِعْتُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ: أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ شَهَادَةُ فُلَانٍ بِخَطِّ يَدِهِ. قَالَ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ وَتَجُوزُ فِي جَائِحَةِ الْأَحْبَاسِ.
قَالَ ابْنُ الطَّلَّاعِ: وَكَذَلِكَ الثِّقَةُ وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ سَهْلٍ. قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَتَيْنِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْبُنُوَّةَ وَالْأُخُوَّةَ، وَزَادَ الْعَبْدِيُّ الْحُرِّيَّةَ وَالْقَسَامَةَ، وَصُورَتُهَا مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ، فِيمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فِي مِثْلِ سُوقِ الْأَحَدِ.
وَفِي الطُّرَرِ عَنْ الْمَقَالَاتِ لِابْنِ مُغِيثٍ، أَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ تَعْمَلُ فِي دَفْعِ النَّقْدِ مِنْ الصَّدَاقِ، وَنَصُّهُ: إذَا شَهِدَ لِلزَّوْجِ بِالسَّمَاعِ عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِنَقْدٍ، وَكَالِئٍ مَبْلَغُهُ كَذَا إلَى أَجَلِ كَذَا بِرِضَا
стр. 432
وَلِيِّهَا فُلَانٍ، وَأَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهَا النَّقْدَ، فَإِنَّ زَوْجِيَّتَهُمَا ثَابِتَةٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي دَفْعِ النَّقْدِ مَعَ يَمِينِهِ، فَقَدْ أَعْمَلَ شَهَادَةَ السَّمَاعِ فِي دَفْعِ النَّقْدِ.
وَذُكِرَ عَنْ ابْنِ مُغِيثٍ: أَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ فِي النَّقْدِ غَيْرُ عَامِلَةٍ وَهُوَ أَصَحُّ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، أَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ جَائِزَةٌ فِي الْحِيَازَاتِ، فَهَذِهِ سَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَوْطِنًا، رَأَى الْأَصْحَابُ أَنَّهَا مَوَاطِنَ ضَرُورَةٍ تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ السَّمَاعِ، وَيَجُوزُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةُ فِيهَا بِالظَّنِّ الْغَالِبِ.
فُرُوعٌ الْأَوَّلُ قَوْلُهُمْ تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي الْعَدَالَةِ وَالْجُرْحَةِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا إنَّمَا ذَلِكَ إذْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ الْمَجْرُوحِ وَالْمُعَدَّلِ فَإِنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُمْ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْعِلْمِ، وَمَنَعَ سَحْنُونٌ الشَّهَادَةَ عَلَى السَّمَاعِ فِيهَا. قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا تَجُوزُ الْجُرْحَةُ عَلَى السَّمَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ سَمِعَ فُلَانًا وَفُلَانًا يَقُولَانِ هُوَ عِنْدَنَا غَيْرُ عَدْلٍ. مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ.
الثَّانِي لَا بُدَّ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ عَلَى الْمَوْتِ، أَنْ يَقُولَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ سَمِعُوا سَمَاعًا فَاشِيًا مُسْتَفِيضًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ فُلَانًا ابْنَ فُلَانٍ الْفُلَانِيِّ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ، تُوُفِّيَ يَوْمَ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا مِنْ شُهُورِ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا، وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْ تَارِيخِ الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ مَنْ يُوَارِثُهُ، لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ مَنْ مَاتَ قَبْلَهُ وَمَنْ مَاتَ بَعْدَهُ، مِنْ وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ.
الثَّالِثُ قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَأَمَّا شَهَادَةُ السَّمَاعِ عَلَى النَّسَبِ، فَصُورَةُ الشَّهَادَةِ فِيهَا: أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ عَلَى قَدِيمِ الْأَيَّامِ وَمُرُورِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، سَمَاعًا فَاشِيًا مُنْتَشِرًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ فُلَانًا بْنَ فُلَانٍ قُرَشِيٌّ، مِنْ فَخْذِ كَذَا، وَيَعْرِفُونَهُ وَأَبَاهُ مِنْ قَبْلِهِ قَدْ جَازَ هَذَا النَّسَبُ، وَبَيَّنَاهُ فِي شَهَادَتِهِمَا لَا يَعْلَمُونَ أَحَدًا يَطْعَنُ عَلَيْهِمَا فِيهِ، إلَى حِينِ تَارِيخِ إيقَاعِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، فَإِذَا شَهِدُوا بِذَلِكَ فَمَنْ نَفَاهُ عَنْ ذَلِكَ النَّسَبِ حُدَّ لَهُ.
وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ أَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ لَا تُفِيدُ فِي النَّسَبِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَمَاعًا فَاشِيًا مُسْتَفِيضًا يَقَعُ بِهِ الْعِلْمُ، فَيَرْتَفِعُ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ وَيَصِيرُ مِنْ بَابِ الِاسْتِفَاضَةِ وَالضَّرُورَةِ، وَهَذَا مِثْلُ الشَّهَادَةِ بِأَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَّ مَالِكًا ابْنُ أَنَسٍ، وَإِنْ لَمْ يُعَايِنْ الشَّاهِدُ بِذَلِكَ
стр. 433
أَصْلَهُ، وَأَمَّا إنْ قَصَّرَ عَنْ هَذَا الْحَدِّ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِالشَّهَادَةِ الْمَالَ دُونَ الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِ وَارِثٌ مُسْتَحِقٌّ.
الرَّابِعُ وَأَمَّا شَهَادَةُ السَّمَاعِ عَلَى الْوَلَاءِ، فَصِفَتُهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ سَمَاعًا فَاشِيًا مُسْتَفِيضًا عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ فُلَانَ ابْنَ فُلَانٍ مَوْلًى لِفُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ بِوَلَاءِ الْعَتَاقَةِ، أَوْ أَنَّ جَدَّهُ فُلَانٌ لِأَبِيهِ، قَدْ أَعْتَقَ جَدَّ الْمَوْلَى فُلَانٍ لِأَبِيهِ، وَيَحْتَاجُ الشُّهُودُ لَهُ إذَا تُوُفِّيَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالْوَلَاءِ، أَنْ يُثْبِتَ الْمَوْتَ وَالْوِرَاثَاتِ حَتَّى يَبْلُغَ إلَى مَوْتِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْتُ الْأَوَّلِ وَمَا بَعْدَهُ قَدْ بَعُدَ فَيَسْقُطُ الْإِثْبَاتُ لِذَلِكَ، وَيَسْتَحِقُّ بِهَذِهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَالَ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ وَيَسْتَحِقُّ فِي قَوْلِ أَشْهَبَ الْوَلَاءَ وَالْمَالَ فِي وَثَائِقِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجَزِيرِيِّ، وَبِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْقَضَاءَ.
فَرْعٌ وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ، الشَّهَادَةُ عَلَى السَّمَاعِ فِي الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ لَا يُحْكَمُ لِلْمَشْهُودِ لَهُ بِهِ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِشَهَادَةٍ قَاطِعَةٍ، ثُمَّ لَا يَسْتَحِقُّ بَعْدَ الْيَمِينِ حُكْمَ الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الْمِيرَاثَ الْحَاضِرَ، وَإِنْ تَوَجَّهَ لَهُ مِيرَاثٌ آخَرُ يَسْتَحِقُّهُ، بِذَلِكَ الْوَلَاءِ وَالنَّسَبِ، كَمَا لَوْ مَاتَ مَوْلَى الْمُتَوَفَّى الْأَوَّلِ أَوْ بِنْتُهُ لَمْ يَسْتَحِقَّهُ بِالشَّهَادَةِ الْأُولَى، حَتَّى تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ فِي اسْتِحْقَاقِ وَلَاءِ هَذَا الْمَيِّتِ، وَيَحْلِفُ أَيْضًا كَمَا فَعَلَ فِي الْأَوَّلِ، وَقَالَ أَشْهَبُ يَسْتَحِقُّ الْوَلَاءَ وَالنَّسَبَ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ دُونَ يَمِينٍ.
الْخَامِسُ وَأَمَّا شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي النِّكَاحِ، فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ النِّكَاحَ وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، فَأَتَى الْمُدَّعِي بِبَيِّنَةِ سَمَاعٍ فَاشٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى النِّكَاحِ، وَاشْتِهَارِهِ بِالدُّفِّ وَالدُّخَانِ، ثَبَتَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ إنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ فِي النِّكَاحِ، إذَا اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ.
стр. 434
السَّادِسُ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى السَّمَاعِ فِي الْحَبْسِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يُحَازُ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْأَحْبَاسُ، وَيُحْتَرَمُ بِحُرْمَتِهَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ مِلْكًا لِمَنْ بَتَلَ فِيهَا الْحَبْسَ الْمَذْكُورَ، وَيُجَاوِزُونَهَا بِالْوُقُوفِ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِأَنَّهَا تُحَازُ بِمَا تُحَازُ بِهِ الْأَحْبَاسُ، وَتُحْتَرَمُ بِحُرْمَتِهَا سَقَطَتْ الشَّهَادَةُ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: لَوْ شَهِدُوا عَلَى أَصْلِ الْمُحْبَسِ بِعَيْنِهِ لَمْ يَكُنْ حَبْسًا، حَتَّى يَشْهَدُوا بِالْمِلْكِ لِلْمُحْبِسِ يَوْمَ حُبِسَ.
فَرْعٌ قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: إذَا ذَكَرُوا فِي وَثِيقَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى السَّمَاعِ فِي الْحَبْسِ اسْمَ الْمُحْبِسِ، وَكَانَ قَدْ تُوُفِّيَ فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ مَوْتِهِ، وَعِدَّةُ وَرَثَتِهِ عَلَى تَنَاسُخِ الْوِرَاثَاتِ، ثُمَّ يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ إلَى وَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِدْفَعٌ نَفَذَ ذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ إذَا بَعُدَ عَهْدُ مَوْتِ الْمُحْبَسِ وَتَعَذَّرَ إثْبَاتُهُ وَإِثْبَاتُ وَرَثَتِهِ أَنَّ ذَلِكَ سَاقِطٌ وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إثْبَاتُ ذَلِكَ، وَالْقَائِلُ بِذَلِكَ يُحَدِّدُ بِنَحْوِ الْخَمْسِينَ وَالسِّتِّينَ سَنَةً، وَكَذَلِكَ يَسْقُطُ مَعَ الْقِدَمِ إثْبَاتُ الْمِلْكِ، وَإِنْ قَالَ الشُّهُودُ سَمِعْنَا أَنَّهَا حَبْسٌ، وَلَمْ نَسْمَعْ عَنْ الْمُحْبَسِ مَنْ هُوَ، لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ الشَّهَادَةَ وَهِيَ تَامَّةٌ.
فَرْعٌ وَهَلْ يَلْزَمُ ذِكْرُ الْمُدَّةِ الَّتِي سَمِعُوا فِيهَا؟ وَيَذْكُرُونَ ذَلِكَ فِي الْوَثِيقَةِ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: أَمَّا إسْقَاطُ مُدَّةِ السَّمَاعِ، فَهُوَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُكْرِي وَغَيْرُهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَنْدَلُسِ: لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ فِي الْوَثِيقَةِ مُدَّةَ السَّمَاعِ لِذَلِكَ لِمَا وَقَعَ مِنْ الْخِلَافِ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ السَّمَاعِ.
السَّابِعُ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ عَلَى الضَّرَرِ فَإِذَا شَهِدَ بِهِ بِالسَّمَاعِ الْفَاشِي مِنْ قَوْلِ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ مِنْ الرِّجَالِ جَازَ، وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ لَهَا شَاهِدٌ وَاحِدٌ بِمَعْرِفَةِ الضَّرَرِ، وَشَهِدَ لَهَا السَّمَاعَ مَعَ الشَّهَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الزَّوْجِ فِيهِ مِدْفَعٌ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهَا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَأَلْت مَالِكًا عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ يَخْفَى عَلَى جِيرَانِهِمَا، فَإِذَا كَانَ إضْرَارُهُ بِهَا مَشْهُورًا مَعْرُوفًا حَتَّى تَوَاطَأَ سَمَاعُهُمْ عَلَى ظُلْمِهِ لَهَا فِي إسَاءَةِ عِشْرَتِهَا فِي غَيْرِ ذَنْبٍ مِنْهَا تَسْتَوْجِبُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَشَهِدَ عَلَى ذَلِكَ النِّسَاءُ الْعُدُولُ، أَوْ غَيْرُهُنَّ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى سَمَاعِهِمْ مِنْ النِّسَاءِ، طَلَّقَهَا عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، وَقَدْ تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ الضَّرْبَ الْوَجِيعَ بِالذَّنْبِ تَرْتَكِبُهُ، وَقَدْ شَجَّ ابْنُ عُمَرَ ﵄ زَوْجَتَهُ، انْتَهَى مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ.
