← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

حَادِيَ عَشْرَتِهَا: فِي عِتْقِ الْعَبِيدِ إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ أَوْ بِثُلُثِهِمْ فِي الْمَرَضِ ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ عَتَقَ مَبْلَغُ الثُّلُثِ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ. ثَانِيَ عَشَرَتِهَا: إذَا زَحَمَ اثْنَانِ عَلَى اللَّقِيطِ فَالسَّابِقُ أَوْلَى وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ. ثَالِثَ عَشَرَتِهَا: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَقُلْنَا: إنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالْيَمِينِ فِيهِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَالْمَشْهُورُ تَقَدُّمُهُ الْبَائِعَ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَانِ يَخْتَلِفَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ فَيَتَحَالَفَانِ. رَابِعَ عَشْرَتَهَا: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَنَّ كِتَابَةَ الْوَثَائِقِ وَالْمَكَاتِيبِ فَرْضٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ سِوَاهُ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَانَتْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَإِنْ طَاعَ أَحَدُهُمْ سَقَطَتْ عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِنْ امْتَنَعَ جَمِيعُهُمْ اقْتَرَعُوا فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ كَتَبَ. خَامِسَ عَشْرَتِهَا: فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ فِيمَا يُبْدَأُ بِهِ مِنْ الْوَصَايَا إذَا اجْتَمَعَ عِتْقُ الظِّهَارِ وَعِتْقُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَضَاقَ الثُّلُثُ، فَأَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِتْقُ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَيَصِحُّ لِإِحْدَاهُمَا. سَادِسَ عَشْرَتِهَا: إذَا انْكَسَرَتْ يَمِينٌ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا عَلَى أَكْثَرِهِمْ نَصِيبًا مِنْ الْأَيْمَانِ، وَقِيلَ: أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا مِنْ الْكَسْرِ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ عَلَيْهَا. سَابِعَ عَشْرَتِهَا: إذَا تَقَارَبَتْ الْأَنَادِرُ وَأَرَادُوا الذَّرْوَ فَكَانَ يَخْتَلِطُ تِبْنُهُمْ إذَا ذَرُّوا جَمِيعًا فَيُقَالُ لَهُمْ: اقْتَرِعُوا عَلَى الذَّرْوِ، فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُجْبَرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى قَلْعِ أَنْدَرِهِ، وَيُقَالُ لِمَنْ أَذْرَى عَلَى صَاحِبِهِ أَتَلِفَتْ تِبْنُك لَا شَيْءَ لَك مِنْ الطُّرَرِ. ثَامِنَ عَشْرَتِهَا: إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ فِي لَيْلَةٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ يَخْتَارُ.

стр. 597

تَاسِعَ عَشْرَتِهَا: يُقْرَعُ الْحَاكِمُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إذَا تَنَازَعَا فِيمَنْ هُوَ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا، وَأَشْكَلَ عَلَى الْحَاكِمِ مَعْرِفَةُ الْمُدَّعِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ الْمُوفِي. الْعِشْرُونَ: تُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ، فَإِذَا اعْتَدَلَتْ ضُرِبَ عَلَيْهَا بِالْقُرْعَةِ، فَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُمُسُ أُفْرِدَ، ثُمَّ جُمِعَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ فَبِيعَتْ وَقُسِمَ ثَمَنُهَا أَوْ قُسِمَتْ الْغَنِيمَةُ بِأَعْيَانِهَا مِنْ أَهْلِ الْجَيْشِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ. الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ: إذَا اجْتَمَعَتْ الْجَنَائِزُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَاسْتَوَى الْأَوْلِيَاءُ فِي الْفَضْلِ وَتَشَاحُّوا فِي التَّقَدُّمِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ: إذَا اجْتَمَعَ الْخُصُومُ عِنْدَ الْقَاضِي وَفِيهِمْ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ، وَخَافَ الْمُسَافِرُونَ فَوَاتَ الرُّفْقَةِ، قُدِّمُوا إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا كَثْرَةً يَلْحَقُ الْمُقِيمِينَ مِنْهَا الضَّرَرُ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ. [الْبَابُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ فِي الْقَضَاءِ بِالْقَافَةِ] قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْأَصْلُ فِي الْقَوْلِ بِالْقَافَةِ حَدِيثُ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ فِي إثْبَاتِ نَسَبِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَتَشْبِيهُهُ الْأَقْدَامَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي اللَّوْنِ، فَإِنَّ زَيْدًا كَانَ أَبْيَضَ وَأُسَامَةَ كَانَ أَسْوَدَ، وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَكَمَ بِقَوْلِ الْقَافَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ هَلْ يُجْتَزَى فِي ذَلِكَ بِقَائِفٍ وَاحِدٍ كَالْإِخْبَارِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ قَائِفَيْنِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَهُ ابْنُ دِينَارٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ كَالشَّهَادَةِ. قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَالْقِيَاسُ عَلَى أُصُولِهِمْ أَنْ يُحْكَمَ بِقَوْلِ الْقَائِفِ الْوَاحِدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا، وَرِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَشْتَرِطُ الْعَدَالَةَ فِي الْوَاحِدِ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الِاجْتِزَاءَ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعَدَالَةَ.

стр. 598

فَرْعٌ: اُخْتُلِفَ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ بِهَا هَلْ يَكُونُ لِوَاحِدٍ أَوْ لِاثْنَيْنِ؟ نَقَلَ الصُّرَدِيُّ فِي كِتَابِهِ نِهَايَةِ الرَّائِضِ فِي عِلْمِ الْفَرَائِضِ، قَالَ مَذْهَبُ مَالِكٍ: أَنَّهُ يَكُونُ لِلرَّجُلِ أَبَوَانِ فَمَنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِ كَانَ بِسَبِيلِهِ، وَكَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَغُرِّمَ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ انْتَهَى فَإِنْ أَشْرَكَهُمَا الْقَافَةُ فِيهِ كَانَ ابْنًا لَهُمَا جَمِيعًا فِي قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، وَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ وَجَمِيعِ مَئُونَتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ وَالَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا فَيَكُونُ ابْنًا لَهُ خَاصَّةً، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ فِي الْإِشْرَاكِ، وَيُدْعَى غَيْرُهُ حَتَّى يُلْحِقَهُ شَبَهًا. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ مَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الْقَوَاعِدِ فِي الْفَرْقِ الثَّامِنِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِائَتَيْنِ، أَنَّ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا مَوْلُودًا فَاخْتَصَمَا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فَاسْتَدْعَى لَهُمَا الْقَافَةَ فَأَلْحَقُوهُ بِهِمَا فَعَلَاهُمَا بِالدِّرَّةِ، وَاسْتَدْعَى عَجَائِزَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقُلْنَ: خُلِقَ مِنْ مَاءِ الْأَوَّلِ وَحَاضَتْ عَلَى الْحَمْلِ فَاسْتَحْشَفَ الْحَمْلُ، فَلَمَّا وَطِئَهَا الثَّانِي انْتَعَشَ بِمَائِهِ فَأَخَذَ شَبَهًا بِهِمَا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ. [مَسْأَلَةٌ وَلَا تَعْتَمِدُ الْقَافَةُ إلَّا عَلَى أَبٍ مَوْجُودٍ بِالْحَيَاةِ] ِ قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ مَاتَ وَلَمْ يُدْفَنْ، قِيلَ: وَيَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصَبَةِ. مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ إلَّا فِي أَوْلَادِ الْإِمَاءِ إلَّا وَطْءَ السَّيِّدَيْنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ دُونَ أَوْلَادِ الْحَرَائِرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ فِي أَوْلَادِ الْحَرَائِرِ قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ أَقْيَسُ وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ. قَالَ: إنَّمَا خَصَّتْ الْقَافَةُ الْإِمَاءَ، لِأَنَّ الْأَمَةَ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَيَطَئُونَهَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَقَدْ تُسَاوَوْا فِي الْمِلْكِ وَالْوَطْءِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَقْوَى مِنْ الْآخَرِ فَالْفِرَاشَانِ مُسْتَوِيَانِ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إذَا ابْتَاعَهَا رَجُلٌ وَقَدْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ وَوَطِئَهَا الْمُبْتَاعُ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ، لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْمِلْكِ، وَأَمَّا الْحُرَّةُ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ زَوْجًا لِرَجُلَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَصِحُّ فِيهَا فِرَاشَانِ مُسْتَوِيَانِ، وَأَيْضًا فَوَلَدُ الْحُرَّةِ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللِّعَانِ، وَوَلَدُ الْأَمَةِ يَنْتَفِي بِغَيْرِ لِعَانٍ، وَالنَّفْيُ بِالْقَافَةِ إنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ، فَلَا يُنْقَلُ وَلَدُ الْحُرَّةِ مِنْ الْيَقِينِ بِالِاجْتِهَادِ وَلَمَّا جَازَ نَفْيُ وَلَدِ الْأَمَةِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى جَازَ نَفْيُهُ بِالْقَافَةِ.

стр. 599

مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا وَقَعَ رَجُلَانِ حُرَّانِ أَوْ حُرٌّ وَعَبْدٌ مُسْلِمَانِ أَوْ كَافِرَانِ، أَوْ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ عَلَى أَمَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا مِنْ وَطْءِ الثَّانِي، وَادَّعَيَاهُ جَمِيعًا دُعِيَ لِلْوَلَدِ الْقَافَةُ، فَمَنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ كَانَ ابْنًا لَهُ وَالْأَمَةُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَكَذَلِكَ وَطْءُ السَّيِّدَيْنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ: فَجَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، قَالَ صَاحِبُ الْإِمْلَاءِ عَلَى الْجَلَّابِ الْمُقَيَّدُ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَزْنَاسِيِّ: إذَا أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالْوَلَدُ لِلْأَوَّلِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَكَذَلِكَ إذَا أَتَتْ بِهِ لِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ أَنَّهُ لِلثَّانِي إذْ لَا يَشْتَرِكُ الْأَوَّلُ، وَالثَّانِي إلَّا مِنْ سِتَّةٍ إلَى تِسْعَةٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ لِلثَّانِي، لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا حَمَلَتْ تَضَعُ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ نَادِرٌ، وَذَلِكَ لَا حُكْمَ لَهُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلثَّانِي. فَرْعٌ: وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَصِحُّ إلْحَاقُهُ بِهِمَا حَتَّى يَبْلُغَ فَيُوَالِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، لَوْ قَالَ الْوَلَدُ لَا أُوَالِي أَحَدًا مِنْهُمَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنًا لَهُمَا جَمِيعًا يَرِثَانِهِ بِنِصْفِ أُبُوَّةٍ، وَيَرِثُهُمَا بِنِصْفِ بُنُوَّةٍ. وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ لَا يُوَالِيَ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَلَا يَزُولُ النَّسَبُ بِشَهْوَةِ الْوَلَدِ، وَيَكُونُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَةٍ. مَسْأَلَةٌ: فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئَانِ حُرَّيْنِ أَحَدُهُمَا مُسْلِمٌ وَالْآخَرُ نَصْرَانِيٌّ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِالْمُسْلِمِ لَحِقَ بِهِ وَكَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَغُرِّمَ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِلْكَافِرِ فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِالْكَافِرِ لَحِقَهُ وَكَانَ عَلَى دِينِهِ وَنُسِبَ إلَيْهِ وَكَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَغُرِّمَ نِصْفَ قِيمَتِهَا لِلْمُسْلِمِ، فَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً أُقِرَّتْ عِنْدَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْلِمَةً عَتَقَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِهِمَا جَمِيعًا كَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا، وَعَتَقَتْ السَّاعَةَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَالْوَلَدُ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُوَالِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ وَالَى الْمُسْلِمَ فَهُوَ وَلَدُهُ عَلَى دِينِهِ، وَإِنْ وَالَى الْكَافِرَ كَانَ وَلَدَهُ وَيُحْكَمُ بِالْإِسْلَامِ لِلشَّكِّ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ. مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ ادَّعَاهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ.

стр. 600

مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لَوْ لَمْ تُوجَدْ الْقَافَةُ فَإِنَّهُ يُوقَفُ إلَى أَنْ يَكْبَرَ فَيُوَالِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا وَنَفَقَتُهُ مُدَّةَ التَّوْقِيفِ عَلَيْهِمَا، فَإِذَا وَالَى أَحَدَهُمَا رَجَعَ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِمَا أَنْفَقَ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْعُهْدَةِ. [الْبَابُ السَّبْعُونَ فِي الْقَضَاءِ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمَارَاتِ] وَحُكْمُ الْفِرَاسَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَعَمَلِ سَلَفِ الْأُمَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] ، دَلَّ عَلَى أَنَّ السِّيمَا الْمُرَادُ بِهَا حَالٌ تَظْهَرُ عَلَى الشَّخْصِ، حَتَّى إذَا رَأَيْنَا مَيِّتًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ زُنَّارٌ وَهُوَ غَيْرُ مَخْتُونٍ، لَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ إنْ وُجِدَ هَذَا الْمَذْكُورُ مَخْتُونًا، فَفِي كُتُبِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى قَدْ يَخْتِنُونَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] الْآيَةَ قَالَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ الْفَرَسِ: رُوِيَ أَنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمَّا أَتَوْا بِقَمِيصِ يُوسُفَ إلَى أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ تَأَمَّلَهُ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ خَرْقًا وَلَا أَثَرَ نَابٍ فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: مَتَى كَانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ وَلَا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ؟ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الدَّمَ عَلَامَةَ صِدْقِهِمْ، قَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ تَعَارُضَهَا وَهِيَ: سَلَامَةُ الْقَمِيصِ مِنْ التَّمْزِيقِ، إذْ لَا يُمْكِنُ افْتِرَاسُ الذِّئْبِ لِيُوسُفَ وَهُوَ لَابِسٌ الْقَمِيصَ وَيَسْلَمُ الْقَمِيصُ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ، فَاسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي إعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْفِقْهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] .

стр. 601

قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ هَذِهِ الْآيَةُ يَحْتَجُّ بِهَا مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فِيمَا لَا تَحْضُرُهُ الْبَيِّنَاتُ، فَإِنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ الشَّرِيعَةَ لَا تَلْزَمُنَا، فَالْجَوَابُ: أَنَّ كُلَّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ لِفَائِدَةٍ فِيهِ وَمَنْفَعَةٍ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ، فَآيَةُ يُوسُفَ صَلَاةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ مُقْتَدًى بِهَا مَعْمُولٌ عَلَيْهَا. تَنْبِيهٌ: اُخْتُلِفَ فِي الشَّاهِدِ الَّذِي صَدَرَتْ مِنْهُ الْمَقَالَةُ، فَرُوِيَ أَنَّهُ طِفْلٌ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ رَجُلٌ حَكِيمٌ ذُو عَقْلٍ كَانَ الْوَزِيرُ يَسْتَشِيرُهُ فِي أُمُورِهِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ قِيلَ: إنَّهُ ابْنُ عَمِّهَا، قَالَ السُّدِّيُّ وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِنْ خَاصَّةِ الْمَلِكِ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ فِيهِ: أَنَّهُ طِفْلٌ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ، يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ صَاحِبَ يُوسُفَ لَيْسَ بِصَبِيٍّ نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ الْفَرَسِ وَيُضَعِّفُ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ: أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إلَّا ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَابْنُ السَّوْدَاءِ. وَلَمْ يَذْكُرْ صَاحِبَ يُوسُفَ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ الشَّاهِدَ طِفْلٌ صَغِيرٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالْأَمَارَاتِ، وَإِنْ كَانَ رَجُلًا فَيَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَفِيمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ طِفْلًا فَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ مِنْهُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، أَرْشَدَنَا عَلَى لِسَانِهِ إلَى التَّفَطُّنِ وَالتَّيَقُّظِ وَالنَّظَرِ إلَى الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ، الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا صِدْقُ الْمُحِقِّ، وَبُطْلَانُ قَوْلِ الْمُبْطِلِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْحُجَّةِ مِنْ قَوْلِ الْكَبِيرِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْكَبِيرِ اجْتِهَادٌ وَرَأْيٌ مِنْهُ، وَنُطْقُ الصَّغِيرِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ وَإِعْلَامٌ لِلِاسْتِبْصَارِ وَالْعُثُورِ عَلَى الْحَقِّ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فَوْرَ التَّنُّورِ عَلَامَةً لِنُوحٍ عَلَى حُلُولِ الْغَرَقِ بِقَوْمِهِ، وَجَعَلَ فَقْدَ الْحُوتِ عَلَامَةً لِمُوسَى ﵇ عَلَى لِقَائِهِ الْخَضِرَ، وَجَعَلَ مَنْعَ زَكَرِيَّا الْكَلَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا رَمْزًا عَلَامَةً لَهُ عَلَى هِبَةِ الْوَلَدِ.

