← Сияса и кади

Сияса и кади · id 21595

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام

ابن فرحون، برهان الدين

Полный текст (849 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وَفِي الْبَيَانِ وَسُئِلَ مَالِكٌ: أَيُكْرَهُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ النَّاسَ بِالتُّهْمَةِ فَيَخْلُو بِبَعْضِهِمْ فَيَقُولُ لَك الْأَمَانُ؟ وَأَخْبِرْنِي فَيُخْبِرُهُ فَقَالَ: إي وَاَللَّهِ إنِّي لَأَكْرَهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَهُ لَهُمْ وَيُغْرِهِمْ، وَهُوَ مِنْ وَجْهِ الْخَدِيعَةِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ إذَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْإِخْبَارِ، وَلَعَلَّهُ يُخْبِرُهُ بِالْبَاطِلِ لِيَنْجُوَ مِنْ عِقَابِهِ، فَإِقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ بَابِ الْإِقْرَارِ تَحْتَ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ لَا يَلْزَمُهُ، اُنْظُرْ تَمَامَ ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَذْفِ. وَأَمَّا مُقَابَلَةُ مَنْ ظَهَرَ ظُلْمُهُ بِالتَّأْدِيبِ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا انْكَشَفَ لِلْحَاكِمِ أَنَّهُ مُبْطِلٌ فِي دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ يُؤَدِّبُهُ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْحَبْسُ لِيَنْدَفِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْبَاطِلِ وَاللَّدَدِ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ فِي الْأَحْبَاسِ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّ مَنْ بَاعَ زَوْجَتَهُ نُكِّلَ نَكَالًا شَدِيدًا وَتَطْلُقُ عَلَيْهِ بِوَاحِدَةٍ بَيِّنَةٍ، وَكَذَلِكَ إذَا آذَى أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ نُكِّلَ وَأُدِّبَ، وَإِنْ آذَى الشُّهُودَ نُكِّلَ بِهِ أَيْضًا. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ مَنْ تَكَلَّمَ فِي أَحَدٍ بِمَا لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ أُدِّبَ، وَمَنْ تَكَلَّمَ فِي عَالِمٍ بِمَا لَا يَجِبُ ضُرِبَ أَرْبَعِينَ، وَفِي بَابِ الْعُقُوبَةِ بِالتَّعْزِيرِ ذُكِرَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَأَمَّا تَأَنِّيه فِي تَرْدِيدِ الْخُصُومِ عِنْدَ اللُّبْسِ لِيُمْعِنَ فِي الْكَشْفِ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي بَابِ الْآدَابِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْقَاضِي الْأَخْذُ بِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا طَالَ الْخِصَامُ فِي أَمْرٍ وَكَثُرَ التَّشْغِيبُ فِيهِ، فَلَا بَأْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَرِّقَ كُتُبَهُمْ إذَا رَجَا بِذَلِكَ تَقَارُبَ أَمْرِهِمْ، وَيَفْسَخُ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْحِجَجِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِابْتِدَاءِ الْحُكُومَةِ وَهُوَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا رَدُّ الْخُصُومِ إلَى وَسَاطَةِ الْأُمَنَاءِ لِيَفْصِلُوا بَيْنَهُمْ بِالصُّلْحِ، فَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ وَمَسَائِلُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ آدَابِ الْقَاضِي: أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا خَشِيَ مِنْ تَفَاقُمِ الْأَمْرِ بِإِنْفَاذِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، أَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ أَوْ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ، سَوَّى بَيْنَهُمَا وَأَقَامَهُمَا وَأَمَرَهُمَا بِالصُّلْحِ. وَقَدْ أَقَامَ سَحْنُونٌ رَجُلَيْنِ مِنْ صَالِحِي جِيرَانِهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَقَالَ: اُسْتُرَا عَلَى أَنْفُسِكُمَا وَلَا تُطْلِعَانِ عَلَى سِرِّكُمَا، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ فِي الْوَسَائِطِ.

стр. 632

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رُدُّوا الْقَضَاءَ بَيْنَ ذَوِي الْأَرْحَامِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَإِنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ وَرِيثُ الضَّغَائِنِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يَفْسَخُ فِي مُلَازَمَةِ الْخَصْمَيْنِ إذَا وَضَحَتْ أَمَارَاتُ التَّجَاحُدِ وَالْكِتَابِ، فَعِنْدَنَا أَنَّهُ يُؤَدِّيهِمَا عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يَسْمَعُ شَهَادَاتِ الْمَسْتُورِينَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَاضِيَ يَسْمَعُهَا أَيْضًا فِي مَوَاطِنَ عَدِيدَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ التَّوَسُّمِ، وَفِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يُحَلِّفُ الشُّهُودَ إذَا ارْتَابَ مِنْهُمْ فَقَدْ فَعَلَهُ قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنُ بَشِيرٍ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ، حَلَّفَ شُهُودًا فِي تَرِكَةٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ لَحَقٌّ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ وَضَّاحٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرَى لِفَسَادِ الزَّمَانِ أَنْ يُحَلِّفَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ، وَابْنُ وَضَّاحٍ مِمَّنْ أَخَذَ عَنْ سَحْنُونٍ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يَسْتَدْعِي الشُّهُودَ وَيَسْأَلُهُمْ عَمَّا عِنْدَهُمْ، فَعِنْدَنَا أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنَ ذَكَرْتهَا فِي السِّيَاسَةِ فِي الشَّهَادَاتِ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ فِي الذَّخِيرَةِ لَيْسَ هُوَ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵀. [فَصْلٌ الْفَرْق بَيْنَ نَظَرِ الْقَاضِي وَنَظَرِ وَالِي الْجَرَائِمِ] فَصْلٌ: وَقَالَ الْقَرَافِيُّ أَيْضًا فِي الذَّخِيرَةِ مِمَّا نَقَلَهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ، فِي الْفَرْقِ بَيْنَ نَظَرِ الْقَاضِي وَنَظَرِ وَالِي الْجَرَائِمِ، قَالَ: وَيَمْتَازُ وَالِي الْجَرَائِمِ عَلَى الْقُضَاةِ بِتِسْعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: سَمَاعُ قَذْفِ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الْأَمَارَاتِ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقِ الدَّعْوَى الْمُعْتَبَرَةِ، وَيَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ هَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ التُّهْمَةِ أَوْ لَا؟ فَإِنْ نَزَّهُوهُ أَطْلَقَهُ أَوْ قَذَفُوهُ بَالَغَ فِي الْكَشْفِ بِخِلَافِ الْقَضَاءِ. الثَّانِي: أَنَّهُ يُرَاعِي شَوَاهِدَ الْحَالِ وَأَوْصَافَ التَّهَوُّمِ فِي قُوَّةِ التُّهْمَةِ وَضَعْفِهَا، بِأَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ بِالزِّنَا مُتَصَنِّعًا لِلنِّسَاءِ فَتَقْوَى التُّهْمَةُ، أَوْ مُتَّهَمًا بِالسَّرِقَةِ وَفِيهِ آثَارُ ضَرْبٍ مَعَ قُوَّةِ بَدَنٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الدَّعَارَةِ فَتَقْوَى أَوْ لَا يَكُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيَخِفُّ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْقَضَاءِ. الثَّالِثُ: تَعْجِيلُ حَبْسِ الْمَتْهُومِ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ وَمُدَّتُهُ شَهْرٌ، أَوْ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ.

стр. 633

الرَّابِعُ: يَجُوزُ لَهُ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ ضَرْبُ الْمَتْهُومِ ضَرْبَ تَقْرِيرٍ لَا ضَرْبَ حَدٍّ لِيَصْدُقَ، فَإِذَا أَقَرَّ وَهُوَ مَضْرُوبٌ اُعْتُبِرَتْ حَالُهُ، فَإِنْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ لَمْ يُعْتَبَرْ إقْرَارُهُ تَحْتَ الضَّرْبِ، أَوْ لِيَصْدُقَ عَنْ حَالِهِ قَطَعَ ضَرْبَهُ وَاسْتَعَادَ إقْرَارَهُ، فَإِنْ أَقَرَّ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ أَخَذَهُ بِالثَّانِي، وَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ مَعَ كَرَاهَةٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْقُضَاةِ. الْخَامِسُ: أَنَّ لَهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ بِالْحُدُودِ، اسْتِدَامَةَ حَبْسِهِ إذَا أَضَرَّ النَّاسَ بِجَرِيمَةٍ حَتَّى يَمُوتَ، وَيَقُوتُهُ وَيَكْسُوهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ. السَّادِسُ: أَنَّ لَهُ إحْلَافَ الْمَتْهُومِ لِاخْتِبَارِ حَالِهِ، وَيُغْلِظُ عَلَيْهِ الْكَشْفَ وَيُحَلِّفُهُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالصَّدَقَةِ كَأَيْمَانِ بَيْعَةِ السُّلْطَانِ، وَلَا يُحَلِّفُ الْقَاضِي أَحَدًا فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يُحَلِّفُ إلَّا بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى. السَّابِعُ: أَنَّ لَهُ أَخْذَ الْمُجْرِمِ بِالتَّوْبَةِ قَهْرًا، وَيُظْهِرَ لَهُ مِنْ الْوَعِيدِ مَا يَقُودُهُ إلَيْهَا طَوْعًا، وَيَتَوَعَّدُهُ بِالْقَتْلِ لِأَنَّهُ إرْهَابٌ لَا تَحْقِيقٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعِدَهُ بِالْأَدَبِ دُونَ الْقَتْلِ بِخِلَافِ الْقُضَاةِ. الثَّامِنُ: أَنَّ لَهُ سَمَاعَ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ إذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ مِمَّنْ لَا يَسْمَعُهُمْ الْقَاضِي. التَّاسِعُ: أَنَّ لَهُ النَّظَرَ فِي الْمُوَاثَبَاتِ وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ غُرْمًا وَلَا حَدًّا، ثُمَّ إنْ لَمْ يَكُنْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثَرٌ سَمِعَ قَوْلَ السَّابِقِ بِالدَّعْوَى، وَإِنْ كَانَ بِأَحَدِهِمَا أَثَرٌ فَقِيلَ يَبْدَأُ سَمَاعَ دَعْوَى ذِي الْأَثَرِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ يَبْدَأُ بِسَمَاعِ السَّابِقِ وَالْمُبْتَدِئُ بِالْمُوَاثَبَةِ أَعْظَمُ جُرْمًا وَتَأْدِيبًا، وَيَخْتَلِفُ تَأْدِيبُهُمَا بِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْجُرْمِ وَبِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْهَيْبَةِ وَالتَّصَاوُنِ، وَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي قَمْعِ السَّفَلَةِ، بِإِشْهَارِهِمْ بِجَرَائِمِهِمْ فَعَلَ، فَهَذِهِ الْوُجُوهُ التِّسْعَةُ مُجَرَّدُ الِاتِّهَامِ بِالْجَرَائِمِ، وَيَظْهَرُ بِهَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْأُمَرَاءِ وَالْقُضَاةِ. انْتَهَى. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْقُضَاةِ تَعَاطِيَ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ، أَمَّا كَوْنُهُ يَسْمَعُ قَذْفَ الْمَتْهُومِ مِنْ أَعْوَانِ الْأَمَارَةِ، فَقَدْ اسْتَحَبُّوا لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ كَاشِفًا قَدْ ارْتَضَاهُ يَكْشِفُ لَهُ عَنْ أَحْوَالِ الشُّهُودِ فِي السِّرِّ، وَيَقْبَلَ مِنْهُ مَا نَقَلَ إلَيْهِ، وَقَالُوا:

стр. 634

يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَبْطِنَ أَهْلَ الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى مَا هُوَ بِسَبِيلِهِ، وَيَقْوَى عَلَى التَّوَصُّلِ إلَى مَا يَنُوبُهُ، وَقَدْ أَجَازُوا التَّجْرِيحَ بِوَاحِدٍ عَدْلٍ إذَا كَانُوا بِمَسْأَلَةِ الْقَاضِي، وَأَجَازُوا التَّجْرِيحَ فِي السِّرِّ، وَيَقْبَلُ الْقَاضِي ذَلِكَ مِنْ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ، وَهَذَا نَحْوُ مَا ذَكَرَهُ فِي أَعْوَانِ الْأَمَارَاتِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يُرَاعِي شَاهِدَ الْحَالِ، فَكَذَلِكَ عِنْدَنَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي مُرَاعَاةُ شَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ، وَقَدْ ذَكَرْته فِي بَابِ الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ وَالدَّلَائِلِ، وَأَمَّا تَعْجِيلُ حَبْسِ الْمَتْهُومِ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَالْكَشْفِ وَمُدَّتُهُ شَهْرٌ، فَذَلِكَ أَيْضًا لِلْقَاضِي، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَحْكَامِهِ: مَنْ أَتَى الْقَاضِيَ مُتَعَلِّقًا بِرَجُلٍ يَرْمِيهِ بِدَمِ وَلِيِّهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ إذَا جَاءَهُ مِثْلُ هَذَا، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ وَلِيُّ الدَّمِ، فَإِنْ أَثْبَتَ لَهُ تَعَدُّدَهُ مِنْ الْمُدَّعِي دَمَهُ كَشَفَ هَلْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَاهُ؟ فَإِنْ ادَّعَى ثُبُوتَ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ الْغَدِ، أَمَرَ الْقَاضِي بِحَبْسِ الْمُدَّعِي. وَإِنْ أَثْبَتَ التَّعَدُّدَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الدَّمِ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ، إنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُتَّهَمًا أَطَالَ فِي حَبْسِهِ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا إلَى الثَّلَاثِينَ، إنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فَالْيَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا، فَإِنْ أَتَى طَالِبُ الدَّمِ فِي دَاخِلِ الْمُدَّةِ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ سَقَطَ هَذَا الْحُكْمُ وَوَجَبَتْ الزِّيَادَةُ فِي حَبْسِهِ عَلَى مَا يَرَاهُ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يَجُوزُ لَهُ مَعَ قُوَّةِ التُّهْمَةِ ضَرْبُ الْمَتْهُومِ ضَرْبَ تَقْرِيرٍ، فَذَلِكَ عِنْدَنَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي تَعَاطِيهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ قَرِيبًا فِي الدَّعَاوَى عَلَى أَهْلِ التُّهَمِ وَالْعُدْوَانِ، وَلَكِنْ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ صِفَةِ ضَرْبِ الْحُدُودِ، وَلَا يُعَاقِبُهُمْ بِغَيْرِ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. فَفِي الْبَيَانِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ عَذَابِ اللُّصُوصِ بِالدُّهْنِ وَبِهَذِهِ الْخَنَافِسِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى بُطُونِهِمْ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ هَذَا، إنَّمَا هُوَ السَّوْطُ أَوْ السِّجْنُ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت إنْ لَمْ تَجِدْ فِي ظَهْرِهِ مُضْرَبًا أَتَرَى أَنْ يُسَطَّحَ فَيُضْرَبَ فِي بَيْتِهِ؟ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا أَرَى ذَلِكَ، إنَّمَا عَلَيْك مَا عَلَيْك، وَإِنَّمَا هُوَ الضَّرْبُ فِي الظَّهْرِ بِالسَّوْطِ وَالسِّجْنُ، قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْت إنْ مَاتَ بِالسَّوْطِ؟ قَالَ: إنَّمَا عَلَيْك مَا عَلَيْك. مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ هَذَا الْفَصْلِ مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ، إذَا شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى آخَرَ فَقَالَ: رَأَيْته مَعَ فُلَانَةَ أَوْ بَيْنَ فَخِذَيْهَا وَكَانَ الشَّاهِدُ عَدْلًا لَمْ يُعَاقَبْ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِمَّنْ يُظَنُّ بِهِ عُوقِبَ، وَلَكِنْ لَا يُعَاقَبُ عُقُوبَةَ تَقْرِيرٍ، بَلْ مِنْ بَابِ الْأَدَبِ وَالزَّجْرِ.

стр. 635

وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّ لَهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ الْجَرَائِمُ وَلَمْ يَنْزَجِرْ بِالْحُدُودِ اسْتِدَامَةَ حَبْسِهِ، فَذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَهْلٍ فِي الْأَحْكَامِ مَا نَصُّهُ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ فُلَانًا مِمَّنْ يَعْصِرُ الْخَمْرَ وَيَبِيعُهَا وَيُشْرِبُهَا وَيَدَّخِرُهَا، وَيَجْتَمِعُ إلَيْهِ أَهْلُ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، وَسَأَلَ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ أَهْلَ الشُّورَى فَأَجَابُوا. أَمَّا شُرْبُ الْخَمْرِ فَفِيهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ سَوْطًا، وَأَمَّا بَيْعُهَا فَإِنَّ الْأَدَبَ عَلَى قَدْرِ مَا يَرْدَعُهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَنْهَاهُ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ فَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْحَبْسُ حَتَّى ظَهَرَ مِنْهُ تَوْبَةٌ بَعْدَ الْإِعْذَارِ إلَيْهِ فِيمَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ فِي مَسْأَلَةٍ قَبْلَهَا فِيمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْأَذَى لِلنَّاسِ وَالشَّرِّ وَالرَّدَى وَالْفَسَادِ وَالتَّعَدِّي عَلَى النَّاسِ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْأَدَبُ الْمُوجِعُ، وَالْحَبْسُ الطَّوِيلُ، فَإِنَّ الْإِغْلَاظَ عَلَى أَهْلِ الشَّرِّ وَالْقَمْعَ لَهُمْ وَالْأَخْذَ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِمَّا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ. وَيُقَالُ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ النَّاسَ مِنْ الْبَاطِلِ لَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَى الْحَقِّ، وَذَكَرَ أَيْضًا فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى مَا نَصُّهُ شَهِدَ عِنْدَ الْقَاضِي شُهُودٌ أَنَّهُمْ قَالُوا لِفُلَانٍ: قَدْ سَاءَنَا مَا سَمِعْنَا عَنْ وَلَدَيْك مِنْ مَسِيرِهِمَا لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالشَّرِّ إلَى دَارٍ يَسْكُنُهَا فُلَانٌ، فَكَسَرُوا الْبَابَ وَهَجَمُوا عَلَى الْعِيَالِ، وَضَرَبُوا صَاحِبَ الدَّارِ حَتَّى أَشْفَقَ مِنْ الْمَوْتِ وَنَهَبُوا مَا فِي الدَّارِ، وَشَهَّدُوا شُهُودًا عَلَى الْفَعْلَةِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالشَّرِّ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْعِيَاثَةِ، وَشَاوَرَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ فَأَجَابَهُ الْفُقَهَاءُ: بِأَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تُوجِبُ الْأَدَبَ الْبَلِيغَ وَالْحَبْسَ الطَّوِيلَ عَلَى الْفَعَلَةِ، وَقَدْ ذَكَرْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُطَوَّلَةً فِي فَصْلِ عُقُوبَةِ الْمُحَارِبِينَ وَذَكَرْت لَهَا نَظَائِرَ. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَهُ إحْلَافُ الْمَتْهُومِ لِاخْتِبَارِ حَالِهِ وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَإِنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُحَلِّفَ الْمُتَّهَمَ وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ. وَأَمَّا كَوْنُ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ فَإِنَّمَا ذَكَرُوهَا فِي الْوَالِي، يَأْخُذُ الرَّجُلَ شَارِبًا فَيَحْلِفُ بِالطَّلَاقِ مُكْرَهًا عَلَى أَنْ لَا يُشْرِبَ الْخَمْرَ، أَوْ لَا يَفْسُقَ أَوْ أَنْ لَا يَغُشَّ فِي عَمَلِهِ أَوْ لَا يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ.