стр. 435
الثَّامِنُ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالسَّمَاعِ فِي الْمِلْكِ الْقَدِيمِ، فَمِثَالُ ذَلِكَ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ دَارٌ تُعْرَفُ بِهِ وَبِآبَائِهِ مِنْ قَبْلِهِ، فَيَأْتِي رَجُلٌ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ أَنَّهَا مِلْكُهُ قَدِيمًا، فَيَأْتِي الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ بِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ عَلَى السَّمَاعِ الْفَاشِي، أَنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ بِانْتِقَالِهَا إلَى الَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ مِنْ قِبَلِ آبَائِهِ، بِالشِّرَاءِ أَوْ بِالصَّدَقَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهِيَ شَهَادَةٌ تُوجِبُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الدَّارَ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدِهِ، دُونَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهَا مِلْكَهُ قَدِيمًا، فَهَذَا وَمِثْلَهُ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ السَّمَاعِ إذَا كَانَ شَيْئًا مُتَقَادِمًا، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ الْفَاشِي لِلْمُدَّعِي الطَّالِبِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ لِلَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ حَائِزٌ لَهَا، بِتَقَادُمِ الْعَهْدِ وَمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَلَا تُسْمَعُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ إذَا قَامَ بِهَا مَنْ لَيْسَ الرِّيعُ فِي يَدِهِ، يُرِيدُ إخْرَاجَ ذَلِكَ مِنْ يَدِ حَائِزِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يُؤْخَذُ بِهَا مَا لَيْسَ عَلَيْهِ يَدٌ؟ كَعَفْوِ الْأَرْضِ.
الْفَرْعُ التَّاسِعُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ بِالْوَصِيَّةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عَقِبَ الْأَبْيَاتِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ رَاشِدٍ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ]
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵁: قَبُولُهَا وَإِعْمَالُهَا فِي سَائِرِ الْأُمُورِ، مَالًا كَانَ أَوْ عُقُوبَةً، وَشَرْطُ صِحَّةِ تَحَمُّلِهَا الْمُوجِبِ لِقَبُولِهَا، أَنْ يَقُولَ شَاهِدُ الْأَصْلِ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أَوْ عَلَى أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَنِي بِكَذَا.
وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ: يُشْتَرَطُ فِي اسْتِبَاحَةِ نَقْلِ الشَّهَادَةِ إذْنُ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِي شَهَادَةِ النَّاقِلِينَ عَلَى شَهَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَاءٌ لِتِلْكَ الشَّهَادَةِ اسْتَحْلَفَهُمَا عَلَى الْقِيَامِ بِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
فَرْعٌ فَإِنْ سَمِعَهُ يُخْبِرُ بِأَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَهُ، وَلَمْ يَقُلْ اشْهَدْ عَلَيَّ أَوْ اُنْقُلْ عَنِّي هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَشِبْهَ ذَلِكَ، لَمْ يُنْقَلْ لِمَا عُلِمَ مِنْ عَوَائِدِ النَّاسِ أَنَّ تَحَرُّزَهُمْ فِي الْإِشْهَادِ وَالشَّهَادَةِ أَقْوَى مِنْ تَحَرُّزِهِمْ فِي الْأَخْبَارِ، وَلَوْ كَانَ الْمُتَكَلَّمُ فِي غَايَةِ الْوَرَعِ.
وَفِي الشَّهَادَةِ لَا يَشْهَدُ إلَّا بِمَا سَمِعَ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ.
стр. 436
فَرْعٌ فَإِنْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ بِخُصُوصِهِ، فَهَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ سَمَاعُ شَاهِدَيْنِ يُؤَدِّيَانِ شَهَادَتَهُمَا عِنْدَ الْقَاضِي ثُمَّ يَمُوتُ هَذَانِ الشَّاهِدَانِ أَوْ يُعْزَلُ الْقَاضِي؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ لِلشُّهُودِ الَّذِينَ سَمِعُوا أَنْ يَشْهَدُوا بِهَا وَهِيَ شَهَادَةٌ تَامَّةٌ، وَمَنَعَ ذَلِكَ أَشْهَبُ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَفِيهِ بُعْدٌ لِحُصُولِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ قَطْعًا فِيمَا يَجِبُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَمَا لَا يَجِبُ.
فَرْعٌ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا إذَا سَمِعَهُ يُشْهِدُ غَيْرَهُ، فَهَلْ يُشْهِدُ هَذَا السَّامِعَ؟ وَإِنْ لَمْ يُشْهِدْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ.
فَرْعٌ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي مُنْتَقَى الْأَحْكَامِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَمَنْ سَمِعْته يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ مِائَةُ دِينَارٍ، وَلَمْ يُشْهِدْك فَاشْهَدْ بِمَا سَمِعْت إنْ كُنْت سَمِعْته يُؤَدِّيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيَحْكُمَ بِهَا، وَإِلَّا فَلَا حَتَّى يُشْهِدَك، إذْ لَعَلَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّك تَنْقُلُهَا عَنْهُ لَزَادَ أَوْ نَقَصَ، وَإِنَّمَا تَشْهَدُ بِمَا سَمِعْت مِنْ قَذْفٍ وَعِتْقٍ وَطَلَاقٍ، بِخِلَافِ الْحُقُوقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامٌ مُسْتَقْصًى.
فَرْعٌ وَلَا تَشْهَدْ بِقَوْلِ الْقَاضِي ثَبَتَ عِنْدِي لِفُلَانٍ كَذَا حَتَّى يُشْهِدَك، قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ.
فَرْعٌ فَلَوْ قَالَ الْقَاضِي بَعْدَ عَزْلِهِ: أَنَّ فُلَانًا شَهِدَ عِنْدِي وَشَهِدَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَهِيَ شَهَادَةٌ جَائِزَةٌ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ.
مَسْأَلَةٌ اُخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْأَبِ عَلَى شَهَادَةِ ابْنِهِ، وَشَهَادَةِ الِابْنِ عَلَى شَهَادَةِ أَبِيهِ، فَفِي الْوَاضِحَةِ جَوَازُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ، وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ. وَفَرَّقَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ بَيْنَ شَهَادَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ صَاحِبِهِ، وَشَهَادَتِهِ عَلَى شَهَادَتِهِ وَبَيْنَ شَهَادَتِهِ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ فَأَجَازَ ذَلِكَ فِي الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، اُنْظُرْ الْبَيَانَ فِي الْأَقْضِيَةِ.
[فَصْلٌ فِي الشَّهَادَة عَلَى الشَّهَادَةِ]
فَصْلٌ اعْلَمْ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا تُسْمَعُ إلَّا بِمَوْتِ الْأَصْلِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ غِيبَتِهِ بِمَكَانِ لَا يَلْزَمُ الْأَدَاءُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ إنَّمَا أُبِيحَ مَعَ الضَّرُورَةِ وَلَا يُبَاحُ مَعَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ النَّقْلَ عَنْهُمْ مَعَ حُضُورِهِمْ مُشْعِرٌ بِرِيبَةٍ، وَيَقَعُ الشَّكُّ فِي صِدْقِهِمْ، لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونُوا إنَّمَا تَأَخَّرُوا عَنْ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ،
стр. 437
خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَفْسِرَهُمْ الْحَاكِمُ اسْتِفْسَارًا يَتَخَيَّرُونَ فِي الْجَوَابِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُتَّقَى، وَأَيْضًا فَإِنَّ الظَّنَّ الْحَاصِلَ لِلْقَاضِي مِنْ سَمَاعِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ، أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْحَاصِلِ لَهُ مِنْ شَهَادَةِ الْفَرْعِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْأَضْعَفِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَقْوَى.
تَنْبِيهٌ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَصُورَةُ نَقْلِ الشَّهَادَةِ عَنْ الْمَرِيضِ، أَنْ يَكْتُبَ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي فُلَانٌ بْنُ فُلَانٍ وَفُلَانٌ بْنُ فُلَانٍ، أَنَّ فُلَانًا أَشْهَدَهُمَا لِمَرَضِهِ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ الْخُرُوجِ أَنَّ شَهَادَتَهُ الْوَاقِعَةَ فِي هَذَا الْكِتَابِ حَقٌّ حَسَبَ وُقُوعِهَا فِيهِ، قَالَ وَمَا يَكْتُبُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَسُؤَالُهُمَا نَقْلَهَا عَنْهُ جَهْلٌ لَا يَجِبُ عَمَلُهُ.
فَرْعٌ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَا يُنْقَلُ فِي الْحُدُودِ إلَّا فِي غَيْبَةٍ بَعِيدَةٍ، فَأَمَّا الْيَوْمَانِ وَالثَّلَاثَةِ فَلَا قَالَ ابْنُ عَبْدُ السَّلَامِ: يَعْنِي إذَا غَابَ عَنْ مَوْضِعِهِ هَذَا الْقَدْرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَعُودُ عَنْ قُرْبٍ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَوْضِعُهُ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَلَا يُشَخِّصُ وَيَجُوزُ نَقْلُهَا عَنْهُ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَتْ الْمَسَافَةُ يُقْصَرُ فِي مِثْلِهَا الصَّلَاةُ أَوْ السِّتِّينَ مِيلًا، كَتَبَ الْقَاضِي إلَى رَجُلٍ تَشْهَدُ عِنْدَهُ الْبَيِّنَةُ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ حَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ.
فَرْعٌ أَمَّا الْمَرْأَةُ، فَإِنَّهُ يُنْقَلُ عَنْهَا مَعَ حُضُورِهَا فِي الْبَلَدِ لِمَا يَنَالُهَا مِنْ الْكَشْفِ وَالْمَشَقَّةِ، قَالَ مُطَرِّفٌ: لَمْ أَرَ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةً قَطُّ أَدَّتْ وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَنْهَا وَهُوَ صَوَابٌ، وَأَبَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَلَمْ يَرَيَا لِلنِّسَاءِ مَدْخَلًا فِي النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى شَهَادَةٍ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ غَيْرُ الْمَالِ، وَاسْتَحْسَنَهُ سَحْنُونٌ.
فَرْعٌ فَلَوْ تَغَيَّرَتْ حَالُ شَاهِدِ الْأَصْلِ بَعْدَ الْإِذْنِ، مِثْل أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهِ فِسْقٌ أَوْ تَحْدُثَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عَدَاوَةٌ امْتَنَعَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يَدُلُّ عَلَى سَبْقِيَّةِ مُقَدِّمَتِهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَوْ تَغَيَّرَتْ حَالُ الْأَصْلِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْعَدَالَةِ، فَهَلْ لِلشَّاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَنْقُلَ عَنْهُ الْآنَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَدِّدَ لَهُ شَاهِدُ الْأَصْلِ الْإِذْنَ فِي الشَّهَادَةِ وَالنَّقْلِ عَنْهُ؟ قَالَ الْمَازِرِيُّ: فِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ خَارِجَ الْمَذْهَبِ.
стр. 438
فَرْعٌ وَلَيْسَ عَلَى شُهُودِ النَّقْلِ تَزْكِيَةُ شُهُودِ الْأَصْلِ، لَكِنْ إنْ زَكَّوْهُمْ صَحَّتْ.
مَسْأَلَةٌ إذَا دُعِيتَ أَنْ تَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِك فَلَكَ أَنْ لَا تَفْعَلَ، فَإِنْ كَانَتْ فِي حَبْسٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يُرَادُ تَأْبِيدُهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِك، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ بِدَيْنٍ مُنَجَّمٍ سِنِينَ كَثِيرَةً.
مَسْأَلَةٌ وَإِذَا أَشْهَدْت عَلَى شَهَادَتِك، فَلَكَ أَنْ تُشْهِدَ مُعَدَّلًا وَغَيْرَ مُعَدَّلٍ، فَإِذَا صَارَتْ فِيهِ أَوْصَافُ الْعَدَالَةِ نَفَذَتْ، وَقَدْ كَانَ فِيمَا تَقَدَّمَ يَشْهَدُ فِي الْأَحْبَاسِ، وَشَبَهِهَا صِبْيَانُ الْمُكَاتَبِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ مَا يَكْتُبُونَ.
فَرْعٌ وَتَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِنَّ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ وَلِيَكُنْ مَعَهُنَّ رَجُلٌ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ مُطْلَقًا، وَأَجَازَ أَصْبَغُ نَقَلَ امْرَأَتَيْنِ عَنْ امْرَأَتَيْنِ فِيمَا يَنْفَرِدْنَ بِهِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ إلَّا رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ وَلَا تُجْزِئُ فِيهِ النِّسَاءُ إلَّا بِهِ.
فَرْعٌ وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِمْ فِي عَقْدٍ، سَقَطَتْ مِنْهُ مَعْرِفَةُ الْمُشْهَدِ عَلَى نَفْسِهِ فَذَلِكَ تَامٌّ؛ لِأَنَّ الْمُشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِهِ إلَّا وَقَدْ عَرَفَ الْمُشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ.
فَرْعٌ وَإِذَا شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى شَهَادَةِ قَوْمٍ لَا يَعْرِفُونَهُمْ، فَشَهَادَتُهُمْ مَرْدُودَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ عُدُولًا، اُنْظُرْ الْبَيَانَ.
