Полный текст (849 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
شَهَادَةُ مَنْ يَطْعَنُ فِي الصَّحَابَةِ وَيَقْذِفُ فِي عَائِشَةَ لِأَنَّهَا مُحْصَنَةٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَتَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ، وَهُمْ مِنْ غُلَاةِ الرَّافِضَةِ يَعْتَقِدُونَ الشَّهَادَةَ لِأَهْلِ شِيعَتِهِمْ وَاجِبَةً، فَلِذَلِكَ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ فِيهِمْ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ فَإِنَّمَا أَوْقَعَهُمْ فِي تِلْكَ الْبِدْعَةِ تَدَيُّنُهُمْ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ فَقَالَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِي بَعْضِ تَأْلِيفِهِ: وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الْفَاسِقُ بِاعْتِقَادِهِ الْمُتَحَفِّظُ فِي دِينِهِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مَحْكُومًا بِفِسْقِهِ كَأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ الَّذِينَ لَا نُكَفِّرُهُمْ كَالرَّافِضَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا الْخَطَّابِيَّةَ فَإِنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ بِالشَّهَادَةِ بِالْكَذِبِ لِمُوَافِقِيهِمْ عَلَى مُخَالِفِيهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ هَؤُلَاءِ وَرِوَايَتِهِمْ، قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: وَإِنَّمَا مَنَعَ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَمْثَالِهِ قَبُولَ رِوَايَةِ الدَّاعِي إلَى بِدْعَتِهِ الْمُعْلِنِ بِهَا، وَقَبُولَ شَهَادَتِهِ وَالصَّلَاةَ خَلْفِهِ هَجْرًا لَهُ وَزَجْرًا لِيَنْكَفَّ ضَرَرُ بِدْعَتِهِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ وَالصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَاسْتِقْضَائِهِ وَتَنْفِيذِ أَحْكَامِهِ، رِضًا بِبِدْعَتِهِ وَإِقْرَارًا لَهُ عَلَيْهَا وَتَعْرِيضًا لِقَبُولِهَا مِنْهُ.
قَالَ حِزْبٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ: قَالَ أَحْمَدُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَدَرِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَكُلُّ مَنْ دَعَا إلَى بِدْعَتِهِ.
وَقَالَ أَيْضًا أَعْنِي أَحْمَدَ لَا يُعْجِبُنِي شَهَادَةُ الْجَهْمِيَّةِ الرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ الْمُعْلِنَةِ.
وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ خَافَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ مِثْلَ الرَّوَافِضِ وَالْجَهْمِيَّةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ.
قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ مَنْ كَفَرَ بِمَذْهَبِهِ كَمَنْ يُنْكِرُ حُدُوثَ الْعَالَمِ وَحَشْرَ الْأَجْسَادِ، وَعِلْمَ الرَّبِّ تَعَالَى بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَأَنَّهُ فَاعِلٌ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَهَذَا لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ الْمُوَافِقُونَ عَلَى أَصْلِ الْإِسْلَامِ وَلَكِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ، كَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَغُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَهُمْ عَلَى أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ الْجَاهِلُ الْمُقَلِّدُ الَّذِي لَا بَصِيرَةَ لَهُ، فَهَذَا لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ
стр. 492
وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ، إذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى تَعَلُّمِ الْهُدَى، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
الثَّانِي يُمْكِنُهُ السُّؤَالُ وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ وَمَعْرِفَةُ الْحَقِّ، وَلَكِنْ يَتْرُكُهُ اشْتِغَالًا بِدُنْيَاهُ وَرِيَاسَتِهِ وَمَعِيشَتِهِ، فَهَذَا مُفَرِّطٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ آثِمٌ بِتَرْكِهِ لَهُ، مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِنْ تَارِكِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ، فَإِنْ غَلَبَ مَا فِيهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْهَوَى عَلَى مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْهُدَى رُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ غَلَبَ مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْهُدَى قُبِلَتْ.
الثَّالِثُ الَّذِي يَسْأَلُ وَيَتَطَلَّبُ وَيَتَبَيَّنُ لَهُ الْهُدَى، وَيَتْرُكُهُ تَقْلِيدًا أَوْ تَعَصُّبًا أَوْ بُغْضًا أَوْ مُعَادَاةً لِأَصْحَابِهِ فَهَذَا أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا وَتَكْفِيرُهُ مَحِلُّ اجْتِهَادٍ، فَإِنْ كَانَ مُعْلِنًا دَاعِيًا لِبِدْعَتِهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَفَتَاوِيهِ وَأَحْكَامُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَةٌ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، كَحَالِ غَلَبَتِهِمْ وَاسْتِيلَائِهِمْ وَكَوْنِ الْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ مِنْهُمْ، فَفِي رَدِّ شَهَادَتِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ إذْ ذَاكَ فَسَادٌ كَبِيرٌ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فَتُقْبَلُ لِلضَّرُورَةِ قَالَ: وَإِذَا كَانَ النَّاسُ فُسَّاقًا إلَّا الْقَلِيلَ النَّادِرَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيُحْكَمُ بِشَهَادَةِ الْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ مِنْ الْفُسَّاقِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ وَإِنْ أَنْكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِأَلْسِنَتِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى صِحَّةِ وِلَايَةِ الْفَاسِقِ وَنُفُوذِ أَحْكَامِهِ وَإِنْ أَنْكَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَكَذَا الْعَمَلُ عَلَى صِحَّةِ كَوْنِ الْفَاسِقِ وَالِيًا فِي النِّكَاحِ وَوَصِيًّا فِي الْمَالِ، وَهَذَا نَحْوُ مَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ قَبْلَ هَذَا قَالَ: وَإِذَا غَابَ الظَّنُّ عَلَى صِدْقِ الْفَاسِقِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَحُكِمَ بِهَا، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّ خَبَرِ الْفَاسِقِ فَلَا يَجُوزُ رَدُّهُ مُطْلَقًا، بَلْ يَثْبُتُ فِيهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ، فَيُعْمَلُ عَلَى مَا يَتَبَيَّنُ وَفِسْقُهُ عَلَيْهِ قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّ لِرَدِّ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ مَأْخَذَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: عَدَمُ الْوُثُوقِ بِهِ وَأَنَّهُ تَحْمِلُهُ قِلَّةُ مُبَالَاتِهِ بِدِينِهِ وَنُقْصَانُ وَقَارِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ.
الثَّانِي: هَجْرُهُ عَلَى إعْلَانِهِ بِفِسْقِهِ وَمُجَاهَرَتِهِ بِهِ، فَقَبُولُ شَهَادَتِهِ فِيهِ إبْطَالٌ لِهَذَا الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا، قَالَ: فَإِذَا عُلِمَ صِدْقُ لَهْجَتِهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَصْدَقِ النَّاسِ وَأَنَّ فِسْقَهُ بِغَيْرِ الْكَذِبِ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ، وَقَدْ اسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَادِيًا يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا وَثِقَ بِقَوْلِهِ أَمَّنَهُ وَدَفَعَ إلَيْهِ رَاحِلَتَهُ وَقَبِلَ دَلَالَتَهُ، وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَالِكِيَّةِ: إذَا شَهِدَ الْفَاسِقُ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ فِي الْقَضِيَّةِ، وَقَدْ يُحْتَجُّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
стр. 493
/ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: شَهَادَةُ الشُّهُودِ غَيْرِ الْعُدُولِ فِي اسْتِحْقَاقِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ، تُوجِبُ تَوْقِيفَهُ عِنْدَ أَصْبَغَ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ، قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَدَارَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَرَدِّهَا عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّ الصِّدْقِ وَعَدَمِهِ، قَالَ: وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ الْعَدَالَةَ تَتَبَعَّضُ فَيَكُونُ الرَّجُلُ عَدْلًا فِي شَيْءٍ فَاسِقًا فِي شَيْءٍ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ فِيمَا شَهِدَ بِهِ قَبِلَ شَهَادَتَهُ وَلَمْ يَضُرَّهُ فِسْقُهُ فِي غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا خِلَافُ هَذَا، فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: إذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي مَنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ وَالْقَاضِي يَعْلَمُ أَنَّهُ شَهِدَ بِحَقٍّ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُجِيزَ الشَّهَادَةَ وَلَا يَحْكُمُ بِهَا.
[الْفَصْلُ الثَّانِي مَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ اعْتِمَادُهُ فِي أَمْر الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ]
الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ اعْتِمَادُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ فِي أَمْرِهِمْ اعْلَمْ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حُكْمِ شَهَادَتِهِمْ إنَّمَا حَيْثُ يَكُونُونَ مَقْهُورِينَ، وَكَلِمَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ تَنْفُذُ فِي شَرِيفِهِمْ وَوَضِيعِهِمْ نُفُوذًا تَامًّا فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، لَا يُتَّقَى فِي ذَلِكَ دَرَكٌ وَلَا يَخْشَى فِيهِ عَاقِبَةً، فَأَمَّا هَذِهِ الطَّائِفَةُ فَقَهْرُهُمْ نَاشِئٌ عَنْ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ لِلتَّقِيَّةِ فَهُمْ بِهِ مَقْهُورُونَ لَا بِالْقُضَاةِ، وَلِذَلِكَ لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَ بِهَا إلَّا شُهُودٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَا لَهُمْ قُدْرَةٌ عَلَى اسْتِتَابَتِهِمْ، وَرُبَّمَا ثَارَتْ الْفِتْنَةُ فِي الْحَرَمِ النَّبَوِيِّ مِرَارًا مِنْ الْأَشْرَافِ بِسَبَبِ الْقِيَامِ عَلَيْهِمْ فِي إنْكَارِ بَعْضِ بِدْعَتِهِمْ، فَمَا يُخْمِدُهَا إلَّا احْتِرَامُ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ وَخَشْيَةُ الْعَاقِبَةِ مِنْهُ لِمَا الْتَزَمَهُ مِنْ إعْلَاءِ السُّنَّةِ وَقَمْعِ الْبِدْعَةِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَلَا يَتَنَاوَلُ هَؤُلَاءِ مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ، فَفِي التَّهْذِيبِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْجِهَادِ يُسْتَنَابُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِثْلُ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الصَّغِيرُ: قَوْلُهُ وَيُسْتَتَابُ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَقْهُورُونَ، قَالَ الْبَاجِيُّ أَبُو الْوَلِيدِ هَذَا حُكْمُهُمْ إذَا كَانُوا بِدَارِهِمْ وَدَعَوْا إلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا تَعَرُّضَ لَهُمْ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَقَالَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ سَوَاءٌ كَانُوا بِدَارِهِمْ وَدَعَوْا إلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ أَمْ لَا وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ مَقْهُورِينَ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، كَانَ لَهُمْ حُكْمٌ آخَرُ، لِأَنَّ عَدَمَ التَّمَكُّنِ يَسْتَلْزِمُ التَّقِيَّةَ، فَحَيْثُ تَحْصُلُ التَّقِيَّةُ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ،
стр. 494
فَيَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَمَّا يُؤَدِّي تَعَاطِيهِ إلَى فِتْنَةٍ وَوُقُوعِ شَرٍّ لَا يُؤْمَنُ عَاقِبَتُهُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ أَنْ يَجْتَنِبَ سَمَاعَ الدَّعْوَى فِي حُكُومَاتِهِمْ الَّتِي يُقْضَى فِيهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمَالِكِيَّةِ كَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى اللَّيْثِيِّ وَابْنِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ، لَا يُجِيزُونَ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مَعَ اتِّصَافِ الشَّاهِدِ بِالْعَدَالَةِ، فَالْمَنْعُ مَعَ الِاتِّصَافِ بِالْفِسْقِ أَحْرَى.
وَقَالَهُ ابْنُ سَهْلٍ، وَمَنْ صَحَّ نَظَرُهُ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ الْيَوْمَ وَالْمَعْرِفَةِ بِاخْتِلَافِ الشَّهَادَاتِ، لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِالْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إلَّا مَعَ شَاهِدٍ مُبْرَزٍ فِي الْعَدَالَةِ وَالنَّبَاهَةِ.
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ قُضَاةُ بَلَدِنَا مُنْذُ دَخَلَتْهُ الْعَرَبُ: أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ وَلَا يَقْضُونَ بِهِ، وَإِنِّي لَمُتَوَقِّفٌ عَنْ الِاخْتِيَارِ فِي هَذَا لِمَا ظَهَرَ مِنْ فَسَادِ النَّاسِ وَقِلَّةِ الْمُرَاعَاةِ فِي الشَّهَادَاتِ، وَيُحْكَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ أَنَّهُ لَمْ يَحْكُمْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إلَّا حُكْمًا وَاحِدًا، وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ حَسْبَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ أَوَّلَ الْبَابِ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ بِاتِّفَاقٍ، وَكَذَلِكَ الدَّعْوَى فِي تَرِكَةِ مَيِّتٍ وَوَارِثُهُ صَغِيرٌ، أَوْ دَعْوَى عَلَى غَائِبٍ يُبَاعُ لِأَجْلِهَا مَالُهُ وَعَقَارُهُ، وَيُسْتَحَقُّ مِلْكُهُ أَوْ إثْبَاتِ وَصِيَّةِ مَيِّتٍ أَوْ وَكَالَةٍ عَنْ غَائِبٍ، فَإِنَّ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ وَمَا أَشْبَهَهَا تَكْثِيرُ التُّهْمَةِ فِيهَا مَعَ كَثْرَةِ تَسَاهُلِهِمْ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ حَكَيْنَا عَنْ الْقَاضِي ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ حَلَّفَ شُهُودَ تَرِكَةٍ وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْحُكْمِ بِالسِّيَاسَةِ، وَكَذَلِكَ شُهُودُ التَّزْكِيَةِ وَالتَّجْرِيحِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ شُهُودَهُمَا لَيْسُوا كَسَائِرِ الشُّهُودِ فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الْخَطِّ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّاهِدِ عَلَى الْخَطِّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ السَّبْعُ الْمَسَائِلُ الَّتِي اُشْتُرِطَ فِيهَا التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْفَصْلِ السَّادِسِ فِي صِفَاتِ الشَّاهِدِ، وَأَمَّا الْحُكُومَاتُ الَّتِي يُمْكِنُ فَصْلُهَا بِالْإِقْرَارِ مِنْ الْمُدَّعِي أَوْ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِعْذَارِ إلَيْهِ أَوْ بِطَرِيقِ الصُّلْحِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِالْحُكْمِ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْحَاكِمِ الْمَالِكِيِّ الدُّخُولُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ انْفِرَادِهِ بِالْحُكْمِ فِي الْبَلَدِ، وَقَدْ يَعْرِضُ هَذَا فِي زَمَنِ الْحَجِّ عِنْدَ سَفَرِ الْحُكَّامِ لِلْحَجِّ وَالْحُكُومَاتُ الَّتِي تُرْفَعُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ عَلَى وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: مَا يُقْصَدُ فِيهِ إنْشَاءُ حُكْمٍ مِثْلُ عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ، وَتَقْدِيرُ النَّفَقَاتِ وَإِثْبَاتُ عُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَالرُّهُونِ وَالْوَكَالَاتِ وَالْأَحْبَاسِ، وَالشَّهَادَةِ
стр. 495
عَلَى الشَّهَادَةِ مِنْ ذِي عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ فِي ذَلِكَ مِنْ شُهُودِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يَرْضَاهُ فِيمَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ فَيُشْهِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا مَنْ يَرْضَاهُ، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى شُهُودِهِمْ.
الثَّانِي: مَا يُرْفَعُ إلَيْهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ مِمَّا يَقَعُ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَحْضُرُهُ غَيْرُهُمْ وَلَا يَشْهَدُ فِيهِ سِوَاهُمْ، مِثْلُ الْإِقْرَارَاتِ وَالْقَذْفِ وَالشَّتْمِ وَالْجِرَاحِ وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْأَيْمَانِ عَلَيْهِ وَالتَّعْلِيقَاتِ فِيهِ، وَالْعِتْقِ وَأَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ انْفِرَادِهِمْ فِي سُكْنَى مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ، كَذَلِكَ سُكَّانُ ضَوَاحِيهَا وَاَلَّذِي تَقْتَضِيهِ مَسَائِلُ الْمَذْهَبِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ، أَنَّ سَمَاعَ شَهَادَتِهِمْ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ جَائِزَةٌ لِلضَّرُورَةِ، وَإِلَّا كَانَتْ تُهْدَرُ الدِّمَاءُ وَتَتَعَطَّلُ الْحُدُودُ وَتَضِيعُ الْحُقُوقُ، وَقَدْ أَجَازُوا شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْجِرَاحِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَهُمْ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَحْضُرُهَا الرِّجَالُ مِثْلَ الْعُرْسِ وَالْمَأْتَمِ وَالْحَمَّامِ وَالْقَتْلِ أَيْضًا عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَأَجَازُوا شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمْ صِيَانَةً لِلدِّمَاءِ، وَأَجَازُوا إشْهَادَ الرُّفْقَةِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْمُعَامَلَاتِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الشَّهَادَةِ بِالتَّوَسُّمِ، وَأَجَازُوا تَعْرِيفَ غَيْرِ الْعَدْلِ بِالْمَرْأَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ، وَأَجَازُوا تَرْجَمَةَ الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ وَالْمَسُوطِ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْعُدُولِ، وَأَجَازُوا قَوْلَ الطَّبِيبِ النَّصْرَانِيِّ عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِ فِي مَقَادِيرِ الشِّجَاجِ وَالْجِرَاحِ وَتَسْمِيَتِهَا، وَفِي ذَلِكَ شَهَادَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِ الْجَارِحِ، أَنَّ الْجُرْحَ مُوضِحَةٌ أَوْ مُنَقِّلَةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْعُيُوبِ، وَأَجَازُوا قَوْلَ الْمَرْأَةِ فِي قِيَاسِ الْجِرَاحِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَأَجَازُوا شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الْقَتْلِ، وَجَعَلُوهُ لَوْثًا يُقْسِمُ مَعَهُ الْأَوْلِيَاءُ وَفِي الْمَذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَعْبَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ عُدُولٌ قُبِلَ مِنْهُمْ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ لِلضَّرُورَةِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا قَالَهُ، ابْنُ أَبِي زَيْدٍ قَبْلَ هَذَا فِيمَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ، أَنَّهُ إذَا لَمْ نَجِدْ فِي جِهَةٍ إلَّا غَيْرَ الْعُدُولِ أَقَمْنَا أَصْلَحَهُمْ وَأَقَلَّهُمْ فُجُورًا لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ.
وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالُوا قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، فَإِذَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ، فَهَلْ يُكْتَفَى مِنْهُمْ بِالنِّصَابِ الْمَحْدُودِ فِي الشَّهَادَاتِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ الْكَثْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ؟ هَذَا مَحَلُّ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، وَيَحْسُنُ
стр. 496
أَنْ يُقَالَ هُنَا مَا قَالَهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ: أَنَّهُ إذَا عَلِمَ أَنَّ الشَّاهِدَ مِنْ أَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً وَكَانَ فَاسِقًا بِغَيْرِ الْكَذِبِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَأَنَّ مَدَارَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَرَدِّهَا عَلَى غَلَبَةِ ظَنِّ الصِّدْقِ وَعَدَمِهِ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَقْضِيَةِ حُكَّامِ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ]
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَقْضِيَةِ حُكَّامِهِمْ وَالشَّهَادَةِ عَلَى خُطُوطِهِمْ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَالْقَاضِي الَّذِي لَا تُرْضَى أَحْوَالُهُ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَيُقَلِّدُ أَحْكَامَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ بِالْجَوْرِ فِي أَحْكَامِهِ، فَإِنَّ أَحْكَامَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِثْلُ أَحْكَامِ الْقَاضِي الْجَائِرِ فِي أَنَّهَا تُفْسَخُ كُلُّهَا وَلَا يَمْضِي مِنْهَا إلَّا مَا عَلِمَ صِحَّةَ بَاطِنِهِ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ وَأَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ أَقْضِيَةِ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ وَقُضَاةِ السُّوءِ مَا عَدَلُوا فِيهِ، وَيُنْقَضُ مِنْهَا مَا تَبَيَّنَ فِيهِ الْجَوْرُ وَاسْتُرِيبَ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ وَيُعْمَلُ فِيهِ بِالْكَشْفِ كَمَا يُصْنَعُ بِأَقْضِيَةِ الْجَاهِلِ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ الْقَاضِي بِالْجَوْرِ وَالْحَيْفِ فِي أَحْكَامِهِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا، فَتُرَدُّ أَحْكَامُهُ كُلُّهَا مَا عُرِفَ بِالْجَوْرِ فِيهَا وَالْجَهْلِ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنْ تَنْفَسِخَ كُلُّهَا وَلَا يَمْضِي مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَالرِّضَا وَهُوَ لَوْ شَهِدَ فِي دِرْهَمٍ وَاحِدٍ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ، فَكَيْفَ يَمْضِي قَوْلُهُ حَكَمْت لِهَذَا عَلَى هَذَا بِأَلْفِ دِينَارٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ قَالَ، وَأَمَّا أَحْكَامُ الْخَوَارِجِ الْإِبَاضِيَّةِ وَمَنْ يُشْبِهُهُمْ، فَلَا أَرَى لِمَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيزَهَا وَلَا يُنَفِّذَهَا، إلَّا إنْ ثَبَتَ أَصْلُ ذَلِكَ الْحَقِّ الَّذِي فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ عِنْدَهُ بِبَيِّنَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَيَحْكُمُ بِهِ وَيُنَفِّذُهُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ مَجْهُولًا قَدْ سَجَّلُوا بِهِ كُتُبًا وَذَكَرُوا فِيهَا شَهَادَةَ أَهْلِ الْعَدْلِ عِنْدَهُمْ، فَسَمَّوْا الشُّهُودَ أَوْ لَمْ يُسَمُّوهُمْ فَلَا أَرَاهَا جَائِزَةً وَأَرَاهَا مَفْسُوخَةً، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ كَذَلِكَ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ.
وَقَالَ لِي أَصْبَغُ هَكَذَا كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ فِي ذَلِكَ: إلَّا أَنِّي أَرَى سَبِيلَ أَقْضِيَتِهِمْ كَسَبِيلِ أَقْضِيَةِ قُضَاةِ السُّوءِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ أَحَبُّ إلَيَّ، وَهُوَ الَّذِي وَجَدْت عَلَيْهِ جَمَاعَةَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَهُ، ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَيْضًا فِيمَا حَكَمُوا بَيْنَهُمْ، وَفِيمَا خَلَفُوهُ مِنْ الْبَلَدِ مِنْ
стр. 497
أَثَرِ أَحْكَامِهِمْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وَمَا قَضَوْا بِهِ مِنْ الْأَقْضِيَةِ وَمَا خَلَفُوا مِنْ الْفَرَائِضِ عَنْ فَرَائِضِ الْجَمَاعَةِ، لَا أَرَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يَعْصِمُ الْمَحْكُومَ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَدَبَّرَ وَيَنْظُرَ فِي حَقِّهِ وَبَاطِلِهِ، سَوَاءٌ مَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ بِجَوْرٍ فِي بِدْعَتِهِ أَوْ اجْتِهَادٍ فِيهَا، فَيَكُونُ النَّاظِرُ فِيهَا كَالْمُبْتَدِئِ لِمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ، فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مُسْتَقِيمًا مَضَى، وَمَا كَانَ مِنْهُ جَوْرًا فَلَا يَمْضِي لَهُمْ، مَاتَ الشُّهُودُ أَوْ افْتَرَقُوا أَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ أَوْ كَانُوا عُدُولًا أَوْ مَجْرُوحِينَ.
تَنْبِيهٌ: اُنْظُرْ قَوْلَهُ إذَا وَرَدَتْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَقَوْلُهُ: فِيمَا خَلَفُوهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَكُونُ كَذَلِكَ إذَا كَانَ أُمَرَاؤُهُمْ مَقْهُورِينَ بِحُكَّامِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ نَقْضِ أَحْكَامِهِمْ، وَإِبْطَالِ مُكَاتَبَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَقِيَّةٍ وَلَا مُحَاذَرَةِ فِتْنَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ جَرَى الْحُكْمُ فِيهَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الشَّهَادَةِ، وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ حُكَّامِهِمْ بِالتَّسْجِيلِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا يَكْتُبُ الْقَاضِي فِي أَعْلَى الْمَكْتُوبِ ثَبَتَ مَضْمُونُهُ عِنْدِي بِشَهَادَةِ مَنْ أَعْلَمْت تَحْتَ رَسْمِ شَهَادَتِهِمْ وَكَتَبَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى خُطُوطِهِمْ وَإِحْيَاءِ الْمَكَاتِيبِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ، أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَمْضِي وَلَا تَجُوزُ إلَّا فِي إثْبَاتِ الْأَوْقَافِ، إذَا اُقْتُرِنَ بِذَلِكَ سَمَاعٌ فِي أَصْلِ الْحَبْسِ لِيَكُونَ تَقْوِيَةً لِلشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا تَنْفُذُ الشَّهَادَةُ فِيهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ تَمَامِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ عَلَى الْخَطِّ مِنْ أَهْلِ التَّبْرِيزِ فِي الْعَدَالَةِ وَالْفَطِنَةِ وَالنَّبَاهَةِ وَصِحَّةِ التَّمْيِيزِ، وَأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ كَانَ عَدْلًا إلَى أَنْ مَاتَ أَوْ غَابَ، وَأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَى خَطِّهِ كَانَ يَعْرِفُ مَنْ أَشْهَدَهُ، فَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُ مَا اسْتَطَاعَ، إلَّا أَنْ يَخْشَى فِتْنَةً لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى خُطُوطِهِمْ أَحْرَى وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ، إلَّا أَنْ يَرَى الْقَاضِي لِذَلِكَ وَجْهًا مِنْ إحْيَاءِ وَقْفٍ وَشَبَهِهِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
стр. 498
[فَصْلٌ فِيمَا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ وَالْقِيَامُ فِيهِ وَالِاهْتِمَامُ بِهِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِمْ]
الَّتِي إهْمَالُهَا يُجَدِّدُ مَا دَثَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَأُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ مَسْأَلَتَيْنِ فِيهِمَا بَيَانُ حُكْمِ مَا قَصَدْنَا فِي هَذَا الْفَصْلِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ الْحَاوِي لِابْنِ عَبْدِ النُّورِ مِمَّا سُئِلَ عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّيُورِيُّ ﵀ سُئِلَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْإِبَاضِيَّةِ تَمَسَّكُوا بِمَذْهَبِ الْوَهْبِيَّةِ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الرَّافِضَةِ بِالْمَغْرِبِ، وَسَكَنُوا بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ بِدْعَتَهُمْ، فَاسْتَوْلَى الْآنَ عَلَى الْبَلَدِ مَنْ أَخْمَلَ ذِكْرَهُمْ وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ، فَأَرَادَ الْآنَ هَدْمَ مَسْجِدٍ كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهِ، وَفَسْخَ أَنْكِحَتِهِمْ الْمُتَقَدِّمَةِ، لِأَنَّ الرَّجُلَ الْوَهْبِيَّ كَانَ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ الْمَالِكِيَّةَ لِتَقْوَى شَوْكَتُهُ بِمُصَاهَرَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَرَادَ هَذَا الْمُتَوَلِّي سَجْنَهُمْ وَضَرْبَهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا.
فَأَجَابَ: أَمَّا هَدْمُ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانُوا يُصَلُّونَ فِيهِ فَلَا، لَكِنْ يُخْلَى مِنْهُمْ وَيُعَمَّرُ بِأَهْلِ السُّنَّةِ وَيُمْنَعُ الْغُرَبَاءُ مِنْ الدُّخُولِ إلَيْهِمْ وَالتَّصَرُّفِ عِنْدَهُمْ، وَمَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَالنِّكَاحُ الَّذِي أَحْدَثُوا مِنْ نِسَائِنَا يُفْسَخُ، وَسَجْنُهُمْ وَضَرْبُهُمْ إنْ لَمْ يَتُوبُوا مِنْ الْأَمْرِ الْحَقِّ وَيُرَدُّونَ إلَى مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَمَنْ قَدْرَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فَيَلْزَمُهُ فِعْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ قُدْرَتُهُ ظَاهِرَةً، وَلَا يُتْرَكُونَ يُخَالِفُونَ النَّاسَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ عَنْ قَوْمٍ مِنْ الْإِبَاضِيَّةِ، انْتَحَلُوا مَذْهَبَ الْوَهْبِيَّةِ وَسَكَنُوا بَيْنَ ظَهْرِ الْمُسْلِمِينَ مُدَّةً مِنْ السِّنِينَ، فَلَمَّا كَانَ الْآنَ أَظْهَرُوا مَذْهَبَهُمْ وَأَعْلَنُوهُ وَبَنَوْا مَسْجِدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ بِخَلْقٍ مِنْ الْغَرَابِيَّةِ، يُظْهِرُونَ مَذْهَبَهُمْ فِي بَلْدَةٍ فِيهَا اُسْتُبِينَتْ السُّنَّةُ، فَصَارَ الْغُرَبَاءُ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ يَأْتُونَ إلَيْهِمْ بِالْأَطْعِمَةِ وَتُبْسَطُ عِنْدَهُمْ الضِّيَافَاتُ، وَيُقِيمُونَ عِنْدَهُمْ الْأَيَّامَ الْكَثِيرَةَ، وَيُصَلُّونَ الْأَعْيَادَ فِي مُصَلَّى بِالْقُرْبِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ،
стр. 499
فَمَا تَرَى فِيمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ هَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ بَسَطَ اللَّهُ يَدَهُ فِي الْبَلَدِ وَمَكَّنَهُ مَنْعُهُمْ مِمَّا أَظْهَرُوهُ وَاسْتَتَابَهُمْ وَسَجَنَهُمْ وَضَرَبَهُمْ إنْ لَمْ يَمْتَنِعُوا مِنْ ذَلِكَ؟ .
فَأَجَابَ: إذَا أَظْهَرَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ ذَكَرْت مَذْهَبَهُمْ وَأَعْلَنُوهُ، وَابْتَنَوْا مَسْجِدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وَصَلَّوْا الْعِيدَ بِنَاحِيَةٍ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِجَمَاعَةٍ فَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ، يُخْشَى مِنْهُ أَنْ تَشْتَدَّ وَطْأَتُهُمْ وَيُفْسِدُوا عَلَى النَّاسِ دِينَهُمْ، وَيَمِيلُ الْجَهَلَةُ وَمَنْ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُ إلَيْهِمْ، فَوَاجِبٌ عَلَى مَنْ بَسَطَ اللَّهُ قُدْرَتَهُ أَنْ يَسْتَتِيبَهُمْ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَرْجِعُوا ضُرِبُوا وَسُجِنُوا وَيُبَالِغُ فِي ضَرْبِهِمْ، فَإِنْ أَقَامُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَتْلِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِيمَنْ تَابَ مِنْهُمْ: يُتْرَكُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ جَمَاعَةٌ فِي مَوْضِعٍ يَلْجَئُونَ إلَيْهِ، فَلَا يُتْرَكُ هَذَا وَإِنْ تَابَ، وَيُسْجَنُ حَتَّى تَتَفَرَّقَ جَمَاعَتُهُمْ خِيفَةَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ، وَأَرَى أَنْ يَشْتَهِرَ فَسَادُ مَا يَعْتَقِدُونَ لِئَلَّا يَلْبِسُوا عَلَى أَحَدٍ، وَلِئَلَّا يَسْكُنَ فِي قَلْبِ أَحَدٍ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ شَيْءٌ، وَهُمْ أَشَدُّ فِي كَيْدِ الدِّينِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، لِأَنَّ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ أَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، قَدْ عَرَفَ النَّاسُ أَنَّهُمْ كُفَّارٌ وَلَا يَلْتَبِسُ عَلَى النَّاسِ أَمْرُهُمْ، وَلَا يُخْشَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ عِنْدَهُمَا حَقًّا، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيُخَالِفُونَ مَضْمُونَهُ، وَيَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِمُحَمَّدٍ وَيُحَدِّثُونَ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي تُرْوَى عَنْهُ، وَأَمَّا هَدْمُ الْمَسْجِدِ الَّذِي بَنُوهُ فَحَقٌّ وَجَمِيعُ مَا يَتَأَلَّفُونَ فِيهِ كَذَلِكَ، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا قَصَدَ بِهِ الضِّرَارَ، قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ فِي مَسْجِدِ الضِّرَارِ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] وَفِي هَدْمِهِ ذِلَّةٌ لِأَهْلِ دِينِهِمْ، وَبَقَاؤُهُ رُكْنٌ لَهُمْ وَمَلْجَأٌ، وَهَدْمُهُ يُؤَسِّسُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَالْعَامَّةِ فَسَادَ مَا هُمْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمْ إذَا عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ فُعِلَ بِقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَسْتَيْقِنُوا أَنَّ ذَلِكَ لِفَسَادِ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَاجْتَنِبُوا قَوْمَهُمْ، وَلِلْفِعْلِ فِي النُّفُوسِ تَأْثِيرٌ وَقَدْ «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى أَصْحَابِهِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ الَّتِي صُدَّ عَنْهَا، فَأَمَرَهُمْ بِالْحَلَاقِ فَتَرَدَّدُوا، فَلَمَّا نَحَرَ هَدْيَهُ وَأَمَرَ حَالِقَهُ فَحَلَقَ، بَادَرُوا لِمِثْلِ ذَلِكَ» ، وَلَمْ يَكُونُوا لِيَشُكُّوا فِي قَوْلِهِ ﷺ وَاَللَّهَ أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ بِرَحْمَتِهِ.
стр. 500
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ يُسْتَفَادُ مِنْهُمَا الْحُكْمُ فِي أُمُورٍ هِيَ وَاقِعَةٌ عِنْدَنَا.
مِنْهَا: مَا وَقَعَ فِي الْجَوَابِ الْأَوَّلِ، أَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ يُخْلَى مِنْهُمْ وَيُعَمَّرُ بِأَهْلِ السُّنَّةِ، وَمِثْلُ هَذَا وَقَعَ عِنْدَنَا فِي زَمَنِ الْقَاضِي شَرَفِ الدِّينِ الْأَسْيُوطِيِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ كَانَ قَدْ أَخْرَجَهُمْ مِنْ الْمَوْضِعِ الْمَعْرُوفِ بِالْمَشْهَدِ، وَأَسْكَنَهُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَكَتَبَ عَلَى بَابِهِ فِي لَوْحِ رُخَامٍ: أَنَّهُ اُفْتُتِحَ هَذَا الْمَكَانُ فِي سَنَةِ كَذَا، ثُمَّ أَنَّهُمْ اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ بَعْدَهُ، وَصَارَ فَقِيهُهُمْ الشَّرْشِيرُ يُلَازِمُ الْجُلُوسَ فِيهِ وَيَشْتَغِلُ فِيهِ النَّاسُ، وَنَشَأَ عَنْ ذَلِكَ الِاجْتِمَاعِ شَرٌّ كَثِيرٌ وَأَثَرُهُ بَاقٍ إلَى الْآنَ، وَأَحْدَثَ فِيهِ بِرْكَةً صَارَ الْمَوْضِعُ يُقْصَدُ لِأَجْلِهَا، وَكَذَلِكَ أَحْدَثَ هَذَا الشَّرْشِيرُ بِرْكَةً فِي رِبَاطِ الْمُعِينِ، وَصَارَ الرِّبَاطُ لِأَجْلِهَا مَقْصِدًا وَمَجْمَعًا لَهُمْ، وَيَسْكُنُ فِيهِ الْغُرَبَاءُ مِمَّنْ يُشَغِّلُهُمْ فِي مَذْهَبِهِمْ وَيُقَوِّي بَعْضَهُمْ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْفَسَادِ وَالضَّرَرِ، وَحُكْمُ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنْ تُخَلَّى عَلَى مُقْتَضَى الْجَوَابَيْنِ، وَلَا تُهْدَمُ لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ لِاجْتِمَاعِهِمْ، وَلَوْ أَحْدَثُوا مَوْضِعًا لِلِاجْتِمَاعِ كَمَا وَقَعَ فِي السُّؤَالِ عَنْ الْهَدْمِ عَلَى الْجَوَابِ الثَّانِي، وَلَا يُنْظَرُ لِكَوْنِهِ رِبَاطًا أَوْ وَقْفًا، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ الْوَاقِعَةَ فِيهِ إذَا لَمْ تَنْحَسِمْ إلَّا بِهَدْمِهِ جَازَ هَدْمُهُ، وَيَنْبَغِي إسْكَانُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْمَشْهَدِ، وَإِشْرَاكُ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعَهُمْ فِي رِبَاطِ الْمُعِينِ عَلَى وَجْهٍ يَنْحَسِمُ بِهِ الْفَسَادُ، وَيَجِبُ إزَالَةُ الْبِرْكَتَيْنِ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ، لِأَنَّهُمَا أُحْدِثَتَا فِي وَقْفٍ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَى الْوَقْفِ، وَاَلَّذِي أَحْدَثَهُمَا لَيْسَ بِنَاظِرٍ شَرْعِيٍّ، وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا مِنْ الْفَسَادِ.
