Полный текст (849 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
فِيهِ.
وَقَالَ أَيْضًا لَا تُقْبَلُ كَمَا لَوْ لَمْ يَمْضِ حُكْمُهُ فِيهِ، وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهَا تُقْبَلُ فَيَرْفَعُهَا لِمَنْ هُوَ فَوْقَهُ لَا لِمَنْ هُوَ دُونَهُ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا عَلِمَ السُّلْطَانُ الْأَعْلَى لِرَجُلٍ حَقًّا، فَأَرَادَ أَنْ يُشْهِدَ بِهِ عِنْدَ قَاضِيهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَبِهِ الْقَضَاءُ وَبِهِ أُفْتِي، وَقِيلَ: لَا يُشْهِدُ عِنْدَهُ إذَا كَانَ شَهِدَ عِنْدَ نَفْسِهِ.
فَرْعٌ: إذَا وَجَدَ الْقَاضِي فِي دِيوَانِهِ حُكْمًا بِخَطِّهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ لَمْ يُعْتَمَدْ عَلَيْهِ لِإِمْكَانِ التَّزْوِيرِ عَلَيْهِ، وَلَوْ شَهِدَ بِهِ عِنْدَهُ شَاهِدَانِ فَلَمْ يَذْكُرْ، فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يَنْفُذُ الْحُكْمُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا يُلْتَفَتُ إلَى الْبَيِّنَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهُ كَمَا يُمْضِيهِ غَيْرُهُ كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُمْضِيَهُ.
[الْبَابُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الْمَكْتُوبَةِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِ عُذْرٍ]
وَفِي الْمُقْنِعِ وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ ﵀: فِي امْرَأَةٍ أَشْهَدَتْنَا عَلَى صَدَقَةِ ابْنَتِهَا عَلَى أَنْ لَا تُؤْخَذَ الشَّهَادَةُ إلَّا بَعْدَ مَوْتِهَا، قَالَ: لَا تَنْفَعُ الِابْنَةَ هَذِهِ الشَّهَادَةُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ قَالَ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي شَاهِدٍ شَهِدَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَمْوَالِ غَيْرِ الْفُرُوجِ وَالْحُرِّيَّةِ، مِنْ حَيَوَانٍ أَوْ عَقَارٍ لِرَجُلٍ يَعْلَمُهُ وَيَرَاهُ بِيَدِ غَيْرِهِ، يَبِيعُهُ وَيَهَبُهُ وَيُحَوِّلُهُ عَنْ حَالِهِ فَلَا يَقُومُ بِعِلْمِهِ، ثُمَّ يَشْهَدُ عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لِفُلَانٍ فَيَقُولُ: لِمَ لَمْ تَقُمْ حِينَ رَأَيْت ذَلِكَ يُبَاعُ أَوْ يُوهَبُ؟ فَيَقُولُ: لَمْ أَسْأَلْ عَنْ عِلْمِي وَلَمْ أَرَ فَرْجًا يُوطَأُ وَلَا حُرًّا يُسْتَخْدَمُ، وَلَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أُخَاصِمَ، قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تَجُوزَ شَهَادَتُهُ إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ حِينَ رَأَى الدَّارَ وَالْعَقَارَ يُبَاعُ، كَذَلِكَ فِي الْفُرُوجِ وَالْحَيَوَانِ إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ تُحَوَّلُ عَنْ حَالِهَا بِعِلْمِهِ، قَالَ غَيْرُهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَهَذَا إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ غَائِبًا أَوْ كَانَ حَاضِرًا لَا يُعْلَمُ، أَمَّا إذَا كَانَ حَاضِرًا يُعْلَمُ، فَأَمَّا إذَا كَانَ حَاضِرًا يَرَى ذَلِكَ يُبَاعُ فَهُوَ كَالْإِقْرَارِ. قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ: لَا أَرَى ذَلِكَ إلَّا فِيمَا كَانَ حَقًّا لِي، وَمَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ أَنْ يَقُومَ بِهِ إنْ كَذَّبَهُ الْمُدَّعِي كَالْحُرِّيَّةِ وَالطَّلَاقِ، وَأَمَّا الْعُرُوض وَالرِّبَاعُ وَالْحَيَوَانُ فَلَا
стр. 527
تُبْطِلُهُ شَهَادَتُهُ، لِأَنَّ رَبَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ حَاضِرًا فَهُوَ أَضَاعَ حَقَّهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَلَيْسَ لِلشَّاهِدِ شَهَادَةٌ، فَلِذَلِكَ لَا يَضُرُّ الشَّاهِدَ إنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِي قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى حَبْسٍ أَوْ أَرْضٍ لِرَجُلٍ، أَوْ عَلَى أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، فَإِذَا رَأَوْا الْحَبْسَ يُكْتَبُ فِي الْمُهُورِ أَوْ يُبَاعُ وَيُتَدَاوَلُ وَيَطُولُ زَمَانُهُ وَلَمْ يَقِفُوا بِذَلِكَ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَكَلَّمُوا أَوْ شَهِدُوا أَوْ كَانُوا غُيَّبًا أَوْ كَانَ لَهُمْ عُذْرٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ كَقَوْلِ سَحْنُونٍ.
فَرْعٌ: قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ: وَإِنْ شَهِدُوا بِحِنْثٍ فِي عِتْقِ رَقِيقٍ، وَأَمْسَكُوا عَنْ الشَّهَادَةِ حَتَّى حَالَ حَوْلٌ أَوْ مَضَى شَهْرٌ أَوْ شَهْرَانِ، قَالَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ إذَا كَانُوا مَعَهُ فِي مَوْضِعٍ يَرَوْنَهُ يَسْتَرِقُّهُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُسْتَخْرَجَةِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ رَبِيعَةَ فِيمَنْ شَهِدَ فِي عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ، فَأَخْفَى شَهَادَتَهُ حَتَّى يَبِيعَ الْعَبْدَ أَوْ اسْتَحَلَّ فِي ذَلِكَ الْحَرَامَ ثُمَّ جَاءَ يَشْهَدُ لَا شَهَادَةَ لَهُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ.
فَرْعٌ: قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ سَكْرَانَ أَوْ يَسْرِقُ، فَجَرَحَاهُ بِذَلِكَ فِي شَهَادَةٍ شَهِدَ بِهَا، فَلْيُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَا يَضُرُّهُمْ تَأْخِيرُ ذَلِكَ سَتْرًا عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ أَصْبَغُ فِي الشُّهُودِ فِي الطَّلَاقِ يَكْتُمُونَ ذَلِكَ عَلَى الزَّوْجَةِ حَتَّى طَالَ ذَلِكَ وَوَقَعَتْ الْخَلْوَةُ بِهَا فَذَلِكَ جُرْحَةٌ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ فِي حَيَاةِ الزَّوْجَةِ، وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ مَوْتِهَا إلَّا أَنْ يَقُومُوا بِحِدْثَانِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ اعْتَزَلَ مَسِيسَهَا وَالدُّخُولَ عَلَيْهَا كَمَا يَدْخُلُ الرَّجُلُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَهِيَ فِي بَيْتِهِ، وَسَتَرَهُ وَكَتَمُوهَا ذَلِكَ، فَشَهَادَتُهُمْ سَاقِطَةٌ، إلَّا أَنْ يَقُولُوا: ظَنَنَّاهَا عَلِمَتْ وَحَسَبْنَا هَذَا الِاعْتِزَالَ فَوَاتًا وَلَمْ نُرِدْ الْكِتْمَانَ لِلشَّهَادَةِ، فَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ حَتَّى يُحَلِّفَهُ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ نَكَلَ سَجَنَهُ حَتَّى يَحْلِفَ.
стр. 528
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ فِي امْرَأَةٍ أَعْتَقَتْ جَارِيَتَهَا عِنْدَ مَوْتِهَا، وَابْنُهَا غَائِبٌ لَمْ يَقْدَمْ، فَأَقَامَ الِابْنُ شَاهِدَيْنِ أَنَّهَا لَهُ، وَقَدْ حَضَرَ هَذَانِ الشَّاهِدَانِ عِتْقَ الْأُمِّ لَهَا وَسَكَتَا عَنْ أَمْرِهِمَا، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُمَا يَعْرِفَانِهَا فِي خِدْمَةِ الْأُمِّ، قَالَ شَهِيدَا الِابْنِ أَحَقُّ وَلَا يَضُرُّهُمَا حُضُورُهُمَا، عِتْقَ الْأُمِّ وَقَالَهُ أَصْبَغُ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ فِي كِتَابِهِ: كَتَبَ شَجَرَةُ إلَى سَحْنُونٍ فِي عَبِيدٍ ادَّعَوْا أَنَّ سَيِّدَهُمْ حَنِثَ فِيهِمْ بِالْعِتْقِ، فَجَاءُوا بِبَيِّنَةٍ فَشَهِدُوا أَنَّ مَوْلَاهُمْ فُلَانًا أَشْهَدَهُمْ قَبْلَ خُرُوجِهِ فِي سَفَرِهِ إلَى الْعَسْكَرِ، أَنَّهُ حَنِثَ فِيهِمْ وَسَمَّاهُمْ فَهَلْ يُتَّهَمُونَ فِي شَهَادَتِهِمْ وَكَيْفَ إنْ لَمْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ؟ فَكَتَبَ إلَيْهِ: هَذِهِ شَهَادَةٌ تُقْبَلُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا حِينَ أَشْهَدَهُمْ يَرَوْنَهُ يَشْتَغِلُ وَيَسْتَخْدِمُ، فَطَالَبَهُ ذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى الْعَسْكَرِ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُمْ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ بِأَمَدٍ قَرِيبٍ فَلَا يَضُرُّهُمْ إلَّا أَنْ يَرَوْهُمْ بَعْدَ خُرُوجِهِ يُسْتَخْدَمُونَ وَيَشْتَغِلُونَ إلَى يَوْمِ شَهَادَتِهِمْ عِنْدَك فَذَلِكَ لَا يَضُرُّ، وَإِنْ لَمْ يُعْطُوا بِذَلِكَ وَكَانُوا غُيَّبًا قَبْلَ الْخُرُوجِ وَبَعْدَهُ فِي أَنْ تَطُولَ الْمُدَّةُ فَأَخِّرْ شَهَادَتَهُمْ.
فَرْعٌ: وَسَأَلَهُ شَجَرَةُ عَنْ رَجُلٍ شَهِدَ عِنْدَهُ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا مُنْذُ سِنِينَ، فَقَالَ لَهُ شَجَرَةُ لِمَ لَمْ تَرْفَعْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: لَمْ أَدْرِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَهُوَ صَالِحٌ رِضًا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا بِالْأَمْسِ أَنْتِ حَرَامٌ قَالَ: شَهَادَةُ الْأَوَّلِ سَاقِطَةٌ وَيَحْلِفُ الزَّوْجُ مَعَ شَاهِدِ الْحَرَامِ.
فَرْعٌ: وَسَأَلَهُ حَبِيبٌ عَنْ رَجُلٍ يُدْخِلُ مِنْ زُقَاقِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فِي دَارِهِ وَالزُّقَاقُ نَافِذٌ، ثُمَّ يَرْفَعُ الْجِيرَانُ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً، قَالَ: يُهْدَمُ بِنَاءُ الْجِدَارِ وَيُرَدُّ ذَلِكَ إلَى الزُّقَاقِ إذَا صَحَّتْ الْبَيِّنَةُ، وَلَا تُمْلَكُ الْأَزِقَّةُ وَلَا تُحَازُ وَلَيْسَ فِيهَا حِيَازَةٌ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إذَا كَانَ أَمْرًا بَيِّنًا مِنْ الْقَطْعِ مِنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ يَرَوْنَهُ عِشْرِينَ سَنَةً لَا يَشْهَدُونَ بِهِ فَهَذِهِ جُرْحَةٌ، قَالَ مَنْ أَثِقُ بِهِ: هِيَ خِلَافُ الْأُولَى إلَّا أَنْ يَكُونَ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِغَيْرِ الَّذِي عَايَنُوهُ وَرَفَعُوهُ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ فِيمَنْ بَيْنَهُمَا خُصُومَةٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا رَجُلَيْنِ أَنْ يَمْشِيَا إلَى صَاحِبِهِ وَيُصْلِحَا بَيْنَهُمَا،
стр. 529
فَأَتَيَاهُ فَقَالَ: أَنَا أُخَيِّرُكُمَا عَلَى أَنْ لَا تَشْهَدَا فَقَبِلَا ذَلِكَ مِنْهُ، فَاعْتَرَفَ بِهِ ثُمَّ تَجَاحَدَا، قَالَ: لَا تُعَجِّلَا بِالشَّهَادَةِ حَتَّى يَكَادَا يَتَجَاحَدَا أَوْ يَكُونَ عِنْدَ آخَرَ ذَلِكَ، فَإِنْ اصْطَلَحَا وَإِلَّا شَهِدَا عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ عَنْهُ فِي الدَّاخِلِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ طَلَبَهُ أَحَدُهُمَا بِمَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ فَأَبَى أَنْ يَشْهَدَ، قَالَ مَالِكٌ: مَا أَرَى بِمَا صَنَعَ بَأْسًا. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: وَإِذَا أَدْخَلَا بَيْنَهُمَا رَجُلَيْنِ عَلَى أَنْ لَا يَشْهَدَا بَيْنَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ. .
فَرْعٌ: وَإِذَا أَخَذَ رَجُلٌ رَجُلًا قَدْ شَرِبَ خَمْرًا لِيَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَطْلَقَهُ فَأَقَامَ زَمَانًا ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَرٌّ فَأَرَادَ رَفْعَهُ وَاسْتَشْهَدَ بِالْقَوْمِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَشْهَدُوا فِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَهِدَ عَلَى آخَرَ فَيُخْرِجُوهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرُ قَدْ عَلِمَ بِالْأَمْرِ فَلْيَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى رَجُلٍ بِحَقٍّ، فَلْيَشْهَدُوا حَتَّى يَطْرَحُوا الشَّهَادَةَ إنْ كَانَ مُقِيمًا عَلَى حَالِهِ لَمْ تُعْرَفْ لَهُ تَوْبَةٌ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلَيْنِ يُحْضِرَانِ الرَّجُلَ فِي الْأَمْرِ بَيْنَهُمَا وَيَقُولَانِ لَهُ: لَا تَشْهَدْ عَلَيْنَا بِشَيْءٍ، فَإِنَّا نَتَقَارُّ بِأَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِنَا لَا نَدْرِي أَيَتِمُّ بَيْنَنَا ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَيَتَكَلَّمَانِ ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ فَيَسْأَلُهُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُومَ بِمَا سَمِعَ مِنْهُمَا، لَا أَرَى أَنْ يُعَجِّلَ بِالشَّهَادَةِ وَلْيُكَلِّمْهُمَا فَإِنْ أَصَرَّا وَتَحَادَّا شَهِدَ بِمَا سَمِعَ مِنْهُمَا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ فِي الرَّجُلَيْنِ يَتَنَاكَرَانِ حَقًّا بَيْنَهُمَا، فَيُجْلِسَانِ بَيْنَهُمَا رَجُلَيْنِ يَرُدَّانِ الظَّالِمَ مِنْهُمَا عَنْ ظُلْمِهِ وَالْمُفَاقِمَ عَنْ خَطَئِهِ، وَيُسَدِّدَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنْ لَا شَهَادَةَ مِنْهُمَا عَلَيْهِمَا فِي شَيْءٍ مِمَّا يُتَوَاصَفَانِ مِنْ أُمُورِهِمَا، فَيَتَوَاصَفَانِ ثُمَّ يَسْأَلُ أَحَدُهُمَا الشَّهِيدَيْنِ الشَّهَادَةَ بِمَا سَمِعَا وَحَضَرَا، فَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَرَيَا أَحَدَهُمَا قَدْ تَعَدَّى، وَأَصَرَّ وَاسْتَبَانَ لَهُمَا أَنَّهُ الظَّالِمُ وَأَنَّهُ قَدْ تَحَقَّقَ الْحَقُّ لِصَاحِبِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا يَسَعُهُمَا إلَّا الشَّهَادَةُ.
стр. 530
فَرْعٌ: وَعَنْ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ سَمِعَ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يَقُمْ بِهَا زَمَانًا ثُمَّ قَامَ وَأَرَادَ أَنْ لَا يَذْكُرَ تَارِيخَ ذَلِكَ خَوْفَ أَنْ تَبْطُلَ، قَالَ: لِيَأْتِ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا وَيَذْكُرْ التَّارِيخَ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ أَيْضًا فِيمَنْ شَهِدَ عِنْدَ قَاضٍ بِحَقٍّ وَالشَّاهِدُ مُجَرَّحٌ، فَدَعَا رَجُلٌ إلَى تَجْرِيحِهِ وَالرَّجُلُ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ الْمَجْرُوحُ حَقٌّ، قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ لَا يَسَعُهُ تَجْرِيحُهُ إذَا دَعَا إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُهْلِكُ ذَلِكَ الْحَقَّ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُخْبِرُ بِجَرْحَتِهِ الْقَاضِيَ، كَمَا لَوْ عَلِمَهُ عَبْدًا أَوْ نَصْرَانِيًّا لَلَزِمَهُ أَنْ يُجَرِّحَهُ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ شَاهِدًا مَعَهُ فِي تِلْكَ الشَّهَادَةِ، فَقَالَ مَرَّةً: لَا يُخْبِرُ بِجَرْحَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يُخْبِرُ بِجَرْحَتِهِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ وَغَيْرِهَا فِي قَوْمٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُمْ وَجَدُوا مَعَهُ رِيحُ شَرَابٍ، فَيَذْكُرُ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ أَعْدَاؤُهُ، وَرَجُلٌ يَعْلَمُ بِأَنَّهُمْ أَعْدَاؤُهُ، وَقَدْ أَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ شَرِبَ، فَهَلْ يَسَعُهُ أَنْ يُخْبِرَ بِعَدَاوَتِهِمْ؟ قَالَ مَا يَسَعُهُ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَمَّنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ وَهِيَ لَا تَجُوزُ، وَتَجُوزُ عِنْدَ الْقَاضِي كَشَهَادَةٍ عَلَى صَدَاقٍ بَعْضُهُ إلَى غَيْرِ أَجَلٍ فَقَالَ: لَا يَشْهَدُ فِيهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ عَنْ شَاهِدَيْنِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَرْبَعِينَ وَآخَرُ بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَهُمَا إنْ أَدَّيَاهَا لَمْ يُجِزْهَا الْحَاكِمُ وَكَانَ هَذَا رَأْيَهُ، فَهَلْ يَسَعُ الشَّاهِدَ أَنْ يُسْقِطَ خَمْسَةً وَيُشْهِدَ بِأَرْبَعِينَ لِتَتِمَّ الشَّهَادَةُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، وَهَذِهِ الْأَرْبَعُ الْمَسَائِلِ لَيْسَتْ فِي هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ مَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ رَفْعُهُ وَيَجُوزُ لَهُ كَتْمُهُ، ذَكَرْتهَا قَصْدًا لِتَتْمِيمِ الْفَائِدَةِ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَفِي الْمُقْنِعِ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
стр. 531
[الْبَابُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالصُّلْحِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ]
وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ لِابْنِ عَبْدِ الرَّفِيعِ وَإِذَا خَشِيَ الْقَاضِي مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَوْ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ أَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: رَدُّوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ يُورِثُ الضَّغَائِنَ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَغَيْرُهُ وَلَا يَأْمُرُ بِالصُّلْحِ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ وَجْهُ الْحُكْمِ لِأَحَدِهِمَا رَجَاءَ أَنْ يُصْلِحَا، إلَّا أَنْ يَرَى لِذَلِكَ وَجْهًا مِثْلَ أَنْ يَرَى أَنَّ الْحُكْمَ يُوقِعُ فِتْنَةً وَتَهَارُجًا.