стр. 636

وَذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الْوَالِدِ يُحَلِّفُ وَلَدَهُ مُكْرِهًا لَهُ عَلَى الْيَمِينِ فِي أَشْبَاهِ هَذَا مِنْ تَأْدِيبِهِ إيَّاهُ، وَأَلْزَمُوا الْحَالِفَ بِالْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أُكْرِهَ عَلَيْهَا، وَقَدْ ذَكَرْت ذَلِكَ فِي فَصْلِ الِاسْتِكْرَاهِ فِي الْأَيْمَانِ، وَكَانَ ابْنُ عَاصِمٍ مُحْتَسِبًا فِي الْأَنْدَلُسِ وَكَانَ يُحَلِّفُ النَّاسَ بِالطَّلَاقِ يُغَلِّظُ عَلَيْهِمْ بِهِ، قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَحْنُونٍ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَخَذَ ذَلِكَ؟ فَقُلْت لَهُ: مِنْ الْأَثَرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: مِثْلُ ابْنِ عَاصِمٍ: يَتَأَوَّلُ هَذَا تَعْظِيمًا لِشَأْنِ ابْنِ عَاصِمٍ لِأَنَّهُ مِمَّنْ أَخَذَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يَأْخُذُ الْمُجْرِمَ بِالتَّوْبَةِ قَهْرًا فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْقَاضِي. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَهُ سَمَاعُ شَهَادَاتِ أَهْلِ الْمِهَنِ، فَإِنَّ لِلْقَاضِي ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَهُ النَّظَرُ فِي الْمُوَاثَبَاتِ فَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَقَدْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ الْأَمِينِ لِلْقَاضِي النَّظَرُ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ إلَّا فِي قَبْضِ الْخَرَاجِ، وَاخْتُلِفَ هَلْ لَهُ قَبْضُ أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ وَصَرْفُهَا فِي مُسْتَحِقِّيهَا إذَا لَمْ يُحْظَرْ نَاظِرٌ أَمْ لَا؟ وَقَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْقَاضِي مَدَارُ الْأَحْكَامِ، وَإِلَيْهِ النَّظَرُ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الْقَضَاءِ مِنْ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بِلَا تَحْدِيدٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالنَّظَرِ فِي الْجِرَاحَاتِ وَالتَّدْمِيَاتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا. [فَصْلٌ التَّوْسِعَة عَلَى الْحُكَّامِ فِي الْأَحْكَامِ السِّيَاسِيَّةِ] فَصْلٌ: قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَاعْلَمْ أَنَّ التَّوْسِعَةَ عَلَى الْحُكَّامِ فِي الْأَحْكَامِ السِّيَاسِيَّةِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلشَّرْعِ، بَلْ تَشْهَدُ لَهُ الْأَدِلَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَتَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا الْقَوَاعِدُ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْفَسَادَ قَدْ كَثُرَ وَانْتَشَرَ بِخِلَافِ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ عَنْ الشَّرْعِ بِالْكُلِّيَّةِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَتَرْكُ هَذِهِ الْقَوَانِينِ يُؤَدِّي إلَى الضَّرَرِ، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ جَمِيعُ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ بِنَفْيِ الْحَرَجِ. وَثَانِيهَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ قَالَ بِهَا مَالِكٌ ﵁ وَجَمْعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَهِيَ: الْمَصْلَحَةُ الَّتِي لَا يَشْهَدُ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهَا وَلَا بِإِلْغَائِهَا، وَيُؤَكِّدُ الْعَمَلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَمِلُوا أُمُورًا

стр. 637

لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ، لَا لِتَقَدُّمِ شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ نَحْوَ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا تَسْتَطِيرُ وِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ ﵄، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِمَا أَمْرٌ وَلَا تَسْطِيرٌ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْخِلَافَةِ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، وَتَدْوِينُ الدَّوَاوِينِ وَعَمَلُ السِّكَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَاِتِّخَاذُ السِّجْنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ وَهَدْمُ الْأَوْقَافِ الَّتِي بِإِزَاءِ الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّوْسِعَةُ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ ضِيقِهِ، وَحَرْقُ الْمَصَاحِفِ وَجَمْعُهُمْ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، وَتَجْدِيدُ أَذَانٍ فِي الْجُمُعَةِ بِالسُّوقِ مِمَّا فَعَلَهُ عُثْمَانُ ﵁ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا فُعِلَ لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ. وَثَالِثُهَا: أَنَّ الشَّرْعَ شَدَّدَ فِي الشَّهَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ الرِّوَايَةِ لِتَوَهُّمِ، الْعَدَاوَةِ، فَاشْتَرَطَ الْعَدَدَ وَالْحُرِّيَّةَ، وَوَسَّعَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْعُقُودِ لِلضَّرُورَةِ، كَالْعَرَايَا وَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعُقُودِ الْمُسْتَثْنَاةِ، وَضَيَّقَ فِي الشَّهَادَةِ فِي الزِّنَا، فَلَمْ يَقْبَلْ فِيهَا إلَّا أَرْبَعَةً يَشْهَدُونَ بِالزِّنَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَقَبِلَ فِي الْقَتْلِ اثْنَيْنِ وَالدِّمَاءُ أَعْظَمُ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ السِّتْرُ، وَلَمْ يُحْوِجْ الزَّوْجَ الْمَلَاعِنَ إلَى بَيِّنَةٍ غَيْرِ أَيْمَانِهِ، وَلَمْ يُوَجِّهْ إلَيْهِ حَدَّ الْقَذْفِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْقَذَفَةِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ فِي الذَّبِّ عَنْ الْإِنْسَانِ، وَصَوْنِ الْعِيَالِ وَالْفُرُشِ عَنْ أَسْبَابِ الِارْتِيَابِ، وَهَذِهِ الْمُبَايِنَاتُ وَالِاخْتِلَافَاتُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرْعِ لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ. فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاعَى اخْتِلَافُ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ، فَتَكُونُ الْمُنَاسَبَةُ الْوَاقِعَةُ فِي هَذِهِ الْقَوَانِينِ السِّيَاسِيَّةِ مِمَّا شَهِدَتْ لَهَا الْقَوَاعِدُ بِالِاعْتِبَارِ، فَلَا تَكُونُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بَلْ أَعْلَى رُتْبَةً فَتُلْحَقُ بِالْقَوَاعِدِ الْأَصْلِيَّةِ. وَرَابِعُهَا: أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ فِي هَذِهِ الْقَوَانِينِ وَرَدَ دَلِيلٌ يَخُصُّهُ أَوْ أَصْلٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَدِلَّةِ الْبَابِ، قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَنَصَّ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ نَجِدْ فِي جِهَةٍ غَيْرَ الْعُدُولِ أَقَمْنَا أَصْلَحَهُمْ وَأَقَلَّهُمْ فُجُورًا لِلشَّهَادَةِ عَلَيْهِمْ، وَيَلْزَمُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ لِئَلَّا تَضِيعَ الْمَصَالِحُ، وَمَا أَظُنُّ أَنَّهُ يُخَالِفُهُ أَحَدٌ فِي هَذَا، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ مَشْرُوطٌ بِالْإِمْكَانِ، وَإِذَا جَازَ نَصْبُ الشُّهُودِ فَسَقَةً لِأَجْلِ عُمُومِ الْفَسَادِ جَازَ التَّوَسُّعُ فِي الْأَحْكَامِ السِّيَاسِيَّةِ، لِأَجْلِ كَثْرَةِ فَسَادِ الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ.

стр. 638

قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَلَا نَشُكُّ أَنَّ قُضَاةَ زَمَانِنَا وَشُهُودَهُمْ وَوُلَاتَهُمْ وَأُمَنَاؤُهُمْ، لَوْ كَانُوا فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مَا وَلُوا وَلَا عُرِّجَ عَلَيْهِمْ، وَوِلَايَةُ هَؤُلَاءِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْعَصْرِ فُسُوقٌ فَإِنَّ خِيَارَ زَمَانِنَا هُمْ أَرَاذِلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَوِلَايَةُ الْأَرَاذِلِ فُسُوقٌ، فَقَدْ حَسُنَ مَا كَانَ قَبِيحًا، وَاتَّسَعَ مَا كَانَ ضَيِّقًا، وَاخْتَلَفَتْ الْأَحْكَامُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ. وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ يُعَضِّدُ ذَلِكَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، إذْ الشَّرْعُ وَسَّعَ لِلْمُرْضِعِ فِي النَّجَاسَةِ اللَّاحِقَةِ لَهَا مِنْ الصَّغِيرِ، مِمَّا لَمْ نُشَاهِدْهُ كَثَوْبِ الْإِرْضَاعِ، وَوَسَّعَ فِي زَمَانِ الْمَطَرِ فِي الطِّينِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْقَذِرِ وَالنَّجَاسَةِ وَوَسَّعَ لِأَصْحَابِ الْقُرُوحِ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجَاسَتِهَا، وَوَسَّعَ لِلْغَازِي فِي بَوْلِ فَرَسِهِ، وَوَسَّعَ لِصَاحِبِ الْبَوَاسِيرِ فِي بَلَلِهَا، وَجَوَّزَ الشَّارِعُ تَرْكَ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا إذَا ضَاقَ الْحَالُ كَصَلَاةِ الْخَوْفِ وَنَحْوِهَا، وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الشَّرْعِ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا ضَاقَ شَيْءٌ إلَّا اتَّسَعَ يُشِيرُ إلَى هَذِهِ الْمَوَاطِنِ، فَكَذَلِكَ إذَا ضَاقَ عَلَيْنَا الْحَالُ فِي دَرْءِ الْمَفَاسِدِ، اتَّسَعَ كَمَا اتَّسَعَ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ. وَسَادِسُهَا: أَنَّ أَوَّلَ بَدْءِ الْإِنْسَانِ فِي زَمَنِ آدَمَ ﵇ كَانَ الْحَالُ ضَعِيفًا، فَأُبِيحَتْ الْأُخْتُ لِأَخِيهَا، وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، فَلَمَّا اتَّسَعَ الْحَالُ وَكَثُرَتْ الذُّرِّيَّةُ حَرُمَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَحَرُمَ السَّبْتُ وَالشُّحُومُ وَالْإِبِلُ وَأُمُورٌ كَثِيرَةٌ، وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً. وَتَوْبَةُ أَحَدِهِمْ بِالْقَتْلِ لِنَفْسِهِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِقَطْعِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّشْدِيدَاتِ، ثُمَّ جَاءَ آخِرُ الزَّمَانِ فَضَعُفَ الْجَسَدُ وَقَلَّ الْجَلَدُ، فَلَطَفَ اللَّهُ بِعِبَادِهِ فَأُحِلَّتْ تِلْكَ الْمُحَرَّمَاتُ، وَخُفِّفَتْ الصَّلَوَاتُ، وَقُبِلَتْ التَّوْبَاتُ، فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْأَحْكَامَ وَالشَّرَائِعَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ، وَذَلِكَ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَسُنَّتِهِ الْجَارِيَةِ فِي خَلْقِهِ، فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْقَوَانِينَ لَا تَخْرُجُ عَنْ أُصُولِ الْقَوَاعِدِ، وَلَيْسَتْ بِدْعًا عَمَّا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ الْمُكَرَّمُ.

стр. 639

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الدَّعَاوَى بِالتُّهَمِ وَالْعُدْوَانِ] ِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَرِيئًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ، فَهَذَا النَّوْعُ لَا يَجُوزُ عُقُوبَتُهُ اتِّفَاقًا، وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ عَلَى قَوْلَيْنِ: وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِلْبُرْءِ لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الْبَرَاءِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُدَّعِي بِذَلِكَ لَا يُؤَدَّبُ، قَالَ أَصْبَغُ: إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْبَرَاءِ، أُدِّبَ الْمُدَّعِي قَصَدَ أَذِيَّتَهُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهَا. وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُؤَدَّبُ إذَا كَانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِحَقِّهِ، وَإِنْ قَالَهُ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ نُكِّلَ بِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ اُتُّهِمَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَرَادَ عَيْبَهُ وَشَتْمَهُ أُدِّبَ وَإِلَّا فَلَا. [مَسْأَلَةٌ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا] مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ ادَّعَتْ امْرَأَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ غَصَبَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالطَّهَارَةِ أُقِيمَ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ وَحَدُّ الزِّنَا، لِإِقْرَارِهَا عَلَى نَفْسِهَا وَسَيَأْتِي ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ ادَّعَى غَصْبًا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ] مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى غَصْبًا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ أُدِّبَ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُؤَدَّبُ، وَهَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَمْ لَا؟ قَالُوا: إنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَحْلِفْ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا لِآدَمِيِّ فَعَنْ مَالِكٍ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى جَوَازِ سَمَاعِ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، وَلَا يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ الْأَرَاذِلُ وَالْأَشْرَارُ إلَى أَذِيَّةِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالِاسْتِهَانَةِ بِهِمْ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ: الْأَيْمَانُ الَّتِي فِيهَا التُّهَمُ وَالظُّنُونُ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ مِثْلُ هَذِهِ التُّهْمَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ حَلَفَ وَلَيْسَ لَهُ رَدُّ الْيَمِينِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي تَعَدٍّ يَنْسُبُهُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ، لَمْ تَجِبْ الْيَمِينُ فِي هَذَا بِالْخُلْطَةِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ إذَا كَانَ الْمُدَّعَى

стр. 640

عَلَيْهِ مِمَّنْ يُتَّهَم بِذَلِكَ وَيُنْسَبُ إلَيْهِ وَيَكُونُ مَعْرُوفًا بِهِ، قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَسَوَاءٌ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْغَصْبُ وَالتَّعَدِّي أَوْ لَمْ يَثْبُتْ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ بِذَلِكَ وَادُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، أَمَّا لَوْ اعْتَلَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ التُّهْمَةِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَنْكَرَ صَدَاقَ بِنْتِهِ مَثَلًا وَأَثْبَتَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ زَلَّتِهِ غَيْرُ هَذَا فَلَيْسَتْ بِزَلَّةٍ يَبْلُغُ بِهَا أَنْ يُعَدَّ فِي أَهْلِ الرَّيْبِ الَّتِي تَلْزَمُ الْيَمِينُ فِيهَا بِسَبَبِ التُّهَمِ. قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: وَإِذَا كَانَ الْقَاضِي لَا يَعْرِفُهُ فَلْيَكْشِفْ عَنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ قَالَ مُطَرِّفٌ: إنَّمَا حُلِّفَ فِي السَّرِقَةِ مَنْ اُتُّهِمَ بِالرِّضَا بِهَا وَبِعَارِهَا، فَإِنْ أَبَى سُجِنَ حَتَّى يَرَى الْإِمَامُ فِيهِ رَأْيَهُ، وَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ بِالرِّضَا بِهَا وَبِعَارِهَا لَمْ يُحَلَّفْ، وَإِنْ اُتُّهِمَ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَوَرَّعْ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ إذَا أَمْكَنَهُ فَلَا يُحَلَّفُ. [مَسْأَلَةٌ الْأَيْمَانُ فِي التُّهَمِ لَا تُرَدُّ] ُّ لِأَنَّ الدَّعْوَى لَا تَحْقِيقَ فِيهَا وَلَا قَطْعَ بَلْ هِيَ ظَنٌّ، فَإِذَا امْتَنَعَ الْمُتَّهَمُ مِنْ الْيَمِينِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ لِأَنَّهُ حَابِسٌ نَفْسَهُ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَأَصْحَابُهُ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ دَعْوَى مَنْصُوصَةٍ قَطَعَ الْمُدَّعِي بِأَخْذِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمُدَّعَى بِهِ، كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَمَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا مِنْ يَمِينِ تُهْمَةٍ حُلِّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ شَدَّدَ الْقَاضِي عَلَيْهِ بِمَا يَرَاهُ مِنْ الْحَبْسِ أَوْ غَيْرِهِ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اتَّهَمَهُ بِخِيَانَةٍ وَشِبْهِهَا وَلَمْ يَقْطَعْ عَلَيْهِ، فَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُتَّهَمُ فِي دِينِهِ بِاسْتِحْلَالِ مَا لَا يَحِلُّ، وَسَيَأْتِي فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مَا يُوضِحُ مَسَائِلَ هَذَا الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُتَّهَمُ بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ] ِ وَقَطْعِ الطُّرُقِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا، وَهَذَا الْقِسْمُ لَا بُدَّ أَنْ يَكْشِفُوا وَيُسْتَقْضَى عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ تُهْمَتِهِمْ وَشُهْرَتِهِمْ بِذَلِكَ، وَرُبَّمَا كَانَ بِالضَّرْبِ وَبِالْحَبْسِ دُونَ الضَّرْبِ عَلَى قَدْرِ مَا اُشْتُهِرَ عَنْهُمْ،

стр. 641

قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيُّ: مَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ: إنَّ هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِهَذِهِ الدَّعَاوَى وَمَا أَشْبَهَهَا يُحَلَّفُ، وَيُرْسَلُ بِلَا حَبْسٍ وَلَا غَيْرِهِ وَلَيْسَ تَحْلِيفُهُ وَإِرْسَالُهُ مَذْهَبًا لِأَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَلَوْ حَلَّفْنَا كُلُّ وَاحِدٍ مُتَّهَمٍ وَأَطْلَقْنَا وَخَلَّيْنَا سَبِيلَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِاشْتِهَارِهِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَكَثْرَةِ سَرِقَاتِهِ، وَقُلْنَا: إنَّا لَا نَأْخُذُهُ إلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ، كَانَ الْفِعْلُ مُخَالِفًا لِلسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّرْعَ تَحْلِيفُهُ وَإِرْسَالُهُ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا مُخَالِفًا لِنُصُوصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْغَلَطِ الْفَاحِشِ تَجَرَّأَ الْوُلَاةُ عَلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ، وَتَوَهَّمُوا أَنَّ السِّيَاسَةَ الشَّرْعِيَّةَ قَاصِرَةٌ عَنْ سِيَاسَةِ الْخَلْقِ وَمَصْلَحَةِ الْأُمَّةِ، فَتَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَرَجُوا مِنْ الشَّرْعِ إلَى أَنْوَاعٍ مِنْ الظُّلْمِ وَالْبِدَعِ فِي السِّيَاسَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَجُوزُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ الْجَهْلُ بِالشَّرِيعَةِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَنْ يَضِلَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ أَفْعَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَدُلُّ عَلَى عُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ وَحَبْسِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمُتَّهَمِينَ يَجُوزُ حَبْسُهُ وَضَرْبُهُ لِمَا قَامَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَّهَمًا] مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُنْتَقَى إذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَّهَمًا فَفِي الْمُوَازِيَةِ عَنْ أَشْهَبَ: يُمْتَحَنُ بِالسِّجْنِ وَالْأَدَبِ، زَادَ ابْنُ سَهْلٍ وَامْتِحَانُهُ بِقَدْرِ مَا اُتُّهِمَ فِيهِ وَعَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُجْلَدُ بِالسَّوْطِ مُجَرَّدًا. وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا يُعَذَّبُ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ وَظَاهِرُهُ نَفْيُ الضَّرْبِ. وَأَمَّا الْحَبْسُ فَيُسْجَنُ بِقَدْرِ رَأْيِ الْإِمَامِ، وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُسْجَنُ حَتَّى يَمُوتَ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يُسْجَنَ حَتَّى يَمُوتَ، يَعْنِي إذَا لَمْ يُقِرُّوا بِهِ، قَالَ اللَّيْثُ وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ فِيمَنْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ فَاتَّهَمَ رَجُلًا مَعْرُوفًا بِذَلِكَ، لِأَنَّ سَجْنَهُ صَرْفُ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ لِتَكَرُّرِهِ مِنْهُ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الْإِنْكَارِ وَإِتْلَافِ