وَمِمَّا فَعَلَهُ الْقَاضِي شَرَفُ الدِّينِ الْمَذْكُورُ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْفَرِدُونَ بِصَلَاةِ الْعِيدِ فِي مَسْجِدٍ مُبَايِنٍ لِجَمَاعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَسَدَّ بَابَهُ وَمَنَعَهُمْ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَأَلْزَمَهُمْ بِالصَّلَاةِ مَعَ النَّاسِ فَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ، ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْضُ طَلَبَةِ الشَّرْشِيرِ حَظِيرَةً بِالْقُرْبِ مِنْ مَسْجِدِ الْعِيدِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فَصَارَ عَوَامُّ الْبَلَدِ يُصَلُّونَ الْعِيدَ فِيهَا مُنْفَرِدِينَ، وَإِنْ كَانُوا يُظْهِرُونَ مُوَافَقَةَ إمَامِ الْجَمَاعَةِ فَشُووِرَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي هَدْمِهَا، فَأَذِنَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ أَفْتَى بِهَدْمِهَا فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، فَهُدِمَتْ وَزَالَ أَثَرُهَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَيَجِبُ
стр. 501
عَلَى الْحُكَّامِ دَرْءُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ، فَإِنَّهَا تُغْلِقُ مِنْ الشَّرِّ أَبْوَابًا وَتُجْزِلُ لِلْقَائِمِ فِيهَا ثَوَابًا، وَمِمَّا تَصِلُ الْقُدْرَةُ إلَيْهِ وَيَجِبُ عَلَى الْقُضَاةِ أَنْ يَحْمِلُوا الْعَامَّةَ عَلَيْهِ، كَتْبِ الصَّدَقَاتِ وَالْإِشْهَادِ فِيهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَهْجُورٌ فِي الْمَدِينَةِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا تَبْرَأُ لِلْحُكَّامِ مَعَهُ ذِمَّةٌ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَثِيرًا مَا تَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةُ قَبْلَ تَمَامِ عِدَّةِ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْضَبِطُ إلَّا بِالْإِشْهَادِ عَلَى الطَّلَاقِ، وَكَتْبِ ذَلِكَ عَلَى ظَهْرِ كِتَابِ الصَّدَاقِ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى شَهَادَةِ شُهُودِهِمْ فِي ذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا يَقَعُ مِنْهُمْ مِنْ التَّسَاهُلِ فِي الشَّهَادَةِ بِذَلِكَ، لِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ فِي الطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ إذَا وَقَعَ فِي حَالِ الْغَضَبِ الشَّدِيدِ، وَيَشْتَرِطُونَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ عُدُولٍ، وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ وَلَوْ طَلَّقَ مِرَارًا فِي خَلْوَةٍ أَوْ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ غَيْرِ عُدُولٍ لَمْ يَلْزَمْ، وَأَيْضًا فَالطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عِنْدَهُمْ فِي كَلِمَةٍ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَثِيرًا مَا شُهِدَ عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ طَلَّقَ ثَلَاثًا، فَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ أَنْ لَا يُرَاجِعَهَا إلَّا بَعْدَ زَوَاجٍ فَيُرَاجِعُهَا خُفْيَةً، وَلَا يَطَّلِعُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ الْأَنْكِحَةُ مَضْبُوطَةً بِالصَّدَقَاتِ وَالطَّلَاقِ، وَالْمَرْأَةُ مَكْتُوبَةٌ عَلَى ظَهْرِ الصَّدَقَاتِ انْحَسَمَ بَابُ الْفَسَادِ، وَمِنْ فَوَائِدِ كِتَابَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَصَدَّى لِذَلِكَ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَشْهَدَ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ إلَّا أَهْلُ السُّنَّةِ، فَتَنْحَسِمُ مَادَّةُ شَهَادَتِهِمْ فِي الْأَنْكِحَةِ وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُهِمَّاتِ الَّتِي يُبْتَلَى بِهَا الْحَاكِمُ، وَمِمَّا أَهْمَلَهُ بَعْضُ الْحُكَّامِ أَنَّهُمْ لَا يَسْأَلُونَ تَزْكِيَةَ الشُّهُودِ فِي الْغَالِبِ جَرْيًا عَلَى قَاعِدَةِ الْبَلَدِ، وَلَا يَسَعُهُمْ إهْمَالُ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ الْحَاكِمُ الشَّافِعِيُّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْهُمْ إلَّا مَنْ زُكِّيَ فِي الْغَالِبِ، انْدَفَعَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ الْحُكُومَاتِ إلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ سَلَكُوا هَذَا الْمَسْلَكَ الَّذِي هُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ شَرْعًا لَا يَسَعُهُمْ غَيْرُهُ وَالْتَزَمُوا الْأَخْذَ بِهِ، لَكَانَ النَّاسُ يَضْطَرُّونَ إلَى إشْهَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي سَائِرِ أُمُورِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ وَبِيَاعَاتِهِمْ وَسَائِرِ عُقُودِهِمْ، وَلَمْ تُرْفَعْ إلَى الْحَاكِمِ شُهُودُ الْإِمَامِيَّةِ إلَّا فِيمَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِمَّا لَا يَحْضُرُهُ أَهْلُ السُّنَّةِ، مِثْلُ قَذْفٍ أَوْ جَرْحٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ شَيْءٍ مِمَّا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، فَيَخِفُّ الْأَمْرُ وَتَكُونُ شَهَادَتُهُمْ مَقْصُورَةً عَلَى مَحَلِّ الضَّرُورَةِ.
[فَصْلٌ وِلَايَة حُكَّامِ طَائِفَة الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّة]
وَاعْلَمْ أَنَّ وِلَايَةَ حُكَّامِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ إذَا كَانُوا حُكَّامًا غَيْرُ صَحِيحَةٍ مِنْ وَجْهَيْنِ:
стр. 502
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الَّذِي وَلَّاهُمْ هُوَ مُخَالِفٌ عَلَى الْإِمَامِ وَمُتَغَلِّبٌ عَلَى الْبَلَدِ، فَيَجْرِي فِيهِمْ مَا يَجْرِي فِي قُضَاةِ الْمُتَغَلِّبِينَ عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ، بَلْ هُوَ نَائِبُ السُّلْطَانِ الْحَاكِمِ عَلَى الْبَلَدِ.
الثَّانِي: أَنَّ أَمِيرَ الْمَدِينَةِ لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ الْإِمَارَةَ وَالْقَضَاءَ، وَإِذَا لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ الْقَضَاءَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ وَلَا أَنْ يُوَلِّيَ قَاضِيًا.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْأَمِيرِ الْمُؤَمَّرِ: إنْ فُوِّضَتْ إلَيْهِ الْحُكُومَةُ قَضَى مَعَ الْإِمْرَةِ وَجَائِزٌ لَهُ أَنْ يَسْتَقْضِيَ وَيَجُوزَ حُكْمُهُ وَحُكْمُ قَاضِيهِ، وَإِذَا لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ حُكْمُهُ وَلَا اسْتِقْضَاؤُهُ وَمِثْلُهُ فِي الْمُقْنِعِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: اُنْظُرْ فِي قَوْلِهِمْ فِي الْأَمِيرِ الْمُؤَمَّرِ: إذَا فُوِّضَ إلَيْهِ الْحُكْمُ جَازَ أَنْ يَسْتَقْضِيَ، وَلَمْ يُجِيزُوا لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَقْضِيَ مَعَهُ غَيْرَهُ إلَّا مِنْ عُذْرِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ مَا كَتَبَهُ حُكَّامُ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ عَلَى الْمَكَاتِيبِ مِنْ الثُّبُوتِ]
وَأَمَّا مَا كَتَبَهُ حُكَّامُهُمْ عَلَى الْمَكَاتِيبِ مِنْ الثُّبُوتِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ وَلَا يَزِيدُ الْمَكْتُوبَ قُوَّةً، وَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْمَكْتُوبِ بِعَلَامَةِ الْقَاضِي الَّتِي تُوجَدُ عَلَيْهِ بِخَطِّهِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ، وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي عَدْلًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إلَّا مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْ أَشْهَبَ، أَنَّهُ أَجَازَ الشَّهَادَةَ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
стр. 503
[الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الَّتِي يَسْقُطُ بَعْضُهَا]
وَيَمْضِي بَعْضُهَا وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِذَا رُدَّتْ شَهَادَةُ الشُّهُودِ فِي بَعْضِ مَا شَهِدُوا بِهِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ فِيمَا بَقِيَ مِنْهَا، مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عَلَى السَّرِقَةِ، فَإِنَّ الْقَطْعَ يُدْرَأُ عَنْ السَّارِقِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ فِيهِ، وَلَوْ ضَمِنَ السَّرِقَةَ مَلِيًّا كَانَ أَوْ مُعْدِمًا؛ لِأَنَّهُ مَالٌ وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ تَجُوزُ فِيهِ، وَلَوْ أُسْقِطَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْقَطْعِ لِتُهْمَةِ الْأَلْسِنَةِ لَأُسْقِطَتْ فِي تَضْمِينِ السَّرِقَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ شَهِدَ النِّسَاءُ فِي طَلَاقٍ وَدَيْنٍ فِي شَهَادَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَتْ فِي الدَّيْنِ دُونَ الطَّلَاقِ.
فَرْعٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَلَوْ شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ، وَأَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى بَطْنِهَا أَوْ فِي خَلْوَةٍ مَعَهَا، وَلَمْ يَقُولَا رَأَيْنَاهُ يَطَؤُهَا جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْفِرَاقِ وَالْعُقُوبَةِ، لِأَنَّهُمَا جَمَعَا فِي شَهَادَتِهِمَا مَا لَوْ فَرَّقَاهُ مَا جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَأَمَّا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ، وَأَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَطَؤُهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَهَادَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا حَدٌّ مِنْ قَبِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ، لَزِمَهَا الْحَدُّ بِالْوَطْءِ، وَالِاثْنَانِ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فِي الزِّنَا فَيَصِيرَانِ قَاذِفَيْنِ، فَجَرَحَ الْحَدُّ شَهَادَتَهُمَا، فَلَمَّا شَهِدَا بِذَلِكَ مَعًا كَانَ فِي شَهَادَتِهِمَا مَا يَجْرَحُهَا فَسَقَطَتْ كُلُّهَا، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَةً لَهُ، وَالْأَمَةُ رَقِيقًا لِسَيِّدِهَا، وَلَمْ تَمْضِ الشَّهَادَةُ لَهُمَا بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ وَلَا لِلسَّيِّدِ مَقَالٌ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِأَنْ يَقُولَا قَدْ كَتَمَانَا لِأَنَّهُمَا أَثِمَا، قَالَا رَأَيْنَاهُ يَطَأُ امْرَأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ.
فَرْعٌ: وَإِذَا شَهِدَ أَخَوَا رَجُلٍ قَدْ مَاتَ وَكَانَا هُمَا وَارِثَيْهِ، بِأَنَّ هَذَا وَلَدُ أَخِينَا الْهَالِكِ وَكَانَا عَدْلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مِمَّنْ نَالَ سُلْطَانًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَهُمَا بِهِ الْعِزُّ وَالْمَكَانَةُ، لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا لَهُ وَلَمْ
стр. 504
يَلْحَقْ نَسَبُهُ وَيَكُونَانِ مُقِرِّينَ لَهُ بِكُلِّ مَا وَرِثَاهُ إنْ أَحَبَّ أَخْذَهُ أَخَذَهُ.
فَرْعٌ: وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْقَوْمِ يَقْطَعُ عَلَيْهِمْ اللُّصُوصُ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ، فَإِنَّ مُطَرِّفًا قَالَ: شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ فِي ذَلِكَ جَائِزَةٌ فِي الْقَطْعِ، وَفِيمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَخَذُوهُ لَهُمَا وَلِأَصْحَابِهِمَا مِنْ الْمَالِ، قَالَ: وَلَوْ لَمْ أُجِزْ شَهَادَتَهُمَا لَهُمَا فِي الْمَالِ مَا أَجْزَتْهُمَا فِي اللُّصُوصِ فِي الْقَطْعِ، وَلَا أَجَزْت بَعْضًا مِنْ شَهَادَةٍ وَرَدَدْت بَعْضًا، وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يُنْكِرُ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَقُولُهُ، وَأَمَّا ابْنُ الْمَاجِشُونِ فَقَالَ لِي: سَمِعْت الْمُغِيرَةَ وَابْنَ دِينَارٍ يَقُولَانِ: وَأَنَا أَقُولُ بِهِ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ فِي الْقَطْعِ وَأَمْوَالِ الرُّفْقَةِ، وَلَا تَجُوزُ فِي أَمْوَالِ الشُّهَدَاءِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْهَدَ لِنَفْسِهِ، قَالَ لِي أَصْبَغُ: كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: يَجُوزُ فِي ذَلِكَ اثْنَانِ عَدْلَانِ فِي الْقَطْعِ وَفِي أَمْوَالِ الرُّفْقَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي أَمْوَالِهِمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا، كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الشُّهَدَاءِ عَلَى الْوَصِيَّةِ يَشْهَدُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْهَا بِشَيْءٍ إنْ كَانَتْ يَسِيرَةً جَازَتْ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَتَجُوزُ شَهَادَةُ هَذَيْنِ اللَّذَيْنِ شَهِدَا عَلَى اللِّصِّ، فِي كُلِّ مَا شَهِدَا بِهِ لِغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَالِ مَعَ أَنْفُسِهِمَا، إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا، قَالَ لِي أَصْبَغُ: وَلَسْت أَقُولُهُ بَلْ تَسْقُطُ الشَّهَادَةُ كُلُّهَا فِي الْقَطْعِ وَفِي الْمَالِ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ إذَا كَانَ مَا شَهِدُوا بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ كَثِيرًا، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِذَا اُتُّهِمُوا فِي بَعْضِهَا سَقَطَتْ كُلُّهَا، وَأَرَى شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ جَائِزَةً، وَإِنْ شَهِدَ الْمَشْهُودُ لَهُ لِشَاهِدِهِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ عِنْدِي أَوْسَطُ ذَلِكَ وَبِهِ أَقُولُ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ.
فَرْعٌ: وَأَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوصَى لَهُ يَشْهَدُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَفِيهَا الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ وَالْعِتْقِ لِلْمَمْلُوكِ وَالْوَصِيَّةِ لِقَوْمٍ وَهُوَ مِنْهُمْ، إنْ كَانَ الَّذِي أَوْصَى لَهُ بِهِ تَافِهًا يَسِيرًا لَا يُتَّهَمُ مِثْلُهُ جَازَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى جَمِيعِ الْوَصِيَّةِ وَأُعْطِيَ مَا أُوصِيَ لَهُ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أُوصِيَ لَهُ بِهِ كَثِيرًا يُتَّهَمُ فِي مِثْلِهِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ جَمِيعُهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إذَا كَانَ الَّذِي أُوصِيَ بِهِ فِيهَا تَافِهًا جَازَتْ شَهَادَتُهُ فِيمَا لَمْ يُوصَ لَهُ بِهِ، وَسَقَطَتْ فِيمَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْهَدَ لِنَفْسِهِ بِشَيْءٍ وَإِنْ دَقَّ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ أَحَبُّ إلَيَّ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُتَّهَمْ فِي شَهَادَتِهِ صَارَ الَّذِي لَهُ فِيهَا
стр. 505
تَبَعًا، لِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا جَمِيعًا وَلَا تُرَدُّ إلَّا جَمِيعًا، وَبِهَذَا رَأَيْت الْمِصْرِيِّينَ قَالُوا: لِأَنَّ مُطَرِّفًا وَابْنَ الْمَاجِشُونِ قَالَا: إذَا كَانَ الْمُوصِي كَتَبَ ذَلِكَ، أُجْمِعَ فِي كِتَابٍ ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودَ فَأَوْقَعُوا فِيهِ شَهَادَتِهِمْ، ثُمَّ جِيءَ بِالْكِتَابِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي فَيَشْهَدُ الشُّهُودُ أَنَّ مَا فِيهِ حَقٌّ، وَأَنَّهُ أَشْهَدْنَا عَلَيْهِ مَكْتُوبًا مَفْرُوغًا مِنْهُ فَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ فِيهِ، أَجْمَعُ لِمَا لَهُمْ فِيهِ مِنْ الْوَصِيَّةِ إنْ كَانَ لَهَا بَالٌ وَلَهَا قَدْرٌ، وَلَا يُطْرَحُ مِنْ شَهَادَتِهِمْ مَا شَهِدُوا بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ، وَيَمْضِي مِنْهَا مَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ وَالْعِتْقِ لِلْمَمْلُوكِ وَالْوَصِيَّةِ لِغَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُ كِتَابٌ وَاحِدٌ وَكَلَامٌ وَاحِدٌ يَلْزَمُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا يَجُوزُ إلَّا جَمِيعًا، قَالَا: وَإِذَا كَانَ الْمُوصِي إنَّمَا أَشْهَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَفْظًا فَقَالَ: عَلَيَّ مِنْ الدَّيْنِ كَذَا وَكَذَا، لَمْ يَضَعْ كِتَابًا يَلْزَمُهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَلَعَلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلٍ مُتَفَرِّقٍ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ أَوْ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ فَقَامَ بِهَا الشُّهُودُ هَكَذَا لَفْظًا عِنْدَ السُّلْطَانِ، أَوْ وَضَعُوا بِهَا كِتَابًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي أَوْ قَبْلَهُ، إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ وَلَا يَعْلَمُهُ، إلَّا لِمَا أَحَبَّ الشُّهُودُ مِنْ حِفْظِهِمْ مَا أَشْهَدَهُمْ، ثُمَّ قَامُوا بِذَلِكَ الْكِتَابِ إلَى السُّلْطَانِ وَأَخْبَرُوهُ بِسَبَبِ طَرْحٍ مِنْ ذَلِكَ مَا شَهِدُوا بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَأَمْضَى مِنْ ذَلِكَ مَا شَهِدُوا بِهِ لِغَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَتَوْا إلَى الْحَاكِمِ فَقَصُّوا عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا ذَلِكَ كَمَا تُكْتَبُ الشَّهَادَاتُ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَلَا تَفْسُدُ شَهَادَاتُهُمْ مَا ذَكَرُوا فِيهَا مِنْ الْوَصِيَّةِ لِأَنْفُسِهِمْ وَهَكَذَا، كُنَّا نَرَى مَعْنَى مَا كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِي هَذَا، وَسَأَلْت عَنْهُ أَصْبَغَ وَأَعْلَمْته بِهَذَا التَّفْسِيرِ فَقَالَ بِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ.
فَرْعٌ: وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا فِي ذِكْرِ حَقٍّ عَلَى رَجُلَيْنِ هُمَا لِأَحَدِهِمَا عَدُوَّانِ، فَالشَّهَادَةُ سَاقِطَةٌ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّجُلِ مِنْ رَجُلَيْنِ هُمَا لِأَحَدِهِمَا عَدُوَّانِ، سَقَطَتْ الشَّهَادَةُ عَنْهُمَا جَمِيعًا، لِأَنَّ الْكِتَابَ فِي الذِّكْرِ وَفِي الْبَرَاءَةِ حَقٌّ وَاحِدٌ، لَا يَحْسُنُ إلَّا جَمِيعًا وَيَبْطُلُ جَمِيعًا، وَلَوْ شَهِدَا بِذَلِكَ لَفْظًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ سَقَطَتْ عَنْ الْعَدُوِّ وَجَازَتْ لِغَيْرِهِ.
