Полный текст (849 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فَرْعٌ: وَلَوْ قَالَ فِي اسْتِرْعَائِهِ: وَمَتَى أَشْهَدْت عَلَى نَفْسِي أَنَّنِي قَطَعْت الِاسْتِرْعَاءَ، وَالِاسْتِرْعَاءُ فِي الِاسْتِرْعَاءِ إلَى أَقْصَى تَنَاهِيهِ، فَإِنَّمَا أَفْعَلُهُ لِلضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ، وَأَنَّنِي غَيْرُ قَاطِعٍ لِشَيْءٍ مِنْهُ وَأَرْجِعُ فِي حَقِّي، فَحَكَى صَاحِبُ الطُّرَرِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ، مَا أَشْهَدَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ فِي اسْتِرْعَائِهِ: مَتَى أَشْهَدْت بِقَطْعِ الِاسْتِرْعَاءِ، فَإِنَّمَا أَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِجْلَابًا بِالْإِقْرَارِ خَصْمِي، فَلَهُ الْقِيَامُ وَلَا يَضُرُّهُ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ مِنْ إسْقَاطِ الْبَيِّنَاتِ الْمُسْتَرْعَاةِ، وَإِنْ قَالَ إنَّهُ أَسْقَطَ الِاسْتِرْعَاءَ وَالِاسْتِرْعَاءُ فِي الِاسْتِرْعَاءِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِاسْتِرْعَائِهِ.
وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُوَثَّقِينَ: وَفِيهِ تَنَازُعٌ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الطُّرَرِ أَصَحُّ فِي النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إلَى الصُّلْحِ بِإِنْكَارِهِ، وَالْمُكْرَهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ لَا يَسْقُطُ اسْتِرْعَاؤُهُ مُطْلَقًا، لَكَانَ وَجِيهًا إذَا ثَبَتَ إنْكَارُهُ.
تَنْبِيهٌ: الِاسْتِرْعَاءُ يَنْفَعُ فِي كُلِّ تَطَوُّعٍ كَالْعِتْقِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالطَّلَاقِ، وَالتَّحْبِيسِ، وَالْهِبَةِ. وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ السَّبَبَ إلَّا بِقَوْلِهِ، مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ أَنِّي طَلَّقْتُ، فَإِنَّمَا أُطَلِّقُ خَوْفًا مِنْ أَمْرٍ أَتَوَقَّعُهُ مِنْ جِهَةِ كَذَا، أَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ، وَكَانَ أَشْهَدَ أَنِّي حَلَفْت بِالطَّلَاقِ فَإِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ إكْرَاهٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا وَمَا ذَكَرْنَاهُ مَعَهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَعْرِفَةُ الشُّهُودِ السَّبَبَ الْمَذْكُورَ، اُنْظُرْ وَثَائِقَ الْغَرْنَاطِيِّ.
فَرْعٌ: وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِرْعَاءُ فِي الْبُيُوعِ مِثْلَ: أَنْ يَشْهَدَ قَبْلَ الْبَيْعِ أَنَّهُ رَاجِعٌ فِي الْبَيْعِ، وَأَنَّ بَيْعَهُ لِأَمْرٍ يَتَوَقَّعُهُ؛ لِأَنَّ الْمُبَايَعَةَ خِلَافُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ، وَقَدْ أَخَذَ الْبَائِعُ فِيهِ ثَمَنًا، وَفِي ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُبْتَاعِ إلَّا أَنْ يَعْرِفَ الشُّهُودُ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ الْإِخَافَةِ، فَيَجُوزُ الِاسْتِرْعَاءُ إذَا انْعَقَدَ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَتَضَمَّنَّ الْعَقْدُ شَهَادَةَ مَنْ يَعْرِفُ الْإِخَافَةَ وَالتَّوَقُّعَ الَّذِي ذَكَرَهُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْغَرْنَاطِيُّ فِي وَثَائِقِهِ وَثَائِقُ الِاسْتِرْعَاءِ تُفَارِقُ سَائِرَ الْوَثَائِقِ فِي شَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ شُهُودَهَا يُؤْخَذُونَ بِحِفْظِهَا وَمَعْرِفَةِ مَا فِيهَا وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَطْلُوبَ لَا يَجِبُ تَوْقِيفُهُ عَلَيْهَا قَبْلَ ثُبُوتِهَا، وَلَا الْإِعْذَارُ إلَيْهِ.
стр. 457
تَنْبِيهٌ: وَفِي الْوَثَائِقِ الْمَذْكُورَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ، لَا بُدَّ مِنْ تَارِيخِهَا بِالْأَوْقَاتِ وَهِيَ: كُلُّ اسْتِرْعَاءَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي أَيْ شَيْءٍ كَانَا، وَمَتَى يَتَحَقَّقُ بِالْوَقْتِ أَنَّ الِاسْتِرْعَاءَ تَقَدَّمَ الصُّلْحَ وَإِلَّا بَطَلَ الِاسْتِرْعَاءُ، وَالطَّلَاقُ لِأَجْلِ النَّفَقَةِ وَالْحَمْلِ، وَتَصْدِيقُهَا أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَعُهْدَةُ الرَّقِيقِ لِأَجْلِ الْعُيُوبِ، كَذَلِكَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ مَوْتُ الْمَيِّتِ إذْ لَعَلَّ لَهُ وَارِثًا مَاتَ قَبْلَهُ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْعُهْدَةِ هُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَقِيلَ: ابْتِدَاؤُهَا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي مَسَائِلَ الصَّدَاقِ وَتَأْجِيلِ الْعُسْرِ بِهِ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: الْقُرْطُ فِي أَحْكَامِهِ وَلَا تَعُدُّ الْيَوْمَ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْأَجَلُ، وَلَا تَحْتَسِبُ كَمَا تَحْتَسِبُ بِالْيَوْمِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْعُهْدَةَ وَمُلْغًى.
تَنْبِيهٌ: وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْجَزَرِيِّ، وَيَجِبُ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ شُهُودِ الِاسْتِرْعَاءِ وَالتَّرَشُّدِ وَالتَّسْفِيهِ، وَأَقَلُّهُمْ فِي قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ.
[الْبَابُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ التَّوَسُّمِ]
رَوَى التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ» ، وَالتَّوَسُّمُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَوْسِمِ، وَهُوَ التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ فِي جِلْدِ الْبَعِيرِ يَكُونُ عَلَامَةً يُسْتَدَلُّ بِهَا، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ، قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْقَوَافِلِ وَالرِّفَاقِ تَمُرُّ بِأُمَّهَاتِ الْقُرَى وَالْمَدَائِنِ فَتَقَعُ بَيْنَهُمْ الْخُصُومَةُ عِنْدَ حَاكِمِ الْقَرْيَةِ أَوْ الْمَدِينَةِ الَّتِي حَلُّوا بِهَا أَوْ مَرُّوا بِهَا، فَإِنَّ مَالِكًا وَجَمِيعَ أَصْحَابِنَا أَجَازُوا شَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ لِبَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ، مِمَّنْ جَمَعَهُ ذَلِكَ السَّفَرُ وَجَرَّتْهُ تِلْكَ الْمُرَافَقَةُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ وَلَا سَخْطَةٍ إلَّا عَلَى التَّوَسُّمِ لَهُمْ بِالْحُرِّيَّةِ وَالْعَدَالَةِ، وَذَلِكَ فِيمَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، خَاصَّةً مِنْ الْأَحْلَافِ وَالْأَكْرِيَةِ وَالْبُيُوعِ وَالْأَشْرِبَةِ كَانُوا مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ مِنْ أَهْلِ بُلْدَانٍ شَتَّى كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَالشُّهُودُ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ أَوْ الْمَدِينَةِ الَّتِي اخْتَصَمُوا فِيهَا، أَوْ مَعْرُوفًا مِنْ غَيْرِهَا إذَا كَانَ مِمَّنْ جَمَعَهُ وَإِيَّاهُمْ ذَلِكَ
стр. 458
السَّفَرُ، وَكَذَلِكَ تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عَلَى كَرِيِّهِمْ فِي كُلِّ مَا عَامَلُوهُ بِهِ وَفِيهِ وَعَلَيْهِ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، قَالَا وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ عَلَى وَجْهِ الِاضْطِرَارِ مِثْلَ مَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ فِيمَا لَا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ، وَمِثْلَ مَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَيْنَهُمْ فِي الْجِرَاحَاتِ، قَالَا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ فِي كُلِّ حَقٍّ كَانَ ثَابِتًا فِي دَعْوَاهُمْ قَبْلَ سَفَرِهِمْ إلَّا بِالْمَعْرِفَةِ وَالْعَدَالَةِ، فَإِنْ حَكَمَ عَلَى الْكَرْيِ بِمَا شَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِ فِي كِرَاءٍ أَوْ سَلَفٍ، فَلَمْ يَفِ مَا مَعَهُ بِمَا عَلَيْهِ، وَلَهُ عَقَارٌ بِالْقَرْيَةِ الَّتِي بِهَا تَحَاكَمُوهُ: أَتَرَى أَنْ يُبَاعَ عَقَارُهُ فِي بَقِيَّةِ مَا عَلَيْهِ؟ قَالَا وَلَا تَجُوزُ فِي الْعَقَارِ، وَشِبْهِهِ شَهَادَةُ الْمَجْهُولِينَ، وَيَبْقَى ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ حَدَثَ لَهُ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ، وَإِنْ بِيعَ عَقَارُهُ بِسَبَبِ غُرَمَاءَ قَامُوا عَلَيْهِ بِدُيُونِهِمْ سَوَاءٌ، فَفَلِسَ لَهُمْ دَخَلَ الْمَشْهُودُ لَهُ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ بِبَقِيَّةِ حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ بِغَيْرِ سَبَبِهِ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَا يُمَكَّنُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ تَجْرِيحِ هَؤُلَاءِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أُجِيزُوا عَلَى التَّوَسُّمِ فَلَيْسَ فِيهِمْ جُرْحَةٌ، إلَّا أَنْ يَسْتَرِيبَ الْحَاكِمُ فِيهِمْ قَبْلَ حُكْمِهِ بِشَهَادَتِهِمْ، بِسَبَبِ قَطْعِ يَدٍ أَوْ جَلَدٍ فِي ظَهْرٍ فَلْيَتَثَبَّتْ فِي تَوَسُّمِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ انْتِفَاءُ تِلْكَ الرِّيبَةِ وَإِلَّا أَسْقَطَهُمْ.
قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ وَامْرَأَةٌ أَوْ غَيْرُ عُدُولٍ، تَوَسَّمَ فِيهِمْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قُبِلُوا بِالتَّوَسُّمِ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ مَسْخُوطِينَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ تَثَبَّتَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهِمْ فَلَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَدْلَانِ أَنَّهُمَا كَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ مَسْخُوطَيْنِ.
قَالَ: وَلَا يُقْبَلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي سَرِقَةٍ وَلَا زِنًا وَلَا غَصْبٍ وَلَا تَلَصُّصٍ وَلَا مُشَاتَمَةٍ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ فِي الْمَالِ فِي السَّفَرِ لِلضَّرُورَةِ، قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ ذَلِكَ، يَعْنِي شَهَادَةَ التَّوَسُّمِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ خِلَافَ ظَاهِرِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمْ يُجِزْ شَهَادَةَ الْغُرَبَاءِ دُونَ أَنْ تُعْرَفَ عَدَالَتُهُمْ، انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، أَنَّ الَّذِي رَآهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْغُرَبَاءِ حَيْثُ لَا يَكُونُ ضَرُورَةً مِثْلَ شَهَادَتِهِمْ فِي الْحَضَرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 459
[الْبَابُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَبْدَادِ]
وَالشَّهَادَاتِ الَّتِي يُصَحِّحُ بَعْضُهَا بَعْضًا قَالَ الْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ فِي غَرِيبِ الْمُدَوَّنَةِ، الْأَبْدَادُ بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ، وَهُمْ الْمُتَفَرِّقُونَ، وَاحِدُهُمْ: بُدٌّ مِثْلُ: مُدٍّ مِنْ الْبَيْدِ، هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ بَدَّدَ اللَّهُ شَمْلَ الْعَدُوِّ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا فِي ذَلِكَ مُتَفَرِّقِينَ، وَاحِدٌ هَا هُنَا، وَآخَرُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَوَاحِدٌ الْيَوْمَ، وَوَاحِدٌ غَدًا، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى، وَوَاحِدٌ عَلَى مَعْنًى آخَرَ. فَرْعٌ: وَفِي التَّهْذِيبِ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: يَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبْدَادِ فِي النِّكَاحِ وَالْعَتَاقِ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهِيَ أَنْ لَا تَجْتَمِعَ الشُّهُودُ عَلَى إشْهَادِ الْوَلِيِّ وَالنَّاكِحَيْنِ، بَلْ إنَّمَا عَقَدُوا وَتَفَرَّقُوا، قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ: أَشْهِدْ مَنْ لَقِيت، هَكَذَا فَسَّرَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا، أَنَّ الشَّهَادَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ.
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ شَرْطٌ قَالَ أَبُو إبْرَاهِيمَ فِي الطُّرَرِ عَلَى التَّهْذِيبِ فَتَتِمُّ بِسِتَّةٍ شُهُودٍ: اثْنَانِ عَلَى الْوَلِيِّ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجِ، وَاثْنَانِ عَلَى الزَّوْجَةِ إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا.
وَفِي الْبِكْرِ ذَاتِ الْأَبِ بِأَرْبَعَةٍ شَاهِدَانِ عَلَى النَّاكِحِ، وَشَاهِدَانِ عَلَى الْمُنْكَحِ، وَأَمَّا إنْ أَشْهَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الشُّهُودَ الَّذِينَ أَشْهَدَهُمْ صَاحِبُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَلَيْسَتْ بِأَبْدَادٍ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ شَهَادَةُ الْأَبْدَادِ لَا تَعْمَلُ شَيْئًا إذَا شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِغَيْرِ نَصِّ مَا شَهِدَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى جَمِيعِ شَهَادَتِهِمْ وَاحِدٌ حَتَّى يَتَّفِقَ مِنْهُمْ شَاهِدَانِ عَلَى نَصٍّ وَاحِدٍ.
стр. 460
فَرْعٌ: وَفِي التَّقْرِيبِ عَلَى التَّهْذِيبِ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ أَنَّ زَيْدًا بَاعَ مِنْ عَمْرٍو سِلْعَةً، وَشَهِدَ آخَرُ بِإِقْرَارِهِمَا بِالْبَيْعِ، كَمُلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنَى قَدْ اجْتَمَعَا عَلَى نَقْلِ الْمِلْكِ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: لَوْ جَرَحَ شَاهِدٌ شَاهِدًا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْجُرْحَةِ وَجَرَحَ آخَرُ بِغَيْرِهِ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: هِيَ جُرْحَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا عَلَى أَنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ.
وَقَالَ أَيْضًا لَيْسَ بِتَجْرِيحٍ حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَبِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ
فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: سُئِلَ مَالِكٌ ﵀ عَنْ شَاهِدَيْنِ، شَهِدَ أَحَدُهُمَا فِي مَنْزِلٍ أَنَّهُ مَسْكَنُ هَذَا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ حَيِّزُهُ، فَقَالَ خَصْمُهُ: قَدْ اخْتَلَفَتْ شَهَادَتُهُمَا، فَقَالَ مَالِكٌ: مَسْكَنُهُ وَحَيِّزُهُ شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَفْتَرِقُ، وَقَدْ يَكُونُ الْكَلَامُ فِي الشَّهَادَةِ مُخْتَلِفًا وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَحَدُهُمَا فِي شَهَادَتِهِ فِي أَرْضٍ هِيَ لِهَذَا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهَا حَيِّزُهُ، قَالَ مَالِكٌ هِيَ لَهُ؛ لِأَنَّ حَيِّزَهُ أَرْضُهُ فَأَرَاهُمَا قَدْ اجْتَمَعَا عَلَى الشَّهَادَةِ، قَالَ سَحْنُونٌ: مَعْنَى حَيِّزُهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَحَقُّهُ، انْتَهَى. وَانْظُرْ هَلْ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْهِنْدِيِّ أَمْ لَا؟ فِي قَوْلِهِ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ شَاهِدَيْنِ، عَلَى نَصٍّ وَاحِدٍ، وَإِنْ اجْتَمَعَا عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ فَلَا يُفِيدُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: قَالَ لِي أَبُو مَرْوَانَ بْنِ مَالِكٍ: إنْ شَهِدُوا فِي دَارٍ أَنَّهَا فِي مِلْكِ فُلَانٍ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً، فَقَالَ: قَدْ شَاهَدْتُ الْحُكْمَ بِإِسْقَاطِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْعُقُودِ إنَّهُمْ يُعَرِّفُونَهَا لَهُ، وَفِي مِلْكِهِ مَالًا مِنْ أَمْوَالِهِ وَنَحْوِهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْمِلْكَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ غَيْرُ مُبَيَّنٍ وَأَنْشَدَ:
أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَا أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إنْ نَفَرَا
فَالْمِلْكُ فِي هَذَا بِمَعْنَى الْقُدْرَةِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ: بِمَعْنَى الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ الْكَسْبُ وَالْقِنْيَةُ، وَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ إنْ كَانَ الشُّهُودُ لَهُمْ نَبَاهَةٌ وَفَطِنَةٌ وَمَعْرِفَةٌ بِالشَّهَادَةِ فَهِيَ شَهَادَةٌ عَامِلَةٌ، قَالَ لِي أَبُو الْمُطَرِّفِ: هِيَ شَهَادَةٌ تَامَّةٌ وَلَا خِلَافَ فِيهَا، وَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَفْرِيعٌ وَنَظَرٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ.