стр. 642

أَمْوَالِ النَّاسِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقْبَضَ عَلَيْهِمْ بِالسِّجْنِ، وَلَيْسَ بَعْضُ الْأَوْقَاتِ بِأَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ مَعَ تَسَاوِي حَالِهِ فِيهِمَا، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَعَلَيْهِ يَمِينٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ الْأَدَبِ وَالسِّجْنِ. رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ يُهَدَّدُ وَيُسْجَنُ وَيُحَلَّفُ، وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ أَشْهَبَ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، فَوَجْهُ إثْبَاتِ الْيَمِينِ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ لِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ مِنْ الْحَقِّ الْمَالِيِّ، وَوَجْهُ نَفْيِهَا أَنَّ الدَّعْوَى إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالسَّرِقَةِ وَقَدْ ثَبَتَ بِسَبَبِهَا مِنْ الْعُقُوبَةِ مَا يُنَافِي الْيَمِينَ كَمَا يُنَافِيهَا الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْمُتَّهَمَ بِالسَّرِقَةِ الْمَوْصُوفَ بِهَا يُحَلَّفُ وَيُهَدَّدُ وَيُسْجَنُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا وَلَا مَوْصُوفًا بِهَا لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَنْ لَا يُشَارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ أُدِّبَ الْمُدَّعِي. وَفِي الْوَاضِحَةِ قَالَ مُطَرِّفٌ: مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالسَّرِقَةِ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ بِالسِّجْنِ حَتَّى يَمُوتَ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يُعْرَفُ حَالُهُ فَلَا يُسْجَنُ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْهُ، وَإِنْ سُجِنَ فَلَا يُطَالُ سَجْنُهُ. [مَسْأَلَة وُجِدَ عِنْدَ الْمُتَّهَمِ بَعْضُ الْمَتَاعِ الْمَسْرُوقِ] مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: إذَا وُجِدَ عِنْدَ الْمُتَّهَمِ بَعْضُ الْمَتَاعِ الْمَسْرُوقِ، وَادَّعَى الْمُتَّهَمُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ فَهُوَ مُتَّهَمٌ بِالسَّرِقَةِ، وَلَا سَبِيلَ لِلْمُدَّعِي إلَّا فِيمَا بِيَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِذَلِكَ فَعَلَى السُّلْطَانِ حَبْسُهُ وَالْكَشْفُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ حُبِسَ أَبَدًا حَتَّى يَمُوتَ بِالسِّجْنِ. [مَسْأَلَةٌ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ وَاتُّهِمَ بِهَا] مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ مَنْ اُدُّعِيَ عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ وَاتُّهِمَ بِهَا كُشِفَ عَنْهُ، وَاسْتُقْصِيَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ تُهْمَتِهِ وَشُهْرَتِهِ بِذَلِكَ وَبِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، وَهَذَا قَوْلُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَهُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ اللَّيْثُ: مَنْ وُجِدَ مَعَهُ مَتَاعٌ مَسْرُوقٌ وَقَالَ اشْتَرَيْته، فَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا عُوقِبَ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إذَا شُهِدَ فِيهِ أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فَإِنَّهُ يُمْتَحَنُ بِقَدْرِ مَا اُتُّهِمَ فِيهِ وَعَلَى قَدْرِ حَالِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْلِدُهُ بِالسَّوْطِ مُجَرَّدًا. [مَسْأَلَة كَانَ الشَّاهِدُ يَشْهَدُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَّهَمٌ] مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا كَانَ الشَّاهِدُ يَشْهَدُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ مُتَّهَمٌ، فَإِنْ كَانَ الْوَالِي غَيْرَ عَدْلٍ فَلَا يُذْهَبُ بِهِ إلَيْهِ وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.

стр. 643

مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ: إنَّ مَنْ جَاءَ إلَى الْوَالِي بِرَجُلٍ فَقَالَ: هَذَا سَرَقَ مَتَاعِي، فَقَالَ: إنْ كَانَ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ مُتَّهَمًا هُدِّدَ وَامْتُحِنَ وَحُلِّفَ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ. [مَسْأَلَةٌ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ سَارِقٌ مَعْرُوفٌ بِالسَّرِقَةِ مُتَّهَمٌ بِهَا] مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ سَارِقٌ مَعْرُوفٌ بِالسَّرِقَةِ، مُتَّهَمٌ بِهَا وَقَدْ سُجِنَ فِيهَا غَيْرَ مَرَّةٍ، إلَّا أَنَّهُمْ حِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ لَمْ يَجِدُوا مَعَهُ سَرِقَةً، فَقَالَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْحَبْسُ الطَّوِيلُ. [فَصْلٌ حُكْمُ الْمُتَّهَمِ بِالْغَصْبِ وَالْعُدْوَانِ] فَصْلٌ: وَهَذَا حُكْمُ الْمُتَّهَمِ بِالْغَصْبِ وَالْعُدْوَانِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ فِي الْكَشْفِ وَالِاخْتِبَارِ لِحَالِهِمْ وَمَا اُدُّعِيَ بِهِ عَلَيْهِمْ. مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَيُضْرَبُ السَّارِقُ حَتَّى يُخْرِجَ الْأَعْيَانَ الَّتِي سَرَقَهَا. مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اتَّهَمَ رَجُلًا أَنَّهُ غَصَبَهُ مَالًا فَأَنْكَرَ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ هُدِّدَ وَسُجِنَ، فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا أُطْلِقَ وَفَائِدَتُهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُخْرِجَ عَيْنَ مَا غَصَبَ إنْ كَانَ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وَأَمَّا الَّذِي لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَهْدِيدِهِ، إذْ لَوْ أَخْرَجَ شَيْئًا بَعْدَ التَّهْدِيدِ لَا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ وَهُوَ آمِنٌ غَيْرُ خَائِفٍ. [فَصْلٌ وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَتَوَلَّى ضَرْبَ الْمُتَّهَمِ] ِ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ﵃ أَشْهَبُ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ: أُتِيَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ قَاضِي الْمَدِينَةِ بِرَجُلٍ مُتَّهَمٍ خَبِيثٍ، مَعْرُوفٍ بِاتِّبَاعِ الصِّبْيَانِ، قَدْ لَصِقَ بِغُلَامٍ فِي الزِّحَامِ، فَبَعَثَ إلَى مَالِكٍ يَسْتَشِيرُهُ فِيهِ، فَأَمَرَ مَالِكٌ الْقَاضِيَ بِعُقُوبَتِهِ فَضَرَبَهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَوْطٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي، وَكَذَلِكَ الْحَبْسُ رَاجِعٌ إلَى الْوَالِي وَذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسْبَابِهِمَا وَتَحَقُّقِهِمَا، فَيَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالْقَاضِي وَمَوْضِعُ وِلَايَةِ الْوَالِي الْمَنْعُ مِنْ

стр. 644

الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَقَمْعُ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ، وَذَلِكَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْعُقُوبَةِ لِلْمُتَّهَمِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالْإِجْرَامِ بِخِلَافِ وِلَايَةِ الْحُكَّامِ، فَإِنَّ مَوْضُوعَهَا إيصَالُ الْحُقُوقِ وَإِثْبَاتُهَا، فَكُلُّ وَالٍ أَمَرَ يَفْعَلُ مَا إلَيْهِ فُوِّضَ. انْتَهَى مِنْ كَلَامِ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ الْحَنْبَلِيِّ، وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الذَّخِيرَةِ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ عَنْ مَذْهَبِنَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ لِلْقَاضِي ضَرْبَ الْمُتَّهَمِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ فِي فُرُوعِ هَذَا الْبَابِ. وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ مِنْ ذَلِكَ مَا وَضَّحَ صِحَّةَ نَقْلِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوِلَايَاتِ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَالِاصْطِلَاحِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ أَنَّ عُمُومَ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصَهَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، وَأَنَّ وِلَايَةَ الْقَضَاءِ مِنْ بَعْضِ الْبِلَادِ وَبَعْضِ الْأَوْقَاتِ، تَتَنَاوَلُ وِلَايَةَ وَالِي الْحَرْبِ وَبِالْعَكْسِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَالِاصْطِلَاحِ وَالتَّنْصِيصِ فِي الْوِلَايَاتِ. وَكَلَامُ ابْنِ سَهْلٍ وَابْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَصْحَابِنَا مَبْنِيٌّ عَلَى عُرْفِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ وِلَايَةُ قَضَاءٍ فِي قُطْرٍ آخَرَ تَمْنَعُ مِنْ تَعَاطِي هَذِهِ السِّيَاسَاتِ نَصًّا أَوْ عُرْفًا، فَلَيْسَ لِلْقَاضِي تَعَاطِي ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ دَعْوَى شَرْعِيَّةٌ حُكْمُهَا الِاخْتِبَارُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ، فَلْيُسَوَّغْ لَهُ الْحُكْمُ فِيهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْحُكُومَاتِ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ وَالْوَالِي لَا يعرفه بِبِرٍّ وَلَا بِفُجُورٍ] الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ وَالْوَالِي لَا يَعْرِفُهُ بِبِرٍّ وَلَا بِفُجُورٍ، فَإِذَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ تُهْمَةٌ فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ، هَذَا حُكْمُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، وَهُوَ مَنْصُوصٌ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. [مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ سُرِقَ مَتَاعُهُ فَاتَّهَمَ بِهِ رَجُلًا مِنْ جِيرَانِهِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: سَأَلْت مُطَرِّفًا عَنْ رَجُلٍ سُرِقَ مَتَاعُهُ فَاتَّهَمَ بِهِ رَجُلًا مِنْ جِيرَانِهِ، أَوْ رَجُلًا غَرِيبًا لَا يُعْرَفُ حَالُهُ، أَتَرَى الْإِمَامَ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ وَيَتَبَيَّنَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرَى ذَلِكَ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَرَى

стр. 645

أَلَّا يُطِيلَ حَبْسَهُ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا اتَّهَمَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِسَرِقَةٍ، وَقَدْ صَحِبَهُ فِي السَّفَرِ» قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ فَضْلٌ: جَعَلَ ادِّعَاءَهُ السَّرِقَةَ هَا هُنَا مِثْلَ مَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ جَرَحَهُ أَوْ قَتَلَ لَهُ وَلِيًّا وَحَبَسَهُ ابْتِدَاءً. مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْبَاجِيُّ: وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَجْهُولَ الْحَالِ، فَظَاهِرُ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ يَقْتَضِي أَنْ لَا أَدَبَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ. وَفِي الْوَاضِحَةِ: مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يُخَلِّي سَبِيلَهُ دُونَ يَمِينٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ مُتَّهَمًا مَوْصُوفًا بِذَلِكَ هُدِّدَ وَسُجِنَ وَأُحْلِفَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ أُدِّبَ الْمُدَّعِي. فَصْلٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ حَبْسَ الْمُتَّهَمِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ مُطَرِّفٍ وَأَرَى أَنْ لَا يُطِيلَ حَبْسَهُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قُلْت لَهُ: يَعْنِي مُطَرِّفًا، فَإِنْ كَانَ الْمُتَّهَمُ مَنْبُوذًا بِالسَّرِقَةِ مُتَّهَمًا بِهَا قَالَ فَذَلِكَ أَطْوَلُ لِحَبْسِهِ. [الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي فُرُوعٍ تَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى عَلَى أَهْلِ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي وَالْفَسَادِ] مَسْأَلَةٌ: إذَا غَصَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ عَقَارًا وَغَيَّرَ مَعَالِمَهُ حَتَّى لَا يَعْرِفَ حُدُودَهُ، فَإِنْ عَيَّنَ الشُّهُودُ الدَّارَ الْمَغْصُوبَةَ أَوْ نَاحِيَتَهَا، حِيلَ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَبَيْنَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَوَقَفَ ذَلِكَ الْمُدَّعَى فِيهِ، وَقِيلَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: أَبْرِزْ لِلْقَائِمِ دَارِهِ، فَمَا عَيَّنَهُ الْغَاصِبُ مِنْ ذَلِكَ وَحَلَفَ عَلَيْهِ أَخَذَهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَإِنْ أَبَى مِنْ الْيَمِينِ، حَلَفَ الْمَشْهُودُ لَهُ عَلَى مَا يَقْطَعُهُ وَيَحُوزُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَأْخُذُهُ، فَإِنْ أَبَى الْغَاصِبُ أَنْ يُبْرِزَ شَيْئًا لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، أُخِذَتْ الدَّارُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يُقِرَّ بِشَيْءٍ وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ. وَرَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ يُكَلِّفُ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مَا شَهِدُوا فِيهِ أَنَّهُ غَصَبَهُ، فَإِنْ حَازَ شَيْئًا لَهُ بَالٌ حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَشْهُودِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ حَازَ شَيْئًا لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا بَالَ، قِيلَ لِلْمَشْهُودِ لَهُ: خُذْ مَا شَهِدَ لَك بِهِ وَاحْلِفْ عَلَيْهِ، وَانْزِلْ فِيهِ وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهِنْدِيُّ: وَقَدْ حَضَرْت الْفُتْيَا بِذَلِكَ.

стр. 646

وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ يُشَدَّدُ عَلَى الْغَاصِبِ وَيُحْبَسُ وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَازَ شَيْئًا حَلَفَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَكْثَرُ، فَإِنْ اسْتَبْلَجَ فِي الْإِبَايَةِ عَنْ الْحِيَازَةِ وَأَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ حَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْ شَيْئًا وَبَرِئَ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَةُ قَبْلَ هَذَا مِنْ الْوَاضِحَةِ، وَزَادَ فِيهَا: أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا قَالَ: لَا أَعْرِفُ حُدُودَهَا لِأَنَّهُ قَدْ غَيَّرَ مَعَالِمَهَا وَحُدُودَهَا، فَإِنَّهُ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ جَمِيعِهَا إذَا خَلَطَهَا بِمِلْكِهِ حَتَّى يُقِرَّ لَهُ بِحَقِّهِ مِنْهَا. قَالَ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي غَيْرِ الْغَاصِبِ: فَالْغَاصِبُ أَحَقُّ بِالْحَمْلِ عَلَى هَذَا مَعَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْأَدَبِ الْمُوجِعِ، وَالْعُقُوبَةِ الْبَالِغَةِ وَالسَّجْنِ الطَّوِيلِ فِيمَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ مِنْ الْغَصْبِ وَاهْتِضَامِ الْمُسْلِمِينَ حُقُوقَهُمْ. فَرْعٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: فِي الرَّجُلِ يُقْضَى لَهُ بِالْأَرْضِ، فَيَدَّعِي خَصْمُهُ أَنَّهُ قَدْ تَزِيدُ فِي أَرْضِهِ أَكْثَرَ مِمَّا قُضِيَ لَهُ بِهِ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُقْضِي، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُقْضَى عَلَيْهِ، وَعَلَى الْمُقْضَى لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّ الَّذِي فِي يَدَيْهِ مِمَّا قُضِيَ بِهِ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُوزَ بِبَيِّنَةٍ مَا قُضِيَ لَهُ بِهِ وَيَنْصِبُ حُدُودَهُ عَلَى حَوْزِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَالْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِأَرْضِهِ. [مَسْأَلَةٌ لَوْ أَقَرَّ الْغَاصِبُ أَنَّهُ غَصَبَهُ دِينَارًا] ، حُكِمَ بِدِينَارٍ جَيِّدٍ وَازِنٍ مِنْ نَقْدِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ لَزِمَهُ دِينَارٌ مِنْ أَيِّ الْأَصْنَافِ شَاءَ، وَيَحْلِفُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ الطَّالِبَ عَلَيْهِ أَعْلَى مِنْهُ، وَكَذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمِ، فَإِنْ كَانَتْ دَرَاهِمُ الْبَلَدِ رَدِيئَةً كُلَّهَا نَاقِصَةً كُلَّهَا لَزِمَهُ مِنْهَا. [مَسْأَلَةٌ قَالَ غَصَبْته دَرَاهِمَ ثُمَّ كَانَتْ رَدِيئَةً] مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ قَالَ غَصَبْته دَرَاهِمَ ثُمَّ كَانَتْ رَدِيئَةً لَمْ يُصَدَّقْ، قَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا لَمْ يَصِلْ الْكَلَامَ. [مَسْأَلَةٌ قَالَ غَصَبْته دَابَّةً] مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ قَالَ غَصَبْته دَابَّةً قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْخَيْلِ وَالْبَرَاذِينِ وَالْهُجُنِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، دُونَ حِمَارِ الْوَحْشِ إلَّا أَنْ يَصِلَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْعَبِيدِ وَالْإِبِلِ. [مَسْأَلَةٌ رَجُلٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَضَرَّ بِهِ وَأَنَّهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ زَوْجَتَهُ] ُ وَأَنَّ زَوْجَتَهُ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِهِ إلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَقَلَتْ مَالَهُ إلَى