فَرْعٌ: قَالَ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْدُبَ إلَى الصُّلْحِ إذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ وَجْهُ الْحُكْمِ فَإِنْ أَبَيَا أَوْ أَبَى أَحَدُهُمَا لَمْ يُلَحَّ عَلَيْهِمَا إلْحَاحًا يُشْبِهُ الْإِلْجَاءَ، بَلْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِالْوَاجِبِ أَوْ يَتْرُكُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا إذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: إذَا كَانَتْ شُبْهَةٌ وَأَشْكَلَ الْأَمْرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَهُمَا بِالصُّلْحِ.
تَنْبِيهٌ: وَفِي الطُّرُرِ لِابْنِ عَاتٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالصُّلْحِ إذَا تَقَارَبَتْ الْحُجَّتَانِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَكُونُ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ الْآخَرِ، أَوْ تَكُونُ الدَّعْوَى فِي أُمُورٍ دُرِسَتْ وَتَقَادَمَتْ وَتَشَابَهَتْ، وَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي الظَّالِمُ مِنْ الْمَظْلُومِ لَمْ يَسَعْهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا فَصْلُ الْقَضَاءِ، وَانْظُرْ تَمَامَ هَذَا فِي آدَابِ الْقَضَاءِ أَوَّلَ الْكِتَابِ.
[فَصْلٌ الصُّلْحُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ]
فَصْلٌ: وَالصُّلْحُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ إنْ وَقَعَ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَكَذَا إنْ وَقَعَ عَلَى الْإِنْكَارِ عَدَّ مَالِكٌ لِاشْتِرَاطِهِ فِيهِمَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ، وَقَدْ يَكُونُ الصُّلْحُ إبْرَاءً وَإِسْقَاطًا، كَمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مِائَةٌ فَيُصَالِحُهُ عَلَى أَخْذِ خَمْسِينَ مِنْهَا، عَلَى أَنْ يُسْقِطَ الْبَاقِيَ وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: جَائِزٌ، وَمَمْنُوعٌ، وَمَكْرُوهٌ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ.
فَالْجَائِزَةُ: الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ بِهِ.
وَالْمَمْنُوعُ: الصُّلْحُ عَلَى الْإِقْرَارِ بِمَا لَا تَصِحُّ الْمُعَاوَضَةُ.
стр. 532
وَالْمَكْرُوهُ: مَا يُؤَدِّي إلَى أَسْلِفْنِي وَأُسَلِّفْك، مِثْلَ أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى صَاحِبِهِ بِدَنَانِيرَ فَيُنْكِرَهُ صَاحِبُهُ، فَيَصْطَلِحَانِ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِمَا يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ إلَى أَجَلٍ.
وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ: الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الصُّلْحِ عَلَى الْقَذْفِ وَسَيَأْتِي.
[فَصْلٌ يُشْتَرَطُ فِي الْمُصَالِحِ وَالْمُصَالَحِ أَهْلِيَّةُ الْمُعَامَلَةِ]
وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَالِحَ عَنْ غَيْرِهِ بِوَكَالَةٍ أَمْ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُصَالِحَ رَجُلٌ رَجُلًا عَنْ دَيْنٍ وَعَلَى رَجُلٍ آخَرُ وَيَلْزَمُ الْمُصَالِحُ مَا صَالَحَ بِهِ
فَرْعٌ: وَيَجُوزُ الصُّلْحُ عَلَى الْإِنْكَارِ وَعَلَى الِافْتِدَاءِ مِنْ الْيَمِينِ وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَلَا يَحِلُّ لِلظَّالِمِ مِنْهُمَا أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا.
فَرْعٌ: فَلَوْ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ نُقِضَ الصُّلْحُ، لِأَنَّهُ إنَّمَا صَالَحَهُ غَلَبَةً، فَلَوْ ثَبَتَ الْحَقُّ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الطَّالِبُ فَلَهُ نَقْضُ الصُّلْحِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي الِاسْتِعْلَامِ وَالْبَحْثِ.
فَرْعٌ: وَاخْتُلِفَ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْقَذْفِ فَمَنَعَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَجَازَهُ سَحْنُونٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: الْحُدُودُ الَّتِي لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ فِيهَا هِيَ مَا لَا يَجُوزُ فِيهِ الْعَفْوُ كَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا، وَمَا جَازَ فِيهِ الْعَفْوُ جَازَ فِيهِ الصُّلْحُ.
فَرْعٌ: وَصُلْحُ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ عَمَّنْ فِي حِجْرِهِمَا جَائِزٌ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْقِطَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ النَّظَرِ، وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ فِي الْأَبِ يُصَالِحُ عَنْ ابْنَتِهِ الْبِكْرِ بِبَعْضِ حَقِّهَا مِنْ مِيرَاثٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَحَقُّهَا بَيِّنٌ لَا خِصَامَ فِيهِ، أَنَّ صُلْحَهُ غَيْرُ جَائِزٍ إذْ لَا نَظَرَ فِيهِ، وَتَرْجِعُ الِابْنَةُ بِبَقِيَّتِهِ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْأَبِ إلَّا أَنْ يَتَحَمَّلَ لَهُ بِمَا يُدْرِكُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ دَرَكٍ، وَلَوْ كَانَ عَدِيمًا طَالَبَتْ أَبَاهَا بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمِيعِ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
стр. 533
فَرْعٌ: وَفِي الطُّرُرِ لِابْنِ عَاتٍ: وَصُلْحُ الْوَصِيِّ عَنْ الْيَتِيمِ فِيمَا طُلِبَ بِهِ أَوْ طُلِبَ مِنْهُ، فِي أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ حَقِّهِ وَيَضَعَ بَعْضَهُ إذَا خَشِيَ أَنْ لَا يَصِحَّ لَهُ مَا ادَّعَاهُ، أَوْ بِأَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ مَا يُطْلَبُ بِهِ إذَا خَشِيَ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ جَائِزٌ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي سَمَاعِ أَصْبَغَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ حَقِّهِ وَيَضَعَ بَعْضَهُ إذَا خَشِيَ ذَلِكَ بِخِلَافِ أَنْ يُصَالِحَ عَنْهُ بِبَعْضِ مَا طُلِبَ مِنْهُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَفِعْلُ الْوَصِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى النَّظَرِ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ، فَإِنْ قَامَ أَحَدٌ بِنَقْضِهِ نَظَرَ فِيهِ الْقَاضِي، فَإِنْ رَأَى فِيهِ ضَرَرًا بِالْيَتِيمِ نَقَضَهُ، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
فَرْعٌ: وَفِي الْكَافِي لِأَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّانِعِ تَضِيعُ عِنْدَهُ السِّلْعَةُ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا، ثُمَّ تُوجَدُ أَنَّهَا لِلصَّانِعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ عَبْدَهُ فَأَنْكَرَهُ فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ وُجِدَ الْعَبْدُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي سَمَاعِ يَحْيَى: هُوَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يُنْقَضُ الصُّلْحُ مَعِيبًا كَانَ أَوْ صَحِيحًا إلَّا أَنْ يَجِدَهُ عِنْدَهُ قَدْ أَخْفَاهُ فَيَكُونُ لِرَبِّهِ.
وَفِي التَّهْذِيبِ فِي الْمُكْتَرِي يَتَعَدَّى بِالدَّابَّةِ مَوْضِعَ الْكِرَاءِ فَتَضِلُّ فَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا ثُمَّ تُوجَدُ هِيَ لِلْمُكْتَرِي.
فَرْعٌ: وَفِي الطُّرُرِ عَلَى التَّهْذِيبِ لِأَبِي إبْرَاهِيمَ الْأَعْرَجِ، قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ: لَوْ أَنَّ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ وَثِيقَةً بِذِكْرِ حَقٍّ فَضَاعَتْ وَأَنْكَرَهُ الْمَطْلُوبُ، الْمَطْلُوبَ، فَصَالَحَهُ بِبَعْضِ حَقِّهِ ثُمَّ وَجَدَ الْوَثِيقَةَ، حَلَفَ وَيَرْجِعُ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهِ.
فَرْعٌ: إنْ وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَ وَرَثَةٍ وَضَمِنَ حَاضِرُهُمْ فَأَمَرَ غَائِبَهُمْ فَأَنْكَرَ الصُّلْحَ، أَوْ ادَّعَى الْغَائِبُ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ الصُّلْحُ وَفُسِخَ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ أَنْ يَتَقَيَّدَ عَلَيْهِ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ أَنَّهُ أَسْقَطَ الْبَيِّنَاتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْقِيَامُ سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِهَا أَوْ لَا، قَالَ حَمْدِيسٌ إذَا صَالَحَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ وَإِنْ أَقَرَّ لَهُ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلَهُ الْقِيَامُ بِبَيِّنَةٍ لَمْ يُعْلَمْ بِهَا بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا، وَتَكُونُ يَمِينُهُ بَعْدَ الْقِيَامِ وَقَبُولِ الْحَاكِمِ لَهَا.
стр. 534
فَرْعٌ: وَيَجُوزُ صُلْحُ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ لِلْقَاتِلِ عَلَى خُرُوجِهِ مُرْتَحِلًا مِنْ بَلَدِ الْمَقْتُولِ، فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ عَادَ الطَّلَبُ عَلَيْهِ، فَإِنْ ثَبَتَ وَجَبَ لِلْأَوْلِيَاءِ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ.
فَرْعٌ: إذَا أَشْهَدَ فِي السِّرِّ أَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُهُ لِأَجْلِ إنْكَارِهِ، وَأَنَّهُ مَتَى وَجَدَ بَيِّنَةً قَامَ بِهَا فَالصُّلْحُ غَيْرُ لَازِمٍ إذَا ثَبَتَ إنْكَارُهُ وَثَبَتَ الْحَقُّ، وَغَايَةُ مَا عَلَيْهِ الْيَمِينُ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بَيِّنَتَهُ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ لَا يَنْفَعُهُ مَا أَشْهَدَ بِهِ فِي السِّرِّ، وَقَدْ ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَوْلَ ابْنِ مُزَيْنٍ فِيهَا فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِرْعَاءِ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ]
فِي الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ حَقِيقَتُهُ الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ، وَحُكْمُهُ اللُّزُومُ وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الشَّهَادَةِ، قَالَ أَشْهَبُ: قَوْلُ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْجَبُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَمَنْ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ صَغِيرٍ وَشَبَهِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ.
[لِلْإِقْرَارِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ]
وَلِلْإِقْرَارِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الصِّيغَةُ، وَالْمُقِرُّ، وَالْمُقَرُّ لَهُ، وَالْمُقَرُّ بِهِ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ الصِّيغَةُ: وَهِيَ لَفْظٌ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ يَدُلُّ عَلَى تَوَجُّهِ الْحَقِّ قِبَلَ الْمُقِرِّ، وَلَا خَفَاءَ بِصَرَائِحِ أَلْفَاظِهِ، وَيَقُومُ مَقَامَ اللَّفْظِ الْإِشَارَةُ وَالْكِتَابَةُ وَالسُّكُوتُ، فَالْإِشَارَةُ مِنْ الْأَبْكَمِ وَمِنْ الْمَرِيضِ، فَإِذَا قِيلَ لِلْمَرِيضِ لِفُلَانٍ: عِنْدَك كَذَا؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَهَذَا إقْرَارٌ، إذَا فُهِمَ عَنْهُ مُرَادُهُ وَالْكِتَابَةُ مِثْلُ أَنْ يَكْتُبَ بِيَدِهِ بِمَحْضَرِ قَوْمٍ، وَقَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ فَذَلِكَ لَازِمٌ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ.
فَرْعٌ: لَوْ كَتَبَ رِسَالَةً لِرَجُلٍ غَائِبٍ أَنَّ لَك عَلَيَّ كَذَا لَزِمَهُ، فَإِنْ جَحَدَ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَتَبَهُ أَوْ أَمْلَاهُ لَزِمَهُ وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا كُلُّ مَا فِيهِ مِنْ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ، خَلَا الْحُدُودِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ وَيُؤْخَذُ بِغُرْمِ السَّرِقَةِ وَلَا يُحَدُّ.
стр. 535
فَرْعٌ: وَلَوْ كَتَبَ فِي الْأَرْضِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا، وَقَالَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا لَزِمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ اشْهَدُوا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ كَتَبَ ذَلِكَ فِي صَحِيفَةٍ أَوْ لَوْحٍ أَوْ خِرْقَةٍ لَزِمَهُ إنْ شَهِدَ أَنَّهُ خَطُّهُ بِخِلَافِ كِتَابَتِهِ فِي الْأَرْضِ.
فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يُقِرُّ لِقَوْمٍ أَنَّ أَبَاهُمْ كَانَ أَسْلَفَهُ مَالًا وَأَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ إيَّاهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَمَدُ ذَلِكَ قَرِيبًا، وَالزَّمَنُ غَيْرَ مُتَطَاوِلٍ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ زَمَانُ ذَلِكَ أُحْلِفَ الْمُقِرُّ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَلَمْ يَجِدْ الطُّولَ فَانْظُرْهُ.
فَرْعٌ: وَالسُّكُوتُ مِثْلُ الْمَيِّتِ تُبَاعُ تَرِكَتَهُ وَتُقَسَّمُ وَغَرِيمُهُ حَاضِرٌ سَاكِتٌ لَمْ يَقُمْ فَلَا قِيَامَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ سُئِلَ عِنْدَ مَوْتِهِ، هَلْ لِأَحَدٍ عِنْدَك شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا قِيلَ لَهُ: وَلَا لِامْرَأَتِك؟ وَالْمَرْأَةُ سَاكِتَةٌ وَهِيَ تَسْمَعُ فَإِنَّهَا تَحْلِفُ أَنَّ حَقَّهَا عَلَيْهِ تُرِيدُ إلَى الْآنَ وَتَأْخُذُهُ إنْ قَامَتْ لَهَا بِهِ بَيِّنَةٌ، وَلَا يَضُرُّهَا سُكُوتُهَا مِنْ الْمَذْهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ.
فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَتَى إلَى قَوْمٍ فَقَالَ: اشْهَدُوا أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، وَالرَّجُلُ سَاكِتٌ وَلَمْ يَسْأَلْهُ الشُّهُودُ عَنْ شَيْءٍ، فَلَمَّا طُولِبَ أَنْكَرَ قَالَ لَا بَلْ يَلْزَمُهُ بِسُكُوتِهِ.
فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ فُلَانٌ السَّاكِنُ فِي مَنْزِلِك لِمَ أَسْكَنْته؟ فَقَالَ: أَسْكَنْته بِلَا كِرَاءٍ، وَالسَّاكِنُ يَسْمَعُ وَلَا يُنْكِرُ وَلَا يُغَيِّرُ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ قَالَ: لَا يَقْطَعُ سُكُوتَهُ دَعْوَاهُ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ وَيَحْلِفُ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: ظَنَنْته يُدَاعِبُ.
تَنْبِيهٌ: وَفِي وَثَائِقِ أَبِي إِسْحَاقَ الْغَرْنَاطِيِّ: وَمَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ بَرِئَ مِنْ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ مِنْ الضَّمَانَاتِ وَالدُّيُونِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُ أَوْ قِبَلَهُ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانَاتِ وَالْأَمَانَاتِ.
стр. 536
[الرُّكْنُ الثَّانِي الْمُقِرُّ]
إقْرَارُ الرَّجُلِ إمَّا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ رَشِيدٌ طَائِعٌ لَزِمَ أَقَرَّ بِمَالٍ أَوْ بِقِصَاصٍ، وَلَا يَنْفَعُهُ الرُّجُوعُ وَإِنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، لَهُ الرُّجُوعُ لَكِنْ يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ وَالْمَالُ.
فَرْعٌ: وَلَوْ كَانَ مُكْرَهًا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَالصَّغِيرِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ إنْ احْتَلَمَ فِي وَقْتِ إمْكَانِهِ إذْ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ، وَالْمَجْنُونُ مِثْلُهُ.
فَرْعٌ: وَلَوْ حَجَرَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَالْمُفْلِسِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ فَأَحْكَامُ إقْرَارِهِمْ مَشْهُورَةٌ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَقَرَّ لَك غَرِيمُك بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، وَثَبَتَ قَبْضُك لِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ وَلَهُ بَيِّنَةٌ بِأَدَاءِ ثَلَاثَةٍ، فَزَعَمْت أَنَّهَا مِنْ التِّسْعَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِأَنَّهَا سِوَاهَا.
