Полный текст (1 974 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
مَرْهُونَةً لَمْ يَصِحَّ الرَّهْنُ فِي الثَّلَاثِ لِإِخْلَالِ الشَّرْطِ بِالْغَرَضِ مِنْهُ فِي الْأُولَى، وَلِتَغَيُّرِ قَضِيَّةِ الْعَقْدِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلِجَهَالَةِ الزَّوَائِدِ وَعَدَمِهَا فِي الثَّالِثَةِ وَأَمَّا الْعَاقِدَانِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ وَالِاخْتِبَارِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. فَلَا يَرْهَنُ الْوَلِيُّ أَبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مَالَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَرْتَهِنُ لَهُمَا إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ فَيَجُوزُ لَهُ الرَّهْنُ وَالِارْتِهَانُ فِيهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا، مِثَالُهُمَا لِلضَّرُورَةِ أَنْ يَرْهَنَ عَلَى مَا يَقْتَرِضُ لِحَاجَةِ الْمُؤْنَةِ لِيُوفِيَ مِمَّا يَنْتَظِرُ مِنْ غَلَّةٍ أَوْ حُلُولِ دَيْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَنَفَاقِ مَتَاعٍ كَاسِدٍ، وَأَنْ يَرْتَهِنَ عَلَى مَا يُقْرِضُهُ أَوْ يَبِيعُهُ مُؤَجَّلًا لِضَرُورَةِ نَهْبٍ أَوْ نَحْوِهِ. وَمِثَالُهُمَا لِلْغِبْطَةِ أَنْ يَرْهَنَ مَا يُسَاوِي مِائَةً عَلَى ثَمَنِ مَا اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ نَسِيئَةً وَهُوَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ، وَأَنْ يَرْتَهِنَ عَلَى ثَمَنِ مَا يَبِيعُهُ نَسِيئَةً لِغِبْطَةٍ. وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلَّا بِقَبْضِهِ كَمَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ بِإِذْنٍ مِنْ الرَّاهِنِ أَوْ إقْبَاضٍ مِنْهُ مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ لِلرَّهْنِ. وَلِلْعَاقِدِ إنَابَةُ غَيْرِهِ فِيهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بَيْنَ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ فِي صَفْقَةٍ وَهُوَ جَائِزٌ. وَصُورَتُهَا كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ: أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك عَبْدِي بِمِائَةٍ مَثَلًا بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَنِي بِهَا دَارَك وَأَنْ تَكُونَ مَنْفَعَتُهَا لِي سَنَةً، فَبَعْضُ الْعَبْدِ مَبِيعٌ وَبَعْضُهُ أُجْرَةٌ فِي مُقَابَلَةِ مَنْفَعَةِ الدَّارِ، تَأَمَّلْ هَذَا التَّصْوِيرَ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَعْجِزُ عَنْهُ وَقَدْ ظَفِرْت بِهِ فِي بَعْضِ شُرُوحِ التَّنْبِيهِ لِلزَّنْكَلُونِيِّ بَعْدَ التَّوَقُّفِ فِيهِ كَثِيرًا وَالسُّؤَالِ عَنْهُ كَثِيرًا، فَيُوَزَّعُ الْعَبْدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَالْمِائَةِ. قَوْلُهُ: (لِإِخْلَالِ الشَّرْطِ بِالْغَرَضِ مِنْهُ) لِأَنَّ الْغَرَضَ بَيْعُهُ عِنْدَ الْمَحِلِّ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَلِتَغَيُّرِ قَضِيَّةِ الْعَقْدِ إلَخْ) لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْعَقْدِ أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُ الْمَرْهُونِ لِلرَّاهِنِ ح ل؛ لِأَنَّ التَّوَثُّقَ إنَّمَا هُوَ بِالْعَيْنِ وَالْمَنَافِعُ لِلرَّاهِنِ.
وَقَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الثَّالِثَةِ أَيْضًا، فَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَقُولَ: وَلِتَغَيُّرِ قَضِيَّةِ الْعَقْدِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ وَلِجَهَالَةِ الزَّوَائِدِ فِي الثَّالِثَةِ فَتَكُونُ الثَّالِثَةُ مُعَلَّلَةٌ بِعِلَّتَيْنِ وَالثَّانِيَةُ بِوَاحِدَةٍ ع ش. وَالتَّوَثُّقُ هُوَ التَّحَفُّظُ لِلدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ حِفْظٌ لِلدَّيْنِ، أَيْ صَوْنٌ لَهُ عَنْ الضَّيَاعِ. قَوْلُهُ: (فَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا) أَيْ لِيَرْهَنَ الرَّاهِنُ وَيَرْتَهِنَ الْمُرْتَهِنُ رَهْنًا مُطْلَقًا أَيْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَرْهَنُ أَصْلًا مَالَ مُوَلِّيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ فِيهِ، وَكَذَا مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَرْتَهِنُ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّهُ يَرْهَنُ وَيَرْتَهِنُ لِلضَّرُورَةِ وَالْغِبْطَةِ. قَوْلُهُ: (أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الرَّاهِنَ هُنَا لَمْ يَتَبَرَّعْ بِشَيْءٍ بَلْ فَوَائِدُ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ لَهُ وَالْمُرْتَهِنُ دَيْنُهُ بِحَالَةٍ فَلَا تَبَرُّعَ هُنَا، فَكَانَ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالرُّشْدِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْبَيْعِ) فِيهِ أَنَّ الْبَائِعَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ، بِدَلِيلِ صِحَّةِ بَيْعِ الْوَكِيلِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلَ تَبَرُّعٍ فِي مَالِ مُوَكِّلِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُنَاسِبُ كَمَا فِي الْقَرْضِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُقْرِضِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ التَّبَرُّعُ فِي مَالِهِ وَالْوَلِيُّ أَهْلُ تَبَرُّعٍ فِي مَالِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ) اُحْتُرِزَ بِذَلِكَ عَمَّا لَوْ اشْتَرَى مَتَاعًا بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ وَهُوَ يُسَاوِي مِائَةً حَالَّةً، فَإِنَّ الْغِبْطَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَوْجُودَةٌ لَكِنَّهَا لَا تَظْهَرُ لِكُلِّ أَحَدٍ، شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ. وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: أَوْ غِبْطَةٌ ظَاهِرَةٌ، سَيَأْتِي فِي الشَّرِكَةِ أَنَّ الْغِبْطَةَ مَالٌ لَهُ وَقَعَ أَيْ قَدْرٌ لَا يُتَسَامَحُ أَيْ لَا يُتَسَاهَلُ بِهِ، فَانْظُرْ مَا مُفَادُ قَوْلِهِ ظَاهِرَةً. اهـ. . وَيُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ ظَاهِرَةً أَيْ مُتَحَقِّقَةً لِلْوَلِيِّ
قَوْلُهُ: (فَيَجُوزُ لَهُ الرَّهْنُ) هَذَا جَوَازٌ بَعْدَ امْتِنَاعٍ فَيَصْدُقُ بِالْوُجُوبِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ
لِلْمَصْلَحَةِ
. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مِثَالُهُمَا) أَيْ الرَّهْنِ وَالِارْتِهَانِ.
قَوْلُهُ: (لِحَاجَةِ الْمُؤْنَةِ) أَيْ حَاجَةٍ شَاقَّةٍ لِيُلَائِمَ قَوْلَهُ " إلَّا لِضَرُورَةٍ إلَخْ " وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا يُقَالُ الْحَاجَةُ أَعَمُّ مِنْ الضَّرُورَةِ، فَإِنَّهَا تَشْمَلُ التَّفَكُّهَ وَثِيَابَ الزِّينَةِ، فَكَيْفَ تُفَسَّرُ الضَّرُورَةُ بِذَلِكَ؟ . اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (كَنَفَاقِ) مَتَاعٍ أَيْ رَوَاجٍ يُقَالُ نَفَقَتْ السِّلْعَةُ وَالْمَرْأَةُ نَفَاقًا بِالْفَتْحِ كَثُرَ طُلَّابُهَا وَخُطَّابُهَا، وَقَوْلُهُ " (كَاسِدٍ) " أَيْ بَائِرٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِهِ) كَتَلَفٍ.
قَوْلُهُ: (وَمِثَالُهُمَا لِلْغِبْطَةِ إلَخْ) وَإِذَا رَهَنَ فَلَا يَرْهَنُ إلَّا مِنْ أَمِينٍ آمِنٍ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَعِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ مَالِهِ مُؤَجَّلًا لِغِبْطَةٍ مِنْ أَمِينٍ غَنِيٍّ وَبِإِشْهَادٍ وَبِأَجَلٍ قَصِيرٍ عُرْفًا وَكَوْنُ الْمَرْهُونِ وَافِيًا بِالثَّمَنِ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ بَطَلَ الْبَيْعُ. قَوْلُهُ: (مَا يُسَاوِي مِائَةً) أَيْ حَالَّةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَلَوْ امْتَنَعَ الْبَائِعُ إلَّا بِرَهْنِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْمِائَةِ تُرِكَ الشِّرَاءُ خِلَافًا لِجَمْعِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ) أَيْ حَالَّةً ع ش.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ الرَّهْنُ) وَاللُّزُومُ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرَّاهِنِ، وَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي حَقِّهِ فَلَهُ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ. قَوْلُهُ: (كَمَا مَرَّ) أَيْ قَبْضًا مِثْلُ مَا مَرَّ فِي الْبَيْعِ، أَيْ مِنْ النَّقْلِ فِي الْمَنْقُولِ وَالتَّخْلِيَةِ فِي غَيْرِهِ؛ وَفِي نُسْخَةٍ: " بِمَا مَرَّ " وَهِيَ ظَاهِرَةٌ.
قَوْلُهُ: (مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَبْضٍ وَإِذْنٍ وَإِقْبَاضٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ غَيْرُ
стр. 1017
كَالْعَقْدِ لَا إنَابَةُ مُقْبِضٍ مِنْ رَاهِنٍ أَوْ نَائِبِهِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى اتِّحَادِ الْقَابِضِ وَالْمُقْبِضِ.
(وَلِلرَّاهِنِ الرُّجُوعُ فِيهِ) أَيْ الْمَرْهُونِ (مَا لَمْ يُقْبِضْهُ) الْمُرْتَهِنَ أَوْ نَائِبَهُ، وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِتَصَرُّفٍ يُزِيلُ مِلْكًا كَهِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ لِزَوَالِ مَحِلِّ الرَّهْنِ، وَبِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ وَتَقْيِيدُهُمَا بِالْقَبْضِ هُوَ مَا جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ ذَلِكَ بِدُونِ قَبْضٍ لَا يَكُونُ رُجُوعًا. لَكِنْ نَقَلَ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّصِّ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ رُجُوعٌ وَصَوَّبَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ أَيْضًا بِكِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَإِحْبَالٍ لِأَنَّ مَقْصُودَهَا الْعِتْقُ وَهُوَ مُنَافٍ لِلرَّهْنِ، وَلَا يَحْصُلُ بِوَطْءٍ وَتَزْوِيجٍ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِمَا لَهُ وَلَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (وَلِلْعَاقِدِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ رَاهِنًا أَوْ مُرْتَهِنًا. وَقَوْلُهُ " فِيهِ " أَيْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْقَبْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُرْتَهِنِ وَالْإِقْبَاضِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّاهِنِ، فَالْقَبْضُ تَنَاوَلَ الْمُرْتَهِنَ وَالْإِقْبَاضُ دَفَعَ الْمَرْهُونَ لِلْمُرْتَهِنِ. قَوْلُهُ: (لَا إنَابَةَ مُقْبِضٍ) أَيْ لَا إنَابَةَ الْمُرْتَهِنِ الْمُقْبِضَ فِي الْقَبْضِ، أَيْ إنَّ الْمُرْتَهِنَ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ إنَابَةُ الرَّاهِنِ أَوْ نَائِبِهِ أَوْ عَبْدِهِ فِي الْقَبْضِ، وَأَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ إنَابَةُ الرَّاهِنِ الْمُرْتَهِنَ فِي الْإِقْبَاضِ فَيَصِحُّ وَكَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ لِأَنَّهُ كَالْإِقْبَاضِ.
قَوْلُهُ: (الرُّجُوعُ فِيهِ) أَيْ فِي الرَّهْنِ بِفَسْخِهِ أَوْ فِي الْمَرْهُونِ بَعْدَ فَسْخِ عَقْدِهِ. وَسَلَكَ الشَّارِحُ الثَّانِيَ لِمُنَاسَبَةِ الضَّمِيرِ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ رَاجِعٌ لِلْمَرْهُونِ، وَفَاعِلُ يَقْبِضُ إمَّا الرَّاهِنُ بِجَعْلِهِ مِنْ أَقْبَضَ وَهُوَ أَوْلَى، أَوْ الْمُرْتَهِنُ بِجَعْلِهِ مِنْ قَبْضَ، وَسَلَكَ الشَّارِحُ الثَّانِيَ لِيَدْخُلَ قَبْضُ الْمُرْتَهِنِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ ق ل؛ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ حَذْفُ الْفَاعِلِ وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ لَا مِنْ كَلَامِ الْمَاتِنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ أَيْ الْمَرْهُونِ الْمُنَاسِبِ أَيْ الرَّهْنِ لِأَنَّهُ الْمُتَقَدِّمُ، نَعَمْ ضَمِيرُ يَقْبِضُهُ رَاجِعٌ لِلْمَرْهُونِ فَيَكُونُ فِي كَلَامِهِ اسْتِخْدَامٌ.
قَوْلُهُ: (مَقْبُوضَةٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ، أَيْ مَقْبُوضٌ مُتَعَلِّقُهَا وَهُوَ الْمَوْهُوبُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ اسْمٌ لِلْعَقْدِ وَهُوَ لَا يُقْبَضُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي الرَّهْنِ.
قَوْلُهُ: (وَبِرَهْنٍ) أَعَادَ الْعَامِلَ إشَارَةً إلَى اسْتِقْلَالِهِ، أَيْ فَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى الْهِبَةِ لِأَنَّ هَذَا لَا يُزِيلُ الْمِلْكَ، شَوْبَرِيٌّ؛ بَلْ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِتَصَرُّفٍ.
قَوْلُهُ: (مَقْبُوضٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ.
قَوْلُهُ: (لَا يَكُونُ رُجُوعًا) زَادَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِتَخْرِيجِ الرَّبِيعِ اهـ. وَقَوْلُهُ " لِتَخْرِيجِ الرَّبِيعِ " أَيْ عَلَى الْهِبَةِ لِلْفَرْعِ؛ فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إذَا وَهَبَهَا الْأَصْلَ لِفَرْعِهِ لَا يَكُونُ رُجُوعًا إلَّا بِالْقَبْضِ فَجَرَى ذَلِكَ فِي نَظِيرِهَا كَمَا هُوَ شَأْنُ التَّخْرِيجِ عِنْدَهُمْ. وَأَشَارَ ابْنُ السُّبْكِيّ إلَى ضَابِطِ التَّخْرِيجِ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لِلْمُجْتَهِدِ قَوْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ لَكِنْ عُرِفَ لَهُ قَوْلٌ فِي نَظِيرِهَا فَهُوَ قَوْلُهُ الْمُخَرَّجُ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ اهـ. وَحَاصِلُهُ كَمَا أَوْضَحَهُ شَارِحُهُ وَحَوَاشِيهِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَسْأَلَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ فَيَنُصُّ الْمُجْتَهِدُ فِي كُلٍّ حُكْمًا غَيْرَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُخْرَى، فَيُخَرِّجُ الْأَصْحَابُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلًا آخَرَ اسْتِنْبَاطًا لَهُ مِنْ الْمَنْصُوصِ فِي الْأُخْرَى. وَهُنَا قَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الرُّجُوعِ عَنْ الرَّهْنِ بِهِبَةٍ أَوْ رَهْنٍ عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِهِمَا وَلَوْ بِلَا قَبْضٍ، وَنَصَّ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ هِبَةُ الْأَصْلِ لِفَرْعِهِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الرُّجُوعُ عَنْهَا بِهِبَةٍ أُخْرَى أَوْ رَهْنٍ إلَّا مَعَ الْقَبْضِ؛ فَخَرَّجَ الرَّبِيعُ فِي مَسْأَلَتِنَا لِلشَّافِعِيِّ ﵁ قَوْلًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِهِمَا إلَّا مَعَ الْقَبْضِ اسْتِنْبَاطًا مِنْ الْمَنْصُوصِ فِي مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ لِلْفَرْعِ؛ وَمُقْتَضَى الضَّابِطِ أَنَّ الرَّبِيعَ خَرَّجَ لِلشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْهِبَةِ لِلْفَرْعِ قَوْلًا بِأَنَّهُ يَحْصُلُ الرُّجُوعُ بِهَا وَلَوْ بِدُونِ قَبْضٍ اسْتِنْبَاطًا مِمَّا هُنَا، فَتَدَبَّرْ.
قَوْلُهُ: (لَكِنْ نَقَلَ السُّبْكِيُّ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِنَظِيرِهِ فِي الْوَصِيَّةِ اهـ، أَيْ فِيمَا إذَا قَالَ: أَوْصَيْت بِهَذَا الْعَبْدِ لِزَيْدٍ ثُمَّ وَهَبَهُ لِعَمْرٍو فَإِنَّ الْوَصِيَّةَ تَبْطُلُ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ الْعَبْدَ الْمَوْهُوبَ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ) اعْتَمَدَهُ م ر.
قَوْلُهُ: (بِكِتَابَةٍ) وَلَوْ فَاسِدَةً، حَجّ.
قَوْلُهُ: (وَإِحْبَالٍ) أَيْ مِنْهُ أَوْ مِنْ أَصْلِهِ. وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرَّهْنِ طَرَيَانُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ يُبْطِلُ الرَّهْنَ، وَكُلَّ تَصَرُّفٍ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ لَا يَفْسَخُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَّا الرَّهْنَ وَالْهِبَةَ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ اهـ شَرْحُ م ر. قُلْتُ: اقْتِصَارُهُ عَلَى إحْبَالِهِ وَأَصْلُهُ يُخْرِجُ إحْبَالَ فَرْعِهِ. وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْأَصْلَ لَهُ فِي مَالٍ فَرْعُهُ شُبْهَةُ الْإِعْفَافِ دُونَ عَكْسِهِ اهـ أج. قَوْلُهُ: (بِوَطْءٍ) أَيْ وَإِنْ أَنْزَلَ أَوْ أَزَالَ الْبَكَارَةَ، سم عَلَى ابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَزْوِيجٍ) سَوَاءٌ كَانَ لِعَبْدٍ أَوْ
стр. 1018
بِمَوْتِ عَاقِدٍ وَجُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ وَتَخَمُّرِ عَصِيرٍ وَإِبَاقِ رَقِيقٍ، وَلَيْسَ لِرَاهِنٍ مَقْبِضُ رَهْنٍ وَلَا وَطْءٌ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا تَحْبَلُ، وَلَا تَصَرُّفَ يُزِيلُ مِلْكًا كَوَقْفٍ أَوْ يَنْقُصُهُ كَتَزْوِيجٍ فَلَا يَنْفُذُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ إلَّا إعْتَاقُ مُوسِرٍ وَإِيلَادُهُ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ وَقْتَ إعْتَاقِهِ وَإِحْبَالِهِ وَتَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ بِغَيْرِ عَقْدٍ لِقِيَامِهَا مَقَامَهُ، وَالْوَلَدُ الْحَاصِلُ مِنْ وَطْءِ الرَّاهِنِ حُرٌّ نَسِيبٌ وَلَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ. وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ وَالْإِيلَادُ لِكَوْنِهِ مُعْسِرًا فَانْفَكَّ الرَّهْنُ نَفَذَ الْإِيلَادُ لَا الْإِعْتَاقُ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ قَوْلٌ فَإِذَا رُدَّ لَغَا،
ــ
[حاشية البجيرمي]
أَمَةٍ أج.
قَوْلُهُ: (وَلَا بِمَوْتِ عَاقِدٍ) مِنْ رَاهِنٍ أَوْ مُرْتَهِنٍ، أَيْ فَيَقُومُ فِي الْمَوْتِ وَرَثَةُ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ مَقَامَهُمَا فِي الْقَبْضِ وَالْإِقْبَاضِ وَفِي غَيْرِهِ مَنْ يَنْظُرُ فِي حَالِ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ حَاكِمٍ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يَنْتَظِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (وَتَخَمُّرِ عَصِيرٍ) لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِقَبْضِهِ حَالَ التَّخَمُّرِ فَيَقْبِضُ بَعْدَ تَخَلُّلِهِ ق ل، فَإِنْ قَبَضَ حَالَ التَّخَمُّرِ اُسْتُؤْنِفَ الْقَبْضُ بَعْدَ التَّخَلُّلِ لِفَسَادِ الْقَبْضِ الْأَوَّلِ م ر وَح ل.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لِرَاهِنٍ مَقْبِضُ إلَخْ) مَفْهُومُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " مَا لَمْ يُقْبِضْهُ " أَيْ أَمَّا إذَا أَقْبَضَهُ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (رَهْنٍ) لِئَلَّا يُزَاحِمَ الْمُرْتَهِنَ. وَهَذِهِ الْعِلَّةُ قَاصِرَةٌ عَلَى رَهْنِهِ لِغَيْرِ الْمُرْتَهِنِ، وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ: " رَهْنٍ " أَيْ لِغَيْرِ الْمُرْتَهِنِ وَلَا لَهُ بِدَيْنٍ آخَرَ وَإِنْ وَفَّى أَيْ لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ وَالْمَشْغُولُ لَا يُشْغَلُ، بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَوْقَ الرَّهْنِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ شَغْلُ فَارِغٍ. قَوْلُهُ: (وَلَا وَطْءٌ) لِخَوْفِ الْإِحْبَالِ فِيمَنْ تَحْبَلُ وَحَسْمًا لِلْبَابِ فِي غَيْرِهَا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. نَعَمْ لَوْ خَافَ الزِّنَا لَوْ لَمْ يَطَأْ فَلَهُ وَطْؤُهَا فِيمَا يَظْهَرُ لِأَنَّهُ كَالْمُضْطَرِّ، وَمَحَلُّ عَدَمِ الْوَطْءِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا كَمَا قَالَهُ ح ل. وَخَرَجَ بِالْوَطْءِ بَقِيَّةُ التَّمَتُّعَاتِ فَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَحْرُمُ. وَجَمَعَ الشَّيْخُ يَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الثَّانِي عَلَى مَا لَوْ خَافَ الْوَطْءَ وَالْأَوَّلُ عَلَى مَا لَوْ أَمِنَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ مِنْ شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (مِمَّا لَا تَحْبَلُ) الْأَوْلَى مِمَّنْ كَمَا فِي نُسْخَةِ لِأَنَّ " مَا " لِغَيْرِ الْعَاقِلِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَمَةَ تُشْبِهُ غَيْرَ الْعَاقِلِ وَالْوَطْءُ حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَ الرَّاهِنُ زَوْجًا كَأَنْ اسْتَعَارَ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ مِنْ سَيِّدِهَا لِيَرْهَنَهَا فَرَهَنَهَا. وَبِهِ يُلْغَزُ فَيُقَالُ: لَنَا زَوْجٌ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهُ لِزَوْجَتِهِ إلَّا بِإِذْنِ أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ الْمُرْتَهِنُ.
قَوْلُهُ: (كَوَقْفٍ إلَخْ) نَعَمْ لَهُ قَتْلُهُ قَوَدًا وَدَفْعًا لَهُ إذَا كَانَ صَائِلًا، وَكَذَا لِنَحْوِ رِدَّةٍ إذَا كَانَ وَالِيًا اهـ م ر وأ ج.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَنْقُصُهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَالصَّادِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] . وَبِضَمِّ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ الْمَكْسُورَةِ، وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ لِمَجِيءِ الْقُرْآنِ بِهِ. وَأَمَّا " يُنْقِصُ " بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ فَلَمْ يَثْبُتْ، وَجَاءَ " نَقَصَ " بِالتَّخْفِيفِ لَازِمًا يُقَالُ نَقَصَ الْمَالُ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَنْفُذُ) فَالتَّزْوِيجُ بَاطِلٌ وَكَذَا الْإِجَارَةُ وَالدَّيْنُ حَالٌّ أَوْ يَحِلُّ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْقُصُ الْقِيمَةَ وَيُقَلِّلُ الرَّغْبَةَ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ يَحِلُّ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ أَوْ مَعَ فَرَاغِهَا جَازَتْ، وَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ الْمَذْكُورُ مَعَ الْمُرْتَهِنِ وَمَعَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (مُوسِرٍ) الْمُرَادُ يَسَارُهُ بِأَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْمَرْهُونِ وَالدَّيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، م ر ز ي وع ش.
قَوْلُهُ: (وَإِيلَادُهُ) وَإِقْدَامُ الْمُوسِرِ عَلَيْهِمَا جَائِزٌ ح ل.
قَوْلُهُ: (وَتَكُونُ رَهْنًا إلَخْ) وَقَبْلَ الْغُرْمِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِأَنَّهَا مَرْهُونَةٌ، أَيْ فِي ذِمَّتِهِ، وَهَذَا رَهْنٌ فِي الدَّوَامِ فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ رَهْنِ الدَّيْنِ لِأَنَّ مَحِلَّهُ فِي الِابْتِدَاءِ. وَفَائِدَةُ ذَلِكَ تَقْدِيمُ الْمُرْتَهِنِ بِذَلِكَ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَعَلَى مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى قَدْرِ الْقِيمَةِ ح ل. قَوْلُهُ: (وَالْوَلَدُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْفُذْ إيلَادُهُ، ابْنُ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ) وَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ؛ لَكِنْ يَغْرَمُ أَرْشَ الْبَكَارَةِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الذَّاهِبِ وَتَكُونُ رَهْنًا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لِكَوْنِهِ مُعْسِرًا) وَيُبَاعُ عَلَى الْمُعْسِرِ مِنْهَا بِقَدْرِ الدَّيْنِ وَإِنْ نَقَصَتْ بِالتَّشْقِيصِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْإِيلَادِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْيَانِ الْمَرْهُونَةِ حَيْثُ يُبَاعُ كُلُّهُ رِعَايَةً لِحَقِّ الْمَالِكِ؛ لَكِنْ لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَّا بَعْدَ وَضْعِ وَلَدِهَا لِحَمْلِهَا بِحُرٍّ بَلْ وَبَعْدَ أَنْ تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ وَيُوجَدُ مَنْ يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْهَا، فَإِنْ اسْتَغْرَقَهَا الدَّيْنُ أَوْ عَدِمَ مُشْتَرِي الْبَعْضِ بِيعَتْ كُلُّهَا لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ فِي الْأُولَى وَلِلضَّرُورَةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا يَضُرُّ التَّفْرِيقُ حِينَئِذٍ لِأَنَّ الْوَلَدَ حُرٌّ اهـ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (فَانْفَكَّ الرَّهْنُ) أَيْ بِغَيْرِ بَيْعٍ، فَإِنْ انْفَكَّ
стр. 1019
وَالْإِيلَادُ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ فَإِذَا زَالَ الْحَقُّ ثَبَتَ حُكْمُهُ.
وَلِلرَّاهِنِ انْتِفَاعٌ بِالْمَرْهُونِ لَا يَنْقُصُهُ كَرُكُوبٍ وَسُكْنَى لَا بِنَاءٌ وَغِرَاسٌ لِأَنَّهُمَا يَنْقُصَانِ قِيمَةَ الْأَرْضِ ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ بِلَا اسْتِرْدَادِ الْمَرْهُونِ انْتِفَاعٌ يُرِيدُهُ الرَّاهِنُ مِنْهُ لَمْ يَسْتَرِدَّ وَإِلَّا فَيَسْتَرِدُّهُ كَأَنْ يَكُونَ دَارًا يَسْكُنُهَا وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِرْدَادِ إنْ اتَّهَمَهُ وَلَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ مِنْهُ، وَلَهُ رُجُوعٌ عَنْ الْإِذْنِ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ كَمَا لِلْمُوَكِّلِ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ بَعْدَ رُجُوعِهِ لَغَا تَصَرُّفُهُ كَتَصَرُّفِ وَكِيلٍ عَزَلَهُ مُوَكِّلُهُ.
وَعَلَى الرَّاهِنِ الْمَالِكِ مُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ كَنَفَقَةِ رَقِيقٍ وَعَلْفِ دَابَّةٍ وَأُجْرَةِ سَقْيِ أَشْجَارٍ وَلَا يُمْنَعُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْهُونِ كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ وَهُوَ أَمَانَةٌ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ. (وَلَا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ) بِمِثْلٍ وَلَا قِيمَةٍ إذَا تَلِفَ (إلَّا بِالتَّعَدِّي) بِالتَّفْرِيطِ فَيَضْمَنُهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِبَيْعٍ لَمْ يَنْفُذْ الْإِيلَادُ إلَّا إنْ مَلَكَ الْأَمَةَ بَعْدُ، فَإِنْ مَلَكَ بَعْضَهَا نَفَذَ الْإِيلَادُ فِيهِ وَسَرَى النُّفُوذُ إلَى الْبَاقِي إنْ كَانَ مُوسِرًا حِينَئِذٍ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِنْ أَيْسَرَ بَعْدَ الْمِلْكِ فَفِيهِ نَظَرٌ. وَيَظْهَرُ النُّفُوذُ لِلْحُكْمِ بِثُبُوتِ الْإِيلَادِ فِي حَقِّهِ بِمُجَرَّدِ الْإِحْبَالِ، وَإِنَّمَا تَخَلَّفَ لِمَانِعٍ وَقَدْ زَالَ؛ سم.
قَوْلُهُ: (وَالْإِيلَادُ فِعْلٌ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ) وَإِنَّمَا يُمْنَعُ حُكْمُهُ فِي الْحَالِ لِحَقِّ الْغَيْرِ، فَإِذَا زَالَ إلَخْ شَرْحُ الْمَنْهَجِ، فَفِيهِ حَذْفٌ.
قَوْلُهُ: (لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ) بِدَلِيلِ نُفُوذِهِ مِنْ السَّفِيهِ وَالْمَجْنُونِ، فَهُوَ أَقْوَى دُونَ إعْتَاقِهِمَا ز ي.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا زَالَ الْحَقُّ) وَهُوَ تَعَلُّقُ حَقِّ الرَّهْنِ بِهِ، وَقَوْلُهُ " ثَبَتَ حُكْمُهُ " أَيْ الْإِيلَادِ وَهُوَ صَيْرُورَتُهَا أُمَّ وَلَدٍ وَعَدَمُ صِحَّةِ نَحْوِ بَيْعِهَا، فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَلِلرَّاهِنِ انْتِفَاعٌ) فَإِنْ تَلِفَ بِالِانْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ يَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُ، فَإِنْ ادَّعَى رَدَّهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ نَظِيرَ عَكْسِهِ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا ح ف.
قَوْلُهُ: (لَا بِنَاءٌ وَغِرَاسٌ) هَذَا عُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ وَلَا تَصَرُّفٌ إلَخْ. وَهُوَ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلَى انْتِفَاعٍ، قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ اسْتِثْنَاءَ بِنَاءٍ خَفِيفٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِاللَّبِنِ كَمِظَلَّةِ النَّاظُورِ؛ لِأَنَّهُ يُزَالُ عَنْ قُرْبٍ كَالزَّرْعِ وَلَا تَنْقُصُ بِهِ الْقِيمَةُ وَلَهُ زَرْعُ مَا يُدْرَكُ قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ أَوْ مَعَهُ وَلَمْ تَنْقُصْ بِهِ قِيمَةُ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا يُنْقِصَانِ قِيمَةَ الْأَرْضِ) أَيْ إذَا بِيعَتْ فِي الدَّيْنِ لِأَنَّهَا تُبَاعُ خَالِيَةً عَنْهُمَا. مَعَ شَغْلِهَا بِهِمَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ قِيمَتَهَا وَحْدَهَا مَعَ اشْتِغَالِهَا بِهِمَا أَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهَا خَالِيَةً عَنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ بِلَا اسْتِرْدَادٍ) كَأَنْ يَكُونَ عَبْدًا يَخِيطُ وَأَرَادَ مِنْهُ الْخِيَاطَةَ. وَقَوْلُهُ " وَإِلَّا فَيَسْتَرِدُّهُ كَأَنْ يَكُونَ دَارًا يَسْكُنُهَا " أَوْ عَبْدًا يَخْدُمُهُ أَوْ دَابَّةً يَرْكَبُهَا أَيْ لِغَيْرِ سَفَرٍ وَإِنْ قَصَرَ، وَيَرُدُّ الدَّابَّةَ وَالْعَبْدَ إلَى الْمُرْتَهِنِ لَيْلًا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ وح ل.
قَوْلُهُ: (وَيَشْهَدُ) أَيْ الْمُرْتَهِنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ وَلَا يَجِبُ الْإِشْهَادُ إلَّا فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا قَالَهُ م ر. وَعِبَارَةُ س ل: وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ أَيْ يُشْهِدُ شَاهِدَيْنِ وَإِنْ لَمْ تُشْتَهَرْ عَدَالَتُهُ، أَمَّا مَشْهُورُ الْخِيَانَةِ فَلَا يُسَلَّمُ لَهُ أَصْلًا وَإِنْ أَشْهَدَ.
قَوْلُهُ: (بِالِاسْتِرْدَادِ) وَشَرْطُ اسْتِرْدَادِ الْأَمَةِ أَمْنُ وَطْئِهَا لِكَوْنِهَا مَحْرَمًا لَهُ أَوْ كَوْنِهِ ثِقَةً وَلَهُ أَهْلٌ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ تَصَرُّفٍ وَانْتِفَاعٍ فَيَحِلُّ الْوَطْءُ، فَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ، وَإِنْ أَحْبَلَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ بَاعَ نَفَذَتْ وَبَطَلَ الرَّهْنُ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَإِنْ رَدَّ الْإِذْنَ لَمْ يَرْتَدَّ عَلَى الْأَوْجَهِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَرْتَدُّ بِالرَّدِّ. وَفَارَقَتْ الْوَكَالَةُ بِأَنَّهَا عَقْدٌ س ل.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ تَصَرُّفِ) وَكَذَا مَعَهُ عَلَى الْأَوْجَهِ لِبَقَاءِ حَقِّهِ،. اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَصَرَّفَ) وَلَوْ جَاهِلًا، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ رُجُوعِهِ) أَيْ بِغَيْرِ إعْتَاقٍ وَإِيلَادٍ مِنْ الْمُوسِرِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الرَّاهِنِ الْمَالِكِ إلَخْ) خَرَجَ مُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ الْمُسْتَعَارِ فَإِنَّهَا عَلَى مَالِكِهِ لَا عَلَى الرَّاهِنِ م ر.
قَوْلُ: (وَلَا يَضْمَنُهُ) أَيْ لَا قَبْلَ الْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ وَلَا بَعْدَهَا. وَلَوْ اسْتَعَارَهُ الْمُرْتَهِنُ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَسَائِرِ الْعَوَارِيِّ، وَلَوْ ارْتَهَنَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَضْمَنَهُ فَسَدَ الرَّهْنُ وَلَا ضَمَانَ إذْ فَاسِدُ كُلِّ عَقْدٍ كَصَحِيحِهِ فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ؛ سم. قَوْلُهُ: (إلَّا بِالتَّعَدِّي) أَوْ الِامْتِنَاعِ مِنْ رَدِّهِ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ. وَمِنْ التَّعَدِّي رُكُوبُ الدَّابَّةِ وَالْحَمْلُ عَلَيْهَا وَاسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ
стр. 1020
حِينَئِذٍ لِخُرُوجِ يَدِهِ عَنْ الْأَمَانَةِ، وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى التَّلَفِ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ
ضَابِطٌ: كُلُّ أَمِينٍ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى مَنْ ائْتَمَنَهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إلَّا الْمُرْتَهِنَ وَالْمُسْتَأْجِرَ.
(وَإِذَا قَضَى) بِمَعْنَى أَدَّى، الرَّاهِنُ (بَعْضَ الْحَقِّ) أَيْ الدَّيْنِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الرَّهْنُ (لَمْ يَخْرُجْ) أَيْ لَمْ يَنْفَكَّ (شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ) أَيْ يُؤَدِّيَ (جَمِيعَهُ) لِتَعَلُّقِهِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ كَرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ، وَيَنْفَكُّ أَيْضًا بِفَسْخِ الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ بِدُونِ الرَّاهِنِ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ جَمِيعِ الدَّيْنِ. وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ بِدَيْنٍ وَنِصْفَهُ بِآخَرَ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى فَبَرِئَ مِنْ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ قِسْطُهُ لِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ بِتَعَدُّدِ الْعَقْدِ. وَلَوْ رَهَنَاهُ بِدَيْنٍ فَبَرِئَ أَحَدُهُمَا مِمَّا عَلَيْهِ انْفَكَّ نَصِيبُهُ لِتَعَدُّدِ الصَّفْقَةِ بِتَعَدُّدِ الْعَاقِدِ. وَلَوْ رَهَنَهُ عِنْدَ اثْنَيْنِ فَبَرِئَ مِنْ دَيْنِ أَحَدِهِمَا انْفَكَّ قِسْطُهُ لِتَعَدُّدِ مُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ.
فُرُوعٌ: لَوْ رَهَنَ شَخْصٌ آخَرَ عَبْدَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا لَهُ كَانَ مَرْهُونًا عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ كَمَا لَوْ سَلَّمَهُمَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
م د.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ الدَّيْنِ) عِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: " فَلَا " بِالْفَاءِ وَهِيَ أَحْسَنُ، وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُرْتَهِنِ وَيَسْقُطُ بِتَلَفِهِ قَدْرُهُ مِنْ الدَّيْنِ،. اهـ. ق ل عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ) وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأُمَنَاءِ، وَكَذَا كُلُّ ضَامِنٍ كَالْغَاصِبِ؛ لَكِنْ الْأَمِينُ يُصَدَّقُ وَلَا يَضْمَنُ، وَالْغَاصِبُ يُصَدَّقُ وَيَضْمَنُ الْبَدَلَ.