стр. 602

وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فَمَوَاضِعُ: فَمِنْهَا: «أَنَّهُ ﷺ حُكْمُ اللَّوْثِ فِي الْقَسَامَةِ، وَجَوَّزَ لِلْمُدَّعِينَ أَنْ يَحْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّوا دَمَ الْقَتِيلِ فِي حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ» ، وَاللَّوْثُ دَلِيلٌ عَلَى الْقَتْلِ، فَإِنْ قُلْت: فَإِذَا كَانَتْ الْقَسَامَةُ لَا تَجِبُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ إلَّا مَعَ اللَّوْثِ، فَأَيْنَ اللَّوْثُ فِي حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ؟ قُلْت: قَدْ أَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ ذِكْرُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُ قُتِلَ فِي بَلَدِهِمْ وَلَيْسَ فِيهَا غَيْرُ الْيَهُودِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ ﵀ عِنْدِي أَنَّ الْأَظْهَرَ فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْقَرَائِنَ تَقُومُ مَقَامَ الشَّاهِدِ، فَقَدْ يَكُونُ قَدْ قَامَ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلُوهُ وَلَكِنْ جَهِلُوا عَيْنَ الْقَاتِلِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَبْعُدُ إثْبَاتُهُ لَوْثًا، فَلِذَلِكَ جَرَى حُكْمُ الْقَسَامَةِ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا، مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قَضِيَّةِ «الْأَسْرَى مِنْ قُرَيْظَةَ لَمَّا حَكَمَ فِيهِ سَعْدٌ: أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَدَّعِي عَدَمَ الْبُلُوغِ، فَكَانَ الصَّحَابَةُ يَكْشِفُونَ عَنْ مُؤْتَزِرِهِمْ فَيَعْلَمُونَ بِذَلِكَ الْبَالِغَ مِنْ غَيْرِهِ» ، وَهَذَا مِنْ الْحُكْمِ بِالْأَمَارَاتِ. وَمِنْهَا: «أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ الْمُلْتَقِطَ أَنْ يَدْفَعَ اللُّقَطَةَ إلَى وَاصِفِهَا، وَجَعَلَ وَصْفَهُ لِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا قَائِمًا مَقَامَ الْبَيِّنَةِ» . وَمِنْهَا: حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ بِالْقَافَةِ وَجَعْلُهَا دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ، وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا مُجَرَّدُ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ. وَمِنْهَا: «ابْنَا عَفْرَاءَ تَدَاعَيَا قَتْلَ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالَا: لَا، فَقَالَ ﷺ :

стр. 603

أَرِيَانِي سَيْفَيْكُمَا، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِمَا قَالَ لِأَحَدِهِمَا: هَذَا قَتَلَهُ وَحَكَمَ لَهُ بِسَلَبِهِ» . وَمِنْهَا: «أَنَّهُ ﷺ : أَمَرَ الزُّبَيْرَ بِعُقُوبَةِ الَّذِي اتَّهَمَهُ بِإِخْفَاءِ كَنْزِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ، فَلَمَّا ادَّعَى أَنَّ النَّفَقَةَ وَالْحُرُوبَ أَذْهَبَتْهُ قَالَ ﷺ الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ» . وَمِنْهَا: أَنَّهُ ﷺ فَعَلَ بِالْعُرَنِيِّينَ مَا فَعَلَ بِنَاءً عَلَى شَاهِدِ الْحَالِ، وَلَمْ يَطْلُبْ بَيِّنَةً بِمَا فَعَلُوا وَلَا وَقَفَ الْأَمْرَ عَلَى إقْرَارِهِمْ. وَمِنْهَا: حُكْمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَالصَّحَابَةُ مَعَهُ مُتَوَاتِرُونَ بِرَجْمِ الْمَرْأَةِ إذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَلَا زَوْجَ لَهَا. وَقَالَ بِذَلِكَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ. وَمِنْهَا: مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَرَدْت السَّفَرَ إلَى خَيْبَرَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إذَا جِئْت وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشْرَ وَسْقًا فَإِذَا طَلَبَ مِنْك آيَةً فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ» ، فَأَقَامَ الْعَلَامَةَ مَقَامَ الشَّهَادَةِ. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﷺ : «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا» ، فَجَعَلَ صِمَاتَهَا قَرِينَةً عَلَى الرِّضَا، وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا رَضِيَتْ، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ. وَمِنْهَا: حُكْمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ ﵃، وَلَا يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفٌ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ قَاءَهَا اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ مُفَصَّلًا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ فِي أَبْوَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 604

[فَصْلٌ فِي بَيَانِ عَمَلِ فُقَهَاءِ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ بِالْحُكْمِ وَالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ] قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ إذَا تَعَارَضَتْ فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا قَضَى بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ وَهُوَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ وَلَا خِلَافَ فِي الْحُكْمِ بِهَا وَقَدْ جَاءَ الْعَمَلُ فِي مَسَائِلَ اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الطَّوَائِفُ الْأَرْبَعَةُ، وَبَعْضُهَا قَالَ بِهَا الْمَالِكِيَّةُ خَاصَّةً. الْأُولَى: أَنَّ الْفُقَهَاءَ كُلَّهُمْ يَقُولُونَ بِجَوَازِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ إذَا أُهْدِيَتْ إلَيْهِ لَيْلَةَ الزِّفَافِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مِنْ الرِّجَالِ أَنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ الَّتِي عَقَدْت عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنْطِقْ النِّسَاءُ أَنَّ هَذِهِ امْرَأَتُهُ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ الشَّهَادَةِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ النَّاسَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا لَمْ يَزَالُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَى الصَّبِيَّانِ وَالْإِمَاءِ الْمُرْسَلِ مَعَهُمْ الْهَدَايَا وَأَنَّهَا مُرْسَلَةٌ إلَيْهِمْ، فَيَقْبَلُوا أَقْوَالَهُمْ وَيَأْكُلُوا الطَّعَامَ الْمُرْسَلَ بِهِ، وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ خَبَرَ الْكَافِرِ فِي ذَلِكَ كَافٍ. الثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ إذْنَ الصِّبْيَانِ فِي الدُّخُولِ إلَى الْمَنْزِلِ. الرَّابِعَةُ: أَنَّ الضَّيْفَ يَشْرَبُ مِنْ كُوزِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَيَتَّكِئُ عَلَى وِسَادَتِهِ وَيَقْضِي حَاجَتَهُ فِي مِرْحَاضِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، وَلَا يُعَدُّ فِي ذَلِكَ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. . الْخَامِسَةُ: جَوَازُ أَخْذِ مَا يَسْقُطُ مِنْ الْإِنْسَانِ إذَا لَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهُ مِمَّا لَا يُتْبِعُهُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ كَالْفَلْسِ وَالتَّمْرَةِ وَالْعَصَا التَّافِهِ الثَّمَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. السَّادِسَةُ: جَوَازُ أَخْذِ مَا يَبْقَى فِي الْحَوَائِطِ وَالْأَقْرِحَةِ مِنْ الثِّمَارِ وَالْحَبِّ بَعْدَ انْتِقَالِ أَهْلِهِ عَنْهُ وَتَخْلِيَتِهِ وَتَسْيِيبِهِ. السَّابِعَةُ: جَوَازُ أَخْذِ مَا يَسْقُطُ مِنْ الْحَبِّ عِنْدَ الْحَصَادِ مِمَّا لَا يَعْتَنِي صَاحِبُ الزَّرْعِ بِلَقْطِهِ.

стр. 605

الثَّامِنَةُ: جَوَازُ أَخْذِ مَا نَبَذَهُ النَّاسُ رَغْبَةً عَنْهُ مِنْ الطَّعَامِ وَالْخِرَقِ وَالْخَزَفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. التَّاسِعَةُ: أَنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ إذَا قَدَّمَ الطَّعَامَ لِلضَّيْفِ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْأَكْلِ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ لَفْظًا إذَا عُلِمَ أَنَّ صَاحِبَ الطَّعَامِ قَدَّمَهُ لَهُ خَاصَّةً، وَلَيْسَ ثَمَّ غَائِبٌ يُنْتَظَرُ حُضُورُهُ وَاسْتَمَرَّ بِدَلَالَةِ الْحَالِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْقَطْعِ. الْعَاشِرَةُ: إذْنُهُ ﷺ لِلْمَارِّ بِثَمَرِ الْغَيْرِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثَمَرِهِ وَلَا يَحْمِلُ مِنْهُ شَيْئًا، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمَحُوطِ وَمَا لَيْسَ لَهُ حَارِسٌ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الْأَقْرِحَةِ وَالْمَزَارِعِ الَّتِي فِيهَا الطُّرُقَاتُ الْعِظَامُ بِحَيْثُ لَا تَنْقَطِعُ الْمَارَّةُ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ مَمْلُوكَةً، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ غَصْبًا لَهَا وَلَا تَصَرُّفًا مَمْنُوعًا. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الشُّرْبُ مِنْ الْمَصَانِعِ الْمَصْنُوعَةِ عَلَى الطُّرُقَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الشَّارِبُ إذْنَ أَرْبَابِهَا فِي ذَلِكَ لَفْظًا اعْتِمَادًا عَلَى دَلَالَةِ الْحَالِ لَكِنْ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهَا، لِأَنَّ الْعُرْفَ لَا يَقْتَضِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ شَاهِدُ حَالٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ حِينَئِذٍ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ عَلَى الْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا مَحْضًا وَهُوَ لَمْ يَقُلْ قَتَلَهُ عَمْدًا، وَالْعَمْدِيَّةُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالْقَلْبِ، فَجَازَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِهَا اكْتِفَاءً بِالْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُمْ فِي الرِّكَازِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ سُمِّيَ كَنْزًا وَهُوَ كَاللُّقَطَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ شَكْلُ الصَّلِيبِ أَوْ الصُّوَرِ أَوْ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ فَهُوَ رِكَازٌ، فَهَذَا عَمَلٌ بِالْعَلَامَاتِ. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: إذَا اسْتَأْجَرَ دَابَّةً جَازَ لَهُ ضَرْبَهَا إذَا حَرَنَتْ فِي السَّيْرِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ مَالِكَهَا. وَكَذَلِكَ رُكُوبُهَا بِالْمَهَامِيزِ. السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: جَوَازُ إذْنِ الْمُسْتَأْجِرِ لِلدَّارِ لِأَضْيَافِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي الدُّخُولِ وَالْمَبِيتِ وَإِنْ لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ عَقْدُ الْإِجَارَةِ.

стр. 606

السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: جَازَ غَسْلُ الْمُسْتَأْجِرِ الثَّوْبَ الْمُسْتَأْجَرَ إذَا اتَّسَخَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ الْمُؤَجِّرَ فِي ذَلِكَ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ عَلَى بَيْعِ السِّلْعَةِ قَبْضُ ثَمَنِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ لَفْظًا اعْتِمَادًا عَلَى قَرِينَةِ الْحَالِ. التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: إذَا وَجَدْنَا هَدْيًا مُشْعَرًا مَنْحُورًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ جَازَ الْأَكْلُ مِنْهُ لِلْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ. الْعِشْرُونَ: لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا أَوْ خَشَبًا فِي دَارِ رَجُلٍ، فَلَهُ أَنْ يُدْخِلَ دَارِهِ مِنْ بَابِ الدَّوَابَّ وَالرِّجَالَ مَنْ يُحَوِّلُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَالِكُ. الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: الْقَضَاءُ بِالنُّكُولِ وَاعْتِبَارُهُ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا رُجُوعًا إلَى مُجَرَّدِ الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ، فَقُدِّمَتْ عَلَى أَصْلِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: جَوَازُ دَفْعِ اللُّقَطَةِ لِوَاصِفِ عِفَاصِهَا وَوِكَاءَهَا اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ الْقَرِينَةِ، قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَدِيعَةِ وَالسَّرِقَةِ وَشِبْهِهَا إذَا جُهِلَ صَاحِبُهَا، هَلْ تُقْبَلُ فِي ذَلِكَ الصِّفَةُ كَاللُّقَطَةِ أَمْ لَا؟ . الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا تَنَازَعَا جِدَارًا حُكِمَ بِهِ لِصَاحِبِ الْوَجْهِ وَمُعَاقِدِ الْقُمُطِ وَالطَّاقَاتِ وَالْجُذُوعِ وَذَلِكَ حُكْمٌ بِالْأَمَارَاتِ. الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا تَنَازَعَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ، فَإِنَّ لِلرَّجُلِ مَا يُعْرَفُ لِلرِّجَالِ وَلِلْمَرْأَةِ مَا يُعْرَفُ لِلنِّسَاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابِهِ. الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: النَّظَرُ فِي أَمْرِ الْخُنْثَى وَالِاعْتِمَادُ فِيهِ عَلَى الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ وَالْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى إحْدَى حَالَتَيْهِ. السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ الْبِكْرِ بِصِمَاتِهَا اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الشَّاهِدَةِ بِذَلِكَ. السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: اعْتِبَارُ اللَّوْثِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْقَسَامَةِ وَالْأَخْذِ بِالْقَوَدِ.