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا إقْرَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ مِنْهُ كَقَتْلِ الْخَطَأِ وَجِرَاحِ الْخَطَأِ الَّتِي فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ، فَإِقْرَارُهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَمَا كَانَ دُونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ لَزِمَهُ فِي مَالِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ مِنْهُ، كَإِقْرَارِهِ فِي عَبْدِ زَيْدٍ أَنَّهُ لِعَمْرٍو فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ فَيُقْبَلُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَيَكُونُ شَاهِدًا لِغَيْرِهِ، فَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ وَعَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ وَيَحْلِفُ الطَّالِبُ مَعَهُ، فَإِنْ نَكَلَ أَوْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرَ النِّصْفِ
[الرُّكْنُ الثَّالِثُ الْمُقَرُّ لَهُ]
ُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلِاسْتِحْقَاقِ وَلَا يُكَذِّبُ الْمُقِرَّ، فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِلْجَمَادِ وَالْحَيَوَانِ، وَإِذَا كَذَّبَ الْمُقِرَّ ثُمَّ رَجَعَ لَمْ يَفْدِهِ رُجُوعُهُ، إلَّا أَنْ يَرْجِعَ الْمُقِرُّ إلَى الْإِقْرَارِ.
стр. 537
[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْمُقَرُّ بِهِ]
ِ وَهُوَ ضَرْبَانِ نَسَبٌ وَمَالٌ، فَالْأَوَّلُ: هُوَ الِاسْتِلْحَاقُ وَمَسَائِلُهُ مَشْهُورَةٌ، وَأَمَّا الْإِقْرَارُ بِالْمَالِ فَهُوَ نَوْعَانِ: مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ، وَالْمُطْلَقُ مَا صَدَرَ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَا يُقَيِّدُهُ أَوْ يُرْفَعُ حُكْمُهُ أَوْ حُكْمُ بَعْضِهِ، وَالْمُقَيَّدُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقَيَّدًا بِالْمَحِلِّ أَوْ بِالْعِلْمِ أَوْ بِالْغَايَةِ أَوْ بِالْخِيَارِ أَوْ بِالشَّرْطِ أَوْ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ عَلَى جِهَةِ الشُّكْرِ أَوْ الذَّمِّ أَوْ الِاعْتِذَارِ أَوْ تَعْقِيبِ الْإِقْرَارِ بِمَا يُبْطِلُهُ، فَالْمَحَلُّ كَقَوْلِهِ غَصَبْت فُلَانًا ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ أُخِذَ بِالثَّوْبِ وَالْمِنْدِيلِ وَصَدَقَ فِي صِفَتِهِمَا، قَالَهُ سَحْنُونٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَلْزَمُهُ الْمِنْدِيلُ وَالْعِلْمُ كَقَوْلِهِ لَهُ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ، أَوْ فِيمَا أَظُنُّ أَوْ فِيمَا حَسِبْت أَوْ فِيمَا رَأَيْت فَهُوَ إقْرَارٌ، قَالَهُ سَحْنُونٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا قَالَ فِيمَا أَعْلَمُ أَوْ فِي عِلْمِي أَوْ فِيمَا يَحْضُرنِي فَهُوَ شَكٌّ لَا يَلْزَمُ، وَالْغَايَةُ كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ لَزِمَهُ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَلَوْ قَالَ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ لَزِمَهُ تِسْعَةٌ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ، وَكَذَلِكَ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى ثَلَاثَةٍ فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ، وَالْخِيَارُ كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَقِيلَ: يَلْزَمُهُ وَيَكُونُ الْخِيَارُ كَالْأَجَلِ، وَقِيلَ: الْخِيَارُ بَاطِلٌ، وَالشَّرْطُ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ مِائَةٌ إنْ حَلَفَ، أَوْ إذَا حَلَفَ أَوْ مَتَى حَلَفَ، فَقَالَ الْمُقِرُّ: مَا ظَنَنْت أَنَّهُ يَحْلِفُ لَمْ يَلْزَمْهُ إقْرَارُهُ إجْمَاعًا، وَالِاسْتِثْنَاءُ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَزِمَهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ مَا يُوجِبُ الشَّكَّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إنْ قَضَى اللَّهُ ذَلِكَ أَوْ إنْ أَرَادَ اللَّهُ لَزِمَهُ، كَقَوْلِهِ: إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَهُ سَحْنُونٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا يَلْزَمُهُ، وَلَوْ قَالَ: إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ إلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ لَزِمَهُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا شَيْئًا لَزِمَهُ أَحَدٌ وَتِسْعُونَ، وَمَسَائِلُ هَذَا النَّوْعِ مَذْكُورَةٌ فِي مَحِلِّهَا لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا، وَالشُّكْرُ مِثْلُ قَوْلِهِ: اشْهَدُوا أَنِّي قَبَضْت مِنْ فُلَانٍ مِائَةَ دِينَارٍ كَانَتْ لِي عَلَيْهِ، وَأَحْسَنُ قَضَائِي جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَالَ الدَّافِعُ: إنَّمَا أَسْلَفْتهَا لَهُ، فَاَلَّذِي قَالَ: أَسْلَفْتهَا لَهُ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَقَاضَاهُ فِي دَيْنِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ مُصَدَّقٌ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ لِقَوْمٍ صُدِّقَ.
стр. 538
فَرْعٌ: قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: فِي الْإِقْرَارِ بِالسَّلَفِ وَقَضَائِهِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ وَالثَّنَاءِ لَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا طَالَ زَمَانُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا وَقْتُهُ قَرِيبٌ أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَكُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ عِنْدَ قَوْمٍ فِي مَسَاقِ حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُمْ، أَوْ شُكْرٍ شَكَرَهُ بِهِ أَحَدٌ فَأَثْنَى عَلَيْهِ بِهِ لِمَا قَدْ مَضَى مِنْ سَلَفٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْحُقُوقِ، ثُمَّ ادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ: قَدْ أَسْلَفْته كَمَا ذَكَرَ وَلَمْ أَقْبِضْ، وَقَالَ الْآخَرُ: قَدْ قَبَضْته وَإِنَّمَا ذَكَرْت إحْسَانَهُ إلَيَّ وَأَثْبَتُّهُ عَلَيْهِ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ الْمُقَرُّ بِهِ، إذَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَوْمِ أَنْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ، فَإِنْ جَهِلُوا أَوْ شَهِدُوا بِذَلِكَ عَلَى جِهَتِهِ وَكَمَا كَانَ سَاقَهُ لَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِهِ، وَهَكَذَا سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا، وَالذَّمُّ كَقَوْلِهِ كَانَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِينَارٌ فَأَسَاءَ تَقَاضِي ذَلِكَ، لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا وَقَدْ دَفَعْته لَهُ، فَقَالَ الْآخَرُ: مَا تَقَاضَيْت مِنْك شَيْئًا، فَإِنَّ الْمُقِرَّ يَغْرَمُ الدِّينَارَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَهُ كَالْمُقِرِّ عَلَى الشُّكْرِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: فِيمَنْ قَالَ لِقَوْمٍ أَسْلَفَنِي فُلَانٌ مِائَةَ دِينَارٍ وَقَضَيْته إيَّاهَا أَنَّهُ مُصَدَّقٌ، وَلَوْ قَالَهَا عِنْدَ سُلْطَانٍ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَتِهِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ لِأَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ جَرَّهُ الْحَدِيثُ وَالْإِخْبَارُ عَنْ حَالِ الشُّكْرِ وَالذَّمِّ فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ أَحَدٌ، بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فِي مَوْضِعِ الْقَضَاءِ وَالِاعْتِذَارِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ السُّلْطَانُ فِي الْجَارِيَةِ وُلِدَتْ مِنِّي، أَوْ الْعَبْدِ مُدَبَّرٌ؛ لِئَلَّا يَأْخُذَهُمَا مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَأَلَهُ ابْنُ عَمِّهِ مَنْزِلًا فَقَالَ: هُوَ لِزَوْجَتِي، ثُمَّ سَأَلَهُ فِيهِ ثَانٍ وَثَالِثٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ، فَقَامَتْ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: إنَّمَا قُلْته اعْتِذَارًا قَالَ مَالِكٌ لَا شَيْءَ لَهَا، وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ سُئِلَ أَنْ يُكْرِيَ مَنْزِلَهُ فَقَالَ: هُوَ لِابْنَتِي حَتَّى أُشَاوِرَهَا، فَقَامَتْ الِابْنَةُ فِيهِ قَالَ: لَا يَنْفَعُهَا ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَازَتْ ذَلِكَ وَلَهَا عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْحِيَازَةِ بَيِّنَةٌ، قِيلَ لَهُ: وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً؟ قَالَ لَيْسَ لَهَا شَيْءٌ قَدْ يَعْتَذِرُ بِهَذَا يُرِيدُ مَنْعَهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي وَثَائِقِ الْغَرْنَاطِيِّ: وَمَنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ هُوَ لِفُلَانٍ لَمْ يَلْزَمْهُ هَذَا الْإِقْرَارُ، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ وَهَبْته أَوْ بِعْته مِنْ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَالرَّافِعُ مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ ثُمَّ يُعْقِبَهُ بِمَا يُبْطِلُهُ وَيَرْفَعُ حُكْمَهُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ إلَّا أَنْ يُخَالِفَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: عِنْدِي أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُقَرُّ لَهُ بَلْ هِيَ مِنْ ثَمَنِ بُرٍّ فَيَلْزَمُ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ.
стр. 539
[الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ]
قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ بِغَالِبِ الظُّنُونِ، وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ الرَّضَاعُ وَاجِبًا فِي الْحَوْلَيْنِ وَكَانَ يَحْرُمُ الْفِطَامُ قَبْلَهُ ثُمَّ أُبِيحَ أَقَلُّ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَفِي مُفِيدِ الْأَحْكَامِ قَالَ مَالِكٌ: إنَّ اللَّهَ وَسَّعَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالِاجْتِهَادِ وَذَكَرَهُ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ.
[مَسْأَلَةٌ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ فِي الْمُعْتَرَكِ]
مَسْأَلَةٌ: مِنْ ذَلِكَ امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ فِي الْمُعْتَرَكِ يَتَلَوَّمُ لَهَا الْإِمَامُ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا قَرُبَ مِنْ الدِّيَارِ، بَعْدَ انْصِرَافِ مَنْ انْصَرَفَ وَانْهِزَامِ مَنْ انْهَزَمَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ وَتَتَزَوَّجُ، وَرُوِيَ بَعْدَ سَنَةٍ، وَرُوِيَ سَنَةٌ فِيهَا الْعِدَّةُ.
فَرْعٌ: وَالْحَرْبِيُّ إذَا قَدِمَ تَاجِرًا وَدَخَلَ إلَى بِلَادِنَا بِأَمَانٍ مُطْلَقٍ، وَلَمْ يَقْدِرْ الْإِمَامُ عَلَيْهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، فَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فَيَجْتَهِدُ فِي قَدْرِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ مُطْلَقًا، بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ أَرَادَ تَرْكَ الْأَخْذِ مِنْهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّ عَلَيْهِ الْعُشْرَ كَالذِّمِّيِّ.
وَفِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: لَا يُزَادُ عَلَى الْعُشْرِ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ إذَا كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالنُّزُولِ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى الْعُشْرِ.
فَرْعٌ: وَكَذَا الْحَرْبِيُّ إذَا قَدِمَ مِنْ بِلَادِهِ مُرِيدًا لِلْإِقَامَةِ فِي بِلَادِنَا عَلَى عَقْدِ الذِّمَّةِ وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ فَإِنَّ السُّلْطَانَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ بِالْأَصْلَحِ لِلْمُسْلِمِينَ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ جَوَازُ إعْطَاءِ أَمِيرِ الْجَيْشِ الْأَمَانَ لِلْعَدُوِّ الَّذِي خَرَجَ لِقِتَالِهِ، وَتَأْمِينِ بَعْضِهِمْ إمَّا مُطْلَقًا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لِجَمَاعَةٍ: أَنْتُمْ آمِنُونَ، فَإِنْ أَرَادُوا الْبَقَاءَ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَيُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادُوا الرُّجُوعَ فَهُمْ آمِنُونَ حَتَّى يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ، أَوْ مُقَيَّدًا وَالتَّقَيُّدُ يَكُونُ بِزَمَانٍ أَوْ مَكَان أَوْ صِفَةٍ، مِثْلَ أَنَّهُ آمَنَ فِي نَفْسِهِ دُونَ مَالِهِ، وَذَلِكَ إذَا رَأَوْا أَنَّ
стр. 540
الْمَصْلَحَةَ فِي عَدَمِ قِتَالِهِمْ، وَيَفْعَلُ الْأَمِيرُ ذَلِكَ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ وَمَشُورَةِ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ، وَيَنْظُرُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْمَصْلَحَةِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ قَدِمَ الْأُمَرَاءُ عَلَى النَّاسِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَإِذَا جَازَ هَذَا لِأَمِيرٍ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى، وَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُ الْهَوَى فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا اتِّبَاعُ الصَّالِحِ وَتَرْكُ الْأَصْلَحِ.
فَرْعٌ: وَالْمُعْسِرُ بِالنَّفَقَةِ يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَالِاجْتِهَادِ فَقِيلَ: بَعْدَ شَهْرٍ، وَقِيلَ: شَهْرَانِ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الرَّجَاءِ، فَلَوْ آيَسَ مِنْ يُسْرِهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ طَلَّقَ عَلَيْهِ بِلَا ضَرْبِ أَجَلٍ، وَيَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْقِيقِ الْإِعْسَارِ، وَهَلْ ذَلِكَ الزَّوْجُ مِمَّنْ يُطَلَّقُ عَلَيْهِ بِالْإِعْسَارِ؟ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا حَالُهُ مِثْلُ حَالِ أَهْلِ الصُّفَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا التَّطْلِيقُ بِسَبَبِ الْإِعْسَارِ لِدُخُولِهَا عَلَى ذَلِكَ.
فَرْعٌ: وَإِذَا وَصَّى لِزَيْدٍ وَلِلْفُقَرَاءِ بِالثُّلُثِ أُعْطِيَ زَيْدٌ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ بِالِاجْتِهَادِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا قَالَ دَارِي حَبْسٌ فَقَطْ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا مَخْرَجًا، فَقَالَ مَالِكٌ: تَكُونُ فِي الْفُقَرَاءِ، قِيلَ لَهُ: إنَّ الدَّارَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، قَالَ: قَدْ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِيهَا وَلَهُ فِي ذَلِكَ سَعَةٌ مِنْ الْمُقْنِعِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لِلْعَبِيدِ الْحَبْسُ إذَا لَمْ تُمْكِنْ مُؤَاجَرَتُهُمْ فِيمَا يُقِيمُ عَيْشَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يُبَاعُونَ وَتُقَسَّمُ أَثْمَانُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إنْ رَأَى ذَلِكَ الْإِمَامُ، أَوْ يَشْتَرِي بِهِ خَيْلًا أَوْ سِلَاحًا فِيمَا يُجْتَهَدُ فِيهِ بِرَأْيِ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ الثِّيَابُ إذَا اخْتَلَفَتْ فَحِينَئِذٍ يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ فِيمَا يَبْقَى مِنْهَا ثَمَنٌ بِيعَتْ، وَيُجْعَلُ ثَمَنُهَا فِي شَأْنِ الْغَزْوِ عَلَى رَأْيِ الِاجْتِهَادِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ فِي قَسْمِ غَلَّةِ الْحَبْسِ بَيْنَ أَهْلِهِ، يَجْتَهِدُ وَيُفَضِّلُ أَهْلَ الْحَاجَةِ وَالْعِيَالِ وَالزَّمْنَى عَلَى غَيْرِهِمْ.
стр. 541
فَرْعٌ: وَإِذَا أَسَرَ الْإِمَامُ الْعَدُوَّ عَجَمًا كَانُوا أَوْ عَرَبًا فَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي خَمْسَةٍ: الْقَتْلِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَضَرْبِ الْجِزْيَةِ، وَالْمُفَادَاةِ، وَالْمَنِّ إذَا كَانَ ذَلِكَ نَظَرَ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَالِاجْتِهَادِ، لَا أَنَّهُ يَفْعَلُ أَيَّهَا شَاءَ بِهَوَاهُ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ مَا يَقْطَعُهُ الْإِمَامُ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ مَنْ شَاءَ بِالنَّظَرِ وَالْمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْطَعَ غَيْرَ الْمَوَاتِ إلَّا مَتَاعًا أَوْ تَمْلِيكًا.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلُهُ الْإِمَامُ بِالْمُحَارِبِ مِنْ الْقَتْلِ أَوْ الصَّلْبِ، ثُمَّ الْقَتْلِ أَوْ قَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ مُوَالَاةً أَوْ النَّفْيِ، فَتَعْيِينُ أَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ لِلْإِمَامِ يُفْعَلُ بِاجْتِهَادِهِ مَا يَرَاهُ أَنْفَعَ فِي الزَّجْرِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ عَقْدُ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، يَجْتَهِدُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ.
فَرْعٌ: وَعُقُوبَةُ الْمَرْأَةِ الْمُسَاحَقَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ أَدَبُ الْكَافِرِ فِي اللِّوَاطِ.
فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ تَقْدِيرُ النَّفَقَاتِ لِلزَّوْجَاتِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَبَوَيْنِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ تَأْجِيلُ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ: قِيلَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَقِيلَ عَشَرَةٌ، وَقِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ إلَى عِشْرِينَ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ.
فَرْعٌ: إذَا اسْتَمْهَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحَاكِمَ أَنْ لَا يُعَجِّلَ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ لِأَجْلِ حِسَابٍ وَشَبَهِهِ، فَإِنَّهُ يُمْهِلُهُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ بِكَفِيلٍ يُوَجِّهُهُ، وَقِيلَ مَا يَرَى الْحَاكِمُ.
فَرْعٌ: وَالتَّعْزِيرَاتُ تَرْجِعُ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَنَظَرِهِ بِقَدْرِ الْجِنَايَةِ، وَحَالِ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حَتَّى تَقَعَ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَيْفٍ مِنْهُ، وَهَذَا مَبْسُوطٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالتَّعْزِيرِ.
стр. 542
فَرْعٌ: وَالسِّنُّ الْمُضْطَرِبَةُ جِدًّا يُقَدَّرُ مَا بَقِيَ فِيهَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ فَيَأْخُذُ بِقَدْرِهَا بِالِاجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ فِيمَا نَقَصَ مِنْ مَنْفَعَةِ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ يَأْخُذُ بِحِسَابِهِ بِالِاجْتِهَادِ، وَكَذَا فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ الِاجْتِهَادُ.
فَرْعٌ: وَمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِ عَبْدٍ يُشْتَرَى لِتَطَوُّعٍ أَوْ ظِهَارٍ وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَنًا أُخْرِجَ بِالِاجْتِهَادِ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ.