قَوْلُهُ: (فِي دَعْوَى التَّلَفِ) أَيْ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْ سَبَبًا، أَوْ ذَكَرَ سَبَبًا خَفِيًّا كَسَرِقَةٍ، أَوْ سَبَبًا ظَاهِرًا كَحَرِيقٍ عُرِفَ دُونَ عُمُومِهِ أَوْ عُرِفَ هُوَ وَعُمُومُهُ وَاتُّهِمَ، فَإِنْ لَمْ يُتَّهَمْ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، فَإِنْ ادَّعَى سَبَبًا ظَاهِرًا لَمْ يُعْرَفْ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى السَّبَبِ وَيَمِينٍ عَلَى التَّلَفِ، فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْوَدِيعَةِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّ أَمِينٍ) خَرَجَ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ وَالْمُسْتَامُ. قَوْلُهُ: (إلَّا الْمُرْتَهِنَ وَالْمُسْتَأْجِرَ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأُمَنَاءِ أَنَّهُمَا يَقْبِضَانِ الْعَيْنَ لِغَرَضِ أَنْفُسِهِمَا، الْمُرْتَهِنُ لِلتَّوَثُّقِ وَالْمُسْتَأْجِرُ لِلِانْتِفَاعِ بِالْمُؤَجَّرِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا فَكَانَا كَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّهُ يَقْبِضُ لِغَرَضِ نَفْسِهِ. اهـ. م د. بِخِلَافِ الْأَجِيرِ كَالْخَيَّاطِ وَالطَّحَّانِ وَالصَّبَّاغِ، فَإِنَّهُمْ يُصَدَّقُونَ فِي دَعْوَى الرَّدِّ بِيَمِينِهِمْ لِدُخُولِهِمْ فِي الْقَاعِدَةِ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى أَدَّى) فَالْقَضَاءُ بِمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الرَّهْنُ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَيْ الدَّيْنُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالرَّهْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالرَّهْنِ لَا الْعَكْسُ، فَلَعَلَّ فِي الْعِبَارَةِ قَلْبًا. قَوْلُهُ: (لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ الرَّهْنِ) أَيْ الَّذِي فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ وَاَلَّذِي لَمْ يَتَعَدَّدْ فِيهِ الرَّاهِنُ وَلَا الْمُرْتَهِنُ ابْتِدَاءً، أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (لِتَعَلُّقِهِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ) لَوْ قَالَ " لِتَعَلُّقِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ بِجَمِيعِ الرَّهْنِ " لَكَانَ أَوْضَحَ، مَرْحُومِيٌّ؛ فَالْعِبَارَةُ فِيهَا قَلْبٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَنْفَكُّ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يَنْفَكُّ بِقَضَاءِ جَمِيعِ الْحَقِّ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ) أَيْ لِلْمُرْتَهِنِ، فَهُوَ جَائِزٌ مِنْ جِهَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَهَنَ نِصْفَ عَبْدٍ إلَخْ) أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ كَلَامَ الْمَتْنِ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا اتَّحَدَتْ الصَّفْقَةُ وَفِيمَا إذَا كَانَ الرَّاهِنُ وَاحِدًا وَالْمُرْتَهِنُ وَاحِدًا فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِلْمَتْنِ، أَوْ هَذِهِ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ كَلَامِ الْمَتْنِ. وَقَدْ صَرَّحَ فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ: وَيَنْفَكُّ بِفَسْخِ مُرْتَهِنٍ وَبِبَرَاءَةٍ مِنْ الدَّيْنِ لَا بَعْضِهِ، فَلَا يَنْفَكُّ شَيْءٌ إلَّا إنْ تَعَدَّدَ عَقْدٌ أَوْ مُسْتَحِقٌّ أَوْ مَدِينٌ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَهَنَاهُ) أَيْ الْعَبْدَ
قَوْلُهُ: (فُرُوعٌ) أَيْ ثَلَاثَةٌ. وَهَذِهِ الْفُرُوعُ مِنْ مَعْنَى الْمَتْنِ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ مَا أَصْلُهُ صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَصِيرُ صَفْقَتَيْنِ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ فِي الدَّوَامِ نَظَرًا لِأَصْلِهِ، وَالْفَرْعَانِ الْأَخِيرَانِ دَاخِلَانِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَإِذَا قَضَى بَعْضَ الْحَقِّ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (آخَرَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ، أَيْ شَخْصًا آخَرَ.
قَوْلُهُ: (كَانَ مَرْهُونًا عَلَى جَمِيعِ الْمَالِ) لَا عَلَى نِصْفِهِ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْعَبْدَيْنِ رَهْنٌ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (كَمَا لَوْ سَلَّمَهُمَا) هَذِهِ نُسْخَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَهُنَاكَ نُسْخَةٌ " سَلَّمَهُمَاهُ " فَضَمِيرُ الْمُثَنَّى رَاجِعٌ لِلْعَبْدَيْنِ،
стр. 1021
وَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ مَاتَ الرَّاهِنُ عَنْ وَرَثَةٍ فَفَدَى أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ لَمْ يَنْفَكَّ كَمَا فِي الْمُوَرِّثِ، وَلَوْ مَاتَ الْمُرْتَهِنُ عَنْ وَرَثَةٍ فَوَفَّى أَحَدُهُمَا مَا يَخُصُّهُ مِنْ الدَّيْنِ لَمْ يَنْفَكَّ نَصِيبُهُ كَمَا لَوْ وَفَّى مُوَرِّثُهُ بَعْضَ دَيْنِهِ وَإِنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الرِّفْعَةِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ أَوْ فِي قَدْرِهِ صُدِّقَ الرَّاهِنُ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ الْمُرْتَهِنُ هَذَا إنْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ، أَمَّا الرَّهْنُ الْمَشْرُوطُ فِي بَيْعٍ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي اشْتِرَاطِهِ فِيهِ أَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِمَّا مَرَّ غَيْرَ الْأُولَى فَيَتَحَالَفَانِ فِيهِ كَسَائِرِ صُوَرِ الْبَيْعِ إذَا اخْتَلَفَا فِيهَا، وَلَوْ ادَّعَى أَنَّهُمَا رَهَنَاهُ عَبْدَهُمَا بِمِائَةٍ وَأَقْبَضَاهُ وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، فَنَصِيبُهُ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ وَحَلَفَ الْمُكَذِّبُ لِمَا مَرَّ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَدَّقِ عَلَيْهِ لِخُلُوِّهَا عَنْ التُّهْمَةِ. وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الْمَرْهُونِ وَهُوَ بِيَدِ رَاهِنٍ أَوْ مُرْتَهِنٍ وَقَالَ الرَّاهِنُ: غَصَبْته أَوْ أَقَبَضْته عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى كَإِعَارَةٍ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفَانِ مَثَلًا بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَأَدَّى أَلْفًا وَقَالَ: أَدَّيْته عَنْ أَلْفِ الرَّهْنِ، صُدِّقَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالْمُفْرَدُ الَّذِي بَعْدَهُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَهُمَا ضَمِيرَا غَيْبَةٍ، فَكَانَ الْوَاجِبُ الْفَصْلَ فِي الثَّانِي بِأَنْ يَقُولَ: سَلَّمَهُمَا إيَّاهُ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ الْوَصْلُ عِنْدَ اتِّحَادِ الرُّتْبَةِ كَمَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ:
وَفِي اتِّحَادِ الرُّتْبَةِ الْزَمْ فَصْلَا ... وَقَدْ يُبِيحُ الْغَيْبَ فِيهِ وَصْلَا
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مَاتَ إلَخْ) هَذَا وَمَا بَعْدَهُ شَمِلَهُمَا قَوْلُ الْمَتْنِ: وَإِذَا قُضِيَ بَعْضُ الْحَقِّ إلَخْ. قَوْلُهُ: (فَفَدَى إلَخْ) فِي نُسْخَةٍ " فَوَفَّى " وَهِيَ أَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (لَوْ اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ) تَسْمِيَتُهُمَا رَاهِنًا وَمُرْتَهِنًا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِحَسَبِ الدَّعْوَى. اهـ. ق ل، وَإِلَّا فَالرَّاهِنُ يُنْكِرُ الرَّهْنَ؛ فَحَاصِلُهُ أَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ رَاهِنٌ بِالنَّظَرِ لِزَعْمِ الْمُرْتَهِنِ.
قَوْلُهُ: (فِي أَصْلِ الرَّهْنِ) كَأَنْ قَالَ: رَهَنْتنِي كَذَا، فَأَنْكَرَ. وَقَوْلُهُ " أَوْ فِي قَدْرِهِ " أَيْ الرَّهْنِ بِمَعْنَى الْمَرْهُونِ فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ، كَأَنْ قَالَ: رَهَنْتنِي الْأَرْضَ بِشَجَرِهَا، فَقَالَ: بَلْ وَحْدَهَا. زَادَ فِي الْمَنْهَجِ: أَوْ عَيَّنَهُ كَهَذَا الْعَبْدِ، فَقَالَ: بَلْ الثَّوْبُ، أَوْ: قُدِّرَ مَرْهُونٌ بِهِ كَبِأَلْفَيْنِ، فَقَالَ: بَلْ أَلْفٌ،. اهـ. شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (الْمَالِكُ) لَيْسَ قَيْدًا أَوْ الْمُرَادُ بِهِ وَاضِعُ الْيَدِ فَيَشْمَلُ الْمُسْتَعِيرَ لِلرَّهْنِ اهـ د م. قَوْلُهُ: (هَذَا) أَيْ تَصْدِيقُ الرَّاهِنِ.
قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ) أَيْ لَمْ يُشْرَطْ فِي بَيْعٍ أَخْذًا مِنْ الْمُقَابَلَةِ. قَوْلُهُ: (أَمَّا الرَّهْنُ الْمَشْرُوطُ فِي بَيْعٍ) كَأَنْ قَالَ: بِعْتُك هَذَا بِكَذَا بِشَرْطِ أَنْ تَرْهَنَ عَلَيْهِ عَبْدَك.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي اشْتِرَاطِهِ) أَيْ الرَّهْنِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ اتَّفَقَا عَلَيْهِ) أَيْ الِاشْتِرَاطِ.
قَوْلُهُ: (وَاخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِمَّا مَرَّ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الْأُولَى غَيْرُ الْقَدْرِ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَاخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ. نَعَمْ هَذَا التَّعْبِيرُ يُنَاسِبُ كَلَامَ الْمَنْهَجِ لِأَنَّهُ قَالَ: اخْتَلَفَا فِي رَهْنِ تَبَرُّعٍ أَوْ قَدْرِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَوْ قَدْرِ مَرْهُونٍ بِهِ حَلَفَ رَاهِنٌ، فَالشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَرَى عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ شَرْحِ الْمَنْهَجِ لَا أَنَّ ذَاكَ ذَكَرَ جُمْلَةَ مَسَائِلَ كَمَا عَرَفْت.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ الْأَوْلَى) أَمَّا الْأَوْلَى وَهِيَ اخْتِلَافُهُمَا فِي أَصْلِ الرَّهْنِ بِأَنْ اتَّفَقَا عَلَى الِاشْتِرَاطِ أَوْ اخْتَلَفَا فِي إيجَادِ الرَّهْنِ وَالْوَفَاءِ بِهِ بِأَنْ ادَّعَاهُ الْمُرْتَهِنُ أَيْ قَالَ: وَفَّيْت بِالشَّرْطِ؛ وَأَنْكَرَهُ الرَّاهِنُ، أَيْ قَالَ: لَمْ أَعْقِدْ الرَّهْنَ وَلَمْ أُوفِ بِالِاشْتِرَاطِ، لِيَأْخُذَ الرَّهْنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ غَصْبًا أَوْ إعَارَةً، فَلَا تَخَالُفَ فِيهَا بَلْ الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ وَلِلْمُرْتَهِنِ فَسْخُ الْبَيْعِ إنْ لَمْ يَرْهَنْ الْمَشْرُوطَ رَهْنُهُ، ز ي. قَوْلُهُ: (فَيَتَحَالَفَانِ فِيهِ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " فِي شَيْءٍ " وَإِذَا تَحَالَفَا يَفْسَخَانِهِ أَيْ عَقْدَ الرَّهْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا أَوْ الْحَاكِمُ كَمَا فِي بَابِ التَّحَالُفِ فِي الْبَيْعِ. اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (لِمَا مَرَّ) أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ الْمُرْتَهِنُ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَدَّقِ إلَخْ) شَهِدَ مَعَهُ آخَرُ أَوْ حَلَفَ الْمُدَّعِي ثَبَتَ رَهْنُ الْجَمِيعِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الرَّاهِنُ إلَخْ) يَرْجِعُ لِلثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ " أَوْ مُرْتَهِنٌ " بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَوَافَقَهُ الرَّاهِنُ عَلَى إذْنِهِ لَهُ فِي قَبْضِهِ عَنْهُ، لَكِنَّهُ قَالَ: إنَّك لَمْ تَقْبِضْهُ عَنْ الرَّهْنِ أَوْ رَجَعْت عَنْ الْإِذْنِ، فَيَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ.
قَوْلُهُ: (كَإِعَارَةٍ) أَيْ وَإِجَارَةٍ وَإِيدَاعٍ. قَوْلُهُ: (صُدِّقَ) أَيْ
стр. 1022
بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ وَكَيْفِيَّةِ أَدَائِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا جَعَلَهُ عَمَّا شَاءَ مِنْهَا
وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ كَمَرْهُونٍ وَلَا يَمْنَعُ التَّعَلُّقُ إرْثًا فَلَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ، وَلِلْوَارِثِ إمْسَاكُهَا بِالْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا وَالدَّيْنِ، وَلَوْ تَصَرَّفَ الْوَارِثُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الرَّاهِنُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ لُزُومِ الرَّهْنِ وَعَدَمُ إذْنِهِ فِي الْقَبْضِ عَنْ الرَّهْنِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِقَصْدِهِ) وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ اقْتَرَضَ شَيْئًا وَنَظَرَ أَنَّ لِلْمُقْرِضِ كَذَا مَا دَامَ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ ثُمَّ دَفَعَ لَهُ قَدْرًا يَفِي بِجَمِيعِ الْمَالِ وَقَالَ: قَصَدْت بِهِ الْأَصْلَ، فَيُصَدَّقُ وَلَوْ كَانَ الْمَدْفُوعُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ ع ش.
قَوْلُهُ: (جَعَلَهُ عَمَّا شَاءَ مِنْهُمَا) كَمَا فِي زَكَاةِ الْمَالَيْنِ الْحَاضِرِ وَالْغَائِبِ، فَإِنْ جَعَلَهُ عَنْهُمَا قَسَّطَ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ لَا بِالْقِسْطِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّعْيِينِ قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) هَذَا شُرُوعٌ فِي الرَّهْنِ الشَّرْعِيِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الرَّهْنِ الْجَعْلِيِّ. قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) أَيْ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ غَيْرُهُ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْآدَمِيِّ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " وَعَلَيْهِ دَيْنٌ " أَيْ غَيْرِ لُقَطَةٍ تَمَلَّكَهَا وَتَلِفَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا غَايَةَ لِتَعَلُّقِهِ، لِأَنَّ صَاحِبَهَا قَدْ لَا يَظْهَرُ فَيَلْزَمُ دَوَامُ الْحَجْرِ لَا إلَى غَايَةٍ. وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهَا مِنْ جُمْلَةِ كَسْبِهِ، بِخِلَافِ دَيْنِ مَنْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِانْتِقَالِهِ لِبَيْتِ الْمَالِ بَعْدَ مُضِيِّ الْعُمُرِ الْغَالِبِ بِشَرْطِهِ وَهُوَ انْتِظَامُهُ، فَيُدْفَعُ لِإِمَامٍ عَادِلٍ فَقَاضٍ أَمِينٍ فَثِقَةٍ وَلَوْ مِنْ الْوَرَثَةِ يَصْرِفُهُ كُلٌّ مِنْهُمْ فِي مَصَارِفِهِ. وَشَمِلَ الدَّيْنُ مَا بِهِ رَهْنٌ أَوْ كَفِيلٌ، وَشَمِلَ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُ الْحَجُّ، فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يُتِمَّ الْحَجَّ، وَلَا يَكْفِي الِاسْتِئْجَارُ وَدَفْعُ الْأُجْرَةِ. وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِوَارِثٍ سَقَطَ مِنْهَا بِقَدْرِهِ أَيْ فَيَكُونُ لِلْوَارِثِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الرَّهْنُ الشَّرْعِيُّ،. اهـ. ق ل عَلَى الْجَلَالِ. وَقَوْلُهُ " مَا بِهِ رَهْنٌ " أَيْ وَيَكُونُ لَهُ تَعَلُّقَانِ تَعَلُّقٌ خَاصٌّ وَتَعَلُّقٌ عَامٌّ، وَفَائِدَةُ الثَّانِي أَنَّ الرَّهْنَ إذَا لَمْ يَفِ بِهِ أَيْ بِالدَّيْنِ يُزَاحِمُ بِمَا بَقِيَ لَهُ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (تَعَلَّقَ بِتَرِكَتِهِ كَمَرْهُونٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَحْوَطُ لِلْمَيِّتِ وَأَقْرَبُ لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ، فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا غَيْرِ إعْتَاقِهِ وَإِيلَادِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا كَالْمَرْهُونِ سَوَاءٌ أَعَلِمَ الْوَارِثُ الدَّيْنَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ بِالْحُقُوقِ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ أَيْ بِالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَقَوْلُهُ " فَلَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ الْوَارِثِ " ظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ الدَّيْنُ وَكَثُرَتْ التَّرِكَةُ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (بِتَرِكَتِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَرْهُونِ مِنْهَا، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ؛ فَإِنْ انْفَكَّ تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِهِ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (كَمَرْهُونٍ) أَيْ كَتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالْمَرْهُونِ، فَتَكُونُ التَّرِكَةُ كَالْمَرْهُونِ. وَقَضِيَّةُ كَلَامِهِ أَنَّ الدَّيْنَ لَوْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ التَّرِكَةِ فَوَفَّى الْوَارِثُ قَدْرَهَا فَقَطْ أَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنْ الرَّهْنِيَّةِ، وَلَيْسَ مُرَادًا عَنَانِيٌّ، إلَّا أَنْ يُقَالَ التَّشْبِيهُ فِي مُطْلَقِ التَّعَلُّقِ لَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَمْنَعُ التَّعَلُّقُ إرْثًا) بِدَلِيلِ نُفُوذِ إعْتَاقِ الْوَارِثِ الْمُوسِرِ وَإِيلَادِهِ وَتَقْدِيمِ الدَّيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى قِسْمَةِ التَّرِكَةِ لَا عَلَى الْإِرْثِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ) أَيْ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ كَوَلَدٍ حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَثَمَرٍ وَمَهْرٍ وَكَسْبٍ فَهِيَ لِلْوَارِثِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا بِأَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ لِأَنَّهَا حَدَثَتْ فِي مِلْكِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ مَاتَ عَنْ زَرْعٍ أَخْضَرَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِقَدْرِ مَا كَانَ مَوْجُودًا مِنْ الزَّرْعِ وَقْت الْمَوْتِ، وَمَا زَادَ حَتَّى السَّنَابِلَ فَهِيَ لِلْوَارِثِ اهـ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلِلْوَارِثِ إمْسَاكُهَا إلَخْ) حَتَّى لَوْ كَانَ الدَّيْنُ أَكْثَرَ مِنْ التَّرِكَةِ وَقَالَ الْوَارِثُ: آخُذُهَا بِقِيمَتِهَا، وَأَرَادَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَهَا لِتَوَقُّعِ زِيَادَةِ رَاغِبٍ أُجِيبَ الْوَارِثُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى الْقِيمَةِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَلَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ مَا زَادَ عَلَى قِيمَةِ التَّرِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ " وَلِلْوَارِثِ إمْسَاكُهَا إلَخْ " نَعَمْ لَوْ وَصَّى بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ ثَمَنِهَا بَعْدَ بَيْعِهَا أَوْ مِنْ عَيْنِهَا أَوْ بِدَفْعِهَا بَدَلًا عَنْهُ أَوْ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَارِثِ إمْسَاكُهَا وَالْقَضَاءُ مِنْ غَيْرِهَا اهـ ق ل وَح ل. قَالَ ع ش: فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ نَفَذَ تَصَرُّفُهُ، وَإِنْ أَثِمَ بِإِمْسَاكِهَا لِرِضَا الْمُسْتَحِقِّ بِمَا بَذَلَهُ الْوَارِثُ وَوُصُولُهُ إلَى حَقِّهِ مِنْ الدَّيْنِ وَيُحْتَمَلُ فَسَادُ الْقَبْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِهِ غَرَضَ الْمُوَرِّثِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ. وَكَذَا لَوْ اشْتَمَلَتْ
стр. 1023
وَلَا دَيْنَ فَظَهَرَ دَيْنٌ بِنَحْوِ رَدِّ مَبِيعٍ بِعَيْبٍ تَلِفَ ثَمَنُهُ. وَلَمْ يَسْقُطْ الدَّيْنُ بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ فُسِخَ التَّصَرُّفُ لِأَنَّهُ كَانَ سَائِغًا لَهُ فِي الظَّاهِرِ.
فَصْلٌ: فِي الْحَجْرِ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ وَشَرْعًا الْمَنْعُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] الْآيَةَ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ (وَالْحَجْرُ) يُضْرَبُ (عَلَى) جَمَاعَةٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
التَّرِكَةُ عَلَى جِنْسِ الدَّيْنِ فَلَيْسَ لَهُ إمْسَاكُهَا وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالْأَخْذِ،. اهـ. ز ي بِالْمَعْنَى. أَقُولُ: يُتَأَمَّلُ وَجْهُ ذَلِكَ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ اسْتِقْلَالِ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِأَخْذِهِ مِنْ التَّرِكَةِ لَا يَقْتَضِي مَنْعَ الْوَارِثِ مِنْ أَخْذِ التَّرِكَةِ وَدَفْعِ جِنْسِ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّ رَبَّ الدَّيْنِ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهُ بِالتَّرِكَةِ تَعَلُّقَ شَرِكَةٍ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهَا تَعَلُّقَ رَهْنٍ وَالرَّاهِنُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَوْفِيَةُ الدَّيْنِ مِنْ عَيْنِ الرَّهْنِ، اهـ. ثُمَّ رَأَيْته فِي حَجّ. فَرْعٌ: لَوْ طَلَبَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بَيْعَ مَالٍ مَخْصُوصٍ مِنْ أَمْوَالِ الْمَدِينِ الْمُمْتَنِعِ لَمْ يَتَعَيَّنْ إجَابَتُهُ وَلِلْقَاضِي بَيْعُ غَيْرِهِ
بِالْمَصْلَحَةِ
، وَكَذَا لَوْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَ الْمَرْهُونِ لِلْقَاضِي بِيعَ غَيْرُهُ مِنْ أَمْوَالِ الرَّاهِنِ
بِالْمَصْلَحَةِ
، اهـ م ر سم عَنْ الْعُبَابِ اهـ. قَوْلُهُ: (فَظَهَرَ دَيْنٌ) الصَّوَابُ: " فَطَرَأَ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَفِيًّا ثُمَّ ظَهَرَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ خَفِيًّا ثُمَّ ظَهَرَ تَبَيَّنَ بُطْلَانُ التَّصَرُّفِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَعِبَارَتُهُ: أَمَّا لَوْ كَانَ ثَمَّ دَيْنٌ خَفِيٌّ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ تَصَرُّفِهِ فَهُوَ فَاسِدٌ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ. وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْبَيْعَ إذَا كَانَ فَاسِدًا تَكُونُ فَوَائِدُ الْمَبِيعِ لِلْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ، وَإِذَا كَانَ صَحِيحًا ثُمَّ فُسِخَ تَكُونُ فَوَائِدُهُ قَبْلَ الْفَسْخِ لِلْمُشْتَرِي.
قَوْلُهُ: (بِنَحْوِ رَدِّ مَبِيعٍ) وَكَأَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي حَيَاتِهِ عُدْوَانًا ثُمَّ تَرَدَّى فِيهَا شَخْصٌ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَا عَاقِلَةَ، فَإِنَّ الدِّيَةَ دَيْنٌ عَلَى التَّرِكَةِ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِهِ) كَحَوَالَةٍ. قَوْلُهُ: (فُسِخَ التَّصَرُّفُ) . أَيْ فَسَخَهُ الْحَاكِمُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فَسَادُهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ كَانَ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فُسِخَ التَّصَرُّفُ الْمُقْتَضِي صِحَّتَهُ، أَيْ فَلَمْ يَكُنْ التَّصَرُّفُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ كَانَ سَائِغًا لَهُ ظَاهِرًا. وَجَعَلَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ عِلَّةً لِمَحْذُوفٍ، حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ " فُسِخَ ": فَعُلِمَ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ " فُسِخَ " أَنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ فَسَادُهُ لِأَنَّهُ كَانَ جَائِزًا لَهُ ظَاهِرًا، وَقَوْلُهُ " لَمْ يَتَبَيَّنْ فَسَادُهُ " وَحِينَئِذٍ فَالزَّوَائِدُ قَبْلَ طُرُوُّ الدَّيْنِ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْفَسْخَ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ حِينِهِ لَا مِنْ أَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الظَّاهِرِ) أَيْ وَفِي الْبَاطِنِ كَمَا قَالَهُ حَجّ، فَفِي كَلَامِهِ اكْتِفَاءٌ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: لِأَنَّهُ كَانَ سَائِغًا لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
[فَصْلٌ فِي الْحَجْرِ]
ِ ذَكَرَهُ بَعْدَ الرَّهْنِ لِأَنَّ الرَّاهِنَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ كَمَا يَأْتِي. وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ أَقْسَامَ الْحَجْرِ فِي قَوْلِهِ:
ثَمَانِيَةٌ لَا يَشْمَلُ الْحَجْرُ غَيْرَهُمْ ... تَضَمَّنَهُمْ بَيْتٌ وَفِيهِ مَحَاسِنُ
صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ سَفِيهٌ وَمُفْلِسُ ... رَقِيقٌ وَمُرْتَدٌّ مَرِيضٌ وَرَاهِنُ
قَوْلُهُ (مِنْ التَّصَرُّفَاتِ) أَيْ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا كَالْمُفْلِسِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا. . . إلَخْ) فَسَّرَ الشَّافِعِيُّ
стр. 1024
الْمَذْكُورُ مِنْهَا هُنَا (سِتَّةٌ) وَالْحَجْرُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَنَوْعٌ شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْغَيْرِ. فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ الَّذِي شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ يُضْرَبُ عَلَى ثَلَاثَةٍ فَقَطْ: الْأَوَّلُ الْحَجْرُ عَلَى (الصَّبِيِّ) أَيْ الصَّغِيرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ مُمَيِّزًا إلَى بُلُوغِهِ، فَيَنْفَكُّ بِلَا قَاضٍ لِأَنَّهُ حَجْرٌ ثَبَتَ بِلَا قَاضٍ فَلَا يَتَوَقَّفُ زَوَالُهُ عَلَى فَكِّ قَاضٍ. وَعَبَّرَ فِي الْمِنْهَاجِ كَكَثِيرٍ بِبُلُوغِهِ رَشِيدًا. قَالَ الشَّيْخَانِ: وَلَيْسَ اخْتِلَافًا بَلْ مَنْ عَبَّرَ بِالثَّانِي أَرَادَ الْإِطْلَاقَ الْكُلِّيَّ، وَمَنْ عَبَّرَ بِالْأَوَّلِ أَرَادَ حَجْرَ الصِّبَا، وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الصِّبَا سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِالْحَجْرِ وَكَذَا التَّبْذِيرُ وَأَحْكَامُهُمَا مُتَغَايِرَةٌ. (وَ) الثَّانِي: الْحَجْرُ عَلَى (الْمَجْنُونِ) إلَى إفَاقَتِهِ مِنْهُ فَيَنْفَكُّ بِلَا فَكِّ قَاضٍ كَمَا مَرَّ فِي الصَّبِيِّ. (وَ) الثَّالِثُ الْحَجْرُ عَلَى الْبَالِغِ (السَّفِيهِ الْمُبَذِّرِ لِمَالِهِ) كَأَنْ يَرْمِيَهُ فِي بَحْرٍ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ يُضَيِّعَهُ بِاحْتِمَالِ غَبْنٍ فَاحِشٍ فِي مُعَامَلَةٍ أَوْ يَصْرِفَهُ فِي مُحَرَّمٍ، لَا فِي خَيْرٍ كَصَدَقَةٍ، وَلَا فِي نَحْوِ مَطَاعِمَ، وَمَلَابِسَ وَشِرَاءِ إمَاءٍ كَثِيرَةٍ لِلتَّمَتُّعِ وَإِنْ لَمْ تَلِقْ بِحَالِهِ لِأَنَّ الْمَالَ يُتَّخَذُ لِيُنْتَفَعَ وَيُلْتَذَّ بِهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهُوَ كَذَلِكَ. نَعَمْ إنْ صَرَفَهُ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاقْتِرَاضِ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوَفِّيهِ بِهِ فَحَرَامٌ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
﵁ السَّفِيهَ بِالْمُبَذِّرِ وَالضَّعِيفَ بِالصَّبِيِّ وَبِالْكَبِيرِ الْمُخْتَلِّ وَاَلَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ بِالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ تَنُوبُ عَنْهُمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ فَدَلَّ عَلَى ثُبُوتِ الْحَجْرِ عَلَيْهِمْ. وَالْإِمْلَالُ بِمَعْنَى الْإِلْقَاءِ عَلَى الْكَاتِبِ مَا يَكْتُبُهُ وَفِعْلُهُ أَمْلَلْت، ثُمَّ أُبْدِلَ أَحَدُ الْمُضَاعَفَيْنِ يَاءً وَتَبِعَهُ الْمَصْدَرُ وَأُبْدِلَتْ هَمْزَةً لِتَطَرُّفِهَا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ،. اهـ. شِهَابٌ عَلَى الْبَيْضَاوِيِّ. وَأَقُولُ: هَذَا التَّصْرِيفُ لَا يَظْهَرُ لِأَنَّ الْإِمْلَالَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْإِمْلَاءَ لُغَةُ تَمِيمٍ؛ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ قَوْلِ الْبَيْضَاوِيِّ: وَالْإِمْلَالُ وَالْإِمْلَاءُ وَاحِدٌ اهـ. فَكَيْفَ يَرْجِعُ أَحَدُ اللُّغَتَيْنِ لِلْأُخْرَى مَعَ أَنَّ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ الْإِتْيَانُ بِاللَّامَيْنِ بِلَا إبْدَالٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَنْ يُمِلَّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَيَكُونُ الْقُرْآنُ جَارِيًا عَلَى لُغَةِ الْحِجَازِيِّينَ؟ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (يَضْرِبُ) لَوْ أَبْدَلَهُ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي بِنَحْوِ " يَتَعَلَّقُ " أَوْ " يُوجَدُ " لَكَانَ مُسْتَقِيمًا، إذْ لَا ضَرْبَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ ق ل. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ غَلَبَ مَا فِيهِ ضَرْبٌ عَلَى مَا لَا ضَرْبَ فِيهِ أج.
قَوْلُهُ: (الْمَذْكُورُ مِنْهَا هُنَا سِتَّةٌ) فِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ اللَّفْظِيِّ، وَهُوَ مَعِيبٌ.
قَوْلُهُ: (أَرَادَ الْإِطْلَاقَ) أَيْ الِانْفِكَاكَ.
قَوْلُهُ: (وَأَحْكَامُهُمَا مُتَغَايِرَةٌ) لِأَنَّ السَّفِيهَ يَصِحُّ مِنْهُ التَّدْبِيرُ وَقَبُولُ الْهِبَةِ لِبَعْضِهِ وَالْوَصِيَّةُ وَالصُّلْحُ عَنْ قِصَاصٍ وَلَوْ بِزَائِدٍ عَلَى الدِّيَةِ وَالْعَفْوُ عَنْ قِصَاصٍ لَهُ وَالنِّكَاحُ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَالطَّلَاقُ وَالْخُلْعُ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ؛ شَوْبَرِيٌّ وع ش. وَسَيَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ إقْرَارُهُ، أَيْ السَّفِيهِ بِمُوجَبِ عُقُوبَةٍ كَحَدٍّ وَقَوَدٍ وَتَصِحُّ عِبَادَتُهُ بَدَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ مَالِيَّةً وَاجِبَةً؛ لَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ مِنْ زَكَاةٍ وَغَيْرِهَا بِلَا إذْنٍ مِنْ وَلِيِّهِ وَلَا تَعْيِينٍ مِنْهُ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (الْمُبَذِّرِ) أَيْ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا وَحَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، أَوْ بَلَغَ غَيْرَ مُصْلِحٍ لِمَالِهِ وَدِينِهِ. وَهَذَا الثَّانِي مَحْجُورٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، وَالْأَوَّلُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ حِسًّا وَشَرْعًا، وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَنْ بَلَغَ مُصْلِحًا لِمَالِهِ وَدِينِهِ ثُمَّ بَذَّرَ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْقَاضِي فَهُوَ غَيْرُ رَشِيدٍ أَيْضًا لَكِنْ تَصَرُّفُهُ صَحِيحٌ وَيُقَالُ لَهُ سَفِيهٌ مُهْمِلٌ. أَمَّا مَنْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ لِجُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ بِاخْتِلَالِ إصْلَاحِ الدِّينِ أَوْ الْمَالِ فَإِنَّ وَلِيَّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ فَيَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ مَنْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِيهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِمَفْهُومِ آيَةِ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] وَالْإِينَاسُ هُوَ الْعِلْمُ،. اهـ. ش مَنْهَجٌ.
قَوْلُهُ: (بِاحْتِمَالِ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ.
قَوْلُهُ: (غَبْنٍ فَاحِشٍ) وَهُوَ مَا لَا يُحْتَمَلُ غَالِبًا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ؛ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ كَبَيْعِ مَا يُسَاوِي عَشْرَةً بِتِسْعَةٍ أَيْ: عَشَرَةِ دَرَاهِمَ لَا دَنَانِيرَ. وَمَحِلُّ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ عِنْدَ جَهْلِهِ بِحَالِ الْمُعَامَلَةِ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا وَأَعْطَى أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا كَانَ الزَّائِدُ صَدَقَةً خَفِيَّةً مَحْمُودَةً، شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ يَصْرِفُهُ فِي مُحَرَّمٍ) وَلَوْ صَغِيرَةً لِمَا فِيهِ مِنْ قِلَّةِ الدِّينِ.
قَوْلُهُ: (وَقَضِيَّتُهُ) أَيْ التَّعْلِيلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ " لِأَنَّ الْمَالَ إلَخْ ".
قَوْلُهُ: (فَحَرَامٌ) مَحَلُّهُ مَا لَمْ يَعْرِضْ الْمُقْرِضُ بِحَالِهِ، فَإِنْ
стр. 1025
(وَ) النَّوْعُ الثَّانِي الَّذِي شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ الْغَيْرِ يُضْرَبُ عَلَى (الْمُفْلِسِ) وَهُوَ الَّذِي ارْتَكَبَتْهُ الدُّيُونُ الْحَالَّةُ اللَّازِمَةُ الزَّائِدَةُ عَلَى مَالِهِ إذَا كَانَتْ لِآدَمِيٍّ، فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ وُجُوبًا فِي مَالِهِ إنْ اسْتَقَلَّ، أَوْ عَلَى وَلِيِّهِ فِي مَالِ مُوَلِّيهِ إنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِطَلَبِهِ أَوْ بِسُؤَالِ الْغُرَمَاءِ وَلَوْ بِنُوَّابِهِمْ كَأَوْلِيَائِهِمْ، فَلَا حَجْرَ بِالْمُؤَجَّلِ لِأَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الْحَالِ. وَإِذَا حَجَرَ بِحَالٍّ لَمْ يَحِلَّ الْمُؤَجَّلُ لِأَنَّ الْأَجَلَ مَقْصُودٌ لَهُ. فَلَا يَفُوتُ عَلَيْهِ. وَلَوْ جُنَّ الْمَدْيُونُ لَمْ يَحِلَّ دَيْنُهُ وَمَا وَقَعَ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ مِنْ تَصْحِيحِ الْحُلُولِ بِهِ نُسِبَ فِيهِ إلَى السَّهْوِ، وَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالْمَوْتِ أَوْ الرِّدَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَوْتِ أَوْ اسْتِرْقَاقِ الْحَرْبِيِّ كَمَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ النَّصِّ، وَلَا بِدَيْنٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَنُجُومِ كِتَابَةٍ لِتَمَكُّنِ الْمَدْيُونِ مِنْ إسْقَاطِهِ، وَلَا بِدَيْنٍ مُسَاوٍ لِمَالِهِ أَوْ نَاقِصٍ عَنْهُ، وَلَا بِدَيْنٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ فَوْرِيًّا كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ خِلَافًا لِمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالْمُرَادُ بِمَالِهِ مَالُهُ الْعَيْنِيُّ أَوْ الدَّيْنِيُّ الَّذِي يَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمَنَافِعِ وَالْمَغْصُوبِ وَالْغَائِبِ وَنَحْوِهِمَا.
وَيُبَاعُ فِي الدُّيُونِ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ وَمَرْكُوبُهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَى خَادِمٍ أَوْ مَرْكُوبٍ لِزَمَانَتِهِ أَوْ مَنْصِبِهِ لِأَنَّ تَحْصِيلَهَا بِالْكِرَاءِ أَسْهَلُ فَإِنْ تَعَذَّرَ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتُرِكَ لَهُ دِسْتُ ثَوْبٍ يَلِيقُ بِهِ وَهُوَ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ وَمِنْدِيلُ وَمُكَعَّبٌ، وَيُزَادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةً أَوْ فَرْوَةً. وَلَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
كَانَ عَالِمًا فَلَا حُرْمَةَ ع ش.
قَوْلُهُ: (الْمُفْلِسِ) هُوَ لُغَةً مَنْ صَارَ مَالُهُ فُلُوسًا ثُمَّ كُنِّيَ بِهِ عَنْ قِلَّةِ الْمَالِ وَعَدَمِهِ، وَشَرْعًا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمُفْلِسُ فِي الْآخِرَةِ مَنْ تُعْطَى حَسَنَاتُهُ لِخُصَمَائِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ.
فَائِدَةٌ: قِيلَ الْغُرَمَاءُ يَتَعَلَّقُونَ بِحَسَنَاتِ الْمُفْلِسِ مَا عَدَا الْإِيمَانَ كَمَا يُتْرَكُ فِي الدُّنْيَا دِسْتُ ثَوْبٍ. وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا تَوْقِيفِيٌّ فَلَا مَدْخَلَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ وَقِيلَ مَا عَدَا الصَّوْمَ لِخَبَرِ: «الصَّوْمُ لِي» وَيَرُدُّهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ أَنَّهُمْ يَتَعَلَّقُونَ حَتَّى بِالصَّوْمِ اهـ حَجّ.
قَوْلُهُ: (الْحَالَّةُ) الْقُيُودُ أَرْبَعَةٌ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَيُمَوِّنُ الْقَاضِي مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ مُمَوِّنَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَزَوْجَاتِهِ اللَّاتِي نَكَحَهُنَّ قَبْلَ الْحَجْرِ وَمَمَالِيكِهِ كَأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَأَقَارِبِهِ وَإِنْ حَدَثُوا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فِي مَالِ مُوَلِّيهِ) فَإِنْ قُلْت: مُوَلِّيهِ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فَمِنْ أَيْنَ لَزِمَهُ الدَّيْنُ؟ وَيُصَوَّرُ بِدَيْنِ الْإِتْلَافِ ع ش.
