Полный текст (849 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
تَنْبِيهٌ: فِي الْمُقْنِعِ لِابْنِ بَطَّالٍ: وَلَا يَسْأَلُهُمْ الْحَاكِمُ عَمَّا أَكَلُوا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَهَلْ كَانَ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَلَا عَنْ لِبَاسِهِ؟ وَلَا يُسْأَلُونَ هَلْ زَنَى بِامْرَأَةٍ؟ إذْ لَا يَجْهَلُ أَحَدٌ أَنَّ الزِّنَا لَا يَكُونُ إلَّا بِالْمَرْأَةِ، وَأَنْ يُسْأَلُوا هَلْ رَأَيْتُمُوهُ يُدْخِلُ الْفَرْجَ فِي الْفَرْجِ كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ؟ وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يَسْأَلُ عَنْهُ عَدْلٌ وَلَا غَيْرُهُ، وَهَذَا مِنْ الزِّيَادَةِ فِي تَفْنِينِهِمْ.
فَرْعٌ: وَتَعَمُّدُ الشُّهُودِ النَّظَرَ إلَى فَرْجِهَا لَيْسَ بِجُرْحَةٍ تُسْقِطُ الشَّهَادَةَ إذْ لَا تُمْكِنُ الشَّهَادَةُ إلَّا هَكَذَا، قَالَ اللَّخْمِيُّ وَتَعَمُّدُ النَّظَرِ حَسَنٌ فِيمَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْفَسَادِ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَا يَكْشِفُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَطْلُبُوا تَحْقِيقَ الشَّهَادَةِ لِمَا نُدِبُوا إلَيْهِ مِنْ السِّتْرِ، فَيَنْبَغِي التَّجَاوُزُ عَنْهُمْ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَنَّهُمْ يُحَقِّقُونَ الشَّهَادَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقْذِفَهُ شَخْصٌ، فَيَقُودُونَ بِالشَّهَادَةِ لِدَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُمْ، وَالسِّتْرُ أَوْلَى لِأَنَّ مُرَاعَاةَ قَذْفِهِ مِنْ النَّارِ الْوُقُوعُ.
فَرْعٌ: وَمِنْ الْمَجْمُوعَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ: وَإِذَا سَأَلَ الْحَاكِمُ الشُّهُودَ عَنْ صِفَةِ الزِّنَا فَأَبَوْا وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ وَلْيُحَدُّوا، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُحَدُّونَ إلَّا بَعْدَ كَشْفِ الشَّهَادَةِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تُحَدُّ الشُّهُودُ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ كَشْفِ شَهَادَتِهِمْ حَتَّى يَدُلَّ تَفْسِيرُهُمْ أَنَّهُ الزِّنَا وَيَقُولُونَ مِثْلَ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَإِنْ اسْتَرَابَ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ سَأَلَهُ عَنْ غَيْرِ هَذَا مِمَّا يَرْجُو فِيهِ بَيَانًا مِنْ اخْتِلَافِ شَهَادَتِهِ.
فَرْعٌ: وَقِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ أَتَرَى لِلْقَاضِي أَنْ يُمْسِكَ الْكِتَابَ الَّذِي فِيهِ شَهَادَاتُ الشُّهُودِ وَيَقُولُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي بِشَهَادَتِكُمْ قَالَ: لَا وَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَعْرِفُ شَهَادَتَهُ حَتَّى يَقْرَأَهَا وَيَذْكُرَهَا فَإِذَا عَرَفَ شَهِدَ وَلَوْ قَرَأَهَا، قِيلَ لَهُ: اسْتَظْهِرْهَا مَا قَدَرَ وَمَا كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: شَهَادَاتُ الِاسْتِرْعَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الشُّهُودُ يَسْتَحْضِرُونَهَا إذَا كَانَتْ الْوَثِيقَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ الشُّهُودِ لِذَلِكَ، وَذَلِكَ فِي عُقُودِ الِاسْتِرْعَاءِ الَّتِي يَكْتُبُ فِيهَا يَشْهَدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ رِيبَةً تُوجِبُ التَّثْبِيتَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: مَا تَشْهَدُونَ بِهِ، فَإِنْ ذَكَرُوا شَهَادَتَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلَى مَا فِي الْوَثِيقَةِ جَازَتْ وَإِلَّا رَدَّهَا، وَلَيْسَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا وَلَا بِكُلِّ الشُّهُودِ، وَإِنَّمَا
стр. 702
يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلهُ مَعَ مَنْ تُخْشَى عَلَيْهِ الْخَدِيعَةُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ زَرْبٍ وَرُبَّمَا فَعَلْته.
فَرْعٌ: وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْوَثِيقَةُ مُنْعَقِدَةٌ مِنْ إشْهَادِ الشُّهُودِ كَالصَّدَقَةِ وَالِابْتِيَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُؤْخَذَ الشُّهُودُ بِحِفْظِ مَا فِي الْوَثِيقَةِ وَحَسْبُهُمْ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ شَهَادَتَهُمْ فِيهَا حَقٌّ وَأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مَنْ أَشْهَدَهُمْ، وَلَا يَمْسِكُ الْقَاضِي الْكِتَابَ وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرَ: إذَا وَقَعَ الْوَثِيقَةَ بَشْرٌ أَوْ ضَرْبٌ أَوْ مَحْوٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْعَدَدِ، مِثْلَ: عَدَدِ الدَّنَانِيرِ أَوْ أَجَلِهَا أَوْ تَارِيخِ الْوَثِيقَةِ لَمْ يَضُرَّ الْوَثِيقَةَ وَلَا يُوهِنُهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْتَذَرْ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ سُئِلَتْ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ حَفِظَتْ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَوْا الْوَثِيقَةَ مَضَتْ، وَسَأَلُوا عَنْ الْبَشْرِ إذَا كَانَ فِيهَا فَإِنْ حَفِظُوهُ مَضَتْ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُحَفِّظُوهُ سَقَطَتْ الْوَثِيقَةُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الرَّجُلِ أَنَّهُ كُفْءٌ لِيَتِيمَةٍ أَرَادَ نِكَاحَهَا، لَمْ يَكُنْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ مِنْ أَيْنَ عَلِمُوا ذَلِكَ، وَوَجَبَ نِكَاحُهَا مِنْهُ مِنْ ابْنِ سَهْلٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُفَرِّقَ الشُّهُودَ إلَّا عَنْ تُهْمَةٍ، وَيَفْعَلُهُ فِي رِفْقٍ كَشْفًا رَفِيقًا عَنْ كُلِّ مَا يُرِيدُ حَتَّى تَصِحَّ لَهُ بَرَاءَتُهُمَا مِنْ التُّهْمَةِ، أَوْ تَحَقُّقِ الرِّيبَةِ عَلَيْهِمَا فَيُبْطِلُ شَهَادَتَهُمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ الشُّهُودِ لَا يُسْأَلُونَ وَلَا يُفَرَّقُونَ إنْ كَانُوا عُدُولًا، إلَّا الشُّهُودُ عَلَى الزِّنَا فَإِنَّهُمْ يُفَرَّقُونَ وَيُسْأَلُونَ.
وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الشُّهُودِ فِي حَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُسْتَرَابَ مِنْ شَهَادَتِهِمْ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمْ. وَفِي تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ: أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اسْتَرَابَ مِنْ الشُّهُودِ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ مَا اتَّهَمَهُمْ بِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ حَقِيقَةُ مَا تَوَهُّم عَمِلَ عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُ بِمَا يَقْتَضِيه مُوجِبُ الشَّرْعِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرَ لَهُ شَيْءٌ وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِاَللَّهِ وَذَكَّرَهُمْ إنْ رَأَى لِذَلِكَ مَحِلًّا.
مَسْأَلَةٌ: إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ فُلَانًا افْتَرَى عَلَى فُلَانٍ أَوْ شَتَمَهُ أَوْ آذَاهُ أَوْ سَفِهَهُ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَكْشِفُوا عَنْ حَقِيقَتِهِ، إذْ قَدْ يَظُنُّونَ مَا قَالُوا وَهُوَ عَلَى خِلَافِ مَا ظَنُّوا قَالَ أَصْبَغُ: إلَّا أَنْ تَفُوتَ الْبَيِّنَةُ، وَلَا يُقْدَرُ عَلَى إعَادَتِهِمْ فَلْيُعَاقَبْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى أَخَفِّ مَا يَلْزَمُ فِي ذَلِكَ.
стр. 703
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَ عَلَى دَابَّةٍ فَلَا يَمْتَحِنَهُمْ بِإِدْخَالِهَا فِي دَوَابَّ وَيُكَلِّفُهُمْ إخْرَاجَهَا مِنْ بَيْنِهَا، وَإِنْ سَأَلَهُ الْخَصْمُ ذَلِكَ فَلَا يَفْعَلْ، وَهَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا اتَّهَمَ الشُّهُودَ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ، سَأَلَهُ الْخَصْمُ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ، وَلَا يُدْخِلُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ رُعْبًا، لِأَنَّ الشَّاهِدَ إذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ وَحَصَلَ لَهُ الرُّعْبُ، وَلَكِنْ يَسْتَمِعُ مِنْهُمْ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ.
وَفِي الطُّرَرِ خِلَافُ ذَلِكَ عَنْ سَحْنُونٍ قَالَ: وَإِذَا شَهِدُوا بِنِكَاحٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ إبْرَاءٍ، وَقَالُوا: شَهِدْنَا عَلَى مَعْرِفَةٍ مِنَّا لَعَيْنِهَا وَنَسَبِهَا، فَسَأَلَ الْخَصْمُ أَنْ يُدَخِّلَهَا الْقَاضِي فِي نِسَاءٍ لِتُخْرِجَهَا الشُّهُودُ فَقَالُوا: لَا نَدْرِي هَلْ نَعْرِفُهَا الْيَوْمَ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالُهَا أَوْ قَالُوا لَا نَتَكَلَّفُ ذَلِكَ، فَقَالَ سَحْنُونٌ لَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجُوهَا بِعَيْنِهَا وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ وَتَضَمَّنَتْ شَهَادَتُهُمْ مَعْرِفَةَ عَيْنِهِ، ثُمَّ قَدِمَ الْغَائِبُ فَسَأَلَ أَنْ تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ عَلَى عَيْنِهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَشْهُورٌ، أَوْ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا وَتَوَقَّعَ الْحَاكِمُ فِي شَهَادَتِهِمْ شَيْئًا لَزِمَهُمْ أَنْ يَعُودُوا فَيَشْهَدُوا عَلَى عَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى حَاضِرٍ بِمَعْرِفَةِ الْعَيْنِ وَكَانَ مَشْهُورًا لَمْ يَلْزَمْهُمَا ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الْوَقْفِ]
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ: إذَا بَاعَ الْمُحْبَسُ عَلَيْهِ الْحَبْسَ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ بِالْأَدَبِ وَالسَّجْنِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْحَبْسِ وَثُبُوتِ الْبَيْعِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي بَيْعِهِ عُذْرٌ يُعْذَرُ بِهِ، وَيَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ عَلَيْهِ فَيَسْتَوْفِي مِنْهُ الثَّمَنَ، فَإِنْ كَانَ مُعْدَمًا وَثَبَتَ عُدْمُهُ وَحَلَفَ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلِفُ بِهِ، فَلِلْمُبْتَاعِ اسْتِغْلَالُ الْحَبْسِ حَيَاةَ الْمُحْبَسِ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهُ فَيَدْفَعُ إلَيْهِ غَلَّتَهُ عَامًا بِعَامٍ، فَإِنْ اسْتَوْفَى ثَمَنَهُ رَجَعَتْ الْغَلَّةُ إلَى الْبَائِعِ وَإِنْ مَاتَ الْبَائِعُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ثَمَنَهُ رَجَعَ الْحَبْسُ إلَى الْمَرْجِعِ الْمَذْكُورِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُبْتَاعِ مِنْ الْغَلَّةِ بَعْدَ مَوْتِ الْبَائِعِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى مَنْ رَجَعَ إلَيْهِ الْحَبْسُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ إلَى مَالِ الْبَائِعِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا فَهِيَ مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِهِ.
стр. 704
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ الْمُحْبَسِ فِي خِدْمَةِ الْمَسْجِدِ: إذَا أَحْدَثَ فَسَادًا أَوْ إبَاقًا لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ يُبَاعَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مِثْلُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَكُونُ مَكَانَهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ مُطَرِّفٌ فِي مَنْزِلٍ حُبِسَ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَرُفِعَ إلَى قَاضٍ فَجَهِلَ فَبَاعَهُ وَفَرَّقَ ثَمَنَهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ إلَى قَاضٍ غَيْرِهِ بَعْدَهُ، أَرَى أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَرُدَّ الْمَنْزِلَ حَبْسًا وَيَدْفَعَ الثَّمَنَ لِلْمُشْتَرِي مِنْ غَلَّةِ الْحَبْسِ وَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاضِي، لِأَنَّ خَطَأَ الْإِمَامِ فِي الْأُصُولِ عَلَى الِاجْتِهَادِ هَدَرٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ كَسَرَ خَشَبًا مِنْ خَشَبِ الْحَبْسِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ الْبُنْيَانَ وَالْخَشَبَ كَمَا كَانَ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْقِيمَةُ خَوْفًا مِنْ أَنْ تُؤْخَذَ الْقِيمَةُ فَلَا يُرَدُّ عَلَى حَالِهِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى تَغْيِيرِ هَيْئَةِ الْحَبْسِ عَنْ الْأَوَّلِ، مِنْ ابْنِ سَهْلٍ فِي مَسْأَلَةِ وَكِيلٍ بَاءَ عَلَى يَتِيمٍ أَمْوَالَهُ.
[فَصْلٌ فِيمَا وَقَعَ فِي بَابِ الْعِتْقِ]
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا مَثَّلَ الرَّجُلُ رَقِيقَهُ عَمْدًا مُثْلَةً تَشِينُهُ عَتَقَ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ﵀: بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَعْتَقَ أَمَةً ضَرَبَتْهَا سَيِّدَتُهَا بِنَارٍ فَأَصَابَتْهَا، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَضَرَبَ عُمَرُ سَيِّدَتَهَا، وَأَعْتَقَ عُمَرُ أَيْضًا أَمَةَ رَجُلٍ أَحْمَى رَضْفًا وَأَقْعَدَهَا عَلَيْهِ فَأَحْرَقَ فَرْجَهَا، وَجَاءَ أَنَّهُ ﷺ أَعْتَقَ بِالْمُثْلَةِ قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُثْلَةَ إنْ كَانَتْ بِإِبَانَةِ عُضْوٍ وَإِفْسَادِهِ، أَوْ أَنْزَلَ بِهِ مَا شَوَّهَ خِلْقَتَهُ وَسَاءَ مَنْظَرُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَزُولُ وَلَا يَعُودُ لِهَيْئَتِهِ فَهُوَ شَيْنٌ يُوجِبُ الْعِتْقَ إذَا فَعَلَهُ عَمْدًا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي الْعَمْدِ قَصْدُهُ إلَى الضَّرْبِ.
وَقَالَ عِيسَى فِي شَرْحِ ابْنِ مُزَيْنٍ: وَلَا يَكُونُ مُثْلَةً بِرَمْيِهِ أَوْ ضَرْبِهِ وَإِنْ عَامِدًا لِذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَامِدًا لِلْمُثْلَةِ مِثْلَ أَنْ يُضْجِعَهُ فَيُمَثِّلُ بِهِ وَصَحَّحَهُ اللَّخْمِيُّ.
فَرْعٌ: قَالَ سَحْنُونٌ: إذْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَنَزَلَ الْمَاءُ فِي عَيْنَيْهِ لَمْ يُعْتَقْ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ وَلَوْ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ أَوْ سِكِّينٍ فَأَبَانَ بِذَلِكَ مِنْهُ عُضْوًا لَمْ يُعْتَقْ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُعْتَقُ بِمِثْلِ مَا يُسْتَقَادُ لِلِابْنِ مِنْ
стр. 705
أَبِيهِ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ الْإِنْسَانِ الشَّفَقَةُ عَلَى مَالِهِ، وَقَدْ يُرِيدُ تَهْدِيدَهُ بِذَلِكَ، وَلَا يُرِيدُ خُرُوجَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِالْعِتْقِ بِالْمُثْلَةِ، وَقَدْ يُرِيدُ الْمُثْلَةَ الْخَفِيفَةَ قَالَ: وَلَوْ كَانَ الشَّيْنُ يَسِيرًا أَوْ كَثِيرًا وَلَكِنَّهُ يَعُودُ لِهَيْئَةٍ فَلَا عِتْقَ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَإِذَا وَقَعَتْ الْمُثْلَةُ خَطَأً فَلَا عِتْقَ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْعَمْدِ، فَإِنْ احْتَمَلَ فِعْلُهُ الْأَمْرَيْنِ أُحْلِفَ مَا أَرَادَ ذَلِكَ وَتُرِكَ.
مَسْأَلَةٌ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُمَثَّلِ بِعَبْدِهِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا حُرًّا رَشِيدًا مُسْلِمًا لَا دَيْنَ عَلَيْهِ.
وَفِي مُثْلَةِ السَّفِيه قَوْلَانِ وَفِي مُثْلَةِ الذِّمِّيِّ بِعَبْدِهِ الذِّمِّيِّ قَوْلَانِ.
فَرْعٌ: وَقَطْعُ الْأُذُنِ وَشِقِّهَا وَقَطْعِ الْأُنْمُلَةِ وَالظُّفْرِ وَوَسْمِ وَجْهِهِ بِالنَّارِ شَيْنٌ وَوَسْمُ ذِرَاعِهِ بِالنَّارِ لَيْسَ بِشَيْنٍ.
وَفِي وَسْمِ وَجْهِهِ بِغَيْرِ نَارٍ قَوْلَانِ، وَقَلْعِ الْأَسْنَانِ وَسَحْلِهَا بِالْمِبْرَدِ شَيْنٌ، وَفِي السِّنِّ الْوَاحِدَةِ قَوْلَانِ، وَحَلْقُ رَأْسِ الْأَمَةِ وَلِحْيَةِ الْعَبْدِ لَيْسَ بِشَيْنٍ إلَّا فِي التَّاجِرِ الْمُحْتَرَمِ وَالْأَمَةِ الرَّفِيعَةِ.
فَرْعٌ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحُكْمِ فِي قَلْعِ الْأَسْنَانِ لَا يَجْرِي فِي الرَّحَا، فَلَوْ قَلَعَ رَحًا أَوْ أَثْنَتَيْنِ فَلَا يُعْتَقُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ شَيْنَ ذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا يُعْتَقُ بِالْمُثْلَةِ إلَّا بِالْحُكْمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ يُعْتَقُ بِالْمُثْلَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمُثْلَةُ الْمَشْهُورَةُ لَا تَفْتَقِرُ إلَى الْحُكْمِ، وَأَمَّا مَا يُشَكُّ فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَاكِمِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ يَجْتَهِدُ فِي ذَلِكَ هَلْ مِمَّا يُوجِبُ الْعِتْقَ أَمْ لَا؟ .