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ الشُّيُوخِ: فِي شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، أَنَّ فُلَانَةَ بِنْتَ فُلَانٍ أَشْهَدَتْنِي، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي شَهَادَتِهِ أَنَّهُ يَعْرِفُهَا بِالْعَيْنِ وَالِاسْمِ أَنَّ الشَّهَادَةَ تَامَّةٌ، وَقَوْلُهُ: أَشْهَدَتْنِي فُلَانَةُ مَعْرِفَةٌ لَا مَحَالَةَ فِيهَا.
فَرْعٌ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، وَلَوْ كُنَّ أَلْفًا إلَّا مَعَ رَجُلٍ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِرَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
فَرْعٌ فَإِذَا أَشْهَدَ الْأَصْلُ شَاهِدَيْ الْفَرْعِ عَلَى شَهَادَتِهِمَا، وَكَانَ تَارِيخُهَا قَدِيمًا أَقْدَمُ مِنْ وَقْتِ إشْهَادِهِمَا، فَلَا تَحْتَاجُ شُهُودُ الْفَرْعِ أَنْ يُؤَرِّخُوا
стр. 439
شَهَادَتَهُمْ وَتَرْكُ التَّارِيخِ لَا يَضُرُّ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ عَتَّابٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْمُعَيْطِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنِ الدَّبَّاغِ وَابْنُ الْقَطَّانِ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَكَذَا رَأَيْت الْعَمَلَ بِقُرْطُبَةَ، وَلَا يَزِيدُونَ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَشَهِدَ عَلَى إشْهَادِهِمَا بِذَلِكَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَرَأَيْتُ أَهْلَ إشْبِيلِيَّةَ يُؤَرِّخُونَ وَقْتَ إشْهَادِ الشُّهُودِ عَلَى شَهَادَتِهِمْ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاسِعٌ.
وَفِي وَثَائِقِ الْغَرْنَاطِيِّ قِيلَ: لَا بُدَّ لِلشَّاهِدِ مِنْ أَنْ يُؤَرِّخَ شَهَادَتَهُ إلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا أَشْهَدَ فِيهِ الْقَضَاءُ وَالْحُكَّامُ مِنْ تَسْجِيلِهِمْ. وَالثَّانِي إشْهَادُ الشُّهُودِ عَلَى شَهَادَتِهِمْ عَلَى خِلَافٍ.
مَسْأَلَةٌ وَيَكْفِي فِي صِحَّةِ نَقْلِ الشَّهَادَةِ - فِيمَا عَدَا الزِّنَا - أَنْ يَكُونَ النَّاقِلَانِ اثْنَيْنِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَحَدَ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُ النَّاقِلَيْنِ صَارَ الْحَقُّ، إنَّمَا ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ.
مِثَالُ ذَلِكَ: إذَا شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى عِلْمِهِ فِي حَقٍّ، وَشَهِدَ هُوَ وَآخَرُ عَلَى رَجُلٍ يَنْقُلَانِ فِي ذَلِكَ الْحَقَّ فَلَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ وَاحِدًا أَحْيَا الشَّهَادَةَ، وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى عِلْمِ نَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ عَنْ الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ، وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا وَثَالِثٌ عَلَى شَهَادَةِ الْآخَرِ فِي ذَلِكَ الْحَقِّ فَلَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ وَاحِدًا أَحْيَا شَهَادَتَهُمَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ جَمَعَ الِاثْنَيْنِ، فَلَوْ كَانَ مَعَهُ آخَرُ يَنْقُلُ مَعَهُمَا لَجَازَ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَعَ رَجُلَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ يَنْقُلُ عَنْ رَجُلٍ؟ فَهَذَا أَقْوَى، ثُمَّ هَذَانِ الشَّاهِدَانِ اللَّذَانِ نَقْلَا عَنْ وَاحِدٍ، يَصِحُّ نَقْلُهُمَا عَنْ الشَّاهِدِ الثَّانِي مِنْ شَاهِدَيْ الْأَصْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ آخَرَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ وَكَذَلِكَ يَنْقُلُ اثْنَانِ كِلَاهُمَا عَنْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ، وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ فَيَثْبُتُ الْحَقُّ، وَيَنْقُلَانِ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ فَقَطْ، وَيَثْبُتُ الْحَقُّ مَعَ يَمِينِ الْمُسْتَحِقِّ، أَوْ قِيَامِ شَاهِدٍ آخَرَ عَلَى الْأَصْلِ، وَيَجُوزُ نَقْلُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَأَمَّا فِي الزِّنَا فَيُكْتَفَى بِأَرْبَعَةِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ، وَرَوَى مُطَرِّفٌ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ، أَرْبَعَةٌ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ: أَمَّا إنْ تَفَرَّقُوا فَثَمَانِيَةٌ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذَا.
стр. 440
[الْبَابُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ]
وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ الْخَطُّ عِنْدَنَا شَخْصٌ قَائِمٌ، وَمِثَالٌ مُمَاثِلٌ تَقَعُ الْعَيْنُ عَلَيْهِ، وَيُمَيِّزُهُ الْعَقْلُ كَمَا يُمَيِّزُ سَائِرَ الْأَشْخَاصِ وَالصُّوَرِ، فَالشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ جَائِزَةٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَنَّ الْخَطَّ شَخْصٌ يُمَيِّزُهُ الْعَقْلُ كَمَا يُمَيِّزُ الْأَشْخَاصَ، مَعَ جَوَازِ الِاشْتِبَاهِ فِيهَا، فَلِذَلِكَ تَجُوز فِي الْخُطُوطِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ اعْتِبَارُ الشَّبَهِ فِي الْقَافَةِ وَإِلْحَاقُ النَّسَبِ بِسَبَبِ الشَّبَهِ وَالْحُكْمُ بِذَلِكَ، فَالْخَطُّ مِنْ هَذَا الْبَابِ، قَالَ الْأَبْهَرِيُّ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الصُّوَرِ، وَإِنْ كَانَ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَيْسَ لَك الْأَغْلَبُ يَعْنِي الِاشْتِبَاهَ، وَكَذَلِكَ الْخُطُوطُ تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ يُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا إذْ الِاخْتِلَافُ فِيهَا أَغْلَبُ.
وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ حَصَلَ فِيهَا حَاسَّةُ الْبَصَرِ وَحَاسَّةُ الْعَقْلِ، فَالْبَصَرُ رَأَى خَطًّا فَانْطَبَعَ فِي الْحَاسَّةِ الْخَيَالِيَّةِ، وَالْعَقْلُ قَابَلَ صُورَتَهُ بِصُورَةِ ذَلِكَ الْخَطِّ، يَعْنِي خَطَّ الرَّجُلِ الَّذِي رَآهُ يَكْتُبُ غَيْرَ مَرَّةٍ، حَتَّى انْطَبَعَتْ صُورَةُ خَطِّهِ فِي مِرْآتِهِ، فَإِذَا قَابَلَ الْعَقْلُ تِلْكَ الصُّورَةِ بِالصُّورَةِ الَّتِي رَآهُ يَكْتُبُهَا، قَالَ هَذَا خَطُّ فُلَانٍ، بَقِيَ النَّظَرُ هَا هُنَا، هَلْ يُقَالُ إنَّ الْخُطُوطَ تَشَابَهُ؟ فَيَحْصُلُ الْغَلَطُ لِلْعُقَلَاءِ، وَيُقَالُ التَّشَابُهُ نَادِرٌ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا يَحْصُلُ عِنْدَ الْعَقْلِ، فَهَذَا هُوَ سَبَبُ الْخِلَافِ، فَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا قَوْلَانِ بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْمُولُ بِهِ لِمَا قُلْنَاهُ، وَالْمَنْعُ خَوْفَ التَّشَابُهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَنْ عَرَفَ خَطَّ الشَّاهِدِ بِكَثْرَةِ رُؤْيَتِهِ لِكِتَابَتِهِ، ثُمَّ أَتَى بِشَيْءٍ مِمَّا كَتَبَهُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ لِيَشْهَدَ بِأَنَّهُ خَطُّهُ، فَالشَّاهِدُ لَمْ يَرَ هَذَا الْخَطَّ حِينَ كَتَبَهُ كَاتِبُهُ، فَاعْتِمَادُهُ فِي الشَّهَادَةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى ظَنٍّ حَصَلَ فِي ذِهْنِهِ، أَنَّ الَّذِي رَآهُ الْآنَ هُوَ مِنْ نَوْعِ الَّذِي كَانَ رَأَى ذَلِكَ الْكَاتِبَ يَكْتُبُهُ، وَجَعَلَ هَذَا مُدْرِكًا لِلشَّهَادَةِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَأَحْرَى إذَا شَهِدَ عَلَى خَطِّ مَنْ لَمْ يَرَهُ يَكْتُبُ وَلَمْ يَجْمَعُهُ وَإِيَّاهُ زَمَانٌ وَلَا مَكَانٌ مُعْتَمِدًا عَلَى كَثْرَةِ مَا رَأَى مِنْ خَطِّهِ، الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ عَلَى السَّمَاعِ أَنَّ شَهَادَةَ السَّمَاعِ فِي خُطُوطِ الشُّهُودِ الْأَمْوَاتِ جَائِزَةٌ فَانْظُرْهُ،
стр. 441
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِي مَعْرِفَةِ الْخَطِّ، أَنَّهَا كَمَعْرِفَةِ الشُّهُودِ الثِّيَابَ وَالدَّوَابَّ وَسَائِرَ الْأَشْيَاءِ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ.
قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى الْقَطْعِ، وَفِي كِتَابِ الْقَرَوِيِّ أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْعِلْمِ.
[فَصْلٌ الْخُطُوطُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ]
فَصْلٌ: وَالْخُطُوطُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: خَطُّ الشَّاهِدِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ حُضُورُهُ عِنْدَ الْقَاضِي لِمَوْتِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَمُطَرِّفُ عَنْ مَالِكٍ، وَهَذَا مَا لَمْ يَسْتَنْكِرْ الشَّاهِدُ شَيْئًا، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: قَالَ الْبَاجِيُّ مَشْهُورُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ لَا تَجُوزُ، وَبِالْجَوَازِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَسَحْنُونٌ.
وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ: لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْأُمَّهَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِي إجَازَتِهَا وَإِعْمَالِهَا، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدٌ وَجَعَلَ عِلَّةَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى شَهَادَتِهِ إذَا سَمِعَهَا مِنْهُ وَلَمْ يُشْهِدْهُ عَلَيْهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا عَنْهُ، قَالَ وَقَدْ يَكْتُبُ بِخَطِّهِ فِيمَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ وَقْتَ الْأَدَاءِ، وَقَدْ يَكْتُبُ عَلَى مَنْ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَلَا بِاسْمِهِ انْتَهَى.
وَقَدْ يَكْتُبُ شَهَادَتَهُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْإِكْرَاهِ، وَشَاهَدْت هَذَا فِي حُكُومَةٍ رُفِعَتْ إلَى حَاكِمٍ تَتَضَمَّنُ هِبَةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ وَهَبَ ذَلِكَ فِي حَالِ صِحَّته وَجَوَازِ تَصَرُّفِهِ طَائِعًا مُخْتَارًا وَأَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ، وَفِي الْهِبَةِ خَطُّ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْعُدُولِ، وَكَانَتْ الْهِبَةُ عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَاهِ، وَكِتَابَةُ الشُّهُودِ عَلَى نَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ الْحَاكِمُ يَعْرِفُ بَاطِنَ الْقَضِيَّةِ فَصَرَفَهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَذَهَبَ ابْنُ لُبَابَةَ إلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ، مِنْ مَنْعِ الْعَمَلِ بِهَا فِي الْأَحْبَاسِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ لِمَا كَثُرَ مِنْ الْفَسَادِ وَالتَّلْبِيسِ، وَرُبَّمَا كَانَ أَصْلُ الْمَكْتُوبِ عَلَى وَجْهِ التَّقِيَّةِ، وَشُهُودُهُ لَوْ كَانُوا أَحْيَاءً أَخْبَرُوا بِذَلِكَ، فَيُعْمَلُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى خُطُوطِهِمْ فِيمَا لَا يَشْهَدُونَ بِهِ لَوْ حَضَرُوا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَا عَلِمْت مَنْ حُكْمٍ بِهَا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ زَرْبٍ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ، حَتَّى يَشْهَدَ هَذَا الشَّاهِدُ أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْخَطِّ كَانَ يَعْرِفُ مَنْ أَشْهَدَهُ مَعْرِفَةَ عَيْنٍ،
стр. 442
قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَذَلِكَ صَحِيحٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِيهِ، لَمَّا قَدْ تَسَاهَلَ النَّاسُ فِي وَضْعِ شَهَادَاتِهِمْ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُونَ.
قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَهَذَا فِيهِ تَضْيِيقٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، وَيَحْمِلُ الْعَدْلَ أَنَّهُ لَا يَضَعُ شَهَادَتَهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى خَطِّهِ وَأَنَّهُ لَا يَضَعُهَا إلَّا عَنْ مَعْرِفَةٍ، وَإِلَّا كَانَ شَاهِدًا بِزُورٍ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ عَدْلٌ، وَبِهَذَا جَرَى الْعَمَلُ عِنْدَنَا بِنَقْضِهِ وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَفِي الطُّرَرِ: وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ زَرْبٍ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْوَثِيقَةِ الَّتِي فِيهَا شَهَادَةُ الْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِ، أَنَّهُ يَعْرِفُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مَعْرِفَةَ الْعَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا وَيَعْرِفُهُمَا بِأَعْيَانِهِمَا فَهِيَ شَهَادَةٌ تَامَّةٌ؛ لِأَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ كَتَبَ شَهَادَتَهُ وَنَسَبَهُ إلَى مُخْتَصَرِ الثَّمَانِيَةِ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا اُحْتِيجَ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ خُطُوطِ الشُّهُودِ فِي وَثِيقَةٍ قَدْ سَقَطَ مِنْ عَقْدِهَا مَعْرِفَةُ عَيْنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْأَمْرُ مُشْكِلًا لَا يُدْرَى إنْ كَانَ الشُّهُودُ الْمَشْهُودُ عَلَى خُطُوطِهِمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ أَمْ لَا، فَمَنْ أَجَازَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ قَالَ لَا يَحْتَاجُ الشُّهُودُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى مَعْرِفَةِ خُطُوطِ الشُّهُودِ أَنْ يَكْتُبُوا شَهَادَتَهُمْ أَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَى خُطُوطِهِمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْمُشْهِدَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْعَقْدِ، وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ غَيْرُ مَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَطِّ، وَإِلَّا فَالشَّهَادَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْخَطِّ نَاقِصَةٌ.
فَرْعٌ: وَفِي الطُّرَرِ: وَإِذَا كَتَبَ الرَّجُلُ ذِكْرَ حَقٍّ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ الشُّهُودُ، فَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكْتُبَ نَعْتَهُ وَصِفَتَهُ، وَيَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى الصِّفَةِ حَيًّا أَوْ مَاتَ أَوْ غَابَ، وَقَدْ قَالَ: بَعْضُهُمْ يَكْتُبُ اسْمَهُ وَقَرْيَتَهُ وَمَسْكَنَهُ، وَيُجْتَزَى بِذَلِكَ، قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَسَمَّى الرَّجُلُ بِغَيْرِ اسْمِهِ وَغَيْرِ مَسْكَنِهِ وَغَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَإِذَا لَمْ يُعَرِّفْهُ الشُّهُودُ بِعَيْنِهِ وَلَا وَصَفُوهُ بِصِفَتِهِ دَخَلَهُ مَا ذَكَرْنَا.
فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ فِي إيقَاعِ الشَّهَادَةِ فِي الصَّحِيفَةِ بِأَمْرِ الَّذِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ، وَهُمْ لَمْ يَقْرَءُوهَا وَلَمْ تُقْرَأْ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِمَّنْ لَا يَشُكُّ الشَّاهِدُ أَنَّهُ قَدْ أَحَاطَ بِمَا فِيهَا عِلْمًا، فَأَوْقِعْ شَهَادَتَك إذَا قَالَ لَك مَا فِيهَا حَقٌّ، وَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا وَإِنْ لَمْ تَقْرَأْ عَلَيْهِ، إنْ كَانَ مِمَّنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَمْ يُحِطْ بِهَا عِلْمًا، وَمِمَّنْ يُخْشَى أَنْ يَكُونَ مَخْدُوعًا فَلَا تُوقِعْ شَهَادَتَكَ فِيهَا حَتَّى تَقْرَأَهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ لَك مَا فِيهَا حَقٌّ أُمِّيًّا كَانَ أَوْ قَارِئًا.
стр. 443
فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ: لَا يُوقِعُ الرَّجُلُ شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ، حَتَّى يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ بِهِ.
وَقَالَ لِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِثْلَهُ، وَأَخْبَرَ بِهِ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَذَلِكَ خِيفَةَ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلٌ فَيَتَسَمَّى بِاسْمِ رَجُلٍ غَيْرِهِ، وَيَشْهَدُ أَنَّهُ بَاعَ دَارِهِ بِمَوْضِعِ كَذَا، أَوْ عَبْدَهُ فُلَانًا مِنْ فُلَانٍ، وَتِلْكَ الدَّارَ لِغَيْرِهِ، فَيُوقِعُ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ، ثُمَّ يَمُوتُ الشَّاهِدُ فَيَشْهَدُ عَلَى خَطِّهِ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ فَيُخْرَجُ صَاحِبُ الدَّارِ مِنْ دَارِهِ، وَيُخْرَجُ الْعَبْدُ مِنْ مِلْكِهِ، قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَقَدْ فُعِلَ شِبْهُ هَذَا عِنْدَنَا، وَهَذَا مِنْ عُيُوبِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ عَلَى الْخَطِّ مِنْ أَهْلِ الْيَقَظَةِ وَالْفِطْنَةِ وَالْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ وَحُسْنِ التَّمْيِيزِ.
فَرْعٌ: قَالَ أَصْبَغُ: الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فِي غَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ، لَا يُعَجِّلُ الْحَاكِمُ الْحُكْمَ بِهَا وَلْيَتَثَبَّتْ.
مَسْأَلَةٌ: اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ، فَفِي الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ: أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ فِي طَلَاقٍ وَلَا عَتَاقٍ وَلَا نِكَاحٍ، وَلَا حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ، وَلَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي بِالْحُكْمِ، وَلَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ خَاصَّةً، وَحَيْثُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَلَا الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ، لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ، وَحَيْثُ يَجُوزُ هَذَا يَجُوزُ هَذَا، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَا مَعْنَى لَهَا، إلَّا أَنْ يَرَوْا أَنَّ الْأَمْوَالَ أَخَفُّ لِكَوْنِهَا يُقْضَى فِيهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَيُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَلَيْسَ بِذَلِكَ يَعْنِي فِي الْقُوَّةِ، قَالَ وَالصَّوَابُ الْجَوَازُ فِي الْجَمِيعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَيَلْزَمُ مَنْ أَجَازَهُ فِي الْأَحْبَاسِ الْقَدِيمَةِ أَنْ يُجِيزَهُ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ مَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ أَجَازَهُ لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ كُلَّهَا عِنْدَ اللَّهِ سَوَاءٌ، وَمَنْ أَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ أَسْقَطَهُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ وَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا تَجُوزَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِحَوَالَةِ الزَّمَانِ وَفَسَادِ أَهْلِهِ.
وَمِنْ الْحُجَّةِ لِجَوَازِ شَهَادَةِ الْخَطِّ وَقُوَّتِهِ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَلِيًّا بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَغَيْرَهُمْ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -،
стр. 444
قَدْ شَهِدُوا فِي كِتَابِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، الَّذِي كَتَبَهُ عَلَى لِسَانِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، أَنَّهُ بِخَطِّ مَرْوَانَ، وَمِنْ ذَلِكَ تَوَلَّدَ عَلَى عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا تَوَلَّدَ، وَهُوَ أَوَّلُ حَادِثٍ حَدَثَ مِنْ جِهَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، فَلَوْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ لَا تَجُوزُ عَلَيْهِ، لَمْ يَشْهَدْ بِهَا أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ لَا سِيَّمَا فِي التَّبَطُّنِ فِي الدِّمَاءِ.
وَمِنْ الْحُجَّةِ أَيْضًا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، كَتَبَ بِبَيْعَتِهِ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْخَطُّ كَافِيًا، لَمْ يَكْتَفِ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ ابْنِ عُمَرَ بِالْخَطِّ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، وَقَدْ أَدْخَلَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَيْعَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فِي الْمُوَطَّأِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي أَحْكَامِ ابْن سَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْن فَرَجٍ مَوْلَى ابْنِ الطَّلَّاعِ، قَالَ: الْأَصْلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخُطُوطِ قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْحُقُوقِ وَالطَّلَاقِ وَالْأَحْبَاسِ وَغَيْرِهَا، إلَّا أَنَّ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَ الشُّيُوخِ، أَنَّهَا تَجُوزُ فِي الْأَحْبَاسِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي وَقْتِنَا، أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْأَحْبَاسِ خَاصَّةً لِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ الضَّرْبِ عَلَى الْخُطُوطِ، وَلَا يَشْهَدُ فِي الْأَحْبَاسِ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَ أَنَّ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ حَبْسٌ، وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ مُحَازًا بِمَا تُحَازُ بِهِ الْأَحْبَاسُ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ، الصَّحِيحُ عِنْدِي الَّذِي لَا أَقُولُ بِغَيْرِهِ وَلَا أَعْتَقِدُ سِوَاهُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ، وَلَكِنِّي أَذْهَبُ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْأَحْبَاسِ خَاصَّةً، عَلَى مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ شُيُوخُنَا ﵏ إتْبَاعًا لَهُمْ وَاقْتِدَاءً بِهِمْ وَاسْتِحْسَانًا لِمَا دَرَجَتْ عَلَيْهِ جَمَاعَتُهُمْ، وَقَضَى بِهِ قُضَاتُهُمْ وَانْعَقَدَتْ عَلَيْهِ سِجِلَّاتُهُمْ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ لُبَابَةَ قَدْ سَاقَ أَصْلَهُ أَنْ لَا تَجُوزَ فِي حَبْسٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وَالْجُمْهُورُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَحْبَاسِ إلَّا حَيْطَةً عَلَيْهَا وَتَحْصِينًا لَهَا، مِنْ أَنْ تُحَالَ عَنْ أَحْوَالِهَا وَتُغَيَّرَ عَنْ سَبِيلِهَا، وَاتِّبَاعًا لِمَالِكٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهَا وَالْمُنَاقَلَةِ بِهَا وَإِنْ خَرِبَتْ.
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ مِنْ الشُّيُوخِ، أَنَّ اخْتِيَارَهُمْ فِي تَجْوِيزِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخُطُوطِ فِي الْأَحْبَاسِ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا سَمَاعٌ بِالتَّحْبِيسِ، وَفُشُوٌّ عِنْدَ النَّاسِ فَقَوِيَتْ بِذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ
стр. 445
فِيهَا، وَهُوَ مَعْنًى مَعْدُومٌ فِي غَيْرِهَا فِي الْغَالِبِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشُّيُوخُ إجَازَتُهَا فِي الْأَحْبَاسِ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِمَّا هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِحَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ، وَاَلَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ بِأَفْرِيقِيَّةَ فِي زَمَانِنَا الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: جَرَتْ عَادَةُ الْقُضَاةِ أَنْ يَأْمُرُوا الشُّهُودَ أَنْ يَكْتُبُوا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي حِينِ إيقَاعِ الشَّهَادَةِ بِرَسْمِ الْعَدَالَةِ وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ، إلَى أَنْ تُوُفِّيَ عَلَى ذَلِكَ، وَذَلِكَ حَسَنٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَاضِي يَعْرِفُ عَدَالَةَ الْمَشْهُودِ عَلَى خَطِّهِ، أَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ عَدَالَتَهُ أَوْ كَانَ يَشْهَدُ بَيْنَ النَّاسِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ أَوْ غَابَ، فَيُكْتَفَى بِأَنْ يَشْهَدَ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا خَطُّ فُلَانٍ، وَكَذَلِكَ رَأَيْته فِي بَعْضِ الْكُتُبِ، وَفَاوَضْت فِيهِ بَعْضَ الْجَمَاعَةِ فَقَالَ بِهِ.
تَنْبِيهٌ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ أَنَّهُ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْقُضَاةِ، ذَكَرَ الْمُتَيْطِيُّ: أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ وَمَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِ، حَتَّى يَقُولَ الشُّهُودُ إنَّهُ كَانَ فِي تَارِيخِ الشَّهَادَةِ عَدْلًا، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَ، احْتِيَاطًا أَنْ تَكُونَ شَهَادَتُهُ قَدْ سَقَطَتْ بِجُرْحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ كَانَ غَيْرَ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَإِنْ زِدْتَ فِي التَّقْيِيدِ مِمَّنْ يَعْرِفُ أَنَّ الشَّاهِدَ الْمَذْكُورَ كَانَ يَعْرِفُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عَقْدِ الشَّهَادَةِ مَعْرِفَتُهُ بِالْعَيْنِ وَالِاسْمِ، كَانَ أَكْمَلَ لِلشَّهَادَةِ وَأَتَمَّ لِلتَّقْيِيدِ، قَالَ وَهِيَ نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ قَلَّ مَنْ يَعْرِفُهَا أَوْ يَهْتَدِي إلَيْهَا، هَذِهِ الزِّيَادَةُ هِيَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا عَنْ ابْنِ زَرْبٍ، وَلَكِنْ أَعَدْنَاهَا هُنَا لِكَوْنِهَا أَحْسَنَ فِي السِّيَاقِ.