стр. 461
فَرْعٌ: وَفِي تَعْلِيقِهِ الْخِلَافَ لِلشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ ﵀ قَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ: إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ، وَشَهِدَ عَلَى هِلَالِ شَوَّالٍ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا. قَالَ أُسْتَاذُنَا الْقَاضِي يَعْنِي أَبَا الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ ﵀: مَعْنَاهُ إذَا كَانَ بَيْنَ شَهَادَتِهِمَا ثَلَاثُونَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الثَّانِي لَا تُصَحِّحُ شَهَادَةَ الْأَوَّلِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ الْأَوَّلُ رَأَى شَيْئًا، وَرَأَى الثَّانِي هِلَالَ شَوَّالٍ لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا فَيَجِبُ الْفِطْرُ بِشَهَادَتِهِمَا؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الثَّانِي تُصَحِّحُ شَهَادَةَ الْأَوَّلِ، وَاعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ، وَاسْتَشْهَدَ بِمَسْأَلَةِ مَذْهَبِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى هِلَالٍ فَانْقَضَتْ ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَالسَّمَاءُ صَاحِيَةٌ، فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ، فَقَالَ هُمَا شَاهِدَا سُوءٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ، وَلَوْ كَانَا حُكْمَيْنِ لَمَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَذِبٌ لِلشَّاهِدَيْنِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ إكْمَالَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَاجِبٌ عَلَيْنَا بِيَقِينٍ، فَلَا نَنْتَقِلُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَشَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ قَطْعًا.
وَقَوْلُهُ: إنَّ الثَّانِيَةَ تُصَحِّحُ الْأُولَى وَإِنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الثَّانِيَةَ ثَابِتَةٌ، وَأَمَّا إذَا أَبْطَلْنَاهَا بِالْوَجْهِ الَّذِي أَبْطَلْنَا بِهِ الْأُولَى، وَهُوَ أَنَّهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى هِلَالٍ، فَكَيْفَ نُصَحِّحُ غَيْرَهَا وَهِيَ لَمْ تَصِحَّ فِي نَفْسِهَا؟
فَرْعٌ: وَالشَّهَادَةُ فِي الزِّنَا لَا تَنْفُذُ إلَّا إذَا جَاءَتْ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا تُلَفَّقُ، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فِي الطَّلَاقِ فَإِنَّهَا تُلَفَّقُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضُ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ: وَمَذْهَبُهُ يَعْنِي مَالِكًا ﵀ أَنْ لَا تُلَفَّقَ الشَّهَادَاتُ بِالطَّلَاقِ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمُخْتَلِفَةِ، كَشَاهِدٍ عَلَى الْحَلِفِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ، وَآخَرَ عَلَى الْحَلِفِ عَلَى كَلَامِ زَيْدٍ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى مُتَعَلِّقٍ وَاحِدٍ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَا تُلَفَّقُ الْأَفْعَالُ مَعَ الْأَقْوَالِ، كَشَاهِدٍ عَلَى قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَآخَرَ عَلَى حِنْثٍ فِي فِعْلٍ.
فَرْعٌ: وَيُلَفَّقُ عِنْدَهُ الْأَقْوَالُ بَعْضُهَا مَعَ بَعْضٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا وَأَوْقَاتُهَا، كَالشَّهَادَةِ عَلَى قَوْلِهِ: أَنْتِ حَرَامٌ، وَآخَرَ عَلَى الْبَتَّةِ، وَشَاهِدٍ
стр. 462
عَلَى الطَّلَاقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَآخَرَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ بِمَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِمِصْرَ فِي شَهْرِ صَفَرٍ، ضُمَّتْ الشَّهَادَتَانِ وَطَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الْإِقْرَارِ وَكَذَا الْمُعْتِقُ.
فَرْعٌ: وَتُلَفَّقُ الْأَفْعَالُ إذَا كَانَتْ فِي جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَزْمِنَتُهَا، كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْحَالِفِ بِمَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَا يَدْخُلُ دَارَ عَمْرٍو، وَشَهَادَةِ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَشَهِدَا عَلَيْهِ هُمَا أَوْ غَيْرُهُمَا أَنَّهُ دَخَلَ بَعْدَ ذِي الْحِجَّةِ طَلُقَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَهِدَا عَلَيْهِ جَمِيعًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إنْ دَخَلْت دَارَ عَمْرٍو فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ دَخَلَهَا فِي رَمَضَانَ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ دَخَلَهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ طَلُقَتْ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ إنْ اتَّفَقَتْ الْيَمِينُ وَاخْتَلَفَ الْفِعْلُ، كَمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يُكَلِّمَ فُلَانًا، فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَنَّهُ كَلَّمَهُ فِي السُّوقِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ كَلَّمَهُ فِي الْمَسْجِدِ حَنِثَ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَلَّمَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ كَلَّمَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهَا تُضَمُّ.
[الْبَابُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِغْفَالِ]
وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ اُخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الِاسْتِغْفَالِ، وَهِيَ أَنْ يُدْخِلَ الرَّجُلُ شُهُودًا خَلْفَ سِتْرٍ، ثُمَّ يَسْتَمِرُّ الَّذِي يَسْتَغْفِلُ فِي الْحَدِيثِ فَيُقِرُّ بِشَيْءٍ فَأَجَازَ ذَلِكَ قَوْمٌ وَكَرِهَهُ آخَرُونَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ، وَقَيَّدَهُ مُحَمَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَخْدُوعٍ وَلَا خَائِفٍ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ أَجَازَهَا شَهَادَةُ الْأَعْمَى عَلَى مَعْرِفَةِ الصَّوْتِ، وَأَخْذُ النَّاسِ عَنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّاسُ يَسْمَعُونَ أَصْوَاتَهُمَا وَهُمْ فِي بُيُوتِهِمْ، وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ كَرِهَهُ أَنَّ الشُّهُودَ شَارَكُوا فِي التَّدْلِيسِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ ذَلِكَ، وَرُوِيَ أَنَّهُ مَنْ حَدَّثَ أَخَاهُ فَالْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ، وَنَهَى عَنْ تَبْيِيتِ الطَّيْرِ، مَعَ أَنَّ الْأَصْوَاتِ قَدْ تَخْتَلِفُ وَقَدْ تَتَّفِقُ وَيُشْبِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَإِنْ رَآهُ الشُّهُودُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَهُوَ مَوْضِعُ إشْكَالٍ وَاشْتِبَاهٍ، فَتَرْكُهُ، أَحْوَطُ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَإِذْ سَمِعَ الشَّاهِدُ مَنْ
стр. 463
يُقِرُّ بِالْحَقِّ أَوْ يُطَلِّقُ أَوْ يُفْتَرَى، فَإِنْ اسْتَوْعَبَ ذَلِكَ شَهِدَ بِهِ، وَجَازَتْ شَهَادَتُهُ وَلَا يَكْتُمُهَا، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَنْ هِيَ لَهُ فَلْيَعْلَمْهُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ بِهَا.
وَقَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يَشْهَدُ بِمَا سَمِعَ مِنْ قَذْفٍ دُونَ غَيْرِهِ، يَعْنِي؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يُحَاطُ بِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ.
قَالَ وَاخْتُلِفَ إذَا قَعَدَ خَلْفَ حَائِطٍ أَوْ سِتْرٍ أَوْ أَحْضَرَاهُ حَاسَبَهُمَا عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَا عَلَيْهِ، أَوْ اسْتَفْتَى فَقِيهًا فِيمَا يَنْوِي فِيهِ مِمَّا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بِهِ بَيِّنَةٌ، فَهَلْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَالشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إذَا أَحَاطَ عِلْمًا بِهَا وَاسْتِتْبَابًا لِجَاحِدٍ فِيهِ، فَلَمْ يُقِرَّ أَحْوَطُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
تَنْبِيهٌ: وَهَذَا بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ لَا يَنْقُلُ شَهَادَتَهُ حَتَّى يُؤْذَنَ لَهُ فِي نَقْلِهَا، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَا إنْ سَمِعَهُ يُشْهِدُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ مِنْ الْمُسْتَخْرَجَةِ وَغَيْرِهَا، فِي الرَّجُلِ يَأْتِي مُسْتَغِيثًا يَسْأَلُ عَنْ الشَّيْءِ يَنْوِي فِيهِ، وَلَوْ أَقَرَّ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ فَيُفْتَى أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ: لَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَإِنْ طَلَبَتْ امْرَأَتُهُ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: وَلَوْ شَهِدَا لَمْ يَنْفَعْهَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ عَلَى غَيْرِ إشْهَادٍ.
فَرْعٌ: قَالَ وَمَا أَقَرَّ بِهِ عِنْدَ الْفَقِيهِ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ حَدٍّ أَوْ حَقٍّ، ثُمَّ أَنْكَرَ فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِمَّا لَيْسَ لَهُ رُجُوعٌ عَنْهُ، وَمِنْ الْمُسْتَخْرَجَةِ وَكَذَلِكَ مَنْ حَضَرَ الْفَقِيهَ ثُمَّ سَمِعُوا الْقِصَّةَ كُلَّهَا، حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِنْهَا مَا يَخَافُ أَنْ يُفْسِدَ الشَّهَادَةَ إذَا لَمْ يَذْكُرُوهُ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ مَرَّ بِرَجُلَيْنِ يَتَحَاسَبَانِ، فَإِنْ سَمِعَ كَلَامَهُمَا مِنْ أَوَّلِهِ وَاسْتَقْصَاهُ، فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَإِنْ سَمِعَ جَارَهُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَلْيَشْهَدْ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي رَجُلَيْنِ أُقْعِدَا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، لِيَشْهَدَا عَلَى رَجُلٍ قَالَ: إنْ كَانَ ضَعِيفًا أَوْ مُخْتَدَعًا أَوْ خَائِفًا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَحَلَفَ مَا أَقَرَّ، إلَّا لِأَمْرٍ يَذْكُرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِسَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَزِمَهُ، وَلَعَلَّهُ
стр. 464
يُقِرُّ خَائِفًا، قُلْت: فَهَلْ أَقْعُدُ لَهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِي لِلشَّهَادَةِ؟ قَالَ: لَوْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّك تَسْتَوْعِبُ أَمَرَهُمَا، وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَسْمَعَ جَوَابَهُ لِسُؤَالٍ، وَلَعَلَّهُ يَقُولُهُ فِي سِرٍّ: مَا الَّذِي لِي عِنْدَك إنْ جِئْتُك بِكَذَا، فَيَقُولُ: لَك عِنْدِي كَذَا فَإِنْ قَدِرْتُ أَنْ تُحِيطَ بِسِرِّهِمْ فَجَائِزٌ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَنْ لَهُ قِبَلَ رَجُلٍ حَقٌّ، وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ يَمِينًا وَقَدْ جَحَدَهُ، فَخَبَّأَ لَهُ قَوْمٌ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالْحَقِّ أَوْ بِالْيَمِينِ، قَالَ شَهَادَتُهُمْ مَقْبُولَةٌ، وَبِئْسَ مَا صَنَعُوا حِينَ دَخَلُوا ذَلِكَ الْمَدْخَلَ. مِنْ الْمُقْنِعِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عِنْدَ الْقَاضِي وَبِالْحَضْرَةِ شُهُودٌ فَاسْتَوْعَبُوهَا، ثُمَّ عُزِلَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ الشَّاهِدَانِ فَلَا بَأْسَ لِلشُّهُودِ أَنْ يَشْهَدُوا بِهَا، وَهِيَ شَهَادَةٌ تَامَّةٌ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَشْهَبُ.
مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ مُحَمَّدٌ هَلْ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَفِيَ لِيَشْهَدَ عَلَى الْمُقِرِّ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَتَخَوَّفُ أَنْ لَا يُحِيطَ بِالشَّهَادَةِ عِلْمًا مِمَّا كَانَ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، ثُمَّ قَالَ وَلَكِنْ إنْ تَحَقَّقَ الْإِقْرَارُ كَمَا يَجِبُ فَلْيَشْهَدْ.
تَنْبِيهٌ: وَحَيْثُ أَجَزْنَا شَهَادَتُهُ فَلَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْحِرْصِ عَلَى التَّحَمُّلِ، قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ.
تَنْبِيهٌ: يَنْبَغِي لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ عَنْ أَنْ يَخْتَفِيَ لِيَشْهَدَ، هَذَا مِمَّا لَمْ يُنْدَبْ إلَيْهِ، وَلَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ فَعَلَ مَا لَا يَلِيقُ بِالْفُضَلَاءِ وَلَا يَخْتَارُهُ الْعُقَلَاءُ.
стр. 465
[الْبَابُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي مُسْتَنَدُهَا الْحَزْرُ]
وَالتَّقْرِيبُ وَالتَّخْمِينُ وَالنَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا أَوْقَدَ رَجُلٌ نَارًا لِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ، فَتَرَامَتْ النَّارُ حَتَّى أَحْرَقَتْ زَرْعَ رَجُلٍ فِي أَنْدَرِهِ وَتَرَافَعَا لِلْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ صِفَةَ الشَّهَادَةِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ فُلَانًا بْنَ فُلَانٍ أَوْقَدَ نَارًا بِقُرْبِ أَنْدَرِ فُلَانٍ وَأَنَّ النَّارَ أَحْرَقَتْ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي أَنْدَرِ فُلَانٍ، وَأَنْ لَا عُذْرَ بِعَمَلِ النَّارِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَمِلَهَا فِيهِ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي الْأَنْدَرِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ وَالتَّقْدِيرِ مِنْهُمْ مِنْ زَرْعِ الْقَمْحِ كَذَا وَكَذَا فِسْقَارًا، وَمِنْ زَرْعِ الشَّعِيرِ كَذَا وَكَذَا فِسْقَارًا، لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ، فَإِذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مِدْفَعٌ فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُلْزِمُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ ضَمَانَ مَكِيلَةِ مَا أَحْرَقَتْ النَّارُ مِنْ الْحَبِّ وَالتِّبْنِ، إنْ حَلَفَ صَاحِبُ الزَّرْعِ عَلَى عَدَدِ الْفَسَاقِيرِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَنْدَرِهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَمْ تَقْطَعْ عَلَى مَعْرِفَةِ عَدَدٍ مَعْلُومٍ، وَيَتَعَرَّفُ قَدْرَ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْفِسْقَارِ عَلَى التَّوَسُّطِ مِنْ الْحَبِّ وَالتِّبْنِ، وَتَضْمِينُ ذَلِكَ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي سِجِلَّاتِهِ: وَتَضْمِينُهُمْ الْمُتَعَدِّيَ مَكِيلَةَ الْحَبِّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: أَنَّ مَنْ اسْتَهْلَكَ طَعَامًا لَا يَعْرِفُ كَيْلَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ دَرَاهِمَ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا فَقَدَ رَجُلٌ وَأَرَادَ الْحَاكِمُ تَعْمِيرَهُ، وَلَمْ يَقِفْ الشُّهُودُ عَلَى سَنَدٍ شَهِدُوا عَلَى التَّقْدِيرِ، وَيَنْفُذُ ذَلِكَ، فَإِنْ اخْتَلَفُوا أَخَذَ بِالْأَقَلِّ، قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: وَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِتَعْمِيرِ هَذَا وَتَمْوِيتِهِ وَدَعَا وَرَثَتَهُ إلَى قَسْمِ مَالِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَيْمَانِهِمْ عَلَى مَبْلَغِ سِنِّهِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا شَهِدَتْ بِالتَّقْدِيرِ وَالْحَزْرِ وَلَوْ شَهِدَتْ بِتَارِيخِ الْوِلَادَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا يَمِينٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَجُلٍ هَدَمَ بَيْتًا لِرَجُلٍ، وَأَخَذَ خَشَبَهُ وَأَعْتَابَهُ وَثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ فِي ذَلِكَ، فَأُمِرَ بِأَنْ يُعِيدَهُ إلَى مِثْلِ حَالَتِهِ، وَأَنْ يَصِفَ مَا نَقَضَ لِقِيَامٍ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ أَوْ يَأْخُذَ بِقِيمَةِ ذَلِكَ فَنَكَلَ عَنْ الصِّفَةِ، وَادَّعَى الْجَهْلَ بِهَا لَدَدًا وَتَوَرُّكًا عَنْ الْحَقِّ، وَزَعَمَ
стр. 466
أَنَّهُ بَاعَهُ وَلَمْ يَحْضُرْ نَقْضَهُ، فَإِنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى كَذِبِهِ وَبَاطِلِهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَبِيعُ إلَّا مَا ثَبَتَتْ مَعْرِفَتُهُ، وَلَا يَجْهَلُ مِثْلَ هَذَا فَيُؤَدَّبُ بِالسَّوْطِ فِي تَجَاهُلِهِ بِمَا يَشْهَدُ الْعَقْلُ بِكَذِبِهِ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ التَّجَاهُلِ غَرِمَ قِيمَةَ مَا اسْتَهْلَكَ، وَإِنْ مَضَى فِي تَجَاهُلِهِ وَلَمْ يَنْفَعْ فِيهِ الْأَدَبُ، وَكَانَ صَاحِبُ الْبَيْتِ يُحِيطُ بِمَعْرِفَةِ مَا اسْتَهْلَكَ لَهُ، وَصَفَ ذَلِكَ وَأُغْرِمَ هَذَا قِيمَةَ الصِّفَةِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الصِّفَةِ، وَإِنْ ادَّعَى جَهْلًا فَهُوَ فِي ذَلِكَ أَعْذَرُ مِنْ الْمُتَعَدِّي لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ أَقْرَبُ عَهْدًا بِمَا فِيهِ، وَإِذَا جُهِلَتْ الصِّفَةُ بِلَدَدِهِ، فَإِنَّهُ يُقَدِّرُ عَلَيْهِ أَوْسَطَ قِيمَةٍ، بِمَا يَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهِ الْمُعَايَنَةِ الْوَضْعِ وَمَعْرِفَةِ قَدْرِ مَا كَانَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ غَائِبَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ فِي ذَلِكَ بِأَوْسَطِ الْقِيمَةِ فَكَأَنَّ الْعَيْنَ قُوِّمَتْ. مِنْ ابْنِ سَهْلٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ إذَا لَمْ تَكُنْ عَيْنُهَا حَاضِرَةً، وَوَصَفَهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَقُوِّمَتْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَالشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْحَزْرِ وَالتَّقْرِيبِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْخَارِصِ فِي الثِّمَارِ الْوَاجِبَةِ فِيهَا الزَّكَاةُ، مِنْ قَوْلِ الْحَكَمَيْنِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ شَهَادَةُ الْقَائِفِ عَلَى مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي بَابِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُؤَقِّتِينَ فِي تَحْرِيرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ، فَقَطْعُهُمْ بِذَلِكَ مِنْ بَابِ جِهَةِ التَّقْرِيبِ وَالتَّخْمِينِ، وَقَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْخَمْسَ الْمَسَائِلَ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْقَافَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي الشَّهَادَةِ فِي جَائِحَةِ الثِّمَارِ.