مَسْأَلَةٌ: وَوَقَعَ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ فِيمَنْ فَرَّ عَبْدُهُ إلَى الْعَدُوِّ فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْبَلْدَةَ فَرَآهُ سَيِّدُهُ فِي جَيْشِ الْعَدُوِّ فَقَالَ سَيِّدُهُ لِشُهُودٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَهُ إلَى الْخُرُوجِ وَالرُّجُوعِ مَعِي عَلَى أَنْ أُعْتِقَهُ، وَأَنَا غَيْرُ مُلْتَزَمٍ لِذَلِكَ وَإِنَّمَا أُرِيدُ اسْتِخْرَاجَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْعَبْدِ اُخْرُجْ إلَيَّ وَأَنْت حُرٌّ، فَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ الْعِتْقُ وَالْمَمْلُوكُ رَقِيقٌ.
стр. 706
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ]
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا كُوتِبَ عَبِيدٌ كِتَابَةً وَاحِدَةً فَبَعْضُهُمْ حَمِيلٌ عَنْ بَعْضٍ، فَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: عَجَزْت وَأَلْقَى بِيَدِهِ، فَإِنَّ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِيمَا يُطِيقُ مِنْ الْعَمَلِ وَيَسْتَعِينُونَ بِذَلِكَ فِي كِتَابَتِهِمْ حَتَّى يُعْتَقَ بِعِتْقِهِمْ أَوْ يُرَقَّ بِرِقِّهِمْ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعَهُ وَلَدٌ فِي الْكِتَابَةِ فَلَيْسَ لَهُ تَعْجِيزُ نَفْسِهِ، وَيُؤْخَذُ بِالسَّعْيِ عَلَيْهِمْ صَاغِرًا مَقْهُورًا وَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ لَدَدٌ يُعَاقَبُ اُنْظُرْ الْبَاجِيَّ.
[فَصْلٌ وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الْوَصَايَا]
مَسْأَلَةٌ: إذَا شَهِدَ عَلَى الْمُوصِي أَنَّهُ قَصَدَ الْأَضْرَارَ بِمَا أَوْصَى بِهِ بَطَلَتْ وَصِيَّتُهُ، وَلَوْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ مِنْ الزِّيَادَاتِ الْمُلْحَقَةِ مِنْ مَعِينِ الْحُكَّامِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا كَانَ تَحْتَ يَدِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ أَوْ الْوَصِيِّ لِمَحْجُورِهِ مَالٌ وَعَلَى الصَّغِيرِ دَيْنٌ، فَادَّعَى الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ نَفَادَ الْمَالِ الَّذِي تَحْتَ يَدِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ نُفَادُهُ وَاتُّهِمَ عَلَى كَتْمِهِ، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ ادَّعَى خِلَافَ الظَّاهِرِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ قِصَّةِ «مَالِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، الَّذِي عُوقِبَ بِسَبَبِهِ كِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ لِمَا ادَّعَى أَنَّهُ أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ كَثِيرٌ وَأَمَرَ بِعُقُوبَتِهِ» .
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَوْصَى إلَى زَوْجَتِهِ فَتَزَوَّجَتْ، فَخِيفَ عَلَى الْمَالِ فَإِنَّهَا تَكْشِفُ عَمَّا قَبْلَهَا، وَإِنْ كَانَ لَا لُبْسَ بِحَالِهَا لَمْ تَكْشِفْ وَإِنْ عَزَلَتْ الْوَلَدَ فِي بَيْتٍ وَأَقَامَتْ لَهُمْ خَادِمًا، وَمَنْ يَصْلُحُهُمْ فَهِيَ أَوْلَى بِهِمْ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ عُزِلُوا عَنْهَا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا وَخِيفَ مِنْ نَاحِيَتِهَا نُزِعَ مِنْهَا، وَإِنْ رُضِيَ حَالُهَا وَكَانَ الْمَالُ يَسِيرًا لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَلَمْ تُكْشَفْ وَهِيَ عَلَى الْوَصِيَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَوْ قَالَ الْمَيِّتُ: إنْ تَزَوَّجْت فَانْزِعُوا الْوَلَدَ مِنْهَا وَأَرَادَتْ النِّكَاحَ، فَإِنْ عَزَلَتْهُمْ فِي مَكَان عِنْدَهَا مَعَ خَادِمٍ وَنَفَقَةٍ فَهِيَ أَوْلَى بِهِمْ، وَإِلَّا نُزِعُوا مِنْهَا فِي الطُّرَرِ إذَا عُلِمَ أَنَّهَا صَالِحَةُ الْحَالِ وَافِرَةُ الْمَالِ ظَاهِرَةُ السَّدَادِ حَسَنَةُ النَّظَرِ بِمَحْجُورِهَا، بَعْدَ أَنْ أَقَرَّتْ أَنْ تُحْصِيَ الْمَالَ عِنْدَهَا بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ، فَإِنْ جَهِلَ حَالُهَا شُرِكَ مَعَهَا فِي النَّظَرِ غَيْرُهَا، وَيَكُونُ الْمَالُ عِنْدَهُ وَلَمْ يُتْرَكْ عِنْدَهَا، لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا تَزَوَّجَتْ غُلِبَتْ عَلَى جُلِّ أَمْرِهَا، وَلَا تُعْزَلُ بِالتَّزْوِيجِ عَنْ الْإِيصَاءِ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهَا مَا يُوجِبُ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: وَلَوْ أَسْنَدَ الْوَصِيَّةَ إلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ فَتَزَوَّجَتْ فُسِخَتْ الْوَصِيَّةُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْصَى لِأُمِّ وَلَدِهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ، فَإِنْ تَزَوَّجَتْ أُخِذَتْ مِنْهَا.
стр. 707
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَصْبَغُ: إنْ كَانَ الْوَصِيُّ غَيْرَ عَدْلٍ وَهُوَ مِمَّنْ يُرْجَى مِنْهُ حُسْنُ النَّظَرِ كَالْقَرِيبِ وَالْمَوْلَى وَشِبْهُ ذَلِكَ، فَأَرَى أَنْ يُجْعَلَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَيَكُونُ الْمَالُ بِيَدِ الشَّرِيكِ، وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَقِيلَ يُعْزَلُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ بَعْضُ الْأَنْدَلُسِيِّينَ إذَا أَوْصَى بِتَنْفِيذِ ثُلُثِهِ لِفَاسِقٍ أَوْ سَارِقٍ، لَمْ يَكُنْ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ لَكِنْ يُطَالِبُهُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى تَنْفِيذِهِ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ تَبَيَّنَ لِلْقَاضِي جِنَايَةُ الْوَصِيِّ سَقَطَتْ وِلَايَتُهُ، وَيُقِيمُ الْقَاضِي غَيْرَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَرِيكٌ، فَقَالَ مَالِكٌ: إذَا عُزِلَ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ لِجِنَايَةٍ فَلَا يُجْعَلُ مَعَ الْآخَرِ غَيْرُهُ إلَّا أَنْ يَضْعُفَ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يُجْعَلُ مَعَهُ غَيْرُهُ وَإِلَيْهِ مَالَ سَحْنُونٌ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا شُهِدَ عَلَى الْوَصِيِّ أَنَّهُ بَوَّرَ أَرْضَ الْيَتِيمِ وَأَخَذَ لِنَفْسِهِ الزَّرِيعَةَ، فَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِمَبْلَغِهَا أَخَذَ بِمِثْلِ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ أَنَّهُ صَرَفَهَا فِي نَفَقَةِ الْيَتِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا كَيْلَهَا صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ فِي مَبْلَغِهَا، فَإِنْ أَنْكَرَ شَهَادَتَهُمْ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَكِيلَتَهَا، كُلِّفَ الْإِقْرَارَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ بِالسَّجْنِ وَالْأَدَبِ الْمُوجِعِ الشَّدِيدِ حَتَّى يُقِرَّ، وَإِنْ دَامَ عَلَى الْإِنْكَارِ وَلَمْ يُحَقِّقْ الشُّهُودُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا مِنْ كَيْلِ الزَّرِيعَةِ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَتَمَامُهَا فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ وَمَسَائِلُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
مَسْأَلَةٌ: وَأَمَّا فِسْقُ الْوَصِيِّ فَمُوجِبٌ لِلْعَزْلِ، وَقَالَ الْمَخْزُومِيُّ: لَيْسَ لِلْقَاضِي عَزْلُهُ وَلَكِنْ يَجْعَلُ مَعَهُ غَيْرَهُ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا عَزْلَ الْقَاضِي الْوَصِيَّ لِأَمْرٍ كَرِهَهُ مِنْهُ أَوْ لِعُذْرٍ عَذَرَهُ بِهِ فَلَا يُكْتَبُ لَهُ بَرَاءَةً مِمَّا كَانَ جَرَى عَلَى يَدَيْهِ، وَإِنْ أَتَى بِالْبَيِّنَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْيَتِيمُ مَبْلَغَ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا قَامَ مُحْتَسِبٌ وَطَلَب أَنْ يُكْشَفَ حَجْرُ الْوَصِيِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَصِيُّ لَا مَالَ لَهُ، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَخْشَى أَنْ يَقْضِيَهُ مِنْ مَالِ مَحْجُورِهِ، وَلَا وَفَاءَ عِنْدَهُ وَشِبْهُ ذَلِكَ. وَهَذَا إذَا كَانَ أَصْلُ الْمَالِ عِنْدَهُ مَعْرُوفًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا وَجَبَ تَعَرُّفُ قَدْرِ مَا عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ فِي وَلَدِهِ الصَّغِيرِ حَكَاهُ فِي الطُّرَرِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا اتَّهَمَ الْقَاضِي الْأَوْصِيَاءَ نَزَعَ الْمَالَ وَجَعَلَهُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، قَالَ أَصْبَغُ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ نَظَرٌ وَكَانَ ذَلِكَ عَزْلًا لَهُمْ، وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفُوا
стр. 708
فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْأَحْسَنُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ أَنْ يَجْعَلَهُ الْقَاضِي عِنْدَ أَمِينٍ وَيَأْمُرُهُمَا جَمِيعًا بِأَنْ يُنَفِّذَاهُ فِي وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا عَزَلَ الْقَاضِي الْوَصِيَّ لِجُرْحَةٍ، فَأَرَادَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ أَنْ يَكْشِفَ الْوَصِيَّ عَمَّيْ كَانَ لَهُ بِيَدِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَيُسْأَلُ الْوَصِيُّ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ رَدَّ بِإِقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ قَيَّدَ الْقَاضِي ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَبَى مِنْ الرَّدِّ بَاءَ بِإِقْرَارِهِ، فَإِنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحْمِلُ السَّوْطَ عَلَيْهِ حَتَّى يُنْكِرَ أَوْ يُقِرَّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: يُقَالُ لَهُ إنْ تَمَادَيْت عَلَى امْتِنَاعِك قَضَيْنَا لِصَاحِبِك عَلَيْك بِمَا يَدَّعِيه مَعَ يَمِينِهِ مِنْ أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا كَانَ لِلْمَحْجُورِ جَنَّاتٌ تَحْتَاجُ إلَى سَقْيٍ وَعِلَاجٍ فَفَرَّطَ فِيهَا الْوَصِيُّ أَوْ النَّاظِرُ لَهُ حَتَّى فَسَدَتْ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ ذَلِكَ لِتَفْرِيطِهِ فِيهَا وَإِهْمَالِهَا، قَالَهُ صَاحِبُ الطُّرَرِ وَذَكَرَهَا ابْنُ سَهْلٍ فِي بَابِ مَسَائِلِ الْمَحْجُورِ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا وَأَنَّهُ يُؤَدَّبُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَى الْمَحْجُورِ بِشَيْءٍ وَقَبَضَهُ الْوَصِيُّ فَقَامَ وَارِثُهُ وَطَلَبَ أَنْ يَأْخُذَ نُسْخَةَ عَقْدِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ بَعْضُ الْأَشْيَاخِ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَكْشِفَ الْوَصِيَّ عَمَّا بِيَدِهِ وَلَا يَأْخُذَ نُسَخَ عُقُودِهِ، وَعَلَى الْوَصِيِّ أَنْ يَشْهَدَ لِمَحْجُورِهِ لِمَالِهِ بِيَدِهِ، فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا عَلِمَ الْوَصِيُّ بِأَنَّ فِي ذِمَّةِ الْوَصِيِّ دَيْنًا أَوْ حَقًّا وَأَمْكَنَهُ إيصَالُ ذَلِكَ إلَى رَبِّهِ أَوْصَلَهُ إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ رَفَعَ ذَلِكَ إلَى الْحُكَّامِ وَكَانَ شَاهِدًا لِصَاحِبِ الْحَقِّ.
فَصْلٌ: وَمِمَّا وَقَعَ فِي بَابِ الْمَوَارِيثِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يَرِثُ قَاتِلُ الْعَمْدِ مِنْ الْمَالِ وَلَا مِنْ الدِّيَةِ عُقُوبَةً لَهُ.
وَيَرِثُ قَاتِلُ الْخَطَأِ مِنْ الْمَالِ دُونَ الدِّيَةِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَإِنَّمَا قُلْنَا: قَاتِلُ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ» ، وَرَوَى لَيْسَ لِلْقَاتِلِ مِيرَاثٌ، وَلِأَنَّ التُّهْمَةَ تُؤَثِّرُ فِي الْمِيرَاثِ فِي الْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ، وَالْقَاتِلُ عَمْدًا مُتَّهَمٌ بِاسْتِعْجَالِ
стр. 709
الْمِيرَاثِ فَمُنِعَ مِنْهُ وَعُومِلَ بِنَقِيضِ مَا اُتُّهِمَ بِهِ مِنْ الِاسْتِعْجَالِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التُّهْمَةَ تُؤَثِّرُ فِي الْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ، أَنَّ الْمُتَزَوِّجَ فِي الْمَرَضِ الْمَخُوفِ يُفْسَخُ نِكَاحُهُ وَلَا تَرِثُهُ زَوْجَتُهُ لِلتُّهْمَةِ بِإِدْخَالِ وَارِثٍ لِلضَّرَرِ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَ مَرِيضَةً فَإِنَّهُ يُفْسَخُ النِّكَاحُ وَلَا يَرِثُهَا إنْ مَاتَتْ لِأَنَّهَا تُتَّهَمُ بِإِدْخَالِ وَارِثٍ لِلضَّرَرِ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ إنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ بِالثَّلَاثِ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ وَرِثَتْهُ، لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ أَنَّهُ أَرَادَ إخْرَاجَهَا مِنْ الْمِيرَاثِ فَعُوقِبَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ الْأَعَاجِمُ إذَا سُبُوا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ فِي أَنْسَابِهِمْ فِي بَابِ التَّوَارُثِ إلَّا مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، فَأَمَّا بِقَوْلِ الْقَائِلِ مِنْهُمْ هَذَا أَخِي وَشِبْهُ ذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ، لِأَنَّهُمْ يُتَّهَمُونَ فِي إرَادَةِ قَطْعِ اسْتِحْقَاقِنَا لِإِرْثِهِمْ، فَتَبَيَّنَ تَأْثِيرُ التُّهْمَةِ فِي الْإِدْخَالِ وَالْإِخْرَاجِ فِي الْمَوَارِيثِ.
مَسْأَلَةٌ: قَاتِلُ الْخَطَأِ لَا يَرِثُ مِنْ الدِّيَةِ لِأَنَّ الدِّيَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ لِجِنَايَتِهِ، وَالْعَاقِلَةُ تَحْمِلُهَا عَنْهُ تَخْفِيفًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْنِيَ جِنَايَةً يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إنْ لَمْ تُلْزِمْهُ مَالًا. فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ لَا تُفِيدَ اسْتِجْلَابَ مَالٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَكَذَلِكَ اللِّعَانُ يَقْطَعُ التَّوَارُثَ بَيْنَ الْأَبِ وَالْوَلَدِ، لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِنَسَبِ الْوَلَدِ مِنْهُ قَطْعُ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا وَبَقِيَ الْإِرْثُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ ذَلِكَ الْعَلَامَاتُ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ وَهِيَ أَنَّهُ إنْ كَانَ كَبِيرًا فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ أَنْ يَبُولَ إلَى حَائِطٍ أَوْ مِنْ فَوْقِ حَائِطٍ، فَإِنْ ضَرَبَ بَوْلُهُ الْحَائِطَ أَوْ كَانَ جَالِسًا فَوْقَهُ فَخَرَجَ بَوْلُهُ عَنْ الْحَائِطِ فَهِيَ ذَكَرٌ، وَإِنْ أَسْلَسَ بَيْنَ فَخْذَيْهِ فَهُوَ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنَّهُ يُكْشَفُ عَنْ عَوْرَتِهِ وَيُنْظَرُ إلَى مَبَالِهِ، وَذَكَرُوا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعَلَامَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى تَمَيُّزِ الذَّكَرِ مِنْ الْأُنْثَى يَطُولُ ذِكْرُهَا
стр. 710
[الْفَصْلُ الْعَاشِرُ فِي الْجِنَايَاتِ] [ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي الْقَتْلِ]
وَهِيَ: الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْعَقْلِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمَالِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى النَّسَبِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْعِرْضِ، وَجِنَايَةُ الْمُحَارَبِينَ، وَالْجِنَايَةُ فِي الْأَدْيَانِ، وَيَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ: حُكْمُ الْخَوَارِجِ وَالرِّدَّةِ، وَحُكْمُ الزِّنْدِيقِ، وَحُكْمُ مَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى وَالْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَالصَّحَابَةَ، وَحُكْمُ السَّاحِرِ، وَحُكْمُ الْعَائِنِ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ فَهِيَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
الْأَوَّلُ: فِي الْقَتْلِ
الثَّانِي: فِي الْجِرَاحِ وَالْأَطْرَافِ
الثَّالِثُ: فِي الْقَتْلِ وَهُوَ ضَرْبَانِ: عَمْدٌ وَخَطَأٌ الْأَوَّلُ فِي الْعَمْدِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ حَرَامٌ، وَقَدْ شُرِعَ فِيهِ الْقِصَاصُ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] ، ثُمَّ الْقِصَاصُ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ، فَالسَّبَبُ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ الْمَحْضُ فَالْعَمْدُ يُخْرِجُ الْخَطَأَ، وَالْعُدْوَانُ يُخْرِجُ الِاسْتِيفَاءَ وَيُخْرِجُ مَنْ كَانَ غَرِيقًا ثُمَّ أَلْقَاهُ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ، وَبِالْمَحْضِ يَخْرُجُ شِبْهُ الْعَمْدِ وَهُوَ خَاصٌّ لِلْآبَاءِ مَعَ الْأَبْنَاءِ، وَالسَّبَبُ أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا يَنْشَأُ عَنْهُ الْمَوْتُ، كَمَنْعِهِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَكَإِلْقَاءِ السُّمِّ فِي طَعَامِهِ، وَكَسِحْرِهِ حَتَّى يَمُوتَ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ فَيَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِنَا فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمُحَارَبِ مِنْ الْكُفَّارِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ لَمْ يَأْذَنْ لِقَاتِلِهِ فِي الْقَتْلِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْقَتِيلُ مَعْصُومَ الدَّمِ.