[فَصْلٌ تَقْيِيدَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ]
فَصْلٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا أَرَدْت تَقْيِيدَ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ، كَتَبْت فِي ذَلِكَ وَقَفَ مَنْ يُوَقِّعُ اسْمَهُ بَعْدَ هَذَا مِنْ الشُّهَدَاءِ عَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، الْوَاقِعَةِ شَهَادَتُهُ فِي أَسْفَلِ هَذَا الْعَقْدِ فِي الْبَيَاضِ الَّذِي فِي أَوَّلِهِ بَعْدَ سَطْرِ افْتِتَاحِهِ، كَذَا وَتَأَمَّلُوهُ وَأَتْقِنُوا النَّظَرَ فِيهِ، فَتَبَيَّنَ لَهُمْ وَتَحَقَّقَ عِنْدَهُمْ أَنَّ شَهَادَتَهُ الْمَذْكُورَةَ بِخَطِّ يَدِهِ الْمَعْهُودِ عَنْهُ، لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَمْتَرُونَ فِيهِ لِرُؤْيَتِهِمْ لَهُ، يَكْتُبُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ، وَيَعْرِفُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِرَسْمِ الْعَدَالَةِ، وَقَبُولِ الشَّهَادَةِ فِي تَارِيخِ الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورَةِ وَبَعْدَهَا إلَى أَنْ تُوُفِّيَ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا قُلْت: إلَى أَنْ غَابَ شَهِدَ بِذَلِكَ كُلِّهِ مَنْ عَرَفَهُ،
стр. 446
حَسَبُ نَصِّهِ وَتَحَقُّقِهِ عَلَى حَالِ وَصْفِهِ، وَأَوْقَعَ بِهِ شَهَادَتَهُ إذْ سُئِلَهَا فِي تَارِيخِ كَذَا.
فَرْعٌ: إذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْغَائِبِ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ الْغَيْبَةُ الَّتِي تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِيهَا عَلَى الْخَطِّ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهَا، غَيْرُ مَحْدُودٍ عِنْدَ سَحْنُونٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: الْغَيْبَةُ الْبَعِيدَةُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: قَدْرُ مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: مِثْلَ مِصْرَ مِنْ أَفْرِيقِيَّةَ، وَمَكَّةَ مِنْ الْعِرَاقِ، وَهَذِهِ الْغَيْبَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي خَطِّ الْمُقِرِّ وَخَطِّ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي خَطُّ الْمُقِرِّ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ، وَالِاتِّفَاقُ حَكَاهُ أَيْضًا ابْنُ هِشَامٍ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ.
وَفِي الْجَلَّابِ رِوَايَةٌ بِالْمَنْعِ وَهَلْ عَلَيْهِ يَمِينٌ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ أَمْ لَا؟ رِوَايَتَانِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ اللُّزُومِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْيَمِينِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ مَنْ يَرَى الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ يَحْكِي الِاتِّفَاقَ فَلَا يَحْتَاجُ عِنْدَهُمْ إلَى زِيَادَةِ الْيَمِينِ، اُنْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهَذَا إذَا شَهِدَ لَهُ عَلَى الْخَطِّ شَاهِدَانِ، فَإِنْ قَامَ لَهُ شَاهِدٌ عَلَى الْخَطِّ فَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهُ؟ رِوَايَتَانِ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ.
وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ: وَالصَّوَابُ عَدَمُ الْحُكْمِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ.
وَفِي شَرْحِ الْجَلَّابِ لِلشَّرْمَسَاحِيِّ، أَنَّهُ يَحْلِفُ يَمِينَيْنِ يَمِينًا مَعَ شَاهِدٍ عَلَى الْخَطِّ، وَيَمِينًا أُخْرَى لِيُكَمِّلَ بِهَا السَّبَبَ، قَالَ فَصَحَّ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَيْنِ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، لَا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
فَرْعٌ: وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ قَالَ فَإِذَا تَحَقَّقَ الشُّهُودُ أَنَّ ذَلِكَ خَطُّ الشَّاهِدِ، وَلَمْ يُدَاخِلْهُمْ فِي ذَلِكَ شَكٌّ وَلَا غَلَبَةُ ظَنٍّ، فَلْيُعَرِّفَا عَلَى الشَّهَادَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ حَلَفَ الطَّالِبُ حِينَئِذٍ وَاسْتَحَقَّ حَقَّهُ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ نَاقِصَةٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ إلَّا فِيمَا كَانَ مَالًا، خَاصَّةً حَيْثُ تَجُوزُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ.
стр. 447
فَرْعٌ: وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ: مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ الْكَافِي، مَنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ عَلَى الْخَطِّ غَرِيمُهُ بِمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ جَاحِدٌ، أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ لَهُ بِمُجَرَّدِ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّهِ حَتَّى يَحْلِفَ مَعَهَا، فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا اقْتَضَيْت مِنْهُ شَيْئًا مِمَّا كَتَبَ بِخَطِّهِ، أُعْطِيَ حَقَّهُ، فَإِنْ كَانَ طَالِبُ الْحَقِّ مَيِّتًا، حَلَفَ وَرَثَتُهُ عَلَى الْبَتِّ أَيْضًا أَنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا عَلِمْنَاهُ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا، وَهَذَا كُلُّهُ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ مِنْ الْقَوْلِ بِالتَّحْلِيفِ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ، قَدْ يَقَعُ فِي النَّفْسِ اسْتِنْكَارُهُ عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ، إذْ لَا يَقُولُ بِالتَّحْلِيفِ مَعَ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ شَهِدَا فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى ابْنَ أَبِي لَيْلَى، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، لَكِنَّ بَعْضَ أَشْيَاخِي يَعْتَذِرُ عَنْ هَذَا، بِأَنَّ خَطَّ الْمُقِرِّ أُقِيمَ مَقَامَ شَاهِدٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى خَطِّهِ لَمْ يَشْهَدَا عَلَى لَفْظِهِ، وَإِنَّمَا شَهِدَا بِمَا يَدُلُّ عَلَى لَفْظِهِ، فَصَارَ خَطُّهُ كَشَاهِدٍ قَامَ عَلَيْهِ، فَنَقَلَ عَنْهُ هَذِهِ الشَّهَادَةَ شَاهِدَانِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ لِأَجْلِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ الَّذِي هُوَ كَشَاهِدٍ وَاحِدٍ، وَلِأَجْلِ هَذَا التَّعْلِيلِ جَاءَ الْخِلَافُ فِي قَبُولِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ عَلَى هَذَا الْخَطِّ؛ لِأَنَّا إذَا جَعَلْنَا الْمُقِرَّ قَائِمًا مَقَامَ شَاهِدٍ، فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ نَقْلَ شَاهِدٍ وَاحِدٍ عَنْ شَاهِدٍ، وَإِذَا قُلْنَا إنَّ خَطَّهُ كَلَفْظِهِ، فَشَاهِدٌ وَاحِدٌ مَعَ الْيَمِينِ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَفِي الطُّرَرِ أَيْضًا: وَإِنْ كُتِبَتْ الْوَثِيقَةُ بِخَطِّ يَدِهِ وَشَهَادَتُهُ فِيهَا نَفَذَتْ؛ لِأَنَّهُ قَلِيلُ مَا يُضْرَبُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَهَادَتُهُ لَمْ تَنْفُذْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَتَبَ ثُمَّ لَا يَتِمُّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا.
فَرْعٌ: وَإِنْ قَالَ: لِفُلَانٍ عِنْدِي أَوْ قِبَلِي كَذَا وَكَذَا بِخَطِّ يَدِهِ قَضَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِقْرَارِ بِالْحُقُوقِ، وَإِنْ كَتَبَ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ إلَى آخِرِ الْوَثِيقَةِ، وَشَهَادَتُهُ فِيهَا لَمْ تَجُزْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا مَخْرَجَ الْوَثَائِقِ، وَجَرَتْ مَجْرَى الْحُقُوقِ، وَلَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ فِيهَا عَلَى خَطِّهِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ جَيِّدٌ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ فِيهَا اخْتِلَافٌ.
فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ قَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ أَوْصَى أَنْ تُقْبَضَ دُيُونُهُ، وَأَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ فَوُجِدَ صَكٌّ بِأَرْبَعَةِ عَشَرَ دِينَارًا، وَفِي أَسْفَلِهِ بِخَطِّ الْمَيِّتِ قَبَضْت مِنْهَا ثَمَانِيَةَ دَنَانِيرَ مِمَّا فِي بَطْنِ هَذَا الْكِتَابِ، هَلْ يَحْلِفُ
стр. 448
الْمَطْلُوبُ وَيَبْرَأُ مِنْ الثَّمَانِيَةِ؟ قَالَ: يَبْرَأُ مِنْهَا بِلَا يَمِينٍ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا بَقِيَ.
فَرْعٌ: وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ: وَأَمَّا مَنْ أَسْلَمَ وَمُنِعَ مِنْ الْكَلَامِ وَأَشَارَ إشَارَةً مُفْهِمَةً أَوْ كَتَبَ بِخَطِّ يَدِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يَكُونَ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ تَجُوزُ وَصِيَّتُهُ مِنْ الزَّاهِي لِابْنِ شَعْبَانَ.
فَرْعٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ بِمَالٍ فَجَحَدَهُ، فَأَخْرَجَ الْمُدَّعِي صَحِيفَةً مَكْتُوبًا فِيهَا خَطَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِقْرَارَهُ بِمَا ادَّعَى عَلَيْهِ، وَزَعَمَ الْمُدَّعِي أَنَّهَا بِخَطِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَطَلَب الْمُدَّعِي أَنْ يُجْبَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بِحَضْرَةِ الْعُدُولِ، وَيُقَابِلَ مَا كَتَبَهُ بِمَا أَظْهَرَهُ الْمُدَّعِي، فَأَفْتَى أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ بِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى أَنْ يُطَوِّلَ فِيمَا يَكْتُبُ تَطْوِيلًا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ خَطًّا غَيْرَ خَطِّهِ وَأَفْتَى عَبْدُ الْحَمِيدِ الصَّائِغِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إذْ لَا يَلْزَمُهُ إحْضَارُ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ، وَفَرَّقَ اللَّخْمِيُّ بَيْنَهُمَا، بِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَقْطَعُ بِتَكْذِيبِ الْبَيِّنَةِ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْعَى فِي أَمْرٍ يُقْطَعُ بِبُطْلَانِهِ.
وَأَمَّا خَطُّهُ فَإِنَّهُ صَادِرٌ عَنْهُ بِإِقْرَارِهِ، وَالْعُدُولُ يُقَابِلُونَ مَا يَكْتُبُهُ الْآنَ بِمَا أَحْضَرَهُ الْمُدَّعِي، وَيَشْهَدُونَ بِمُوَافَقَتِهِ لَهُ أَوْ مُخَالَفَتِهِ، وَرَجَّحَ أَكْثَرُ الشُّيُوخِ مَا أَفْتَى بِهِ اللَّخْمِيُّ.
[فَصْلٌ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْمُوصِي]
فَصْلٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى خَطِّ الْمُوصِي، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: سُئِلَ ابْنُ زَرْبٍ عَمَّنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا، ثُمَّ كَتَبَ فِي أَسْفَلِهَا بِخَطِّ يَدِهِ: هَذِهِ الْوَصِيَّةُ قَدْ أَبْطَلْتهَا إلَّا كَذَا وَكَذَا مِنْهَا فَيَخْرُجُ عَنِّي، وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ خَطَّهُ، فَقَالَ لَا تُرَدُّ بِهَذَا وَصِيَّتُهُ الَّتِي أَشْهَدَ عَلَيْهَا، وَهَذَا الَّذِي كَتَبَهُ كَمَنْ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ بِخَطِّ يَدِهِ، وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ وَشَهِدَ عَلَى خَطِّهِ، فَإِنَّ وَصِيَّتَهُ لَا تَنْفُذُ، يُرِيدُ فَكَذَلِكَ مَا كَتَبَهُ فِي أَسْفَلِ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ، اُنْظُرْهَا فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَسْمِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْحَبْسِ.
[فَصْلٌ الشَّهَادَةُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي]
فَصْلٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ وَقَدْ حَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ، أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ
стр. 449
وَاحِدٍ، وَيَحْلِفُ مَعَهُ الطَّالِبُ وَيَثْبُتُ لَهُ الْقَضَاءُ، قَالَ فَضْلٌ: وَهَذَا يُرِيدُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ مُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ فِي كِتَابِ الْقَاضِي وَلَا حُكْمِهِ، وَمَذْهَبُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ فِي حُكْمِ الْقَاضِي.
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدِ عَنْ أَشْهَبَ جَوَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي حُكْمِ الْقَاضِي، وَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
فَرْعٌ: وَإِذَا قَدِمَ رَجُلٌ إلَى وَكِيلِ رَجُلٍ بِكِتَابِ مُوَكِّلِهِ أَنْ يَدْفَعَ لَهُ سِلْعَةً أَوْ غَيْرَهَا، فَعَرَفَ خَطَّ مُوَكِّلِهِ وَدَفَعَ ذَلِكَ لِلَّذِي قَدِمَ بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ أَنْ يَكُونَ كَتَبَ ذَلِكَ أَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ أَحَدًا، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَيَغْرَمُهُ الْوَكِيلُ انْتَهَى.
وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ فِيهَا مِنْ الْخِلَافِ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي فَوْقَ هَذِهِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ، هَلْ يُجْبَرُ أَنْ يَكْتُبَ خَطَّهُ بِحَضْرَةِ الْعُدُولِ وَيُقَابِلُوهُ بِالْكِتَابِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ الرَّسُولُ؟ أَوْ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: اُخْتُلِفَ، إذَا كَانَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ فِي ذِكْرِ حَقٍّ عَلَى أَبِيهِ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ وَارِثُهُ، فَقَامَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ شَهَادَتُهُ، فَأَقَرَّ بِالشَّهَادَةِ وَزَعَمَ أَنَّهُ كَتَبَهَا عَلَى غَيْرِ حَقٍّ، أَوْ أَنْكَرَهَا فَشَهِدَ عَلَى خَطِّهِ، فَقَالَ أَصْبَغُ وَمُطَرِّفٌ: يُؤْخَذُ الْحَقُّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ صَارَ إلَيْهِ فَكَأَنَّهُ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَيْسَ مِثْلَهُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحَقُّ إلَّا بِإِقْرَارٍ سِوَى خَطِّهِ وَشَهَادَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ بِقَوْلِ مُطَرِّفٍ.
стр. 450
الْقَسَمُ الثَّالِثُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ فِي الْوَثِيقَةِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ خَطُّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَوْطِنَ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ إذَا لَمْ يَشُكَّ فِي خَطِّهِ، وَلَمْ يَرَ فِي الْكِتَابِ مَحْوًا وَلَا إلْحَاقًا وَلَا شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَشْهَدْ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَالْمُغِيرَةُ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَابْنُ دِينَارٍ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَسَحْنُونٌ، وَرَوَاهُ مُطَرِّفُ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ مُطَرِّفٌ: ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَا يَشْهَدُ وَإِنْ عَرَفَ خَطَّهُ، حَتَّى يَذْكُرَ الشَّهَادَةَ أَوْ بَعْضَهَا أَوْ مَا يَدُلُّ مِنْهَا عَلَى أَكْثَرِهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهُوَ أَحْوَطُ وَالْأَوَّلُ جَائِزٌ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَشْهَدُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ الشَّهَادَةَ وَيَذْكُرَهَا.
وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ لَا يَشْهَدُ حَتَّى يَذْكُرَ مَا فِي الْكِتَابِ حَرْفًا بِحَرْفِ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: وَقَدْ أَثْبَتُّ غَيْرَ مَرَّةٍ بِخَطِّ يَدِي، وَلَمْ أُثْبِتْ الشَّهَادَةَ فَلَمْ أَشْهَدْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] .
مَسْأَلَةٌ: أَمَّا إذَا كَانَ كِتَابُ الْوَثِيقَةِ كُلُّهُ بِخَطِّ الشَّاهِدِ، وَشَهَادَتُهُ فِي أَسْفَلِهِ وَهُوَ يَعْرِفُ خَطَّهُ، وَلَمْ يَرْتَبْ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ، فَحَكَى ابْنُ يُونُسَ الِاتِّفَاقَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ: عَلَى جَوَازِ الشَّهَادَةِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَشْهَدُ بِهِ. مِنْ التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَجُلٍ قَامَ بِكِتَابِ صَدَاقٍ، وَفِيهِ نَحْوُ سَطْرٍ مَمْحُوٍّ، وَفِي ذَلِكَ الْمَمْحُوِّ ذُكِرَ شَرْطُ الرَّحِيلِ، فَأَجَابَ ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْكِتَابَ يَصِحُّ كُلُّهُ غَيْرَ الشَّرْطِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ إذْ قَدْ مُحِيَ إلَّا أَنْ تُثْبِتَهُ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ حَلَفَ الزَّوْجُ بِاَللَّهِ مَا أَعْرِفُ هَذَا الشَّرْطَ وَلَا شَرَطْته عَلَى نَفْسِي وَيَرْحَلُ بِزَوْجَتِهِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ يَشْهَدُ حَيْثُ يُوقِنُ أَنَّهُ خَطُّ يَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ فَيَشْهَدُ، وَلَا يُعْرَفُ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهَا، فَإِنْ عَرَفَ الْحَاكِمُ فَلَا يَقْبَلُهَا.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: أَرَى أَنْ يُجِيزَ شَهَادَتَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهَا إذَا لَمْ يَرْتَبْ الشَّاهِدُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَأَمَّا إنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.
стр. 451
لَمْ تَجُزْ لَهُ شَهَادَةٌ بِهَا. مِنْ التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي رَجَعَ إلَيْهِ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَفِي التَّنْبِيهِ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّيهَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَدَائِهَا إذَا لَمْ يَحْكُمْ الْحَاكِمُ بِهَا، قَالَ غَيْرُهُ وَقِيلَ: يُؤَدِّيهَا وَيُعَرِّفُ الْحَاكِمَ، وَلَا يَقْبَلُهَا الْحَاكِمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَرَى بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَيَقْبَلُهَا، وَلِهَذَا وَجَبَ عَلَى الشَّاهِدِ الْأَدَاءُ وَتَعْرِيفُ حَالِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي ذَلِكَ فَيَقْبَلَهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: قَالَ بَعْضُهُمْ فِي رِوَايَةِ الْجَوَازِ إنَّهَا أَوْسَعُ؛ لِأَنَّ حَفِظَ ذَلِكَ صَعْبٌ لَا يُسْتَطَاعُ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] أَيْ لَا تَشُكُّوا وَقَدْ عَلِمَ تَعَالَى أَنَّ النَّاسَ يَنْسَوْنَ فَلِهَذَا أَمَرَ بِالْكَتْبِ.
مَسْأَلَةٌ: تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الثَّامِنِ فِيمَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَنَبَّهَ لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ ذِكْرُ مَا يَلْزَمُ الشُّهُودَ مِنْ حِفْظِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْوَثِيقَةُ، وَمَا لَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي شَهَادَاتِ الِاسْتِرْعَاءِ وَغَيْرِهَا.
تَنْبِيهٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَيَتَحَصَّلُ الْخِلَافُ فِي جُمْلَةِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَجُوزُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، إلَّا عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ. وَالثَّانِي: لَا تَجُوزُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى خَطِّ الْمُشَاهِدِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا تَجُوزُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ عَلَى خَطِّ الْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَلَى خَطِّ الشَّاهِدِ الْمَيِّتِ وَالْغَائِبِ وَشَهَادَتِهِ عَلَى خَطِّ نَفْسِهِ.
стр. 452
[الْبَابُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِرْعَاءِ]
ِ قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَيَصَدَّقُ الْمُسْتَرْعَى فِي الْحَبْسِ فِيمَا يَذْكُرُهُ مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الشُّهُودُ تِلْكَ الْوُجُوهَ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا وَيَكْتُبُ فِي ذَلِكَ أَشْهَدَ فُلَانٌ شُهُودَ هَذَا الْكِتَابِ شَهَادَةَ اسْتِرْعَاءٍ وَاسْتِحْفَاظٍ لِلشَّهَادَةِ، أَنَّهُ مَتَى عُقِدَ فِي دَارِهِ بِمَوْضِعِ كَذَا تَحْبِيسًا عَلَى بَنِيهِ أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ لِأَمْرٍ يَتَوَقَّعُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مَالِهِ الْمَذْكُورِ، وَلْيُمْسِكْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَرْجِعُ فِيمَا عَقَدَهُ فِيهِ عِنْدَ أَمْنِهِ مِمَّا تَخَوَّفَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِمَا عَقَدَهُ فِيهِ وَجْهَ الْقُرْبَةِ وَلَا وَجْهَ الْحَبْسِ، بَلْ لِمَا يَخْشَاهُ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَزِمٍ لِمَا يَعْقِدُهُ فِيهِ مِنْ التَّحْبِيسِ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي تَارِيخِ كَذَا، وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَرْعَى الرَّجُلُ فِي عِتْقِ عَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُهُ لِيُحَلِّفَهُ وَقَلَّتْ اسْتِقَامَتُهُ لِيَسْتَرْعِيَ بِذَلِكَ السَّبَبِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الِاسْتِرْعَاءُ فِي الطَّلَاقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْهِبَةِ.
فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ بَطَّالٍ وَإِذَا خَافَ الرَّجُلُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ عَبْدَهُ بِالْبَيْعِ ظَالِمٌ، فَلْيُعْتِقْهُ وَيَشْهَدْ سِرًّا أَنِّي إنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَطْلُبُهُ مِنِّي هَذَا الظَّالِمُ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ أَشْهَدَ عَلَى الْعِتْقِ شُهُودَ الِاسْتِرْعَاءِ أَوْ غَيْرَهُمْ.
فَرْعٌ: وَإِذَا خَطَبَ مَنْ هُوَ قَاهِرٌ لِشَخْصٍ بَعْضَ بَنَاتِهِ، فَأَنْكَحَهُ الْمَخْطُوبُ إلَيْهِ، وَأَشْهَدَ سِرًّا أَنِّي إنَّمَا أَفْعَلُهُ خَوْفًا مِنْهُ، وَهُوَ مِمَّنْ يُخَافُ عَدَاوَتُهُ، وَأَنَّهُ إنْ شَاءَ اخْتَارَهَا لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ نِكَاحٍ، فَأَنْكَحَهُ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ نِكَاحٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا، قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا بَنَى ظَالِمٌ أَوْ مَنْ يُخَافُ شَرُّهُ غُرَفًا مُحْدَثَةً بِإِزَاءِ دَارِ رَجُلٍ، وَفَتْحَ بَابًا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى مَا فِي دَارِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِطَالَةِ لِقُدْرَتِهِ، وَجَاهِهِ فَيَشْهَدُ الرَّجُلُ أَنَّ سُكُوتَهُ عَنْهُ لِخَوْفِهِ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُضِرَّهُ وَيُؤْذِيَهُ وَأَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِحَقِّهِ مَتَى أَمْكَنَهُ، وَتَشْهَدُ الْبَيِّنَةُ لِمَعْرِفَتِهِمْ لِلضَّرُورَةِ، وَأَنَّ الْمُحْدِثَ لِذَلِكَ مِمَّا يُتَّقَى شَرُّهُ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَتَى قَامَ بِطَلَبِ حَقِّهِ.
стр. 453
فَرْعٌ: وَمَنْ اسْتَرْعَى فِي حَبْسٍ وَكَانَ تَارِيخُ الْحَبْسِ وَالِاسْتِرْعَاءِ وَاحِدًا، كَانَ جَائِزًا مِنْ الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ.
فَرْعٌ: وَمَنْ اسْتَرْعَى فِي حَبْسٍ عَنْ تَقِيَّةٍ اتَّقَاهَا ثُمَّ أَشْهَدَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِمْضَائِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مِلْكِهِ.
فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ، وَمَنْ لَهُ دَارٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ فَبَاعَ أَخُوهُ جَمِيعَهَا مِمَّنْ يَعْلَمُ اشْتِرَاكَهُمَا فِيهَا، وَلَهُ سُلْطَانٌ وَقُدْرَةٌ وَخَافَ ضَرَرَهُ إذَا تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، فَاسْتَرْعَى أَنَّ سُكُوتَهُ عَلَى الْكَلَامِ فِي نَصِيبِهِ وَفِي الشُّفْعَةِ فِي نَصِيبِ أَخِيهِ لِمَا يَتَوَقَّعُهُ مِنْ تَحَامُلِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ وَإِضْرَارِهِ بِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ لِطَلَبِهِ مَتَى أَمْكَنَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا ذَهَبَتْ التَّقِيَّةُ وَقَامَ فِي فَوْرِهَا بِهَذِهِ الْوَثِيقَةِ أَثْبَتَهَا، وَأَثْبَتَ الْمِلْكَ وَالِاشْتِرَاكَ وَأَعْذَرَ إلَى أَخِيهِ وَإِلَى الْمُشْتَرِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا مِدْفَعٌ، قَضَى لَهُ بِحِصَّتِهِ وَبِالشُّفْعَةِ، وَإِنْ تَرَكَ الْقِيَامَ بَعْدَ ذَهَابِ التَّقِيَّةِ، فَقَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: إنْ تَرَكَ الْقِيَامَ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ أَوْ نَحْوَهَا فَلَا قِيَامَ لَهُ فِيهَا، وَإِنْ أَحَالَهَا الْمُبْتَاعُ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بَعْدَ زَوَالِ التَّقِيَّةِ بِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَعْوَامٍ، فَلَيْسَتْ حِيَازَةً تَمْنَعُهُ الْقِيَامَ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ الْأَعْوَامَ وَتَرْكَهُ الْقِيَامَ بَعْدَ ارْتِفَاعِ التَّقِيَّةِ، يَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِالْبَيْعِ، وَلَا أَرَى لَهُ اعْتِرَاضًا، وَإِنْ لَمْ يَسْكُتْ إلَّا الْعَامَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَنَحْوَهَا بَعْدَ زَوَالِ مَا كَانَ يَتَّقِيهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى زَالَ فَكَانَ الْبَيْعُ وَقَعَ حِينَئِذٍ.