فَرْعٌ: وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الشُّهُودِ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إنْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَمْ تَجُزْ، وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ جَمِيعًا عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ جَائِزًا وَإِنْ تَقَارَبَ مَا بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَجُلَيْنِ
стр. 506
مُفْتَرِقَيْنِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَوْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
وَقَالَ لِي أَصْبَغُ مِثْلَهُ فَتَدَبَّرْهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَإِذَا اشْتَمَلَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا تُجِيزُهُ السُّنَّةُ وَمَا لَا تُجِيزُهُ، فَالْمَشْهُورُ إجَازَةُ مَا أَجَازَتْهُ وَرُدَّ مَا لَمْ تُجْزِهِ، وَقِيلَ: تُرَدُّ كُلُّهَا وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ بِالْوَصِيَّةِ، إنَّ شَهَادَتَهُنَّ لَا تَجُوزُ إنْ كَانَ فِيهَا عِتْقٌ وَأَبْضَاعُ النِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ الْوَاحِدُ فِي وَصِيَّةٍ فِيهَا عِتْقٌ، وَوَصِيَّةٍ لِمُعَيَّنٍ، أَنَّ الْمُوصَى لَهُ يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ وَيَسْتَحِقُّ وَيُرَدُّ الْعِتْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ أَشْهَبُ تُرَدُّ كُلُّهَا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا رُدَّ بَعْضُهَا لِلتُّهْمَةِ رُدَّتْ كُلُّهَا، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا مَا لَا تُهْمَةَ فِيهِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَيْضًا أَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا رُدَّ بَعْضُهَا لِلسُّنَّةِ جَازَ مِنْهَا مَا أَجَازَتْهُ السُّنَّةُ، وَقَدْ قِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَذَلِكَ قَائِمٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِهِ، وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لِلْوَصِيِّ إذَا الْمَيِّتُ أَوْصَى إلَيْهِ أَنَّ شَهَادَتَهُنَّ لَا تَجُوزُ إنْ كَانَ فِيهَا عِتْقٌ وَأَبْضَاعُ النِّسَاءِ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَيْضًا: أَنَّ الشَّهَادَةَ إذَا رُدَّ بَعْضُهَا لِانْفِرَادِ الشَّاهِدِ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ أَنَّهَا تَجُوزُ فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَتَبْطُلُ فِيمَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ مِثْلَ أَنْ يَشْهَدَ الرَّجُلُ عَلَى وَصِيَّةِ رَجُلٍ وَفِيهَا عِتْقٌ وَوَصَايَا لِقَوْمٍ، فَإِنَّ الْمُوصَى لَهُمْ بِالْمَالِ يَحْلِفُونَ مَعَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَتَكُونُ وَصَايَاهُمْ فِيهَا بَعْدَ قِيمَةِ الْعِتْقِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّهَادَةَ كُلَّهَا مَرْدُودَةٌ، حَكَى ذَلِكَ الْبَرْقِيُّ عَنْ أَشْهَبَ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَأْتِ الشَّاهِدُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا، وَسَقَطَ عَنْ حِفْظِهِ بَعْضُهَا، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ كُلُّهَا بِإِجْمَاعٍ.
[الْبَابُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ]
وَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْجَوَازُ: لِمَالِكٍ وَالْمَنْعُ: لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالْجَوَازُ فِي الْجِرَاحِ دُونَ الْقَتْلِ قَالَهُ أَشْهَبُ، فَالْمَنْعُ الْأَصْلُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالْجَوَازُ لِعِلَّةِ الِاضْطِرَارِ إذْ لَوْ أَهْمَلُوا لَأَدَّى إلَى ضَرَرٍ كَبِيرٍ وَهَدَرِ جِنَايَاتٍ تَعْظُمُ، وَقَدْ حُكِيَ جَوَازُ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ: عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَشُرَيْحٌ وَقُسَيْطٌ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ حَزْمٍ، وَرَبِيعَةُ وَمُعَاوِيَةُ ﵃، وَإِذَا قُلْنَا بِإِجَازَتِهَا فَإِنَّمَا تَجُوزُ بِأَحَدَ عَشَرَ شَرْطًا.
стр. 507
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَا مِمَّنْ يَعْقِلُ الشَّهَادَةَ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَا ذَكَرَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵀: جَوَازُ قَبُولِ شَهَادَةِ إنَاثِ الْأَحْرَارِ، اعْتِبَارًا بِالْبَالِغَاتِ فِي كَوْنِهَا لَوْثًا فِي الْقَسَامَةِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَا مَحْكُومًا لَهُمَا بِالْإِسْلَامِ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الصِّبْيَانِ لَا لِكَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ، وَلَا لِصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ.
السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا.
السَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ وَتَخْبِئَتِهِمْ.
الثَّامِنُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ مُتَّفِقَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ.
التَّاسِعُ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ فِي قَتْلٍ أَوْ جُرْحٍ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ لَا فِي الْأَمْوَالِ.
الْعَاشِرُ: أَنْ لَا يَحْضُرَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْكِبَارِ، فَمَتَى حَضَرَ كِبَارٌ فَشَهِدُوا سَقَطَ اعْتِبَارُ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ كَانَ الْكِبَارُ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً، لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ تَجُوزُ فِي الْخَطَأِ وَعَمْدُ الصَّبِيِّ كَالْخَطَأِ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: قَالَ الْقَرَافِيُّ وَرَأَيْت بَعْضَ الْمُعْتَبَرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ يَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْجَسَدِ الْمَشْهُودِ بِقَتْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ، وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ مُؤَلِّفُ الْبَيَانِ وَالتَّقْرِيبِ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْعُدُولِ عَلَى رُؤْيَةِ الْجَسَدِ الْمَقْتُولِ.
فَرْعٌ: وَلَوْ شَهِدُوا ثُمَّ رَجَعُوا لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى رُجُوعِهِمْ، وَلَوْ بَلَغُوا وَشَكُّوا أُخِذَ بِقَوْلِهِمْ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قُضِيَ بِهَا لَمْ يُقْضَ بِهَا.
فَرْعٌ: وَالْعَدَالَةُ وَالْجِرَاحُ لَا يُعْتَبَرَانِ فِي الصِّبْيَانِ، وَاخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ الْقَرَابَةِ وَالْعَدَاوَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَرِيبِ لِقَرِيبِهِ،
стр. 508
قَالَ مُحَمَّدٌ وَعَلَى مَذْهَبِهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَدُوِّ، وَأَجَازَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَعَلَى مَذْهَبِهِ فَيَجُوزُ مَعَ الْقَرَابَةِ.
فَرْعٌ: سِتَّةُ صَبِيَّةٍ فِي الْبَحْرِ غَرِقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ وَاثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَنَّهُمْ غَرَّقُوهُ، قَالَ مَالِكٌ ﵀: الْعَقْلُ عَلَيْهِمْ كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدْرَأُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ، فَلَزِمَتْ الدِّيَةُ عَوَاقِلَهُمْ.
فَرْعٌ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ الْمَمَالِيكِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ جِنْسِ مَنْ يَشْهَدُ وَهَذَا مَفْهُومٌ مِنْ الشَّرْطِ الثَّانِي.
فَرْعٌ: وَإِذَا تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ مِنْ الصِّبْيَانِ فِي شَجَّةٍ هَلْ شَجَّهَا فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ سَقَطَتَا، لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَنْفِي مَا يُثْبِتُهُ الْآخَرُ، وَأَرْشُ الشَّجَّةِ عَلَى جَمَاعَةِ الصِّبْيَانِ.
[الْبَابُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي]
فِي الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ إذَا جَاءَ كِتَابٌ مِنْ قَاضٍ إلَى قَاضٍ، لَمْ تَجُزْ إلَّا بِشَهَادَةِ شُهُودٍ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى طَابَعِ الْقَاضِي وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَيْضًا، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شُهُودٍ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كِتَابُ الْقَاضِي، وَزَادَ أَشْهَبُ فَقَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ قَدْ أَشْهَدَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَا يَضُرُّ إنْ لَمْ يَخْتِمْهُ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَلَا يَجُوزُ كِتَابُ قَاضٍ إلَى قَاضٍ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ أَنَّهُ أَشْهَدَهُمَا بِمَا فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خَاتَمُهُ أَوْ كَانَ فِيهِ طَابَعُهُ قَدْ انْكَسَرَ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: وَلَا يَنْفُذُ إنْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ خَطُّ الْقَاضِي بِيَدِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ هَذَا شَهِدَا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ خَطُّ الْقَاضِي جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى الطَّابَعِ وَهُوَ مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ هَلْ شَرْطُ الشَّهَادَةِ عَلَى كِتَابِهِ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى الشُّهُودِ النَّاقِلِينَ أَوْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ الْأَشْهَرُ التَّرْكُ مِنْ التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ
стр. 509
وَرَأَيْت قُضَاةَ شَرْقِ الْأَنْدَلُسِ يُجِيزُونَ كُتُبَ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ فِي الْأَحْكَامِ بِالْخَاتَمِ، وَمَعْرِفَةِ الْخَطِّ وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ الْقَاضِي إلَّا الْعِنْوَانَ لَا غَيْرُ، وَإِنْ كَانَ حَامِلُهُ هُوَ الْمَكْتُوبُ لَهُ الْمَحْكُومُ فِي قَضِيَّتِهِ، وَيَبْعَثُونَ حَامِلَهُ وَيُسَلِّمُونَهُ لَهُ مَخْتُومًا، قَالَ: وَهُوَ عِنْدِي مِمَّا لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا إنْفَاذُهُ، سِيَّمَا إذَا كَانَ حَامِلُهُ صَاحِبَ الْحُكُومَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ: إذَا كَانَ حَامِلُهُ صَاحِبَ الْحُكُومَةِ لَمْ يَجُزْ فِيمَا هُوَ أَخَفُّ مِنْ هَذَا، هَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ، وَالْقَضَاءُ بِهِ مَنْسُوخٌ، وَلَمْ يُجِيزُوا أَنْ يَحْمِلَهُ صَاحِبُ الْحُكُومَةِ مِنْ عِنْدَ الْفَقِيهِ أَوْ الْأَمِينِ وَشَبَهِهِ، فَكَيْفَ فِي نَفْسِ الْحُكُومَةِ مِنْ قَاضِي بَلَدٍ إلَى قَاضِي بَلَدٍ.
وَفِي الْمَذْهَبِ لِابْنِ رُشْدٍ قَالَ سَحْنُونٌ: إذَا شَهِدَ عَلَى كِتَابِهِ وَخَاتَمِهِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ، جَازَ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْتَبَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ مَخْتُومٍ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الشَّهَادَةِ، إذْ لَوْ شَهِدَا بِخِلَافِ مَا فِي الْكِتَابِ لَجَازَ إذَا طَابَقَ ذَلِكَ الدَّعْوَى، وَلَوْ شَهِدَا بِمَا فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ مَخْتُومٍ لَجَازَ أَيْضًا، وَلَوْ قَالَ الْقَاضِي أَشْهَدْتُكُمَا أَنَّ مَا فِيهِ حُكْمِي لَجَازَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ مَا فِي الْكِتَابِ حُكْمِي لَكَانَ كَافِيًا.
فَرْعٌ: وَلَوْ أَنَّ الْكِتَابَ الْمَخْتُومَ دُفِعَ إلَى جَمَاعَةٍ وَأَشْهَدَهُمْ الْقَاضِي الَّذِي دَفَعَهُ أَنَّهُ كِتَابُهُ، فَكَانَ الْكِتَابُ عِنْدَ أَحَدِهِمْ، حَتَّى قَدِمُوا الْبَلَدَ الَّذِي فِيهِ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ، فَإِنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ الْكِتَابُ يَشْهَدُ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَإِنْ أَثْبَتُوهُ وَعَرَفُوا أَنَّهُ طَابَعُ الْقَاضِي وَكِتَابُهُ فَلْيَشْهَدُوا، قِيلَ لِمَالِكٍ: وَكَيْفَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ؟ قَالَ هُمْ أَعْلَمُ، قَالَ أَصْبَغُ إنْ لَمْ يَعْرِفُوا فَلَا يَشْهَدُوا، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُمْ الَّذِي عِنْدَهُ الْكِتَابُ عَدْلًا مَأْمُونًا وَلَوْ كَانُوا حِينَ أَشْهَدَهُمْ الْقَاضِي عَلَى الْكِتَابِ كَتَبُوا فِيهِ شَهَادَاتِهِمْ وَعَلَامَاتِهِمْ كَانَ أَحْسَنَ.
وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: كَانَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ إجَازَةُ الْخَوَاتِمِ، فَكَانَ الْقَاضِي يَكْتُبُ لِلرَّجُلِ الْكِتَابَ إلَى الْقَاضِي، فَمَا يَزِيدُ عَلَى خَتْمِهِ فَيُجَازَ عَلَى خَتْمِهِ لَهُ، حَتَّى حَدَثَ الِاتِّهَامُ فَأُحْدِثَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى خَاتَمِ الْقَاضِي أَنَّهُ خَاتَمُهُ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَفِي الْبُخَارِيِّ أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ الْبَيِّنَةَ عَنْ كِتَابِ الْقَاضِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَسَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ كَانَ إذَا جَاءَ كِتَابٌ مِنْ قَاضِي مَكَّةَ إلَى قَاضِي الْمَدِينَةِ أَنْفَذَهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، فَالْتَزَمَ النَّاسُ الْبَيِّنَاتِ عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي تَأْتِي مِنْ كُورَةٍ إلَى كُورَةٍ، فَإِذَا جَاءَ مِنْ أَعْرَاضِ الْمَدِينَةِ إلَى قَاضِي الْمَدِينَةِ قَبِلُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، يُجِيزُونَ فِي ذَلِكَ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ وَالْخَوَاتِمِ وَالْجَوَابُ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ الْيَسِيرَةِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ نَحْوُ هَذَا أَنَّهُ يَقْبَلُ الْعَامِلُ فِي
стр. 510
قَرَابَاتِهِ مِنْ عَمَلِهِ الْكِتَابَ بِغَيْرِ شَاهِدَيْنِ، كَمَا يَقْبَلُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ مَعَ الثِّقَةِ وَمَعْرِفَةِ الْخَاتَمِ لِقُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَاسْتِدْرَاكِ مَا يُخْشَى مِنْ التَّعَدِّي، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْحُقُوقِ الْيَسِيرَةِ.
فَرْعٌ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ عَالِمًا بِعَدَالَةِ شَهِيدَيْ الْكِتَابِ، وَلَا يَكْفِي تَعْدِيلُهُمَا فِيهِ.
فَرْعٌ: لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَ الْحَاكِمُ اسْمَ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَاسْمَ أَبِيهِ، وَحِلْيَتَهُ وَصِنَاعَتَهُ أَوْ تِجَارَتَهُ وَشُهْرَتَهُ، إنْ كَانَتْ لَهُ لِيَتَمَيَّزَ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ لَمْ يَحْكُمْ لَهُ الْقَاضِي عَلَى مَا يَدَّعِي عَلَيْهِ أَنَّهُ هُوَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى عَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ قَدْ مَاتَ لَمْ يَحْكُمْ عَلَى الْحَيِّ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَطُولَ زَمَنُ الْمَوْتِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ بِالشَّهَادَةِ، فَحِينَئِذٍ يَحْكُمُ عَلَى الْحَيِّ، فَإِنْ كَانَ حَيَّيْنِ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا قَصُرَتْ عَنْهُ الصِّفَةُ بِأَقَلِّهَا، فَإِنَّ الْكِتَابَ يَلْزَمُ الْآخَرَ وَلَوْ لَمْ يَخْتَلِفَا إلَّا فِي الْمَسْكَنِ فَقَطْ، فَإِنْ كَانَ مَسْكَنُهُمَا يَوْمَ كَتَبَ الْكِتَابَ وَاحِدًا، وَأَشْكَلَ الْأَمْرُ لَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا يُرِيدُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى عَيْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَنْ يُشَارِكُهُ كَشَفَ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ أَعْدَاهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَرَكَ الْقَاضِي الْكَشْفَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ: لَا بُدَّ لِلطَّالِبِ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْبَلَدِ مَنْ هُوَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْغَالِبُ مِنْ أَفْعَالِ قُضَاتِنَا الْيَوْمَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ يَذْكُرُ الْحَقَّ وَيَرْفَعُ شُهُودَهُ، وَيُخَاطِبُ الْقَاضِيَ لَهُ بِثُبُوتِهِ عِنْدَهُ، وَيَسِيرُ بِهِ إلَى مَحَلِّ خَصْمِهِ فَيَحْكُمُ لَهُ قَاضِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُكَلِّفَهُ تَعْدِيلَ شُهُودٍ.
فَرْعٌ: وَأَمَّا كِتَابُ الْقَاضِي الْمُجَرَّدُ عَنْ الشَّهَادَةِ فَلَا أَثَرَ لَهُ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمَعُونَةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْخَطِّ لَا تَنْفَعُ، لِأَنَّ الْخَطَّ لَا يُحْكَمُ بِهِ بِاعْتِرَافِ كَاتِبِهِ بِأَنَّهُ عَلَى مَا كَتَبَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكْتُبُ أَشْيَاءَ لَا يُؤْخَذُ بِهَا، وَلَوْ تَلَفَّظَ بِمَا كَتَبَ بِهِ لَأُخِذَ بِهِ، فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالْعَمَلُ عِنْدَنَا الْيَوْمَ بِإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فِي الْقَدِيمِ مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى خَطِّ الْقَاضِي، فَيَكْتُبُ الْقَاضِي تَحْتَ شُهُودِ الْوَثِيقَةِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ،
стр. 511
عَلِمَ بِثُبُوتِ الرَّسْمِ الْمُقَيَّدِ أَعْلَاهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ يَقِفُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَبَعْضُهُمْ يَكْتُبُ أَدَّى شَهِيدَاهُ شَهَادَتَهُمَا فِيهِ وَهُمَا بِرَسْمِ الْقَبُولِ، وَأَعْلَمَ بِذَلِكَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، ثُمَّ يَأْخُذُ صَاحِبُ الْحَقِّ ذَلِكَ الرَّسْمَ، وَيَأْتِي بِهِ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ إلَى قَاضِي بَلَدٍ آخَرَ، وَيَأْتِيهِ بِعَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ خَطُّ فُلَانٍ وَيُمْضِي مَا فِيهِ، وَلَوْ كَلَّفُوا رَبَّ الْحَقِّ أَنْ يَأْتِيَ بِشَهِيدَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْقَاضِي لَتَعَذَّرَتْ الْحُقُوقُ لِخَوْفِ الطُّرُقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ: وَقَدْ الْتَزَمَ النَّاسُ الْيَوْمَ فِي سَائِرِ بِلَادِنَا إجَازَةَ كُتُبِ الْقُضَاةِ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ وَكَافَّةُ الْحُكَّامِ، قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى إجَازَةِ ذَلِكَ وَالْتِزَامِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ فِي عَامَّةِ الْجِهَاتِ لِلِاضْطِرَارِ إلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إنَّمَا هُوَ قِيَامُ الدَّلِيلِ وَثُبُوتُهُ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ كِتَابُ الْقَاضِي، فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي بِمَعْرِفَةِ خَطِّهِ ثُبُوتًا لَا يُشَكُّ فِيهِ، أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ وَقَامَ مَقَامَهَا، قَالَ: وَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ كُتُبِ الْقُضَاةِ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ لِلضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ فَلَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ يَعْرِفُ خَطَّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ أَوْ لَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي يَعْرِفُهُ وَيَتَحَقَّقُهُ فَجَائِزٌ عِنْدِي قَوْلُهُ كَمَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ كَانَ يُجِيزُ كُتُبَ أُمَنَائِهِ بِمَعْرِفَةِ الْخَطِّ دُونَ شُهُودٍ، لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ عَلَى صِحَّةِ الْخَطِّ، كَمَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي لِقَاضٍ غَيْرِهِ بِالْمُشَافَهَةِ مِنْهُ لَهُ، ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ.