стр. 607

الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: إرْخَاءُ السِّتْرِ عَلَى الزَّوْجَةِ أَوْ الْخَلْوَةُ بِهَا، قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ وَأَرْخَى السِّتْرَ عَلَيْهَا ثُمَّ طَلَّقَ وَقَالَ: لَمْ أُصِبْهَا، وَقَالَتْ: قَدْ وَطِئَنِي صُدِّقَتْ، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ كَامِلًا، وَاخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُهَا يَمِينٌ أَمْ لَا؟ . التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: إذَا وُجِدَتْ وَثِيقَةُ الدَّيْنِ بِيَدِ الْمَطْلُوبِ مَمْحُوَّةً وَهُوَ يَدَّعِي أَنَّهُ دَفَعَ مَا فِيهَا، وَسَلَّمَهَا رَبُّ الدَّيْنِ إلَيْهِ، وَرَبُّ الدَّيْنِ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ وَيَدَّعِي عَلَى سُقُوطِهَا، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْوَثِيقَةِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ. الثَّلَاثُونَ: دَعْوَى الْمَرْأَةِ الِاسْتِكْرَاهَ فِي الزِّنَا وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَوْ بِهَا أَثَرٌ أَوْ أَمَارَةٌ كَالصِّيَاحِ وَشَبَهِ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ يُدْرَأُ عَنْهَا الْحَدُّ لِأَجْلِهَا. الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ فِي الصَّحْوِ فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ عَلَى هِلَالِ رَمَضَانَ وَلَمْ يَرَهُ غَيْرُهُمَا، قَالَ سَحْنُونٌ: هُمَا شَاهِدَا سُوءٍ، فَإِذَا قُبِلَا فَعُدَّ ثَلَاثُونَ يَوْمًا وَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ وَالسَّمَاءُ مُصْحِيَةٌ. قَالَ مَالِكٌ هُمَا شَاهِدَا سُوءٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي كَذِبِهِمَا. الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: اسْتِلْحَاقُ مَنْ يُكَذِّبُهُ الْعَقْلُ لِصِغَرِ الْمُسْتَلْحَقِ أَوْ الشَّرْعُ لِشُهْرَةِ نَسَبِهِ أَوْ تُكَذِّبُهُ الْعَادَةُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ. الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ: إقْرَارُ الْمَرِيضِ لِوَارِثٍ أَوْ صَدِيقٍ مُلَاطِفٍ لَا يُقْبَلُ لِقِيَامِ قَرِينَةٍ فِي قَصْدِهِ نَفْعَهُمْ أَوْ اتِّصَالِ ذَلِكَ لِبَعْضِ وَرَثَتِهِ عَلَى يَدِ صَدِيقِهِ. الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: بَيْعُ الْمَضْغُوطِ وَإِقْرَارُهُ لَا يَجُوزُ لِقِيَامِ قَرِينَةِ الْإِكْرَاهِ. الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ: وُجُوبُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ إذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَلَا سَيِّدٌ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ وَطِئَهَا

стр. 608

السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ: وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْهُ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ قَاءَهَا. السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: مِنْ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ أَنَّ زَوْجَهَا لَمْ يَكُنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا فِيمَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ وَهُمَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى كَذِبِهَا. الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ: انْعِقَادُ التَّبَايُعِ بِالْمُعَاطَاةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الرِّضَا: وَقَالَ بِهَذِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَقَالَ بِهَا الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُحَقَّرَاتِ وَخَالَفَهُمْ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي ذَلِكَ. التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: أَنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ ﵏ مَنَعُوا سَمَاعَ الدَّعْوَى الَّتِي لَا تُشْبِهُ الصِّدْقَ عُرْفًا، بَلْ الْعُرْفُ يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهَا كَدَعْوَى رَجُلٍ لِدَارٍ بِيَدِ حَائِزٍ يَتَصَرَّفُ بِالْهَدْمِ وَالْعِمَارَةِ مُدَّةً طَوِيلَةً نَحْوَ عَشْرِ سِنِينَ، وَالْمُدَّعِي مُشَاهَدٌ سَاكِتٌ، وَلَا ثَمَّ مَانِعٌ مِنْ خَوْفٍ وَلَا قَرَابَةٍ وَلَا صِهْرٍ فَإِنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى كَذِبِ الدَّعْوَى، وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ مَتَاعَهُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ لَا يُتَّهَمُ، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِقِيَامِ شَاهِدِ الْحَالِ عَلَى كَذِبِهِ وَقَصْدِهِ الْأَذَى، وَيُؤَدَّبُ الْمُدَّعِي عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ. الْأَرْبَعُونَ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إذَا رَأَيْنَا رَجُلًا مَذْبُوحًا فِي دَارٍ وَالدَّمُ يَجْرِي، وَلَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ وَرَأَيْنَا رَجُلًا قَدْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فِي حَالَةٍ مُنْكَرَةٍ، عَلِمْنَا أَنَّهُ الَّذِي قَتَلَهُ، وَكَانَ لَوْثًا يُوجِبُ الْقَسَامَةَ وَالْقَوَدَ لِلْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ. الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُلَاعِنَ امْرَأَتَهُ وَيَشْهَدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ بِأَيْمَانِ اللِّعَانِ إذَا اعْتَقَدَ وُقُوعَ الزِّنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَآهَا تَزْنِي، كَمَا يَجُوزُ لِلْأَعْمَى عَلَى الْمَشْهُورِ فِي لِعَانِهِ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ. الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: أَنَّ مَالِكًا ﵀ يَجْعَلُ الرَّهْنَ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ إلَى مَبْلَغِ قِيمَةِ الرَّهْنِ. الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا وَجَدَ فِي تَرِكَةِ أَبِيهِ بِخَطِّ أَبِيهِ أَنَّ لَهُ عِنْدَ زَيْدٍ كَذَا جَازَ لَهُ الدَّعْوَى بِذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ عَلَيْهِ جَازَ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى

стр. 609

الْحَلِفِ، اعْتِمَادًا عَلَى صِحَّةِ مَا كَتَبَهُ أَبُوهُ لِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ صِدْقِهِ وَتَثَبُّتِهِ فِيمَا يَضَعُ بِهِ خَطَّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي الدَّعَاوَى. الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا صَادَ بَازِيًا فِي رِجْلَيْهِ سَبَّاقَانِ، أَوْ ظَبْيًا فِي أُذُنَيْهِ قُرْطَانِ أَوْ فِي عُنُقِهِ سِلْكُ جَوْهَرٍ، فَلَيْسَ لِوَاجِدِهِ فِيهِ شَيْءٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَهُ كَاللُّقَطَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ. الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: لَوْ اشْتَرَى سَمَكَةً فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا جَوْهَرَةً مَثْقُوبَةً فَعَلَيْهِ تَعْرِيفُهَا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ مَا يَعْلَمُ أَنَّ الْأَمْلَاكَ لَمْ تُدَاوِلْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: هِيَ لِلْبَائِعِ. وَقَالَ الْأَبْيَانِيُّ: هِيَ لِلْمُشْتَرِي، كَمَنْ بَاعَ حَجَرًا لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ؟ فَإِذَا هُوَ جَوْهَرَةٌ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ الذَّهَبِ لِابْنِ رَاشِدٍ. السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: لَوْ حَلَفَ لِزَوْجَتِهِ بِطَلَاقِ مَنْ يَتَزَوَّجُ فِي حَيَاتِهَا، ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ ثُمَّ تَزَوَّجَ، وَقَالَ: نَوَيْت مَا كَانَتْ فِي عِصْمَتِي، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ لِلْقَرِينَةِ الَّتِي تُصَدِّقُهُ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ مِنْ الْمَذْهَبِ. السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: لَوْ مَرَّ رَجُلٌ بِعَبْدٍ عَلَى الْعَشَّارِ فَمَسَكَهُ وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَقَالَ سَيِّدُهُ: هُوَ حُرٌّ، فَذَلِكَ لَهُ إذَا ادَّعَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ الْعَشَّارِ. الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: إذَا غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمُشْرِكِينَ فَوُجِدَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ: كَالْمُصْحَفِ أَوْ الْفَرَسِ مَوْسُومٌ عَلَى فَخِذِهِ حَبْسٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ ذَلِكَ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ عُرِفَ رَبُّهُ دُفِعَ لَهُ بِلَا ثَمَنٍ عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْجِهَادِ. التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ إذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَيْشِ فِي الْجِهَادِ، وَقَدْ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ وَأَرَادُوا مَنْعَهُ مِنْ نَصِيبِهِ، فَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتٌ تَدُلُّ عَلَى تَخَلُّفِهِ أَوْ عَدَمِ تَخَلُّفِهِ، عُمِلَ عَلَى ذَلِكَ وَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، كَمَا لَوْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَإِلَّا دُيِّنَ. الْخَمْسُونَ: نَحْكُمُ بِكُفْرِ مَنْ تَرَدَّدَ إلَى الْكَنِيسَةِ أَوْ لَبِسَ الزُّنَّارَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَلْقَى الْمُصْحَفَ فِي الْقَاذُورَاتِ أَوْ لَطَّخَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِالنَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الْكُفْرِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي نَفْسِهَا كُفْرًا، نَقَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ.

стр. 610

[فَصْلٌ بَيْعُ مَوَاضِعِ الْمَسَاجِدِ الْخَرِبَةِ] فَصْلٌ: وَمِنْ فُرُوعِ هَذَا الْبَابِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: فِي الْمَذْهَبِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَوَاضِعِ الْمَسَاجِدِ الْخَرِبَةِ، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ نَقْضِهَا إذَا خِيفَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ لِلضَّرُورَةِ إلَى ذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ مُزَيْنٍ أَنَّ نَقْضَهُ يُؤْخَذُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ سَائِرُ الْمَسَاجِدِ وَيُتْرَكُ مِنْهُ مَا يَكُونُ عَلَمًا لَهُ لِئَلَّا يَنْدَرِسَ أَثَرُهُ، فَانْظُرْهُ كَيْفَ جَعَلَ مَا يَبْقَى مِنْ آثَارِهِ دَلِيلًا شَاهِدًا بِأَنَّهُ حَبْسٌ وَأَنَّهُ مَسْجِدٌ، وَيَكُونُ وُجُودُ مَا يَبْقَى كَوُجُودِ الْمَسْجِدِ بِكَمَالِهِ. فَرْعٌ: وَفِي الطُّرَرِ: إذَا وَجَدَ رَجُلًا يَبِيعُ فَرَسًا عَلَيْهِ وَسْمُ الْحَبْسِ وَقَالَ: إنَّمَا وَسَمْته مَخَافَةَ الْعُمَّالِ وَلَمْ أَحْتَبِسْهُ، فَإِنْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ نَاحِيَةِ النَّاسِ حَلَفَ وَأُطْلِقَ عَلَى بَيْعِهِ. وَكَتَبَ الْقَاضِي بْنُ السَّلِيمِ إلَى الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ زَرْبٍ: فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الثَّغْرِ بِيَدِهِ فَرَسٌ مَوْسُومٌ فِي فَخِذِهِ حَبْسٌ لِلَّهِ تَعَالَى، رُفِعَ إلَى الْقَاضِي فَسُئِلَ عَنْ وَجْهِ تَمَلُّكِهِ لِلْفَرَسِ، فَقَالَ: شَرَيْته بِبِلَادِ الْبَرَابِرِ، فَلَمَّا جِئْت سِجِلْمَاسَةَ خِفْت أَنْ أَغْرَمَ عَلَيْهِ أَوْ يُنْزَعَ فَوَسَمْته، هَذَا رَجَاءَ أَنْ يُطْلَقَ. فَكَتَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي ابْنُ زَرْبٍ إنْ لَمْ يُعْرَفْ مِلْكُهُ لِلْفَرَسِ مِنْ قَبْلِ هَذِهِ السِّمَةِ وَإِلَّا أَقَامَ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِمَا ادَّعَاهُ فَأَمْضِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ وَسْمِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ الْمُتَغَزِّي فِي هَذَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ وَحْدَهَا وَإِبِلَ الْجِزْيَةِ وَحْدَهَا» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَسْمَ أَثَرٌ يُعْمَلُ بِهِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ. وَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْأَثَرِ فِي السَّيْفِ فِي قَضِيَّةِ ابْنَيْ عَفْرَاءَ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي بَابِ التَّعْرِيفِ بِالْبَيِّنَةِ وَحَقِيقَتِهَا. وَفِي «قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ وَأَصْحَابِهِ: لَمَّا دَخَلُوا الْحِصْنَ عَلَى ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ لِيَقْتُلُوهُ وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلًا، فَوَقَعُوا فِيهِ بِالسُّيُوفِ، وَوَضَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ وَتَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى نَبَعَ ظَهْرُهُ، فَلَمَّا رَجَعُوا وَقَدْ قَتَلُوهُ نَظَرَ ﵊ إلَى سُيُوفِهِمْ، فَقَالَ: هَذَا قَتَلَهُ لِأَنَّهُ رَأَى عَلَى السَّيْفِ أَثَرَ الطَّعَامِ» . تَنْبِيهٌ: فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْوَسْمِ وَقَعَ فِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ فِي الرَّاعِي يَرْعَى لِقَوْمٍ فَتَخْتَلِطُ وَيَتَدَاعَوْا فِي شِيَاهٍ مِنْهَا، فَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ يَحْلِفُ مِنْ يُقِرُّ لَهُ

стр. 611

الرَّاعِي أَنَّهَا لَهُ إذَا كَانَ عَدْلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَلَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَلَفُوا وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ، وَمَنْ نَكَلَ كَانَتْ لِلْحَالِفِ مِنْهُمْ. وَفِي قَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاعِي إذَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ لِأَحَدِهِمْ، وَلَيْسَ الْوَسْمُ بِشَيْءٍ مَا أَرَادَ بِهِ، وَلَعَلَّ مُرَادُهُ أَنَّ الْوَسْمَ قَدْ يَتَّفِقُ فَلَا يَرْفَعُ النِّزَاعَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ أَصْبَغُ فِيمَنْ وَهَبَ مِنْ غَنَمِهِ مِائَةً وَلَمْ يَغْرِزْهَا وَلَا وَسَمَهَا حَتَّى مَاتَ إنَّهُ لَا يَنْفُذُ، فَانْظُرْ مَفْهُومَ كَلَامِهِ أَنَّهَا لَوْ وُسِمَتْ تَمَيَّزَتْ وَصَحَّتْ الْهِبَةُ، اُنْظُرْ ابْنَ سَهْلٍ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي فِي رَسْمِ الشَّهَادَاتِ فِي هِبَةِ نِصْفِ دَارٍ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ أَنَّ الرَّاعِيَ إذَا عَامَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَلَمْ يُعَامِلْهُ بَعْضُهُمْ وَأَلْقَوْا بَقَرَهُمْ فَحَرَزَهَا الرَّاعِي حَتَّى تَمَّتْ الْمُدَّةُ فَلَهُ أَخْذُ أُجْرَتِهِ، وَلَا كَلَامَ لَهُمْ فِي تَرْكِ مُعَامَلَتِهِ لِأَنَّهُمْ يُحْمَلُونَ عَلَى الرِّضَا بِمُعَامَلَتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ رَعَى ثَوْرُ الْغَائِبِ أَوْ حَاضِرٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ كَانَ لَهُ أُجْرَتُهُ فِيمَا رَعَاهُ، وَلَا كَلَامَ لِصَاحِبِ الثَّوْرِ بِأَنْ يَقُولَ هَلَّا دَفَعْته عَنْ نَفْسِك. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا أَشْهَدَ الرَّجُلُ أَنَّ لِابْنِهِ الَّذِي فِي حِجْرِهِ عِنْدَهُ مِنْ غَلَّةِ الْمِلْكِ الَّذِي حَبَسَهُ عَلَيْهِ كَذَا وَكَذَا دِينَارًا وَاسْتَقَرَّتْ لَهُ بِيَدِهِ، فَإِقْرَارُهُ لِوَلَدِهِ بِذَلِكَ صَحِيحٌ إذَا أَشْهَدَ فِي صِحَّتِهِ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ بِأَنْ تَكُونَ الْغَلَّةُ الَّتِي أَشْهَدَ لَهُ بِهَا، لَا يُسْتَوْفَى مِثْلُهَا مِنْ الْحَبْسِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي ذَكَرَ مِنْ حِينِ تَارِيخِ الْوَقْفِ إلَى يَوْمِ الْإِشْهَادِ بِالْمَبْلَغِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ كَذِبُهُ كَانَ لِلِابْنِ مِقْدَارُ الْغَلَّةِ وَرَجَعَ الْبَاقِي مِيرَاثًا. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ أَوْ الْوَصِيِّ لِمَحْجُورِهِ مَالٌ وَعَلَى الصَّغِيرِ دَيْنٌ، فَادَّعَى الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ نَفَاذَ الْمَالِ الَّذِي تَحْتَ يَدِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ نَفَادُهُ وَاتُّهِمَ عَلَى كَتْمِهِ، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ ادَّعَى خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مَسَائِلِ السِّيَاسَةِ فِي بَابِ الْوَصَايَا. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا بَاعَ ثَوْبًا مُرَابَحَةً ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ غَلِطَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَنَّ ثَمَنَهُ أَكْثَرُ مِمَّا ذَكَرَ لَمْ يُصَدَّقْ فِي دَعْوَاهُ، قَالُوا: إلَّا أَنْ يَظْهَرَ مِنْ رَقْمِ الثَّوْبِ الَّذِي قَبَضَهُ الْمُشْتَرِي مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْغَلَطِ.