وَفِي الطُّرَرِ عَنْ ابْنِ سَهْلٍ: أَنَّ الْعَامَيْنِ فِي ذَلِكَ كَافٍ، يُرِيدُ أَنَّهُ وَإِنْ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَةُ نَصِيبِهِ، وَيُحْمَلُ أَمْرُهُ عَلَى الرِّضَا بِبَيْعِ نَصِيبِهِ وَإِعْرَاضِهِ عَنْ الشُّفْعَةِ.
عَقْدُ اسْتِرْعَاءٍ فِي صَلَاحِ حَالٍ
يُكْتَبُ عُرِفَ مَنْ يَضَعُ خَطَّهُ آخِرَ هَذَا الْمَكْتُوبِ فُلَانٌ بْنُ فُلَانٍ، بِعَيْنِهِ وَاسْمِهِ مِنْ أَهْلِ مَوْضِعِ كَذَا مَعْرِفَةً تَامَّةً، وَيَعْرِفُونَهُ مُقْبِلًا عَلَى مَا يَعْنِيهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، مُسْتَقِيمَ الطَّرِيقَةِ مُخَالِطًا لِأَهْلِ الصَّلَاحِ، مُجَانِبًا لِأَهْلِ الْفَسَادِ، لَا يَعْلَمُونَهُ انْتَقَلَ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ إلَى حِينِ إيقَاعِهَا، لِشَهَادَتِهِمْ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ تَارِيخِ كَذَا.
فَائِدَةٌ: إنَّهُ يَنْدَفِعُ عَنْهُ بِهَذَا الْعَقْدِ تَعَسُّفُ الْوُلَاةِ، وَتَنْتَفِي عَنْهُ الظُّنُونُ وَالتُّهَمُ، وَتَسْقُطُ عَنْهُ يَمِينُ التُّهْمَةِ وَلَا يَسْتَوْجِبُ هَذَا الْعَقْدُ الْعَدَالَةَ.
стр. 454
عَقْدُ اسْتِرْعَاءٍ يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ
وَمَنْ اُسْتُرْعِيَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفِسْقِ وَالدَّعَارَةِ وَالشَّرِّ وَمُجَانَبَةِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَثَبَتَ عَلَيْهِ هَذَا، وَجَبَتْ عُقُوبَتُهُ وَإِطَالَةُ سَجْنِهِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَيَصْلُحَ حَالُهُ، وَلَوْ شَهِدَ لَهُ شُهُودٌ عُدُولٌ مَعَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعَافِيَةِ وَالصَّلَاحِ، لَمْ تُفِدْ شَهَادَتُهُمْ شَيْئًا وَالشَّهَادَةُ الْأُولَى أَعْلَمُ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِبَاطِنٍ، وَالثَّانِيَةُ بِظَاهِرٍ، فَالْأُولَى أَقْوَى إلَّا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِدْفَعٌ.
عَقْدُ اسْتِرْعَاءٍ فِي التَّبَرِّي مِنْ مُذْنِبٍ
أَشْهَدَ فُلَانٌ بْنُ فُلَانٍ أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ ابْنَهُ فُلَانًا، مُخَالِطٌ لِأَهْلِ التُّهَمِ وَالرِّيَبِ، وَخَافَ أَنْ يَجْنِيَ جِنَايَةً أَوْ يَجُرَّ جَرِيرَةً فَيُعَلَّلُ عَلَيْهِ وَيُؤْذَى بِسَبَبِهِ فَتَبَرَّأَ مِنْهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَأَبْعَدَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَهَجَرَهُ غَضَبًا لِلَّهِ تَعَالَى إلَى أَنْ يَتُوبَ وَيَرْجِعَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، شَهِدَ بِذَلِكَ مَنْ يَعْرِفُ أَبْعَادَهُ، فَإِذَا وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ.
فَائِدَةٌ: إنَّهُ يَنْدَفِعُ عَنْهُ بِهَذَا الْعَقْدُ تَعَسُّفُ الْوُلَاةِ وَأَخْذُهُمْ الْوَلِيَّ بِالْوَلَاءِ فِي الْجِنَايَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ أَحْكَامُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] .
عَقْدُ اسْتِرْعَاءٍ يُوجِبُ الْيَمِينَ
إذَا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْغَضَبِ وَالْعَدَاءِ، أَوْ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ، وَالْمَظِنَّةُ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ الْيَمِينُ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ وَعَقَدَ بِذَلِكَ مَكْتُوبًا، فَإِنَّ هَذَا الْعَقْدَ يُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَى مَنْ عُقِدَ عَلَيْهِ فِيمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولَ الْعَيْنِ لَمْ تَقَعْ الشَّهَادَةُ إلَّا عَلَى عَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا جَازَتْ الشَّهَادَةُ فِي غَيْبَتِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ رَمَاهُ وَنَسَبَهُ إلَى غَضَبٍ أَوْ تَعَدٍّ إذَا ثَبَتَ الْعَقْدُ الْمَذْكُورُ.
عَقْدُ اسْتِرْعَاءٍ فِي عَدَاوَةٍ لِيَكُونَ عَدُوَّهُ
وَصُورَتُهُ أَنْ يَكْتُبَ أَشْهَدَ الْقَاضِي فُلَانٌ عَلَى نَفْسِهِ، أَنَّ فُلَانًا حَضَرَ مَجْلِسَ نَظَرِهِ فَذَكَرَ أَنَّ فُلَانًا عَدُوٌّ لَهُ مِنْ قِدَمِ الزَّمَانِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا.
стр. 455
وَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَمُوتَ مَنْ يَعْلَمُ قِدَمَ الْعَدَاوَةِ وَمَا بَيْنَهُمَا، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ هَذَا الرَّجُلُ فِيمَا يَضُرُّهُ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي وَقْتٍ لَا يَجِدُ مَنْ يَعْرِفُ قِدَمَ الْعَدَاوَةِ، وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي إثْبَاتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ لِيُقَيِّدَ لَهُ بِذَلِكَ عَقْدًا يَكُونُ عِنْدَهُ، فَنَظَرَ الْقَاضِي فِيمَا سَأَلَهُ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا أَوْجَبَ لَهُ إبَاحَةَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ فَأَتَاهُ بِفُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ فُلَانًا مُعَادِيًا لِفُلَانٍ مُذْ أَدْرَكُوا ذَلِكَ بِعُقُولِهِمْ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَطَالِبًا لِمَا يَضُرُّهُ، وَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ مُسْتَمِرًّا، وَلَا يَعْلَمُونَهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ إلَى حِينِ شَهَادَتِهِمْ، وَذَلِكَ فِي تَارِيخِ كَذَا، فَنَظَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُمْ، وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ عِنْدَهُ.
وَفِي الطُّرَرِ: وَلَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ إلَى مِثْلِ هَذَا وَشَبَهِهِ مِمَّا لَا خُصُومَةَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُصِبَ لِمَا فِيهِ الْخُصُومَاتُ.
فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي بَيْعِ الْمَضْغُوطِ، وَإِذَا خَافَ الرَّجُلُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَسْتَبِيعَ مِنْ ظَالِمٍ فَأَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ لِتَطِيبَ بِذَلِكَ نَفْسُهُ، وَيَشْهَدُ سِرًّا أَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُقِرَّ، وَلَا يَسْتَبِيعَ مِنْ ذَلِكَ الظَّالِمِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ إذَا أَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ.
فَرْعٌ: وَلَوْ امْتَنَعَ الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدِهِ وَاسْتَجَارَ بِغَاصِبٍ أَوْ سَرَدَ عِنْدَهُ، فَأَشْهَدَ سِرًّا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ، فَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِيُخْرِجَهُ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي امْتَنَعَ فِيهِ، فَإِنَّ إشْهَادَهُ يَنْفَعُهُ بِذَلِكَ.
فَرْعٌ: إذَا أَشْهَدَ فِي السِّرِّ أَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُهُ لِأَجْلِ إنْكَارِهِ، وَأَنَّهُ مَتَى وَجَدَ بَيِّنَةً قَامَ بِهَا، فَالصُّلْحُ غَيْرُ لَازِمٍ لَهُ إذَا ثَبَتَ إنْكَارُهُ، وَثَبَتَ الْحَقُّ وَغَايَةُ مَا عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِبَيِّنَتِهِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ لَا يَنْفَعُهُ مَا أَشْهَدَ بِهِ فِي السِّرِّ.
وَقَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ: لَا يَنْفَعُ إشْهَادُ السِّرِّ، إلَّا عَلَى مَنْ لَا يَنْتَصِفُ مِنْهُ كَالسُّلْطَانِ وَالرَّجُلِ الْقَاهِرِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَإِشْهَادُ السِّرِّ بَاطِلٌ.
فَرْعٌ: إنْ تَقَيَّدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُودَعْ شَهَادَتَهُ، يَعْنِي اسْتِرْعَاءً، وَمَتَى قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ بِذَلِكَ فَهِيَ كَاذِبَةٌ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا، وَكَثِيرُ مَا يُكْتَبُ عِنْدَنَا بِقَفِصَةٍ وَمُقْتَضَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا قِيَامَ لَهُ بِذَلِكَ، إنْ أَشْهَدَ أَنَّهُ أَسْقَطَ الِاسْتِرْعَاءَ سَقَطَ.
стр. 456
فَرْعٌ: وَلَوْ قَالَ فِي اسْتِرْعَائِهِ: وَمَتَى أَشْهَدْت عَلَى نَفْسِي أَنَّنِي قَطَعْت الِاسْتِرْعَاءَ، وَالِاسْتِرْعَاءُ فِي الِاسْتِرْعَاءِ إلَى أَقْصَى تَنَاهِيهِ، فَإِنَّمَا أَفْعَلُهُ لِلضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ، وَأَنَّنِي غَيْرُ قَاطِعٍ لِشَيْءٍ مِنْهُ وَأَرْجِعُ فِي حَقِّي، فَحَكَى صَاحِبُ الطُّرَرِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ، مَا أَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي اسْتِرْعَائِهِ: مَتَى أَشْهَدْت بِقَطْعِ الِاسْتِرْعَاءِ، فَإِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِجْلَابًا بِالْإِقْرَارِ خَصْمِي، فَلَهُ الْقِيَامُ وَلَا يَضُرُّهُ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ مِنْ إسْقَاطِ الْبَيِّنَاتِ الْمُسْتَرْعَاةِ، وَإِنْ قَالَ إنَّهُ أَسْقَطَ الِاسْتِرْعَاءَ وَالِاسْتِرْعَاءُ فِي الِاسْتِرْعَاءِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِاسْتِرْعَائِهِ.
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ: وَفِيهِ تَنَازُعٌ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الطُّرَرِ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إلَى الصُّلْحِ بِإِنْكَارِهِ، وَالْمُكْرَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ لَا يَسْقُطُ اسْتِرْعَاؤُهُ مُطْلَقًا، لَكَانَ وَجِيهًا إذَا ثَبَتَ إنْكَارُهُ.
تَنْبِيهٌ: الِاسْتِرْعَاءُ يَنْفَعُ فِي كُلِّ تَطَوُّعٍ كَالْعِتْقِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالطَّلَاقِ، وَالتَّحْبِيسِ، وَالْهِبَةِ. وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ السَّبَبَ إلَّا بِقَوْلِهِ، مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ أَنِّي طَلَّقْتُ، فَإِنَّمَا أُطَلِّقُ خَوْفًا مِنْ أَمْرٍ أَتَوَقَّعُهُ مِنْ جِهَةِ كَذَا، أَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ، وَكَانَ أَشْهَدَ أَنِّي حَلَفْت بِالطَّلَاقِ فَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ إكْرَاهٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا وَمَا ذَكَرْنَاهُ مَعَهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَعْرِفَةُ الشُّهُودِ السَّبَبَ الْمَذْكُورَ، اُنْظُرْ وَثَائِقَ الْغَرْنَاطِيِّ.
فَرْعٌ: وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِرْعَاءُ فِي الْبُيُوعِ مِثْلَ: أَنْ يَشْهَدَ قَبْلَ الْبَيْعِ أَنَّهُ رَاجِعٌ فِي الْبَيْعِ، وَأَنَّ بَيْعَهُ لِأَمْرٍ يَتَوَقَّعُهُ؛ لِأَنَّ الْمُبَايَعَةَ خِلَافُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ، وَقَدْ أَخَذَ الْبَائِعُ فِيهِ ثَمَنًا، وَفِي ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا أَنْ يَعْرِفَ الشُّهُودُ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ الْإِخَافَةِ، فَيَجُوزُ الِاسْتِرْعَاءُ إذَا انْعَقَدَ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَتَضَمَّنَّ الْعَقْدُ شَهَادَةَ مَنْ يَعْرِفُ الْإِخَافَةَ وَالتَّوَقُّعَ الَّذِي ذَكَرَهُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْغَرْنَاطِيُّ فِي وَثَائِقِهِ وَثَائِقُ الِاسْتِرْعَاءِ تُفَارِقُ سَائِرَ الْوَثَائِقِ فِي شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ شُهُودَهَا يُؤْخَذُونَ بِحِفْظِهَا وَمَعْرِفَةِ مَا فِيهَا وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَجِبُ تَوْقِيفُهُ عَلَيْهَا قَبْلَ ثُبُوتِهَا، وَلَا الْإِعْذَارُ إلَيْهِ.
