Полный текст (849 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
شَهَرَهُ أَوْ حِجَارَةٍ رَمَاهَا وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْ أَحَدًا، أَنْ تُعَظَّمَ عُقُوبَتُهُ يُضْرَبُ حَدَّ السُّكْرِ ثُمَّ يُضْرَبُ الْخَمْسِينَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا عَلَى قَدْرِ جُرْمِهِ، قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: وَقَدْ حَكَى عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ مَالِكٍ فِي وَاضِحَتِهِ أَنَّهُ يُضْرَبُ الْخَمْسِينَ وَالْمِائَةَ وَالْمِائَتَيْنِ وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْحَدُّ مِنْهُمَا وَفِيهِمَا، قَالَ فَضْلٌ: وَحَكَى أَبُو زَيْدِ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَصْبَغَ مِثْلَهُ، إذَا كَانَ مِثْلُهُ يَحْمِلُ ذَلِكَ فِي فَوْرِهِ، وَزَادَ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ إذَا فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَدَبُهُ أَشَدُّ مِنْ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْهُ إلَّا مَرَّةً.
فَرْعٌ: وَذُكِرَ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ: فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِالْفَسَادِ وَالْجَرَائِمِ أَنَّ الضَّرْبَ عَلَى مَا يُنَكِّلُهُمْ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يَحْبِسَهُمْ السُّلْطَانُ فِي السُّجُونِ وَيُثْقِلَهُمْ بِالْحَدِيدِ وَلَا يَخْرُجُهُمْ مِنْهُ أَبَدًا، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ وَلِأَهْلِيهِمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَةُ أَحَدِهِمْ وَتَثْبُتُ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَيُطْلِقَهُ.
فَرْعٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ عَنْ أَصْبَغَ: أَرَى أَنَّ أَقْصَى الْأَدَبِ الْمِائَتَانِ فِي الْفَسَادِ الْبَيِّنِ الْمَارِقِ الْمَعْلُومِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرَى فِيمَنْ أَسَرَ الْجَارِيَةَ أَوْ الْغُلَامَ مِنْ الدَّارِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ حَتَّى يَغِيبَ عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ، فَلَا يُدْرَى مَا فَعَلَ أَنْ يُضْرَبَ الثَّلَاثَمِائَةِ وَالْأَرْبَعمِائَةِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا، وَكَانَ الْحُكَّامُ يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ عِنْدَنَا بِمَشُورَةِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَمِنْ أَمْرِ النَّاسِ عِنْدَنَا الشُّهْرَةُ لِأَهْلِ الْفِسْقِ رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً، وَالْإِعْلَانُ بِجَلْدِهِمْ فِي الْحُدُودِ، وَمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَكَشْفِ وَجْهِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ ذَلِكَ وَنَزْعِ مَا كَانَ عَلَيْهَا مِنْ الثِّيَابِ الَّتِي تَلْبَسُهَا لِتَتَّقِيَ الضَّرْبَ، إلَّا أَنَّهُ يُتْرَكُ عَلَيْهَا مَا يُوَارِيهَا وَلَا يَصِفُهَا وَلَا يَحْجُبُهَا مِنْ الضَّرْبِ، وَتُشَدُّ فِي مِكْتَلٍ إذَا ضُرِبَتْ لِئَلَّا تَبْدُوَ عَوْرَتُهَا، وَكَذَلِكَ يُشَهَّرُ الرَّجُلُ بِلَا مُثْلَةٍ وَلَا حَدَثٍ مَشْهُورٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْبُحْتُرِيُّ وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ إذَا أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ أَخَذَ مَعَهُ الْجَرَّةَ مِنْ الْمُسْكِرِ، أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ عَلَى رَأْسِهِ عِنْدَ بَابِهِ كَيْمَا يُعْرَفَ بِذَلِكَ وَيُشْهَرَ بِهِ.
стр. 667
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا وُجِدَ مِنْ رَجُلٍ رَائِحَةٌ وَأَشْكَلَ أَنْ تَكُونَ رَائِحَةَ مُسْكِرٍ أَوْ غَيْرَ مُسْكِرٍ، نَظَرَ الْإِمَامُ فِي حَالِ الرَّجُلِ، فَإِنْ كَانَ لَا بَأْسَ بِحَالِهِ خَلَّى عَنْهُ، فَقَدْ يَجُوزُ لِلصَّالِحِ شُرْبُ حُلْوِ النَّبِيذِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ وَرُبَّمَا وُجِدَتْ لَهُ رَائِحَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَسْفَاهِ وَالظُّنُونِ فَلْيَطْلُبْ اخْتِبَارَ صِحَّتِهِ، بِأَنْ يَسْتَقْرِئَهُ مَا لَا يُخْطِئُ مِثْلُهُ أَنْ يَكُونَ قَارِئًا مِمَّا يُصَلَّى بِهِ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِذَا اعْتَدَلَتْ قِرَاءَتُهُ خَلَّى عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ وَالْتَأَتَ فِي قِرَاءَتِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا وَصَارَتْ حَالُهُ فِي ذَلِكَ شَاهِدَةً عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، إلَّا أَنَّ التُّهْمَةَ قَائِمَةٌ عَلَيْهِ، ضَرَبَهُ ضَرْبًا دُونَ الْحَدِّ عُقُوبَةً لَهُ بِالتُّهْمَةِ، فِي وُقُوعِ الظِّنَّةِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهَا فِي حَالِهِ أَيْضًا.
وَهَكَذَا سَمِعْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَسْتَحْسِنُونَ هَذَا عِنْدَ الْإِشْكَالِ مِنْ أَمْرِ الشَّارِبِ، وَأَمَّا إذَا خَفَتَ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا وَشَهِدَ عَلَى الرَّائِحَةِ أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ، فَإِنَّ الْحَدَّ يُقَامُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَمْ يَخْتَلِطْ عَقْلُهُ وَلَا يَسْتَقِرُّ أَوْ لَا يُسْتَبْرَأُ بِشَيْءٍ.
وَفِي الْبَيَانِ وَسَأَلْتُهُ عَنْ الِاسْتِنْكَاهِ الْعَمَلِ بِهِ هَلْ قَالَ: نَعَمْ؟ وَذَلِكَ رَأْسُ الْفِقْهِ، قَالَ أَصْبَغُ وَهُوَ رَأْيٌ فِيمَنْ اسْتَنْكَرَ سُكْرَهُ وَاسْتَنْكَرَ اخْتِلَاطَهُ، وَقَدْ حَضَرْت الْعُمَرِيَّ الْقَاضِيَ أَمَرَ بِالِاسْتِنْكَاهِ فِي مَجْلِسِهِ بِمَحْضَرِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فِيهِمْ ابْنُ وَهْبٍ فَخَتَلَهُ الْمُسْتَنْكِهُ بِالْكَلَامِ وَالسُّؤَالِ وَالْمُرَاجَعَةِ وَالْمُفَارَهَةِ، ثُمَّ أَدْخَلَ شِقَّ أَنْفِهِ فِي شَدْقِهِ وَشَمَّهُ ثُمَّ قَطَعَ عَلَيْهِ أَنَّهَا خَمْرٌ، قَالَ أَصْبَغُ: وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ كَالشَّهَادَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَاحِدٌ أَمْضَى عَلَيْهِ الْحَدَّ، إذَا كَانَ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي أَمَرَهُ بِاسْتِنْكَاهِهِ حِينَ اسْتَرَابَهُ، وَوَكَّلَهُ بِهِ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا هُوَ شَاهِدٌ يُؤَدِّي عِلْمُهُ بِالِاسْتِنْكَاهِ فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَسَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ: وَسُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يُوجَدُ مَعَ الْقَوْمِ عِنْدَ الشَّرَابِ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ رَائِحَةٌ وَلَعَلَّهُ يَقُولُ: إنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: مَا لِلصَّائِمِ يَدْخُلُ فِي مِثْلِ هَذَا فَأَرَى أَنْ يُعَاقَبَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو زَيْدٍ قَالَ مُطَرِّفٌ: كَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَأْمُرُ السُّلْطَانُ إذَا أُتِيَ بِالرَّجُلِ وَبِهِ الرَّائِحَةُ مِنْ الشَّرَابِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَكْرَانُ وَكَانَ قَدْ حُدَّ فِي ذَلِكَ، أَنْ يُضْرَبَ أَدَبًا
стр. 668
خَمْسَةً وَسَبْعِينَ سَوْطًا.
وَقَالَ أَصْبَغُ لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا إذَا كَانَ سَفِيهًا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ: وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ حَدَّدَ فِيمَنْ لَمْ يُوجَدْ فِي شَرَابٍ قَطُّ إذَا وُجِدَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ شَرَابٍ أَنْ يُضْرَبَ خَمْسِينَ جَلْدَةً أَدَبًا، كَانَ مِنْ الْأَحْرَارِ أَوْ مِنْ الْعَبِيدِ اجْتِهَادًا لِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: قَوْلُهُ هَذَا فِي الْحُرِّ خَمْسِينَ حَسَنٌ إذَا أَشْكَلَتْ الرَّائِحَةُ وَأَشْبَهَتْ الْخُمُورَ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلَا أَرَى أَنْ يَبْلُغَ بِهِ هَذَا فِي الرَّائِحَةِ، لِأَنَّ حَدَّهُ فِي ثُبُوتِ الْخَمْرِ دُونَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِذَلِكَ سِكِّيرًا مَعْرُوفًا.
[الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي حُكْمِ الَّذِي يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَوْ فِي بَيْتِهِ سَارِقًا فَيَقْتُلُهُمَا]
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَمِعْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ: وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَجَدَ رَجُلًا عِنْدَ زَوْجَتِهِ فَقَاتَلَهُ فَكَسَرَ رِجْلَهُ أَوْ جَرَحَهُ، هَلْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ؟ فَقَالَ: لَا، وَهُوَ جُبَارٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، فَإِنْ قَتَلَهُ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شُهُودٌ عَلَى دُخُولِ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ قَوَدٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْأَدَبُ مِنْ السُّلْطَانِ لِافْتِيَاتِهِ عَلَيْهِ بِتَعْجِيلِ قَتْلِهِ.
قَالَ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى: وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا جُبَارٌ فِي الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ إذَا جَاءَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ بِأَنَّهُ وَطِئَهَا، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ وَلَا يُقْتَلُ بِقَتْلِ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ حَلَّ بِهِ مِثْلُ هَذَا يَخْرُجُ مِنْ عَقْلِهِ وَلَا يَكَادُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ وَالْحَائِرُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يُقْتَلُ بِالْبِكْرِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي الْبِكْرِ، وَقَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِكْرًا إذَا كَانَ قَدْ أَكْثَرَ التَّشَكِّي مِنْهُ.
وَقَالَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ دِيَتُهُ هَدَرٌ فِي الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ، وَقَدْ أَهْدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ غَيْرَ مَا دَمٍ فِي مِثْلِ هَذَا التَّعَدِّي، وَقِيلَ: يُؤَدَّبُ كَمَا يُؤَدَّبُ مَنْ قَتَلَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ دُونَ الْإِمَامِ فِي الثَّيِّبِ، وَيُقْتَلُ فِي الْبِكْرِ.
[مَسْأَلَةٌ السَّارِقِ يَدْخُلُ حَرِيمَ الرَّجُلِ فَيَسْرِقُ بَعْضَ مَتَاعِهِ فَيَشْعُرُ بِهِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ: فِي السَّارِقِ يَدْخُلُ حَرِيمَ الرَّجُلِ فَيَسْرِقُ بَعْضَ مَتَاعِهِ فَيَشْعُرُ بِهِ، فَيَخْرُجُ فِي أَثَرِهِ حَتَّى إذَا أَرْهَقَهُ تَحَوَّلَ إلَيْهِ السَّارِقُ فَدَافَعَهُ
стр. 669
عَنْ نَفْسِهِ، وَامْتَنَعَ مِنْهُ وَقَاتَلَهُ ابْتِغَاءَ النَّجَاةِ مِنْهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ أَوْ عَصًا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَقْتُلُهُ الرَّجُلُ فِي مَتَاعِهِ ذَلِكَ حِينَ لَمْ يَجِدْ إلَى أَخْذِهِ سَبِيلًا، فَإِنَّ دَمَهُ هَدَرٌ وَلَا شَيْءَ عَلَى قَاتِلِهِ مِنْ قَوَدٍ وَلَا دِيَةٍ وَذَلِكَ إنْ كَانَ مَعَهُ الْمَتَاعُ الَّذِي سَرَقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَتَاعٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّجَاةَ بِنَفْسِهِ فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ، إذَا كَانَ قَتْلُهُ إيَّاهُ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي فِيهِ سَرَقَ وَمَا أَشْبَهَهُ.
وَأَمَّا لَوْ كَانَ قَدْ تَبَاعَدَ مِنْهُ بِهَرَبِهِ وَلَحِقَ بِالصَّحْرَاءِ، وَلَا مَتَاعَ مَعَهُ فَاتَّبَعَهُ مَعَهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ فَوَاقَعَهُ السَّارِقُ أَوْ لَمْ يُوَاقِعْهُ السَّارِقُ فَقَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ لِأَنَّهُ قَتَلَهُ عَلَى غَيْرِ مَتَاعٍ كَانَ لَهُ مَعَهُ، أَرَادَ اسْتِنْقَاذَهُ مِنْهُ وَلَا لِخَوْفٍ مِنْ عَدَائِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مَتَاعُهُ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا.
قَالَ: وَلَوْ أَسَرَهُ وَظَفِرَ بِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ كَانَ مَعَهُ مَتَاعٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ حِينَ وَلَّى السَّارِقُ هَارِبًا عَنْهُ رَمَاهُ لِيُوهِنَهُ بِرَمْيِهِ فَيُدْرِكَهُ فَأَصَابَتْ الرَّمْيَةُ نَفْسَهُ فَقَتَلَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ وَإِنْ لَمْ يُوَاقِعْهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَتَاعُ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَفِيهِ الدِّيَةُ إنْ كَانَ بِمَوْضِعِهِ أَوْ فِي الدَّرْبِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَعُدَ وَلَحِقَ بِالصَّحْرَاءِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَفِيهِ الْقَوَدُ.
[الْفَصْلُ الثَّامِنُ فِي الْكَشْفِ عَنْ الْفَاسِقِ وَاللِّصِّ وَالْبَحْثِ عَنْهُ]
وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ قَالَ عِيسَى: فِي الْحَاكِمِ يُرْفَعُ إلَيْهِ بِأَنَّ فِي بَيْتِ فُلَانٍ خَمْرًا إنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ وَاحِدٌ أَوْ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، فَلْيَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَهْتِكَ بِهَذَا سِتْرَ مُسْلِمٍ، وَإِنْ شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى الْبَتِّ كَشَفَ عَنْ ذَلِكَ فَأَرَاقَهَا وَضَرَبَهُ ضَرْبًا دُونَ الْحَدِّ، وَإِنْ قَالُوا لِلْحَاكِمِ بَلَغَنَا ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالشَّرِّ وَلَهُ حُرْمَةٌ وَيُعْلِمُهُ بِمَا قِيلَ عَنْهُ وَيُحَذِّرُهُ أَنْ يَبْلُغَهُ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُتَّهَمًا كَشَفَ عَنْهُ، فَإِنْ وَجَدَ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ أَدَّبَهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ كَذَلِكَ زَجَرَهُ وَتَوَعَّدَهُ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَسَمِعْت مُطَرِّفًا وَأَصْبَغَ يَقُولَانِ فِي السُّلْطَانِ يُرْفَعُ إلَيْهِ أَنَّ فِي بَيْتِ فُلَانٍ خَمْرًا، إنْ كَانَ مَأْثُورًا بِذَلِكَ أَوْ بَيْتًا مَشْهُورًا بِالْخَمْرِ وَالسَّفَهِ، فَيَرَى السُّلْطَانُ أَنْ يَتَعَاهَدَهُ وَيَتَعَاهَدَ الْكَشْفَ عَنْ بَيْتِهِ ذُكِرَ
стр. 670
لَهُ عَنْهُ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يُذْكَرْ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُنْقَلَ عَنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ وَيُشَرَّدَ بِهِ فَعَلَ كَانَ ذَلِكَ الْمَنْزِلُ لَهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ أَكْرَاهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْرَجَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ غَيْرَ مَأْثُورٍ بِذَلِكَ وَلَا مُشَارٍ إلَيْهِ بِمِثْلِ هَذَا فَلَا أَرَى أَنْ يَكْشِفَهُ وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى الْبَيْتِ.
مَسْأَلَةٌ: وَعَنْ مَالِكٍ: فِي الشُّرْطِيِّ يَأْتِيه رَجُلٌ يَدْعُوهُ إلَى نَاسٍ فِي بَيْتٍ عَلَى شَرَابٍ، فَقَالَ: إنْ كَانَ بَيْتًا لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَا يَتْبَعُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ فَلِيَتْبَعْهُ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَدَّثَنِي الْخُزَامِيُّ وَالْمَدِينِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَخَذَ سَارِقًا فَأَرْسَلَهُ، وَقَالَ: أَسْتُرُهُ لَعَلَّ اللَّهَ يَسْتُرُ عَلِيَّ وَحَدَّثَانِي عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ هَلْ لَك فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ يَعْصِرُ بِجَنَّتِهِ خَمْرًا، فَقَالَ إنَّ اللَّهَ نَهَى أَنْ نَتَجَسَّسَ، وَلَكِنْ أَنْ يَظْهَرَ إلَيْنَا فَعَلَيْنَا أَنْ نَأْخُذَهُ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: فِي الْجَارِ يُظْهِرُ شُرْبَ الْخَمْرِ وَغَيْرَهُ أَنَّهُ يُنْهَى، فَإِنْ انْتَهَى وَإِلَّا رُفِعَ أَمْرُهُ إلَى الْإِمَامِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ السِّتْرُ وَاجِبٌ إلَّا عَلَى الْإِمَامِ وَالْوَالِي وَأَحَدِ الشُّهُودِ الْأَرْبَعَةِ فِي الزِّنَا.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَسَمِعْت ابْنَ الْمَاجِشُونِ يَقُولُ فِي اللُّصُوصِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ: أَرَى أَنْ يُطْلَبُوا فِي مَظَانِّهِمْ وَيُعَانُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُقْتَلُوا أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ بِالْهَرَبِ.