стр. 612

قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: فَيَحْلِفُ الْبَائِعُ وَيُصَدَّقُ، وَزَادَ الْبَاجِيُّ أَوْ يُرَى مِنْ حَالِ الثَّوْبِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ لِرُخْصِهِ مَثَلًا فَيُصَدَّقُ فِي دَعْوَاهُ. مَسْأَلَةٌ: إذَا حَصَلَ فِي الْمَرَاكِبِ عَطَبٌ بِسَبَبِ الْعَدُوِّ فَقُتِلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْمَتَاعِ وَمَاتَ بَعْضُهُمْ وَوُجِدَ عَلَى بَعْضِ الرِّحَالِ مَكْتُوبٌ اسْمُ صَاحِبِهَا، فَهَلْ تَسْلَمُ لِوَرَثَتِهِ أَوْ لَا؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ الْفَاسِيُّ: إذَا كَانَ يَمْلِكُ مِثْلَ ذَلِكَ وَاعْتَرَفَ صَاحِبُ الْمَرْكَبِ بِأَنَّهُ لَهُمْ، حُكِمَ بِهِ لَهُمْ مِنْ الْحَاوِي فِي الْفَتَاوَى لِابْنِ عَبْدِ النُّورِ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا وُلِدَ صَبِيٌّ فِي بَلَدِ الشِّرْكِ وَأُتِيَ بِهِ مَحْمُولًا مِثْلَ الصَّقَالِبَةِ وَالزِّنْجِ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَلَدُهُ وَيُعْرَفُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَمْ يَدْخُلْ تِلْكَ الْبِلَادَ قَطُّ، فَهَذَا وَشَبَهُهُ يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ تِلْكَ الْبِلَادَ فَإِقْرَارُهُ جَائِزٌ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ رَجُلٌ صَبِيًّا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ أُمَّ هَذَا الْغُلَامِ لَمْ تَزَلْ مِلْكًا لِفُلَانٍ، أَوْ لَمْ تَزَلْ زَوْجَةً لِفُلَانٍ حَتَّى هَلَكَتْ عِنْدَهُ، اُسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى كَذِبِ الْمُدَّعِي. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَمَّا الْأَمَةُ فَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَانَ زَوْجًا، وَأَمَّا الْحُرَّةُ فَلَا شَكَّ فِي كَذِبِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا كَانَ لَك مَالٌ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ فَأَمَرْته أَنْ يُنْفِقَهُ فِي عِمَارَةِ دَارٍ فَقَالَ أَنْفَقْته، وَفِي الدَّارِ أَثَرٌ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ فِي بَابِ الْقِرَاضِ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ الْأَثَرَ يُشْبِهُ أَنْ يُنْفَقَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا وَهَبَ هِبَةً تَقْتَضِي أَنَّهُ يُرِيدُ بِهَا الثَّوَابَ، فَإِنَّ الْقَرَائِنَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الثَّوَابَ تَقُومُ مَقَامَ الشَّرْطِ، مِثْلَ أَنْ يَهَبَ الْفَقِيرُ لِغَنِيٍّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، فَإِنَّ هِبَةَ الْغَنِيِّ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الثَّوَابَ مِنْ التَّقْرِيبِ عَلَى التَّهْذِيبِ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا شَهِدَ وَحَلَفَ، فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ قَوْلَانِ لِقِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى حِرْصِهِ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَتَنْفِيذِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ خَاصَمَ الشَّاهِدُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْمَشْهُودِ لَهُ، فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ لِقِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى تُهْمَتِهِ،

стр. 613

فَإِنْ خَاصَمَهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ قَوْلَانِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الْبَدْوِيِّ لِلْقَرَوِيِّ لِقَرِينَةِ التُّهْمَةِ، إذَا أَشْهَدَهُ فِي الْحَضَرِ وَعَدَلَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الشُّهُودِ، وَمَسَائِلُ هَذَا الْبَابِ يَكْثُرُ تَعَدُّدُهَا وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي بَابِ الشَّهَادَاتِ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا ادَّعَتْ الْأَمَةُ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا وَأَنْكَرَ وِلَادَتَهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا الْتَقَطَتْهُ وَلَمْ تَقُمْ لَهَا بَيِّنَةٌ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ: يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ فَإِنْ رَأَوْا عَلَيْهَا أَثَرَ الْوِلَادَةِ صُدِّقَتْ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الْمُسْتَحَاضَةُ إذَا تَغَيَّرَ عَلَيْهَا لَوْنُ الدَّمِ وَرَائِحَتُهُ حَكَمْنَا بِأَنَّهَا حَيْضَةٌ مُؤْتَنَفَةٌ، وَيُبْنَى عَلَى تِلْكَ الْأَمَارَةِ خُرُوجُهَا مِنْ الْعِدَّةِ وَحِلُّهَا لِلْأَزْوَاجِ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ بَيْعِ الْأَبْكَمِ الْأَصَمِّ وَلِعَانِهِ وَالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالْإِشَارَاتِ الْمُفْهِمَةِ، فَقَامَتْ تِلْكَ الْإِشَارَاتُ مَقَامَ اللَّفْظِ الصَّرِيحِ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ إذَا وَجَبَ حَدٌّ عَلَى صَبِيٍّ وَشُكَّ فِي بُلُوغِهِ أَوْ طَلَبَ حَقًّا يَسْتَحِقُّهُ بِالْبُلُوغِ كَسَهْمِهِ مِنْ الْغَنِيمَةِ، وَادَّعَى أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ هَلْ أَنْبَتَ أَمْ لَا. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَضِيَّةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقْتُلُونَ مِنْ الصَّبِيَّانِ مَنْ أَنْبَتَ وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْبُلُوغِ. مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ بَنَى مَسْجِدًا وَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، فَذَلِكَ كَالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ وَقْفٌ وَلَمْ يَخُصَّ زَمَانًا وَلَا شَخْصًا، وَلَا قَيَّدَ الصَّلَاةَ فِيهِ بِفَرْضٍ وَلَا نَفْلٍ، فَلَا يُحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَيُحْكَمُ بِوَقْفِيَّتِهِ. مَسْأَلَةٌ: ذَكَرَهَا بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَهِيَ جَارِيَةٌ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ، قَالَ: فَإِنْ قِيلَ مَا يَقُولُونَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ: يُوجَدُ عَلَى ظُهُورِهَا وَهَوَامِشِهَا كِتَابَةُ الْوَقْفِ، هَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِكَوْنِهَا وَقْفًا بِذَلِكَ؟ قِيلَ: هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ.

стр. 614

فَإِذَا رَأَيْنَا كُتُبًا مُودَعَةً فِي خِزَانَةٍ فِي مَدْرَسَةٍ وَعَلَيْهَا كِتَابَةُ الْوَقْفِ وَقَدْ مَضَى عَلَيْهَا مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ، كَذَلِكَ وَقَدْ اُشْتُهِرَتْ بِذَلِكَ لَمْ نَشُكَّ فِي كَوْنِهَا وَقْفًا، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمَدْرَسَةِ فِي الْوَقْفِيَّةِ، فَإِنْ انْقَطَعَتْ كُتُبُهَا أَوْ فُقِدَتْ ثُمَّ وُجِدَتْ عَلَيْهَا تِلْكَ الْوَقْفِيَّةُ، وَشُهْرَةُ كُتُبِ الْمَدْرَسَةِ فِي الْوَقْفِيَّةِ مَعْلُومَةٌ، فَيَكْفِي فِي ذَلِكَ الِاسْتِفَاضَةُ فَإِنَّ الْوَقْفَ، يَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَيَثْبُتُ بِالسَّمَاعِ وَيَثْبُتُ مَصْرِفُهُ بِذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا رَأَيْنَا كِتَابًا لَا يُعْلَمُ مَقَرُّهُ وَلَا يُعْرَفُ مَنْ كَتَبَ عَلَيْهِ الْوَقْفِيَّةَ فَهَذَا يَجِبُ التَّوَقُّفُ فِي أَمْرِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهُ، وَهُوَ عَيْبٌ يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي بِهِ الرَّدَّ. وَفِي الطُّرَرِ لِأَبِي الْحَسَنِ الطَّنْجِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ فِيمَا غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَالِ الْمُشْرِكِينَ فَوَجَدُوا فَرَسًا فِي الْغَنِيمَةِ عَلَيْهِ مَوْسُومٌ حَبْسٌ لِلَّهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِمَّا عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْحَبْسِ. قَالَ سَحْنُونٌ: مَا وُجِدَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْحَبْسِ فَإِنَّهُ يَبْقَى حَبْسًا فِي السَّبِيلِ وَفِيهِ خِلَافٌ، وَقَوْلُ سَحْنُونٍ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْمُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقَرَائِنِ، فَإِنْ قَوِيَتْ حُكِمَ بِهَا، وَإِنْ ضَعُفَتْ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا، وَإِنْ تَوَسَّطَتْ تُوُقِّفَ فِيهَا وَكُشِفَ عَنْهَا وَسُلِكَ طَرِيقُ الِاحْتِيَاطِ. هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُعَارِضْ مُعَارِضٌ، فَإِنْ عَارَضَ ذَلِكَ شَيْءٌ نُظِرَ فِيهِ، انْتَهَى. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْجَوَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْفَرَسِ الْحَبْسِ. تَنْبِيهٌ: فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا يُوجَدُ عَلَى أَبْوَابِ الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ مِنْ الْأَحْجَارِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهَا الْوَقْفِيَّةُ وَتَلْخِيصُ شُرُوطِهَا، إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْأَحْجَارُ قَدِيمَةً وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالْعُرْفِ وَالْعَادَةِ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُ مُتَوَلِّي نَظَرِ الْوَقْفِ فِي مَصْرِفِهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ كِتَابُ الْوَقْفِ وَذُكِرَ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِصَرْفِ غَلَّتِهِ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي يَذْكُرُهَا، وَكَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ مُتَقَبَّلِ الْحَمَّامِ، وَفِي مَسْأَلَةِ مَنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ حَبْسٌ وَأَقَرَّ أَنَّهُ حَبْسٌ وَذَكَرَ أَنَّ مَصْرِفَهُ فِي وُجُوهٍ عَيَّنَهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يُقْبَلُ وَيُعْمَلُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُوجَدْ كِتَابُ الْوَقْفِ وَلَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَحْجَارِ الْمُتَحَقَّقِ أَنَّهَا قَدِيمَةٌ مَا لَمْ يُعَارِضْهَا مُعَارِضٌ.

стр. 615

فَرْعٌ: وَلَوْ بَنَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْفِ أَوْ أَصْلَحَ فِيهِ شَيْئًا وَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّا نَحْكُمُ بِوَقْفِيَّتِهِ سَوَاءٌ كَانَ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ﵀ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ لِوَرَثَتِهِ، وَلَمْ يَرَ مَا قَالَ مَالِكٌ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا أَنَّهُ حَبْسٌ، اُنْظُرْ ابْنَ رَاشِدٍ فِي شَرْحِ ابْنِ الْحَاجِبِ، لِأَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ وَالْوَصِيَّةَ بِهِ لِأَوْلَادِهِ أَمَارَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ إلْحَاقَهُ بِالْحَبْسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ هَذَا الْبَابِ التَّقْلِيدُ فِي الْقِبْلَةِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِهِ تَعْلِيقَةُ الْخِلَافِ. حَكَى الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَصَّارِ، قَالَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀: إذَا دَخَلَ رَجُلٌ بَلَدًا خَرَابًا لَا أَحَدَ فِيهَا وَقَدْ مَضَى وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ أَوْ لَمْ تَخْفَ دَلَائِلُ الْقِبْلَةِ، رَجَعَ إلَى اجْتِهَادِهِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى تِلْكَ الْمَحَارِيبِ، وَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، وَكَانَتْ الْقَرْيَةُ لِلْمُسْلِمِينَ صَلَّى إلَى تِلْكَ الْمَحَارِيبِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَسَاجِدَهُمْ وَآثَارَهُمْ لَا تَخْفَى، وَأَنَّ قِبْلَتَهُمْ وَمَحَارِيبَهُمْ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ. وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَحَارِيبَ مَنْصُوبَةً فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامِرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الصَّلَاةُ وَتَتَكَرَّرُ، وَيُعْلَمُ أَنَّ إمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ بَنَاهَا فَإِنْ كَانَ الْعَالِمُ وَالْعَامِّيُّ يُصَلُّونَ إلَى تِلْكَ الْقِبْلَةِ فَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادٍ وَأَمَّا الْمَسَاجِدُ الَّتِي تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى، فَإِنَّ الْعَالِمَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى الْجِهَةِ، فَإِنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الدَّلَائِلُ صَلَّى إلَى تِلْكَ الْمَحَارِيبِ إذَا كَانَ بَلَدًا لِلْمُسْلِمِينَ عَامِرًا، لِأَنَّ هَذَا أَقْوَى مِنْ اجْتِهَادِهِ مَعَ خَفَاءِ الدَّلَائِلِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الْعَامِّيُّ فَيُصَلِّي فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ إذْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذَا شَرْطُهُ أَنْ لَا يَشْتَهِرَ الطَّعْنُ فِيهَا كَمُحَارِبِ الْقُرَى وَغَيْرِهَا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهَا مَا زَالَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يُنَبِّهُونَ عَلَى فَسَادِهَا، وَلِلزَّيْنِ الدِّمْيَاطِيِّ فِي ذَلِكَ كِتَابٌ وَلِغَيْرِهِ، وَقَدْ قَصَدَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ تَغْيِيرَ مِحْرَابِ الشَّافِعِيِّ وَالْمَدْرَسَةِ وَمُصَلَّى خَوْلَانَ، فَعَالَجَهُ مَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مِحْرَابُ الْمَحَلَّةِ مَدِينَةِ الْغَرْبِيَّةِ وَالْفَيُّومِ وَمُنْيَةِ بْنِ خَصِيبٍ، وَهِيَ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَهَا عَالِمٌ وَلَا عَامِّيٌّ.