فَرْعٌ: وَكَذَا أَرْضُ الْعَنْوَةِ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِيهَا وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فِي قَسْمِهَا بَيْنَ أَهْلِ الْمَغْنَمِ أَوْ وَقَفَهَا خَرَاجًا لِلْمُسْلِمِينَ.
فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ ضَرْبُ الْقُضَاةِ الْآجَالَ فِي الْأَعْذَارِ فِي الْحُكْمِ وَفِي الْغَيْبَةِ، إذَا قَامَتْ الْمَرْأَةُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ وَسَأَلَتْ الطَّلَاقَ، وَفِي ضَرْبِ الْأَجَلِ فِي بَيْعِ الْعَقَارِ فِي الدَّيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ: أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا حَدٌّ مَحْدُودٌ لَا يَتَجَاوَزُ، وَإِنَّمَا هُوَ لِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْآجَالِ.
فَرْعٌ: وَفِي الطُّرُرِ وَيَصِحُّ الْإِجْبَارُ عَلَى النِّكَاحِ بَعْدَ الْبُلُوغِ مَعَ الثُّيُوبَةِ، إذَا ظَهَرَ مِنْهَا الْفَسَادُ وَلَمْ يَقْدِرْ وَلِيُّهَا عَلَى صِيَانَتِهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ يَصُونُهَا، وَاسْتُحْسِنَ أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْأَبِ إلَى الْحَاكِمِ فَيَجْتَهِدَ فِيمَنْ يَتَزَوَّجُهَا مِنْهُ، وَإِنْ زَوَّجَهَا وَلِيٌّ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ مَضَى فِعْلُهُ.
فَرْعٌ: إذَا وَجَبَ عَلَى الْعَاقِلَةِ حَمْلُ نِصْفِ الدِّيَةِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا، فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ تَقْسِيطَهَا عَلَى الْعَاقِلَةِ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَرُوِيَ أَنَّهَا تُقَسَّطُ فِي سَنَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ مِقْدَارُ مَا يُقَسَّطُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ حَدٌّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ تَحْدِيدٌ وَإِنَّمَا هُوَ مُوَاسَاةٌ، فَيَنْظُرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ يَحْمِلُ عَلَى النَّاسِ فِي عَطِيَّاتِهِمْ مِنْ كُلِّ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَنِصْفٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مِنْ كُلِّ مِائَةِ دِرْهَمٍ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَانَ مَالِكٌ ﵀ لَا يُوَقِّتُ فِي الْحِيَازَةِ لَا عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَهَا، وَكَانَ يَرَى ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا يَنْزِلُ بِهِ الْأَمْرُ يَرَى فِيهِ الْإِمَامُ رَأْيَهُ، وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى الْعَشْرِ وَمَا قَارَبَهَا وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ.
стр. 543
[الْبَابُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْأَشْبَهِ مِنْ قَوْلِ الْخَصْمَيْنِ]
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: فِي بَابِ الزَّمَنِ وَالِاسْتِحْسَانِ فِي الْعِلْمِ أَغْلَبُ مِنْ الْقِيَاسِ، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀: تِسْعَةُ أَعْشَارِ الْعِلْمِ الِاسْتِحْسَانُ، وَنَبْدَأُ بِالْكَلَامِ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ، ثُمَّ نُتْبِعُ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْمَسَائِلِ.
وَفِي كِتَابِ الْجَامِعِ لِأُصُولِ الْفِقْهِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ الْبَصْرِيِّ قَالَ: قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْسَانِ وَبَنَى عَلَيْهِ أَبْوَابًا وَمَسَائِلَ مِنْ مَذْهَبِهِ، وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَشَنَّعَ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهِ، وَمَعْنَى قَوْلِنَا بِالِاسْتِحْسَانِ: هُوَ الْقَوْلُ بِأَوْلَى الدَّلِيلَيْنِ، وَذَلِكَ أَنْ تَكُونَ الْحَادِثَةُ مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ أَصْلَيْنِ: وَأَحَدُ الْأَصْلَيْنِ أَقْوَى بِهَا شَبَهًا وَأَقْرَبُ، وَالْأَصْلُ الْآخَرُ أَبْعَدُ إلَّا مَعَ الْقِيَاسِ الْبَعِيدِ الظَّاهِرِيِّ، أَوْ عُرْفٍ جَارٍ أَوْ ضَرْبٍ مِنْ الْمَصْلَحَةِ أَوْ خَوْفِ مَفْسَدَةٍ، أَوْ ضَرْبٍ مِنْ الضَّرَرِ وَالْعُذْرِ، فَيُعْدَلُ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَصْلِ الْقَرِيبِ إلَى الْقِيَاسِ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ الْبَعِيدِ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ، وَأَتَمُّ طَرِيقَةٍ لِلْقَائِسِينَ كَمَا تَقُولُ: إنَّ الْقِيَاسَ أَنَّ بَيْعَ الْعَرَايَا بَاطِلٌ، لَكِنْ جَازَ ذَلِكَ لِلسُّنَّةِ، وَكَمَا تَقُولُ: إنَّ الرُّعَافَ وَالْقَيْءَ سَوَاءٌ، وَلَكِنْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِالْبِنَاءِ فِي الرُّعَافِ فَخَصَّصْنَا وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» ، وَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْقَاضِي: قِيسُوا فِي الْقَضَاءِ مَا صَلُحَ النَّاسُ، فَإِذَا فَسَدُوا فَاسْتُحْسِنُوا فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ سَمَّيْتُمُوهُ اسْتِحْسَانًا؟ وَلَمْ لَا تُسَمُّونَهُ دَلِيلًا؟ قِيلَ: هَذَا اعْتِرَاضٌ عَلَيْنَا فِي التَّسْمِيَةِ، وَلِكُلِّ أَهْلِ صَنْعَةٍ أَنْ يَتَوَاضَعُوا بَيْنَهُمْ تَسْمِيَةً يَصْطَلِحُونَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهَا الْعَرَبُ كَأَسْمَاءِ الْأَدَوَاتِ، وَتَسْمِيَةُ أَهْلِ الْفَرَائِضِ وَالنَّحْوِ وَالْفِقْهِ وَالْحِسَابِ، أَسْمَاءٌ لَا تَعْرِفُهَا الْعَرَبُ إلَّا أَنَّ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ وَضَعُوهَا لِيَتَعَارَفُوا فِيهَا بَيْنَهُمْ، أَشْيَاءَ فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِنَا مِنْ التَّسْمِيَةِ، وَقَدْ كَشَفْنَا عَنْ مَعْنَاهَا وَهُوَ مَعْنًى مُسَلَّمٌ وَأَكْثَرُ مَا رَدُّوا عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنْ الْهَوَى وَاتِّبَاعِهِ، وَأَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَا نَعْلَمُ، وَقَالُوا لَا يَخْلُو الِاسْتِحْسَانُ مِنْ أَنْ
стр. 544
يَكُونَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ أَوْ يَكُونَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَهَذَا الْقَائِلُ ظَنَّ الِاسْتِحْسَانَ هُوَ شَهَوَاتُ النُّفُوسِ، أَوْ مَا اسْتَحْسَنَّاهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلَوْ سَأَلَنَا وَاسْتَكْشَفَ عَنْ مَعْنَى قَوْلِنَا لَاسْتَغْنَى عَنْ تَسْوِيدِ كُتُبِهِ، عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِي كُتُبِهِ: اُسْتُحْسِنَ أَنْ تَكُونَ الْمُتْعَةُ ثَلَاثِينَ، وَأَنْ يُؤَجَّلَ الشَّفِيعُ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ بِهِ فَكَيْفَ يُنْكِرُ الِاسْتِحْسَانَ. وَمَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ مَا حَسُنَ فِي الشَّرِيعَةِ وَلَمْ يُنَافِهَا.
[مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ]
مَسْأَلَةٌ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي ثَمَنِ السِّلْعَةِ، وَكَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ قَبَضَ السِّلْعَةَ وَغَابَ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ وَهِيَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ حَلَفَا وَرَدَّ إلَيْهِ الْمُشْتَرِي مِثْلَ كَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ، وَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ مِمَّا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ كَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَالرَّقِيقِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِنَمَاءٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَلَا حَوَالَةِ سُوقٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا ثَمَنًا يُشْبِهُ ثَمَنَ السِّلْعَةِ وَادَّعَى الْآخَرُ مَا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ فَائِتَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْأَشْبَهِ مِنْهُمَا اتِّفَاقًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّغَابُنِ وَالشِّرَاءُ بِالْقِيمَةِ وَمَا يُقَارِبُهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يُرَاعَى الْأَشْبَهُ، لِأَنَّهُمَا قَادِرَانِ عَلَى رَدِّ السِّلْعَةِ وَالشَّاذُّ أَنَّهُ يُرَاعَى، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي حَالٍ، فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا مَا يُشْبِهُ وَأَبْعَدَ الْآخَرُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخْتَلَفَ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْأَشْبَهِ، وَإِنْ ادَّعَى الْآخَرُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَغَابَنَ بِمِثْلِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْأَشْبَهِ، وَمُرَاعَاةُ الْأَشْبَهِ هُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي عَدَدِ الصَّدَاقِ أَوْ فِي نَوْعِهِ، وَأَتَى أَحَدُهُمَا بِمَا يُشْبِهُ، وَأَتَى الْآخَرُ بِمَا لَا يُشْبِهُ، فَفِيهَا رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ.
إحْدَاهُمَا: يَتَحَالَفَانِ وَيُتَفَاسَخَانِ.
стр. 545
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ أَصْوَبُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ مَا يُشْبِهُ كَالشَّاهِدِ يَحْلِفُ مَعَهُ مَنْ قَامَ لَهُ ذَلِكَ الدَّلِيلُ.
فَرْعٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي الرَّهْنِ، وَاتَّفَقَا فِي الْمَبْلَغِ الْمَرْهُونِ فِيهِ مِثْلَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّ الْمَبْلَغَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَيَأْتِي الْمُرْتَهِنُ بِثَوْبٍ يُسَاوِي مِائَةً وَيَقُولُ: هَذَا الثَّوْبُ الَّذِي رَهَنْته عِنْدِي، وَيَقُولُ الرَّاهِنُ: رَهَنْت ثَوْبًا يُسَاوِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ لِأَنَّهُ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ، وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ مَا لَا يُشْبِهُ، مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ قَالَ: وَكُلُّ مُتَدَاعِيَيْنِ فِي الرَّهْنِ وَالْبُيُوعِ، إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا مَا يُشْبِهُ وَادَّعَى الْآخَرُ مَا لَا يُشْبِهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي يُشْبِهُ وَيَسْقُطُ قَوْلُ الَّذِي لَا يُشْبِهُ، قَالَ أَصْبَغُ: وَقَدْ قَالَ لِي أَشْهَبُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، وَلَوْ لَمْ يُسَاوِ إلَّا دِرْهَمًا وَهُوَ بَاطِلٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَهُوَ انْحِرَافٌ فِي الْقِيَاسِ، وَرَجَّحَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ قَوْلَ أَشْهَبَ فِي الْمَعُونَةِ بِأَنَّ الرَّاهِنَ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يُتَوَثَّقْ بِالْإِشْهَادِ عَلَى عَيْنِ الرَّهْنِ، ثُمَّ يَدَّعِي تَضْمِينَهُ وَإِثْبَاتَ دَعْوَى لَا تُعْرَفُ إلَّا بِقَوْلِهِ، فَوَجَبَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي فِيمَا وَقَعَ بِهِ الْكِرَاءُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَكْرَيْتك بِمِائَةٍ وَيَقُولُ الْآخَرُ بِخَمْسِينَ وَذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاكِنِ إنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَمَدُ لَمْ يَنْقَضِ فَإِنَّهُمَا يَتَفَاسَخَانِ.
فَرْعٌ: وَلَوْ كَانَ الْكِرَاءُ انْعَقَدَ عَلَى بَيِّنَتَيْنِ، فَلَمَّا انْقَضَتْ السَّنَةُ الْأُولَى طَلَبَ الْمُكْرِي أُجْرَةَ السَّنَةِ وَقَالَ هُوَ مِائَةٌ وَقَالَ الْمُكْتَرِي هُوَ خَمْسُونَ، وَالْمِائَةُ عَنْ السَّنَتَيْنِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا كِرَاءَ الْعَامِ الثَّانِي، وَيُؤَدِّي الْمُكْتَرِي عَنْ الْعَامِ الْمَاضِي مَا أَقَرَّ بِهِ إنْ أَشْبَهَ وَإِلَّا فَكِرَاءُ الْمِثْلِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَسَاقِيَانِ بَعْدَ أَنْ عَمِلَ السَّاقِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ.
فَرْعٌ: الْوَصِيُّ مُصَدَّقٌ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ نَفَقَةِ الْيَتِيمِ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى عِمَارَةِ رَبْعِهِ، وَكَذَلِكَ وَلِيُّ السَّفِيهِ إذَا أَتَيَا بِمَا يُشْبِهُ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ لَا بُدَّ
стр. 546
مِنْهَا، وَإِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَشُقُّ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ ذَلِكَ، فَيُؤَدِّي إلَى عَدَمِ النَّفَقَةِ وَخَرَابِ الرَّبْعِ مِنْ شَرْحِ الْجَلَّابِ لِلْقَرَافِيِّ، وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ.
فَرْعٌ: إذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِيمَا فَرَضَ الْقَاضِي مِنْ النَّفَقَةِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ إذَا أَشْبَهَ نَفَقَةَ مِثْلِهَا، فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ وَأَشْبَهَ مَا قَالَتْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهَا.
فَرْعٌ: وَإِذَا تَنَازَعَ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، وَكَذَّبَهُ الشَّفِيعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِيمَا يُشْبِهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُشْبِهُ، فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي وَإِنْ حَلَفَ. قَالَ أَصْبَغُ: وَيُرَدُّ إلَى الْقِيمَةِ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِيمَا لَا يُشْبِهُ بِيَمِينِهِ وَفِيمَا يُشْبِهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ ثَمَنُ الشِّقْصِ عَرَضًا فَإِنَّمَا يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ وَقَدْ فَاتَ الْعَرَضُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ قِيلَ لِلْمُبْتَاعِ صِفْ الْعَرَضَ وَاحْلِفْ وَخُذْ بِذَلِكَ، فَإِنْ جَاءَ بِمَا لَا يُشْبِهُ أُخِذَ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ.
فَرْعٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْجَاعِلُ وَالْمَجْعُولُ لَهُ فِي الْعَبْدِ الْآبِقِ، بَعْدَ أَنْ أَتَى بِالْعَبْدِ وَهُوَ فِي يَدِ الْعَامِلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْعَبْدِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ تَحَالَفَا وَكَانَ لِلْعَامِلِ جُعْلٌ مِثْلُهُ.
فَرْعٌ: وَإِنْ أَتَى الْعَامِلُ بِالْعَبْدِ إلَى رَبِّهِ فَاخْتَلَفَا فِي الْجُعْلِ، فَإِنْ أَتَى الْعَامِلُ بِمَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ وَأَتَى رَبُّ الْعَبْدِ بِمَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْعَبْدِ بِلَا يَمِينٍ تَكُونُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ رُدَّ إلَى جُعْلِ الْمِثْلِ، اُنْظُرْ الرُّعَيْنِيَّ.
فَرْعٌ: فِي الرَّجُلِ يَسْتَأْجِرُ صَائِغًا عَلَى عَمَلِ حُلِيٍّ، فَلَمَّا تَمَّ عَمَلُهُ جَاءَ صَاحِبُ الْحُلِيِّ بِدِينَارٍ فَقَالَ الصَّائِغُ: إنَّمَا عَمِلْته بِدِينَارَيْنِ، فَيَنْظُرُ إلَى
стр. 547
ذَلِكَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُ الصَّائِغِ يُشْبِهُ أُجْرَةَ ذَلِكَ الْعَمَلِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ أَوْ لَمْ يُشْبِهْ أُجْرَةَ مِثْلِهِ، حَلَفَ صَاحِبُ الْحُلِيِّ إنْ كَانَ قَوْلُهُ يُشْبِهُ الْأُجْرَةَ، فَإِنْ أَتَيَا بِمَا يَسْتَنْكِرُ أَعْطَى الصَّائِغَ مَا يَقُولُ أَهْلُ النَّظَرِ، أَنَّهُ أُجْرَةُ ذَلِكَ الْعَمَلِ مِنْ كِتَابِ رِسَالَةِ الْقَضَاءِ لِمَالِكٍ، وَكَذَا هُوَ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.
[الْبَابُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِمُوجَبِ الْجُحُودِ]
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَإِذَا شُهِدَ عَلَى رَجُلٍ بِطَلَاقِ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ وَهُوَ يَجْحَدُ، فَإِنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِطَلَاقِهِمَا جَمِيعًا.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَعْتَقَ غُلَامَهُ يَزِيدَ، وَلَهُ غُلَامَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْمُهُ يَزِيدُ، وَقَالَتْ الْبَيِّنَةُ لَا نَعْلَمُ أَيَّ يَزِيدَ أَرَادَ فَشَهَادَتُهُمْ جَائِزَةٌ، وَيُقَالُ لَهُ: اخْتَرْ أَيَّهمَا شِئْت فَأَعْتِقْهُ فَإِنْ أَقَرَّ وَإِلَّا حُكِمَ عَلَيْهِ بِعِتْقِهِمَا جَمِيعًا.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي امْرَأَتَيْهِ، فَقَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ وَكِلْتَاهُمَا تُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ ثُمَّ جَحَدَ، كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ ثُمَّ جَحَدَ، فَإِنَّهُمَا يُطَلَّقَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ وَاحِدَةً مِنْهُمَا فَإِنَّهُمَا يُطَلَّقَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا.
مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الرَّجُلِ يَدَّعِي الْعَبْدَ أَوْ الدَّابَّةَ قِبَلَ الرَّجُلِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهُ ذَلِكَ فَيُنْكِرُ أَنْ يَعْرِفَ شَيْئًا مِمَّا طَلَبَ، فَيُخَاصِمُهُ فَيَمُوتُ الْعَبْدُ أَوْ الدَّابَّةُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا صَاحِبُهَا، ثُمَّ يَسْتَحِقُّهَا، أَنَّ الْجَاحِدَ غَارِمٌ لِقِيمَتِهَا، لِأَنَّهُ يَوْمَ جَحَدَ صَارَ غَاصِبًا فَصَارَ لِذَلِكَ ضَامِنًا حِينَئِذٍ، وَكَذَلِكَ الدَّارُ يَجْحَدُهَا، ثُمَّ يَسْتَحِقُّهَا صَاحِبُهَا وَقَدْ انْهَدَمَتْ بَعْدَ الْجُحُودِ، فَالْجَاحِدُ غَارِمٌ لِقِيمَتِهَا يَوْمَ جَحْدِهَا، وَلَيْسَ يَوْمَ يُقْضَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَوْمَ جَحَدَهَا صَارَ غَاصِبًا لَهَا، وَلَوْ غَصَبَهَا ابْتِدَاءً كَانَتْ الْقِيمَةُ يَوْمَ غَصَبَ.
стр. 548
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَإِذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ شَرْطٌ عَلَى زَوْجِهَا فِي الضَّرَرِ، فَضَرَبَهَا وَادَّعَتْ أَنَّهُ ظَالِمٌ لَهَا، فَأَنْكَرَ الضَّرْبَ جُمْلَةً فَقَامَتْ لَهَا بِهِ بَيِّنَةٌ كَانَ لَهَا بِهِ الْخِيَارُ، فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ لِذَنْبٍ أَتَتْهُ وَاسْتَوْجَبْت ذَلِكَ بِهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ لِإِنْكَارِهِ أَوَّلًا.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَهَا فَأَرَادَتْ الْأَخْذَ بِشَرْطِهَا، فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَلَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدَةِ إنْ كَانَ أَطَاعَ لَهَا بِالشَّرْطِ، إلَّا أَنْ يُنْكِرَ الشَّرْطَ وَيَحُوجَهَا إلَى إثْبَاتِهِ فَتُثْبِتَهُ عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ لَا مُنَاكَرَةَ لَهُ فِيمَا قَضَتْ بِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ.
فَرْعٌ: وَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلٌ دَيْنًا مِنْ سَلَفٍ أَوْ قِرَاضٍ أَوْ وَدِيعَةٍ أَوْ بِضَاعَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ عَارِيَّةٍ، أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَاقٍ أَوْ حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ فَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَافَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ أَقَرَّ بِهِ، وَادَّعَى فِيهِ وَجْهًا مِنْ الْوُجُوهِ يُرِيدُ إسْقَاطَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ، وَإِنْ قَامَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَا زَعَمَ أَخِيرًا، لِأَنَّ جُحُودَهُ أَوَّلًا إكْذَابٌ لِبَيِّنَتِهِ فَلَا تُسْمَعُ وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا.
تَنْبِيهٌ: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ لَمْ يُقِرَّ، وَلَكِنْ قَامَتْ بِذَلِكَ بَيِّنَةُ عُدُولٍ فَأَقَامَ هُوَ أَيْضًا بَيِّنَةً عُدُولًا عَلَى رَدِّ السَّلَفِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْقِرَاضِ أَوْ الْبِضَاعَةِ أَوْ الرِّسَالَةِ أَوْ عَلَى هَلَاكِ ذَلِكَ، فَهُوَ بِإِنْكَارِهِ مُكَذِّبٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ، هَذَا قَوْلُ الرُّوَاةِ أَجْمَعِينَ: ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبُ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ.
فَرْعٌ: وَأَمَّا إنْ قَالَ مَا لَك عَلَيَّ سَلَفٌ وَلَا ثَمَنُ سِلْعَةٍ وَلَا لَك عِنْدِي وَدِيعَةٌ وَلَا قِرَاضٌ وَلَا بِضَاعَةٌ، فَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ قِبَلَهُ أَقَرَّ بِالْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ، فَزَعَمَ أَنَّهُ رَدَّ الْوَدِيعَةَ وَالسِّلْعَةَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَدَّعِي عَلَيْهِ، أَوْ ادَّعَى هَلَاكَهُ وَأَقَامَ عَلَى مَا ذَكَرَ بَيِّنَةً فَهَاهُنَا تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ
стр. 549
مَا لَك عَلَيَّ شَيْءٌ يُرِيدُ فِي وَقْتِي هَذَا، وَأَمَّا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى إذَا قَالَ: مَا أَسْلَفْتنِي وَلَا أَوْدَعْتنِي، فَلَيْسَ مِثْلُ قَوْلِهِ هَذَا مَا لَك عَلَيَّ سَلَفٌ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهَذَا مِمَّا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا عِنْدَ الرُّوَاةِ، إلَّا أَنِّي رَأَيْت فِي كِتَابِ الْأَقْضِيَةِ مِنْ السَّمَاعِ شَيْئًا يُخَالِفُ هَذَا، وَأَظُنُّ أَنَّ لَهُ وَجْهًا يَصِحُّ مَعْنَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ بَعَثَ مَعَهُ رَجُلٌ بِعِشْرِينَ دِينَارًا يُبَلِّغُهَا إلَى الْجَارِ، وَلِلْجَارِ مَوْضِعٌ وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ عِنْدَ دَفْعِهِ إلَيْهِ فَحَمَلَ الْكِتَابَ وَبَلَّغَهُ إلَى مَنْ أُرْسِلَ إلَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ سَأَلَهُ عَنْ الذَّهَبِ فَجَحَدَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ إنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَهُ الَّذِي أَرْسَلَ مَعَهُ الذَّهَبَ وَقَالَ لَهُ: إنِّي قَدْ أَشْهَدْت عَلَيْك، فَقَالَ: إنْ كُنْت دَفَعْت إلَيَّ شَيْئًا فَقَدْ ضَاعَ، فَقَالَ مَالِكٌ: مَا أَرَى عَلَيْهِ إلَّا يَمِينَهُ، وَأَرَى هَذَا مِنْ مَالِكٍ ﵀ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَاهِلِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَنَّ الْإِنْكَارَ يَضُرُّهُ، وَأَمَّا الْعَالِمُ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّهُ يَضُرُّهُ ثُمَّ يُقْدِمُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا عُذْرَ لَهُ، مِنْ كِتَابِ الرُّعَيْنِيِّ.
فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَجُلٍ بِيَدِهِ دَارٌ وَهُوَ سَاكِنٌ فِيهَا، فَقَامَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِدَعْوَى فَأَنْكَرَ الَّذِي بِيَدِهِ الدَّارُ أَنْ يَكُونَ عَامَلَ الْمُدَّعِيَ فِي الدَّارِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَادَّعَى أَنَّ الدَّارَ لَهُ وَفِي مِلْكِهِ، فَأَثْبَتَ الْمُدَّعِي مِلْكَ الدَّارِ، فَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِكِتَابِ ابْتِيَاعِ الدَّارِ مِنْ الْمُدَّعِي، فَأَجَابَ فِي ذَلِكَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَلِيدٍ، بِأَنَّ إنْكَارَهُ لِمُعَامَلَتِهِ تُسْقِطُ مَا قَامَ بِهِ مِنْ كِتَابِ الِابْتِيَاعِ مِنْ الْمُدَّعِي لِلدَّارِ، وَيَجِبُ أَنْ يَخْرُجَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الدَّارِ وَتُقْفَلُ حَتَّى يَسْتَمِرَّ النَّظَرُ فِيهَا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ بْنُ سَهْلٍ: قَاسُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَا رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدَّيْنِ إذَا أَنْكَرَ مُعَامَلَةَ طَالِبِهِ بِهِ، ثُمَّ أَثْبَتَ دَفْعَهُ إلَيْهِ وَقَضَاءَهُ إيَّاهُ، أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ بَعْدَ إنْكَارِهِ الْمُعَامَلَةَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ سَلَفٍ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَأَمَّا إنْ قَالَ: لَيْسَ لَك عَلَيَّ شَيْءٌ، فَلَمَّا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِسَلَفٍ أَوْ بِبَيْعٍ جَاءَ بِبَرَاءَةٍ مِنْ ذَلِكَ وَشُهُودٍ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ ذَلِكَ الْحَقُّ عَنْهُ، وَقَدْ فَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ عِيسَى بَيْنَ الْأُصُولِ وَالدَّيْنِ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ سُئِلَ ابْنُ كِنَانَةَ عَمَّنْ ادَّعَى أَرْضًا فِي يَدِ رَجُلٍ، فَقَالَ: مَا لَك عِنْدِي أَرْضٌ وَمَا عَلِمْت لَك أَرْضًا فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهَا أَرْضُهُ وَأَثْبَتَهَا، ثُمَّ أَقَرَّ الَّذِي هِيَ بِيَدِهِ أَنَّهَا أَرْضُ الطَّالِبِ، وَقَالَ: لَكِنِّي اشْتَرَيْتهَا وَأَثْبَتَ شِرَاءَهَا، فَقَالَ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَتَكُونُ لَهُ الْأَرْضُ وَلَا يَضُرُّهُ إنْكَارُهُ أَوَّلًا، لِأَنَّهُ يَقُولُ كَانَ حَوْذِي يَنْفَعُنِي، وَأَضَعُ فِي الْأَرْضِ مَا شِئْت وَلَمْ أُقِرَّ فَيَكُونُ عَلَى الْعَمَلِ وَأَعْنِي نَفْسِي فَذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَ كَالدَّيْنِ
стр. 550
يُدَّعَى عَلَيْهِ فَيَجْحَدُهُ، قَالَ عِيسَى عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ إذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ مِنْ غَيْبَةِ بَيِّنَةٍ، أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُعْذَرُ بِالْجَهَالَةِ فَلَا يَضُرُّهُ إنْكَارُهُ، وَتُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، فَهَذَا ابْنُ الْقَاسِمِ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ ابْنُ كِنَانَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي الْمُقَرَّبِ أَنَّ الْأُصُولَ وَالْحُقُوقَ مُخْتَلِفَانِ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُمْ فِي الدَّارِ، وَرَأَيْت أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَاصِمٍ رَوَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْأَرْضَ كَالدَّيْنِ لَا تَنْفَعُهُ الْبَيِّنَةُ إنْ نَفَى مِلْكَهُ عَنْهَا، وَأَنَّ ابْنَ نَافِعٍ قَالَ تَنْفَعُهُ الْبَرَاءَةُ وَالْإِثْبَاتُ فِيهَا وَلَا يَضُرُّهُ الْإِنْكَارُ، رَوَاهُ ابْنُ عَاصِمٍ عَنْهُ أَيْضًا، فَرِوَايَةُ حُسَيْنِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ تُلَائِمُ جَوَابَ الشُّيُوخِ فِي مَسْأَلَةِ الدَّارِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: إذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ بَيِّنَةً أَنَّ زَوْجَهَا قَذَفَهَا وَهُوَ مُنْكِرٌ حُرٌّ ثُمَّ إنَّهُ رَجَعَ بَعْدَ جُحُودِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْبَلُ مِنْهُ رُجُوعُهُ، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْحُقُوقِ، لِأَنَّهُ يَقُولُ: أَرَدْت السَّتْرَ بِإِنْكَارِي، وَقَالَ غَيْرُهُمَا لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَصْلٌ لِمَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَجَحَدَهُ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَادَّعَى الْقَضَاءَ، فَعَلَى مَذْهَبِ الْغَيْرِ لَا يُمْكِنُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ: يُعْتَبَرُ جُحُودُهُ وَيُنْظَرُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ بِجَهْلِهِ أَوْ جَهْلِ مَنْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ وَسَطْوَتِهِ، فَرَأَى إنْكَارَهُ أَسْلَمَ لَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَمِمَّا يُعْذَرُ بِهِ أَنْ تَكُونَ بَيِّنَتُهُ عَلَى الْقَضَاءِ غَائِبَةً وَيَخْشَى أَنْ لَا يُمْهَلَ إلَى قُدُومِهِمْ، أَوْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يُؤْمَنُ تَجْرِيحُهُمْ، فَإِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ هَكَذَا سُمِعَ مِنْهُ دَعْوَى الْقَضَاءِ وَمُكِّنَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.
[الْبَابُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ]
فِي الْقَضَاءِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ الْعَادَةُ غَلَبَةُ مَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ أَوْ بَعْضِهَا، قَالَ الْمَازِرِيُّ الْإِجْمَاعُ عَلَى مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَنَقْدُ الْبَلَدِ مُخْتَلِفٌ أَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ وَلَوْ كَانَ مَعَ اخْتِلَافِ السِّكَكِ، جَرَتْ عَادَةٌ بِالتَّبَايُعِ بِسِكَّةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْهَا لَكَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا وَقُضِيَ بِدَفْعِ تِلْكَ السِّكَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالْقَمْطِ وَوَجْهِ
стр. 551
الْحَائِطِ وَغَيْرِهِ وَسَيَأْتِي حُكْمُ ذَلِكَ، وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ وَهُمَا فِي الْعِصْمَةِ أَوْ بَعْدَ طَلَاقٍ أَوْ مَوْتٍ، فَكَانَ التَّدَاعِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا فَكَانَ التَّدَاعِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَرَثَةِ الْآخَرِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجَانِ حُرَّيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقْضَى لِلْمَرْأَةِ بِمَا يُعْرَفُ لِلنِّسَاءِ وَلِلرَّجُلِ بِمَا يُعْرَفُ لِلرِّجَالِ وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا قُضِيَ بِهِ لِلرِّجَالِ، لِأَنَّ الْبَيْتَ بَيْتُهُ فِي جَارِي الْعَادَةِ فَهُوَ تَحْتَ يَدِهِ فَيُقَدَّمُ لِأَجْلِ الْيَدِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا كَانَ مِنْ شَأْنِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ قُسِّمَ بَيْنَهُمَا، بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْيَدِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ يُونُسَ إذَا فَرَّعْنَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَمَنْ قُضِيَ لَهُ بِشَيْءٍ حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ مَا عُرِفَ بِأَحَدِهِمَا لَا يُحْلَفُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا وَلِيَ الرَّجُلُ شِرَاءَهُ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ، وَشَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ أَخَذَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مَا اشْتَرَاهُ إلَّا لَهُ، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ وَمِنْ الشُّيُوخِ مَنْ نَفَى الْخِلَافَ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ وَكَذَّبَهَا الرَّجُلُ، أَوْ ادَّعَى الرَّجُلُ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ وَكَذَّبَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَلَا خِلَافَ فِي تَعَلُّقِ الْيَمِينِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الْيَمِينِ إذْ تَنَازَعَ وَرَثَةُ الزَّوْجَيْنِ أَوْ تَنَازَعَ وَرَثَةُ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ دُونَ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى، فَيَجْرِي الْخِلَافُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَيْمَانِ التُّهَمِ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ، وَالطَّرِيقَةُ الْأُولَى أَسْعَدُ بِنَقْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَاَلَّذِي قَالَهُ هَذَا الشَّيْخُ هُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أُصُولُ الْمَذْهَبِ.
فَرْعٌ: وَمِمَّا يُعْرَفُ لِلنِّسَاءِ الطَّشْتُ وَالتَّوْرُ وَالْمَنَارَةُ وَالْقِبَابُ وَالْحِجَالُ وَالْأَسِرَّةُ وَالْفُرُشُ وَالْوَسَائِدُ وَالْمَرَافِقُ وَالْبُسُطُ وَجَمِيعُ الْحُلِيِّ.
قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَمَا ذَكَرُوا فِي الْبُسُطِ لَعَلَّهُ الْعُرْفُ فِي بِلَادِ مِصْرَ، وَأَمَّا عِنْدَنَا بِالْمَغْرِبِ فَهِيَ مَعْرُوفَةٌ لِلرِّجَالِ، وَمِثْلُ السَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالْمِنْطَقَةِ وَالْخَاتَمِ فَإِنَّهُ لِلرَّجُلِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُرَادُ بِالْخَاتَمِ خَاتَمُ الْفِضَّةِ، وَأَمَّا خَاتَمُ الذَّهَبِ فَإِنَّهُ لِلْمَرْأَةِ، قَالَ: وَهَذَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ تَابِعٌ لِعُرْفِ الْمُتَنَازِعَيْنِ، فَرُبَّ مَتَاعٍ يَشْهَدُ الْعُرْفُ فِي بَلَدٍ أَوْ زَمَانٌ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ وَيَشْهَدُ فِي بَلَدٍ آخَرَ أَوْ زَمَانٍ آخَرَ بِأَنَّهُ لِلنِّسَاءِ، وَيَشْهَدُونَ فِي الزَّمَانِ الْوَاحِدِ وَالْمَكَانِ الْوَاحِدِ أَنَّهُ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ، بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْمٍ وَمِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، كَالنُّحَاسِ الْمَصْنُوعِ فِي تُونُسَ مِنْ بِلَادِ الْغَرْبِ، فَإِنَّهُ مِنْ مَتَاعِ النِّسَاءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِهَازِ الْأَنْدَلُسِ وَمِنْ مَتَاعِ الرِّجَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَتَاعِ الْحَضَرِ.
стр. 552
فَرْعٌ: وَإِذَا عُرِفَتْ الْمَرْأَةُ فَقِيرَةً لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ قَوْلَهَا إلَّا فِي قَدْرِ صَدَاقِهَا.
فَرْعٌ: وَالذُّكُورُ مِنْ الْعَبِيدِ تُعْرَفُ لِلرِّجَالِ، وَالْإِنَاثُ يُعْرَفْنَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَالْمَاشِيَةُ تُعْرَفُ لِلرِّجَالِ.
تَنْبِيهٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ وَسُئِلَ سَحْنُونٌ عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ بِحَضْرَةِ شُهُودٍ، ثُمَّ يَرَى ذَلِكَ الْعَبْدَ فِي يَدِ امْرَأَةِ الْمُشْتَرِي وَحَوْزِهَا بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي، فَتُقِيمُ كَذَلِكَ سِنِينَ وَالْعَبْدُ فِي ضَيْعَةِ الْمَرْأَةِ قَدْ بَانَتْ بِهِ عَنْ زَوْجِهَا، ثُمَّ يَدْعُو الزَّوْجُ الشُّهُودَ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ، فَيَسَعُهُمْ أَنْ لَا يَشْهَدُوا بِهِ، قَالَ: نَعَمْ لَا يَشْهَدُوا لَهُ عَلَى أَصْلِ الشِّرَاءِ، لِأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الشِّرَاءَ وَالْبَيْعَ لِامْرَأَتِهِ وَهُوَ سَفِيرُهَا، حَكَى هَذَا ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ سَحْنُونٍ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ وَلَا يُكْتَفَى مِنْ أَحَدِهِمَا أَنْ يَقُولَ هَذَا لِي، لِأَنَّهُ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ حَتَّى يَقُولَ: هُوَ مِلْكِي، قَالَ: وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ كَانَتْ لَهُمَا عَلَيْهِ يَدٌ شَاهِدَةٌ أَوْ حُكْمِيَّةٌ، فَالْيَدُ الشَّاهِدَةُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ بَيْنَهُمَا يَتَجَاذَبَانِهِ وَيَتَنَازَعَانِهِ وَالْيَدُ الْحُكْمِيَّةُ أَنْ تَكُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي يَسْكُنَانِهَا، قَالَ: وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلُّهُ الزَّوْجَانِ وَالْأَجْنَبِيَّانِ إذَا سَكَنَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي دَارٍ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ الْكُلُّ سَوَاءٌ، وَهَذَا أَصْلٌ لَا مُنَاقَضَةَ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، حَتَّى قَالَ أَئِمَّتُنَا ﵏: لَوْ اخْتَلَفَ عَطَّارٌ وَدَبَّاغٌ فِي الْمِسْكِ وَالْجِلْدِ، وَاخْتَلَفَ الْفَقِيهُ وَالْحَدَّادُ فِي الْقَلَنْسُوَةِ وَالْكِيرِ، كَانَتْ لَهُمَا عَلَيْهِ يَدٌ حُكْمِيَّةٌ فِي دَارٍ يَسْكُنَانِهَا لِمَنْ شَاهَدَهُ، أَوْ تَنَازَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ رُمْحًا يَتَجَاذَبَانِهِ، فَالْقَوْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ، فَيُحْكَمُ لِلرَّجُلِ بِالرُّمْحِ وَالسَّيْفِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ دُمْلَجًا قُضِيَ بِهِ لِلْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا، وَيُقْضَى لِلْعَطَّارِ بِالْمِسْكِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ بِعَارِضٍ مِنْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَدْ أَصْدَقَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَاطِمَةَ ﵂ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ، وَقَدْ يَمْلِكُ الرَّجُلُ مَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ بِعَارِضٍ مِنْ أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ، قُلْنَا: الظَّاهِرُ فِيمَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ مِمَّا يَصْلُحُ أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ نَادِرٌ، وَإِذَا دَارَ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْغَالِبِ أَوْلَى، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ هُوَ سَاكِنٌ فِي دَارٍ وَيَدُهُ عَلَيْهَا يُقْضَى لَهُ بِالْمِلْكِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ وَظَاهِرِ الْيَدِ فَكَذَلِكَ هُنَا.
стр. 553
فَرْعٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَأَمَّا إنْ كَانَ الزَّوْجَانِ فِي الْبَيْتِ فَحَازَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِهِ وَقَبَضَهُ مَا يَصْلُحُ لِلْآخَرِ دُونَهُ، فَاَلَّذِي ظَهَرَ لِي فِي ذَلِكَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ حَازَهُ دُونَ الْآخَرِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي تَعْجِيلِ الثَّمَنِ وَتَأْجِيلِهِ حُكِمَ بِالْعُرْفِ إنْ كَانَ ثَمَّ عُرْفٌ.
فَرْعٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ فِي النَّفَقَةِ وَادَّعَتْ أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵏ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي دَعْوَاهَا، أَنَّهُ لَمْ يَكْسُهَا فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ لِتَكْذِيبِ الْعُرْفِ وَشَاهِدِ الْحَالِ وَالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ لَهَا، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِاتِّفَاقِ الزَّوْجِ فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ اعْتِمَادًا عَلَى الْأَمَارَاتِ الظَّاهِرَةِ أَقْوَى مِنْ الظَّنِّ الْحَاصِلِ بِاسْتِصْحَابِ الْأَصْلِ، وَبَقِيَ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ وَرُؤْيَتُنَا لَهُ، يُدْخِلُ الطَّعَامَ وَالْإِدَامَ مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ وَدَوَامِ الْعِشْرَةِ قَرِينَةٌ تَبْلُغُ مَبْلَغَ الْقَطْعِ فِي تَكْذِيبِهَا مَعَ عِلْمِنَا بِانْقِطَاعِهَا عَنْ الْخُرُوجِ وَالدُّخُولِ وَالتَّصَرُّفِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي قَبْضِ السِّلْعَةِ أَوْ الثَّمَنِ، فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الثَّمَنِ بِيَدِ الْمُبْتَاعِ، وَبَقَاءُ الْمَبِيعِ بِيَدِ الْبَائِعِ وَلَا يَنْتَقِلُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ عُرْفٍ، كَالسِّلَعِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَدْفَعُ ثَمَنَهَا قَبْلَ أَنْ يَبِينَ بِهَا، كَاللَّحْمِ وَالْخُضَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيُحْكَمُ فِي ذَلِكَ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ.
فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَيَاتِ الْأَلْفَاظِ فِي الْبَيْعِ، كَقَوْلِ الْبَائِعِ بِعْتُك هَذِهِ الْأَرْضَ بِكَذَا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا كَالْبِنَاءِ وَالْأَشْجَارِ وَهَذَا بِحُكْمِ الْعُرْفِ، وَلَفْظُ الشَّجَرِ وَالدَّارِ يَشْمَلُ الثَّوَابِتَ: كَالْأَبْوَابِ وَالرُّفُوفِ وَالسُّلَّمِ الْمُسَمَّرِ وَالْأَشْجَارِ الَّتِي فِي الدَّارِ، وَلَفْظُ الْعَبْدِ يَشْمَلُ: ثِيَابَ الْمِهْنَةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ كَشْفُ عَوْرَتِهِ، وَفِي سَمَاعِ ابْنِ نَافِعٍ إنْ بَاعَهَا وَاشْتَرَطَ الْإِزَارَ الَّذِي عَلَيْهَا فَلَهُ وَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتُرَهَا بِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَبَى فَالسَّوْطُ.
وَفِي سَمَاعِ ابْنِ وَهْبٍ فِي الْجَارِيَةِ وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ وَحُلِيٌّ أَنَّهُ لِلْبَائِعِ إلَّا مَا يَكُونُ لَهَا مِمَّا تَتَزَيَّنُ بِهِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ: مَا عُرِفَ أَنَّهُ مِنْ هَيْئَاتِهَا وَلِبَاسِهَا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
стр. 554
فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الْوَلِيمَةُ فِي الْعُرْسِ، قَالَ أَصْبَغُ بْنُ سَهْلٍ سَأَلْت الْفَقِيهَ أَبَا عَتَّابٍ عَنْ الْهَدِيَّةِ الَّتِي يُهْدِيهَا الْأَزْوَاجُ إلَى الزَّوْجَاتِ قَبْلَ الْبِنَاءِ هَلْ يُقْضَى عَلَى الزَّوْجِ بِهَا إنْ امْتَنَعَ مِنْهَا وَيُطْلَبُ بِهَا؟ فَقَالَ: إنَّهُ يُقْضَى عَلَى الزَّوْجِ بِهَا عَلَى قَدْرِهِ وَقَدْرِهَا وَقَدْرِ صَدَاقِهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُثِيبَهُ إلَّا أَنْ تَشَاءَ، فَإِنْ أَبَتْ أَوْ أَبَى أَبُوهَا إنْ كَانَتْ بِكْرًا لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ، قَالَ قُلْت لَهُ: فَهَلْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِنَفَقَةِ الْعُرْسِ وَالْجَلْوَةِ الْمُتَعَارَفَةِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إنْ امْتَنَعَ وَتُؤْمَرُ بِهِ وَلَا تُجْبَرُ، قَالَ: وَالصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْوَلِيمَةِ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» ، مَعَ الْعَمَلِ بِهِ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ بِخِلَافِ مَا تُعْطَى الْمَاشِطَةُ عَلَى الْجَلْوَةِ، هَذَا لَا يُقْضَى بِهِ عِنْدَنَا إنْ امْتَنَعَ، وَلَا بِأُجْرَةِ ضَارِبِ دُفٍّ أَوْ كَبَرٍ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَلَا يُقْضَى بِالْوَلِيمَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الزَّوْجِ وُجُوبَ السُّنَنِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهَا مُرَغَّبٌ فِيهَا وَمَنْدُوبٌ إلَيْهَا.
فَرْعٌ: وَفِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ النَّاكِحِ يُلْزِمُهُ أَهْلُ الْمَرْأَةِ هَدِيَّةَ الْعُرْسِ، وَجُلُّ النَّاسِ تَعْمَلُ بِهِ عِنْدَنَا حَتَّى أَنَّهُ لَتَكُونُ فِيهِ الْخُصُومَةُ، أَتَرَى أَنْ يُقْضَى بِهِ، قَالَ: إذَا كَانَ ذَلِكَ قَدْ عُرِفَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَهُوَ عَمَلُهُمْ، لَمْ أَرَ أَنْ يُطْرَحَ ذَلِكَ عَنْهُمْ إلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ فِيهِ السُّلْطَانُ، لِأَنِّي أَرَاهُ أَمْرًا قَدْ جَرَوْا عَلَيْهِ وَفِي كِتَابِ عِيسَى. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ قَبْلَ ذَلِكَ: لَا أَرَى أَنْ يُقْضَى بِهِ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ كَانَ مِمَّا جَرَوْا عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
فَرْعٌ: وَفِي سَمَاعِ عِيسَى فِي رَسْمٍ لَمْ يُدْرَكْ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَأَلْنَا مَالِكًا عَمَّنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَصْدَقَهَا صَدَاقًا، فَطَلَبَتْ مِنْهُ نَفَقَةَ الْعُرْسِ، هَلْ ذَلِكَ عَلَيْهِ؟ قَالَ مَا أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِ وَمَا هُوَ بِصَدَاقٍ وَلَا شَيْءَ ثَابِتٌ وَلَا هُوَ لَهَا إنْ مَاتَ وَلَا نِصْفَهُ إنْ طَلَّقَ، فَرُدِّدَ عَلَيْهِ وَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنَّهُ شَيْءٌ أَجْرُوهُ بَيْنَهُمْ وَهِيَ سُنَّتُهُمْ، فَقَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ شَأْنُهُمْ فَأَرَى أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ تَشَاحُّوا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطُوهُ.
فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي امْرَأَةٍ أَسْلَفَتْ زَوْجَهَا ثَلَاثِينَ دِينَارًا ذَهَبًا وَأَنْظَرَتْهُ خَمْسَةَ أَعْوَامٍ أَوْ ثَلَاثَةً الشَّكُّ مِنِّي ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ عَامٍ وَنِصْفٍ مِنْ تَارِيخِ السَّلَفِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا إنَّمَا أَسْلَفَتْهُ وَأَنْظَرَتْهُ اسْتِدَانَةً لِعِصْمَتِهَا
стр. 555
مَعَهُ وَرَجَاءً فِي حُسْنِ صُحْبَتِهِ لَهَا، وَكَانَ التَّحَاكُمُ فِيهِ عِنْدَ ابْنِ بَقِيٍّ فَشَاوَرَ فِي ذَلِكَ، فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِيمَا ادَّعَتْهُ مِنْ ذَلِكَ وَتَحْلِفُ ثُمَّ تَأْخُذُ حَقَّهَا مِنْهُ حَالًّا، وَبِذَلِكَ أَفْتَى الشَّيْخُ فِيهَا قَبْلَ هَذَا: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا إذْ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ، أَنَّهُنَّ إنَّمَا يَفْعَلْنَ ذَلِكَ لِذَلِكَ فَهُوَ كَالْعُرْفِ الَّذِي يُصَدَّقُ فِيهِ مَنْ ادَّعَاهُ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِيمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْهُ: مَنْ وَهَبَ لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ، فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إذَا لَمْ يُرْضَ مِنْهَا، فَحَكَمَ ﵁ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْحَالُ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ وَمَنْ ادَّعَى عَلَى الْمَعْرُوفِ صَدَقَ وَلِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّاهِدِ بِدَعْوَاهَا وَالْمُتَعَارَفُ مِنْ أَحْوَالِ النِّسَاءِ فِيمَا يُوَسِّعْنَ بِهِ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ، إنَّمَا يُرِدْنَ بِذَلِكَ مَوَدَّاتِ الْأَزْوَاجِ، وَاسْتِدَامَةَ عِصْمَتِهِنَّ مَعَهُمْ وَتُقِمْنَ مَسَرَّتَهُمْ، فَإِذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ اسْتَحَالَتْ نُفُوسُهُنَّ عَنْ ذَلِكَ إلَى ضِدِّهِ هَذَا الَّذِي لَا يُعْرَفُ غَيْرُهُ.
فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا خَلَا بِزَوْجَتِهِ خَلْوَةً اهْتِدَاءً وَادَّعَتْ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا لِلْعُرْفِ، وَالْعَادَةُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا خَلَا بِهَا الزَّوْجُ أَوَّلَ مَرَّةٍ لَا يَصْبِرُ عَنْ وَطْئِهَا، فَالْخَلْوَةُ شَاهِدَةٌ لَهَا بِدَعْوَاهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةً فِي الْبَابِ الْأَرْبَعِينَ.
فَرْعٌ: وَكَذَا إذَا وُجِدَتْ الْوَثِيقَةُ بِيَدِ الْمَطْلُوبِ وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّهُ دَفَعَ مَا فِيهَا وَقَبَضَهَا مِنْ الْمُدَّعِي، فَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ أَنَّ الْوَثِيقَةَ لَا تَرْجِعُ إلَى الْمَطْلُوبِ إلَّا بَعْدَ دَفْعِ مَا فِيهَا.
فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ الْفَاسِيُّ أَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ عِنْدَ النَّاسِ فِي الرِّبَاعِ، أَنَّ وَكِيلَ الْبَيْعِ لَا يَقْبِضُ الثَّمَنَ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ الَّذِي بَاعَ وَإِنَّمَا يُحْمَلُ هَذَا عَلَى الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ بَيْنَهُمْ، يُرِيدُ أَنَّ الْوَكِيلَ عَلَى بَيْعِ السِّلْعَةِ أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ وَيَبْرَأَ الْمُشْتَرِي بِالدَّفْعِ إلَيْهِ، لِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ جَرَتْ بِذَلِكَ بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَقَارِ وَالرِّبَاعِ، قَالَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ فِي الْفُرُوقِ.
стр. 556
قَاعِدَةٌ: كُلُّ مَنْ لَهُ عُرْفٌ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى عُرْفِهِ كَقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى عَادَ كَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ» يُحْمَلُ عَلَى الْحَلِفِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ جَعَلَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَيْمَانِ الْفُسَّاقِ، فَلَا يُحْمَلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِمَا.
فَرْعٌ: إذَا حَلَفَ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ يَحْنَثُ، قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مَشْهُورُ فَتَاوَى الْأَصْحَابِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ يَلْزَمُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَعِتْقُ رَقَبَةٍ إنْ كَانَ عِنْدَهُ وَإِنْ كَثُرُوا، وَصَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَالْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَطَلَاقُ امْرَأَتِهِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً؟ وَالتَّصَدُّقُ بِثُلُثِ الْمَالِ، وَلَا يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَلَا الْمَشْيُ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَلَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا الرِّبَاطُ فِي الثُّغُورِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَلَا تَرْبِيَةُ الْيَتَامَى وَلَا كِسْوَةُ الْعَرَايَا وَلَا إطْعَامُ الْجِيَاعِ وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْقُرُبَاتِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَاحَظُوا مَا غَلَبَ الْحَلِفُ بِهِ وَلَا يُجْعَلُ عَبَثًا فِي الْعَادَةِ فَأَلْزَمُوهُ إيَّاهُ، لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى الْعُرْفِيُّ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ، وَيَخْتَصُّ حَلِفُهُ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ دُونَ غَيْرِهَا، لِأَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ، وَلَفْظُ الْحَلِفِ وَالْأَيْمَانِ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ الْمُدْرَكُ أَنَّ عَادَاتِهِمْ يَفْعَلُونَ مُسَمَّيَاتِهَا، وَأَنَّهُمْ يَصُومُونَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ يَحُجُّونَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ، بَلْ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي دُونَ غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ صَرَّحُوا فَقَالُوا: مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالْحَلِفِ بِصَوْمِ سَنَةٍ لَزِمَهُ صَوْمُ سَنَةٍ، كَجَعْلِ الْمُدْرِكِ الْحَلِفَ اللَّفْظِيَّ دُونَ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ فَهَذَا مُدْرِكٌ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى التَّحْرِيرِ وَالتَّحْقِيقِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ اتَّفَقَ فِي وَقْتٍ آخَرَ اشْتِهَارُ حَلِفِهِمْ وَنَذْرِهِمْ بِالِاعْتِكَافِ وَالرِّبَاطِ، وَإِطْعَامِ الْجِيعَانِ وَكِسْوَةِ الْعُرْيَانِ، وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ دُونَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، إنْ كَانَ اللَّازِمُ بِهَذَا الْحَالِفِ إذَا حَنِثَ الِاعْتِكَافَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ دُونَ تِلْكَ الْحَقَائِقِ الْأُوَلِ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى الْعَوَائِدِ تَدُورُ مَعَهَا كَيْفَمَا دَارَتْ، وَتَبْطُلُ مَعَهَا إذَا بَطَلَتْ كَالنُّقُودِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْعُيُوبِ فِي الْعُرُوضِ الْمَبِيعَاتِ، فَلَوْ تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ فِي النَّقْدَيْنِ وَالسِّكَّةِ إلَى سِكَّةٍ أُخْرَى، لَحُمِلَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى السِّكَّةِ الَّتِي تَجَدَّدَتْ الْعَادَةُ بِهَا دُونَ مَا قَبْلَهَا، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الشَّيْءُ عَيْنًا فِي الثِّيَابِ فِي الْعَادَةِ رَدَدْنَا بِهِ الْبَيْعَ، فَإِذَا تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْعَادَةُ وَصَارَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ مَحْبُوبًا لَمْ يُرَدَّ بِهِ، وَبِهَذَا الْقَانُونِ تُعْتَبَرُ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْعَوَائِدِ، وَهُوَ تَحْقِيقٌ
стр. 557
مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، بَلْ قَدْ يَقَعُ الْخِلَافُ فِي تَحْقِيقِهِ، هَلْ وُجِدَ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَعَلَى هَذَا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ أَنَّ عُرْفَنَا الْيَوْمَ لَيْسَ فِيهِ الْحَلِفُ بِصَوْمِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَلَا يَكَادُ نَجِدُ أَحَدًا بِمِصْرَ يَحْلِفُ بِهِ فَلَا يَنْبَغِي الْفُتْيَا بِهِ، وَعَادَتُهُمْ يَقُولُونَ: عَبْدِي وَامْرَأَتِي طَالِقٌ، وَعَلَى الْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ وَمَالِي صَدَقَةٌ إذَا لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَتَلْزَمُ هَذِهِ الْأُمُورُ.