وَقَالَ: وَيُكْتَبُ فِي عَقْدِ ذَلِكَ أَنَّ الشُّهُودَ وَقَفُوا عَلَى الثَّمَرِ، فَرَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْجَائِحَةَ أَدْرَكَتْ الثَّمَرَةَ الْمَذْكُورَةَ، بَعْدَ أَنْ اجْتَنَى نِصْفَهَا عَلَى التَّخْمِينِ الَّذِي لَمْ يَتَمَكَّنُوا فِيهِ، وَأَنَّ النِّصْفَ الْمُجَاحَ فَسَدَ جَمِيعُهُ وَأَنَّهُ لَا يَعُودُ مِنْهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ، فَلِأَنَّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ مَقْثَأَةً فَنَقُولُ: وَإِنَّ الْمَقْثَأَةَ الْمَذْكُورَةَ اجْتَنَى مِنْهَا قَبْلَ ظُهُورِ الْقَحْطِ بِهَا مِنْ الْعَطَشِ، نَحْوَ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا عَلَى الْمَعْهُودِ فِي مِثْلِهَا، وَإِنَّ الَّذِي فَسَدَ مِنْهَا بِالْعَطَشِ هُوَ رُبْعُهَا تَقْدِيرًا لَمْ يَشُكُّوا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُجْنَى بُطُونًا قُلْت فِي ذَلِكَ: إنَّ الشُّهُودَ قَدْ رَأَوْا أَنَّ مَكِيلَةَ الْمُجَاحِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَلَّدَ فِي الْمَقْثَأَةِ إلَى آخِرِهِ، بُطُونًا ثُلُثُ جَمِيعِهَا وَقُدِّرَ، أَوْ إنَّ مَكِيلَةَ هَذَا الْمُجَاحِ مِمَّا بَقِيَ سَالِمًا فِيهَا، وَمِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَنْعَقِدَ فِيهَا إلَى آخِرِ أَبَانِهَا هُوَ ثُلُثُ جَمِيعِهَا،
стр. 467
وَإِنَّ الْمُجَاحَ مِنْهَا يُسَاوِي فِي وَقْتِهِ عَلَى قَدْرِ نَفَاقِهِ وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِيهِ كَذَا، وَإِنَّ سَائِرَ بُطُونِهَا إلَى آخِرِهَا عَلَى مَا ظَهَرَ إلَيْهِمْ، مِمَّا يُسَاوِي فِي أَوْقَاتِهَا عَلَى قَدْرِ نَفَاقِهَا كَذَا، فَيَضَعُ الْمُجَاحُ الْمَذْكُورُ مِنْ الْقِيمَةِ نِصْفَهَا أَوْ ثُلُثَهَا أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهَا، قَدَّرُوا ذَلِكَ تَقْدِيرًا قَطَعُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَشُكُّوا فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَسْمِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ فِي الْحَبْسِ فِي رَجُلٍ بَاعَ حَبْسًا ثُمَّ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ التَّحْبِيسُ وَنَقْضُ الْبَيْعِ، وَأَوْجَبَ لِلْمُبْتَاعِ الرُّجُوعَ بِمَا ابْتَاعَهُ بِهِ عَلَى بَائِعِهِ مِنْهُ إنْ كَانُوا أَحْيَاءً، فَإِنْ مَاتَ الْبَائِعُ عَنْ مَالٍ رَجَعَ الْمُبْتَاعُ فِي مَالِهِ إنْ وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ، وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ صَارَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْمَالُ مِنْ وَرَثَتِهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ انْتَقَلَ الْحَبْسُ الْمَبِيعُ مِنْ الْمُبْتَاعِ إلَى مُبْتَاعٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ الْمَرْجُوعُ عَلَيْهِمْ عَلَى مَنْ بَاعَ مِنْهُمْ، حَتَّى يَنْتَهِيَ التَّرَاجُعُ إلَى الْبَائِعِ الْمُحْتَبِسِ، فَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ وَثَبَتَ مَبْلَغُ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ وَقَبَضَهُ مِنْ الْمُبْتَاعِ، رَجَعَ فِيمَا يَجْعَلُهُ مِنْ مَالٍ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَدَدُهُ وَلَا وَقَفَ الشُّهُودُ عَلَى مَبْلَغِهِ، اسْتَنْزَلُوا قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى يَقِفُوا مِنْهُ عَلَى عَدَدٍ لَا يَرْتَابُونَ فِيهِ، فَيَأْخُذُ مِنْ مَالِ الْمُحْبِسِ مِثْلَهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ كِنَانَةَ وَابْنِ حَبِيبٍ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ خِلَافَهُ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الشُّهُودُ حَقِيقَةَ شَيْءٍ بَطَلَ، وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ إنْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَالٌ مُطْلَقٌ يُؤْخَذُ مِنْهُ، فَانْظُرْ كَيْفَ اسْتَنْزَلَهُمْ فِيمَا لَمْ يَعْلَمُوا لَهُ حَقِيقَةً.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمَذْهَبِ وَسُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ رَجُلٍ اسْتَغَلَّ ضَيْعَةَ رَجُلٍ ظُلْمًا، فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ قِيمَةَ غَلَّةِ الضَّيْعَةِ عَلَى التَّقْرِيبِ كَذَا، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى التَّقْرِيبِ دُونَ مُعَايَنَةٍ؟ فَأَجَابَ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الشُّهُودِ عَلَى التَّقْرِيبِ وَالتَّخْمِينِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ عَلَى الْقَطْعِ وَمَعْرِفَةِ الِاسْتِغْلَالِ، تُسْتَنْزَلُ الْبَيِّنَةُ حَتَّى تَشْهَدَ عَلَى مَا تَقْطَعُ عَلَيْهِ وَلَا تَشُكُّ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ: فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الشَّهَادَةَ فِي هَذَا الْبَابِ، لَا يَدْفَعُهَا مِنْ الْقَطْعِ وَالْجَزْمِ بِمَا شَهِدُوا بِهِ، وَحِينَئِذٍ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُعَايَنَةِ، وَنُصُوصُهُمْ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَكِنَّ مُسْتَنَدَهُمْ فِيهَا الْحَزْرُ وَالتَّخْمِينُ.
стр. 468
[الْبَابُ الْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ]
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَعْتَبِرْ مُطْلَقَ الظَّنِّ فِي غَالِبِ الْمَسَائِلِ، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُ ظُنُونًا مُفِيدَةً مُسْتَفَادَةً مِنْ إمَارَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَذَلِكَ فِيمَا لَا سَبِيلَ فِيهِ إلَى الْقَطْعِ كَالشَّهَادَةِ أَنَّ الْمِدْيَانَ مُعْدَمٌ فَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَشْهَدُونَ عَلَى عِلْمِهِمْ وَقَدْ يَكُونُ الْبَاطِنُ بِخِلَافِهِ، فَاسْتَظْهَرَ بِالْيَمِينِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، فَبِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ اسْتَحَقَّ حُكْمَ الْمُعْدَمِ، وَسَقَطَ عَنْهُ الطَّلَبُ مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ لِامْرَأَةٍ غَابَ زَوْجُهَا وَتَرَكَهَا بِغَيْرِ نَفَقَةٍ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ عَلَى الْعِلْمِ الْبَتِّ، فَإِذَا قَامَتْ بِذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَشَهِدَ لَهَا الشُّهُودُ، اسْتَظْهَرَ عَلَيْهَا بِالْيَمِينِ عَلَى صِحَّةِ مَا شَهِدَ الشُّهُودُ لَهَا، فَبِمُقَارِبَةِ الْيَمِينُ الشَّهَادَةَ وَجَبَ لَهَا الْحُكْمُ بِذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ، وَفِي هَذَا النَّوْعِ خِلَافٌ وَتَفْرِقَةٌ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْمُسْتَحَقَّاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْقَضَاءِ بِشَاهِدَيْنِ وَيَمِينِ الْقَضَاءِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى عِدَّةِ الْوَرَثَةِ، لَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُمْ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَتُهُمْ فِي الشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولُوا: لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ وَلَا خَرَجَ عَنْ يَدِهِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ انْتِقَالَاتِ الْأَمْلَاكِ، وَلَا يَشْهَدُونَ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا فِي عِدَّةِ الْوَرَثَةِ عَلَى الْبَتِّ، فَلَوْ قَالُوا لَا وَارِثَ لَهُ غَيْرُهُمْ أَصْلًا عَلَى الْبَتِّ، أَوْ قَالُوا نَشْهَدُ أَنَّهُ شَيْؤُهُ لَمْ يَبِعْهُ وَلَا فَوَّتَهُ كَانَتْ شَهَادَةَ زُورٍ، كَذَا هُوَ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّ الشَّهَادَةَ فِي ذَلِكَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى الْبَتِّ وَهُوَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي الْفَصْلِ الثَّامِنِ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي التَّنَبُّهُ لَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَاتِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا رَجُلًا خَرَجَ مُسْتَسِرًّا مِنْ دَارٍ فِي حَالٍ رَثَّةٍ، فَاسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ فَدَخَلَ الْعُدُولُ مِنْ سَاعَتِهِمْ الدَّارَ فَوَجَدُوا
стр. 469
قَتِيلًا يَسِيلُ دَمُهُ وَلَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ جَائِزَةٌ يَقْطَعُ الْحُكْمُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى الْعُدُولُ الْمُتَّهَمَ يُجَرِّدُ الْمَقْتُولَ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ حِينَ أَصَابَهُ فَإِنَّ شَهَادَتَهُمْ لَوْثٌ تَجِبُ مَعَهَا الْقَسَامَةُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّعْرِيفِ فَإِنَّهَا مُسْتَنِدَةٌ إلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَيَعْتَمِدُ عَلَى الْقَرَائِنِ الْمُعْتَمَدَةِ الْمُغَلِّبَةِ لِلظَّنِّ فِي التَّعْدِيلِ وَفِي الْإِعْسَارِ بِالْجَبْرِ فِي الْبَاطِنَةِ وَضَرَرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَجَازُوا لِلشَّاهِدِ أَنْ يَعْتَمِدَ فِيمَا يَشْهَدُ بِهِ عَلَى الظَّنِّ الْقَوِيِّ الْقَرِيبِ مِنْ الْيَقِينِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْدُورُ عَلَى تَحْصِيلِهِ فَلَوْ لَمْ يَحْكُمْ بِمُقْتَضَاهُ وَإِلَّا لَزِمَ تَعْطِيلُ الْحُكْمِ فِي التَّعْدِيلِ وَفِي الْإِعْسَارِ، وَأَمَّا ضَرَرُ الزَّوْجَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ حُصُولُ الْقَطْعِ بِهِ لِلشَّاهِدِ، وَلَكِنَّهُ فِي غَايَةِ النُّدُورِ وَالْعُسْرِ فَيَلْزَمُ تَعْطِيلُ الْحُكْمِ بِهِ أَيْضًا، وَلِعُسْرِ ذَلِكَ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ وَمِنْ أَيْنَ لِلشُّهُودِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ.
فَصْلٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ وَالْمِائَتَيْنِ: اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالْعِلْمِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّاهِدُ إلَّا مَا هُوَ قَاطِعٌ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ حَالَةُ الْأَدَاءِ دَائِمًا عِنْدَ الشَّاهِدِ الظَّنُّ الضَّعِيفُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ، بَلْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْمُدْرَكِ عِلْمًا فَقَطْ، فَلَوْ شَهِدَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَدْ دَفَعَهُ، فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِصْحَابِ الَّذِي لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ الضَّعِيفَ، وَكَذَلِكَ الثَّمَنُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ احْتِمَالِ دَفْعِهِ، وَيَشْهَدُ فِي الْمِلْكِ الْمَوْرُوثِ لِوَارِثِهِ مَعَ جَمِيعِ جَوَازِ بَيْعِهِ بَعْدَ أَنْ وَرِثَهُ، وَيَشْهَدُ بِالْإِجَارَةِ وَلُزُومِ الْأُجْرَةِ مَعَ جَوَازِ الْإِقَالَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ.
وَالْحَاصِلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا وَشِبْهِهَا إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ الضَّعِيفُ وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ مَا يَبْقَى فِيهِ الْعِلْمُ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ الصُّوَرِ.
فَمِنْ ذَلِكَ النَّسَبُ وَالْوَلَاءُ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ، فَيَبْقَى الْعِلْمُ عَلَى حَالِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِالْإِقْرَارِ، فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ وُقُوعِ النُّطْقِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي وَذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ.
стр. 470
وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْفُ إذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ، أَمَّا إذَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا فِيهَا الظَّنُّ فَقَطْ، فَإِذَا شَهِدَ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَقْفٌ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ حَكَمَ بِنَقْضِهِ.
[الْبَابُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ النَّفْيِ]
قَالَ الْقَرَافِيُّ: اُشْتُهِرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ: فَإِنَّ النَّفْيَ قَدْ يَكُونُ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ أَوْ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ النَّاشِئِ عَنْ الْفَحْصِ، وَقَدْ يَعْرَى عَنْهُمَا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ اتِّفَاقًا، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَسٌ وَنَحْوُهُ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقْتُلْ عَمْرًا بِالْأَمْسِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يُفَارِقْهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يُسَافِرْ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ فِي الْبَلَدِ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ صَحِيحَةٌ بِالنَّفْيِ.
الثَّانِي: تَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ، أَعْنِي بِالنَّفْيِ مُسْتَنِدًا إلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ مِنْهَا التَّفْلِيسِ، فَإِنَّ الْحَاصِلَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ عَقْلًا حُصُولُ الْمَالِ لِلْمُفْلِسِ وَهُوَ يَكْتُمُهُ، وَمِنْهَا الشَّهَادَةِ عَلَى حَصْرِ الْوَرَثَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ هَذَا، فَمُسْتَنَدُ الشَّاهِدِ الظَّنُّ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ وَارِثٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ، فَهِيَ شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ، وَمِنْهَا مَقْبُولَةِ الشَّهَادَةِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَلَمْ يُفَوِّتْهُ بِنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَوْتِ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ بِوَجْهٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ هَلْ الشَّاهِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعِلْمِ أَوْ عَلَى الْبَتِّ؟ وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى انْتِقَالِ الْمِلْكِ لِلْوَرَثَةِ عَنْ مُوَرِّثِهِ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ فِيهِ حَتَّى يَقُولُوا لَا نَعْلَمُ الْمَشْهُودَ لَهُ بِهِ فَوَّتَ شَيْئًا مِنْهُ، إلَى آخِرِ إيقَاعِهِمْ لِشَهَادَتِهِمْ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى الْقَطْعِ وَالشَّهَادَةُ بِالْعِلْمِ سَاقِطَةٌ، وَبِالْأَوَّلِ الْقَضَاءُ.
الثَّالِثُ: مَا عَرَى عَنْهُمَا مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يُوَفِّ الدَّيْنَ عَلَيْهِ أَوْ بَاعَ سِلْعَتَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذَا نَفْيٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ وَإِنَّمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ الْمُنْضَبِطِ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا.