وَأَمَّا الْمَوَانِعُ فَخَمْسَةَ عَشَرَ: الْأَوَّلُ: شَرَفُ الدِّينِ: فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
стр. 711
الثَّانِي: الْأُبُوَّةُ: فَلَا يُقْتَلُ الْأَبُ بِوَلَدِهِ إلَّا أَنْ يُضْجِعَهُ وَيَذْبَحَهُ، وَكَذَلِكَ الْأُمُّ وَالْأَجْدَادُ.
الثَّالِثُ: شَرَفُ الْحُرِّيَّةِ: فَلَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ.
الرَّابِعُ: تَعَذُّرُ إظْهَارِ الْقَاتِلِ مِثْلُ أَنْ تَشْهَدَ جَمَاعَةٌ عَلَى الرَّجُلِ فَيَدْخُلَ فِي جَمَاعَةٍ فَلَمْ يُعْرَفْ، فَيَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ يَغْرَمُونَ الدِّيَةَ بِغَيْرِ قَسَامَةٍ، قَالَ سَحْنُونٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ لِبُطْلَانِ الشَّهَادَةِ.
الْخَامِسُ: دَعْوَى الْوَلِيِّ خِلَافَ مَا قَالَهُ الْمَقْتُولُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً.
السَّادِسُ: أَنْ يَظْهَرَ اللَّوْثُ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ دُونَ وَصْفِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ وَلَمْ يَقُلْ عَمْدًا وَلَا خَطَأً، فَقَالَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ عَمْدًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ خَطَأً مَانِعٌ مِنْ الْقَتْلِ.
السَّابِعُ: إقَامَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ غَائِبًا حِينَ الْقَتْلِ.
الثَّامِنُ: نُكُولُ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ الْقَسَامَةِ.
التَّاسِعُ: رُجُوعُ الْمُدْمِي عَنْ التَّدْمِيَةِ.
الْعَاشِرُ: اخْتِيَارُ الْأَوْلِيَاءِ الْوَاحِدَ مِنْ الْجَمَاعَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ مُسْقِطٌ الْقَتْلَ عَنْ بَقِيَّتِهِمْ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: عَفْوُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَ عَشَرَ: صِحَّةُ الْمُدْمَى صِحَّةُ بَيِّنَةٍ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: عَفْوُ بَعْضِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلدَّمِ.
الرَّابِعَ عَشَرَ: مِيرَاثُ الْقَاتِلِ بَعْضَ دَمِهِ، كَرَجُلٍ قَتَلَ أَبَاهُ فَاسْتَحَقَّ دَمَهُ إخْوَتُهُ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ.
الْخَامِسَ عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ الْوَلِيُّ ابْنًا، وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَخْلُفَهُ فَكَيْفَ يَقْتُلُهُ؟ الضَّرْبُ الثَّانِي فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَهُوَ الْفِعْلُ بِغَيْرِ قَصْدٍ، إمَّا مُبَاشَرَةٌ كَسُقُوطِهِ عَلَيْهِ، أَوْ تَقَلُّبِ الْمَرْأَةِ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ وَشِبْهُ ذَلِكَ، وَإِمَّا تَسَبُّبًا كَإِهْمَالِ الصَّئُولِ وَإِهْمَالِ الْحَائِطِ الْمَائِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
стр. 712
[فَصْلٌ مَا يَثْبُت بِهِ قَتْل الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ]
فَصْلٌ: وَيَثْبُتُ قَتْلُ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ بِالْبَيِّنَةِ وَبِالْإِقْرَارِ وَبِالْقَسَامَةِ مَعَ اللَّوْثِ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا شَيْئَانِ، إمَّا الْعَمْدُ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ إنْ طَلَبَهُ الْأَوْلِيَاءُ، وَالضَّرْبُ وَالسَّجْنُ إنْ عَفَوْا، وَإِنْ مَنَعَ مَانِعٌ مِنْ الْقَتْلِ مِنْ عَفْوٍ أَوْ عَدَمِ مُسَاوَاةٍ كَالْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الْكَافِرَ، وَالْحُرِّ يَقْتُلُ الْعَبْدَ، وَالْعَبْدِ يَقْتُلُ الْحُرَّ فَيُسْتَرَقُّ، وَكَجَمَاعَةٍ أَقْسَمَ الْأَوْلِيَاءُ عَلَى أَحَدِهِمْ، فَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ ضَرْبُ مِائَةٍ وَسَجْنُ عَامٍ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: يُجْلَدُ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ وَلَا يُسْجَنَانِ، وَمَبْدَأُ السُّنَّةِ فِي السِّجْنِ مِنْ يَوْمِ الْعَفْوِ سِوَى مَا مَضَى مِنْ سَجْنِهِ قَبْلَ ثُبُوتِ الدَّمِ، عَلَيْهِ وَأَمَّا قَتْلُ الْخَطَأِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنْ الْعُيُوبِ مُحَرَّرَةٍ لَهُ خَلِيَّةٍ مِنْ شَوَائِبِ الْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ انْتَظَرَ الْقُدْرَةَ، وَأَمَّا الدِّيَةُ فِي النَّفْسِ الْكَامِلَةِ إنْ كَانَ الْجَانِي مِنْ أَهْلِ الْعَمُودِ فَمِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ مُخَمَّسَةٍ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ كَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ وَأَهْلِ الْمَغْرِبِ فَأَلْفُ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ كَالْعِرَاقِ وَفَارِسٍ وَخُرَاسَانَ فَاثْنَا عَشَرَ أَلْفًا فِضَّةً خَالِصَةً، وَأَمَّا النَّفْسُ النَّاقِصَةُ فَهُوَ الْجَنِينُ مُضْغَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا، فَفِيهِ الْغُرَّةُ إنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا وَنِصْفُ الْغُرَّةِ إنْ كَانَ حُرًّا ذِمِّيًّا، وَفِي جَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ، وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ، وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ نِسَاءِ كُلِّ صِنْفٍ نِصْفُ دِيَةِ رِجَالِهِمْ.
стр. 713
[الْقِسْمُ الثَّانِي فِي الْجِرَاحِ وَالْأَطْرَافِ وَالْمَنَافِعِ]
ِ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى عَمْدٍ وَخَطَأٍ
أَمَّا الْعَمْدُ: فَمُوجِبُهُ الْقِصَاصُ وَالْأَدَبُ إذَا أُمِنَ مِنْ تَنَاهِيهِ إلَى الْمَوْتِ، وَكُلُّ شَخْصَيْنِ يَجْرِي بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ يَجْرِي بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ وَالْأَدَبُ فِي الْجِرَاحِ، وَكَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ جُرْحٌ وَكَسْرٌ وَإِبَانَةُ عُضْوٍ وَإِزَالَةُ مَنْفَعَةٍ، وَالْجِرَاحُ تِسْعَةٌ مَشْهُورَةٌ وَذِكْرُ الْقِصَاصِ فِيهَا مَعْلُومٌ، وَالْكَسْرُ الْمُرَادُ بِهِ هَاشِمَةُ الْجَسَدِ وَالْقِصَاصُ مِنْهُ فِيمَا كَانَ مِنْهُ غَيْرُ مَخُوفٍ، كَعَظْمِ الْعَضُدِ دُونَ الْفَخِذِ، وَعِظَامُ الصَّدْرِ وَالْعُنُقِ وَالصُّلْبِ وَإِبَانَةُ عُضْوٍ فِيهِ الْقِصَاصُ مَا لَمْ يَكُنْ مَخُوفًا، وَإِزَالَةُ الْمَنْفَعَةِ كَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْعَقْلِ وَالشَّمِّ وَالصَّوْتِ وَالذَّوْقِ وَقُوَّةِ الْجِمَاعِ، وَمَنْفَعَةِ الْجُلُوسِ وَالنُّطْقِ، فَهَذِهِ عَشَرَةٌ وَالْوَاجِبُ فِيهَا مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ.
وَأَمَّا مَا يَتَعَذَّرُ فِيهِ الْعَدْلُ فِي الْقِصَاصِ، كَنُقْصَانِ بَعْضِ الْعَقْلِ وَبَعْضِ السَّمْعِ وَبَعْضِ الْبَصَرِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُوصَلُ فِيهِ إلَى حَقِيقَةِ الْمِثْلِ، فَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ وَفِي خَطَئِهِ عَقْلٌ مُسَمًّى فَفِيهِ ذَلِكَ الْعَقْلُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ مُسَمًّى فَفِيهِ حُكُومَةٌ مِنْ تَنْبِيهِ الْحُكَّامِ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فَالْوَاجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ أَوْ الْحُكُومَةُ عَلَى مَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَبَسْطِ هَذَا الْبَابِ وَذِكْرِ الْمُقَدَّرَاتِ وَمَا فِيهَا، وَأَحْكَامُ كُلِّ قِسْمٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ يُخْرِجُنَا عَنْ الْمَقْصُودِ، وَالْغَرَضُ هُنَا ذِكْرُ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالسِّيَاسَةِ.
стр. 714
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْجِرَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا]
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَسَائِلِ اللَّوْثِ وَالْقَسَامَةِ، وَنَذْكُرُ هُنَا بَعْضَ مَسَائِلِ التَّدْمِيَةِ وَالدَّعَاوَى فِي هَذَا الْبَابِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ: وَإِذَا أَدْمَى الرَّجُلُ عَلَى جَمَاعَةٍ سُجِنُوا كُلُّهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ عَلَى مَنْ يُقْسَمُ مِنْهُمْ وَلَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ أَنْ يَقْسِمُوا إلَّا عَلَى وَاحِدٍ وَيَقْتُلُونَهُ، مَضَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَحْلِفُوا ثُمَّ يَتَخَيَّرُوا، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُمْ: احْلِفُوا عَلَى مَنْ شِئْتُمْ وَاقْتُلُوهُ، وَيُضْرَبُ الْآخَرُونَ مِائَةً كُلَّ وَاحِدٍ وَيُسْجَنُونَ عَامًا إذَا مَاتَ الْمَقْتُولُ مُطْلَقِينَ مِنْ غَيْرِ حَدِيدٍ.
وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُمْ يَقْسِمُونَ عَلَى الْجَمِيعِ وَلَا يَقْتُلُونَ إلَّا وَاحِدًا يَخْتَارُونَهُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ السِّجْنُ عُقُوبَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا زَالَ عَنْهُ الْقَتْلُ، حَلَّتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ وَوَجَبَ سِجْنُهُ عَامًا، فَإِنْ كَانَ جَرِيحًا أَوْ مَرِيضًا سُجِنُوا مُحَدَّدِينَ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ قَالَ: لَا بُدَّ لِلْمَسْجُونِ فِي الدَّمِ مِنْ الْحَدِيدِ حَتَّى يَرَى مَا يَكُونُ، فَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ لِعَفْوٍ وَقَسَامَةٍ عَلَى غَيْرِهِ، أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْحَدِيدِ وَضَرَبَهُ مِائَةً وَسَجَنَهُ عَامًا مُسْتَقْبِلًا مِنْ غَيْرِ حَدِيدٍ، وَكَذَا فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ عَنْ ابْنِ مُزَيْنٍ فِي الْمَرْأَةِ تُدْمِي عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْقَوَدُ، لِأَنَّ الرَّجُلَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ زَوْجَتَهُ فِيمَا أَذِنَ اللَّهُ أَنْ يَضْرِبَهَا فِيهِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وَقَدْ يَأْتِي مِنْ ذَلِكَ مَا يَتَّصِلُ بِالْمَوْتِ وَقَالَ اللَّهُ : ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] ، فَلَمَّا أُبِيحَ لَهُ ضَرْبُهَا فِيمَا يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَهَا فِيهِ، سَقَطَتْ مِنْهُ تَدْمِيَتُهَا؛ لِأَنَّ الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تُدْمَى بِهِ قَدْ يَكُونُ أَصْلُهُ الضَّرْبَ الَّذِي أَجَازَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْقَوَدُ مِنْ أَجَلِّ الْحُدُودِ، وَلَا يُقَامُ الْقَوَدُ وَالْحُدُودُ إلَّا بِأَمْرٍ بَيِّنٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مُزَيْنٍ وَهَذَا الَّذِي عَلِمْنَاهُ مِنْ مَشَايِخِنَا الَّذِي حَمَلْنَا عَنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَقَدْ أَجَازَ اللَّهُ تَعَالَى لِلرِّجَالِ ضَرْبَ نِسَائِهِمْ عِنْدَ النُّشُوزِ، فَإِذَا أَصَابَ إحْدَاهُنَّ مِنْ ضَرْبِ زَوْجِهَا فَقْءُ عَيْنٍ
стр. 715
أَوْ كَسْرُ سِنٍّ أَوْ شَجَّةٍ لَهَا عَقْلٌ، أَنَّهُ لِعَقْلِ ذَلِكَ ضَامِنٌ، إلَّا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي ذَلِكَ إنْ تَعَمَّدَ ضَرْبَهَا مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ فَقْءَ عَيْنِهَا فَكَذَلِكَ مُعَلِّمُ الصِّبْيَانِ يَضْرِبُ أَحَدَهُمْ فِيمَا يَجُوزُ لَهُ ضَرْبُهُ، فَيُصِيبُهُ بِعُودِ الذُّرَةِ أَوْ بِطَرَفِ شِرَاكِهَا فَيُصِيبُ عَيْنَهُ فَيَفْقَؤُهَا، أَنَّهُ لِعَقْلِ ذَلِكَ ضَامِنٌ، وَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ إنْ تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ الَّذِي جَازَ لَهُ مِنْ تَأْدِيبِهِ مِنْ الْمُقَرَّبِ.
وَقَالَ الْمُشَاوِرُ إذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ أَوْ الْمُعَلِّمُ صِبْيَانَهُ فِي ذَنْبٍ اسْتَحَقَّا بِهِ الْأَدَبَ، فَلَكَزَ أَوْ لَطَمَ فَمَاتَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَيْءٌ، وَإِنْ ضُرِبَا فَفَقَأَ عَيْنًا أَوْ كَسَرَ ضِرْسًا فَعَلَيْهِمَا الْعَقْلُ، لِأَنَّ فِعْلَهُمَا آلَ إلَى مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا فِيهِ وَقَوْلُ الصَّالِحِ فِي الْأَدَبِ مَقْبُولٌ مِنْ الطُّرَرِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ أَبُو زَيْدِ بْنُ إبْرَاهِيمَ: إنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ أَوْ شَجَّهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، سُجِنَ حَتَّى يَعْرِفَ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ، فَإِنْ بَرِئَ وَعُفِيَ عَنْهُ فَلَا بُدَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْرَحْهُ، فَإِنْ حَلَفَ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَوْ أَقَرَّ أَدَّبَهُ فِيمَا اجْتَرَأَ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: وَإِنْ قَالَ الْمَجْرُوحُ: لَيْسَ هَذَا الَّذِي جَرَحَنِي أَوْ شُبِّهَ عَلَيَّ، فَلَيْسَ يَنْجُو مِنْ سِجْنِ السُّلْطَانِ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ يُقِرَّ أَوْ يَأْبَى الْيَمِينَ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ أَوْ الْأَدَبِ، أَمَّا لَوْ قَالَ الْمُدْمِي فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ شَكَّ فِي أَحَدِهِمَا بَطَلَتْ التَّدْمِيَةُ.
فَرْعٌ: وَكَذَا لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ وَلَا لَطْخَ بِمَا يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتُ، فَلَا بُدَّ مِنْ سِجْنِهِ حَتَّى يُعْرَفَ أَمْرُهُ؛ لِأَنَّ الْقَسَامَةَ تَجِبُ فِيهِ، حُكِيَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا سِجْنَ إلَّا بِشُبْهَةٍ أَوْ لَطْخٍ، وَلَيْسَ الْجُرْحُ كَالنَّفْسِ إذَا قَالَ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَذَلِكَ يُسْجَنُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْقَسَامَةَ بِمَوْتِهِ، وَالْأَوَّلُ لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا بِشُبْهَةٍ أَوْ لَطْخٍ بَيِّنٍ.
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: وَلَقَدْ اسْتَطَالَ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ أَهْلُ الشَّرِّ وَالْبَطَالَةِ عَلَى أَهْلِ الْعَافِيَةِ وَالِانْقِبَاضِ وَالصِّيَانَةِ، وَجَعَلُوا التَّدْمِيَةَ جُنَّةً لَهُمْ وَرُبَّمَا بَطَلَتْ بِهِ الْحُقُوقُ، فَإِذَا طَلَبَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ بِدَيْنٍ أَوْ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الْحَقِّ، تَرَاقَدَ وَتَمَارَضَ وَقَالَ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، حَتَّى يَفْتَدِيَ الطَّالِبُ بِالدَّيْنِ مِنْهُ بِمَا لَهُ عِنْدَهُ، لِأَنَّهُ يُصَدَّقُ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالِ فِي تَلَفِ مُهْجَةِ آخَرَ.