تَنْبِيهٌ: وَهَلْ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَعَاطَى هَذَا الْكَشْفَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لِلْوَالِي وَالشُّرَطِيِّ دُونَ الْقَاضِي، وَذَكَر الْقَرَافِيُّ أَنَّ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ قَاعِدَةَ وِلَايَتِهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ.
стр. 671
[الْفَصْلُ التَّاسِعُ فِي الْمَسَائِلِ السِّيَاسِيَّةِ وَالزَّوَاجِرِ الشَّرْعِيَّةِ]
الْوَاقِعَةِ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ فَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ فِي بَابِ الطَّهَارَةِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: تَارِكُ الطَّهَارَةِ يُقْتَلُ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهَا، قَالَ وَعِنْدِي أَنَّهُ يُوَضَّأُ مُكْرَهًا، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْوُضُوءَ يَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ نَكَّسَ وُضُوءَهُ عَامِدًا، فَفِي بُطْلَانِ وُضُوئِهِ قَوْلَانِ: وَرَاعَى فِي الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ أَنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ لَهُ لِئَلَّا يَعُودَ، قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ عَنْ بَعْضِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ بِإِبْطَالِ الْأَعْمَالِ لَمْ تَرِدْ وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ.
مَسْأَلَةٌ: الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَالْآبِقِ وَالْعَاقِّ لِوَالِدَيْهِ بِالسَّفَرِ أَوْ الْمُخَالِفِ لِشَيْخِهِ الَّذِي فَوَّضَ إلَيْهِ أُمُورَهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ التَّيَمُّمُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ مَا كَانَ مَعْصِيَةً لَا يُجْعَلُ سَبَبًا فِي الرُّخَصِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَزَمَ عَلَى التَّوْبَةِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْعَاصِي بِسَفَرِهِ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الصَّلَاةِ.
مَسْأَلَةٌ: جَاحِدُ الصَّلَاةِ كَافِرٌ بِاتِّفَاقٍ، قَالَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ: وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: رُكُوعُهَا وَسُجُودُهَا سُنَّةٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَهَلْ يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا أَمْ لَا؟ رِوَايَتَانِ وَإِذَا لَمْ يَتُبْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قُتِلَ كُفْرًا، وَحُكْمُهُ حُكْمُ جَاحِدِهَا وَالْمُعْتَرِفُ بِوُجُوبِهَا الْمُمْتَنِعُ مِنْ فِعْلِهَا، أَمَّا أَنْ يَمْتَنِعَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا فَيَقُولُ: لَا أُصَلِّي، وَيُصَدِّقُ قَوْلُهُ فِعْلَهُ، وَأَمَّا أَنْ يَقُولَ: أَنَا أُصَلِّي وَلَكِنَّهُ يَكْذِبُ وَلَا يَفْعَلُ، فَالْأَوَّلُ يُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقْتُلُ عَلَى أَنَّهُ كَافِرٌ، وَإِذَا قُلْنَا: إنَّهُ يُقْتَلُ حَدًّا فَيُورَثُ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَبْقَى زَوْجَتُهُ فِي حُكْمِ الْعِصْمَةِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ لَا يُورَثُ وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَحْكُمُ بِفَسْخِ نِكَاحِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ. .
стр. 672
[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ عُقُوبَةِ جَاحِدُ الصَّلَاةِ]
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ عُقُوبَتِهِ
قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ لِأَنَّهُ الْمُتَعَارَفُ، وَقَالَ الزَّنَاتِيُّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ إقْرَارِهِ بِهَا فَإِنَّهُ يُقْتَلُ، وَلَكِنْ لَا يُعَالِجُ بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يُفْعَلُ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ، بَلْ يُشَارُ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ وَيُنْخَسُ بِهِ وَيُدْمَى مَرَّةً لَعَلَّهُ يَرْتَدِعُ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ وَأَسْبَابِهِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ وَيُنْخَسُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ.
وَفِي التَّفْرِيعِ لِابْنِ الْجَلَّابِ إنْ امْتَنَعَ هُدِّدَ وَضُرِبَ، فَإِنْ امْتَنَعَ قُتِلَ فَيُبْدَأُ بِالتَّهْدِيدِ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ ثُمَّ بِالضَّرْبِ ثُمَّ بِالْقَتْلِ، وَالْوَقْتُ الَّذِي يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي مَحِلِّهِ، فِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ أَنَّهُ يُضْرَبُ حَتَّى يَمُوتَ تَحْتَ السَّوْطِ لَعَلَّهُ إذَا أَوْجَعَتْهُ السِّيَاطُ يَتُوبُ وَهُوَ أَعْدَلُ مِنْ الْقَوْلِ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، قَالَ وَهَذَا حُكْمُ تَارِكِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ مَنْ يَقُولُ أَنَا أُصَلِّي وَلَمْ يَفْعَلْ فَفِي قَتْلِهِ قَوْلَانِ، وَمَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ الْقَتْلِ قَالَ يُبَالَغُ فِي عُقُوبَتِهِ، وَنَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ أَنَا أُصَلِّي وَلَا يَفْعَلُ، أَوْ يَقُولُ لَا أُصَلِّي لِأَنَّ الصَّلَاةَ عُدِمَتْ فِي الْوَجْهَيْنِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْفِعْلِ لَا بِالْقَوْلِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا خَافَ قَاطِعُ الطَّرِيقِ مِنْ الْإِمَامِ لَمْ يُجْزِهِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ، لِأَنَّ سَبَبَ خَوْفِهِمْ الْمَعْصِيَةُ الَّتِي تُلَبَّسُوا بِهَا فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِقْلَاعُ عَنْهَا.
مَسْأَلَةٌ: الْعَاصِي بِسَفَرِهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ لَا يُشْرَعُ لَهُ الْقَصْرُ، وَلَا يَكُونُ سَفَرُهُ مُبِيحًا لِقَصْرِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْخِلَافُ أَيْضًا يَجْرِي فِي السَّفَرِ الْمَكْرُوهِ كَالسَّفَرِ لِصَيْدِ اللَّهْوِ.
مَسْأَلَةٌ: وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ أَنَّ الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ لَا يُرَخَّصُ لَهُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَيْهَا زَجْرًا لَهُ، لِيُقْلِعَ عَمَّا هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ مِنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ أَخْذِ الْمَكْسِ أَوْ الْإِبَاقِ أَوْ الْعُقُوقِ، وَفِي جَوَازِ أَكْلِهِ الْمَيْتَةَ وَامْتِنَاعِهِ مِنْهَا حَتَّى يَمُوتَ جُوعًا خِلَافٌ كَثِيرٌ، وَشَهَّرَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ الْإِقْدَامِ عَلَى الْأَكْلِ، قَالَ ابْنُ الْفَرَسِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
стр. 673
[مَسْأَلَةٌ فِي الْوِتْرِ]
قَالَ أَصْبَغُ: مَنْ أَدَامَ تَرْكَ الْوِتْرِ أُدِّبَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ سَحْنُونٌ تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الْإِمَامَةِ]
وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى أَرْفَعِ مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِثْلُ: الدَّكَّةِ تَكُونُ فِي الْمِحْرَابِ، لِأَنَّ الْإِمَامَةَ حَالَةٌ تَقْتَضِي التَّرَفُّعَ فَإِذَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ عَلَوْهُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَكَانِ دَلَّ عَلَى قَصْدِهِ الْكِبْرَ، وَفِعْلُ الْإِمَامِ ذَلِكَ لِلْكِبْرِ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُصَلَّى خَلْفَ أَهْلِ الْبِدَعِ رَدْعًا لَهُمْ وَقِيلَ لِفَسَادِ عَقِيدَتِهِمْ.
[مَسْأَلَةٌ فِي الْجَنَائِزِ]
وَلَا تُشْهَدُ جَنَائِزُ أَهْلِ الْبِدَعِ رَدْعًا لَهُمْ.
[مَسْأَلَةٌ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ]
قَالَ ابْنُ الْجَلَّابِ: وَمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ فَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فِي التَّأْخِيرِ عَنْهَا، قَالَ الشَّارْمَسَاحِيُّ: وَوَجْهُهُ أَنْ يُحْرَمَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ أَجْرَ الْجَمَاعَةِ حَتَّى يَنْتَهِيَ عَنْ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَتَنَفَّلُ أَحَدٌ عَقِبَ الْجُمُعَةِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ، لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ أَهْلُ الْبِدَعِ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا.
مَسْأَلَةٌ: إذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ إمَامٌ رَاتِبٌ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ، فَلَا تَجُوزُ الْجَمَاعَةُ لِغَيْرِهِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ وَلَا خِلَافَ فِي مَنْعِ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ الْمَنْعِ هَلْ هُوَ جَمَاعَةٌ مِنْ تَطَرُّقِ أَهْلِ الْبِدَعِ أَوْ حِمَايَةٌ مِنْ الْأَذَى لِلْأَئِمَّةِ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ إذْنُ الْأَئِمَّةِ، هَلْ يُبِيحُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَعَلَى الْأَوْلَى لَا يَجُوزُ، وَعَلَى الثَّانِي يَجُوزُ.
стр. 674
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الزَّكَاةِ]
مَسْأَلَةٌ: مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقٍ، وَأَمَّا مَنْ أَقَرَّ بِهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُقْتَلُ تَارِكُهَا، وَعَلَى أَصْلِهِ يُقْتَلُ كُفْرًا، وَفَرَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، بِأَنَّ الزَّكَاةَ تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ وَهِيَ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّينَ، يُتَوَصَّلُ إلَى صَرْفِهَا إلَيْهِمْ بِأَنْ يَبِيعَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَيَأْخُذُهَا مِنْهُ جَبْرًا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ.
مَسْأَلَةٌ: الْهَارِبُ بِمَاشِيَتِهِ عَنْ السَّاعِي إذَا هَرَبَ بِهَا وَهِيَ أَلْفُ شَاةٍ، ثُمَّ ظُفِرَ بِهِ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ وَهِيَ أَرْبَعُونَ، وَقَالَ: لَمْ تَزَلْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حِينِ هَرَبْت، وَمِنْ حِينِ هَرَبْت كَانَ هَلَاكُهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وَزُكِّيَتْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حِينَ هَرَبَ إلَّا فِي الْعَامِ الَّذِي ظُفِرَ بِهِ فِيهِ وَهِيَ أَرْبَعُونَ، فَيُزَكَّى عَنْهُ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي قَوْلِهِ هَلَكَتْ مِنْ حِينِ هَرَبْت، فَلَا يُصَدَّقُ وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ هَرَبَ وَهِيَ أَرْبَعُونَ ثُمَّ وَجَدَهَا فِي الْعَامِ الْخَامِسِ أَلْفَ شَاةٍ، وَقَالَ: أَفْسَدْت لِلزَّائِدِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فِي هَذَا الْعَامِ، قَبْلَ قَوْلِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَمْ يُقْبَلْ عِنْدَ ابْنِ حَبِيبٍ إذْ لَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ، وَيُؤْخَذُ عَنْ الْعَامِ الَّذِي هَرَبَ فِيهِ شَاةٌ عَنْ الْأَرْبَعِينَ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ لِكُلِّ عَامٍ عَشْرٌ عَشْرٌ عُقُوبَةً لَهُ وَزَجْرًا لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ مُتَعَدٍّ بِهُرُوبِهِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا امْتَنَعَ مِنْ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَهُوَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وَفَرْعُنَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ كُرْهًا، فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِمَّا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ كَالنَّخْلِ وَالزَّرْعِ وَالْمَاشِيَةِ، وَأَمَّا مَا يُخْفِي فَإِنْ عُلِمَ بِهِ وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ أُخِذَتْ مِنْهُ أَيْضًا، وَإِذَا ظَهَرَ الْفَقْدُ وَاطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَلَمْ يَعْلَمْ مِقْدَارَ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَالُهُ عُوقِبَ أَوْ حُبِسَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى أَنَّ عَلَيْهِ الدَّيْنَ أَوْ ادَّعَى الرِّقَّ عُمِلَ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ صِدْقِهِ أَوْ كَذِبِهِ، فَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ وَفِي تَحْلِيفِهِ قَوْلَانِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَسَائِلُ الْخُلْطَةِ فِي الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ النَّاقِصَيْنِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَتَحْلِيفِهِمْ إذَا أَشْكَلَ أَمْرُهُمْ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
стр. 675
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الصِّيَامِ]
مَسْأَلَةٌ: حُكْمُ الصِّيَامِ كَالصَّلَاةِ فِي الْجَحْدِ وَتَرْكِ الْقَتْلِ.
مَسْأَلَةٌ: لَا يَتَرَخَّصُ بِالْفِطْرِ مَنْ سَافَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ نَوَى الْفِطْرَ وَلَمْ يُفْطِرْ ظَاهِرًا وَلَا خُفْيَةً، وَإِنْ أَمِنَ الظُّهُورَ عَلَيْهِ عَلَى الْمَشْهُورِ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَهَذَا إذَا كَانَ فِي الْحَضَرِ، فَإِنْ اُطُّلِعَ عَلَى فِطْرِهِ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ، وَكَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ عُوقِبَ وَإِنْ ذَكَرَهُ أَوْ كَانَ مَأْمُونًا لَمْ يُعَاقَبْ، وَعُنِّفَ وَغُلِّظَ عَلَيْهِ فِي التَّعْنِيفِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ عَلَى الْجِمَاعِ أُلْزِمَ بِأَنْ يُكَفِّرَ عَنْهَا، وَإِنْ وَطِئَ أَمَتَهُ كَفَّرَ عَنْهَا وَلَوْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً لَهُ لِأَنَّ طَوْعَهَا لَا يُعْتَبَرُ وَهِيَ مَعَهُ كَالْمُكْرَهَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ أُكْرِهَ الرَّجُل عَلَى الْجِمَاعِ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ أَكْرَهَهُ وَفِيهِ خِلَافٌ. .
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا وَطِئَ الْعَبْدُ مَنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عَنْهَا فَهِيَ جِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ سَيِّدُهُ وَإِلَّا فَدَاهُ بِالْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ قِيمَتِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَتَجِبُ الْعُقُوبَةُ عَلَى مَنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ بِالْفِطْرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، فَإِنْ جَاءَ تَائِبًا مُسْتَفْتِيًا فَفِي عُقُوبَتِهِ قَوْلَانِ وَالظَّاهِرُ نَفْيُهَا.
[مَسْأَلَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ]
إذَا وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ أُدِّبَ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُخْرِجَ مُعْتَكِفًا مِنْ مُعْتَكَفِهِ، لِمَا يُطْلَبُ مِنْهُ مِنْ دَيْنٍ أَوْ حَدٍّ حَتَّى يُتِمَّ اعْتِكَافَهُ، إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ إنَّمَا اعْتَكَفَ لَدَدًا وَفِرَارًا مِنْ الْحَقِّ فَيَرَى فِيهِ رَأْيَهُ.
стр. 676
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الْحَجِّ]
مَسْأَلَةٌ: مَنْ جَحَدَ وُجُوبَهُ كَفَرَ، وَأَمَّا مَنْ تَرَكَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى التَّرَاخِي قَوِيَّةٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ اسْتِخْفَافًا، وَسَحْنُونٌ يَقُولُ: إنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ السِّنِينَ الْكَثِيرَةَ لِغَيْرِ عُذْرٍ نَحْوَ الْعِشْرِينَ إلَى سِتِّينَ، فَإِنَّهَا جُرْحَةٌ تَرُدُّ شَهَادَتَهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْبَيَانِ: وَإِذَا زَنَى الْبِكْرُ فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا بِمَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ حَاجٌّ فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَيُنْفَى وَلَا يُتْرَكُ حَتَّى يُكْمِلَ الْحَجَّ، لِأَنَّ التَّغْرِيبَ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ، وَلَعَلَّهُ أَحْرَمَ فِرَارًا مِنْ السَّجْنِ، اُنْظُرْهَا فِي بَابِ الْقَذْفِ مِنْ الْبَيَانِ، وَانْظُرْ تَمَامَهَا وَحُكْمَ حَجِّهِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ فَوَطِئَهَا، لَزِمَهُ أَنْ يُحْجِجْهَا وَأَنْ يُكَفِّرَ عَنْهَا وَذَلِكَ بِسَبَبِ تَعْدِيهِ عَلَيْهَا، وَإِذَا قَضَى تِلْكَ الْحَجَّةَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ، فَارَقَهَا مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ إلَى حِينِ التَّحَلُّلِ خَوْفَ مُوَاقَعَةِ الْفِعْلِ ثَانِيَةً.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا هَلَكَ هَدْيُ التَّطَوُّعِ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَلِيَتَصَدَّقْ بِهِ وَلَا يَأْكُلْ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ أُعْطِيَهُ لِيَأْكُلَ مِنْهُ، فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ أَبْدَلَهُ لِقُوَّةِ التُّهْمَةِ.
[مَسْأَلَةٌ جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ]
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي الْإِحْرَامِ، وَقَالَ تَعَالَى فِيهِ: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] مَسْأَلَةٌ مِنْ الصَّيْدِ
وَمَنْ صَادَ حَمَامَةً مِنْ حَمَامِ مَكَّةَ أَوْ مِنْ حَمَامِ الْحَرَمِ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ يُخْرِجُهَا بِغَيْرِ حُكْمَيْنِ وَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ وَلَا تَخْيِيرٌ، لِأَنَّ الشَّاةَ فِيهَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيظِ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْإِرْسَالِ عَامِدًا مُتَهَاوِنًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَكْلُ ذَلِكَ الصَّيْدِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ فِي تَرْكِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
стр. 677
مَسْأَلَةٌ: لَوْ رَمَى صَيْدًا فَمَرَّ بِهِ إنْسَانٌ وَأَمْكَنَتْهُ ذَكَاتُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهُ فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ لَمْ يُؤْكَلْ عَلَى الْمَنْصُوصِ وَيَضْمَنُهُ الْمَارُّ لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَقِيلَ لَا يَضْمَنُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّرْكَ كَالْفِعْلِ أَوْ لَا.
