← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وَاللَّامَ وَالْقَافَ لِإِزَالَةِ مُطْلَقِ الْقَيْدِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: لَفْظٌ مُطْلَقٌ وَحَلَالٌ مُطْلَقٌ وَوَجْهٌ طُلِقَ فُلَانٌ مِنْ الْحَبْسِ، وَانْطَلَقَتْ بَطْنُهُ، وَعَقْدُ النِّكَاحِ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَقْدِ، فَإِذَا زَالَ مُطْلَقُ الْقَيْدِ أَوْ قَيْدُ النِّكَاحِ زَالَ قَيْدُ النِّكَاحِ بِالضَّرُورَةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَنْتِ مُنْطَلِقَةٌ فِي جَمِيعِ هَذَا، فَلَا يَجِدُونَ جَوَابًا إلَّا أَنَّهُ مَهْجُورٌ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ، فَلَا يُفِيدُ الطَّلَاقَ إلَّا بِالنِّيَّةِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَإِنْ اتَّفَقَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ مُنْطَلِقَةٌ مُشْتَهِرًا فِي عَصْرٍ أَوْ فِي مِصْرٍ فِي إزَالَةِ الْعِصْمَةِ، وَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يَشْتَهِرْ فِي إزَالَةِ الْعِصْمَةِ عِنْدَهُمْ، مَا الْحُكْمُ؟ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَقُولُوا: يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِمُنْطَلِقَةٍ دُونَ طَالِقٍ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِطَالِقٍ إزَالَةَ الْعِصْمَةِ عَكْسُ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فَكَذَلِكَ لَفْظُ الْحَرَامِ يَنْبَغِي أَنْ يَدُورَ لَفْظُ الْفُتْيَا فِيهَا وَفِي أَخَوَاتِهَا، مَعَ اشْتِهَارِهَا فِي الْعُرْفِ وُجُودًا وَعَدَمًا، فَفِي أَيِّ شَيْءٍ اُشْتُهِرَتْ حُمِلَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، وَمَا لَمْ يَشْتَهِرْ فِيهِ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ إلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا يَكْفِي فِي الِاشْتِهَارِ كَوْنُ الْمُفْتِي يَعْتَقِدُ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَشَأَ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَذْهَبِ وَدِرَاسَتِهِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِيهِ، بَلْ الِاشْتِهَارُ أَنْ يَكُونَ أَهْلُ ذَلِكَ الْمِصْرِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ الْإِطْلَاقِ إلَّا ذَلِكَ الْمَعْنَى، لَا مِنْ لَفْظِ الْفُقَهَاءِ بَلْ اسْتِعْمَالُهُمْ هُمْ لِذَلِكَ اللَّفْظِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَهَذَا هُوَ الِاشْتِهَارُ الْمُفِيدُ لِنَقْلِ اللَّفْظِ مِنْ اللُّغَةِ لِلْعُرْفِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: وَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مُسْتَفْتٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي فِيهِ الْمُفْتِي أَنْ لَا يُفْتِيَهُ بِمَا عَادَتُهُ يُفْتِي بِهِ، حَتَّى يَسْأَلَهُ عَنْ بَلَدِهِ، وَهَلْ حَدَثَ لَهُمْ عُرْفٌ فِي ذَلِكَ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ عُرْفِيًّا فَهَلْ عُرْفُ ذَلِكَ الْبَلَدِ مُوَافِقٌ لِهَذَا الْبَلَدِ فِي عُرْفِهِ أَمْ لَا؟ وَهَذَا أَمْرٌ مُتَيَقَّنٌ وَاجِبٌ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، وَأَنَّ الْعَادَتَيْنِ مَتَى كَانَتَا فِي بَلَدَيْنِ لَيْسَا سَوَاءً، إنَّمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعُرْفِ وَاللُّغَةِ، هَلْ يُقَدَّمُ الْعُرْفُ عَلَى اللُّغَةِ أَمْ لَا؟ وَالصَّحِيحُ تَقْدِيمُهُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ، وَالنَّاسِخُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَنْسُوخِ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ هُنَا. تَنْبِيهٌ: وَنُقِلَتْ مِنْ الرِّحْلَةِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَشِيدٍ ﵀، فِيمَنْ حَلَفَ بِالْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ وَحَنِثَ، هَلْ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ أَوْ وَاحِدَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ عُرْفُ الْحَالِفِ لَا عُرْفُ الْمُفْتِي، فَلَوْ دَخَلَ الْمُفْتِي بَلَدًا لَا يَكُونُ عُرْفُهُمْ فِيهِ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهِ بِذَلِكَ، وَلَا يَحِلُّ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعُرْفِ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ الْعُرْفِ، وَلَوْ

стр. 562

تَغَيَّرَ الْعُرْفُ لِتَغَيُّرِ الْجَوَابِ، وَهَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ مَعْرِفَتُهُ انْتَهَى. وَهَذَا يُعَضِّدُ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي حَبْسٍ بِيَدِ قَوْمٍ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا الْحَبْسَ لَمْ نَزَلْ نَسْلُكُ بِغَلَّتِهِ فِي مَسَاكِينِ هَذِهِ الْقُرَى وَفِي إصْلَاحِ مَسَاجِدِهَا مَسْلَكَ الْأَحْبَاسِ، فَشَاوَرَ الْقَاضِي الْفُقَهَاءَ هَلْ يَلْزَمُهُ تَنْفِيذُ مَا ادَّعَاهُ الْمُقِرُّونَ بِالْحَبْسِ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي صَرْفِ غَلَّتِهِ؟ فَأَجَابُوهُ: الَّذِي نَرَاهُ أَنَّ إقْرَارَهُمْ بِمَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ هَذِهِ الْأَحْبَاسِ لَازِمٌ، وَيَجِبُ تَنْفِيذُ ذَلِكَ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ وَصَنَّفُوهُ مِمَّا جَرَّتْهُ الْحَبَاسَةُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهَكَذَا يَجِبُ فِي كُلِّ مَجْهُولِ الْأَصْلِ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِإِقْرَارِهِمْ مِنْ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ، فَالْمُقِرُّ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ وَيَنْفُذُ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَجُلٍ مُتَقَبِّلٍ لِحَمَّامٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ بِيَدِهِ لِأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ وَلِيدٍ لِوَرَثَةِ أَخِيهِ، وَأَنَّهُمْ هُمْ الْمُدْخِلُونَ لَهُ فِيهِ، وَسَمَّاهُمْ فِيهِ يَعْرِفُهَا مُتَقَبِّلُ الْحَمَّامِ، فَهَلْ يُعْمَلُ بِذَلِكَ؟ قَالَ: ابْنُ لُبَابَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَجِبُ أَنْ يُسْأَلَ مُتَقَبِّلُ الْحَمَّامِ: كَيْفَ هُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ أَمْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؟ فَمَا أَقَرَّ بِهِ كَانَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْمُقَرُّ لَهُمْ غَيْرَ مَا أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ بِيَدِهِ، فَيُكَلَّفُ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ، فَجَعَلُوا مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمُتَقَبِّلِ فِي صَرْفِ رِيعِهِ إلَى أَرْبَابِهِ، حُجَّةً يُعْمَلُ بِهَا. مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ الْمُقْنِعِ فِي كِتَابِ الْحَبْسِ، وَإِذَا كَانَ الْحَبْسُ بَاقِيًا وَفِيهِ مِنْ تَرْتِيبِ أَمْرِ الْحَبْسِ خِلَافُ مَا يَفْعَلُهُ وُلَاةُ الْحَبْسِ، فَيُعْمَلُ عَلَى مَا فِي كِتَابِ الْحَبْسِ، وَلَوْ تَلِفَ الْكِتَابُ فَلَا يُعْرَفُ مَا فِيهِ فَلْيُحْمَلْ أَمْرُهَا عَلَى مَا دَرَجَ عَلَيْهِ أَمْرُ وُلَاتِهَا، وَلَعَلَّهُمْ عَلَى مَا فِي كِتَابِهَا عَمِلُوا. [مَسْأَلَةٌ كَانَ تَحْتَ يَدِ الْأَبِ مَالٌ لِابْنَتِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ] مَسْأَلَةٌ: إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِ الْأَبِ مَالٌ لِابْنَتِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ عَرَضٍ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ بِسَبَبِ كَوْنِهَا فِي وِلَايَتِهِ، فَادَّعَى الْأَبُ أَنَّهُ جَهَّزَهَا عِنْدَ بِنَاءِ زَوْجِهَا بِهَا، فَيَنْبَغِي عَلَى النَّظَرِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ، لِأَنَّ الْعُرْفَ جَازَ بِأَنَّ الْآبَاءَ يُجَهِّزُونَ بَنَاتِهِمْ بِأَمْوَالِ أَنْفُسِهِمْ، فَكَيْفَ بِأَمْوَالِهِنَّ؟ وَأَمَّا الْوَصِيُّ فَبِخِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِشْهَادِ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ

стр. 563

يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَبِ فِي دَعْوَاهُ، أَنَّهُ جَهَّزَ الْبِنْتَ بِصَدَاقِهَا وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَالِهَا إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّظَرُ عَلَى الْأُصُولِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ بَعْضِ الْمُوَثَّقِينَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ فِي دَعْوَاهُ، أَنَّهُ جَهَّزَ مَحْجُورَتَهُ بِنَقْدِهَا. [مَسْأَلَةٌ النِّكَاحِ بِعَقْدٍ] مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ أَبُو بَكْرٍ اللُّؤْلُؤِيُّ عَنْ النِّكَاحِ بِعَقْدٍ، وَيُغْفَلُ فِيهِ عَنْ ذِكْرِ الشُّرُوطِ وَتَارِيخِ الْكَالِئِ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ كَتْبِ الصَّدَاقِ قَالَ النَّاكِحُ: لَسْت أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيَّ شَرْطٌ وَلَا أَعْقِدَهُ عَلَى نَفْسِي، وَطُوِّلَ فِي أَجَلِ الْكَالِئِ، وَقَالَ الْمُنْكِحُ: إنَّمَا غَفَلْت عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ لِمَا جَرَى فِي بَلَدِنَا مِنْ الْعُرْفِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الشُّرُوطَ عِنْدَهُمْ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ لَا يَعْدُوهُ أَحَدٌ إلَّا الشَّاذُّ الْخَاصُّ، وَالتَّارِيخُ لِلْكَالِئِ ثَلَاثَةُ أَعْوَامٍ لَا يَعْدُوهُ أَحَدٌ إلَّا الشَّاذُّ، فَهَلْ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا الْعُرْفِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ انْضَمَّ إلَى مَا يَقُولُونَ أَوْ انْضَمُّوا إلَى مَا يَقُولُ، وَإِلَّا فَلَهُ الِانْحِلَالُ. وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَى عَنْهُ عِيسَى: أَنَّ النِّكَاحَ يُفْسَخُ إذَا لَمْ يُذْكَرْ لِلْكَالِئِ أَجَلٌ. وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ: إنَّهُ يُحْكَمُ عَلَى الزَّوْجِ بِالْمُتَعَارَفِ مِنْ الشُّرُوطِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُمَا بِهِ، وَيَلْزَمُ إيَّاهَا وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ. [مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ] مَسْأَلَةٌ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ وَفُسِخَ الْبَيْعُ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى مُدَّعِي الْحَرَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَهْلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ إنَّمَا مُعَامَلَتُهُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَالْحَرَامِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ اسْتِفَاضَةَ ذَلِكَ وَشُهْرَتَهُ فِي الْبَلَدِ كَالْبَيِّنَةِ الْقَاطِعَةِ وَالشَّهَادَةِ التَّامَّةِ، وَعَلَى مُدَّعِي الْحَلَالِ الْبَيِّنَةُ. [مَسْأَلَة الشَّأْنُ فِيمَا يُهْدِيهِ الصَّدِيقُ أَوْ الْجَارُ فِي الْعُرْسِ وَالْوَلَائِمِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ اللَّخْمِيُّ الشَّأْنُ فِيمَا يُهْدِيهِ الصَّدِيقُ أَوْ الْجَارُ فِي الْعُرْسِ وَالْوَلَائِمِ الثَّوَابُ، إلَّا أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْقِيَامِ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ مِثْلَهُ يَطْلُبُ الثَّوَابَ فَلَهُ ذَلِكَ وَلِوَرَثَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَعِنْدَنَا يُهْدِي النَّاسُ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ الْكِبَاشَ وَالْجَزُورَ وَالْخُبْزَ عِنْدَ نِكَاحِهِمْ، ثُمَّ يَطْلُبُونَ الْمُكَافَأَةَ وَنَزَلَتْ قَدِيمًا، فَقُضِيَ لِلطَّالِبِ بِالْقِيَامِ، لِأَنَّ ضَمَائِرَ الْبَاعِثِينَ وَالْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ عِنْدَنَا تَنْعَقِدُ عَلَى هَذَا، وَصَارَ الضَّمِيرُ شَرْطًا فَيُقْضَى بِقِيمَةِ الْجَزُورِ يَوْمَ الْقَبْضِ إنْ كَانَتْ مَجْهُولَةَ الْوَزْنِ، وَإِنْ عُلِمَ وَزْنُهَا قُضِيَ بِهِ، وَنَزَلَتْ فِي رَجُلٍ بَعَثَ بِقَدْرِ

стр. 564

لَحْمٍ مَطْبُوخٍ، وَكَانَ الْمَبْعُوثُ إلَيْهِ بَعَثَ بِجَزُورٍ فَقُضِيَ لَهُ بِقِيمَةِ قِدْرِهِ، وَقَاصَّهُ الْآخَرُ بِقِيمَةِ الْجَزُورِ، وَلَوْ كَانَ هَذَا فِي بَلَدٍ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فِيهِ لَمْ يُقْضَ فِيهِ بِالثَّوَابِ، اُنْظُرْ الْمُذْهَبَ لِابْنِ رَاشِدٍ ﵀ [الْبَابُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ] وَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْبَصَرِ وَمَعْرِفَةِ النَّخَّاسِينَ فِي مَعْرِفَةِ عُيُوبِ الرَّقِيقِ مِنْ الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ. فَرْعٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهَ بْنَ عَتَّابٍ هَلْ يُحْكَمُ بِقَوْلِ النِّسَاءِ فِيمَا يَشْهَدُونَ فِيهِ مِنْ عُيُوبِ الْإِمَاءِ أَنَّهُ قَدِيمٌ قَبْلَ تَارِيخِ التَّبَايُعِ، أَمْ لَا يُسْمَعُ مِنْهُنَّ فِي ذَلِكَ؟ وَيَشْهَدُ فِي ذَلِكَ الْحُكَمَاءُ أَوْ نَخَّاسُ الرَّقِيقِ، فَقَالَ لِي: إنْ كُنَّ طَبِيبَاتٍ سُمِعَ مِنْهُنَّ، وَإِلَّا فَلَا يَشْهَدُ بِهِ إلَّا الْحُكَمَاءُ، قَالَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ تَنْبِيهٌ: وَطَرِيقُ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَهْلٍ ﵀ وَاعْتَرَضَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَفْعَلُونَ فِي ذَلِكَ، قَالَ فِي بَابِ الْعُيُوبِ فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ خَادِمًا مِنْ رَجُلٍ، ثُمَّ قَامَ الْمُشْتَرِي يُرِيدُ رَدَّ الْجَارِيَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ بِهَا آثَارًا يَجِبُ بِهَا رَدُّهَا لَمْ يَكُنْ بَيَّنَهَا الْبَائِعُ، وَقَالَ الْبَائِعُ: لَا أَعْلَمُ بِهَا عَيْبًا، فَشَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي طَبِيبَانِ أَنَّ الْآثَارَ الَّتِي بِسَاقَيْهَا مِنْ مِرَّةٍ سَوْدَاءَ، دَلَّتْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قُرُوحٍ غَلِيظَةٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ مُنْذُ سَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَأَنَّهُ عَيْبٌ يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ فِي عِلْمِهِمَا، وَشَاوَرَ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ ابْنَ لُبَابَةَ فَلَمْ يَعْتَرِضْ شَهَادَةَ الشُّهُودِ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَفِي قَوْلِهِ عَنْ الطَّبِيبَيْنِ أَنَّهُمَا شَهِدَا فِي الشِّقَاقِ أَنَّهُ مِنْ مِرَّةٍ سَوْدَاءَ كَانَتْ مُنْذُ سَنَةٍ، وَأَنَّهُ عَيْبٌ يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ فِي عِلْمِهِمَا، فَصَارَا هُمَا الْمُفْتِيَانِ بِالرَّدِّ وَهُوَ خَطَأٌ مِنْ الْعَمَلِ، إنَّمَا عَلَيْهِمَا أَنْ يَشْهَدَا بِأَنَّهُ مِنْ دَاءٍ قَدِيمٍ بِهَا قَبْلَ أَمَدِ التَّبَايُعِ، ثُمَّ يَشْهَدُ أَهْلُ الْبَصَرِ مِنْ تُجَّارِ الرَّقِيقِ وَنَخَّاسِيهِمْ بِأَنَّهُ عَيْبٌ يَحُطُّ مِنْ ثَمَنِهَا كَثِيرًا، ثُمَّ يُفْتِي الْفَقِيهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِوُجُوبِ الرَّدِّ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمَطْلُوبِ حُجَّةٌ وَلَا مَدْفَعٌ، وَالْخَطَأُ الْمَعْدُودُ عَلَى ابْنِ لُبَابَةَ فِي هَذَا