стр. 647

ذَلِكَ الرَّجُلِ فَطَلَبَ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْإِضْرَارِ بِالْمُدَّعِي وَالْإِسَاءَةِ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ اضْطَرَبَ عَلَيْهِ الصَّوْتُ اضْطِرَابًا فَاحِشًا، وَأَنَّ زَوْجَةَ الْمُدَّعِي لَمَّا خَرَجَتْ عَنْهُ إنَّمَا زَالَتْ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ وَيُنْسَبُ إلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي ادَّعَى بِهَا عَلَيْهِ، وَشَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةُ شُهْرَتِهِ بِذَلِكَ فَاسْتَغْنَى الْقَاضِي فِي ذَلِكَ فَأَجَابُوهُ: بِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُشَدِّدَ عَلَى هَذَا الْمَرْمِيِّ بِالشَّرِّ بِالْحَبْسِ الطَّوِيلِ وَالنَّكَالِ بَعْدَ الْإِعْذَارِ إلَيْهِ، فَإِنْ ظَهَرَتْ زَوْجَةُ الْمُدَّعِي وَرَدَّ مَتَاعَهُ فَنِعِمَّا، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ مِنْهُ شَيْئًا وَمَضَى عَلَى إنْكَارِهِ حَلَفَ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، وَلَا صَارَ إلَيْهِ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ طُولِ حَبْسِهِ، فَالْمُبَالَغَةُ فِي نَكَالِهِ لِلرِّيبَةِ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الشَّهَادَاتِ مِمَّا اُتُّهِمَ بِهِ مِنْ الْأَوَّلِ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ. [مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ هَدَمَ بَيْتَ رَجُلٍ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا صَاحِبُ الْبَيْتِ] مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي رَجُلٍ هَدَمَ بَيْتَ رَجُلٍ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا صَاحِبُ الْبَيْتِ، وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُمْ سَمِعُوا صَاحِبَ الْبَيْتِ يَقُولُ لِلَّذِي هَدَمَ الْبَيْتَ: مَا دَعَاك إلَى هَدْمِ بَيْتِي الَّذِي يُقِرُّ بِهِ كَذَا وَكَذَا. وَأَخَذَ خَشَبَهُ وَعَتَبَهُ، فَقَالَ الْهَادِمُ: أَبُوك أَذِنَ لِي فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَدَّعِ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا، فَرَفَعَهُ إلَى الْحَاكِمِ وَأَثْبَتَ قَوْلَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَادَّعَى أَنَّ عِنْدَهُ مَدْفَعًا لِمَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ، فَضَرَبَ لَهُ الْحَاكِمُ آجَالًا وَاسِعَةً وَتَلَوَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ، فَعَجَزَهُ وَأَمَرَهُ بِرَمِّ مَا نَقَضَ مِنْ ذَلِكَ وَإِعَادَتِهِ إلَى مِثْلِ حَالِهِ، وَأَنْ يَصِفَ مَا نَقَضَهُ لِيُقَامَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، أَوْ يُؤْخَذُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ فَنَكَلَ عَنْ الصِّفَةِ، وَادَّعَى الْجَهْلَ بِهَا لَدَدًا وَتَوَرُّكًا عَنْ الْحَقِّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ بَاعَهُ وَلَمْ يَحْضُرْ نَقْضَهُ. فَسَأَلَ الْحَاكِمُ الْفُقَهَاءَ هَلْ يَجْبُرُهُ وَيُشَدِّدُ عَلَيْهِ فِي ذِكْرِ الصِّفَةِ بِالْحَبْسِ وَالْجَلْدِ ثُمَّ يُحَلِّفُهُ عَلَيْهَا؟ فَأَجَابُوهُ: بِأَنَّ هَذَا الْمُعْتَدِيَ يُقَالُ لَهُ: لَا يَصِحُّ فِي مَعْقُولٍ سَامِعٍ مِنْك مَا حَكَيْت مِنْ التَّجَاهُلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّك لَمْ تَنْقُضْ إلَّا مَا أَحَطْت بِهِ عِلْمًا وَهَذَا مِنْك لَدَدٌ، وَلِلْمُلَدِّ حُكْمٌ قَالَ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ حِمْلِ السَّوْطِ عَلَيْهِ يَتَبَيَّنُ لَدَدُهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ انْزَجَرَ بِالْأَدَبِ عَنْ التَّجَاهُلِ غُرِّمَ قِيمَةَ مَا اسْتَهْلَكَ، وَإِنْ مَضَى فِي تَجَاهُلِهِ حَمَلَ التَّأْدِيبَ عَلَيْهِ فِي تَجَاهُلِهِ بِمَا شَهِدَ الذِّهْنُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَيُؤَدَّبُ أَيْضًا عَلَى تَعَدِّيه وَجُرْأَتِهِ.

стр. 648

وَإِذَا تَجَافَى الْحَاكِمُ عَنْ مِثْلِ هَذَا، ذَهَبَتْ الْحُقُوقُ وَاجْتَرَأَ الْمُلِدُّ عَلَى إضْرَارِهِمْ، وَقَالَ لِلْمُدَّعِي: صِفْ ذَلِكَ إنْ كَانَ يُحِيطُ بِمَعْرِفَةِ مَا اسْتَهْلَكَ وَيُغَرَّمُ الْمُتَعَدِّي قِيمَتَهُ عَلَى الصِّفَةِ، وَإِذَا ادَّعَى جَهْلًا فَهُوَ أَعْذَرُ مِنْ الْمُتَعَدِّي، فَإِنْ تَمَادَى التَّجَاهُلُ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فَأَنْزِلْهُ أَوْسَطَ قِيمَةٍ عَلَى مَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ لِمُعَايَنَةِ الْمَوْضِعِ، وَمَعْرِفَةِ قَدْرِ مَا كَانَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ غَائِبَةً، لِأَنَّهُ إذَا أَخَذْنَا وَسَطَ الْقِيمَةِ فَكَأَنَّ الْعَيْنَ قُوِّمَتْ. [مَسْأَلَةٌ جَزَاءُ الَّذِينَ قَدْ عُرِفُوا بِالْفَسَادِ وَالْجُرْمِ] مَسْأَلَةٌ: كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ مُطَرِّفٌ فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدْ عُرِفُوا بِالْفَسَادِ وَالْجُرْمِ، أَنَّ الضَّرْبَ مَا يُنَكِّلُهُمْ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يَحْبِسَهُمْ السُّلْطَانُ فِي السُّجُونِ وَيُثْقِلُهُمْ بِالْحَدِيدِ وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْهُ أَبَدًا، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ وَلِأَهْلَيْهِمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ، حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَةُ أَحَدِهِمْ وَتَثْبُتُ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَإِذَا صَلُحَ وَظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ أَطْلَقَهُ مِنْ النَّوَادِرِ فِي بَابِ الدَّعَاوَى. [مَسْأَلَةٌ شُهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْأَذَى لِلنَّاسِ] مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ: وَإِذَا شُهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْأَذَى لِلنَّاسِ، وَمِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالرَّدَى، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَبُ الْمُوجِعُ وَالْحَبْسُ الطَّوِيلُ، وَيَجِبُ الْإِغْلَاظُ عَلَى أَهْلِ الشَّرِّ وَالْقَمْعُ لَهُمْ وَالْأَخْذُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ، وَذَلِكَ بَعْدَ الِاعْتِذَارِ فِي ذَلِكَ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ لُبَابَةٍ وَابْنُ وَلِيَدٍ. وَقَالَ بِهِ خَالِدُ بْنُ وَهْبٍ وَقَالَ: يُقَالُ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ النَّاسَ مِنْ الظَّالِمِ لَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَى الْحَقِّ [مَسْأَلَةٌ رُفِعَ لِلْقَاضِي رَجُلٌ يَعْرِفُهُ بِالسَّرِقَةِ وَالدَّعَارَةِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِذَا رُفِعَ لِلْقَاضِي رَجُلٌ يَعْرِفُهُ بِالسَّرِقَةِ وَالدَّعَارَةِ، وَادَّعَى ذَلِكَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ لِاخْتِبَارِ ذَلِكَ، فَأُقِرَّ فِي السِّجْنِ بِمَا اُدُّعِيَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ، وَهَذَا الْحَبْسُ خَارِجٌ عَنْ الْإِكْرَاهِ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: فَلَوْ اعْتَرَفَ بَعْدَ أَنْ مَرَّ عَلَيْهِ شَهْرَانِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: يُؤْخَذُ بِاعْتِرَافِهِ، وَقِيلَ: لَا يُؤْخَذُ بِاعْتِرَافِهِ، سَوَاءٌ عَيَّنَ الْمُدَّعَى فِيهِ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ، وَقِيلَ: إنْ عَيَّنَ الْمُدَّعَى فِيهِ أُخِذَ بِاعْتِرَافِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ مَا يُؤْخَذُ بِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ سَحْنُونٌ بَيْنَ التَّعْيِينِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ: لَا يَعْرِفُ هَذَا إلَّا مَنْ يَنْفُوَا بِهِ، يُرِيدُ الْقُضَاةَ وَمَنْ شَابَهَهُمْ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ الْإِكْرَاهَ كَانَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ، وَإِذَا كَانَ مِنْ الْحَقِّ عُقُوبَتُهُ وَسِجْنُهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ حَالِهِ، كَانَ مِنْ الْحَقِّ أَنْ يُؤْخَذَ بِاعْتِرَافِهِ.

стр. 649

[مَسْأَلَةٌ فَاسِقٍ تَأْوِي إلَيْهِ الْفُسَّاقُ وَأَهْلُ الْخَمْرِ مَا يَصْنَعُ بِهِ] مَسْأَلَةٌ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ فَاسِقٍ يَأْوِي إلَيْهِ الْفُسَّاقُ وَأَهْلُ الْخَمْرِ مَا يَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ يُخْرَجُ عَنْ مَنْزِلِهِ وَيُكْرَى عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَتَقَدَّمُ إلَيْهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أُخْرِجَ أُكْرِيَ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهَا تُبَاعُ، وَهِيَ رِوَايَةٌ فِي الْوَاضِحَةِ، وَلَوْ كَانَتْ الدَّارُ مَعَهُ بِالْكِرَاءِ أُخْرِجَ مِنْهَا، وَأُكْرِيَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُفْسَخْ كِرَاؤُهُ فِيهَا. [مَسْأَلَةٌ الْمُسْلِمِ الْخَمَّارِ الَّذِي يَبِيعُ الْخَمْرَ] مَسْأَلَةٌ: وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَرَّقَ بَيْتُ الْخَمَّارِ، قَالَ وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَالِكًا ﵀ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُحَرَّقَ بَيْتُ الْمُسْلِمِ الْخَمَّارِ الَّذِي يَبِيعُ الْخَمْرَ، قِيلَ لَهُ فَالنَّصْرَانِيُّ يَبِيعُ الْخَمْرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: فَإِذَا تَقَدَّمَ إلَيْهِ فَلَمْ يَنْتَهِ فَأَرَى أَنْ يُحَرَّقَ عَلَيْهِ بَيْتُهُ بِالنَّارِ، وَحَدَّثَنِي اللَّيْثُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَرَّقَ بَيْتَ رُوَيْشِدٍ الثَّقَفِيِّ لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْخَمْرَ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ فُوَيْسِقٌ وَلَسْت بِرُوَيْشِدٍ. [مَسْأَلَةٌ كَانَ عِنْدَهُ وَثِيقَةٌ لِرَجُلٍ بِإِثْبَاتِ حَقٍّ] مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ الطُّرَرِ قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ وَثِيقَةٌ لِرَجُلٍ بِإِثْبَاتِ حَقٍّ فَلَمْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ مُتَعَدِّيًا عَلَيْهِ بِحَبْسِهَا حَتَّى افْتَقَرَ الرَّجُلُ أَوْ مَاتَ وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا فِي التَّعَدِّي وَالْإِتْلَافِ، لَوْ تَعَدَّى عَلَى وَثِيقَةِ رَجُلٍ قَطَعَهَا أَوْ أَفْسَدَهَا فَتَلِفَ الْحَقُّ بِقَطْعِهَا، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا فِيهَا، وَيَضْمَنُ أَيْضًا مِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ بِإِحْيَاءِ حَقٍّ لِرَجُلٍ فَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى تَلِفَ مِنْهُ. وَكَذَلِكَ لَوْ مَرَّ رَجُلٌ بِإِنْسَانٍ مَعَهُ صَيْدٌ وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى سِكِّينٍ يُذَكِّي بِهَا الصَّيْدَ، وَمَعَ الْمَارِّ سِكِّينٌ فَلَمْ يَدْفَعْهَا لَهُ حَتَّى مَاتَ الصَّيْدُ، فَفِي تَضْمِينِ الْمَارِّ خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ الْمُوَاسَاةَ بِخَيْطِ لِجَائِفَةٍ وَنَحْوِهَا حَتَّى مَاتَ، فَفِي الضَّمَانِ قَوْلَانِ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ تَحْتَهَا فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ. [مَسْأَلَةٌ امْرَأَةٍ اشْتَكَتْ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ رَجُلٍ أَنَّهُ أَخَذَ وَلَدَهَا صَغِيرًا] مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي امْرَأَةٍ اشْتَكَتْ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ رَجُلٍ ذَكَرَتْ أَنَّهُ أَخَذَ وَلَدَهَا صَغِيرًا وَغَرَّبَهُ عَنْهَا، فَأَقَرَّ الرَّجُلُ بِتَغْرِيبِ الصَّبِيِّ، وَادَّعَى أَنَّهَا امْرَأَتُهُ وَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِقُرْطُبَةَ، وَالدَّعْوَى عِنْدَ قَاضِي قُرْطُبَةَ، وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ التَّنَاكُحُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ بِالصَّبِيِّ لِتُبِيحَ لَهُ نَفْسَهَا بِلَا نَفَقَةٍ يُقِيمُهَا لَهَا، وَلَا عَائِدٍ يَعُودُ عَلَيْهَا بِهِ، فَأَمَرَ الْقَاضِي بِحَبْسِهِ إلَى أَنْ يُحْضَرَ الصَّبِيَّ، خَشِيَ الْقَاضِي ارْتِحَالَهُ

стр. 650

فَتُضْطَرُّ الْمَرْأَةُ إلَى اتِّبَاعِهِ وَالْخُرُوجِ مَعَهُ إلَى حَيْثُ أَحَبَّ، وَالْمُسَاعَدَةُ لَهُ عَلَى مَا أَرَادَ بِسَبَبِ شَفَقَتِهَا عَلَى وَلَدِهَا، فَكَتَبَ الْقَاضِي إلَى الْفُقَهَاءِ الْمُشَاوِرِينَ بِذَلِكَ فَأَجَابُوهُ: بِأَنَّ التَّشْدِيدَ عَلَيْهِ بِالسِّجْنِ صَوَابٌ وَرُشْدٌ، قَالَهُ ابْنُ لُبَابَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَلِيَدٍ وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ سَهْلٍ: لَيْتَ شَعْرِي، مَا الَّذِي مَنَعَ الْقَاضِي وَمَنَعَ الْقَاضِي وَمَنَعَ الْفُقَهَاءَ مِنْ كَشْفِهِمَا عَنْ تَنَاكُحِهِمَا مِنْ عَقْدِهِ بَيْنَهُمَا، وَعَنْ الْوَلِيِّ وَالشُّهُودِ لِأَنَّهُمَا ذَكَرَا أَنَّ التَّنَاكُحَ بِقُرْطُبَةَ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْقَاضِي فَكَانَ يَنْبَغِي الْكَشْفُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ بَانَ لَهُ كَذِبَهُمَا وَأَقَرَّا بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَلَدَ مِنْهُمَا وَأَقَرَّ بِدُخُولِهِ بِهَا وَوَطْئِهِ إيَّاهَا، أَقَامَ الْحَدَّ عَلَيْهِمَا، عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا فِي حَامِلٍ ادَّعَتْ أَنَّهَا مُسْتَكْرَهَةٌ، فَإِنَّهَا لَا تُصَدَّقُ وَتُحَدُّ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَا طَارِئَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْرِضُ لَهُمَا فَهَذَا مِنْهُمْ تَقْصِيرٌ. [مَسْأَلَةٌ أَكْرَهَ رَجُلًا أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا فَيُخْرِجَ مِنْهُ مَتَاعًا فَفَعَلَ ثُمَّ عُزِلَ] مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ أَكْرَهَ عَامِلٌ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا فَيُخْرِجَ مِنْهُ مَتَاعًا لِيَدْفَعَهُ إلَيْهِ فَفَعَلَ ثُمَّ عُزِلَ، فَقَالَ سَحْنُونٌ: لِرَبِّ الْمَتَاعِ أَنْ يَأْخُذَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ الْمَأْمُورِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْآمِرِ، وَلَوْ أَقَامَ الْمَأْمُورُ فِي غَيْبَةِ رَبِّ الْمَتَاعِ فَلَهُ أَخْذُهُ مِنْ الْآمِرِ. [مَسْأَلَةٌ السَّارِقُ إذَا تَرَكَ بَابَ الدَّارِ مَفْتُوحًا فَيُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ] مَسْأَلَةٌ: وَالسَّارِقُ إذَا تَرَكَ بَابَ الدَّارِ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ فَيُؤْخَذُ مِنْهَا شَيْءٌ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ. [مَسْأَلَةٌ أَخْبَرَ رَجُلٌ لُصُوصًا بِمَطْمُورَةِ رَجُلٍ] مَسْأَلَةٌ: لَوْ أَخْبَرَ رَجُلٌ لُصُوصًا بِمَطْمُورَةِ رَجُلٍ، أَوْ أَخْبَرَ بِهَا غَاصِبًا فَبَحَثَ عَنْهَا أَوْ عَنْ مَالِهِ، وَلَوْلَا خَبَرُهُ مَا عُرِفَتْ، فَفِي تَضْمِينِهِ قَوْلَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ وَبِالتَّضْمِينِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ. [مَسْأَلَةٌ اعْتَدَى عَلَى رَجُلٍ فَقَدَّمَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ فِي ظُلْمِهِ] مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اعْتَدَى عَلَى رَجُلٍ فَقَدَّمَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَجَاوَزُ فِي ظُلْمِهِ وَيُغَرِّمُهُ مَالًا، فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْأَدَبَ وَأَنَّهُ آثِمٌ، وَأَفْتَى بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ الشَّاكِيَ إنْ كَانَ ظَالِمًا فِي شَكْوَاهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا غَرَّمَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَنْتَصِفَ إلَّا بِالسُّلْطَانِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَا أَخَذَ مِنْهُ الْأَعْوَانُ مِثْلُ مَا أَخَذَ مِنْهُ السُّلْطَانُ فِي الْحُكْمِ، فَمَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِمْ أَخَذَ مِنْهُمْ مَا أَخَذُوهُ مِنْهُ.

стр. 651

فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ: وَأَمَّا الرَّجُلُ يَأْتِي إلَى السُّلْطَانِ فَيُخْبِرُهُ بِأَسْمَاءِ قَوْمٍ وَمَوَاضِعِهِمْ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي يَطْلُبُهُمْ بِهِ فَأَرَاهُ ضَامِنًا لِمَا غَرِمُوهُ، وَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ. [فَائِدَةٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعْتَدِي وَالْغَاصِبِ] وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ التَّعَدِّيَ جِنَايَةٌ عَلَى بَعْضِ السِّلْعَةِ، وَالْغَصْبُ جِنَايَةٌ عَلَى السِّلْعَةِ كُلِّهَا، وَأَيْضًا فَالْمُعْتَدِي ضَامِنٌ يَوْمَ التَّعَدِّي لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ عَلَيْهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا قَبْلَهُ، وَالْغَاصِبُ ضَامِنٌ يَوْمَ الْغَصْبِ وَأَيْضًا فَالْمُتَعَدِّي إنْ أَتَى بِهَا سَالِمَةً ضَمِنَهَا، وَالْغَاصِبُ إنْ أَتَى بِهَا سَالِمَةً لَمْ يَضْمَنْهَا، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَقَدْ جَعَلَ غَيْرُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْغَاصِبَ كَالْمُتَعَدِّي، إذَا أَمْسَكَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا حَتَّى نَقَصَتْ مِنْ قِيمَتِهَا. وَأَيْضًا فَالْمُتَعَدِّي لَا يَضْمَنُ إلَّا فِي الْفَسَادِ الْكَثِيرِ، وَالْغَاصِبُ يَضْمَنُ الْيَسِيرَ إذَا شَاءَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا أَخَذَ سِلْعَتَهُ نَاقِصَةً وَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا، وَأَيْضًا فَالْمُتَعَدِّي يَلْزَمُهُ وَكِرَاءُ مَا تَعَدَّى عَلَيْهِ وَأُجْرَتُهُ بِكُلِّ حَالٍ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَالَ فِي الْغَاصِبِ: لَا كِرَاءَ عَلَيْهِ وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ خِلَافٌ. [مَسْأَلَةٌ وَالْغَصْبُ مُحَرَّمٌ ابْتِدَاءً] ً، وَالضَّمَانُ وَالْأَدَبُ بَعْدَ الْوُقُوعِ وَلَا يُؤَدَّبُ غَيْرُ الْبَالِغِ، وَقِيلَ يُؤَدَّبُ كَمَا يُؤَدَّبُ الصَّغِيرُ فِي الْمَكْتَبِ. [مَسْأَلَةٌ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ انْتَهَبَ صُرَّةً] مَسْأَلَةٌ: لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ انْتَهَبَ صُرَّةً ثُمَّ قَالَ: كَانَ فِيهَا كَذَا، وَقَالَ رَبُّهَا كَذَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْغَاصِبِ مَعَ يَمِينِهِ، قَالَهُ مَالِكٌ وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا طَرَحَ الصُّرَّةَ فِي مُتْلَفٍ وَلَمْ يَدْرِ كَمْ فِيهَا. أَوْ لَمْ يَطْرَحْهَا وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهَا، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُنْتَهَبِ فِي يَمِينِهِ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ كِنَانَةَ وَأَشْهَبُ فِي هَذَا وَشَبَهِهِ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُنْتَهَبِ مِنْهُ إذَا ادَّعَى مَا يُشْبِهُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ يُرِيدُونَ وَيَحْلِفُ وَفِي بَابِ الْقَضَاءِ بِاللَّوْثِ فِي الْأَمْوَالِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَكَذَلِكَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالشَّهَادَاتِ الْمَجْهُولَةِ وَالنَّاقِصَةِ شَيْءٌ مِنْ مَسَائِلِ الْغَصْبِ. [مَسْأَلَةٌ أَخَذَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُغِيرِينَ الْغَصْب] مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَخَذَ وَاحِدٌ مِنْ الْمُغِيرِينَ ضَمِنَ جَمِيعَ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ، وَأُحْلِفَ الْمُغَارُ عَلَيْهِ فِيمَا يُشْبِهُ أَنَّهُ لَهُ أَوْ يَمْلِكُهُ، وَلَوْ أُخِذُوا كُلُّهُمْ وَهُمْ أَوْلِيَاءٌ لَمْ يَضْمَنْ كُلُّ وَاحِدٍ إلَّا مَا يَنُوبُهُ، قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ.