وَلَوْ قَالَ أَرْوَعُ النَّاسِ فِي مَرَضِهِ وَخِلَالَ نَزْعِهِ: لِي عِنْدَ فُلَانٍ
стр. 716
دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ يُؤْخَذْ بِقَوْلِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فِي إنْكَارِ دَعْوَاهُ، وَلَوْ أَنَّ قَائِلًا قَالَ: لَا يُصَدَّقُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا أَهْلُ الْفَضْلِ الْمَشْهُورِ وَالْوَرِعِ الْمَعْرُوفِ، إذَا ادَّعَوْا عَلَى مَنْ تَأْخُذُهُ الظِّنَّةُ وَتَقْرُبُ مِنْهُ التُّهْمَةُ لَكَانَ حَسَنًا مِنْ الْقَوْلِ، وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ فِي قَبُولِ أَنَّ فَاعِلَ هَذَا إنَّمَا يَطْلُبُ مَوَاضِعَ الْخَلَوَاتِ وَأَوْقَاتِ الْغَفَلَاتِ؛ لِئَلَّا يُرَى، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقُولُ عِنْدَ الْمَوْتِ إلَّا حَقًّا، وَخَالَفَ مَالِكًا فِي ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الَّتِي ادَّعَتْ أَنَّ رَجُلًا صَالِحًا اسْتَكْرَهَهَا فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي تِلْكَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهَا وَأَوْجَبَ حَدَّهَا، وَيَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَخَذَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِاللَّوْثِ فِي الدِّمَاءِ مَا وَقَعَ لِلشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ اللُّؤْلُؤِيِّ فِي التَّدْمِيَةِ وَرُجُوعِهِ عَنْ الْفَتْوَى بِهَا.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: مَنْ أُخِذَ فِي تُهْمَةِ قَتْلٍ فَاعْتَرَفَ عِنْدَ السُّلْطَانِ بِغَيْرِ ضَرْبٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ الْمَقْتُولَ مِنْ بِئْرٍ أَوْ مَدْفِنٍ، فَلَمَّا أَمَرَ بِهِ لِيُقْتَلَ قَالَ: مَا قَتَلْته، وَلَكِنِّي رَأَيْت مَنْ قَتَلَهُ قُتِلَ وَلَا يَنْفَعُهُ إنْكَارُهُ، وَكَذَلِكَ السَّارِقُ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِقْرَارِ قَدْ ثَبَتَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ، فَلَا يَنْفَعُهُ رُجُوعُهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهُ مَا لَزِمَهُ مِنْ الْقَتْلِ كَالْمَالِ يَقْرَبُهُ ثُمَّ يُنْكِرُ.
فَرْعٌ: وَمَنْ اُتُّهِمَ بِقَتْلِ نَفْسٍ فَأُخِذَ فَاعْتَرَفَ بِلَا مِحْنَةٍ، ثُمَّ سُجِنَ ثُمَّ أُخْرِجَ لِلْقَتْلِ فَقَالَ: إنَّمَا اعْتَرَفْت خَوْفًا مِنْ الضَّرْبِ وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ أَقْتُلَهُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ مَعْرُوفٍ، لِأَنَّ الْإِقْرَارَ قَدْ لَزِمَ كَلُزُومِ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ، لِأَنَّ الدَّمَ حَقُّ الْآدَمِيِّ كَالدَّيْنِ.
تَنْبِيهٌ: وَلَوْ عُفِيَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سِجْنُ سَنَةٍ وَجَلْدُ مِائَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مِنْ الطُّرَرِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ عَنْ مَالِكٍ ﵀: فِي رَجُلَيْنِ شَهِدَا أَنَّهُ حَضَرَ بِهِمَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ يَحْمِلُونَ خَشَبَةً وَمَعَهُمْ صَبِيٌّ وَهُوَ ابْنٌ لِأَحَدِهِمْ، فَلَمَّا غَابُوا عَنْهُمَا سَمِعَا وَقْعَ الْخَشَبَةِ فِي الْأَرْضِ وَبُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَاتَّبَعَاهُمْ فَوَجَدَا الْخَشَبَةَ فِي الْأَرْضِ وَالصَّبِيَّ فِي حِجْرِ أَبِيهِ فِي اللَّوْثِ وَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، أَنَّهَا شَهَادَةٌ قَاطِعَةٌ تَجِبُ بِهَا الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِالْمُعَايَنَةِ.
стр. 717
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمِثْلُهَا أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُمَا رَأَيَا رَجُلًا خَرَجَ مُسْتَسِرًّا مِنْ دَارٍ فِي حَالٍ رَثَّةٍ فَاسْتَنْكَرَا ذَلِكَ، فَدَخَلَ الْعُدُولُ مِنْ سَاعَتِهِمْ الدَّارَ، فَوَجَدُوا قَتِيلًا يَسِيلُ دَمُهُ وَلَا أَحَدَ فِي الدَّارِ غَيْرُهُ وَغَيْرُ الْخَارِجِ، فَهَذِهِ شَهَادَةٌ جَائِزَةٌ يُقْطَعُ الْحُكْمُ بِهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَ الْمُعَايَنَةِ.
فَرْعٌ: وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ رَأَى الْعُدُولُ الْمُتَّهَمَ يُجَرِّدُ الْمَقْتُولَ وَيُعَرِّيهِ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ حِينَ أَصَابَهُ، فَإِنَّ هَذَا لَوْثٌ تَجِبُ مَعَهُ الْقَسَامَةُ بِخِلَافِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَإِنَّهَا شَهَادَةٌ تَامَّةٌ صَدَرَتْ مِنْ حَاكِمٍ إلَى الْفُقَهَاءِ يَسْتَشِيرُهُمْ فِيمَا يَأْخُذُ بِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ يَزْعُمُ أَنَّ فُلَانًا تَوَلَّى ضَرْبَهُ وَعَفْجَ بَطْنِهِ، حَتَّى صَارَ بِذَلِكَ فِي مَوْقِفِ الْمَوْتِ، أَوْ يَأْتِي وَلِيُّهُ عَنْهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَيَدْعُو إلَى السَّمَاعِ مِنْ بَيِّنَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَيَطْلُبُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ حُبِسَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَقَدْ يَأْتِيهِ رَجُلٌ آخَرُ يَدَّعِي عَلَى رَجُلٍ وَبِهِ جِرَاحَاتٌ غَلِيظَةٌ مَخُوفَةٍ، وَقَدْ يَأْتِيهِ رَجُلٌ آخَرُ عَلَيْهِ جُرْحٌ سَهْلٌ قَدْ أَسَالَ دَمَهُ فَأَجَابُوهُ: بِأَنَّ الَّذِي تَقُولُ بِهِ: إنَّ الزَّمَانَ فَسَدَ وَإِنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ إنَّمَا يُسْرِعُ إلَيْهَا مَنْ لَا خَشْيَةَ تَمْنَعُهُ مِنْ رُكُوبِ الْبَاطِلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَسْلُكَ حَالَةً يَكُونُ فِيهَا خَلَاصٌ لَك إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَدَاءٌ لِلْحَقِّ إلَى ذَوِي الْحُقُوقِ.
فَمَنْ جَاءَك وَعَلَيْهِ جِرَاحٌ مَخُوفَةٌ، فَاحْبِسْ الْمُدْمَى عَلَيْهِ حَتَّى تَصِحَّ الْجُرُوحُ أَوْ يَتَبَيَّنَ حَالَةٌ يَجِبُ بِهَا إطْلَاقُهُ.
وَمَنْ جَاءَك مُعَافًى مِنْ الْجِرَاحِ يَدَّعِي عَلَى رَجُلٍ ضَرْبًا مُؤْلِمًا قَدْ بَلَغَ مِنْهُ مَبْلَغَ الْخَوْفِ عَلَى نَفْسِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ، فَأَلْزِمْ الْقِيَامَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ، فَإِنْ أَثْبَتَ تَعَدِّيَ الْمُدَّعِي مَعَهُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَدْفَعٌ فِي الْبَيِّنَةِ فَعَزِّرْهُ، وَإِنْ رَأَيْت حَبْسَهُ فَذَلِكَ إلَيْك عَلَى مَا يَظْهَرُ لَك مِنْ شَنَاعَةِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ جَاءَك بِجُرْحٍ خَفِيفٍ وَهُوَ مِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَفْعَلُ هَذَا بِنَفْسِهِ فَاسْلُكْ بِهِ سَبِيلَ مَنْ جَاءَك مُعَافًى مِنْ الْجِرَاحِ، فَإِذَا نَظَرْت بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ كَانَ نَظَرًا يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ الشَّرِّ وَيَدْرَأُ بِهِ الْبَطْشَ وَيَنْفَعُ بِهِ الْعَامَّةَ وَيَذُبُّ بِهِ عَنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لُبَابَةَ وَابْنُ غَالِبٍ وَابْنُ وَلِيدٍ وَابْنُ مُعَاذٍ.
وَقَالَ بِهِ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، إلَّا فِي الْمُدَّعِي الضَّرْبَ الْمُؤْلِمَ غَيْرَ الظَّاهِرِ أَوْ الْجُرْحَ الْخَفِيفَ.
стр. 718
فَإِنَّهُ إنْ ادَّعَى عَلَى مَنْ يُشْبِهُ أَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ عَلَى مَنْ يُشْبِهُ ذَلِكَ فَكَمَا قَالَ أَصْحَابُهُ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ إذَا قَصَدَ رَجُلًا فَاضِلًا قَدْ عُرِفَ بِالْخَيْرِ لَا يُقَارِفُ الدِّمَاءَ فَإِنِّي أُبْطِلُ التَّدْمِيَةَ وَلَسْت أَقْبَلُهَا مِنْهُ، قَالَ مُحَمَّدٌ وَمَا عِنْدِي بَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَصُدِّقَ إنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْأَصْبَغِ تَرَكَ يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَصِيرَ إلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، وَالْوُقُوفَ عِنْدَهُ وَالْفَتْوَى بِهِ.
وَصَارَ إلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِهِ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَذْكُرَ الْمَشْهُورَ وَيَخْتَارَ قَوْلَ مَنْ رَأَى الْحَقَّ فِي قَوْلِهِ، وَأَمَّا أَنْ يَعْرِضَ عَنْ مَشْهُورِ الْمَذْهَبِ وَيَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ فَذَلِكَ تَقْصِيرٌ، وَمَا أَظُنُّ إلَّا أَنَّهُ غَابَ عَنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ قِيلَ: دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ؟ فَسُمِّيَ رَجُلًا أَوْرَعَ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ فِي الدِّمَاءِ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَيْسَ هُوَ مَشْهُورًا بِشَيْءٍ مِنْ الشَّرِّ، قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا يُحَاشِي أَحَدًا مِنْ أَحَدٍ وَرَأَى أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِي كُلِّ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا مَالِكٌ كَانَ الْمَقْتُولُ مَسْخُوطًا أَوْ غَيْرَ مَسْخُوطٍ، وَهُوَ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ كَالشَّاهِدِ لِأَنَّهُ لَيْسَ يُتَّهَمُ، وَالْمَرْأَةُ كَالرِّجَالِ فِي ذَلِكَ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَفِي ذَلِكَ الْقَسَامَةُ.
فَرْعٌ: وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ مُزَيْنٍ قَالَ: وَسَأَلْته يُرِيدُ عِيسَى بْنَ دِينَارٍ عَنْ صِفَةِ الضَّرْبِ الَّذِي إذَا ادَّعَاهُ الرَّجُلُ أَنَّهُ ضُرِبَ بِهِ أَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَجَبَتْ الْقَسَامَةُ، قَالَ: الضَّرْبُ كُلُّهُ قُلْت لَهُ: أَمِنْ ذَلِكَ اللَّطْمَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] ، قُلْت: فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ فُلَانًا ضَرَبَهُ، وَمِنْ ضَرْبِهِ يَمُوتُ وَلَيْسَ بِهِ أَثَرُ ضَرْبٍ فِي شَيْءٍ مِنْ جَسَدٍ قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ، قَالَ: يُحْمَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُحْمَلُ وَتَكُونُ فِيهِ الْقَسَامَةُ عَلَى سُنَّتِهَا قُلْت: وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مُنَازَعَةٌ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، قُلْت: وَإِنْ رَمَى بِذَلِكَ صَالِحًا مِنْ النَّاسِ لَا يُتَّهَمُ بِشَيْءٍ قَالَ: وَإِنْ رَمَى بِذَلِكَ خَيْرَ النَّاسِ حَالًا فَرُبَّمَا حَدَثَتْ الْبَلَايَا وَرُبَّمَا كَانَ الضَّرْبُ الَّذِي يُخْفِي أَثَرَهُ وَهُوَ يَكِيدُ صَاحِبَهُ، فَالْقَسَامَةُ تَجِبُ بِقَوْلِهِ، وَيَدِينُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَدِينُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَدِينُ، وَأَصْدَقُ مَا يَكُونُ الْمَرْءُ عِنْدَ نُزُولِ الْمَوْتِ وَفِرَاقِ الدُّنْيَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: مَنْ قَالَ سَقَانِي فُلَانٌ سُمًّا وَمِنْهُ أَمُوتُ أَقْسَمَ عَلَى قَوْلِهِ وَوَجَبَ الْقَوَدُ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ فِي آخِرِ سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا قَسَامَةَ
стр. 719
فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا فِي الضَّرْبِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْآثَارِ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْجِرَاحِ وَأَثَرِ الضَّرْبِ.
وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِالْوَقَائِعِ النَّادِرَةِ.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ أَتَى الْقَاضِيَ مُتَعَلِّقًا بِرَجُلٍ يَرْمِيهِ بِدَمِ وَلِيِّهِ، وَأَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْقِيَامِ بِدَمِهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ وَلِيُّ الدَّمِ، فَإِذَا ثَبَتَ تَعَدُّدُهُ مِنْ الْمُدَّعِي سَأَلَهُ الْقَاضِي: هَلْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى دَعْوَاهُ؟ فَإِنْ ادَّعَى ثُبُوتَ ذَلِكَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ مِنْ الْغَدِ أَمَرَ الْقَاضِي بِحَبْسِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ أَثْبَتَ التَّعَدُّدَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الدَّمِ فَهُوَ فِي حَبْسِهِ عَلَى ضَرْبَيْنِ، إنْ كَانَ الْمُدْمَى عَلَيْهِ مُتَّهَمًا حُبِسَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا إلَى الثَّلَاثِينَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ زُونَانِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَسَنِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فَالْيَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُمَا، فَإِنْ أَتَى طَالِبُ الدَّمِ فِي آخِرِ الْمُدَّةِ بِسَبَبٍ قَوِيٍّ سَقَطَ وَوَجَبَتْ الزِّيَادَةُ فِي حَبْسِهِ عَلَى مَا يَرَاهُ الْقَاضِي مِمَّا يُرْجَى بِهِ تَحْقِيقُ الدَّعْوَى أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، هَذَا الَّذِي يَجِبُ النَّظَرُ بِهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ سَمِعْت مُطَرِّفًا يَقُولُ: مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ شَجَّهُ أَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا يَخَافُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ عُرِفَتْ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُحْبَسُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْمُدَّعَى، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِلَطْخٍ بَيِّنٍ وَشُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ، أَوْ يَكُونَ الْمُدَّعِي بِحَالَةٍ يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهَا الْمَوْتُ، وَقَدْ أَشَرْنَا بِذَلِكَ عَلَى حُكَّامِنَا فَحُكِمَ بِهِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ شُهِدَ عَلَيْهِ لَوْثٌ مِنْ بَيِّنَةٍ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ رَمَى حَجَرًا، فَمَضَى الْحَجَرُ عُلُوًّا حَتَّى وَاقَعَ امْرَأَةً مَجْهُولَةَ الْمَوْضِعِ لَا يُعْلَمُ لَهَا وَلِيٌّ فَمَاتَتْ مِنْ سَاعَتِهَا، وَلَمْ تَرْمِ أَحَدًا بِدَمِهَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي فَحَضَرَ الْمُدْمِي وَالْقَوْمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ عَايَنُوا رَمْيَهُ، فَكَشَفَ الْقَاضِي عَنْ رَمْيَتِهِ هَلْ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً؟ فَلَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ فَحَبَسَهُ الْقَاضِي مُدَّةَ شَهْرٍ وَنِصْفٍ، فَسَأَلَ الْمَحْبُوسُ النَّظَرَ فِي أَمْرِهِ مِمَّا يَجِبُ لَهُ وَعَلَيْهِ وَهُوَ يُنْكِرُ الرَّمْيَةَ الْمَنْسُوبَةَ إلَيْهِ فَاسْتَشَارَ الْحَاكِمُ الْفُقَهَاءَ فَأَجَابُوا: بِأَنَّ اللَّوْثَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَقَدْ قَالُوا هُوَ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ غَيْرِ الْعُدُولِ، وَقَدْ حَبَسَهُ مُثْبِتًا فِي أَمْرِهِ وَطَالِبًا لِوَلِيٍّ إنْ كَانَ لَهَا وَهَذَا صَوَابٌ، وَبَعْدَ أَنْ طَالَ الْحَبْسُ هَكَذَا وَلَمْ يَأْتِ وَلِيٌّ وَجُهِلَتْ الرَّمْيَةُ فَلَمْ يُعْلَمْ هَلْ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ خَطَأً فَالصَّوَابُ عِنْدَنَا أَنْ يُؤْخَذَ بِقَوْلِ مَنْ أَلْغَى شَهَادَةَ غَيْرِ الْعُدُولِ، وَأَخَذَ
стр. 720
فِي اللَّوْثِ بِأَنَّهُ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا لَمْ يَجِبْ عَلَى هَذَا شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّلَ مِنْ الشُّهُودِ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يُرْجَى فِيهِمْ تَعْدِيلٌ رَأَيْنَا اسْتِحْسَانًا أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَا رَمَى هَذِهِ الرَّمْيَةَ وَلَا كَانَ مَا قَالَهُ الشُّهُودُ، قَالَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ غَانِمٍ.
وَمِنْ تَمَامِ جَوَابِ مُحَمَّدِ بْنِ غَانِمٍ وَإِنْ أَخَذْت فِي اللَّوْثِ بِاللَّفِيفِ وَقَامَ بِذَلِكَ ثَابِتُ النَّسَبِ، أَقْسَمَ عَلَيْهِ وَكَانَتْ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ وَاَلَّذِي أَخْتَارُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّوْثَ الشَّاهِدُ الْعَدْلُ.
وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ إذَا ثَبَتَ لَهَا وَلِيٌّ كَانَ الْقَوْلُ مَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ غَانِمٍ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا وَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ، لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ قَسَامَةٌ لِمَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ غَالِبٍ مِنْ الِاسْتِظْهَارِ بِالْيَمِينِ، إنْ كَانَ أَرَادَ يَمِينًا وَاحِدَةً فَمُشْكِلٌ، لِأَنَّ الدِّمَاءَ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا وَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَسَامَةٌ، فَإِذَا سَقَطَتْ الْقَسَامَةُ سَقَطَ رَدُّهَا مِمَّنْ طُلِبَ بِهَا.
وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ: أَصْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي اللَّوْثِ أَنَّهُ اللَّفِيفُ وَالْبَيِّنَةُ غَيْرُ الْعَادِلَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ قَوْلِهِ بِالشَّاهِدِ الْعَدْلِ، فَإِنْ ثَبَتَ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ وَلِيٌّ كَانَ هُوَ الْمُحَلِّفُ لِهَذَا الْمُدْمِي، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا وَلِيٌّ، فَالْمُسْلِمُونَ أَوْلِيَاؤُهَا وَوَارِثُوهَا، كَمَا يَرِثُونَ مَالَهَا يَرِثُونَ دَمَهَا، وَلَا بُدَّ لِهَذَا الْمَحْبُوسِ مِنْ أَنْ يَحْلِفَ خَمْسِينَ مَا رَمَاهَا عَمْدًا، ثُمَّ تَكُونُ دِيَتُهَا عَلَى عَاقِلَتِهَا، فَإِنْ أَبَى عَنْ الْيَمِينِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَلَا يَبْطُلُ دَمُ مُسْلِمٍ.