стр. 565

أَقْبَحُ مِنْهُ عَلَى الْقَاضِي، لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُرْشِدَهُ وَيُنَبِّهَهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَعْرِضُ عَنْهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ فِي شَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا فِي عَقْدِ حَائِطٍ ادَّعَاهُ رَجُلَانِ أَنَّهُ لِفُلَانٍ مِنْهُمَا، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِمَا وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُمْ أَنَّهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّمَا يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهُمْ نَظَرُوا إلَى الْحَائِطِ وَرَأَوْا عَقْدَهُ مِنْ نَاحِيَةِ دَارِ فُلَانٍ، أَوْ رَأَوْا عَلَيْهِ خَشَبَ سَقْفِ بَيْتِ فُلَانٍ، ثُمَّ يُفْتِي الْفَقِيهُ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا أَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ هَذَا الْعَبْدَ وَهَذَا الْبَغْلَ مِلْكًا لِفُلَانٍ وَمَالًا مِنْ مَالِهِ وَبِيَدِهِ، لَا يَعْلَمُونَهُ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ إلَى حِينِ شَهَادَتِهِمْ هَذِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا فَيَجِبُ أَنْ يَحْلِفَ صَاحِبُهُ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ أَنَّهُ مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ وَلَا خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ ثُمَّ يَأْخُذُهُ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِيهِ إلَى هَذَا التَّطْوِيلِ، لَكِنِّي رَأَيْت هَذَا الْمَعْنَى قَدْ كَثُرَ عِنْدَ الْحُكَّامِ لَا يُنْكِرُونَهُ، بَلْ قَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ تَزَلْ الشَّهَادَاتُ تُؤَدَّى فِي هَذَا الْمَعْنَى هَكَذَا، وَالشُّيُوخُ مُتَوَافِرُونَ وَلَا يُنْكِرُونَهُ، وَقَدْ رَأَيْت جَوَابَ جَاهِلِ أَهْلِ الِاعْتِنَاءِ بِالْفُتْيَا وَقَدْ أَفْتَى فِي قَنَاةٍ ظَهَرَتْ فِي دَارٍ مَبِيعَةٍ بِقُرْبِ بِئْرِهَا، فَقَالَ: يُقَالُ لِلشُّهُودِ: وَهَلْ يَجِبُ بِذَلِكَ الرَّدُّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالُوا يَجِبُ رُدَّتْ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي اسْتَفْتَى هُوَ فِيهِ إذَا كَانَ الشُّهُودُ يُسْأَلُونَ: هَلْ يَجِبُ الرَّدُّ أَمْ لَا. وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي الْغَبَاوَةِ، وَإِذَا فَشَتْ الْجَهَالَةُ فِي النَّاسِ ظُنَّتْ حَقًّا وَحُسِبَتْ سُنَّةً، وَأَنْكَرَ مَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَقَالَ: وَقَعَ فِي أَحْكَامِ ابْنِ زِيَادٍ، فِي رَجُلٍ قَامَ عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى قَوْمٍ مِنْ النَّخَّاسِينَ فِي خَادِمٍ بَاعُوهَا مِنْهُ وَظَهَرَتْ بِهَا عُيُوبٌ، قَالَ الْقَاضِي: فَأَمَرْت مَنْ أَثِقُ بِهَا مِنْ النِّسَاءِ لِتَنْظُرَ إلَى تِلْكَ الْعُيُوبِ، فَاسْتَبَانَ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ أَنَّ الْعَيْبَ قَدِيمٌ بِمِثْلِهِ تُرَدُّ فَرُدَّتْ عَلَى النَّخَّاسِينَ. قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: فَقَوْلُ الْقَاضِي حِكَايَةً عَنْ الْمَرْأَةِ أَنَّهُ عَيْبٌ قَدِيمٌ بِمِثْلِهِ تُرَدُّ جَهْلٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، صَارَتْ الْمَرْأَةُ عِنْدَهُ الشَّاهِدَةَ وَالطَّبِيبَةَ وَالْمُفْتِيَةَ، وَلَيْسَ إلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ، إلَّا إنْ كَانَتْ مَاهِرَةً بِالطِّبِّ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ ﵀ فَيُسْمَعُ مِنْهَا فِي قِدَمِهِ أَوْ حُدُوثِهِ، وَأَمَّا أَنْ تَقُولَ هِيَ: يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ أَوْ لَا فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَيْهَا وَلَا تُسْأَلُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْحُكْمُ إذَا ثَبَتَ الْعَيْبُ وَقِدَمُهُ بِشَهَادَةِ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، أَنْ يَسْأَلَ تُجَّارَ الرَّقِيقِ هَلْ هُوَ عَيْبٌ؟ فَإِذَا شَهِدَ أَهْلُ الْبَصَرِ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ عَيْبٌ يَحُطُّ مِنْ الثَّمَنِ كَثِيرًا، أَفْتَى الْفُقَهَاءُ حِينَئِذٍ بِالرَّدِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ.

стр. 566

تَنْبِيهٌ: فِي شَهَادَةِ عُرَفَاءِ الْبُنْيَانِ وَالْقُسَّامِ فِي عُيُوبِ الدَّارِ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ زَرْبٍ فِي مَسَائِلِهِ: قَدْ دَخَلَ إلَيَّ عُرَفَاءُ الْبُنْيَانِ لِيَشْهَدُوا فِي قِيمَةِ عُيُوبِ الدَّارِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ مَعِي بَعْضُ الْحُكَّامِ، فَقُلْت لَهُ: وَمَا الَّذِي يَمْنَعُهُمْ مِنْ الشَّهَادَةِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا الشَّهَادَةُ فِي ذَلِكَ لِلْقُسَّامِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ قِيمَةَ الدُّورِ، وَالْعُرَفَاءِ يَشْهَدُونَ بِالْعُيُوبِ وَيُقَدِّرُ الْقُسَّامُ مَا يُنْقِصُ الْعَيْبُ مِنْ الدَّارِ، فَقُلْت لَهُ: وَإِذَا كَانَ الْعُرَفَاءُ يَعْرِفُونَ قِيمَةَ الدُّورِ فَلِمَ أَنْكَرْت أَنْ يَشْهَدُوا فِي هَذَا؟ أَوْ عُدُولٌ مِنْ غَيْرِ الْعُرَفَاءِ وَغَيْرِ الْقُسَّامِ فَقَالَ لِي: إذَا كَانُوا عُدُولًا غَيْرَ مُغَفَّلِينَ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ فِي هَذَا، إلَّا أَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا اسْتَفْتَى فِي مِثْلِ هَذَا، يَجِبُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِأَنْ يَقُولَ: يُسْأَلُ عَنْ هَذَا أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْعُيُوبِ فَيَتَخَلَّصُ، فَإِنْ كَانَ الْعُرَفَاءُ أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ فِي ذَلِكَ، قُلْت لَهُ: إنَّ الْعُدُولَ مِنْ أَهْلِ كُلِّ رَبْضٍ أَدْرَى بِالسَّدَادِ مِنْ الْقُسَّامِ، إذْ الْمَعْلُومُ مِنْ الْقُسَّامِ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ فِي مِثْلِ هَذَا بِالْأُجْرَةِ، فَقَالَ لِي: ذَلِكَ يُظَنُّ بِهِمْ وَلَيْسَ بِيَقِينٍ، فَلَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ مَا جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ فِيهِ. [فَصْلٌ فِي اخْتِلَافِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ] وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: إذَا أَثْبَتَ مُبْتَاعُ الدَّارِ تَشَقُّقَ الْحِيطَانِ وَتَعَيُّبَهَا، وَأَنَّهَا مُتَهَيِّئَةٌ لِلسُّقُوطِ، وَأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ يَحُطُّ مِنْ ثَمَنِهَا كَثِيرًا، وَأَنَّهُ أَقْدَمُ مِنْ أَمَدِ التَّبَايُعِ وَأَنَّهُ يَظْهَرُ مِنْ خَارِجِ الدَّارِ لَا مِنْ دَاخِلِهَا، وَشَهِدَ لِلْبَائِعِ شُهُودٌ أَنَّ الدَّارَ سَالِمَةٌ مِمَّا ادَّعَى الْمُبْتَاعُ، مَأْمُونَةُ السُّقُوطِ لِاعْتِدَالِ حِيطَانِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ الْمَيْلِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ التَّهَدُّمِ، وَأَنَّ التَّشَقُّقَ لَا يَضُرُّهَا مَعَ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ نَظَرَ إلَيْهَا وَثَبَتَ جَمِيعُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَقَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: يُقْضَى بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ مَنْ لَهُ بَصَرٌ بِعُيُوبِ الدُّورِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ بَيِّنَةُ الْمُبْتَاعِ أَوْلَى، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ إذَا قُبِلَتْ أَعْمَلُ مِنْ الَّذِي تَنْفِيهِ. [مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفَ الْمُقَوِّمُونَ لِلسَّرِقَةِ] ِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا اجْتَمَعَ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ عَلَى أَنَّ قِيمَتَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ، وَكَذَلِكَ قَالَ

стр. 567

مَالِكٌ فِي سَمَاعِ عِيسَى إذَا اجْتَمَعَ عَلَى السَّرِقَةِ رَجُلَانِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَنْ خَالَفَهُمَا، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْمَسْأَلَةِ قُلْت: فَإِنْ دُعِيَ أَرْبَعَةٌ فَاجْتَمَعَ رَجُلَانِ عَلَى قِيمَةٍ، قَالَ: يَنْظُرُ الْقَاضِي إلَى أَقْرَبِ التَّقْوِيمِ إلَى السَّدَادِ، وَنَظَرُ الْقَاضِي أَقْرَبُ الْقِيمَةِ إلَى السَّدَادِ، هُوَ أَنْ يَسْأَلَهُمْ مِنْ سِوَاهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ السَّدَادُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ. [مَسْأَلَة اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِي الْعَيْبِ] مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ إذَا اخْتَلَفَ الشُّهُودُ فِي الْعَيْبِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قَدِيمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ حَدِيثٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ عَيْبٌ يَجِبُ بِهِ الرَّدُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِعَيْبٍ، فَذَلِكَ تَكَاذُبٌ وَلَا يُرَدُّ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ عَلَيْهِ دِينَارٌ لِرَجُلٍ فَأَحْضَرَهُ لِيَقْضِيَهُ] مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دِينَارٌ لِرَجُلٍ فَأَحْضَرَهُ لِيَقْضِيَهُ، فَقَالَ شَاهِدَانِ: هُوَ رَدِيءٌ، وَقَالَ آخَرَانِ: هُوَ جَيِّدٌ، لَمْ يَلْزَمْ الَّذِي هُوَ لَهُ قَبْضُهُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ حَتَّى يُتَّفَقَ عَلَى جَوْدَتِهِ، وَلَوْ قَبَضَهُ الَّذِي هُوَ لَهُ فَلَمَّا قَلَّبَهُ أَلْفَاهُ رَدِيئًا بِزَعْمِهِ، وَشَهِدَ لَهُ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ، وَشَهِدَ غَيْرُهُمَا أَنَّهُ جَيِّدٌ لَمْ يَجِبْ رَدُّهُ إلَّا بِاتِّفَاقِ الشَّهَادَةِ عَلَى رَدَاءَتِهِ. فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا أَوْقَدَ رَجُلٌ نَارًا لِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ، فَتَرَامَتْ النَّارُ حَتَّى أَحْرَقَتْ زَرْعَ رَجُلٍ فِي أَنْدَرِهِ، وَتَرَافَعَا فِي ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ، فَادَّعَى مُوقِدُ النَّارِ أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى بُعْدٍ مِنْ الْأَنْدَرِ فِي مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ، وَلَكِنْ تَحَامَلَتْ النَّارُ أَوْ حَمَلَهَا الرِّيحُ، فَلَيْسَ لِلْقُرْبِ وَلَا لِلْبُعْدِ تَحْدِيدٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا يُصْرَفُ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْبَصَرِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ كَمَا يُفْعَلُ فِي الْحِيطَانِ إذَا اُخْتُلِفَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي عَمِلَهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ النَّارُ تُلْقَى فِي الْحَصِيدِ وَالشَّعَرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الَّذِي عَمِلَ النَّارَ مَدْفَعٌ ضَمِنَ مَكِيلَةَ مَا أَحْرَقَتْ النَّارُ مِنْ التِّبْنِ وَالْحَبِّ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ صَاحِبُ الزَّرْعِ عَلَى عَدَدِ التَّشَاقِيرِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَنْدَرِهِ، بِأَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ مَا يَحْصُلُ مِنْ التِّشْقَارِ عَلَى التَّوَسُّطِ مِنْ الْحَبِّ وَالتِّبْنِ. فَرْعٌ: وَيُرْجَعُ إلَى أَهْلِ الطِّبِّ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْجِرَاحِ فِي مَعْرِفَةِ طُولِ الْجُرْحِ وَعُمْقِهِ وَعَرْضِهِ، وَهُمْ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْقِصَاصَ فَيَشُقُّونَ فِي رَأْسِ

стр. 568

الْجَانِي أَوْ فِي بَدَنِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، قَالُوا: وَكَذَلِكَ يُرْجَعُ إلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ النِّسَاءِ فِي قِيَاسِ الْجُرْحِ وَقَدْرِهِ إذَا كَانَ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ. فَرْعٌ: وَيُرْجَعُ إلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ الْأَكْرِيَاءِ فِي مَعْرِفَةِ عُيُوبِ الدَّوَابِّ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ فِي عُيُوبِ الدُّورِ وَمَا فِيهَا مِنْ الصُّدُوعِ وَالشُّقُوقِ وَسَائِرِ الْعُيُوبِ. فَرْعٌ: وَيُرْجَعُ إلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ التُّجَّارِ فِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَعُيُوبِ الثِّيَابِ. فَرْعٌ: وَيُرْجَعُ إلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالنِّسَاءِ فِي عُيُوبِ الْفَرْجِ، وَفِي عُيُوبِ الْجَسَدِ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ. فَرْعٌ: وَيُرْجَعُ إلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْجَوَائِحِ وَمَا يَنْقُصُ مِنْ الثِّمَارِ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ يُرْجَعُ إلَى أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِمَسَائِلِ الضَّرَرِ مِمَّا يُحْدِثُهُ الْإِنْسَانُ عَلَى جَارِهِ أَوْ فِي الطَّرَقَاتِ وَأَنْوَاعِ ذَلِكَ. [الْبَابُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَخْرَسِ وَحُكْمِ إشَارَتِهِ] وَإِذَا فُهِمَتْ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ جَازَ الْحُكْمُ بِهَا، قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ: إذَا قَطَعَ الْحَاكِمُ بِفَهْمِ مَقْصُودِهِ مِنْ إشَارَتِهِ حَكَمَ بِهَا، قَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عِلْمٌ يُؤَدِّيهِ الشَّاهِدُ إلَى الْحَاكِمِ، فَإِذَا فَهِمَ عَنْهُ بِطَرِيقٍ يُفْهَمُ عَنْ مِثْلِهِ قُبِلَتْ، مِنْهُ كَالنُّطْقِ إذَا أَدَّاهَا بِالصَّوْتِ أَصْلُهُ الْإِقْرَارُ وَالطَّلَاقُ وَاللِّعَانُ. فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ جَوَازُ تَنَاكُحِ الصَّمَّاوَيْنِ وَالْبَكْمَاوَيْنِ، وَيَشْهَدُ الشُّهُودُ عَلَيْهِمَا بِالرِّضَا، وَعَلَى الْمَرْأَةِ بِقَبْضِ الصَّدَاقِ الْمُعَجَّلِ وَبِتَأْجِيلِ