стр. 471
[الْبَابُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي تُوجِبُ حُكْمًا]
وَلَا تُوجِبُ الْحَقَّ الْمُدَّعَى بِهِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ حُكْمًا وَلَا تُوجِبُ الْحَقَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: شَهَادَةِ الشُّهُودِ غَيْرِ الْعُدُولِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ فَإِذًا تُوجِبُ تَوْقِيفَهُ عِنْدَ أَصْبَغَ.
وَالثَّانِي: شَهَادَةِ شَاهِدٍ أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَنَّهُ سَرَقَ لَهُ مِثْلَ مَا يَدَّعِي، أَوْ شَاهِدَيْنِ إذَا جُرِحَا عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَالثَّالِثِ: شَاهِدٌ عَدْلٌ أَوْ امْرَأَتَانِ عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْعِتْقِ، فَإِنَّهَا تُوجِبُ الْيَمِينَ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، فَإِذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ شَاهِدَا الطَّلَاقِ وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ حَلَفَ وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، وَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَطُولَ أَمْرُهُ. وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ سَنَةً، وَقِيلَ يُحْبَسُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُطَلِّقَ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَيَحْلِفُ السَّيِّدُ فَإِنْ نَكَلَ عَتَقَ عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَسُجِنَ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ حَتَّى يَحْلِفَ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ بِالنِّكَاحِ فَإِنْ كَانَ الزَّوْجَانِ مُقِرَّيْنِ زَادَا حِينَئِذٍ شَاهِدًا آخَرَ وَجُبِرَ الْآبِي مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُنْكِرًا لَمْ يَحْلِفْ مَعَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ وَأَمَّا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ تَحْلِفْ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَوْ رَجُلٌ عَلَى امْرَأَةٍ فَلَا يَمِينَ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ شَاهِدٌ يُرِيدُ، فَيَحْلِفُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عَلَى الشُّرْبِ، فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إنْ شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ أَنَّهُ شَرِبَ خَمْرًا نَكَلَ الشَّاهِدُ.
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عَلَى السَّرِقَةِ فَإِنْ كَانَ لَهَا مَنْ يَطْلُبُهَا لَمْ يُعَاقَبْ الشَّاهِدُ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَطْلُبُهَا عُوقِبَ إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا لَمْ يُعَاقَبْ
стр. 472
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عَلَى الْقَذْفِ فَيَحْلِفُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَيَبْرَأُ، فَإِنْ نَكَلَ فَهَلْ يُحَدُّ أَوْ يُسْجَنُ أَبَدًا، حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَخْرُجَ مِنْ الْحَبْسِ بَعْدَ سَنَةٍ؟ خِلَافٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ فُلَانًا افْتَرَى عَلَى فُلَانٍ فَلَا يُكْتَفَى بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، حَتَّى يَكْشِفَ الشُّهُودُ عَنْ حَقِيقَةِ مَا سَمِعُوهُ إذْ لَعَلَّهُمْ يَظُنُّونَ قَذْفًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنْ فَاتَتْ الْبَيِّنَةُ وَتَعَذَّرَ سُؤَالُهُمْ عُوقِبَ الشُّهُودُ عَلَيْهِ عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
فَرْعٌ: مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الرَّجُلِ يُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ بَاعَ أَصْلًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ إلَّا بِشَاهِدٍ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ الْمَالُ يُوقَفُ لِمُدَّعِيهِ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَيُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَيُجْتَهَدُ فِي أَدَبِهِ بِقَدْرِ شُهْرَةِ حَالِهِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ وَدِيعَةً أَوْ غَيْرَهَا فَجَحَدَهُ وَأَخَذَهَا مِنْ بَيْتِهِ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِمِلْكِهِ لَهَا، فَأَوْجَبَتْ الْبَيِّنَةُ سُقُوطَ الْقَطْعِ، وَلَمْ تُوجِبْ لِلسَّارِقِ حَقًّا فِي الْمَسْرُوقِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عَلَى النِّكَاحِ الَّذِي دَخَلَ وَلَمْ يَشْهَدْ فِيهِ يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ عَنْ الزَّوْجَيْنِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ عَلَى الدَّعْوَى الَّتِي يُصَدِّقُهَا الْعُرْفُ تُوجِبُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى الْقَضَاءَ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدًا وَاحِدًا عَلَى حَقٍّ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَقِيلَ لَهُ: احْلِفْ مَعَ شَاهِدِك وَاسْتَحِقَّ حَقَّك، فَإِنْ أَبَى تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَهُ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ قُضِيَ عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ.
стр. 473
[الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ فِي الشَّهَادَاتِ الْمَجْهُولَةِ وَالنَّاقِصَةِ]
وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: إنْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ لَا يَعْرِفُونَ عَدَدَهُ، فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ حَلَفَ عَلَيْهِ وَبَرِئَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ بِإِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ يَثْبُتْ بِهَا الْحَقُّ حَتَّى يَحْكُمَ بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ لَمْ يُعَيِّنُوا شَيْئًا وَلَا حَدُّوهُ فَشَهَادَتُهُمْ مَجْهُولَةٌ لَا يُحْكَمُ بِهَا، وَلَوْ قَالُوا نَشْهَدُ بِدَنَانِيرَ لَا نَعْرِفُ عَدَدَهَا جُعِلَتْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ حَلَفَ عَلَى شَهَادَتِهِمْ وَإِنْ كَانَتْ دَرَاهِمَ، فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ قَدْ بَيَّنُوا بِشَهَادَتِهِمْ شَيْئًا مَعْلُومًا وَهِيَ الدَّنَانِيرُ، فَيُؤْخَذُ بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الدَّنَانِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ جَمْعِ دِينَارٍ، يَعْنِي الْجَمْعَ الْأَظْهَرَ لَا الْجَمْعَ الْمَعْلُومَ بِالدَّلِيلِ وَهُوَ اثْنَانِ وَيَحْلِفُ مَعَ شَهَادَتِهِمْ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ احْتِيَاطًا.
فَرْعٌ: قَالَ وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّ قَبْلَهُ حَقًّا لَا يُدْرِكُونَ كَمْ هُوَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُبَيِّنُوا حَقًّا مَعْلُومًا فَيَسْقُطُ حُكْمُ الشَّهَادَةِ وَيَبْقَى حُكْمُ الدَّعْوَى الَّتِي لَا شَهَادَةَ مَعَهَا وَهُوَ الْيَمِينُ، نَقَلَهُ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ.
فَرْعٌ: وَفِي وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ: وَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ فِي النِّكَاحِ، وَلَا يَعْرِفُونَ مَبْلَغَ الصَّدَاقِ أَوْ شَهِدُوا فِي الْبَيْعِ وَلَا يَعْرِفُونَ الثَّمَنَ، فَقَالَ أَبُو عُمَرَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْإِشْبِيلِيُّ: لَا بُدَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُسَمِّيَ عَدَدًا، فَإِنْ أَبَى حَلَفَ الطَّالِبُ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ وَلَزِمَهُ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ مِثْلُهُ، وَأَجَابَ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَطَّانِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّجِيبِيِّ: أَرَى أَنَّ الشَّهَادَةَ سَاقِطَةٌ، وَلَسْت أَقُولُ بِقَوْلِ غَيْرِي، وَذَكَرَ أَنَّهَا رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ: وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ ثَوْبًا فَأَنْكَرَهُ فَقَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ أَعْكَامًا لَا يَعْرِفُونَ مَا فِيهَا وَيَظُنُّونَ ثِيَابًا، فَيَجِبُ أَنْ يُسْجَنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَيُهَدَّدَ، فَإِنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ فَذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى إنْكَارِهِ حَلَفَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا يُشْبِهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ مِثْلَهُ وَيَأْخُذُهُ بِذَلِكَ، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ يَحْلِفُ إذَا
стр. 474
لَمْ تُعَيِّنْ الْبَيِّنَةُ شَيْئًا، بَعْدَ أَنْ يُسْتَبْرَأَ أَمْرُهُ بِالسَّجْنِ وَالتَّضْيِيقِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِ إذَا تَمَادَى عَلَى إنْكَارِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَبِالْأَوَّلِ الْقَضَاءُ، نَقَلَهُ مِنْ الِاسْتِغْنَاءِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: قَالَ مُطَرِّفٌ سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَشْهَدُ لَهُ الشُّهُودُ: إنَّ لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ حَقًّا، وَلَا يَعْرِفُ كَمْ هُوَ؟ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مِيرَاثٍ قَدْ تَقَدَّمَ وَتَنَاسَخَ أَهْلُهُ، وَيُنْكِرُ ذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ قَدْ ثَبَتَ لِهَذَا فِي دَارِك حَقٌّ فَأَقِرَّ لَهُ بِحَقِّهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَشْهُودِ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ وَادَّعَى أَنَّ الَّذِي شَهِدَ عَلَيْهِ بِهِ بَاطِلٌ، قِيلَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ: أَتَعْرِفُ حَقَّك الَّذِي شَهِدَ لَك بِهِ؟ فَإِنْ سَمَّاهُ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَأَخَذَهُ، وَإِنْ قَالَ لَا أَعْرِفُهُ إنَّمَا كُنْت أَسْمَعُ أَبِي يَقُولُ: إنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا وَلَمْ يَكُنْ يُسَمِّيهِ فَجِئْت أَطْلُبُهُ، أَوْ قَالَ لَا أَعْرِفُ وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَحْلِفَ عَلَيْهِ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا، فَأَقِرَّ أَيُّهَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّي بِمَا شِئْت وَاحْلِفْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُحَالُ بَيْنَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ الدَّارِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا بَلَغَ هَذَا الْحَقُّ مِنْهَا، لَعَلَّهُ يَأْتِي عَلَى أَكْثَرِهَا أَوْ عَلَى جَمِيعِهَا إلَّا جُزْءًا مِنْهَا فَيُوقَفُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ ثَبَتَ فِيهَا، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يَعْرِفُهُ فَيُنْكِرُهُ، كَيْمَا يُعْمِيهِ وَيُبْطِلُهُ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَلَا يَصِلُ إلَى الدَّارِ أَبَدًا حَتَّى يُقِرَّ مِنْهَا بِحَقِّ هَذَا، أَوْ يُسَمِّيَ مِنْ ذَلِكَ مَا سَمَّى وَيَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْخُذَ بَقِيَّةَ الدَّارِ، قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ قَالَ حَقُّهُ مِنْهَا الرُّبْعُ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْهُ الرُّبْعُ، فَأَسْلَمَ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ وَحُكِمَ لَهُ بِهِ بِإِقْرَارِهِ، ثُمَّ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ الدَّارِ مَوْقُوفًا حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ أَوْ يُقِرَّ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، وَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ كَانَ الْأَمْرُ فِيهِ كَمَا وَصَفْنَا هَكَذَا أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهَا غَيْرَ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ مِنْهَا وَسَمَّاهُ.
وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ: وَقَدْ كُنَّا نَقُولُ نَحْنُ وَغَيْرُنَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ الشُّهُودُ الْحَقَّ الَّذِي شَهِدُوا بِهِ وَنَسُوهُ، فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ وَلَا حَقَّ لِهَذَا حَتَّى سَأَلْنَا مَالِكًا ﵀ عَنْهَا، وَتَكَلَّمَ فِيهَا فَأَخَذْنَا بِقَوْلِهِ وَحُكِمَ بِهِ عِنْدَنَا غَيْرُ مَرَّةٍ، وَصَارَ مِنْهَاجًا لِلْحُكَّامِ وَدَلِيلًا عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ فِيهَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ: وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يُسْجَنُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَيُضَيَّقُ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ حَقُّهُ وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ أَصْبَغُ فَإِنْ أَنْكَرَ الْجَمِيعُ بَعْدَ الْحَبْسِ
стр. 475
أُحْلِفَ كَمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ شَهَادَةٍ، قَالَ وَيَتَحَصَّلُ فِيهَا سِتَّةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ حُكْمًا وَهِيَ بَاطِلَةٌ.
الثَّانِي: أَنَّهَا تُوجِبُ التَّشْدِيدَ كَمَا تَقَدَّمَ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُسْتَنْزَلُ إلَّا مَا لَا يُشَكُّ فِيهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
الْخَامِسُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْغَاصِبِ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا لَا يُشْبِهُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَهُوَ السَّادِسُ، وَلَكِنَّهُ يُعْرَفُ بِأَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى الْأَرْضِ بِعَيْنِهَا وَلَا يَعْرِفُوا حُدُودَهَا، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُعَيِّنُوا الْأَرْضَ وَإِنَّمَا يَشْهَدُونَ أَنَّهُ غَصَبَهُ فِي الْقَرْيَةِ أَرْضًا لَا يَعْرِفُونَهَا.
فَرْعٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَمِثْلُهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ: فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي قِبَلَ الرَّجُلِ حَقًّا مِنْ مُحَاسَبَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمَا وَيُنْكِرُ ذَلِكَ، فَيَأْتِي بِبَيِّنَةٍ فَتَشْهَدُ أَنَّهُمَا تَحَاسَبَا فَبَقِيَ لِهَذَا عَلَى هَذَا حَقٌّ لَا نَعْرِفُ عَدَدَهُ، قِيلَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ أَقِرَّ لَهُ بِحَقِّهِ، فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَشْهُودِ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ جَحَدَ قِيلَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَتَعْرِفُ كَمْ هَذَا؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ هُوَ كَذَا وَكَذَا حَلَفَ وَأَخَذَهُ، وَإِنْ قَالَ لَا أَعْرِفُهُ كَانَتْ بَيْنَنَا مُحَاسَبَةٌ وَمُكَاتَبَةٌ، فَضَاعَتْ مِنِّي وَسَقَطَتْ فَلَا أَحْفَظُ، أَوْ قَالَ هِيَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أَحْلِفَ عَلَيْهَا وَإِنْ كُنْت صَادِقًا؛ لِأَنَّ بَيِّنَتِي قَدْ أَحَقَّتْ لِي حَقًّا وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى، فَإِنْ شَاءَ فَلْيُقِرَّ بِمَا شَاءَ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ وَيَحْلِفْ عَلَيْهِ وَيَبْرَأْ فَإِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، يُقَالُ ذَلِكَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ أُخِذَ مِنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَيُدْفَعُ إلَى الْمَشْهُودِ لَهُ، ثُمَّ حُبِسَ لِلْيَمِينِ فِيمَا بَقِيَ كَمَا وَصَفْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
فَرْعٌ: قَالَ لِي مُطَرِّفٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ فِي وَصِيَّتِهِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَيْهِ حَقًّا ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُسَمِّ ذَلِكَ الْحَقَّ كَمْ هُوَ؟ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلْوَرَثَةِ كَمْ هُوَ حَقُّ هَذَا؟ فَإِنْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا بِهِ، قِيلَ لِلْمُقَرِّ لَهُ كَمْ حَقُّك؟ فَإِنْ سَمَّاهُ أَحَلَفَ عَلَيْهِ وَأُعْطِيهِ، وَإِنْ قَالَ لَا أَعْرِفُهُ وَهُوَ كَانَ أَحْفَظُ مِنِّي، قِيلَ لِلْوَرَثَةِ لَا تَصِلُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْمِيرَاثِ حَتَّى تَدْفَعُوا إلَى هَذَا حَقَّهُ مِنْهُ، أَوْ تُقِرُّوا لَهُ بِمَا شِئْتُمْ وَتَحْلِفُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْ ثَبَتَ لَهُ أَنَّ لَهُ فِيهَا حَقًّا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَصِلَ إلَى حَقِّهِ.
стр. 476
فَرْعٌ: وَفِي الْمَذْهَبِ لَوْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِمَالِهِ هَذَا، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَى مَاذَا وَكَّلَهُ، حَلَفَ الْمُوَكِّلُ لَقَدْ وَكَّلَهُ عَلَى صِنْفِ كَذَا وَأَخْذِ مَالِهِ، فَإِنْ نَكَلَ مَضَى الْمُشْتَرِي بِلَا يَمِينٍ.
فَرْعٌ: وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ: إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا، وَلَا يَعْرِفُونَ حَوْزَ الْأَرْضِ وَلَا حُدُودَهَا، فَإِنْ أَتَى الْمَشْهُودُ لَهُ بِبَيِّنَةٍ سِوَى أُولَئِكَ يَشْهَدُونَ لَهُ عَلَى حُدُودِ أَرْضِهِ تِلْكَ حُكِمَ لَهُ وَإِلَّا قِيلَ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ انْبِذْ إلَى هَذَا الَّذِي ثَبَتَ لَهُ أَنَّك غَصَبْته حَقَّهُ، فَإِنْ أَقَرَّ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَحْلَفَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَشْهُودِ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى جَحْدِ أَنَّهُ لَهُ، قِيلَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَتَعْرِفُ حُدُودَ أَرْضِك؟ فَإِنْ عَرَفَهَا حَلَفَ عَلَى مَا حَدَّدَ مِنْهَا وَكَانَ لَهُ، وَإِنْ قَالَ لَا أَعْرِفُهَا قَدْ غَيَّرَ حُدُودَهَا وَعَمَى مَعَالِمَهَا، حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ جَمِيعِهَا حَتَّى يُقِرَّ لَهُ بِحَقِّهِ مِنْهَا، وَرَجَعَتْ إلَى مَسْأَلَةِ مَالِكٍ الَّتِي قَبْلَ هَذَا، بَلْ هَذَا أَحَقُّ بِالْحَمْلِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ مَعَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَدَبِ الْمُوجِعِ وَالْعُقُوبَةِ الْمُؤْلِمَةِ وَالسَّجْنِ الطَّوِيلِ فِيمَا ثَبَتَ عَلَيْهِ مِنْ الْغَصْبِ وَاهْتِضَامِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ.