стр. 457
تَنْبِيهٌ: وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَذْكُورَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ، لَا بُدَّ مِنْ تَارِيخِهَا بِالْأَوْقَاتِ وَهِيَ: كُلُّ اسْتِرْعَاءَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي أَيْ شَيْءٍ كَانَا، وَمَتَى يَتَحَقَّقُ بِالْوَقْتِ أَنَّ الِاسْتِرْعَاءَ تَقَدَّمَ الصُّلْحَ وَإِلَّا بَطَلَ الِاسْتِرْعَاءُ، وَالطَّلَاقُ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ وَالْحَمْلِ، وَتَصْدِيقُهَا أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَعُهْدَةُ الرَّقِيقِ لِأَجْلِ الْعُيُوبِ، كَذَلِكَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ مَوْتُ الْمَيِّتِ إذْ لَعَلَّ لَهُ وَارِثًا مَاتَ قَبْلَهُ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْعُهْدَةِ هُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَقِيلَ: ابْتِدَاؤُهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي مَسَائِلَ الصَّدَاقِ وَتَأْجِيلِ الْعُسْرِ بِهِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: الْقُرْطُ فِي أَحْكَامِهِ وَلَا تَعُدُّ الْيَوْمَ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْأَجَلُ، وَلَا تَحْتَسِبُ كَمَا تَحْتَسِبُ بِالْيَوْمِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْعُهْدَةَ وَمُلْغًى.
تَنْبِيهٌ: وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْجَزَرِيِّ، وَيَجِبُ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ شُهُودِ الِاسْتِرْعَاءِ وَالتَّرَشُّدِ وَالتَّسْفِيهِ، وَأَقَلُّهُمْ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ.
[الْبَابُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ التَّوَسُّمِ]
رَوَى التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ» ، وَالتَّوَسُّمُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَوْسِمِ، وَهُوَ التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ فِي جِلْدِ الْبَعِيرِ يَكُونُ عَلَامَةً يُسْتَدَلُّ بِهَا، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ، قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْقَوَافِلِ وَالرِّفَاقِ تَمُرُّ بِأُمَّهَاتِ الْقُرَى وَالْمَدَائِنِ فَتَقَعُ بَيْنَهُمْ الْخُصُومَةُ عِنْدَ حَاكِمِ الْقَرْيَةِ أَوْ الْمَدِينَةِ الَّتِي حَلُّوا بِهَا أَوْ مَرُّوا بِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِنَا أَجَازُوا شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ، مِمَّنْ جَمَعَهُ ذَلِكَ السَّفَرُ وَجَرَّتْهُ تِلْكَ الْمُرَافَقَةُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ وَلَا سَخْطَةٍ إلَّا عَلَى التَّوَسُّمِ لَهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، خَاصَّةً مِنْ الْأَحْلَافِ وَالْأَكْرِيَةِ وَالْبُيُوعِ وَالْأَشْرِبَةِ كَانُوا مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ أَهْلِ بُلْدَانٍ شَتَّى كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَالشُّهُودُ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ أَوْ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَصَمُوا فِيهَا، أَوْ مَعْرُوفًا مِنْ غَيْرِهَا إذَا كَانَ مِمَّنْ جَمَعَهُ وَإِيَّاهُمْ ذَلِكَ
стр. 458
السَّفَرُ، وَكَذَلِكَ تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَى كَرِيِّهِمْ فِي كُلِّ مَا عَامَلُوهُ بِهِ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، قَالَا وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ عَلَى وَجْهِ الِاضْطِرَارِ مِثْلَ مَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فِيمَا لَا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ، وَمِثْلَ مَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَيْنَهُمْ فِي الْجِرَاحَاتِ، قَالَا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ فِي كُلِّ حَقٍّ كَانَ ثَابِتًا فِي دَعْوَاهُمْ قَبْلَ سَفَرِهِمْ إلَّا بِالْمَعْرِفَةِ وَالْعَدَالَةِ، فَإِنْ حَكَمَ عَلَى الْكَرْيِ بِمَا شَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِ فِي كِرَاءٍ أَوْ سَلَفٍ، فَلَمْ يَفِ مَا مَعَهُ بِمَا عَلَيْهِ، وَلَهُ عَقَارٌ بِالْقَرْيَةِ الَّتِي بِهَا تَحَاكَمُوهُ: أَتَرَى أَنْ يُبَاعَ عَقَارُهُ فِي بَقِيَّةِ مَا عَلَيْهِ؟ قَالَا وَلَا تَجُوزُ فِي الْعَقَارِ، وَشِبْهِهِ شَهَادَةُ الْمَجْهُولِينَ، وَيَبْقَى ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ حَدَثَ لَهُ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ، وَإِنْ بِيعَ عَقَارُهُ بِسَبَبِ غُرَمَاءَ قَامُوا عَلَيْهِ بِدُيُونِهِمْ سَوَاءٌ، فَفَلِسَ لَهُمْ دَخَلَ الْمَشْهُودُ لَهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِغَيْرِ سَبَبِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَا يُمَكَّنُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ تَجْرِيحِ هَؤُلَاءِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أُجِيزُوا عَلَى التَّوَسُّمِ فَلَيْسَ فِيهِمْ جُرْحَةٌ، إلَّا أَنْ يَسْتَرِيبَ الْحَاكِمُ فِيهِمْ قَبْلَ حُكْمِهِ بِشَهَادَتِهِمْ، بِسَبَبِ قَطْعِ يَدٍ أَوْ جَلَدٍ فِي ظَهْرٍ فَلْيَتَثَبَّتْ فِي تَوَسُّمِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ انْتِفَاءُ تِلْكَ الرِّيبَةِ وَإِلَّا أَسْقَطَهُمْ.
قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَامْرَأَةٌ أَوْ غَيْرُ عُدُولٍ، تَوَسَّمَ فِيهِمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قُبِلُوا بِالتَّوَسُّمِ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ مَسْخُوطِينَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ تَثَبَّتَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِمْ فَلَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَدْلَانِ أَنَّهُمَا كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ مَسْخُوطَيْنِ.
قَالَ: وَلَا يُقْبَلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي سَرِقَةٍ وَلَا زِنًا وَلَا غَصْبٍ وَلَا تَلَصُّصٍ وَلَا مُشَاتَمَةٍ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ فِي الْمَالِ فِي السَّفَرِ لِلضَّرُورَةِ، قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ ذَلِكَ، يَعْنِي شَهَادَةَ التَّوَسُّمِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ خِلَافَ ظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ الْغُرَبَاءِ دُونَ أَنْ تُعْرَفَ عَدَالَتُهُمْ، انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، أَنَّ الَّذِي رَآهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْغُرَبَاءِ حَيْثُ لَا يَكُونُ ضَرُورَةً مِثْلَ شَهَادَتِهِمْ فِي الْحَضَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 459
[الْبَابُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَبْدَادِ]
وَالشَّهَادَاتِ الَّتِي يُصَحِّحُ بَعْضُهَا بَعْضًا قَالَ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ فِي غَرِيبِ الْمُدَوَّنَةِ، الْأَبْدَادُ بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، وَهُمْ الْمُتَفَرِّقُونَ، وَاحِدُهُمْ: بُدٌّ مِثْلُ: مُدٍّ مِنْ الْبَيْدِ، هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ بَدَّدَ اللَّهُ شَمْلَ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا فِي ذَلِكَ مُتَفَرِّقِينَ، وَاحِدٌ هَا هُنَا، وَآخَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَوَاحِدٌ الْيَوْمَ، وَوَاحِدٌ غَدًا، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى آخَرَ. فَرْعٌ: وَفِي التَّهْذِيبِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: يَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبْدَادِ فِي النِّكَاحِ وَالْعَتَاقِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهِيَ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ الشُّهُودُ عَلَى إشْهَادِ الْوَلِيِّ وَالنَّاكِحَيْنِ، بَلْ إنَّمَا عَقَدُوا وَتَفَرَّقُوا، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: أَشْهِدْ مَنْ لَقِيت، هَكَذَا فَسَّرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا، أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ.
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ شَرْطٌ قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ فِي الطُّرَرِ عَلَى التَّهْذِيبِ فَتَتِمُّ بِسِتَّةٍ شُهُودٍ: اثْنَانِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجِ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجَةِ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا.
وَفِي الْبِكْرِ ذَاتِ الْأَبِ بِأَرْبَعَةٍ شَاهِدَانِ عَلَى النَّاكِحِ، وَشَاهِدَانِ عَلَى الْمُنْكَحِ، وَأَمَّا إنْ أَشْهَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الشُّهُودَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ صَاحِبُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَلَيْسَتْ بِأَبْدَادٍ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ شَهَادَةُ الْأَبْدَادِ لَا تَعْمَلُ شَيْئًا إذَا شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ نَصِّ مَا شَهِدَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى جَمِيعِ شَهَادَتِهِمْ وَاحِدٌ حَتَّى يَتَّفِقَ مِنْهُمْ شَاهِدَانِ عَلَى نَصٍّ وَاحِدٍ.
стр. 460
فَرْعٌ: وَفِي التَّقْرِيبِ عَلَى التَّهْذِيبِ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ أَنَّ زَيْدًا بَاعَ مِنْ عَمْرٍو سِلْعَةً، وَشَهِدَ آخَرُ بِإِقْرَارِهِمَا بِالْبَيْعِ، كَمُلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنَى قَدْ اجْتَمَعَا عَلَى نَقْلِ الْمِلْكِ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: لَوْ جَرَحَ شَاهِدٌ شَاهِدًا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْجُرْحَةِ وَجَرَحَ آخَرُ بِغَيْرِهِ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: هِيَ جُرْحَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ.
وَقَالَ أَيْضًا لَيْسَ بِتَجْرِيحٍ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَبِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ
فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: سُئِلَ مَالِكٌ ﵀ عَنْ شَاهِدَيْنِ، شَهِدَ أَحَدُهُمَا فِي مَنْزِلٍ أَنَّهُ مَسْكَنُ هَذَا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ حَيِّزُهُ، فَقَالَ خَصْمُهُ: قَدْ اخْتَلَفَتْ شَهَادَتُهُمَا، فَقَالَ مَالِكٌ: مَسْكَنُهُ وَحَيِّزُهُ شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَفْتَرِقُ، وَقَدْ يَكُونُ الْكَلَامُ فِي الشَّهَادَةِ مُخْتَلِفًا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَحَدُهُمَا فِي شَهَادَتِهِ فِي أَرْضٍ هِيَ لِهَذَا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهَا حَيِّزُهُ، قَالَ مَالِكٌ هِيَ لَهُ؛ لِأَنَّ حَيِّزَهُ أَرْضُهُ فَأَرَاهُمَا قَدْ اجْتَمَعَا عَلَى الشَّهَادَةِ، قَالَ سَحْنُونٌ: مَعْنَى حَيِّزُهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَحَقُّهُ، انْتَهَى. وَانْظُرْ هَلْ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْهِنْدِيِّ أَمْ لَا؟ فِي قَوْلِهِ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ شَاهِدَيْنِ، عَلَى نَصٍّ وَاحِدٍ، وَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ فَلَا يُفِيدُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: قَالَ لِي أَبُو مَرْوَانَ بْنِ مَالِكٍ: إنْ شَهِدُوا فِي دَارٍ أَنَّهَا فِي مِلْكِ فُلَانٍ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً، فَقَالَ: قَدْ شَاهَدْتُ الْحُكْمَ بِإِسْقَاطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْعُقُودِ إنَّهُمْ يُعَرِّفُونَهَا لَهُ، وَفِي مِلْكِهِ مَالًا مِنْ أَمْوَالِهِ وَنَحْوِهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْمِلْكَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ غَيْرُ مُبَيَّنٍ وَأَنْشَدَ:
أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَا أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إنْ نَفَرَا
فَالْمِلْكُ فِي هَذَا بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ: بِمَعْنَى الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ الْكَسْبُ وَالْقِنْيَةُ، وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ إنْ كَانَ الشُّهُودُ لَهُمْ نَبَاهَةٌ وَفَطِنَةٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالشَّهَادَةِ فَهِيَ شَهَادَةٌ عَامِلَةٌ، قَالَ لِي أَبُو الْمُطَرِّفِ: هِيَ شَهَادَةٌ تَامَّةٌ وَلَا خِلَافَ فِيهَا، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْرِيعٌ وَنَظَرٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ.
следующие страницы →