стр. 652

[مَسْأَلَةٌ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ عَبْدَ فُلَانٍ هُوَ وَرَجُلَانِ سَمَّاهُمَا، وَصَدَّقَهُ رَبُّ الْعَبْدِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَ عَبْدَ فُلَانٍ هُوَ وَرَجُلَانِ سَمَّاهُمَا، وَصَدَّقَهُ رَبُّ الْعَبْدِ أَنَّ هَذَا يَضْمَنُ جَمِيعَ قِيمَةِ الْعَبْدِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَنْ كَانَ حَضَرَ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ أَوْ أَقَرُّوا، ثُمَّ إنْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ الْبَيِّنَةُ وَبَعْضُهُمْ عَدِيمٌ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَلِيءِ جَمِيعُ الْقِيمَةِ وَيُطْلَبُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. [مَسْأَلَةٌ أَتْلَفَ الْمُتَعَدِّي شَيْئًا] مَسْأَلَةٌ: إذَا أَتْلَفَ الْمُتَعَدِّي شَيْئًا ضَمِنَهُ وَإِنْ أَفْسَدَ فَسَادًا كَثِيرًا فَرَبُّهُ بِالْخِيَارِ وَالتَّضْمِينِ وَأَخْذِ الْأَرْشِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَيْسَ إلَّا التَّضْمِينُ أَوْ أَخْذُ مَتَاعِهِ دُونَ أَرْشٍ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَإِنْ أَفْسَدَهُ فَسَادًا يَسِيرًا، وَأَفَاتَ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ فَهُوَ كَالْكَثِيرِ، وَذَلِكَ كَقَطْعِ ذَنَبِ بَغْلَةِ الْقَاضِي وَطَيْلَسَانِ ذِي الْهَيْئَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ الْأَدَبِ وَالتَّعْزِيرِ عَلَى قَدْرِ فَسَادِهِ وَجَرَاءَتِهِ وَعَادَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَفُتْ الْغَرَضُ فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ الْأَرْشِ، وَإِذَا كَانَ الْفَسَادُ يَسِيرًا فِي الثَّوْبِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْفُوَهُ أَوْ يَخِيطَهُ إنْ كَانَ مِمَّا تَصْلُحُ فِيهِ الْخَيَّاطَةُ، وَحِينَئِذٍ يُعْطِي الْأَرْشَ، وَكَذَلِكَ الْقَصْعَةُ يُشَعِّبُهَا، وَأَمَّا الْفَسَادُ الْكَثِيرُ فَلَا يَرْفُوهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إذَا اخْتَارَ أَخْذَ الثَّوْبِ وَمَا نَقَصَهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُرْفَأَ أَوْ يُخَاطَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ خِلَافُ مَا يَظْهَرُ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَقَدْ يَغْرَمُ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ. [مَسْأَلَةٌ جَنَى رَجُلٌ عَلَى عَبْدِ رَجُلٍ جِنَايَةً مُفْسِدَةً] مَسْأَلَةٌ: لَوْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى عَبْدِ رَجُلٍ جِنَايَةً مُفْسِدَةً غُرِّمَ قِيمَتَهُ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: إنْ اخْتَارَ أَخْذَهُ فَلَهُ ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ امْرَأَة رَمَتْ رَجُلًا أَنَّهُ اخْتَدَعَهَا وَافْتَضَّهَا] مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي امْرَأَةٍ رَمَتْ رَجُلًا أَنَّهُ اخْتَدَعَهَا وَافْتَضَّهَا، وَشَهِدَ فِي ذَلِكَ الرَّجُلِ جَمَاعَةٌ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الطَّهَارَةِ وَالْحَالَةِ الْحَسَنَةِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَشَهِدَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ مَنْسُوبٌ إلَيْهَا الرَّدَى، فَأَجَابَ الْمُشَاوِرُونَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ عَلَى الْمَرْأَةِ لِلرَّجُلِ الَّذِي رَمَتْهُ حَدُّ الْفِرْيَةِ ثَمَانُونَ سَوْطًا قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَتُضْرَبُ لِإِقْرَارِهَا بِالزِّنَا مِائَةً إذَا لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً فَيَكُونُ عَلَيْهَا مِائَةٌ وَثَمَانُونَ سَوْطًا يُرِيدُ إنْ قَامَتْ عَلَى دَعْوَاهَا، وَإِنْ رَجَعَتْ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهَا إلَّا حَدُّ الْقَذْفِ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: فِي الْجَارِيَةِ إنْ جَاءَتْ بِهِ مُتَعَلِّقَةً بِهِ تَدْمَى أَوْ لَا تَدْمَى وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ بِذَلِكَ، حُدَّتْ لِلْقَذْفِ لَا لِلزِّنَا، قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ، وَقَالَهُ مَالِكٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَلْزَمُهُ صَدَاقٌ وَلَا أَدَبٌ،

стр. 653

وَلَا تُحَدُّ هِيَ لِمَا رَمَتْهُ بِهِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا فَلَهَا عَلَيْهِ صَدَاقُ الْمِثْلِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا صَدَاقَ لَهَا إلَّا أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ أَنَّهُ احْتَمَلَهَا وَغَابَ عَلَيْهَا، فَتَحْلِفُ وَتَأْخُذُ صَدَاقَهَا إنْ ادَّعَتْ أَنَّهُ أَصَابَهَا، وَيَوْجَعُ هُوَ ضَرَبَا، وَقَالَهُ مَالِكٌ وَانْظُرْ الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ فَفِيهِ ذِكْرُ مَا اخْتَارَهُ هُوَ فِي ذَلِكَ. [مَسْأَلَةٌ الرَّجُلِ يَدُلُّ عَلَى الرَّجُلِ فَيَأْخُذُ مِنْ بُسْتَانِهِ غَرْسًا فَيَغْرِسُهُ فِي أَرْضِهِ] مَسْأَلَةٌ وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَالَ لِي أَصْبَغُ فِي الرَّجُلِ يَدُلُّ عَلَى الرَّجُلِ فَيَأْخُذُ مِنْ بُسْتَانِهِ غَرْسًا مِنْ أَصْلِهِ فَيَغْرِسُهُ فِي أَرْضِهِ، فَيُنْكِرُ ذَلِكَ الْمَأْخُوذُ مِنْ بُسْتَانِهِ وَلَا يَحْتَمِلُ دَلَالَتَهُ عَلَيْهِ، إنْ كَانَ يُحْدِثَانِ مَا غَرَسَهُ الْمُدِلُّ فِي أَرْضِهِ، وَقَبْلَ أَنْ يَطُولَ زَمَانُهُ فَأَرَاهُ أَحَقَّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ثَبَتَ وَعَلَّقَ، وَأَمَّا إنْ تَطَاوَلَ أَمْرُهُ فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَتُهُ بَائِنًا يَوْمَ اقْتَلَعَهُ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى أَخْذِهِ، لِأَنَّ دَلَالَتَهُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ شُبْهَةٌ تَمْنَعُ قَلْعَهُ. فَرْعٌ: قَالَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ وَلَكِنْ اقْتَلَعَهُ غَصْبًا وَتَعَدِّيًا كَانَ أَحَقَّ بِغَرْسِهِ، وَإِنْ ثَبَتَ فِي أَرْضِ هَذَا وَطَالَ زَمَنُهُ وَثَبَتَتْ زِيَادَتُهُ لِأَنَّهُ شَبِيهٌ بِعَيْنِهِ قَدْ زَادَ وَنَمَا وَشَبَّ، فَهُوَ كَالصَّغِيرِ يُغْصَبُ وَيُسْرَقُ، فَيَجِدُهُ صَاحِبُهُ وَقَدْ كَبِرَ وَشَبَّ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إنْ شَاءَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ وَيَأْخُذَ قِيمَتَهُ ثَابِتًا يَوْمَ قَلْعِهِ فَيَكُونُ لَهُ. فَرْعٌ: قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَرْسًا وَلَكِنَّهُ امْتِلَاخٌ امْتَلَخَهُ مِنْ شَجَرِ رَجُلٍ غَصْبًا وَتَعَدِّيًا بِلَا إذْنٍ مِنْ صَاحِبِهِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَقَامَ الْمَأْخُوذُ ذَلِكَ مِنْ شَجَرِهِ عَلَى حَقِّهِ، بِحِدْثَانِ مَا أُخِذَ وَمَا اغْتَرَسَهُ الْآخِذُ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلَّقَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ وَبَعْدَ نَمَاءٍ وَزِيَادَةٍ، فَلَا أَرَى لَهُ سَبِيلًا إلَى أَخْذِهِ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنْ لَهُ قِيمَتُهُ يَوْمَ امْتِلَاخِهِ مِنْ شَجَرِهِ عُودًا مَيِّتًا مَكْسُورًا إذَا لَمْ يَكُنْ يَضُرُّ شَجَرَهُ، لِأَنَّهُ كَالْحَبِّ الْمَيِّتِ يَغْصِبُهُ الرَّجُلُ فَيَزْرَعُهُ فِي أَرْضِهِ فَيَنْبُتُ فَإِنَّمَا الزَّرْعُ لِلْغَاصِبِ، وَعَلَيْهِ لِلْمَغْصُوبِ رَدُّ كَيْلِهِ مِنْ حَبٍّ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَضَرَّ بِالشَّجَرِ فَعَلَيْهِ مَعَ قِيمَةِ الْعُودِ الَّذِي أَخَذَ قِيمَتَهُ، مَا نَقَصَ الشَّجَرُ وَمَا وَهِيَ مِنْهَا إنْ كَانَ ذَلِكَ أَوْهَاهَا، إذْ لَا يُشْبِهُ الِامْتِلَاخُ الْغَرْسَ عِرْقٌ حَيٌّ أُخِذَ وَهُوَ حَيٌّ، وَاغْتُرِسَ وَهُوَ حَيٌّ، وَنَبَتَ حَيًّا، وَالِامْتِلَاخُ قَضِيبٌ

стр. 654

مَيِّتٌ، وَرَأَى عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْعُقُوبَةَ عَلَى أَخْذِهِ إيَّاهُ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ، وَلَوْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ مُدِلًّا غَيْرَ غَاصِبٍ فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَتَحَلَّلَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ حَلَّلَهُ وَإِلَّا غَرِمَ قِيمَتَهُ عُودًا مَكْسُورًا يَوْمَ امْتَلَخَهُ، كَانَ ذَلِكَ بِحِدْثَانِهِ أَوْ بِغَيْرِ حِدْثَانِهِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: إنَّمَا يَجْعَلُهُ سَحْنُونٌ لَهُ إذَا كَانَ لَوْ قَلَعَهُ وَغَرَسَهُ نَبَتَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَنْبُتُ إنْ قَلَعَهُ وَغَرَسَهُ فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَتُهُ وَلَا سَبِيلَ إلَى قَلْعِهِ، وَقَدْ كَانَ رَبِيعَةُ يَقُولُ فِي مِثْلِ هَذَا: وَإِنْ نَبَتَ فَإِنَّمَا لَهُ قِيمَتُهُ أَوْ غَرْسُ مِثْلِهِ. [مَسْأَلَةٌ رَجُلًا اغْتَصَبَ غَرْسًا مِنْ أَرْضِ رَجُلٍ، ثُمَّ بَاعَهُ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: قَالَ أَصْبَغُ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اغْتَصَبَ غَرْسًا مِنْ أَرْضِ رَجُلٍ، ثُمَّ بَاعَهُ فَاشْتَرَاهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّهُ اغْتَصَبَهُ فَغَرَسَهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ، ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ صَاحِبُهُ وَقَدْ عُلِّقَ وَثَبَتَ خَيْرُ مُسْتَحَقِّهِ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، إنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْ الْغَاصِبِ قِيمَتَهُ يَوْمَ اقْتَلَعَهُ ثَابِتًا عَلَى أَصْلِهِ وَهَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهُ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ اقْتَلَعَهُ وَأَخَذَ غَرْسَهُ، وَذَلِكَ مَا لَمْ يَطُلْ زَمَانُهُ فِي أَرْضِ الْمُشْتَرِي، وَتَتَبَيَّنُ زِيَادَتُهُ وَنَمَاؤُهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَخْذُهُ حِينَئِذٍ، وَلَكِنْ لَهُ عَلَى مُبْتَاعِهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ غَرَسَهُ فِي أَرْضِهِ وَلَيْسَ قِيمَتُهُ الْيَوْمَ، لِأَنَّ لَهُ فِيهِ سَقْيًا وَعِلَاجًا وَعَمَلًا، وَبِهِ بَلَغَ هَذَا الْمَبْلَغَ، فَإِنْ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ الْمُبْتَاعِ رَجَعَ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَعْطَاهُ. تَنْبِيهٌ: قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: جَعَلُوا زِيَادَةَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ خِلَافَ مَا هِيَ عِنْدَ الْغَاصِبِ، أَفَرَأَيْت الصَّغِيرَ يَكْبَرُ؟ هَلْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَالْغَاصِبِ؟ . مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ: فِي الْبُسْتَانِ وَالْحَدِيقَةِ مِنْ الزَّيْتُونِ أَوْ مِنْ أَيِّ أَنْوَاعِ الشَّجَرِ كَانَتْ يَعْدُو عَلَيْهَا، عَادٍ فَيَقْطَعُ شَجَرَهَا وَيُفْسِدُهَا، إنْ كَانَ الْفَسَادُ فِي الشَّجَرِ يَسِيرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ فِي الشَّجَرِ الَّتِي قَطَعَ، وَأَفْسَدَ قِيمَتَهَا ثَابِتَةً حِينَ قَطَعَهَا وَنَظَرَ إلَى قِيمَةِ الْبُسْتَانِ وَالْحَدِيقَةِ، قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَ مِنْهَا مَا قَطَعَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُفْسِدَ مِنْهَا مَا أَفْسَدَ، وَنَظَرَ إلَى قِيمَتِهَا بَعْدَ الْقَطْعِ وَالْفَسَادِ، فَأَيُّ ذَلِكَ إنْ كَانَ أَكْثَرَ وَأَسْخَطَ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَعَ الْعُقُوبَةِ الْمُوجِبَةِ.

стр. 655

وَهَكَذَا حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ رَبِيعَةَ وَهُوَ أَحْسَنُ مَا فِيهِ عِنْدَنَا، قَالَ أَصْبَغُ: وَأَنْكَرَ مَالِكٌ مَا ذُكِرَ مِنْ تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ عَلَى مُفْسِدِ الشَّجَرِ وَقَاطِعِهَا، وَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إلَّا قِيمَةُ مَا أَفْسَدَ. [مَسْأَلَةٌ أَفْسَدَ ثَمَرَةً قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا] مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أَفْسَدَ ثَمَرَةً قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا غُرِّمَ قِيمَتَهَا يَوْمَ أَفْسَدَهَا عَلَى الرَّجَاءِ أَنْ يُتِمَّ، وَعَلَى الْخَوْفِ أَنْ لَا يُتِمَّ، كَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ هَذَا كُلُّهُ مَعَ الْأَدَبِ مِنْ السُّلْطَانِ بِقَدْرِ سَفَهِهِ وَإِفْسَادِهِ. [مَسْأَلَةٌ يَقْطَعُ شَجَرَة الرَّجُل مِنْ فَوْقِ أَصْلِهَا] مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ الَّذِي يَقْطَعُ شَجَرَةَ الرَّجُلِ مِنْ فَوْقِ أَصْلِهَا، فَقَالَ: لَا يُقْضَى عَلَيْهِ السَّاعَةَ وَلَكِنْ يُنْتَظَرُ بِالشَّجَرَةِ، فَإِنْ عَادَتْ لِهَيْئَتِهَا كَمَا كَانَتْ أَوَّلًا فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ، يُرِيدُ سِوَى الْأَدَبِ، وَإِنْ هِيَ عَادَتْ وَلَمْ تَتِمَّ عَلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ وَغُرِّمَ مَا نَقَصَ، قِيلَ لَهُ: قُطِعَتْ فُرُوعُهَا أَوْ مِنْ فَوْقِ أَصْلِهَا يَنْتَظِرُ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ، قَالَ: نَعَمْ مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ. [مَسْأَلَةٌ أَسْكَنَ مُعَلِّمًا دَارَ رَجُلٍ ظُلْمًا لِيُعَلِّمَ لَهُ فِيهَا وَلَدَهُ ثُمَّ مَاتَ الظَّالِمُ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: فِي ظَالِمٍ أَسْكَنَ مُعَلِّمًا دَارَ رَجُلٍ ظُلْمًا، لِيُعَلِّمَ لَهُ فِيهَا وَلَدَهُ ثُمَّ مَاتَ الظَّالِمُ أَوْ مَاتَ الْمُعَلِّمُ، فَصَاحِبُ الدَّارِ مُخَيَّرٌ فِي كِرَاءِ دَارِهِ إنْ شَاءَ أَخَذَهُ مِنْ مَالِ الْمُعَلِّمِ. [مَسْأَلَةٌ رَجُلٍ اسْتَجْهَلَ عِنْدَ سُلْطَانٍ مُتَعَدٍّ فَضَرَبَهُ أَوْ أَغْرَمَهُ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَالَ لِي مُطَرِّفٌ فِي رَجُلٍ اسْتَجْهَلَ عِنْدَ سُلْطَانٍ مُتَعَدٍّ فَضَرَبَهُ أَوْ أَغْرَمَهُ، ثُمًّ انْتَصَفَ الْمُسْتَجْهِلُ عِنْدَ سُلْطَانٍ غَيْرِهِ فَلَا يُغَرِّمُهُ مَا أُغْرِمَ بِسَبَبِهِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ.