قَالَ: وَهَذَا إذَا كَانَ لَهُ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ أَوْ حَوْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ حَقٌّ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ غَصَبَ هَذِهِ الْأَرْضَ وَضَمَّهَا إلَى حَقِّهِ، وَأَمَّا لَوْ ثَبَتَ أَنَّ أَوَّلَ دُخُولِهَا فِيهَا بِسَبَبِ هَذَا الْغَصْبِ الَّذِي ثَبَتَ، اكْتَفَى الْمَشْهُودُ لَهُ مِنْ شُهُودِهِ، بِأَنْ يَشْهَدُوا لَهُ عَلَى أَنَّهُ غَصَبَهُ الْأَرْضَ وَإِنْ لَمْ يُحَدِّدُوهَا، وَلَمْ يَسْأَلْ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ كَمْ لِهَذَا مِنْهَا؟ وَأَخْرَجَ مِنْهَا جَمِيعِهَا حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فِيهَا بَعْدَ دُخُولِهِ مِنْ شِرَاءٍ صَحِيحٍ أَوْ حَقٍّ ثَبَتَ لَهُ.
فَرْعٌ: قَالَ لِي مُطَرِّفٌ: فِي الرَّجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى الرَّجُلِ بِالْمَالِ وَيَقُولُ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ وَقَدْ أَشْهَدَنِي الَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنَّهُ قَدْ اقْتَضَى مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْئًا وَلَمْ يُسَمِّهِ، وَاَلَّذِي لَهُ الْحَقُّ مُنْكِرٌ أَنْ يَكُونَ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ يَكُونَ مَيِّتًا، فَشَهَادَتُهُمَا لَازِمَةٌ جَائِزَةٌ بِجَمِيعِ الْمَالِ، وَلَا يُوضَعُ مِنْهُ شَيْءٌ لِلَّذِي قَالَ الشَّاهِدُ، وَيَحْلِفُ الْمَشْهُودُ لَهُ إنْ كَانَ حَيًّا أَنَّهُ مَا اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ لِوَرَثَةٍ حَلَفُوا مَعَ شَهَادَتِهِمْ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ لِحَقٍّ مَا عَلِمْنَاهُ اقْتَضَى مِنْهُ، شَيْئًا، وَيَأْخُذُونَ حَقَّهُمْ كَامِلًا، لَا يُفْسِدُ
стр. 477
الشَّهَادَةَ قَوْلُهُ إنَّ الْمَيِّتَ تَقَاضَى بَعْضَهُ. مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ لِفَضْلِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ مَسَائِلِ الْقَضَاءِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: اُنْظُرْ قَوْلَهُ وَاَلَّذِي لَهُ الْحَقُّ مُنْكِرٌ أَنْ يَكُونَ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يُجْعَلْ مُكَذَّبًا بِالشَّهَادَةِ فَتَدَبَّرْهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ، وَلَكِنْ ذَكَرْتهَا لِتَرْتِيبِ مَا بَعْدَهَا عَلَيْهَا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ لِي مُطَرِّفٌ: وَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ أَشْهَدَنِي أَنَّهُ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا سَمَّاهُ وَقَدْ نَسِيتَهُ، تُرِكَ حَتَّى يَقِفَ عَلَى مَا لَا يَشُكُّ فِيهِ، ثُمَّ يَحْلِفُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالْجَمِيعِ عَلَى هَذَا الَّذِي وَقَفَ عَلَيْهِ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ، بِحِينِ تَرَكَ أَيْ حِينَ تَرَكَ حَتَّى تَذَكَّرَ الشَّهَادَةَ وَيَبْرَأَ مِنْهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمَذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ قَالَ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي شُهُودٍ شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي وَصِيَّةٍ وَقَدْ مَاتَتْ، فَقَالُوا لَا نَعْرِفُهَا بِعَيْنٍ وَلَا بِاسْمٍ، وَإِنَّمَا كُنَّا عُرِّفْنَا بِهَا وَلَا نَذْكُرُ الْمُعَرِّفِينَ، فَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَأَيُّوبُ وَمُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ: لَا تَنْفُذُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ عَنْ سَحْنُونٍ: إذَا شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِنِكَاحِ إقْرَارٍ أَوْ إبْرَاءٍ، وَقَالُوا أَشْهِدْنَا عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنَّا لِعَيْنِهَا وَنَسَبِهَا، فَسَأَلَ الْخَصْمُ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي نِسَاءٍ لِتُخْرِجُوهَا فَقَالُوا: لَا نَدْرِي، هَلْ نَعْرِفُهَا الْيَوْمَ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهَا، أَوْ قَالُوا لَا نَتَكَلَّفُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ تُخْرِجُوا عَيْنَهَا، فَإِنْ أَثْبَتُوا أَنَّهَا بِنْتُ فُلَانٍ وَلَمْ يَكُنْ لِفُلَانٍ إلَّا ابْنَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ حِينِ شَهِدُوا عَلَيْهَا إلَى الْيَوْمِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ، فَإِنْ قَالُوا أَشْهَدْتَنَا مُتَنَقِّبَةً وَكَذَلِكَ نَعْرِفُهَا وَلَا نَعْرِفُهَا بِغَيْرِ نِقَابٍ فَهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ تَقَلَّدُوا، فَإِنْ كَانُوا عُدُولًا وَعَيَّنُوهَا قُطِعَ بِشَهَادَتِهِمْ.
فَرْعٌ: قَالَ وَلَوْ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِالْحَقِّ كُلِّهِ وَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَتَى بِشَاهِدَيْنِ فَشَهِدُوا أَنَّهُ أَشْهَدَنَا أَنَّهُ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا لَمْ يُسَمِّهِ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ، وَقِيلَ لِلطَّالِبِ سَمِّ هَذَا الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْك أَنَّك تَقَاضَيْت، فَمَا سَمَّى مِنْ ذَلِكَ حَلَفَ عَلَيْهِ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ أَبَى
стр. 478
أَنْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ، قِيلَ لِلْمَطْلُوبِ أَتَعْرِفُ هَذَا الَّذِي شَهِدَ لَك بِهِ؟ فَإِنْ عَرَفَهُ سَمَّاهُ وَحَلَفَ عَلَيْهِ وَبَرِئَ، وَإِنْ تَجَاهَلَ بِهِ أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ غُرْمُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أُمْكِنَ مِنْ حَقِّهِ فَجَهِلَهُ أَوْ نَكَلَ عَنْهُ، وَأَمَّا ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ فَرَأَيَا الشَّهَادَةَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ سَاقِطَةً غَيْرَ تَامَّةٍ لِلْأُولَى وَلِلْأُخْرَى حَتَّى يُسَمِّيَا ذَلِكَ الشَّيْءَ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ أَقُولُ، وَانْظُرْ مَا نَسَبَهُ إلَى ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبِاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَلَيْسَ مُرَادُهُ جَمِيعَ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِلْأُولَى وَلِلْأُخْرَى، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ فِي ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ وَالْمَسَائِلُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا أَوَّلَ الْبَابِ لَيْسَتْ مِنْ قَوْلِ مُطَرِّفٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ اُنْظُرْ هَا هُنَا حَيْثُ يَقُولُ: وَإِنْ تَجَاهَلَ أَوْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ غُرْمُ جَمِيعِ الْحَقِّ لِمَا أَرَاهُ، إلَّا وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا ﵀ قَدْ قَالَ فِي الدَّارِ إنَّهَا تُوقَفُ فِي الدَّيْنِ، قَالَ مُطَرِّفٌ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ فِي الْمِيرَاثِ، وَيُوقَفُ الْمِيرَاثُ فَتَدَبَّرْهُ، يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي عَلَى قَاعِدَةِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ أَنْ يُقَالَ لِلطَّالِبِ: قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدْ وَصَلَ إلَيْك بَعْضُ حَقِّك، فَلَا سَبِيلَ لَك إلَى شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّى تُقِرَّ بِمَا وَصَلَ إلَيْك، وَتَحْلِفَ عَلَيْهِ وَتَسْتَحِقَّ الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحُوزُ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا الْيَسِيرُ.
فَرْعٌ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ قِيلَ لِأَصْبَغَ: وَإِذَا قَالَ سَمِعْنَاهُ يَقُولُ أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ لَا نَدْرِي مَنْ أَرَادَ، وَقَالُوا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ يَزِيدُ حُرٌّ وَلَهُ غُلَامَانِ يُسَمَّيَانِ بِيَزِيدَ وَلَا نَعْلَمُ أَيَّ يَزِيدَ أَرَادَ، فَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ جَحَدَ أَوْ أَقَرَّ، وَقِيلَ لَهُ اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت فَأَعْتِقْهُ، وَأَنَا لَا أَقُولُ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْجُحُودِ أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِمَا جَمِيعًا.
فَرْعٌ: وَلَوْ قَالَ الشُّهُودُ سَمَّاهُ بِاسْمِهِ فَأُنْسِينَاهُ وَهُوَ جَاحِدٌ أَوْ عَرَفْنَا أَيَّ يَزِيدَ أَرَادَ، ثُمَّ أُنْسِينَاهُ فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ، وَيَحْلِفُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِاَللَّهِ مَا أَعْتَقَ وَاحِدًا مِنْهُمَا.
فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ فِي شَهَادَةِ الضَّرَرِ إذَا لَمْ تَقْطَعْ الْبَيِّنَةُ بِحُدُوثِ الضَّرَرِ، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا رَأَيْنَا شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ وَهُوَ ضَرَرٌ، حَلَفَ
стр. 479
الْقَائِلُ أَنَّهُ مُحْدَثٌ وَزَائِلٌ عَنْهُ الضَّرَرُ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ قَدِيمٌ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيْعٍ وَلَمْ يَعْرِفْهَا الشُّهُودُ بِعَيْنِهَا، أَوْ عَرَفُوا الِاسْمَ وَالنَّسَبَ وَقَالُوا: إنْ كَانَتْ فُلَانَةُ بِنْتَ فُلَانٍ فَقَدْ أَشْهَدَتْنَا، فَإِنْ شَهِدَ غَيْرُهُمْ أَنَّهَا فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ حَلَفَ رَبُّ الْحَقِّ عَلَى ذَلِكَ وَثَبَتَ حَقُّهُ، مِنْ الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ وَذَكَرَهَا ابْنُ رَاشِدٍ فِي الْمَذْهَبِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ فِي الْحُرِّيَّةِ عَلَى الْعِلْمِ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ وَلَوْ أَوْجَبَتْ حُكْمًا، وَلَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ إلَّا عَلَى الْبَتِّ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَتَّابٍ فِي آخِرِ مَسَائِلِ الْعِتْقِ، وَانْظُرْ لَوْ شَهِدَ أَنَّهَا تَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْحَرَائِرِ وَلَمْ يَشْهَدْ أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَفِي الْأَوَّلِ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ، قَالَ بَيْنَ الشُّيُوخِ فِيهَا اخْتِلَافٌ، فَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ عَامِلَةٌ وَحُرِّيَّةُ الْمَرْأَةِ مَاضِيَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: الشَّهَادَةُ نَاقِصَةٌ غَيْرُ تَامَّةٍ.
وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ مِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْقَطَّانِ، قَالَ وَالْآبِقُ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْأَحْرَارِ.
فَرْعٌ: وَمَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْهُ سِلْعَةً، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ وَشَهِدَتْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَمْ يُعْرَفْ الثَّمَنُ، فَالشَّهَادَةُ تَامَّةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ: قَدْ ثَبَتَ الْبَيْعُ فَبِكَمْ بِعْتهَا؟ فَإِنْ سَمَّى ثَمَنًا وَاعْتَرَفَ بِهِ الْمُبْتَاعُ أَدَّاهُ، وَإِنْ ادَّعَى دُونَهُ تَحَالَفَا وَرُدَّتْ، وَإِنْ تَمَادَى الْبَائِعُ عَلَى إنْكَارِ الْبَيْعِ سُئِلَ الْمُبْتَاعُ عَنْ الثَّمَنِ، فَإِنْ سَمَّى مَا يُشْبِهُ حَلَفَ وَدَفَعَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
стр. 480
[الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ لِلضَّرُورَةِ]
وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ فِي كِتَابِهِ الِاسْتِغْنَاءُ: حَكَى بَعْضُ شُيُوخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الثِّقَاتِ: أَنَّ أَهْلَ الْبَادِيَةِ إذَا شَهِدُوا فِي حَقٍّ لِامْرَأَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ أَنْ يُسْتَكْثَرَ مِنْهُمْ وَيُقْضَى بِشَهَادَتِهِمْ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ شَهَادَةَ التَّوَسُّمِ وَشَهَادَةَ الْمَجْهُولِ الْحَالِ، اتَّفَقُوا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَجُوزُ فِي ذَلِكَ، إلَّا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِعَدَالَةِ الشَّاهِدِ.
فَرْعٌ: وَسُئِلَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْمُفْتِينَ عَنْ الْقُرَى الْبَعِيدَةِ مِنْ الْمُدُنِ عَلَى الثَّلَاثِينَ مِيلًا وَالْأَرْبَعِينَ، وَفِيهَا الثَّلَاثُونَ رَجُلًا وَالْأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَالْأَقَلُّ، وَلَيْسَ فِيهِمْ عَدْلٌ مَشْهُورٌ بِالْعَدَالَةِ، وَفِيهِمْ مُؤَذِّنُونَ وَأَئِمَّةٌ وَقَوْمٌ مَوْسُومُونَ بِخَيْرٍ، غَيْرَ أَنَّ الْقُضَاةَ لَا يَعْرِفُونَهُمْ بِعَدَالَةٍ وَلَا يَجِدُونَ مَنْ يَعْرِفُهُمْ، يَجْتَمِعُونَ عَلَى الشَّهَادَةِ عِنْدَهُمْ فِي الْأَمْلَاكِ وَالدُّيُونِ وَالْمُهُورِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُخَالِفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ؟ وَيُقْضَى بِهِمْ أَوْ يُتْرَكُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْظَرَ فِي أَمْرِهِمْ.
فَكَتَبَ فِي الْجَوَابِ لِكُلِّ قَوْمٍ عُدُولُهُمْ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْقَاضِي لَهُمْ بِنَفْسِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ التَّوَسُّمِ فِيهِمْ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لِأَبِي إبْرَاهِيمَ صَاحِبِ النَّصَائِحِ أَنَّ شَهَادَةَ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ مِنْهُمْ جَائِزَةٌ، وَيُسْتَكْثَرُ مِنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ وَيُقْضَى بِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَوْلَا ذَلِكَ مَا جَازَ لَهُمْ بَيْعٌ وَلَا تَمَّ لَهُمْ نِكَاحٌ وَلَا عَقْدٌ فِي شَيْءٍ.
فَرْعٌ: وَفِي الْحَاوِي فِي الْفَتَاوَى لِابْنِ عَبْدِ النُّورِ.
وَسُئِلَ اللَّخْمِيُّ ﵀ إذَا رَأَى الْهِلَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ مِمَّنْ لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُمْ شَهَادَةٌ، وَلَا تُرْجَى لَهُمْ تَزْكِيَةٌ فِي الْوَقْتِ، فَكَمْ قَدْرُ الْعَدَدِ الَّذِي يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمْ؟ فَأَجَابَ لَيْسَ لِعَدَدِ مَنْ يُصَامُ لِشَهَادَتِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ أَمْرٌ مَحْصُورٌ لَا يَتَعَدَّى إلَّا أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ صَامَ النَّاسُ مَا لَمْ يَكُونُوا دُونَ الْخَمْسَةِ.