قَوْلُهُ: (بِطَلَبِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ " وَالْحَاجِرُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ نَحْوُ مَنَعْتُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِ أَوْ حَجَرْت عَلَيْهِ فِيهَا أَوْ أَبْطَلْت تَصَرُّفَاتِهِ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَحِلَّ الْمُؤَجَّلُ) أَيْ لَمْ يَصِرْ حَالًّا.
قَوْلُهُ: (الْمُتَّصِلَةِ بِالْمَوْتِ) فَيَتَبَيَّنُ بِمَوْتِهِ مُرْتَدًّا الْحُلُولُ مِنْ حِينِ الرِّدَّةِ. وَقَوْلُهُ " أَوْ اسْتِرْقَاقِ الْحَرْبِيِّ " أَيْ وَكَانَ الدَّيْنُ لِغَيْرِ حَرْبِيٍّ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَيَقْضِي مِنْ مَالِهِ إنْ غَنِمَ بَعْدَ رَقِّهِ كَمَا فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ فِي بَابِ الْجِهَادِ، وَلَا يَمْلِكُ الْغَانِمُونَ مِنْ مَالِهِ إلَّا مَا زَادَ عَلَى دَيْنِهِ الْمَذْكُورِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ فَوْرِيًّا) كَالنَّذْرِ الْمُقَيَّدِ بِزَمَنٍ وَالْكَفَّارَةِ الَّتِي عَصَى بِسَبَبِهَا.
قَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِمَالِهِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ: " الزَّائِدَةُ عَلَى مَالِهِ "، وَقَوْلُهُ: " الَّذِي يَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ حَالًّا " بِأَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ حَاضِرَةً غَيْرَ مَرْهُونَةٍ وَالدَّيْنُ عَلَى مُقِرٍّ مُوسِرٍ أَوْ بِهِ بَيِّنَةٌ وَهُوَ حَاضِرٌ، اهـ ح ل وَهَذَا، أَعْنِي قَوْلَهُ " وَالْمُرَادُ بِمَالِهِ إلَخْ " جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ، كَأَنَّ سَائِلًا قَالَ: مَا الْمَالُ الَّذِي يُعْتَبَرُ زِيَادَةُ الدَّيْنِ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ الْمَالُ الْعَيْنِيُّ أَوْ الدَّيْنِيُّ الَّذِي يَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ؛ بِخِلَافِ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُقَابَلَةِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ إذَا حُجِرَ عَلَيْهِ تَعَدَّى الْحَجْرُ لِمَالِهِ كُلِّهِ سَوَاءٌ تَيَسَّرَ مِنْهُ الْأَدَاءُ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ أَعْيَانًا أَوْ مَنَافِعَ وَيَتَعَدَّى لِمَا حَدَثَ أَيْضًا بِهِبَةٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ شِرَاءٍ فِي ذِمَّةٍ أَوْ كَسْبٍ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْمَنَافِعِ) بِأَنْ كَانَ يَسْتَحِقُّهَا بِوَقْفٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ زِيَادَةُ الدَّيْنِ عَلَيْهَا مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَحْصِيلِ أُجْرَتِهَا حَالًّا وَإِلَّا اُعْتُبِرَتْ م ر. وَقَوْلُهُ: " وَالْمَغْصُوبِ " أَيْ الَّذِي لَا يَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ حَالًّا ح ل. وَقَوْلُهُ " وَالْغَائِبِ " أَيْ الَّذِي لَا يَتَيَسَّرُ الْأَدَاءُ مِنْهُ فِي الْحَالِّ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَالْغَائِبِ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهِمَا) كَالْمَرْهُونِ، وَكَذَا دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ أَوْ حَالٌّ عَلَى مُعْسِرٍ أَوْ مَلِيءٍ مُنْكِرٍ وَلَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَعِبَارَةُ الْعَنَانِيِّ عَلَى الْمَنْهَجِ: وَنَحْوُهُمَا، أَيْ الْمَغْصُوبِ وَالْغَائِبِ؛ وَلَمْ يَقُلْ وَنَحْوَهَا لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا نَحْوَ لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُبَاعُ) أَيْ بَعْدَ الْحَجْرِ وُجُوبًا عَلَى الْقَاضِي فَوْرًا، وَيَكُونُ الْبَيْعُ بِحَضْرَتِهِ أَيْضًا أَيْ الْمُفْلِسِ وَيُبَاعُ كُلُّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ وَيُقَدَّمُ مَا يُخَافُ فَسَادُهُ، ثُمَّ الْحَيَوَانُ ثُمَّ الْمَنْقُولُ ثُمَّ الْعَقَارُ.
قَوْلُهُ: (أَسْهَلُ) أَيْ مِنْ إبْقَائِهَا وَإِبْقَاءِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ) أَيْ أَغْنِيَائِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَيُتْرَكُ لَهُ) وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.
стр. 1026
يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لِبَقِيَّةِ الدَّيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وَإِذَا ادَّعَى الْمَدْيُونُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، أَوْ قَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ وَأَنْكَرُوا مَا زَعَمَهُ، فَإِنْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ كَشِرَاءٍ أَوْ قَرْضٍ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِإِعْسَارِهِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَبِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ فِي الثَّانِيَةِ وَإِنْ لَزِمَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ سَوْءًا أَكَانَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (دِسْتُ ثَوْبٍ) أَيْ كِسْوَةٌ كَامِلَةٌ وَعِبَارَةُ الْمِصْبَاحِ الدَّسْتُ اسْمٌ لِلرِّزْمَةِ أَيْ الْجُمْلَةِ مِنْ الثِّيَابِ. وَعَلَيْهِ فَإِضَافَتُهُ لِثَوْبٍ بَيَانِيَّةٌ وَالْمُرَادُ بِالثَّوْبِ الْجِنْسُ أَيْ جَمَاعَةٌ مِنْ الثِّيَابِ، وَيُقَالُ لَهُ عِنْدَ الْعَامَّةِ بَدْلَةٌ قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الدَّسْتُ.
قَوْلُهُ: (وَسَرَاوِيلُ) أَيْ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَلْبَسُ ذَلِكَ ح ل. وَهُوَ مُفْرَدٌ جِيءَ بِهِ عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ، قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ شَبَهٌ اقْتَضَى عُمُومَ الْمَنْعِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَأْنِيثِهِ. وَأَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، «وَوُجِدَ فِي تَرِكَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِبَاسٌ اشْتَرَاهُ ﷺ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ وَلَمْ يَلْبَسْهُ» أَيْ النَّبِيُّ وَلَمْ يَلْبَسْهُ عُثْمَانُ أَبَدًا إلَّا يَوْمَ قَتْلِهِ فَإِنَّهُ لَبِسَهُ وَقَالَ: " رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ الْبَارِحَةَ فِي النَّوْمِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ وَقَالُوا لِي: اصْبِرْ فَإِنَّك تُنْقَلُ عِنْدَنَا الْقَابِلَةَ، " فَأَصْبَحَ عُثْمَانُ صَائِمًا ﵁ فَقُتِلَ فِي يَوْمِهِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ،. اهـ. دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَمُكَعَّبٌ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ مُثَقَّلًا وَبِكَسْرٍ فَسُكُونٍ مُخَفَّفًا وَهُوَ الْمَدَاسُ.
قَوْلُهُ: (وَيُزَادُ فِي الشِّتَاءِ جُبَّةٌ) أَيْ إنْ وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ فِيهِ أَوْ دَخَلَ وَقْتُ الشِّتَاءِ فِي الْحَجْرِ عَلَى مَا اسْتَوْجَهَهُ، سم شَوْبَرِيٌّ. وَعِبَارَةُ ع ش: قَوْلُهُ " فِي الشِّتَاءِ " أَيْ وَإِنْ وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ فِي الصَّيْفِ. وَلَا يُنَافِيهِ تَعْبِيرُهُمْ بِ " فِي " لِأَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ بِدَلِيلِ قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَيُزَادُ لِلْبَرْدِ،. اهـ. حَجّ وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُ ذَلِكَ. اهـ. م ر. أَيْ فَلَا يُعْطَى ذَلِكَ إلَّا إذَا وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ فِي الشِّتَاءِ أَوْ دَخَلَ الشِّتَاءُ زَمَنَ الْحَجْرِ اهـ. وَيُتْرَكُ لِلْعَالِمِ كُتُبُهُ مَا لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْهَا بِمَوْقُوفٍ، وَلِلْجُنْدِيِّ الْمُرْتَزِقِ خَيْلُهُ وَسِلَاحُهُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِمَا، وَكُلُّ مَا يُتْرَكُ لِلْمُفْلِسِ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي مَالِهِ اشْتَرَى لَهُ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. بِخِلَافِ آلَاتِ الْحِرَفِ فَلَا تُتْرَكُ، وَمِثْلُهَا رَأْسُ مَالٍ لِلتِّجَارَةِ، شَوْبَرِيٌّ. وَقَالَ م ر: قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يُتْرَكُ لَهُ رَأْسُ مَالٍ يَتَّجِرُ فِيهِ إذَا لَمْ يُحْسِنْ الْكَسْبَ إلَّا بِهِ، اهـ. وَفِي الزِّيَادِيِّ: وَلَا رَأْسَ مَالٍ وَإِنْ قَلَّ، وَقَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ: يُتْرَكُ لَهُ رَأْسُ مَالٍ إذَا لَمْ يُحْسِنْ الْكَسْبَ إلَّا بِهِ، حَمَلَهُ الْأَذْرَعِيُّ عَلَى تَافِهٍ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ هُنَا عِنْدَ تَعَدُّدِ النُّسَخِ مَا يَأْتِي فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ لَكِنَّهَا تُبَاعُ إلَّا وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ مُدَرِّسًا فَيَبْقَى لَهُ نُسْخَتَانِ لِأَجْلِ الْمُرَاجَعَةِ، وَيُبَاعُ الْمُصْحَفُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ يَسْهُلُ مُرَاجَعَةُ الْحَفَظَةِ فَلَوْ كَانَ بِمَحَلٍّ لَا حَافِظَ فِيهِ تُرِكَ لَهُ،. اهـ. شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ) مَحَلُّهُ فِي دَيْنٍ لَمْ يَعْصِ بِسَبَبِهِ، فَإِنْ عَصَى بِسَبَبِهِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ لَهُ، وَكَذَا يَلْزَمُهُ الْكَسْبُ وَلَوْ بِغَيْرِ لَائِقٍ بِهِ كَمَا قَالَهُ أج. وَقَالَ ق ل: قَوْلُهُ " وَلَا يَجِبُ إلَخْ " وَإِنْ عَصَى مِنْ حَيْثُ الدَّيْنُ وَإِنْ وَجَبَ مِنْ حَيْثُ الْخُرُوجُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أَيْ وَإِنْ وُجِدَ غَرِيمٌ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ أَيْ فَالْحُكْمُ نَظِرَةٌ، أَوْ فَعَلَيْكُمْ نَظِرَةٌ، أَوْ فَلْيَكْفِ نَظِرَةٌ وَهِيَ الْإِنْظَارُ،. اهـ. بَيْضَاوِيٌّ. وَالْإِنْظَارُ: التَّأْخِيرُ. وَفِي الْخَبَرِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «لَا يَحِلُّ دَيْنُ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فَيُؤَخِّرُهُ إلَّا كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ» ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ أَيْضًا. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ بِمَعْنَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ قَوْلُهُ: (وَأَنْكَرُوا مَا زَعَمَهُ) مُرَادُهُ بِهِ مَا يَشْمَلُ مَا ادَّعَاهُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى. قَوْلُهُ: (فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ) أَيْ إنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ تُخْبِرُ بَاطِنَهُ بِجَوَازِهِ مَثَلًا كَمَا فِي الْمَنْهَجِ؛ وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ " فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ " لِأَنَّهُ بِشِرَائِهِ وَاعْتِرَافِهِ بِذَلِكَ عُرِفَ لَهُ مَالٌ فَاحْتَاجَ فِي إثْبَاتِ إعْسَارِهِ لِبَيِّنَةٍ عَلَيْهِ وَفِيمَا إذَا لَزِمَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ عِلْمَ مَالٍ لَهُ
стр. 1027
بِاخْتِيَارِهِ كَضَمَانٍ وَصَدَاقٍ أَمْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ كَأَرْشِ جِنَايَةٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
(وَ) يُضْرَبُ عَلَى (الْمَرِيضِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ) بِمَا سَتَعْرِفُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَصِيَّةِ. (فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) لِحَقِّ الْوَرَثَةِ إرْثٌ لَا دَيْنٌ وَفِي الْجَمِيعِ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ. (وَ) يُضْرَبُ عَلَى (الْعَبْدِ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ)) لِحَقِّ سَيِّدِهِ وَعَلَى الْمُكَاتَبِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ وَلِلَّهِ تَعَالَى، زَادَ الشَّيْخَانِ فِي هَذَا النَّوْعِ، وَعَلَى الرَّاهِنِ فِي الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَعَلَى الْمُرْتَدِّ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِمَا فِي الْمُهِمَّاتِ ثَلَاثِينَ نَوْعًا فِيهَا الْحَجْرُ لِحَقِّ الْغَيْرِ، وَسَبَقَهُ إلَى بَعْضِهَا شَيْخُهُ السُّبْكِيُّ. فَمَنْ أَرَادَ فَلْيُرَاجِعْ ذَلِكَ فِي الْمُهِمَّاتِ وَقَلِيلٌ مَنْ صَارَ لَهُ هِمَّةٌ لِذَلِكَ.
(وَتَصَرُّفُ) كُلٍّ مِنْ (الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ) فِي مَالِهِ (غَيْرُ صَحِيحٍ) أَمَّا الصَّبِيُّ فَمَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ وَالْوِلَايَةِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ عِبَادَةِ مُمَيِّزٍ، وَإِذْنٍ فِي دُخُولٍ، وَإِيصَالِ هَدِيَّةٍ مِنْ مُمَيِّزٍ مَأْمُونٍ. وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَمَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ مِنْ عِبَادَةٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَصُدِّقَ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَبِهَذَا اتَّضَحَ قَوْلُ ق ل. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ لَمْ يُصَدَّقْ وَإِلَّا صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (كَأَرْشِ جِنَايَةٍ) بِأَنْ كَانَتْ خَطَأً.
قَوْلُهُ: (وَيُضْرَبُ عَلَى الْمَرِيضِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ لَا ضَرْبَ عَلَى الْمَرِيضِ، فَالْمُنَاسِبُ وَيَثْبُتُ الْحَجْرُ عَلَى الْمَرِيضِ شَرْعًا.
قَوْلُهُ: (الْمَخُوفِ عَلَيْهِ) وَمِثْلُ الْمَرَضِ حَالَةٌ يُعْتَبَرُ فِيهَا التَّبَرُّعُ مِنْ الثُّلُثِ كَالتَّقْدِيمِ لِلْقَتْلِ، ز ي.
قَوْلُهُ: (بِمَا سَتَعْرِفُهُ) أَيْ بِمَرَضٍ سَتَعْرِفُهُ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " الْمَخُوفِ " كَابْتِدَاءِ فَالِجٍ وَحُمَّى لَازِمَةٍ وَإِسْهَالٍ مُتَتَابِعٍ وَرُعَافٍ دَائِمٍ، فَمَنْ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مَرِيضٌ بِمَا يُخَافُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ.
قَوْلُهُ: (وَفِي الْجَمِيعِ إلَخْ) هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلتَّبَرُّعَاتِ، وَإِلَّا فَلَوْ وَفَّى الْمَرِيضُ بَعْضَ الْغُرَمَاءِ لَمْ يُزَاحِمْهُ غَيْرُهُ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَفِ مَالُهُ بِدَيْنِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ. اهـ. م د. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الْمَرِيضِ يَكُونُ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّبَرُّعَاتِ كَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَصَدَقَةٍ وَعِتْقٍ، وَأَمَّا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ لِلْغُرَمَاءِ فَصَحِيحٌ. قَوْلُهُ: (إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ) وَإِلَّا فَفِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إنْ وَفَّى بِالدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: (لِحَقِّ سَيِّدِهِ) وَهُوَ نُجُومُ الْكِتَابَةِ. وَقَوْلُهُ " وَلِلَّهِ تَعَالَى " وَهُوَ الْحُرِّيَّةُ، وَعِبَارَةُ ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ: قَوْلُهُ " لِحَقِّ سَيِّدِهِ وَلِلَّهِ تَعَالَى " الْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: الْحَجْرُ فِيهِ لِنَفْسِهِ وَسَيِّدِهِ، إذْ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ أَذِنَ سَيِّدُهُ لَا يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَيْ بَلْ يَصِحُّ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْرَدَ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الشَّيْخَيْنِ، قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: فَقَدْ أَنْهَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى نَحْوِ سَبْعِينَ صُورَةً، بَلْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: هَذَا بَابٌ وَاسِعٌ جِدًّا لَا تَنْحَصِرُ أَفْرَادُ مَسَائِلِهِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرُ صَحِيحٍ) وَمَا قَبَضُوهُ إذَا تَلِفَ فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ أَتْلَفُوهُ يَضِيعُ عَلَى صَاحِبِهِ إنْ كَانَ رَشِيدًا، أَوْ تَلِفَ قَبْلَ طَلَبٍ مِنْ صَاحِبِهِ وَيَرُدُّ الثَّمَنَ مِثْلًا، لِأَوْلِيَائِهِمْ. وَأَمَّا إذَا تَلِفَ مَا أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ رَشِيدٍ أَوْ مِنْ رَشِيدٍ بَعْدَ طَلَبِهِ وَامْتِنَاعِهِمْ مِنْ رَدِّهِ أَوْ قَبَضُوهُ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَهُ فِي مَالِهِمْ إنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ، وَإِلَّا فَالضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ. وَأَمَّا إذَا بَقِيَ الشَّيْءُ إلَى أَنْ كَمَّلُوا وَأَتْلَفُوهُ فَلَا يَشُكُّ فِي الضَّمَانِ، حَرِّرْ هَذِهِ الْقَوْلَةَ، فَإِنَّ ضَمَانَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ وَامْتِنَاعِهِمَا مِنْ الرَّدِّ فِيهِ وَقْفَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَمَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ) كَعِبَارَةِ الْمُعَامَلَةِ، وَالدَّيْنُ كَالْبَيْعِ، وَالْإِسْلَامُ وَالْوِلَايَةُ كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَالْإِيصَاءِ وَالْأَيْتَامِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. أَيْ كَوْنُهُ وَصِيًّا عَلَى الْأَيْتَامِ. وَالْعِبَارَةُ أَيْ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ، أَيْ مَسْلُوبُ الْكَلَامِ. وَلَا يَصِحُّ إسْلَامُهُ اسْتِقْلَالًا، وَأَمَّا إسْلَامُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ فَلِكَوْنِ الْإِسْلَامِ إذْ ذَاكَ مَنُوطًا بِالتَّمْيِيزِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر، بَلْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، إنَّهُ كَانَ بَالِغًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ اِ هـ.
قَوْلُهُ: (وَإِيصَالُ هَدِيَّةٍ) وَشَمِلَتْ الْهَدِيَّةُ نَفْسَهُ، كَمَا لَوْ قَالَتْ جَارِيَةٌ لِشَخْصٍ: سَيِّدِي أَهْدَانِي إلَيْك؛ فَيَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا إنْ صَدَّقَهَا وَقَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ كَمَا لَوْ كَانَ رَجُلًا مَشْهُورًا بِالْفَضْلِ. ق ل مَعَ زِيَادَةٍ. قَوْلُهُ: (مَأْمُونٍ) أَيْ لَمْ يُعْهَدْ عَلَيْهِ كَذِبٌ ح ل. قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمَجْنُونُ فَمَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ إلَخْ) وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَيُعْتَبَرُ مِنْهَا التَّمَلُّكُ بِاحْتِطَابٍ وَنَحْوِهِ وَالْإِتْلَافُ، فَيَنْفُذُ مِنْهُ الِاسْتِيلَادُ وَيَثْبُتُ النَّسَبُ بِزِنَاهُ الصُّورِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ
стр. 1028
وَغَيْرِهَا، وَالْوِلَايَةُ مِنْ وِلَايَةِ نِكَاحٍ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا السَّفِيهُ فَمَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ فِي التَّصَرُّفِ الْمَالِيِّ كَبَيْعٍ وَلَوْ بِغِبْطَةٍ أَوْ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ، وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ كَحَدٍّ وَقَوَدٍ، وَتَصِحُّ عِبَادَتُهُ بَدَنِيَّةً كَانَتْ أَوْ مَالِيَّةً وَاجِبَةً لَكِنْ لَا يَدْفَعُ الْمَالَ مِنْ زَكَاةٍ وَغَيْرِهَا بِلَا إذْنٍ مِنْ وَلِيِّهِ، وَلَا تَعْيِينَ مِنْهُ لِلْمَدْفُوعِ إلَيْهِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مَالِيٌّ. أَمَّا الْمَالِيَّةُ الْمَنْدُوبَةُ كَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ، فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ بِالْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ وَالرُّشْدِ صَحَّ التَّصَرُّفُ مِنْ حِينَئِذٍ. وَالْبُلُوغُ يَحْصُلُ إمَّا بِكَمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قَمَرِيَّةً تَحْدِيدِيَّةً وَابْتِدَاؤُهَا مِنْ انْفِصَالِ جَمِيعِ الْوَلَدِ، أَوْ بِإِمْنَاءٍ لِآيَةِ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: ٥٩] وَالْحُلُمُ الِاحْتِلَامُ وَهُوَ لُغَةً مَا يَرَاهُ النَّائِمُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا خُرُوجُ الْمَنِيِّ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقِظَةٍ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَوَقْتُ إمْكَانِ الْإِمْنَاءِ كَمَالُ تِسْعِ سِنِينَ قَمَرِيَّةٍ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَهِيَ تَحْدِيدِيَّةٌ بِخِلَافِ الْحَيْضِ فَإِنَّ السِّنِينَ فِيهِ تَقْرِيبِيَّةٌ. أَوْ حَيْضٌ فِي حَقِّ أُنْثَى بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا حَبَلُهَا فَعَلَامَةٌ عَلَى بُلُوغِهَا بِالْإِمْنَاءِ فَلَيْسَ بُلُوغًا لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِنْزَالِ، فَيُحْكَمُ بَعْدَ الْوَضْعِ بِالْبُلُوغِ قَبْلَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَشَيْءٍ وَالرُّشْدُ يَحْصُلُ ابْتِدَاءً بِصَلَاحِ دِينٍ وَمَالٍ حَتَّى مِنْ كَافِرٍ كَمَا فُسِّرَ بِهِ آيَةُ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] بِأَنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَسْلُوبَ الْعَقْلِ صَارَ زِنَاهُ صُورِيًّا لَا حَقِيقِيًّا، لِأَنَّ زَوَالَ عَقْلِهِ صَيَّرَ زِنَاهُ كَوَطْئِهِ بِشُبْهَةٍ لِعَدَمِ قَصْدِهِ.
وَإِذَا وَطِئَ امْرَأَةً حَرُمَ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا وَحَرُمَتْ عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِإِرْضَاعِهِ كَأَنْ أَرْضَعَتْ الْمَجْنُونَةُ شَخْصًا سَنَةً دُونَ حَوْلَيْنِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ بِشَرْطِهِ؛ ز ي. وَيَغْرَمُ بَدَلَ مَا أَتْلَفَهُ إلَّا فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ وَأَتْلَفَ صَيْدًا فَلَا يَلْزَمُهُ جَزَاؤُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَعَبَّرَ بِالسَّلْبِ دُونَ الْمَنْعِ لِأَنَّ الْمَنْعَ لَا يُفِيدُ السَّلْبَ، بِخِلَافِ الْعَكْسِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِحْرَامَ يَمْنَعُ مِنْ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَلَا يَسْلُبُهَا؛ وَلِهَذَا يُزَوِّجُ الْحَاكِمُ نِيَابَةً عَنْهُ دُونَ الْأَبْعَدِ اهـ س ل. قَوْلُهُ: (فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ) أَيْ الصِّبَا وَالْجُنُونُ وَالسَّفَهُ، وَقَوْلُهُ " بِالْبُلُوغِ إلَخْ " لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ قَوْلُهُ: (مِنْ حِينَئِذٍ) أَيْ مِنْ حِينِ زَوَالِ الْمَانِعِ. قَوْلُهُ: (جَمِيعِ الْوَلَدِ) نُسْخَةُ الْبَدَنِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِإِمْنَاءٍ) وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الْمَنِيُّ مِنْ الذَّكَرِ كَأَنْ أَحَسَّ بِخُرُوجِهِ فَأَمْسَكَهُ. وَخَرَجَ بِالْإِمْنَاءِ غَيْرُهُ كَنَبَاتِ عَانَةٍ أَوْ شَارِبٍ أَوْ لِحْيَةٍ أَوْ ثِقَلِ صَوْتٍ أَوْ نُهُودِ ثَدْيٍ، فَلَا بُلُوغَ بِشَيْءٍ مِنْهَا؛ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (مَا يَرَاهُ النَّائِمُ) مِنْ إنْزَالِ الْمَنِيِّ،. اهـ. شَوْبَرِيٌّ. قَوْلُهُ: (خُرُوجُ الْمَنِيِّ) أَيْ مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ أَوْ غَيْرِهِ مَعَ انْسِدَادِ الْأَصْلِيِّ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ فِي بَابِ الْغُسْلِ، ز ي. قَالَ م ر: وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ خُرُوجِ الْمَنِيِّ، فَلَوْ أَتَتْ زَوْجَةُ صَبِيٍّ يُمْكِنُ بُلُوغُهُ بِأَنْ اسْتَكْمَلَ تِسْعَ سِنِينَ بِوَلَدٍ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَحِقَهُ وَلَا يُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ وَالْبُلُوغُ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَحَقُّقِهِ. وَعَلَى هَذَا لَا يَثْبُتُ إيلَادُهُ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ خِلَافًا لِلْبُلْقِينِيِّ فِي ثُبُوتِ إيلَادِهِ وَالْحُكْمِ بِبُلُوغِهِ. قَوْلُهُ: (أَوْ حَيْضٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى " كَمَالِ " فِي قَوْلِهِ " إمَّا بِكَمَالِ ".
قَوْلُهُ: (بِالْبُلُوغِ قَبْلَهُ) أَيْ الْوَضْعِ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنَّ تَصَرُّفَهَا صَحِيحٌ مِنْ حِينِ الْعُلُوقِ، ع ش.
قَوْلُهُ: (بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَشَيْءٍ) أَيْ وَلَحْظَتَيْنِ، شَرْحُ م ر
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُؤَلِّفُ عَنْ بُلُوغِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إنْ أَمْنَى بِذَكَرِهِ وَحَاضَ مِنْ فَرْجِهِ حُكِمَ بِبُلُوغِهِ لَا إنْ وُجِدَا أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ لِجَوَازِ أَنْ يَظْهَرَ مِنْ الْآخَرِ مَا يُعَارِضُهُ، كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ قَالَ الْإِمَامُ: يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِبُلُوغِهِ بِأَحَدِهِمَا كَمَا يُحْكَمُ بِالِاتِّضَاحِ بِهِ ثُمَّ بِغَيْرِهِ إنْ ظَهَرَ خِلَافُهُ؛ اهـ مِنْ شَرْحِ م ر
قَوْلُهُ: (وَالرُّشْدُ) هُوَ لُغَةً نَقِيضُ الضَّلَالِ وَاصْطِلَاحًا صَلَاحُ دِينٍ وَمَالٍ كَمَا ذَكَرَهُ. وَلَوْ ادَّعَى الْبُلُوغَ بِالْإِنْزَالِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ أَوْ بِالسِّنِّ لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ،. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (ابْتِدَاءً) أَيْ وَقْتَ الْبُلُوغِ فَهُوَ مِنْهُ، وَأَمَّا دَوَامًا فَيَكْفِي فِيهِ صَلَاحُ الْمَالِ فَقَطْ؛ مَرْحُومِيٌّ. وَقَوْلُهُ " فَهُوَ " أَيْ الرُّشْدُ، قَوْلُهُ " وَمِنْهُ " أَيْ الْبُلُوغِ، وَعِبَارَةُ الْحَلَبِيِّ: قَوْلُهُ " ابْتِدَاءً " أَوْ بَعْدَ بُلُوغِهِ غَيْرُ صَالِحٍ اهـ وَاعْتَبَرَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ صَلَاحَ الْمَالِ فَقَطْ حَتَّى فِي الِابْتِدَاءِ.
стр. 1029
لَا يَفْعَلَ فِي الْأَوَّلِ مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ مِنْ كَبِيرَةٍ أَوْ إصْرَارٍ عَلَى صَغِيرَةٍ وَلَمْ تَغْلِبْ طَاعَاتُهُ عَلَى مَعَاصِيهِ. وَيُخْتَبَرُ رُشْدُ الصَّبِيِّ فِي الدِّينِ وَالْمَالِ لِيُعْرَفَ رُشْدُهُ وَعَدَمُ رُشْدِهِ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِآيَةِ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] وَالْيَتِيمُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِ الْبَالِغِ فَوْقَ مَرَّةٍ، بِحَيْثُ يُظَنُّ رُشْدُهُ فَلَا تَكْفِي الْمَرَّةُ لِأَنَّهُ قَدْ يُصِيبُ فِيهَا اتِّفَاقًا. أَمَّا فِي الدِّينِ فَبِمُشَاهَدَةِ حَالِهِ فِي الْعِبَادَاتِ بِقِيَامِهِ بِالْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِهِ الْمَحْظُورَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَأَمَّا فِي الْمَالِ فَيَخْتَلِفُ بِمَرَاتِبِ النَّاسِ، فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ تَاجِرٍ بِمُشَاحَّةٍ فِي مُعَامَلَةٍ وَيُسَلَّمُ لَهُ الْمَالُ لِيُشَاحِحْ لَا لِيَعْقِدَ، ثُمَّ إنْ أُرِيدَ الْعَقْدُ عَقَدَ وَلِيُّهُ. وَيُخْتَبَرُ وَلَدُ زُرَّاعٍ بِزِرَاعَةٍ وَنَفَقَةٍ عَلَيْهَا بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَى الْقِوَامِ بِمَصَالِحِ الزَّرْعِ. وَالْمَرْأَةُ بِأَمْرِ غَزْلٍ وَصَوْنٍ نَحْوُ أَطْعِمَةٍ عَنْ نَحْوِ هِرَّةٍ.
فَلَوْ فَسَقَ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا فَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ، أَوْ بَذَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي لَا غَيْرُهُ وَهُوَ وَلِيُّهُ، أَوْ جُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَلِيُّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ، وَوَلِيُّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَرْعٌ: سُئِلَ الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ هَلْ الْأَصْلُ فِي النَّاسِ الرُّشْدُ أَوْ ضِدُّهُ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَنْ عُلِمَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ اسْتِصْحَابُهُ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ رُشْدُهُ بِالِاخْتِبَارِ، وَأَمَّا مَنْ جُهِلَ حَالُهُ فَعُقُودُهُ صَحِيحَةٌ كَمَنْ عُلِمَ رُشْدُهُ،. اهـ. مَرْحُومِيٌّ. فَيَكُونُ مَنْ جُهِلَ حَالُهُ الْأَصْلُ فِيهِ الرُّشْدُ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى مِنْ كَافِرٍ) بِأَنْ يَصِيرَ عَدْلًا فِي دِينِهِ. قَوْلُهُ: (كَمَا فُسِّرَ بِهِ آيَةُ) أَيْ كَمَا فُسِّرَ بِهِ الرُّشْدُ فِيهَا لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ وَهِيَ لِلْعُمُومِ، شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ آنَسْتُمْ) أَيْ عَلِمْتُمْ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ لَا يَفْعَلَ فِي الْأَوَّلِ مُحَرَّمًا) كَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: وَلَا يُبَذِّرَ فِي الثَّانِي، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ: الْمُبَذِّرِ سَكَتَ عَنْهُ هُنَا. قَوْلُهُ: (مُحَرَّمًا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ) خَرَجَ بِالْمُحَرَّمِ خَارِجُ الْمُرُوءَةِ كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّشْدَ وَإِنْ مَنَعَ الشَّهَادَةَ.
قَوْلُهُ: (يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ) أَيْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِ، وَعِنْدَ الْكُفَّارِ فِي الْكَافِرِ. بِاعْتِبَارِ اعْتِقَادِهِمْ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَمْ تَغْلِبْ) رَاجِعٌ لِلْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغِيرَةِ حَجّ ع ش، بِأَنْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ زَمَنٌ وَهُوَ مُوَاظِبٌ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ رُشْدُهُ قَوْلُهُ: (وَيُخْتَبَرُ) أَيْ وُجُوبًا، وَقَوْلُهُ " الصَّبِيِّ " بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِلْأُنْثَى. قَوْلُهُ: (قَبْلَ بُلُوغِهِ) أَيْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَلَوْ عَبَّرَ بِقُبَيْلٍ مُصَغَّرًا لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَالشُّبُهَاتُ) لَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ ارْتِكَابَ الشُّبُهَاتِ مُخِلٌّ بِالرُّشْدِ إذْ ارْتِكَابُهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا، بَلْ الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي اسْتِكْشَافِ حَالِ الصَّبِيِّ.
قَوْلُهُ: (فَيُخْتَبَرُ وَلَدُ تَاجِرٍ) أَيْ إنْ اسْتَمَرَّ عَلَى صَنْعَةِ أَبِيهِ.
قَوْلُهُ: (بِمُشَاحَّةٍ) وَهِيَ طَلَبُ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الْبَيْعِ وَدَفْعُ الْأَقَلِّ عِنْدَ الشِّرَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَلَّمُ لَهُ الْمَالُ) قَالَ سم: أَيُّ حَاجَةٍ لِتَسْلِيمِ الْمَالِ مَعَ أَنَّ الْمُمَاكَسَةَ مُمْكِنَةٌ بِدُونِهِ، اهـ. وَقَدْ يُقَالُ فِي تَسْلِيمِهِ لَهُ قُوَّةٌ دَاعِيَةٌ لَهُ عَلَى الْمُمَاكَسَةِ وَتَنْشِيطٌ لَهُ فِي الْمُعَامَلَةِ وَزِيَادَةُ رَغْبَةٍ وَإِقْدَامٍ عَلَى إجَابَتِهِ مِمَّنْ يُمَاكِسُهُ،. اهـ. شَوْبَرِيٌّ. قَالَ سم: وَلَا يَضْمَنُهُ الْوَلِيُّ إنْ تَلِفَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، كَذَا أَطْلَقُوهُ وَلَوْ قِيلَ: يَلْزَمُهُ مُرَاقَبَتُهُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ إغْفَالُهُ حَامِلًا عَلَى تَضْيِيعِهِ وَإِلَّا ضَمِنَهُ. لَمْ يَبْعُدْ. اهـ. قَوْلُهُ: (وَنَفَقَةٍ عَلَيْهَا) الْمُرَادُ بِهَا الْأُجْرَةُ، وَقَوْلُهُ " بِأَنْ يُنْفِقَ إلَخْ " بِأَنْ يُعَاقِدَهُمْ الْوَلِيُّ عَلَى شَيْءٍ مَعْلُومٍ بِأَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ أُجْرَةً مَعْلُومَةً ثُمَّ يَدْفَعَ الْمَالَ لِلصَّبِيِّ وَيَأْمُرَهُ بِإِعْطَائِهِمْ وَيَنْظُرَ هَلْ يَنْقُصُ أَحَدًا عَنْ أُجْرَتِهِ أَوْ لَا كَمَا فِي ع ش، وَيُعْلَمُ رُشْدُهُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَدْفَعَ أَقَلَّ مِمَّا شُرِطَ لَا أَكْثَرَ. وَعِبَارَةُ الشَّوْبَرِيِّ: ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ النَّفَقَةَ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ، وَمَالَ شَيْخُنَا إلَى أَنَّ الْوَلَدَ يُمَاكِسُ فَقَطْ وَالْوَلِيُّ هُوَ الَّذِي يَعْقِدُ وَيُسَلِّمُ الْأُجْرَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرْأَةُ بِأَمْرِ غَزْلٍ) أَيْ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ، أَوْ بِمَعْنَى الْمَغْزُولِ، أَيْ فِيمَنْ يَلِيقُ بِهَا ذَلِكَ؛ بِخِلَافِ بَنَاتِ الْمُلُوكِ وَالْمُخْتَبِرُ لَهَا الْوَلِيُّ أَوْ غَيْرُهُ ح ل، وَالْخُنْثَى يُخْتَبَرُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا أَيْ بِمَا يُخْتَبَرُ بِهِ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ كَمَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ.
قَوْلُهُ: (هِرَّةٍ) جَمْعُ الْأُنْثَى هِرَرٌ كَقِرْبَةٍ وَقِرَبٍ، وَجَمْعُ الذَّكَرِ هِرَرَةٌ كَقِرْدٍ وَقِرَدَةٍ؛ ز ي. وَخُلِقَتْ الْهِرَّةُ مِنْ عَطْسَةِ الْأَسَدِ كَمَا قَالَهُ الدَّمِيرِيُّ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ الْكُبْرَى
قَوْلُهُ: (فَلَوْ فَسَقَ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ: وَالرُّشْدُ يَحْصُلُ ابْتِدَاءً وَالْمُرَادُ فَسَقَ بِغَيْرِ تَبْذِيرٍ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ لَمْ يَحْجُرُوا عَلَى الْفَسَقَةِ.
قَوْلُهُ:
стр. 1030
الصَّغِيرِ أَبٌ فَأَبُو أَبٍ وَإِنْ عَلَا كَوَلِيِّ النِّكَاحِ فَوَصِيٌّ فَقَاضٍ، وَيَتَصَرَّفُ بِمَصْلَحَةٍ وَلَوْ كَانَ تَصَرُّفُهُ بِأَجَلٍ بِحَسَبِ الْعُرْفِ وَبِعَرْضِيٍّ وَأَخْذِ شُفْعَةٍ، وَيَشْهَدُ حَتْمًا فِي بَيْعِهِ لِأَجَلٍ، وَيَرْتَهِنُ بِالثَّمَنِ رَهْنًا وَافِيًا، وَيَبْنِي عَقَارَهُ بِطِينٍ وَآجُرٍّ وَلَا يَبِيعُهُ إلَّا لِحَاجَةٍ كَنَفَقَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ بِأَنْ يُرَغِّبَ فِيهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ وَهُوَ يَجِدُ مِثْلَهُ بِبَعْضِ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ بِكُلِّهِ، وَيُزَكِّي مَالَهُ وَيُمَوِّنُهُ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِنْ ادَّعَى بَعْدَ كَمَالِهِ بَيْعًا بِلَا مُصْلِحَةٍ عَلَى وَصِيٍّ أَوْ أَمِينٍ حَلَفَ الْمُدَّعِي أَوْ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَى أَبٍ أَوْ أَبِيهِ حَلَفَ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَّهَمِينَ بِخِلَافِ الْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ، أَمَّا الْقَاضِي فَيَقْبَلُ قَوْلَهُ بِلَا تَحْلِيفٍ.