وَقَدْ رَوَى يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِي الْمُسْلِمِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ عَمْدًا وَلَا وَلِيَّ لَهُ إلَّا الْمُسْلِمُونَ، أَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْقَتْلِ؟ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُهْدِرَ دَمَ مُسْلِمٍ وَلَكِنْ يَسْتَقِيدُ لَهُ، فَكَمَا يَسْتَقِيدُ لِمَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ إلَّا الْمُسْلِمُونَ، فَكَذَلِكَ يُسْتَحْلَفُ هَذَا الْمَحْبُوسُ.
وَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَيُّ الْقَوْلَيْنِ أَخَذْت بِهِ فِي اللَّوْثِ، رَجَوْت أَنْ يَكُونَ مُوَفَّقًا فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَمَّا الْيَمِينُ يُرِيدُ الَّتِي قَالَ ابْنُ غَالِبٍ اسْتِحْسَانًا، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا وَلِيٌّ وَأَخَذْت بِقَوْلِ مَنْ رَأَى اللَّوْثَ الشَّاهِدِ الْعَدْلِ فَمَا أَرَى عَلَيْهِ يَمِينًا.
стр. 721
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ حُبِسَ فِي دَمٍ فَشُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعَفَافِ وَالطَّهَارَةِ وَاسْتِقَامَةِ الطَّرِيقَةِ، بَعِيدٌ مِنْ الَّذِي نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ مُقَارَفَةِ الدَّمِ مُلَازِمٌ لِلْخَيْرِ وَأَهْلِهِ، وَاَلَّذِي وَشَى بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِقْدٌ وَأُمُورٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وَأَجَابَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِذَلِكَ تُوجِبُ الْإِطْلَاقَ مِنْ الْحَبْسِ، لِأَنَّ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الرَّجُلِ يَرْمِي الرَّجُلَ بِالدَّمِ هَلْ يُحْبَسُ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ الْمُدْمَى بِهِ مُتَّهَمًا يُحْبَسُ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ لَمْ يُحْبَسْ إلَّا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُحَقَّقْ عَلَيْهِ شَيْءٌ أُطْلِقَ، فَهَذَا مَا قَالُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ لِلْمُدْمِي بِالطَّهَارَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ، فَكَيْفَ وَقَدْ شُهِدَ لِهَذَا بِنَفْيِ الرِّيبَةِ عَنْهُ، مَعَ مَا انْضَافَ إلَى ذَلِكَ مِنْ طُولِ حَبْسِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ؟ فَتَرَى أَنَّ إطْلَاقَ هَذَا الْمَحْبُوسِ وَاجِبٌ وَحَقٌّ لَازِمٌ، لَا يَحِلُّ حَبْسُهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ بِذَلِكَ ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ وَلِيدٍ وَأَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ إنْ كَانَ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِشَهَادَةٍ تُوجِبُ حَبْسَهُ، فَإِطْلَاقُهُ وَاجِبٌ لَا يَجِبُ حَبْسُهُ.
مَسْأَلَةٌ: فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ فِي سَجْنِ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ ابْنُ بُرَيْهِنَةَ فِي تَدْمِيَةٍ، فَأَجَابَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا: فَهَمُّنَا وَفَّقَ اللَّهُ الْقَاضِيَ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَى ابْنِ بُرَيْهِنَةَ الْمَرْمِيِّ بِالدَّمِ، بِزَعْمِ الشُّهُودِ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلَا شَهِدُوا شَهَادَةً يَجِبُ بِهَا أَخْذُهُ بِالدَّمِ، وَفَهِمْنَا شَهَادَةَ فُلَانٍ عَلَيْهِ وَمَا رَمَاهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِثَايَةِ وَالْفَسَادِ، فَرَأَيْنَا هَذِهِ الشَّهَادَةَ خَاصَّةً يَجِبُ بِهَا حَبْسُ الْمُدْمِي حَبْسًا طَوِيلًا مَعَ تَظَاهُرِ الشَّهَادَاتِ عَلَيْهِ، مِمَّنْ لَمْ تَعْرِفْهُمْ حَبْسًا يَكُونُ كَالتَّخْلِيدِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَذَكَرْت أَنَّ لَهُ فِي الْحَبْسِ عَامَيْنِ، وَأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ ذَكَرُوا لَك أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ حُسِّنَتْ عِنْدَهُمْ، فَإِذَا شَهِدُوا عِنْدَك بِجَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّهُ يَسْتَوْجِبُ الْإِطْلَاقَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْبَسْ عَنْ ثُبُوتِ شَيْءٍ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: فِي ثَلَاثِ رِجَالٍ تَرَامَوْا بِدَمٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: إنَّ هَذَيْنِ قَتَلَا ابْنَ عَمِّي، وَقَالَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ إنَّ هَذَا قَتَلَ ابْنَ عَمِّي، فَأَمَرَ الْحَاكِمُ بِهِمْ إلَى السِّجْنِ لِيَكْشِفَ عَنْ حَالِهِمْ، فَلَمْ يَمْضِ الْيَوْمُ حَتَّى بَعَثُوا إلَى الْحَاكِمِ أَنَّا قَدْ اصْطَلَحْنَا وَإِنَّمَا كَانَ شَرٌّ وَقَعَ بَيْنَنَا وَقَدْ تَهَادَرْنَا وَاصْطَلَحْنَا فَاسْتَشَارَ الْحَاكِمُ فِيهِمْ الْفُقَهَاءَ فَأَجَابُوهُ: بِأَنَّ الَّذِي عِنْدَنَا فِي أَمْرِ الثَّلَاثَةِ أَنْ يُطْلَقُوا وَيُخَلَّى سَبِيلُهُمْ، إذْ قَدْ تَصَالَحُوا وَتَعَافَوْا
стр. 722
مِنْ دَعْوَاهُمْ، وَرَجَعُوا إلَى أَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ مِنْ شَرٍّ وَقَعَ بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَا ادَّعَوْا وَجْهٌ يَظْهَرُ وَلَا سَبَبٌ يَدُلُّ وَلَا سَبِيلٌ إلَى حَبْسِهِمْ، بَعْدَ هَذَا قَالَهُ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَكَذَلِكَ قَالَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَنْ تَرَكَ إثْبَاتَ طَلَبِهِ، فَلَيْسَ عَلَى الْقُضَاةِ إجْبَارُهُ عَلَى طَلَبِ حَقِّهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي اسْتَرَابَ أَمْرَهُمْ بِشَاهِدٍ عَلِمَهُ بِشَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِمْ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا مَا كَانَ مِنْ دَعْوَاهُمْ فَلَا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ شَكَا بِوَلَدِهِ أَنَّهُ غَيْرُ بَارٍّ بِهِ فَحَبَسَهُ الْحَاكِمُ تَأْدِيبًا لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ حَبْسِهِ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَتَلَ امْرَأَةَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَلَا قَامَ أَحَدٌ بِدَمِهَا وَإِنَّمَا جَرَى خَبَرٌ شَاذٌّ وَمَضَى لِحَبْسِهِ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ، فَطَلَبَ أَبُوهُ إطْلَاقَهُ، فَأَفْتَى الْعُلَمَاءُ بِأَنَّ فِي دُونِ هَذَا الْحَبْسِ مَا يُؤَدِّبُهُ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلَانِ قَتَلَا أُخْتَهُمَا وَشُهِدَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمَا، وَكَشَفَ الْقَاضِي عَنْ أَمْرِهِمَا فَلَمْ يَخْتَلِفَا أَنَّهُمَا قَتَلَاهَا لِرِيبَةٍ اتَّهَمَاهَا بِهَا. فَسَأَلَ الْقَاضِي الْفُقَهَاءَ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. فَأَجَابَهُ: الْفُقَهَاءُ: أَنَّهُ يَجِبُ حَبْسُهُمَا وَالْكَشْفُ عَمَّا نُسِبَ إلَيْهِمَا مِنْ قَتْلِهِمَا لَهَا بِبَيِّنَةِ عَدْلٍ، تَقْطَعُ عَلَى مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ وَعَلَى سَمَاعِ صَوْتِهَا إذَا طُرِحَتْ فِي الْغَدِيرِ مِمَّنْ يَعْرِفُ صَوْتَهَا أَنَّ أَخَوَيْهَا يَقْتُلَانِهَا، وَاسْتِغَاثَتِهَا لِهَذَا وَقَامَ بِالدَّمِ مَنْ يَجِبُ الْقِيَامُ لَهُ، وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ فِي أَمْرِهِمَا بِمَا تُوجِبُ السُّنَّةُ فِي ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ رَمَى بِقَتْلِ أَخِيهِ سِتَّةَ نَفَرٍ فَحَبَسَهُمْ الْأَمِيرُ، ثُمَّ صَرَفَ النَّظَرَ فِيهِمْ إلَى الْقَاضِي وَأَمَرَهُ يَنْظُرُ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، فَأَحْضَرَ الْقَاضِي الْمَرْمِيِّينَ وَالرَّامِيَ لَهُمْ، فَذَكَرَ لِلْقَاضِي أَنَّ أَخَاهُ مَرَّ بِقَرْيَةٍ لِلْمَبِيتِ بِهَا فَأَصْبَحَ مَقْتُولًا، وَرَمَى بِدَمِهِ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَسَمَّاهُمْ.
وَقَالَ: إنِّي لَا أَعْرِفُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، فَأَنْكَرُوا كُلُّهُمْ قَتْلَ أَخِيهِ، ثُمَّ إنَّ الْمُدَّعِيَ أَبْرَأَ اثْنَيْنِ مِنْ السِّتَّةِ مِنْ دَمِ أَخِيهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُمَا بِأَعْيَانِهِمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ اسْمَهُمَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَبْسُ الْأَمِيرِ لَهُمْ قَبْلَ ارْتِفَاعِهِمْ إلَى الْقَاضِي، مُدَّةَ ذِكْرِ السِّتَّةِ النَّفَرِ أَنَّهَا عِشْرُونَ شَهْرًا.
وَقَالَ الْمُدَّعِي: إنَّمَا حُبِسُوا لِأَجْلِي مُنْذُ سَنَةٍ وَمَا قَارَبَهَا، فَأَجَابَ الْفُقَهَاءُ: إنْ لَمْ يَأْتِ الْقَائِمُ بِدَمِ أَخِيهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِلَوْثٍ يَجِبُ بِهِ الدَّمُ مَعَ
стр. 723
الْقَسَامَةِ، حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ الَّتِي أَقَرَّ الْمُدَّعِي أَنَّهُمْ حُبِسُوا فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ فَلَا مَعْنَى لِحَبْسِهِمْ، وَلَا يَحِلُّ حَبْسُ مَرْمِيٍّ بِدَمٍ هَذِهِ الْمُدَّةَ، إنَّمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ إنْ كَانَ الْمَرْمِيُّ بِالدَّمِ مُتَّهَمًا حُبِسَ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ، فَإِنْ لَمْ يُؤْتَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ فِي دَاخِلِ الشَّهْرِ أُطْلِقَ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ حُبِسُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ حَبْسُهُمْ لَهُ، وَفِي دُونِ ذَلِكَ مَا كَانَ فِيهِ اسْتِبْرَاءُ الدَّمِ، وَهَذَا الطَّالِبُ لَا يَعْرِفُ الْمَرْمِيَّ عَلَيْهِمْ بِأَعْيُنِهِمْ، وَأَبْرَأَ اثْنَيْنِ لَا يَعْرِفُهُمَا بِأَعْيَانِهِمَا فَأَيُّ شَيْءٍ أَضْعَفُ مِنْ هَذَا الطَّالِبِ؟ وَفِي إطْلَاقِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِمْ شُبْهَةٌ وَلَا سَبَبٌ يُوجِبُ حَبْسًا ثَوَابٌ، فَإِنَّ السِّجْنَ مَقْرُونٌ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ، يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥] . فَوَاجِبٌ عَلَى الْقَاضِي إنْهَاءُ ذَلِكَ إلَى الْأَمِيرِ.
مَسْأَلَةٌ: رَجُلٌ أَصْبَحَ فِي دَارِهِ مَقْتُولًا عَلَى فِرَاشِهِ، وَمَشَى ابْنُهُ مُنْذِرًا لِجِيرَانِهِ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ لَهِجًا بِأَنَّهُ طُرِقَ لَيْلًا وَقُتِلَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْوَزِيرُ وَأَمَرَ صَاحِبَ الْمَدِينَةِ بِالنُّهُوضِ إلَى دَارِهِ، فَنَهَضَ إلَيْهَا، فَوَجَدَ الْقَتِيلَ مَذْبُوحًا فِيهِ نَيِّفٌ عَلَى سِتِّينَ ضَرْبَةً بِسِكِّينٍ، وَتَتَبَّعَ الدَّارَ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا أَثَرَ نُزُولٍ وَلَا خُرُوجٍ، وَلَقِيَ فِي الدَّارِ ثِيَابَهُ مُخَبَّأَةً فِي بَعْضِ أَرْكَانِ الدَّارِ، وَسِكِّينَ أَقْلَامِهِ وَغُرْفَةً فِيهَا دَمٌ، وَفِي سَرَاوِيلِ بَعْضِ بَنَاتِهِ بَعْضَ دَمٍ، فَاسْتَنْطَقَهُنَّ فَقَالَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ عَنْ أُخْرَى هَذِهِ قَتَلَتْهُ وَأَعَنَّاهَا نَحْنُ وَقَالَتْ: كَانَ حَقِيقًا بِالْقَتْلِ مُنْذُ أَعْوَامٍ وَكَانَ ابْنَاهُ سَاكِنَيْنِ مَعَهُ فِي الدَّارِ، أَحَدُهُمَا الْمُنْذِرُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالْآخَرُ ضَعِيفُ الْأَعْضَاءِ ضَرَبَتْهُ رِيحٌ، فَقَالَ هَذَا الضَّعِيفُ طَرَقَهُ لُصُوصٌ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنْ قَالَ: إنَّمَا قَتَلَهُ النِّسَاءُ وَأَخُوهُ الَّذِي أَنْذَرَ بِالصَّلَاةِ كَانَ وَاقِفًا خَلْفَ بَابِ الْبَيْتِ وَثَبَتَ مَوْتُهُ وَوِرَاثَتُهُ، وَأَنَّ ابْنَيْ أَخِيهِ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْقِيَامِ بِدَمِهِ مَعَ ابْنِهِ الضَّعِيفِ، وَيُشَاوِرُ صَاحِبَ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ، فَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ: أَنَّهُ لَا قَتْلَ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الدَّارِ مِنْ نِسَائِهِ وَابْنَيْهِ، إلَّا أَنَّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْقَسَامَةَ أَنَّهُ مَا قَتَلَهُ وَلَا مَا لَا عَلَى قَتْلِهِ وَلَا شَارَكَ، فِيهِ ثُمَّ يُطَالُ سِجْنُهُمْ.
قَالَ ابْنُ عَتَّابٍ: وَلَمَّا كَانَ قَوْلُ الْمَرْأَةِ عَنْ الْأُخْرَى هَذِهِ قَتَلَتْهُ وَأَعَنَّاهَا نَحْنُ قَوْلًا مُحْتَمَلًا، فَيَحْتَمِلُ أَنْ نَعْنِيَ أَنَّهَا أَعَانَتْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لَمْ يَكُنْ عَامِلًا فِي قَتْلِهَا وَلِأَنَّهَا لَمْ تَقُلْ هَذَا إلَّا بَعْدَ ضَرْبِهِنَّ بِالسَّوْطِ وَغَيْرِهِ وَفَزَعِهِنَّ مِنْ ذَلِكَ، فَحَضَرَ الْوَزِيرُ مَسْجِدَ ابْنِ عَتَّابٍ وَأَمَرَ
стр. 724
بِإِحْضَارِ ابْنَيْ الْمَقْتُولِ وَبَنِي عَمِّهِمَا، وَأَقْسَمَ الْوَلَدُ الْكَبِيرُ وَأُمُّ وَلَدِهِ الْمَقْتُولِ فِي دَاخِلِ الْمَقْصُورَةِ بِالْجَامِعِ عِنْدَ مَقْطَعِ الْحَقِّ، عَافَانَا اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
وَأَفْتَى ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ مَالِكٍ بِأَنَّ لِابْنِهِ الضَّعِيفِ الْقِيَامَ بِالدَّمِ، قَالَ الْقَاضِي وَفِي هَذَا نَظَرٌ لِقَوْلِهِمَا أَوَّلًا طَرَقَهُ لُصُوصٌ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ أَحَدُهُمَا.
مَسْأَلَةٌ: فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ لَيْسَ مَعَهُمَا فِي الدَّارِ غَيْرُهُمَا مُدَّةً نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ إنَّ الْمَرْأَةَ أَصْبَحَتْ مَكْتُوفَةً مَذْبُوحَةً فِي الدَّارِ، وَذَكَرَ الشُّهُودُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ زَوْجَهَا غَابَ عَنْ سُكْنَى دَارِهِ وَالْمَبِيتِ لَيْلَةً وَاحِدَةً إلَى حِينِ وُقُوعِ ذَلِكَ، فَقَامَ جَدُّهَا لِأُمِّهَا وَادَّعَى عِنْدَ الْأَمِيرِ أَنَّ زَوْجَهَا قَتَلَهَا، فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ ذَلِكَ، فَأَحْضَرَ أَوْلِيَاءَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَا يُقْسِمُ فِي ذَلِكَ إنْ وَجَبَتْ لَهُ الْقَسَامَةُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنَا أُقْسِمُ عَلَى ذَلِكَ، فَشَاوَرَ الْأَمِيرُ الْفُقَهَاءَ فِي ذَلِكَ فَأَجَابُوهُ نَرَى وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ: إطَالَةَ سِجْنِ الزَّوْجِ مُوثَقًا فِي الْكَبْلِ مُضَيَّقًا عَلَيْهِ فِي الْحَبْسِ زَمَانًا، بِقَدْرِ مَا يُؤَدِّيك إلَيْهِ اجْتِهَادُك لَعَلَّ أَنْ يُقِرَّ فِي خِلَالِ ذَلِكَ لَطْخَ الدَّمِ بِهِ، فَإِنْ طَالَ حَبْسُهُ وَبَقِيَ عَلَى حَالِهِ، فَحِينَئِذٍ يُقْسِمُ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ بِالْجَامِعِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُ مَا قَتَلَهَا وَلَا شَارَكَ فِي دَمِهَا ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَاَللَّهُ حَسِيبُهُ.
وَأَجَابَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: بِأَنَّ وَلِيَّهَا وَرَجُلًا آخَرَ وَرِجَالًا مِنْ عَصَبَتِهَا يَحْلِفُونَ فِي مَقْطَعِ الْحَقِّ بَعْدَ طُولِ الْحَبْسِ، بِمَحْضَرِ الْأَمِيرِ وَمَحْضَرِ مَلَأٍ مِنْ النَّاسِ عَلَى عَيْنِ فَطِيسٍ وَبِمَحْضَرِهِ، وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، لَقَدْ قَتَلَهَا عَمْدًا خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الدَّمِ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغْ بَقِيَ الزَّوْجُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَيَحْلِفُ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ مِنْ عَصَبَتِهَا وَهَذَا الْقَوْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ الدَّمِ أَوْلَى بِالْبُدَاءَةِ بِالْيَمِينِ، قَالَ ابْنُ سَهْلٍ: وَآلَ أَمْرُ هَذَا الزَّوْجِ إلَى الْمُصَالَحَةِ بِعِدَّةٍ مِنْ الذَّهَبِ أَدَّاهَا وَخُلِّيَ عَنْهُ.
стр. 725
مَسْأَلَةٌ: لَوْ أَكْذَبَ الْمُدْمِي نَفْسَهُ فَلَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، لِأَنَّهُ لَوْ أُدِّبَ لَأَدَّى إلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ أَحَدٌ عَنْ ذَلِكَ، وَبِمِثْلِ هَذَا احْتَجَّ سَحْنُونٌ فِي تَرْكِ أَدَبِ الشَّاهِدِ إذَا رَجَعَ عَنْ شَهَادَةٍ، وَلَمْ يُعْذَرْ بِشُبْهَةٍ وَلَوْ أُدِّبَ لَمْ يَرْجِعْ أَحَدٌ.
مَسْأَلَةٌ: وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ ادَّعَى بَاطِلًا ثُمَّ تَبَيَّنَ بُطْلَانَ دَعْوَاهُ، فَإِنَّ ابْنَ سَهْلٍ حَكَى فِي الْأَحْكَامِ لَهُ أَنَّ الْحَاكِمَ يُؤَدِّبُهُ عَلَى قَدْرِ اجْتِهَادِهِ.
مَسْأَلَةٌ: مَنْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبًا زَعَمَ أَنَّهُ يُخَافُ مِنْهُ الْمَوْتَ، كَأَنْ كَانَ بِالْمُدَّعِي أَثَرٌ مَخُوفٌ أَوْ جِرَاحٌ، سُجِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَسُئِلَ الْمُدَّعِي عَلَى بَيِّنَتِهِ وَأُجِّلَ لَهُ بِقَدْرِ بُعْدِهَا وَقُرْبِهَا، فَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ اقْتَصَّ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ وَجَاءَ بِلَطْخٍ وَأَسْبَابٍ أَوْ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَبَيِّنَةٍ غَيْرِ قَاطِعَةٍ، تَمَادَى فِي سَجْنِهِ وَإِلَّا أَطْلَقَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ لَهُ وَلِيًّا إنْ كَانَ مُتَّهَمًا سَجَنَهُ مَكَانَهُ وَدَعَاهُ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا نَظَرَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا وَجَاءَ بِلَطْخٍ أَوْ سَبَبٍ تَمَادَى فِي سَجْنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ إلَّا بِمَنْ يَشْهَدُ أَنَّ هَذَا قُتِلَ لَهُ وَلِيٌّ وَلَا يَدْرُونَ مَنْ قَتَلَهُ، سُجِنَ إنْ كَانَ مُتَّهَمًا دُونَ سِجْنِ الَّذِي جُنِيَ عَلَيْهِ بِلَطْخٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّهَمًا لَمْ يُسْجَنْ نَدْبًا حَتَّى يَشْهَدَ أَنَّهُ قُتِلَ لَهُ وَلِيٌّ، فَيُسْجَنُ وَيُسْأَلُ الْبَيِّنَةَ وَيُؤَجَّلُ بِقَدْرِ مَا يُذْكَرُ بَعْدَهَا، فَإِنْ جَاءَ إلَى الْأَجَلِ بِمَا اسْتَوْجَبَ بِهِ السَّجْنَ وَإِلَّا أَطْلَقَهُ، وَلَا يَسْجُنُهُ أَبَدًا إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي صَبِيٍّ عَبِثَ بِسَقَّاءٍ عَلَى عُنُقِهِ قُلَّةٌ، حَتَّى سَقَطَتْ الْقُلَّةُ عَلَى الصَّبِيِّ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَى السَّقَّا وَإِنْ سَقَطَتْ عَلَى غَيْرِ الصَّبِيِّ فَقَتَلَتْهُ، فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَةِ الصَّبِيِّ مِنْ الْمُنْتَخَبِ فِي الْأَحْكَامِ اُنْظُرْ الطُّرَرَ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ قُلْت لِأَصْبَغَ يُؤَدَّبُ الصِّبْيَانُ فِي تَعَدِّيهِمْ وَشَتْمِهِمْ وَقَذْفِهِمْ وَجِرَاحَاتِهِمْ الْعَمْدِ وَقَتْلِهِمْ، قَالَ: نَعَمْ يُؤَدَّبُونَ إذَا كَانُوا قَدْ عَقَلُوا أَوْ رَاهَقُوا.
стр. 726
مَسْأَلَةٌ: وَفِي الطُّرَرِ: إذَا كَانَ الْمَرْمِيُّ بِالدَّمِ مِنْ أَهْلِ التُّهَمِ يُحْبَسُ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ، وَلَوْ قَوِيَتْ التُّهْمَةُ لَحُبِسَ الْحَبْسَ الطَّوِيلَ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ: عَلَيْهِ الْحَبْسُ الطَّوِيلُ جِدًّا حَتَّى يُبَيِّنَ بَرَاءَتَهُ أَوْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ السُّنُونَ الْكَثِيرَةُ، قَالَ مَالِكٌ: وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُحْبَسُ فِي الدَّمِ بِاللَّطْخِ وَالشُّبْهَةِ، حَتَّى إنَّ أَهْلَهُ لَيَتَمَنَّوْنَ مَوْتَهُ مِنْ طُولِ حَبْسِهِ.
مَسْأَلَةٌ: مِنْ الْمُتَيْطِيَّةِ: إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمُدْمَى أَثَرُ جُرْحٍ وَلَا ضَرْبٍ وَلَمْ يُعْرَفْ ضَرْبُ فُلَانٍ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى فُلَانٍ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: تُقْسِمُ مَعَ قَوْلِهِ كَانَ بِهِ أَثَرٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَبِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْعَمَلُ وَبِهِ الْحُكْمُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ قَالَ أَصْبَغُ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْحُوَاةِ طَرَحَ حَيَّةٍ مَسْمُومَةً عَلَى رَجُلٍ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ طَارِحُهَا إذَا قَتَلَتْ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنْ قَالَ: كُنْت أَلْعَبُ، لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَكُونُ لَعِبًا مَا يَفْعَلُ الشَّبَابُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ تَفْزِيعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِطَرْحِ الْحَيَّةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مِنْهَا مَا يَعْرِفُ هَؤُلَاءِ فَتَقْتُلُ، فَهَذَا الَّذِي يُشْكِلُ وَيُجْعَلُ خَطَأً، وَأَرَى الْقَسَامَةَ عَلَى طَرْحِ الْحَيَّةِ أَنَّهُ مَا تَعَمَّدَ الْقَتْلَ.
مَسْأَلَةٌ: وَسَأَلَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ الْقَوْمِ يَخْرُجُونَ فِي النُّزْهَةِ فَيَلْعَبُونَ وَيُجَرْجِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيُدْفَعُ أَحَدُهُمْ فَيَمُوتُ أَوْ تَنْكَسِرُ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ، فَقَالَ: يُعَدُّ ذَلِكَ خَطَأً وَفِيهِ الْعَقْلُ.
مَسْأَلَةٌ: وَسَأَلَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَيْضًا: عَنْ الْقَوْمِ يَتَمَاقَلُونَ فِي نَهْرٍ أَوْ بَحْرٍ، أَيْ يُغَطِّسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَمُوتُ رَجُلٌ مِنْهُمْ، قَالَ: يُعَدُّ خَطَأً وَفِيهِ الدِّيَةُ، وَلَوْ كَانَ عَمْدًا يُشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ تَعَمَّدَ أَنْ يُمِيتَهُ، كَانَ الْقَوَدُ فِيهِ بِأَنْ يُغَطَّسَ حَتَّى يَمُوتَ، قَالَ: فَلَوْ كَانُوا سِتَّةَ نَفَرٍ فَشَهِدَ الثَّلَاثَةُ مِنْهُمْ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَنَّهُمَا مَقَلَاهُ حَتَّى مَاتَ، وَشَهِدَ الِاثْنَانِ عَلَى الثَّلَاثَةِ مِنْهُمْ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَنَّهُمَا مَقَلَاهُ حَتَّى مَاتَ، وَشَهِدَ الِاثْنَانِ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، فَقَالَ: لَا شَهَادَةَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَكِنَّ الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ تَقَارُّوا أَنَّ مَوْتَهُ كَانَ مِنْ قِبَلِهِمْ وَسَبَبِهِمْ إلَّا أَنَّهُمْ تَرَامَوْا بِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ عَلَى
стр. 727
التَّعَمُّدِ لِقَتْلِهِ فَالدِّيَةُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي شَهَادَتِهِمْ عَلَى اللَّعِبِ فَالدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ: أَنَّ الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْوَالِهِمْ جَمِيعًا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ الْإِقْرَارِ وَلَيْسَ عَلَى جِهَةِ الشَّهَادَةِ عُدُولًا كَانُوا أَوْ غَيْرَ عُدُولٍ، عَمْدًا فَطَرَأَ ذَلِكَ فِي شَهَادَاتِهِمْ، وَخَطَأً وَهَذَا فِي الْكِبَارِ، فَأَمَّا لَوْ كَانُوا صِغَارًا أَسْقَطَ ذَلِكَ وَلَمْ يَثْبُتْ، لِأَنَّ الصِّغَارَ لَا إقْرَارَ لَهُمْ.
وَفِي شَرْحِ الْجَلَّابِ لِلْقَرَافِيِّ قَالَ مَالِكٌ: سِتَّةُ صِبْيَةٍ غَرِقَ فِي الْبَحْرِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَنَّهُمْ غَرَّقُوهُ، فَالْعَقْلُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدْرَأُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ، فَلَزِمَتْ الدِّيَةُ عَوَاقِلَهُمْ وَهَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَاضِحَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَإِذَا تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ مِنْ الصِّبْيَانِ فِي شَجَّةٍ هَلْ شَجَّهَا فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ؟ سَقَطَتَا؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَنْفِي مَا يُثْبِتُهُ الْآخَرُ وَأَرْشُ الشَّجَّةِ عَلَى جَمَاعَةِ الصِّبْيَانِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: مَنْ ادَّعَى عَلَى قَوْمٍ أَنَّهُمْ ضَرَبُوهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى ضَرْبِهِ بَيِّنَةٌ فَحَبَسَهُمْ السُّلْطَانُ فِي السِّجْنِ ثُمَّ الْمَضْرُوبُ بَرَّأَ بَعْضَهُمْ، أَطْلَقَ السُّلْطَانُ مَنْ بَرَّأَ وَحَبَسَ مَنْ لَمْ يُبَرِّئْ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ شَجَّهُ أَوْ جَرَحَهُ وَلَا بَيِّنَةَ، سُجِنَ لَهُ حَتَّى يُعْرَفَ مَا يَصِيرُ إلَيْهِ، فَإِنْ بَرِئَ وَعُفِيَ عَنْهُ فَلَا بُدَّ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ أَنَّهُ لَمْ يَجْرَحْهُ، فَإِنْ حَلَفَ خَلَّى سَبِيلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَوْ أَقَرَّ أَدَّبَهُ، وَلَوْ قَالَ الْمَجْرُوحُ: لَيْسَ هُوَ الَّذِي جَرَحَنِي أَوْ أُشْبِهَ عَلَيَّ لَمْ يَنْجُ مِنْ السِّجْنِ حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، أَوْ يُقِرَّ أَوْ يَأْبَى عَنْ الْيَمِينِ فَيُؤَدَّبَ، نَقَلَهُ ابْنُ رَاشِدٍ عَنْ الطُّرَرِ.
مَسْأَلَةٌ قَالَ مَالِكٌ ﵀: مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ فَعُفِيَ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمُوا أَوْ بَعْدَ أَنْ أَقْسَمُوا عَلَيْهِ، فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِائَةٍ وَسَجْنُ سَنَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ مِنْ بَعْدِ الضَّرْبِ، لَا يُعْتَدُّ فِيهَا بِمَا يَكُونُ مِنْ السِّجْنِ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ طَالَ.
стр. 728
تَنْبِيهٌ: قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَإِنَّمَا يَكُونُ ضَرْبُ مِائَةٍ وَسَجْنُ سَنَةٍ فِيمَنْ قَتَلَ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ أَوْ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُسْلِمِ فَلَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ فِيهِ الْأَدَبُ الْمُؤْلِمُ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَبِهِ نَقُولُ مِنْ مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ سَقَتْ وَلَدُهَا فَشَرِقَ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَكَذَا لَوْ انْقَلَبَتْ عَلَى وَلَدِهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا غَيْرُ الْكَفَّارَةِ.
مَسْأَلَةٌ: إذَا ادَّعَى رَجُلٌ أَنَّ سَمْعَهُ نَقَصَ مِنْ ضَرْبَةٍ أَوْ جِنَايَةٍ فَإِنَّهُ يُخْتَبَرُ بِالصِّيَاحِ، وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ: أَنْ تُسَدَّ الْأُذُنُ الصَّحِيحَةُ وَيُصَاحَ بِهِ مِنْ أَمَامِهِ مَا دَامَ يَسْمَعُ، وَتُقَاسُ تِلْكَ الْمَسَافَةِ ثُمَّ يُصَاحُ بِهِ مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَقُولَ لَا أَسْمَعُ شَيْئًا، ثُمَّ يُبْعَدُ عَنْهُ وَيُصَاحُ بِهِ حَتَّى يَقُولَ: لَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ تُقَاسُ تِلْكَ الْجِهَاتُ فَإِذَا اسْتَوَتْ الْمَسَافَاتُ الَّتِي بَلَغَ سَمْعُهُ إلَيْهَا وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ عُلِمَ صِدْقُهُ، وَحِينَئِذٍ تُسَدُّ الْأُذُنُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا وَتُفْتَحُ الصَّحِيحَةُ وَيُصَاحُ بِهِ فَإِذَا عُلِمَ انْتِهَاءُ صَوْتِهِ قَدَّرَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَا نَقَصَ مِنْ سَمْعِهِ، بِأَنْ يَنْظُرُوا مَا بَيْنَ الصَّحِيحَةِ وَالْمُصَابَةِ، وَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَى الدِّيَةِ فَيَأْخُذُ مِنْ الْجَانِي مَا يَنُوبُهُ مِنْهَا بَعْدَ يَمِينِهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الْجِهَاتِ بِأَمْرٍ بَيِّنٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى كَذِبِهِ، وَقِيلَ لَهُ الْأَقَلُّ مَعَ يَمِينِهِ.
فَرْعٌ: فَإِنْ ادَّعَى، ذَهَابَ بَعْضِ بَصَرِهِ فَيُخْتَبَرُ نَقْصُهُ بِأَنْ نُغْلِقَ الصَّحِيحَةَ، وَتُجْعَلَ بَيْضَةً أَوْ نَحْوَهَا أَمَامَهُ وَيُبْعَدُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ مِقْدَارُ بَصَرِهِ إلَيْهَا ثُمَّ يُجْعَلُ أَيْضًا كَذَلِكَ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، وَعِنْدِي أَنَّ فِي ذَلِكَ نَظَرًا، لِأَنَّ الْعَيْنَ تَنْظُرُ مِنْ أَمَامِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَنْظُرُ عَلَى جَنَبَاتِهَا فَكَذَلِكَ إذَا نَقَصَ بَعْضُ بَصَرِهَا، فَكَذَلِكَ تَسْمَعُ مِنْ جَانِبِهِ أَكْثَرَ مِمَّا تَسْمَعُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَهَذَا مِنْ الْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ الَّذِي لَا يَسْتَنْكِرُهُ أَحَدٌ ثُمَّ تُقَاسُ تِلْكَ الْجِهَاتُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّمْعِ.
فَرْعٌ: فَإِنْ ادَّعَى ذَهَابَ جَمِيعِ الْبَصَرِ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ، فَإِنَّهُ يُخْتَبَرُ بِأَنْ يُشَارَ إلَى بَصَرِهِ وَهُوَ عَلَى غَفْلَةٍ، فَإِنْ تَحَرَّكَ بَصَرُهُ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ، لِأَنَّ شَأْنَ الْعَيْنِ إذَا أُشِيرَ إلَيْهَا تَنْقَبِضُ.
فَرْعٌ: فَإِنْ ادَّعَى ذَهَابَ جَمِيعِ سَمْعِهِ فَيُخْتَبَرُ بِالصَّوْتِ الْمُرْعِبِ وَهُوَ عَلَى غَفْلَةٍ.
стр. 729
فَرْعٌ: وَكَذَلِكَ الذَّوْقُ إذَا ادَّعَى ذَهَابَهُ، فَإِنَّهُ يُخْتَبَرُ بِالْمُرِّ الْمُنَفِّرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ فَإِنْ صَبَرَ وَلَمْ يَنْفِرْ صُدِّقَ، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَقْلِ وَالشُّرْبِ]
وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ هَذَا الْبَابِ جُمْلَةُ مَسَائِلَ، وَإِذَا كَانَ شَارِبُ الْخَمْرِ أَوْ النَّبِيذِ حُرًّا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا، وَشَرِبَهُ مُخْتَارًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا عُذْرٍ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ ثَمَانِينَ سَوْطًا، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَأَرْبَعِينَ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَوُجِدَ سَكْرَانَ تُرِكَ، وَإِذَا أَعْلَنَ بِذَلِكَ عُوقِبَ، قَالَهُ الْبَاجِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَيَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهٍ وَمُضْطَرٍّ إلَى الْإِسَاغَةِ وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ حَرَامٌ.
وَفِي الْبَدْوِيِّ يَدَّعِي جَهْلَ التَّحْرِيمِ قَوْلَانِ بِخِلَافِ مُدَّعِي جَهْلِ الْحَدِّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مُجْتَهِدٍ يَرَى حِلَّ النَّبِيذِ وَمُقَلِّدِهِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ مُسْكِرًا شَرَابٌ آخَرُ فَلَا حَدَّ، وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَبِالْإِقْرَارِ وَبِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّمِّ مِمَّنْ يَعْرِفُهَا، بِأَنْ يَكُونَ مِمَّنْ شَرِبَهَا فِي حَالِ كُفْرِهِ أَوْ كَانَ قَدْ شَرِبَهَا فَتَابَ وَحْدَهُ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ إذْ لَا تَخْفَى رَائِحَتُهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، وَلَا يَخْلُفُ فِي حَالِ سُكْرِهِ كَانَ شَارِبًا أَوْ زَانِيًا أَوْ قَاذِفًا، فَإِنْ أَخْطَأَ الْإِمَامُ فَجَلَدَهُ أَجْزَاهُ إنْ كَانَ سُكْرُهُ خَفِيفًا وَإِلَّا لَمْ يُجْزِهِ.