стр. 481
فَرْعٌ: وَسُئِلَ عَبْدُ الْحَمِيدِ الصَّائِغِ: عَنْ أَهْلِ مَدِينَةٍ الْتَمَسُوا هِلَالَ شَوَّالٍ لَيْلَةَ ثَلَاثِينَ فِي الْغَيْمِ فَلَمْ يَرَوْهُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَدِمَتْ رُفْقَةٌ كَبِيرَةٌ نَحْوُ الْأَرْبَعِمِائَةِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْقُرْبِ مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا رُؤْيَةً ظَاهِرَةً فَخَرَجَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُدُولِ وَغَيْرِهِمْ لِيَخْتَبِرُوا ذَلِكَ مِنْ الْوَاصِلِينَ قَبْلَ وُصُولِهِمْ الْمَدِينَةَ فَسَأَلُوا خَلْقًا مِنْهُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ سَأَلْت مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ رَجُلًا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ سَأَلْت مِنْ أَوَّلِ الرُّفْقَةِ إلَى آخِرِهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ سَأَلْت خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ، حَتَّى قَطَعُوا عَلَى ذَلِكَ وَعَلِمُوهُ يَقِينًا وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ أَنَّهُ حُكِيَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاقِلِينَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَاتَّفَقَتْ شَهَادَةُ الْكُلِّ عَلَى رُؤْيَةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ رُؤْيَةً ظَاهِرَةً فَاشِيَةً، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ وَاسْتَفَاضَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ، فَهَلْ يُحْكَمُ بِهَذِهِ الشَّهَادَاتِ وَيُفْطِرُ النَّاسُ وَيُصَلُّونَ صَلَاةَ الْعِيدِ أَمْ لَا يَجُوزُ الْفِطْرُ وَيَتَمَادَى النَّاسُ عَلَى الصَّوْمِ؟
فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِخَطِّ يَدِهِ قَدْ نَزَلَ مِثْلُ هَذَا السُّؤَالِ فِي الْقَيْرَوَانِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ مَوْجُودُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ، وَكَانَ الَّذِينَ أَخْبَرُوا مِنْ الرُّفْقَةِ الْقَادِمَةِ أَقَلَّ مِنْ الْعَدَدِ الَّذِي ذَكَرْت، فَاتَّفَقَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ مِمَّنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى إيجَابِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِمْ، وَحَمَلُوا النَّاسَ عَلَى الصَّوْمِ إذْ كَانَ ذَلِكَ الَّذِي نَزَلَ فِي الْقَيْرَوَانِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ظَاهِرَةٌ بَيِّنَةٌ وَلَهَا مَدْخَلٌ فِي الْأُصُولِ، إذْ يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ بَابٌ كَبِيرٌ، فَإِذَا وَقَعَ الْعِلْمُ لِسَامِعِ قَوْلِهِمْ وَقَطَعَ لِمَا قَالُوهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى إعْرَاضِ مَنْ أَعْرَضَ مِمَّنْ لَا يُحْكِمُ الْأَمْرَ، وَلَا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ مَا يُمَيِّزُ بِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَأَشْبَاهَهَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ عَلَى ذَهَابِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ.
وَكَتَبَ فِي الْمَسْأَلَةِ جَوَابًا آخَرَ لِكَوْنِ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ لَمْ يَصِلْ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ وَذَكَرْت لَك أَنَّ مِثْلَ هَذَا نَزَلَ بِالْقَيْرَوَانِ وَأَهْلُ التَّحْقِيقِ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَثِيرٌ، فَجَعَلُوا لِمَنْ سَمِعَ قَوْلَ أَهْلِ الرُّفْقَةِ مِمَّنْ يُمَيِّزُ الْعِلْمَ الْوَاقِعَ فِي النَّفْسِ وَغَلَبَةَ الظَّنِّ وَالشَّكِّ، وَهُمَا رَجُلَانِ عَدْلَانِ، وَقَالَا: وَقَعَ لَنَا الْعِلْمُ بِمَا قَالَهُ أَهْلُ الرُّفْقَةِ أَنَّهُ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى مَا شَهِدَا بِهِ، هَذَا الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِقَوْلِ أَهْلِ الرُّفْقَةِ أَوْ بِقَوْلِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ الْأَرْبَعَةِ لَزِمَ الصَّوْمُ، هَذَا قَوْلُ مَنْ حَقَّقَ النَّظَرَ مِنْ شُيُوخِنَا.
وَسُئِلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِصِحَّةِ الْجَوَابِ الْمُتَقَدِّمِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ
стр. 482
مِنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ بْنِ الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الْعِلْمُ مِنْ الْمُخْبِرِينَ لَا نُرَاعِي عَدَالَتَهُمْ.
وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أَيْضًا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ بْنُ مُحَمَّدٍ السُّوسِيِّ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الْعَابِدِ فَأَجَابَ بِصِحَّةِ مَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ كَثِيرًا مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَشْهَدُ لِذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي أَهْلِ حِصْنٍ أَسْلَمُوا، فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ جَائِزَةٌ، وَأَنَّهُمْ يَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ.
قَالَ وَأَمَّا الْمُتَحَمِّلُونَ، فَإِنْ تَحَمَّلَ مِنْهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ فَشَهَادَتُهُمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ جَائِزَةٌ إذَا أَسْلَمُوا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ فِي الْعِشْرِينَ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَأَبَاهُ سَحْنُونٌ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي ذَلِكَ إلَى الْعَدَالَةِ.
قَالَ: وَأَمَّا الْعَدَدُ الْقَلِيلُ فَلَا إلَّا بِبَيِّنَةِ مُسْلِمَيْنِ، سِوَاهُمْ تَشْهَدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تُجَّارٍ أَوْ أَسَارَى كَانُوا عِنْدَهُمْ، فَيَتَوَارَثُونَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الَّذِينَ شَهِدُوا لَهُمْ عُدُولًا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ: وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ مَنْ لَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ سُئِلَ مَرَّةً سَحْنُونٌ عَمَّنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِدَمٍ، فَأَقَامَ شَاهِدًا لَيْسَ بِعَدْلٍ يُحْبَسُ الْمَطْلُوبُ. قَالَ يَتَوَثَّقُ مِنْهُ حَتَّى يَكْشِفَ اللَّطْخَ الَّذِي ادَّعَوْا عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ شَهَادَتِهِ، بَلْ أَوْجَبْت التَّوَثُّقَ وَالْكَشْفَ.
فَرْعٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ فِي مُقَدِّمَةِ تَعْلِيقِهِ الْخِلَافَ: قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ فِي كِتَابِ الْوَكَالَاتِ يَجُوزُ قَبُولُ الْمَعْرُوفِ بِالْمَرْأَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ بَعْضُهُمْ: نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي الْعَدَالَةُ، يَعْنِي بِهِمَا الْمُلَازِمَيْنِ لِمَجْلِسِ حُكْمِهِ فَانْظُرْهُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْعَطَّارِ فِي وَثَائِقِهِ، قَالَ إذَا أَقَرَّ الْخَصْمُ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِمَحْضَرِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ قُضِيَ عَلَيْهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ بِمَحْضَرِهِمَا، قَالَ غَيْرُهُ وَقَدْ اعْتَرَضَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ ثُمَّ حَكَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
стр. 483
فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِقَوْلِ الْمُتَرْجِمِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَلَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْكَافِرِ وَلَا الْعَبِيدِ وَلَا الْمَسْخُوطِينَ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يُرِيدُ مَعَ وُجُودِ عَدْلٍ وَلَوْ اُضْطُرَّ إلَى تَرْجَمَةِ أَحَدِهِمْ يُعْمَلُ بِقَوْلِهِ، كَالْحُكْمِ بِقَوْلِ الطَّبِيبِ النَّصْرَانِيِّ فِيمَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ فِي اللَّوْثِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ عَلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ، وَيَقْسِمُ مَعَهُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ وَذَلِكَ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ وَصِيَانَةِ الدِّمَاءِ.
فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَحْمِلَ كِتَابَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ رَجُلَانِ، فَيَشْهَدَانِ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي، وَأَثْنَى عَلَيْهِمَا الْقَاضِي عِنْدَهُ بِخَيْرٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعْدِيلًا بَيِّنًا، أَوْ زَكَّى أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُزَكِّ الْآخَرَ، أَوْ وَسَمَ فِيهِمَا الصَّلَاحَ، وَكَانَ الْخَطُّ وَالْخَتْمُ مَشْهُورَيْنِ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، فَإِنِّي أَسْتَحْسِنُ إجَازَةَ مِثْلَ هَذَا لِتَعَذُّرِ الْعُدُولِ، وَلِمَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ فِي صَدْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ إجَازَةِ الْخَوَاتِمِ.
فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَإِذَا أَقَرَّ الشَّاهِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَسْخُوطٌ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِإِقْرَارِهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى أَحَدِهِمَا أَوْ عَلَيْهِمَا بِالسَّخْطَةِ لَمْ يُرَدَّ الْقَضَاءُ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمَا، وَانْظُرْ أَبَدًا كُلَّ شَاهِدٍ شَهِدَ فَقَضَى بِشَهَادَتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ، أَوْ مَسْخُوطٌ بِإِقْرَارٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ فَلَا غُرْمَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْخُوطُ الْبَيِّنُ الْفَسَادِ الظَّاهِرُ الشُّهْرَةِ الْمَارِقُ ذُو الْجَرَاءَةِ فَإِنَّهُ يُرَدُّ مَا حُكِمَ بِشَهَادَتِهِ وَيُفْسَخُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْمَارِقِ الْبَيِّنِ الْفَسَادِ فَلَا يُرَدُّ مَا حُكِمَ بِشَهَادَتِهِ وَيَمْضِي.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: قَالَ أَبُو عُمَرَ فِي كَافِيهِ: وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي شُهُودٌ لَا يَعْرِفُهُمْ، فَاعْتَرَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِعَدَالَتِهِمْ جَازَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِهِمْ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُكَذِّبْهُمْ، وَلَا يَقْضِي بِهِمْ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَعْرِفَ عَدَالَتَهُمْ
وَقَالَ أَصْبَغُ: إذَا رَضِيَ الْخَصْمَانِ بِشَهَادَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْقَاضِي عَدَالَتَهُ وَلَا جُرْحَتَهُ لَمْ يَحْكُمْ بِهَا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا رَضِيَ الْمُسْلِمَانِ بِشَهَادَةِ الْمَسْخُوطَيْنِ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَزِمَهُمَا وَلَيْسَ لَهُمَا الرُّجُوعُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ رَضِيَا بِغَيْرِ شَهَادَةٍ، وَلَوْ رَفَعَا ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِمَا بِشَهَادَتِهِمَا.
стр. 484
فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ الْوَصِيَّةِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] فَقِيلَ: مِنْ غَيْرِ قِبْلَتِكُمْ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الْمُسْلِمِ بِقَوْلِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ الْكَافِرِ، وَقِيلَ إنَّمَا شُرِطَتْ الْعَدَالَةُ إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي الْحَضَرِ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فِي الْوَقْفِ فِي قَوْلِهِ: مِنْكُمْ، وَالِابْتِدَاءِ ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فَتَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ وَعَلَى هَذَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمِ فِي السَّفَرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا.
فَرْعٌ: وَفِي الْحَاوِي لِابْنِ عَبْدِ النُّورِ.
وَسُئِلَ السُّيُورِيُّ عَنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهِمْ عَدْلٌ، سَكَنُوا قَفِصَةً وَيَشْهَدُونَ فِي الْأَمْرِ، لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُهُمْ مِثْلُ شَأْنِ فَقِيرَةٍ يَتِيمَةٍ لَا وَلِيَّ لَهَا، تُرِيدُ النِّكَاحَ وَلَا يَعْرِفُهَا إلَّا أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى الْعِشْرِينَ، وَقَدْ يَغِيبُ أَحَدُهُمْ فَتَطُولُ غَيْبَتُهُ، وَتُرِيدُ زَوْجَتُهُ فِرَاقَهُ لِعَدَمِ النَّفَقَةِ، وَلَا يَشْهَدُ لَهَا إلَّا أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَهُمْ قَرِيبُ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ عَمَلُهُمْ؟ وَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي مَكَانِهِمْ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ؟
فَأَجَابَ إذَا لَمْ تَكُنْ تُهْمَةٌ تَلْحَقُهُمْ فِيمَا شَهِدُوا فِيهِ وَكَانُوا جَمَاعَةً فَيَحْضُرُونَ جَمَاعَتُهُمْ لِمَنْ يَحْضُرُ كَلَامَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، فَإِنْ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ وَجَدُوا أَنْفُسَهُمْ سَاكِنَةً لَصَدَّقَهُمْ، وَلَسْت أَعْنِي بِسَاكِنَةٍ أَنَّهُمْ مَائِلُونَ عَنْ الْحَقِّ، أَمْ أَنَّهُمْ قَالُوا الْحَقَّ بَلْ يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ فِي قُلُوبِهِمْ صِدْقَ ذَلِكَ، وَالْقَطْعَ بِهِ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ ذَلِكَ وَيُشَاهِدُونَهُ، فَإِنْ حَصَلَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ رَجُلَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ حُكِمَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الَّذِي سُمِعَ مِنْهُمْ خَمْسَةً فَأَكْثَرَ، وَأَنْ يَتَّفِقَ ذَلِكَ فَعَسَى أَنْ يُكْثِرُوا مِمَّنْ يَشْهَدُ فِي ذَلِكَ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثُونَ عِنْدِي إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ تُهْمَةٌ فِيمَا شَهِدُوا بِهِ فَكُلَّمَا أُصِيبَ أَزْيَدُ مِنْ ذَلِكَ فَحَسَنٌ، فَكُلَّمَا كَثُرُوا كَانَ أَطْيَبُ لِلنَّفْسِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
تَنْبِيهٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّيُورِيُّ يُخَالِفُهُ فِيهِ الْمَازِرِيُّ، وَقِيلَ: سُئِلَ الْمَازِرِيُّ ﵀ عَنْ عَشَرَةِ رِجَالٍ مِنْ عَوَالِمِ النَّاسِ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا شَهِدُوا عِنْدَ عَدْلَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ، فَيَقُولُ الْعُدُولُ تَحَقَّقَ عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ صِحَّةُ الشَّهَادَةِ فَشَهِدَ بِهَا الْعُدُولُ، وَالْعُدُولُ غَيْرُ عَارِفِينَ بِالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، فَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْبَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَيَحْكُمَ بِهَا عَلَى مَنْ حَضَرَ أَوْ غَابَ؟ وَالْعَوَامُّ وَالْعُدُولُ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ حَاضِرُونَ فِي الْبَلَدِ، فَأَجَابَ لَنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إمْلَاءٌ لِمَا اسْتَفْتَيْنَا عَنْ حَاكِمٍ حَكَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ
стр. 485
الشَّهَادَةِ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ يُنْقَضُ؛ لِأَنَّهُ عُوِّلَ فِيهِ مَعْنًى لَيْسَ بِهُنَالِكَ فِي النَّظَرِ، وَهَذِهِ أَشْيَاءُ تُحْكَى عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ السُّيُورِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يُشِيرُ إلَى أَنَّ النَّظَرَ يَقْتَضِي قَبُولَ مِثْلَ هَذَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الشَّاهِدُونَ السَّامِعُونَ يَعْرِفُونَ طُرُقَ الْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، وَأَمَّا إذَا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ، وَاَلَّذِي عِنْدَنَا أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ لَا مِنْ عَارِفٍ بِالْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ، وَلَا مِنْ غَيْرِ عَارِفٍ بِهَا وَقَدْ اسْتَدْلَلْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي الَّذِي أَمْلَيْنَاهُ، قَدِيمًا، وَكَشَفْنَا سِرَّ الْقَوْلِ فِيهِ وَحِكْمَةُ الشَّرْعِ نَتِيجَتُهَا الْمَنْعُ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ لِمِثْلِ هَذَا، وَقَدْ وَقَفْنَا لِلطَّبَرِيِّ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ عَلَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى مَنْعِ قَبُولِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فِي الْأَمْوَالِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.
فَرْعٌ: وَفِي الطُّرَرِ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ عَلَى التَّهْذِيبِ فِي بَابِ اللُّقَطَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَإِذَا شَهِدَ قَوْمٌ غُرَبَاءُ لَا يُعْرَفُونَ لَمْ يُقْبَلُوا، قَالَ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَظَاهِرُهُ كَانَتْ الشَّهَادَةُ فِي الْأَمْوَالِ أَوْ فِي الْجِرَاحِ.
وَقَالَ ابْنُ شَعْبَانَ إذَا قَدِمَتْ الرُّفْقَةُ فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي الْإِجَارَاتِ جَازَتْ الشَّهَادَةُ، إذَا تُوُسِّمَتْ فِيهِمْ الْمُرُوءَةُ فِي الْعَقْلِ وَالْقَوْلِ. قَالَ اللَّهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] ، وَقَوْلُهُ فِي الْإِجَارَاتِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي الْجِرَاحِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي الْوَاضِحَةِ عَلَى الْمُحَارِبِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ بِالتَّوَسُّمِ، وَفِي ثَمَانِيَةِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّ شَهَادَةَ الْغُرَبَاءِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ جَائِزَةٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي الْجِرَاحِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا بِعَدَالَةٍ، وَيَقْبَلُهُمْ الْحَاكِمُ بِالتَّوَسُّمِ إذَا لَمْ يَسْتَرِبْ مِنْهُمْ شَيْئًا قَطْعَ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ أَوْ مَضْرُوبٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا يَسْمَعُ فِيهِمْ مِنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ تَجْرِيحٌ؛ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ إنَّمَا جَازَتْ لِلضَّرُورَةِ يَعْنِي لَا يَجْرَحُهُمْ بِأَنَّهُمْ غَيْرُ عُدُولٍ، وَأَمَّا جُرْحُهُمْ بِالْعَدَاوَةِ أَوْ لِأَجْلِ الْقَرَابَةِ فَيَسْمَعُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَإِنْ قِيلَ وَكَيْفَ يَعْرِفُهُمْ الْحَاكِمُ؟ قِيلَ لَهُ: وَرَدَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يُعْرَفُ الرَّجُلُ مِنْ سَاعَتِهِ إذَا تَكَلَّمَ، وَمِنْ يَوْمِهِ إذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقَوْلُهُ فِي التَّهْذِيبِ يَعْنِي لَمْ يُقْبَلُوا. يَعْنِي لَيْسَ كَوْنُهُمْ غُرَبَاءَ بِاَلَّذِي يُبِيحُ شَهَادَتَهُمْ، وَظَاهِرُهُ قَلُّوا أَوْ كَثُرُوا، وَمَعْنَاهُ مَا لَمْ يَبْلُغُوا حَدَّ الِاسْتِفَاضَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ الْعِلْمَ، وَظَاهِرُهُ كَانَ فِي الْبَلَدِ عُدُولٌ أَمْ لَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الِاسْتِغْنَاءِ إذَا كَانَ الْبَلَدُ لَا عُدُولَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، وَيَسْتَكْثِرُ بِحَسَبِ خَطَرِ الْحُقُوقِ، قَالَ وَظَاهِرُ مَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يُزَادُ مِنْهُمْ عَلَى النِّصَابِ.