стр. 569

الْمُؤَجَّلِ، وَبِجَمِيعِ فُصُولِ النِّكَاحِ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ مِنْهُمَا الَّتِي لَا يَشُكُّ الشُّهُودُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فَهِمَ مَا يَطْلُبُ فَهْمَهُ مِنْهُ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ تَبَايُعُهُمَا يَجُوزُ عَلَى مَا وَصَفْنَا. فَرْعٌ: وَفِي كِتَابِ أَبِي الْعَلَاءِ الْمُحْسِنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَالِكِيِّ الْبَغْدَادِيِّ قَالَ: وَالْأَخْرَسُ يُلَاعِنُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ فَإِنْ قَالَ: كَيْفَ يُلَاعِنُ؟ وَلَيْسَ يُفْهَمُ عَنْهُ إلَّا الْكِنَايَةُ عَنْ الزِّنَا، وَلَيْسَ يَجِبُ اللِّعَانُ بِالْكِنَايَةِ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ يُحْتَاجُ فِي اللِّعَانِ إلَى رَمْيِ الْمَرْأَةِ بِالزِّنَا، وَإِنَّمَا يَقَعُ نَفْيُ الْوَلَدِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ مَا يَكُونُ مِنْ الْأَخْرَسِ فِي ذَلِكَ كِنَايَةً بَلْ هُوَ صَرِيحٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّرِيحَ يَكُونُ بِحَسَبِ الْآلَةِ، فَآلَةُ الصَّحِيحِ لِسَانُهُ، وَآلَةُ الْأَخْرَسِ إيمَاؤُهُ عَنْ مَسْأَلَتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالصَّرِيحِ؟ وَلَوْ قَالَ الْحَاكِمُ لِلصَّحِيحِ الْآلَةِ: أَلِزَيْدٍ عَلَيْك مَا ادَّعَى؟ فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، وَلَوْ أَوْمَأَ الْأَخْرَسُ لَزِمَهُ إقْرَارُهُ، فَبَانَ أَنَّ صَرِيحَ الْأَخْرَسِ إيمَاؤُهُ عَنْ مَسْأَلَتِهِ، وَصَرِيحُ ذَلِكَ وَكِنَايَتُهُ عِنْدَ إيمَائِهِ لِلْكِنَايَةِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحٌ لَمْ تَكُنْ لَهُ كِنَايَةٌ، انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ فِي كِتَابِ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي الْإِقْرَارِ كَافِيَةٌ، وَلَكِنْ مِثْلُ ذَلِكَ الْمَرِيضُ فَإِنَّهُ إذَا قِيلَ لَهُ: لِفُلَانٍ عِنْدَك كَذَا، فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ يُشِيرُ إلَى نَعَمْ لَزِمَهُ ذَلِكَ، فَانْظُرْ هَلْ هُوَ خِلَافٌ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ، أَوْ يَكُونُ الْمَرِيضُ عَاجِزًا عَنْ النُّطْقِ فَاكْتُفِيَ مِنْهُ بِالْإِشَارَةِ كَالْأَخْرَسِ؟ [مَسْأَلَةٌ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِدَيْنٍ لِمَيِّتٍ وَوَارِثُهُ أَخْرَسُ لَا يُفْهِمُ وَلَا يُفْهَمُ عَنْهُ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ: وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِدَيْنٍ لِمَيِّتٍ وَوَارِثُهُ أَخْرَسُ لَا يُفْهِمُ وَلَا يُفْهَمُ عَنْهُ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِلَّا غَرِمَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُفْهِمُ وَيُفْهَمُ عَنْهُ حَلَفَ بِالْإِشَارَةِ. فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَيَصِحُّ طَلَاقُ الْأَخْرَسِ وَالْأَبْكَمِ بِالْكِنَايَةِ وَالْإِشَارَةِ كَنِكَاحِهِ وَبَيْعِهِ وَابْتِيَاعِهِ.

стр. 570

[الْبَابُ السِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْأَعْمَى] وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ لَازَمَهُ كَثِيرًا حَتَّى يَقْطَعَ بِأَنَّ مَا سَمِعَهُ صَوْتُ فُلَانٍ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاسْتَثْنَيَا النَّسَبَ وَالْمَوْتَ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ النِّكَاحَ، وَزَادَ الشَّافِعِيُّ التَّرْجَمَةَ عِنْدَ الْقَاضِي بِلِسَانٍ لَا يَعْلَمُهُ الْقَاضِي، وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا شَهَادَتَهُ فِيمَا أَدْرَكَهُ قَبْلَ الْعَمَى، وَالدَّلِيلُ لِمَالِكٍ ﵀ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْأَلُونَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ الْمَسَائِلِ وَيَعْمَلُونَ عَلَى قَوْلِهِنَّ، وَلَا يَسْمَعُونَ مِنْهُنَّ غَيْرَ الْأَصْوَاتِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا نِدَاءَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ» ، فَأَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عِنْدَ نِدَائِهِ وَلَا يُعْلَمُ إلَّا بِصَوْتِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَعْمَى أَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يُدْرِكُ غَيْرَ كَلَامِهَا. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِي الرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ وَالْحَلَاوَةِ وَالْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ، وَهَذَا يُظْهِرُ مَعْنًى فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَالتَّعْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ، فَلَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا يَشْرَبَ حُلْوًا أَوْ حَامِضًا فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَزِمَتْهُ الشَّهَادَةُ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِعَانُهُ وَيَقُولُ: وَصَلَ إلَيَّ الْعِلْمُ بِزِنَاهَا، أَوْ يَقُولُ: سَمِعْت الْحِسَّ، قَالَهُ فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الصَّغِيرِ.

стр. 571

[الْبَابُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الرَّهْنِ بِمَبْلَغِ الْحَقِّ] قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي مِقْدَارِ الدَّيْنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قِيمَةَ الرَّهْنِ، يُرِيدُ مَعَ يَمِينِهِ رَاهِنًا كَانَ أَوْ مُرْتَهِنًا، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الرَّهْنَ بَدَلًا مِنْ الْكِتَابِ وَالشُّهُودِ فَكَأَنَّهُ نَاطِقٌ بِقَدْرِ الْحَقِّ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ لَمْ يَكُنْ الرَّهْنُ وَثِيقَةً، وَلَا جُعِلَ بَدَلًا مِنْ الْكِتَابِ وَالشَّاهِدِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ أَنَّ النَّاسَ يَرْهَنُونَ مَا يُسَاوِي قَدْرَ دُيُونِهِمْ أَوْ يُقَارِبُهَا لَا مَا لَا يَفِي بِهَا، فَإِذَا فَاتَ الرَّهْنُ وَكَانَ الْمُرْتَهِنُ ضَامِنًا لَهُ، تَنَزَّلَتْ قِيمَتُهُ فِي الشَّهَادَةِ مَنْزِلَةَ عَيْنِهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ تَوَاصَفَا الرَّهْنَ ثُمَّ قَامَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ. تَنْبِيهٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ دَابَّةً أَوْ عَبْدًا فَمَاتَا فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَاخْتَلَفَا فِيمَا رَهَنَا فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَلَيْسَ هُوَ إذَا مَاتَ بِمَنْزِلَةِ إذَا كَانَ حَيًّا، فَإِنَّ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الرَّهْنُ إذَا كَانَ حَيًّا مُصَدَّقٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ. فَرْعٌ: وَاخْتُلِفَ إذَا ضَاعَ الرَّهْنُ وَلَمْ يَصِفْهُ الرَّاهِنُ وَلَا الْمُرْتَهِنُ وَعَمِيَتْ قِيمَتُهُ، فَقَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ يَعْنِي الرَّاهِنَ؟ وَلَا شَيْءَ لِلْمُرْتَهِنِ، وَأَنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ قَالَ أَصْبَغُ وَذَلِكَ إذَا غُمِيَ أَمْرُهُ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ «الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ إذَا هَلَكَ وَغُمِيَتْ قِيمَتُهُ» وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ وَمِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَنَّ الرَّهْنَ يَذْهَبُ بِمَا فِيهِ إذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ هَلَاكَهُ، وَهُوَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَغُمِيَتْ قِيمَتُهُ وَلَمْ يَصِفْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ إنَّمَا يَرْهَنُ فِي قَدْرِ قِيمَتِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَلِهَذَا جَعَلُوهُ كَالشَّاهِدِ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ. فَرْعٌ: وَإِنْ فَاتَ الرَّهْنُ وَكَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الرَّاهِنِ كَاَلَّذِي لَا يُغَابُ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ تَحْتَ يَدِ أَمِينٍ أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِهَلَاكِهِ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ عَلَى

стр. 572

قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، فَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا شَهَادَةَ لَهُ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَا عَلَى ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَكَذَا إنْ اُسْتُحِقَّ أَوْ خَرَجَ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَكَذَا إنْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ رَهْنٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي كَمْ هُوَ؟ وَقَالَ وَرَثَتُهُ لَا عِلْمَ عِنْدَنَا، فَالرَّاهِنُ مُصَدَّقٌ وَإِنْ ادَّعَى أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ وَيَحْلِفُ، وَضَعُفَتْ يَمِينُهُ لِعَدَمِ مَنْ يَدَّعِي خِلَافَ ذَلِكَ، قَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ كَانَ الْوَرَثَةُ صِغَارًا حَلَفَ الرَّاهِنُ وَدَفَعَ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلَى الرَّهْنِ حَتَّى يَكْبُرَ الصِّغَارُ فَيَحْلِفُونَ إنْ ادَّعَوْا عِلْمًا، وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ وَإِلَّا حَلَفَ وَأَخَذَ رَهْنَهُ، ثُمَّ حَيْثُ اعْتَبَرْنَا قِيمَتَهُ فَذَلِكَ يَوْمَ الْحُكْمِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، وَيَوْمَ الْقَبْضِ إنْ كَانَ تَالِفًا، وَبَعْضُ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي، وَفِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى هَذَا. [الْبَابُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْوَثِيقَةِ وَالرَّهْنِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ] وَإِذَا وُجِدَتْ وَثِيقَةُ الدَّيْنِ بِيَدِ الْمَطْلُوبِ مَمْحُوَّةً، وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّهُ دَفَعَ مَا فِيهَا وَسَلَّمَهَا رَبُّ الدَّيْنِ إلَيْهِ، وَرَبُّ الدَّيْنِ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ وَيَدَّعِي سُقُوطَهَا فَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: تُرَدُّ لِرَبِّ الدَّيْنِ لِإِمْكَانِ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ مَا اقْتَضَى مِنْ دَيْنِهِ شَيْئًا، وَيَغْرَمُ الْمَطْلُوبُ وَهُوَ الْمَشْهُودُ، وَقِيلَ: لَا تُرَدُّ إلَيْهِ وَهِيَ شَهَادَةٌ لِلْمِدْيَانِ بِالْقَضَاءِ، لِأَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُشْبِهُ فِي الْأَغْلَبِ، لِأَنَّ الْأَغْلَبَ دَفْعُ الْوَثِيقَةِ إلَى مَنْ هِيَ عَلَيْهِ إذَا أَدَّى الدَّيْنَ، فَتَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى الْمَطْلُوبِ. فَرْعٌ: قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إذَا كَتَبَ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ فِي ذِكْرِ حَقٍّ فَطُولِبَ بِهَا، فَزَعَمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ الْحَقَّ، لَمْ يَشْهَدْ الشَّاهِدُ حَتَّى يُؤْتَى بِالْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ شَهَادَتُهُ بِخَطِّهِ، لِأَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ أَخْذُ الْوَثَائِقِ إذَا أَدَّوْا الدُّيُونَ. فَرْعٌ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ وَثِيقَتَهُ بِالْحَقِّ ضَاعَتْ مِنْهُ، وَسَأَلَ الشَّاهِدَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِمَا عَلِمَ فَذَلِكَ لَهُ إنْ حُفِظَ ذَلِكَ، قَالَهُ مُطَرِّفٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يَشْهَدُ لَهُ.

стр. 573

فَرْعٌ: وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَخْذُ وَثِيقَةِ الدَّيْنِ مِنْ صَاحِبِهَا وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِتَقْطِيعِهَا. وَقَالَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ وَنَحْوُهُ فِي الْوَاضِحَةِ وَكِتَابِ الْجِدَارِ: وَبِهِ الْقَضَاءُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَا تُقْطَعُ وَثِيقَةٌ لِدَيْنٍ وَلَا يُجْبَرُ رَبُّهَا عَلَى إعْطَائِهَا، وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بَرَاءَةً فِي الْوَضْعِ الَّذِي فِيهِ الشُّهُودُ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ وَنَحْوُهُ فِي وَثَائِقِ ابْنِ الْهِنْدِيِّ، لِأَنَّهُ يَتَسَبَّبُ لِوُجُوبِ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ دَعْوَى كَاذِبَةٌ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي * *** امْرَأَةٍ قَامَتْ بِصَدَاقٍ لَمْ تُثْبِتْهُ، فَحَلَفَ الزَّوْجُ وَدَعَا إلَى قَطْعِهِ، وَأَرَادَتْ الزَّوْجَةُ حَبْسَ الصَّدَاقِ بِيَدِهَا، فَأَفْتَى ابْنُ لُبَابَةَ: بِأَنَّهُ يُجَابُ إلَى تَقْطِيعِهِ لِأَنَّهُ سَقَطَ عَنْهُ بِيَمِينِهِ لِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ، وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ فَلْيُقْطَعْ وَلَا تَرُدُّ الْمَرْأَةُ إلَى هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى يُثْبِتَ النِّكَاحَ عَلَيْهَا بِالْبَيِّنَةِ. بَيَانٌ: وَإِذَا دَفَعَ الْغَرِيمُ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ إلَى رَبِّهِ وَذَهَبَ إلَى كِتَابٍ يُبْرِئُهُ مِنْهُ، كَتَبَ: أَشْهَدُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ عَلَى نَفْسِهِ شُهَدَاءَ هَذَا الْكِتَابِ فِي صِحَّةٍ مِنْهُ، وَجَوَازِ أَمْرِهِ إقْرَارًا لَزِمَهُ شَرْعًا أَنَّهُ قَبَضَ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ، أَوْ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَةِ كَذَا وَكَذَا، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا تَارِيخُهُ كَذَا وَاسْتَوْفَاهَا وَصَارَتْ بِيَدِهِ وَأَبْرَأَهُ مِنْ جَمِيعِهَا، وَلَمْ يَبْقَ قِبَلَهُ مِنْهَا وَلَا مِنْ غَيْرِهَا عَلَى جَمِيعِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا، قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَا دَعْوَى وَلَا حُجَّةٌ، وَلَا يَمِينٌ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَسَقَطَ بِذَلِكَ عَنْ فُلَانٍ الْعَقْدُ الَّذِي كَانَ كَتَبَهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ وُصُولِ مَا فِيهِ، وَشُهِدَ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ فِي تَارِيخِ كَذَا. تَنْبِيهٌ: وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا الْإِشْهَادَ عَلَيْهِمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ حَقًّا، فَأَمَّا حَقُّ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ إذَا انْفَرَدَ الَّذِي كَانَ لَهُ الْحَقُّ بِالْإِشْهَادِ، أَنْ يُطَوِّلَ الزَّمَانَ حَتَّى تَذْهَبَ الْبَيِّنَةُ الَّتِي كَانَتْ تَعْرِفُ أَصْلَ الْحَقِّ، فَيَقُومُ عَلَيْهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْحَقُّ فِيمَا اقْتَضَى مِنْهُ صَاحِبُ الْحَقِّ، فَيَدَّعِي أَنَّهُ أَسْلَفَهُ إيَّاهُ أَوْ بَاعَ مِنْهُ بِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يُثْبِتْ الَّذِي لَهُ أَصْلُ الْحَقِّ حَقَّهُ وَإِلَّا حَلَفَ لَهُ وَغَرِمَ، أَوْ يُرَدُّ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا اقْتَضَى مِنْهُ إلَّا حَقَّهُ،

стр. 574

وَأَمَّا الْحَقُّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْإِبْرَاءُ مِنْ الْعَقْدِ، وَإِنْ زِدْت فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا قِبَلَ صَاحِبِهِ حَقٌّ كَانَ أَتَمَّ، وَيَكُونُ نُسْخَتَيْنِ، بِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نُسْخَةٌ، وَتُذْكَرُ فِيهِ وَهَذَا الْكِتَابُ نُسْخَتَانِ. فَرْعٌ: الزَّوْجَةُ الْمُطَلَّقَةُ أَوْ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا يُدْفَعُ إلَيْهَا بِكَالِئِهَا لَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ كِتَابَ صَدَاقِهَا إلَى الزَّوْجِ وَلَا إلَى وَرَثَتِهِ، لِمَا فِي حَبْسِ صَدَاقِهَا مِنْ الْمَنْفَعَةِ لَهَا بِسَبَبِ الشَّرْطِ الَّذِي لَهَا فِيهِ، إذَا كَانَتْ وَلِأَجْلِ النَّسَبِ وَالْحَمْلِ، إنْ كَانَ حَمْلٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَفِي حَيَاتِهِ، إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِدَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهَا بِذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ. وَقَالَهُ أَصْبَغُ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ: لِأَنَّ بِهِ ثَبَتَ نِكَاحُهَا، وَبِهِ تَأْخُذُ مِيرَاثَهَا، وَتَدْفَعُ بَعْدَ الْيَوْمِ مِنْ دَافِعِهَا عَمَّا وَرِثَتْ. فَرْعٌ: أَمَّا لَوْ قَامَتْ بِبَاقِي الْمَهْرِ فِي كِتَابٍ غَيْرِ كِتَابِ نِكَاحِهَا، فَأَخَذَتْ بِهِ مَا كَانَ لَهَا فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهَا وَيُقْطَعُ عَنْ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ أَخَذَتْ بِهِ أَرْضًا أَوْ عَقَارًا مِنْ عَقَارِهِ وَلَمْ يَأْخُذْ ذَلِكَ مِنْهَا، كَانَ لَهَا أَنْ تَدْفَعَ الْيَوْمَ مِنْ دَافِعِهَا عَنْ ذَلِكَ، وَمَا يُشْبِهُهُ مِمَّا يَلْتَمِسُ التَّوْثِيقَ بِهِ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ أَنْ يَسْتَوْثِقُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْإِشْهَادِ، وَذِكْرِ الْكِتَابِ الَّذِي بِيَدِهَا، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِهِ أَقُولُ وَهَذَا أَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ أَخْذِهِ وَتَقْطِيعِهِ، وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ: فِيمَنْ مَاتَ، وَقَامَتْ امْرَأَتُهُ بِكِتَابِ مَهْرِهَا فَأَخَذَتْ بِهِ بَاقِيَهُ، وَأَرَادَ الْوَرَثَةُ تَقْطِيعَهُ فَإِنَّ لَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ قَالَتْ بِهِ أَدْفَعُ بَعْدَ الْيَوْمِ مَنْ دَافَعَنِي عَمَّا أَخَذَتْ، ذَكَرَهُ الْمُتَيْطِيُّ. عَنْ ابْنِ سَهْلٍ. فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْغَفُورِ فِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ لَهُ: إنْ تَزَوَّجَ بِالْمَرْأَةِ وَأَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا وَلَا وَطِئَهَا الصَّدَاقُ بِقَطْعٍ.