[مَسْأَلَةٌ مِنْ الذَّبَائِحِ]
مَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ فِي الذَّبْحِ عَامِدًا مُتَهَاوِنًا لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَهَاوِنٍ فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ.
[مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَطْعِمَةِ]
إذَا نَزَلَتْ بِرَجُلٍ مَخْمَصَةٌ وَوَجَدَ طَعَامًا مَعَ رَجُلٍ فَسَاوَمَهُ فِيهِ فَلَمْ يَبِعْهُ مِنْهُ، وَاسْتَطْعَمَهُ فَلَمْ يُطْعِمْهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قِتَالُهُ، فَإِنْ مَاتَ رَبُّ الطَّعَامِ فَدَمُهُ هَدَرٌ، وَإِنْ مَاتَ الْجَائِعُ وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْهُ قَهْرًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ.
[مَسْأَلَةٌ مِنْ الْأَيْمَانِ]
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ لِيَجْلِدَنَّهَا خَمْسِينَ سَوْطًا، قَالَ لَوْ اسْتَشَارَنِي السُّلْطَانُ لَأَمَرْته أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ضَرْبِهَا، وَلَأَمَرْته أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ جَلْدِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لِيَضْرِبَنهَا مِثْلَ الثَّلَاثِينَ، طَلُقَتْ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بِغَيْرِ شَيْءٍ تَسْتَوْجِبُهُ، وَيُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ فِي مِثْلِ الْعَشَرَةِ، وَلَوْ لَمْ يَصِلْ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ حَتَّى ضَرَبَهَا، عُوقِبَ بِالضَّرْبِ وَالزَّجْرِ وَلَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَا مِنْ الضَّرْبِ آثَارٌ قَبِيحَةٌ، أَوْ أَمْرٌ يُشَهِّرُ مِثْلَهَا مِنْ الْحَرَائِرِ، فَتَطْلُقُ لِلضَّرَرِ إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ وَطَلَبَتْ هِيَ الْفِرَاقَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدِهِ لَيَضْرِبَنهُ ضَرْبًا كَثِيرًا دُونَ شَيْءٍ أَذَنْبَهُ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ وَقِيلَ: يُمَكَّنُ وَهُوَ بَعِيدٌ اُنْظُرْ الْبَيَانَ وَمُخْتَصَرَ الْوَاضِحَةِ.
[مَسَائِلُ مِنْ الْجِهَادِ]
لَا يُقْتَلُ مُسْتَأْمَنٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاسُوسًا فَيُقْتَلُ.
مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ سَحْنُونٌ: فِي الْمُسْلِمِ يَكْتُبُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ بِأَخْبَارِنَا، يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ وَلَا دِيَةَ لِوَرَثَتِهِ كَالْمُحَارَبِ، وَقِيلَ: يُجْلَدُ نَكَالًا وَيُطَالُ سَجْنُهُ وَيُنْفَى مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، وَقِيلَ: يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يَتُوبَ،
стр. 678
وَقِيلَ: إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلٍ، وَقِيلَ: يُقْتَلُ إنْ كَانَ مُعْتَادًا لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ فَلْتَةً ضُرِبَ وَنُكِّلَ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ الْجَيْشِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُؤَدِّبُهُمْ الْإِمَامُ وَيَحْرِمُهُمْ مِمَّا غَنِمُوهُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: إلَّا أَنْ يَكُونُوا جَمَاعَةً لَا يُخَافُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَحْرُمُهُمْ مِمَّا غَنِمُوهُ يُرِيدُ وَقَدْ أَخْطَئُوا.
مَسْأَلَةٌ: وَيُقَاتِلُ الْعَدُوَّ بِكُلِّ نَوْعٍ وَبِالنَّارِ إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا وَخِيفَ مِنْهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُخَفْ فَقَوْلَانِ.
مَسْأَلَةٌ: لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَمْيِ مَرَاكِبِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَكَذَلِكَ حُصُونُهُمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ وَحُكْمُ تَتَرُّسِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ، وَقَطْعِ أَشْجَارِ الْعَدُوِّ وَإِتْلَافِ مَا عَجَزُوا عَنْهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَمَا يُوجِبُهُ عَقْدُ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ السِّيَاسِيَّةِ.
[فَصْلٌ فِيمَا وَقَعَ فِي بَابِ النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ]
مَسْأَلَةٌ: إذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِزَوْجَتِهِ قَبْلَ الْإِشْهَادِ عَلَى النِّكَاحِ فُسِخَ النِّكَاحُ بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُحَدُّ إنْ ثَبَتَ الْوَطْءُ عَالِمَيْنِ كَانَا أَوْ جَاهِلَيْنِ مَا لَمْ يَكُنْ أَمْرُهُمَا فَاشِيًا، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ.
وَفِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ: إذَا أَقَرَّا بِالنِّكَاحِ وَلَمْ يَقُمْ عَلَى أَصْلِهِ بَيِّنَةٌ وَهُمَا غَيْرُ طَارِئَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ كَوْنُهُ مَعَهَا وَلَمْ يَشْتَهِرْ فَوُجُودُهَا مَعَهُ رِيبَةٌ، تُوجِبُ عَلَيْهِمَا الْأَدَبَ أَوْ الْحَدَّ، إنْ تَقَارَّا عَلَى الْوَطْءِ، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُمَا إقْرَارٌ بِالنِّكَاحِ لِأَنَّ كَوْنَهَا فِي بَيْتِهِ وَتَحْتَ حِجَابِهِ، كَالْإِقْرَارِ مِنْهُمَا بِالنِّكَاحِ أَوْ أَقْوَى، وَشَهَادَةُ الْوَلِيِّ لَهَا بِالنِّكَاحِ لَا تُفِيدُ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنْ يُرِيدَ السَّتْرَ عَلَى وَلِيَّتِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَنِكَاحُ السِّرِّ بَاطِلٌ وَيُعَاقَبُ الزَّوْجَانِ وَالشُّهُودُ بِمَا كَتَمُوا.
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ: لَا يُعَاقَبُ الشَّاهِدَانِ إذَا جَهِلَا، وَتَفْسِيرُ نِكَاحِ السِّرِّ مَشْهُورٌ فِي مَحِلِّهِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ فِي الَّذِي يَنْكِحُ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، أَوْ نِكَاحَ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا وَشِبْهُ ذَلِكَ، أَوْ يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ فِي عِدَّتِهَا عَامِدًا عَالِمًا
стр. 679
بِالتَّحْرِيمِ، أَوْ جَاهِلًا لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَفِيهِ الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ، وَالْعَالِمُ بِالتَّحَرُّمِ أَشَدُّ عُقُوبَةً مِنْ الْجَاهِلِ وَأَعْظَمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا تَكَرَّرَتْ شَكْوَى الْمَرْأَةِ وَذَكَرَتْ إضْرَارَ زَوْجِهَا بِهَا، وَرَفَعَتْ ذَلِكَ إلَى الْحَاكِمِ وَعَجَزَتْ عَنْ إثْبَاتِ مَا تَدَّعِيه، فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَأْمُرُ زَوْجَهَا بِإِسْكَانِهَا بَيْنَ قَوْمٍ صَالِحِينَ، وَيُكَلِّفُهُمْ تَفَقُّدَ خَبَرِهَا وَاسْتِعْلَامَ ضَرَرِهَا فَإِنْ كَانَتْ سَاكِنَةً مَعَهُ فِي مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ نَقْلُهَا إلَى غَيْرِهِمْ، يَعْنِي وَكَلَّفَهُمْ تَفَقُّدَ حَالِهَا، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ الظَّالِمُ، رَفَعُوا ذَلِكَ إلَيْهِ فَزَجَرَهُ الْحَاكِمُ وَأَدَّبَهُ وَسَجَنَهُ وَعَاقَبَهُ بِمَا يَرَاهُ، فَإِنْ عَمِيَ عَلَى الْحَاكِمِ خَبَرُهُمَا وَطَالَ تَكَرُّرُهَا وَلَمْ يَعْلَمْ الظَّالِمَ مِنْهُمَا، لَمْ يَسَعْهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمَا بِغَيْرِ الْحَكَمَيْنِ، وَمَسْأَلَةُ الْحَكَمَيْنِ مَشْهُورَةٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ بَاعَ زَوْجَتَهُ، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ: يُنَكَّلُ نَكَالًا شَدِيدًا وَتَطْلُقُ عَلَيْهِ بِوَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا وَلَا يَتَزَوَّجَهَا وَلَا غَيْرَهَا حَتَّى تُعْرَفَ تَوْبَتُهُ وَصَلَاحُهُ، مَخَافَةَ إنْ رَاجَعَهَا أَوْ تَزَوَّجَ غَيْرَهَا أَنْ يَبِيعَهَا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهَا هَازِلًا أَوْ جَادًّا وَحُكْمُ حَدِّهَا إنْ أَقَرَّتْ بِوَطْءِ الْمُشْتَرِي لَهَا أَوْ ادَّعَتْ أَنَّهَا مُكْرَهَةٌ، لَيْسَ هَذَا مَحِلُّهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ لَمْ يُحَدَّ، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْكِحُ امْرَأَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا حُدَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يُحَدَّ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ يُحَدَّ وَلَا يُعْذَرُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عِذْيَوْطًا وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْحَدَثُ عِنْدَ الْجِمَاعِ، فَإِنَّ لِلْآخِرِ أَنْ يَرُدَّهُ بِهَذَا الْعَيْبِ، فَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ وَنَفَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ: يُطْعَمُ أَحَدُهُمَا تِينًا وَالْآخَرُ فَقُّوسًا، فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ مَنْ هُوَ صَاحِبُ الْعَيْبِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا فَعَلَ الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ لَهَا مِنْهُ وَكَانَ شِرِّيرًا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْهُ إذَا اقْتَضَتْ مِنْهُ، فَإِنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَيَجِبُ عَلَى زَوْجَةِ الْمَظَاهِرِ أَنْ تَمْنَعَهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَإِنْ خَشِيَتْ مِنْهُ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إلَى الْحَاكِمِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيُؤَدِّبُهُ إنْ رَأَى ذَلِكَ.
стр. 680
مَسْأَلَةٌ: وَفِي التَّهْذِيبِ: مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ سَائِبَةٌ أَوْ مِنِّي عَتِيقَةٌ، فَلْيَحْلِفْ عَلَى مَا أَرَادَ بِذَلِكَ إنْ كَانَ طَلَاقًا أَوْ غَيْرَ طَلَاقٍ، فَإِذَا حَلَفَ نُكِّلَ عُقُوبَةً مُوجِعَةً، وَيُنَكَّلُ مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا مِنْ أَيْمَانِ اللَّبْسِ، لِأَنَّهُ لَبَّسَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا أَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ ثُمَّ ذَهَبَ فَوَطِئَهَا قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ فَلَهَا الْخِيَارُ إذَا عَلِمَتْ، وَيُعَاقَبُ الزَّوْجُ عَلَى فِعْلِهِ لِوَطْئِهِ قَبْلَ عِلْمِ مَا عِنْدَهَا، لِأَنَّهُ فَرْجُ الْخِيَارِ فِيهِ لِغَيْرِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا كَانَ الرَّتْقُ مِنْ قِبَلِ الْخِتَانِ فَإِنَّهُ يَبُطُّ عَلَيْهَا أَحَبَّتْ الْمَرْأَةُ أَوْ كَرِهَتْ، إذَا قَالَ النِّسَاءُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهَا.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا نَاكَرَتْ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فِي وُجُودِ الْعَيْبِ فِي فَرْجِهَا، فَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هِيَ مُصَدَّقَةٌ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ، قَالَ ابْنُ الْهِنْدِيِّ وَعَلَيْهَا الْيَمِينُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: يَقُولُ لَا يَنْظُرُ إلَيْهَا النِّسَاءُ، وَقَدْ قَالَ: إنَّهَا تُرَدُّ بِهِ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ إلَّا بِنَظَرِهِنَّ؟ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّ النِّسَاءَ يَنْظُرْنَ إلَيْهَا، قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: وَالنَّظَرُ إلَيْهَا هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَصِفَةُ النَّظَرِ إلَيْهَا عَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ: أَنْ تَجْعَلَ الْمَرْأَةُ الْمِرْآةَ أَمَامَ فَرْجِهَا وَقَدْ فَتَحْت فَخْذَيْهَا، وَتَجْلِسُ امْرَأَتَانِ مِنْ خَلْفِهَا يَنْظُرَانِ فِي الْمِرْآةِ وَيَقُلْنَ لَهَا: افْتَحِيهِ بِيَدِك، فَإِنْ نَظَرْنَ فِيهِ شَيْئًا شَهِدْنَ بِهِ، اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ وَجَدَ زَوْجَتَهُ ثَيِّبًا وَكَذَّبَتْهُ، فَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ الْيَمِينِ، وَقِيلَ: تُكْشَفُ لِتَنْظُرَ النِّسَاءُ إلَيْهَا، وَلَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِقَذْفِهَا، وَالْعُذْرَةُ قَدْ تَزُولُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، فَإِنْ زَعَمَتْ أَنَّهُ فُعِلَ ذَلِكَ بِهَا عُرِضَ عَلَى النِّسَاءِ، فَإِنْ شَهِدْنَ أَنَّ الْأَمْرَ قَرِيبٌ يُمْكِنُ مِنْ فِعْلِهِ دِينَتْ وَحَلَفَتْ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلَهُ رَدُّهَا بِهِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَحْلِيفِ الزَّوْجِ فَقِيلَ: شَهَادَةُ النِّسَاءِ بِالْقِدَمِ تَرْفَعُ عَنْهُ الْيَمِينَ، وَقِيلَ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّ زَوْجَهَا حَصُورٌ أَوْ عِنِّينٌ أَوْ مَجْبُوبٌ فَقِيلَ: يُخْتَبَرُ بِالْجَسِّ عَلَى الثَّوْبِ، وَقِيلَ يُنْظَرُ إلَيْهِ كَمَا يَنْظُرُ إلَى الْمَرْأَةِ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَا يُخْتَبَرُ، فَإِذَا أَثْبَتَ ذَلِكَ
стр. 681
بِإِقْرَارِهِ أَوْ انْكَشَفَ عَنْهُ طَلَّقَهَا عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَقِيلَ لَهَا إيقَاعُ الطَّلَاقِ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ.
مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا ادَّعَتْ عَلَيْهِ الِاعْتِرَاضَ وَأَنْكَرَ فَهُوَ مُصَدَّقٌ، وَاخْتُلِفَ هَلْ عَلَيْهِ يَمِينٌ أَوْ لَا؟ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُدِينُ فِي الثَّيِّبِ وَيَنْظُرُ النِّسَاءُ إلَى الْبِكْرِ، وَرَوَى عَنْهُ الْوَاقِدِيُّ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ، أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي الثَّيِّبِ وَتُجْعَلُ مَعَهَا امْرَأَةٌ تُنْظَرُ إذَا غَشِيَهَا الزَّوْجُ، وَأَجَازَ قَوْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقِيلَ فِي الثَّيِّبِ: إنَّهُ يُطْلَى ذَكَرُهُ بِالزَّعْفَرَانِ ثُمَّ يُرْسَلُ عَلَيْهَا، فَإِذَا فَرَغَ نَظَرَ النِّسَاءُ إلَى فَرْجِهَا، فَإِنْ وُجِدَ فِيهِ الزَّعْفَرَانُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمَسِيسِ قُضِيَ لَهُ عَلَيْهَا.
وَفِي الْإِمْلَاءِ: عَلَى الْجَلَّابِ قَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ فِي كَلَامِهِ عَلَى التَّهْذِيبِ: إنَّ الْمَرْأَةَ تُرْبَطُ وَتُلْقَى عَلَى ظَهْرِهَا، وَيُكَتَّفُ هُوَ مِنْ خَلْفِ ظَهْرِهِ وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: لِئَلَّا يُوصِلَ بِيَدِهِ إلَى هُنَاكَ، أَوْ تَمْسَحُهُ هِيَ عَنْهُ، قَالَ صَاحِبُ الْإِمْلَاءِ: وَمَا قَالَهُ ابْنُ اللَّبَّادِ فِي الْبَطْحِ وَالرَّبْطِ وَالتَّكْتِيفِ لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ، وَلَا هُوَ مُقْتَضَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَرْأَةُ لَا تَكْتُمُ ذَلِكَ إنْ فَعَلَهُ بِهَا، بَلْ تَجْعَلُ الصُّفْرَةَ فِي قُبُلِهَا وَيُرْسَلُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى وُجُودِ الصُّفْرَةِ بِذَكَرِهِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمُخَالَطَةِ أَوْ بِالْجِمَاعِ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْوُصُولِ إلَى ذَلِكَ بِأُصْبُعِهِ ثُمَّ يَنْقُلُهُ إلَى ذَكَرِهِ، وَالْمَرْأَةُ تَسْكُتُ عَلَى ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَالَ أَصْبَغُ فِي امْرَأَةِ الْمَعْقُودِ تَدَّعِي أَنَّهَا لَا تُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهَا، وَأَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى مَسِيسِهَا، أَوْ يُقِرُّ الْمَعْقُودُ بِأَنَّهُ لَا يَمَسُّ وَيَدَّعِي أَنَّهَا تَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَوِيَ عَلَى مَسِيسِهَا، قَالَ اُسْتُحْسِنَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ تُجْعَلَ فِي الْقُرْبِ مِنْهُمْ إذْ خَلَا بِهَا امْرَأَةٌ أَوْ نِسَاءٌ، فَإِنْ سَمِعْنَ امْتِنَاعَهَا فَأَمَرَ بِهَا فَرُبِطَتْ لَهُ وَشُدَّتْ وَزَجَرْنَهَا وَأَمَرْنَهَا أَنْ تَلِينَ لَهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ مِنْ الْحُكْمِ فِي مِثْلِهِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ أَنْكَحَ ابْنَهُ بِنْتَ رَجُلٍ وَالِابْنُ سَاكِتٌ حَتَّى فَرَغَ الْأَبُ مِنْ النِّكَاحِ وَأَنْكَرَهُ، وَقَالَ لَمْ آمُرُهُ وَلَا أَرْضَى بِمَا صَنَعَ وَصَمْتِي لِعِلْمِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُنِي حَلِفٌ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ، قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ
стр. 682
فَإِنْ نَكَلَ الِابْنُ عَنْ الْيَمِينِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا كُلِّفَ الْيَمِينَ رَجَاءَ أَنْ يُقِرَّ بِصَنِيعِ أَبِيهِ فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهِ، فَهَذَا مِنْ السِّيَاسَةِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا بَاعَ أَمَتَهُ مِنْ ظَالِمٍ قَبْلَ دُخُولِ زَوْجِهَا بِهَا، فَمَنَعَ الظَّالِمُ زَوْجَهَا مِنْ الدُّخُولِ لَمْ يَلْزَمْهُ صَدَاقٌ، وَيَرُدُّهُ السَّيِّدُ إنْ قَبَضَهُ، اُنْظُرْ الطُّرَرَ لِابْنِ عَاتٍ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَأَنْكَرَ، فَأَقَامَتْ عَلَيْهِ شَاهِدًا وَاحِدًا فَطُولِبَ بِالْيَمِينِ عَلَى تَكْذِيبِهَا فَنَكَلَ عَلَى الْيَمِينِ، فَإِنَّهُ يُسْجَنُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَطُولَ أَمْرُهُ، وَالطُّولُ سَنَةٌ، وَقِيلَ يُحْبَسُ أَبَدًا حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُطَلِّقَ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا طَلَّقَ الْمَرِيضُ زَوْجَتَهُ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهَا تَرِثُهُ لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنَّ قَصْدَهُ حِرْمَانُهَا مِنْ الْمِيرَاثِ، فَيُعَاقَبُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا مَثَّلَ الرَّجُلُ بِزَوْجَتِهِ طَلُقَتْ عَلَيْهِ، وَالْمُثْلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي بَابِ الْعِتْقِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ تَعَمَّدَ الْمَقَامَ عِنْدَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ شَهْرًا حَيْفًا لَمْ يُحَاسَبْ بِهِ، وَزُجِرَ عَنْ ذَلِكَ وَابْتَدَأَ الْعَدْلُ فَإِنْ عَادَ نُكِّلَ، وَحَيْثُ يُنَكَّلُ تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ وَحَيْثُ لَا فَلَا.
[فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ الْبُيُوعِ]
ِ مَسْأَلَةٌ: إذَا بَاعَ النَّصْرَانِيُّ خَمْرًا مِنْ مُسْلِمٍ فَإِنَّهَا تُهْرَاقُ عَلَيْهِ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَيُنْزَعُ الثَّمَنُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ إنْ قَبَضَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ قَبَضَهُ لَمْ يُنْزَعْ مِنْهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ مُسْلِمًا وَبَاعَهَا مِنْ نَصْرَانِيٍّ أُرِيقَتْ، فَإِنْ فَاتَتْ بِيَدِ النَّصْرَانِيِّ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْخَذُ الثَّمَنُ مِنْهُ يَعْنِي مِنْ النَّصْرَانِيِّ.
وَقَالَ أَيْضًا: يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُتَصَدَّقُ بِهِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ، فَإِنْ أَخَذَ الْمُسْلِمُ الثَّمَنَ رُدَّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَأُغْرِمَ خَمْرًا
стр. 683
مِثْلَهَا فَتُهْرَاقُ، فَإِنْ بَاعَهَا الْمُسْلِمُ مِنْ مُسْلِمٍ أُرِيقَتْ وَيُرَدُّ الثَّمَنُ لِلْمُبْتَاعِ، وَإِنْ فَاتَتْ تُصُدِّقَ بِالثَّمَنِ.
مَسْأَلَةٌ: وَيُمْنَعُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَيْعِ آلَةِ الْحَرْبِ يَعْنِي مِنْ الْحَرْبِيِّينَ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ بَيْعُ الْخَشَبَةِ لِمَنْ يَعْمَلُ مِنْهَا صَلِيبًا، وَبَيْعُ الدَّارِ لِمَنْ يَعْمَلُهَا كَنِيسَةً وَالْعِنَبُ لِمَنْ يَعْصِرُهُ خَمْرًا.
مَسْأَلَةٌ: وَيُؤَدَّبُ مَنْ يَبِيعُ آلَاتِ اللَّهْوِ وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيُكْسَرُ وَيُؤَدَّبُ أَهْلُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الصُّوَرُ الْمَنْهِيُّ عَنْ اتِّخَاذِهَا إذَا كَانَ مَا فِيهَا تَبَعًا لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَبَعًا كَاَلَّتِي فِي الثِّيَابِ وَالْبُسُطِ جَازَ.
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا الْبَنَاتُ الَّتِي يَلْعَبُ بِهَا الْجَوَارِي، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَرْخَصَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي بَيْعِهَا. وَعَنْ مَالِكٍ: كَرَاهَتُهُ، وَرَأَى أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي اللَّعِبِ بِهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ تَتَّخِذُ مَتْجَرًا، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَخْرُوطَةً مُصَوِّرَةً مُخَلَّقَةً مُجَسَّدَةً لَهَا أَعْضَاءٌ، وَالْمُرَخَّصُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَنْقُوشًا فِيهَا بِالْمِدَادِ صُورَةُ الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ بَيْعُ الدَّوَّامَاتِ وَشَبَهِهَا لِلصِّبْيَانِ، اُنْظُرْ الْمُتَيْطِيَّةَ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ أَذِنَ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا؟ وَلَوْ عُلِمَ رِضَا آبَائِهِمْ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْكَرَاهَةِ وَجْهٌ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: يُنْهَى الَّذِي يَتَلَقَّى السِّلَعَ، فَإِنْ عَادَ أُدِّبَ وَلَا يُنْزَعُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ: تُنْزَعُ وَتُبَاعُ لِأَهْلِ السُّوقِ وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمْ، وَالْوَضِيعَةُ عَلَى الْمُتَلَقِّي لِئَلَّا يَسْتَبِدَّ أَهْلُ الْقُوَّةِ بِالسِّلَعِ دُونَ الضُّعَفَاءِ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ سَحْنُونٌ: سَأَلْت ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ الَّذِي يَبِيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، أَوْ يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَتِهِ، أَوْ يَتَلَقَّى الرُّكْبَانَ فَيَشْتَرِي مِنْهُمْ، أَوْ بَيْعَ حَاضِرٍ لِبَادٍ، قَالَ أَمَّا إذَا بَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ أَوْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ لَمْ أَرَ أَنْ يُفْسَخَ، وَرَأَيْت أَنْ يُؤَدَّبَ صَاحِبُ هَذَا الْبَيْعِ، وَأَمَّا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ فَأَرَى أَنْ يَمْضِيَ الْبَيْعُ وَيُؤَدَّبُ أَهْلُ ذَلِكَ.
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُفْسَخُ وَيُؤَدَّبُ الْحَاضِرُ إذَا بَاعَ لِلْبَادِي، زَادَ فِي رِوَايَةِ عِيسَى: إذَا كَانَ مُعْتَادًا.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُزْجَرُ وَلَا يُؤَدَّبُ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِمَكْرُوهِهِ، وَأَمَّا إنْ تَلْقَى الرُّكْبَانَ فَأَرَى أَنْ تُعْرَضَ
стр. 684
السِّلْعَةُ عَلَى أَرْبَابِهَا بِالثَّمَنِ، فَإِنْ أَخَذُوهَا بِهِ وَإِلَّا رَدُّوهَا عَلَى بَائِعِهَا، وَأَدَّبَهُ ضَرْبًا وَجِيعًا إلَّا أَنْ يُعْذَرَ بِجَهَالَةٍ. وَاخْتُلِفَ إذَا لَمْ يَقْصِدْ التَّلَقِّي وَإِنَّمَا مَرُّوا عَلَى بَابِهِ، فَقِيلَ: بِالْمَنْعِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي عَدَمِ الْقَصْدِ، مِنْ شَرْحِ الْجَلَّابِ.
مَسْأَلَةٌ: وَالنَّجَشُ فِي الْبَيْعِ مَمْنُوعٌ حَرَامٌ وَيَأْثَمُ فَاعِلُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ أُدِّبَ وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ ثَمَنًا فِي سِلْعَةٍ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ فِي شِرَائِهَا، بَلْ لِيَقْتَدِيَ بِهِ وَيَغُرَّ غَيْرَهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ غَشَّ فِي سِلْعَتِهِ أَهْلَ السُّوقِ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، إذَا كَانَ الْبَائِعُ هُوَ الَّذِي غَشَّ فِي السِّلْعَةِ، قِيلَ لَهُ: فَالزَّعْفَرَانُ وَالْمِسْكُ أَتَرَاهُ مِثْلُهُ؟ قَالَ: مَا أَشْبَهَهُ بِذَلِكَ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي غَشَّهُ فَأَرَاهُ مِثْلَ اللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ، يَعْنِي يَتَصَدَّقُ بِهِ.
وَسُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ هَذَا فَقَالَ: أَمَّا الشَّيْءُ الْخَفِيفُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا أَرَى بَأْسًا، وَأَمَّا إذَا كَثُرَ ثَمَنُهُ فَلَا أَرَى ذَلِكَ وَعَلَى صَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ، لِأَنَّهُ قَدْ تَذْهَبُ فِي ذَلِكَ أَمْوَالٌ عِظَامٌ، وَأَفْتَى ابْنُ الْقَطَّانِ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمَلَاحِمِ الرَّدِيئَةِ النَّسْجِ بِالْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ، وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِتَقْطِيعِهَا خِرَقًا وَإِعْطَائِهَا لِلْمَسَاكِينِ إذَا تَقَدَّمَ إلَى مُسْتَعْمَلِيهَا فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَقَدْ شَدَّدَ مَالِكٌ ﵁ الْكَرَاهَةَ فِي التِّجَارَةِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ لِجَرْيِ أَحْكَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَأُخِذَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا تَاجِرًا وَلَا غَيْرَهُ إلَّا الْمُفَادَاةُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ الْإِمَامُ النَّاسَ مِنْ ذَلِكَ، وَيُشَدِّدَ فِي ذَلِكَ وَيَجْعَلَ الرَّصْدَ فِيهِ، وَقَدْ اتَّفَقُوا أَنَّهُ إذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ فَإِنَّ ذَلِكَ جُرْحَةٌ فِيهِ، وَالْخِلَافُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ لِمَا فِيهِ مِنْ الذِّلَّةِ وَالصَّغَارِ، وَقَدْ أَوْجَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ إلَيْهِمْ لِلتِّجَارَةِ مِنْ الْكَبَائِرِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ سَحْنُونٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُبَاعُ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ آلَةُ الْحَرْبِ مِنْ دِرْعٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ سُرُوجٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يَتَّقُونَ بِهِ فِي الْحَرْبِ، قَالَ الْحَسَنُ: مَنْ حَمَلَ إلَيْهِمْ طَعَامًا فَهُوَ فَاسِقٌ، وَمَنْ حَمَلَ إلَيْهِمْ سِلَاحًا فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، أَيْ لَيْسَ بِكَامِلِ الْإِيمَانِ: وَقَالَ سَحْنُونٌ: وَمَنْ أَهْدَى إلَيْهِمْ سِلَاحًا فَهُوَ شَرِيكُهُمْ فِي جِهَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ بَاعَ مِنْهُمْ سِلَاحًا فَكَأَنَّمَا أَخَذَ رِشْوَةً عَلَى دِمَاءِ الْمُسْلِمِ، قَالَ
стр. 685
ابْنُ حَبِيبٍ لَا يُبَاعُ مِنْهُمْ السِّلَاحُ فِي هُدْنَةٍ وَلَا فِي غَيْرِ هُدْنَةٍ، وَأَمَّا الطَّعَامُ فَفِي الْهُدْنَةِ يَجُوزُ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَإِنْ بِيعَ مِنْهُمْ الطَّعَامُ فَإِنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِمْ مِنْ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: يُفْسَخُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا ابْتَاعَ الذِّمِّيُّ أَوْ الْمُعَاهَدُ مُسْلِمًا أَوْ مُصْحَفًا، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهِ مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا يُنْقَضُ شِرَاؤُهُ.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُفْسَخُ الْبَيْعُ وَيُعَاقَبُ، وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَلَوْ بَاعَهُ الذِّمِّيُّ نُقِضَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَدَاوَلَهُ الْأَمْلَاكُ، قَالَ اللَّخْمِيُّ: عُقُوبَةٌ لَهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَتَفْرِيقُ الْأُمِّ مِنْ وَلَدِهَا بِالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ أُمِّهِ، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ فَقِيلَ يُفْسَخُ وَيُعَاقِبَانِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَفِيهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَحِلِّهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الَّذِي يَبِيعُ كَرْمَهُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ أَنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ شِرَائِهِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمِ، قَالَ أَشْهَبُ: اُنْظُرْ فِي كِتَابِ السُّلْطَانِ مِنْ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ عِيسَى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ فَرَّقُوا بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْأُمَّهَاتِ مَنَعَهُمْ السُّلْطَانُ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَظَالُمٌ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا فِي الْبَهَائِمِ وَأَوْلَادِهَا: مِثْلَ أَوْلَادِ بَنِي آدَمَ، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْرِقَةِ الْأَبِ مِنْ وَلَدِهِ، وَمَنْعُ التَّفْرِقَةِ أَحْسَنُ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي جَوَازِ التَّفْرِقَةِ فِيمَا عَدَا الْأَبَوَيْنِ الْأَقَارِبِ كَالْجَدِّ وَالْجَدَّةِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ وَالْعَمِّ وَالْعَمَّةِ.
مَسْأَلَةٌ: فَإِذَا جَاعَ الرَّجُلُ وَبَاعَ امْرَأَتَهُ وَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ حَتَّى وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي أَنَّهُمَا يُعْذَرَانِ بِالْجُوعِ، وَتَكُونُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً حِينَ وَطِئَهَا غَيْرُهُ، وَلَوْ لَمْ يَجُعْ لَرَأَيْت أَنْ يُدْرَأَ الْحَدُّ عَنْهُمَا بِالشُّبْهَةِ، قَالَهُ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهَا صَدَاقٌ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لِشُبْهَةِ الشِّرَاءِ حِينَ أُسْقِطَ الْحَدُّ عَنْهُمَا، وَأَنَّهُ لِقَوْلٍ بَعِيدٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا بَاعَهَا فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ عَلَى مَا قِيلَ: إنَّهُ لَا يُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ فِي سَنَةِ الْمَجَاعَةِ.
стр. 686
وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَرَ الْعَمَلَ عَلَيْهِ، قَالَ أَصْبَغُ: وَلَسْت أَقُولُ بِهِ وَالْحَدُّ لَازِمٌ لَهُمَا وَلَا عُذْرَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ بِجُوعٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَرَاهَا بَائِنًا مِنْ زَوْجِهَا بِالثَّلَاثِ: لِأَنَّهَا كَالْمَوْهُوبَةِ، وَسَوَاءٌ وَطِئَهَا الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يَطَأْهَا، إذَا كَانَ بَيْعُهَا عَزْمًا مِنْ زَوْجِهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ زَوْجُهَا عَازِمًا عَلَى ذَلِكَ بَانَتْ مِنْهُ بِالثَّلَاثِ، وَطِئَهَا النَّاكِحُ أَوْ لَمْ يَطَأْهَا، غَيْرَ أَنَّ الْحَدَّ فِي النِّكَاحِ مَدْرُوءٌ عَنْهَا لِشُبْهَةِ النِّكَاحِ، لِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِإِنْكَاحِهَا إيَّاهُ، فَوَقَعَ نِكَاحُهَا وَبَيْنُونَتُهَا مِنْ زَوْجِهَا مَعًا فَدَرَأَتْ شُبْهَةُ النِّكَاحِ عَنْهَا الْحَدَّ، وَيَرْجِعُ هَذَا الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَيْهِ بِجَمِيعِ مَا أَصْدَقَهَا إلَّا رُبْعَ دِينَارٍ إذَا كَانَ جَاهِلًا، أَمَّا لَوْ عَلِمَ لَكَانَتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا أَعْطَاهَا، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَكَذَلِكَ يَرْجِعُ مُبْتَاعُ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، إنْ شَاءَ عَلَى الزَّوْجِ الْبَائِعِ وَإِنْ شَاءَ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَلَا يَدْعُ غَيْرَهُ، وَلَوْ كَانَ عَالِمًا كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَرَجَعَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ أَيْضًا.
مَسْأَلَةُ: لَوْ أَقَرَّ حُرٌّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ مَمْلُوكُهُ فَبَاعَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِالرِّقِّ، وَاقْتَسَمَا الثَّمَنَ ثُمَّ مَاتَ الْبَائِعُ وَثَبَتَتْ حُرِّيَّةُ الْمُقِرِّ رَجَعَ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْمُقِرِّ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عُقُوبَةً لَهُ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا أَخْرَجَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ فَبَاعَهُ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْأُمِّ وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِالْخُرُوجِ إلَى مَوْضِعِ الصَّبِيِّ وَاسْتِرْجَاعِهِ إلَى أُمِّهِ، فَإِنْ أَبَى مِنْ الْخُرُوجِ أُدِّبَ بِالسَّوْطِ وَالسِّجْنِ، وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، فَإِنْ خِيفَ أَنْ يَتَغَيَّبَ إذَا خَرَجَ أَخَذَ بِحَمِيلٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ سُجِنَ، وَقِيلَ: بَلْ يُسْجَنُ إلَى أَنْ يُحَضِّرَهُ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْأُمُّ أَمَتُهُ، فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَقِيلَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِي طَلَبِهِ، وَقِيلَ: بَلْ يُقَالُ لِأُمِّهِ: اُخْرُجِي إلَيْهِ إنْ شِئْت، وَيَكْتُبُ لَهَا الْحَاكِمُ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ أَنَّهَا أُمُّهُ، وَأَنْ يَحْمِلَهَا عَلَى مَا يَجِبُ لَهَا مِنْ زِيَارَتِهِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَيُؤَدَّبُ أَيْضًا بِمَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ.