стр. 656

[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي بَابِ الْغَصْبِ وَالتَّعَدِّي مِنْ بَيْعِ الْمَضْغُوطِ وَإِيمَانِ الْإِكْرَاهِ] وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ بَيْعُ الْمُسْتَكْرَهِ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ، وَلَا لَازِمٍ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ إذَا اُسْتُكْرِهَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي ثَلَاثٌ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، فَإِذَا أَلْجَأَ الظَّالِمُ رَجُلًا إلَى أَخْذِ مَالِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَاضْطَرَّهُ حَتَّى بَاعَ مَالَهُ فَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَوْلَى بِكُلِّ مَا بَاعَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ، وَلِيَتْبَعَ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ ذَلِكَ الظَّالِمُ الَّذِي أَخَذَهُ أَوْ وَصَلَ إلَيْهِ، قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: وَسَوَاءٌ وَصَلَ ثَمَنُ الْمَتَاعِ إلَى الْمَضْغُوطِ ثُمَّ دَفَعَهُ الْمَضْغُوطُ إلَى الَّذِي أَلْجَأَهُ إلَى الْبَيْعِ بِتَعَدِّيهِ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ الظَّالِمُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى قَبْضَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُبْتَاعِ فَإِذَا بِمَتَاعِهِ بِيَدِ مَنْ ابْتَاعَهُ، أَوْ بِيَدِ مَنْ اشْتَرَاهُ مِنْ الَّذِي ابْتَاعَهُ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَلِيُرَاجِعْ بِهِ الْبَاعَةَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى يَرْجِعَ الْمَتَاعُ الْأَوَّلُ عَلَى الظَّالِمِ الَّذِي وَصَلَ الثَّمَنُ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي فَعَلَ بِهَذَا الْمَظْلُومِ مَا فَعَلَ، إنَّمَا هُوَ بَعْضُ أَعْوَانِ الظَّالِمِ فِي الْمَغْرَمِ الَّذِي أَغْرَمَهُ، حَتَّى بَاعَ مَتَاعَهُ وَدَفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْمُوَكَّلِ، فَإِنَّ لِلْمُبْتَاعِ إذَا أَخَذَ الْمَتَاعَ مِنْ يَدِهِ أَنْ يَأْخُذَ بِالثَّمَنِ مَنْ شَاءَ مِنْ الْمُوَكِّلِ أَوْ الْوَكِيلِ، إذَا أَثْبَتَ أَنَّ الثَّمَنَ وَصَلَ إلَى الْمُوَكِّلِ، أَوْ أَثْبَتَ أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ الْوَكِيلَ بِقَبْضِ ذَلِكَ الْمَالِ، وَتِلْكَ التَّسْمِيَةُ مِنْ هَذَا الْمَظْلُومِ. تَنْبِيهٌ: وَحَدُّ الْإِكْرَاهِ الَّذِي لَا يَلْزَمُ مَعَهُ بَيْعُ مَتَاعِهِ هُوَ الْحَبْسُ أَوْ الْكَبْلُ أَوْ الضَّرْبُ أَوْ التَّهْدِيدُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ تَوَقَّعَ ذَلِكَ، أَوْ تَوَقَّعَ عَلَيْهِ لِمَا يَعْرِفُ مِنْ عَدَاءِ ذَلِكَ الظَّالِمِ وَأَخْذِهِ أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِهِمْ بِالضَّرْبِ وَالرَّهَقِ، فَمَا بَاعَ فِي هَذَا عُرِفَ بَيْعُهُ، وَأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ وَصَلَ مِنْهُ أَوْ مِنْ الْمُبْتَاعِ إلَى الظَّالِمِ أَوْ إلَى الْمُوَكَّلِ بِهِ مِنْ جِهَةِ الظَّالِمِ، فَهُوَ يَرْجِعُ فِي مَتَاعِهِ إذَا وَجَدَ إلَيْهِ بِالْحَقِّ سَبِيلًا. مَسْأَلَةٌ: قَالَ سَحْنُونٌ فِي الْأَمِيرِ الْغَاصِبِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: ائْتِنِي بِأَلْفِ دِينَارٍ وَإِلَّا ضَرَبْت عُنُقَك، وَلَا يَجِدُ الرَّجُلُ مَا يُعْطِيه فَيَبِيعُ دَارِهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ

стр. 657

فَيُعْطِيهَا الْأَمِيرَ، فَإِنَّ الْبَيْعَ مُنْتَقِضٌ وَيَغْرَمُ الْبَائِعُ لِمَنْ اشْتَرَى مِنْهُ الدَّارَ الثَّمَنَ الَّذِي أَخَذَ مِنْهُ، وَيَأْخُذُ دَارِهِ ثُمَّ يَتْبَعُ ذَلِكَ الْأَمِيرَ بِمَا أَعْطَاهُ. تَنْبِيهٌ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: قَالُوا وَلَوْ ادَّعَى الْمُوَكَّلُ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ مَا أُمِرَ بِهِ فِي الْمَظْلُومِ أَنَّهُ تُوَقَّعُ عَلَى نَفْسِهِ الْعُقُوبَةُ مِنْ الظَّالِمِ إذَا لَمْ يُعْطِهِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْوَانِ الظَّالِمِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَعْوَانِهِ لَا بِعُذْرٍ فِي ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» فَمَنْ أَمَرَهُ الْوَالِي بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا أَوْ قَطْعِهِ أَوْ جَلْدِهِ أَوْ أَخْذِ مَالَهُ أَوْ بَيْعِ مَتَاعِهِ فَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ عَصَاهُ وَقَعَ بِهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ ظَهْرِهِ أَوْ مَالِهِ، فَإِنْ أَطَاعَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَالْقَطْعُ وَالْغُرْمُ وَغُرِّمَ ثَمَنَ مَا بَاعَ قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: اُنْظُرْ هَذَا وَانْظُرْ مَا قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي دِيوَانِهِ فِي السُّلْطَانِ يَأْمُرُ رَجُلًا يَقْتُلُ رَجُلًا ظُلْمًا، أَنَّ السُّلْطَانَ يَقْتُلُ الْمَأْمُورَ. فَرْعٌ: وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى قَتْلِ ابْنِهِ أَوْ أَخِيهِ وَالْقَاتِلُ وَارِثُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ الْمِيرَاثِ وَلَا يَرْفَعُ عَنْهُ حُكْمَ الْقَوَدِ. تَنْبِيهٌ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالُوا وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَكْرَهَهُ عَلَى أَنْ يَزْنِيَ وَحَمَلَ السَّيْفَ عَلَى رَأْسِهِ، أُقِيمَ الْحَدُّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَوَجَبَ عَلَيْهِ إثْمُهُ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الِاسْتِكْرَاهِ الْمَوْضُوعِ عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا الْمَوْضُوعُ عَنْ صَاحِبِهِ إثْمُ مَا رَكِبَ بِالِاسْتِكْرَاهِ فِي الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ وَالْبَيْعِ وَالْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ. كَمَا إذَا عَدَا قَوْمٌ عَلَى رَجُلٍ وَاسْتَكْرَهُوهُ عَنْ الصَّلَاةِ وَقَالُوا لَهُ: إنْ صَلَّيْت وَأَنْت مَعَنَا ضَرَبْنَا عُنُقَك، وَأَشْبَاهُ هَذَا مِمَّا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى. مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالُوا: وَلَوْ لَمْ يَعْرِفْ هَلْ وَصَلَ الثَّمَنُ إلَى الظَّالِمِ فِي مَغْرَمِهِ ذَلِكَ، أَوْ صَرَفَهُ الْمَضْغُوطُ فِي مَصَالِحِهِ؟ حُمِلَ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ وَصَلَ إلَى الظَّالِمِ إذَا كَانَ عَدَاؤُهُ عَلَيْهِ مَعْرُوفًا، حَتَّى بَاعَ مَتَاعَهُ مُسْتَكْرَهًا إلَّا أَنْ يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ أَدْخَلَهُ فِي مَتَاعِهِ فِي غَيْرِ مَغْرَمِهِ، فَلَا يَصِيرُ حِينَئِذٍ إلَى مَتَاعِهِ إلَّا بِدَفْعِ مَا قَبَضَ فِيهِ مِنْ الثَّمَنِ، قَالُوا: وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَضْغُوطُ فِي وَقْتِ بَيْعِهِ مَتَاعَهُ مُظَاهِرًا أَوْ مُغْرِبًا عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ أَوْ خَارِجًا مِنْ الْحَبْسِ بِغَيْرِ كَبْلٍ وَلَا حَدِيدٍ، فَوَقَفَ فِي السُّوقِ لِبَيْعِ مَتَاعِهِ وَمَعَهُ الْحَرَسُ، فَإِذَا أَمْسَى رَدُّوهُ إلَى الْحَبْسِ، أَوْ كَانَ قَدْ أَعْطَى حَمِيلًا بِضَمَانِ ذَلِكَ الْمَغْرَمِ حَتَّى يَتَنَفَّسَ

стр. 658

فِيهِ وَيَجْمَعَهُ، أَوْ كَانَ هَارِبًا فَأَخَذَ مَتَاعَهُ فَأَمَرَ أَهْلَهُ بِبَيْعِهِ، كُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الْمُبْتَاعِ وَلَا إلَى جَهْلِهِ بِذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ فَقَدْ شَارَكَ فِي إثْمِ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا الْمَظْلُومُ ذَا مَالٍ نَاضٍّ يُغْنِيه عَنْ بَيْعِ مَتَاعِهِ أَوْ رَقِيقِهِ فِي الْمَغْرَمِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَظْهَرُ مَا يَمْلِكُ مَا حَمَلَ إلَّا بِبَيْعِ ذَلِكَ خَوْفًا أَنْ يَزْدَادَ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ الْأَمْرُ فِيهِمَا وَاحِدٌ. فَرْعٌ: وَفِي مَعِينِ الْحُكَّامِ: وَلَوْ أَمَرَهُ رَجُلٌ عَلَى قَبْضِ مَالَ، وَعَلَى دَفْعِهِ لَآخَرَ فَقَبَضَهُ فَهَلَكَ بِيَدِهِ قَبْلَ دَفْعِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. تَنْبِيهٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ مُشْتَرٍ عَلِمَ بِالْإِكْرَاهِ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ، أَنَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ لَا يَضْمَنُ مَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ إذَا ادَّعَى تَلَفَهُ وَالْغَلَّةُ لَهُ، وَمَنْ عَلِمَ يَضْمَنُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَسْتَوِيَانِ فِيمَا أَكَلَاهُ أَوْ لَبِسَاهُ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ تَسَلَّفَ الْمَضْغُوطُ فِي فِكَاكِ الْمَضْغُوطِ نَفْسِهِ لَزِمَهُ مَا تَسَلَّفَ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ هَرَبَ الْمَضْغُوطُ فَأَخَذَ الْحَمِيلَ بِمَا تَحَمَّلَ حَتَّى بَاعَ مَتَاعَهُ فَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمَضْغُوطِ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ مَأْخُوذٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا رُجُوعَ لِلْحَمِيلِ عَلَى الْمَضْغُوطِ مِنْ مَعِينِ الْحُكَّامِ. مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَا بَاعَتْهُ امْرَأَةُ الْمَضْغُوطِ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ وَلَدَاهُ أَوْ قَرِيبُهُ مِنْ مَتَاعِ نَفْسِهِ فِي افْتِكَاكِ الْمَضْغُوطِ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَذَابِ فَبَيْعُهُ مَاضٍ لَا رُجُوعَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ وَلَهُ أَجْرُ مَا احْتَسَبَ. مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى هِبَةِ نِصْفِ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ فَوَهَبَ جَمِيعَ ذَلِكَ أَوْ عَلَى أَنْ يَهَبَ أَلْفًا فَوَهَبَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ فَهُوَ كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ أَمَتَهُ مِنْ فُلَانٍ فَوَهَبَهَا لَهُ، أَوْ عَلَى أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِأَلْفٍ فَوَهَبَ لَهُ أَلْفًا فَذَلِكَ كُلُّهُ بَاطِلٌ. مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْمَأْخُوذَ ظُلْمًا قِيلَ لَهُ: إنْ أَهَلَّ نَاحِيَتَك قَدْ جَلُّوا عَنْ جِبَايَتِهِمْ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ وَظَائِفِهِمْ أَوْ جِزْيَتِهِمْ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَدِّ إلَيْنَا ذَلِكَ عَنْهُمْ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ الظُّلْمِ؟ فَيَقُولُ: أَنَا أُؤَدِّي فَخَلِّ عَنِّي حَتَّى أَتَحَيَّلَ فِيهِ، فَيُخَلِّيه بِلَا حَمِيلٍ وَلَا كَفِيلٍ وَلَا حَرَسٍ، فَيُقِيمُ بِبَيْعِ رَقِيقِهِ

стр. 659

وَمَتَاعِهِ فِي أَدَاءِ مَا جُعِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَفِرَّ عَنْهُ، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَوَقَّعُ فِي هُرُوبِهِ أَنْ يُخَالِفَهُ إلَى مَنْزِلِهِ بِالنَّسْفِ وَالِاجْتِيَاحِ وَالْمَعَرَّةِ فِي أَهْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَتَوَقَّعُ مَا قَدْ فُعِلَ بِغَيْرِهِ، فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْمُوَكَّلِ بِهِ الْمَحْبُوسِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ آمِنٍ مَعَرَّتَهُ فَهُوَ كَأَسِيرِهِ، وَسَوَاءٌ أَمَرَهُ بِبَيْعِ مَتَاعِهِ أَوْ أَمَرَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ مِنْ أَعْوَانِهِ. مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا مَا أَعْتَقَهُ الْمُبْتَاعُ مِنْ رَقِيقِ الْمَضْغُوطِ أَوْ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ ثُمَّ أَنْصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَضْغُوطَ مِنْ حَقِّهِ كَانَ أَوْلَى بِرَقِيقِهِ، وَيَبْطُلُ مَا أَحْدَثَ الْمُبْتَاعُ فِيهِمْ، كَانَ الْمُبْتَاعُ عَالِمًا بِحَالِهِ أَوْ جَاهِلًا. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا سَخَطَ الْأَمِيرُ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ فَأَصَابَ مِنْهُمْ رِجَالًا بِالْقَتْلِ وَنَفَى سَائِرَهُمْ عَنْ دُورِهِمْ وَقُرَاهُمْ، وَشَرَّدَهُمْ إلَى قَاضِي بَلَدِهِمْ فَلَبِثُوا عَلَى هَذَا الْبَلَاءِ، ثُمًّ إنَّ الْأَمِيرَ آمَنَ مِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ شِرَاءَ قَرْيَتِهِ مِنْهُ أَوْ دَارِهِ، فَيَدْخُلُ الْبَلَدَ آمِنًا حَتَّى يَشْتَرِيَ مِنْهُ دَارِهِ وَيَنْقُدَهُ ثَمَنَهُ، ثُمًّ يَأْمُرُ بِالْخُرُوجِ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّشْرِيدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَكَ وَأَذِنَ لَهُمْ فِي السُّكْنَى فَلَا نَرَى بَيْعَهُمْ ذَلِكَ جَائِزًا عَلَيْهِمْ، وَنَرَاهُمْ أَحَقَّ بِمَا بَاعُوا مِثْلَ غَاصِبِ الْمَنْزِلِ مِنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِيه مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ وَيُمَلِّكَهُ إيَّاهُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ رُدَّتْ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ رَدَّا بَيِّنًا، وَأَمِنُوا مِنْ الظُّلْمِ إنْ شَاءُوا بَاعُوا وَإِنْ شَاءُوا أَمْسَكُوا وَيَسْكُنُونَهَا وَلَا يَنْفُونَ عَنْهَا، قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ، قَالُوا: وَلَهُمْ أَنْ يُقَاصُّوا فِي الْأَثْمَانِ الَّتِي أَخَذُوهَا بِمَا أُخِذَ مِنْ غَلَّاتِهِمْ وَكِرَاءِ أَرْضِهِمْ وَدُورِهِمْ الَّتِي سُكِّنَتْ بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ سَوَاءٌ. [فَصْلٌ فِي بَيْعِ الظَّالِمِ مَالَ نَفْسِهِ عِنْدَ الْمُصَادَرَةِ] قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: فِي الْعُمَّالِ يُوَلُّونَ بِطَلَبَةٍ مِنْهُمْ أَوْ كُرْهٍ فَيَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَسِيرُونَ فِيهِ سِيرَةَ الظُّلْمِ ثُمَّ يُعْزَلُونَ عَلَى سَخْطَةٍ مِنْ الْوَالِي عَلَيْهِمْ، فَيُرْهِقُهُمْ وَيُعَذِّبُهُمْ فِي غُرْمٍ يُغَرَّمُهُمْ انْتِقَامًا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْهُمْ، وَلِيَرُدَّهُ عَلَى أَهْلِ الَّذِينَ أُخِذَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ يُغَرِّمُهُمْ لِنَفْسِهِ عَلَى غَيْرِ تَحَرِّي الْحَقِّ وَالْعَدْلِ، فَيَلْجَئُوا فِي ذَلِكَ إلَى بَيْعِ أَمْتِعَتِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ، فَذَلِكَ مَاضٍ عَلَيْهِمْ سَائِغٌ لِمَنْ ابْتَاعَهُ بِمَنْزِلَةِ مَا بَاعَهُ الْمَضْغُوطُ فِي الْحَقِّ الَّذِي يَلْزَمُهُ، أَوْ الدَّيْنِ