فَصْلٌ: وَأَمَّا الْحَشِيشَةُ، فَفِيهَا الْأَدَبُ بِقَدْرِ اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، لِأَنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ بِخِلَافِ الْعَقَاقِيرِ الْهِنْدِيَّةِ فَإِنْ أُكِلَتْ لِتَغْطِيَةِ الْعَقْلِ امْتَنَعَ أَكْلُهَا حِينَئِذٍ.
فَصْلٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسْكِرَاتِ يَمْتَنِعُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا، وَالْأَشْيَاءُ الَّتِي تُغَطِّي الْعَقْلَ يَمْتَنِعُ مِنْهَا الْقَدْرُ الَّذِي يُغَطِّي الْعَقْلَ وَلَا يَمْتَنِعُ الْقَلِيلُ.
стр. 730
فَرْعٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ لَبَنَ الْخَيْلِ إذَا كَانَ قَارِصًا قَدْ يُغَطِّي عَلَى الْعَقْلِ حَرُمَ، وَإِنْ شُرِبَ لِغَيْرِ ذَلِكَ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ الْإِبَاحَةِ، وَيَمْتَنِعُ مِنْهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُغَطِّي الْعَقْلَ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، وَهَذَا الْكَلَامُ جَارٍ فِي الْمُرَقِّدَاتِ.
فَرْعٌ: وَالظَّاهِرُ جَوَازُ مَا سُقِيَ مِنْ الْمُرَقِّدِ لِقَطْعِ عُضْوٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ ضَرَرَ الْمُرَقِّدِ مَأْمُونٌ وَضَرَرَ الْعُضْوِ غَيْرُ مَأْمُونٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَسْقُطُ الْحُدُودُ بِالتَّوْبَةِ وَلَا بِطُولِ الزَّمَانِ، وَلَوْ تَكَرَّرَ الشُّرْبُ مِنْهُ مِرَارًا وَأُقِيمَ الْحَدُّ عَلَيْهِ تَدَاخَلَتْ فِيهِ الْحُدُودُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَكَذَلِكَ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ.
[فَصْلٌ فِي السَّرِقَةِ وَالسَّارِقِ]
ِ وَهُوَ كُلُّ بَالِغٍ عَاقِلٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْمَالِ، فَيَنْدَرِجُ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَالذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ، وَكَذَلِكَ الْحَرْبِيُّ إنْ دَخَلَ بِأَمَانٍ فَسَرَقَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْطَعُ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُقْطَعُ، وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ: الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْأَبُ وَالسَّيِّدُ وَالشَّرِيكُ إذَا سَرَقَ قَدْرَ حَقِّهِ، وَالْغَرِيمُ إذَا سَرَقَ جِنْسَ حَقِّهِ مِنْ غَرِيمِهِ الْمُمَاطِلِ، وَفِي السَّارِقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَمِنْ الْمَغْنَمِ قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ قَوْلَانِ، وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا السَّارِقُ لِجُوعٍ أَصَابَهُ، وَفِي خُرُوجِ الْجَدِّ لِلْأَبِ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَفِي خُرُوجِ الْعَبْدِ أَيْضًا قَوْلَانِ لِمَالِكٍ وَأَبِي مُصْعَبٍ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ سَرَقَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ شَيْئًا مِمَّا شَوَّرَهَا بِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهَا جَرَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ لَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ لَا.
[فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْمَسْرُوقِ]
وَفِي اخْتِصَاصِ الْقَطْعِ بِمَا يُتَمَلَّكُ قَوْلَانِ، وَفَائِدَتُهُ هَلْ يَجِبُ الْقَطْعُ عَلَى سَارِقِ الْحُرِّ الصَّغِيرِ مِنْ حِرْزٍ مِثْلِهِ؟ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُقْطَعُ.
فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَالِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:
стр. 731
الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ فَلَا قَطْعَ فِي آلَةِ لَهْوٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ قِيمَتُهَا بَعْدَ الْكَسْرِ نِصَابًا.
وَفِي جَلْدِ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ خِلَافٌ.
وَفِي الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ قَوْلَانِ.
مَسْأَلَةٌ: وَيُقْطَعُ سَارِقُ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ، سَوَاءٌ سَرَقَهَا مِنْ رَبِّهَا أَوْ مِمَّنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ، قَالَهُ أَشْهَبُ، وَقِيلَ: إنْ سَرَقَ مِنْ رَبِّهَا فَلَا قَطْعَ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ نِصَابًا وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ مِنْ الذَّهَبِ، أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مِنْ الْفِضَّةِ أَوْ عَرْضًا يُسَاوِي أَحَدَهُمَا فِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إنَّمَا يَقُومُ الْعَرْضُ بِالدَّرَاهِمِ.
فَرْعٌ: وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا لَا تَبْلُغُ رُبْعَ دِينَارٍ قُطِعَ.
فَرْعٌ: وَلَوْ أَخْرَجَ مِنْ الْحِرْزِ نِصَابًا لَكِنْ فِي مَرَّاتٍ، فَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُخْرِجَهُ فِي مَرَّةٍ، وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ كَانَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ قُطِعَ وَهَذِهِ حِيلَةٌ.
فَرْعٌ: وَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزَيْنِ لَمْ يُقْطَعْ.
فَرْعٌ: وَلَوْ سَرَقَ نِصَابًا مَعَ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ قُطِعَ وَحْدَهُ، وَلَوْ سَرَقَ مَعَ مَنْ لَهُ شُبْهَةٌ فِي الْمَالِ أَوْ فِي الدُّخُولِ كَالْعَبْدِ وَالْأَبِ لَمْ يُقْطَعْ.
فَرْعٌ: وَيُقَوَّمُ الْحَمَامُ الْمُرَادُ لِحَمْلِ الْكُتُبِ لَا لِلَّعِبِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا حَمَامٌ عُرِفَ بِالسَّبْقِ، أَوْ طَائِرٌ عُرِفَ بِالْإِجَابَةِ إذَا دُعِيَ، فَإِنَّمَا يُقَوَّمُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ بِخِلَافِ الْبُزَاةِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: بَلْ يُقَوَّمُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهَا.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْحِرْزِ، وَلَا قَطْعَ فِيمَا سُرِقَ مِنْ غَيْرِ الْحِرْزِ، وَكُلُّ شَيْءٍ مَعَ حَافِظٍ فَحَافِظُهُ حِرْزُهُ، وَأَفْنِيَةُ الْحَوَانِيتِ حِرْزٌ لِمَا وُضِعَ فِيهَا لِلْبَيْعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَانُوتٌ كَانَ مَعَهُ صَاحِبُهُ أَمْ لَا، وَمَرْبِطُ الدَّابَّةِ حِرْزٌ لَهَا إذَا كَانَ مُتَّخَذًا لِذَلِكَ، كَفِنَائِهِ وَبَابِ دَارِهِ وَمَوْقِفُ الشَّاةِ فِي السُّوقِ حِرْزٌ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَرْبُوطَةً، وَظَهْرُ الدَّابَّةِ وَالرَّحْلُ
стр. 732
حِرْزٌ لِمَا عَلَيْهِ، وَالسَّفِينَةُ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا وَالْمَسْجِدُ حِرْزٌ لِبَابِهِ وَسَقْفِهِ، وَفِي قَنَادِيلِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ حِرْزٌ لَهَا.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَيْسَ بِحِرْزٍ، وَقِيلَ: حِرْزٌ إنْ كَانَ عَلَيْهِ غَلْقٌ.
وَفِي الْحُصُرِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يَرْبِطَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ أَوْ لَا.
فَرْعٌ: وَالْحَمَامُ لَيْسَ بِحِرْزٍ لِلثِّيَابِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَارِسٌ أَوْ يُنَقَّبُ أَوْ يُتَسَوَّرُ.
فَرْعٌ: وَالثَّوْبُ الْمَنْشُورُ عَلَى الزُّقَاقِ لَيْسَ فِي حِرْزٍ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ حِرْزٌ، وَاضْطَرَبَتْ الرِّوَايَةُ فِي حَبْلِ الصَّبَّاغِ وَالْقَصَّارِ، وَلَا قَطْعَ فِي الثِّيَابِ الْمَبْسُوطَةِ عَلَى شَاطِئِ الْوَادِي، وَلَا فِي الْخِفَافِ فِي الْوَلَائِمِ وَالْجَمَاعَاتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ حَارِسٌ فَيُقْطَعُ.
فَرْعٌ: وَالدَّارَاتُ الْبُيُوتُ وَالْفُنْدُقُ الْمَأْذُونُ فِي سَاحَتِهِ، إذَا أَخْرَجَ السَّارِقُ مِنْ بُيُوتِهَا شَيْئًا إلَى السَّاحَةِ قُطِعَ مُطْلَقًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَ مِنْ مَكَانِهَا قُطِعَ وَإِلَّا لَمْ يُقْطَعْ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنْ بَابِهَا، وَاتَّفَقَا أَنَّ السَّاكِنَ إذَا أَخْرَجَ شَيْئًا مِمَّا فِي السَّاحَةِ مِنْ بَابِهَا أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ قُطِعَ.
فَرْعٌ: وَلَوْ سَرَقَ ثَمَرًا مِنْ رَأْسِ نَخْلَةٍ وَالْحَائِطُ لَا غَلْقَ عَلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ عَلَيْهِ غَلْقٌ فَإِنْ عَمِلَهُ رَبُّهُ فِي الْمِرْبَدِ فَسَرَقَ مِنْهُ قُطِعَ.
فَرْعٌ: وَلَوْ سَرَقَ مِنْ زَرْعٍ قَائِمٍ لَمْ يُقْطَعْ، وَلَوْ حَصَدَ وَرَبَطَ قَتًّا وَتُرِكَ فِي الْحَائِطِ لِيُنْقَلَ إلَى الْجَرِينِ فَرِوَايَتَانِ.
فَرْعٌ: وَلَا يُقْطَعُ الضَّيْفُ وَلَا مَنْ أَدْخَلَهُ رَبُّ الْحَانُوتِ لِيَعْرِضَ عَلَيْهِ الْمَتَاعَ لِوُجُودِ الْإِذْنِ.
فَرْعٌ: وَالْكُمُّ وَالْجَيْبُ حِرْزٌ لِمَا فِيهِمَا.
стр. 733
[فَصْلٌ فِي الْعُقُوبَةِ فِي السَّرِقَةِ]
ِ وَهِيَ الْقَطْعُ وَذَلِكَ لِلْإِمَامِ، وَمَحَلُّهُ الْيَدُ الْيُمْنَى مِنْ الْكُوعِ وَيُكْوَى مَوْضِعُ الْقَطْعِ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، فَإِنْ عَادَ عُزِّرَ وَحُبِسَ. وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ يُقْتَلُ.
مَسْأَلَةٌ: وَيَثْبُتُ حُكْمُ السَّرِقَةِ بِالْإِقْرَارِ وَالشَّهَادَةِ، أَمَّا الْإِقْرَارُ، فَإِنْ كَانَ طَوْعًا وَتَمَادَى عَلَيْهِ عَمَلٌ بِمُقْتَضَاهُ فَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ هَدَّدَ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤْخَذُ بِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ: إنْ كَانَ السُّلْطَانُ يَعْدِلُ فَسَجَنَهُ فَأَقَرَّ فِي السِّجْنِ أُلْزِمَ.
وَقَالَ: لَا يَعْرِفُ هَذَا إلَّا مَنْ اُبْتُلِيَ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا أَخْرَجَ الْمَتَاعَ وَالْقَتِيلَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِقْرَارُ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بَعْدَ أَمْنٍ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَيَعْرِفَ ذَلِكَ أَوْ يُقِرَّ وَيُخْبِرَ بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ وَجْهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَعَيَّنَ الشَّيْءَ وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ إذَا أَخْرَجَ الْمَتَاعَ أَوْ الْقَتِيلَ بِانْفِرَادِهِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ إلَّا أَنْ يَنْضَافَ إلَى ذَلِكَ مِنْ إخْبَارِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: اجْتَرَأْت أَوْ فَعَلْت كَذَا وَعَلَى صِفَةِ كَذَا، فَيَذْكُرُ مِنْ بِسَاطِ الْأَمْرِ وَمُنْتَهَاهُ مَا يُعْلِمُ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ إقْرَارِ الْمُكْرَهِ وَمَا لَا يَكُونُ كَذِبًا وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لَهُ كَانَ لَهُ فِي التَّعْيِينِ مَنْدُوحَةٌ مِنْ التَّبْصِرَةِ لِلَّخْمِيِّ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ عَيَّنَهَا قُطِعَ إلَّا أَنْ يَقُولَ: دَفَعَهَا إلَى فُلَانٍ، وَإِنَّمَا أَقْرَرْت لِمَا أَصَابَنِي مِنْ الْأَلَمِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَلَوْ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يُقْطَعُ وَإِنْ ثَبَتَ عَلَى إقْرَارِهِ، وَإِنْ عَيَّنَ السَّرِقَةَ إلَّا أَنْ يَعْرِفَ أَنَّهَا لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَإِنْ أَقَرَّ طَوْعًا ثُمَّ رَجَعَ لِشُبْهَةٍ سَقَطَ الْحَدُّ دُونَ الْغُرْمِ، وَإِنْ رَجَعَ بِغَيْرِ شُبْهَةٍ فَكَذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ.
وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ: إنْ عَيَّنَ السَّرِقَةَ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ رُجُوعٌ، وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ عَرْضٍ وَلَا عَيْنٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: لَيْسَ فِي الدَّنَانِيرِ تَعْيِينٌ، اُنْظُرْ فِي ابْنِ يُونُسَ اسْتِيعَابَ وُجُوهِ الْإِقْرَارِ، وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ جَامِعٌ مُفِيدٌ وَأَمَّا الشَّهَادَةُ، فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً وَجَبَ الْقَطْعُ وَالْغُرْمُ وَلَا تُقْبَلُ مُجْمَلَةً، وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَ ذَلِكَ فِي السِّيَاسَةِ فِي الشَّهَادَاتِ.
стр. 734
[فَصْلٌ الضَّمَانُ]
وَيَجِبُ عَلَى السَّارِقِ رَدُّ مَا أَخَذَ إنْ كَانَ قَائِمًا فَإِنْ تَلِفَ وَكَانَ دُونَ النِّصَابِ رَدَّ مِثْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ، وَيُتْبَعُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا وَكَانَ نِصَابًا فَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَدَنِيِّينَ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالْمَشْهُورُ التَّفْصِيلُ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: إذَا قُطِعَ وَهُوَ عَدِيمٌ وَذَهَبَ عَيْنُ مَا أَخَذَ لَمْ يَضْمَنْ وَلَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ عُقُوبَتَانِ قَطْعٌ وَغُرْمٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ طَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ السَّرِقَةِ إلَى يَوْمِ الْقَطْعِ عُدْمٌ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ كَانَ الْيَوْمَ مُوسِرًا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَاشْتَرَطَ أَشْهَبُ تَمَادِيَ الْعُدْمِ إلَى يَوْمِ الْحُكْمِ بِالْغُرْمِ، فَلَوْ حَدَثَ لَهُ عُسْرٌ بَعْدَ الْقَطْعِ وَقَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْغُرْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: سَأَلْت أَصْبَغَ عَنْ الرَّجُلِ يُلْفِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَمَعَهُ مَتَاعٌ فَيُؤْخَذُ فَيَقُولُ: فُلَانٌ أَرْسَلَنِي إلَى مَنْزِلِهِ فَأَخَذْت لَهُ هَذَا الْمَتَاعَ، قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الَّذِي مَعَهُ الْمَتَاعُ يُعْرَفُ مِنْهُ انْقِطَاعٌ إلَى رَبِّ الْمَتَاعِ، وَيُشْبِهُ مَا قَالَ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ مَا ذُكِرَ قُطِعَ، وَمَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: وَيُشْبِهُ مَا قَالَ أَنْ يُؤْخَذَ، وَقَدْ دَخَلَ إلَى الْمَتَاعِ مِنْ مَدْخَلِهِ غَيْرَ مُسْتَسِرٍّ. وَأَتَاهُ فِي حِينٍ يُمْكِنُ إرْسَالُهُ فِيهِ مَعَ الِانْقِطَاعِ الَّذِي يُعْرَفُ فَهَاهُنَا لَا يُقْطَعُ، وَأَمَّا إنْ كَانَ أَخَذَهُ مُسْتَسِرًّا وَدَخَلَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلٍ أَوْ فِي حِينٍ لَا يُعْرَفُ قُطِعَ وَإِنْ كَانَ لَهُ إلَيْهِ انْقِطَاعٌ، قَالَ: وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ إلَيْهِ انْقِطَاعٌ قُطِعَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ صَاحِبُ الْمَتَاعِ فَلَا يُقْطَعُ، إذَا كَانَ دُخُولُهُ مِنْ حِينٍ يُعْرَفُ وَدَخَلَ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلٍ مُسْتَسِرٍّ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلٍ وَفِي حِينٍ لَا يُعْرَفُ، أَوْ دَخَلَ مُسْتَسِرًّا قُطِعَ وَإِنْ صَدَّقَهُ صَاحِبُ الْمَتَاعِ.
فَرْعٌ: وَمَنْ سَرَقَ مَتَاعًا وَقَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ فَقَالَ: كُنْت أَوْدَعْته عِنْدَ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ، فَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ يُقْطَعُ وَإِنْ صَدَّقَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ.
وَقَالَ عِيسَى: أَحَبُّ إلَيَّ إنْ صَدَّقَهُ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ أَنْ لَا يُقْطَعَ.
стр. 735
فَرْعٌ: قَالَ أَشْهَبُ: لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ وَدِيعَةً أَوْ غَيْرَهَا فَجَحَدَ فَأَخَذَهَا مِنْ بَيْتِهِ عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَوْدَعَهُ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا بِمِلْكِهِ لَهَا.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ سُرِقَ لَهُ حُلِيٌّ فَوَجَدَهُ عِنْدَ صَائِغٍ، وَزَعَمَ الصَّائِغُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ بِهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَلَا قَطْعَ عَلَى الصَّائِغِ، لِأَنَّ مَنْ وُجِدَ عِنْدَهُ مَتَاعُهُ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَهُ، أَوْ اشْتَرَاهُ أَوْ وُهِبَ لَهُ فَاسْتَحَقَّهُ مُسْتَحِقٌّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ سُرِقَ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا أَوْ غَيْرَ مُتَّهَمٍ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَّهَمٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: فِيمَنْ تُوجَدُ مَعَهُ السَّرِقَةُ فَيَقُولُ: ابْتَعْتهَا مِنْ السُّوقِ وَلَا أَعْرِفُ بَائِعَهَا، وَهِيَ ذَاتُ بَالٍ أَوْ لَا بَالَ لَهَا، وَادَّعَى الْمُسْتَحِقُّ أَنَّهَا أَكْثَرُ مِمَّا وُجِدَ مَعَهُ، أَنَّهَا تُرَدُّ إلَى رَبِّهَا بِالْبَيِّنَةِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهَا مَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ، وَأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِصَّةِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْبَرَاءَةِ أُدِّبَ الْمُدَّعِي.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُؤَدَّبُ إذَا كَانَ ذَلِكَ طَلَبًا مِنْهُ لِحَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ نَكَلَ.