وَأَمَّا إنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْقَاضِي خَطَّ الْكَاتِبِ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ يَعْرِفَانِ خَطَّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ، فَيَشْهَدَانِ أَنَّ ذَلِكَ خَطُّ الْقَاضِي كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي خَطِّ الشَّاهِدِ الْغَائِبِ.
وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ لِابْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَشْهَبَ ﵀ يُجِيزُ الشَّهَادَةَ عَلَى خُطُوطِ الْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ فِي الْأَحْكَامِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِذَا كَتَبَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ بِكِتَابٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمَكْتُوبُ إلَيْهِ لَا يَرَى ذَلِكَ الرَّأْيَ وَلَا يَأْخُذُ بِهِ، فَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِمَا فِي كِتَابِهِ وَأَنْفَذَهُ جَازَ ذَلِكَ، وَأَنْفَذَ هَذَا الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا كَتَبَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ لِلْخَصْمِ أَوْ بِمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ ذَلِكَ بِحُكْمٍ فَلْيَعْمَلْ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ
стр. 512
الَّذِي يَخْتَارُهُ مِمَّا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَلَا يَعْمَلُ ذَلِكَ بِرَأْيِ الْكَاتِبِ إلَيْهِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي رَسْمِ مَا يُفْسَخُ مِنْ أَقْضِيَةِ الْقُضَاةِ.
وَفِي التَّنْبِيهِ لِابْنِ الْمُنَاصِفِ عَنْ سَحْنُونٍ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ وَلَا يُنَفِّذَهُ، قَالَ: يُرِيدُ إذَا كَانَ غَيْرَ صَوَابٍ عِنْدَهُ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُجِيزَ أَحَدًا عَلَى مَا هُوَ عِنْدَهُ خَطَأٌ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهِ قَاضٍ حَنَفِيٌّ بِأَنْ يُمَكِّنَ رَجُلًا مِنْ امْرَأَةٍ زُوِّجَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَشَبَهَ ذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ: إنْ كَتَبَ إلَيْهِ أَنَّهُ أَنْفَذَ الْحُكْمَ بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ أَنْ يُنَفِّذَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ نَقْضُ قَضَاءِ غَيْرِهِ إذَا وَافَقَ قَوْلًا لِلْعُلَمَاءِ وَلِأَنَّ الْمَحْكُومَ لَهُ قَدْ ثَبَتَ لَهُ مَا حُكِمَ لَهُ بِهِ، وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بِقَاضٍ، وَفِي تَوَقُّفِ الْمَكْتُوبِ عَنْ تَنْفِيذِ مَا كُتِبَ بِهِ إلَيْهِ إبْطَالُ حَقٍّ حُكِمَ لَهُ بِهِ مَنْ لَهُ نَظَرٌ وَسُلْطَانٌ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ إنَّمَا كَتَبَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَحْكُمْ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ لَا يَعْمَلُ بِرَأْيِ الَّذِي كَتَبَ.
تَنْبِيهٌ: وَتَفْهِيمُ الْخِلَافِ عَنْ هَذَا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الثُّبُوتَ لَيْسَ بِحُكْمٍ كَمَا نَقَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: أَنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: قَالَ أَصْبَغُ فِي الْقَاضِي يَثْبُتُ عِنْدَهُ لِرَجُلٍ حَقٌّ لَهُ عَلَى غَرِيمٍ غَائِبٍ وَصَفَهُ عَبْدٌ لَهُ وَلَا يَدْرِي بِأَيِّ الْآفَاقِ هُمَا، كَتَبَ لَهُ الْوَالِي إلَى أَيِّ قَاضٍ يَلْقَاهُ مِنْ عَمَلِهِ أَنْ يَسْأَلَهُ ذَلِكَ، وَأَرَى وَاجِبًا عَلَى مَنْ دُفِعَ إلَيْهِ الْكِتَابُ مِنْ الْقُضَاةِ أَنْ يَنْظُرَ لَهُ فِيهِ إذَا أَثْبَتَهُ عِنْدَهُ بِبَيِّنَةٍ، عَلَى أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي الَّذِي كَتَبَ إلَيْهِ وَصُورَةُ كِتَابِهِ، أَنْ يَكْتُبَ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إلَى مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابِي هَذَا مِنْ الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ.
تَنْبِيهٌ: ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَكْتُبُ إلَى أَيِّ قَاضٍ لَقِيَهُ مِنْ عَمَلِهِ. وَفِي الْبَيَانِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إلَى قُضَاةِ الْآفَاقِ كَانَ بِأَيِّ بَلَدٍ كَانَ، وَأَنَّهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ كَتَبَ إلَى قَاضِي مَوْضِعٍ يُوجَدُ قَدْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ، وَوَلِيَ غَيْرُهُ إنْفَاذَ ذَلِكَ الْكِتَابِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَهِيَ فِي الْبَيَانِ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا.
стр. 513
فَرْعٌ: وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِي الرَّجُلِ يَثْبُتُ حَقُّهُ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ قَاضٍ وَيَكْتُبُ فِيهِ إلَى الْقَاضِي الَّذِي ذَلِكَ فِي بَلَدِهِ، فَيَلْقَاهُ فِي غَيْرِ بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي، فَيَرْفَعُ ذَلِكَ الْكِتَابَ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِي وَجَدَ خَصْمَهُ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُنْظَرُ لَهُ فِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَا يُعْرَفُ بِذَلِكَ الْبَلَدِ، وَلَوْ أَثْبَتَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ أَنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْكَاتِبُ أَنْفَذَهُ هَذَا الْقَاضِي، وَإِذَا كَانَ فِي كِتَابِ الْقَاضِي أَنَّهُ ثَبَتَ الْحَقُّ عِنْدَهُ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ قَبِلَ شَهَادَتَهُمْ وَأَجَازَهَا، وَلَمْ يُصَرِّحْ عَنْهُمْ كَانَ نَفَاذًا جَائِزًا، وَلَزِمَ الْقَاضِيَ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا كُتِبَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي بِشَاهِدَيْنِ يَعْرِفَانِهِ، أَنَّ الْقَاضِيَ أَشْهَدَهُمَا عَلَى كِتَابِهِ وَخَاتَمِهِ وَأَسْلَمَهُ إلَيْهِمَا، وَيُعَيِّنَا لَهُ الْقِيَامَ عِنْدَهُ مِنْ التَّمَامِ أَنْ يَقْبِضَاهُ هُمَا مِنْ الْقَاضِي الْكَاتِبِ، وَلَا يَكُونُ عِنْدَ الْمَحْكُومِ لَهُ، فَإِنْ سَأَلَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ مِنْ الْقَاضِي الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ الْإِعْذَارَ إلَيْهِ فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ ثَبَتَ بِهِمْ الْأَصْلُ لَمْ يُجِبْهُ لِذَلِكَ وَيُعَذَّرُ إلَيْهِ فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ ثَبَتَ بِهِمْ الْكِتَابُ فَقَطْ، وَيَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ يُعَرِّفُك بِهِمْ، وَيُبِيحُ لَك الدَّفْعَ فِيهِمْ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا وَرَدَ كِتَابُ قَاضٍ إلَى قَاضٍ، وَعَلِمَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَنَّ الْقَاضِيَ الْكَاتِبَ أَهْلٌ لِلْقَضَاءِ فِي عِلْمِهِ وَفَهْمِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِأَحْكَامِ مَنْ مَضَى قَبِلَ كِتَابَهُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ قَبُولُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ عَنْ ذَلِكَ الْحَاكِمِ فِي الْمَالِ وَالْقِصَاصِ وَالْعُقُوبَاتِ وَغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ لِلْقَضَاءِ لَمْ يَقْبَلْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ وَلَا سَخَطِهِ وَجَهْلِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الْأَمْصَارِ الْجَامِعَةِ مِثْلَ: الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْقَيْرَوَانِ وَالْأَنْدَلُسِ، أَنْفَذَ مَا جَاءَهُ مِنْ عِنْدَهُ، لِأَنَّ مَحْمَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالْعَدَالَةِ حَتَّى يُعْرَفَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ قُضَاةِ الْكُوَرِ الصِّغَارِ، فَلَا يُنَفِّذُ مَا جَاءَهُ عَنْهُمْ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُمْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَعْرِفُهُمْ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنَّ قَاضِيَ تُونُسَ لَا يَجُوزُ كِتَابُهُ إلَى قَاضِي مِصْرَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكْتُبَ قَاضِي تُونُسَ إلَى قَاضِي الْقَيْرَوَانِ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَكْتُبُ قَاضِي الْقَيْرَوَانِ إلَى قَاضِي مِصْرَ.
تَنْبِيهٌ عَلَى أَمْرٍ خَفِيٍّ: وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي عَلَى مَعْنَى الْمُخَاطَبَةِ وَكِتَابِهِ إلَيْهِ عَلَى مَعْنَى الشَّهَادَةِ.
وَفِي الْبَيَانِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فِي رَسْمِ وَمِنْ كِتَابِ الْقَضَاءِ الْمَحْضِ، إذَا تَخَاصَمَ رَجُلَانِ عِنْدَ الْقَاضِي فَكَانَ مِنْ حُجَّةِ أَحَدِهِمَا أَنْ قَالَ: قَدْ حَكَمَ لِي قَاضِي بَلَدِ
стр. 514
كَذَا بِكَذَا وَكَذَا، وَثَبَتَ لِي ذَلِكَ عِنْدَ قَاضِي بَلَدِ كَذَا، فَيَسْأَلُهُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَيَذْهَبُ إلَيْهِ فَيَأْتِيهِ مِنْ عِنْدِهِ بِكِتَابٍ إنِّي قَدْ حَكَمْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَكَذَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ شَاهِدٌ، وَلَوْ أَتَى الرَّجُلُ ابْتِدَاءً إلَى الْقَاضِي فَقَالَ: خَاطِبْ لِي قَاضِيَ بَلَدِ كَذَا بِمَا ثَبَتَ لِي عِنْدَك عَلَى فُلَانٍ، أَوْ بِمَا حَكَمْت لِي بِهِ عَلَيْهِ فَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ جَازَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مُخْبِرٌ وَلَيْسَ بِشَاهِدٍ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ فَانْظُرْهُ.
فَرْعٌ: وَفِي كِتَابِ الرُّعَيْنِيِّ قَالَ: وَأَصْحَابُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ يُجِيزُونَ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، عَلَى الصِّفَةِ وَالْحِلْيَةِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالدَّوَابِّ وَالثِّيَابِ وَالدَّارِ وَالْأَرْضِينَ، كَانَتْ بِيَدِ مَالِكٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ: أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي فُلَانٍ، قَاضِي بَلْدَةِ كَذَا إلَّا ابْنَ كِنَانَةَ، فَإِنَّهُ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ فِيمَا هُوَ فِي يَدِ أَحَدٍ يَدَّعِيهِ مِلْكًا لَهُ، وَيَقُولُ عَلَى الْمُدَّعِي أَنْ تَحْمِلَ الشُّهُودَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بِهِ الشَّيْءُ الْمُدَّعَى فِيهِ، حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى مُعَايَنَةِ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْقَاضِي يَكْتُبُ لِلرَّجُلِ كِتَابًا إلَى قَاضٍ غَيْرِهِ بِحَقٍّ ثَبَتَ لَهُ، أَوْ حَقٍّ طَلَبَهُ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ، قَالَ: لَا يَضُرُّهُ مَوْتُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمَا، وَعَلَى الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنْ يُنَفِّذَهُ وَيَعْمَلَ بِمَا فِيهِ، وَإِنْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ فَحَقٌّ عَلَى مَنْ وَلِيَ مَكَانَهُ إنْفَاذُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا كُلِّهِ السُّلْطَانُ الَّذِي إذَا زَالَ مِنْ وَاحِدٍ كَانَ فِي آخَرَ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ لِي ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ مِثْلَهُ وَقَالَا لِي: هُوَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا كُلِّهِمْ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحَةِ مِنْ قَبُولِ كُتُبِ الْقُضَاةِ سَوَاءٌ مَاتَ الْكَاتِبُ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ وُصُولِ كِتَابِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ، مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا أَشْهَدَ الْقَاضِي الْكَاتِبُ عَلَى كِتَابِهِ، لِأَنَّ إشْهَادَهُ عَلَيْهِ كَإِشْهَادِهِ عَلَى حُكْمٍ نَفَذَ، وَأَمَّا عَلَى مَا الْتَزَمَهُ الْحُكَّامُ وَعَمِلُوا بِهِ فِي قُطْرِ الْمَغْرِبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ الِاجْتِزَاءِ بِمَعْرِفَةِ خَطِّ الْقَاضِي الْكَاتِبِ وَالْعَمَلِ بِذَلِكَ دُونَ إشْهَادٍ مِنْ الْقَاضِي عَلَى كِتَابِهِ، فَلَا يَصِحُّ قَبُولُهُ وَلَا الْعَمَلُ بِهِ إلَّا أَنْ يَصِلَ، وَالْقَاضِي الَّذِي كَتَبَ عَلَى حَالِ وِلَايَتِهِ تِلْكَ، فَإِنْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ قَبْلَ وُصُولِ كِتَابِهِ وَثُبُوتِهِ عِنْدَ
стр. 515
مَنْ يَقْبَلُهُ، لَمْ يَصِحَّ الْعَمَلُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ: أَنَّ الْكِتَابَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ كَالْإِشْهَادِ عَلَى حُكْمٍ مَضَى فَيَجِبُ إنْفَاذُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ عَلَى مَرَاتِبِهِ إذْ ثَبَتَ أَنْ يُقَامَ مَقَامَ قَوْلِ الْقَاضِي نَفْسِهِ ثَبَتَ عِنْدِي كَذَا، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَدْلُولُ الْكِتَابِ، وَهَذَا إنَّمَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا دَامَ وَالِيًا، فَإِذَا عُزِلَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ عَلَى حَالٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى ذَلِكَ إشْهَادٌ، وَفِي حَالِ الْوِلَايَةِ فَيَجُوزُ عَمَلًا بِالشَّهَادَةِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا عُزِلَ أَوْ مَاتَ وَفِي دِيوَانِهِ شَهَادَةُ الْبَيِّنَاتِ وَعَدَالَتِهَا، لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ وَلَا يُجِيزُهُ مَنْ بَعْدَهُ، وَإِنْ قَالَ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ مَا فِي دِيوَانِي قَدْ شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ عِنْدِي، أَوْ قَالَ كُنْت حَكَمْت بِكَذَا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ كِتَابُ الْقَاضِي الْمَعْزُولِ، قَالَ ابْنُ الْمُنَاصِفِ: وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الطَّلَبَةِ وَأَجَازُوا ذَلِكَ وَهُوَ غَلَطٌ وَخُرُوجٌ عَنْ الْقَاعِدَةِ فِي ذَلِكَ.
فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِذَا كَتَبَ قَاضٍ إلَى قَاضٍ بِعَدَالَةِ شَاهِدٍ قَدْ شَهِدَ عِنْدَ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ مَنْ عَمَلِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَتَامٌّ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْقَاضِي الْمَشْهُودُ عِنْدَهُ هُوَ الَّذِي كَتَبَ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ يَسْأَلُهُ عَنْهُ أَوْ سَأَلَهُ عَنْهُ مُشَافَهَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمَشْهُودُ لَهُ لِلْقَاضِي الْمَشْهُودِ عِنْدَهُ سَلْ عَنْهُ قَاضِيَ فُلَانَةَ، أَوْ اُكْتُبْ إلَى قَاضِي فُلَانَةَ فَاسْأَلْهُ عَنْهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَوَاءٌ.
وَقَالَ لِي ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ مِنْ عَمَلِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ كَانَ فِيهِ كَغَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، إنْ كَانَ الْقَاضِي الَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ فَهُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ السُّؤَالَ عَنْهُ مُشَافَهَةً، وَكَتَبَ إلَيْهِ يَسْأَلُهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَيَكْفِي وَحْدَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُبْتَدَأُ السُّؤَالِ مِنْ عِنْدِ الْقَاضِي الْمَشْهُودِ عِنْدَهُ، وَكَانَ الْقَاضِي الَّذِي عَدَّلَهُ هُوَ الَّذِي أَخْبَرَ الْمَشْهُودَ عِنْدَهُ بِعَدَالَتِهِ وَكَتَبَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، فَهُوَ بِمَقَامِ مُعَدِّلٍ وَاحِدٍ يُلْتَمَسُ آخَرُ فَيَتِمُّ تَعْدِيلُهُ أَوْ لَا يُوجَدُ غَيْرُهُ فَلَا يَتِمُّ، ثُمَّ قَالَ لِي: أَصْلُ هَذَا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَا يَبْتَدِئُهُ الْقَاضِي عَلَى الظَّاهِرِ أَوْ فِي الْبَاطِنِ مِنْ عَدَالَةٍ، أَوْ جُرْحَةٍ أَوْ إخْبَارٍ عَنْ شَيْءٍ، يَلْتَمِسُ الْقَاضِي مَعْرِفَتَهُ فَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَبْتَدِئُ الْقَاضِي السُّؤَالَ عَنْهُ لِنَفْسِهِ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فِي الظَّاهِرِ أَوْ الْبَاطِنِ، اكْتَفَى فِيهِ بِالْوَاحِدِ أَوْ أَمِينِهِ وَرَسُولُهُ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ اُنْظُرْ فِي قَوْلِهِ: أَوْ كَتَبَ إلَيْهِ يُعْلِمُهُ بِعَدَالَتِهِ، وَلَيْسَ الشَّاهِدُ مِنْ عَمَلِ الْقَاضِي الْكَاتِبِ فَهُوَ بِمَقَامِ مُعَدَّلٍ يُلْتَمَسُ مَعَهُ آخَرُ، وَانْظُرْ كَيْفَ أَجَازَ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ بِكِتَابٍ دُونَ الْمُشَافَهَةِ وَدُونَ
стр. 516
الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ فِي هَذَا وَفِي قَوْلِهِ قَبْلَ هَذَا، كَيْفَ جَازَ لِلْقَاضِي الَّذِي هُوَ مِنْ عَمَلِهِ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِالْكِتَابِ، فَيَجُوزُ تَعْدِيلُهُ وَحْدَهُ.