[مَسْأَلَةٌ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ السِّمْسَارِ سِلْعَةً فَاسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي]
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ السِّمْسَارِ سِلْعَةً فَاسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ ظَهَرَ بِهَا عَيْبٌ فَلَا عُهْدَةَ عَلَى السِّمْسَارِ وَالتِّبَاعَةُ عَلَى رَبِّهَا، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ كَانَتْ مُصِيبَةُ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَرِي، قَالَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: فَإِذَا
стр. 687
سُئِلَ السِّمْسَارُ عَنْ رَبِّ السِّلْعَةِ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ، حَلَفَ أَنَّهُ مَا يَعْرِفُهُ، كَذَا رَأَيْت لِلْكَثِيرِ مِنْ أَشْيَاخِنَا قَالَ: وَيَنْبَغِي عَلَى أُصُولِهِمْ إنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ وَاسْتَرَابَ مِنْهُ السُّلْطَانُ أَنْ يُعَاقِبَهُ بِالسَّجْنِ عَلَى مَا يَرَاهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَوْقَفَ الْجَارِيَةَ لِلْبَيْعِ وَقَالَ: إنَّمَا أَبِيعُهَا عُرْيَانَةً، وَأَنْزِعُ عَنْهَا هَذَا الْإِزَارَ الَّذِي عَلَيْهَا فَاشْتَرَاهَا الْمُبْتَاعُ عَلَى ذَلِكَ فَالْبَيْعُ جَائِزٌ، وَيُعْطِيه إيَّاهَا بِمَا يُوَارِيهَا ذَلِكَ الْإِزَارَ أَوْ غَيْرَهُ، وَإِنْ أَبَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّفَ إيَّاهُ، فَإِنْ أَبَى فَالسَّوْطُ.
مَسْأَلَةٌ: وَالْمَنْعُ مِنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَتَأْدِيبِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمَنْعُ مِنْ الْحُكْرَةِ وَالتَّسْعِيرَةِ وَالْبَيْعِ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ وَشَبَهِ ذَلِكَ مِنْ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ وَهُوَ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ.
[فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ بَابِ الْمِدْيَانِ]
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا اتَّهَمَ الْحَاكِمُ الْمِدْيَانَ أَنَّهُ غَيَّبَ مَالًا أَطَالَ سَجْنَهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ، قَالَ سَحْنُونٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنَا فَقِيرٌ وَلَيْسَ ظَاهِرُهُ كَذَلِكَ وَيَأْتِي بِشُهُودٍ عَلَى أَنَّهُ فَقِيرٌ، إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُزَكُّوا فَإِنَّهُ يُسْجَنُ أَبَدًا حَتَّى تُزَكَّى شُهُودُهُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حَمِيلٌ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ فِي الْمُلِدِّ مِنْ الْخُصُومِ، وَذَكَرَ بِمَحْضَرِنَا عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ حَزْمٍ الْقَاضِي: أَنَّهُ عَلَّقَهُ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَقِيلَ لِأَشْهَبَ أَتَرَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْمُلِدُّ الظَّالِمُ فَنَعَمْ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَوَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَيُعَاقِبَ عَلَيْهِ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يُسْتَعْدَى عَلَى غَرِيمِهِ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ، أَنَّهُ يُحْبَسُ لَهُ بِالْمَعْرُوفِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْدَمًا لَا شَيْءَ لَهُ فَلَا يُحْبَسُ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي اللَّدَدُ مِنْ الْغَرِيمِ فَإِنَّهُ يَحْبِسُهُ، وَيُؤَدَّبُ بِالضَّرْبِ الْمُوجِعِ وَذَلِكَ إذَا اتَّهَمَهُ أَنَّهُ خَبَّأَ مَالًا أَوْ غَيَّبَهُ، وَيَحْبِسُهُ أَبَدًا حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْ يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُحْبَسُ الْحُرُّ وَلَا الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا يَسْتَبْرِئُ أَمْرَهُ، فَإِذَا اتَّهَمَهُ بِأَنَّهُ خَبَّأَ مَالًا حَبَسَهُ وَإِلَّا خَلَّى سَبِيلَهُ.
стр. 688
مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ سَحْنُونٌ: لَا يُمَكَّنُ الرَّجُلُ مِنْ دُخُولِ امْرَأَتِهِ إلَيْهِ فِي الْحَبْسِ وَإِنْ كَانَ مَسْجُونًا فِي حَقِّهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ السَّجْنِ التَّضْيِيقُ، وَلَا تَضْيِيقَ عَلَيْهِ مَعَ تَمْكِينِهِ مِنْ لَذَّتِهِ، وَلَوْ حُبِسَ الزَّوْجَانِ بِمَوْضِعٍ خَالٍ وَطَلَبَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: ذَلِكَ لِلزَّوْجَيْنِ، وَاسْتَحْسَنَ مَا قَالَهُ سَحْنُونٌ فِيمَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِاللَّدَدِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي بَيْعِ مِلْكِ الْغَرِيمِ وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: وَإِذَا أَثْبَتَ الطَّالِبُ مَالًا لِلْغَرِيمِ تُعَيِّنُهُ الْبَيِّنَةُ، وَحِيزَ عَنْهُ وَقَفَ الْغَرِيمُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَقَرَّ بِذَلِكَ الْمَالِ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِبَيْعِهِ وَقَضَى دَيْنَهُ، فَإِنْ أَبَى ضَيَّقَ عَلَيْهِ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ حَتَّى يَبِيعَ، وَلَا يَبِيعُهُ الْقَاضِي كَبَيْعِهِ عَلَى الْمُفْلِسِ، لِأَنَّ الْمُفْلِسَ ضُرِبَ عَلَى يَدَيْهِ وَمُنِعَ مِنْ مَالِهِ فَلِذَلِكَ بِيعَ عَلَيْهِ وَهَذَا بِخِلَافِهِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَإِنْ أَنْكَرَ الْغَرِيمُ الْمِلْكَ وَعَجَزَ عَنْ الدَّفْعِ فِي شَهَادَةِ مَنْ شَهِدَ لَهُ بِالْمِلْكِ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُوَثَّقِينَ: عِنْدِي أَنَّهُ يَبِيعُهُ عَلَيْهِ وَلَا يَضْطَرُّهُ إلَى بَيْعِ مَا يَنْتَفِي مِنْهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ مَالِكٌ: إذَا زَعَمَ الْغَرِيمُ أَنَّهُ أُصِيبَ مَالُهُ، وَشَهِدَ لَهُ شُهُودٌ أَنَّهُ مَا عِنْدَهُ شَيْءٌ أَرَى أَنْ يُسْجَنَ وَلَا يُعَجَّلَ سَرَاحُهُ مِنْ السِّجْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَا بُدَّ مِنْ سَجْنِ الْغَرِيمِ وَلَا يَتِمُّ التَّفْلِيسُ إلَّا بِهِ، وَإِنْ شَهِدَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عِنْدَهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ اللَّخْمِيُّ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغَرِيمَ مَحْمُولٌ عَلَى الْيَسَارِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِحَالِهِ وَلَا السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلدَّيْنِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ تَعَمَّدَ إتْلَافَ أَمْوَالِ النَّاسِ يُقَامُ مِنْ السُّوقِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: وَعَلَى هَذَا يُقَامُ لِلنَّاسِ كَمَا قِيلَ فِي السَّفِيهِ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا زَعَمَ الطَّالِبُ أَنَّ فِي مَسْكَنِ غَرِيمِهِ وَفَاءَ حَقِّهِ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ فِي الْأَحْكَامِ: وَقَدْ شَاهَدْت الْفُتْيَا وَالْحُكْمَ بِطُلَيْطُلَةَ، إذْ دَعَا الطَّالِبُ إلَى تَفْتِيشِ مَسْكَنِ الْمَطْلُوبِ عِنْدَ ادِّعَائِهِ الْعُدْمَ أَنْ يُفَتَّشَ مَسْكَنُهُ، فَمَا أُلْقِيَ فِيهِ مِنْ مَتَاعِ الرَّجُلِ بِيعَ عَلَيْهِ وَأُنْصِفَ الطَّالِبُ، لَا يَخْتَلِفُ فُقَهَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَكُنْت أُنْكِرُهُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَاسْتُبْصِرُوا فِيهِ وَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْهُ
стр. 689
فَسَأَلْت ابْنَ عَتَّابٍ عَنْهُ فَأَنْكَرَهُ وَلَمْ يَرَهُ، وَكَذَلِكَ أَنْكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَقَالَ لِي: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الَّذِي يُلْقَى فِي بَيْتِهِ وَدَائِعُ؟ فَقُلْت: ذَلِكَ مَحْمُولٌ عِنْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ حَتَّى يَثْبُتَ خِلَافُهُ، فَقَالَ: يَلْزَمُ إذًا تَوْقِيفُهُ وَالِاسْتِثْنَاءُ بِهِ حَتَّى يَعْلَمَ هَلْ لَهُ طَالِبٌ أَمْ لَا؟ وَأَعْلَمْت ابْنَ الْقَطَّانِ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي: مَا يَبْعُدُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ وَأَنَا أَرَاهُ حَسَنًا فِيمَنْ ظَاهِرُهُ الْإِلْدَادُ وَالْمَطْلُ وَاسْتِسْهَالُ الْكَذِبِ.
مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ اللَّخْمِيُّ عَنْ رَجُلٍ ادَّعَى عَلَى آخَرَ بِمَالٍ طَائِلٍ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَخْرَجَ الْمُدَّعِي صَحِيفَةً مَكْتُوبًا فِيهَا إقْرَارُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّهَا بِخَطِّ الْمَطْلُوبِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَطَلَبَ الْمُدَّعِي عَلَى أَنْ يُجْبَرَ الْمَطْلُوبُ، عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بِحَضْرَةِ الْعُدُولِ وَيُقَابِلُوا مَا كَتَبَهُ بِمَا أَظْهَرَهُ الْمُدَّعِي.
فَأَفْتَى اللَّخْمِيُّ: بِأَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى أَنَّهُ يُطِيلُ مَا يَكْتُبُ طُولًا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَعَهُ خَطًّا غَيْرَ خَطِّهِ.
وَأَفْتَى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ الصَّائِغِ: أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتَجَّ الْمَازِرِيُّ لِقَوْلِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بِأَنَّ إلْزَامَهُ بِذَلِكَ كَإِلْزَامِهِ إحْضَارَ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِمَا قَالَهُ خَصْمُهُ، وَأَشَارَ اللَّخْمِيُّ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْبَيِّنَةَ هُوَ يَقْطَعُ بِكَذِبِهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْعَى فِي أَمْرٍ يَقْطَعُ بِبُطْلَانِهِ، وَأَمَّا خَطُّهُ فَهُوَ صَادِرٌ عَنْهُ بِإِقْرَارِهِ، وَالْعُدُولُ يُقَابِلُونَ مَا يَكْتُبُهُ الْآنَ بِمَا يُحْضِرُهُ الْمُدَّعِي وَيَشْهَدُونَ بِمُوَافَقَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا تَغَيَّبَ الْخَصْمُ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَاخْتَفَى فِي دَارِهِ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ.
مَسْأَلَةٌ: لَا يُؤَاجَرُ الْغَرِيمُ فِي الدَّيْنِ، وَفَصَّلَ اللَّخْمِيُّ فَقَالَ: إنْ كَانَ الْغَرِيمُ تَاجِرًا فَلَا يُؤَاجَرُ فِيمَا عَلَيْهِ، قَالَ وَعَلَى هَذَا تَكَلَّمَ مَالِكٌ، وَإِنْ كَانَ صَانِعًا فَدَايَنَ لِيَعْمَلَ وَيَقْضِيَ مِنْ عَمَلِهِ، فَعُطِّلَ أُجْبِرَ عَلَى الْعَمَلِ وَإِنْ أَلَدَّ اُسْتُؤْجِرَ فِي صَنْعَتِهِ تِلْكَ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا طَلَبَ رَجُلٌ دَيْنَهُ مِنْ رَجُلٍ، فَاسْتَظْهَرَ الْمَطْلُوبَ بِالْعَقْدِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَقَالَ: دَفَعْت الْحَقَّ لِلطَّالِبِ وَأَخَذْت عَقْدِي، وَجَحَدَ الطَّالِبُ
стр. 690
وَادَّعَى أَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ، فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةٍ عَلَى الْوَثِيقَةِ اسْتِيفَاءَ الْحَقِّ، وَسَنَذْكُرُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْمِدْيَانِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَبْسِ الْمُمْتَنِعِ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ.
تَنْبِيهٌ: وَلَمَّا كَانَ الْحَبْسُ يَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ الْحُقُوقِ وَالْجِنَايَاتِ أَفْرَدْنَا لِلْكَلَامِ عَلَيْهِ فَصْلًا وَأَضَفْنَا إلَيْهِ مَسَائِلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
[فَصْلٌ فِيمَا وَقَعَ فِي بَابِ الْحَمَالَةِ]
مَسْأَلَةٌ: إذَا اُتُّهِمَ حَمِيلُ الْوَجْهِ بِمَعْرِفَةِ مَكَانِ الْمَطْلُوبِ وَحَلَفَ أَنَّهُ مَا قَصَّرَ فِي طَلَبِهِ وَلَا دَلَّسَ، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: إذَا قَوِيَتْ الدَّلَائِلُ فِي تُهْمَتِهِ بِمَعْرِفَةِ مَكَانِهِ وَأَنَّهُ لَهَى عَنْ طَلَبِهِ، وَفَرَّطَ فِي إحْضَارِهِ لَزِمَهُ غُرْمُ مَا عَلَيْهِ بِالتَّفْرِيطِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا أَرَادَ الْغَرِيمُ سَفَرًا فَتَعَلَّقَ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ وَأَنْت غَائِبٌ، وَطَلَبَ مِنْهُ حَمِيلًا فَإِنَّ الْإِمَامَ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ رَأَى أَنَّ الْأَجَلَ يَحِلُّ قَبْلَ قُدُومِهِ لِبُعْدِ الْمَكَانِ أَمَرَهُ بِالْحَمِيلِ وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ حَمِيلٌ، وَأُحْلِفَ بِاَللَّهِ مَا أَرَادَ سَفَرًا إلَّا سَفَرَ مِثْلِ مَا يَخْرُجُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيمَا يَزْعُمُ مِنْ ذَلِكَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
[فَصْلٌ وَوَقَعَ فِي بَابِ الرَّهْنِ مَسَائِلُ]
ُ مِنْهَا مَسْأَلَةٌ: إذَا رَهَنَ رَجُلٌ فِيمَا عَلَيْهِ رَهْنًا فَعَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ، وَيَجْبُرُهُ الْقَاضِي عَلَى دَفْعِ الرَّهْنِ وَيَحْبِسُهُ حَتَّى يَدْفَعَ ذَلِكَ، اُنْظُرْ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ دَفَعَ الْمُرْتَهِنُ إلَى الرَّاهِنِ رَهْنَهُ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ أَعْطَيْته رَهْنَهُ قَبْلَ أَنْ يُوفِيَنِي حَقِّي، فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ: أَرَى أَنَّهُ يَحْلِفُ الرَّاهِنُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا ادَّعَى رَبُّ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَكُونَ قَبَضَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ، وَقَالَ: دَفَعْت إلَيْهِ الرَّهْنَ عَلَى أَنْ يُوفِيَنِي حَقِّي فَلَمْ
стр. 691
يَفْعَلْ، وَفِي نَوَازِلِ سَحْنُونٍ أَنَّهُ إنْ قَامَ عَلَيْهِ بِقُرْبِ مَا دَفَعَ الرَّهْنَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا أَخَذَ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ الْغَرِيمِ رَهْنًا بِهِ ثُمَّ وُجِدَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: إنَّهُ سَقَطَ مِنِّي وَلَمْ أَدْفَعْهُ إلَيْهِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا كَانَ قِيَامُهُ عَلَيْهِ بِالْقُرْبِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا دَفَعَ الْغَرِيمُ دَيْنًا وَطَلَبَ رَهْنَهُ، فَجَاءَ الْمُرْتَهِنُ بِهِ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا رَهْنِي، لِأَنَّ دَيْنَك أَلْفٌ وَرَهَنْتُك مَا يُسَاوِيه، وَهَذَا لَا يُسَاوِي مِائَةً، قَالَ أَصْبَغُ: إذَا تَبَايَنَ هَكَذَا رَأَيْت الْقَوْلَ قَوْلَ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ.
وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: أَنَّ قَوْلَ أَشْهَبَ شَاذٌّ مُنْحَرِفٌ عَنْ الْقِيَاسِ.
مَسْأَلَةٌ: وَالرَّهْنُ كَالشَّاهِدِ عَلَى مَبْلَغِ الدَّيْنِ، وَالْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الرَّهْنِ عَلَى مَبْلَغِ الدَّيْنِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ رَهَنَ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ فَلَا بُدَّ مِنْ جَمْعِ الرَّاهِنِ بَيْنَ الْمُرْتَهِنِ. وَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ الْمَرْهُونُ لِيُقِرَّ بِالدَّيْنِ وَيَلْزَمَ أَنْ لَا يَدْفَعَ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ تَخْلِيصِ الْمُرْتَهِنِ بِحَقِّهِ، فَإِنْ دَفَعَ الدَّيْنَ لِلرَّاهِنِ تَعَدِّيًا غَرِمَ الدَّيْنَ ثَانِيًا لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ.