(وَتَصَرُّفُ الْمُفْلِسِ) بَعْدَ ضَرْبِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ (يَصِحُّ) فِيمَا يُثْبِتُهُ (فِي ذِمَّتِهِ) كَأَنْ بَاعَ سَلَمًا طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُ أَوْ اشْتَرَى شَيْئًا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ. أَوْ بَاعَ فِيهَا لَا بِلَفْظِ الثَّمَنِ أَوْ اقْتَرَضَ أَوْ اسْتَأْجَرَ صَحَّ وَثَبَتَ الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ وَنَحْوُهُمَا فِي ذِمَّتِهِ إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْغُرَمَاءِ فِيهِ (دُونَ) تَصَرُّفِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ (أَعْيَانِ مَالِهِ) الْمُفَوِّتِ فِي الْحَيَاةِ بِالْإِنْشَاءِ مُبْتَدَأً كَأَنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى بِالْعَيْنِ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ آجَرَ أَوْ وَقَفَ، فَلَا يَصِحُّ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِهِ كَالْمَرْهُونِ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ عَلَى مُرَاغَمَةِ مَقْصُودِ الْحَجْرِ كَالسَّفِيهِ. وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْحَيَاةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ التَّدْبِيرُ وَالْوَصِيَّةُ، فَيَصِحُّ مِنْهُ؛ وَبِقَيْدِ الْإِنْشَاءِ الْإِقْرَارُ، فَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ. أَوْ دَيْنٍ وَجَبَ قَبْلَ الْحَجْرِ قُبِلَ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ إلَى مَا بَعْدَ الْحَجْرِ بِمُعَامَلَةٍ أَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمُعَامَلَةٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
حَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي) أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّ هَذَا مَا دَامَ لَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ مُرَادُهُمْ بِقَوْلِهِمْ: السَّفِيهُ الْمُهْمَلُ مُلْحَقٌ بِالرَّشِيدِ، فَمَتَى أَطْلَقُوا السَّفِيهَ الْمُهْمَلَ اخْتَصَّ بِهَذَا إيعَابٌ؛ شَوْبَرِيٌّ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا.
قَوْلُهُ: (فَوَلِيُّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ) كَمَنْ بَلَغَ غَيْرَ رَشِيدٍ بِجُنُونٍ أَوْ سَفَهٍ، فَإِنَّ وَلِيَّهُ وَلِيُّهُ فِي الصِّغَرِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّبْذِيرِ وَالْجُنُونِ أَنَّ التَّبْذِيرَ لِكَوْنِهِ سَفَهًا مَحَلُّ نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ فَلَا يَعُودُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ قَاضٍ، بِخِلَافِ الْجُنُونِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِطِينٍ) لَا بِجِبْسٍ بَدَلَ الطِّينِ لِكَثْرَةِ مُؤْنَتِهِ وَلَا بِلَبِنٍ بَدَلَ الْآجُرِّ لِقِلَّةِ بَقَائِهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَآجُرٍّ) وَهُوَ الطُّوبُ الْمُحَرَّقُ وَأَوَّلُ مَنْ صَنَعَهُ هَامَانُ، وَهَذَا إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ إذْ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ ق ل وَنَقَلَهُ سم وَالْمَرْحُومِيُّ عَنْ الرَّمْلِيِّ فِي غَيْرِ الشَّرْحِ. وَعِبَارَةُ م ر بَعْدَ قَوْلِهِ " وَآجُرٍّ ": وَهُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَجَرَى عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ اخْتَارَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ جَوَازَ الْبِنَاءِ عَلَى عَادَةِ الْبَلَدِ كَيْفَ كَانَ، اهـ بِحُرُوفِهِ. وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ " وَآجُرٍّ " وَلَكِنْ هَذَا بِحَسَبِ الْمُعْتَادِ فِي زَمَانِهِمْ، أَمَّا الْآنَ فَالْمُعْتَبَرُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ؛ لَكِنْ الَّذِي فِي شَرْحِ م ر مُوَافَقَةُ الشَّارِحِ مُطْلَقًا وَإِنْ خَالَفَ الْعَادَةَ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (وَيُزَكِّي مَالَهُ) أَيْ الصَّبِيِّ إنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُقَلِّدًا لِمَنْ يَرَى الزَّكَاةَ فِي مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا لِمَنْ لَا يَرَى وُجُوبَهَا فِيهِ امْتَنَعَ عَلَى الْوَلِيِّ إخْرَاجُهَا وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُهُ يَرَى ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْجُورِ مَذْهَبٌ فَالْأَوْلَى بِالْوَلِيِّ إذَا رَأَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ لِحَاكِمٍ يَرَاهَا لِيَأْمُرَهُ بِهَا حَتَّى لَا يُطَالِبَهُ الْوَلَدُ بَعْدَ بُلُوغِهِ،. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (حَلَفَ الْمُدَّعِي) أَيْ الصَّبِيُّ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَّهَمَيْنِ) لِوُفُورِ شَفَقَتِهِمَا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا الْقَاضِي فَيَقْبَلُ إلَخْ) ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ كَالْوَصِيِّ شَرْحُ م ر، أَيْ فَيَقْبَلُ قَوْلَ الصَّبِيِّ بِيَمِينِهِ. قَوْلُهُ: (فِي مَالِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْحَجْرِ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ بَاعَ سَلَمًا) بِأَنْ يَكُونَ مُسَلَّمًا إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَاعَ فِيهَا) أَيْ فِي ذِمَّتِهِ. قَوْلُهُ: (لَا بِلَفْظِ السَّلَمِ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ: كَأَنْ بَاعَ سَلَمًا إلَخْ قَوْلُهُ: (صَحَّ) الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّهُ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ " يَصِحُّ فِي ذِمَّتِهِ ". وَلَيْسَ وَاقِعًا جَوَابًا لِشَرْطٍ تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ سَرَى لَهُ مِنْ عِبَارَةِ الْمِنْهَاجِ، وَهِيَ: وَلَوْ بَاعَ سَلَمًا، إلَى أَنْ قَالَ: صَحَّ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا ضَرَرَ) عِلَّةٌ لِقَوْلِ الْمَتْنِ: يَصِحُّ فِي ذِمَّتِهِ. قَوْلُهُ: (الْمُفَوِّتِ) صِفَةٌ لِلتَّصَرُّفِ وَهُوَ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ، أَيْ الْمُفَوِّتِ عَلَى الْغُرَمَاءِ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ. وَخَرَجَ بِهِ الْعَارِيَّةُ فَتَصِحُّ مِنْهُ كَمَا فِي م ر لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا تَفْوِيتٌ. قَوْلُهُ: (بِالْإِنْشَاءِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمُفَوِّتِ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. قَوْلُهُ: (مُبْتَدَأً) حَالٌ مِنْ التَّصَرُّفِ وَالْقُيُودُ أَرْبَعَةٌ. قَوْلُهُ: (مُرَاغَمَةِ) أَيْ مُخَالَفَةٍ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ إلَخْ) وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا حَدَثَ بَعْدَ الْحَجْرِ إنْ كَانَ بِرِضَا مُسْتَحِقِّهِ لَمْ يَقْبَلْ وَإِلَّا قَبِلَ وَزَاحَمَ الْغُرَمَاءَ س ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ دَيْنٍ) هَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَى
стр. 1031
وَلَا غَيْرِهَا لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّهِمْ، وَإِنْ قَالَ عَنْ جِنَايَةٍ بَعْدَ الْحَجْرِ قُبِلَ فَيُزَاحِمُهُمْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ وَبِقَيْدٍ مُبْتَدَأٍ رَدُّ مَا كَانَ اشْتَرَاهُ قَبْلَ الْحَجْرِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ فِيهِ بَعْدَ الْحَجْرِ إذَا كَانَتْ الْغِبْطَةُ فِي الرَّدِّ، وَيَصِحُّ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَخُلْعُهُ زَوْجَتَهُ وَاسْتِيفَاؤُهُ الْقِصَاصَ وَإِسْقَاطُهُ الْقِصَاصَ وَلَوْ مَجَّانًا إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَالٌ، وَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ النَّسَبَ وَنَفْيُهُ بِاللِّعَانِ.
(وَتَصَرُّفُ الْمَرِيضِ) الْمُتَّصِلِ مَرَضُهُ بِالْمَوْتِ (فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) مِنْ مَالِهِ (مَوْقُوفٌ) تَنْفِيذُهُ (عَلَى إجَازَةِ) جَمِيعِ (الْوَرَثَةِ) بِالْقُيُودِ الْآتِي بَيَانُهَا فِي الْوَصِيَّةِ (مِنْ بَعْدِهِ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا قَبْلَهُ، وَلَوْ حَذَفَ لَفْظَةَ مِنْ لَكَانَ أَخْصَرَ.
(وَتَصَرُّفُ الْعَبْدِ) أَيْ الرَّقِيقِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَفْظُ الْعَبْدِ يَشْمَلُ الْأَمَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ الرَّقِيقُ الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ،
ــ
[حاشية البجيرمي]
مُحْتَرَزِ الْقُيُودِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَعْيَانِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (قُبِلَ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ) أَيْ فَيُزَاحِمُهُمْ الْمُقَرُّ لَهُ.
قَوْلُهُ: (بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا) أَوْ لَمْ يُسْنَدُ وُجُوبُهُ لِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ وَلَا لِمَا بَعْدَهُ لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ فِي حَقِّهِمْ، فَلَا يُزَاحِمُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الثَّلَاثِ لِتَقْصِيرِهِ بِمُعَامَلَتِهِ لَهُ فِي الْأُولَى وَلِتَنْزِيلِهِ عَلَى أَقَلِّ الْمَرَاتِبِ وَهُوَ دِينُ الْمُعَامَلَةِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي كُلِّ حَادِثٍ تَقْدِيرُهُ بِأَقَلَّ زَمَنٍ فِي الثَّالِثَةِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّهِمْ) فَلَا يُزَاحِمُهُمْ الْمُقَرُّ لَهُ، بَلْ يُطَالِبُ بِهِ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ) أَيْ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ نِكَاحُهُ) أَيْ بِصَدَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَالٌ) أَيْ شَيْءٌ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ الَّتِي يَمْتَنِعُ تَصَرُّفُهُ فِيهَا، فَلَا يُرَدُّ النِّكَاحُ لِأَنَّهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ مَالٌ لَكِنْ لَيْسَ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ اسْتِلْحَاقُهُ النَّسَبَ) أَمَّا اسْتِيلَادُهُ فَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ نُفُوذِهِ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ؛ لِأَنَّ حَجْرَ الْفَلَسِ امْتَازَ عَنْ حَجْرِ الْمَرَضِ بِكَوْنِهِ يَتَصَرَّفُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فِي ثُلُثِ مَالِهِ وَعَنْ حَجْرِ السَّفَهِ بِكَوْنِهِ لِحَقِّ الْغَيْرِ. اهـ. م ر. وَيُنْفَقُ عَلَى الْمُسْتَلْحَقِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا مِنْ أَعْيَانِ مَالِ مُسْتَلْحِقِهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ. قَالَ ع ش: وَانْظُرْ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مَجَّانًا أَوْ قَرْضًا؟ الْأَقْرَبُ الثَّانِي إنْ تَبَيَّنَ لِلْمُسْتَلْحَقِ مَالٌ قَبْلَ الِاسْتِلْحَاقِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَالٍ لَهُ. أَمَّا لَوْ طَرَأَ لَهُ مَالٌ بَعْدُ أَوْ صَارَ الْمُسْتَلْحَقُ رَشِيدًا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، كَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إذَا طَرَأَ لَهُ مَالٌ. وَإِنَّمَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْمُسْتَلْحَقِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ الْمُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ الْمَالِ عَلَيْهِ لَغْوٌ فَقُبِلَ لِثُبُوتِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِ النَّسَبِ لَا يُفَوَّتُ عَلَيْهِ مَالٌ وَأُلْغِيَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَذَرًا مِنْ التَّفْوِيتِ لِلْمَالِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَتَصَرُّفُ الْمَرِيضِ) أَيْ بِإِبْرَاءٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ عِتْقٍ أَوْ بَيْعٍ بِمُحَابَاةٍ، ق ل.
قَوْلُهُ: (فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَتَصَرُّفُهُ حَتَّى فِي الثُّلُثِ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَالِهِ) أَيْ وَقْتَ مَوْتِهِ. قَوْلُهُ: (تَنْفِيذُهُ) دُفِعَ بِهِ تَوَهُّمُ أَنَّ التَّصَرُّفَ هُوَ الْمَوْقُوفُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ق ل.
قَوْلُهُ: (جَمِيعُ الْوَرَثَةِ) أَيْ فِي جَمِيعِ الزَّائِدِ، فَإِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ نَفَذَ فِيمَا يَخُصُّهُ، فَلَوْ جَعَلَ الشَّارِحُ حَرْفَ التَّعْرِيفِ لِلْجِنْسِ الشَّامِلِ لِبَعْضِهِمْ لَكَانَ أَوْلَى وَأَعَمَّ ق ل. وَمُرَادُهُ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ " أَلْ " فِي الْوَرَثَةِ وَجَعْلِهَا لِلْجِنْسِ لِيَشْمَلَ مَا إذَا أَجَازَ بَعْضُهُمْ، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ فِي نَصِيبِهِ مِنْ الزَّائِدِ وَالشَّارِحُ جَعَلَهَا لِلِاسْتِغْرَاقِ حَيْثُ قَالَ: جَمِيعُ الْوَرَثَةِ.
قَوْلُهُ: (بِالْقُيُودِ الْآتِي بَيَانُهَا) أَيْ بِأَنْ يَكُونُوا بَالِغِينَ عَاقِلِينَ مُطْلَقِي التَّصَرُّفِ فَلَوْ كَانُوا غَيْرَ مُطْلَقِي التَّصَرُّفِ لَمْ تَصِحَّ إجَازَتُهُمْ وَلَا إجَازَةُ وَلِيِّهِمْ بَلْ يَبْطُلُ ذَلِكَ التَّبَرُّعُ لِمَا أَفْتَى بِهِ السُّبْكِيُّ؛ لَكِنْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ تُتَوَقَّعْ أَهْلِيَّتُهُ كَمَجْنُونٍ أَخْبَرَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّ جُنُونَهُ مُسْتَحْكَمٌ، وَإِلَّا وَقَفَ الْأَمْرُ إلَيْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ سم.
قَوْلُهُ: (مِنْ بَعْدِهِ) قَيْدٌ فِي الْكُلِّ أَيْ الْإِجَازَةِ وَالْوَرَثَةِ وَالثُّلُثِ بَعْدَ الْمَوْتِ،. اهـ. م د. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِجَازَةِ فَقَطْ، وَأَمَّا الْوَرَثَةُ وَالثُّلُثُ فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ حَذَفَ إلَخْ) وَلَوْ حَذَفَ " مِنْ " وَمَجْرُورَهَا مَعًا لَكَانَ أَخْصَرَ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ مِنْ لَفْظِ الْوَرَثَةِ فَتَأَمَّلْ ق ل.
стр. 1032
لَوْ كَانَ حُرًّا يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا لَا يَنْفُذُ وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ كَالْوِلَايَاتِ وَالشَّهَادَاتِ، وَمَا يَنْفُذُ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَالْعِبَادَاتِ وَالطَّلَاقِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنٍ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، فَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ بِالتِّجَارَةِ لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ كَمَا مَرَّ فَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَمْ فِي يَدِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ (يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ إذَا عَتَقَ) لِثُبُوتِهِ بِرِضَا مَالِكِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ فِيهِ السَّيِّدُ. وَالضَّابِطُ فِيمَا يُتْلِفُهُ الْعَبْدُ أَوْ يَتْلَفُ تَحْتَ يَدِهِ إنْ لَزِمَ بِغَيْرِ رِضَا مُسْتَحِقِّهِ كَإِتْلَافٍ أَوْ تَلَفٍ بِغَصْبٍ تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ وَإِنْ لَزِمَ بِرِضَا مُسْتَحِقِّهِ كَمَا فِي الْمُعَامَلَاتِ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ سَوَاءٌ رَآهُ السَّيِّدُ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَمْ لَا، أَوْ بِإِذْنِهِ تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ وَكَسْبِهِ وَمَالِ تِجَارَتِهِ وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ كَانَ لِلْبَائِعِ تَضْمِينُ السَّيِّدِ لِوَضْعِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ أَيْضًا بَعْدَ الْعِتْقِ لِتَعَلُّقِهِ بِذِمَّتِهِ لَا قَبْلَهُ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ فِي التِّجَارَةِ تَصَرَّفَ بِالْإِجْمَاعِ بِحَسَبِ الْإِذْنِ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْإِذْنِ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي نَوْعٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ كَالْوَكِيلِ وَلَيْسَ لَهُ بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ النِّكَاحُ وَلَا يُؤَجِّرُ نَفْسَهُ وَلَا يَتَبَرَّعُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (أَيْ الرَّقِيقِ) فَعِيلٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) هُوَ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ.
قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّهُ قَالَ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ التَّقْسِيمَ الْمَذْكُورَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ كَلَامِهِ أَصْلًا فَهُوَ لَيْسَ مَقُولًا لَهُ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَتَصَرُّفَاتُ الرَّقِيقِ الَّذِي إلَخْ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ " يَنْقَسِمُ " أَيْ مِنْ حَيْثُ تَصَرُّفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ. قَوْلُهُ: (الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ إلَخْ) لَيْسَ مِنْ مَقُولِ الْقَوْلِ بَلْ هُوَ صِفَةٌ لِلْعَبْدِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ، فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى قَيْدٍ مَحْذُوفٍ فِي الْمَتْنِ تَقْدِيرُهُ: وَتَصَرُّفُ الْعَبْدِ الَّذِي يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ لِنَفْسِهِ لَوْ كَانَ حُرًّا يَنْقَسِمُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (لَوْ كَانَ حُرًّا) بِأَنْ يَكُونَ بَالِغًا رَشِيدًا.
قَوْلُهُ: (يَنْقَسِمُ) أَيْ الرَّقِيقُ مِنْ حَيْثُ تَصَرُّفَاتُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " مَا لَا يَنْفُذُ إلَخْ " وَلَا يَصِحُّ تَقْسِيمُ الرَّقِيقِ إلَيْهَا بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ كَمَا لَا يَخْفَى. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: الرَّقِيقُ تَصَرُّفَاتُهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ. قَوْلُهُ: (مَا لَا يَنْفُذُ) أَيْ تَصَرُّفُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَالْوِلَايَاتِ) أَيْ أَثَرِ الْوِلَايَاتِ، أَيْ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنْ تَزْوِيجٍ وَالْحُكْمِ مَثَلًا، وَإِلَّا فَالْوِلَايَاتُ أَنْفُسُهَا لَا تَتَّصِفُ بِكَوْنِهَا تَصَرُّفًا بَلْ هِيَ مَعْنًى قَائِمٌ بِالشَّخْصِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. قَوْلُهُ: (وَالشَّهَادَاتِ) فِي إطْلَاقِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الشَّهَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ مُسَامَحَةٌ، إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالتَّصَرُّفَاتِ مُطْلَقُ الْأَفْعَالِ وَالشَّهَادَةُ فِعْلُ اللِّسَانِ، وَمَعْنَى نُفُوذِ الْعِبَادَةِ أَنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهَا فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ وَالطَّلَبِ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِهِ) بَلْ وَإِنْ نَهَاهُ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ) مُسْتَدْرَكُ ق ل، أَيْ وَإِنْ سَكَتَ عَلَيْهِ إذْ لَا يُنْسَبُ لِلسَّاكِتِ قَوْلٌ. قَوْلُهُ: (فَيَسْتَرِدُّهُ الْبَائِعُ) وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ فِي يَدِهِ، وَعَلَى السَّيِّدِ إنْ كَانَ فِي يَدِهِ ح ل.
قَوْلُهُ: (إذَا عَتَقَ) أَيْ وَأَيْسَرَ. وَالْمُرَادُ عَتَقَ كُلُّهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَالضَّابِطُ إلَخْ) وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ، وَتَحْتَهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولِ إذْنِ سَيِّدِهِ. اهـ. ق ل وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ:
يَضْمَنُ عَبْدٌ تَالِفًا فِي ذِمَّتِهْ ... إنْ رَضِيَ الْمَالِكُ دُونَ سَادَتِهْ
وَإِنْ يَكُنْ بِلَا رِضَا مَنْ اسْتَحَقْ ... فَلَيْسَ إلَّا بِالرَّقِيبَةِ اعْتَلَقْ
وَبِرِضَا الْمَالِكِ مَعَ سَيِّدِهِ ... عَلِّقْ بِذِمَّةٍ وَمَا فِي يَدِهِ
قَوْلُهُ: (تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِ) سَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ السَّيِّدُ أَمْ لَا. قَوْلُهُ: (بِرَقَبَتِهِ) فَيُبَاعُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَفْتَدِيَهُ السَّيِّدُ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ عِتْقِهِ) فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُعْتَقْ فَلَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ إذَا كَانَ الْمُسْتَحِقُّ عَالِمًا بِرِقِّهِ وَلَمْ يُقَصِّرْ الْعَبْدُ فِي تَلَفِهِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ السَّيِّدِ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ " فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ " فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَهُ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ) لَكِنَّهُ إذَا غَرِمَ الْعَبْدُ رَجَعَ بِمَا غَرِمَهُ عَلَى سَيِّدِهِ لِأَنَّ الْقَرَارَ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْعَبْدِ، وَيُرَشَّحُ لِهَذَا تَعْبِيرُهُ حَيْثُ عَبَّرَ فِي جَانِبِ السَّيِّدِ بِالتَّضْمِينِ وَفِي جَانِبِ الرَّقِيقِ بِالْمُطَالَبَةِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ، فَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَمْ يَصِحَّ شِرَاؤُهُ.
قَوْلُهُ: (تَصَرُّفٌ بِالْإِجْمَاعِ) أَيْ وَإِنْ رَدَّ الْإِذْنَ لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِخْدَامٌ لَا تَوْكِيلٌ ز ي.
قَوْلُهُ: (بِحَسَبِ الْإِذْنِ) أَيْ عَلَى قَدْرِهِ. قَوْلُهُ: (النِّكَاحُ) أَيْ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا لِعَبِيدِ التِّجَارَةِ ق ل. وَلَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ يُرَاجِعُ الْحَاكِمَ فِي غَيْبَةٍ
стр. 1033
لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ وَلَا يُعَامِلُ سَيِّدَهُ وَلَا رَقِيقَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ بِبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ لِلسَّيِّدِ، وَيَدُ رَقِيقِ السَّيِّدِ كَالسَّيِّدِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ وَلَا يَصِيرُ مَأْذُونًا لَهُ بِسُكُوتِ سَيِّدِهِ، وَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ بِدُيُونِ الْمُعَامَلَةِ. وَمَنْ عَرَفَ رِقَّ شَخْصٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُعَامَلَتُهُ حَتَّى يَعْلَمَ الْإِذْنَ لَهُ بِسَمَاعِ سَيِّدِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ شُيُوعٍ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ: أَنَا مَأْذُونٌ لِي لِأَنَّهُ رِقٌّ وَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ وَلَا بِتَمْلِيكِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْمِلْكِ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَأَشْبَهَ الْبَهِيمَةَ.
فَصْلٌ: فِي الصُّلْحِ وَمَا يُذْكَرُ مَعَهُ مِنْ إشْرَاعِ الرَّوْشَنِ فِي الطَّرِيقِ وَالصُّلْحُ لُغَةً قَطْعُ النِّزَاعِ وَشَرْعًا عَقْدٌ يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ: صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَبَيْنَ الْإِمَامِ وَالْبُغَاةِ، وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ الشِّقَاقِ، وَصُلْحٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] وَخَبَرُ: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» وَلَفْظُهُ يَتَعَدَّى لِلْمَتْرُوكِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
سَيِّدِهِ لِيَأْذَنَ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ جَازَ لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْإِنْفَاقِ لِلضَّرُورَةِ وَلَيْسَ لَهُ الِاقْتِرَاضُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، ز ي. وَيُصَدَّقُ فِي قَدْرِ مَا أَنْفَقَهُ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَا يَتَبَرَّعُ) وَلَوْ بِلُقْمَةٍ لِهِرَّةٍ مَا لَمْ يُعْلَمْ رِضَا السَّيِّدِ بِهِ أَيْ بِالتَّبَرُّعِ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ؛ ق ل وَع ش.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُعَامَلُ سَيِّدُهُ) أَيْ وَلَوْ وَكِيلًا مِنْ غَيْرِهِ بِمَالِ غَيْرِهِ، وَلَا وَكِيلُ سَيِّدِهِ بِمَالِ سَيِّدِهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَلَا رَقِيقُهُ) أَيْ رَقِيقُ سَيِّدِهِ. وَقَوْلُهُ " بِبَيْعٍ " مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَلَا يُعَامَلُ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ) أَيْ فَيُعَامَلُ سَيِّدُهُ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ " أَيْ كِتَابَةً صَحِيحَةً، أَمَّا فَاسِدُهَا فَلَا يُعَامَلُ سَيِّدُهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَعْلَمَ الْإِذْنَ) مُرَادُهُ بِالْعِلْمِ مَا يَشْمَلُ الظَّنَّ لِثُبُوتِهِ بِعَدْلٍ. قَوْلُهُ: (أَوْ بِبَيِّنَةٍ) وَلَوْ عَدْلًا وَاحِدًا، وَلَا يَبْطُلُ الْإِذْنُ بِجُنُونِ أَحَدِهِمَا أَوْ إغْمَائِهِ خِلَافًا لِلْعَبَّادِيِّ، وَلَا بِإِبَاقِ الْعَبْدِ وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيمَا أَبَقَ إلَيْهِ اهـ ق ل.
تَتِمَّةٌ: أَفْتَى السُّبْكِيُّ بِجَوَازِ بَيْعِ مَالِ الْيَتِيمِ لِنَفَقَتِهِ بِنِهَايَةِ مَا دَفَعَ فِيهِ وَإِنْ رُخِّصَ لِضَرُورَةٍ. اهـ. حَجّ. أَقُولُ: وَقَدْ يُقَالُ فِيهِ وَقْفَةٌ بَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الِاقْتِرَاضُ أَوْ الِارْتِهَانُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ " لِضَرُورَةٍ " أَوْ يُقَالُ: حَيْثُ انْتَهَتْ الرَّغَبَاتُ فِيهِ بِقَدْرٍ كَانَ ثَمَنُ مِثْلِهِ وَالرُّخْصُ لَا يُنَافِيهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ يَكُونُ غَالِيًا وَقَدْ يَكُونُ رَخِيصًا اهـ. ع ش عَلَى م ر.
[فَصْلٌ فِي الصُّلْحِ]
ِ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مُنَاسَبَةٍ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ تَأْخِيرَهُ عَمَّا فِي الْكِتَابِ كُلِّهِ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي غَالِبِهَا فَيَكُونُ بَيْعًا وَسَلَمًا وَهِبَةً وَإِجَارَةً. وَهُوَ رُخْصَةٌ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هِيَ الْحُكْمُ الْمُتَغَيَّرُ إلَيْهِ السَّهْلُ لِعُذْرٍ مِنْ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِتَسْمِيَتِهِ رُخْصَةُ التَّغْيِيرِ بِالْفِعْلِ بَلْ وُرُودُ الْحُكْمِ عَلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ الْأُصُولُ الْعَامَّةُ كَافٍ فِي كَوْنِهِ رُخْصَةً؛ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَكَرَهُ عَقِبَ الْحَجْرِ لِأَنَّ غَالِبَ وُقُوعِهِ بَعْدَ حَجْرِ الْفَلَسِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إشْرَاعِ الرَّوْشَنِ) أَيْ وَحُكْمُ تَقْدِيمِ الْبَابِ وَتَأْخِيرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَشَرْعًا عَقْدٌ إلَخْ) هَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ أَعَمُّ مِنْ الِاصْطِلَاحِيِّ إذْ هُمَا مُتَغَايِرَانِ هُنَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ قَطَعَ النِّزَاعَ أَيْ بِعَقْدٍ أَوْ بِغَيْرِهِ فَيَكُونُ أَعَمَّ مِنْ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الصُّلْحُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا الْمَذْكُورُ فِي التَّرْجَمَةِ؛ لِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالْمُعَامَلَاتِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ، وَإِلَّا لَزِمَ تَقْسِيمُ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ " أَنْوَاعٌ " أَيْ أَرْبَعَةٌ صُلْحٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ، وَعَقَدُوا لَهُ
стр. 1034
بِمِنْ وَعَنْ وَلِلْمَأْخُوذِ بِعَلَى وَالْبَاءِ غَالِبًا.
وَهُوَ قِسْمَانِ صُلْحٌ عَلَى إقْرَارٍ وَصُلْحٌ عَلَى إنْكَارٍ. وَقَدْ بَدَأَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَقَالَ: (وَيَصِحُّ الصُّلْحُ مَعَ الْإِقْرَارِ فِي الْأَمْوَالِ الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ) فَلَا يَصِحُّ عَلَى غَيْرِ إقْرَارٍ مِنْ إنْكَارٍ أَوْ سُكُوتٍ كَمَا قَالَهُ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ سُلَيْمٍ الرَّازِيِّ وَغَيْرِهِ، كَأَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَارًا فَأَنْكَرَ أَوْ سَكَتَ ثُمَّ تَصَالَحَا عَلَيْهَا أَوْ عَلَى بَعْضِهَا، أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَثَوْبٍ أَوْ دَيْنٍ لِأَنَّهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بِهِ صُلْحٌ مُحَرِّمٌ لِلْحَلَالِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
بَابُ الْهُدْنَةِ وَهِيَ الصُّلْحُ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ عِنْدَ قُوَّتِنَا وَعَشْرِ سِنِينَ عِنْدَ ضَعْفِنَا.
قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ الْإِمَامِ) أَوْ نَائِبِهِ وَالْبُغَاةِ، وَعَقَدُوا لَهُ بَابَ الْبُغَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ الزَّوْجَيْنِ) وَعَقَدُوا لَهُ بَابَ الْقَسَمِ وَالنُّشُوزِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى الصُّلْحِ مُطْلَقًا، وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الصُّلْحَ هُوَ الْوَاقِعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِأَنَّهُ أُعِيدَتْ فِيهِ النَّكِرَةُ مَعْرِفَةً، وَالنَّكِرَةُ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ عَيْنًا، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: هَذَا الصُّلْحُ أَيْ الْوَاقِعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ خَيْرٌ ح ل.
وَقَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَغْلَبِيَّةٌ وَبِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وَيَدُلُّ لِإِرَادَةِ الْعُمُومِ إعَادَتُهُ بِلَفْظِ الظَّاهِرِ لَا بِالضَّمِيرِ. قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ) خَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِانْقِيَادِهِمْ لِلْأَحْكَامِ غَالِبًا، وَإِلَّا فَمِثْلُهُمْ الْكُفَّارُ. قَوْلُهُ: (إلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا إلَخْ) أَيْ فَلَا يَجُوزُ أَيْ يَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ، فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ؛ ق ل، أَيْ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى مَا لَيْسَ صُلْحًا لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْ الصُّلْحِ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ لَا يُسَمَّى صُلْحًا وَفِيهِ خِلَافٌ م د. قَوْلُهُ: (أَحَلَّ حَرَامًا) كَأَنْ صَالَحَ عَلَى نَحْوِ خَمْرٍ م ر، وَسَيَأْتِي تَمْثِيلُهُ أَيْضًا فِي الشَّرْحِ. قَوْلُهُ: (أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا) كَأَنْ صَالَحَ عَلَى أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِي الْمَصَالِحِ عَلَيْهِ، شَرْحُ م ر. فَإِنْ قِيلَ: الصُّلْحُ لَمْ يُحَرِّمْ الْحَلَالَ وَلَمْ يُحَلِّلْ الْحَرَامَ بَلْ هُوَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الصُّلْحَ هُوَ الْمُجَوِّزُ لَنَا الْإِقْدَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ، عَنَانِيٌّ؛ أَيْ فَلَوْ صَحَّحْنَاهُ لَكَانَ هُوَ الْمُحَلِّلُ وَالْمُحَرِّمُ فِي الظَّاهِرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَفْظُهُ إلَخْ) وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ فَقَالَ:
فِي الصُّلْحِ لِلْمَأْخُوذِ بَاءٌ وَعَلَى ... وَالتَّرْكُ مِنْ وَعَنْ كَثِيرًا ذَا جَعْلَا
وَنَظَمَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ:
بِالْبَاءِ أَوْ عَلَى يُعَدَّى الصُّلْحُ ... لِمَا أَخَذْته فَهَذَا نُصْحُ
وَمِنْ وَعَنْ أَيْضًا لِمَا قَدْ تُرِكَا ... فِي أَغْلَبِ الْأَحْوَالِ ذَا قَدْ سُلِكَا
قَوْلُهُ: (عَلَى إقْرَارٍ) وَمِثْلُهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بَعْدَ الْإِنْكَارِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا عَقْدَ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ تَنَازَعَ الْمُتَعَاقِدَانِ هَلْ وَقَعَ الْعَقْدُ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ كَمَا قَالُوهُ فِي الْبَيْعِ فَهَلَّا يَكُونُ هُنَا كَذَلِكَ، أُجِيبَ بِأَنَّ الظَّاهِرَ وَالْغَالِبَ جَرَيَانُ الْبَيْعِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَالْغَالِبُ وُقُوعُ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ؛. اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى إنْكَارٍ) أَيْ أَوْ سُكُوتٍ كَمَا يَأْتِي، وَلَوْ قَالَ عَلَى غَيْرِ إقْرَارٍ لَكَانَ أَوْلَى ق ل.
قَوْلُهُ: (مَعَ الْإِقْرَارِ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ أَوْ مَعَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، ق ل.
قَوْلُهُ: (الثَّابِتَةِ فِي الذِّمَّةِ) الصَّوَابُ إسْقَاطُهُ؛ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ يَصِحُّ الصُّلْحُ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ ثَابِتَةً فِي الذِّمَّةِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إنْكَارٍ) أَيْ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ حَيْثُ ذَهَبُوا إلَى صِحَّتِهِ، أج.
قَوْلُهُ: (كَمَا قَالَهُ إلَخْ) يَرْجِعُ لِلسُّكُوتِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَصَالَحَا عَلَيْهَا) أَيْ مِنْهَا عَلَيْهَا بِأَنْ تُجْعَلَ لِلْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ م ر، كَأَنْ قَالَ: صَالَحْتُك مِنْهَا عَلَيْهَا، وَهَذَا تَصْوِيرُ الْمِنْهَاجِ الْآتِي؛ أَوْ قَالَ: صَالَحْتُك مِنْهَا عَلَى نِصْفِهَا، أَوْ قَالَ: صَالَحْتُك مِنْهَا أَوْ مِنْ بَعْضِهَا عَلَى ثَوْبٍ مَثَلًا؛ فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ عَلَى إنْكَارٍ. اهـ. شَيْخُنَا. وَحَاصِلُ مَا ذُكِرَ مِنْ صُوَرِ الصُّلْحِ الْبَاطِلَةِ أَرْبَعَةٌ وَكُلُّ وَاحِدَةٍ تَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ، فَذَكَرَ الشَّارِحُ دَلِيلَ الْأَخِيرَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ فِي الصُّلْحِ إلَخْ، وَأَمَّا الِاثْنَانِ الْأَوَّلَانِ فَسَيَأْتِي يَقُولُ: وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ) سَوَاءٌ كَانَ الصُّلْحُ مِنْهَا أَوْ مِنْ بَعْضِهَا كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ لِتَحْرِيمِ الْمُدَّعَى بِهِ أَوْ بَعْضِهِ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ:
стр. 1035
صَادِقًا لِتَحْرِيمِ الْمُدَّعَى بِهِ أَوْ بَعْضِهِ عَلَيْهِ، أَوْ مُحَلِّلٌ لِلْحَرَامِ إنْ كَانَ الْمُدَّعِي كَاذِبًا بِأَخْذِهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ. وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ الصُّلْحُ عَلَى الْمُدَّعَى بِهِ أَوْ بَعْضِهِ فَقَوْلُ الْمِنْهَاجِ إنْ جَرَى عَلَى نَفْسِ الْمُدَّعَى بِهِ صَحِيحٌ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُحَرَّرِ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الشَّيْخَيْنِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لِأَنَّ عَلَى وَالْبَاءَ يَدْخُلَانِ عَلَى الْمَأْخُوذِ وَمِنْ وَعَنْ عَلَى الْمَتْرُوكِ، مَرْدُودٌ بِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ كَمَا مَرَّتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ، وَبِأَنَّ الْمُدَّعِيَ الْمَذْكُورَ مَأْخُوذٌ وَمَتْرُوكٌ بِاعْتِبَارَيْنِ غَايَتُهُ أَنَّ إلْغَاءَ الصُّلْحِ فِي ذَلِكَ لِلْإِنْكَارِ وَلِفَسَادِ الصِّيغَةِ بِاتِّحَادِ الْعِوَضَيْنِ. وَقَوْلُهُ: صَالِحْنِي عَمَّا تَدَّعِيهِ لَيْسَ إقْرَارًا لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ بِهِ قَطْعَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِأَنَّهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بِهِ إلَخْ) أَيْ لَوْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا إلَخْ، أَيْ حَرَّمَهُ عَلَيْهِ بِصُورَةِ عَقْدٍ مَقْهُورٍ عَلَيْهِ لِإِنْكَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَا يُقَالُ إنَّ الْإِنْسَانَ لَهُ تَرْكُ حَقِّهِ أَوْ بَعْضِهِ بِعَقْدِ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ،. اهـ. ح ل بِتَصَرُّفٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بَعْضِهِ) أَيْ فِيمَا إذَا صَالَحَهُ مِنْ بَعْضِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ عَلَى ثَوْبٍ مَثَلًا وَلَمْ يُصَالِحْ عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْأَوْلَى حَذْفُ قَوْلِهِ " أَوْ بَعْضِهِ " لِأَنَّهُ بِصَدَدِ الصُّلْحِ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بِهِ وَلِأَنَّهُ سَيَأْتِي فِي الْمُلْحَقِ بَعْدَهُ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَدَّعِيَ الدَّارَ مَثَلًا وَيُصَالِحَهُ مِنْ بَعْضِهَا عَلَى ثَوْبٍ مَثَلًا سَاكِتًا عَنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا غَيْرُ مَا يَأْتِي فَلَا تَكْرَارَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ قَوْلَهُ: أَوْ بَعْضِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى الضَّمِيرِ فِي " بِهِ " بِدُونِ إعَادَةِ الْخَافِضِ. وَهُوَ بَعِيدٌ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ) أَيْ بِالصُّلْحِ عَلَى غَيْرِ الْمُدَّعَى بِهِ الصُّلْحُ عَلَى نَفْسِ الْمُدَّعَى بِهِ أَوْ عَلَى بَعْضِهِ فِي الْبُطْلَانِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجْرِي فِيهِ التَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ، أَيْ قَوْلُهُ " لِأَنَّهُ فِي الصُّلْحِ إلَخْ " وَإِنَّمَا قَالَ " يَلْحَقُ " لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَعْنَى الصُّلْحِ عَلَى الْمُدَّعَى بِهِ أَنَّهُ يَتْرُكُهُ لِلْمُنْكِرِ، فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا تَحْرِيمُ الْحَلَالِ إنْ كَانَ صَادِقًا دُونَ تَحْلِيلِ الْحَرَامِ إنْ كَانَ كَاذِبًا، لِكَوْنِ الْمُدَّعِي لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الصُّلْحِ عَلَى الْمُدَّعَى بِهِ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُنْكِرِ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا تَحْلِيلُ الْحَرَامِ لِأَخْذِهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ إنْ كَانَ كَاذِبًا؛ فَسَقَطَ قَوْلُ ق ل: لَا حَاجَةَ لِلْإِلْحَاقِ لِوُجُودِ الْمَعْنَيَيْنِ فِيهِ، اهـ. نَعَمْ يَظْهَرُ وُجُودُ الْمَعْنَيَيْنِ فِيمَا إذَا صَالَحَ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعَى بِهِ اهـ م د قَوْلُهُ: (فَقَوْلُ الْمِنْهَاجِ إلَخْ) مُفَرَّعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَصْوِيرِ الصُّلْحِ الْبَاطِلِ بِمَا مَرَّ وَقَوْلُ الشَّارِحِ فَقَوْلُ الْمِنْهَاجِ مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ إنْ جَرَى مَقُولُ الْقَوْلِ، وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أَيْ فَيَبْطُلُ. وَقَوْلُهُ " صَحِيحٌ " خَبَرُ قَوْلِ أَيْ تَصْوِيرُ الْمِنْهَاجِ لِبُطْلَانِ الصُّلْحِ بِمَا ذَكَرَهُ صَحِيحٌ. وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ: النَّوْعُ الثَّانِي الصُّلْحُ عَلَى إنْكَارٍ فَيَبْطُلُ إنْ جَرَى عَلَى نَفْسِ الْمُدَّعَى بِهِ أَوْ بَعْضِهِ، اهـ. وَتَعْبِيرُهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَكِنْ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَالْأَوْلَى لِلشَّارِحِ عَدَمُ ذِكْرِ هَذَا. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُحَرَّرِ إلَخْ) بَلْ الَّذِي فِيهَا لَفْظَةُ " غَيْرٍ " بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ.