стр. 616

مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبِ بْنِ نَصْرٍ: سَأَلْت سَحْنُونَ عَنْ الزَّنْقَةِ غَيْرِ النَّافِذَةِ لِأَقْوَامٍ فِيهَا أَبْوَابُ دُورِهِمْ، وَدُبُرُ رَجُلٍ إلَيْهَا لَيْسَ لَهُ فِيهَا إلَّا حَائِطٌ دُبُرَ دَارِهِ، وَكَنِيفٌ قَدِيمٌ فِي الزَّنْقَةِ مُلْصَقٌ بِهَذَا الْحَائِطِ، وَلِلْكَنِيفِ قَنَاةٌ تَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا فِي الزُّقَاقِ إلَّا هَذَا الْكَنِيفُ، وَبِئْرٌ مُغَطًّى، وَالْقَنَاةُ لَمْ يَجْرِ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ زَمَانٍ، فَأَرَادَ صَاحِبُ الدَّارِ فَتْحَ الْقَنَاةِ إلَى الْكَنِيفِ وَيَجْرِي فِيهَا الْعَذِرَةُ فَمَنَعَهُ أَهْلُ الزَّنْقَةِ، فَقَالَ: لَيْسَ لَهُمْ مَنْعَةٌ إلَّا أَنْ يَدَّعُوا الْكَنِيفَ فَيُكْشَفُ عَنْ دَعْوَاهُمْ، فَأَمَّا إنْ لَمْ يَدَّعُوهُ فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ بِهَذِهِ الرُّسُومِ وَالْآثَارِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِصَاحِبِ هَذِهِ الدَّارِ. فَرْعٌ: وَإِذَا أُحْدِثَ عَلَى جَارِهِ بَابٌ أَوْ كُوَّةٌ وَثَبَتَ ضَرَرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْبَابَ يُغْلَقُ غَلْقًا حَصِينًا وَتُقْلَعُ مِنْهُ الْعَتَبَةُ لِئَلَّا تَكُونَ حُجَّةً عِنْدَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرُوا فِي الْكُوَّةِ إذَا سُدَّتْ أَنَّهُ يُقْلَعُ مِنْهَا الْعَتَبَةُ الْعُلْيَا لِئَلَّا يَكُونَ حُجَّةً، وَتُغَيَّرَ عَضَائِدُ الْبَابِ وَلَا يَكُونَ غَلْقُهُ إلَّا بِالْحِجَارَةِ وَالطُّوبِ وَقَلْعِ الْعَتَبِ حَتَّى لَا يُشَكَّ فِيهِ أَوْ يُرْتَابَ أَنَّهُ بَابٌ. فَرْعٌ: وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ: قَالَ أَشْهَبُ إذَا تَدَاعَيَا جِدَارًا مُتَّصِلًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا، وَعَلَيْهِ جُذُوعٌ لِلْآخَرِ فَهُوَ لِمَنْ اتَّصَلَ بِبِنَائِهِ، وَلِصَاحِبِ الْجُذُوعِ مَوْضِعُ جُذُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ حَوْزُهُ، وَيُقْضَى بِالْجِدَارِ لِمَنْ عَلَيْهِ عُقُودُ الْأَرْبِطَةِ، وَلِلْآخَرِ بِمَوْضِعِ جُذُوعِهِ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَشْرُ خَشَبَاتٍ عَلَيْهِ، وَلَا رُبُطَ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لَا عَلَى عَدَدِ الْخَشَبِ، وَتَبْقَى خُشْبَانُهَا بِحَالِهَا، وَإِنْ انْكَسَرَتْ خَشَبَةُ أَحَدِهِمَا رَدَّهَا مِثْلَ مَا كَانَتْ، وَلَا يُجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ خَشَبِهِ مِنْهُ. فَرْعٌ: وَلَوْ كَانَتْ عُقْدَةٌ لِأَحَدِهِمَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَلِلْآخَرِ فِي مَوْضِعٍ قُسِمَ بَيْنَهُمَا عَلَى عَدَدِ الْعُقُودِ، وَإِنْ لَمْ يُعْقَدْ لِأَحَدِهِمَا وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ خَشَبٌ مَعْقُودَةٌ بِعَقْدِ الْبِنَاءِ، أَوْ مَنْقُوبَةٌ فَعُقَدُ الْبِنَاءِ يُوجِبُ مِلْكَ الْحَائِطِ، لِأَنَّهُ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَالِكِ، وَقِيلَ: لَا يُوجِبُهُ فِي الْمَنْقُوبَةِ نَظَرًا لِأَنَّهَا طَارِئَةٌ عَلَى الْحَائِطِ.

стр. 617

مَسْأَلَةٌ: وَالْكُوَى كَعُقَدِ الْبِنَاءِ يُوجِبُ الْمِلْكَ، وَكُوَى الضَّوْءِ الْمَنْفُوذَةِ لَا دَلِيلَ فِيهَا. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا عُقَدٌ وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ خَشَبٌ وَلَوْ وَاحِدَةً فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا كُوًى مَنْفُوذَةٌ أَوْجَبَتْ الْمِلْكَ. تَنْبِيهٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: الْمُدْرَكُ فِي هَذِهِ الْفَتَاوَى كُلِّهَا شَوَاهِدُ الْعَادَاتِ، فَمَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ عَادَةٌ قَضَى بِهَا، وَإِذَا اخْتَلَفَ الْعَوَائِدُ فِي الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَجَبَ اخْتِلَافُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى عَادَةٍ، إذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ: وَفِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ فِي سَمَاعِ يَحْيَى مِنْ قَوْلِ ابْنِ وَهْبٍ فِيمَنْ أَوْدَعَ رَجُلًا دَنَانِيرَ، وَعَهِدَ إلَيْهِ فِيهَا أَنْ لَا يَدْفَعَهَا إلَّا إلَى مَنْ أَتَى بِأَمَارَةٍ أَعْلَمَهُ بِهَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا غَيْرُهُ، فَأَتَى رَجُلٌ بِتِلْكَ الْأَمَارَةِ فَدَفَعَ إلَيْهِ الْمَالَ وَمَاتَ الْمُودِعِ رَبُّ الْمَالِ، فَقَالَ وَرَثَتُهُ لِلْمُودَعِ: مَا صَنَعْت بِمَالِنَا؟ فَقَالَ: صَنَعْت بِهِ الَّذِي أَمَرَنِي أَبُوكُمْ، وَلَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِمَا أَمَرَنِي بِهِ أَنَّهُ يَحْلِفُ، لَقَدْ فَعَلَ بِهِ الَّذِي أَمَرَهُ بِهِ فِي الْمَالِ لَمْ يَتَعَدَّهُ إلَى غَيْرِهِ وَيَبْرَأُ، قَالَ يَحْيَى: وَسَأَلْت عَنْهُ ابْنَ الْقَاسِمِ فَقَالَ مِثْلَهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ صَدَّقُوهُ فِي الْأَمَارَةِ وَأَنَّ أَبَاهُمْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَلِذَلِكَ حَلَفَ أَنَّهُ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَبَرِيءَ وَأَمَّا لَوْ كَذَّبُوهُ فِي دَعْوَاهُ كُلِّهَا وَطَلَبُوا مَالَهُمْ لَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ بِكِتَابِ الْمُودِعِ رَبِّ الْمَالِ إلَى الْمُودِعِ بِأَمَارَةٍ لِيَدْفَعَ إلَيْهِ الْوَدِيعَةَ، وَهُوَ يَعْرِفُ خَطَّهُ وَأَمَارَتَهُ فَصَدَّقَ كِتَابَهُ وَدَفَعَهَا إلَى الرَّسُولِ، ثُمَّ أَنْكَرَ رَبُّهَا حَلَفَ أَنَّهُ مَا أَمَرَهُ وَلَا كَتَبَ بِذَلِكَ إلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَغْرَمُ الْمُودَعُ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُودَعُ إلَى الْقَابِضِ مِنْهُ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَتَى بِهِ، وَلَا مَعْرِفَتُهُ بِصِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ، وَشَهَادَتُهُ بِصِدْقِهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ: وَاَلَّذِي جَاءَهُ الْكِتَابُ وَإِنْ عَرَفَ خَطَّهُ وَأَمَارَتَهُ لَا يَدْفَعُ إلَيْهِ وَدِيعَةَ الْغَائِبِ وَلَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: إنْ دَفَعَهَا إلَى الرَّسُولِ ثُمَّ اجْتَمَعَ مَعَ رَبِّهَا فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فَسَكَتَ ثُمَّ طَالَبَهُ بَعْدُ، فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَا أَمَرَهُ فُلَانٌ بِقَبْضِهِ، وَمَا كَانَ سُكُوتُهُ رِضًا بِقَبْضِهِ ثُمَّ يُغَرِّمُهُ، وَلَوْ عَلِمَ بِقَبْضِهِ فَجَاءَ إلَى الدَّافِعِ وَقَالَ لَهُ: كَلِّمْ فُلَانًا الْقَابِضَ يَحْتَالُ لِي فِي الْمَالِ كَانَ رِضًا بِقَبْضِهِ بِهِ، وَالدَّافِعُ بَرِيءٌ مِنْ ابْنِ سَهْلٍ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ.

стр. 618

فَرْعٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ سَحْنُونٍ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: وَكَّلَنِي فُلَانٌ عَلَى قَبْضِ دَيْنِهِ مِنْك وَعَدَدُهُ كَذَا، فَصَدَّقَهُ فِي الْوَكَالَةِ وَأَقَرَّ بِالدَّيْنِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الدَّفْعُ إلَيْهِ، فَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ وَأَنْكَرَ التَّوْكِيلَ غُرِّمَ الْمُقِرُّ، لِأَنَّ الْحُكْمَ كَانَ بِإِقْرَارِهِ، وَهَذِهِ مَذْكُورَةٌ فِي بَابِ التَّصْدِيقِ. تَنْبِيهٌ: وَالْأَصْلُ فِي الْأَمَارَةِ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ حِينَ أَرَادَ السَّفَرَ إلَى خَيْبَرَ، إذَا أَتَيْت وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِذَا طَلَبَ مِنْك آيَةً فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ» ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَأَقَامَ الْعَلَامَةَ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ. [فَصْلٌ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الْفِرَاسَةِ وَالْمَنْعِ مِنْ الْحُكْمِ بِهَا] وَالْأَصْلُ فِي الْفِرَاسَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] ، «فَسَّرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لِلْمُتَفَرِّسِينَ» ، ذَكَرَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ. وَقَالَ ﵊: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ» وَقَالَ ﵊: «إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ» ، ذَكَرَهُمَا التِّرْمِذِيُّ. وَالْفِرَاسَةُ نَاشِئَةٌ عَنْ جَوْدَةِ الْقَرِيحَةِ وَحِدَّةِ النَّظَرِ وَصَفَاءِ الْفِكْرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ مُذْحَجٍ فِيهِمْ الْأَشْتَرُ، فَصَعَّدَ عُمَرُ فِيهِ النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ وَقَالَ: أَيُّهُمْ هَذَا؟ فَقَالُوا: مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَالَ: مَا لَهُ قَاتَلَهُ اللَّهُ أَنِّي لَأَرَى لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ يَوْمًا عَصِيبًا، فَكَانَ مِنْهُ فِي الْفِتْنَةِ مَا كَانَ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَفْدٌ مِنْ الْيَمَنِ وَكَانَ عُمَرُ مَعَ الصَّحَابَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَشَارُوا إلَى رَجُلٍ مِنْ الْوَفْدِ وَقَالُوا لِعُمَرَ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَا؟ فَقَالَ: لَعَلَّهُ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ، فَكَانَ كَذَلِكَ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَمِعَ امْرَأَةً تُنْشِدُ فِي الطَّوَافِ: فَمِنْهُنَّ مَنْ تُسْقَى بِعَذْبٍ مُبَرَّدِ ... نِقَاحٍ فَتَلِكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَرَّتْ

стр. 619

وَمِنْهُنَّ مَنْ تُسْقَى بِأَخْضَرَ آجِنٍ ... أُجَاجٍ وَلَوْلَا خَشْيَةُ اللَّهِ رَنَّتْ فَتَفَرَّسَ عُمَرُ ﵁ مَا تَشْكُوهُ فَبَعَثَ إلَى زَوْجِهَا فَاسْتَنْكَهَهُ فَإِذَا هُوَ أَبْخَرُ الْفَمِ فَأَعْطَاهُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَجَارِيَةً عَلَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فَفَعَلَ. رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ وَكَانَ قَدْ مَرَّ بِالسُّوقِ فَنَظَرَ إلَى امْرَأَةٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ عُثْمَانُ قَالَ لَهُ: يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ عَلَيْنَا وَفِي عَيْنَيْهِ أَثَرُ الزِّنَا، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَوَحْيٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ بُرْهَانٌ وَفِرَاسَةٌ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁. فَإِنْ قُلْت: هَلْ الْقَافَةُ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِكَوْنِهَا مَبْنِيَّةً عَلَى الْحَدْسِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، بَلْ هِيَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الشَّبَهِ وَهُوَ أَصْلٌ مَعْمُولٌ بِهِ فِي الشَّرْعِ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْفِرَاسَةُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا حُكْمٌ. وَقَدْ كَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ الشَّاشِيُّ الْمَالِكِيُّ بِبَغْدَادَ أَيَّامَ كُوفِيِّ الشَّامِيِّ يَحْكُمُ بِالْفِرَاسَةِ، جَرْيًا عَلَى طَرِيقِ الْقَاضِي إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ إيَاسُ قَاضِيًا فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَهُ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ بِطَرِيقِ الْفِرَاسَةِ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَكَانَ شَيْخُنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيُّ صَنَّفَ جُزْءًا بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، كَتَبَهُ لِي بِخَطِّهِ وَأُعْطِينَاهُ وَذَلِكَ صَحِيحٌ، فَإِنَّ مَدَارِكَ الْأَحْكَامِ مَعْلُومَةٌ شَرْعًا مُدْرَكَةٌ قَطْعًا، وَلَيْسَتْ الْفِرَاسَةُ مِنْهَا انْتَهَى. وَالْحُكْمُ بِالْفِرَاسَةِ مِثْلُ الْحُكْمِ بِالظَّنِّ وَالْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ، وَذَلِكَ فِسْقٌ وَجَوْرٌ مِنْ الْحَاكِمِ، وَالظَّنُّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَإِنَّمَا أُجِيزَتْ شَهَادَةُ التَّوَسُّمِ فِي مَحِلٍّ مَخْصُوصٍ لِلضَّرُورَةِ