وَعَلَى هَذَا الْقَانُونِ تُرَاعَى الْفَتَاوَى عَلَى طُولِ الْأَيَّامِ، مَهْمَا تَجَدَّدَ فِي الْعُرْفِ اعْتَبَرَهُ، وَمَهْمَا سَقَطَ أَسْقَطَهُ وَلَا تَحْمِلْ عَلَى الْمَنْقُولِ فِي الْكُتُبِ طُولَ عُمْرِك، بَلْ إذَا جَاءَك رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ إقْلِيمِك يَسْتَفْتِيك فَلَا تُجِبْهُ عَلَى عُرْفِ بَلَدِك، وَاسْأَلْهُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِهِ وَأَجْرِ عَلَيْهِ وَأَفْتِهِ بِهِ دُونَ عُرْفِ بَلَدِك وَالْمُقَرَّرِ فِي كُتُبِك، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُ، وَالْجَرْيُ عَلَى الْمَنْقُولَاتِ أَبَدًا ضَلَالٌ فِي الدِّينِ وَجَهْلٌ بِمَقَاصِدِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةُ يَتَخَرَّجُ أَيْمَانُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقُ وَصِيَغُ الصَّرَائِحِ وَالْكِنَايَاتِ، فَقَدْ تَصِيرُ الصَّرَائِحُ كِنَايَاتٍ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَقَدْ تَصِيرُ الْكِنَايَاتُ صَرَائِحَ مُسْتَغْنِيَةً عَنْ النِّيَّةِ.
فَرْعٌ: فَلَوْ قَالَ: أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي، فَإِنَّهَا تَتَخَرَّجُ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْحَلِفِ عِنْدَ الْمُلُوكِ الْمُعَاصِرَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَأَيُّ شَيْءٍ جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مَلِكِ الْوَقْتِ فِي التَّحْلِيفِ بِهِ فِي بَيْعَتِهِمْ، وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ بِحَيْثُ صَارَ عُرْفًا وَمَنْقُولًا مُتَبَادِرًا لِلذِّهْنِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ حُمِلَ يَمِينُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ نِيَّتُهُ أَوْ بِسَاطُ يَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ، فِي السُّؤَالِ التَّاسِعِ وَالثَّلَاثِينَ، وَمَا الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْوَاقِعَةِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا الْمُرَتَّبَةِ عَلَى الْعَوَائِدِ؟ وَالْعُرْفِ اللَّذَيْنِ كَانَا حَاصِلَيْنِ حَالَةَ جَزْمِ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَهَلْ إذَا تَغَيَّرَتْ تِلْكَ الْعَوَائِدُ وَصَارَتْ تَدُلُّ عَلَى ضِدِّ مَا كَانَتْ تَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ لَا؟ فَهَلْ تَبْطُلُ هَذِهِ الْفَتَاوَى الْمَسْطُورَةُ فِي الْكُتُبِ وَيُفْتَى بِمَا تَقْتَضِيهِ الْعَوَائِدُ الْمُتَجَدِّدَةُ؟ أَوْ يُقَالُ: نَحْنُ مُقَلِّدُونَ وَمَا لَنَا إحْدَاثُ شَرْعٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِنَا لِلِاجْتِهَادِ؟ فَنُفْتِي بِمَا فِي الْكُتُبِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ جَرْيَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي مُدْرَكُهَا الْعَوَائِدُ، مَعَ تَغْيِيرِ تِلْكَ الْعَوَائِدِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَجَهَالَةٌ فِي الدِّينِ، بَلْ كُلُّ مَا هُوَ فِي الشَّرِيعَةِ يَتْبَعُ الْعَوَائِدَ يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ فِيهِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْعَادَةِ إلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْعَادَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ تَجْدِيدًا لِلِاجْتِهَادِ مِنْ الْمُقَلِّدِينَ حَتَّى يُشْتَرَطَ
стр. 558
فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ، بَلْ هِيَ قَاعِدَةٌ اجْتَهَدَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهَا، فَنَحْنُ نَتْبَعُهُمْ فِيهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ اجْتِهَادٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُعَامَلَاتِ إذَا أُطْلِقَ فِيهَا الثَّمَنُ يُحْمَلُ عَلَى غَالِبِ النُّقُودِ فَإِذَا كَانَتْ الْعَادَةُ نَقْدًا مُعَيَّنًا حَمَلْنَا الْإِطْلَاقَ عَلَيْهِ، فَإِذَا انْتَقَلَتْ الْعَادَةُ إلَى غَيْرِهِ عَيْنًا مَا انْتَقَلَتْ الْعَادَةُ إلَيْهِ، وَأَلْغَيْنَا الْأَوَّلَ لِانْتِقَالِ الْعَادَةِ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْإِطْلَاقُ فِي الْوَصَايَا وَالْأَيْمَانِ وَجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ الْمَحْمُولَةِ عَلَى الْعَوَائِدِ، وَكَذَلِكَ الدَّعَاوَى إذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ، ثُمَّ تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ لَمْ يَبْقَ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِيهِ، بَلْ انْعَكَسَ الْحَالُ فِيهِ، بَلْ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَغْيِيرُ الْعَادَةِ، بَلْ لَوْ خَرَجْنَا نَحْنُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، عَوَائِدُهُمْ عَلَى خِلَافِ عَادَةِ الْبَلَدِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ أَفْتَيْنَاهُمْ بِعَادَةِ بَلَدِهِمْ، وَلَمْ نَعْتَبِرْ عَادَةَ الْبَلَدِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَدِمَ عَلَيْنَا أَحَدٌ مِنْ بَلَدٍ عَادَتُهُ مُضَادَّةٌ لِلْبَلَدِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، لَمْ نُفْتِهِ إلَّا بِعَادَةِ بَلَدِهِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: إذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي قَبْضِ الصَّدَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْقَبْضِ.
قَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ هَذِهِ كَانَتْ عَادَتَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَدْخُلُ بِامْرَأَتِهِ حَتَّى تَقْبِضَ جَمِيعَ صَدَاقِهَا، وَالْيَوْمَ عَادَةُ الْمَدِينَةِ خِلَافُ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْعَوَائِدِ، وَانْظُرْ أَوَّلَ الْمُتَيْطِيَّةِ فَإِنَّهُ اسْتَوْفَى الْكَلَامَ فِيهَا، قَالَ. الْقَرَافِيُّ: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَأَنَا أَسْرُدُ أَحْكَامًا نَصَّ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّ الْمُدْرَكَ فِيهَا الْعَادَةُ، وَأَنَّ مُسْتَنَدَ الْفُتْيَا بِهَا إنَّمَا هُوَ الْعَادَةُ وَالْوَاقِعُ الْيَوْمَ خِلَافُهُ، فَيَتَعَيَّنُ تَغْيِيرُ الْحُكْمِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْعَادَةُ الْمُتَجَدِّدَةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ مَعْنَى الْعَادَةِ فِي اللَّفْظِ أَنْ يَغْلِبَ إطْلَاقُ لَفْظٍ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنًى حَتَّى يَصِيرَ هُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الذِّهْنِ مِنْ ذَلِكَ اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَعَ أَنَّ اللُّغَةَ لَا تَقْتَضِيهِ، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْعَادَةِ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ، وَهُوَ الْمَجَازُ الرَّاجِحُ فِي الْأَغْلَبِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ: أَنَّ الْعُرْفَ يُقَدَّمُ عَلَى اللُّغَةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ.
стр. 559
[الْحُكْمُ الْأَوَّلُ بَعْضُ أَلْفَاظِ الْمُرَابَحَةِ]
وَهُوَ قَوْلُ الْبَائِعِ: بِعْتُك بِوَضِيعَةِ الْعَشَرَةِ، أَحَدَ عَشَرَ، أَوْ بِوَضِيعَةِ الْعَشَرَةِ عِشْرِينَ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ الْأَصْحَابُ: هَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِي عَادَةً أَنْ يَأْخُذَ لِكُلِّ أَحَدَ عَشَرَ عَشَرَةً، وَيَحُطُّ نِصْفَ الثَّمَنِ اللَّفْظُ الْآخَرُ وَيُلْزِمُونَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِمُجَرَّدِ هَذَا اللَّفْظِ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ، وَهَذِهِ الْعَادَةُ قَدْ بَطَلَتْ وَلَا بَقِيَ هَذَا اللَّفْظُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْيَوْمَ هَذَا الْمَعْنَى أَلْبَتَّةَ، بَلْ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ لَا يَفْهَمُهُ فَضْلًا عَنْ الْعَامَّةِ لِأَنَّهُ لَا عَادَةَ فِيهِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ أَيْضًا، فَيَنْبَغِي إذَا وَقَعَ هَذَا الْعَقْدُ بَيْنَ الْعَامَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ بَاطِلًا، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَادَتَهُمْ اسْتِعْمَالُهُ أَلْبَتَّةَ، لِأَنَّا طُولَ أَعْمَارِنَا لَمْ نَسْمَعْهُ إلَّا فِي الْكُتُبِ، أَمَّا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَلَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِالْعَادَةِ وَلَا بِاللُّغَةِ كَانَ الْعَقْدُ بَاطِلًا.
[الْحُكْمُ الثَّانِي فِي الْمُرَابَحَةِ]
إذَا قَالَ: بِعْتُك بِمَا قَامَتْ عَلَيَّ، قَالُوا: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَكُونُ لِلْبَائِعِ مَعَ الثَّمَنِ مَا بَذَلَهُ مِنْ أُجْرَةِ الْقِصَارَةِ، وَالْكِمَادِ وَالطَّرْزِ وَالْخِيَاطَةِ وَالصَّبْغِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ، وَتُسْتَحَقُّ لَهُ حِصَّتُهُ مِنْ الرِّبْحِ إنْ سَمَّى لِكُلِّ عَشَرَةٍ رِبْحًا، وَمَا لَيْسَ لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ إلَّا أَنَّهُ يُؤْثَرُ فِي السُّوقِ زِيَادَةً فِيهِ، وَتَنْمِيَةُ الثَّمَنِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يَسْتَحِقُّ لَهُ حِصَّتَهُ مِنْ الرِّبْحِ نَحْوَ كِرَاءِ الْحُمُولَاتِ فِي النَّقْلِ لِلْبُلْدَانِ، وَمَا لَا يُؤْثَرُ فِي السُّوقِ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَلَا يَكُونُ لَهُ رِبْحٌ، كَأُجْرَةِ: الطَّيِّ وَالشَّدِّ وَكِرَاءِ الْبَيْتِ وَنَفَقَةِ الْبَائِعِ عَلَى نَفْسِهِ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ بِمَا قَامَتْ عَلَى لُغَةٍ، بَلْ يَصِحُّ هَذَا الْبَيْعُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ إذَا كَانَ هَذَا اللَّفْظُ يَقْتَضِيهِ عَادَةً، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِالْعَادَةِ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ.
أُمًّا الْيَوْمَ فَلَا يُفْهَمُ هَذَا فِي الْعَادَةِ وَلَا يَتَعَامَلُ النَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ، فَلَا عَادَةَ حِينَئِذٍ فَهَذَا الثَّمَنُ مَجْهُولٌ فَلَا يُفْتَى بِمَا فِي الْكُتُبِ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ تَفَاصِيلِهِ لِانْتِقَالِ الْعَادَةِ.
стр. 560
[الْحُكْمُ الثَّالِثُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ]
مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ وَهَبْتُك لِأَهْلِك يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا، وَلَا تَنْفَعُهُ النِّيَّةُ أَنَّهُ أَرَادَ أَقَلَّ مِنْ الثَّلَاثِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ اُشْتُهِرَ فِي إزَالَةِ الْعِصْمَةِ، وَاشْتُهِرَ فِي الْعَدَدِ الَّذِي هُوَ الثَّلَاثُ، وَأَنَّهُ اُشْتُهِرَ فِي الْإِنْشَاءِ لِلْمَعْنَيَيْنِ، وَانْتَقَلَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْ أَنَّهَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً لَكَانَ كَذِبًا بِالضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهَا حَلَالٌ لَهُ إجْمَاعًا، فَالْإِخْبَارُ عَنْهَا بِأَنَّهَا حَرَامٌ كَذِبٌ بِالضَّرُورَةِ، وَلَيْسَ مَدْلُولُ هَذَا اللَّفْظِ لُغَةً إلَّا اعْتِبَارَ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ دَخَلَ فِي الْوُجُودِ قَبْلَ نُطْقِهِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَهَذَا كَذِبٌ قَطْعًا، فَلَا بُدَّ حِينَئِذٍ أَنْ يُقَالَ: أَنَّهَا انْتَقَلَتْ فِي الْعُرْفِ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: إزَالَةُ الْعِصْمَةِ، وَالْعَدَدِ الثَّلَاثِ، وَالْإِنْشَاءِ، فَإِنَّ أَلْفَاظَ الطَّلَاقِ مَهْمَا لَمْ تَكُنْ إنْشَاءً أَوْ يُرَادُ بِهَا الْإِنْشَاءَ لَا تُزِيلُ عِصْمَةً أَلْبَتَّةَ، وَمُلَاحَظَةُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ هِيَ سَبَبُ الْخِلَافِ بَيْنَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّك لَا تَجِدُ النَّاسَ يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ الصِّيَغَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي ذَلِكَ، بَلْ تَمْضِي الْأَعْمَارُ وَلَا يُسْمَعُ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي حَلِّ الْعِصْمَةِ وَلَا فِي عَدَدِ طَلْقَاتٍ، فَالْعُرْفُ حِينَئِذٍ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَنْفِيٌّ قَطْعًا، وَإِذَا انْتَفَى الْعُرْفُ لَمْ يَبْقَ إلَّا اللُّغَةُ، وَفِي اللُّغَةِ لَمْ تُوضَعْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ لِهَذِهِ الْمَعَانِي، وَلَا يَدَّعِي أَنَّهَا مَدْلُولُ اللَّفْظِ لُغَةً إلَّا مَنْ لَا يَدْرِي اللُّغَةَ، وَإِذَا لَمْ تَفْدِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَلَا نِيَّةً وَلَا بِسَاطًا، فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ حِينَئِذٍ بِلَا مُسْتَنَدٍ، وَالْفُتْيَا بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ بَاطِلَةٌ إجْمَاعًا وَحَرَامٌ عَلَى قَائِلِهَا وَمُعْتَقِدِهَا نَعَمْ لَفْظُ الْحَرَامِ فِي عُرْفِنَا الْيَوْمَ لِإِزَالَةِ الْعِصْمَةِ خَاصَّةً دُونَ عَدَدٍ وَهِيَ مُشْتَهِرَةٌ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ مَعَهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يُفْتِيَ بِطَلْقَةٍ رَجْعِيَّةٍ لَيْسَ إلَّا، وَيَنْوِيَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ذُكِرَتْ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا بِسَاطٌ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُمَا مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ عَلَى التَّقْدِيرِ، لَكِنْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَأَهْلُ الْعَصْرِ لَا يُسَاعِدُونَ عَلَى هَذَا وَيُنْكِرُونَهُ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ خِلَافُ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَهَذَا الْكَلَامُ وَاضِحٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ بِعَقْلٍ سَلِيمٍ، وَحُسْنِ نَظَرٍ سَالِمٍ عَنْ تَعَصُّبَاتِ الْمَذَاهِبِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِأَخْلَاقِ الْمُتَّقِينَ لِلَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: وَالْعَجَبُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ إذَا قِيلَ لَهُمْ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ، يَقُولُونَ: لَا، لِأَنَّهُ صَرِيحُ لُغَةٍ فِي إزَالَةِ الْعِصْمَةِ؛ لِأَنَّ الطَّاءَ
стр. 561
وَاللَّامَ وَالْقَافَ لِإِزَالَةِ مُطْلَقِ الْقَيْدِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: لَفْظٌ مُطْلَقٌ وَحَلَالٌ مُطْلَقٌ وَوَجْهٌ طُلِقَ فُلَانٌ مِنْ الْحَبْسِ، وَانْطَلَقَتْ بَطْنُهُ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَقْدِ، فَإِذَا زَالَ مُطْلَقُ الْقَيْدِ أَوْ قَيْدُ النِّكَاحِ زَالَ قَيْدُ النِّكَاحِ بِالضَّرُورَةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَنْتِ مُنْطَلِقَةٌ فِي جَمِيعِ هَذَا، فَلَا يَجِدُونَ جَوَابًا إلَّا أَنَّهُ مَهْجُورٌ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ، فَلَا يُفِيدُ الطَّلَاقَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَإِنْ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ مُنْطَلِقَةٌ مُشْتَهِرًا فِي عَصْرٍ أَوْ فِي مِصْرٍ فِي إزَالَةِ الْعِصْمَةِ، وَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَشْتَهِرْ فِي إزَالَةِ الْعِصْمَةِ عِنْدَهُمْ، مَا الْحُكْمُ؟ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَقُولُوا: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِمُنْطَلِقَةٍ دُونَ طَالِقٍ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِطَالِقٍ إزَالَةَ الْعِصْمَةِ عَكْسُ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَكَذَلِكَ لَفْظُ الْحَرَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَدُورَ لَفْظُ الْفُتْيَا فِيهَا وَفِي أَخَوَاتِهَا، مَعَ اشْتِهَارِهَا فِي الْعُرْفِ وُجُودًا وَعَدَمًا، فَفِي أَيِّ شَيْءٍ اُشْتُهِرَتْ حُمِلَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَمَا لَمْ يَشْتَهِرْ فِيهِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ إلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا يَكْفِي فِي الِاشْتِهَارِ كَوْنُ الْمُفْتِي يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَشَأَ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَذْهَبِ وَدِرَاسَتِهِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِيهِ، بَلْ الِاشْتِهَارُ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ ذَلِكَ الْمِصْرِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ الْإِطْلَاقِ إلَّا ذَلِكَ الْمَعْنَى، لَا مِنْ لَفْظِ الْفُقَهَاءِ بَلْ اسْتِعْمَالُهُمْ هُمْ لِذَلِكَ اللَّفْظِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَهَذَا هُوَ الِاشْتِهَارُ الْمُفِيدُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنْ اللُّغَةِ لِلْعُرْفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: وَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مُسْتَفْتٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُفْتِي أَنْ لَا يُفْتِيَهُ بِمَا عَادَتُهُ يُفْتِي بِهِ، حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنْ بَلَدِهِ، وَهَلْ حَدَثَ لَهُمْ عُرْفٌ فِي ذَلِكَ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عُرْفِيًّا فَهَلْ عُرْفُ ذَلِكَ الْبَلَدِ مُوَافِقٌ لِهَذَا الْبَلَدِ فِي عُرْفِهِ أَمْ لَا؟ وَهَذَا أَمْرٌ مُتَيَقَّنٌ وَاجِبٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، وَأَنَّ الْعَادَتَيْنِ مَتَى كَانَتَا فِي بَلَدَيْنِ لَيْسَا سَوَاءً، إنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ، هَلْ يُقَدَّمُ الْعُرْفُ عَلَى اللُّغَةِ أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ، وَالنَّاسِخُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَنْسُوخِ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ هُنَا.