стр. 575

فَرْعٌ: وَإِذَا اسْتَظْهَرَتْ الْمَرْأَةُ بِصَدَاقِهَا بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا لِمُدَّةِ عَشْرِ سِنِينَ وَنَحْوِهَا، وَمَا خَلَفَهُ الْمَيِّتُ بِحَالِهِ لَمْ يُقْسَمْ وَلَا فُوِّتَ، فَلَهَا الْقِيَامُ بِذَلِكَ وَيُقْضَى لَهَا بِهِ، وَلَا يَضُرُّهَا سُكُوتُهَا، وَتَحْلِفُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا، قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشُّيُوخِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مَا فِي نَوَازِلِ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ، فِيمَنْ لَهُ ذِكْرُ حَقٍّ عَلَى رَجُلٍ فَمَاتَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ فَاقْتَسَمَ وَرَثَتُهُ مَالَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ يَنْظُرُ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ يَذْكُرُ الْحَقَّ فَقَالَ: لَا شَيْءَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ أَوْ يَكُونَ لَهُمْ سُلْطَانٌ يُتَقَوَّمُ بِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يُعْذَرُ بِهِ فَيَكُونُ عَلَى حَقِّهِ، وَإِنْ طَالَ زَمَانُهُ. فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ فِي آخِرِ بَابِ الْحِيَازَاتِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: وَإِذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ حَقًّا قَدِيمًا وَقَامَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ حَقِّهِ، وَذَلِكَ الْقِيَامُ بَعْدَ الْعِشْرِينَ سَنَةً وَنَحْوَهَا أَخَذَهُ بِهِ، وَعَلَى الْآخَرِ الْبَرَاءُ مِنْهُ، قَالَ: وَلَوْ مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ فَاقْتَسَمَ وَرَثَتُهُ مِيرَاثَهُ وَهُوَ حَاضِرٌ يَنْظُرُ إلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حَقِّهِ فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُذْرٌ بِتَرْكِ الْقِيَامِ بِحَقِّهِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَعْرِفْ شُهُودَهُ أَوْ كَانُوا غُيَّبًا، أَوْ لَمْ يَجِدْ ذِكْرَ حَقِّهِ إلَّا عِنْدَ قِيَامِهِ، أَوْ كَانَ لَهُمْ سُلْطَانٌ يَمْتَنِعُونَ بِهِ وَنَحْوُ هَذَا مِمَّا يُعْذَرُ بِهِ، فَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَمَا كَانَ تَرْكُهُ الْقِيَامَ إلَّا لِلْوَجْهِ الَّذِي عُذِرَ بِهِ ثُمَّ يَكُونُ عَلَى حَقِّهِ وَإِنْ طَالَ زَمَانُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَبْطُلُ حَقُّ امْرِئٍ وَإِنْ قَدُمَ» ، قَالَا: فَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ، حَلَفَ الْوَرَثَةُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَمَا يَعْلَمُونَ لَهُ حَقًّا، فَإِنْ حَلَفُوا بَرَءُوا، وَإِنْ نَكَلُوا غَرِمُوا، وَمَنْ نَكَلَ مِنْهُمْ قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ اُنْظُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَانْظُرْ فِيمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى حَقٍّ لَهُ عَلَى مَيِّتٍ وَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، إنْ كَانَ يَحْلِفُ الْوَرَثَةُ أَنَّهُمْ مَا يَعْلَمُونَ هَذَا الْحَقَّ مِثْلَ مَا قَالَ هَا هُنَا فَتَدَبَّرْهُ. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ أَنَّ ذِكْرَ الْحَقِّ الْمَشْهُودِ فِيهِ لَا يَبْطُلُ إلَّا بِطُولِ الزَّمَانِ كَالثَّلَاثِينَ سَنَةً وَالْأَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ الدُّيُونُ وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةً فِي الْأَصْلِ إذَا طَالَ زَمَانُهَا هَكَذَا، وَهِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ حُضُورٌ، فَلَا يَقُومُ بِدَيْنِهِ إلَّا بَعْدَ هَذَا مِنْ الزَّمَانِ، فَيَقُولُ: قَدْ قَضَيْتُك وَبَادَ شُهُودِي انْتَهَى. يُرِيدُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَدْيُونِ غَيْرُ الْيَمِينِ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ يَقُومُ عَلَيْهِ الْيَتِيمُ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ، وَيُنْكِرُ قَبْضَ مَالِهِ مِنْ الْوَصِيِّ، فَإِنْ كَانَ مُدَّةٌ يَهْلَكُ فِي مِثْلِهَا شُهُودُ الْوَصِيِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِالدَّفْعِ.

стр. 576

[فَصْلٌ فِي الِاسْتِشْهَادِ بِالرَّهْنِ] وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَلَوْ كَانَ رَبُّ الدَّيْنِ قَدْ أَخَذَ مِنْ الْغَرِيمِ رَهْنًا ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَادَّعَى أَنَّهُ أَعْطَاهُ الرَّهْنَ وَلَمْ يُوَفِّهِ الْغَرِيمُ حَقَّهُ، وَقَالَ الْغَرِيمُ: لَمْ يَدْفَعْ إلَيَّ رَهْنِي إلَّا بَعْدَ قَبْضِ دَيْنِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ الرَّاهِنُ وَيَسْقُطَ عَنْهُ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ رَبُّ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ، وَقَالَ دَفَعْت إلَيْهِ الرَّهْنَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَنِي بِحَقِّي فَلَمْ يَفْعَلْ، لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، خِلَافُ مَا فِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ إذَا كَانَ قِيَامُهُ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ إذَا طَالَ الْأَمْرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ سَحْنُونٍ. فَرْعٌ: وَلَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُرْتَهِنُ بِدَفْعِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ، وَادَّعَى أَنَّهُ تَلِفَ أَوْ سَقَطَ لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ قَوْلًا وَاحِدًا إذَا كَانَ قَبِلَهُ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ. فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا ارْتَهَنَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا رَهْنًا ثُمَّ سَلَّمَتْهُ لَهُ، لَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الزَّوْجِ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ دَفَعَهُ وَيَبْرَأُ سَوَاءٌ دَخَلَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ.

стр. 577

[الْبَابُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ] فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ وَاسْتِقْضَائِهَا عَلَى شُرْبِهَا، وَيَجِبُ الْحَدُّ عَلَى مَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ وَقَاءَهَا وَحَكَمَ بِهِ عُمَرُ ﵁ وَفِي حَدِيثِ مَاعِزٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَنْكَهَ مَنْ يَشْرَبُ خَمْرًا، فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ» ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: فِيهِ دَلِيلُ أَنَّ الرَّائِحَةَ يَقْضِي بِهَا دَلِيلٌ آخَرُ، أَنَّ إقْرَارَ السَّكْرَانِ غَيْرُ لَازِمٍ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ اللَّخْمِيُّ ﵀ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، إلَى أَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رِيحُ الْمُسْكِرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّهُ حَضَرَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَهُوَ يَجْلِدُ رَجُلًا وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ شَرَابٍ فَجَلَدَهُ الْحَدَّ تَامًّا، وَالدَّلِيلُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى: أَنَّ هَذَا مَعْنًى يُعْلَمُ بِهِ صِفَةُ مَا شَرِبَ الْمُكَلَّفُ وَجِنْسُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقًا إلَى إثْبَاتِ الْحَدِّ، أَصْلُ ذَلِكَ إنْ وَجَدَ أَنَّ الرِّيحَ مِنْ الشَّارِبِ أَقْوَى فِي مَعْرِفَةِ حَالِ الْمَشْرُوبِ مِنْ الرُّؤْيَةِ؛ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا يُعْلَمُ بِهَا الشَّرَابُ أَمُسْكِرٌ هُوَ أَمْ لَا؟ وَإِنَّمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِرَائِحَتِهِ. [فَصْلٌ مَنْ يَجِبُ اسْتِنْكَاهُهُ فِي الْخَمْرِ] فَصْلٌ: وَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ: فِيمَنْ يَجِبُ اسْتِنْكَاهُهُ. الثَّانِي: فِيمَنْ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِ. الثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ بِذَلِكَ إذَا تُيُقِّنَتْ رَائِحَةُ الْمُسْكِرِ أَوْ أَشْكَلَتْ الْأَوَّلُ فِيمَنْ يَجِبُ اسْتِنْكَاهُهُ، وَذَلِكَ فِيمَا يَرَى الْحَاكِمُ مِنْهُ تَخْلِيطًا فِي قَوْلٍ أَوْ مَشْيٍ شِبْهَ السَّكْرَانِ، فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ إذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُ أَمَرَ بِاسْتِنْكَاهِهِ، قَالَ: لِأَنَّهُ قَدْ بَلَغَ إلَى الْحَاكِمِ فَلَا يَسَعُهُ إلَّا تَحَقُّقُهُ، فَإِذَا ثَبَتَ الْحَدُّ حُدَّ أَمَامَهُ.

стр. 578

مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ شُمَّ مِنْهُ رَائِحَةٌ يُنْكِرُهَا أَوْ أَنْكَرَهَا بِحَضْرَتِهِ مَنْ يُنْكِرُهَا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ: فَعِنْدِي أَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ اسْتِنْكَاهُهُ وَتَحَقُّقُ حَالِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةٌ يُنْكَرُ بِهَا حَالُهُ وَيُسْتَرَابُ بِهَا، وَيَقْوَى بِهَا الظَّنُّ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ بِذَلِكَ اخْتِبَارُهُ وَتَحَقُّقُ حَالِهِ كَالتَّخْلِيطِ فِي الْكَلَامِ وَالْمَشْيِ. مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحْوَالِ يُرِيدُ التَّخْلِيطَ فِي الْقَوْلِ وَالْمَشْيِ لَمْ يُسْتَنْكَهْ، رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ، قَالَ: وَلَا يُتَجَسَّسُ عَلَيْهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَرَ مِنْهُ رِيبَةً وَلَا خُرُوجًا عَنْ أَحْوَالِ النَّاسِ الْمُعْتَادَةِ، فَلَا يَجُوزُ التَّجَسُّسُ عَلَى النَّاسِ وَالتَّعَرُّضُ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ الثَّانِي فِيمَنْ يَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: فَأَمَّا مَنْ يَثْبُتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ، فَإِنَّهُ يُحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ صِفَتِهِمْ وَعَدَدِهِمْ. فَأَمَّا صِفَتُهُمْ، فَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ: إنَّ صِفَةَ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الرَّائِحَةِ أَنْ يَكُونَا مِمَّنْ خَبَرَ شُرْبَهَا فِي وَقْتٍ مَا، إمَّا فِي حَالِ كُفْرِهِمَا أَوْ شَرِبَاهَا فِي إسْلَامِهِمَا، فَجُلِدَا ثُمَّ تَابَا حَتَّى يَكُونَا مِمَّنْ يَعْرِفُ الْخَمْرَ بِرِيحِهَا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مَعْدُومٌ قَلِيلٌ وَلَوْ لَمْ تَثْبُتْ الرَّائِحَةُ إلَّا بِشَهَادَةِ مَنْ هِيَ صِفَتُهُ لَبَطَلَتْ الشَّهَادَةُ بِهَا فِي الْأَغْلَبِ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْ لَمْ يَشْرَبْهَا قَطُّ يَعْرِفُ رَائِحَتَهَا مَعْرِفَةً صَحِيحَةً، بِأَنْ يُخْبِرَهُ عَنْهَا الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ مَنْ قَدْ شَرِبَهَا، أَنَّهَا هِيَ رَائِحَةُ الْخَمْرِ حَتَّى يَعْرِفَ ذَلِكَ كَمَا يَعْرِفُهَا الَّذِي قَدْ شَرِبَهَا. [مَسْأَلَةٌ الْحَاكِم أَمَرَ الشُّهُودَ بِالِاسْتِنْكَاهِ] مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْعِدَّةُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ أَمَرَ الشُّهُودَ بِالِاسْتِنْكَاهِ، أَوْ فَعَلُوا هُمْ ذَلِكَ ابْتِدَاءً فَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْمُرَ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ وَجَبَ بِهِ الْحَدُّ، وَأَمَّا إنْ كَانَ الشُّهُودُ فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ اثْنَيْنِ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشُّرْبِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْحَاكِمِ إلَّا وَاحِدٌ فَلْيَرْفَعْهُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀ وَمَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ: مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، فَلِذَلِكَ جَازَ عِنْدَهُ عِلْمُ مَنْ اسْتَنَابَهُ، وَإِلَّا فَقَدْ يَجِبُ أَنْ لَا يَجِدَّ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ فِيهِ شَاهِدَانِ.

стр. 579

الثَّالِثُ: فِيمَا يَجِبُ بِشَهَادَةِ الِاسْتِنْكَاهِ، وَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ مُتَيَقِّنِينَ لِلرَّائِحَةِ أَوْ شَاكِّينَ فِيهَا، فَإِنْ كَانُوا مُتَيَقِّنِينَ لِلرَّائِحَةِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ رَائِحَةِ مُسْكِرٍ، أَوْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ رَائِحَةِ مُسْكِرٍ فَلَا نَعْلَمُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافًا فِي وُجُوبِ تَرْكِ الْحَدِّ، وَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَائِحَةُ مُسْكِرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِرَائِحَةِ مُسْكِرٍ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا اجْتَمَعَ مِنْهُمْ اثْنَانِ عَلَى أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ حُدَّ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ قَامَتْ وَكَمُلَتْ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ نَفْيُ مَنْ نَفَى مُقْتَضَاهَا، كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ شَرِبَ خَمْرًا. وَقَالَ شَاهِدَانِ آخَرَانِ لَمْ يَشْرَبْ خَمْرًا. [مَسْأَلَةٌ شَكَّ الشُّهُودُ فِي الرَّائِحَةِ هَلْ هِيَ رَائِحَةُ مُسْكِرٍ أَوْ غَيْرِهِ] مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ شَكَّ الشُّهُودُ فِي الرَّائِحَةِ هَلْ هِيَ رَائِحَةُ مُسْكِرٍ أَوْ غَيْرِهِ نُظِرَتْ حَالُهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّفَهِ نُكِّلَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ خَلَّى سَبِيلَهُ، حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِالسَّفَهِ وَالشُّرْبِ وَالتَّخْلِيطِ، خِيفَ أَنْ يَكُونَ مَا شُكَّ فِيهِ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ وَوَجَبَ أَنْ يُزْجَرَ عَنْ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ بِذَلِكَ إلَى إظْهَارِ مَعْصِيَةٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَتَبْعُدُ عَنْهُ الرِّيبَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵀: فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدَّ يَتَعَلَّقُ بِمَا يَقَعُ بِهِ الْفِطْرُ مِنْ تَجَاوُزِ الشَّرَابِ مِنْ الْفَمِ إلَى الْحَلْقِ. [مَسْأَلَةٌ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَاءَ خَمْرًا] مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ قَاءَ خَمْرًا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِأَنَّهُ لَا يَقِيئُهَا حَتَّى يَشْرَبَهَا، وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالسِّيَاسَةِ صِفَةُ الشَّهَادَةِ، وَصِفَةُ الضَّارِبِ وَالضَّرْبِ، وَمَا يُضَافُ إلَى الْحَدِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 580

[الْبَابُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْحَمْلِ عَلَى الزِّنَا] وَإِنْ ظَهَرَ الْحَمْلُ بِحُرَّةٍ بَلَدِيَّةٍ لَيْسَتْ بِغَرِيبَةٍ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا زَوْجٌ فَإِنَّهَا تُحَدُّ إذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ شَاهِدٌ عَلَى الزِّنَا، قَالَ الْمَازِرِيُّ وَلِلْحَمْلِ عَلَامَاتٌ: مِنْهَا ظُهُورُهُ، وَأَقَلُّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، وَلَهُ عَلَامَةٌ ثَانِيَةٌ وَهِيَ الْحَرَكَةُ، وَلَا تَكُونُ فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَمِنْهَا تَحَقُّقُهُ وَمُشَاهَدَتُهُ وَهُوَ الْوَضْعُ، وَوَرَدَ الشَّرْعُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْعَلَامَةِ الْأُولَى وَهُوَ ظُهُورُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي الْغَالِبُ ظُهُورُهُ فِيهِ. فَرْعٌ: وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ غُصِبْت وَكُنْت مُكْرَهَةً إلَّا أَنْ تَظْهَرَ أَمَارَةٌ تُصَدِّقُهَا، بِأَنْ يُرَى مِنْهَا أَثَرُ الدَّمِ أَوْ صِيَاحٌ أَوْ اسْتِغَاثَةٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهَا، وَاخْتَارَ الْبَاجِيُّ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أَمَارَةٌ. فَرْعٌ: وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا: إنَّهُ مِنْ زَوْجٍ طَلَّقَنِي أَوْ غَابَ عَنِّي، وَأَمَّا الطَّارِئَةُ فَيُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهَا لِكَوْنِهَا غَرِيبَةً وَصِدْقُهَا مُحْتَمَلٌ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: إنْ قَالَتْ: وُطِئْت بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ وَدَخَلَ الْمَاءُ إلَى فَرْجِي، فَكَانَ الْحَمْلُ عَنْ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْرَأَ الْحَدُّ عَنْهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ وَقَالَ ﷺ : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» . [مَسْأَلَةٌ ظَهَرَ الْحَمْلُ بِزَوْجَةِ الْمَمْسُوحِ الْعَسِيبِ وَالْخِصَاءِ] مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إذْ ظَهَرَ الْحَمْلُ بِزَوْجَةِ الْمَمْسُوحِ الْعَسِيبِ وَالْخِصَاءِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إذَا جَاءَتْ زَوْجَتُهُ بِوَلَدٍ لَمْ يُلْحَقْ وَتُحَدُّ، وَإِذَا طَلَّقَهَا فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَكَذَلِكَ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَطْءِ كَالْمَجْبُوبِ وَالْحَصُورِ، لَا عِدَّةَ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ تَحْمِلَ مِنْ مِثْلِهِ فَتَكُونُ الْعِدَّةُ عَلَيْهَا، اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّةَ فِي بَابِ الْعُيُوبِ

стр. 581

[الْبَابُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِاللَّوْثِ فِي الْأَمْوَالِ] وَإِذَا أَغَارَ قَوْمٌ عَلَى بَيْتِ رَجُلٍ فَأَخَذُوا مَا فِيهِ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى مُعَايَنَةِ مَا أَخَذُوا، وَلَكِنْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ أَغَارُوا عَلَيْهِ وَانْتَهَبُوا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْتَهَبِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي مُنْتَهَبِ الصُّرَّةِ يَخْتَلِفَانِ فِي عَدَدِهَا، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْتَهَبِ مَعَ يَمِينِهِ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ حَبِيبٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْتَهَبِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ فِيمَا يُشْبِهُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ، وَيُحْمَلُ عَلَى الظَّالِمِ. فَرْعٌ: وَمِنْ كِتَابِ الرُّعَيْنِيِّ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ السُّرَّاقُ فَسَرَقُوا مَتَاعَهُ، وَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَنَازَعَهُمْ وَحَارَبَهُمْ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ عَرَفَهُمْ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ، أَهُوَ مُصَدَّقٌ عَلَيْهِمْ إذَا كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالسَّرِقَةِ مُسْتَحِلِّينَ لَهَا أَوْ تَرَى أَنْ يُكَلَّفَ الْبَيِّنَةَ، قَالَ: هُوَ مُصَدَّقٌ، وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ ﵁ فَغَرَّمَهُمْ عُمَرُ ﵁ بِقَوْلِهِ وَنَكَّلَهُمْ عُقُوبَةً مُوجِعَةً وَلَمْ يُكَلِّفْهُ الْبَيِّنَةَ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي فِقْهِ وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلَيْنِ ابْتَاعَا طَعَامًا فَحَمَلَ الْحَمَّالُونَ إلَيْهِمَا الطَّعَامَ، فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا طَعَامَهُ يَنْقُصُ غَرَائِرَ، فَذَهَبَ إلَى الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ إلَيْهِ الطَّعَامَ فَقَالَ لَهُ: اُنْظُرْ لَا يَكُونُ ذَهَبَ إلَيْك مِنْ طَعَامِي شَيْءٌ، فَكَالَ الرَّجُلُ طَعَامَهُ فَوَجَدَ فِيهِ زِيَادَةً فَرَدَّهَا، فَأَرَادَ الَّذِي ذَهَبَ طَعَامُهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ عَلَى بَاقِي مَا نَقَصَهُ مِنْ الْغَرَائِرِ فَقَالَ: ذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ حُقَّ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا أَوَّلَ الْكِتَابِ.

стр. 582

[الْبَابُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْحِيَازَةِ عَلَى الْمِلْكِ] مَسْأَلَةٌ: فِي الْحِيَازَةِ عَلَى الْغَائِبِ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَخْبَرَنِي حُسَيْنٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ نَافِعٍ وَأَصْبَغَ وَمُطَرِّفٍ فِي الْغَائِبِ، يُحَازُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَهُوَ عَلَى مَسِيرَةٍ دُونَ السَّبْعَةِ الْأَيَّامِ يُرِيدُ كَالْخَمْسَةِ، فَإِنْ عَلِمَ فِي غَيْبَتِهِ بِمَا حِيزَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فَلَمْ يَقْدَمْ وَلَمْ يُوَكِّلْ حَتَّى طَالَ زَمَانُ ذَلِكَ، فَهُوَ كَالْحَاضِرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ عَدُوٍّ، أَوْ مِنْ وَرَاءِ بَحْرٍ، أَوْ يَكُونَ ضَعِيفًا، أَوْ مُخْتَلًّا، أَوْ امْرَأَةً مَحْجُوبَةً وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعُذْرِ، فَيَكُونُ عَلَى حَقِّهِ أَبَدًا وَإِنْ أَشْهَدَ فِي غَيْبَتِهِ عَلَى عُذْرِهِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ لِحَقِّهِ إلَّا لِمَا يَذْكُرُهُ مِنْ عُذْرِهِ، كَانَ ذَلِكَ أَوْثَقَ لَهُ عِنْدَنَا، وَقَدْ يَكُونُ لِلْغَائِبِ أَنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ مَعَاذِيرُ يُعْذَرُ بِهَا إذَا ظَهَرَتْ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ثُمَّ رَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ: أَرَى الْغَائِبَ عَلَى مَسِيرَةِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ وَالْأَرْبَعَةِ مَعْذُورًا فِي غَيْبَتِهِ، وَإِنْ عَلِمَ بِمَا حِيزَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَعِيفًا فِي بَدَنِهِ وَلَا مُخْتَلًّا فِي عَقْلِهِ، وَأَرَاهُ عَلَى حَقِّهِ أَبَدًا مَا زَالَ غَائِبًا، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْغَائِبِ مَعَاذِيرُ لَا تُعْرَفُ، وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ عِنْدِي أَحْسَنُ، وَهُوَ الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كِبَارُ أَصْحَابِ مَالِكٍ. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الثَّمَانِيَةَ الْأَيَّامِ فِي حُكْمِ الْقَرِيبِ. فَرْعٌ: وَفِي الطُّرُرِ لِابْنِ عَاتٍ: وَمَغِيبُ الْمَرْأَةِ عَلَى مَسِيرَةِ الْيَوْمِ لَا يَقْطَعُ حُجَّتَهَا، لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا» ، قَالَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ الْمُتَأَخِّرِينَ. فَرْعٌ: وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَالِمٍ فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ إذَا قَدِمَ وَلَا حِيَازَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ طَالَتْ الْحِيَازَةُ فِيهِ كَانَتْ الْغَيْبَةُ قَرِيبَةً أَوْ بَعِيدَةً. تَنْبِيهٌ: وَهُوَ عَلَى غَيْرِ الْعِلْمِ حَتَّى يُقِيمَ الْحَائِزُ بَيِّنَةً، إنْ كَانَ عَالِمًا فِي غَيْبَتِهِ لِحِيَازَتِهِ لِمَالِهِ.

стр. 583

فَرْعٌ: وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: وَنَرَى السَّبْعَةَ وَالثَّمَانِيَةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ طُولًا مِنْ الْغَيْبَةِ، وَعُذْرًا فِي تَرْكِ الْقُدُومِ وَالطَّلَبِ وَالتَّوْكِيلِ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، إلَّا أَنَّا نَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يُشْهِدَ فِي غَيْبَتِهِ إذَا عَلِمَ بِحِيَازَةِ مَالِهِ عَنْهُ، وَإِنْ تَرَكَ الْإِشْهَادَ لَمْ يُوهِنْ ذَلِكَ حُجَّتَهُ إلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ جِدًّا، مِثْلَ السَّبْعِينَ سَنَةً أَوْ الثَّمَانِينَ وَمَا قَارَبَهَا، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ سَمَاعٌ مُسْتَفِيضٌ بِأَنَّهَا مِلْكُ الَّذِينَ هِيَ بِأَيْدِيهِمْ تَدَاوُلُهَا، هُمْ وَمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ بِمَا يُحَازُ بِهِ الْمِلْكُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْحِيَازَةِ عَلَى الْحَاضِرِ، وَإِنْ كَانَتْ الْغَيْبَةُ بَعِيدَةً، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَبِقَوْلِهِمَا أَقُولُ. [فَصْلٌ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْحَاضِرِ الرِّبَاعَ وَالْعَقَارَ] فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْحَاضِرِ الرِّبَاعَ وَالْعَقَارَ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ أَصْبَغُ: مَا حَازَهُ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ بِحَضْرَتِهِ وَعِلْمِهِ أَيُّ الْحِيَازَاتِ كَانَ مِنْ سُكْنَى فَقَطْ، أَوْ ازْدِرَاعٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ بُنْيَانٍ صَغُرَ شَأْنُهُ أَوْ عَظُمَ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْحِيَازَاتِ كُلِّهَا، فَذَلِكَ تَوْجِيهٌ لِحَائِزِهِ، وَتَقْطَعُ حُجَّةَ صَاحِبِهِ، وَهِيَ كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْمِلْكِ كَمَا يَكُونُ الرَّهْنُ شَاهِدًا لِصَاحِبِهِ بِحِيَازَتِهِ إيَّاهُ، وَكَمَا يَكُونُ السِّتْرُ شَاهِدًا لِلْمَرْأَةِ بِإِرْخَائِهِ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الَّذِي فَسَّرْنَا، وَرَأَوْا الْعَشْرَ سِنِينَ وَمَا قَارَبَهَا، يَعْنِي كَالثَّمَانِ وَالتِّسْعِ حِيَازَةً فِيمَا بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَانَ مَالِكٌ لَا يُؤَقِّتُ الْحِيَازَةَ لَا عَشْرَ سِنِينَ وَلَا غَيْرَهَا، وَكَانَ يَرَى ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا يَنْزِلُ مِنْ الْأَمْرِ، وَيَرَى فِيهِ الْإِمَامُ رَأْيَهُ وَتَابَعَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهُ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ مُجَاوِرًا لِحَائِزِهِ مُقِيمًا مَعَهُ بِبَلَدِهِ، عَالِمًا بِإِحْدَاثِهِ فِي ذَلِكَ، وَمِمَّا هَدَمَ وَبَنَى لَا يُنْكِرُ وَلَا يَدْفَعُ، فَإِنَّ هَذِهِ حَالَةُ إقْرَارٍ لَا شَيْءَ لَهُ مَعَهَا فِيمَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ، وَأَثْبَتَ أَصْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَكَانَ غَائِبًا عَنْهُ، أَوْ كَانَ الطَّالِبُ مُدَّعِيًا لِشِرَاءٍ لَمْ يُثْبِتْهُ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا، فَذَلِكَ لِلطَّالِبِ الَّذِي لَهُ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّهُ لَهُ أَوْ لِأَبِيهِ، أَوْ لِمَنْ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ إذَا حَلَفَ

стр. 584

أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ، وَلَمْ يُزَلْ مِنْ يَدِهِ أَوْ مِنْ يَدِ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ الْمَالُ مِنْ يَدِ رَبِّهِ، يَحْلِفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْبَتِّ وَفِيمَا سِوَاهُ بِعِلْمِهِ، وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ إلَى تَوْقِيتِ ذَلِكَ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَمَا قَارَبَ الْعَشْرَ وَهَذَا فِي الْعَقَارِ وَالرِّبَاعِ وَالْأَرْضِينَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلُهُ ﷺ : «مَنْ حَازَ عَلَى خَصْمِهِ عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» ، وَاسْتَدَلَّ أَئِمَّتُنَا ﵏ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْحِيَازَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَحُوزُ عَلَيْهِ غَيْرَ خَائِفٍ مِنْ الْحَائِزِ، وَلَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ وَلَا مُصَاهَرَةٌ وَلَا مُصَادَقَةٌ وَلَا شَرِكَةٌ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. تَنْبِيهٌ: فِي الطُّرُرِ: عَلَى التَّهْذِيبِ لِأَبِي الْحَسَنِ الطَّنْجِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الصَّغِيرِ قَالَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي التَّهْذِيبِ، وَمَنْ أَقَامَتْ بِيَدِهِ دَارٌ سِنِينَ ذَوَاتِ عَدَدٍ يَحُوزُهَا وَيَمْنَعُهَا وَيُكْرِيهَا، وَيَهْدِمُ وَيَبْنِي، فَأَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ الدَّارَ دَارُهُ وَأَنَّهَا لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ وَثَبَتَتْ الْمَوَارِيثُ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي حَاضِرًا يَرَاهُ يَبْنِي وَيَهْدِمُ وَيُكْرِي فَلَا حَاجَةَ لَهُ، وَذَلِكَ يَقْطَعُ دَعْوَاهُ قَوْلُهُ حَاضِرًا يَرَاهُ، لَا بُدَّ هُنَا مِنْ الْعِلْمِ بِشَيْئَيْنِ وَهُمَا: الْعِلْمُ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ، وَلَا يُفِيدُ الْعِلْمُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، لِأَنَّهُ إذَا عَلِمَ بِالتَّصَرُّفِ قَدْ يَقُولُ مَا عَلِمْت أَنَّهُ مِلْكِي، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ الْآنَ قَدْ وَجَدْت الْوَثِيقَةَ عِنْدَ فُلَانٍ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ، وَالْعِلْمُ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ قَالَهُ فِي الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ وَابْنِ أَبِي جَمْرَاءَ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي فِقْهِ وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ: وَلَا يَقْطَعُ قِيَامَ الْبِكْرِ غَيْرِ الْعَنَسِ، وَلَا قِيَامَ الصَّغِيرِ وَلَا قِيَامَ الْوَلِيِّ عَلَيْهِ فِي رِقَابِ الْأَمْلَاكِ، وَفِي الْأَحْدَاثِ الِاعْتِمَارُ بِحَضْرَتِهِمْ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ الصَّغِيرُ وَيَمْلِكَ نَفْسَهُ الْوَلِيُّ عَلَيْهِ، وَتَعْنُسُ الْجَارِيَةُ وَيُحَازُ عَلَيْهِمْ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ، وَهُمْ عَالِمُونَ بِحُقُوقِهِمْ لَا يَعْتَرِضُونَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَيَنْقَطِعُ حِينَئِذٍ قِيَامُهُمْ وَمَا لَمْ يَعْرِفُوا بِحُقُوقِهِمْ، لَمْ يَنْقَطِعْ قِيَامُهُمْ.