стр. 660

الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ إغْرَامَهُمْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ الْحَقِّ لِلْوَالِي الَّذِي وَلَّاهُمْ، وَأَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ إلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنْ احْتَبَسَ الْوَالِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَإِنَّمَا هُوَ ظَالِمٌ لِلرَّعِيَّةِ فِي ذَلِكَ. وَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَافِعٍ أُولَئِكَ الْعُمَّالِ الظَّلَمَةِ فِيمَا بَاعُوهُ ضَغْطَةً فِي مَغْرَمِهِمْ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي أَنْ يَقُولُوا إنَّمَا كُنَّا نَأْخُذُ ذَلِكَ لِمَنْ وَلَّانَا، وَيُقَادُ مِنْهُمْ لِكُلِّ مَنْ جَلَدُوا وَقَطَعُوا بِغَيْرِ حَقٍّ. فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ الْعَامِلُ الَّذِي يَتَقَبَّلُ الْكُورَةَ وَالْبَلْدَةَ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ مَضْمُونٍ فِي مَالِهِ يُلْزِمَهُ نَفْسَهُ، فَإِنْ اسْتَوْفَاهَا مِنْ الْقَوْمِ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ عَمَلُهُمْ، فَلَهُ مَا زَادَ وَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ، فَيَخْرُجُ فِي عَمَلِهِ عَلَى هَذَا فَيَأْخُذُ مَا شَاءَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ بِأَسْبَابِ وَظَائِفَ وَعِلَلٍ وَأَشْيَاءَ قَدْ سَمَّوْهَا وَأُمُورٍ قَدْ جَرَوْا عَلَيْهَا، فَرُبَّمَا عَزْلَهُ الْوَالِي لِلْوَقْتِ الَّذِي يُقْبَلُ إلَيْهِ فَيَعْجَزُ عَنْ تِلْكَ الْقُبَالَةِ فَمَا بَاعَ فِي ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِهِ طَوْعًا أَوْ كُرْهًا مُعَذَّبًا عَلَيْهِ أَوْ مُطْلَقًا فِيهِ فَهُوَ مَاضٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ، وَهُوَ أَقْبَحُ وَبَيْعُهُ أَحْرَزُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ. وَكَذَلِكَ مُتَقَبِّلُ الْمَعَادِنِ بَعْدَ مُسَمَّاةٍ مِنْ الدَّنَانِيرِ إذَا أَخْرَجَهُمْ الَّذِي وَلَّاهُمْ ذَلِكَ فَعَجَزُوا عَنْهُ، حَتَّى عُذِّبُوا وَبِيعَ مَتَاعُهُمْ وَرَقِيقُهُمْ فَذَلِكَ مَاضٍ عَلَيْهِمْ. [فَصْلٌ فِي الِاسْتِكْرَاهِ فِي الْأَيْمَانِ] وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ وَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ بِالْمَدِينَةِ: مَنْ أُكْرِهَ عَلَى يَمِينٍ أَنْ يَحْلِفَ بِهَا، وَهُدِّدَ بِضَرْبٍ أَوْ سِجْنٍ وَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ وَعِيدٌ بَيِّنٌ تَقَعُ فِيهِ الْمَخَافَةُ أَوْ خَافَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُوقَفْ عَلَيْهِ فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَرَوَيَاهُ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ قَالَ مُطَرِّفٌ: وَسَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ: السِّجْنُ

стр. 661

إكْرَاهٌ، وَالْقَيْدُ إكْرَاهٌ، وَالْوَعِيدُ الْمَخُوفُ إكْرَاهٌ بِمَنْزِلَةِ الضَّرْبِ وَالْوَهْنِ لَا يَجُوزُ عَلَى صَاحِبِهِ يَمِينٌ وَلَا بَيْعٌ، وَقَالَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ كُلُّهُمْ ﵃. تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: وَسَوَاءٌ حَلَفَ هَذَا الْمُكْرَهُ فِيمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى طَاعَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: إنَّمَا تَكُونُ الْيَمِينُ عَنْهُ سَاقِطَةً إذَا حَلَفَ فَمَا هُوَ لِلَّهِ مَعْصِيَةً، فَأَمَّا إنْ حَلَفَ فِيمَا هُوَ لِلَّهِ طَاعَةً، مِثْلُ أَنْ يَأْخُذَ الْوَالِي الرَّجُلَ شَارِبًا، فَيُحَلِّفُهُ بِالطَّلَاقِ مُطْلَقًا عَلَى أَنْ لَا يَشْرَبَ الْخَمْرَ وَلَا يَفْسُقَ وَأَنْ لَا يَغُشَّ فِي عَمَلِهِ أَوْ لَا يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ أَوْ الْوَلَدَ، يَحْلِفُ وَلَدُهُ مُكْرِهًا لَهُ عَلَى الْيَمِينِ فِي أَشْبَاهِ هَذَا مِنْ تَأْدِيبِهِ إيَّاهُ، فَإِنِّي أَرَى الْيَمِينَ تَلْزَمُهُ. وَإِنْ كَانَ قَدْ تَكَلَّفَ مِنْهَا الْمُحَلِّفُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْهُ خَطَأٌ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَبِهَذَا أَقُولُ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَفِي الْبَيَانِ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْمَجْلُودِ فِي الْخَمْرِ وَالْفِرْيَةِ، أَتَرَى أَنْ يُحَلَّفُوا؟ قَالَ: لَا، وَأَنَا أَكْرَهُهُ، قِيلَ لَهُ: رُبَّمَا كَانَ الرَّجُلُ الْمَاجِنُ الْخَبِيثُ يَرَى أَنْ يُكْسَرَ بِذَلِكَ وَيَنْزَجِرَ فَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ. وَقَالَ: إنَّمَا هَذِهِ عُقُوبَاتٌ وَعَذَابٌ أَحْدَثَهَا الْحَجَّاجُ، وَمِثْلُهُ قِيلَ لَهُ: أَتَرَى أَنْ يُطَافَ بِهِمْ وَبِشُرَّابِ الْخَمْرِ؟ قَالَ إذَا كَانَ فَاسِقًا مُدْمِنًا، فَأَرَى أَنْ يُطَافَ بِهِمْ وَنُعْلِنُ أَمْرَهُمْ وَيُفْضَحُونَ. مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي السُّلْطَانِ يُحَلِّفُ أَصْحَابَ الطَّعَامِ أَنْ لَا يُجَهَّزُوا إلَّا إلَى الْمَدِينَةِ، فَيَحْلِفُونَ لَهُ خَوْفًا مِنْ عُقُوبَتِهِ، ثُمَّ وُجِدَ بَعْضُهُمْ قَدْ جَهَّزَ إلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ، أَوْ وَجَدَ رَجُلًا لَمْ يَكُنْ حَلَفَ مَعَهُ قَدْ جَهَّزَ إلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ، فَيَحْلِفُ لَهُ بِالطَّلَاقِ فَرْقًا مِنْ عُقُوبَتِهِ مَا جَهَّزَ إلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ شَيْئًا، فَقَالَ مَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوا السُّلْطَانَ فِي صَلَاحِ الْعَامَّةِ فَإِذَا وَقَعَ مَا وَصَفْت لَك مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَالْيَمِينِ عَلَيْهَا، قَبْلَ وُقُوعِهَا أَوْ بَعْدَ مَا وَقَعَتْ فَرْقًا مِنْ الْعُقُوبَةِ وَالْحَبْسِ، إنْ لَمْ يَحْلِفْ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْإِكْرَاهِ الَّذِي يُسْقِطُ الْحِنْثَ، وَعَلَيْهِ الْمَأْثَمُ فِيمَا أَضَرَّ بِالْجَمَاعَةِ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ: وَذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ بِالتَّجْهِيزِ إلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ مُسْتَحْسَنٌ مِنْ الْعَقْلِ، وَلَيْسَ نَرَاهُ بِلَازِمٍ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُلْزِمَهُ النَّاسَ، وَلَا التَّجْهِيزَ إلَى غَيْرِهِ بِالْحُرُمِ

стр. 662

عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَمَّا لَوْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ وَيَحْرُمُ فِعْلُهُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ أُلْزِمَتْ فِيهِ الْيَمِينُ، وَإِنْ أَخَافَهُمْ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَحْلِفُوا، بِذَلِكَ نَقُولُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَقَالَهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا كَانَ وَالِيًا يَجُورُ فِي الزَّكَاةِ وَيَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ يَأْخُذُهَا فِي غَيْرِ أَوَانِهَا، أَوْ يَكُونُ قَدْ وَظَّفَ الصَّدَقَاتِ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى فَهُوَ يَأْخُذُ عَلَى تِلْكَ الْوَظَائِفِ، فَيَدَّعِي الرَّجُلُ أَنَّهُ لَمْ يَزْرَعْ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ مَاشِيَةٌ أَوْ بَعْضَ هَذِهِ الْأُمُورِ، فَيَقُولُ لَهُ: احْلِفْ عَلَى مَا تَدَّعِي، فَإِنْ كَانَ إنْ لَمْ يَحْلِفْ لَهُ أَمِنَ مِنْ أَنْ يُعَاقِبَهُ فِي نَفْسِهِ بِضَرْبٍ أَوْ سَجْنٍ أَوْ مَعَرَّةٍ تُصِيبُهُ مِنْهُ، فَحَلَفَ فَالْيَمِينُ تَلْزَمُهُ فِيمَا حَلَفَ بِهِ، يَحْنَثُ بِحِنْثِهَا أَوْ يَبَرُّ بِبِرِّهَا، وَلْيُصَدَّقْ وَلَا يَأْنَفُ كَاذِبًا، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إذَا صَدَقَ أَخَذَ مَالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَا يَقِي مَالَهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ إنْ لَمْ يَحْلِفْ عَاقَبَهُ فِي بَدَنِهِ إمَّا بِضَرْبٍ أَوْ سَجْنٍ أَوْ بَعْضِ الْمَعَرَّةِ، فَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْإِكْرَاهُ الَّذِي لَا تَلْزَمُهُ فِيهِ الْيَمِينُ إنْ كَانَ كَاذِبًا، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ مَا اُسْتُحْلِفَ عَلَيْهِ الْمَالُ أَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي مِنْهُ إلَى بَدَنِهِ إذَا هُوَ لَمْ يَحْلِفْ، وَلَكِنْ لَا أُحِبُّ أَنْ يُعَجِّلَ بِالْيَمِينِ حَتَّى يَرَى مَوْضِعَ شِدَّةٍ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ. قَالُوا: وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَدْرَأَ بِيَمِينِهِ عَنْ بَدَنِهِ لَا عَنْ مَالِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَإِنْ دَرَأَ عَنْ مَالِهِ وَلَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَوْلُ مُطَرِّفٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَحَبُّ إلَيَّ، وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ وَأَخْبَرَانِيهِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ﵀ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْمَالِ قَادِحًا كَثِيرًا، مِثْلَ سُلْطَانٍ يَجْتَاحُ الرَّجُلَ أَوْ الْقَوْمَ يَعْرِضُونَ لِمَالِ الرَّجُلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا تَلْزَمُ فِيهِ الْيَمِينُ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ سَمِعْت أَصْبَغَ أَيْضًا.

стр. 663

مَسْأَلَةٌ: قَالَ فَضْلٌ: وَجَدْت لِابْنِ مُزَيْنٍ فِي أَحَدِ كُتُبِهِ الْخَمْسَةِ، قَالَ يَحْيَى: سَمِعْت أَبَا زَيْدٍ قَاضِيَ الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ عَنْ الرَّجُلِ يَخَافُ مِنْ اللُّصُوصِ فَيُغَيِّبُ مَالُهُ فَيَأْخُذُونَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ غَيَّبْتَ عَنَّا مَالَك، فَيَقُولُ: مَا غَيَّبْت شَيْئًا، فَيَقُولُونَ: فَاحْلِفْ لَنَا، فَيَحْلِفُ لَهُمْ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَمْ يُغَيِّبْ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَهُوَ إنْ لَمْ يَحْلِفْ عَذَّبُوهُ، وَإِنْ أَطْلَعَهُمْ عَلَى مَالِهِ أَخَذُوهُ، فَقَالَ هَذَا مُكْرَهٌ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، قَالَ: قُلْت لَهُ أَوَ يَكُونُ الْإِكْرَاهُ فِي الْأَمْوَالِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت: أَتَحْفَظُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ الَّذِي عَرَفْنَا. قَالَ يَحْيَى: وَسَأَلَتْ عَنْهُ أَصْبَغَ فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا لَهُ بَالٌ فَيَحْلِفُ وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَلَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ، هَذَا الَّذِي رَأَيْت مِنْهُ اسْتِحْسَانًا وَرَأَيْت مَذْهَبَهُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَمْ يَرَهُ حَانِثًا. مَسْأَلَةٌ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: وَلَوْ بَدَرَ الْحَالِفُ لِلْوَالِي الظَّالِمِ فَحَلَفَ لَهُ مُسَلِّمًا بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ يُرِيدُ أَنْ يُذْهِبَ عَمَّنْ خَافَ عَلَيْهِ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ فَهِيَ تَلْزَمُهُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَسَأَلْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ عَنْ رَجُلٍ أَخَذَهُ ظَالِمٌ فَحَلَفَ لَهُ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَلْبَتَّةَ، خَوْفًا مِنْ قَتْلِهِ أَوْ ضَرْبِهِ أَوْ أَخْذِ مَالَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ الظَّالِمُ فَصَدَّقَهُ وَتَرَكَهُ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي يَمِينِهِ، فَقَالَ إنْ كَانَ تَبَرَّعَ بِيَمِينِهِ رَجَاءَ أَنْ يُنَجِّيَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْإِكْرَاهِ. وَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى رَجَاءِ النَّجَاةِ بِيَمِينِهِ فَأَرَاهُ حَانِثًا. فَرْعٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ: وَلَوْ حَلَفَ النَّاسُ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ عَلَى مَا مَعَهُمْ مِنْ نَاضِّهِمْ لِيَأْخُذُوا مِنْهُ الزَّكَاةَ فِيمَا يَزْعُمُونَ، وَذَلِكَ فِي غَيْرِ إبَّانٍ وَلَا أَوَانٍ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ قَدْ أَدَّاهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ فِي وَقْتِهَا، فَيُسْتَحْلَفُ الرَّجُلُ أَدَّى مَا مَعَهُ، أَوْ يَكُونُ قَدْ دَسَّ مَالَهُ مَعَ غَيْرِهِ فَيَحْلِفُ أَنَّهُ لَمْ يُغَيِّبْ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ إنْ لَمْ يَحْلِفْ رَدَّهُ وَلَمْ يُجْزِهِ فَقَطْ فَالْيَمِينُ تَلْزَمُهُ، وَإِنْ كَانَ ضَرُورَةً يُرِيدُ الْحَجَّ، فَإِنْ شَاءَ فَلْيَحْلِفْ عَلَى الصِّدْقِ وَإِنْ شَاءَ فَلِيَرْجِعْ، إلَّا أَنْ يَخْشَى إنْ لَمْ يَحْلِفْ الْعُقُوبَةَ مِنْهُمْ فَذَلِكَ يَدْرَأُ عَنْهُمْ حِنْثَ الْيَمِينِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَبِهِ أَقُولُ

стр. 664

مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا اسْتَخْفَى الرَّجُلُ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنْ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ الَّذِي يُرِيدُ دَمَهُ أَوْ مَالَهُ أَوْ عُقُوبَتَهُ فِي بَدَنِهِ، فَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ عَنْهُ فَسَتَرَ عَلَيْهِ وَجَحَدَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: احْلِفْ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَك، فَيَحْلِفُ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي، لِيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَدَمِهِ أَوْ مَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ خَائِفًا عَلَى نَفْسِهِ إنْ لَمْ يَحْلِفْ وَإِنْ كَانَ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَقِيَهُ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أُجِرَ فِيمَا فَعَلَ وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ فِيمَا حَلَفَ بِهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ مَالِكٌ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ. [الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي أَدَبِ مَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيٍّ أَوْ وَجَدَ مَعَهُ رَائِحَةَ نَبِيذٍ] مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْبَيَانِ، وَإِذَا شَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا رَجُلًا وَامْرَأَةً تَحْتَ لِحَافٍ، أَوْ شَهِدَا أَنَّهُمَا رَأَيَا رِجْلَيْهَا عَلَى عُنُقِهِ أَوْ شَيْئًا هُوَ أَدْنَى مِنْ رُؤْيَةِ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، عُوقِبَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الشَّهِيدَيْنِ شَيْءٌ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقْذِفَا. مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُوجَدُ مَعَ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَهُمَا مُتَّهَمَانِ، قَالَ يُضْرَبَانِ ضَرْبًا جَيِّدًا وَجِيعًا، قِيلَ: بِثِيَابِهِمَا قَالَ: لَا بَلْ عَلَى مَا يُضْرَبُ الْمَحْدُودُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: كَانَتْ لَنَا امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ لَهَا زَوْجٌ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَمَعَهُ صَبِيٌّ فَيَرْقَى بِهِ إلَى السَّطْحِ، فَقَالَتْ لَهُ: امْرَأَتُهُ مَا شَأْنُ هَذَا الصَّبِيِّ؟ فَقَالَ: إنَّهُ ابْنُ صِدِّيقٍ لِي أَتَحَدَّثُ مَعَهُ، ثُمًّ إنَّهُ جَاءَ بِهِ فَذَهَبَتْ لِتَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ فَوَجَدَتْهُ عَلَى الصَّبِيِّ، فَذَهَبَتْ بِهِ إلَى الْأَمِيرِ وَأَعْلَمَتْهُ، فَاسْتَشَارَ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ فَكُلُّهُمْ قَالَ: نَرَى عَلَيْهَا الْحَدَّ بِمَا رَمَتْهُ بِهِ، وَلَا نَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا، وَاسْتَشَارَ مَالِكًا وَبَعَثَ إلَيْهِ بِالْمَرْأَةِ فَأَخْبَرَتْهُ بِالْخَبَرِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ مَالِكٌ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهَا، وَأَنْ يَضْرِبَ زَوْجَهَا خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ قَالَ أَصْبَغُ: هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ أَصْبَغُ وَلَا أَظُنُّ ضَرَبَهُ مَالِكٌ إلَّا لِأَمْرٍ أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهَا الْحَدُّ لِلْغَيْرَةِ وَهِيَ شَبَهُ الْجُنُونِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ زَوْجَتِهِ كَانَ عَلَيْهَا الْحَدُّ.