مَسْأَلَةٌ: وَسُئِلَ أَشْهَبُ عَنْ رَجُلٍ أَتَى مَكَّةَ وَقَصْدَ إلَى زَمْزَمَ، فَوَجَدَ رَجُلًا مَعَهُ قَدَحٌ فَقَالَ: نَاوِلْنِي قَدَحَك هَذَا، فَقَالَ لَهُ: إنِّي أَخَافُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا كِسَائِي عِنْدَك حَتَّى أَعُودَ إلَيْك بِهِ، فَوَضْعَ الْكِسَاءَ وَأَخَذَ الْقَدَحَ ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَجِدْ الرَّجُلَ، قَالَ: لَوْ أَتَى السُّلْطَانَ حَتَّى يَأْمُرَهُ إنْ كَانَ صَادِقًا أَنْ يَبِيعَ الْقَدَحَ وَيَقْبِضَ ثَمَنَهُ مِنْ ثَمَنِ الثَّوْبِ، قِيلَ لَهُ: هُوَ صَادِقٌ وَهَذَا صَحِيحٌ، أَفَلَا يَقْبِضُ دُونَ السُّلْطَانِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَيَأْمُرُهُ السُّلْطَانُ، قَالَ نَعَمْ يَأْمُرُهُ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ عَلَى الْغَائِبِ وَيَقُولُ لَهُ: إنْ كُنْت صَادِقًا فَافْعَلْ، فَإِنْ جَاءَ الرَّجُلُ كَانَ عَلَى خُصُومَتِهِ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ صَحِيحَةٌ عَلَى أُصُولِهِمْ، فَإِنْ بَاعَ الْقَدَحَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ مِنْ ثَمَنِ كِسَائِهِ، فَقَدِمَ صَاحِبُ الْقَدَحِ بِالْكِسَاءِ وَأَقَرَّ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ الَّذِي بَاعَهُ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا مَا بَاعَ بِهِ الْقَدَحَ لِبَيْعِهِ إيَّاهُ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ، وَلَوْ بَاعَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ كَانَتْ لَهُ قِيمَتُهُ وَهَذِهِ سِيَاسَةٌ وَلَيْسَتْ بِحُكْمٍ.
стр. 692
[فَصْلٌ وَوَقَعَ فِي بَابِ الْغَصْبِ]
ِ مَسَائِلُ تَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ هَذَا الْقَسَمِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ مَعَ رَدِّ مَا أَخَذَ الْأَدَبُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ لِيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ، وَلَا يُسْقِطُ مِنْهُ عَفْوُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْغَاصِبُ غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْأَدَبُ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْإِمَامَ يُؤَدِّبُ الصَّغِيرَ الَّذِي يَعْقِلُ مِثْلَ هَذَا، كَمَا يُؤَدَّبُ الصَّغِيرُ فِي الْمَكْتَبِ.
[فَصْلٌ وَوَقَعَ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ]
مَسْأَلَةٌ: إذَا اسْتَحَقَّتْ أَمَةٌ مِنْ رَجُلٍ فَأَرَادَ الْمُسْتَحَقُّ مِنْهُ أَنْ يَضَعَ قِيمَتَهَا، وَأَنْ يَذْهَبَ فَيُطَالِبُ بِهَا الَّذِي اشْتَرَاهَا مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَمِينًا مِنْ مَالِهِ لِيَتَوَجَّهَ بِهَا مَعَهُ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَتْ جَارِيَةٌ الْحُرِّيَّةَ وَذَكَرَتْ أَنَّهَا مِنْ مَوْضِعٍ سَمَّتْهُ، وَأَنَّ مُتَغَلِّبًا بِتِلْكَ الْجِهَةِ أَغَارَ عَلَيْهِمْ فَسَبَاهَا فِيمَنْ سَبَى وَأَنَّهَا حُرَّةٌ وَعُلِمَ صِحَّةُ مَا ذَكَرَتْ مِنْ التَّغَلُّبِ عَلَى أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَذَكَرَ الَّذِي هِيَ بِيَدِهِ أَنَّهُ ابْتَاعَهَا فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ الَّذِي زَعَمَتْ أَنَّهَا مِنْ أَهْلِهِ، فَهَلْ يَكُونُ إثْبَاتُ الرِّقِّ عَلَى الَّذِي أُلْقِيَتْ بِيَدِهِ أَمْ عَلَيْهَا هِيَ إثْبَاتُ الْحُرِّيَّةِ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَلِيَدٍ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عِيسَى عَلَى الْمُدَّعِي لِرِقِّهَا إثْبَاتَ دَعْوَاهُ لِتَصْدِيقِهِ إيَّاهَا عَلَى ذِكْرِ النَّاحِيَةِ، وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ بِهَذَا.
وَقَالَ رَبِيعَةُ تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ لِمَا يُحْدِثُونَ.
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: الْبَيِّنَةُ عَلَى مُدَّعِيَةِ الْحُرِّيَّةِ إذْ هِيَ فِي مِلْكِ الرَّجُلِ مَعْرُوفَةُ الرِّقِّ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْأَعْلَى يُفْتِي بِغَيْرِ هَذَا لِفَسَادِ الزَّمَانِ وَلَسْت أَرَاهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى: مَا وَقَعَ فِي مَسَائِلِ ابْنِ زَرْبٍ فِي عَبْدٍ زَعَمَ أَنَّهُ حُرٌّ وَعُلِمَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي بَلَدٍ بَيْعُ الْأَحْرَارِ فِيهَا فَاشٍ، قَالَ ابْنُ زَرْبٍ يَخْرُجُ الْمَمْلُوكُ عَنْ يَدِ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْتَاعَهُ مِمَّنْ كَانَ لَهُ مِلْكًا، فَجَعَلَ الْإِثْبَاتَ عَلَى السَّيِّدِ، قَالَ وَبِذَلِكَ كَانَ شُيُوخُ بَلَدِنَا يُفْتُونَ فِيمَا يَقَعُ بِبَلَدِ ابْنِ حَفْظُونٍ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهَا بَيْعُ الْأَحْرَارِ، فَكَانُوا يُكَلِّفُونَ السَّيِّدَ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ ابْتِيَاعِهِ.
стр. 693
مَسْأَلَةٌ: إذَا جَعَلَ ظَالِمٌ مَغْرَمًا عَلَى جَوَازِ طَرِيقٍ وَكَانَ لَا بُدَّ مِنْهُ، مَنْ أَدَّى عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْئًا رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنْ زِيَادَاتِ مَعِينِ الْحُكَّامِ.
[فَصْلٌ فِي بَابِ الصُّلْحِ]
ِ مَسْأَلَةٌ: إذَا أَقَرَّ الْغَرِيمُ فِي السِّرِّ وَجَحَدَ فِي الْعَلَانِيَةِ فَصَالَحَهُ، صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى أَنْ يُؤَخِّرَهُ سَنَةً وَيُقِرَّ لَهُ، وَأَشْهَدَ الطَّالِبُ أَنَّهُ إنَّمَا يُصَالِحُهُ لِغَيْبَةِ بَيِّنَتِهِ، فَإِذَا قَدِمَتْ قَامَ بِهَا فَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُهُ وَيَجْحَدُهُ وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يَنْفَعُهُ مَا أَشْهَدَ بِهِ فِي السِّرِّ، وَقَدْ أَبْطَلَ مَالِكٌ الْبَيِّنَةَ إذَا وَجَدَهَا بَعْدَ الصُّلْحِ قَالَ: إلَّا أَنْ يُقِرَّ بَعْدَ الْإِنْكَارِ فَيُؤْخَذُ بِبَاقِي الْحَقِّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يَنْفَعُ إشْهَادُ السِّرِّ إلَّا عَلَى مَنْ لَا يُنْتَصَفُ مِنْهُ كَالسُّلْطَانِ وَالرَّجُلِ الْقَاهِرِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَإِشْهَادُ السِّرِّ بَاطِلٌ، وَفِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِرْعَاءِ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فِي حِرَابَةٍ فَأُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ لَمْ يَجُزْ عَفْوُ الْأَوْلِيَاءِ وَلَا صُلْحُهُمْ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ. مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ إنْ صَالَحُوهُ، وَقَدْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، فَصُلْحُهُمْ جَائِزٌ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَتُبْ حَتَّى قُدِرَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ حَدَّ الْحِرَابَةِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى.
مَسْأَلَةٌ: إذَا صَالَحَهُ عَلَى الْإِنْكَارِ وَذَكَر أَنَّ الْوَثِيقَةَ الْمَشْهُودَ فِيهَا بِالدَّيْنِ قَدْ ضَاعَتْ ثُمَّ وَجَدَ الْوَثِيقَةَ بَعْدَ الصُّلْحِ فَلَهُ الْقِيَامُ بِلَا خِلَافٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ شَيْئًا فِي ذِمَّتِهِ أَوْ فِي يَدِهِ، فَأَنْكَرَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَصَالَحَهُ الْمُدَّعِي عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ، فَلَهُ الْقِيَامُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي أَحْضِرْ الْوَثِيقَةَ وَخُذْ حَقَّك، فَقَالَ: قَدْ ضَاعَتْ وَأَنَا أُصَالِحُك، فَفَعَلَ ثُمَّ وَجَدَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ رُجُوعٌ بِشَيْءٍ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ.
стр. 694
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي الشَّرِكَةِ]
مَسْأَلَةٌ: إذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ: ضَاعَ الْمَالُ مِنِّي، فَقَيَّدَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ الْإِنْكَارَ بِالشَّهَادَةِ ثُمَّ قَالَ دَفَعْته إلَيْهِ فَقَيَّدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: إنَّمَا دَفَعْته مِنْ مَالِي بَعْدَ الضَّيَاعِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّهُ لَا يَصَدَّقُ وَأَرَاهُ ضَامِنًا.
مَسْأَلَةٌ: وَقَالَ فِي ثَلَاثَةِ شُرَكَاءَ وَلِيَ أَحَدُهُمْ بَيْعَ السِّلْعَةِ وَقَبْضَ ثَمَنِهَا، فَقَالَ شَرِيكَاهُ: أَعْطِنَا حَقَّنَا مِنْهَا، فَقَالَ نَعَمْ هُوَ فِي كُمِّي أَتَسَوَّقُ بِهِ، ثُمَّ أُعْطِيكُمْ، فَذَهَبَ ثُمًّ أَتَى فَقَالَ: قُطِعَتْ مِنْ كُمِّي أَنَّهُ ضَامِنٌ إذْ سَأَلُوهُ فَلَمْ يَفْعَلْ.
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي الْوَكَالَةِ]
إذَا خَاصَمَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَقَعَدَ مَعَ الْخَصْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ إلَّا أَنْ يَمْرَضَ أَوْ يُرِيدَ سَفَرًا، قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ وَيَحْلِفُ أَنَّهُ مَا اسْتَعْمَلَ السَّفَرَ لِيُوَكِّلَ، فَإِنْ نَكَلَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فَالْيَمِينُ هُنَا مِنْ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَقَالَ ابْنُ الْفَخَّارِ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَهُ أَنْ يُوَكِّلَ إذَا أَخْرَجَهُ خَصْمُهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يُخَاصِمُهُ بِنَفْسِهِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يُخَاصِمُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ.
مَسْأَلَةٌ: كَانَ سَحْنُونٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَقْبَلُ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ وَكِيلًا إلَّا لِعُذْرٍ، كَامْرَأَةٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهَا أَوْ مَرِيضٍ أَوْ مُرِيدٍ سَفَرًا، وَمَنْ كَانَ فِي شُغْلِ الْأَمِيرِ كَالْحَاجِبِ وَنَحْوِهِ، أَوْ كَانَ عَلَى خُطَّةٍ لَا يَسْتَطِيعُ مُفَارَقَتِهَا كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحُجَّةِ وَغَيْرِهَا.
وَفِي هَذَا سَدُّ كَثِيرٍ مِنْ ذَرَائِعِ الْفَسَادِ، وَالْمَشْهُورُ الْمَعْمُولُ بِهِ أَنَّ الْوَكَالَةَ تُقْبَلُ مِنْ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ، لَكِنْ إذَا رَأَى الْقَاضِي أَنَّ تَوْكِيلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَدَدٌ وَلَيٌّ مِنْ الِانْقِيَادِ لِلشَّرْعِ فَيَنْبَغِي لَهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِ سَحْنُونٍ، فَقَدْ كَانَ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ وَمِنْ قُضَاةِ الْعَدْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
مَسْأَلَةٌ: وَمَسَائِلُ التَّعَدِّي فِي بَابِ الْوَكَالَةِ وَاخْتِلَافِ الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ]
وَبَابُ الْإِقْرَارِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَبْوَابِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَسَائِلِ السِّيَاسِيَّةِ وَاسْتِيعَابُهَا يَطُولُ.
стр. 695
مَسْأَلَةٌ: وَصِيغَةُ الْإِقْرَارِ تَكُونُ بِاللَّفْظِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ إشَارَاتٍ وَالْكِتَابَةِ وَالسُّكُوتِ، فَالْإِشَارَةُ تَكُونُ مِنْ الْأَبْكَمِ وَمِنْ الْمَرِيضِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ: لِفُلَانٍ عِنْدَك كَذَا فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَهُوَ إقْرَارٌ، وَلَوْ كَتَبَ رِسَالَةً لِرَجُلٍ بِأُمُورٍ أَنْفَذَ مَا فِيهَا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ خَطُّهُ وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا، وَيُؤْخَذُ بِالْمَالِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ خَلَا الْحُدُودَ، فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهَا إذْ يُؤْخَذُ بِغُرْمِ السَّرِقَةِ وَلَا يُقْطَعُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا، وَذَكَرْنَا حُكْمَ الْكِتَابَةِ وَالسُّكُوتِ، وَإِقْرَارُ الرَّشِيدِ الْبَالِغِ الطَّائِعِ لَازِمٌ، وَإِقْرَارُ الْمُكْرَهِ لَا يَلْزَمُهُ وَكَذَلِكَ الصَّغِيرِ، وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ فِي السَّرِقَةِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَذَلِكَ فِي الزِّنَا، وَأَمَّا مَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ ثُمَّ عَقَّبَ الْإِقْرَارَ بِمَا يُبْطِلُهُ وَيَرْفَعُ حُكْمَهُ بَطَلَ، إلَّا أَنْ يُخَالِفَهُ الْمُقَرُّ لَهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: عِنْدِي أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ الطَّالِبُ بَلْ هِيَ مِنْ ثَمَنِ بُرٍّ، فَتَلْزَمُ الْمُقِرَّ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ أَلْفٌ بَاطِلًا وَزُورًا، فَقَالَ الطَّالِبُ كِذْبٌ قَوْلُهُ بَاطِلًا وَزُورًا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَازِمٌ لِلْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ، وَلَوْ قَالَ: أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خِنْزِيرٍ ثُمَّ بَيَّنَهُ أَنَّهُ مِنْ مُعَامَلَةِ رِبَوِيٍّ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ، لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ بِالْأَلْفِ كَذَّبَ كُلَّ بَيِّنَةٍ تَقُومُ لَهُ فَيَلْزَمُ الْمَالَ وَيُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ.
وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ وَيُرَدُّ إلَى رَأْسِ مَالِهِ، وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ مَذْكُورٌ فِي مَحِلِّهِ، وَكَذَلِكَ الْأَقَارِيرُ الْمُتَّهَمُ فِيهَا بِالتَّوْلِيجِ لِوَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَصَدِيقِهِ الْمُلَاطِفِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ الْإِقْرَارِ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ.
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ]
مَسْأَلَةٌ: الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ هُوَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ، وَيُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى تَسَلُّمِ الْحِصَّةِ الْمُسْتَشْفَعِ فِيهَا، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: إذَا كَتَمَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ فَإِنْ ذَكَرَ مَا يُشْبِهُ وَإِلَّا فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ فِي أَخْذِ الشِّقْصِ وَلَا يَدْفَعُ شَيْئًا حَتَّى يَثْبُتَ الثَّمَنُ، فَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ سُجِنَ، وَفِيهَا مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالسِّيَاسَةِ إذَا أَظْهَرَا ثَمَنًا وَأَخْفَيَا غَيْرَهُ، وَاحْتَالَ الْمُشْتَرِي بِحِيلَةٍ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الْقِرَاضِ]
ِ، إذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ عَالِمًا، فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَى الْعَامِلِ وَيُغَرَّمُ ثَمَنَهُ وَحِصَّتَهُ مِنْ رِبْحِ الْمَالِ إنْ كَانَ لَهُ رِبْحٌ، وَوَلَاؤُهُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَإِنَّمَا أُغْرِمَ ذَلِكَ لِتَعَدِّيهِ.
[فَصْلٌ وَمِمَّا يَقَعُ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ]
стр. 696
مَسْأَلَةٌ: فِي مُسْتَأْجَرِ الدَّارِ يُطَّلَعُ مِنْهُ عَلَى سَرِقَةٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ فِسْقٍ، فَإِنَّ الْإِمَامَ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنْ الْجِيرَانِ وَعَنْ رَبِّ الدَّارِ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُخْرِجَهُ أَخْرَجَهُ وَأَكْرَاهَا عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ الْكِرَاءُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَلِكَ إذَا أَظْهَرَ الطَّنَابِيرَ وَالزَّمْرَ وَشُرْبَ الْخَمْرِ وَبَيْعِهَا فَيَمْنَعُهُ وَيُعَاقِبُهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ أَخْرَجَهُ وَأَكْرَاهَا عَلَيْهِ وَلَا يُفْسَخُ الْكِرَاءُ وَقَالَهُ مَالِكٌ، وَالْفَاسِقُ يُعْلِنُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي دَارِ نَفْسِهِ أَنَّهُ يُعَاقِبُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ بَاعَ عَلَيْهِ الدَّارَ ابْنُ شَاسٍ، وَإِذَا رَأَى أَنْ يُكْرِيَهَا عَلَيْهِ فَعَلَ ثُمَّ لَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى حُضُورِ مَنْ يُكْرِيهَا، بَلْ يُخْرِجُهُ وَيُؤَدِّي الْأُجْرَةَ وَيَنْتَظِرُ حُضُورَ الرَّاغِبِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ اسْتَأْجَرَ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ فَوَجَدَهُ سَارِقًا فَلَهُ الرَّدُّ بِخِلَافِ الْمُسَاقِي يُوجَدُ سَارِقًا.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ اكْتَرَى أَرْضًا سَنَةً فَقَبَضَهَا ثُمَّ غَصَبَهَا مِنْهُ السُّلْطَانُ فَمُصِيبَتُهَا مِنْ رَبِّهَا وَلَا كِرَاءَ لَهُ فِيمَا بَقِيَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَوَاءٌ غَصَبَ الدَّارَ مِنْ أَصْلِهَا أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْهَا وَسَكَّنَهَا لَا يُرِيدُ إلَّا السُّكْنَى حَتَّى يَرْتَحِلَ قَالَ: وَكَذَلِكَ الْحَوَانِيتُ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ أَنْ يُغَلِّقَهَا وَقِيلَ: الْمُصِيبَةُ مِنْ الْمُكْتَرِي، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَغْصِبَ أَصْلَ الدَّارِ فَمُصِيبَتُهَا مِنْ رَبِّهَا، وَإِنْ غَصَبَ السُّكْنَى فَمِنْ الْمُكْتَرَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَارِثٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ: فِي أَجِيرِ الْفِرَاءِ يَبِيعُ الْفَرْوَ مُدَّعِيًا أَنَّهُ لَهُ مِمَّا عَمِلَ لِنَفْسِهِ، وَيُنْكِرُ ذَلِكَ الْمُسْتَأْجَرُ لَهُ، فَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ يَعْمَلُ لِنَفْسِهِ وَيَبِيعُ وَهُوَ أَجِيرٌ كَمَا هُوَ فَالثَّمَنُ لَهُ كَانَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ أَنَّ الَّذِي ادَّعَاهُ الْأَجِيرُ لَيْسَ كَمَا ادَّعَى.