قَوْلُهُ: (وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إلَخْ) قَائِلُهُ الْإِسْنَوِيُّ: وَوَجْهُ عَدَمِ اسْتِقَامَتِهِ أَنَّ الْعَيْنَ الْمُدَّعَاةَ إمَّا مَتْرُوكَةٌ وَإِمَّا مَأْخُوذَةٌ.
فَإِنْ كَانَتْ مَتْرُوكَةً وَرَدَ عَلَيْهِ دُخُولُ عَلَى، وَإِنْ كَانَتْ مَأْخُوذَةً وَرَدَ عَلَيْهِ دُخُولُ " مِنْ " وَ " عَنْ ". قَوْلُهُ: (لِأَنَّ عَلَى إلَخْ) أَيْ وَلَيْسَ هُنَا مَتْرُوكٌ وَمَأْخُوذٌ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ وَاحِدَةٌ ق ل. وَهَذَا تَوْجِيهٌ لِلِاعْتِرَاضِ، أَيْ أَنَّ وَضْعَ الصُّلْحِ أَنْ يَكُونَ مَعَنَا شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا مَتْرُوكٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِ " مِنْ " وَالثَّانِي مَأْخُوذٌ تَدْخُلُ عَلَيْهِ " عَلَى " وَلَيْسَ هُنَا إلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ دَخَلَتْ عَلَيْهِ " مِنْ " وَ " عَلَى " قَالَ م د. فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْمُدَّعِي صَادِقٌ بِتَرْكِهِ وَبِأَخْذِهِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ خِلَافَهُ.
قَوْلُهُ: (مَرْدُودٌ) خَبَرٌ. وَحَاصِلُ الرَّدِّ جَوَابَانِ: الْأَوَّلُ: بِالتَّسْلِيمِ، وَالثَّانِي: بِالْمَنْعِ، وَحَاصِلُهُ تَصْحِيحُ تَصْوِيرِ الْمِنْهَاجِ.
قَوْلُهُ: (جَرَى عَلَى الْغَالِبِ) أَيْ وَهَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (بِاعْتِبَارَيْنِ) فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُدَّعِي مَتْرُوكٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَكَأَنَّ الْمُدَّعِيَ أَخَذَهَا وَتَرَكَهَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ ح ل.
قَوْلُهُ: (أَنَّ إلْغَاءَ الصُّلْحِ) أَيْ بُطْلَانُهُ.
قَوْلُهُ: (وَلِفَسَادِ الصِّيغَةِ) اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا مَرَّ مِنْ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ التَّصْوِيرِ وَإِنْ كَانَ الصُّلْحُ بَاطِلًا وَمَعَ الْجَوَابِ عَنْهُ الْمُقْتَضِي لِصِحَّتِهِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْهُ، ق ل. فَكَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ هَذَا التَّعْلِيلِ كَمَا قَالَهُ أج؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ التَّصْوِيرِ وَالْقَصْدُ تَصْحِيحُهُ بِمَا تَقَدَّمَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَسَادَ الصِّيغَةِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ قَبْلَ الْجَوَابِ عَنْهَا. قَوْلُهُ: (بِاتِّحَادٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِفَسَادِ وَقَوْلُهُ الْعِوَضَيْنِ، أَيْ الْمُصَالَحُ بِهِ وَالْمُصَالَحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 1036
الْخُصُومَةِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ بُطْلَانِ الصُّلْحِ عَلَى الْإِنْكَارِ مَسَائِلُ: مِنْهَا اصْطِلَاحُ الْوَرَثَةِ فِيمَا وُقِفَ بَيْنَهُمْ إذَا لَمْ يَبْذُلْ أَحَدُهُمْ عِوَضًا مِنْ خَالِصِ مِلْكِهِ، وَمِنْهَا مَا إذَا أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَمَاتَ قَبْلَ الِاخْتِيَارِ، أَوْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ أَوْ التَّعْيِينِ وَوُقِفَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُنَّ فَاصْطَلَحْنَ، وَمِنْهَا مَا لَوْ تَدَاعَيَا وَدِيعَةً عِنْدَ رَجُلٍ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ لِأَيِّكُمَا هِيَ أَوْ دَارًا فِي يَدِهِمَا وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً ثُمَّ اصْطَلَحَا، وَإِذَا تَصَالَحَا ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي أَنَّهُمَا تَصَالَحَا عَلَى إقْرَارٍ أَوْ إنْكَارٍ، فَاَلَّذِي نَصَّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
جَعَلَ الْعَيْنَ الْمُدَّعَاةَ مَتْرُوكَةً لِدُخُولِ " مِنْ " عَلَيْهَا وَمَأْخُوذَةً لِدُخُولِ " عَلَى " عَلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (وَيُسْتَثْنَى إلَخْ) الِاسْتِثْنَاءُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ إذْ هُوَ مِنْ الصُّلْحِ مَعَ الْجَهْلِ لَا مَعَ الْإِنْكَارِ ق ل، كَأَنْ مَاتَ عَنْ ابْنٍ وَخُنْثَى فَأَخَذَ الِابْنُ النِّصْفَ وَالْخُنْثَى الثُّلُثَ وَاصْطَلَحَا عَلَى السُّدُسِ الْبَاقِي؛ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَمَّا لَمْ يُعْلَمْ مَا لِكُلٍّ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْإِنْكَارِ تَدَبَّرْ لِكَاتِبِهِ أج.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْإِنْكَارِ) الْأَوْلَى: عَلَى غَيْرِ إقْرَارٍ كَمَا فِي م ر، لِيَشْمَلَ السُّكُوتَ؛ إذْ لَا إنْكَارَ هُنَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ هُنَا إنْكَارٌ بِالْقُوَّةِ، وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: قَوْلُهُ: وَإِقْرَارُ الْخَصْمِ فَلَا يَجُوزُ الصُّلْحُ مَعَ الْإِنْكَارِ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَكَذَا مَعَ السُّكُوتِ، وَحِينَئِذٍ فَيَحْرُمُ عَلَى نَحْوِ قَاضٍ ادَّعَى بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى آخَرَ بِنَحْوِ دَيْنٍ فَأَنْكَرَ الْأَمْرَ بِالصُّلْحِ بَيْنَ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِبَاطِلٍ، وَكَذَا تَحْرُمُ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إلَّا إذَا قَلَّدَ الْآمِرُ أَوْ الْمُشِيرُ مَنْ يَرَى الصُّلْحَ عَلَى الْإِنْكَارِ؛ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ أَرَادَ الصُّلْحَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَإِنْ أَرَادَ النَّظَرَ بَيْنَهُمَا لِيَحْصُلَ إقْرَارٌ فَلَا حُرْمَةَ،. اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا وَقَفَ بَيْنَهُمْ) كَأَنْ مَاتَ شَخْصٌ عَنْ جَدٍّ وَأَخٍ شَقِيقٍ وَأَخٍ لِأَبٍ مَفْقُودٍ، فَإِنَّ الْجَدَّ يَأْخُذُ اثْنَيْنِ مِنْ سِتَّةٍ لِأَنَّ لَهُ الثُّلُثَ وَالْأَخُ الشَّقِيقُ يَأْخُذُ ثَلَاثَةً وَيُوقَفُ الْوَاحِدُ إنْ تَبَيَّنَ مَوْتُ الْمَفْقُودِ أَخَذَهُ الْجَدُّ وَإِلَّا أَخَذَهُ الشَّقِيقُ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ اصْطَلَحَ الشَّقِيقُ مَعَ الْجَدِّ اج. وَفِي جَعْلِهَا مِنْ سِتَّةٍ نَظَرٌ، وَكَذَا فِي إعْطَاءِ الْأَخِ ثَلَاثَةً وَالْجَدِّ اثْنَيْنِ نَظَرٌ؛ وَالصَّوَابُ جَعْلُهَا مِنْ ثَلَاثَةٍ بِعَدَدِ الرُّءُوسِ فَيُعْطَى الْجَدُّ وَاحِدًا وَالشَّقِيقُ وَاحِدًا وَيُوقَفُ وَاحِدٌ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْأَخِ الشَّقِيقِ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَوْتُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَلَا حَيَاتُهُ، فَالْأَوْلَى تَمْثِيلُ الْمَدَابِغِيِّ بِابْنٍ وَخُنْثَى مَاتَ عَنْهُمَا فَيُعْطَى الِابْنُ ثَلَاثَةً وَالْخُنْثَى اثْنَيْنِ وَيُوقَفُ وَاحِدٌ لِلِاتِّضَاحِ أَوْ الصُّلْحِ، فَإِذَا اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ الِابْنُ الْوَاضِحُ نِصْفَ الْقِيرَاطِ أَيْ الْمَوْقُوفِ أَوْ ثُلُثَيْهِ مَثَلًا وَالْبَاقِي لِلْخُنْثَى صَحَّ الصُّلْحُ. وَإِنَّمَا جُعِلَتْ مِنْ سِتَّةٍ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الذُّكُورَةِ مِنْ اثْنَيْنِ وَمَسْأَلَةَ الْأُنُوثَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَالْجَامِعَةُ لَهُمَا سِتَّةٌ مِنْ ضَرْبِ اثْنَيْنِ فِي ثَلَاثَةٍ، وَقَرَّرَ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ " فِيمَا وُقِفَ بَيْنَهُمْ " أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ خُنْثَى مَثَلًا كَأَنْ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ وَخُنْثَى، فَمَسْأَلَةُ الذُّكُورَةِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَمَسْأَلَةُ الْأُنُوثَةِ مِنْ خَمْسَةٍ وَالْجَامِعَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَيُعْطَى كُلُّ ابْنٍ خَمْسَةً وَيُعْطَى الْخُنْثَى ثَلَاثَةً لِأَنَّهَا خُمُسُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ وَكَانَ لَهُ خُمُسُ الْخَمْسَةِ فِي الْأُولَى بِتَقْدِيرِ الْأُنُوثَةِ وَيُوقَفُ اثْنَانِ لِلِاتِّضَاحِ أَوْ الصُّلْحِ، فَإِذَا اصْطَلَحُوا صَحَّ اصْطِلَاحُهُمْ بِتَسَاوٍ أَوْ تَفَاوُتٍ مَعَ أَنَّهُ لَا إقْرَارَ اهـ.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يَبْذُلْ إلَخْ) أَمَّا إذَا بَذَلَ أَحَدُهُمْ عِوَضًا مِنْ خَالِصِ مِلْكِهِ بَطَلَ الصُّلْحُ لِاقْتِضَاءِ الْمُعَاوَضَةِ الْمِلْكِيَّةِ لِلْمَوْقُوفِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ، وَلِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِقْرَارِ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْمَوْقُوفِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ) أَيْ وَأَسْلَمْنَ قَبْلَ مَوْتِهِ، أَمَّا لَوْ لَمْ يُسْلِمْنَ أَوْ أَسْلَمْنَ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَا إرْثَ لِقِيَامِ الْمَانِعِ بِهِنَّ حَالَ الْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ) أَيْ طَلَاقًا بَائِنًا لِأَنَّهَا لَا تَرِثُ، فَاحْتِيجَ إلَى الصُّلْحِ. أَمَّا الرَّجْعِيَّةُ فَإِنَّهَا تَرِثُ فَلَا حَاجَةَ لِلصُّلْحِ. قَوْلُهُ: (وَمَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ) أَيْ إنْ كَانَتْ الْمُطَلَّقَةُ مُعَيَّنَةً عِنْدَهُ فِي قَصْدِهِ، لَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ. وَقَوْلُهُ " أَوْ التَّعْيِينِ " إنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً عِنْدَهُ لَكِنْ لَمْ يُعَيِّنْهَا قَبْلَ مَوْتَةِ.
قَوْلُهُ: (فَاصْطَلَحْنَ) أَيْ الْأَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَالزَّوْجَتَانِ الْمُطَلَّقَةُ إحْدَاهُمَا، أَيْ اصْطَلَحْنَ عَلَى الْقِسْمَةِ بِالتَّسَاوِي أَوْ التَّفَاوُتِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَعْلَمُ لِأَيِّكُمَا هِيَ) بِأَنْ أَوْدَعَ شَخْصَانِ عِنْدَ آخَرَ وَدِيعَتَيْنِ فَضَاعَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ وَلَمْ يُعْلَمْ لِأَيِّهِمَا هِيَ، وَادَّعَى كُلٌّ مِنْ الْمُودِعَيْنِ أَنَّ الْبَاقِيَةَ لَهُ، فَإِنَّهُمَا يَصْطَلِحَانِ عَلَى التَّفَاضُلِ أَوْ التَّسَاوِي لَا عَلَى
стр. 1037
عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْإِنْكَارِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا عَقْدَ، وَلَوْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بَعْدَ الْإِنْكَارِ جَازَ الصُّلْحُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ لِأَنَّ لُزُومَ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ كَلُزُومِهِ بِالْإِقْرَارِ. وَلَوْ أَقَرَّ ثُمَّ أَنْكَرَ جَازَ الصُّلْحُ، وَلَوْ أَنْكَرَ فَصُولِحَ ثُمَّ أَقَرَّ كَانَ الصُّلْحُ بَاطِلًا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.
(وَ) يَصِحُّ الصُّلْحُ أَيْضًا فِي كُلِّ (مَا يُفْضِي) أَيْ يَئُولُ (إلَيْهَا) أَيْ الْأَمْوَالِ كَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ، كَمَنْ ثَبَتَ لَهُ عَلَى شَخْصٍ قِصَاصٌ فَصَالَحَهُ عَلَيْهِ عَلَى مَالٍ بِلَفْظِ الصُّلْحِ كَصَالَحْتُك مِنْ كَذَا عَلَى مَا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيَّ مِنْ قِصَاصٍ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، أَوْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَلَا.
(وَهُوَ) أَيْ الصُّلْحُ ضَرْبَانِ: صُلْحٌ عَنْ دَيْنٍ وَصُلْحٌ عَنْ عَيْنٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا (نَوْعَانِ) فَالْأَوَّلُ مِنْ نَوْعَيْ الدَّيْنِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ (إبْرَاءٌ) وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ. وَالثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الدَّيْنِ وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ اخْتِصَارًا مُعَاوَضَةٌ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى غَيْرِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ. فَإِنْ صَالَحَ عَنْ بَعْضِ أَمْوَالِ الرِّبَا عَلَى مَا يُوَافِقُهُ فِي الْعِلَّةِ اشْتَرَطَ قَبْضَ الْعِوَضِ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ فِي نَفْسِ الصُّلْحِ عَلَى الْأَصَحِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعِوَضَانِ رِبَوِيَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ عَيْنًا صَحَّ الصُّلْحُ وَإِنْ لَمْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
اخْتِصَاصِ أَحَدِهِمَا بِهَا وَبَذْلِ شَيْءٍ مِنْهُ لِلْآخَرِ م د، قَوْلُهُ: (أَوْ دَارًا فِي يَدِهِمَا) يُقَالُ: أَيْ حَاجَةً لِلصُّلْحِ بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّهَا لَهُمَا مُنَاصَفَةً بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ؟ قَوْلُهُ: (وَأَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً) رَاجِعٌ لِلِاثْنَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهُ إذَا لَمْ يُقِمْ أَحَدٌ بَيِّنَةً لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ كَالْعَدَمِ لِتَعَارُضِهِمَا. قَوْلُهُ: (أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْإِنْكَارِ) وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ خَرَجَتْ عَنْ قَاعِدَةِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الصِّحَّةِ فِيمَا لَوْ اخْتَلَفَا وَأَحَدُهُمَا يَدَّعِي الصِّحَّةَ وَالْآخَرُ يَدَّعِي الْفَسَادَ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أُقِيمَتْ) فِي مَعْنَى تَعْمِيمِ الْإِقْرَارِ فِي قَوْلِ الْمَتْنِ " مَعَ الْإِقْرَارِ " فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْإِقْرَارَ وَلَوْ حُكْمًا، وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْبَيِّنَةَ كَالْإِقْرَارِ وَمِثْلُهَا الشَّاهِدُ مَعَ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ الصُّلْحُ بَاطِلًا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ لِأَنَّ مَا وَقَعَ فَاسِدًا لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا ق ل
قَوْلُهُ: (فَصَالَحَهُ عَلَيْهِ) صَوَابُهُ " عَنْهُ " ق ل؛ لِأَنَّ عَنْ تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْرُوكِ وَالْقِصَاصُ مَتْرُوكٌ هُنَا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَغْلَبِيَّةٌ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْقِصَاصَ كَالْمَأْخُوذِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَإِذَا أَخَذَهُ سَقَطَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (كَصَالَحْتُك مِنْ كَذَا) هَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: " مِنْ " دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَتْرُوكِ وَعَلَى دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَأْخُوذِ، فَهَذَا مِنْ الْغَالِبِ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَادِرٌ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِهِ: عَلَى مَا تَسْتَحِقُّهُ عَلَيَّ وَهُوَ يَأْخُذُ الْقِصَاصَ، أَيْ وَإِذَا أَخَذَهُ سَقَطَ عَنْهُ وَيُتْرَكُ غَيْرُهُ، فَمَنْ قَالَ إنَّ هَذَا مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ كَأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا صَادِرٌ مِنْ الْمُدَّعِي.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ يَصِحُّ) وَيَسْقُطُ بِهِ الْقِصَاصُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِذَلِكَ، وَمَتَى مَلَكَ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ سَقَطَ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ فَلَا) أَيْ أَوْ صَالَحَهُ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ بِلَفْظِ الْبَيْعِ كَبِعْتُكَ الْقِصَاصَ الَّذِي أَسْتَحِقُّهُ عَلَيْك بِكَذَا فَلَا يَصِحُّ، أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ نَقْلُهُ بِالْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: (نَوْعَانِ) وَكُلٌّ مِنْهُمَا نَوْعَانِ، فَذَكَرَ فِي الدَّيْنِ الْإِبْرَاءَ وَتَرَكَ الْمُعَاوَضَةَ لِكَوْنِهِ ذَكَرَهَا فِي الْعَيْنِ، وَذَكَرَ فِي الْعَيْنِ الْمُعَاوَضَةَ وَتَرَكَ صُلْحَ الْحَطِيطَةِ لِكَوْنِهِ ذَكَرَ نَظِيرَهُ فِي صُلْحِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ فِي كَلَامِ الْمَتْنِ شَبَهُ احْتِبَاكٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ) فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ " وَالْمُعَاوَضَةُ إلَخْ " شَامِلٌ لِلْعَيْنِ وَالدَّيْنِ، شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى غَيْرِ الْعَيْنِ) فِي هَذَا التَّعْبِيرِ نَظَرٌ، فَإِنْ فُرِضَ الْكَلَامُ فِي الصُّلْحِ عَنْ الدَّيْنِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ الدَّيْنِ، تَأَمَّلْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَيْنِ فِي كَلَامِهِ الْمُعَيَّنِ، فَهُوَ وَاقِعٌ فِي كَلَامِهِ وَصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: عَلَى غَيْرِ الدَّيْنِ الْمُعَيَّنِ وَوَصْفُهُ بِالْمُدَّعَاةِ نَظَرًا لِلَفْظِ الْعَيْنِ لَا لِمَعْنَاهَا. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا أَوْلَى مِنْ الِاعْتِرَاضِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الدَّيْنِ لَا الْعَيْنِ، وَكَانَ يَقُولُ عَلَى غَيْرِ الدَّيْنِ الْمُدَّعَى بِهِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا يُوَافِقُهُ) كَأَنْ صَالَحَ عَنْ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ أَوْ عَنْ بُرٍّ بِشَعِيرٍ اهـ أج. قَوْلُهُ: (اُشْتُرِطَ قَبْضُ إلَخْ) أَيْ حَذَرًا مِنْ التَّفَرُّقِ الْمُؤَدِّي لِلرِّبَا، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الصُّلْحُ وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ فِي الْعَقْدِ اهـ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ عَيْنًا) أَيْ مُعَيَّنًا فِي الْعَقْدِ كَأَنْ صَالَحَهُ عَنْ الْأَلْفِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ بِهَذَا الْعَبْدِ، كَمَا لَوْ بَاعَ ثَوْبًا بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ لَا يُشْتَرَطُ قَبْضُ الثَّوْبِ فِي الْمَجْلِسِ.
стр. 1038
يُقْبَضْ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ كَانَ دَيْنًا صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ فِي الْمَجْلِسِ.
وَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنْ نَوْعَيْ الْعَيْنِ وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ اخْتِصَارًا: صُلْحُ الْحَطِيطَةِ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى بَعْضِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ، كَمَنْ صَالَحَ مِنْ دَارٍ عَلَى بَعْضِهَا أَوْ مِنْ ثَوْبَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَهَذَا هِبَةٌ لِبَعْضِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ الْقَبُولُ وَمُضِيُّ مُدَّةِ إمْكَانِ الْقَبْضِ. وَيَصِحُّ فِي الْبَعْضِ الْمَتْرُوكِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ وَشَبَهِهِمَا وَكَذَا بِلَفْظِ الصُّلْحِ عَلَى الْأَصَحِّ كَصَالَحْتُك مِنْ الدَّارِ عَلَى رُبْعِهَا، وَلَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْبَيْعِ لِعَدَمِ الثَّمَنِ. (وَ) الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الْعَيْنِ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ (مُعَاوَضَةٌ) وَسَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ (فَالْإِبْرَاءُ) الَّذِي هُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنْ نَوْعَيْ الدَّيْنِ (اقْتِصَارُهُ مِنْ حَقِّهِ) مِنْ الدَّيْنِ الْمُدَّعَى بِهِ (عَلَى بَعْضِهِ) وَيُسَمَّى صُلْحُ الْحَطِيطَةِ، وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَالْحَطِّ وَنَحْوِهِمَا كَالْوَضْعِ وَالْإِسْقَاطِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ «كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ طَلَبَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ ﵄ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى سَمِعَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَخَرَجَ إلَيْهِمَا وَنَادَى: يَا كَعْبُ فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعْ الشَّطْرَ فَقَالَ: قَدْ فَعَلْت، فَقَالَ ﷺ : قُمْ فَاقْضِهِ» وَإِذَا جَرَى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الْإِبْرَاءِ: كَأَبْرَأْتُك مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِنْ الْأَلْفِ الَّذِي لِي عَلَيْك أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ كَوَضَعْتُهَا أَوْ أَسْقَطْتهَا عَنْك لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ عَلَى الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ أَقُلْنَا الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ أَمْ تَمْلِيكٌ. وَكَوْنُهُ إسْقَاطًا أَوْ تَمْلِيكًا اخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ أَوْضَحْته فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ. وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الصُّلْحِ فِي الْأَصَحِّ كَصَالَحْتُك عَنْ الْأَلْفِ الَّذِي لِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَرْعٌ: ادَّعَى عَلَيْهِ بِعَشْرَةِ دَنَانِيرَ وَأَقَرَّ لَهُ بِهَا فَصَالَحَهُ مِنْهَا عَلَى خَمْسَةِ دَنَانِيرَ وَمِائَتَيْ نِصْفِ فِضَّةٍ صَحَّ، وَلَا يُقَالُ هَذَا مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ تِلْكَ مَفْرُوضَةٌ فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَمَا هُنَا،. اهـ. عَنَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ دَيْنًا) كَأَنْ قَالَ: صَالَحْتُك عَنْ الْأَلْفِ الَّذِي لِي عَلَيْك بِعَبْدٍ فِي ذِمَّتِك صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ الْعَبْدِ فِي الْمَجْلِسِ، وَفِي قَبْضِهِ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الِاشْتِرَاطُ م د. وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر.
قَوْلُهُ: (لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ) صَوَابُهُ: لِمَنْ هِيَ أَيْ الْعَيْنُ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ ذَكَرَ الضَّمِيرَ بِتَأْوِيلِ الْعَيْنِ بِالشَّيْءِ الْمُدَّعَى، اهـ أج. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ لِلْبَعْضِ لَا لِلْعَيْنِ كَمَا فَهِمَهُ الْحَوَاشِي، فَاعْتِرَاضُهُمْ عَلَى الشَّارِحِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ. قَوْلُهُ: (فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ) أَيْ الصُّلْحِ. قَوْلُهُ: (وَمَضَى مُدَّةُ إمْكَانِ الْقَبْضِ) هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ شَرْطٌ لِلُزُومِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْهِبَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبْضِ لَا لِأَصْلِ صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ تَسَاهُلٌ، وَالْأَوْجَهُ إسْقَاطُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ وَلَا لِدَوَامِهَا، ق ل. بَلْ شَرْطٌ لِلُّزُومِ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (بِلَفْظِ الْهِبَةِ) أَيْ مَعَ لَفْظِ الصُّلْحِ لِيَكُونَ مِنْ أَنْوَاعِهِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ سَبْقُ الْخُصُومَةِ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُك نِصْفَ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ وَصَالَحْتُك عَلَى بَاقِيهَا، فَلَوْ أَسْقَطَ قَوْلَهُ " وَصَالَحْتُك إلَخْ " صَحَّ وَكَانَ هِبَةً مَحْضَةً لَا صُلْحًا فَلَا يُشْتَرَطُ سَبْقُ الْخُصُومَةِ اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ جَرَى بِلَفْظِ الْهِبَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى سَبْقِ خُصُومَةٍ، وَإِنْ جَرَى بِلَفْظِ الصُّلْحِ فَقَطْ أَوْ بِلَفْظِ الصُّلْحِ مَعَ لَفْظِ الْهِبَةِ اُشْتُرِطَ سَبْقُ خُصُومَةٍ، وَأَمَّا الْقَبُولُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْكُلِّ. قَوْلُهُ: (وَشَبَهُهُمَا) كَالْإِعْطَاءِ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ الثَّمَنِ) أَيْ لِأَنَّ الْعَيْنَ كُلَّهَا لِلْمُقَرِّ لَهُ، فَإِذَا بَاعَهَا بِبَعْضِهَا فَقَدْ بَاعَ مِلْكَهُ بِمِلْكِهِ وَالشَّيْءَ بِبَعْضِهِ وَهُوَ مُحَالٌ، حَجّ.
قَوْلُهُ: (فَالْإِبْرَاءُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَنَحْوِهِ لَا يُشْتَرَطُ سَبْقُ خُصُومَةٍ وَلَا قَبُولٍ، وَإِنْ جَرَى بِلَفْظِ الصُّلْحِ وَالْإِبْرَاءِ مَعًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ خُصُومَةٍ، وَإِنْ جَرَى بِلَفْظِ الصُّلْحِ فَقَدْ اُشْتُرِطَ الْقَبُولُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَلَا بُدَّ مِنْ سَبْقِ خُصُومَةٍ. قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ) أَيْ مَعَ لَفْظِ الصُّلْحِ لِيَكُونَ مِنْهُ، وَعَلَى مَا مَرَّ لَا يَحْتَاجُ لِقَبُولٍ نَظَرًا لِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ، ق ل وَسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ إلَيْهِمَا) أَيْ مِنْ بَيْتِهِ.
قَوْلُهُ: (قَدْ فَعَلْت) اُنْظُرْ هَلْ هُوَ إنْشَاءٌ أَوْ إخْبَارٌ عَمَّا وَقَعَ مِنْهُ. أَقُولُ: نَظَرْت فَوَجَدْت لِشَيْخِنَا الْعَشْمَاوِيِّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ " قَدْ فَعَلْت " أَيْ أَنْشَأْت ذَلِكَ اهـ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِهَا) أَيْ صِيغَةُ الْإِبْرَاءِ. قَوْلُهُ: (الْإِبْرَاءُ إسْقَاطٌ) مُعْتَمَدٌ.
قَوْلُهُ: (اخْتِلَافُ تَرْجِيحٍ) أَيْ إنْ قُلْنَا إنَّهُ تَمْلِيكٌ تَوَقَّفَ عَلَى الْقَبُولِ وَإِلَّا فَلَا، وَالْمَذْهَبُ عَدَمُ تَوَقُّفِهِ عَلَى الْقَبُولِ مُطْلَقًا كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (وَيَصِحُّ بِلَفْظِ الصُّلْحِ) أَيْ فَقَطْ.
стр. 1039
عَلَيْك عَلَى خَمْسِمِائَةٍ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِيهِ خِلَافٌ مُدْرَكُهُ مُرَاعَاةُ اللَّفْظِ أَوْ الْمَعْنَى، وَالْأَصَحُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ هُنَا اشْتِرَاطُهُ، وَلَا يَصِحُّ هُنَا الصُّلْحُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ كَنَظِيرِهِ فِي الصُّلْحِ عَنْ الْعَيْنِ (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ وَلَا يَصِحُّ (فِعْلُهُ) أَيْ تَعْلِيقُ الصُّلْحِ بِمَعْنَى الْإِبْرَاءِ (عَلَى شَرْطٍ) كَقَوْلِهِ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ صَالَحْتُك.
(وَالْمُعَاوَضَةُ) الَّذِي هُوَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ نَوْعَيْ الْعَيْنِ عُدُولُهُ عَنْ حَقِّهِ الْمُدَّعَى بِهِ إلَى غَيْرِهِ كَأَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ دَارًا أَوْ شِقْصًا مِنْهَا، فَأَقَرَّ لَهُ بِذَلِكَ وَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَعَبْدٍ صَحَّ (وَيَجْرِي عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا الصُّلْحِ (حُكْمُ الْبَيْعِ) مِنْ الرَّدِّ بِعَيْبٍ وَثُبُوتِ الشُّفْعَةِ وَمَنْعِ تَصَرُّفِهِ فِي الْمُصَالَحِ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَفَسَادِهِ بِالْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ وَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَعَقَدَ بِلَفْظِ الصُّلْحِ أَمْ بِغَيْرِهِ لِأَنَّ حَدَّ الْبَيْعِ يَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ. وَلَوْ صَالَحَ مِنْ الْعَيْنِ عَلَى دَيْنٍ فَإِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً فَهُوَ بَيْعٌ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا مَثَلًا مَوْصُوفًا بِصِفَةِ السَّلَمِ فَهُوَ سَلَمٌ تَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُهُ، وَإِنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (مُدْرَكُهِ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ مَوْضِعُ إدْرَاكِهِ، وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ: " مَدْرَكُهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ؛ وَلَيْسَ لِتَخْرِيجِهِ وَجْهٌ لِأَنَّهُ مِنْ أَدْرَكَ إدْرَاكًا، وَقَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى طَرْدِ الْبَابِ فَيُقَالُ مُفْعَلٌ بِضَمِّ الْمِيمِ مِنْ أَفْعَلَ، وَاسْتُثْنِيَتْ كَلِمَاتٌ مَسْمُوعَةٌ خَرَجَتْ عَنْ الْقِيَاسِ وَلَمْ يَذْكُرُوا مِنْهَا الْمُدْرَكَ فَالْوَجْهُ الْأَخْذُ بِالْأُصُولِ الْقِيَاسِيَّةِ حَتَّى يَصِحَّ سَمَاعُ غَيْرِهَا اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْمِصْبَاحِ. وَقَوْلُهُ: " بِلَفْظِ الْبَيْعِ " أَيْ لِعَدَمِ الثَّمَنِ.
قَوْلُهُ: (بِمَعْنَى الْإِبْرَاءِ) لَوْ أَسْقَطَهُ لَكَانَ أَوْلَى وَأَعَمُّ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الصُّلْحِ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا قُيِّدَ بِهِ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ وَأَمَّا صُلْحُ الْمُعَاوَضَةِ فَسَيُذْكَرُ أَوْ أَنَّ صُلْحَ الْمُعَاوَضَةِ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ لِأَنَّهُ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ يَكُونُ بَيْعًا فَلَهُ حُكْمُهُ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُعَاوَضَةُ عُدُولُهُ عَنْ حَقِّهِ إلَى غَيْرِهِ) كَلَامُ الْمَتْنِ شَامِلٌ لِصُورَتَيْنِ، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْحَقُّ الْمُدَّعَى بِهِ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَتْنُ أَسْقَطَ قِسْمًا وَاحِدًا وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ عَيْنًا وَصَالَحَهُ عَلَى بَعْضِهَا، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ، فَالْإِبْرَاءُ اقْتِصَارُهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَى بَعْضِهِ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الدَّيْنِ. وَعَلَى فَهْمِ الشَّارِحِ يَكُونُ الْمُصَنِّفُ أَسْقَطَ قِسْمًا ثَانِيًا وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى دَيْنًا وَصَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَصَالَحَهُ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ الدَّارِ أَوْ بَعْضِهَا.
قَوْلُهُ: (عَلَى ثَوْبٍ) أَيْ مُعَيَّنٍ، وَكَذَا قَوْلُهُ كَعَبْدٍ الْمُرَادُ مُعَيَّنٌ بِقَرِينَةٍ قَوْلُهُ فِيمَا سَيَأْتِي: وَلَوْ صَالَحَ مِنْ الْعَيْنِ عَلَى دَيْنٍ.
قَوْلُهُ: (صَحَّ) لَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا فَالْأَوْلَى إسْقَاطُهُ كَمَا مَرَّ؛ لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَصْوِيرٍ لَا بَيَانَ الْحُكْمِ.
قَوْلُهُ: (وَيَجْرِي عَلَيْهِ) الْأَنْسَبُ " عَلَيْهَا " لِأَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى الْمُعَاوَضَةِ ق ل. قَوْلُهُ: (وَثُبُوتِ الشُّفْعَةِ) أَيْ فِيمَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ شِقْصًا مِنْ دَارٍ كَانَ غَاصِبًا لَهُ فَأَقَرَّ بِهِ ثُمَّ صَالَحَهُ مِنْهُ عَلَى ثَوْبٍ مَثَلًا فَقَدْ بَاعَهُ لَهُ بِالثَّوْبِ، فَإِذَا كَانَ لِلْمُدَّعِي شَرِيكٌ فِي الدَّارِ فَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْجَهَالَةِ) مِنْ عَطْفِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ.
قَوْلُهُ: (إلَى غَيْرِ ذَلِكَ) كَالْخِيَارِ بِأَنْوَاعِهِ الثَّلَاثَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِشْرَاكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَجْرِي فِي الْبَيْعِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَيَسْرِي إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (يَصْدُقُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى الْعَقْدِ بِأَيِّ اللَّفْظَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ صَالَحَ مِنْ الْعَيْنِ) أَتَى بِهَذَا تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدَهُ وَإِلَّا فَهُوَ مَعْلُومٌ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ بَيْعٌ أَيْضًا) مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَلَمًا بِأَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ وَالذَّهَبُ أَوْ الْفِضَّةُ هُوَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ؟ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَيْنِ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ صَالَحَ مِنْ الْعَيْنِ إلَخْ، بِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ: فَهُوَ بَيْعُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحَّ السَّلَمُ فِيهِمَا بِالْآخَرِ، وَالْمُرَادُ بِهَا بِالنَّظَرِ لِقَوْلِهِ: " فَهُوَ سَلَمٌ " مَا يَعُمُّ النَّقْدَ وَغَيْرَهُ، فَقَوْلُهُ: " فَهُوَ سَلَمٌ " أَيْ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ بَيْعًا إذَا لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ السَّلَمِ كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ شَرْحِ حَجّ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ " فَهُوَ بَيْعٌ أَيْضًا " فَيَجْرِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ، وَاشْتِرَاطُ التَّقَابُضِ وَالتَّسَاوِي إنْ كَانَ جِنْسًا رِبَوِيًّا كَمَا مُثِّلَ بِهِ، وَاشْتِرَاطُ الْقَطْعِ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ وَجَرَيَانِ التَّحَالُفِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ.