تَنْبِيهٌ: وَنُقِلَتْ مِنْ الرِّحْلَةِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَشِيدٍ ﵀، فِيمَنْ حَلَفَ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ وَحَنِثَ، هَلْ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ أَوْ وَاحِدَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ عُرْفُ الْحَالِفِ لَا عُرْفُ الْمُفْتِي، فَلَوْ دَخَلَ الْمُفْتِي بَلَدًا لَا يَكُونُ عُرْفُهُمْ فِيهِ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهِ بِذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعُرْفِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْعُرْفِ، وَلَوْ
стр. 562
تَغَيَّرَ الْعُرْفُ لِتَغَيُّرِ الْجَوَابِ، وَهَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ مَعْرِفَتُهُ انْتَهَى. وَهَذَا يُعَضِّدُ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي حَبْسٍ بِيَدِ قَوْمٍ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الْحَبْسَ لَمْ نَزَلْ نَسْلُكُ بِغَلَّتِهِ فِي مَسَاكِينِ هَذِهِ الْقُرَى وَفِي إصْلَاحِ مَسَاجِدِهَا مَسْلَكَ الْأَحْبَاسِ، فَشَاوَرَ الْقَاضِي الْفُقَهَاءَ هَلْ يَلْزَمُهُ تَنْفِيذُ مَا ادَّعَاهُ الْمُقِرُّونَ بِالْحَبْسِ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي صَرْفِ غَلَّتِهِ؟ فَأَجَابُوهُ: الَّذِي نَرَاهُ أَنَّ إقْرَارَهُمْ بِمَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ هَذِهِ الْأَحْبَاسِ لَازِمٌ، وَيَجِبُ تَنْفِيذُ ذَلِكَ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ وَصَنَّفُوهُ مِمَّا جَرَّتْهُ الْحَبَاسَةُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَكَذَا يَجِبُ فِي كُلِّ مَجْهُولِ الْأَصْلِ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِإِقْرَارِهِمْ مِنْ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ، فَالْمُقِرُّ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ وَيَنْفُذُ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَجُلٍ مُتَقَبِّلٍ لِحَمَّامٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ بِيَدِهِ لِأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ وَلِيدٍ لِوَرَثَةِ أَخِيهِ، وَأَنَّهُمْ هُمْ الْمُدْخِلُونَ لَهُ فِيهِ، وَسَمَّاهُمْ فِيهِ يَعْرِفُهَا مُتَقَبِّلُ الْحَمَّامِ، فَهَلْ يُعْمَلُ بِذَلِكَ؟ قَالَ: ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَجِبُ أَنْ يُسْأَلَ مُتَقَبِّلُ الْحَمَّامِ: كَيْفَ هُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ أَمْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؟ فَمَا أَقَرَّ بِهِ كَانَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْمُقَرُّ لَهُمْ غَيْرَ مَا أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ، فَيُكَلَّفُ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ، فَجَعَلُوا مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمُتَقَبِّلِ فِي صَرْفِ رِيعِهِ إلَى أَرْبَابِهِ، حُجَّةً يُعْمَلُ بِهَا.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ الْمُقْنِعِ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ، وَإِذَا كَانَ الْحَبْسُ بَاقِيًا وَفِيهِ مِنْ تَرْتِيبِ أَمْرِ الْحَبْسِ خِلَافُ مَا يَفْعَلُهُ وُلَاةُ الْحَبْسِ، فَيُعْمَلُ عَلَى مَا فِي كِتَابِ الْحَبْسِ، وَلَوْ تَلِفَ الْكِتَابُ فَلَا يُعْرَفُ مَا فِيهِ فَلْيُحْمَلْ أَمْرُهَا عَلَى مَا دَرَجَ عَلَيْهِ أَمْرُ وُلَاتِهَا، وَلَعَلَّهُمْ عَلَى مَا فِي كِتَابِهَا عَمِلُوا.
[مَسْأَلَةٌ كَانَ تَحْتَ يَدِ الْأَبِ مَالٌ لِابْنَتِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ]
مَسْأَلَةٌ: إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِ الْأَبِ مَالٌ لِابْنَتِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ بِسَبَبِ كَوْنِهَا فِي وِلَايَتِهِ، فَادَّعَى الْأَبُ أَنَّهُ جَهَّزَهَا عِنْدَ بِنَاءِ زَوْجِهَا بِهَا، فَيَنْبَغِي عَلَى النَّظَرِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ، لِأَنَّ الْعُرْفَ جَازَ بِأَنَّ الْآبَاءَ يُجَهِّزُونَ بَنَاتِهِمْ بِأَمْوَالِ أَنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ بِأَمْوَالِهِنَّ؟ وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِشْهَادِ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ
стр. 563
يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَبِ فِي دَعْوَاهُ، أَنَّهُ جَهَّزَ الْبِنْتَ بِصَدَاقِهَا وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهَا إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ عَلَى الْأُصُولِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ بَعْضِ الْمُوَثَّقِينَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فِي دَعْوَاهُ، أَنَّهُ جَهَّزَ مَحْجُورَتَهُ بِنَقْدِهَا.
[مَسْأَلَةٌ النِّكَاحِ بِعَقْدٍ]
مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ اللُّؤْلُؤِيُّ عَنْ النِّكَاحِ بِعَقْدٍ، وَيُغْفَلُ فِيهِ عَنْ ذِكْرِ الشُّرُوطِ وَتَارِيخِ الْكَالِئِ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ كَتْبِ الصَّدَاقِ قَالَ النَّاكِحُ: لَسْت أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيَّ شَرْطٌ وَلَا أَعْقِدَهُ عَلَى نَفْسِي، وَطُوِّلَ فِي أَجَلِ الْكَالِئِ، وَقَالَ الْمُنْكِحُ: إنَّمَا غَفَلْت عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ لِمَا جَرَى فِي بَلَدِنَا مِنْ الْعُرْفِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الشُّرُوطَ عِنْدَهُمْ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ لَا يَعْدُوهُ أَحَدٌ إلَّا الشَّاذُّ الْخَاصُّ، وَالتَّارِيخُ لِلْكَالِئِ ثَلَاثَةُ أَعْوَامٍ لَا يَعْدُوهُ أَحَدٌ إلَّا الشَّاذُّ، فَهَلْ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْعُرْفِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ انْضَمَّ إلَى مَا يَقُولُونَ أَوْ انْضَمُّوا إلَى مَا يَقُولُ، وَإِلَّا فَلَهُ الِانْحِلَالُ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى عَنْهُ عِيسَى: أَنَّ النِّكَاحَ يُفْسَخُ إذَا لَمْ يُذْكَرْ لِلْكَالِئِ أَجَلٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: إنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى الزَّوْجِ بِالْمُتَعَارَفِ مِنْ الشُّرُوطِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُمَا بِهِ، وَيَلْزَمُ إيَّاهَا وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ.
[مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ]
مَسْأَلَةٌ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ وَفُسِخَ الْبَيْعُ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى مُدَّعِي الْحَرَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ إنَّمَا مُعَامَلَتُهُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ اسْتِفَاضَةَ ذَلِكَ وَشُهْرَتَهُ فِي الْبَلَدِ كَالْبَيِّنَةِ الْقَاطِعَةِ وَالشَّهَادَةِ التَّامَّةِ، وَعَلَى مُدَّعِي الْحَلَالِ الْبَيِّنَةُ.
[مَسْأَلَة الشَّأْنُ فِيمَا يُهْدِيهِ الصَّدِيقُ أَوْ الْجَارُ فِي الْعُرْسِ وَالْوَلَائِمِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ اللَّخْمِيُّ الشَّأْنُ فِيمَا يُهْدِيهِ الصَّدِيقُ أَوْ الْجَارُ فِي الْعُرْسِ وَالْوَلَائِمِ الثَّوَابُ، إلَّا أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْقِيَامِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ مِثْلَهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ فَلَهُ ذَلِكَ وَلِوَرَثَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَعِنْدَنَا يُهْدِي النَّاسُ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ الْكِبَاشَ وَالْجَزُورَ وَالْخُبْزَ عِنْدَ نِكَاحِهِمْ، ثُمَّ يَطْلُبُونَ الْمُكَافَأَةَ وَنَزَلَتْ قَدِيمًا، فَقُضِيَ لِلطَّالِبِ بِالْقِيَامِ، لِأَنَّ ضَمَائِرَ الْبَاعِثِينَ وَالْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ عِنْدَنَا تَنْعَقِدُ عَلَى هَذَا، وَصَارَ الضَّمِيرُ شَرْطًا فَيُقْضَى بِقِيمَةِ الْجَزُورِ يَوْمَ الْقَبْضِ إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْوَزْنِ، وَإِنْ عُلِمَ وَزْنُهَا قُضِيَ بِهِ، وَنَزَلَتْ فِي رَجُلٍ بَعَثَ بِقَدْرِ
стр. 564
لَحْمٍ مَطْبُوخٍ، وَكَانَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ بَعَثَ بِجَزُورٍ فَقُضِيَ لَهُ بِقِيمَةِ قِدْرِهِ، وَقَاصَّهُ الْآخَرُ بِقِيمَةِ الْجَزُورِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي بَلَدٍ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فِيهِ لَمْ يُقْضَ فِيهِ بِالثَّوَابِ، اُنْظُرْ الْمُذْهَبَ لِابْنِ رَاشِدٍ ﵀
[الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ]
وَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْبَصَرِ وَمَعْرِفَةِ النَّخَّاسِينَ فِي مَعْرِفَةِ عُيُوبِ الرَّقِيقِ مِنْ الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ.
فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهَ بْنَ عَتَّابٍ هَلْ يُحْكَمُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ فِيمَا يَشْهَدُونَ فِيهِ مِنْ عُيُوبِ الْإِمَاءِ أَنَّهُ قَدِيمٌ قَبْلَ تَارِيخِ التَّبَايُعِ، أَمْ لَا يُسْمَعُ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ؟ وَيَشْهَدُ فِي ذَلِكَ الْحُكَمَاءُ أَوْ نَخَّاسُ الرَّقِيقِ، فَقَالَ لِي: إنْ كُنَّ طَبِيبَاتٍ سُمِعَ مِنْهُنَّ، وَإِلَّا فَلَا يَشْهَدُ بِهِ إلَّا الْحُكَمَاءُ، قَالَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ
تَنْبِيهٌ: وَطَرِيقُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ ﵀ وَاعْتَرَضَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَفْعَلُونَ فِي ذَلِكَ، قَالَ فِي بَابِ الْعُيُوبِ فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ خَادِمًا مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ قَامَ الْمُشْتَرِي يُرِيدُ رَدَّ الْجَارِيَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ بِهَا آثَارًا يَجِبُ بِهَا رَدُّهَا لَمْ يَكُنْ بَيَّنَهَا الْبَائِعُ، وَقَالَ الْبَائِعُ: لَا أَعْلَمُ بِهَا عَيْبًا، فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي طَبِيبَانِ أَنَّ الْآثَارَ الَّتِي بِسَاقَيْهَا مِنْ مِرَّةٍ سَوْدَاءَ، دَلَّتْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قُرُوحٍ غَلِيظَةٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ مُنْذُ سَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَأَنَّهُ عَيْبٌ يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ فِي عِلْمِهِمَا، وَشَاوَرَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ ابْنَ لُبَابَةَ فَلَمْ يَعْتَرِضْ شَهَادَةَ الشُّهُودِ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَفِي قَوْلِهِ عَنْ الطَّبِيبَيْنِ أَنَّهُمَا شَهِدَا فِي الشِّقَاقِ أَنَّهُ مِنْ مِرَّةٍ سَوْدَاءَ كَانَتْ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَنَّهُ عَيْبٌ يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ فِي عِلْمِهِمَا، فَصَارَا هُمَا الْمُفْتِيَانِ بِالرَّدِّ وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ الْعَمَلِ، إنَّمَا عَلَيْهِمَا أَنْ يَشْهَدَا بِأَنَّهُ مِنْ دَاءٍ قَدِيمٍ بِهَا قَبْلَ أَمَدِ التَّبَايُعِ، ثُمَّ يَشْهَدُ أَهْلُ الْبَصَرِ مِنْ تُجَّارِ الرَّقِيقِ وَنَخَّاسِيهِمْ بِأَنَّهُ عَيْبٌ يَحُطُّ مِنْ ثَمَنِهَا كَثِيرًا، ثُمَّ يُفْتِي الْفَقِيهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوُجُوبِ الرَّدِّ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمَطْلُوبِ حُجَّةٌ وَلَا مَدْفَعٌ، وَالْخَطَأُ الْمَعْدُودُ عَلَى ابْنِ لُبَابَةَ فِي هَذَا
стр. 565
أَقْبَحُ مِنْهُ عَلَى الْقَاضِي، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْشِدَهُ وَيُنَبِّهَهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَعْرِضُ عَنْهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ فِي شَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا فِي عَقْدِ حَائِطٍ ادَّعَاهُ رَجُلَانِ أَنَّهُ لِفُلَانٍ مِنْهُمَا، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمَا وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُمْ أَنَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّمَا يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى الْحَائِطِ وَرَأَوْا عَقْدَهُ مِنْ نَاحِيَةِ دَارِ فُلَانٍ، أَوْ رَأَوْا عَلَيْهِ خَشَبَ سَقْفِ بَيْتِ فُلَانٍ، ثُمَّ يُفْتِي الْفَقِيهُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ هَذَا الْعَبْدَ وَهَذَا الْبَغْلَ مِلْكًا لِفُلَانٍ وَمَالًا مِنْ مَالِهِ وَبِيَدِهِ، لَا يَعْلَمُونَهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَى حِينِ شَهَادَتِهِمْ هَذِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا فَيَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ صَاحِبُهُ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إلَى هَذَا التَّطْوِيلِ، لَكِنِّي رَأَيْت هَذَا الْمَعْنَى قَدْ كَثُرَ عِنْدَ الْحُكَّامِ لَا يُنْكِرُونَهُ، بَلْ قَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ تَزَلْ الشَّهَادَاتُ تُؤَدَّى فِي هَذَا الْمَعْنَى هَكَذَا، وَالشُّيُوخُ مُتَوَافِرُونَ وَلَا يُنْكِرُونَهُ، وَقَدْ رَأَيْت جَوَابَ جَاهِلِ أَهْلِ الِاعْتِنَاءِ بِالْفُتْيَا وَقَدْ أَفْتَى فِي قَنَاةٍ ظَهَرَتْ فِي دَارٍ مَبِيعَةٍ بِقُرْبِ بِئْرِهَا، فَقَالَ: يُقَالُ لِلشُّهُودِ: وَهَلْ يَجِبُ بِذَلِكَ الرَّدُّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا يَجِبُ رُدَّتْ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي اسْتَفْتَى هُوَ فِيهِ إذَا كَانَ الشُّهُودُ يُسْأَلُونَ: هَلْ يَجِبُ الرَّدُّ أَمْ لَا.
وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي الْغَبَاوَةِ، وَإِذَا فَشَتْ الْجَهَالَةُ فِي النَّاسِ ظُنَّتْ حَقًّا وَحُسِبَتْ سُنَّةً، وَأَنْكَرَ مَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَقَالَ: وَقَعَ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ، فِي رَجُلٍ قَامَ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى قَوْمٍ مِنْ النَّخَّاسِينَ فِي خَادِمٍ بَاعُوهَا مِنْهُ وَظَهَرَتْ بِهَا عُيُوبٌ، قَالَ الْقَاضِي: فَأَمَرْت مَنْ أَثِقُ بِهَا مِنْ النِّسَاءِ لِتَنْظُرَ إلَى تِلْكَ الْعُيُوبِ، فَاسْتَبَانَ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ أَنَّ الْعَيْبَ قَدِيمٌ بِمِثْلِهِ تُرَدُّ فَرُدَّتْ عَلَى النَّخَّاسِينَ.
قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: فَقَوْلُ الْقَاضِي حِكَايَةً عَنْ الْمَرْأَةِ أَنَّهُ عَيْبٌ قَدِيمٌ بِمِثْلِهِ تُرَدُّ جَهْلٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، صَارَتْ الْمَرْأَةُ عِنْدَهُ الشَّاهِدَةَ وَالطَّبِيبَةَ وَالْمُفْتِيَةَ، وَلَيْسَ إلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، إلَّا إنْ كَانَتْ مَاهِرَةً بِالطِّبِّ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ ﵀ فَيُسْمَعُ مِنْهَا فِي قِدَمِهِ أَوْ حُدُوثِهِ، وَأَمَّا أَنْ تَقُولَ هِيَ: يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ أَوْ لَا فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَيْهَا وَلَا تُسْأَلُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ إذَا ثَبَتَ الْعَيْبُ وَقِدَمُهُ بِشَهَادَةِ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، أَنْ يَسْأَلَ تُجَّارَ الرَّقِيقِ هَلْ هُوَ عَيْبٌ؟ فَإِذَا شَهِدَ أَهْلُ الْبَصَرِ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ عَيْبٌ يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ كَثِيرًا، أَفْتَى الْفُقَهَاءُ حِينَئِذٍ بِالرَّدِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
следующие страницы →