مَسْأَلَةٌ: حَارِسُ الْأَنْدَرِ وَالدُّورِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا سَرَقَ إلَّا أَنْ تُلْجِئَ قَوْمًا ضَرُورَةٌ إلَى مَنْ يُخَافُ عَلَى الطَّعَامِ مِنْهُ فَيَسْتَأْجِرُوهُ لِشَرِّهِ أَوْ لِيَدْفَعَ شَرَّ قَوْمٍ آخَرِينَ فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، أَوْ تُعْلَمُ مِنْهُ الْخِيَانَةُ فَيَضْمَنُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْبَيَانِ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَإِذَا عُثِرَ عَلَى إجَارَةِ مِثْلَ، الْمِزْمَارِ وَالْعُودِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فُسِخَتْ الْإِجَارَةُ فَإِنْ كَانَ دَفَعَ الْأُجْرَةَ فَقِيلَ تُرَدُّ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ وَقِيلَ تُؤْخَذُ وَيُتَصَدَّقُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُعْثَرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى فَاتَتْ الْأُجْرَةُ بِالْعَمَلِ فَيُؤَدَّبَانِ جَمِيعًا، وَيُتَصَدَّقُ بِالْأُجْرَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ قُبِضَتْ أَوْ لَمْ تُقْبَضْ أَدَبًا لَهُمَا.
стр. 697
مَسْأَلَةٌ: إذَا اسْتَرْشَدَ رَجُلٌ صَيْرَفِيًّا فِي دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ طَيِّبٌ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ رَدِيءٌ، أَوْ أَرَادَ شِرَاءَ ثَوْبٍ فَسَأَلَ الْخَيَّاطَ هَلْ يَكْفِيه فَقَالَ: نَعَمْ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَكْفِيه فَاشْتَرَاهُ، أَوْ دَلَّهُ عَلَى جَرَّةِ زَيْتٍ فَصَبَّ زَيْتَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا مَكْسُورَةٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ دَلَّ رَجُلًا عَلَى مَالِ رَجُلٍ مَدْفُونٍ فَفِي ضَمَانِهِمْ قَوْلَانِ، وَالْأَدَبُ وَالْعُقُوبَةُ لَازِمَةٌ لَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ إنْ دَلَّ عَلَى الْمَالِ بِالْقَوْلِ، وَأَمَّا إنْ مَشَى إلَيْهِ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ فَقَالُوا: إنَّهُ يَضْمَنُ وَهُوَ فِي زِيَادَاتِ مَعِينِ الْحُكَّامِ، وَكَذَا مَنْ تَصَدَّى لِدَلَالَةِ الطَّرِيقِ وَهُوَ جَاهِلٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ وَلَا شَيْءَ لَهُ.
[فَصْلٌ وَوَقَعَ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي الشَّرِيكَيْنِ يَطْلُبُ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ وَيَتَغَيَّبُ الْآخَرُ، قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ وَلِيَدٍ وَابْنُ غَالِبٍ: إذَا تَوَرَّكَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ عَنْ الْحُضُورِ لِلْقِسْمَةِ وَظَهَرَ ذَلِكَ لِلْقَاضِي بِاتِّصَالِ تَوَرُّكِهِ أَوْ بِطُولِ التَّرَدُّدِ فِي طَلَبِهِ لِحُضُورِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَحْضُرْ أَمَرَ الْقَاضِي بِالْقَسَمِ عَلَيْهِ وَأَقَامَ لَهُ وَكِيلًا يَقْبِضُ لَهُ نَصِيبَهُ فَيَبْعَثُ الْقَاضِي قَاسِمًا يَرْضَاهُ، وَرَجُلَيْنِ مِمَّنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الشَّرِيكَيْنِ يَحْضُرَانِ الْقَسْمَ، وَوَكِيلًا يُقِيمُهُ وَيُوَكِّلُهُ لِلْغَائِبِ وَكَالَةً يَشْهَدُ لَهُ الْقَاضِي بِهَا، وَيَذْكُرُ فِي كِتَابِ الْقَسْمِ الْمَعْنَى الَّذِي وَكَّلَهُ لِأَجْلِهِ مِنْ ثُبُوتِ التَّوَرُّكِ عِنْدَهُ، فَمَا حَصَلَ لِلْغَائِبِ قَبَضَهُ وَكِيلُهُ وَكَانَ قَبْضُهُ لَهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي كَقَبْضِهِ لِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ حَاضِرًا.
مَسْأَلَةٌ: إذَا قُسِّمَ الْمَاءُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِالْقِدْرِ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: إنَّمَا يَجِبُ لِي قِدْرَانِ، وَأَرْضِي بَعِيدَةٌ عَنْ مَخْرَجِ الْمَاءِ فَإِذَا سَرَحَ الْقِدْرُ إلَى أَرْضِي شَرِبَ ذَلِكَ أَسْفَلُ السَّوَاقِي وَمَاذِيَانَاتِهَا وَهِيَ جَنْبَاتُهَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى أَرْضِي فَأَخِّرُوا نَصِيبِي، فَالْعَدْلُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُقَدَّمُ صَاحِبُ النَّصِيبِ حَتَّى تُرْوَى أَسْفَلُ السَّوَاقِي وَجَنْبَاتُهَا، وَقِيلَ: إنَّمَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْمَاءَ فِي أَدْنَى رَأْسِ أَرْضِهِ، مِنْ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ فِي بَابِ الْبَيْعِ.
مَسْأَلَةٌ: وَالْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا تَنْقَسِمُ أَوْ فِي قِسْمَتِهَا ضَرَرٌ، يَجُوزُ أَنْ يُجْبَرَ عَلَى الْبَيْعِ مَنْ أَبَاهُ إذَا طَلَبَ الْبَيْعَ أَحَدُهُمَا وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ وَإِنَّمَا جُبِرَ عَلَى الْبَيْعِ مَنْ أَبَاهُ دَفَعَا لِلضَّرَرِ اللَّاحِقِ لِلطَّالِبِ، لِأَنَّهُ إذَا بَاعَ نَصِيبَهُ مُفْرَدًا نَقَصَ ثَمَنُهُ وَإِذَا قُلْنَا: يُجْبَرُ مَنْ أَبَى الْبَيْعَ. فَإِنَّهُ إذَا وَقَفَ الْمَبِيعُ عَلَى ثَمَنٍ وَأَرَادَ طَالِبُ الْبَيْعِ أَخْذَهُ بِمَا وَقَفَ عَلَيْهِ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ.
стр. 698
لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ يَتَحَيَّلُونَ بِطَلَبِ الْبَيْعِ إلَى إخْرَاجِ النَّاسِ عَنْ أَمْلَاكِهِمْ، وَأَمَّا إنْ طَلَبَ الشِّرَاءَ مَنْ أَبَى الْبَيْعَ فَلَهُ ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرُوا صُوَرًا أَجَازُوا فِيهَا لِطَالِبِ الْبَيْعِ الْأَخْذَ بِمَا انْتَهَى إلَيْهِ الثَّمَنُ يَطُولُ ذِكْرُهَا.
[فَصْلٌ وَوَقَعَ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ]
مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ ثِيَابًا فَأَنْكَرَ، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ أَعْكَامًا لَا يَدْرُونَ مَا فِيهَا وَيَظُنُّونَهَا ثِيَابًا فَفِي الطُّرَرِ أَنَّهُ يُسْجَنُ وَيُهَدَّدُ، فَإِنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ وَإِلَّا حَلَفَ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا يُشْبِهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ مِثْلَهُ، وَيَأْخُذُهُ بِذَلِكَ وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُحَلِّفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْرِئَ أَمْرَهُ بِالضَّرْبِ وَالسَّجْنِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ فِيهِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ غَرَامَةِ الْمَالِ.
[فَصْلٌ وَوَقَعَ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ]
مَسْأَلَةٌ: فِي الْخَادِمِ أَوْ الرَّجُلِ الْحُرِّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَسْتَعِيرُهُمْ حُلِيًّا، وَيَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَهُ بَعَثُوهُ فَيُعِيرُونَهُ فَيَهْلِكُ الْحُلِيُّ مِنْهُ وَيَجْحَدُ أَهْلُهُ أَنْ يَكُونُوا بَعَثُوهُ، أَوْ يُقِرُّونَ أَنَّهُمْ بَعَثُوهُ، وَأَنَّ الْمَتَاعَ هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: إنْ صَدَّقَهُ الَّذِينَ بَعَثُوهُ فَهُمْ ضَامِنُونَ وَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّسُولِ، وَإِنْ جَحَدُوا وَحَلَفُوا مَا بَعَثُوهُ وَحَلَفَ الرَّسُولُ إنْ كَانَ حُرًّا لَقَدْ بَعَثُوهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ الَّذِينَ بَعَثُوهُ لَمْ يُقِرُّوا بِشَيْءٍ، وَلِأَنَّ الرَّسُولَ قَدْ صَدَّقَهُ الَّذِينَ أَعْطَوْهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الرِّسَالَةِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ الْيَمِينِ أَنَّهُمْ بَعَثُوهُ، وَإِنْ زَعَمَ الرَّسُولُ أَنَّهُ أَوْصَلَهُ إلَى الَّذِينَ بَعَثُوهُ وَجَحَدُوا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَيْهِ إلَّا الْيَمِينُ وَيَبْرَءُونَ وَقَالَ أَشْهَبُ: إنْ زَعَمَ الْعَبْدُ أَنَّهُ أَوْصَلَ ذَلِكَ إلَى سَيِّدِهِ وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، قَالَ: أَرَاهُ فَاجِرًا خِلَافًا وَذَلِكَ جِنَايَةٌ فِي رَقَبَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ أَقَرَّ السَّيِّدُ غُرِّمَ، وَإِنْ أَنْكَرَ كَانَ ذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ خَدَعَ الْقَوْمَ.
[فَصْلٌ وَوَقَعَ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ]
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ قُضَاتِهِ وَعُمَّالِهِ مَا وَجَدَ فِي أَيْدِيهِمْ زَائِدًا عَلَى مَا ارْتَزَقُوهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَأَنَّهُ يُحْصِي مَا عِنْدَ الْقَاضِي حِينَ وِلَايَتِهِ وَيَأْخُذُ مِنْهُ مَا اكْتَسَبَهُ زَائِدًا عَلَى رِزْقِهِ، وَتَأَوَّلَ أَنَّ مُقَاسَمَةَ عُمَرَ ﵁ وَمُشَاطَرَتِهِ لِعُمَّالِهِ كَأَبِي مُوسَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ
стр. 699
- ﵄، إنَّمَا كَانَتْ لَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْهِ مِقْدَارُ مَا اكْتَسَبُوا بِالْعِمَالَةِ مِنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ.
مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ الْفِرَاسَةَ وَيُرَاقِبَ أَحْوَالَ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَ الْإِدْلَاءِ بِالْحُجَجِ وَدَعْوَى الْحُقُوقِ فَإِنْ تَوَسَّمَ فِي أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ أَبْطَنَ شُبْهَةً فَلِيَتَلَطَّفْ فِي الْكَشْفِ وَالْفَحْصِ عَنْ حَقِيقَةِ مَا تَوَهُّمَ فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ أَوَّلَ الْكِتَابِ فِي سِيرَةِ الْقَاضِي مَعَ الْخُصُومِ فَانْظُرْهُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ قَالَ سَحْنُونٌ: يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَشْتَدَّ حَتَّى يَسْتَنْطِقَ الْحَقَّ، وَلَا يَدْعُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَلِينُ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ.
مَسْأَلَةٌ: نَقَلَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: أَنَّ مَالِكًا ﵁ ذَهَبَ إلَى التَّوَصُّلِ إلَى الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ، وَذَلِكَ مُسْتَنِدٌ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] الْآيَةَ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ مَتَى ارْتَابَ الْقَاضِي وَتَوَهَّمَ غَلَطَ الشُّهُودِ سَأَلَهُمْ عَنْ التَّفْصِيلِ، فَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى الْكَلَامِ الْأَوَّلِ أَمْضَاهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَا يُحَلِّفُ الْقَاضِي الشَّاهِدَ عَدْلًا كَانَ أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ أَمَّا الْعَدْلُ فَقَوْلُهُ كَافٍ، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَدْلِ تَنْفَعُ فِيهِ الْيَمِينُ، وَنَقَلَ تَحْلِيفَ الشُّهُودِ عَنْ ابْنِ وَضَّاحٍ، وَعَنْ قَاضِي الْجَمَاعَةِ بِقُرْطُبَةَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ شَيْخُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَّابٍ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: وَحَلَّفَ ابْنُ بَشِيرٍ هَذَا شُهُودًا فِي تَرِكَةٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ الْحَقُّ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ وَضَّاحٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرَى لِفَسَادِ الزَّمَانِ أَنْ يُحَلِّفَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ، وَابْنُ وَضَّاحٍ أَخَذَ عَنْ سَحْنُونٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي رُجُوعِ الشُّهُودِ عَنْ الشَّهَادَةِ إذَا أَنْكَرُوا، أَنَّهُمْ رَجَعُوا فَطَلَبَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يَمِينَهُمْ أَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَمَّا شَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِ، فَفِي لُزُومِ الْيَمِينِ قَوْلَانِ وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ وَابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُمْ الْيَمِينُ إذَا أَتَى بِلَطْخٍ يُقَوِّي دَعْوَاهُ وَإِلَّا فَلَا تَلْزَمُ الْيَمِينُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا تَتَوَجَّهُ الدَّعْوَى بِطَلَبِ الْيَمِينِ وَالْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ.
стр. 700
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: قُلْت لِسَحْنُونٍ أَنَّ ابْنَ عَجْلَانَ قَالَ لِي: أَنَّهُ يُحَلِّفُ الْيَهُودِيَّ يَوْمَ السَّبْتِ وَالنَّصْرَانِيَّ يَوْمَ الْأَحَدِ: وَقَالَ إنِّي رَأَيْتهمْ يَرْهَبُونَ ذَلِكَ فَقَالَ لِي سَحْنُونٌ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ ابْنُ عَجْلَانَ؟ قَالَ: قُلْت مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ يَحْلِفُونَ حَيْثُ يُعَظِّمُونَ، فَسَكَتَ. قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ، وَقُلْت لَهُ أَيْضًا: أَنَّ ابْنَ عَاصِمٍ عِنْدَنَا يُحَلِّفُ النَّاسَ بِالطَّلَاقِ يُغْلِظُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي: وَمِنْ أَيْنَ أَخَذَ ذَلِكَ؟ قُلْت لَهُ: مِنْ الْأَثَرِ الْمَرْوِيِّ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ، فَقَالَ لِي مِثْلُ ابْنِ عَاصِمٍ يَتَأَوَّلُ هَذَا قَالَهُ ابْنُ الْهِنْدِيِّ فِي وَثَائِقِهِ وَابْنُ عَاصِمٍ هَذَا حُسَيْنُ بْنُ عَاصِمٍ، رَوَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ: وَدَخَلَ الْأَنْدَلُسَ وَكَانَ مُحْتَسِبًا بِهَا فِي السُّوقِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا تَغَيَّبَ الْخَصْمُ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَاَلَّذِي يُقَابَلُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ السِّيَاسِيَّةِ مَذْكُورٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِالنُّكُولِ عَنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ اسْتَخِفَّ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي وَتَعَدَّى عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُ تَجِبُ عُقُوبَتُهُ بِانْتِهَاكِ حُرْمَتِهِمْ وَاسْتِخْفَافِهِ بِقُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَتُعِدِّيهِ عَلَى الرُّسُلِ وَعَلَى الطَّالِبِ لَهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَحْسِمْ مِثْلَ هَذَا مَا يُؤْمَنُ أَغْلَظُ مِنْهُ مِمَّا يَقُودُ إلَى فِتْنَةٍ فَيُبَالِغُ فِي التَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَيُعَاقَبُ فَاعِلُهُ بِأَبْلَغِ الْعُقُوبَةِ، قَالَهُ ابْنُ لُبَابَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ وَلِيَدٍ وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَابْنُ مُعَاذٍ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ.
[فَصْلٌ وَوَقَعَ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ]
مَسْأَلَةٌ: الشَّهَادَةُ عَلَى السَّرِقَةِ لَا تُقْبَلُ مُجْمَلَةً، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْأَلَ الْحَاكِمُ الشَّاهِدَيْنِ عَنْ السَّرِقَةِ مَا هِيَ وَكَيْفَ أَخَذَهَا وَمِنْ أَيْنَ وَإِلَى أَيْنَ؟ قَالَ اللَّخْمِيُّ: فَإِنْ غَابَا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمَا لَمْ يَقْطَعْ السَّارِقَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ دُونَ النِّصَابِ أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَإِنْ قَالَا: إنَّهَا مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ وَغَابَا قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُمَا لَمْ يَقْطَعْ، إلَّا أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمَذْهَبُهُمَا مَذْهَبُ الْحَاكِمِ.
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ، فَيَسْأَلُهُمَا الْحَاكِمُ وَيَسْتَفْسِرُهُمْ كَمَا يَسْأَلُهُمْ فِي السَّرِقَةِ قَالَهُ ابْنُ رَاشِدٍ.