стр. 620

[الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ الْكِتَابِ فِي الْقَضَاءِ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ] وَالسِّيَاسَةُ نَوْعَانِ: سِيَاسَةٌ ظَالِمَةٌ فَالشَّرْعُ يُحَرِّمُهَا، وَسِيَاسَةٌ عَادِلَةٌ تُخْرِجُ الْحَقَّ مِنْ الظَّالِمِ وَتَدْفَعُ كَثِيرًا مِنْ الْمَظَالِمِ، وَتَرْدَعُ أَهْلَ الْفَسَادِ وَيُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ، فَالشَّرْعِيَّةُ تُوجِبُ الْمَصْدَرَ إلَيْهِ وَالِاعْتِمَادَ فِي إظْهَارِ الْحَقِّ عَلَيْهَا، وَهِيَ بَابٌ وَاسِعٌ تَضِلُّ فِيهِ الْأَفْهَامُ وَتَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ، وَإِهْمَالُهُ يُضَيِّعُ الْحُقُوقَ وَيُعَطِّلُ الْحُدُودَ، وَيُجَرِّئُ أَهْلَ الْفَسَادِ وَيُعِينُ أَهْلَ الْعِنَادِ. وَالتَّوَسُّعُ فِيهِ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْمَظَالِمِ الشَّنِيعَةِ، وَيُوجِبُ سَفْكَ الدِّمَاءِ وَأَخْذَ الْأَمْوَالِ بِغَيْرِ الشَّرِيعَةِ، وَبِهَذَا سَلَكَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ مَسْلَكَ التَّفْرِيطِ الْمَذْمُومِ، فَقَطَعُوا النَّظَرَ عَنْ هَذَا الْبَابِ إلَّا فِيمَا قَلَّ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ تَعَاطِيَ ذَلِكَ مُنَافٍ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، فَسَدُّوا مِنْ طُرُقِ الْحَقِّ سَبِيلًا وَاضِحَةً، وَعَدَلُوا إلَى طَرِيقِ الْعِنَادِ فَاضِحَةً، لِأَنَّ فِي إنْكَارِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالنُّصُوصِ الشَّرِيفَةِ تَغْلِيطًا لِلْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. وَطَائِفَةٌ سَلَكَتْ هَذَا الْبَابَ مَسْلَكَ الْإِفْرَاطِ، فَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَرَجُوا عَنْ قَانُونِ الشَّرْعِ إلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الظُّلْمِ وَالْبِدَعِ وَالسِّيَاسَةِ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ السِّيَاسَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَنْ سِيَاسَةِ الْخَلْقِ وَمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ جَهْلٌ وَغَلَطٌ فَاحِشٌ. فَقَدْ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، فَدَخَلَ فِي هَذَا جَمِيعُ مَصَالِحِ الْعِبَادِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، وَقَالَ ﷺ : «تَرَكْت فِيكُمْ مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» . وَطَائِفَةٌ تَوَسَّطَتْ وَسَلَكَتْ فِيهِ مَسْلَكَ الْحَقِّ وَجَمَعُوا بَيْنَ السِّيَاسَةِ وَالشَّرْعِ، فَقَمَعُوا الْبَاطِلَ وَدَحَضُوهُ، وَنَصَبُوا الشَّرْعَ وَنَصَرُوهُ، وَاَللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ] وَهَذَا الْقِسْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ:

стр. 621

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ الْأَحْكَامَ بِحِكَمٍ، مِنْهَا مَا أَدْرَكْنَاهُ وَمِنْهَا مَا خَفِيَ عَلَيْنَا رَعْيًا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ وَدَرْءًا لِمَفَاسِدِهِمْ، تَفَضُّلًا لَا وَاجِبًا وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: شُرِعَ لِكَسْرِ النَّفْسِ، كَالْعِبَادَاتِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: شُرِعَ لِجَلْبِ بَقَاءِ الْإِنْسَانِ كَالْإِذْنِ فِي الْمُبَاحَاتِ الْمُحَصَّلَةِ لِلرَّاحَةِ مِنْ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالْمَسْكَنِ وَالْوَطْءِ وَشِبْهِ ذَلِكَ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: شُرِعَ لِدَفْعِ الضَّرُورَاتِ، كَالْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاتِ لِافْتِقَارِ الْإِنْسَانِ، إلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ الْأَعْيَانِ وَاحْتِيَاجِهِ إلَى اسْتِخْدَامِ غَيْرِهِ فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ: شُرِعَ تَنْبِيهًا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، كَالْحَضِّ عَلَى الْمُوَاسَاةِ وَعِتْقِ الرِّقَابِ وَالْهِبَاتِ وَالْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. الْقِسْمُ الْخَامِسُ: وَهُوَ الْمَقْصُودُ شُرِعَ لِلسِّيَاسَةِ وَالزَّجْرِ وَهُوَ سِتَّةُ أَصْنَافٍ: الصِّنْفُ الْأَوَّلُ: شُرِعَ لِصِيَانَةِ الْوُجُودِ، كَالْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] . مَعْنَاهُ أَنَّ الْقِصَاصَ الَّذِي كَتَبْته عَلَيْكُمْ إذَا أُقِيمَ ازْدَجَرَ النَّاسُ عَنْ الْقَتْلِ، قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ وَإِبَانَةِ الْغَرَضِ مِنْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْقِصَاصَ حَيَاةً وَنَكَالًا وَعِظَةً لِأَهْلِ الْجَهْلِ، فَكَمْ رَجُلٍ هَمَّ بِدَاهِيَةٍ لَوْلَا مَخَافَةُ الْقِصَاصِ لَوَقَعَ بِهَا، وَلَكِنَّ

стр. 622

الْقِصَاصَ حَجَزَ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَخَصَّ أُولِي الْأَلْبَابِ، وَإِنْ كَانَ الْخَطَّابُ عَامًّا؛ لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْعُقُولِ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ فِي الْعَوَاقِبِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] يَعْنِي الدِّمَاءَ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الْآيَةَ لِيَزْدَجِرَ النَّاسُ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ قِتَالُ الْخَوَارِجِ وَالْمُحَارِبِينَ وَالْكُفَّارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ، وَفِي قِتَالِ الْكُفَّارِ زِيَادَةُ مَعْنًى هُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ الْحَقِّ وَمَحْوُ الشِّرْكِ. الصِّنْفُ الثَّانِي: مِنْ الْأَحْكَامِ: شُرِعَ حِفْظُ الْأَنْسَابِ كَحَدِّ الزِّنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ، وَبَيَّنَتْ السُّنَّةُ حُكْمَ التَّغْرِيبِ وَحَدَّ الزَّانِي الثَّيِّبِ. الصِّنْفُ الثَّالِثُ: مِنْ الْأَحْكَامِ شُرِعَ لِصِيَانَةِ الْأَعْرَاضِ، لِأَنَّ صِيَانَتَهَا لَمِنْ أَكْبَرِ الْأَغْرَاضِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] ، وَأَلْحَقَ الشَّرْعُ بِذَلِكَ التَّعْزِيرَ عَلَى السَّبِّ وَالْأَذَى بِالْقَوْلِ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ. الصِّنْفُ الرَّابِعُ: مِنْ الْأَحْكَامِ شُرِعَ لِصِيَانَةِ الْأَمْوَالِ، كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَحَدِّ الْحِرَابَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] ، وَيُلْتَحَقُ بِذَلِكَ تَعْزِيرُ الْغُصَّابِ وَنَحْوِهِمْ. الصِّنْفُ الْخَامِسُ: مِنْ الْأَحْكَامِ شُرِعَ لِحِفْظِ الْعَقْلِ، كَحَدِّ الْخَمْرِ وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] وَوَرَدَتْ السُّنَّةُ بِحَدِّ الشَّارِبِ. الصِّنْفُ السَّادِسُ: مِنْ الْأَحْكَامِ شُرِعَ لِلرَّدْعِ وَالتَّعْزِيرِ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] إلَى قَوْلِهِ:

стр. 623

﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] ، أَيْ لِيَذُوقَ جَزَاءَ فِعْلِهِ وقَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢] ، ثُمَّ شَرَعَ كَفَّارَةَ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ [المجادلة: ٣] إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ٤] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤] الْآيَةَ. وَقِصَّةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ عَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ غِفَارٍ أَقْبَلَا يُرِيدَانِ الْإِسْلَامَ، حَتَّى إذَا كَانَا قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَةِ أَمْسَيَا فَبَاتَا، وَأَتَى أُنَاسٌ يَظْهَرُونَ إلَى الْمَدِينَةِ فَبَاتُوا قَرِيبًا مِنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ السَّحَرِ قَامُوا لِيَذْهَبُوا فَقَعَدُوا قَرِيبًا مِنْ الْإِبِلِ، فَاتَّهَمُوا الْغِفَارِيَّيْنِ فَأَخَذُوهُمْ، فَأَتَوْا بِهِمَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَبَسَ الْوَاحِدَ وَأَرْسَلَ الْآخَرَ، فَوَجَدَهُمَا قَرِيبًا مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي بَاتُوا فِيهِ فَأَتَوْا بِهِمَا. فَقَالَ الْغِفَارِيَّانِ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كُنَّا لَبَرَاءً، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اسْتَغْفِرُوا لِي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: غَفَرَ اللَّهُ لَك، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَلَك يَغْفِرُ اللَّهِ وَقَبِلَك اللَّهُ فِي سَبِيلِهِ وَقَالَ لِلْآخَرِ: اسْتَغْفِرْ لِي فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنْ كُنَّا لَبَرَاءً، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ اسْتَغْفِرْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَيْحَك، فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَك، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنْ أَخْذِ الرَّجُلِ بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَغَيْرِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ ثَقِيفَةَ كَانَتْ حُلَفَاءَ لِبَنِي غِفَارٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَمَعَهُ نَاقَةٌ لَهُ، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ بِمَ أَخَذْتنِي وَأَخَذْت سَابِقَةَ الْحَاجِّ، فَقَالَ أَخَذْتُك بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك ثَقِيفٍ قَدْ كَانُوا أَسَرُوا رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يَمُرُّ بِهِ وَهُوَ مَحْبُوسٌ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ إنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: لَوْ كُنْت قُلْت ذَلِكَ وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك أَفْلَحْت، فَفَدَاهُ النَّبِيُّ بِرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» .

стр. 624

وَمِنْ ذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا أَجْلَى يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ مِنْ الْمَدِينَةِ، عَلَى أَنَّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ غَيْرَ اللُّقَطَةِ وَالسِّلَاحِ كَانَ لِأَبِي الْحَقِيقِ، مَالٌ عَظِيمٌ بَلَغَ مَسْكَ ثَوْرٍ، أَيْ مِلْءَ جِلْدِ ثَوْرٍ مِنْ ذَهَبٍ وَحُلِيٍّ وَآنِيَةٍ مَصُوغَةٍ. فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ، حَاصَرَ الْحِصْنَ الَّذِي فِيهِ ابْنُ أَبِي الْحَقِيقِ، فَنَزَلَ فَصَالَحَ عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ مَنْ فِي حِصْنِهِمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا بِذَرَارِيِّهِمْ، وَيُخَلُّوا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَأَرْضٍ، وَعَلَى تَرْكِ الْبَيْضَاءِ وَالصَّفْرَاءِ وَالْكُرَاعِ إلَّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ مِنْكُمْ إنْ كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِكِنَانَةَ بْنِ الرَّبِيعِ عَمِّ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ النَّضِيرِ؟ فَقَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ كَثِيرٌ. أَرَأَيْت إنْ وَجَدْنَاهُ عِنْدَك أَقْتُلُك؟ قَالَ: نَعَمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إنِّي رَأَيْت كِنَانَةَ يَطُوفُونَ بِهَذِهِ الْخَرِبَةِ كُلَّ غَدَاةٍ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْخَرِبَةِ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا بَعْضَ كَنْزِهِمْ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَمَّا بَقِيَ، فَأَبَى أَنْ يُؤَدِّيَهُ، فَأَمَرَ بِهِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فَقَالَ: عَذِّبْهُ حَتَّى تَسْتَأْصِلَ مَا عِنْدَهُ، وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقْدَحُ بِزَنْدٍ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِأَخِيهِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ» . وَإِنَّمَا فَعَلَ بِكِنَانَةَ لِأَنَّ الْكَنْزَ كَانَ عِنْدَهُ، وَصَاحِبُ الْكَنْزِ كَانَ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقُتِلَ مَعَهُمْ فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ ذَكَرَهَا ابْنُ هِشَامٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ السِّيَرِ.

стр. 625

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ «لَمَّا وَقَعَتْ قَضِيَّةُ الْإِفْكِ وَتَكَلَّمَ النَّاسُ بِهَا، اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵄، فَقَالَ زَيْدٌ: أَهْلُك يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا وَهَذَا الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ. وَأَمَّا عَلِيٌّ ﵁ فَإِنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ النِّسَاءَ كَثِيرٌ، وَإِنَّك لَتَقْدِرُ أَنْ تَسْتَخْلِفَ، وَاسْأَلْ الْجَارِيَةَ فَإِنَّهَا سَتَصْدُقُك، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَرِيرَةَ لِيَسْأَلَهَا، فَقَامَ إلَيْهَا عَلِيٌّ فَضَرَبَهَا ضَرْبًا شَدِيدًا وَجَعَلَ يَقُولُ: اُصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَتَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا وَمَا كُنْت أَعِيبُ عَلَى عَائِشَةَ، إلَّا أَنِّي كُنْت أَعْجِنُ الْعَجِينَ فَآمُرُهَا أَنْ تَحْفَظَهُ، فَتَنَامُ عَنْهُ فَتَأْتِي الشَّاةُ فَتَأْكُلُهُ» وَهَذَا مِنْ السِّيَاسَةِ لِأَنَّهُ ضَرَبَهَا لِتُقِرَّ بِمَا عِنْدَهَا. وَمِنْ ذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ رَجُلًا فَاتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ جَاسُوسٌ لِلْعَدُوِّ فَعَاقَبُوهُ حَتَّى أَقَرَّ» ، نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ فِي بَابِ السِّيَاسَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ «أَنَّهُ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يُثَبِّطُونَ النَّاسَ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ الْبَيْتَ فَفَعَلَ طَلْحَةُ ذَلِكَ، وَاقْتَحَمَ الضِّحَاكُ بْنُ خَلِيفَةَ مِنْ ظَهْرِ الْبَيْتِ فَانْكَسَرَتْ رِجْلُهُ، وَاقْتَحَمَ أَصْحَابُهُ فَأَفْلَتُوا» . وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي جَامِعِ الْخِلَالِ، «أَنَّهُ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةِ دَمٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً» ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد «أَنَّهُ حُبِسَ فِي تُهْمَةٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ» . وَفِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ فِي بَابِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ: «أَنَّهُ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا اتَّهَمَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِسَرِقَةٍ وَكَانَ صَاحِبُهُ فِي السَّفَرِ» . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» ، رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ، وَعَنْهُ أَيْضًا: قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ

стр. 626

آمُرَ فِتْيَانًا فَيَجْمَعُونَ حُزَمًا مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ آتِيَ قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَ لَهُمْ عُذْرٌ فَأُحَرِّقَهَا عَلَيْهِمْ» ، وَاخْتُلِفَ هَلْ هَذَا فِي الْمُؤْمِنِينَ أَوْ الْمُنَافِقِينَ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فِي الْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ: يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَالْمُنَافِقُونَ لَا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . وَفَائِدَةُ قَوْلِهِ لَقَدْ هَمَمْت تَقْدِيمَ الْوَعِيدِ كَالتَّهْدِيدِ عَلَى الْعُقُوبَةِ، لِأَنَّ الْمُفْسِدَةَ إذَا ارْتَفَعَتْ وَانْدَفَعَتْ بِالْأَخَفِّ مِنْ الزَّوَاجِرِ لَمْ يُعْدَلْ إلَى الْأَعْلَى. وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي جَارًا يُؤْذِينِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَتَاعَك إلَى الطَّرِيقِ فَانْطَلَقَ فَأَخْرَجَ مَتَاعَهُ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إلَيْهِ فَقَالُوا: مَا شَأْنُك؟ فَقَالَ لِي جَارٌ يُؤْذِينِي، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، اللَّهُمَّ أَخْرِجْهُ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَتَاهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إلَى مَنْزِلِك فَوَاَللَّهِ لَا أُؤْذِيكَ» . وَمِمَّا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي قِتَالِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ وَاجْتِهَادِهِ فِي الْحُكْمِ بِقِتَالِهِمْ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَمَرَ بِتَحْرِيقِ قَصْرِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ احْتَجَبَ عَنْ الْخُرُوجِ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ وَصَارَ يَحْكُمُ فِي دَارِهِ، وَأَمَرَ أَيْضًا بِتَحْرِيقِ حَانُوتِ رُوَيْشِدٍ الثَّقَفِيِّ، الَّذِي كَانَ يَبِيعُ الْخَمْرَ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ فُوَيْسِقٌ وَلَسْت بِرُوَيْشِدٍ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ لَمَّا خَافَ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْقُرْآنِ وَيَفْتَرِقَ النَّاسُ فِيهِ، أَمَرَ بِتَحْرِيقِ الْمَصَاحِفِ وَجَمَعَ الْأُمَّةَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ لَمَّا رَأَى لَهُمْ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَرَأَوْا ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْأُمَّةِ. وَمِنْ ذَلِكَ «مَا فَعَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فِي أَثَرِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَتَبَ مَعَهَا حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا، وَجَعَلَ لَهَا عَلَيْهِ، جُعْلًا إلَى أَنْ