стр. 585

[فَصْلٌ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ الْحَيَوَانَ وَالْعُرُوضَ] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: مَا حَازَهُ الْأَجْنَبِيُّ مِنْ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ وَالدَّوَابِّ وَالْحَيَوَانِ كُلِّهِ، وَالْعُرُوضِ كُلِّهَا فَأَقَامَ ذَلِكَ فِي يَدَيْهِ يَخْتَدِمُ الرَّقِيقَ وَيَرْكَبُ الدَّوَابَّ وَيَحْلُبُ الْمَاشِيَةَ وَيَمْتَهِنُ الْعُرُوضَ، فَذَلِكَ كُلُّهُ لِحَائِزِهِ، وَالْحِيَازَةُ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، قَطْعٌ لِحُجَّةِ مُدَّعِيهِ وَمُثْبِتِ أَصْلِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَهُ دُونَ مُدَّعِيهِ وَمُثْبِتِ أَصْلِهِ، قَالَا: وَالْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ أَقْصَرُ مُدَّةً وَأَقْوَى فِي الْحِيَازَةِ مِنْ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، الَّتِي إنَّمَا تُحَازُ بِالْعِمَارَةِ وَالسُّكْنَى. قَالَ أَصْبَغُ: وَيَرَى فِي الثِّيَابِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ حِيَازَةً إذَا كَانَتْ تُحَازُ عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ وَاللُّبْسِ، وَيَرَى حِيَازَةَ الدَّابَّةِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ حِيَازَةً إذَا مَلَكَهَا وَرَكِبَهَا وَاغْتَلَّهَا وَأَعْمَلَهَا عَلَى وَجْهِ الْمِلْكِ بِعِلْمِ صَاحِبِهَا، وَنَرَى الْأَمَةَ شِبْهَ ذَلِكَ وَالْعَبْدَ وَالْعُرُوضَ فَوْقَ ذَلِكَ شَيْئًا، إذَا حَازَ ذَلِكَ بِالْمِلْكِ وَأَسْبَابِهِ، وَلَا يُلْتَفَتُ فِي مِثْلِ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ إلَى عَشْرِ سِنِينَ فِيمَا بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ يَعْنِي لَا يَبْلُغُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ الْأَجَانِبِ إلَى عَشْرِ سِنِينَ، كَمَا يُصْنَعُ فِي الْأُصُولِ. قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: وَمَا أَحْدَثَ الْحَائِزُ فِيهِ بَيْعًا أَوْ عِتْقًا أَوْ تَدْبِيرًا أَوْ كِتَابَةً أَوْ صَدَقَةً أَوْ صَدَاقًا أَوْ وَطْئًا فِي الْإِمَاءِ، بِحَضْرَةِ مُدَّعِيهِ وَبِعِلْمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ زَمَانُ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَطْءِ، فَذَلِكَ يُوجِبُهُ لِحَائِزِهِ وَيَقْطَعُ حُجَّةَ مُدَّعِيهِ، قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَدَثٍ أَوْ بِغَيْرِ حَدَثَاتِهِ، إذَا تَرَكَ التَّعْيِينَ وَالْإِنْكَارَ وَالتَّكَلُّمَ عِنْدَ عِلْمِهِ بِهَذَا الْإِحْدَاثِ، وَلَا يُلْتَفَتُ فِي هَذَا إلَى عَشْرِ سِنِينَ وَإِلَى مَا دُونَهَا. تَنْبِيهٌ: وَذَكَرَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي الْبَيَانِ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي مُدَّةِ حِيَازَةِ الْوَارِثِ عَلَى وَارِثِهِ، بَيْنَ الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ وَالثَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حِيَازَةِ الْأَجْنَبِيِّ الْحَيَوَانَ وَالْعُرُوضَ، فَلَوْ حَازَ الْوَرَثَةُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْإِمَاءَ بِالْوَطْءِ وَالْهِبَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يَقْطَعُ حَقَّ الْوَرَثَةِ فِي ذَلِكَ طُولُ

стр. 586

الزَّمَانِ إلَّا أَنْ يَطُولَ جِدًّا، وَلَمْ يَرَ الْأَرْبَعِينَ بِطَوِيلٍ جِدًّا بَيْنَ الْوَرَثَةِ خَاصَّةً عَلَى مَا يَأْتِي فِي حِيَازَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ فِي سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَبَعْضُهُ فِي سَمَاعِ يَحْيَى فَانْظُرْهُ. [فَصَلِّ سُؤَالُ الْحَائِز الْأَجْنَبِيّ بِي عَلَى الْأَجْنَبِيِّ مِنْ أَيْنَ صَارَ إلَيْهِ الْملك] فَصْلٌ فِي سُؤَالِ الْحَائِزِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ مِنْ أَيْنَ صَارَ إلَيْهِ الْمِلْكُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْوُجُوهِ. فَوَجْهٌ لَا يُسْأَلُ الْحَائِزُ عَمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْ أَيْنَ صَارَ إلَيْهِ، وَتَبْطُلُ دَعْوَى الْمُدَّعِي فِيهِ بِكُلِّ حَالٍ فَلَا تُوجِبُ يَمِينًا عَلَى الْحَائِزِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ أَعَارَهُ إيَّاهُ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْأَصْلُ لِلْمُدَّعِي، وَلَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ الْحَائِزُ الَّذِي حَازَهُ فِي وَجْهِهِ الْعَشَرَةَ الْأَعْوَامِ وَنَحْوَهَا، وَلَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ مَا فِي يَدَيْهِ أَنَّهُ مَالُهُ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ. وَوَجْهٌ يُسْأَلُ الْحَائِزُ عَمَّا فِي يَدَيْهِ مِنْ أَيْنَ صَارَ إلَيْهِ، وَيُصَدَّقُ فِي ذَلِكَ مَعَ يَمِينِهِ وَلَا يُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ إذَا ثَبَتَ الْأَصْلُ لِلْمُدَّعِي أَوْ أَقَرَّ بِهِ الْحَائِزُ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ مُدَّةُ الْحِيَازَةِ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُسْأَلَ مِنْ أَيْنَ صَارَ إلَيْهِ؟ وَيُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ. وَوَجْهٌ يُخْتَلَفُ فِيهِ فَقِيلَ: إنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَطْلُوبَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُوقَفَ عَلَى الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُوقَفُ وَلْيُسْأَلْ مِنْ أَيْنَ صَارَ إلَيْهِ، وَهُوَ إذَا أَثْبَتَ الْمَوَارِيثَ وَلَمْ يُثْبِتْ أَنَّهَا لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ إنْ كَانَ الْحَائِزُ وَارِثًا فَقِيلَ: إنَّهُ بِمَنْزِلَةِ وَارِثِهِ الَّذِي وَرِثَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي مُدَّةِ الْحِيَازَةِ، وَفِي أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَا دُونَ أَنْ يَدَّعِيَ الْوَجْهَ الَّذِي تَصِيرُ بِهِ ذَلِكَ إلَى مُوَرِّثِهِ، وَقِيلَ: يَكُونُ الْوَارِثُ فِي الْحِيَازَةِ أَقْصَرَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ، لِأَنَّهُ يَقُولُ وَرِثْت ذَلِكَ وَلَا أَدْرِي بِمَا تَصِيرُ ذَلِكَ إلَى الَّذِي وَرِثْت عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَوْلِ الْمَاجِشُونِ وَهُوَ عِنْدِي أَبْيَنُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ، وَأَمَّا الْمُدَّةُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهَا الْوَارِثُ وَالْمُوَرِّثُ.

стр. 587

فَرْعٌ: وَتُضَافُ مُدَّةُ حِيَازَةِ الْوَارِثِ إلَى مُدَّةِ حِيَازَةِ الْمُوَرِّثِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْوَارِثُ قَدْ حَازَ خَمْسَةَ أَعْوَامٍ وَمُوَرِّثُهُ قَدْ حَازَ خَمْسَةَ أَعْوَامٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ حِيَازَةً عَلَى الْحَاضِرِ. [فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْحِيَازَاتِ وَمَرَاتِبِهَا] وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ لِأَنَّهَا عَلَى مَرَاتِبَ سِتٍّ: الْأُولَى: وَهِيَ أَضْعَفُهَا حِيَازَةُ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ وَالِابْنِ عَلَى أَبِيهِ. الثَّانِيَةُ: حِيَازَةُ الْأَقَارِبِ الشُّرَكَاءِ بِالْمِيرَاثِ أَوْ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ تَلِي الَّتِي قَبْلَهَا. الثَّالِثَةُ: وَهِيَ تَلِي الَّتِي قَبْلَهَا حِيَازَةُ الْقَرَابَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا لَا شَرِكَةَ فِيهِ بَيْنَهُمَا. الرَّابِعَةُ: حِيَازَةُ الْمَوَالِي وَالْأُخْتَانِ. الْخَامِسَةُ: حِيَازَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ لِاشْتِرَاكِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. السَّادِسَةُ: حِيَازَةُ الْأَجْنَبِيَّيْنِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ وَهِيَ أَقْوَاهَا، وَالْحِيَازَةُ تَكُونُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ أَضْعَفُهَا السُّكْنَى وَالِازْدِرَاعُ، وَيَلِيهَا الْهَدْمُ وَالْبُنْيَانُ وَالْغَرْسُ وَالِاسْتِغْلَالُ، وَيَلِيهَا التَّفْوِيتُ بِالْبَيْعِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْوَطْءِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِمَّا لَا يَفْعَلُهُ الرَّجُلُ إلَّا فِي مَالِهِ وَالِاسْتِخْدَامُ فِي الرَّقِيقِ وَالرُّكُوبُ فِي الدَّوَابِّ كَالسُّكْنَى وَالْغَرْسِ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ حِيَازَةُ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ وَالِابْنِ عَلَى أَبِيهِ، فَلَا اخْتِلَافَ فِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالْإِذْرَاعِ، قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَلَا بِاسْتِخْدَامٍ، فَلَوْ بَقِيَ الْعَبْدُ بِيَدِ الِابْنِ زَمَانًا طَوِيلًا، فَلَمَّا مَاتَ الْأَبُ قَالَ: هُوَ لِي بِوَجْهِ كَذَا مِنْ أَبِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يَنْتَفِعُ بِطُولِ الْحِيَازَةِ حَتَّى يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ

стр. 588

عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ بِالتَّفْوِيتِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالْكِتَابَةِ وَالْوَطْءِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَحُوزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ وَالْغَرْسِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَحُوزُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ إنْ ادَّعَاهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ قَامَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - إلَّا أَنْ يَطُولَ الْأَمْرُ جِدًّا إلَى مَا يَهْلَكُ فِيهِ الْبَيِّنَاتُ وَيَنْقَطِعُ الْعِلْمُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَحُوزُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، قَامَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ عَلَى سَائِرِ وَرَثَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ إذَا ادَّعَاهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ، وَمِثْلُ الْأَبِ وَالِابْنِ الْجَدُّ وَابْنُ الِابْنِ. [الْقِسْمُ الثَّانِي حِيَازَةُ الْأَقَارِبِ الشُّرَكَاءِ بِالْمِيرَاثِ أَوْ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ] وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ حِيَازَةُ الْأَقَارِبِ الشُّرَكَاءِ بِالْمِيرَاثِ أَوْ بِغَيْرِ الْمِيرَاثِ فَلَا اخْتِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ بِالسُّكْنَى وَالْإِذْرَاعِ وَإِنْ طَالَتْ السُّنُونَ، قَالَ مُطَرِّفٌ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْخَمْسِينَ سَنَةً وَنَحْوَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَغْتَلُّ الثِّمَارَ فَهُوَ كَالسُّكْنَى، وَأَبْنَاؤُهُمْ وَأَبْنَاءُ أَبْنَائِهِمْ بِمَنْزِلَتِهِمْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيمَا عَمَّرَ الْأَبُ وَالْجَدُّ إلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ جِدًّا، وَلَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَقُولَ وَرِثْت عَنْ أَبِي، وَأَبِي عَنْ جَدِّي، لَا أَدْرِي كَيْفَ كَانَ هَذَا الْحَقُّ فِي أَيْدِيهِمْ؟ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ عَلَى شَرْطِ الْأَصْلِ أَوْ عَطِيَّةٍ، وَكَذَلِكَ الصِّهْرُ وَالْوَلِيُّ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِمْ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهَا تَكُونُ حِيَازَةً بِالتَّفْوِيتِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ وَالْوَطْءِ وَإِنْ لَمْ تَطُلْ الْمُدَّةُ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي حِيَازَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ، فَقَالَ مَرَّةً: إنَّ الْعَشْرَ سِنِينَ حِيَازَةٌ. وَقَالَ مَرَّةً: إنَّهَا لَا تَكُونُ حِيَازَةً إلَّا أَنْ يَطُولَ الْأَمْرُ، كَحِيَازَةِ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَمَا حَازَهُ بِالْكِرَاءِ كَالرَّجُلِ يُكْرِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَيَقْبِضُهُ بِحَضْرَةِ إخْوَتِهِ وَعِلْمِهِمْ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْأَجَانِبِ.

стр. 589

[الْقِسْمُ الثَّالِثُ حِيَازَةُ الْقَرَابَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ] وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ حِيَازَةُ الْقَرَابَةِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ، فَمَرَّةً جَعَلَهُمْ ابْنُ الْقَاسِمِ كَالْقَرَابَةِ فِي الْإِشْرَاكِ، وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ بِأَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ، إلَى أَنَّهُ لَا حِيَازَةَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا مَعَ الطُّولِ الْكَثِيرِ، وَمَرَّةً رَآهُمْ بِخِلَافِ الْإِشْرَاكِ، فَجَعَلَ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ، فَيَتَحَصَّلُ فِيهِمَا جَمِيعًا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَشَرَةَ الْأَعْوَامِ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ حِيَازَةٌ فِيهِمَا جَمِيعًا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحِيَازَةٍ فِيهِمَا إلَّا مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ. الثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَتَكُونُ حِيَازَةً فِي غَيْرِ الشُّرَكَاءِ. [الْقِسْمُ الرَّابِعُ حِيَازَة الْمَوَالِي وَالْأَخْتَانِ وَالْأَصْهَارِ فِيمَا لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ] وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ حِيَازَةُ الْمَوَالِي وَالْأَخْتَانِ وَالْأَصْهَارِ فِيمَا لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ، فَمَرَّةً جَعَلَهُمْ ابْنُ الْقَاسِمِ كالأَجْنَبِيِّينَ. الْعَشَرَةُ الْأَعْوَامِ بَيْنَهُمْ حِيَازَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بِنَاءٌ وَمَرَّةً جَعَلَهُمْ كَالْقَرَابَةِ الَّذِينَ لَا شِرْكَ بَيْنَهُمْ فَيَتَحَصَّلُ فِيهِمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بِنَاءٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَشَرَةِ، إلَّا مَعَ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ إلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ جِدًّا، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِلَيْهِ رَجَعَ. وَقَالَ أَصْبَغُ: هُمْ كَالْأَجَانِبِ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُخَالِطًا جِدًّا أَوْ وَكِيلًا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي حَالٍ، فَمَنْ عَلِمَ الْمُسَامَحَةَ وَأَشْكَلَ

стр. 590

أَمْرُهُ فَهُوَ حَقُّهُ وَإِنْ طَالَتْ السُّنُونَ، وَمَنْ عُلِمَ مِنْهُ الْمُشَاحَةُ فَيَكُونُ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَطَّارِ فَقَالَ: وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا فِي الْأَقَارِبِ إنَّ ذَلِكَ فِي الْبُلْدَانِ الَّتِي يُعْرَفُ مِنْ أَهْلِهَا أَنَّهُمْ يُسْرِعُونَ بِهَا لِأَقَارِبِهِمْ وَأَصْهَارِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ، وَإِنْ كَانُوا بِمَوْضِعٍ لَا يُعْرَفُ هَذَا فِيهِ، انْقَطَعَتْ الْحُجَّةُ بِاعْتِمَادٍ دُونَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَكَانُوا كالْأَجْنَبِيِّينَ. وَذَكَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْضَحَ مِنْ هَذَا، وَقَالَ: إنَّمَا الِاخْتِلَافُ الْمَذْكُورُ إذَا جُهِلَ حَالُهُمْ عَلَى مَاذَا يُحْمَلُ أَمْرُهُمْ، فَمَرَّةً حَمَلَهُمْ مَحْمَلَ الْقَرَابَةِ وَمَرَّةً حَمَلَهُمْ مَحْمَلَ الْأَجْنَبِيِّينَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ، وَهُمْ فِي الْبَيْعِ وَمَا ذَكَرَ مَعَهُ كَالْأَجَانِبِ. [الْقِسْمُ الْخَامِسُ حِيَازَةُ الْأَجْنَبِيِّينَ الْإِشْرَاكَ] وَهُوَ حِيَازَةُ الْأَجْنَبِيِّينَ الْإِشْرَاكَ فَلَا حِيَازَةَ بَيْنَهُمْ فِي الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ إذَا لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بِنَاءٌ وَتَكُونُ مَعَ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ، وَلَا يَدْخُلُ اخْتِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ. [الْقِسْمُ السَّادِسُ حِيَازَةُ الْأَجَانِبِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ] وَأَمَّا الْقِسْمُ السَّادِسُ: وَهُوَ حِيَازَةُ الْأَجَانِبِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِيمَا لَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمْ فِيهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ الْكَلَامُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْحِيَازَةَ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِي الْعَشَرَةِ الْأَعْوَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَدْمٌ وَلَا بُنْيَانٌ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا لَا تَكُونُ حِيَازَةً إلَّا مَعَ الْهَدْمِ وَالْبُنْيَانِ. تَنْبِيهٌ: ذِكْرُهُمْ الْهَدْمَ وَالْبُنْيَانَ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ بِنَاءَ تَرْمِيمٍ وَإِصْلَاحٍ أَوْ بِنَاءَ تَوَسُّعٍ، وَكَذَلِكَ الْهَدْمُ ظَاهِرُهُ سَوَاءٌ كَانَ هَدْمَ مَا يُخْشَى سُقُوطُهُ أَوْ هَدْمَ مَا لَا يُخْشَى سُقُوطُهُ، لَيُوَسِّعَ وَيَبْنِيَ مَسْكَنًا أَوْ مَسَاكِنَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاَلَّذِي يَنْفَعُ فِي الْحِيَازَةِ هُوَ الْهَدْمُ وَالْبِنَاءُ وَالتَّوَسُّعُ وَإِزَالَةُ مَا لَا يُخْشَى سُقُوطُهُ، لِأَنَّ عُرْفَ النَّاسِ وَعَادَتَهُمْ أَنَّهُمْ يَأْذَنُونَ لِلسَّاكِنِ فِي الرَّمِّ وَإِصْلَاحِ مَائِهَا مِنْ الْكِرَاءِ، وَلَا يَأْذَنُونَ فِي زِيَادَةِ مَسْكَنٍ مِنْ اللَّخْمِيِّ. [فَصَلِّ مُجَرَّدَ الْحِيَازَةِ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمَحُوزِ عَنْهُ إلَى الْحَائِزِ] فَصْلٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْحِيَازَةِ لَا تَنْقُلُ الْمِلْكَ عَنْ الْمَحُوزِ عَنْهُ إلَى الْحَائِزِ، وَلَكِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ كَإِرْخَاءِ السِّتْرِ