قَوْلُهُ: (فَهُوَ سَلَمٌ) أَيْ حَقِيقَةً إنْ كَانَ بِلَفْظِهِ، كَأَنْ يَقُولَ: صَالَحْتُك مِنْ الدَّارِ الَّتِي أَدَّعِيهَا عَلَيْك عَلَى عَبْدٍ فِي ذِمَّتِك
стр. 1040
صَالَحَ مِنْ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ عَلَى مَنْفَعَةٍ لِغَيْرِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ كَخِدْمَةِ عَبْدٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً فَإِجَارَةٌ تُثْبِتُ أَحْكَامَ الْإِجَارَةِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ حَدَّ الْإِجَارَةِ صَادِقٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ صَالَحَ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ فَهُوَ عَارِيَّةٌ تَثْبُتُ أَحْكَامُ الْعَارِيَّةِ فِيهَا، فَإِنْ عَيَّنَ مُدَّةً فَإِعَارَةٌ مُؤَقَّتَةٌ وَإِلَّا فَمُطْلَقَةٌ. وَلَوْ قَالَ: صَالِحْنِي عَنْ دَارِك مَثَلًا بِكَذَا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ خُصُومَةٍ فَأَجَابَهُ، فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ لِأَنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يَسْتَدْعِي الْخُصُومَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ عِنْدَ حَاكِمٍ أَمْ لَا. تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ أَقْسَامَ الصُّلْحِ سَبْعَةٌ: الْبَيْعُ وَالْإِجَارَةُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْهِبَةُ وَالسَّلَمُ وَالْإِبْرَاءُ وَالْمُعَاوَضَةُ مِنْ دَمِ الْعَمْدِ. وَبَقِيَ مِنْهَا أَشْيَاءُ أُخَرُ: مِنْهَا الْخُلْعُ كَصَالَحْتُك مِنْ كَذَا عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي طَلْقَةً. وَمِنْهَا الْجَعَالَةُ كَصَالَحْتُك مِنْ كَذَا عَلَى رَدِّ عَبْدِي. وَمِنْهَا: الْفِدَاءُ كَقَوْلِهِ لِلْحَرْبِيِّ: صَالَحْتُك مِنْ كَذَا عَلَى إطْلَاقِ هَذَا الْأَسِيرِ. وَمِنْهَا: الْفَسْخُ كَأَنْ صَالَحَ مِنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ حَالٍّ عَلَى مُؤَجَّلٍ مِثْلِهِ، أَوْ صَالَحَ مِنْ مُؤَجَّلٍ عَلَى حَالٍّ مِثْلِهِ، لَغَا الصُّلْحُ لِأَنَّهُ وَعْدٌ فِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا سَلَمًا وَتَكُونُ الْعَيْنُ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ.
قَوْلُهُ: (فَإِجَارَةٍ) فَالْعَيْنُ الْمُدَّعَاةُ مَتْرُوكَةٌ فِي نَظِيرِ الْمَنْفَعَةِ فَتَكُونُ أُجْرَةً، وَكَأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْعَيْنَ الَّتِي أَخَذَهَا بِالْعَيْنِ الْمُقَرِّ بِهَا. قَوْلُهُ: (فَإِنْ صَالَحَ عَلَى مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ) كَأَنْ قَالَ الْمُدَّعِي: صَالَحْتُك مِنْ الدَّارِ الَّتِي أَدَّعِيهَا عَلَيْك عَلَى سُكْنَاهَا سَنَةً، فَالْمُعِيرُ الْمُدَّعِي وَالْمُسْتَعِيرُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ عَلَى تَدْخُلُ عَلَى الْمَأْخُوذِ وَمِنْ عَلَى الْمَتْرُوكِ وَهَذَا بِالْعَكْسِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَغْلَبِيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَالَ صَالِحْنِي عَنْ دَارِك إلَخْ) كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَيُشْتَرَطُ فِي الصُّلْحِ سَبْقُ الْخُصُومَةِ فَلَوْ قَالَ صَالِحْنِي إلَخْ.
قَوْلُهُ: (فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ) مَحَلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ، فَإِنْ نَوَيَا بِهِ الْبَيْعَ كَانَ كِنَايَةً مِنْ غَيْرِ شَكٍّ كَمَا قَالَاهُ وَإِنْ رَدَّهُ فِي الْمَطْلَبِ، شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (الْبَيْعُ) كَصَالَحْتُك مِنْ الدَّارِ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ أَوْ مِنْ الْأَلْفِ الَّذِي عَلَيْك عَلَى هَذِهِ الدَّرَاهِمِ. قَوْلُهُ: (وَالْإِجَارَةُ) تَحْتَهَا صُورَتَانِ كَصَالَحْتُك مِنْ سُكْنَى الدَّارِ سَنَةً بِهَذَا الْعَبْدِ فَيَكُونُ إجَارَةً لِلْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ بِغَيْرِهَا لِغَرِيمِهِ، أَوْ صَالَحْتُك مِنْ الدَّارِ بِخِدْمَةِ عَبْدِك هَذَا إلَى سَنَةٍ فَيَكُونُ إجَارَةً لِغَيْرِ الْعَيْنِ الْمُدَّعَاةِ بِهَا مِنْ غَرِيمِهِ م د.
قَوْلُهُ: (وَالْعَارِيَّةُ) أَيْ مُؤَقَّتَةً أَوْ مُطْلَقَةً، كَصَالَحْتُك مِنْ سُكْنَى الدَّارِ سَنَةً عَلَيْهَا أَوْ مِنْ سُكْنَى الدَّارِ عَلَيْهَا؛ فَلَهُ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ. قَوْلُهُ: (وَالْهِبَةُ) كَصَالَحْتُك مِنْ الدَّارِ عَلَى نِصْفِهَا مَثَلًا.
قَوْلُهُ: (وَالسَّلَمُ) بِأَنْ تُجْعَلَ الْعَيْنُ الْمُدَّعَى بِهَا رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ بِلَفْظِ السَّلَمِ وَالْمُعَاوَضَةُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، كَقَوْلِهِ: صَالَحْتُك مِنْ كَذَا عَلَى مَا أَسْتَحِقُّهُ عَلَيْك مِنْ الْقَوَدِ،. اهـ. ز ي. وَهَذَا التَّمْثِيلُ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ مِنْ أَنَّ مِنْ أُدْخِلَتْ عَلَى الْمَأْخُوذِ وَعَلَى عَلَى الْمَتْرُوكِ. قَوْلُهُ: (عَلَى أَنْ تُطَلِّقَنِي) أَيْ فَيَقُولُ لَهَا: " صَالَحْتُك " لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ طَلَّقْتُك فَيَحْصُلُ بِهِ الْخُلْعُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَهُ أَوْ لَفْظَ الطَّلَاقِ أَوْ قَبِلْت ذَلِكَ وَيَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ. اهـ. مَرْحُومِيٌّ. وَعِبَارَةُ أج: هَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ صَالَحْتُك عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ هَذَا هُوَ عَيْنُ الْخُلْعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ طَلَاقٍ بَعْدَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ صَالَحْتُك وَطَلَّقْتُك؟ قَالَ ع ش: يَكْفِي أَحَدُهُمَا وَقَالَ ق ل لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ طَلَاقٍ اهـ.
قَوْلُهُ: (كَأَنْ صَالَحَ مِنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ) قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهُوَ صَحِيحٌ مَاشٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ كَمَا قَالَ الْأَصْحَابُ إنَّ بَيْعَ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِلْبَائِعِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ إقَالَةٌ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، شَوْبَرِيٌّ أج.
قَوْلُهُ: (لَغَا الصُّلْحُ) وَصَحَّ تَعْجِيلٌ لِلْمُؤَجَّلِ، لَا إنْ ظَنَّ صِحَّةَ الصُّلْحِ فَلَا يَصِحُّ التَّعْجِيلُ فَيَسْتَرِدُّ مَا دَفَعَهُ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ وَعْدٌ فِي الْأُولَى) أَيْ وَالْوَعْدُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ فَيَبْقَى الدَّيْنُ حَالًّا عَلَى حَالِهِ. قَوْلُهُ: (وَصِفَةُ الْحُلُولِ) مِثْلُهُ م ر، قَالَ الرَّشِيدِيُّ: صَوَابُهُ أَنْ يَقُولَ " وَصِفَةُ التَّأْجِيلِ اهـ " لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ، وَالْأَنْسَبُ ذِكْرُ ذَلِكَ بَعْدَ الثَّانِيَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَصِفَةُ التَّأْجِيلِ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُهَا لِلْحَالِّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ إلْحَاقُهَا الْأَجَلَ
стр. 1041
الْأُولَى مِنْ الدَّائِنِ بِإِلْحَاقِ الْأَجَلِ، وَصِفَةُ الْحُلُولِ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُهَا وَفِي الثَّانِيَةِ وَعْدٌ مِنْ الْمَدْيُونِ بِإِسْقَاطِ الْأَجَلِ وَهُوَ لَا يَسْقُطُ، فَلَوْ صَالَحَ مِنْ عَشْرَةٍ حَالَّةٍ عَلَى خَمْسَةٍ مُؤَجَّلَةٍ بَرِئَ مِنْ خَمْسَةٍ وَبَقِيَ خَمْسَةٌ حَالَّةٌ لِأَنَّهُ سَامَحَ بِحَطِّ الْبَعْضِ وَوَعَدَ بِتَأْجِيلِ الْبَاقِي، وَالْوَعْدُ لَا يَلْزَمُ وَالْحَطُّ صَحِيحٌ. وَلَوْ عُكِسَ بِأَنْ صَالَحَ مِنْ عَشْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ عَلَى خَمْسَةٍ حَالَّةٍ لَغَا الصُّلْحُ لِأَنَّ صِفَةَ الْحُلُولِ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُهَا، وَالْخَمْسَةُ الْأُخْرَى إنَّمَا تَرَكَهَا فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ الْحُلُولُ لَا يَصِحُّ التَّرْكُ.
(وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُشْرِعَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ، أَيْ يُخْرِجُ (رَوْشَنًا) أَيْ جَنَاحًا وَهُوَ الْخَارِجُ مِنْ نَحْوِ الْخَشَبِ وَسَابَاطًا وَهُوَ السَّقِيفَةُ عَلَى حَائِطَيْنِ وَالطَّرِيقُ بَيْنَهُمَا (فِي طَرِيقٍ نَافِذٍ) وَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالشَّارِعِ وَقِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ اجْتِمَاعٌ وَافْتِرَاقٌ لِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْبُنْيَانِ، وَلَا يَكُونُ إلَّا نَافِذًا وَالطَّرِيقُ يَكُونُ بِبُنْيَانٍ أَوْ صَحْرَاءَ وَنَافِذًا أَوْ غَيْرَ نَافِذٍ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ بِحَيْثُ (لَا يَضُرُّ) كُلٌّ مِنْ الْجَنَاحِ وَالسَّابَاطِ (الْمَارَّةَ) فِي مُرُورِهِمْ فِيهِ فَيُشْتَرَطُ ارْتِفَاعُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
فَتَرْجِعُ لِمَا ذُكِرَ فِي الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (وَصِفَةُ الْحُلُولِ لَا يَصِحُّ إلْحَاقُهَا) الْمَعْنَى أَنَّ الْمُؤَجَّلَ لَا يَلْحَقُهُ صِفَةُ الْحُلُولِ، وَهُوَ إنَّمَا أَسْقَطَ الْخَمْسَةَ فِي مُقَابَلَةِ حُلُولِ الْخَمْسَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ لَا تَحِلُّ فَيَلْغُو الصُّلْحُ.
قَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ إلَخْ) أَيْ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ أَنْ يَكُونَ الْمُخْرِجُ مُسْلِمًا وَأَنْ لَا يَضُرَّ الْمَارَّةَ وَأَنْ لَا يُظْلِمَ الْمَوْضِعَ إظْلَامًا مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ وَيَضُرَّ ضَرَرًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً، كَعَجْنِ طِينٍ إذَا بَقِيَ مِقْدَارُ الْمُرُورِ لِلنَّاسِ وَإِلْقَاءِ الْحِجَارَةِ فِيهِ لِلْعِمَارَةِ إذَا تُرِكَتْ بِقَدْرِ مُدَّةِ نَقْلِهَا وَرَبْطِ الدَّوَابِّ فِيهِ بِقَدْرِ حَاجَةِ النُّزُولِ وَالرُّكُوبِ؛ شَرْحُ الرَّوْضِ. أَيْ وَمَعَ جَوَازِ ذَلِكَ، فَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ بِالشَّارِعِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ؛ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْبَصِيرِ وَغَيْرِهِ، قَالَ م ر: وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَلَّافِينَ مِنْ رَبْطِ الدَّوَابِّ فِي الشَّوَارِعِ لِلْكِرَاءِ فَلَا يَجُوزُ، وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مَزِيدِ الضَّرَرِ،. اهـ. مَرْحُومِيٌّ. وَقَوْلُهُ " دَوَابَّ الْعَلَّافِينَ " قَالَ شَيْخُنَا: وَكَذَا دَوَابُّ الْمُدَرِّسِينَ الْوَاقِفَةُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا مُدَّةَ التَّدْرِيسِ، وَنُوزِعَ فِيهِ. اهـ. ق ل.
قَوْلُهُ: (رَوْشَنًا) أَيْ شَيْئًا يَئُولُ أَمْرُهُ إلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَالرَّوْشَنُ هُوَ الْخَارِجُ كَمَا قَالَهُ وَلَا مَعْنَى لِإِخْرَاجِ الْخَارِجِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ جَنَاحًا) مِنْ جَنَحَ يَجْنَحُ بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّهَا: إذَا مَالَ،. اهـ. ز ي. وَقِيلَ: مِنْ جَنَاحِ الطَّيْرِ، فَتَسْمِيَتُهُ بِمَا ذُكِرَ مَجَازٌ بِالِاسْتِعَارَةِ الْمُصَرَّحَةِ بِأَنْ شُبِّهَ الْبِنَاءُ الْخَارِجُ مِنْ جَانِبِ الْجِدَارِ بِجَنَاحِ الطَّائِرِ بِجَامِعِ الِانْتِفَاعِ بِكُلٍّ وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الْجَنَاحِ لِلْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ الْخَارِجُ) أَيْ إلَى هَوَاءِ الطَّرِيقِ، زِيَادِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَسَابَاطًا) وَيُجْمَعُ عَلَى سَوَابِيطَ وَسَابَاطَاتٍ.
قَوْلُهُ: (وَالطَّرِيقُ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْحَائِطَيْنِ تَحْتَ السَّقِيفَةِ. قَوْلُهُ: (فِي طَرِيقٍ نَافِذٍ) سَيَأْتِي مُحْتَرَزُهُ فِي قَوْلِهِ: وَلَا يَجُوزُ فِي الدَّرْبِ إلَخْ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ فِي طَرِيقٍ نَافِذٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ فَقَطْ، أَمَّا إذَا كَانَ فِي الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ الْخَالِي عَنْ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ فَيُزَادُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ الْإِذْنُ.
قَوْلُهُ: (وَقِيلَ بَيْنَهُ إلَخْ) فَبَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ عَلَى هَذَا وَعَلَى الْأَوَّلِ مُتَرَادِفَانِ.
قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ الطَّرِيقِ) أَيْ لَا بِقَيْدِ النُّفُوذِ.
قَوْلُهُ: (اجْتِمَاعٌ) فَيَجْتَمِعَانِ فِي نَافِذٍ بِبُنْيَانٍ وَيَنْفَرِدُ الطَّرِيقُ بِالْبُنْيَانِ الْمُنْسَدِّ أَوْ الصَّحْرَاءِ، شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَافْتِرَاقٌ) أَيْ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَقَوْلُهُ " لِأَنَّهُ " أَيْ الشَّارِعَ. قَوْلُهُ: (وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ) فَيُقَالُ الطَّرِيقُ سَلَكْته وَسَلَكْتهَا.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ) أَيْ ضَرَرًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً. وَلَا يَخْفَى أَنَّ فَاعِلَ " يَضُرُّ " فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ضَمِيرُ الرَّوْشَنِ. وَزَادَ الشَّارِحُ السَّابَاطَ، فَلَزِمَ عَلَيْهِ كَوْنُ الْفَاعِلِ مَحْذُوفًا وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ. وَفِي نُسْخَةٍ: لَا تَسْتَضِرُّ الْمَارَّةُ بِهِ وَهِيَ سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ، ق ل. وَقَوْلُهُ " لَا يَضُرُّ " هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ هَوَاءِ الْمَسْجِدِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ أَمَّا هَوَاءُ الْمَسْجِدِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ فَلَا يَجُوزُ، وَأَمَّا الْمَقْبَرَةُ فَالْأَقْرَبُ أَنَّ مَا حَرُمَ الْبِنَاءُ فِيهَا بِأَنْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً أَوْ اعْتَادَ أَهْلُ الْبَلَدِ الدَّفْنَ فِيهَا حَرُمَ الْإِشْرَاعُ فِي هَوَائِهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَلَوْ أَشْرَعَ إلَى مِلْكِهِ ثُمَّ سَبِلَ مَا تَحْتَ جَنَاحِهِ وَهُوَ يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ أُمِرَ بِرَفْعِهِ أَيْ إزَالَتِهِ عَلَى مَا بَحَثَهُ الزَّرْكَشِيّ، شَرْحُ م ر مُلَخَّصًا. أَمَّا لَوْ وَقَفَ مَا تَحْتَهُ مَسْجِدًا وَنَحْوَهُ أَوْ مَقْبَرَةً وَجَبَ الْهَدْمُ مُطْلَقًا، أَيْ
стр. 1042
الْمَاشِي مُنْتَصِبًا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى أَنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ لِأَنَّ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إضْرَارٌ حَقِيقِيٌّ، وَيُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ عَلَى رَأْسِهِ الْحُمُولَةُ الْعَالِيَةُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِنْ كَانَ مَمَرُّ الْفُرْسَانِ وَالْقَوَافِلِ فَلْيَرْفَعْ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ الْمُحْمِلُ عَلَى الْبَعِيرِ مَعَ أَخْشَابِ الْمِظَلَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَتَّفِقُ وَإِنْ كَانَ نَادِرًا. وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ: «أَنَّهُ ﷺ نَصَبَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ مِيزَابًا فِي دَارِ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَقَالَ: إنَّ الْمِيزَابَ كَانَ شَارِعًا لِمَسْجِدِهِ ﷺ .
ــ
[حاشية البجيرمي]
سَوَاءٌ ضَرَّ الْمَارَّةَ أَوْ لَا، وَالْفَرْقُ أَنَّ هَذِهِ الْأَمَاكِنَ يَمْتَنِعُ الْإِشْرَاعُ إلَيْهَا مُطْلَقًا وَلَا كَذَلِكَ الشَّارِعُ،. اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (فَيُشْتَرَطُ ارْتِفَاعُ كُلٍّ مِنْهُمَا إلَخْ) وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يُظْلِمَ الْمَوْضِعَ كَمَا فِي مَتْنِ الْمَنْهَجِ، أَيْ إظْلَامًا مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ، فَلَا تَضُرُّ الظُّلْمَةُ الْيَسِيرَةُ ح ل وم ر. قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ الْمَاشِي) اُنْظُرْ لَوْ رَفَعَهُ ثُمَّ عَلَا الطَّرِيقُ هَلْ يُهْدَمُ نَظَرًا لِتَضَرُّرِ الْمَارَّةِ حِينَئِذٍ أَوْ لَا نَظَرًا لِوَضْعِهِ بِحَقٍّ؟ شَوْبَرِيٌّ. قَالَ أج: يَجِبُ عَلَيْهِ رَفْعُ مَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ إزَالَتِهِ أَوْ قَطْعُ الْأَرْضِ، إذْ الِانْتِفَاعُ بِالشَّوَارِعِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ؛ قَالَهُ شَيْخُنَا. قُلْت: وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ قَطْعِ الْأَرْضِ عَلَى الْإِمَامِ لَمْ يَبْعُدْ تَأَمَّلْ أج. وَمِثْلُهُ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَمَرَّ فُرْسَانٍ وَقَوَافِلَ فَصَارَ كَذَلِكَ فَيُكَلَّفُ رَفْعَهُ كَمَا ذَكَرَهُ ع ش عَلَى م ر، وَقَالَ: إنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ م ر وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرُوهُ فِي الْجِنَايَاتِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ بَنَى جِدَارَهُ مُسْتَقِيمًا ثُمَّ مَالَ فَإِنَّهُ يُطَالَبُ بِهَدْمِهِ أَوْ إصْلَاحِهِ مَعَ أَنَّهُ وَضَعَهُ فِي الْأَصْلِ بِحَقٍّ، وَلَا يُشْكِلُ مُطَالَبَتُهُ بِهَدْمِهِ بِأَنَّهُ لَوْ انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ فَأَتْلَفَ شَيْئًا لَا يَضْمَنُهُ مُعَلِّلِينَ لَهُ بِأَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الضَّمَانِ عَدَمُ الْمُطَالَبَةِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُتَوَقَّعِ، اهـ عَزِيزِيٌّ نَقْلًا عَنْ ع ش.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ) أَيْ مُرُورَ الْمَاشِي تَحْتَهُ مُنْتَصِبًا إلَخْ قَوْلُهُ: (الْحُمُولَةُ) بِضَمِّ الْحَاءِ اسْمٌ لِلْحِمْلِ الَّذِي عَلَى الْبَعِيرِ، وَهُوَ خَشَبٌ فِي جَانِبِ الْبَعِيرِ يُرَكَّبُ فِيهِ. وَالْحُمُولُ بِالضَّمِّ بِلَا هَاءٍ اسْمٌ لِلْإِبِلِ الَّتِي عَلَيْهَا الْهَوَادِجُ.
قَوْلُهُ: (الْعَالِيَةُ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتِيَّةِ بَعْدَ اللَّامِ أَوْ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَ اللَّامِ، ضَبَطَهُ بِذَلِكَ سم أَيْضًا؛ وَهَذَا أَوْجَهُ بَلْ مُتَعَيِّنٌ، قَالَ: لِأَنَّهُ يُفِيدُ عَلَى هَذَا الضَّبْطِ حُكْمًا وَهُوَ عَدَمُ تَأْثِيرِ مَا جَاوَزَ فِي عُلُوِّهِ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ، شَوْبَرِيٌّ. لَكِنْ قَالَ ز ي: الضَّبْطُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمُرْتَفِعَةِ وَلَوْ نَادِرَةً اهـ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَتَّفِقُ وَإِنْ كَانَ نَادِرًا. وَاسْتُبْعِدَ ق ل الْعَالِيَةُ بِمُهْمَلَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْجَهْلِ بِقَدْرِهَا، وَعِبَارَتُهُ: الْحُمُولَةُ الْغَالِبَةُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بَعْدَ اللَّامِ، وَهُوَ أَضْبَطُ مِنْ كَوْنِهِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتِيَّةِ بَعْدَ اللَّامِ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهَا.
قَوْلُهُ: (الْمَحْمِلُ) كَالشُّقْدُفِ.
قَوْلُهُ: (مَعَ أَخْشَابِ الْمِظَلَّةِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُشَالَةِ وَبِالْعَكْسِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ م ر عَلَى الرَّوْضِ، وَهِيَ أَعْوَادٌ مُرْتَفِعَةٌ فَوْقَ الْمَحْمِلِ يُوضَعُ عَلَيْهَا سُتْرَةً تَقِي الرَّاكِبَ مِنْ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ؛ مَرْحُومِيٌّ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَتَّفِقُ) فِيهِ أَنَّهُ تَقَدَّمَ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ: إنْ كَانَ مَمَرَّ الْفُرْسَانِ إلَخْ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَتَّفِقُ إلَخْ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ مَمَرَّ الْفُرْسَانِ وَلَوْ نَادِرًا.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ) أَيْ إخْرَاجِ الرَّوْشَنِ وَالسَّابَاطِ.
قَوْلُهُ: (نَصَبَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ مِيزَابًا فِي دَارِ عَمِّهِ) أَيْ خَارِجَ الدَّارِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: كَانَ شَارِعًا إلَخْ، قَالَ ق ل: وَفِي هَذَا الدَّلِيلِ تَأَمُّلٌ اهـ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إخْرَاجِ الْجَنَاحِ وَالسَّابَاطِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: هَذَا يُشْبِهُ الْجَنَاحَ، أَوْ يُقَالُ: إذَا جَازَ فِي الْمِيزَابِ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُمَا جَازَ ذَلِكَ فِيهِمَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ) أَيْ الْبَيْهَقِيُّ؛ وَلَكِنْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ زَادَ الْحَاكِمُ: فَيَكُونُ ضَمِيرُ " قَالَ " لَهُ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (كَانَ شَارِعًا) أَيْ فِي شَارِعٍ، وَذَلِكَ الشَّارِعُ طَرِيقٌ لِمَسْجِدِهِ ﷺ ؛ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (لَا ضَرَرَ) أَيْ لَا تَضُرُّ نَفْسَك، وَقَوْلُهُ " وَلَا ضِرَارَ " أَيْ لَا تَضُرُّ غَيْرَك. وَخَبَرُ " لَا " مَحْذُوفٌ، أَيْ فِي دِينِنَا أَوْ جَائِزَانِ، فَلَا يُنَافِي أَنَّ ذَلِكَ وَاقِعٌ وَكَوْنُ خَبَرِ " لَا " مَحْذُوفًا عَلَى النُّسْخَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا فِي الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا هِيَ فَقَوْلُهُ " فِي الْإِسْلَامِ " هُوَ الْخَبَرُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ، أَيْ لَا تَضُرَّ نَفْسَك وَلَا تَضُرَّ غَيْرَك وَقَوْلُهُ وَلَا ضِرَارَ فِعَالٌ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ أَيْ لَا تُجَازِيهِ عَلَى إضْرَارِهِ بَلْ تَعْفُو وَتَصْفَحُ، أَيْ لَا يَضُرُّ مَنْ لَا يَضُرُّهُ وَلَا
стр. 1043
فَإِنْ فَعَلَ مَا مُنِعَ أُزِيلَ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ» وَالْمُزِيلُ لَهُ الْحَاكِمُ لَا كُلُّ أَحَدٍ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَوَقُّعِ الْفِتْنَةِ لَكِنْ لِكُلِّ أَحَدٍ مُطَالَبَتُهُ بِإِزَالَتِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ.
تَنْبِيهٌ: مَا ذُكِرَ مِنْ جَوَازِ إخْرَاجِ الْجَنَاحِ غَيْرِ الْمُضِرِّ هُوَ فِي الْمُسْلِمِ، أَمَّا الْكَافِرُ فَلَيْسَ لَهُ الْإِشْرَاعُ إلَى شَوَارِعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ جَازَ اسْتِطْرَاقُهُ، لِأَنَّهُ كَإِعْلَاءِ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي الْمَنْعِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
يَضُرُّ مَنْ يَضُرُّهُ، فَالضَّرَرُ ابْتِدَاءُ الْفِعْلِ وَالضِّرَارُ الْجَزَاءُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: الضَّرَرُ مَا يَضُرُّ بِهِ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ وَيَنْتَفِعُ هُوَ بِهِ وَالضِّرَارُ أَنْ يَضُرَّهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَفِعَ، وَقِيلَ بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ نَهْيٌ لِلشَّخْصِ عَنْ تَعَاطِي مَا يَضُرُّ نَفْسَهُ وَالثَّانِي نَهْيٌ لَهُ عَنْ فِعْلِ مَا يَضُرُّ غَيْرَهُ، وَقِيلَ: الْأَوَّلُ عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ مَا يَنْفَعُ الْغَيْرَ وَالثَّانِي عِبَارَةٌ عَنْ فِعْلِ مَا يَضُرُّ بِهِ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْأَوَّلِ لَا يَضُرُّ الشَّخْصُ أَخَاهُ فَيَنْتَقِصُ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ وَمَعْنَى الثَّانِي لَا يُضَارَّ الرَّجُلُ جَارَهُ بِإِدْخَالِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْأَوَّلِ لَا يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ عَلَى الضَّرَرِ وَمَعْنَى الثَّانِي لَا يَجُوزُ لَهُ إضْرَارُ غَيْرِهِ؛ وَحِينَئِذٍ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْسِيسِ، وَقِيلَ: إنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ جُمِعَ بَيْنَهُمَا لِلتَّأْكِيدِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا تَضُرُّ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْأَمْرَ بَيْنَ الْحَمْلِ عَلَى التَّأْسِيسِ وَالتَّأْكِيدِ فَحَمْلُهُ عَلَى التَّأْسِيسِ أَوْلَى لَا سِيَّمَا فِي كَلَامِ الشَّارِعِ ﵇ وَقَوْلُهُ: «وَلَا ضِرَارَ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ " إضْرَارٌ " بِالْهَمْزَةِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا صِحَّةَ لَهَا، وَبَقِيَّةُ الْحَدِيثِ: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ سَائِرِ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ مَا قَلَّ مِنْهُ وَمَا كَثُرَ إلَّا لِدَلِيلٍ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ فَيَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ فَتْحُ كُوَّةٍ فِي جِدَارِهِ يَطَّلِعُ مِنْهَا عَلَى عَوْرَاتِ جَارِهِ أَوْ إحْدَاثُ فُرْنٍ أَوْ حَمَّامٍ أَوْ رَحًى أَوْ مَعْصَرَةٍ لِوُجُودِ الضَّرَرِ بِالدُّخَانِ وَصَوْتِ الرَّحَى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَعْلِيَةُ بِنَائِهِ عَلَى جِدَارِ جَارِهِ وَإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَبْوَابُ غُرَفِهِ وَمَنَعَ الشَّمْسَ أَنْ تَقَعَ فِي حُجْرَتِهِ وَإِذَا انْهَارَتْ بِئْرُ جَارِهِ وَكَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْسَالُ فَضْلِ مَائِهِ إلَى زَرْعِ جَارِهِ بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ زَرَعَ عَلَى أَصْلِ مَاءٍ، الثَّانِي: أَنْ يَتَشَاغَلَ بِإِصْلَاحِ بِئْرِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا مَا يَكْفِيهِ، الثَّالِثُ: أَنْ يَخْشَى عَلَى زَرْعِهِ الْهَلَاكَ،. اهـ. شَبْرَخِيتِيٌّ عَلَى الْأَرْبَعِينَ.
قَوْلُهُ: (وَالْمُزِيلُ لَهُ الْحَاكِمُ) وَكَذَا غَيْرُهُ إنْ أَمِنَ الْفِتْنَةَ أَخْذًا مِمَّا بَعْدَهُ. فَائِدَةٌ: نَقَلَ الْغَزِّيُّ عَنْ الْكَافِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْجَنَاحِ الْمُخْرَجِ قَدْرٌ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمِيزَابِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ نِصْفَ السِّكَّةِ. وَوَجَّهَهُ الْغَزِّيُّ بِأَنَّ الْجَنَاحَ قَدْ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَبِفَرْضِهِ هُوَ نَادِرٌ، بِخِلَافِ الْمِيزَابِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَجَاوِزَيْنِ يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِخْرَاجِ الْمَاءِ، فَمُجَاوَزَةُ أَحَدِ الْمُتَجَاوِزَيْنِ بِمِيزَابِهِ لِنِصْفِ السِّكَّةِ مُبْطِلٌ لِحَقِّ الْآخَرِ الْمُقَابِلِ لَهُ. وَنَظَرَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: فَالْوَجْهُ جَوَازُ إخْرَاجِهِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ لِمِلْكِ الْجَارِ سَوَاءٌ أَجَاوَزَ النِّصْفَ أَمْ لَا. وَمِثْلُ سم فِي حَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ الضَّرَرُ بِأَنْ يُصِيبَ مَاؤُهُ جِدَارَ الْغَيْرِ بِحَيْثُ يَعِيبُهُ أَوْ يُتْلِفُهُ. اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (لَا كُلُّ أَحَدٍ) فَلَوْ أَزَالَهُ آحَادُ النَّاسِ لَمْ يَضْمَنْ بَلْ يُعَزَّرُ فَقَطْ؛ لِأَنَّ فِيهِ افْتِيَاتًا عَلَى الْإِمَامِ أَيْ تَعَدِّيًا عَلَيْهِ. وَمَا هُنَا يُقَاسُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةُ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَتَارِكِ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَمْرِ الْإِمَامِ وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ، فَإِنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ أَنَّ الْقَاتِلَ لِهَؤُلَاءِ لَا يَضْمَنُ وَإِنَّمَا يُعَزَّرُ لِلِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا فِيهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ إزَالَةِ كُلِّ أَحَدٍ لَهُ، شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (مُطَالَبَتُهُ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْحَاكِمِ لَا عَلَى الْمُشَرِّعِ اهـ مَدَابِغِيٌّ؛ لَكِنْ الْمُتَبَادَرُ رُجُوعُهُ لِلْمُشَرِّعِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ كَإِعْلَاءِ الْبِنَاءِ) يُؤْخَذُ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ أَنَّهُ أَيْ الْكَافِرُ يُمْنَعُ مِنْ إخْرَاجِ الْجَنَاحِ فِي الدَّرْبِ غَيْرِ النَّافِذِ وَإِنْ كَانَ شَرِيكًا وَرَضِيَ أَهْلُهُ، ز ي. وَقَوْلُهُ " كَإِعْلَاءِ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِ " ظَاهِرُهُ عَدَمُ الْمَنْعِ مِنْ الْمُسَاوَاةِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ مِنْهَا أَيْضًا تَمْيِيزًا بَيْنَهُمَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ بِنَاءُ الْمُسْلِمِ قَصِيرًا وَقَدَرَ عَلَى رَفْعِهِ بِلَا مَشَقَّةٍ، نَعَمْ يُتَّجَهُ كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا اُعْتِيدَ مِثْلُهُ لِلسُّكْنَى وَإِلَّا لَمْ يُكَلَّفْ الذِّمِّيُّ النَّقْصَ عَنْ أَقَلِّ الْمُعْتَادِ وَإِنْ عَجَزَ الْمُسْلِمُ عَنْ تَتْمِيمِ بِنَائِهِ وَذَلِكَ لِحَقِّ اللَّهِ فَلَا يُبَاحُ بِرِضَا الْجَارِ، اهـ شَرْحُ م ر.
стр. 1044
وَيُمْنَعُونَ أَيْضًا مِنْ آبَارِ حُشُوشِهِمْ، فِي أَفْنِيَةِ دُورِهِمْ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يُمْنَعُوا مِنْ إخْرَاجِ الْجَنَاحِ وَلَا مِنْ حَفْرِ آبَارِ حُشُوشِهِمْ فِي مَحَالِّهِمْ وَشَوَارِعِهِمْ الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، كَمَا فِي رَفْعِ الْبِنَاءِ وَهُوَ بَحْثٌ حَسَنٌ وَحُكْمُ الشَّارِعِ الْمَوْقُوفِ حُكْمُ غَيْرِهِ فِيمَا مَرَّ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ. وَالطَّرِيقُ مَا جُعِلَ عِنْدَ إحْيَاءِ الْبَلَدِ أَوْ قَبْلَهُ طَرِيقًا أَوْ وَقَفَهُ الْمَالِكُ. وَلَوْ بِغَيْرِ إحْيَاءٍ كَذَلِكَ. وَصَرَّحَ فِي الرَّوْضَةِ نَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ فِي ذَلِكَ إلَى لَفْظٍ، قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَمَحَلُّهُ فِيمَا عَدَا مِلْكَهُ.
أَمَّا فِيهِ فَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يُصَيِّرُهُ بِهِ وَقْفًا عَلَى قَاعِدَةِ الْأَوْقَافِ انْتَهَى. وَهَذَا ظَاهِرٌ وَحَيْثُ وَجَدْنَا طَرِيقًا اعْتَمَدْنَا فِيهِ الظَّاهِرَ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَبْدَأِ جَعْلِهِ طَرِيقًا، فَإِنْ اخْتَلَفُوا عِنْدَ الْإِحْيَاءِ فِي تَقْدِيرِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: جُعِلَ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الطَّرِيقِ أَنْ يَجْعَلَ عَرْضَهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ» وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اعْتِبَارُ قَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ اهـ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ أَوْ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ عَلَى مَا مَرَّ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ، وَيَجُوزُ إحْيَاءُ مَا حَوْلَهُ مِنْ الْمَوَاتِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ بِالْمَارِّ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الطَّرِيقُ مَمْلُوكَةً يُسْلِيهَا مَالِكُهَا فَتَقْدِيرُهَا إلَى خِيرَتِهِ، وَالْأَفْضَلُ لَهُ تَوْسِيعُهَا.
وَيَحْرُمُ الصُّلْحُ عَلَى إشْرَاعِ الْجَنَاحِ، أَوْ السَّابَاطِ بِعِوَضٍ وَإِنْ صَالَحَ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيُمْنَعُونَ أَيْضًا) أَيْ الْكُفَّارُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ آبَارِ حُشُوشِهِمْ) أَيْ مِنْ حَفْرِ آبَارِ حُشُوشِهِمْ، جَمْعُ بِئْرٍ وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَنْزِلُ فِيهِ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَهِيَ الْحَاصِلُ الَّذِي تَحْتَ بَيْتِ الرَّاحَةِ الْمُسَمَّى الْآنَ بِالْقَصَبَةِ. وَقَوْلُهُ " حُشُوشُهُمْ " هِيَ بُيُوتُ الْأَخْلِيَةِ ق ل.
قَوْلُهُ: (دُورِهِمْ) أَيْ الْمُسْلِمِينَ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، أج؛ لَكِنْ فِي سم عَلَى حَجّ: الْمُرَادُ دُورُهُمْ الَّتِي بَيْنَ دُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْهِ فَالضَّمِيرُ لِلْكُفَّارِ، وَكُلٌّ صَحِيحٌ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَالْفِنَاءُ مَا حَوْلَ الدَّارِ، فَالْمُرَادُ بِالْأَفْنِيَةِ مَا قُدَّامُ دُورِ الْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: (الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ) بِأَنْ لَا يُسَاكِنَهُمْ فِيهَا مُسْلِمٌ، ق ل عَلَى الْمَحَلِّيِّ. قَوْلُهُ: (كَمَا فِي رَفْعِ الْبِنَاءِ) أَيْ ابْتِدَاءً، أَمَّا الدَّوَامُ فَيُغْتَفَرُ كَأَنْ اشْتَرَى دَارَ مُسْلِمٍ عَالِيَةً فَيَجُوزُ إبْقَاؤُهَا لِأَنَّهَا وُضِعَتْ بِحَقٍّ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَنَاهَا عَالِيَةً ثُمَّ اشْتَرَاهَا الْمُسْلِمُ فَتُهْدَمُ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَوْ أَسْلَمَ هُوَ هَلْ تَبْقَى أَوْ لَا؟ الرَّاجِحُ لَا تَبْقَى، وَاعْتَمَدَ م ر أَنَّهَا تَبْقَى تَرْغِيبًا لَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَهَذَا حُكْمُ الرَّوْشَنِ لِلْكَافِرِ، أَمَّا فَتْحُ الْبَابِ لِلْكَافِرِ فَإِنْ كَانَ الطَّرِيقُ غَيْرَ نَافِذٍ وَفِيهِ مَسْجِدٌ قَدِيمٌ أَوْ نَافِذٌ جَازَ فَتْحُ الْبَابِ لَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الدَّرْبُ مُشْتَرَكًا وَلَيْسَ فِيهِ مَسْجِدٌ قَدِيمٌ جَازَ فَتْحُ الْبَابِ أَيْضًا بِشَرْطِ عَدَمِ الضَّرَرِ وَالْإِذْنِ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَشَرْطُهُ عَدَمُ الضَّرَرِ فَقَطْ، وَيَجُوزُ فِي هَذَا الثَّانِي أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى الْفَتْحِ دُونَ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: (وَحُكْمُ الشَّارِعِ الْمَوْقُوفِ) مُرْتَبِطٌ بِالْمَتْنِ وَالْمَوْقُوفُ ظَاهِرٌ. وَغَيْرُ الْمَوْقُوفِ هُوَ الَّذِي جُعِلَ عِنْدَ إحْيَاءِ الْبَلَدِ طَرِيقًا.