стр. 627

تُوصِلَهُ إلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ فِي الْكِتَابِ بِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَسِيرِ إلَيْهِمْ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ. فَجَاءَ الْخَبَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي أَثَرِ الْمَرْأَةِ حَتَّى أَدْرَكَهَا، فَاسْتَنْزَلَاهَا وَالْتَمَسَا فِي رَحْلِهَا الْكِتَابَ فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا عَلِيٌّ ﵁ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا كَذَبْنَا، وَلَتُخْرِجِي هَذَا الْكِتَابَ أَوْ لَأَكْشِفَنَّكِ، فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ مِنْهُ اسْتَخْرَجَتْ الْكِتَابَ مِنْ قُرُونِ رَأْسِهَا، وَكَانَ قَدْ جَعَلَتْهُ فِي شَعْرِهَا وَفَتَلَتْ عَلَيْهِ قُرُونَهَا فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَأَتَى بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَذَرَ حَاطِبٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مُصَانَعَةً لِمَالِهِ عِنْدَهُمْ مِنْ وَلَدٍ وَأَهْلٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] » الْآيَاتِ. فَالطَّرِيقُ الَّتِي اسْتَخْرَجَ بِهَا الْكِتَابَ مِنْ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ التَّهْدِيدُ وَالْإِرْعَابُ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِعَلِيٍّ ﵁ فِي بَعْضِ الْحُكُومَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ دَفَعَا إلَى امْرَأَةٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَدِيعَةً، وَقَالَا لَهَا: لَا تَدْفَعُهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ، فَلَبِثَا حَوْلًا وَجَاءَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ: إنَّ صَاحِبِي قَدْ مَاتَ فَادْفَعِي إلَيَّ الدَّنَانِيرَ، فَأَبَتْ وَقَالَتْ: إنَّكُمَا قُلْتُمَا لِي: لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ، فَشَفَعَ إلَيْهَا بِأَهْلِهَا وَجِيرَانِهَا وَتَلَطَّفَ حَتَّى دَفَعَتْهَا إلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: ادْفَعِي إلَيَّ الدَّنَانِيرَ، فَقَالَتْ: إنَّ صَاحِبَك جَاءَ وَادَّعَى أَنَّك قَدْ مِتّ وَدَفَعْتهَا إلَيْهِ، فَتَرَافَعَا إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَعَلِمَ أَنَّهُمَا قَدْ مَكَرَا بِهَا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمَا لَهَا لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ؟ فَقَالَ: فَاذْهَبْ فَجِئْ بِصَاحِبِك حَتَّى تَدْفَعَهَا إلَيْكُمَا، فَذَهَبَ وَلَمْ يَرْجِعْ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِعَلِيٍّ ﵁ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ إنْسَانًا شَكَا إلَى عَلِيٍّ ﵁ نَفَرًا فَقَالَ: إنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مَعَ أَبِي فِي سَفَرٍ فَعَادُوا وَلَمْ يَعُدْ أَبِي، فَسَأَلْتهمْ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ، فَسَأَلْتهمْ عَنْ مَالِهِ فَقَالُوا:

стр. 628

مَا تَرَكَ شَيْئًا، وَكَانَ مَعَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَارْتَفَعْنَا إلَى شُرَيْحٍ الْقَاضِي فَاسْتَحْلَفَهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَدَعَا عَلِيٌّ ﵁ بِالشُّرَطِ فَوَكَّلَ بِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ، وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يُمَكِّنُوا بَعْضَهُمْ يَدْنُوَا مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يُمَكِّنُوا أَحَدًا يُكَلِّمُهُمْ، وَدَعَا كَاتِبَهُ، وَدَعَا أَحَدَهُمْ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَبِي هَذَا الْفَتَى، فِي أَيِّ يَوْمٍ خَرَجَ مَعَكُمْ، وَفِي أَيِّ مَنْزِلٍ نَزَلَ مَعَكُمْ، وَكَيْفَ كَانَ يَسِيرُ مَعَكُمْ، وَبِأَيِّ عِلَّةٍ مَاتَ، وَكَيْفَ أُصِيبَ بِمَالِهِ، وَسَأَلَهُ عَمَّنْ غَسَّلَهُ وَدَفَنَهُ وَمَنْ تَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَأَيْنَ دُفِنَ، وَالْكَاتِبُ يَكْتُبُ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلِيٌّ ﵁ وَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ مَعَهُ وَالْمُتَّهَمُونَ لَا عِلْمَ لَهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ قَدْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَعَا آخَرَ بَعْدَ أَنْ غَيَّبَ الْأَوَّلَ عَنْ مَجْلِسِهِ فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلَ صَاحِبَهُ، ثُمَّ غَيَّبَهُ وَطَلَبَ الْآخَرَ وَسَأَلَهُ حَتَّى عَرَفَ مَا عِنْدَ الْجَمِيعِ، فَوَجَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ بِضِدِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ الْأَوَّلِ فَقَالَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ عَرَفْت غَدْرَك وَكَذِبَك بِمَا سَمِعْت مِنْ أَصْحَابِك، وَمَا يُنْجِيك مِنْ الْعُقُوبَةِ إلَّا الصِّدْقُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ إلَى السِّجْنِ، وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْقَوْمُ الْحَالَ لَمْ يَشُكُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَعَا آخَرَ مِنْهُمْ فَهَدَّدَهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ كُنْت كَارِهًا لِمَا صَنَعُوا، ثُمَّ دَعَا الْجَمِيعَ فَأَقَرُّوا بِالْقِصَّةِ، وَاسْتَدْعَى الْأَوَّلَ وَقِيلَ لَهُ: أَقَرَّ أَصْحَابُك وَلَا يُنْجِيك سِوَى الصِّدْقُ، فَأَقَرَّ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَأَغْرَمَهُمْ الْمَالَ وَأَقَادَ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ، وَهَذَا مِنْ السِّيَاسَةِ الْحَسَنَةِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ تَفْرِيقِ الشُّهُودِ إذَا اسْتَرَابَ الْقَاضِي مِنْهُمْ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى رَأْسِهِ فَادَّعَى الْمَضْرُوبُ أَنَّهُ خَرِسَ، وَرُفِعَتْ الْقَضِيَّةُ إلَى عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ: يُخْرَجُ لِسَانُهُ وَيُنْخَسُ اللَّقَطَةَ فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ أَحْمَرَ فَهُوَ صَحِيحُ اللِّسَانِ، وَإِنْ خَرَجَ أَسْوَدَ فَهُوَ أَخْرَسُ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لِعَلِيٍّ ﵁ فِي فِدَاءِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: يُفْدَى مِنْهُمْ مَنْ كَانَتْ جِرَاحُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ دُونَ مَنْ كَانَتْ وَرَاءَهُ فَإِنَّهُ فَارٌّ.

стр. 629

وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَضَى فِي مَوْلُودٍ لَهُ رَأْسَانِ وَصَدْرَانِ وَحِقْوٌ وَاحِدٌ، فَقِيلَ لَهُ: أَيُوَرَّثُ مِيرَاثَ اثْنَيْنِ أَوْ مِيرَاثَ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: يُتْرَكُ حَتَّى يَنَامَ ثُمَّ يُصَاحُ، فَإِنْ انْتَبَهَا جَمِيعًا كَانَ لَهُ مِيرَاثٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ انْتَبَهَ وَاحِدٌ وَبَقِيَ وَاحِدٌ كَانَ لَهُ مِيرَاثُ اثْنَيْنِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ سِيَاسَةِ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْقُضَاةِ، وَاسْتِخْرَاجِهِمْ الْحُقُوقَ بِالطُّرُقِ السِّيَاسِيَّةِ فَيَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ. [الْفَصْلُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ هَذَا الْبَابِ] إذَا ثَبَتَ قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ السِّيَاسَةَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ الطُّرُقِ الشَّرْعِيَّةِ، فَهَلْ لِلْقُضَاةِ أَنْ يَتَعَاطَوْا الْحُكْمَ بِهَا فِيمَا رُفِعَ إلَيْهِمْ مِنْ اتِّهَامِ اللُّصُوصِ وَأَهْلِ الشَّرِّ وَالتَّعَدِّي؟ وَهَلْ لَهُمْ الْكَشْفُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَرَائِمِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ لَهُمْ الْحُكْمُ بِالْقَرَائِنِ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا الْحَقُّ، وَلَا يَقِفُوا عَلَى مُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ وَقِيَامِ الْبَيِّنَاتِ؟ وَهَلْ لَهُمْ أَنْ يُهَدِّدُوا الْخَصْمَ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ أَوْ ضَرْبُهُ أَوْ سُؤَالُهُ عَنْ أَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى صُورَةِ الْحَالِ؟ فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ، مِنْ أَنَّ عُمُومَ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصَهَا وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلَايَةِ يُتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ فَقَدْ يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ، مَا يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ آخَرَ وَبِالْعَكْسِ. وَأَمَّا نُصُوصُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ فَصَرِيحَةٌ، بِأَنَّ لَهُمْ تَعَاطِيَ ذَلِكَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ فِي كِتَابِهِ الذَّخِيرَةِ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، فِي الْكَلَامِ عَلَى وِلَايَةِ الْكَشْفِ عَنْ الْمَظَالِمِ وَفِي أَحْكَامِ الْجَرَائِمِ، وَكَلَامُهُ فِيهِمَا يَقْضِي أَنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي السِّيَاسَةِ وَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهَا. وَسَأَذْكُرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ، ثُمَّ أُتْبِعُهُ نُصُوصَ أَهْلِ الْمَذْهَبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، قَالَ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ فِي الْوِلَايَةِ السِّيَاسِيَّةِ، وَهِيَ وِلَايَةُ الْكَشْفِ عَنْ الْمَظَالِمِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ وَالِي الْمَظَالِمِ وَبَيْنَ الْقُضَاةِ مِنْ عَشْرَةِ أَوْجُهٍ:

стр. 630

الْأَوَّلُ: لَهُ يَعْنِي نَاظِرَ الْمَظَالِمِ مِنْ الْقُوَّةِ وَالْهَيْبَةِ مَا لَيْسَ لَهُمْ. الثَّانِي: أَنَّهُ أَفْسَحُ مَجَالًا وَأَوْسَعُ مَقَالًا. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ مِنْ الْإِرْهَابِ وَكَشْفِ الْأَشْيَاءِ بِالْأَمَارَاتِ الدَّالَّةِ وَشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ اللَّائِحَةِ مِمَّا يُؤَدِّي إلَى ظُهُورِ الْحَقِّ بِخِلَافِهِمْ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ يُقَابِلُ مَنْ ظَهَرَ ظُلْمُهُ بِالتَّأْدِيبِ بِخِلَافِهِمْ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ يَتَأَنَّى فِي تَرْدَادِ الْخُصُومِ عِنْدَ اللَّبْسِ، لِيُمْعِنَ فِي الْكَشْفِ بِخِلَافِهِمْ إذَا سَأَلَهُمْ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ فَصْلَ الْحُكْمِ لَا يُؤَخِّرُهُ. السَّادِسُ: لَهُ رَدُّ الْخُصُومِ إذَا أُعْضِلُوا إلَى وَسَاطَةِ الْأُمَنَاءِ لِيَفْصِلُوا بَيْنَهُمْ صُلْحًا عَنْ تَرَاضٍ، وَلَيْسَ لِلْقُضَاةِ إلَّا بِرِضَا الْخَصْمَيْنِ. السَّابِعُ: لَهُ أَنْ يَفْسَخَ فِي مُلَازَمَةِ الْخَصْمَيْنِ إذَا وَضَحَتْ أَمَارَاتُ. التَّجَاحُدِ، وَيَأْذَنَ فِي إلْزَامِ الْكَفَالَةِ فِيمَا يَشْرَعُ فِيهِ التَّكَفُّلُ، لِيَنْقَادَ الْخُصُومُ إلَى التَّنَاصُفِ وَيَتْرُكُوا التَّجَاحُدَ بِخِلَافِهِمْ. الثَّامِنُ: أَنَّهُ يَسْمَعُ شَهَادَةَ الْمَسْتُورِينَ بِخِلَافِهِمْ. التَّاسِعُ: لَهُ أَنْ يُحَلِّفَ الشُّهُودَ إنْ ارْتَابَ فِيهِمْ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ. الْعَاشِرُ: أَنْ يَبْتَدِئَ بِاسْتِدْعَاءِ الشُّهُودِ وَسُؤَالِهِمْ عَمَّا عِنْدَهُمْ فِي الْقَضِيَّةِ بِخِلَافِهِمْ، لَا يَسْمَعُونَ الْبَيِّنَةَ حَتَّى يُرِيدَ الْمُدَّعِي إحْضَارَهَا، وَلَا يَسْمَعُونَهَا إلَّا بَعْدَ مَسْأَلَةِ الْمُدَّعِي لِسَمَاعِهَا، وَهَذَا تَلْخِيصُ مَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَنُصُوصُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي أَنَّ لِلْقَاضِي تَعَاطِيَ أَكْثَرِ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَشْتَدَّ حَتَّى يَسْتَنْطِقَ الْحَقَّ، وَلَا يَدَعَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى شَيْئًا، وَيَلِينَ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي الْمُقْنِعِ، وَهَذَا نَصٌّ فِي اسْتِعْمَالِ الْقُوَّةِ وَالْهَيْبَةِ. وَأَمَّا الْأَخْذُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ أَنَّ مَالِكًا ﵀ ذَهَبَ إلَى التَّوَصُّلِ إلَى الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ، وَذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] الْآيَةَ، وَلِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ بِالْأَمَارَاتِ وَالْقَرَائِنِ فِي وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَقَدْ أَفْرَدْت لَهَا بَابًا سَبَقَ ذِكْرُهُ.