стр. 591

وَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْحَائِزِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا حَازَهُ بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ وَادَّعَاهُ مِلْكًا لِنَفْسِهِ، بِابْتِيَاعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، وَصَاحِبُهُ حَاضِرٌ عَالِمٌ سَاكِتٌ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. [فَصْلٌ لِلْمُدَّعِي إثْبَاتِ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ إنْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ وَرِثَ ذَلِكَ] فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ لِلْمُدَّعِي عَلَى الْحَائِزِ مِنْ إثْبَاتِ مَوْتِ مُوَرِّثِهِ إنْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ وَرِثَ ذَلِكَ، وَمِلْكَ مُوَرِّثِهِ لَهُ وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ مِلْكِهِ لَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ الْحَائِزَ عَنْ شَيْءٍ، وَهَذَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ فِي فَصْلِ التَّوْقِيفِ فَانْظُرْهُ. [فَصْلٌ فِي صِفَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْحِيَازَةِ] ِ وَفِي فِقْهِ وَثَائِقِ ابْنِ الْعَطَّارِ، إذَا قَامَ رَجُلٌ فِي دَارٍ وَأَمْلَاكٍ يَدَّعِيهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لِمُوَرِّثِهِ وَأَثْبَتَ الْمِلْكَ لَهَا، وَكَانَتْ فِي يَدِ مُعْتَرِضٍ لَهَا، فَإِنْ تَوَافَقَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ عَلَى حُدُودِهَا، وَجَبَ الْإِعْزَازُ إلَى الْمُعْتَرِضِ فِي الشُّهُودِ وَالْقَضَاءِ عَلَيْهِ إنْ عَجَزَ، وَالتَّسْجِيلِ دُونَ حِيَازَةِ الشُّهُودِ لَهَا. وَإِنْ سَأَلَ الطَّالِبُ مِنْ الْقَاضِي الْإِنْزَالَ فِيهَا، أَوْ وَقَعَ تَخَالُفٌ فِي بَعْضِ حُدُودِهَا حَازَهَا الشُّهُودُ الْمَقْبُولُونَ، وَلَا يُكَلِّفُ الْقَاضِي شُهُودَ الْحِيَازَةِ أَنْ يَحُوزُوا مَا شَهِدُوا بِهِ مِنْ الرِّبَاعِ وَلَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ قَرِيبًا، لَكِنْ يَأْمُرُ الْمَشْهُودَ لَهُ بِالرَّغْبَةِ إلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَعِينِ الْحُكَّامِ، وَإِذَا تَوَجَّهَ شُهُودُ الْحِيَازَةِ لِيَحُوزُوا الْمِلْكَ، بَعَثَ الْقَاضِي مَعَهُمْ شَاهِدَيْ عَدْلٍ يَحْضُرَانِ حِيَازَةَ الشُّهُودِ. وَفِي الطُّرُرِ: وَإِنَّمَا اُحْتِيجَ إلَى مُوَجِّهِي الْقَاضِي فِي الْحِيَازَةِ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ شُهُودُ الْحَقِّ، وَيُعْزَلُ الْقَاضِي أَوْ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ الْمُوَجِّهَانِ عَلَى الْحِيَازَةِ فَيَتِمُّ الْقَوْلُ بِهِمَا، وَلَا تَعْمَلُ الْحِيَازَةُ شَيْئًا حَتَّى يَقُولَ الشَّاهِدَانِ بِحَضْرَةِ الْحَائِزَيْنِ، هَذَا الَّذِي شَهِدْنَا فِيهِ عِنْدَ فُلَانٍ قَاضِي الْجَمَاعَةِ، وَإِنْ وَقَفَا إلَى الْعَقَارِ وَعَيَّنَاهُ وَلَمْ يَقُولَا هَذَا كَانَ جَهْلًا مِنْهُمَا وَمِنْ الْحَاضِرِينَ لِحِيَازَتِهِمَا، أَوْ لَمْ تَعْمَلْ الْحِيَازَةُ وَالشَّهَادَةُ شَيْئًا حَتَّى يُوقَفَا عَلَى هَذَا وَيَقُولَا بِهِ وَتَسْتَبِينَ بِهِ الشَّهَادَةُ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَلَا يَحْضُرُ حِيَازَةَ الشَّهِيدَيْنِ فِي الْمِلْكِ الَّذِي شَهِدَا فِيهِ شَاهِدَانِ يَعْرِفَانِ عَيْنَ ذَلِكَ الْمِلْكِ وَحُدُودَهُ، أَوْ يَكُونُ الْمِلْكُ الْمَشْهُودُ بِهِ لَهُ حُدُودٌ مَشْهُورَةٌ لَا تَخْفَى مَعْرِفَتُهَا، مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ فِي الْقِبْلَةِ مِنْهُ أَوْ

стр. 592

نَاحِيَةٍ غَيْرِهَا فُرْنٌ، أَوْ حَمَّامٌ أَوْ دَرْبٌ وَحَوَانِيتُ، أَوْ رَحْبَةٌ يُشْرَعُ بَابُهُ إلَيْهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، مِنْ الْأَعْلَامِ الْمُثَبِّتَةِ الَّتِي يَعْلَمُ الشَّاهِدَانِ الْحِيَازَةَ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا، أَنَّهَا الْحُدُودُ الَّتِي قَالَ الشَّاهِدَانِ فِي الْمِلْكِ عِنْدَ الْقَاضِي الْمَحْدُودِ بِهِ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْحَاضِرَيْنِ لِلْحِيَازَةِ لَا تَتِمُّ حَتَّى يَقُولَا: إنَّ شَهِيدَيَّ حَازَا بِمَحْضَرِهِمَا هَذَا الْمِلْكَ وَعَيَّنَا هَذِهِ الْحُدُودَ. فَإِذَا لَمْ يَعْرِفَا الْمِلْكَ وَلَا عَيَّنَا الْحُدُودَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَحْضَرِهِمَا لِلْحِيَازَةِ، لِأَنَّهُ إذَا قَالَ الشَّهِيدَانِ فِي ذَلِكَ، هَذَا الْمِلْكُ الَّذِي شَهِدْنَا فِيهِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَالْحَاضِرُ أَنَّ لِلْحِيَازَةِ لَا يَعْرِفَانِهِ فَهُوَ كَشَهَادَتِهِمَا أَوَّلًا عِنْدَ الْقَاضِي، وَتَكُونُ شَهَادَةُ الْحَاضِرَيْنِ لِلْحِيَازَةِ زُورًا، لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ أَنَّ الشَّهِيدَيْنِ فِي أَصْلِ الْمِلْكِ حَازَا الدَّارَ، وَالْمِلْكُ الَّذِي شَهِدَا فِيهِ عِنْدَ الْقَاضِي لَا يَعْرِفَانِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمِلْكُ أَمْ لَا، وَلَوْ قَالَا: إنَّ الشَّهِيدَيْنِ فِي الْمِلْكِ عَيَّنَا بِحَضْرَتِهِمَا دَارًا، قَالَا: إنَّهَا الَّتِي شَهِدْنَا فِيهَا عِنْدَ الْقَاضِي، لَمْ تَعْمَلْ شَهَادَتُهُمَا فِي الْحِيَازَةِ شَيْئًا حَتَّى يَقْطَعَا أَنَّهُمَا حَازَا بِحَضْرَتِهِمَا الشَّيْءَ الَّذِي شُهِدَ فِيهِ لِمَعْرِفَتِهِمَا لِعَيْنِ الشَّيْءِ الْمَحُوزِ، وَإِنْ كَانَا لَا يَعْرِفَانِ مِلْكَ الْمَشْهُودِ لَهُ أَوْ بِوُقُوفِهِمَا عَلَى صِحَّةِ حُدُودِهِ وَبِاشْتِهَارِ أَعْلَامِهِ، قَالَ وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ الْفِقْهِ وَقَلَّ مَنْ يَعْرِفُهُ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرُرِ: الْمُوَجَّهُ مِنْ قِبَلِ الْقَاضِي لِلْحِيَازَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُوَجَّهِ مِنْ قِبَلِهِ لِلْأَعْذَارِ يَجْزِي فِيهِ وَاحِدٌ عَدْلٌ. تَنْبِيهٌ: الْغَائِبُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ الْعِلْمِ حَتَّى يَثْبُتَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، وَالْحَاضِرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعِلْمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ. يَعْلَمْ قَالَهُ ابْنُ رُشْدٍ. [فَصْلٌ قُضِيَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ بِالدَّارِ أَوْ غَيْرِهَا] فَصْلٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: وَإِذَا قُضِيَ لِلرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ بِالدَّارِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْأَشْيَاءِ، فَلَمْ يُخْرِجْهُ الْمَقْضِيُّ مِنْ يَدِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ حَتَّى تَقَادَمَ زَمَانُهُ، وَحَازَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ قُضِيَ لَهُ بِهِ، فَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْمَقْضِيِّ لَهُ، وَنَحْوُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَيَانِ. [فَصْلٌ إذَا عُرِفَ أَصْلُ دُخُولِ الْحَائِزِ فِي الْمِلْكِ] ِ مِثْلَ: أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ بِكِرَاءٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ غَصْبٍ أَوْ إعْمَارٍ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْتَفَعُ بِحِيَازَتِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ مِنْ شِرَاءٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ

стр. 593

يَطُولَ زَمَانُ ذَلِكَ جِدًّا كَالْخَمْسِينَ سَنَةً وَنَحْوِهَا، وَيَكُونُ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ قَدْ أَحْدَثَ بِنَاءً وَغَرْسًا بِحَضْرَةِ الطَّالِبِ وَهُوَ سَاكِتٌ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَذَلِكَ قَطْعٌ لِحُجَّتِهِ. [فَصْلٌ حُكْمُ تَفْوِيتِ الْأَجْنَبِيِّ مِلْكَ الْأَجْنَبِيِّ] فَصْلٌ: وَحُكْمُ تَفْوِيتِ الْأَجْنَبِيِّ مِلْكَ الْأَجْنَبِيِّ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ، وَتَفْوِيتِ الْقَرَابَةِ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ أَوْ الْوَطْءِ أَوْ الْعِتْقِ يَفْتَرِقُ الْجَوَابُ فِيهِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ أَنْ يَفُوتَ الْكُلُّ أَوْ الْأَكْثَرُ أَوْ الْأَقَلُّ أَوْ النِّصْفُ، فَانْظُرْ ذَلِكَ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لِابْنِ رُشْدٍ مُسْتَوْفًى. [الْبَابُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ] وَيَجِبُ رَدُّ اللُّقَطَةِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ نَكَلَ بِصِفَتِهَا مِنْ نَحْوِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا وَهُمَا الْمَشْهُودُ فِيهِ وَبِهِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وِعَاءٌ وَلَا خَيْطٌ فَالْمُعْتَبَرُ صِفَتُهَا الْخَاصَّةُ بِهَا. فَرْعٌ: وَفِي اعْتِبَارِ الدَّنَانِيرِ وَسِكَّتِهَا وَوَزْنِ الدَّرَاهِمِ وَسِكَّتِهَا قَوْلَانِ: الِاعْتِبَارُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَنَفْيُهُ لِأَصْبَغَ. فَرْعٌ: وَفِي إلْزَامِهِ الْيَمِينَ مَعَ الصِّفَةِ قَوْلَانِ: أَلْزَمَهُ أَشْهَبُ دُونَ غَيْرِهِ، وَتَرْكُ الْإِلْزَامِ هُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَرِدْ فِي الْحَدِيثِ، وَاسْتَحْسَنَ اللَّخْمِيُّ أَنْ يَحْلِفَ، فَإِنْ نَكَلَ دُفِعَتْ إلَيْهِ. وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَلَا شَيْءَ لَهُ. مَسْأَلَةٌ: وَيَجْتَزِي بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْمُغَلِّبَةِ عَلَى الظَّنِّ صِدْقَ صَاحِبِهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَوْ أَصَابَ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الصِّفَةِ وَأَخْطَأَ الْعُشْرَ لَمْ يُعْطَهَا إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ أَنْ يَذْكُرَ عَدَدًا فَيُوجَدَ أَقَلَّ مِنْهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يُنْفِقُ مَا نَقَصَ وَيَنْسَى، وَأَمَّا الصِّفَاتُ فَلَا يَنْسَاهَا. فَرْعٌ: وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ عَرَّفَ مِنْهَا وَصْفَيْنِ وَلَمْ يُعَرِّفْ الثَّالِثَ دُفِعَتْ إلَيْهِ وَهَذَا أَصَحُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ الِاكْتِفَاءُ بِوَصْفَيْنِ.