стр. 665

وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَدَّثَنِي صَعْصَعَةُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ ضَرَبَ رَجُلًا دُونَ الْمِائَةَ وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ بَعْدَ الْعَتَمَةِ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ مَكْحُولٌ ضَرَبَهُ مِائَةً. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ أَنَّهُ سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ: مَنْ وُجِدَ بِهِ رَائِحَةُ نَبِيذٍ لَا يَدْرِي أَمُسْكِرٌ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ وُجِدَ عَلَى مُشْتَرِيه وَلَمْ يُسْكِرْ وَلَمْ يَدْرِ مَا كَانَ نَبِيذُهُمْ وَمَا أَشْبَهَ هَذَا مِنْ اللَّطْخِ الْبَيِّنِ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُعْتَادًا لِذَلِكَ ضُرِبَ سَبْعِينَ أَوْ خَمْسًا وَسَبْعِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا فَخَمْسِينَ سَوَاءٌ كَانَ عَبْدًا أَوْ حُرًّا، إلَّا أَنَّ الْحُدُودَ إذَا وَقَعَتْ اُنْتُهِيَ فِيهَا إلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَإِذَا لَمْ تَقَعْ الْحُدُودُ بِأَعْيَانِهَا وَجَاءَتْ التُّهَمُ لَزِمَ الْإِمَامَ أَنْ يُبَالِغَ فِي الْعُقُوبَةِ، وَلَوْ كَانَ الْأَدَبُ فِي مِثْلِ هَذَا إنَّمَا يُؤْخَذُ عَلَى قَدْرِ الْحُدُودِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ ظَهَرَ حَتَّى يَسْتَخِفَّ بِهِ أَهْلُ الْفِسْقِ، قَالَ مَالِكٌ وَهُوَ الَّذِي رَأَيْت النَّاسَ يَعْمَلُونَ بِهِ. فَرْعٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَمِنْ ذَلِكَ النَّصْرَانِيُّ يُوجَدُ يَزْنِي بِالْمُسْلِمَةِ فَلَا يُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى ضَرْبِ مِائَةٍ، قَالَ بَلْ يُضَاعَفُ لَهُ الْعَذَابُ. فَرْعٌ: وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوجَدَ الرَّجُلُ سَكْرَانًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَهَارًا، يُضْرَبُ الْحَدَّ ثُمَّ يُضْرَبُ عُقُوبَةَ الْخَمْسِينَ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ أُتِيَ عَلِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالنَّجَاشِيِّ الشَّاعِرِ وَقَدْ شَرِبَ فِي رَمَضَانَ، فَضَرَبَهُ الْحَدَّ ثُمَّ ضَرَبَهُ عِشْرِينَ أَوْ بِضْعَ عَشْرَةَ. وَقَالَ: هَذَا لِاجْتِرَائِك عَلَى اللَّهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُ ضَرَبَهُ الْحَدَّ ثُمَّ سَجَنَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ الْغَدِ فَضَرَبَهُ عِشْرِينَ، وَقَالَ هَذِهِ الْعِشْرُونَ لِجَرَاءَتِك عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِطْرِك فِي رَمَضَانَ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ: وَلَقَدْ أُتِيَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ قَاضِي الْمَدِينَةِ بِرَجُلٍ خَبِيثٍ مَعْرُوفٍ بِاتِّبَاعِ الصِّبْيَانِ، قَدْ لَصَقَ بِغُلَامٍ فِي ازْدِحَامِ النَّاسِ حَتَّى أَفْضَى، فَبَعَثَ بِهِ هِشَامٌ إلَى مَالِكٍ وَقَالَ: أَتَرَى أَنْ أَقْتُلَهُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْقَتْلُ فَلَا، وَلَكِنَّنِي أَرَى أَنْ تُعَاقِبَهُ عُقُوبَةً مُوجِعَةً، فَأَمَرَ بِهِ هِشَامٌ فَجُلِدَ أَرْبَعَمِائَةِ سَوْطٍ وَأَلْقَاهُ فِي السِّجْنِ، فَمَا لَبِثَ أَنْ مَاتَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَمَالِكٍ فَمَا اسْتَنْكَرَهُ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى إذَا أَخَذَ السَّكْرَانُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْجَمَاعَاتِ، قَدْ سَكِرَ وَتَسَلَّطَ بِسُكْرِهِ وَآذَى النَّاسَ أَوْ رَوَّعَهُمْ بِسَيْفٍ

стр. 666

شَهَرَهُ أَوْ حِجَارَةٍ رَمَاهَا وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ أَحَدًا، أَنْ تُعَظَّمَ عُقُوبَتُهُ يُضْرَبُ حَدَّ السُّكْرِ ثُمَّ يُضْرَبُ الْخَمْسِينَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ، قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: وَقَدْ حَكَى عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ فِي وَاضِحَتِهِ أَنَّهُ يُضْرَبُ الْخَمْسِينَ وَالْمِائَةَ وَالْمِائَتَيْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْحَدُّ مِنْهُمَا وَفِيهِمَا، قَالَ فَضْلٌ: وَحَكَى أَبُو زَيْدِ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَصْبَغَ مِثْلَهُ، إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَحْمِلُ ذَلِكَ فِي فَوْرِهِ، وَزَادَ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ إذَا فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَدَبُهُ أَشَدُّ مِنْ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْهُ إلَّا مَرَّةً. فَرْعٌ: وَذُكِرَ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ: فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالْفَسَادِ وَالْجَرَائِمِ أَنَّ الضَّرْبَ عَلَى مَا يُنَكِّلُهُمْ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يَحْبِسَهُمْ السُّلْطَانُ فِي السُّجُونِ وَيُثْقِلَهُمْ بِالْحَدِيدِ وَلَا يَخْرُجُهُمْ مِنْهُ أَبَدًا، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ وَلِأَهْلِيهِمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَةُ أَحَدِهِمْ وَتَثْبُتُ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَيُطْلِقَهُ. فَرْعٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ أَصْبَغَ: أَرَى أَنَّ أَقْصَى الْأَدَبِ الْمِائَتَانِ فِي الْفَسَادِ الْبَيِّنِ الْمَارِقِ الْمَعْلُومِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرَى فِيمَنْ أَسَرَ الْجَارِيَةَ أَوْ الْغُلَامَ مِنْ الدَّارِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ حَتَّى يَغِيبَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ، فَلَا يُدْرَى مَا فَعَلَ أَنْ يُضْرَبَ الثَّلَاثَمِائَةِ وَالْأَرْبَعمِائَةِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، وَكَانَ الْحُكَّامُ يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَشُورَةِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَمِنْ أَمْرِ النَّاسِ عِنْدَنَا الشُّهْرَةُ لِأَهْلِ الْفِسْقِ رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً، وَالْإِعْلَانُ بِجَلْدِهِمْ فِي الْحُدُودِ، وَمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَكَشْفِ وَجْهِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ ذَلِكَ وَنَزْعِ مَا كَانَ عَلَيْهَا مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي تَلْبَسُهَا لِتَتَّقِيَ الضَّرْبَ، إلَّا أَنَّهُ يُتْرَكُ عَلَيْهَا مَا يُوَارِيهَا وَلَا يَصِفُهَا وَلَا يَحْجُبُهَا مِنْ الضَّرْبِ، وَتُشَدُّ فِي مِكْتَلٍ إذَا ضُرِبَتْ لِئَلَّا تَبْدُوَ عَوْرَتُهَا، وَكَذَلِكَ يُشَهَّرُ الرَّجُلُ بِلَا مُثْلَةٍ وَلَا حَدَثٍ مَشْهُورٍ. مَسْأَلَةٌ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْبُحْتُرِيُّ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ إذَا أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ أَخَذَ مَعَهُ الْجَرَّةَ مِنْ الْمُسْكِرِ، أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ عَلَى رَأْسِهِ عِنْدَ بَابِهِ كَيْمَا يُعْرَفَ بِذَلِكَ وَيُشْهَرَ بِهِ.

стр. 667

مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا وُجِدَ مِنْ رَجُلٍ رَائِحَةٌ وَأَشْكَلَ أَنْ تَكُونَ رَائِحَةَ مُسْكِرٍ أَوْ غَيْرَ مُسْكِرٍ، نَظَرَ الْإِمَامُ فِي حَالِ الرَّجُلِ، فَإِنْ كَانَ لَا بَأْسَ بِحَالِهِ خَلَّى عَنْهُ، فَقَدْ يَجُوزُ لِلصَّالِحِ شُرْبُ حُلْوِ النَّبِيذِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ وَرُبَّمَا وُجِدَتْ لَهُ رَائِحَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَسْفَاهِ وَالظُّنُونِ فَلْيَطْلُبْ اخْتِبَارَ صِحَّتِهِ، بِأَنْ يَسْتَقْرِئَهُ مَا لَا يُخْطِئُ مِثْلُهُ أَنْ يَكُونَ قَارِئًا مِمَّا يُصَلَّى بِهِ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِذَا اعْتَدَلَتْ قِرَاءَتُهُ خَلَّى عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ وَالْتَأَتَ فِي قِرَاءَتِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا وَصَارَتْ حَالُهُ فِي ذَلِكَ شَاهِدَةً عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، إلَّا أَنَّ التُّهْمَةَ قَائِمَةٌ عَلَيْهِ، ضَرَبَهُ ضَرْبًا دُونَ الْحَدِّ عُقُوبَةً لَهُ بِالتُّهْمَةِ، فِي وُقُوعِ الظِّنَّةِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهَا فِي حَالِهِ أَيْضًا. وَهَكَذَا سَمِعْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحْسِنُونَ هَذَا عِنْدَ الْإِشْكَالِ مِنْ أَمْرِ الشَّارِبِ، وَأَمَّا إذَا خَفَتَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا وَشَهِدَ عَلَى الرَّائِحَةِ أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ، فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَمْ يَخْتَلِطْ عَقْلُهُ وَلَا يَسْتَقِرُّ أَوْ لَا يُسْتَبْرَأُ بِشَيْءٍ. وَفِي الْبَيَانِ وَسَأَلْتُهُ عَنْ الِاسْتِنْكَاهِ الْعَمَلِ بِهِ هَلْ قَالَ: نَعَمْ؟ وَذَلِكَ رَأْسُ الْفِقْهِ، قَالَ أَصْبَغُ وَهُوَ رَأْيٌ فِيمَنْ اسْتَنْكَرَ سُكْرَهُ وَاسْتَنْكَرَ اخْتِلَاطَهُ، وَقَدْ حَضَرْت الْعُمَرِيَّ الْقَاضِيَ أَمَرَ بِالِاسْتِنْكَاهِ فِي مَجْلِسِهِ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِيهِمْ ابْنُ وَهْبٍ فَخَتَلَهُ الْمُسْتَنْكِهُ بِالْكَلَامِ وَالسُّؤَالِ وَالْمُرَاجَعَةِ وَالْمُفَارَهَةِ، ثُمَّ أَدْخَلَ شِقَّ أَنْفِهِ فِي شَدْقِهِ وَشَمَّهُ ثُمَّ قَطَعَ عَلَيْهِ أَنَّهَا خَمْرٌ، قَالَ أَصْبَغُ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ كَالشَّهَادَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ أَمْضَى عَلَيْهِ الْحَدَّ، إذَا كَانَ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِاسْتِنْكَاهِهِ حِينَ اسْتَرَابَهُ، وَوَكَّلَهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ شَاهِدٌ يُؤَدِّي عِلْمُهُ بِالِاسْتِنْكَاهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُوجَدُ مَعَ الْقَوْمِ عِنْدَ الشَّرَابِ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ رَائِحَةٌ وَلَعَلَّهُ يَقُولُ: إنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: مَا لِلصَّائِمِ يَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذَا فَأَرَى أَنْ يُعَاقَبَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو زَيْدٍ قَالَ مُطَرِّفٌ: كَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَأْمُرُ السُّلْطَانُ إذَا أُتِيَ بِالرَّجُلِ وَبِهِ الرَّائِحَةُ مِنْ الشَّرَابِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَكْرَانُ وَكَانَ قَدْ حُدَّ فِي ذَلِكَ، أَنْ يُضْرَبَ أَدَبًا

стр. 668

خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا. وَقَالَ أَصْبَغُ لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا إذَا كَانَ سَفِيهًا. مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ حَدَّدَ فِيمَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي شَرَابٍ قَطُّ إذَا وُجِدَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ شَرَابٍ أَنْ يُضْرَبَ خَمْسِينَ جَلْدَةً أَدَبًا، كَانَ مِنْ الْأَحْرَارِ أَوْ مِنْ الْعَبِيدِ اجْتِهَادًا لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: قَوْلُهُ هَذَا فِي الْحُرِّ خَمْسِينَ حَسَنٌ إذَا أَشْكَلَتْ الرَّائِحَةُ وَأَشْبَهَتْ الْخُمُورَ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا أَرَى أَنْ يَبْلُغَ بِهِ هَذَا فِي الرَّائِحَةِ، لِأَنَّ حَدَّهُ فِي ثُبُوتِ الْخَمْرِ دُونَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِذَلِكَ سِكِّيرًا مَعْرُوفًا. [الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي حُكْمِ الَّذِي يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَوْ فِي بَيْتِهِ سَارِقًا فَيَقْتُلُهُمَا] وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَمِعْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ: وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَجَدَ رَجُلًا عِنْدَ زَوْجَتِهِ فَقَاتَلَهُ فَكَسَرَ رِجْلَهُ أَوْ جَرَحَهُ، هَلْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ؟ فَقَالَ: لَا، وَهُوَ جُبَارٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَإِنْ قَتَلَهُ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شُهُودٌ عَلَى دُخُولِ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ قَوَدٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ مِنْ السُّلْطَانِ لِافْتِيَاتِهِ عَلَيْهِ بِتَعْجِيلِ قَتْلِهِ. قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا جُبَارٌ فِي الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ إذَا جَاءَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ بِأَنَّهُ وَطِئَهَا، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَا يُقْتَلُ بِقَتْلِ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ حَلَّ بِهِ مِثْلُ هَذَا يَخْرُجُ مِنْ عَقْلِهِ وَلَا يَكَادُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَالْحَائِرُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ. وَإِذَا قُلْنَا: لَا يُقْتَلُ بِالْبِكْرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي الْبِكْرِ، وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا إذَا كَانَ قَدْ أَكْثَرَ التَّشَكِّي مِنْهُ. وَقَالَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ دِيَتُهُ هَدَرٌ فِي الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ، وَقَدْ أَهْدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ غَيْرَ مَا دَمٍ فِي مِثْلِ هَذَا التَّعَدِّي، وَقِيلَ: يُؤَدَّبُ كَمَا يُؤَدَّبُ مَنْ قَتَلَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ دُونَ الْإِمَامِ فِي الثَّيِّبِ، وَيُقْتَلُ فِي الْبِكْرِ. [مَسْأَلَةٌ السَّارِقِ يَدْخُلُ حَرِيمَ الرَّجُلِ فَيَسْرِقُ بَعْضَ مَتَاعِهِ فَيَشْعُرُ بِهِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ: فِي السَّارِقِ يَدْخُلُ حَرِيمَ الرَّجُلِ فَيَسْرِقُ بَعْضَ مَتَاعِهِ فَيَشْعُرُ بِهِ، فَيَخْرُجُ فِي أَثَرِهِ حَتَّى إذَا أَرْهَقَهُ تَحَوَّلَ إلَيْهِ السَّارِقُ فَدَافَعَهُ

стр. 669

عَنْ نَفْسِهِ، وَامْتَنَعَ مِنْهُ وَقَاتَلَهُ ابْتِغَاءَ النَّجَاةِ مِنْهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَقْتُلُهُ الرَّجُلُ فِي مَتَاعِهِ ذَلِكَ حِينَ لَمْ يَجِدْ إلَى أَخْذِهِ سَبِيلًا، فَإِنَّ دَمَهُ هَدَرٌ وَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ مِنْ قَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ وَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهُ الْمَتَاعُ الَّذِي سَرَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَتَاعٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّجَاةَ بِنَفْسِهِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، إذَا كَانَ قَتْلُهُ إيَّاهُ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي فِيهِ سَرَقَ وَمَا أَشْبَهَهُ. وَأَمَّا لَوْ كَانَ قَدْ تَبَاعَدَ مِنْهُ بِهَرَبِهِ وَلَحِقَ بِالصَّحْرَاءِ، وَلَا مَتَاعَ مَعَهُ فَاتَّبَعَهُ مَعَهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ فَوَاقَعَهُ السَّارِقُ أَوْ لَمْ يُوَاقِعْهُ السَّارِقُ فَقَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ عَلَى غَيْرِ مَتَاعٍ كَانَ لَهُ مَعَهُ، أَرَادَ اسْتِنْقَاذَهُ مِنْهُ وَلَا لِخَوْفٍ مِنْ عَدَائِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مَتَاعُهُ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا. قَالَ: وَلَوْ أَسَرَهُ وَظَفِرَ بِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ كَانَ مَعَهُ مَتَاعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ حِينَ وَلَّى السَّارِقُ هَارِبًا عَنْهُ رَمَاهُ لِيُوهِنَهُ بِرَمْيِهِ فَيُدْرِكَهُ فَأَصَابَتْ الرَّمْيَةُ نَفْسَهُ فَقَتَلَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ وَإِنْ لَمْ يُوَاقِعْهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَتَاعُ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَفِيهِ الدِّيَةُ إنْ كَانَ بِمَوْضِعِهِ أَوْ فِي الدَّرْبِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَعُدَ وَلَحِقَ بِالصَّحْرَاءِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَوَدُ. [الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي الْكَشْفِ عَنْ الْفَاسِقِ وَاللِّصِّ وَالْبَحْثِ عَنْهُ] وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ قَالَ عِيسَى: فِي الْحَاكِمِ يُرْفَعُ إلَيْهِ بِأَنَّ فِي بَيْتِ فُلَانٍ خَمْرًا إنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ وَاحِدٌ أَوْ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، فَلْيَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَهْتِكَ بِهَذَا سِتْرَ مُسْلِمٍ، وَإِنْ شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى الْبَتِّ كَشَفَ عَنْ ذَلِكَ فَأَرَاقَهَا وَضَرَبَهُ ضَرْبًا دُونَ الْحَدِّ، وَإِنْ قَالُوا لِلْحَاكِمِ بَلَغَنَا ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالشَّرِّ وَلَهُ حُرْمَةٌ وَيُعْلِمُهُ بِمَا قِيلَ عَنْهُ وَيُحَذِّرُهُ أَنْ يَبْلُغَهُ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا كَشَفَ عَنْهُ، فَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ أَدَّبَهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ كَذَلِكَ زَجَرَهُ وَتَوَعَّدَهُ. قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَمِعْت مُطَرِّفًا وَأَصْبَغَ يَقُولَانِ فِي السُّلْطَانِ يُرْفَعُ إلَيْهِ أَنَّ فِي بَيْتِ فُلَانٍ خَمْرًا، إنْ كَانَ مَأْثُورًا بِذَلِكَ أَوْ بَيْتًا مَشْهُورًا بِالْخَمْرِ وَالسَّفَهِ، فَيَرَى السُّلْطَانُ أَنْ يَتَعَاهَدَهُ وَيَتَعَاهَدَ الْكَشْفَ عَنْ بَيْتِهِ ذُكِرَ

стр. 670

لَهُ عَنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يُذْكَرْ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُنْقَلَ عَنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ وَيُشَرَّدَ بِهِ فَعَلَ كَانَ ذَلِكَ الْمَنْزِلُ لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَكْرَاهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْرَجَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ غَيْرَ مَأْثُورٍ بِذَلِكَ وَلَا مُشَارٍ إلَيْهِ بِمِثْلِ هَذَا فَلَا أَرَى أَنْ يَكْشِفَهُ وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى الْبَيْتِ. مَسْأَلَةٌ: وَعَنْ مَالِكٍ: فِي الشُّرْطِيِّ يَأْتِيه رَجُلٌ يَدْعُوهُ إلَى نَاسٍ فِي بَيْتٍ عَلَى شَرَابٍ، فَقَالَ: إنْ كَانَ بَيْتًا لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا يَتْبَعُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ فَلِيَتْبَعْهُ. وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَدَّثَنِي الْخُزَامِيُّ وَالْمَدِينِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَخَذَ سَارِقًا فَأَرْسَلَهُ، وَقَالَ: أَسْتُرُهُ لَعَلَّ اللَّهَ يَسْتُرُ عَلِيَّ وَحَدَّثَانِي عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ هَلْ لَك فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ يَعْصِرُ بِجَنَّتِهِ خَمْرًا، فَقَالَ إنَّ اللَّهَ نَهَى أَنْ نَتَجَسَّسَ، وَلَكِنْ أَنْ يَظْهَرَ إلَيْنَا فَعَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَهُ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فِي الْجَارِ يُظْهِرُ شُرْبَ الْخَمْرِ وَغَيْرَهُ أَنَّهُ يُنْهَى، فَإِنْ انْتَهَى وَإِلَّا رُفِعَ أَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ السِّتْرُ وَاجِبٌ إلَّا عَلَى الْإِمَامِ وَالْوَالِي وَأَحَدِ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ فِي الزِّنَا. فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَمِعْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ فِي اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ: أَرَى أَنْ يُطْلَبُوا فِي مَظَانِّهِمْ وَيُعَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُقْتَلُوا أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ بِالْهَرَبِ. تَنْبِيهٌ: وَهَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَاطَى هَذَا الْكَشْفَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لِلْوَالِي وَالشُّرَطِيِّ دُونَ الْقَاضِي، وَذَكَر الْقَرَافِيُّ أَنَّ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ قَاعِدَةَ وِلَايَتِهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ.
следующие страницы →