стр. 631

وَفِي الْبَيَانِ وَسُئِلَ مَالِكٌ: أَيُكْرَهُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ النَّاسَ بِالتُّهْمَةِ فَيَخْلُو بِبَعْضِهِمْ فَيَقُولُ لَك الْأَمَانُ؟ وَأَخْبِرْنِي فَيُخْبِرُهُ فَقَالَ: إي وَاَللَّهِ إنِّي لَأَكْرَهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ وَيُغْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ وَجْهِ الْخَدِيعَةِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِخْبَارِ، وَلَعَلَّهُ يُخْبِرُهُ بِالْبَاطِلِ لِيَنْجُوَ مِنْ عِقَابِهِ، فَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ تَحْتَ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ لَا يَلْزَمُهُ، اُنْظُرْ تَمَامَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَذْفِ. وَأَمَّا مُقَابَلَةُ مَنْ ظَهَرَ ظُلْمُهُ بِالتَّأْدِيبِ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا انْكَشَفَ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْحَبْسُ لِيَنْدَفِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَاللَّدَدِ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ بَاعَ زَوْجَتَهُ نُكِّلَ نَكَالًا شَدِيدًا وَتَطْلُقُ عَلَيْهِ بِوَاحِدَةٍ بَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ إذَا آذَى أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ نُكِّلَ وَأُدِّبَ، وَإِنْ آذَى الشُّهُودَ نُكِّلَ بِهِ أَيْضًا. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي أَحَدٍ بِمَا لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ أُدِّبَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي عَالِمٍ بِمَا لَا يَجِبُ ضُرِبَ أَرْبَعِينَ، وَفِي بَابِ الْعُقُوبَةِ بِالتَّعْزِيرِ ذُكِرَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَأَمَّا تَأَنِّيه فِي تَرْدِيدِ الْخُصُومِ عِنْدَ اللُّبْسِ لِيُمْعِنَ فِي الْكَشْفِ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي بَابِ الْآدَابِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْقَاضِي الْأَخْذُ بِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا طَالَ الْخِصَامُ فِي أَمْرٍ وَكَثُرَ التَّشْغِيبُ فِيهِ، فَلَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَرِّقَ كُتُبَهُمْ إذَا رَجَا بِذَلِكَ تَقَارُبَ أَمْرِهِمْ، وَيَفْسَخُ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْحِجَجِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِابْتِدَاءِ الْحُكُومَةِ وَهُوَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا رَدُّ الْخُصُومِ إلَى وَسَاطَةِ الْأُمَنَاءِ لِيَفْصِلُوا بَيْنَهُمْ بِالصُّلْحِ، فَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ وَمَسَائِلُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ آدَابِ الْقَاضِي: أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا خَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ بِإِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَوْ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ، سَوَّى بَيْنَهُمَا وَأَقَامَهُمَا وَأَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ. وَقَدْ أَقَامَ سَحْنُونٌ رَجُلَيْنِ مِنْ صَالِحِي جِيرَانِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَقَالَ: اُسْتُرَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَلَا تُطْلِعَانِ عَلَى سِرِّكُمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فِي الْوَسَائِطِ.

стр. 632

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رُدُّوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ وَرِيثُ الضَّغَائِنِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يَفْسَخُ فِي مُلَازَمَةِ الْخَصْمَيْنِ إذَا وَضَحَتْ أَمَارَاتُ التَّجَاحُدِ وَالْكِتَابِ، فَعِنْدَنَا أَنَّهُ يُؤَدِّيهِمَا عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يَسْمَعُ شَهَادَاتِ الْمَسْتُورِينَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُهَا أَيْضًا فِي مَوَاطِنَ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ التَّوَسُّمِ، وَفِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يُحَلِّفُ الشُّهُودَ إذَا ارْتَابَ مِنْهُمْ فَقَدْ فَعَلَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنُ بَشِيرٍ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ، حَلَّفَ شُهُودًا فِي تَرِكَةٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ لَحَقٌّ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ وَضَّاحٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرَى لِفَسَادِ الزَّمَانِ أَنْ يُحَلِّفَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ، وَابْنُ وَضَّاحٍ مِمَّنْ أَخَذَ عَنْ سَحْنُونٍ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يَسْتَدْعِي الشُّهُودَ وَيَسْأَلُهُمْ عَمَّا عِنْدَهُمْ، فَعِنْدَنَا أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنَ ذَكَرْتهَا فِي السِّيَاسَةِ فِي الشَّهَادَاتِ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ لَيْسَ هُوَ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵀. [فَصْلٌ الْفَرْق بَيْنَ نَظَرِ الْقَاضِي وَنَظَرِ وَالِي الْجَرَائِمِ] فَصْلٌ: وَقَالَ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا فِي الذَّخِيرَةِ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، فِي الْفَرْقِ بَيْنَ نَظَرِ الْقَاضِي وَنَظَرِ وَالِي الْجَرَائِمِ، قَالَ: وَيَمْتَازُ وَالِي الْجَرَائِمِ عَلَى الْقُضَاةِ بِتِسْعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: سَمَاعُ قَذْفِ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الْأَمَارَاتِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى الْمُعْتَبَرَةِ، وَيَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ التُّهْمَةِ أَوْ لَا؟ فَإِنْ نَزَّهُوهُ أَطْلَقَهُ أَوْ قَذَفُوهُ بَالَغَ فِي الْكَشْفِ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يُرَاعِي شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ التَّهَوُّمِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا، بِأَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ بِالزِّنَا مُتَصَنِّعًا لِلنِّسَاءِ فَتَقْوَى التُّهْمَةُ، أَوْ مُتَّهَمًا بِالسَّرِقَةِ وَفِيهِ آثَارُ ضَرْبٍ مَعَ قُوَّةِ بَدَنٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الدَّعَارَةِ فَتَقْوَى أَوْ لَا يَكُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيَخِفُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْقَضَاءِ. الثَّالِثُ: تَعْجِيلُ حَبْسِ الْمَتْهُومِ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ وَمُدَّتُهُ شَهْرٌ، أَوْ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ.

стр. 633

الرَّابِعُ: يَجُوزُ لَهُ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ ضَرْبُ الْمَتْهُومِ ضَرْبَ تَقْرِيرٍ لَا ضَرْبَ حَدٍّ لِيَصْدُقَ، فَإِذَا أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اُعْتُبِرَتْ حَالُهُ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يُعْتَبَرْ إقْرَارُهُ تَحْتَ الضَّرْبِ، أَوْ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ قَطَعَ ضَرْبَهُ وَاسْتَعَادَ إقْرَارَهُ، فَإِنْ أَقَرَّ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ أَخَذَهُ بِالثَّانِي، وَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ مَعَ كَرَاهَةٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ. الْخَامِسُ: أَنَّ لَهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ بِالْحُدُودِ، اسْتِدَامَةَ حَبْسِهِ إذَا أَضَرَّ النَّاسَ بِجَرِيمَةٍ حَتَّى يَمُوتَ، وَيَقُوتُهُ وَيَكْسُوهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ. السَّادِسُ: أَنَّ لَهُ إحْلَافَ الْمَتْهُومِ لِاخْتِبَارِ حَالِهِ، وَيُغْلِظُ عَلَيْهِ الْكَشْفَ وَيُحَلِّفُهُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالصَّدَقَةِ كَأَيْمَانِ بَيْعَةِ السُّلْطَانِ، وَلَا يُحَلِّفُ الْقَاضِي أَحَدًا فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يُحَلِّفُ إلَّا بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى. السَّابِعُ: أَنَّ لَهُ أَخْذَ الْمُجْرِمِ بِالتَّوْبَةِ قَهْرًا، وَيُظْهِرَ لَهُ مِنْ الْوَعِيدِ مَا يَقُودُهُ إلَيْهَا طَوْعًا، وَيَتَوَعَّدُهُ بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ إرْهَابٌ لَا تَحْقِيقٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعِدَهُ بِالْأَدَبِ دُونَ الْقَتْلِ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ. الثَّامِنُ: أَنَّ لَهُ سَمَاعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ إذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ مِمَّنْ لَا يَسْمَعُهُمْ الْقَاضِي. التَّاسِعُ: أَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ غُرْمًا وَلَا حَدًّا، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ السَّابِقِ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقِيلَ يَبْدَأُ سَمَاعَ دَعْوَى ذِي الْأَثَرِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ السَّابِقِ وَالْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمُ جُرْمًا وَتَأْدِيبًا، وَيَخْتَلِفُ تَأْدِيبُهُمَا بِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْجُرْمِ وَبِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي قَمْعِ السَّفَلَةِ، بِإِشْهَارِهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ فَعَلَ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ التِّسْعَةُ مُجَرَّدُ الِاتِّهَامِ بِالْجَرَائِمِ، وَيَظْهَرُ بِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ. انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْقُضَاةِ تَعَاطِيَ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، أَمَّا كَوْنُهُ يَسْمَعُ قَذْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الْأَمَارَةِ، فَقَدْ اسْتَحَبُّوا لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ كَاشِفًا قَدْ ارْتَضَاهُ يَكْشِفُ لَهُ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ فِي السِّرِّ، وَيَقْبَلَ مِنْهُ مَا نَقَلَ إلَيْهِ، وَقَالُوا:

стр. 634

يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَبْطِنَ أَهْلَ الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ، وَيَقْوَى عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى مَا يَنُوبُهُ، وَقَدْ أَجَازُوا التَّجْرِيحَ بِوَاحِدٍ عَدْلٍ إذَا كَانُوا بِمَسْأَلَةِ الْقَاضِي، وَأَجَازُوا التَّجْرِيحَ فِي السِّرِّ، وَيَقْبَلُ الْقَاضِي ذَلِكَ مِنْ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ، وَهَذَا نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ فِي أَعْوَانِ الْأَمَارَاتِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يُرَاعِي شَاهِدَ الْحَالِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي مُرَاعَاةُ شَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ ذَكَرْته فِي بَابِ الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ وَالدَّلَائِلِ، وَأَمَّا تَعْجِيلُ حَبْسِ الْمَتْهُومِ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ وَمُدَّتُهُ شَهْرٌ، فَذَلِكَ أَيْضًا لِلْقَاضِي، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ: مَنْ أَتَى الْقَاضِيَ مُتَعَلِّقًا بِرَجُلٍ يَرْمِيهِ بِدَمِ وَلِيِّهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا جَاءَهُ مِثْلُ هَذَا، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ وَلِيُّ الدَّمِ، فَإِنْ أَثْبَتَ لَهُ تَعَدُّدَهُ مِنْ الْمُدَّعِي دَمَهُ كَشَفَ هَلْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَاهُ؟ فَإِنْ ادَّعَى ثُبُوتَ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ الْغَدِ، أَمَرَ الْقَاضِي بِحَبْسِ الْمُدَّعِي. وَإِنْ أَثْبَتَ التَّعَدُّدَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الدَّمِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ، إنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُتَّهَمًا أَطَالَ فِي حَبْسِهِ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا إلَى الثَّلَاثِينَ، إنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فَالْيَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا، فَإِنْ أَتَى طَالِبُ الدَّمِ فِي دَاخِلِ الْمُدَّةِ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ سَقَطَ هَذَا الْحُكْمُ وَوَجَبَتْ الزِّيَادَةُ فِي حَبْسِهِ عَلَى مَا يَرَاهُ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يَجُوزُ لَهُ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ ضَرْبُ الْمَتْهُومِ ضَرْبَ تَقْرِيرٍ، فَذَلِكَ عِنْدَنَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَعَاطِيهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ قَرِيبًا فِي الدَّعَاوَى عَلَى أَهْلِ التُّهَمِ وَالْعُدْوَانِ، وَلَكِنْ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ صِفَةِ ضَرْبِ الْحُدُودِ، وَلَا يُعَاقِبُهُمْ بِغَيْرِ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. فَفِي الْبَيَانِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ عَذَابِ اللُّصُوصِ بِالدُّهْنِ وَبِهَذِهِ الْخَنَافِسِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى بُطُونِهِمْ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ هَذَا، إنَّمَا هُوَ السَّوْطُ أَوْ السِّجْنُ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ تَجِدْ فِي ظَهْرِهِ مُضْرَبًا أَتَرَى أَنْ يُسَطَّحَ فَيُضْرَبَ فِي بَيْتِهِ؟ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا أَرَى ذَلِكَ، إنَّمَا عَلَيْك مَا عَلَيْك، وَإِنَّمَا هُوَ الضَّرْبُ فِي الظَّهْرِ بِالسَّوْطِ وَالسِّجْنُ، قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت إنْ مَاتَ بِالسَّوْطِ؟ قَالَ: إنَّمَا عَلَيْك مَا عَلَيْك. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ هَذَا الْفَصْلِ مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ، إذَا شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ فَقَالَ: رَأَيْته مَعَ فُلَانَةَ أَوْ بَيْنَ فَخِذَيْهَا وَكَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا لَمْ يُعَاقَبْ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ عُوقِبَ، وَلَكِنْ لَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ تَقْرِيرٍ، بَلْ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ وَالزَّجْرِ.

стр. 635

وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ لَهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ بِالْحُدُودِ اسْتِدَامَةَ حَبْسِهِ، فَذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ فِي الْأَحْكَامِ مَا نَصُّهُ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ فُلَانًا مِمَّنْ يَعْصِرُ الْخَمْرَ وَيَبِيعُهَا وَيُشْرِبُهَا وَيَدَّخِرُهَا، وَيَجْتَمِعُ إلَيْهِ أَهْلُ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، وَسَأَلَ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ أَهْلَ الشُّورَى فَأَجَابُوا. أَمَّا شُرْبُ الْخَمْرِ فَفِيهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ سَوْطًا، وَأَمَّا بَيْعُهَا فَإِنَّ الْأَدَبَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرْدَعُهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَنْهَاهُ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ فَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْحَبْسُ حَتَّى ظَهَرَ مِنْهُ تَوْبَةٌ بَعْدَ الْإِعْذَارِ إلَيْهِ فِيمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ فِي مَسْأَلَةٍ قَبْلَهَا فِيمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْأَذَى لِلنَّاسِ وَالشَّرِّ وَالرَّدَى وَالْفَسَادِ وَالتَّعَدِّي عَلَى النَّاسِ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْأَدَبُ الْمُوجِعُ، وَالْحَبْسُ الطَّوِيلُ، فَإِنَّ الْإِغْلَاظَ عَلَى أَهْلِ الشَّرِّ وَالْقَمْعَ لَهُمْ وَالْأَخْذَ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِمَّا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ. وَيُقَالُ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ النَّاسَ مِنْ الْبَاطِلِ لَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَذَكَرَ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى مَا نَصُّهُ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي شُهُودٌ أَنَّهُمْ قَالُوا لِفُلَانٍ: قَدْ سَاءَنَا مَا سَمِعْنَا عَنْ وَلَدَيْك مِنْ مَسِيرِهِمَا لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالشَّرِّ إلَى دَارٍ يَسْكُنُهَا فُلَانٌ، فَكَسَرُوا الْبَابَ وَهَجَمُوا عَلَى الْعِيَالِ، وَضَرَبُوا صَاحِبَ الدَّارِ حَتَّى أَشْفَقَ مِنْ الْمَوْتِ وَنَهَبُوا مَا فِي الدَّارِ، وَشَهَّدُوا شُهُودًا عَلَى الْفَعْلَةِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالشَّرِّ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْعِيَاثَةِ، وَشَاوَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ فَأَجَابَهُ الْفُقَهَاءُ: بِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تُوجِبُ الْأَدَبَ الْبَلِيغَ وَالْحَبْسَ الطَّوِيلَ عَلَى الْفَعَلَةِ، وَقَدْ ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُطَوَّلَةً فِي فَصْلِ عُقُوبَةِ الْمُحَارِبِينَ وَذَكَرْت لَهَا نَظَائِرَ. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَهُ إحْلَافُ الْمَتْهُومِ لِاخْتِبَارِ حَالِهِ وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَ الْمُتَّهَمَ وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا كَوْنُ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ فَإِنَّمَا ذَكَرُوهَا فِي الْوَالِي، يَأْخُذُ الرَّجُلَ شَارِبًا فَيَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ مُكْرَهًا عَلَى أَنْ لَا يُشْرِبَ الْخَمْرَ، أَوْ لَا يَفْسُقَ أَوْ أَنْ لَا يَغُشَّ فِي عَمَلِهِ أَوْ لَا يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ.
следующие страницы →