стр. 594

فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: إذَا عَرَّفَ وَصْفَيْنِ أَوْ عَرَّفَ الْوِكَاءَ وَلَمْ يُعَرِّفْ مَا سِوَاهُ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَيَأْخُذُهَا، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ إلَى أَنْ يَحْلِفَ، فَأَجَازَ أَشْهَبُ أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ بِوَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إذَا عَرَّفَ الْوِكَاءَ. فَرْعٌ: وَلَوْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ فَلْيَسْتَأْنِ بِهَا فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ وَإِلَّا دُفِعَتْ إلَيْهِ. فَرْعٌ: وَإِنْ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَاتَّفَقَتْ صِفَتُهُمَا اقْتَسَمَاهَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، فَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا كَانَتْ لِمَنْ حَلَفَ، قَالَ أَشْهَبُ: فَإِنْ نَكَلَا لَمْ تُدْفَعْ لَهُمَا، وَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا صِفَةً قُضِيَ لَهُ بِهَا مِثْلَ أَنْ يَصِفَا الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَيَزِيدَ أَحَدُهُمَا الْعَدَدَ أَوْ السِّكَّةَ. فَرْعٌ: وَاخْتُلِفَ إذَا أَخْلَفَتْ صِفَتَاهُمَا، فَوَصَفَ أَحَدُهُمَا الْبَاطِنَ الْعَدَدَ وَالسِّكَّةَ، وَالْآخَرُ الظَّاهِرَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، فَقِيلَ: مَنْ وَصَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ أَحَقُّ لِلْحَدِيثِ. وَقَالَهُ أَشْهَبُ، قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ، وَقِيلَ: يَقْتَسِمَانِهَا، وَقَالَهُ أَصْبَغُ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ وَهُوَ أَبْيَنُ. فَرْعٌ: وَإِنْ أَخَذَهَا رَجُلٌ بِالصِّفَةِ ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَبِينَ بِهَا وَيَظْهَرَ أَمْرُهَا، قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: إذَا جَاءَ آخَرُ فَعَرَّفَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، كَذَلِكَ ذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: وَذَكَرَ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ أَشْهَبَ: أَنَّهُ إذَا أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً لَهُ أَخَذَهَا مِنْ الَّذِي قَبَضَهَا، إلَّا أَنْ يُقِيمَ هُوَ أَيْضًا بَيِّنَةً، وَتَتَكَافَأَ الْبَيِّنَتَانِ وَلَمْ تُؤَرَّخْ فَتَبْقَى لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ أُرِّخَتْ الْبَيِّنَتَانِ لَقُضِيَ بِأَوَّلِهِمَا تَارِيخًا. فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إذَا جَاءَ رَجُلٌ فَوَصَفَ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً فَقَالَ: دَفَعْتهَا لِمَنْ وَصَفَهَا وَلَا أَعْرِفُهُ وَلَا أَشْهَدُ عَلَيْهِ ضَمِنَهَا، لِأَنَّهُ فَرَّطَ إذْ دَفَعَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ يُرِيدُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ دَفْعُهَا إلَّا مِنْ قَوْلِهِ، وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهَا دُفِعَتْ بِصِفَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَا أَعْرِفُ الْآنَ مَنْ هُوَ. فَرْعٌ: قَالَ سَحْنُونٌ: إذَا وَصَفَ سِكَّةَ الدَّنَانِيرِ لَمْ تُعْطَ لَهُ بِذَلِكَ حَتَّى يَذْكُرَ عَلَامَةً. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ يَأْخُذُهَا بِذَلِكَ يُرِيدُ إذَا كَانَتْ دَنَانِيرَ الْبَلَدِ سِكَكًا، فَإِنْ كَانَتْ سِكَّةً وَاحِدَةً لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهِ قَوْلًا وَاحِدًا

стр. 595

[الْبَابُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْقُرْعَةِ] قَالَ الْقَرَافِيُّ ﵀ فِي الْفَرْقِ الْأَرْبَعِينَ وَالْمِائَتَيْنِ: اعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى تَعَيَّنَتْ الْمَصْلَحَةُ أَوْ أَلْحَقَ فِي جِهَةٍ فَلَا يَجُوزُ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، لِأَنَّ فِي الْقُرْعَةِ ضَيَاعَ ذَلِكَ الْحَقِّ الْمُعَيَّنِ وَالْمَصْلَحَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ، وَمَتَى تَسَاوَتْ الْحُقُوقُ وَالْمَصَالِحُ، فَهَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْقُرْعَةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ دَفْعًا لِلضَّغَائِنِ وَالْأَحْقَادِ وَالرِّضَا بِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْدَارُ، انْتَهَى. وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي مَوَاضِعَ. أَحَدُهَا: بَيْنَ الْخُلَفَاءِ إذَا اسْتَوَتْ فِيهِمْ الْأَهْلِيَّةُ لِلْوِلَايَةِ. ثَانِيهَا: بَيْنَ الْأَئِمَّةِ لِلصَّلَاةِ إذَا اسْتَوَوْا. ثَالِثُهَا: بَيْنَ الْمُؤَذِّنِينَ فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ. رَابِعُهَا: لِلتَّقَدُّمِ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ عِنْدَ الزِّحَامِ. خَامِسُهَا: فِي تَغْسِيلِ الْأَمْوَاتِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الْأَوْلِيَاءِ وَتُسَاوِيهِمْ فِي الطَّبَقَاتِ. سَادِسُهَا: فِي الْحَضَانَةِ، فَفِي التَّوْضِيحِ وَتَدْخُلُ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ عِنْدَ إثْغَارِ الذَّكَرِ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَابْنِ رَاشِدٍ وَغَيْرِهِمَا أَنْظُرْهُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ. وَحَضَانَةُ الذَّكَرِ حَتَّى يَحْتَلِمَ. سَابِعُهَا: عِنْدَ الزَّوْجَاتِ عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ. ثَامِنُهَا: فِي بَابِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي الْأُصُولِ وَالْحَيَوَانِ، وَالْعُرُوضِ وَالنُّقُودِ وَالْمَصَاغِ إذَا اسْتَوَى فِيهِ الْوَزْنُ وَالْقِيمَةُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلَافٌ مَحِلُّهُ كُتُبُ الْفِقْهِ. تَاسِعُهَا: بَيْنَ الْخُصُومِ فِي التَّقَدُّمِ إلَى الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ. عَاشِرُهَا: بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِيمَنْ تَكُونُ مُحَاكَمَتُهُمَا عِنْدَهُ.

стр. 596

حَادِيَ عَشْرَتِهَا: فِي عِتْقِ الْعَبِيدِ إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ أَوْ بِثُلُثِهِمْ فِي الْمَرَضِ ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ عَتَقَ مَبْلَغُ الثُّلُثِ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ. ثَانِيَ عَشَرَتِهَا: إذَا زَحَمَ اثْنَانِ عَلَى اللَّقِيطِ فَالسَّابِقُ أَوْلَى وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ. ثَالِثَ عَشَرَتِهَا: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَقُلْنَا: إنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالْيَمِينِ فِيهِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَالْمَشْهُورُ تَقَدُّمُهُ الْبَائِعَ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَانِ يَخْتَلِفَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ فَيَتَحَالَفَانِ. رَابِعَ عَشْرَتَهَا: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَنَّ كِتَابَةَ الْوَثَائِقِ وَالْمَكَاتِيبِ فَرْضٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ سِوَاهُ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَانَتْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَإِنْ طَاعَ أَحَدُهُمْ سَقَطَتْ عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِنْ امْتَنَعَ جَمِيعُهُمْ اقْتَرَعُوا فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ كَتَبَ. خَامِسَ عَشْرَتِهَا: فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ فِيمَا يُبْدَأُ بِهِ مِنْ الْوَصَايَا إذَا اجْتَمَعَ عِتْقُ الظِّهَارِ وَعِتْقُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَضَاقَ الثُّلُثُ، فَأَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِتْقُ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَيَصِحُّ لِإِحْدَاهُمَا. سَادِسَ عَشْرَتِهَا: إذَا انْكَسَرَتْ يَمِينٌ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا عَلَى أَكْثَرِهِمْ نَصِيبًا مِنْ الْأَيْمَانِ، وَقِيلَ: أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا مِنْ الْكَسْرِ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ عَلَيْهَا. سَابِعَ عَشْرَتِهَا: إذَا تَقَارَبَتْ الْأَنَادِرُ وَأَرَادُوا الذَّرْوَ فَكَانَ يَخْتَلِطُ تِبْنُهُمْ إذَا ذَرُّوا جَمِيعًا فَيُقَالُ لَهُمْ: اقْتَرِعُوا عَلَى الذَّرْوِ، فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُجْبَرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى قَلْعِ أَنْدَرِهِ، وَيُقَالُ لِمَنْ أَذْرَى عَلَى صَاحِبِهِ أَتَلِفَتْ تِبْنُك لَا شَيْءَ لَك مِنْ الطُّرَرِ. ثَامِنَ عَشْرَتِهَا: إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ فِي لَيْلَةٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ يَخْتَارُ.

стр. 597

تَاسِعَ عَشْرَتِهَا: يُقْرَعُ الْحَاكِمُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إذَا تَنَازَعَا فِيمَنْ هُوَ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا، وَأَشْكَلَ عَلَى الْحَاكِمِ مَعْرِفَةُ الْمُدَّعِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ الْمُوفِي. الْعِشْرُونَ: تُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ، فَإِذَا اعْتَدَلَتْ ضُرِبَ عَلَيْهَا بِالْقُرْعَةِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُمُسُ أُفْرِدَ، ثُمَّ جُمِعَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ فَبِيعَتْ وَقُسِمَ ثَمَنُهَا أَوْ قُسِمَتْ الْغَنِيمَةُ بِأَعْيَانِهَا مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ. الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ: إذَا اجْتَمَعَتْ الْجَنَائِزُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَاسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الْفَضْلِ وَتَشَاحُّوا فِي التَّقَدُّمِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ: إذَا اجْتَمَعَ الْخُصُومُ عِنْدَ الْقَاضِي وَفِيهِمْ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ، وَخَافَ الْمُسَافِرُونَ فَوَاتَ الرُّفْقَةِ، قُدِّمُوا إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا كَثْرَةً يَلْحَقُ الْمُقِيمِينَ مِنْهَا الضَّرَرُ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ. [الْبَابُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْقَافَةِ] قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْأَصْلُ فِي الْقَوْلِ بِالْقَافَةِ حَدِيثُ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ فِي إثْبَاتِ نَسَبِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَتَشْبِيهُهُ الْأَقْدَامَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي اللَّوْنِ، فَإِنَّ زَيْدًا كَانَ أَبْيَضَ وَأُسَامَةَ كَانَ أَسْوَدَ، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَكَمَ بِقَوْلِ الْقَافَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ هَلْ يُجْتَزَى فِي ذَلِكَ بِقَائِفٍ وَاحِدٍ كَالْإِخْبَارِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ قَائِفَيْنِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَهُ ابْنُ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ كَالشَّهَادَةِ. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَالْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يُحْكَمَ بِقَوْلِ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، وَرِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَشْتَرِطُ الْعَدَالَةَ فِي الْوَاحِدِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الِاجْتِزَاءَ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعَدَالَةَ.

стр. 598

فَرْعٌ: اُخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ بِهَا هَلْ يَكُونُ لِوَاحِدٍ أَوْ لِاثْنَيْنِ؟ نَقَلَ الصُّرَدِيُّ فِي كِتَابِهِ نِهَايَةِ الرَّائِضِ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ، قَالَ مَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَكُونُ لِلرَّجُلِ أَبَوَانِ فَمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ كَانَ بِسَبِيلِهِ، وَكَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَغُرِّمَ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ انْتَهَى فَإِنْ أَشْرَكَهُمَا الْقَافَةُ فِيهِ كَانَ ابْنًا لَهُمَا جَمِيعًا فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، وَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَجَمِيعِ مَئُونَتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ وَالَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَيَكُونُ ابْنًا لَهُ خَاصَّةً، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ فِي الْإِشْرَاكِ، وَيُدْعَى غَيْرُهُ حَتَّى يُلْحِقَهُ شَبَهًا. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ مَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ فِي الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِائَتَيْنِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا مَوْلُودًا فَاخْتَصَمَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَاسْتَدْعَى لَهُمَا الْقَافَةَ فَأَلْحَقُوهُ بِهِمَا فَعَلَاهُمَا بِالدِّرَّةِ، وَاسْتَدْعَى عَجَائِزَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقُلْنَ: خُلِقَ مِنْ مَاءِ الْأَوَّلِ وَحَاضَتْ عَلَى الْحَمْلِ فَاسْتَحْشَفَ الْحَمْلُ، فَلَمَّا وَطِئَهَا الثَّانِي انْتَعَشَ بِمَائِهِ فَأَخَذَ شَبَهًا بِهِمَا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ. [مَسْأَلَةٌ وَلَا تَعْتَمِدُ الْقَافَةُ إلَّا عَلَى أَبٍ مَوْجُودٍ بِالْحَيَاةِ] ِ قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ مَاتَ وَلَمْ يُدْفَنْ، قِيلَ: وَيَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصَبَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ إلَّا فِي أَوْلَادِ الْإِمَاءِ إلَّا وَطْءَ السَّيِّدَيْنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ دُونَ أَوْلَادِ الْحَرَائِرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ فِي أَوْلَادِ الْحَرَائِرِ قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ أَقْيَسُ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ. قَالَ: إنَّمَا خَصَّتْ الْقَافَةُ الْإِمَاءَ، لِأَنَّ الْأَمَةَ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَيَطَئُونَهَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَقَدْ تُسَاوَوْا فِي الْمِلْكِ وَالْوَطْءِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَقْوَى مِنْ الْآخَرِ فَالْفِرَاشَانِ مُسْتَوِيَانِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إذَا ابْتَاعَهَا رَجُلٌ وَقَدْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ وَوَطِئَهَا الْمُبْتَاعُ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْمِلْكِ، وَأَمَّا الْحُرَّةُ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ زَوْجًا لِرَجُلَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَصِحُّ فِيهَا فِرَاشَانِ مُسْتَوِيَانِ، وَأَيْضًا فَوَلَدُ الْحُرَّةِ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللِّعَانِ، وَوَلَدُ الْأَمَةِ يَنْتَفِي بِغَيْرِ لِعَانٍ، وَالنَّفْيُ بِالْقَافَةِ إنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ، فَلَا يُنْقَلُ وَلَدُ الْحُرَّةِ مِنْ الْيَقِينِ بِالِاجْتِهَادِ وَلَمَّا جَازَ نَفْيُ وَلَدِ الْأَمَةِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى جَازَ نَفْيُهُ بِالْقَافَةِ.

стр. 599

مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا وَقَعَ رَجُلَانِ حُرَّانِ أَوْ حُرٌّ وَعَبْدٌ مُسْلِمَانِ أَوْ كَافِرَانِ، أَوْ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ عَلَى أَمَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَطْءِ الثَّانِي، وَادَّعَيَاهُ جَمِيعًا دُعِيَ لِلْوَلَدِ الْقَافَةُ، فَمَنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ كَانَ ابْنًا لَهُ وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ السَّيِّدَيْنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: فَجَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، قَالَ صَاحِبُ الْإِمْلَاءِ عَلَى الْجَلَّابِ الْمُقَيَّدُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَزْنَاسِيِّ: إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالْوَلَدُ لِلْأَوَّلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ إذَا أَتَتْ بِهِ لِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ أَنَّهُ لِلثَّانِي إذْ لَا يَشْتَرِكُ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي إلَّا مِنْ سِتَّةٍ إلَى تِسْعَةٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ لِلثَّانِي، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا حَمَلَتْ تَضَعُ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ نَادِرٌ، وَذَلِكَ لَا حُكْمَ لَهُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلثَّانِي. فَرْعٌ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَصِحُّ إلْحَاقُهُ بِهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ فَيُوَالِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، لَوْ قَالَ الْوَلَدُ لَا أُوَالِي أَحَدًا مِنْهُمَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنًا لَهُمَا جَمِيعًا يَرِثَانِهِ بِنِصْفِ أُبُوَّةٍ، وَيَرِثُهُمَا بِنِصْفِ بُنُوَّةٍ. وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ لَا يُوَالِيَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَلَا يَزُولُ النَّسَبُ بِشَهْوَةِ الْوَلَدِ، وَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَةٍ. مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئَانِ حُرَّيْنِ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالْآخَرُ نَصْرَانِيٌّ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِالْمُسْلِمِ لَحِقَ بِهِ وَكَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَغُرِّمَ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِلْكَافِرِ فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالْكَافِرِ لَحِقَهُ وَكَانَ عَلَى دِينِهِ وَنُسِبَ إلَيْهِ وَكَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَغُرِّمَ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِلْمُسْلِمِ، فَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً أُقِرَّتْ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً عَتَقَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا جَمِيعًا كَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، وَعَتَقَتْ السَّاعَةَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَالْوَلَدُ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُوَالِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ وَالَى الْمُسْلِمَ فَهُوَ وَلَدُهُ عَلَى دِينِهِ، وَإِنْ وَالَى الْكَافِرَ كَانَ وَلَدَهُ وَيُحْكَمُ بِالْإِسْلَامِ لِلشَّكِّ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ. مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ ادَّعَاهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ.

стр. 600

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لَوْ لَمْ تُوجَدْ الْقَافَةُ فَإِنَّهُ يُوقَفُ إلَى أَنْ يَكْبَرَ فَيُوَالِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَنَفَقَتُهُ مُدَّةَ التَّوْقِيفِ عَلَيْهِمَا، فَإِذَا وَالَى أَحَدَهُمَا رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِمَا أَنْفَقَ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْعُهْدَةِ. [الْبَابُ السَّبْعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمَارَاتِ] وَحُكْمُ الْفِرَاسَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَمَلِ سَلَفِ الْأُمَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] ، دَلَّ عَلَى أَنَّ السِّيمَا الْمُرَادُ بِهَا حَالٌ تَظْهَرُ عَلَى الشَّخْصِ، حَتَّى إذَا رَأَيْنَا مَيِّتًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ زُنَّارٌ وَهُوَ غَيْرُ مَخْتُونٍ، لَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ إنْ وُجِدَ هَذَا الْمَذْكُورُ مَخْتُونًا، فَفِي كُتُبِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى قَدْ يَخْتِنُونَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] الْآيَةَ قَالَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ الْفَرَسِ: رُوِيَ أَنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا أَتَوْا بِقَمِيصِ يُوسُفَ إلَى أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ تَأَمَّلَهُ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ خَرْقًا وَلَا أَثَرَ نَابٍ فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: مَتَى كَانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ وَلَا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الدَّمَ عَلَامَةَ صِدْقِهِمْ، قَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ تَعَارُضَهَا وَهِيَ: سَلَامَةُ الْقَمِيصِ مِنْ التَّمْزِيقِ، إذْ لَا يُمْكِنُ افْتِرَاسُ الذِّئْبِ لِيُوسُفَ وَهُوَ لَابِسٌ الْقَمِيصَ وَيَسْلَمُ الْقَمِيصُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ، فَاسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْفِقْهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] .
следующие страницы →