стр. 701
تَنْبِيهٌ: فِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ: وَلَا يَسْأَلُهُمْ الْحَاكِمُ عَمَّا أَكَلُوا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَهَلْ كَانَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَلَا عَنْ لِبَاسِهِ؟ وَلَا يُسْأَلُونَ هَلْ زَنَى بِامْرَأَةٍ؟ إذْ لَا يَجْهَلُ أَحَدٌ أَنَّ الزِّنَا لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمَرْأَةِ، وَأَنْ يُسْأَلُوا هَلْ رَأَيْتُمُوهُ يُدْخِلُ الْفَرْجَ فِي الْفَرْجِ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ؟ وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَسْأَلُ عَنْهُ عَدْلٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَهَذَا مِنْ الزِّيَادَةِ فِي تَفْنِينِهِمْ.
فَرْعٌ: وَتَعَمُّدُ الشُّهُودِ النَّظَرَ إلَى فَرْجِهَا لَيْسَ بِجُرْحَةٍ تُسْقِطُ الشَّهَادَةَ إذْ لَا تُمْكِنُ الشَّهَادَةُ إلَّا هَكَذَا، قَالَ اللَّخْمِيُّ وَتَعَمُّدُ النَّظَرِ حَسَنٌ فِيمَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَا يَكْشِفُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَطْلُبُوا تَحْقِيقَ الشَّهَادَةِ لِمَا نُدِبُوا إلَيْهِ مِنْ السِّتْرِ، فَيَنْبَغِي التَّجَاوُزُ عَنْهُمْ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُمْ يُحَقِّقُونَ الشَّهَادَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْذِفَهُ شَخْصٌ، فَيَقُودُونَ بِالشَّهَادَةِ لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُمْ، وَالسِّتْرُ أَوْلَى لِأَنَّ مُرَاعَاةَ قَذْفِهِ مِنْ النَّارِ الْوُقُوعُ.
فَرْعٌ: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِذَا سَأَلَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ عَنْ صِفَةِ الزِّنَا فَأَبَوْا وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ وَلْيُحَدُّوا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُحَدُّونَ إلَّا بَعْدَ كَشْفِ الشَّهَادَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تُحَدُّ الشُّهُودُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ كَشْفِ شَهَادَتِهِمْ حَتَّى يَدُلَّ تَفْسِيرُهُمْ أَنَّهُ الزِّنَا وَيَقُولُونَ مِثْلَ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَإِنْ اسْتَرَابَ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ سَأَلَهُ عَنْ غَيْرِ هَذَا مِمَّا يَرْجُو فِيهِ بَيَانًا مِنْ اخْتِلَافِ شَهَادَتِهِ.
فَرْعٌ: وَقِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَتَرَى لِلْقَاضِي أَنْ يُمْسِكَ الْكِتَابَ الَّذِي فِيهِ شَهَادَاتُ الشُّهُودِ وَيَقُولُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي بِشَهَادَتِكُمْ قَالَ: لَا وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَعْرِفُ شَهَادَتَهُ حَتَّى يَقْرَأَهَا وَيَذْكُرَهَا فَإِذَا عَرَفَ شَهِدَ وَلَوْ قَرَأَهَا، قِيلَ لَهُ: اسْتَظْهِرْهَا مَا قَدَرَ وَمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: شَهَادَاتُ الِاسْتِرْعَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ يَسْتَحْضِرُونَهَا إذَا كَانَتْ الْوَثِيقَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الشُّهُودِ لِذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي عُقُودِ الِاسْتِرْعَاءِ الَّتِي يَكْتُبُ فِيهَا يَشْهَدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ رِيبَةً تُوجِبُ التَّثْبِيتَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: مَا تَشْهَدُونَ بِهِ، فَإِنْ ذَكَرُوا شَهَادَتَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلَى مَا فِي الْوَثِيقَةِ جَازَتْ وَإِلَّا رَدَّهَا، وَلَيْسَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا وَلَا بِكُلِّ الشُّهُودِ، وَإِنَّمَا
стр. 702
يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلهُ مَعَ مَنْ تُخْشَى عَلَيْهِ الْخَدِيعَةُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ زَرْبٍ وَرُبَّمَا فَعَلْته.
فَرْعٌ: وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوَثِيقَةُ مُنْعَقِدَةٌ مِنْ إشْهَادِ الشُّهُودِ كَالصَّدَقَةِ وَالِابْتِيَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ الشُّهُودُ بِحِفْظِ مَا فِي الْوَثِيقَةِ وَحَسْبُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ شَهَادَتَهُمْ فِيهَا حَقٌّ وَأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مَنْ أَشْهَدَهُمْ، وَلَا يَمْسِكُ الْقَاضِي الْكِتَابَ وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرَ: إذَا وَقَعَ الْوَثِيقَةَ بَشْرٌ أَوْ ضَرْبٌ أَوْ مَحْوٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْعَدَدِ، مِثْلَ: عَدَدِ الدَّنَانِيرِ أَوْ أَجَلِهَا أَوْ تَارِيخِ الْوَثِيقَةِ لَمْ يَضُرَّ الْوَثِيقَةَ وَلَا يُوهِنُهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَذَرْ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ سُئِلَتْ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ حَفِظَتْ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا الْوَثِيقَةَ مَضَتْ، وَسَأَلُوا عَنْ الْبَشْرِ إذَا كَانَ فِيهَا فَإِنْ حَفِظُوهُ مَضَتْ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُحَفِّظُوهُ سَقَطَتْ الْوَثِيقَةُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الرَّجُلِ أَنَّهُ كُفْءٌ لِيَتِيمَةٍ أَرَادَ نِكَاحَهَا، لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ مِنْ أَيْنَ عَلِمُوا ذَلِكَ، وَوَجَبَ نِكَاحُهَا مِنْهُ مِنْ ابْنِ سَهْلٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُفَرِّقَ الشُّهُودَ إلَّا عَنْ تُهْمَةٍ، وَيَفْعَلُهُ فِي رِفْقٍ كَشْفًا رَفِيقًا عَنْ كُلِّ مَا يُرِيدُ حَتَّى تَصِحَّ لَهُ بَرَاءَتُهُمَا مِنْ التُّهْمَةِ، أَوْ تَحَقُّقِ الرِّيبَةِ عَلَيْهِمَا فَيُبْطِلُ شَهَادَتَهُمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ الشُّهُودِ لَا يُسْأَلُونَ وَلَا يُفَرَّقُونَ إنْ كَانُوا عُدُولًا، إلَّا الشُّهُودُ عَلَى الزِّنَا فَإِنَّهُمْ يُفَرَّقُونَ وَيُسْأَلُونَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الشُّهُودِ فِي حَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُسْتَرَابَ مِنْ شَهَادَتِهِمْ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمْ. وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ: أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اسْتَرَابَ مِنْ الشُّهُودِ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ مَا اتَّهَمَهُمْ بِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ حَقِيقَةُ مَا تَوَهُّم عَمِلَ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُ بِمَا يَقْتَضِيه مُوجِبُ الشَّرْعِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرَ لَهُ شَيْءٌ وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِاَللَّهِ وَذَكَّرَهُمْ إنْ رَأَى لِذَلِكَ مَحِلًّا.
مَسْأَلَةٌ: إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ فُلَانًا افْتَرَى عَلَى فُلَانٍ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ آذَاهُ أَوْ سَفِهَهُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَكْشِفُوا عَنْ حَقِيقَتِهِ، إذْ قَدْ يَظُنُّونَ مَا قَالُوا وَهُوَ عَلَى خِلَافِ مَا ظَنُّوا قَالَ أَصْبَغُ: إلَّا أَنْ تَفُوتَ الْبَيِّنَةُ، وَلَا يُقْدَرُ عَلَى إعَادَتِهِمْ فَلْيُعَاقَبْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى أَخَفِّ مَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ.
стр. 703
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَ عَلَى دَابَّةٍ فَلَا يَمْتَحِنَهُمْ بِإِدْخَالِهَا فِي دَوَابَّ وَيُكَلِّفُهُمْ إخْرَاجَهَا مِنْ بَيْنِهَا، وَإِنْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ ذَلِكَ فَلَا يَفْعَلْ، وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اتَّهَمَ الشُّهُودَ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ، سَأَلَهُ الْخَصْمُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ، وَلَا يُدْخِلُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ رُعْبًا، لِأَنَّ الشَّاهِدَ إذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ وَحَصَلَ لَهُ الرُّعْبُ، وَلَكِنْ يَسْتَمِعُ مِنْهُمْ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ.
وَفِي الطُّرَرِ خِلَافُ ذَلِكَ عَنْ سَحْنُونٍ قَالَ: وَإِذَا شَهِدُوا بِنِكَاحٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ إبْرَاءٍ، وَقَالُوا: شَهِدْنَا عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنَّا لَعَيْنِهَا وَنَسَبِهَا، فَسَأَلَ الْخَصْمُ أَنْ يُدَخِّلَهَا الْقَاضِي فِي نِسَاءٍ لِتُخْرِجَهَا الشُّهُودُ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي هَلْ نَعْرِفُهَا الْيَوْمَ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهَا أَوْ قَالُوا لَا نَتَكَلَّفُ ذَلِكَ، فَقَالَ سَحْنُونٌ لَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجُوهَا بِعَيْنِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ وَتَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهُمْ مَعْرِفَةَ عَيْنِهِ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَسَأَلَ أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَشْهُورٌ، أَوْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا وَتَوَقَّعَ الْحَاكِمُ فِي شَهَادَتِهِمْ شَيْئًا لَزِمَهُمْ أَنْ يَعُودُوا فَيَشْهَدُوا عَلَى عَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ بِمَعْرِفَةِ الْعَيْنِ وَكَانَ مَشْهُورًا لَمْ يَلْزَمْهُمَا ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الْوَقْفِ]
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: إذَا بَاعَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ الْحَبْسَ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ بِالْأَدَبِ وَالسَّجْنِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْحَبْسِ وَثُبُوتِ الْبَيْعِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي بَيْعِهِ عُذْرٌ يُعْذَرُ بِهِ، وَيَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ عَلَيْهِ فَيَسْتَوْفِي مِنْهُ الثَّمَنَ، فَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا وَثَبَتَ عُدْمُهُ وَحَلَفَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلِفُ بِهِ، فَلِلْمُبْتَاعِ اسْتِغْلَالُ الْحَبْسِ حَيَاةَ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهُ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ غَلَّتَهُ عَامًا بِعَامٍ، فَإِنْ اسْتَوْفَى ثَمَنَهُ رَجَعَتْ الْغَلَّةُ إلَى الْبَائِعِ وَإِنْ مَاتَ الْبَائِعُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهُ رَجَعَ الْحَبْسُ إلَى الْمَرْجِعِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ مِنْ الْغَلَّةِ بَعْدَ مَوْتِ الْبَائِعِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى مَنْ رَجَعَ إلَيْهِ الْحَبْسُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَى مَالِ الْبَائِعِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا فَهِيَ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ.
стр. 704
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ الْمُحْبَسِ فِي خِدْمَةِ الْمَسْجِدِ: إذَا أَحْدَثَ فَسَادًا أَوْ إبَاقًا لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُبَاعَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مِثْلُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَكُونُ مَكَانَهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ فِي مَنْزِلٍ حُبِسَ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ فَجَهِلَ فَبَاعَهُ وَفَرَّقَ ثَمَنَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ غَيْرِهِ بَعْدَهُ، أَرَى أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَرُدَّ الْمَنْزِلَ حَبْسًا وَيَدْفَعَ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ غَلَّةِ الْحَبْسِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاضِي، لِأَنَّ خَطَأَ الْإِمَامِ فِي الْأُصُولِ عَلَى الِاجْتِهَادِ هَدَرٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَسَرَ خَشَبًا مِنْ خَشَبِ الْحَبْسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْبُنْيَانَ وَالْخَشَبَ كَمَا كَانَ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ خَوْفًا مِنْ أَنْ تُؤْخَذَ الْقِيمَةُ فَلَا يُرَدُّ عَلَى حَالِهِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَغْيِيرِ هَيْئَةِ الْحَبْسِ عَنْ الْأَوَّلِ، مِنْ ابْنِ سَهْلٍ فِي مَسْأَلَةِ وَكِيلٍ بَاءَ عَلَى يَتِيمٍ أَمْوَالَهُ.
[فَصْلٌ فِيمَا وَقَعَ فِي بَابِ الْعِتْقِ]
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا مَثَّلَ الرَّجُلُ رَقِيقَهُ عَمْدًا مُثْلَةً تَشِينُهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ﵀: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَعْتَقَ أَمَةً ضَرَبَتْهَا سَيِّدَتُهَا بِنَارٍ فَأَصَابَتْهَا، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَضَرَبَ عُمَرُ سَيِّدَتَهَا، وَأَعْتَقَ عُمَرُ أَيْضًا أَمَةَ رَجُلٍ أَحْمَى رَضْفًا وَأَقْعَدَهَا عَلَيْهِ فَأَحْرَقَ فَرْجَهَا، وَجَاءَ أَنَّهُ ﷺ أَعْتَقَ بِالْمُثْلَةِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُثْلَةَ إنْ كَانَتْ بِإِبَانَةِ عُضْوٍ وَإِفْسَادِهِ، أَوْ أَنْزَلَ بِهِ مَا شَوَّهَ خِلْقَتَهُ وَسَاءَ مَنْظَرُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَزُولُ وَلَا يَعُودُ لِهَيْئَتِهِ فَهُوَ شَيْنٌ يُوجِبُ الْعِتْقَ إذَا فَعَلَهُ عَمْدًا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْعَمْدِ قَصْدُهُ إلَى الضَّرْبِ.
وَقَالَ عِيسَى فِي شَرْحِ ابْنِ مُزَيْنٍ: وَلَا يَكُونُ مُثْلَةً بِرَمْيِهِ أَوْ ضَرْبِهِ وَإِنْ عَامِدًا لِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَامِدًا لِلْمُثْلَةِ مِثْلَ أَنْ يُضْجِعَهُ فَيُمَثِّلُ بِهِ وَصَحَّحَهُ اللَّخْمِيُّ.
فَرْعٌ: قَالَ سَحْنُونٌ: إذْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَنَزَلَ الْمَاءُ فِي عَيْنَيْهِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَلَوْ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ فَأَبَانَ بِذَلِكَ مِنْهُ عُضْوًا لَمْ يُعْتَقْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُعْتَقُ بِمِثْلِ مَا يُسْتَقَادُ لِلِابْنِ مِنْ
стр. 705
أَبِيهِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْإِنْسَانِ الشَّفَقَةُ عَلَى مَالِهِ، وَقَدْ يُرِيدُ تَهْدِيدَهُ بِذَلِكَ، وَلَا يُرِيدُ خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ، وَقَدْ يُرِيدُ الْمُثْلَةَ الْخَفِيفَةَ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الشَّيْنُ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا وَلَكِنَّهُ يَعُودُ لِهَيْئَةٍ فَلَا عِتْقَ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا وَقَعَتْ الْمُثْلَةُ خَطَأً فَلَا عِتْقَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْعَمْدِ، فَإِنْ احْتَمَلَ فِعْلُهُ الْأَمْرَيْنِ أُحْلِفَ مَا أَرَادَ ذَلِكَ وَتُرِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُمَثَّلِ بِعَبْدِهِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا رَشِيدًا مُسْلِمًا لَا دَيْنَ عَلَيْهِ.
وَفِي مُثْلَةِ السَّفِيه قَوْلَانِ وَفِي مُثْلَةِ الذِّمِّيِّ بِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ قَوْلَانِ.
فَرْعٌ: وَقَطْعُ الْأُذُنِ وَشِقِّهَا وَقَطْعِ الْأُنْمُلَةِ وَالظُّفْرِ وَوَسْمِ وَجْهِهِ بِالنَّارِ شَيْنٌ وَوَسْمُ ذِرَاعِهِ بِالنَّارِ لَيْسَ بِشَيْنٍ.
وَفِي وَسْمِ وَجْهِهِ بِغَيْرِ نَارٍ قَوْلَانِ، وَقَلْعِ الْأَسْنَانِ وَسَحْلِهَا بِالْمِبْرَدِ شَيْنٌ، وَفِي السِّنِّ الْوَاحِدَةِ قَوْلَانِ، وَحَلْقُ رَأْسِ الْأَمَةِ وَلِحْيَةِ الْعَبْدِ لَيْسَ بِشَيْنٍ إلَّا فِي التَّاجِرِ الْمُحْتَرَمِ وَالْأَمَةِ الرَّفِيعَةِ.
فَرْعٌ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُكْمِ فِي قَلْعِ الْأَسْنَانِ لَا يَجْرِي فِي الرَّحَا، فَلَوْ قَلَعَ رَحًا أَوْ أَثْنَتَيْنِ فَلَا يُعْتَقُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ شَيْنَ ذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُعْتَقُ بِالْمُثْلَةِ إلَّا بِالْحُكْمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُعْتَقُ بِالْمُثْلَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمُثْلَةُ الْمَشْهُورَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى الْحُكْمِ، وَأَمَّا مَا يُشَكُّ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَاكِمِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ هَلْ مِمَّا يُوجِبُ الْعِتْقَ أَمْ لَا؟ .
مَسْأَلَةٌ: وَوَقَعَ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ فِيمَنْ فَرَّ عَبْدُهُ إلَى الْعَدُوِّ فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْبَلْدَةَ فَرَآهُ سَيِّدُهُ فِي جَيْشِ الْعَدُوِّ فَقَالَ سَيِّدُهُ لِشُهُودٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَهُ إلَى الْخُرُوجِ وَالرُّجُوعِ مَعِي عَلَى أَنْ أُعْتِقَهُ، وَأَنَا غَيْرُ مُلْتَزَمٍ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا أُرِيدُ اسْتِخْرَاجَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْعَبْدِ اُخْرُجْ إلَيَّ وَأَنْت حُرٌّ، فَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ الْعِتْقُ وَالْمَمْلُوكُ رَقِيقٌ.
следующие страницы →