[فَصْلٌ الزِّنَا وَاللَّوْطُ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا]
وَالزِّنَا مُحَرَّمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَيَجِبُ فِيهِ الْعُقُوبَةُ وَالصَّدَاقُ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُكْرَهَةً أَوْ غَيْرَ عَالِمَةٍ، وَيُشْتَرَطُ فِي تَوَجُّهِ الْعُقُوبَةِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ: الْأَوَّلُ: الْبُلُوغُ، فَلَا حَدَّ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا صَبِيَّةٍ وَيُعَاقَبَانِ، وَلَا تُحَدُّ الْبَالِغَةُ بِوَطْءِ صَبِيٍّ وَإِنْ قَوِيَ عَلَى الْجِمَاعِ وَيُحَدُّ الْبَالِغُ بِوَطْءِ الصَّبِيَّةِ إذَا كَانَ مِثْلُهَا يُوطَأُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُحَدُّ وَإِنْ كَانَتْ بِنْتَ خَمْسٍ، وَأَوْجَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْحَدَّ بِالْإِنْبَاتِ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُحْكَمَ بِالْإِنْبَاتِ، وَإِذَا قُلْنَا: يُحْكَمُ بِالْإِنْبَاتِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ إنْبَاتًا بَيِّنًا بِشَعْرٍ أَسْوَدَ.
فَرْعٌ: وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مُوجِبُ حَدٍّ وَقَدْ أَنْبَتَ وَلَمْ يَبْلُغْ أَقْصَى سِنِّ مَنْ يَحْتَلِمُ وَادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يَحْتَلِمْ فَفِي حَدِّهِ قَوْلَانِ لِمَالِكٍ، وَالْأَصَحُّ سُقُوطُ الْحَدِّ لِأَجْلِ الشَّكِّ مِنْ مُفِيدِ الْحُكَّامِ، قَالَ: وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ:
стр. 736
وَلَا اخْتِلَافَ عِنْدِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالْإِنْبَاتِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْأَحْكَامِ يُرِيدُ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ.
الثَّانِي: الْعَقْلُ، فَلَا حَدَّ عَلَى مَجْنُونٍ وَيُعَاقَبُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُطْبِقًا فَكَانَ فِي حَالَةٍ يَرُدُّهُ الزَّجْرُ، وَتُحَدُّ الْمَرْأَةُ إنْ كَانَتْ عَاقِلَةً كَمَا يُحَدُّ الزَّانِي بِالْمَجْنُونَةِ.
الثَّالِثُ: الْإِسْلَامُ، فَلَا حَدَّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَيُرَدُّ إلَى أَهْلِ دِينِهِ يُعَاقِبُونَ إنْ أَعْلَنُوا الزِّنَا.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يُحَدُّ حَدَّ الْبِكْرِ وَلَوْ زَنَى بِمُسْلِمَةٍ طَائِعَةٍ عُوقِبَ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ: ذَلِكَ نَقْضُ الْعَهْدِ، وَقِيلَ يُحَدُّ وَيُقْتَلُ إذَا أَكْرَهَ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ لِنَقْضِ الْعَهْدِ، فَإِنْ أَكْرَهَ أَمَةً مُسْلِمَةً فَفِي قَتْلِهِ قَوْلَانِ.
الرَّابِعُ: الطَّوْعُ، فَلَا حَدَّ عَلَى الْمُكْرَهِ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَبِالْحَدِّ قَالَ سَحْنُونٌ وَمُطَرِّفٌ، وَاخْتَارَ اللَّخْمِيُّ نَفْيَ الْحَدِّ قَالَ: وَيَأْثَمُ، فَإِذَا أَكْرَهَتْهُ لَمْ يَأْثَمْ وَلَا حَدَّ عَلَى الْمُكْرَهَةِ وَلَهَا الصَّدَاقُ.
الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْوَاطِئُ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ عَلَى قَوْلِ أَصْبَغَ فَلَا حَدَّ عِنْدَهُ عَلَى الْأَعْجَمِيِّ، وَمَنْ كَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ وَهُوَ الْقِيَاسُ وَالْمَشْهُورُ الْحَدُّ.
السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ فِي فَرْجِ آدَمِيٍّ، فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ، وَلَا حَدَّ أَيْضًا فِي اسْتِمْنَاءٍ وَفِيهِمَا الْأَدَبُ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَدَّ أَيْضًا فِي الْمُسَاحَقَةِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: لَيْسَ فِي عُقُوبَتِهِمَا حَدٌّ وَذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، وَهَذَا فِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: سَمِعْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: تُجْلَدَانِ مِائَةً، وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الْمَرْأَتَيْنِ فَلَزِمَ فِيهِ التَّعْزِيرُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ:
стр. 737
يُجْلَدَانِ خَمْسِينَ وَنَحْوَهَا، وَهَذَا تَقْدِيرٌ عَلَى مَا رَآهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا فَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ الزِّنَا، يُرْجَمُ الْمُحْصَنُ مِنْهُمَا وَيُجْلَدُ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، وَيُغَرَّبُ الرَّجُلُ إنْ جُلِدَ، قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَرَوَاهُ أَبُو حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَذَلِكَ إذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الشَّرَجَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ أَحَدُ فَرْجَيْ الْمَرْأَةِ كَالْقُبُلِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ: حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ اللِّوَاطِ يُرْجَمَانِ أَحْصَنَا أَمْ لَمْ يُحْصِنَا، لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ فِي دُبُرٍ كَالرَّجُلَيْنِ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ وَطِئَ مَيِّتَةً فَعَلَيْهِ الْحَدُّ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَدَّ فِي وَطْءِ الْبَهِيمَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحَكَى ابْنُ شَعْبَانَ أَنَّ فِيهِ الْحَدَّ، وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَيُعَاقَبُ، وَالْبَهِيمَةُ كَغَيْرِهَا مِنْ الْبَهَائِمِ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ وَالْأَكْلِ بِاتِّفَاقٍ إنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤْكَلُ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ زَنَى بِذَاتِ مَحْرَمٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ مَعَ الْأَدَبِ الشَّدِيدِ لِمَا انْتَهَكَ مِنْ الْحُرْمَةِ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَبَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَقَالَا: لَا يُزَادُ عَلَى الْحَدِّ.
مَسْأَلَةٌ: وَمَنْ نَكَحَ خَامِسَةً أَوْ امْرَأَتَهُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا قَبْلَ زَوْجٍ أَوْ سَائِرَ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَى تَحْرِيمِهَا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا حُدَّ، وَإِنْ ادَّعَى الْجَهْلَ بِالتَّحْرِيمِ وَمِثْلُهُ يَجْهَلُ ذَلِكَ لَمْ يُحَدَّ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَدَّ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَفِيهِ الْعُقُوبَةُ الْمُوجِعَةُ وَالْعَالِمُ أَشَدُّ مِنْ الْجَاهِلِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُحَدُّ مَنْ نَكَحَ امْرَأَةً عَلَى عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا وَيُعَاقَبُ وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ، وَعُقُوبَةُ الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ أَشَدُّ مِنْ عُقُوبَةِ الْجَاهِلِ وَأَعْظَمُ قَالَهُ أَصْبَغُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَنْكِحُ امْرَأَتَهُ الْمَبْتُوتَةَ لَا يُحَدُّ، عَالِمًا كَانَ أَوْ
стр. 738
جَاهِلًا لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ نَكَحَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ أَمَةً لَهُ شِرْكٌ وَيَلْزَمُهُ الْأَدَبُ، وَفِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً مِنْ الْمَغْنَمِ وَهُوَ مِنْ الْغَانِمِينَ قَوْلَانِ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَوْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ حُدَّ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا يُحَدُّ.
السَّابِعُ: الْإِحْصَانُ وَهُوَ خَاصٌّ بِالزِّنَا، أَمَّا اللِّوَاطُ فَلَا وَالْإِحْصَانُ عِبَارَةٌ عَنْ خَمْسَةِ أَوْصَافٍ: الْحُرِّيَّةُ وَالتَّزْوِيجُ. وَالْوَطْءُ الْمُبَاحُ وَالتَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ فَلَا اعْتِبَارَ بِالْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ، وَتُحْصِنُ الْحُرَّةُ كَمَا تُحْصِنُ الْأَمَةُ الزَّوْجَةُ الْحُرَّ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْوَطْءِ بِالْمِلْكِ الْفَاسِدِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ وَالْمُحْرِمَةِ وَالصَّائِمَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تُحْصِنُ وَوَطْءُ الصَّبِيِّ لَا يُحْصِنُ الْبَالِغَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ كَانَتْ تُطِيقُ وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْنُونًا فَالْعَاقِلُ مِنْهُمَا مُحْصَنٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ الْمُرَاعَى الزَّوْجُ، فَإِنْ كَانَ عَاقِلًا فَهُمَا مُحْصَنَانِ، فَإِذَا زَنَتْ فِي إفَاقَتِهَا رُجِمَتْ، وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا لَمْ يَكُونَا مُحْصَنَيْنِ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إذَا صَحَّ الْعَقْدُ فَلَا اعْتِبَارَ بِجُنُونِهِمَا، فَإِذَا حَصَلَ الْوَطْءُ ثُمَّ زَنَى أَحَدُهُمَا فِي إفَاقَتِهِ رُجِمَ وَالزَّوْجَةُ النَّصْرَانِيَّةُ تُحْصِنُ الْمُسْلِمَ، وَالنَّصْرَانِيُّ لَا يُحْصِنُ الْمُسْلِمَةَ.
[فَصْلٌ مَا يَثْبُتُ بِهِ الزِّنَا]
فَصْلٌ: وَيَثْبُتُ الزِّنَا بِالْإِقْرَارِ وَبِالشَّهَادَةِ وَبِظُهُورِ الْحَمْلِ، فَأَمَّا الْإِقْرَارُ فَيَكْفِي وَلَوْ أَقَرَّ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً إذَا تَمَادَى عَلَيْهَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِشُبْهَةٍ أَوْ أَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ قُبِلَ مِنْهُ وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَرَاوِيَتَانِ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي اسْتِفْسَارُهُ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: وَاخْتَارَ بَعْضُ مَشَايِخِي الْقَوْلَ بِهِ بِالِاسْتِفْسَارِ تَعَلُّقًا بِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، مِنْ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِلْمُقِرِّ بِالزِّنَا: أَنِكْتَهَا، وَأَمَّا الشَّهَادَةُ فَقَدْ ذَكَرْت صِفَتَهَا فِي السِّيَاسَةِ فِي الشَّهَادَاتِ، وَأَمَّا الْحَمْلُ فَقَدْ ذَكَرْته فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِشَهَادَةِ الْحَمْلِ عَلَى الزِّنَا.
[فَصْلٌ فِي عُقُوبَةُ الزَّانِي]
فَصْلٌ: وَأَمَّا عُقُوبَةُ الزَّانِي فَنَوْعَانِ: جَلْدٌ وَرَجْمٌ، فَالْجَلْدُ يَخْتَصُّ بِالْبِكْرِ وَهُوَ لِلْحُرِّ وَالْحُرَّةِ، وَنِصْفُهَا لِمَنْ فِيهِ شَائِبَةُ رِقٍّ، وَيُزَادُ لِلذَّكَرِ الْحُرِّ التَّغْرِيبُ عَامًا، فَيُبْعَثُ بِهِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ وَيُكْتَبُ لِقَاضِيهَا فَيَحْبِسُهُ فِيهَا عَامًا، فَإِذَا مَضَى لِحَبْسِهِ سَنَةٌ فَيُخَلَّى وَالسَّنَةُ مِنْ يَوْمِ يُحْبَسُ، وَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي الَّذِي يَحْبِسُهُ أَنْ يَكْتُبَ الْيَوْمَ الَّذِي يَحْبِسُهُ فِيهِ
стр. 739
وَالشَّهْرَ وَالسَّنَةَ لِئَلَّا يَنْسَى، وَلِمَنْ يَأْتِي بَعْدُ مِنْ الْقُضَاةِ، وَلَوْ ظَهَرَتْ تَوْبَةُ الزَّانِي قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ السَّنَةُ لَمْ يُخْرَجْ حَتَّى تَنْقَضِيَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخَلَ فِي الْحَدِيدِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُحَارَبِ إذَا نُفِيَ إلَى بَلَدٍ لِيُحْبَسَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ إلَى قَاضِيهِ إذَا ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ وَتَبَيَّنَتْ فَخَلِّهِ.
مَسْأَلَةٌ: وَنَفَقَةُ الزَّانِي وَالْمُحَارَبِ وَكِرَاؤُهُمَا إذَا غُرِّبَا إلَى بَلَدٍ لِيُحْبَسَا فِيهِ مِنْ مَالِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
فَرْعٌ: قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَأَقَلُّ النَّفْيِ مَسِيرُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَأَمَّا الرَّجْمُ فَيَخْتَصُّ بِالثَّيِّبِ وَيُرْجَمُ بِأَكْبَرِ حَجَرٍ يَقْدِرُ الرَّامِي عَلَيْهِ وَيَجْتَنِبُ الْوَجْهَ، وَتُؤَخَّرُ الْحَامِلُ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا يُقْتَلُ بِصَخْرَةٍ وَلَا بِحَصَاةٍ خَفِيفَةٍ، وَلَا يُؤَخَّرُ لِمَرَضٍ بِخِلَافِ الْجَلْدِ، وَيُنْتَظَرُ لِلْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقَذْفِ، وَرُوِيَ لَا يُؤَخَّرُ فِي الْحَرِّ.
مَسْأَلَةٌ: وَلَا يُقِيمُ الْحَدَّ إلَّا الْحَاكِمُ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ عَلَى عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ حَدَّ الزِّنَا وَالْخَمْرِ وَالْقَذْفِ، إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِظُهُورِ الْحَمْلِ وَفِي حَدِّهِ لَهُمَا بِالرُّؤْيَةِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ زَوْجًا لِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ، أَوْ كَانَتْ الْأَمَةُ زَوْجَةً لِحُرٍّ أَوْ عَبْدٍ لِغَيْرِ السَّيِّدِ لَمْ يُقِمْهُ عَلَيْهِمَا غَيْرُ الْإِمَامِ، وَلَا يُقِيمُ السَّيِّدُ حَدَّ السَّرِقَةِ وَلَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ، وَإِذَا كَانَ لِلسَّيِّدِ إقَامَةُ الْحُدُودِ فَإِقَامَةُ التَّعْزِيرَاتِ لَهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الزَّنَاتِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ، وَإِذَا أَقَامَ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ حَدَّ الْقَذْفِ وَالْخَمْرِ فَلْيُحْضِرْ رَجُلَيْنِ، وَيُحْضِرُ فِي الزِّنَا أَرْبَعَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وَأَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ عَسَى أَنْ يُعْتَقَ يَوْمًا ثُمَّ يَشْهَدُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَا يَرُدُّ بِهِ شَهَادَتَهُ أَوْ يَقْذِفُهُ أَحَدٌ بِمَا حُدَّ بِهِ، فَيَتَخَلَّصُ مِنْ الْحَدِّ بِشَهَادَةِ مَنْ حَضَرَ حَدَّهُ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: سَمِعْت أَصْبَغَ يَقُولُ فِي صِبْيَانٍ: أَمْسَكُوا جَارِيَةً لِصَبِيٍّ حَتَّى افْتَضَّهَا أَنَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ الْحَدَّ، وَمَا شَانَهَا ذَلِكَ وَعَابَهَا عِنْدَ الْأَزْوَاجِ فِي جَمَالِهَا، لِأَنَّهُ جُرْحٌ وَلَيْسَ بِوَطْءٍ فَيَكُونُ لَهَا صَدَاقُ
стр. 740
مِثْلِهَا، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِثَيِّبٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ وَعَلَيْهِ، وَعَلَى الصِّبْيَانِ الَّذِينَ أَمْسَكُوهَا لَهُ الْأَدَبُ، قَالَ وَكَذَلِكَ يُؤَدَّبُ الصِّبْيَانُ فِي كُلِّ تَعَدٍّ كَانَ مِنْهُمْ إذَا كَانُوا قَدْ رَاهَقُوا وَعَقَلُوا.
[فَصْلٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ]
فَصْلٌ: وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَحَدُّهُ الرَّجْمُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ اُرْجُمُوهُمَا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ» .
وَقَالَ مَالِكٌ ﵀: إنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ الْعَمَلُ فِيمَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، أَنْ يُرْجَمَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِمْ الرَّجْمُ وَإِنْ لَمْ يُحْصِنَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَجَمَ قَوْمَ لُوطٍ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ مَنْ أَحْصَنَ وَمَنْ لَمْ يُحْصِنْ، فَصَارَ ذَلِكَ عُقُوبَةَ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَقَدْ جَاءَ حَدِيثٌ بِتَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا لَا يَرَى الْعَمَلَ بِهِ، وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: بِتَحْرِيقِهِمْ بَعْدَ أَنْ اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي ذَلِكَ، وَحَرَّقَهُمْ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي إمَارَتِهِ، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ حَرَّقَهُمْ الْعَشْرِيُّ بِالْعِرَاقِ.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَمَنْ أَخَذَ بِهَذَا لَمْ يُخْطِئْ، وَالرَّجْمُ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَرَأْيُ مَالِكٍ وَابْنِ شِهَابٍ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَحَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ بِسَنَدِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «نَفَى مُخَنَّثًا إلَى أَرْضٍ مُصَالَحَةٍ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ» ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ: عِنْدَنَا أَنَّهُ كَانَ مُتَّهَمًا مَشْهُورًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ فِعْلُ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، وَجَاءَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُخَنَّثَانِ فَنَفَاهُمَا إلَى عِيرٍ وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ الْمَدِينَةِ» .
مَسْأَلَةٌ: وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ: وَمَنْ أَتَى غُلَامًا أَوْ امْرَأَةً فِي غَيْرِ الْفَرْجِ بُولِغَ فِي أَدَبِهِ عَلَى قَدْرِ سَفَهِهِ.
следующие страницы →