قَوْلُهُ: (فِيمَا مَرَّ) أَيْ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ: وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ.
قَوْلُهُ: (فِيمَا عَدَا مِلْكَهُ) وَهُوَ الْمَوَاتُ؛ لِأَنَّهُ يَكْفِي فِي الْوَقْفِ فِيهِ النِّيَّةُ وَلَوْ لِمَسْجِدٍ أَوْ نَحْوِهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (اعْتَمَدْنَا فِيهِ الظَّاهِرَ) أَيْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ كَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، فَلَا يُوَسَّعُ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا. وَقَوْلُهُ " وَلَا يُلْتَفَتُ إلَخْ " أَيْ لَا يُنْظَرُ لِأَصْلِ وَضْعِهِ وَلَا يُبْحَثُ عَنْهُ بِكَوْنِهِ مَوَاتًا فِي الْأَصْلِ فَتَكُونُ الطَّرِيقُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ أَوْ قَدْرَ الْحَاجَةِ،. اهـ. شَيْخُنَا عَشْمَاوِيٌّ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ اخْتَلَفُوا) أَيْ الْمُشْتَرِكُونَ فِي الْإِحْيَاءِ مَثَلًا، وَهُوَ مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: ثُمَّ إنْ اتَّفَقُوا فَهُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ اخْتَلَفُوا، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُمْ لَوْ اتَّفَقُوا عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَازَ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَحْمُولٌ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَا مَرَّ) أَيْ مِنْ الْخِلَافِ فِي قَدْرِ الطَّرِيقِ الْمُتَقَدِّمِ قَرِيبًا فِي كَوْنِهَا سَبْعَةَ أَذْرُعٍ أَوْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَإِنْ قَلَّ) أَيْ الشَّيْءُ، أَمَّا مِنْ تُرَابِهِ فَيَجُوزُ مَعَ الْكَرَاهَةِ بِخِلَافِ تُرَابِ السُّورِ فَيَحْرُمُ؛ لِأَنَّ شَأْنَ أَخْذِ تُرَابِ السُّورِ أَنْ يَضُرَّ بِخِلَافِ تُرَابِ الطَّرِيقِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ تُرَابِ الْخَلِيجِ بِخِلَافِ طِينِ الْبِرَكِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ الْمَمْلُوكَةِ إلَّا بِإِذْنِ أَصْحَابِهَا أَوْ ظَنِّ رِضَاهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الطَّرِيقُ مَمْلُوكَةً) هَذَا مُقَابِلُ قَوْلِهِ " فَإِنْ اخْتَلَفُوا عِنْدَ الْإِحْيَاءِ فِي تَقْدِيرِهِ إلَخْ "
стр. 1045
الْإِمَامَ لِأَنَّ الْهَوَاءَ لَا يُفْرَدُ بِالْعَقْدِ. وَيَحْرُمُ أَنْ يُبْنَى فِي الطَّرِيقِ دِكَّةٌ أَوْ غَيْرُهَا أَوْ يُغْرَسُ فِيهَا شَجَرَةٌ. وَلَوْ اتَّسَعَ الطَّرِيقُ وَأَذِنَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَيَحْرُمُ الصُّلْحُ عَلَى إشْرَاعِ الْجَنَاحِ أَوْ السَّابَاطِ بِعِوَضٍ) هَذَا ظَاهِرٌ فِي الرَّوْشَنِ، وَكَذَا السَّابَاطُ إذَا كَانَ الْعِوَضُ عَلَى أَصْلِ إخْرَاجِهِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْجِدَارِ فَلَهُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَى وَضْعِ الْخَشَبِ عَلَى جِدَارِهِ. وَهَذَا عَامٌّ سَوَاءٌ كَانَ الرَّوْشَنُ فِي نَافِذٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا الصُّلْحُ عَلَى فَتْحِ الْبَابِ بِعِوَضٍ فَجَائِزٌ فِي غَيْرِ النَّافِذِ دُونَ النَّافِذِ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ.
قَوْلُهُ: (الْإِمَامَ) مَفْعُولٌ، أَيْ صَالَحَ مُخْرِجُهُ الْإِمَامَ.
قَوْلُهُ: (دَكَّةٌ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ الَّذِي يُجْلَسُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمِسْطَبَةُ م ر، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَسَاطِبُ الَّتِي تُفْعَلُ فِي تُجَاهِ الصَّهَارِيجِ الزَّائِدَةِ عَلَى الْحَاجَةِ فِي شَوَارِعِ مِصْرِنَا فَتَنَبَّهْ لَهُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمِثْلُهَا مَا يُجْعَلُ بِالْجِدَارِ الْمُسَمَّى بِالدِّعَامَةِ إلَّا إنْ اُضْطُرَّ إلَيْهِ لِخَلَلِ بِنَائِهِ وَلَمْ يَضُرَّ الْمَارَّةَ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ ع ش عَلَى م ر. وَأَمَّا التَّكَّةُ بِالتَّاءِ الْفَوْقِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ فَهِيَ مَا تُوضَعُ فِي السَّرَاوِيلِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرُهَا) كَدِعَامَةٍ لِجِدَارِهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الدَّكَّةِ وَنَحْوِهَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ كَانَتْ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا غَرْسُ الشَّجَرَةِ وَحَفْرُ الْبِئْرِ، فَإِنْ كَانَتْ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ تَضُرَّ بِالْمَارَّةِ جَازَ وَإِلَّا امْتَنَعَ وَغَرْسُ الشَّجَرَةِ وَحَفْرُ الْبِئْرِ فِي نَحْوِ الْمَسْجِدِ كَذَلِكَ ق ل. قَالَ حَجّ: لَوْ جَعَلَ الدَّكَّةَ لِلصَّلَاةِ وَلَا ضَرَرَ بِوَجْهٍ جَازَتْ، وَقَالَ: إنَّ الْبِئْرَ فِيهِ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ جَائِزَةٌ بِخِلَافِ الشَّجَرَةِ وَفُرِّقَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَاجَةَ لِلْمَاءِ آكَدُ سم. وَتَلَخَّصَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الْمَنْعُ مِنْ الشَّجَرَةِ وَالدَّكَّةِ مُطْلَقًا فِي الشَّارِعِ وَلَوْ بِإِذْنِ الْإِمَامِ اتَّسَعَ أَمْ لَا مَا لَمْ يَقِفْهَا مَسْجِدًا. اهـ. ز ي. وَجَازَ حَفْرُ الْبِئْرِ فِيهِ وَلَوْ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ حَيْثُ لَا ضَرَرَ اهـ أج. وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَفْرُ الْبِئْرِ فِيهِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ أَنْ تَكُونَ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ لَا يَحْصُلَ بِهَا ضَرَرٌ لِلْمَارَّةِ، فَإِذَا قَصَدَ نَفْسُهُ بِالْغَرْسِ كَانَ مُتَعَدِّيًا فَيَقْلَعُ مَجَّانًا وَتَلْزَمُهُ أُجْرَتُهُ مُدَّةَ الْغَرْسِ لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ، كَمَا لَوْ وَضَعَ فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ وَضْعُهُ فِيهِ أَيْ كَالْخَزَائِنِ وَكَالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ مِنْ تَوَابِعِهِ كَفَسْقِيَّتِه وَحَرِيمِهِ؛ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ عُلِمَ مَا ذُكِرَ فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ كَأَنْ وَجَدْنَا شَجَرًا فِيهِ وَلَمْ نَعْلَمْ مَا قَصَدَ بِهِ وَاضِعُهُ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْتَفِعُونَ بِثَمَرِهِ وَمَا بَقِيَ بَعْدَ الثَّمَرِ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِقَطْعِهِ مِنْ نَحْوِ جَرِيدٍ فَإِنَّهُ يَكُونُ لِمَصَالِحِ الْمَسْجِدِ. اهـ. ع ش.
تَنْبِيهٌ: عُلِمَ مِنْ هَذَا حُرْمَةُ وَضْعِ الْخَزَائِنِ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ أَوْ لِعُمُومِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا ضَرَرَ، وَيَلْزَمُ الْوَاضِعَ الْأُجْرَةُ حَيْثُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْوَضْعُ. وَعِبَارَةُ الْمُنَاوِيِّ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ: وَيَجُوزُ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ فِي الشَّارِعِ إنْ لَمْ يَضُرَّ بِالْمَارَّةِ، فَلَوْ تَعَثَّرَ بِهِ إنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ أَوْ سَقَطَ نَحْوُ جِدَارِهِ أَوْ عَمُودِهِ أَوْ قِنْدِيلِهِ عَلَى شَيْءٍ فَأَتْلَفَهُ فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ بَنَى بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ اهـ. وَيُكْرَهُ غَرْسُ الشَّجَرِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ. قُلْت: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْمَسْجِدِ أَوْ بِالْمُصَلِّينَ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهَا نَفْسَهُ وَإِلَّا حَرُمَ، فَإِنْ غَرَسَ قَلَعَ وَالْقَالِعُ لَهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ دُونَ الْآحَادِ سَوَاءٌ حَرُمَ غَرْسُهُ أَوْ كُرِهَ لِأَنَّ لَهُ إزَالَةَ الْمَكْرُوهِ نَعَمْ مَا غُرِسَ لِيَكُونَ لِلْمَسْجِدِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمَسْجِدِ؛ قَالَهُ الْقَاضِي، وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ لَهُ ثَمَرٌ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَسْجِدُ وَإِلَّا قُلِعَ. وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ وُجُوبُ رِعَايَةِ الْأَصْلَحِ مِنْ الْإِبْقَاءِ أَوْ الْقَلْعِ، وَثَمَرَةُ مَا اسْتَحَقَّ الْقَلْعَ وَغَيْرَهُ إنْ غُرِسَ لِلْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ أَكْلُهَا إلَّا بِعِوَضٍ يَصْرِفُهُ فِي مَصَالِحِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسَبَّلًا لِلْأَكْلِ أَوْ جُهِلَ قَصْدُ الْغَارِسِ جَازَ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَمِثْلُهَا ثَمَرَةُ مَا فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ وَكَجَهْلِ قَصْدِهِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَصْدٌ، وَمِثْلُهُ مَا إذَا نَبَتَتْ فِيهِ بِنَفْسِهَا؛ مَدَابِغِيٌّ. قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ عَلَى الْمَنْهَجِ: وَلَوْ حَصَلَتْ أَغْصَانُ شَجَرَةٍ فِي هَوَاءٍ مِلْكِ غَيْرِهِ لَزِمَهُ إزَالَةُ الْأَغْصَانِ إلَّا أَنْ يَرْضَى صَاحِبُ الْمِلْكِ بِتَرْكِهَا، فَإِنْ طَالَبَهُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ فَلَهُ تَحْوِيلُ الْأَغْصَانِ عَنْ مِلْكِهِ بِتَلْيِينٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلَهُ قَطْعُهَا وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنِ الْقَاضِي عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى إبْقَائِهَا بِعِوَضٍ، فَإِنْ لَمْ يُسْنَدْ الْغُصْنُ إلَى شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ اسْتَنَدَ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْجَفَافِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ يَزِيدُ انْتِشَارُ الْعُرُوقِ لِانْتِشَارِ الْأَغْصَانِ، وَكَذَلِكَ مَيْلُ الْجِدَارِ وَمِنْهُ مَيْلُ جِدَارِ بَعْضِ أَهْلِ السِّكَّةِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَيْهَا فَلِغَيْرِ مَالِكِ الْجِدَارِ هَدْمُهُ وَإِنْ كَانَتْ السِّكَّةُ مُشْتَرِكَةً بَيْنَ مَالِكِ الْجِدَارِ وَبَيْنَ الْهَادِمِ.
стр. 1046
الْإِمَامُ وَانْتَفَى الضَّرَرُ لِمَنْعِ الطُّرُوقِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ، وَلِتَعَثُّرِ الْمَارِّ بِهِمَا عِنْدَ الِازْدِحَامِ، وَلِأَنَّهُ إذَا طَالَتْ الْمُدَّةُ أَشْبَهَ مَوْضِعُهَا الْأَمْلَاكَ وَانْقَطَعَ أَثَرُ اسْتِحْقَاقِ الطَّرِيقِ فِيهِ بِخِلَافِ الْأَجْنِحَةِ وَنَحْوِهَا.
(وَلَا يَجُوزُ) إخْرَاجُ رَوْشَنٍ (فِي الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ) وَهُوَ غَيْرُ النَّافِذِ الْخَالِي عَنْ نَحْوِ مَسْجِدٍ كَرِبَاطٍ وَبِئْرٍ مَوْقُوفَيْنِ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ لِغَيْرِ أَهْلِهِ وَلِبَعْضِهِمْ (إلَّا بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ) كُلِّهِمْ فِي الْأُولَى وَمِنْ بَاقِيهِمْ مِمَّنْ بَابُهُ أَبْعَدُ عَنْ رَأْسِهِ مِنْ مَحَلِّ الْمَخْرَجِ، أَوْ مُقَابِلُهُ فِي الثَّانِيَةِ. فَلَوْ أَرَادُوا الرُّجُوعَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ بِالْإِذْنِ قَالَ فِي الْمَطْلَبِ. فَيُشْبِهُ مَنْعَ قَلْعِهِ لِأَنَّهُ وَضْعٌ بِحَقٍّ، وَمَنْعَ إبْقَائِهِ بِأُجْرَةٍ لِأَنَّ الْهَوَاءَ لَا أُجْرَةَ لَهُ، وَيُعْتَبَرُ إذْنُ الْمُكْتَرِي إنْ تَضَرَّرَ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ. وَأَهْلُ غَيْرِ النَّافِذِ مَنْ نَفَذَ بَابُهُ إلَيْهِ لَا مَنْ لَاصَقَ جِدَارُهُ مِنْ غَيْرِ نُفُوذِ بَابٍ إلَيْهِ، وَتَخْتَصُّ شَرِكَةُ كُلٍّ مِنْهُمْ بِمَا بَيْنَ بَابِهِ وَرَأْسِ غَيْرِ النَّافِذِ لِأَنَّهُ مَحَلُّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَلَوْ اتَّسَعَ الطَّرِيقُ) الْغَايَةُ لِلرَّدِّ. قَوْلُهُ: (وَلِتَعَثُّرِ الْمَارِّ بِهِمَا) أَيْ بِالْمَبْنِيِّ وَالْمَغْرُوسِ.
قَوْلُهُ: (اسْتِحْقَاقِ الطَّرِيقِ) أَيْ اسْتِحْقَاقِ طُرُوقِ الطَّرِيقِ. وَعِبَارَةُ م ر: اسْتِحْقَاقِ الطُّرُوقِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَنَحْوِهَا) كَالسَّابَاطِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ) أَيْ يَحْرُمُ وَيُمْنَعُ مِنْهُ ق ل قَوْلُهُ: (إخْرَاجُ رَوْشَنٍ) لَوْ قَالَ الرَّوْشَنَ لَكَانَ أَوْلَى ق ل.
قَوْلُهُ: (الْخَالِي عَنْ نَحْوِ مَسْجِدٍ) أَيْ قَدِيمٍ. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ وَنَحْوُهُ قَدِيمًا اُشْتُرِطَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مَسْجِدًا أَصْلًا أَوْ كَانَ حَادِثًا بَعْدَ جَعْلِهِ دَرْبًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ زِيَادَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَحُكْمُ فَتْحِ الْبَابِ فِيهِ أَنَّهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ يَجُوزُ فَتْحُ الْبَابِ بِشَرْطِ عَدَمِ الضَّرَرِ، وَفِي الثَّانِي بِشَرْطِ عَدَمِ الضَّرَرِ وَالْإِذْنِ. وَلَا فَرْقَ فِي الْبَابِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، بِخِلَافِ الرَّوْشَنِ فَخَاصٌّ جَوَازُهُ بِالْمُسْلِمِ كَمَا مَرَّ. وَقَالَ سم عَلَى الْمَنْهَجِ: حَاصِلُ مَا قَرَّرَهُ الرَّمْلِيُّ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ قَدِيمًا اُشْتُرِطَ أَمْرٌ وَاحِدٌ لِجَوَازِ الْإِشْرَاعِ وَهُوَ عَدَمُ الضَّرَرِ لِلْمَارَّةِ، أَوْ حَادِثًا اُشْتُرِطَ أَمْرَانِ عَدَمُ الضَّرَرِ وَرِضَا أَهْلِ السِّكَّةِ؛ وَأَمَّا الْمُرُورُ فَهُوَ جَائِزٌ كَمَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ يَجْرِي فِي فَتْحِ الْبَابِ وَالدَّارِ وَالرِّبَاطِ الْمَوْقُوفَيْنِ عَلَى مُعَيَّنٍ.
قَوْلُهُ: (لِغَيْرِ أَهْلِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِلَا يَجُوزُ. قَوْلُهُ: (إلَّا بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ) الْمُرَادُ بِهِمْ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي مَحَلِّ الْإِشْرَاعِ.
قَوْلُهُ: (كُلِّهِمْ فِي الْأَوْلَى) وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الْمُخْرِجُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ بَابُهُ أَقْرَبُ إلَى رَأْسِ الدَّرْبِ أَيْ أَوَّلِهِ؛ مَرْحُومِيٌّ. وَقَدْ تَبِعَ الشَّارِحُ فِي ذَلِكَ الْمَنْهَجِ. وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ وَالشَّوْبَرِيُّ أَنَّ الْأَوْلَى كَالثَّانِيَةِ فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إلَّا إذْنُ الْمُقَابِلِ وَاَلَّذِي يَمُرُّ تَحْتَهُ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ إذْنُ مَنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْمُرُورِ تَحْتَ الرَّوْشَنِ أَوْ بَابُهُ مُقَابِلُهُ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرِجُ مِنْ أَهْلِ الدَّرْبِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَيْ لِأَنَّ شَرِكَةَ كُلٍّ مِنْهُمْ تَخْتَصُّ بِمَا بَيْنَ دَارِهِ وَرَأْسِ غَيْرِ النَّافِذِ كَمَا سَيَأْتِي، فَيَكُونُ الْخَارِجُونَ عَنْ الْجَنَاحِ لَا حَقَّ لَهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ بَاقِيهِمْ) الْمُنَاسِبُ حَذْفُ " مِنْ ". وَقَوْلُهُ: " عَنْ رَأْسِهِ " الْمُرَادُ بِرَأْسِهِ أَوَّلُهُ الَّذِي فِيهِ الْبَوَّابَةُ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَحَلِّ الْمُخْرِجِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " أَبْعَدُ ". قَوْلُهُ: (أَوْ مُقَابِلُهُ) أَيْ أَوْ بَابُهُ مُقَابِلٌ مَحَلَّ الْمُخْرِجِ. قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَرَادُوا الرُّجُوعَ إلَخْ) حَاصِلُ الْمَسْأَلَةِ الرُّجُوعُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُخْرِجُ لِلرَّوْشَنِ مِنْ الشُّرَكَاءِ امْتَنَعَ الرُّجُوعُ وَإِبْقَاؤُهُ بِأُجْرَةٍ بَلْ يَبْقَى مَجَّانًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الشُّرَكَاءِ جَازَ الرُّجُوعُ وَيَغْرَمُونَ أَرْشَ النَّقْصِ. وَأَمَّا الرُّجُوعُ فِي فَتْحِ الْبَابِ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، أَيْ وَكَانَ فَتْحُ الْبَابِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ وَإِلَّا فَلَا رُجُوعَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الرَّوْشَنِ وَالْبَابِ أَنَّ الرَّوْشَنَ شَأْنُهُ عَدَمُ الضَّرَرِ، فَلَمَّا أَذِنُوا لَهُ وَوَرَّطُوهُ غَرِمُوا عِنْدَ الرُّجُوعِ لِتَقْصِيرِهِمْ. وَأَمَّا الْبَابُ فَشَأْنُهُ الضَّرَرُ فَإِذَا رَجَعُوا كَانُوا مَعْذُورِينَ، فَيُحْمَلُ رُجُوعُهُمْ عَلَى الْعُذْرِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ سَوَاءٌ كَانَ الْفَاتِحُ مِنْ الشُّرَكَاءِ أَوْ لَا، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ الْإِخْرَاجِ) هُوَ قَيْدٌ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَهُمْ الرُّجُوعُ وَيُمْنَعُ مِنْ الْإِخْرَاجِ ع ش.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْهَوَاءَ إلَخْ) أَيْ فَيَبْقَى بِلَا مُقَابِلٍ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَيُعْتَبَرُ إذْنُ الْمُكْتَرِي إلَخْ) وَمِثْلُهُ الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ شَرْحُ م ر. وَيُعْتَبَرُ إذْنُ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُعِيرِ لَا الْمُسْتَعِيرِ وَيُعْتَبَرُ إذْنُ غَيْرِ الْكَامِلِ بِنَحْوِ صِبَا بَعْدَ كَمَالِهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (مَنْ نَفَذَ بَابُهُ إلَخْ) قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَالْمُرَادُ مَنْ لَهُ الْمُرُورُ فِيهِ إلَى مِلْكِهِ مِنْ دَارٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ فُرْنٍ أَوْ حَانُوتٍ، شَرْحُ م ر أج.
قَوْلُهُ: (لَا مَنْ لَاصَقَ) أَيْ الدَّرْبُ جِدَارَهُ، وَيَصِحُّ رَفْعُ الْجِدَارِ أَيْ لَاصَقَ جِدَارَهُ
стр. 1047
تَرَدُّدِهِ.
(وَيَجُوزُ) لِمَنْ لَهُ بَابٌ (تَقْدِيمُ الْبَابِ) بِغَيْرِ إذْنِ بَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ (فِي الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ) إذَا سَدَّ الْبَابَ الْقَدِيمَ لِأَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ حَقِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَسُدَّهُ فَلِشُرَكَائِهِ مَنْعُهُ لِأَنَّ انْضِمَامَ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ يُورِثُ زَحْمَةً، وَوُقُوفُ الدَّوَابِّ فِي الدَّرْبِ فَيَتَضَرَّرُونَ بِهِ. وَلَوْ كَانَ بَابُهُ آخِرَ الدَّرْبِ فَأَرَادَ تَقْدِيمَهُ وَجَعَلَ الْبَاقِيَ دِهْلِيزًا لِدَارِهِ جَازَ (وَلَا يَجُوزُ) لِمَنْ لَهُ بَابٌ فِي رَأْسِ الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ (تَأْخِيرُهُ) أَيْ الْبَابِ الْجَدِيدِ إلَى أَسْفَلِ الدَّرْبِ سَوَاءٌ أَقَرُبَ مِنْ الْقَدِيمِ أَمْ بَعُدَ عَنْهُ، وَسَوَاءٌ أَسَدَّ الْأَوَّلَ أَمْ لَا (إلَّا بِإِذْنٍ) مِمَّنْ تَأَخَّرَ بَابُ دَارِهِ (مِنْ الشُّرَكَاءِ) عَنْ بَابِ دَارِ الْمُرِيدِ لِذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَقَّ فِي زِيَادَةِ الِاسْتِطْرَاقِ لِمَنْ تَأَخَّرَ دَارُهُ فَجَازَ لَهُ إسْقَاطُهُ بِخِلَافِ مَنْ بَابُهُ بَيْنَ الْمَفْتُوحِ وَرَأْسِ الدَّرْبِ، أَوْ مُقَابِلٌ لِلْمَفْتُوحِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْإِمَامِ أَيْ الْمَفْتُوحُ الْقَدِيمُ كَمَا فَهِمَهُ السُّبْكِيُّ وَغَيْرُهُ. وَفَهِمَ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهُ الْجَدِيدُ فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُقَابِلَ لِلْمَفْتُوحِ مُشَارِكٌ فِي الْقَدْرِ الْمَفْتُوحِ فِيهِ، فَلَهُ الْمَنْعُ. وَخَرَجَ بِالْخَالِي عَنْ نَحْوِ مَسْجِدٍ مَا لَوْ كَانَ بِهِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْرَاجُ بِقَيْدِهِ السَّابِقِ عِنْدَ الْإِضْرَارِ وَإِنْ أَذِنَ الْبَاقُونَ، وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ بِمَالٍ عَلَى إخْرَاجِ جَنَاحٍ أَوْ فَتْحِ بَابٍ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الِاسْتِطْرَاقِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
تَتِمَّةٌ: يَجُوزُ لِمَنْ لَاصَقَ جِدَارُهُ الدَّرْبَ الْمَسْدُودَ أَنْ يَفْتَحَ فِيهِ بَابًا لِاسْتِضَاءَةٍ وَغَيْرِهَا، سَوَاءٌ أَسْمَرَهُ أَمْ لَا، لِأَنَّ لَهُ رَفْعَ الْجِدَارِ فَبَعْضُهُ أَوْلَى لَا فَتْحُهُ لِتَطَرُّقٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ لِتَضَرُّرِهِمْ بِمُرُورِ الْفَاتِحِ أَوْ بِمُرُورِهِمْ عَلَيْهِ. وَلَهُمْ بَعْدَ الْفَتْحِ بِإِذْنِهِمْ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءُوا وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ، وَلِلْمَالِكِ فَتْحُ الطَّاقَاتِ لِاسْتِضَاءَةٍ وَغَيْرِهَا، بَلْ لَهُ " إزَالَةُ بَعْضِ الْجِدَارِ وَجَعْلُ شِبَاكٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الدَّرْبَ
قَوْلُهُ: (تَقْدِيمُ الْبَابِ) أَيْ لِجِهَةِ رَأْسِ الدَّرْبِ. قَوْلُهُ: (إذَا سَدَّ الْبَابَ الْقَدِيمَ) بِمَعْنَى عَدَمِ اسْتِطْرَاقِهِ مِنْهُ وَلَوْ بِتَسْمِيرِهِ ق ل.
قَوْلُهُ: (بَيْنَ الْمَفْتُوحِ) أَيْ الْقَدِيمِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (فَاعْتَرَضَ) أَيْ الْبُلْقِينِيُّ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى النَّوَوِيِّ فِي الرَّوْضَةِ النَّاقِلِ عَنْ الْإِمَامِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْإِمَامِ. وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مَدْفُوعٌ لِأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى فَهْمٍ سَقِيمٍ. قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْخَالِي عَنْ نَحْوِ مَسْجِدٍ إلَخْ) نَعَمْ لَيْسَ ذَلِكَ عَامًّا فِي كُلِّهِ بَلْ مِنْ رَأْسِ الدَّرْبِ إلَى نَحْوِ الْمَسْجِدِ اهـ ابْنُ حَجَرٍ مَرْحُومِيٌّ. وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُقَدِّمَهُ عَلَى فَتْحِ الْبَابِ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ عَلَى الرَّوْشَنِ لَا عَلَى فَتْحِ الْبَابِ. قَوْلُهُ: (بِقَيْدِهِ السَّابِقِ) أَيْ مِنْ كَوْنِ الْبَابِ أَبْعَدَ عَنْ رَأْسِ الدَّرْبِ أَوْ أَقْرَبَ مَعَ التَّطَرُّقِ مِنْ الْقَدِيمِ، كَذَا قَالَهُ الْمَرْحُومِيُّ. وَهَذَا لَا يَظْهَرُ لِأَنَّ الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ فِي فَتْحِ الْبَابِ لَا فِي إخْرَاجِ الرَّوْشَنِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: فَلَا يَجُوزُ الْإِخْرَاجُ وَلَا الْفَتْحُ بِقَيْدِهِ السَّابِقِ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ مُعْتَبَرٌ فِيهِ، فَكَلَامُ الْمَرْحُومِيِّ لَا يَظْهَرُ إلَّا لَوْ زَادَ الشَّارِحُ الْفَتْحَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ؛ فَلَعَلَّهُ سَقْطٌ مِنْ قَلَمِ النَّاسِخِ. وَوُجِدَ بِخَطِّ الْمَيْدَانِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَيْدِ السَّابِقِ كَوْنُ الْمُخْرِجِ مُسْلِمًا. وَقَوْلُهُ بِقَيْدِهِ السَّابِقِ فِيهِ أَنَّ قَيْدَهُ السَّابِقَ الْإِضْرَارُ. قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْإِضْرَارِ) قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: وَمَفْهُومُهُ جَوَازُ الْإِشْرَاعِ الَّذِي لَا يَضُرُّ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ أَهْلُهَا، وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَسْجِدُ حَادِثًا وَإِلَّا فَإِنْ رَضِيَ بِهِ أَهْلُهَا فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَهُمْ الْمَنْعُ مِنْ الْإِشْرَاعِ إذْ لَيْسَ لِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ إبْطَالُ حَقِّ الْبَقِيَّةِ مِنْ ذَلِكَ،. اهـ. مَرْحُومِيٌّ. وَعِبَارَةُ ق ل: نَعَمْ إنْ كَانَ فِيهِ مَسْجِدٌ أَوْ نَحْوُ بِئْرٍ مَوْقُوفٍ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ نَحْوُ حَمَّامٍ فَكَالشَّارِعِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْقُوفِ بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ الْمَارَّ، أَيْ إضْرَارًا بَيِّنًا مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى إخْرَاجِ جَنَاحٍ إلَخْ) أَيْ فِي الدَّرْبِ الْمَسْدُودِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى نَحْوِ مَسْجِدٍ، فَهَذَا غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ إذْ ذَاكَ فِي الطَّرِيقِ النَّافِذِ فَلَا تَكْرَارَ.
قَوْلُهُ: (فَبَعْضُهُ أَوْلَى) أَيْ فَرَفْعُ بَعْضِهِ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (لَا فَتْحَهُ لِتَطَرُّقٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ) أَيْ إذْنِ الْجَمِيعِ، أَخْذًا مِنْ تَعْلِيلِهِ لِأَنَّ الدَّاخِلِينَ يَتَضَرَّرُونَ بِمُرُورِهِمْ عَلَيْهِ وَالْخَارِجِينَ يَتَضَرَّرُونَ بِمُرُورِهِ عَلَيْهِمْ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِمْ) عَزَاهُ فِي م ر لِلْإِمَامِ، وَعِبَارَتُهُ: قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَغْرَمُونَ شَيْئًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعَارَ أَرْضًا لِبِنَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ حَيْثُ لَا يُقْلَعُ مَجَّانًا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْفَرْقِ. وَفَرَّقَ فِي الْمَطْلَبِ بِأَنَّهُ هُنَا بَنَى فِي مِلْكِهِ وَالْمَبْنَى بَاقٍ بِحَالِهِ لَا يَزَالُ فَلَا غُرْمَ، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ الْمُعِيرَ يَقْلَعُ فَغَرِمَ أَرْشَ النَّقْصِ. وَأَوْضَحَهُ الشَّيْخُ بِأَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ
стр. 1048
مَكَانَهُ وَفَتْحُ بَابٍ بَيْنَ دَارَيْهِ، وَإِنْ كَانَتَا تُفْتَحَانِ إلَى دَرْبَيْنِ أَوْ دَرْبٍ وَشَارِعٍ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مُصَادِفٌ لِلْمِلْكِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَزَالَ الْحَائِطَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَهُمَا دَارًا وَاحِدَةً وَتَرَكَ بَابَيْهِمَا بِحَالِهِمَا. وَلَوْ تَنَازَعَا جِدَارًا أَوْ سَقْفًا بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ بَنَى مَعَ بِنَاءِ أَحَدِهِمَا فَلَهُ الْيَدُ لِظُهُورِ أَمَارَةِ الْمِلْكِ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَلَهُمَا الْيَدُ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ لَهُ أَوْ حَلَفَ وَنَكَلَ الْآخَرُ قَضَى لَهُ بِهِ وَإِلَّا جَعَلَ بَيْنَهُمَا لِظَاهِرِ الْيَدِ فَيَنْتَفِعُ بِهِ كُلٌّ مِمَّا يَلِيهِ.
فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِ
وَهِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا لُغَةً التَّحَوُّلُ وَالِانْتِقَالُ وَشَرْعًا عَقْدٌ يَقْتَضِي نَقْلَ دَيْنٍ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الرُّجُوعَ هُنَاكَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْقَلْعُ وَهُوَ خَسَارَةٌ فَلَمْ يَجُزْ الرُّجُوعُ مَجَّانًا، بِخِلَافِهِ هُنَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خَسَارَةٌ لِعَدَمِ اقْتِضَائِهِ لُزُومَ سَدِّ الْبَابِ، وَخَسَارَةُ فَتْحِهِ إنَّمَا تَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِذْنِ لَا عَلَى الرُّجُوعِ مَعَ أَنَّ فَتْحَهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِذْنِ وَإِنَّمَا الْمُتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِاسْتِطْرَاقُ؛ اهـ بِحُرُوفِهِ. قَوْلُهُ: (فَتْحُ الطَّاقَاتِ) وَلَوْ كَانَ يُشْرِفُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَرِيمِ جَارِهِ لِتَمَكُّنِ الْجَارِ مِنْ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ بِبِنَاءِ سُتْرَةٍ أَمَامَ الْكُوَّةِ وَإِنْ تَضَرَّرَ صَاحِبُهَا بِمَنْعِ الضَّوْءِ مِنْهَا أَوْ النَّظَرِ؛ وَلِأَنَّ صَاحِبَهَا لَوْ أَرَادَ رَفْعَ جَمِيعِ الْحَائِطِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا بَابٌ يُقْفَلُ عَلَيْهَا أَوْ لَهَا وَكَانَ فِي دَاخِلِ مِلْكِهِ، أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا بَابٌ وَيُفْتَحُ لِهَوَاءِ الطَّرِيقِ كَانَ حُكْمُهَا كَالرَّوْشَنِ فَيُمْنَعُ مِنْهَا لِأَنَّ شَرْطَ جَوَازِهِ عَدَمُ الضَّرَرِ وَهَذَا فِيهِ ضَرَرٌ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: أَمَّا إذَا كَانَ لَهَا غِطَاءٌ أَوْ شُبَّاكٌ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنْ الدَّرْبِ مُنِعَتْ، وَإِنْ كَانَ فَاتِحُهَا مِنْ أَهْلِهِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ اهـ. قَوْلُهُ: (بَيْنَ دَارَيْهِ) أَيْ فِي الْحَائِطِ الَّتِي بَيْنَ الدَّارَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ بَنَى مَعَ بِنَاءِ أَحَدِهِمَا) كَأَنْ دَخَلَ نِصْفُ لَبِنَاتِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي لَبِنَاتِ الْآخَرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْجِدَارِ. وَيُتَصَوَّرُ كَوْنُ السَّقْفِ بُنِيَ مَعَ بِنَاءِ أَحَدِهِمَا فِي الرُّبْعِ مَثَلًا، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمَالِكَيْنِ فِيهِ سَاكِنٌ فَوْقَ الْآخَرِ، فَالسَّقْفُ الَّذِي بَيْنَ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ إذَا كَانَ عَقْدًا يُحْكَمُ بِأَنَّهُ لِلْأَسْفَلِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ اتِّصَالًا بِبِنَائِهِ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
تَنْبِيهٌ: السَّقْفُ بَيْنَ عُلُوٍّ وَسُفْلٍ كَالْجِدَارِ الْمَذْكُورِ. وَفِي الرَّوْضِ: يَجُوزُ لِأَصْحَابِ الْعُلُوِّ وَضْعُ الْأَثْقَالِ الْمُعْتَادَةِ عَلَى السَّقْفِ الْمَمْلُوكِ لِلْآخَرِ أَوْ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَلِلْآخَرِ تَعْلِيقُ الْمُعْتَادِ بِهِ كَثَوْبٍ وَلَوْ بِوَتَدٍ يَدُقُّهُ فِيهِ اهـ. وَلِلْآخَرِ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ مَا يُرِيدُ فِي مِلْكِهِ، وَلَيْسَ لِلْأَعْلَى غَرْزُ وَتِدٍ فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا لَهُ وَحْدَهُ بِخِلَافِ الْأَسْفَلِ كَمَا مَرَّ نَظَرًا لِلْعَادَةِ فِي الِانْتِفَاعِ ق ل.
فَرْعٌ: مَا يَعْتَمِدُهُ الْمُهَنْدِسُونَ وَأَرْبَابُ الْبُنْيَانِ مِنْ وَضْعِ الْجُذُوعِ وَالطَّاقَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَقْضُونَ بِهِ لِلْجَارِ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ وَلَا يَثْبُتُ بِذَلِكَ الْمِلْكُ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى الْحُدُودِ وَالْجِهَاتِ. اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ الْيَدُ) لِظُهُورِ أَمَارَةِ الْمِلْكِ بِذَلِكَ فَيَحْلِفُ وَيُحْكَمُ لَهُ بِالْجِدَارِ أَوْ السَّقْفِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) بِأَنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَوْ حَلَفَ كُلٌّ لِلْآخَرِ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يُسَلَّمُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ادَّعَى الْجَمِيعَ أَوْ نَكَلَ كُلٌّ عَنْ الْيَمِينِ جُعِلَ بَيْنَهُمَا؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا يَلِيهِ) عَلَى الْعَادَةِ، وَيَبْقَى الْخَشَبُ الْمَوْجُودُ عَلَى الْجِدَارِ بِحَالِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وُضِعَ بِحَقٍّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا فِي صُورَتَيْنِ وَلِأَحَدِهِمَا فِي صُورَتَيْنِ، وَإِذَا تَأَمَّلْت وَجَدْته لِأَحَدِهِمَا فِي صُوَرٍ وَلَهُمَا فِي صُوَرٍ اهـ م د. وَهُوَ مَا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ بَنَى عَلَى بِنَائِهِ أَوْ حَلَفَ وَنَكَلَ الْآخَرُ أَوْ أَقَامَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُ لَهُ
[فَصْلٌ فِي الْحَوَالَةِ]
ِ ذَكَرَهَا بَعْدَ الصُّلْحِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ قَطْعُ النِّزَاعِ، وَهِيَ اسْمُ مَصْدَرٍ لِتَحَوَّلَ وَهِيَ رُخْصَةٌ جُوِّزَتْ لِلْحَاجَةِ كَمَا يَأْتِي.
стр. 1049
أُخْرَى وَتُطْلَقُ عَلَى انْتِقَالِهِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى أُخْرَى وَالْأَوَّلُ هُوَ غَالِبُ اسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ خَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» بِإِسْكَانِ التَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ فَلْيَحْتَلْ كَمَا رَوَاهُ هَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ وَيُسَنُّ قَبُولُهَا عَلَى مَلِيءٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ الْقِيَاسُ عَلَى سَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ وَيُعْتَبَرُ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَلِيءُ وَفِيًّا وَلَا شُبْهَةَ فِي مَالِهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ وَلِهَذَا لَمْ يُعْتَبَرْ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ وَإِنْ كَانَ الدَّيْنَانِ رِبَوِيَّيْنِ.