تَنْبِيهٌ: وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يُوجَدُ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي، فَإِذَا وُجِدَ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي أَنَّ عِنْدَ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي عِنْدَنَا كَذَا، أَوْ قَالَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا، وَأَنْكَرَ الْأَمِينُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِمَّا ذَكَرَ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ شَيْءٌ حَلَفَ وَبَرِئَ، وَكَانَ الْقَاضِي لِذَلِكَ الْمَالِ ضَامِنًا حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، لِأَنَّهُ قَدْ تَعَدَّى وَعَرَّضَ الْمَالَ لِلتَّلَفِ إذَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يُؤْخَذُ الْأُمَنَاءُ بِمَا وُجِدَ فِي دِيوَانِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ عِنْدَهُمْ إلَّا بِإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ عِنْدَ الْإِشْهَادِ بِهِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.
[فَصْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْعَمَلِ بِكِتَابِ الْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ الْإِمَامُ]
ُ لِلْقَاضِي فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي ضِمْنِ وِلَايَتِهِ إلَّا أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ الْكُتُبِ فَلَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ، وَاشْتَرَطَ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خَارِجَ الْمَذْهَبِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقْ مَالِكٌ بَيْنَ الْمَوَاضِعِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ وَلَا بَيْنَ سَائِرِ الْحُقُوقِ، فَأَبَاحَ ذَلِكَ فِي الْحُقُوقِ وَالْأَحْكَامِ كُلِّهَا.
[فَصْلٌ مَنْ وَلَّاهُ أَحَدٌ مِنْ قُضَاةِ الْإِمَامِ مُسْتَعِينًا بِهِ فِي الْجِهَاتِ]
فَصْلٌ: وَأَمَّا مَنْ وَلَّاهُ أَحَدٌ مِنْ قُضَاةِ الْإِمَامِ مُسْتَعِينًا بِهِ فِي الْجِهَاتِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَخْلَفِينَ قَبُولُ كُتُبِ مَنْ وَلَّاهُمْ وَاسْتَخْلَفَهُمْ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى مَنْ وَلَّاهُمْ قَبُولُ كُتُبِهِمْ، وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمُسْتَخْلِفَيْنِ بِفَتْحِ اللَّامِ التَّخَاطُبُ فِيمَا بَيْنَهُمْ؟ وَأَنْ يَقْبَلُوا كِتَابَ قَاضِي بَلَدٍ غَيْرِ مَنْ وَلَّاهُمْ، وَيَقْبَلُ خِطَابَهُمْ مَنْ لَمْ يُوَلِّهِمْ، أَمَّا تَخَاطُبُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ الْحُكْمُ فِيهِ إلَى إذْنِ الَّذِي وَلَّاهُمْ، فَإِنْ أَبَاحَهُ لَهُمْ جَازَ، وَإِنْ قَصَرَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى مُخَاطَبَتِهِ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ، لِأَنَّ نَظَرَهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى نَظَرِهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكَاتِبَهُمْ قَاضِي بَلَدٍ غَيْرِ مَنْ وَلَّاهُمْ، وَلِيَكُنْ كِتَابُهُ إلَى الَّذِي وَلَّاهُمْ وَاَلَّذِي وَلَّاهُمْ هُوَ الَّذِي يَكْتُبُ إنْ كَانَ الْحَقُّ قِبَلَهُمْ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ وُلَاةِ الْأَمْصَارِ غَيْرَ مَنْ وَلَّاهُمْ كِتَابًا وَلَا حُكْمًا فِي شَيْءٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِإِذْنِ الَّذِي وَلَّاهُمْ وَإِمْضَائِهِ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِمْ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ اسْتِخْلَافُهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَرُتْبَتُهُمْ فِي ذَلِكَ كَرُتْبَةِ الَّذِي وَلَّاهُمْ سَوَاءٌ مِنْ التَّنْبِيهِ.
стр. 517
[الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِكِتَابِ الْقَاضِي إلَى أَمِينِهِ]
وَكِتَابِ أَمِينِ الْقَاضِي إلَيْهِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ مَنْ لَا يُعْرَفُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ بَلَدِهِ، أَنْ يَكْتُبَ فِي تَعْدِيلِهِ إلَّا إلَى قَاضٍ رَضِيَ وَيَثِقُ بِاحْتِيَاطِهِ فِيمَا حَمَلَ مِنْ أَمْرِ مَنْ وَلِيَ النَّظَرَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِهِ فَلَا يَكْتُبْ عَلَيْهِ فِي تَعْدِيلِ مَنْ شَهِدَ عِنْدَهُ، وَلَا فِي حُكْمٍ يُفَوَّضُ إلَيْهِ أَوْ يُنَفِّذُهُ لَهُ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ فِي الْكُورَةِ رِجَالٌ تُرْضَى حَالُهُمْ وَيُؤْمَنُ مِنْ غَفْلَتِهِمْ كُتِبَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رِجَالٌ فَرَجُلٌ وَاحِدٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ يُكْتَبُ إلَيْهِ، فَيَسْأَلُهُ عَنْ الشَّاهِدِ عِنْدَهُ وَعَمَّا أَحَبَّ مِنْ أُمُورِهِ، ثُمَّ يَعْمَلُ عَلَى مَا يَأْتِيهِ مِنْ عِنْدَهُ أَوْ مِنْ عِنْدِهِمْ إنْ كَانُوا جَمَاعَةً، وَلْيَكْتَفِ فِي ذَلِكَ بِرَسُولِهِ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالْكِتَابِ إذَا صَحَّ عِنْدَهُ وَكَانَ مَأْمُونًا، وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ هُوَ الَّذِي سَارَ بِالْكِتَابِ فَلَا يَقْبَلُهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِشَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ: أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي أَوْ الْأَمِينِ أَوْ الْأُمَنَاءِ الَّذِينَ كَتَبَ إلَيْهِمْ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ مِثْلَهُ.
فَرْعٌ: وَلَوْ كَانَ لِلْقَاضِي فِي نَوَاحِي عَمَلِهِ رِجَالٌ يَكْتُبُ إلَيْهِمْ فِي أُمُورِ الرَّعِيَّةِ بِتَنْفِيذِ الْأَقْضِيَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَهُ بِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ وَمِنْ الثِّقَةِ يَحْمِلُهُ إلَيْهِ، وَبِمَعْرِفَةِ الْخَاتَمِ لِتَقَرُّبِ الْمَسَافَةِ وَاسْتِدْرَاكِ مَا يُخْشَى مِنْ التَّعَدِّي، وَأَمَّا إذَا مَا اعْتَرَفَ الْعُمَّالُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ.
فَرْعٌ: قَالُوا وَمَا كَتَبَ بِهِ الْقَاضِي إلَى قَاضِي الْجَمَاعَةِ أَوْ الْفَقِيهِ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْرٍ وَيَسْتَرْشِدُهُ فِيهِ مِمَّا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْحُكُومَةِ بَيْنَ الْخُصُومِ، فَإِنْ أَتَاهُ بِرَسُولِهِ أَوْ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَوْ عَرَفَ خَطَّهُ وَكِتَابَهُ إلَيْهِ فَلْيَقْبَلْهُ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَهُ بِهِ الْخَصْمُ الَّذِي الْمَسْأَلَةُ لَهُ، فَلَا نَرَى أَنْ يَقْبَلَهُ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ.
стр. 518
[الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِمُشَافَهَةِ الْقَاضِي لِلْقَاضِي]
وَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِمَا شَافَهَهُ بِهِ حَاكِمٌ آخَرُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْقَاضِيَانِ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ، فَيُشَافِهَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ شَهَادَةٍ أَوْ حُكْمٍ، فَيَحْكُمَ الْآخَرُ بِذَلِكَ أَوْ يُنَفِّذَ الْحُكْمَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: إلَّا أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ قَلِيلُ الْجَدْوَى، لِأَنَّهُ إذَا اتَّحَدَ الْبَلَدُ تَمَّمَ الْأَوَّلُ بِنَفْسِهِ مَا أَرَادَ إنْهَاءَهُ إلَى الثَّانِي، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَعْرِضَ الْأَوَّلَ عَارِضٌ مِنْ مَرَضٍ وَشَبَهِهِ مِمَّا يَمْنَعُهُ مِنْ التَّمَامِ.
الثَّانِي: أَنْ يَمْتَازَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي طَرَفِ عَمَلِهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِ عَمَلِهِ فَأَنْهَى أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ مُشَافَهَةً مَا يُرِيدُ إنْهَاءَهُ إلَيْهِ، فَيَلْزَمُ الْآخَرَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ وَذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الشَّهَادَةِ، وَلَمْ يَعُدُّوهُ مِنْ حُكْمِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ.
فَرْعٌ: فَلَوْ كَانَ الْمَنْهِيُّ فِي غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي هُوَ وَالٍ عَلَيْهَا، فَأَنْهَى إلَى قَاضِيهَا شَيْئًا لَمْ يَسْمَعْ قَاضِي الْجِهَةِ؛ لِأَنَّهُ مَعْزُولٌ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ.
وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ: وَرَأَيْت فُقَهَاءَ طُلَيْطِلَة يُجِيزُونَ إخْبَارَ الْقَاضِي الْمُخْتَلِّ بِذَلِكَ الْبَلَدِ قَاضِيَ الْبَلَدِ بِهِ، وَيُنَفِّذُ وَيَرَوْنَهُ كَمُخَاطَبَتِهِ إيَّاهُ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَفِي كِتَابِ مِنْهَاجِ الْقَضَاءِ لِابْنِ حَبِيبٍ وَسَأَلْت أَصْبَغَ عَنْ الْقَاضِي يَبْعَثُهُ الْإِمَامُ إلَى بَعْضِ الْأَمْصَارِ فِي شَيْءٍ نَابَهُ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ، فَيَأْتِيهِ رَجُلٌ فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ بِبَيِّنَةٍ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ وَيَذْكُرُ أَنَّ لَهُ حَقًّا قِبَلَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ وَهُوَ غَائِبٌ بِعَمَلِهِ، وَيَذْكُرُ أَنَّ شُهُودَهُ بِهَذَا الْمِصْرِ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمْ أَيُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يَرَى بِهِ بَأْسًا، قَالَ: نَعَمْ يَسْمَعُ مِنْ بَيِّنَتِهِ وَيَرْفَعُ شَهَادَتَهُمْ وَيَسْأَلُهُ تَعْدِيلَهُمْ وَإِنْ شَاءَ سَأَلَهُ قَاضِي ذَلِكَ الْمِصْرِ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنْهُمْ بِعَدَالَةٍ اجْتَزَى بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ.
стр. 519
فَرْعٌ: وَلَوْ اجْتَمَعَ الْخَصْمَانِ عِنْدَهُ بِذَلِكَ الْمِصْرِ فَأَرَادَا الْمُخَاصَمَةَ عِنْدَهُ وَالشَّيْءُ الَّذِي يَخْتَصِمَانِ فِيهِ فِي بَلَدِ ذَلِكَ الْقَاضِي الْغَائِبِ عَنْ نَظَرِهِ لَمْ يَنْظُرْ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُمَا حِينَ اجْتَمَعَا فِي ذَلِكَ الْمِصْرِ قَدْ صَارَ أَمْرُهُمَا إلَى قَاضِيهِ، إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَيْهِ كَتَرَاضِيهِمَا بِعَدْلٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا وَيَلْزَمُهُمَا إنْ قَضَى بِالْحَقِّ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ وَنَزَلَتْ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَسْأَلَةٌ سَأَلْت عَنْهَا شَيْخَنَا ابْنَ عَتَّابٍ، وَذَلِكَ فِي الْقَاضِي يَحِلُّ بِغَيْرِ بَلَدِهِ وَقَدْ كَانَ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِبَلَدٍ حَقٌّ لِرَجُلٍ، فَسَأَلَهُ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ أَنْ يُخَاطِبَ لَهُ مِنْ مَوْضِعِ اخْتِلَالِهِ قَاضِيَ مَوْضِعِ مَطْلُوبِهِ بِمَا كَانَ أَثْبَتَهُ عِنْدَهُ بِبَلَدِهِ، فَقَالَ لِي: لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، قُلْت: فَإِنْ فَعَلَ، قَالَ: تَبْطُلُ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَلَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ يَنْفُذَ ذَلِكَ، قُلْت: فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ بِمَوْضِعِ اخْتِلَالِهِ، فَأَعْلَمَ قَاضِيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مُشَافَهَةً بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ، هَلْ يَكُونُ كَمُخَاطَبَتِهِ إيَّاهُ بِذَلِكَ مِنْ بَلَدِهِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ مِثْلَهُ، قُلْت لَهُ: فَمَا الْفَرْقُ؟ قَالَ: هُوَ إخْبَارُهُ هَا هُنَا بِمَا كَانَ ثَبَتَ عِنْدَهُ طَالِبٌ فُضُولِيٌّ، وَمَا الَّذِي يَدْعُوهُ إلَى ذَلِكَ؟ . قُلْت: وَمَا يَمْنَعُهُ مِنْ إخْبَارِهِ بِهِ وَيُشْهِدُ عِنْدَهُ الْمُخْبِرُ بِذَلِكَ وَيُنَفِّذُهُ كَمَا يُشْهِدُ عِنْدَهُ بِمَا يَجْرِي فِي مَجْلِسِهِ مِنْ إقْرَارٍ وَإِنْكَارٍ وَيَقْضِي بِهِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ مِثْلَهُ وَلَكِنْ أَنْ يُشْهِدَ هَذَا الْقَاضِي الْمُخْبِرَ بِذَلِكَ شَاهِدَيْنِ فِي مَنْزِلِهِ، وَشَهِدَا بِذَلِكَ عِنْدَ قَاضِي الْمَوْضِعِ نَفَذَ وَجَازَ.
فَرْعٌ: وَفِي كِتَابِ أَدَبِ الْقَضَاءِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَإِذَا حَجَّ الْقَاضِي فَنَزَلَ مِصْرَ أَوْ غَيْرَهَا فَأَتَاهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَتِهِمْ عَلَى رَجُلٍ فِي عَمَلِهِ، أَوْ كَانَ قَدْ شَهِدَ عِنْدَهُ شُهُودٌ فِي عَمَلِهِ فَأَرَادُوا مِنْهُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى وَالِي الْعِرَاقِ، وَيُشْهِدَ عَلَى كِتَابِهِ بِذَلِكَ أَوْ إلَى مَكَّةَ أَوْ يَحْكُمَ لَهُمْ بِحُكْمٍ قَدْ شُهِدَ عِنْدَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَالِيَ ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ بَيِّنَتِهِ فِيهَا وَلَا يَنْظُرَ فِي بَيِّنَةِ أَحَدٍ وَلَا يَشْهَدُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إلَّا بِبَلَدِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ قَدْ شَهِدَ عِنْدَهُ أَحَدٌ بِبَلَدِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُمْ حَيْثُ هُوَ فَذَلِكَ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ قَاضِيَ الْبَلَدِ فَأَخْبَرَهُ بِعَدَالَتِهِ اُجْتُزِئَ بِذَلِكَ.
стр. 520
[الْبَابُ الْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَنُفُوذِ قَوْلِهِ]
فِي الْقَضَاءِ بِعِلْمِ الْقَاضِي وَنُفُوذِ قَوْلِهِ وَاخْتِلَافُ الْقَاضِي وَالشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فَإِذَا كَانَ الْحَاكِمُ عَالِمًا بِعَدَالَةِ الشَّاهِدِ، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ لَزِمَهُ أَنْ يُعَدِّلَهُ إذَا سَأَلَ عَنْهُ، فَذَلِكَ الَّذِي يُجِيزُ شَهَادَتَهُ عَلَى عِلْمِهِ وَلَا يَسْتَعِدُّ لَهُ لَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً، وَإِنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْلَمْ الْحَاكِمُ إلَّا أَنَّهُ مَعْرُوفُ الْعَدَالَةِ قَبْلَ ذَلِكَ إذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ مِنْ الشَّاهِدِ جُرْحَةً، حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا لَزِمَهُ أَنْ يَجْرَحَهُ إذَا سَأَلَ عَنْهُ، فَلَا يَسْتَعِدُّ لَهُ لَا سِرًّا وَلَا جَهْرًا وَلَا يَقْبَلُ شَهَادَتَهُ، وَإِنْ عَدَّلَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ عِنْدَهُ بِجَمِيعِ أَهْلِ بَلَدِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ عِلْمَهُ بِهِ إلَى أَحَدٍ فَوْقَهُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَاتِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي التَّجْرِيحِ، قَالَ أَصْبَغُ وَذَلِكَ إذَا كَانَ يُحْدِثَانِ مَا عَلِمَ بِهِ الْجَرْحَةَ وَالْفَسَادَ، فَأَمَّا بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ فَأَرَى أَنْ يَسْتَعِدَّ لَهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهَذَا أَحْسَنُ، قَالَ فَضْلٌ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي لِعَانِهِ وَذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ التَّعْدِيلُ وَإِنْ عَلِمَ خِلَافَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عِنْدَ رَدِّ الشَّهَادَةِ مَعَ التَّعْدِيلِ قَاضٍ بِعِلْمِهِ، قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ إنْ عَلِمَهُ الْقَاضِي غَيْرَ عَدْلٍ وَلَا رِضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ.
فَرْعٌ: وَلَوْ جَاءَ شَهِيدَانِ، إمَّا مَجْرُوحَانِ أَوْ لَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ يَقْبَلُهُمَا إلَّا بِتَعْدِيلٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي شَهِدَا بِهِ حَقٌّ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُ بِغَيْرِ تَعْدِيلٍ وَلَا بِإِمْضَاءِ مَجْرُوحٍ قَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّهُ، وَلَوْ كَانَ يَزِيدُ عِلْمُهُ بِشَيْءٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُ بِلَا شَاهِدٍ؛ لِأَنَّهُ مَجْرُوحٌ.
فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي بَابِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَحَدُهُمَا مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ، قَالَ: وَإِذَا شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ وَسَمِعَ مِنْهُ وَقَبِلَ شَهَادَتَهُ عَلَى عِلْمِهِ إنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ، وَلَيْسَ مِثْلَ تَعْدِيلِهِ إيَّاهُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ؛ لَأَنْ يَقْبَلَ الْحَاكِمُ الشَّهَادَةَ عَلَى عِلْمِهِ بِعَدَالَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ عَلَى عِلْمِهِ.
стр. 521
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْحَاكِمِ إذَا قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي شُهُودٌ فِي وَجْهِ كَذَا، أَوْ أَنَّهُ أَعْذَرَ إلَيَّ فُلَانٌ فِي كَذَا، أَوْ أَنَّهُ أَجَّلَهُ وَانْقَضَتْ الْآجَالُ وَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ أَوْ أَنَّهُ عَجَّزَهُ.
فَرْعٌ: وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عِنْدَ الْقَاضِي فِي حَقٍّ وَفِي عِلْمِ الْقَاضِي مَا فِي عِلْمِ الشَّاهِدَيْنِ، فَلَا يُبِيحُ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْمَدْفَعَ فِيهِمَا وَلَا فِيمَنْ عَدَّلَهُمَا إذَا كَانَا مُعَدَّلَيْنِ.
فَرْعٌ: وَإِنْ كَانَ قِبَلَ أَحَدٍ شَيْءٌ أَوْ لِأَحَدٍ قِبَلَهُ شَيْءٌ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ، وَوَكَّلَ وَكِيلًا يُخَاصِمُهُ عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ خَاصَمَ وَلَمْ يُوَكِّلْ، فَإِنْ رَضِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُحَكِّمَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا يَقْبَلُ وَلَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ إلَّا إنْ شَاءَ، وَأَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهَا فَيَكُونُ كَالْإِقْرَارِ مِنْهُ بِمَا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ خَصْمُهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَحْكِيمِ الْخَصْمِ لِخَصْمِهِ فَيَحْكُمُ لِنَفْسِهِ أَوْ عَلَيْهَا، فَيَجُوزُ ذَلِكَ وَيَمْضِي مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا أَوْ خَطَأً لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَوْ حَكَمَ خَصْمُهُ فَثَالِثُهَا يُمْضِي مَا لَمْ يَكُنْ الْمُحَكَّمُ الْقَاضِيَ، وَعَلَّلَ ابْنُ رَاشِدٍ الْقَوْلَ بِالتَّفْرِقَةِ بِأَنَّ خَصْمَ الْقَاضِي قَدْ يَخَافُ فَيَرْضَى بِحُكْمِهِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَشَارَ بَعْضُ الشُّيُوخِ إلَى أَنَّهُ يُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ إلَّا إذَا كَانَ عَالِمًا بِمَا يَحْكُمُ بِهِ، وَأَمَّا إنْ كَانَ جَاهِلًا فَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُهُ أَوَّلًا وَلَا يَنْفُذُ، وَأَشَارَ أَيْضًا إلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ يُظَنُّ بِهِ مَعْرِفَةَ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ مَذْهَبُ الْخَصْمَيْنِ فَحَكَمَ بِخِلَافِ مَا كَانَا يَظُنَّانِهِ مِنْ الْمَذْهَبِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمَا، كَمَا إنْ كَانَ الْحَاكِمُ وَاَللَّذَانِ حَكَّمَاهُ مَالِكِيَّيْنِ، وَهَذَا التَّنْبِيهُ يَتَعَلَّقُ بِفَصْلِ التَّحْكِيمِ وَلَيْسَ هُوَ خَاصًّا بِالْفَرْعِ الْمُتَقَدِّمِ.
فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتْبَعَ آخَرَ بِمَالٍ أَوْ دَمٍ أَوْ حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ، وَكَانَ الْحَاكِمُ فِيهِ شَاهِدًا لَمْ تَمْنَعْهُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ أَهْلِهِ بِالشُّهُودِ كَمَا يَقْضِي فِي غَيْرِهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ فِيهَا بِشَهَادَةِ نَفْسِهِ، وَلَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ بِمَا قِبَلَهُ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ، الَّذِينَ هُمْ أَمْثَالُهُ مِنْ الْقُضَاةِ أَوْ وُلَاةِ السُّوءِ وَأَصْحَابِ الشُّرْطَةِ وَالْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يَقْضُونَ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ
стр. 522
أَحَدٌ مِمَّنْ وَصَفْنَا رَفَعَ ذَلِكَ إلَى رَجُلٍ مِنْ رَعِيَّتِهِ، وَإِنْ كَانُوا تَحْتَهُ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، حِينَ قَاضَى رَجُلًا إلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأُبَيٌّ غَيْرُ ذِي سُلْطَانٍ، قَالُوا: فَإِنْ أَبَى الْمَطْلُوبُ أَنْ يُرَافِعَهُ عِنْدَ مَنْ ذَكَرْنَا، إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ غَيْرُ ذَلِكَ الْقَاضِي وَجَبَ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يُجْبِرَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى التَّرَاضِي بِرَجُلٍ يَتَحَاكَمَانِ إلَيْهِ، ثُمَّ يَضَعَ شَهَادَتَهُ عِنْدَهُ فَيَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا ظَهَرَ لَهُ.
فَرْعٌ: وَأَمَّا مُبْتَدَآتُ مَا يَحْكُمُ بِهِ وَيَقْضِي بِهِ فِي مَجْلِسِهِ، فَذَلِكَ مِمَّا جُعِلَ إلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ بِمَا سَمِعَهُ فِي مَقْعَدِهِ ذَلِكَ، وَلَا يَدْعُو فِيهِ بِبَيِّنَةٍ وَلَا مَا يُثْبِتُ فِيهِ وَثِيقَةً قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، وَلَا يَرُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ جَحْدُهُ إنْ قَالَ شَيْئًا، ثُمَّ ذَهَبَ يَتَفَقَّهُ وَيَنْتَظِرُ أَنْ يُقَرِّرَهُ وَيُشْهِدَ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَمْ أَقُلْهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَهَذَا مِمَّا جُعِلَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ مَحْمُولَةٍ وَلَا أَمْرٍ كَانَ قَبْلَ مَقْعَدِهِ، قَالَ فَضْلٌ بِهَذَا.
قَالَ سَحْنُونٌ وَأَبَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِهِ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَحْكُمُ وَعَلَيْهِ قُضَاةُ الْمَدِينَةِ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ مَالِكًا قَالَ غَيْرَهُ، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَسَحْنُونٌ وَأَصْبَغُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي مَسْأَلَةِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَصَحُّ لِفَسَادِ الزَّمَانِ، وَلَوْ أَدْرَكَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَسَحْنُونٌ زَمَانَنَا لَرَجَعَا عَمَّا قَالَاهُ، وَلَوْ أُخِذَ بِقَوْلِهِمَا لَذَهَبَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ وَحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِمَا لَمْ يُقِرُّوا بِهِ.
فَرْعٌ: ثُمَّ إذَا حَكَمَ بِعِلْمِهِ فِي ذَلِكَ فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ يَنْقُضُهُ هُوَ كَمَا يَنْقُضُهُ غَيْرُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: وَأَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْخَصْمُ فِي مَجْلِسِ الْحُكُومَةِ فَحَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَلَا يُنْقَضُ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِيهِ.
فَرْعٌ: وَهَلْ يَحْتَاجُ الْحَاكِمُ إلَى إعْذَارٍ إلَى الْخَصْمَيْنِ فِيمَا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عِنْدَهُ مِنْ إقْرَارِ هَذَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَفِي مَجْلِسِهِ أَمْ لَا؟ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ إذَا انْعَقَدَ فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ مَقَالٌ وَشَهِدَ بِهِ شُهُودُ الْمَجْلِسِ عِنْدَهُ أَنْفَذَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ، وَلَمْ يُعْذَرْ إلَيْهِ فِيمَنْ شَهِدَ بِهِ لِكَوْنِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَطَعَهُ بِحَقِيقَتِهِ.
стр. 523
فَرْعٌ: وَإِذَا لَمْ يُصَرِّحْ الْقَاضِي عَنْ أَسْمَاءِ الشُّهُودِ الَّذِينَ قَبِلَهُمْ بِزَعْمِهِمْ، وَقَضَى بِهِمْ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ الْحَاكِمُ مَشْهُورًا بِالْعَدْلِ فُسِخَ ذَلِكَ. وَكَانَ سَحْنُونٌ يَذْهَبُ إلَى تَرْكِ الشُّهُودِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ، لِأَنَّ سَحْنُونًا يَرَى أَنْ يُقَامَ لِلْغَائِبِ وَكِيلٌ يُدَافِعُ عَنْهُ.
وَفِي الطُّرُرِ وَالْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ.
فَرْعٌ: وَفِي كِتَابِ الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ: وَإِذَا أَمَرَ الْقَاضِي بِقَتْلِ رَجُلٍ أَوْ بِقَطْعِهِ أَوْ بِفَتْقِ عَيْنِهِ، فَقَالَ: هَذَا قِصَاصٌ لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ، وَفُلَانٌ ذَلِكَ حَاضِرٌ يَدَّعِي الْقِصَاصَ، فَالْقَاضِي مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلَوْ أَخَذَ مَالًا مِنْ رَجُلٍ فَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ فَقَالَ: قَضَيْت بِهِ عَلَيْك أَوْ فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَ رَجُلٍ، فَقَالَ: قَضَيْت عَلَيْهِ بِهَذَا فَهُوَ مُصَدَّقٌ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرَ بِحَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى يُقَامُ عَلَى رَجُلٍ وَقَالَ: قَضَيْت بِهِ عَلَيْك، وَأُقِيمَ عَلَيْهِ بِالْحَدِّ وَنَفَذَ وَكَانَ مُصَدَّقًا إذَا كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْقَضَاءِ، وَنَزَلَ أَمْرُهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مِنْ الِاسْتِقْصَاءِ شَيْئًا إلَّا أَتَى بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا قَضَى وَسَجَّلَ بِقَضِيَّةٍ لَمْ يَنْظُرْ فِيهَا مَنْ كَانَ بَعْدَهُ مِنْ الْقُضَاةِ، لِأَنَّهُ يُنْزِلُهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اسْتَقْصَى، وَلَوْ فَسَّرَ كَيْفَ قَضَى؟ فَرُبَّمَا كَانَ فِي تَفْسِيرِهِ مَا يُبَيِّنُ خَطَأَهُ وَمَا يَرَى مِنْ بَعْدِهِ رَدَّهُ، وَلَوْ عُزِلَ فَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِمَا قَالَ قَضَيْت بِهِ عَلَيْكُمْ إذَا كَانَ قَاضِيًا، أَوْ سَجَّلَ قَضَاءَهُ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَكَانَ مُصَدَّقًا غَيْرَ مَسْئُولٍ بِبَيِّنَتِهِ.
فَرْعٌ: قَالَ سَحْنُونٌ وَإِذَا كَتَبَ الْقَاضِي لِرَجُلٍ قَضَى فَكَتَبَ فِي قَضَائِهِ، سَأَلْت فُلَانًا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى فَأَتَانِي بِبَيِّنَةٍ، فَقَبِلْت عِلْمَهُمْ وَأَجَزْت شَهَادَتَهُمْ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمِّيَهُمْ فِي قَضَائِهِ وَيَكْتُبَ وَهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْ فِي قَضَائِهِ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ قَوْلُ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: وَإِنْ قَالَ: أَشْهَدْتُكُمْ أَنِّي قَضَيْت لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَكْتُبْ فِي قَضَائِهِ وَسَأَلْت فُلَانًا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى فَأَتَانِي عَلَى ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ هَذَا الْقَضَاءُ صَحِيحًا وَيَجُوزُ.
فَرْعٌ: وَمِنْ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت الَّذِي يَتَنَاوَلُ الْقَاضِيَ بِالْكَلَامِ؟ فَيَقُولُ لَهُ ظَلَمْتنِي، فَقَالَ: إنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ تَفْسِيرًا، لَا أَنَّ وَجْهَ مَا قَالَ: إذَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَذَاهُ، وَكَانَ الْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ فَإِنَّهُ
стр. 524
يُعَاقِبُهُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: هَذَا كَمَا قَالَ: إنَّ الْقَاضِيَ الْفَاضِلَ الْعَدْلَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى مَنْ تَنَاوَلَهُ بِالْقَوْلِ، وَآذَاهُ بِأَنْ نَسَبَ إلَيْهِ الظُّلْمَ وَالْجَوْرَ وَمُوَاجِهَةً بِحَضْرَةِ أَهْلِ مَجْلِسِهِ، بِخِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ آذَاهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ، لِأَنَّ مَا وَاجَهَهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِقْرَارِ، وَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ انْتَهَكَ مَالَهُ فَيُعَاقِبُهُ بِهِ، وَيَتَمَوَّلُ الْمَالَ بِإِقْرَارِهِ وَلَا يَحْكُمُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَطْعُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ يَدَ الْأَقْطَعِ الَّذِي سَرَقَ عِقْدَ بِنْتِهِ أَسْمَاءَ لَمَّا اعْتَرَفَ بِسَرِقَتِهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْمُوَطَّأِ فَاعْتَرَفَ الْأَقْطَعُ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ عَلَى الشَّكِّ وَالصَّوَابُ مَا فِي غَيْرِ الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ اعْتَرَفَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِقْرَارِ فِي مَالِهِ كَمَا يَحْكُمُ بِهِ فِي مَالِ غَيْرِهِ كَانَ أَحْرَى أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِقْرَارِ فِي عِرْضِهِ، كَمَا يَحْكُمُ بِهِ فِي عِرْضِ غَيْرِهِ، لِمَا يَتَعَلَّقُ فِي ذَلِكَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الِاجْتِرَاءَ عَلَى الْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ وَتَرْكَ الْمُعَاقَبَةِ فِي مِثْل هَذَا، تَوْهِينٌ لِأَمْرِهِمْ وَدَاعِيَّةٌ إلَى الضَّعْفِ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ، وَالْأَحْكَامُ وَالْمُعَاقَبَةُ فِي مِثْلِ هَذَا أَوْلَى مِنْ التَّجَافِي وَالْعَفْوِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ.
فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ فَضْلٌ: وَسُئِلَ ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ الْقَاضِي يُشْهِدُ أَنَّهُ حَكَمَ عَلَى رَجُلٍ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَيُنْكِرُ الشُّهُودُ أَنْ يَكُونُوا شَهِدُوا عِنْدَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: يُرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْوَالِي أَوْ إلَى قَاضٍ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَاضِي الَّذِي أَشْهَدَ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ بِشَهَادَةِ مَنْ سَمَّى عَدْلًا مَأْمُونًا لَزِمَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ أُبْطِلَ وَابْتَدَأَ فِيهِ الْحُكُومَةَ الَّتِي رُفِعَتْ إلَيْهِ، قَالَ فَضْلٌ وَقَدْ قَالَهُ سَحْنُونٌ أَيْضًا وَزَادَ فَقَالَ: وَلَا شَيْءَ عَلَى الشُّهَدَاءِ مِنْ الْغُرْمِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقِرُّوا بِالشَّهَادَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ إذَا قَضَى الْقَاضِي عَلَى رَجُلٍ بِقَضِيَّةٍ فِي دَيْنٍ أَوْ دَارٍ أَوْ فِي حَقٍّ مِنْ جَمِيعِ الْحُقُوقِ، وَذَكَرَ فِي قَضِيَّتِهِ أَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ عَجَزَ عَمَّا خَاصَمَ فِيهِ، وَلَمْ يَرَ لَهُ فِي حُجَّتِهِ وَجْهَ حَقٍّ، وَأَنَّهُ قَدْ ضَرَبَ لَهُ الْآجَالَ فَأَنْكَرَ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ خَاصَمَ إلَيْهِ أَوْ سَمِعَ حُجَّتَهُ، فَالْقَضَاءُ لَهُ لَازِمٌ وَلَيْسَ عَلَى الْمَقْضِيِّ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَدْ خَاصَمَهُ إلَيْهِ، وَرَأْيٌ مُخْتَلِفًا مَعَهُ أَوْ مُتَرَدِّدًا عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الْقَاضِي عَلَى الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ بِمَا وَقَعَ فِي الْقَضِيَّةِ وَأَشْهَدَ بِهِ مَقْبُولٌ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا إذَا كَانَ مَأْمُونًا، وَلَمْ يَلْزَمْ بِقَوْلِ الْقَاضِي وَحْدَهُ إذَا أَشْهَدَ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَدْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالَ يَتِيمٍ عِنْدَهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إلَّا بِإِقْرَارٍ مِنْهُ بِذَلِكَ عِنْدَ إشْهَادِ الْقَاضِي بِذَلِكَ عَلَيْهِ.
стр. 525
[فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ الْقَاضِي وَالشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ]
فِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا لِرَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى آخَرَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَقَضَى الْقَاضِي بِالدَّيْنِ لِلْمَطْلُوبِ عَلَى الطَّالِبِ فَأَغْرَمَهُ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَهُ فِي دِيوَانِهِ بِخَطِّ يَدِهِ أَوْ خَطِّ كَاتِبِهِ أَوْ لَمْ يَكْتُبْهُ، فَقَالَ الشَّاهِدَانِ حِينَ عَلِمَا بِحُكْمِهِ: إنَّمَا شَهِدْنَا بِالْمِائَةِ لِهَذَا عَلَى الْآخَرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بَلْ شَهِدْتُمَا لِلْآخَرِ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ، فَإِنْ رَجَعَ الْقَاضِي عَنْ قَوْلِهِ وَقَالَ: وَهِمْت أَوْ أَشُكُّ رَجَعَ فَأَخَذَ الْمِائَةَ مِمَّنْ هِيَ فِي يَدِهِ فَرَدَّهَا إلَى الْآخَرِ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَشُكُّ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِهَا، وَغَرِمَهَا هُوَ؛ لِأَنَّ الشُّهُودَ شَهِدُوا بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَهُمَا عَدْلَانِ فَيَغْرَمُ الْمِائَةَ الَّتِي أَخْطَأَ فِيهَا، وَالْمِائَةَ الَّتِي كَانَتْ الشَّهَادَةُ بِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ حَضَرَ الْقَاضِيَ قَوْمٌ عُدُولٌ فَشَهِدُوا بِمِثْلِ مَا قَالَ الْقَاضِي، فَيُرْفَعُ ذَلِكَ إلَى مَنْ فَوْقَهُ فَيَحْكُمُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بِهِ جُلَسَاءُ الْقَاضِي إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَانِ أَعْدَلَ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِجَرْحَتِهِمَا، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ خَصْمٌ.