стр. 486
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ فِي شَهَادَةِ الْمَسْلُوبِينَ عَلَى الْمُحَارِبِينَ، أَنَّهَا تَجُوزُ عَلَيْهِمْ فِي قَطْعِ السَّبِيلِ دُونَ مَا ادَّعُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ الْمَالِ إلَّا أَنْ يَقِلَّ فَيَجُوزَ.
وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمَسْلُوبِ لِغَيْرِهِ وَقِيلَ تَجُوزُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِيمَا قَلَّ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ حَبِيبٍ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمُحَارِبِ فِي الْمَالِ جَائِزَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقَا بَيْنَ قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ لِلضَّرُورَةِ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ تَجُوزُ إذَا كَانُوا عُدُولًا، فَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا أَوْ نَصَارَى أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ لَمْ يُقْبَلُوا، وَلَكِنْ إذَا اسْتَفَاضَ ذَلِكَ مِنْ الذِّكْرِ وَكَثُرَ الْقَوْلُ أَدَبَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ نَفَاهُمْ.
فَرْعٌ: وَمِمَّا أُجِيزَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ لِلضَّرُورَةِ، شَهَادَةُ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لَا يُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدْوِيِّ عَلَى الْقَرَوِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ تَأَوَّلَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الشَّهَادَةُ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الشَّهَادَاتِ فِي الدِّمَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا، مِمَّا تُطْلَبُ بِهِ الْخَلَوَاتُ مِنْ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ وَالضَّرْبِ وَالشَّتْمِ وَالزِّنَا وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُقْصَدُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يَجُوزُ فِي الْمَالِ وَالنِّكَاحِ، إذَا قَالَ مَرَرْت بِهِمَا أَوْ كُنْت جَالِسًا فَسَمِعْته يَقُولُ بِكَذَا، أَوْ بَاعَ مِنْهُ كَذَا أَوْ تَنَازَعَا فِي النِّكَاحِ فَأَقَرَّا بِالْعَقْدِ، وَلَا تَجُوزُ فِي الْوَثَائِقِ وَالصَّدَقَاتِ وَلَا فِيمَا يُقْصَدُ فِيهِ الِاسْتِعْدَادُ فِي الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ، وَشَهَادَتُهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَالْعُدُولُ عَنْ أَهْلِ الْعَدْلِ إلَيْهِمْ رِيبَةٌ، إلَّا أَنْ يُعْلَمَ مُخَالَطَتُهُ لَهُمْ أَوْ يَجْمَعُهُمْ وَإِيَّاهُ سَفَرٌ فَتَجُوزُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ وَالْأَضْدَادِ لِأَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَكُلُّ مَوْضِعٍ يَتَعَذَّرُ فِيهِ حُضُورُ الشُّهُودِ مِنْ الْمَلَاهِي وَغَيْرِهَا، فَشَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ جَائِزَةٌ بِلَا مُرَاعَاةِ عَدَالَةٍ لِلضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ، قَالَ وَمِثْلُهُ فِي مُنْتَخَبِ الْأَحْكَامِ يُرِيدُ لِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ فَانْظُرْهُ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ: إذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ لَيْسَ فِيهَا عُدُولٌ وَبَعِدُوا عَنْ الْعُدُولِ، فَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي الْأَمْوَالِ أَمْ لَا؟ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَا يُعْرَفُ لِلْمُتَقَدِّمِ مِنْهُمْ فِيهِ خِلَافٌ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لَا تَجُوزُ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَة وَنَقَلَهُ الْبَاجِيُّ، وَرَأَيْت قَوْمًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ يَحْكُونَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ بِجَوَازِ
стр. 487
الشَّهَادَةِ مِمَّنْ ذَكَرْنَاهُ، وَيُعْمِلُونَهَا لِلضَّرُورَةِ كَشَهَادَةِ أَهْلِ الْقَرْيَةِ مَعَ التَّوَسُّمِ، وَرَأَيْت بَعْضَهُمْ يَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ.
وَقَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي كِتَابِ الْمَذْهَبِ - إذَا كَانَ الْمَوْضِعُ لَا عُدُولَ فِيهِ قُبِلَتْ شَهَادَةُ أَمْثَلِهِمْ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ فِي بَابِ السِّيَاسَةِ: نَصَّ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ عَلَى أَنَّا إذَا لَمْ نَجِدْ فِي جِهَةٍ إلَّا غَيْرَ الْعُدُولِ أَقَمْنَا أَصْلَحَهُمْ وَأَقَلَّهُمْ فُجُورًا لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ وَيَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ فَلَا نُضَيِّعُ الْمَصَالِحَ. قَالَ وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا يُخَالِفُهُ فِي هَذَا، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ شَرْطٌ فِي الْإِمْكَانِ وَهَذَا كُلُّهُ لِلضَّرُورَةِ، لِئَلَّا تَنْهَدِرَ الدِّمَاءُ وَتَضِيعَ الْحُقُوقُ وَتَتَعَطَّلَ الْحُدُودُ، وَلِذَلِكَ أَجَازُوا شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْمَأْتَمِ وَالْأَعْرَاسِ وَالْحَمَّامِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُنَّ مِنْ الْجِرَاحِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَأَجَازُوا شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِنْ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ، وَأَوْجَبُوا الْقَسَامَةَ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ، وَأَجَازُوا تَرْجَمَةَ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَالْمَسْخُوطِ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَأَجَازُوا الْحُكْمَ بِقَوْلِ الطَّبِيبِ النَّصْرَانِيِّ فِي الْعُيُوبِ وَفِي مَقَادِيرِ الْجِرَاحِ وَتَسْمِيَتِهَا، وَأَجَازُوا إشْهَادَ النِّسَاءِ فِي قِيَاسِهِنَّ الْجِرَاحَ حَيْثُ يَجُوزُ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ وَغَيْرُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ، وَأَجَازُوا شَهَادَةَ السَّمَاعِ فِي الضَّرَرِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَشَهَادَةَ اللَّفِيفِ مِنْ النَّاسِ وَالْجِيرَانِ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ عُدُولٍ، قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَجَازُوا فِي الشَّهَادَةِ فِي الرَّضَاعِ أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى لَفِيفِ الْقَرَابَةِ وَالْأَهْلِينَ وَالْجِيرَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا كَالنِّسَاءِ وَالْخَدَمِ، أَنَّهُ اتَّصَلَ عِنْدَهُمْ أَنَّ فُلَانًا أَرْضَعَتْهُ فُلَانَةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ حَسَنٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْضُرُهُ الرِّجَالُ فِي الْأَغْلَبِ وَلَا يَعْتَنِي الْأَهْلُونَ بِإِحْضَارِ عُدُولِ النِّسَاءِ لَهُ.
وَلِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ السَّمَاعَ لَا يَجُوزُ إلَّا مِنْ الثِّقَاتِ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ بَعْثِ الْحَكَمَيْنِ، وَمَعْنَى قَوْلُهُ أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى لَفِيفِ الْقَرَابَةِ، يُرِيدُ أَنَّ الْحَاكِمَ أَرْسَلَهُمْ لِيَشْهَدُوا وَيَكْشِفُوا عَنْ ذَلِكَ.
стр. 488
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ شَهَادَةِ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ]
الَّذِينَ عَمَّتْ بِهِمْ الْبَلْوَى فِي الْبَلْوَى فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اسْتَحْكَمَ فِيهَا الْفَسَادُ فَقَلَّ أَنْ يَجْرِيَ أَمْرُهَا عَلَى السَّدَادِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مُشَرِّفِهَا، كَانَتْ شَاغِرَةً مِنْ أَحْكَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ، وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ، أَنَّهَا كَانَتْ شَاغِرَةً مِنْ أَحْكَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي حَجَّ فِيهَا، لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْعَوَاصِمِ وَالْقَوَاصِمِ: أَنَّ الْخَطِيبَ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ كَانَ مِنْ الشِّيعَةِ فِي خَبَرٍ يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَمْ يَزَالُوا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَمُنْتَسِبِينَ إلَيْهِ إلَى أَوَائِلِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَدِمَ إلَيْهِمْ مِنْ رَافِضَةِ الْمَشْرِقِ مِنْ أَهْلِ قَاشَانَ وَغَيْرِهِمْ مَنْ أَفْسَدَ مَذَاهِبَ كَثِيرَةً مِنْهُمْ، لَا سِيَّمَا الْمُنْتَسِبُونَ إلَى الْعِتْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَقَدِمَ بِكُتُبِ أَهْلِ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبَذَلَ لَهُمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً فَكَثُرَتْ الْبِدْعَةُ بِهَا مِنْ حِينَئِذٍ.
فَأَمَّا الْأَعْصَارُ الْمُفَضَّلَةُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ بِدْعَةٌ فِي أُصُولِ الدِّينِ، فَقَوْلُهُ: إنْ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ قَبْلَ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ هُوَ الصَّحِيحُ. بَلْ قَبْلَ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ.
وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَشْكُوَال الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْفَخَّارِ مُقِيمًا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ مِنْ الْمُشَاوَرِينَ بِهَا فِي الْفَتْوَى وَالْأَحْكَامِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ إمَامًا فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ بِدْعَةٌ.
стр. 489
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَغْرِبِ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَلَمَّا قَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ صَارَ الْحُكَّامُ مِنْهُمْ، وَصَارَتْ الْخَطَابَةُ فِيهِمْ، وَشُهُودُ الْبَلَدِ مِنْهُمْ، وَعَامَّتُهَا وَسُكَّانُ ضَوَاحِيهَا وَأَهْلُ بَادِيَتِهَا كُلُّهُمْ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ وَأَهْلُ السُّنَّةِ، يَوْمَئِذٍ عَدَدُهُمْ قَلِيلٌ جِدًّا مُسْتَضْعَفُونَ بَيْنَهُمْ، إلَّا أَنَّ إمَامَةَ الصَّلَاةِ كَانَتْ مُضَافَةً إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ، وَاسْتَمَرَّ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إلَى حُدُودِ سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، فَبَعَثَ سُلْطَانُ مِصْرَ إلَى الْمَدِينَةِ حَاكِمًا شَافِعِيًّا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَأُضِيفَتْ إلَيْهِ الْخَطَابَةُ وَالْإِمَامَةُ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَنْعِهِمْ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَكَانَتْ جُلُّ الْحُكُومَاتِ رَاجِعَةً إلَيْهِمْ، وَلَمْ تَزَلْ أَحْكَامُهُمْ نَافِذَةً إلَى سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، فَمَنَعَهُمْ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ مِنْ الْحُكْمِ بِقِيَامِ الْقَاضِي تَقِيِّ الدِّينِ الْهُورِينِيِّ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ فَانْقَطَعَتْ أَحْكَامُهُمْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ إلَى يَوْمِنَا هَذَا هُمْ غَالِبُ أَهْلِ الْبَلَدِ وَكَثِيرٌ مِنْ نَوَاحِيهَا لَا يَسْكُنُهَا غَيْرُهُمْ، وَجَمِيعُ عَامَّتِهَا وَسُوقَتِهَا وَأَرْبَابِ الْحِرَفِ وَأَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْفَلَّاحِينَ، كُلُّهُمْ يَشْهَدُونَ وَلَيْسَ لَهُمْ عُدُولٌ يُقْصَدُونَ لِلشَّهَادَةِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَكَذَا جَمِيعُ عَوَامِّ أَهْلِ السُّنَّةِ يَشْهَدُونَ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْحُكَّامِ أَمَانٌ لَا يَشْهَدُ فِي الْبَلَدِ إلَّا الْعُدُولُ، فَهُمْ إلَى الْآنَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ.
وَسَأَلْت بَعْضَ حُكَّامِهِمْ عَنْ الْمُسَوِّغِ لِقَبُولِ شَهَادَةِ عَامَّةِ الْبَلَدِ، وَمَا حُكْمُ شَهَادَتِهِمْ عَلَى مَذْهَبِهِمْ؟ فَذَكَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ: أَنَّ النَّاسَ مَحْمُولُونَ عَنْ الْجُرْحَةِ حَتَّى تَثْبُتَ الْعَدَالَةُ، وَأَنَّ هَذَا الْفَسَادَ وَالتَّسَاهُلَ إنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْبَلَدَ لَمْ يَكُنْ لَهَا قَانُونٌ وَلَا ضَابِطٌ، وَأَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِيهَا كَأَهْلِ الْبَادِيَةِ، وَأَنَّ إهْمَالَ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ أُمَرَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَشْرَافِهَا، فَإِنَّا لَمْ نَزَلْ نَسْمَعُ مِنْ الْأُمَرَاءِ إنْكَارَ التَّعَرُّضِ لِإِنْكَارِ ذَلِكَ، وَيَقُولُونَ شُهُودُ الْبَلَدِ مِنْهُمْ فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِ شَهَادَتِهِمْ.
الثَّانِي: فِيمَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ اعْتِمَادُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ فِي شَهَادَتِهِمْ.
الثَّالِثُ: فِي أَقْضِيَةِ حُكَّامِهِمْ وَالشَّهَادَةِ عَلَى خُطُوطِهِمْ.
стр. 490
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ غَيْرُ جَائِزَةٍ، وَلَا يُعْتَبَرُ مِنْهُمْ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَلَا عَلَيْهِمْ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِانْتِفَاءِ الْعَدَالَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ، هَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عِصْمَةَ الأستري وَهُوَ بَيِّنٌ وَفِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْعُو إلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَسَوَاءٌ كَانَ مُرْتَكِبًا لِلْبِدْعَةِ مُتَعَمِّدًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُتَأَوِّلًا.
فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ فِي الْقَاضِي يَبْلُغُهُ عَنْ الرَّجُلِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِي دِينِهِ مِثْلَ الْإِبَاضِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنَّهُ إذَا تَوَاطَأَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، نَرَى أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ مِنْهُ تَوْبَةٌ وَتَوَرُّعٌ بَيِّنٌ ظَاهِرٌ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ لِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ عُرِفَ بِالْبِدْعَةِ، وَمَنْ كَانَ خَلَعَ الطَّاعَةَ وَمَنْ رَجَعَ وَثَبَتَ عَلَى بِدْعَتِهِ، وَمَنْ تُسَمَّى بِذَلِكَ مُسْتَهِلًّا وَدَعَا إلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ وَعَادَى عَلَيْهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَكَذَا مَنْ سُمِّيَ بِذَلِكَ وُوسِمَ بِهِ وَاسْتَوْطَأَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ مُبْتَدِعًا كَانَ أَوْ خَارِجِيًّا، قَالَ وَأَمَّا غَيْرُ الْمَعْرُوفِ بِذَلِكَ وَإِنْ لُطِّخَ بِمَا لَمْ يُؤْتَ عَلَيْهِ بِالْأَمْرِ الْمُصَرِّحِ الْبَيِّنِ، فَأَجْرِهِ مَجْرَى غَيْرِهِ يُجِيزُهُ مَا يُجِيزُ الْعُدُولَ مِنْ التَّسْمِيَةِ بِالْعَدَالَةِ، وَيَرُدُّهُ مَا يَرُدُّ الشُّهُودَ وَيُوهِنُ شَهَادَتَهُمْ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ لَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ وَلَا سَخَاطَتُهُ، هَلْ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الْعَدَالَةِ حَتَّى تَثْبُتَ عَدَالَتُهُ أَوْ حَتَّى يَثْبُتَ فِسْقُهُ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ حَتَّى تَثْبُتَ عَدَالَتُهُ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْحَسَنُ إلَى أَنَّهُ مَقْبُولٌ حَتَّى يُعْرَفَ فِسْقُهُ. قَالَ: وَمُجَرَّدُ الْإِسْلَامِ يَقْتَضِي الْعَدَالَةَ، وَكَذَا نَقَلَهُ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى.
وَأَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي شَهَادَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْوَجِيزِ وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُبْتَدِعَةِ إذْ الصَّحِيحُ أَنَّهُمْ لَا يُكَفَّرُونَ وَلَا تُقْبَلُ
стр. 491
شَهَادَةُ مَنْ يَطْعَنُ فِي الصَّحَابَةِ وَيَقْذِفُ فِي عَائِشَةَ لِأَنَّهَا مُحْصَنَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ، وَهُمْ مِنْ غُلَاةِ الرَّافِضَةِ يَعْتَقِدُونَ الشَّهَادَةَ لِأَهْلِ شِيعَتِهِمْ وَاجِبَةً، فَلِذَلِكَ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ فِيهِمْ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَإِنَّمَا أَوْقَعَهُمْ فِي تِلْكَ الْبِدْعَةِ تَدَيُّنُهُمْ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فَقَالَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِي بَعْضِ تَأْلِيفِهِ: وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الْفَاسِقُ بِاعْتِقَادِهِ الْمُتَحَفِّظُ فِي دِينِهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مَحْكُومًا بِفِسْقِهِ كَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الَّذِينَ لَا نُكَفِّرُهُمْ كَالرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ فَإِنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِالشَّهَادَةِ بِالْكَذِبِ لِمُوَافِقِيهِمْ عَلَى مُخَالِفِيهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ هَؤُلَاءِ وَرِوَايَتِهِمْ، قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: وَإِنَّمَا مَنَعَ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَمْثَالِهِ قَبُولَ رِوَايَةِ الدَّاعِي إلَى بِدْعَتِهِ الْمُعْلِنِ بِهَا، وَقَبُولَ شَهَادَتِهِ وَالصَّلَاةَ خَلْفِهِ هَجْرًا لَهُ وَزَجْرًا لِيَنْكَفَّ ضَرَرُ بِدْعَتِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَاسْتِقْضَائِهِ وَتَنْفِيذِ أَحْكَامِهِ، رِضًا بِبِدْعَتِهِ وَإِقْرَارًا لَهُ عَلَيْهَا وَتَعْرِيضًا لِقَبُولِهَا مِنْهُ.
قَالَ حِزْبٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: قَالَ أَحْمَدُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَدَرِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَكُلُّ مَنْ دَعَا إلَى بِدْعَتِهِ.
وَقَالَ أَيْضًا أَعْنِي أَحْمَدَ لَا يُعْجِبُنِي شَهَادَةُ الْجَهْمِيَّةِ الرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ الْمُعْلِنَةِ.
وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ خَافَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ مِثْلَ الرَّوَافِضِ وَالْجَهْمِيَّةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ.
قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مَنْ كَفَرَ بِمَذْهَبِهِ كَمَنْ يُنْكِرُ حُدُوثَ الْعَالَمِ وَحَشْرَ الْأَجْسَادِ، وَعِلْمَ الرَّبِّ تَعَالَى بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَأَنَّهُ فَاعِلٌ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ الْمُوَافِقُونَ عَلَى أَصْلِ الْإِسْلَامِ وَلَكِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ، كَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَغُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَهُمْ عَلَى أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ الْجَاهِلُ الْمُقَلِّدُ الَّذِي لَا بَصِيرَةَ لَهُ، فَهَذَا لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ
стр. 492
وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى تَعَلُّمِ الْهُدَى، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
الثَّانِي يُمْكِنُهُ السُّؤَالُ وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ، وَلَكِنْ يَتْرُكُهُ اشْتِغَالًا بِدُنْيَاهُ وَرِيَاسَتِهِ وَمَعِيشَتِهِ، فَهَذَا مُفَرِّطٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ آثِمٌ بِتَرْكِهِ لَهُ، مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِنْ تَارِكِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ، فَإِنْ غَلَبَ مَا فِيهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْهَوَى عَلَى مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْهُدَى رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ غَلَبَ مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْهُدَى قُبِلَتْ.
الثَّالِثُ الَّذِي يَسْأَلُ وَيَتَطَلَّبُ وَيَتَبَيَّنُ لَهُ الْهُدَى، وَيَتْرُكُهُ تَقْلِيدًا أَوْ تَعَصُّبًا أَوْ بُغْضًا أَوْ مُعَادَاةً لِأَصْحَابِهِ فَهَذَا أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا وَتَكْفِيرُهُ مَحِلُّ اجْتِهَادٍ، فَإِنْ كَانَ مُعْلِنًا دَاعِيًا لِبِدْعَتِهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَفَتَاوِيهِ وَأَحْكَامُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةٌ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، كَحَالِ غَلَبَتِهِمْ وَاسْتِيلَائِهِمْ وَكَوْنِ الْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ مِنْهُمْ، فَفِي رَدِّ شَهَادَتِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ إذْ ذَاكَ فَسَادٌ كَبِيرٌ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَتُقْبَلُ لِلضَّرُورَةِ قَالَ: وَإِذَا كَانَ النَّاسُ فُسَّاقًا إلَّا الْقَلِيلَ النَّادِرَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ مِنْ الْفُسَّاقِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَإِنْ أَنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِأَلْسِنَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى صِحَّةِ وِلَايَةِ الْفَاسِقِ وَنُفُوذِ أَحْكَامِهِ وَإِنْ أَنْكَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَكَذَا الْعَمَلُ عَلَى صِحَّةِ كَوْنِ الْفَاسِقِ وَالِيًا فِي النِّكَاحِ وَوَصِيًّا فِي الْمَالِ، وَهَذَا نَحْوُ مَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ قَبْلَ هَذَا قَالَ: وَإِذَا غَابَ الظَّنُّ عَلَى صِدْقِ الْفَاسِقِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَحُكِمَ بِهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّ خَبَرِ الْفَاسِقِ فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ مُطْلَقًا، بَلْ يَثْبُتُ فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ، فَيُعْمَلُ عَلَى مَا يَتَبَيَّنُ وَفِسْقُهُ عَلَيْهِ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ لِرَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ مَأْخَذَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الْوُثُوقِ بِهِ وَأَنَّهُ تَحْمِلُهُ قِلَّةُ مُبَالَاتِهِ بِدِينِهِ وَنُقْصَانُ وَقَارِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ.
الثَّانِي: هَجْرُهُ عَلَى إعْلَانِهِ بِفِسْقِهِ وَمُجَاهَرَتِهِ بِهِ، فَقَبُولُ شَهَادَتِهِ فِيهِ إبْطَالٌ لِهَذَا الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، قَالَ: فَإِذَا عُلِمَ صِدْقُ لَهْجَتِهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ وَأَنَّ فِسْقَهُ بِغَيْرِ الْكَذِبِ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ، وَقَدْ اسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَادِيًا يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا وَثِقَ بِقَوْلِهِ أَمَّنَهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ رَاحِلَتَهُ وَقَبِلَ دَلَالَتَهُ، وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ: إذَا شَهِدَ الْفَاسِقُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ فِي الْقَضِيَّةِ، وَقَدْ يُحْتَجُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 493
/ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: شَهَادَةُ الشُّهُودِ غَيْرِ الْعُدُولِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ، تُوجِبُ تَوْقِيفَهُ عِنْدَ أَصْبَغَ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ، قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَدَارَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَرَدِّهَا عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّ الصِّدْقِ وَعَدَمِهِ، قَالَ: وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ الْعَدَالَةَ تَتَبَعَّضُ فَيَكُونُ الرَّجُلُ عَدْلًا فِي شَيْءٍ فَاسِقًا فِي شَيْءٍ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ فِيمَا شَهِدَ بِهِ قَبِلَ شَهَادَتَهُ وَلَمْ يَضُرَّهُ فِسْقُهُ فِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا خِلَافُ هَذَا، فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَالْقَاضِي يَعْلَمُ أَنَّهُ شَهِدَ بِحَقٍّ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُجِيزَ الشَّهَادَةَ وَلَا يَحْكُمُ بِهَا.
[الْفَصْلُ الثَّانِي مَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ اعْتِمَادُهُ فِي أَمْر الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ]
الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ اعْتِمَادُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ فِي أَمْرِهِمْ اعْلَمْ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِ شَهَادَتِهِمْ إنَّمَا حَيْثُ يَكُونُونَ مَقْهُورِينَ، وَكَلِمَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ تَنْفُذُ فِي شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ نُفُوذًا تَامًّا فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، لَا يُتَّقَى فِي ذَلِكَ دَرَكٌ وَلَا يَخْشَى فِيهِ عَاقِبَةً، فَأَمَّا هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَقَهْرُهُمْ نَاشِئٌ عَنْ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ لِلتَّقِيَّةِ فَهُمْ بِهِ مَقْهُورُونَ لَا بِالْقُضَاةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ بِهَا إلَّا شُهُودٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَا لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِتَابَتِهِمْ، وَرُبَّمَا ثَارَتْ الْفِتْنَةُ فِي الْحَرَمِ النَّبَوِيِّ مِرَارًا مِنْ الْأَشْرَافِ بِسَبَبِ الْقِيَامِ عَلَيْهِمْ فِي إنْكَارِ بَعْضِ بِدْعَتِهِمْ، فَمَا يُخْمِدُهَا إلَّا احْتِرَامُ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ وَخَشْيَةُ الْعَاقِبَةِ مِنْهُ لِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ إعْلَاءِ السُّنَّةِ وَقَمْعِ الْبِدْعَةِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا يَتَنَاوَلُ هَؤُلَاءِ مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ، فَفِي التَّهْذِيبِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ يُسْتَنَابُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِثْلُ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: قَوْلُهُ وَيُسْتَتَابُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَقْهُورُونَ، قَالَ الْبَاجِيُّ أَبُو الْوَلِيدِ هَذَا حُكْمُهُمْ إذَا كَانُوا بِدَارِهِمْ وَدَعَوْا إلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا تَعَرُّضَ لَهُمْ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَقَالَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ سَوَاءٌ كَانُوا بِدَارِهِمْ وَدَعَوْا إلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ أَمْ لَا وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَقْهُورِينَ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، كَانَ لَهُمْ حُكْمٌ آخَرُ، لِأَنَّ عَدَمَ التَّمَكُّنِ يَسْتَلْزِمُ التَّقِيَّةَ، فَحَيْثُ تَحْصُلُ التَّقِيَّةُ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ،
стр. 494
فَيَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَمَّا يُؤَدِّي تَعَاطِيهِ إلَى فِتْنَةٍ وَوُقُوعِ شَرٍّ لَا يُؤْمَنُ عَاقِبَتُهُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ أَنْ يَجْتَنِبَ سَمَاعَ الدَّعْوَى فِي حُكُومَاتِهِمْ الَّتِي يُقْضَى فِيهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمَالِكِيَّةِ كَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَابْنِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، لَا يُجِيزُونَ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَعَ اتِّصَافِ الشَّاهِدِ بِالْعَدَالَةِ، فَالْمَنْعُ مَعَ الِاتِّصَافِ بِالْفِسْقِ أَحْرَى.
وَقَالَهُ ابْنُ سَهْلٍ، وَمَنْ صَحَّ نَظَرُهُ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ الْيَوْمَ وَالْمَعْرِفَةِ بِاخْتِلَافِ الشَّهَادَاتِ، لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِالْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إلَّا مَعَ شَاهِدٍ مُبْرَزٍ فِي الْعَدَالَةِ وَالنَّبَاهَةِ.
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قُضَاةُ بَلَدِنَا مُنْذُ دَخَلَتْهُ الْعَرَبُ: أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ وَلَا يَقْضُونَ بِهِ، وَإِنِّي لَمُتَوَقِّفٌ عَنْ الِاخْتِيَارِ فِي هَذَا لِمَا ظَهَرَ مِنْ فَسَادِ النَّاسِ وَقِلَّةِ الْمُرَاعَاةِ فِي الشَّهَادَاتِ، وَيُحْكَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إلَّا حُكْمًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ حَسْبَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ أَوَّلَ الْبَابِ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَلِكَ الدَّعْوَى فِي تَرِكَةِ مَيِّتٍ وَوَارِثُهُ صَغِيرٌ، أَوْ دَعْوَى عَلَى غَائِبٍ يُبَاعُ لِأَجْلِهَا مَالُهُ وَعَقَارُهُ، وَيُسْتَحَقُّ مِلْكُهُ أَوْ إثْبَاتِ وَصِيَّةِ مَيِّتٍ أَوْ وَكَالَةٍ عَنْ غَائِبٍ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ وَمَا أَشْبَهَهَا تَكْثِيرُ التُّهْمَةِ فِيهَا مَعَ كَثْرَةِ تَسَاهُلِهِمْ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ حَكَيْنَا عَنْ الْقَاضِي ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ حَلَّفَ شُهُودَ تَرِكَةٍ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْحُكْمِ بِالسِّيَاسَةِ، وَكَذَلِكَ شُهُودُ التَّزْكِيَةِ وَالتَّجْرِيحِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ شُهُودَهُمَا لَيْسُوا كَسَائِرِ الشُّهُودِ فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ عَلَى الْخَطِّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ السَّبْعُ الْمَسَائِلُ الَّتِي اُشْتُرِطَ فِيهَا التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ، وَأَمَّا الْحُكُومَاتُ الَّتِي يُمْكِنُ فَصْلُهَا بِالْإِقْرَارِ مِنْ الْمُدَّعِي أَوْ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِعْذَارِ إلَيْهِ أَوْ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِالْحُكْمِ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ الدُّخُولُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ انْفِرَادِهِ بِالْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ، وَقَدْ يَعْرِضُ هَذَا فِي زَمَنِ الْحَجِّ عِنْدَ سَفَرِ الْحُكَّامِ لِلْحَجِّ وَالْحُكُومَاتُ الَّتِي تُرْفَعُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: مَا يُقْصَدُ فِيهِ إنْشَاءُ حُكْمٍ مِثْلُ عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، وَتَقْدِيرُ النَّفَقَاتِ وَإِثْبَاتُ عُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَالرُّهُونِ وَالْوَكَالَاتِ وَالْأَحْبَاسِ، وَالشَّهَادَةِ
стр. 495
عَلَى الشَّهَادَةِ مِنْ ذِي عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ فِي ذَلِكَ مِنْ شُهُودِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يَرْضَاهُ فِيمَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ فَيُشْهِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَنْ يَرْضَاهُ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى شُهُودِهِمْ.
الثَّانِي: مَا يُرْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ مِمَّا يَقَعُ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَحْضُرُهُ غَيْرُهُمْ وَلَا يَشْهَدُ فِيهِ سِوَاهُمْ، مِثْلُ الْإِقْرَارَاتِ وَالْقَذْفِ وَالشَّتْمِ وَالْجِرَاحِ وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْأَيْمَانِ عَلَيْهِ وَالتَّعْلِيقَاتِ فِيهِ، وَالْعِتْقِ وَأَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ انْفِرَادِهِمْ فِي سُكْنَى مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ، كَذَلِكَ سُكَّانُ ضَوَاحِيهَا وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ مَسَائِلُ الْمَذْهَبِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ، أَنَّ سَمَاعَ شَهَادَتِهِمْ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ جَائِزَةٌ لِلضَّرُورَةِ، وَإِلَّا كَانَتْ تُهْدَرُ الدِّمَاءُ وَتَتَعَطَّلُ الْحُدُودُ وَتَضِيعُ الْحُقُوقُ، وَقَدْ أَجَازُوا شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْجِرَاحِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ مِثْلَ الْعُرْسِ وَالْمَأْتَمِ وَالْحَمَّامِ وَالْقَتْلِ أَيْضًا عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَأَجَازُوا شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمْ صِيَانَةً لِلدِّمَاءِ، وَأَجَازُوا إشْهَادَ الرُّفْقَةِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْمُعَامَلَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الشَّهَادَةِ بِالتَّوَسُّمِ، وَأَجَازُوا تَعْرِيفَ غَيْرِ الْعَدْلِ بِالْمَرْأَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ، وَأَجَازُوا تَرْجَمَةَ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ وَالْمَسُوطِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُدُولِ، وَأَجَازُوا قَوْلَ الطَّبِيبِ النَّصْرَانِيِّ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ فِي مَقَادِيرِ الشِّجَاجِ وَالْجِرَاحِ وَتَسْمِيَتِهَا، وَفِي ذَلِكَ شَهَادَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ الْجَارِحِ، أَنَّ الْجُرْحَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُنَقِّلَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْعُيُوبِ، وَأَجَازُوا قَوْلَ الْمَرْأَةِ فِي قِيَاسِ الْجِرَاحِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَأَجَازُوا شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الْقَتْلِ، وَجَعَلُوهُ لَوْثًا يُقْسِمُ مَعَهُ الْأَوْلِيَاءُ وَفِي الْمَذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ عُدُولٌ قُبِلَ مِنْهُمْ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ لِلضَّرُورَةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا قَالَهُ، ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قَبْلَ هَذَا فِيمَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ، أَنَّهُ إذَا لَمْ نَجِدْ فِي جِهَةٍ إلَّا غَيْرَ الْعُدُولِ أَقَمْنَا أَصْلَحَهُمْ وَأَقَلَّهُمْ فُجُورًا لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ.
وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالُوا قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَإِذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ، فَهَلْ يُكْتَفَى مِنْهُمْ بِالنِّصَابِ الْمَحْدُودِ فِي الشَّهَادَاتِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْكَثْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ؟ هَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَيَحْسُنُ
следующие страницы →