[فَصْلٌ أَقَرّ عِنْدَ الْقَاضِيَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ مُسْتَنِدًا لِإِقْرَارِهِ ثُمَّ أَنْكَرَ الْإِقْرَار]
فَصْلٌ: فَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِيَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ مُسْتَنِدًا لِإِقْرَارِهِ، ثُمَّ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ مَضَى ذَلِكَ الْحُكْمُ، وَلَا يُفِيدُ الْخَصْمَ إنْكَارُهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ إذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ حَكَمَ، فَأَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى حُكْمِهِ. قَالَ اللَّخْمِيُّ وَقَوْلُ ابْنِ الْجَلَّابِ: هُوَ الْأَشْبَهُ فِي قَضَاءِ الْيَوْمِ لِضَعْفِ عَدَالَتِهِمْ.
فَرْعٌ: أَمَّا لَوْ أَنْكَرَ الْخَصْمُ أَنَّهُ أَقَرَّ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ الْقَاضِي عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَحْكُمُ وَوَافَقَهُ سَحْنُونٌ وَقَالَا: لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا مِنْ بُلِيَ بِالْقَضَاءِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ هُوَ الْقِيَاسُ، وَلِذَلِكَ جَلَسَ وَلَوْ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ لَتَعَطَّلَتْ أَحْكَامُ النَّاسِ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فَهَلْ يُشْهِدُ بِذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِ أَوْ لَا؟ قَالَ: أَمَّا مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ قَبْلَ جُلُوسِهِ لِلْحُكْمِ فَيَجُوزُ، وَأَمَّا مَا أُقِرَّ بِهِ عِنْدَهُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
стр. 526
فِيهِ.
وَقَالَ أَيْضًا لَا تُقْبَلُ كَمَا لَوْ لَمْ يَمْضِ حُكْمُهُ فِيهِ، وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهَا تُقْبَلُ فَيَرْفَعُهَا لِمَنْ هُوَ فَوْقَهُ لَا لِمَنْ هُوَ دُونَهُ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا عَلِمَ السُّلْطَانُ الْأَعْلَى لِرَجُلٍ حَقًّا، فَأَرَادَ أَنْ يُشْهِدَ بِهِ عِنْدَ قَاضِيهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَبِهِ الْقَضَاءُ وَبِهِ أُفْتِي، وَقِيلَ: لَا يُشْهِدُ عِنْدَهُ إذَا كَانَ شَهِدَ عِنْدَ نَفْسِهِ.
فَرْعٌ: إذَا وَجَدَ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ حُكْمًا بِخَطِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ لَمْ يُعْتَمَدْ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ التَّزْوِيرِ عَلَيْهِ، وَلَوْ شَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ فَلَمْ يَذْكُرْ، فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يَنْفُذُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى الْبَيِّنَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ كَمَا يُمْضِيهِ غَيْرُهُ كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْضِيَهُ.
[الْبَابُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الْمَكْتُوبَةِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ]
وَفِي الْمُقْنِعِ وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ ﵀: فِي امْرَأَةٍ أَشْهَدَتْنَا عَلَى صَدَقَةِ ابْنَتِهَا عَلَى أَنْ لَا تُؤْخَذَ الشَّهَادَةُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهَا، قَالَ: لَا تَنْفَعُ الِابْنَةَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَاهِدٍ شَهِدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَمْوَالِ غَيْرِ الْفُرُوجِ وَالْحُرِّيَّةِ، مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ عَقَارٍ لِرَجُلٍ يَعْلَمُهُ وَيَرَاهُ بِيَدِ غَيْرِهِ، يَبِيعُهُ وَيَهَبُهُ وَيُحَوِّلُهُ عَنْ حَالِهِ فَلَا يَقُومُ بِعِلْمِهِ، ثُمَّ يَشْهَدُ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِفُلَانٍ فَيَقُولُ: لِمَ لَمْ تَقُمْ حِينَ رَأَيْت ذَلِكَ يُبَاعُ أَوْ يُوهَبُ؟ فَيَقُولُ: لَمْ أَسْأَلْ عَنْ عِلْمِي وَلَمْ أَرَ فَرْجًا يُوطَأُ وَلَا حُرًّا يُسْتَخْدَمُ، وَلَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أُخَاصِمَ، قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ حِينَ رَأَى الدَّارَ وَالْعَقَارَ يُبَاعُ، كَذَلِكَ فِي الْفُرُوجِ وَالْحَيَوَانِ إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ تُحَوَّلُ عَنْ حَالِهَا بِعِلْمِهِ، قَالَ غَيْرُهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ غَائِبًا أَوْ كَانَ حَاضِرًا لَا يُعْلَمُ، أَمَّا إذَا كَانَ حَاضِرًا يُعْلَمُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ حَاضِرًا يَرَى ذَلِكَ يُبَاعُ فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ. قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ: لَا أَرَى ذَلِكَ إلَّا فِيمَا كَانَ حَقًّا لِي، وَمَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ أَنْ يَقُومَ بِهِ إنْ كَذَّبَهُ الْمُدَّعِي كَالْحُرِّيَّةِ وَالطَّلَاقِ، وَأَمَّا الْعُرُوض وَالرِّبَاعُ وَالْحَيَوَانُ فَلَا
стр. 527
تُبْطِلُهُ شَهَادَتُهُ، لِأَنَّ رَبَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ حَاضِرًا فَهُوَ أَضَاعَ حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَلَيْسَ لِلشَّاهِدِ شَهَادَةٌ، فَلِذَلِكَ لَا يَضُرُّ الشَّاهِدَ إنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى حَبْسٍ أَوْ أَرْضٍ لِرَجُلٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، فَإِذَا رَأَوْا الْحَبْسَ يُكْتَبُ فِي الْمُهُورِ أَوْ يُبَاعُ وَيُتَدَاوَلُ وَيَطُولُ زَمَانُهُ وَلَمْ يَقِفُوا بِذَلِكَ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَكَلَّمُوا أَوْ شَهِدُوا أَوْ كَانُوا غُيَّبًا أَوْ كَانَ لَهُمْ عُذْرٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ كَقَوْلِ سَحْنُونٍ.
فَرْعٌ: قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ شَهِدُوا بِحِنْثٍ فِي عِتْقِ رَقِيقٍ، وَأَمْسَكُوا عَنْ الشَّهَادَةِ حَتَّى حَالَ حَوْلٌ أَوْ مَضَى شَهْرٌ أَوْ شَهْرَانِ، قَالَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ إذَا كَانُوا مَعَهُ فِي مَوْضِعٍ يَرَوْنَهُ يَسْتَرِقُّهُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ رَبِيعَةَ فِيمَنْ شَهِدَ فِي عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ، فَأَخْفَى شَهَادَتَهُ حَتَّى يَبِيعَ الْعَبْدَ أَوْ اسْتَحَلَّ فِي ذَلِكَ الْحَرَامَ ثُمَّ جَاءَ يَشْهَدُ لَا شَهَادَةَ لَهُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ.
فَرْعٌ: قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ سَكْرَانَ أَوْ يَسْرِقُ، فَجَرَحَاهُ بِذَلِكَ فِي شَهَادَةٍ شَهِدَ بِهَا، فَلْيُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا يَضُرُّهُمْ تَأْخِيرُ ذَلِكَ سَتْرًا عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ فِي الشُّهُودِ فِي الطَّلَاقِ يَكْتُمُونَ ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجَةِ حَتَّى طَالَ ذَلِكَ وَوَقَعَتْ الْخَلْوَةُ بِهَا فَذَلِكَ جُرْحَةٌ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ فِي حَيَاةِ الزَّوْجَةِ، وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهَا إلَّا أَنْ يَقُومُوا بِحِدْثَانِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ اعْتَزَلَ مَسِيسَهَا وَالدُّخُولَ عَلَيْهَا كَمَا يَدْخُلُ الرَّجُلُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَهِيَ فِي بَيْتِهِ، وَسَتَرَهُ وَكَتَمُوهَا ذَلِكَ، فَشَهَادَتُهُمْ سَاقِطَةٌ، إلَّا أَنْ يَقُولُوا: ظَنَنَّاهَا عَلِمَتْ وَحَسَبْنَا هَذَا الِاعْتِزَالَ فَوَاتًا وَلَمْ نُرِدْ الْكِتْمَانَ لِلشَّهَادَةِ، فَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ حَتَّى يُحَلِّفَهُ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ نَكَلَ سَجَنَهُ حَتَّى يَحْلِفَ.
стр. 528
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ فِي امْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ جَارِيَتَهَا عِنْدَ مَوْتِهَا، وَابْنُهَا غَائِبٌ لَمْ يَقْدَمْ، فَأَقَامَ الِابْنُ شَاهِدَيْنِ أَنَّهَا لَهُ، وَقَدْ حَضَرَ هَذَانِ الشَّاهِدَانِ عِتْقَ الْأُمِّ لَهَا وَسَكَتَا عَنْ أَمْرِهِمَا، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُمَا يَعْرِفَانِهَا فِي خِدْمَةِ الْأُمِّ، قَالَ شَهِيدَا الِابْنِ أَحَقُّ وَلَا يَضُرُّهُمَا حُضُورُهُمَا، عِتْقَ الْأُمِّ وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِهِ: كَتَبَ شَجَرَةُ إلَى سَحْنُونٍ فِي عَبِيدٍ ادَّعَوْا أَنَّ سَيِّدَهُمْ حَنِثَ فِيهِمْ بِالْعِتْقِ، فَجَاءُوا بِبَيِّنَةٍ فَشَهِدُوا أَنَّ مَوْلَاهُمْ فُلَانًا أَشْهَدَهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِ فِي سَفَرِهِ إلَى الْعَسْكَرِ، أَنَّهُ حَنِثَ فِيهِمْ وَسَمَّاهُمْ فَهَلْ يُتَّهَمُونَ فِي شَهَادَتِهِمْ وَكَيْفَ إنْ لَمْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ: هَذِهِ شَهَادَةٌ تُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا حِينَ أَشْهَدَهُمْ يَرَوْنَهُ يَشْتَغِلُ وَيَسْتَخْدِمُ، فَطَالَبَهُ ذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى الْعَسْكَرِ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُمْ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِأَمَدٍ قَرِيبٍ فَلَا يَضُرُّهُمْ إلَّا أَنْ يَرَوْهُمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ يُسْتَخْدَمُونَ وَيَشْتَغِلُونَ إلَى يَوْمِ شَهَادَتِهِمْ عِنْدَك فَذَلِكَ لَا يَضُرُّ، وَإِنْ لَمْ يُعْطُوا بِذَلِكَ وَكَانُوا غُيَّبًا قَبْلَ الْخُرُوجِ وَبَعْدَهُ فِي أَنْ تَطُولَ الْمُدَّةُ فَأَخِّرْ شَهَادَتَهُمْ.
فَرْعٌ: وَسَأَلَهُ شَجَرَةُ عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ عِنْدَهُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا مُنْذُ سِنِينَ، فَقَالَ لَهُ شَجَرَةُ لِمَ لَمْ تَرْفَعْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَمْ أَدْرِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَهُوَ صَالِحٌ رِضًا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا بِالْأَمْسِ أَنْتِ حَرَامٌ قَالَ: شَهَادَةُ الْأَوَّلِ سَاقِطَةٌ وَيَحْلِفُ الزَّوْجُ مَعَ شَاهِدِ الْحَرَامِ.
فَرْعٌ: وَسَأَلَهُ حَبِيبٌ عَنْ رَجُلٍ يُدْخِلُ مِنْ زُقَاقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فِي دَارِهِ وَالزُّقَاقُ نَافِذٌ، ثُمَّ يَرْفَعُ الْجِيرَانُ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً، قَالَ: يُهْدَمُ بِنَاءُ الْجِدَارِ وَيُرَدُّ ذَلِكَ إلَى الزُّقَاقِ إذَا صَحَّتْ الْبَيِّنَةُ، وَلَا تُمْلَكُ الْأَزِقَّةُ وَلَا تُحَازُ وَلَيْسَ فِيهَا حِيَازَةٌ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إذَا كَانَ أَمْرًا بَيِّنًا مِنْ الْقَطْعِ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ يَرَوْنَهُ عِشْرِينَ سَنَةً لَا يَشْهَدُونَ بِهِ فَهَذِهِ جُرْحَةٌ، قَالَ مَنْ أَثِقُ بِهِ: هِيَ خِلَافُ الْأُولَى إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِغَيْرِ الَّذِي عَايَنُوهُ وَرَفَعُوهُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ فِيمَنْ بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا رَجُلَيْنِ أَنْ يَمْشِيَا إلَى صَاحِبِهِ وَيُصْلِحَا بَيْنَهُمَا،
стр. 529
فَأَتَيَاهُ فَقَالَ: أَنَا أُخَيِّرُكُمَا عَلَى أَنْ لَا تَشْهَدَا فَقَبِلَا ذَلِكَ مِنْهُ، فَاعْتَرَفَ بِهِ ثُمَّ تَجَاحَدَا، قَالَ: لَا تُعَجِّلَا بِالشَّهَادَةِ حَتَّى يَكَادَا يَتَجَاحَدَا أَوْ يَكُونَ عِنْدَ آخَرَ ذَلِكَ، فَإِنْ اصْطَلَحَا وَإِلَّا شَهِدَا عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْهُ فِي الدَّاخِلِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا بِمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ فَأَبَى أَنْ يَشْهَدَ، قَالَ مَالِكٌ: مَا أَرَى بِمَا صَنَعَ بَأْسًا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: وَإِذَا أَدْخَلَا بَيْنَهُمَا رَجُلَيْنِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَا بَيْنَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ. .
فَرْعٌ: وَإِذَا أَخَذَ رَجُلٌ رَجُلًا قَدْ شَرِبَ خَمْرًا لِيَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَطْلَقَهُ فَأَقَامَ زَمَانًا ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَرٌّ فَأَرَادَ رَفْعَهُ وَاسْتَشْهَدَ بِالْقَوْمِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَشْهَدُوا فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَهِدَ عَلَى آخَرَ فَيُخْرِجُوهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَدْ عَلِمَ بِالْأَمْرِ فَلْيَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ، فَلْيَشْهَدُوا حَتَّى يَطْرَحُوا الشَّهَادَةَ إنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى حَالِهِ لَمْ تُعْرَفْ لَهُ تَوْبَةٌ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلَيْنِ يُحْضِرَانِ الرَّجُلَ فِي الْأَمْرِ بَيْنَهُمَا وَيَقُولَانِ لَهُ: لَا تَشْهَدْ عَلَيْنَا بِشَيْءٍ، فَإِنَّا نَتَقَارُّ بِأَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِنَا لَا نَدْرِي أَيَتِمُّ بَيْنَنَا ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَيَتَكَلَّمَانِ ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ فَيَسْأَلُهُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُومَ بِمَا سَمِعَ مِنْهُمَا، لَا أَرَى أَنْ يُعَجِّلَ بِالشَّهَادَةِ وَلْيُكَلِّمْهُمَا فَإِنْ أَصَرَّا وَتَحَادَّا شَهِدَ بِمَا سَمِعَ مِنْهُمَا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَنَاكَرَانِ حَقًّا بَيْنَهُمَا، فَيُجْلِسَانِ بَيْنَهُمَا رَجُلَيْنِ يَرُدَّانِ الظَّالِمَ مِنْهُمَا عَنْ ظُلْمِهِ وَالْمُفَاقِمَ عَنْ خَطَئِهِ، وَيُسَدِّدَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ لَا شَهَادَةَ مِنْهُمَا عَلَيْهِمَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يُتَوَاصَفَانِ مِنْ أُمُورِهِمَا، فَيَتَوَاصَفَانِ ثُمَّ يَسْأَلُ أَحَدُهُمَا الشَّهِيدَيْنِ الشَّهَادَةَ بِمَا سَمِعَا وَحَضَرَا، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَرَيَا أَحَدَهُمَا قَدْ تَعَدَّى، وَأَصَرَّ وَاسْتَبَانَ لَهُمَا أَنَّهُ الظَّالِمُ وَأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يَسَعُهُمَا إلَّا الشَّهَادَةُ.
стр. 530
فَرْعٌ: وَعَنْ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ سَمِعَ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهَا زَمَانًا ثُمَّ قَامَ وَأَرَادَ أَنْ لَا يَذْكُرَ تَارِيخَ ذَلِكَ خَوْفَ أَنْ تَبْطُلَ، قَالَ: لِيَأْتِ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا وَيَذْكُرْ التَّارِيخَ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ أَيْضًا فِيمَنْ شَهِدَ عِنْدَ قَاضٍ بِحَقٍّ وَالشَّاهِدُ مُجَرَّحٌ، فَدَعَا رَجُلٌ إلَى تَجْرِيحِهِ وَالرَّجُلُ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ الْمَجْرُوحُ حَقٌّ، قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ لَا يَسَعُهُ تَجْرِيحُهُ إذَا دَعَا إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُهْلِكُ ذَلِكَ الْحَقَّ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُخْبِرُ بِجَرْحَتِهِ الْقَاضِيَ، كَمَا لَوْ عَلِمَهُ عَبْدًا أَوْ نَصْرَانِيًّا لَلَزِمَهُ أَنْ يُجَرِّحَهُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ شَاهِدًا مَعَهُ فِي تِلْكَ الشَّهَادَةِ، فَقَالَ مَرَّةً: لَا يُخْبِرُ بِجَرْحَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يُخْبِرُ بِجَرْحَتِهِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ وَغَيْرِهَا فِي قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُمْ وَجَدُوا مَعَهُ رِيحُ شَرَابٍ، فَيَذْكُرُ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ أَعْدَاؤُهُ، وَرَجُلٌ يَعْلَمُ بِأَنَّهُمْ أَعْدَاؤُهُ، وَقَدْ أَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ شَرِبَ، فَهَلْ يَسَعُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِعَدَاوَتِهِمْ؟ قَالَ مَا يَسَعُهُ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ وَهِيَ لَا تَجُوزُ، وَتَجُوزُ عِنْدَ الْقَاضِي كَشَهَادَةٍ عَلَى صَدَاقٍ بَعْضُهُ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ فَقَالَ: لَا يَشْهَدُ فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ عَنْ شَاهِدَيْنِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَرْبَعِينَ وَآخَرُ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَهُمَا إنْ أَدَّيَاهَا لَمْ يُجِزْهَا الْحَاكِمُ وَكَانَ هَذَا رَأْيَهُ، فَهَلْ يَسَعُ الشَّاهِدَ أَنْ يُسْقِطَ خَمْسَةً وَيُشْهِدَ بِأَرْبَعِينَ لِتَتِمَّ الشَّهَادَةُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعُ الْمَسَائِلِ لَيْسَتْ فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ مَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ رَفْعُهُ وَيَجُوزُ لَهُ كَتْمُهُ، ذَكَرْتهَا قَصْدًا لِتَتْمِيمِ الْفَائِدَةِ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَفِي الْمُقْنِعِ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
следующие страницы →