وَأَرْكَانُهَا سِتَّةٌ: مُحِيلٌ وَمُحْتَالٌ وَمُحَالٌ عَلَيْهِ وَدَيْنٌ لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ وَدَيْنٌ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَصِيغَةٌ، وَكُلُّهَا تُؤْخَذُ مِمَّا يَأْتِي وَإِنْ سُمِّيَ بَعْضُهَا شَرْطًا كَمَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَالِانْتِقَالُ) عَطْفُ تَفْسِيرٍ ع ش. قَوْلُهُ: (نَقْلٌ) الْمُنَاسِبُ لِمَا قَبْلَهُ وَلِمَا بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ انْتِقَالٌ. وَقَوْلُهُ " دَيْنٌ " أَيْ نَظِيرُهُ وَالْمُرَادُ أَنْ يَصِيرَ مِثْلَهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى انْتِقَالِهِ) أَيْ الْأَثَرُ النَّاشِئُ عَنْ الْعَقْدِ.
قَوْلُهُ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ» مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَالْمَحْذُوفُ هُوَ الْمَفْعُولُ وَالتَّقْدِيرُ: مَطْلُ الْمَدِينِ الْغَنِيِّ الدَّائِنَ فَقِيرًا كَانَ أَوْ غَنِيًّا، وَالْمُرَادُ بِهِ مَنْ قَدَرَ عَلَى وَفَاءِ الدَّيْنِ.
قَوْلُهُ: «ظُلْمٌ» أَيْ كَبِيرَةٌ مُفَسِّقٌ لِأَنَّ الْمَطْلَ كَمَا قَالَهُ م ر إطَالَةُ الْمُدَافَعَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ كَبِيرَةً إلَّا إذَا تَكَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ اهـ. وَإِذَا كَانَ دُونَ الثَّلَاثِ فَهُوَ صَغِيرَةٌ، خِلَافًا لحج الْقَائِلِ بِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ مُطْلَقًا. قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: وَكَثِيرًا مَا يَصْدُرُ مِنْ الْعَامَّةِ أَنْ يَقُولَ لَا أُوَفِّيهِ إلَّا بِالْحَاكِمِ، وَهُوَ حَرَامٌ وَإِنَّهُ أَعْظَمُ إثْمًا مِنْ الْمَطْلِ الْمُجَرَّدِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْطِيلِ الْمُدَّعِي بِانْطِلَاقِهِ عَلَى الْحَاكِمِ وَوُقُوفِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا يَغْرَمُهُ لِلْمُعِينِ عَلَى الْإِحْضَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: «عَلَى مَلِيءٍ» بِالْهَمْزِ مَأْخُوذٌ مِنْ الِامْتِلَاءِ يُقَالُ مَلُؤَ الرَّجُلُ بِضَمِّ اللَّامِ مَرْحُومِيٌّ وَعِبَارَةُ ع ش مَلِيءٌ بِالْهَمْزِ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ أَيْ مُوسِرٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْمَلَاءَةِ وَهِيَ الْيَسَارُ يُقَالُ مَلُؤَ الرَّجُلُ مَلَاءَةً كَظَرُفَ ظَرَافَةً خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الِامْتِلَاءِ؛ اهـ بِحُرُوفِهِ.
قَوْلُهُ: (بِإِسْكَانِ التَّاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ) وَتَشْدِيدِهَا فِي الثَّانِي، حَجّ.
قَوْلُهُ: (كَمَا رَوَاهُ هَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ) الَّذِي رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: «وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» كَذَا فِي شَرْحِ م ر، فَفِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّ رِوَايَتَهُ: «وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» . وَقَدْ يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ كَمَا رَوَاهُ هَكَذَا إلَخْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ «فَلْيَحْتَلْ» وَغَرَضُهُ بِذَلِكَ الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ وَخَيْرُ مَا فَسَّرْته بِالْوَارِدِ.
قَوْلُهُ: (وَصَرَفَهُ عَنْ الْوُجُوبِ إلَخْ) أَيْ فَقَدْ صَرَفَ الْقِيَاسُ النَّصَّ عَنْ ظَاهِرِهِ. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ خُرُوجَهَا عَنْ الْقِيَاسِ يَقْتَضِي فِيهَا عَدَمَ الْقِيَاسِ اهـ؛ لَكِنَّ الْجِهَةَ مُنْفَكَّةٌ فَلَا اعْتِرَاضَ، لِأَنَّ قِيَاسَهَا عَلَى الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْوُجُوبِ وَخُرُوجَهَا عَنْ الْقِيَاسِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وَقَوْلُهُ " عَنْ الْوُجُوبِ " أَيْ الَّذِي قَالَ بِهِ أَحْمَدُ، وَمَحِلُّ النَّدْبِ فِيمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِي مَالِهِ حَرَامًا وَيُكْرَهُ فِي الْمَشْكُوكِ فِيهِ، فَالنَّدْبُ لَهُ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ: أَنْ يَكُونَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيًّا وَفِيًّا وَلَا شُبْهَةَ فِي مَالِهِ.
قَوْلُهُ: (وَفِيًّا) أَيْ يُوَفِّي مِنْ غَيْرِ مَطْلٍ.
قَوْلُهُ: (وَلَا شُبْهَةَ فِي مَالِهِ) وَإِلَّا كُرِهَتْ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهَا بَيْعٌ) لَكِنْ لَا تَصِحُّ بِلَفْظِهِ وَلَا تَدْخُلُهَا الْإِقَالَةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَقِيلَ إنَّهَا اسْتِيفَاءٌ لِاعْتِبَارِهِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا كَمَا يَأْتِي ق ل. وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِهَا بَيْعًا تَوَقُّفُهَا عَلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بِخِلَافِ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ، وَيَتَرَتَّبُ أَيْضًا الْحَلِفُ وَالتَّعَالِيقُ كَأَنْ قَالَ: إنْ صَدَرَ مِنِّي بَيْعٌ فَزَوْجَتِي طَالِقٌ أَوْ فَعَبْدِي حُرٌّ، ثُمَّ أَحَالَ وَقَعَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا بَيْعٌ دُونَ الْقَوْلِ الْآخَرِ. وَمَعْنَى كَوْنِهَا بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ أَنَّ الْمُحِيلَ بَاعَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِمَا فِي ذِمَّتِهِ لِلْمُحْتَالِ وَالْمُحْتَالَ بَاعَ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ بِمَا فِي ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَالْبَائِعُ الْمُحِيلُ وَالْمُشْتَرِي الْمُحْتَالُ وَالْمَبِيعُ دَيْنُ الْمُحِيلِ وَالثَّمَنُ دَيْنُ الْمُحْتَالِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَيْعِ الدَّيْنِ أَنَّ الْبَائِعَ هُنَا لَهُ وَعَلَيْهِ بِخِلَافِهِ فِي بَيْعِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ لَهُ لَا عَلَيْهِ اهـ عُمَيْرَةُ.
قَوْلُهُ: (جُوِّزَ لِلْحَاجَةِ) يُرِيدُ أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الدَّيْنِ كَمَا جُوِّزَ الْقَرْضُ مَعَ كَوْنِهِ بَيْعَ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ تَقَابُضٍ لِمَكَانِ الْحَاجَةِ، أَيْ لِوُجُودِهَا. فَالتَّشْبِيهُ إنَّمَا هُوَ فِي خُرُوجِ كُلٍّ عَنْ الْقَوَاعِدِ مَعَ جَوَازِهِ لِلْحَاجَةِ، أَوْ التَّشْبِيهُ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدُ إرْفَاقٍ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ زَائِدٌ فِي الْقَرْضِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ اهـ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَلِهَذَا) أَيْ لِلْحَاجَةِ وَقَوْلُهُ التَّقَابُضُ الْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضُ، فَفِي التَّعْبِيرِ بِالتَّقَابُضِ مُسَامَحَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَدَيْنٌ لِلْمُحْتَالِ عَلَى
стр. 1050
قَالَ.
: (وَشَرَائِطُ) صِحَّةِ (الْحَوَالَةِ) (أَرْبَعَةٌ) بَلْ خَمْسَةٌ كَمَا سَتَعْرِفُهُ الْأَوَّلُ: (رِضَا الْمُحِيلِ. وَ) الثَّانِي: (قَبُولُ الْمُحْتَالِ) لِأَنَّ لِلْمُحِيلِ إيفَاءُ الْحَقِّ مِنْ حَيْثُ شَاءَ، فَلَا يُلْزَمُ بِجِهَةٍ وَحَقُّ الْمُحْتَالِ فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِرِضَاهُ لِأَنَّ الذِّمَمَ تَتَفَاوَتُ وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ لِلنَّدْبِ كَمَا مَرَّ.
تَنْبِيهٌ: إنَّمَا عَبَّرَ بِالْقَبُولِ الْمُسْتَدْعِي لِلْإِيجَابِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إيجَابِ الْمُحِيلِ كَمَا فِي الْبَيْعِ. وَهِيَ دَقِيقَةٌ حَسَنَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَحِلُّ الْحَقِّ وَالتَّصَرُّفِ كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيلِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِغَيْرِهِ كَمَا لَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ بِالِاسْتِيفَاءِ.
(وَ) الثَّالِثُ (كَوْنُ الْحَقِّ) أَيْ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ وَعَلَيْهِ لَازِمًا وَهُوَ مَا لَا خِيَارَ فِيهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَجُوزَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمُحِيلِ إلَخْ) لَوْ قَالَ وَدَيْنَانِ لَكَانَ أَخْصَرَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي التَّحْرِيرِ، وَشُرِطَ فِي الدَّيْنَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ خَمْسَةُ شُرُوطٍ: ثُبُوتُهُمَا وَلُزُومُهُمَا وَصِحَّةُ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُمَا وَتَسَاوِيهِمَا وَالْعِلْمُ بِقَدْرِهِمَا.
قَوْلُهُ: (وَدَيْنٌ لِلْمُحِيلِ) لَوْ بِاعْتِرَافِ الْمُحْتَالِ أَوْ بِقَبُولِهِ الْحَوَالَةَ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ اسْتِيفَاءَ شُرُوطِهَا كَمَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ اهـ ق ل. قَالَ فِي الْمَطْلَبِ: لَوْ قَبِلَ الْمُحْتَالُ الْحَوَالَةَ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَافٍ بِالدَّيْنِ كَانَ قَبُولُهُ مُتَضَمَّنًا لِاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ، فَلَا أَثَرَ لِتَبَيُّنِ أَنْ لَا دَيْنَ. نَعَمْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمُحِيلِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَرَاءَةَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، وَعَلَيْهِ فَلَوْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُحْتَالُ فِيمَا يَظْهَرُ وَبَانَ بُطْلَانُ الْحَوَالَةِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ كَرَدِّ الْمُقَرِّ لَهُ الْإِقْرَارَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ الْمُحَالَ عَلَيْهِ وَفَّى الْمُحِيلَ فَتَبْطُلُ الْحَوَالَةُ إذْ التَّقْصِيرُ حِينَئِذٍ وَالتَّدْلِيسُ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الْمُحِيلِ اهـ م ر وع ش.
فَائِدَةٌ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا أَنْكَرَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ الدَّيْنَ وَحَلَفَ رَجَعَ الْمُحْتَالُ، ع ش.
قَوْلُهُ: (وَصِيغَةٌ) وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُ الْحَوَالَةِ بَلْ هُوَ أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، كَنَقَلْتُ حَقَّك إلَى فُلَانٍ أَوْ جَعَلْت مَا اسْتَحَقَّهُ عَلَى فُلَانٍ لَك أَوْ مَلَّكْتُك الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ بِحَقِّك؛ شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ سَمَّى بَعْضَهَا شَرْطًا) وَهُوَ الصِّيغَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ رِضَا الْمُحِيلِ وَقَبُولُ الْمُحْتَالِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّرْطِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (صِحَّةِ) إنَّمَا زَادَ الشَّارِحُ لَفْظَ صِحَّةٍ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِكَمَالِ الشَّيْءِ وَقَدْ يَكُونُ لِصِحَّتِهِ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (رِضَا الْمُحِيلِ) هَذَا إنْ كَانَ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا بَعْدَهُ فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الصِّيغَةِ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْإِيجَابُ فَهُوَ شَرْطٌ لَكِنْ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الصِّيغَةِ فَتَأَمَّلْ ق ل؛ أَيْ فَيَكُونُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ الْإِيجَابَ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ الْأَرْكَانِ لَا مِنْ الشُّرُوطِ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الرِّضَا الْقَلْبِيَّ فَهَذَا لَا يُشْتَرَطُ. وَيُجَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِالشَّرْطِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَدَخَلَ الرُّكْنُ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَيْسَ ذِكْرُ الرِّضَا بِهَذَا الْمَعْنَى مَقْصُودًا لِذَاتِهِ بَلْ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً وَتَوْطِئَةً لِلْإِيجَابِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الرِّضَا إلَّا بِهِ، فَيَكُونُ عَبَّرَ بِالْمَلْزُومِ وَأَرَادَ اللَّازِمَ فَرَجَعَ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّضَا عَدَمُ الْإِلْزَامِ أَيْ إلْزَامِ الْمُحِيلِ بِالْحَوَالَةِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ مِنْ الشُّرُوطِ وَيَكُونُ اسْتِفَادَةُ الْإِيجَابِ مِنْ ذِكْرِ الْقَبُولِ كَمَا فِي الشَّرْحِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ لِلْمُحِيلِ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ رِضَا الْمُحِيلِ، وَقَوْلُهُ: " وَحَقُّ الْمُحْتَالِ إلَخْ " رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: " وَقَبُولُ ". قَوْلِهِ: (إلَّا بِرِضَاهُ) أَيْ الْمُحْتَالِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ وَارِدٍ عَلَى قَوْلِهِ: فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِرِضَاهُ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ قَبُولِهَا. وَحَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّ قَوْلَهُ: " فَلَا يَنْتَقِلُ إلَّا بِرِضَاهُ " لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَبُولِ، وَقَوْلُهُ: " فِي الْحَدِيثِ فَلْيَتْبَعْ " يَقْتَضِي ذَلِكَ. فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلنَّدْبِ. قَوْلُهُ: (الْمُسْتَدْعِي) أَيْ الْمُسْتَلْزِمِ.
قَوْلُهُ: (لَا بُدَّ مِنْ إيجَابِ الْمُحِيلِ) هُوَ كَذَلِكَ، وَإِمَّا عَبَّرَ فِيهِ بِالرِّضَا إشَارَةً إلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا الْمَفْهُومِ مِنْ الْحَدِيثِ ق ل. وَقَوْلُهُ " لِإِفَادَتِهِ إلَخْ " لَوْ قَالَ لِإِفَادَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرِّضَا الْإِيجَابُ لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (وَهِيَ) أَيْ الْإِفَادَةُ الْمَذْكُورَةُ. قَوْلُهُ: (وَالتَّصَرُّفُ) أَيْ فِي الْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (كَالْعَبْدِ الْمَبِيعِ) أَيْ فَلَا يُشْتَرَطُ رِضَاهُ بِالْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: (كَوْنُ الْحَقِّ مُسْتَقِرًّا إلَخْ) إعْرَابُ الْمَتْنِ أَنَّ مُسْتَقِرًّا خَبَرٌ عَنْ الْكَوْنِ الْمُثْبَتِ، وَالشَّارِحُ غَيَّرَ إعْرَابَهُ وَجَعَلَ خَبَرَهُ مَحْذُوفًا قَدَّرَهُ
стр. 1051
كَالثَّمَنِ بَعْدَ زَمَنِ الْخِيَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ (مُسْتَقِرًّا فِي الذِّمَّةِ) كَالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْمَوْتِ وَالْأُجْرَةِ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَالثَّمَنِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ بِأَنْ يُحِيلَ بِهِ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى ثَالِثٍ وَعَلَيْهِ كَذَلِكَ بِأَنْ يُحِيلَ الْبَائِعُ غَيْرَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي سَوَاءً اتَّفَقَ الدَّيْنَانِ فِي سَبَبِ الْوُجُوبِ أَمْ اخْتَلَفَا، كَأَنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ثَمَنًا وَالْآخَرُ أُجْرَةً أَوْ قَرْضًا فَلَا تَصِحُّ بِالْعَيْنِ لِمَا مَرَّ أَنَّهَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَلَا بِمَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ كَدَيْنِ السَّلَمِ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَازِمًا، وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ لِلسَّاعِي وَلَا لِلْمُسْتَحِقِّ بِالزَّكَاةِ مِمَّنْ هِيَ عَلَيْهِ وَلَا عَكْسُهُ وَإِنْ تَلِفَ النِّصَابُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا وَتَصِحُّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِقَوْلِهِ لَازِمًا، وَجَعَلَ مُسْتَقِرًّا خَبَرًا لِيَكُنْ الْمَنْفِيِّ قَدَّرَهُ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا. وَهَذَا مَعِيبٌ، إلَّا أَنْ يُقَالَ عُذْرُ الشَّارِحِ أَنَّ إبْقَاءَ الْمَتْنِ عَلَى إعْرَابِهِ الْمَذْكُورِ فِيهِ خَلَلٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الِاسْتِقْرَارِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فَلِذَلِكَ غَيَّرَ الْإِعْرَابَ بِمَا ذَكَرَهُ. وَهَذَا نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي الرَّهْنِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِقْرَارِ مَا اسْتَوْفَى مُقَابِلَهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ لَهُ مَعْنًى آخَرَ تَصِحُّ إرَادَتُهُ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اللَّازِمُ، فَلَوْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى ذَلِكَ لَسَلِمَ مِنْ الِاعْتِرَاضِ وَاسْتَغْنَى عَمَّا قَدَّرَهُ. وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: لَمْ يُنَبِّهْ الشَّارِحُ عَلَى ضَعْفِ مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ اشْتِرَاطِ الِاسْتِقْرَارِ فِي الْحَوَالَةِ عَلَى نَظِيرِ مَا فَعَلَهُ فِي الرَّهْنِ وَكَذَا غَيْرُهُ مِنْ الشُّرَّاحِ، تَأَمَّلْ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: أَشَارَ إلَى ضَعْفِهِ بِقَوْلِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا حَيْثُ جَعَلَهُ مَنْفِيًّا، تَأَمَّلْ. وَقَالَ ق ل: تَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِقْرَارَ اللُّزُومُ وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَلَا تَغْفُلْ، فَكَانَ الْمُنَاسِبُ لِلشَّارِحِ أَنْ يَبْقَى الْمَتْنُ عَلَى حَالِهِ مِنْ الْإِثْبَاتِ وَيُنَبِّهَ عَلَى ضَعْفِهِ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (لَازِمًا) وَلَوْ مَآلًا بِثَمَنٍ بَعْدَ اللُّزُومِ أَوْ قَبْلَهُ فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ، وَعَلَيْهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَقَوْلُهُ: " أَوْ قَبْلَهُ " أَيْ وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَتَكُونُ إجَازَةً مِنْهُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ إذْ كَيْفَ يَصِحُّ بَيْعُ الثَّمَنِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ؟ وَيُجَابُ بِأَنَّهُمْ لَمَّا جَوَّزُوا بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ تَوَسُّعًا وُسِّعَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا م ر.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا لَا خِيَارَ فِيهِ) مِثْلُهُ الْآيِلُ إلَى اللُّزُومِ وَهُوَ مَا فِيهِ خِيَارٌ كَمَا عُلِمَ. وَاقْتِصَارُ الشَّارِحِ هُنَا عَلَى اللَّازِمِ الَّذِي لَا خِيَارَ فِيهِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِالثَّمَنِ أَوْ عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ تَأَمَّلْ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا قُيِّدَ هُنَا بِذَلِكَ إشَارَةً إلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَمَا سَيَأْتِي مِمَّا فِيهِ اللُّزُومُ مَآلًا فِيهِ خِلَافٌ، فَالشَّارِحُ إنَّمَا ذَكَرَ اللُّزُومَ هُنَا لِعَدَمِ الْخِلَافِ فِيهِ وَإِلَّا فَسَيَأْتِي أَنَّ مِثْلَهُ الْآيِلُ إلَى اللُّزُومِ؛ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ انْدَفَعَ اعْتِرَاضُ بَعْضِ الْحَوَاشِي،. اهـ. ح ف وَعَشْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا بُدَّ أَنْ يَجُوزَ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِمَا لَا يُعْتَاضُ عَنْهُ وَلَا عَلَيْهِ كَدَيْنِ السَّلَمِ وَدَيْنِ الْجِعَالَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ. نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ نُجُومُ الْكِتَابَةِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا عَلَى الرَّاجِحِ، وَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهَا مِنْ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ عَلَى ثَالِثٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ لِلُزُومِهِ أَيْ الدَّيْنِ الْمُحَالَ بِهِ وَعَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ مَعَ تَشَوُّفِ الشَّارِعِ لِلْعِتْقِ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ) إنَّمَا قُيِّدَ بِهِ لِيَكُونَ الثَّمَنُ غَيْرَ مُسْتَقِرٍّ لِسُقُوطِهِ بِتَلَفِ الْبَيْعِ عِنْدَ الْبَائِعِ.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِهِ أَيْ وَالْحَوَالَةُ عَلَيْهِ كَالْحَوَالَةِ بِهِ، وَقَوْلُهُ " كَذَلِكَ " أَيْ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُحِيلَ الْبَائِعُ) وَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ فِي هَذِهِ بِفَسْخِ الْبَيْعِ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ فِيهَا بِثَالِثٍ كَمَا سَيَذْكُرُهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (سَوَاءً اتَّفَقَ) تَعْمِيمٌ فِي الْحَقِّ الَّذِي فِي الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ بِالْعَيْنِ) لِأَنَّ الْعَيْنَ لَيْسَتْ دَيْنًا وَالْحَوَالَةُ بَيْعِ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وَهَذَا مَفْهُومُ قَوْلِهِ " كَوْنُ الْحَقِّ أَيْ الدَّيْنِ إلَخْ " وَيُصَوَّرُ ذَلِكَ بِمَا إذَا أَحَالَ بِعَيْنٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ مُودَعَةٍ أَوْ عَلَيْهَا كَأَنْ غَصَبَ مِنْ زَيْدٍ كِتَابًا " وَلَهُ كِتَابٌ عَلَى آخَرَ نَظِيرُهُ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ بِهِ اهـ، وَكَأَنْ اشْتَرَى كِتَابًا بِدِينَارٍ مُعَيَّنٍ فَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَى الدِّينَارِ الْمُعَيَّنِ وَلَا بِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا بِمَا لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ) مُحْتَرَزُ جَوَازِ الِاعْتِيَاضِ وَاَلَّذِي لَا يَجُوزُ عَنْهُ الِاعْتِيَاضُ دَيْنُ السَّلَمِ مُسَلَّمًا فِيهِ وَرَأْسُ مَالٍ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَالْمَبِيعُ فِي الذِّمَّةِ وَالثَّمَنُ فِي الرِّبَوِيِّ الْمَبِيعِ بِرِبَوِيٍّ آخَرَ وَالْأُجْرَةُ فِي إجَارَةِ الذِّمَّةِ وَالزَّكَاةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَصِحُّ الْحَوَالَةُ لِلسَّاعِي) عِبَارَةُ سم: فَرْعٌ: اعْتَمَدَ م ر امْتِنَاعَ الْحَوَالَةِ بِالزَّكَاةِ وَعَلَيْهَا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فَلَا يَدْخُلُهَا ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لِامْتِنَاعِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا) عِلَّةٌ لِلْغَايَةِ، وَأَمَّا عِلَّةُ الْمَطْوِيِّ
стр. 1052
عَلَى الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ عَلَيْهِ مَعَ خَرَابِ ذِمَّتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، أَيْ لَمْ تَقْبَلْ ذِمَّتُهُ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِلَّا فَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يَقْضِيَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَرِكَةٌ أَوْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي الثَّانِي خِلَافٌ، وَلَا تَصِحُّ عَلَى التَّرِكَةِ لِعَدَمِ الشَّخْصِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ، وَتَصِحُّ بِالدَّيْنِ الْمِثْلِيِّ كَالنُّقُودِ وَالْحُبُوبِ وَبِالْمُتَقَوِّمِ كَالْعَبِيدِ وَالثِّيَابِ، وَبِالثَّمَنِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بِأَنْ يُحِيلَ بِهِ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ عَلَى إنْسَانٍ وَعَلَيْهِ بِأَنْ يُحِيلَ الْبَائِعُ إنْسَانًا عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ آيِلٌ إلَى اللُّزُومِ بِنَفْسِهِ وَالْجَوَازُ عَارِضٌ فِيهِ. وَيَبْطُلُ الْخِيَارُ بِالْحَوَالَةِ بِالثَّمَنِ لِتُرَاضِي عَاقِدَيْهَا، وَلِأَنَّ مُقْتَضَاهَا اللُّزُومُ فَلَوْ بَقِيَ الْخِيَارُ فَاتَ مُقْتَضَاهَا، وَفِي الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ يَبْطُلُ فِي حَقِّ الْبَائِعِ لِرِضَاهُ بِهَا لَا فِي حَقِّ مُشْتَرٍ لَمْ يَرْضَ، فَإِنْ رَضِيَ بِهَا بَطَلَ فِي حَقِّهِ أَيْضًا فِي أَحَدِ وَجْهَيْنِ رَجَّحَهُ ابْنُ الْمُقْرِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ،
ــ
[حاشية البجيرمي]
تَحْتَ الْغَايَةِ فَلِأَنَّهَا حِينَئِذٍ أَعْيَانٌ مُشْتَرَكَةٌ. وَمِثَالُ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا كَأَنْ كَانَ وَاجِبُهَا فِضَّةً فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهَا بِذَهَبٍ وَعَكْسُهُ. وَعِبَارَةُ م د: لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ أَصْلَهَا أَعْيَانٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّينَ وَالْمَالِكِ، فَغَلَبَ فِيهَا ذَلِكَ دُونَ الِانْتِقَالِ لِلذِّمَّةِ بِالتَّقْصِيرِ بِأَنْ تَلِفَ الْمَالُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ دَفْعِهِ لِلْمُسْتَحِقِّينَ.
قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ عَلَى الْمَيِّتِ إلَخْ) بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَلَا فَرْقَ فِي الْمُحَالِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ. وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: وَلَوْ أَحَالَ مَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَيِّتٍ صَحَّتْ وَيَتَعَلَّقُ الدَّيْنُ الْمُحَالُ بِهِ عَلَى الْمَيِّتِ بِالتَّرِكَةِ إنْ كَانَتْ وَإِلَّا فَهُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِ أَحَدٌ عَنْهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ وَإِلَّا فَلَا. وَفِي سم عَلَى الْمَنْهَجِ: قَالَ طب: وَحَوَالَةُ نَاظِرِ الْوَقْفِ أَحَدَ الْمُسْتَحِقِّينَ فِي الْوَقْفِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَهُ مَالٌ فِي جِهَةِ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِجِهَةِ الْوَقْفِ لَا تَصِحُّ، وَمَا وَقَعَ مِنْ النَّاظِرِ مِنْ التَّسْوِيغِ لَيْسَ حَوَالَةً بَلْ إذْنٌ فِي الْقَبْضِ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْ قَبْضِهِ؛ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ م ر وَقَالَ: لِأَنَّ شَرْطَهَا أَنْ يَكُونَ الْمُحِيلُ مَدِينًا وَالنَّاظِرُ ذِمَّتُهُ بَرِيئَةٌ، وَلَوْ أَحَالَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى النَّاظِرِ بِمَعْلُومِهِ لَمْ تَصِحَّ أَيْضًا لِعَدَمِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، قَالَ: وَلَوْ أَحَالَ عَلَى مَالِ الْوَقْفِ لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ أَحَالَ عَلَى التَّرِكَةِ لِأَنَّ شَرْطَ الْحَوَالَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَى شَخْصٍ مَدِينٍ، إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ اهـ. وَقَوْلُهُ " بِلَا إذْنٍ فِي الْقَبْضِ " قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْوَظِيفَةِ مُخَاصَمَةُ السَّاكِنِ الْمَتْبُوعِ عَلَيْهِ وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، وَقَوْلُهُ " وَالنَّاظِرُ ذِمَّتُهُ بَرِيئَةٌ " يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ النَّاظِرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُسْتَحَقَّ فِي الْوَقْفِ صَحَّتْ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ خَرَابَ ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (أَيْ لَمْ تُقْبَلْ ذِمَّتُهُ) الْمُرَادُ بِهَا مَعْنًى صَالِحٌ لِلْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ، وَقَوْلُهُ " وَإِلَّا فَذِمَّتُهُ مَرْهُونَةٌ " فِيهِ أَنَّ الْمَرْهُونَ لَيْسَ نَفْسَ الذِّمَّةِ بَلْ النَّفْسُ بِمَعْنَى الرُّوحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ هُنَا النَّفْسَ؛ لِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَيْهَا كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ؛ لَكِنْ عَلَى هَذَا لَا تَحْسُنُ الْمُقَابَلَةُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُهُ: (وَظَاهِرُهُ) أَيْ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: وَتَصِحُّ عَلَى الْمَيِّتِ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ م ر.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَذَلِكَ) مُعْتَمَدٌ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ مَعَ عَدَمِ التَّرِكَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَقْضِي عَنْهُ مُتَبَرِّعٌ.
قَوْلُهُ: (وَبِالْمُتَقَوِّمِ) كَأَنْ اشْتَرَى عَيْنًا بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ مُتَقَوِّمٌ مَوْصُوفٍ بِمَا يَنْفِي الْجَهَالَةَ عَنْهُ، أَيْ بِمَا يُعَيِّنُهُ وَيُمَيِّزُهُ مِنْ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ وَصِفَتِهِ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، فَتَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ. وَكَأَنْ اقْتَرَضَ شَيْئًا مُتَقَوِّمًا فَيَصِحُّ أَنْ يُحِيلَ الْمُقْرِضُ بِهِ عَلَى آخَرَ، كَأَنْ يَقْتَرِضَ عَمْرٌو حَيَوَانًا مِنْ زَيْدٍ وَلِعَمْرٍو عَلَى بَكْرٍ حَيَوَانٌ فَأَحَالَ عَمْرٌو زَيْدًا بِهِ عَلَى بَكْرٍ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ دَيْنٌ، وَلَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ لَهُ بِالْمُسَلَّمِ فِيهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَبِالثَّمَنِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ) لَيْسَ هَذَا مُكَرَّرًا مَعَ مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ بِخِلَافِ مَا هُنَا، أَوْ مَا تَقَدَّمَ كَانَ لَا خِيَارَ فِيهِ بِخِلَافِهِ هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَعَلَيْهِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ " بِالثَّمَنِ ".
قَوْلُهُ: (وَلَا يَبْطُلُ الْخِيَارُ بِالْحَوَالَةِ بِالثَّمَنِ) أَيْ خِيَارُ كُلٍّ مِنْ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ لِمَا ذَكَرَهُ، فَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَأَحَالَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى آخَرَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ سَقَطَ خِيَارُهُ، فَالْمُرَادُ بِبُطْلَانِهِ سُقُوطُهُ. قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ مُقْتَضَاهَا اللُّزُومُ) أَيْ فَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارٌ، أَيْ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمهُ بِهَا أَيْ أَلْزَمَ الْعَقْدَ بِالْحَوَالَةِ. قَوْلُهُ: (لَا فِي حَقِّ مُشْتَرٍ) أَيْ فَإِذَا أَحَالَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ فِي زَمَنِ خِيَارِهِمَا بَطَلَ خِيَارُ الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَرْضَ وَفَسَخَ الْبَيْعَ بَطَلَتْ. لَا يُقَالُ هَذَا مُخَالِفٌ
стр. 1053
وَتَصِحُّ حَوَالَةُ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ بِالنُّجُومِ لِوُجُودِ اللُّزُومِ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ، فَيَتِمُّ الْغَرَضُ مِنْهُمَا دُونَ حَوَالَةِ السَّيِّدِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ بِمَالِ الْكِتَابَةِ، فَلَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ جَائِزَةٌ مِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُحْتَالُ مِنْ مُطَالَبَتِهِ وَإِلْزَامِهِ. وَخَرَجَ بِنُجُومِ الْكِتَابَةِ وَلَوْ كَانَ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ دَيْنُ مُعَامَلَةٍ وَأُحَال عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَمَا فِي زَوَائِدِ الرَّوْضَةِ. وَلَا نَظَرَ إلَى سُقُوطِهِ بِالتَّعْجِيزِ لِأَنَّ دَيْنَ الْمُعَامَلَةِ لَازِمٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا تَصِحُّ بِجَعْلِ الْجِعَالَةِ وَلَا عَلَيْهِ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ وَلَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ دَيْنِهَا حِينَئِذٍ بِخِلَافِهِ بَعْدَ التَّمَامِ.
(وَ) الرَّابِعُ (اتِّفَاقُ) أَيْ مُوَافَقَةُ (مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ) لِلْمُحْتَالِ مِنْ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ (وَ) مَا فِي ذِمَّةِ (الْمُحَالِ عَلَيْهِ) لِلْمُحِيلِ مِنْ الدَّيْنِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ (فِي الْجِنْسِ) فَلَا يَصِحُّ بِالدَّرَاهِمِ عَلَى الدَّنَانِيرِ وَعَكْسُهُ، وَفِي الْقَدْرِ فَلَا يَصِحُّ بِخَمْسَةٍ عَلَى عَشْرَةٍ وَعَكْسُهُ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مُعَاوَضَةُ إرْفَاقٍ جُوِّزَتْ لِلْحَاجَةِ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا الِاتِّفَاقُ فِيمَا ذُكِرَ كَالْقَرْضِ. (وَ) فِي (النَّوْعِ وَالْحُلُولِ وَالتَّأْجِيلِ) وَفِي قَدْرِ الْأَجَلِ وَفِي الصِّحَّةِ وَالتَّكْسِيرِ إلْحَاقًا لِتَفَاوُتِ الْوَصْفِ بِتَفَاوُتِ الْقَدْرِ.
تَنْبِيهٌ: أَفْهَمَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُهُمَا فِي الرَّهْنِ وَلَا فِي الضَّمَانِ وَهُوَ كَذَلِكَ، بَلْ لَوْ أَحَالَ بِدَيْنٍ أَوْ عَلَى دَيْنٍ بِهِ رَهْنٌ أَوْ ضَامِنٌ انْفَكَّ الرَّهْنُ وَبَرِئَ الضَّامِنُ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْقَبْضِ، وَالْخَامِسُ الْعِلْمُ بِمَا يُحَالُ بِهِ وَعَلَيْهِ قَدْرًا وَصِفَةً بِالصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي السَّلَمِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
لِعُمُومِ مَا قَالُوهُ مِنْ كَوْنِ الْحَوَالَةِ عَلَى الثَّمَنِ لَا تَبْطُلُ بِالْفَسْخِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْفَسْخُ بِالْخِيَارِ مُسْتَثْنًى، وَلَا بُعْدَ فِيهِ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ وَإِنْ اسْتَبْعَدَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَتَصِحُّ إلَخْ) هَذَا مُسْتَثْنًى مِمَّا لَا يَصِحُّ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَكَتَبَ الَأُجْهُورِيُّ عَلَى قَوْلِهِ " وَتَصِحُّ حَوَالَةُ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ إلَخْ " قَضِيَّتُهُ صِحَّةُ الِاعْتِيَاضِ عَنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ وَهُوَ وَجْهٌ، وَاَلَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّيْخَانِ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ عَدَمُ صِحَّةِ الِاعْتِيَاضِ عَنْهَا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْحَوَالَةُ صَحِيحَةٌ، وَلَكِنْ يُشْكِلُ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ بِالنُّجُومِ بِعَدَمِ صِحَّتِهَا بِدَيْنِ السَّلَمِ. وَقَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الشَّارِعَ مُتَشَوِّفٌ لِلْعِتْقِ، وَفَرَّقَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّ السَّيِّدَ إذَا احْتَالَ بِالنَّجْمِ لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ أَنْ يَصِيرَ الدَّيْنُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ قَبَضَهُ قَبْلَ التَّعْجِيزِ فَوَاضِحٌ وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ الْمُكَاتَبِ وَيَصِيرُ بِالتَّعْجِيزِ لِلسَّيِّدِ، بِخِلَافِ دَيْنِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ فَيُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَصِلَ الْمُحْتَالُ إلَى حَقِّهِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لِوُجُودِ اللُّزُومِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ اللَّازِمَ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ إنَّمَا هُوَ عَقْدُ الْكِتَابَةِ أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ فَسْخُهَا، وَكَلَامُنَا إنَّمَا هُوَ فِي لُزُومِ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ عَلَيْهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لَازِمًا مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ أَنْ يَكُونَ دَيْنُهَا وَهُوَ النُّجُومُ لَازِمًا مِنْ جِهَتِهِ أَيْضًا، أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ إسْقَاطُهُ بِالْفَسْخِ أَوْ التَّعْجِيزِ. قَوْلُهُ: (وَلَا نَظَرَ إلَى سُقُوطِهِ بِالتَّعْجِيزِ) فَلَوْ عَجَّزَ نَفْسَهُ تَعَلَّقَ الْمُحْتَالُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ دَيْنِ الْمُعَامَلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ شَيْءٌ أُخِذَ مِنْهُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَالْيَسَارِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ دَيْنَ الْمُعَامَلَةِ لَازِمٌ فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ، أَيْ إذَا لَمْ يَحْصُلْ تَعْجِيزٌ أَوْ كَانَ السَّيِّدُ أَحَالَ عَلَى الْمُكَاتَبِ. قَوْلُهُ: (مِنْ الدَّيْنِ) بَيَانُ " مَا ".
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ بِخَمْسَةٍ) أَيْ بِأَنْ يَأْخُذَ الْعَشَرَةَ بِتَمَامِهَا فِي مُقَابَلَةِ الْخَمْسَةِ وَقَوْلُهُ عَلَى عَشْرَةٍ، أَيْ وَتَصِحُّ عَلَى خَمْسَةٍ مِنْ الْعَشَرَةِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي بَيْنَ دَيْنِ الْمُحِيلِ وَدَيْنِ الْمُحْتَالِ مِنْ حَيْثُ هُمَا بَلْ الْمَدَارُ عَلَى التَّسَاوِي بَيْنَ الدَّيْنِ الْمُحَالِ بِهِ وَعَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ دَيْنُ الْمُحِيلِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ الْمُحَالِ بِهِ؛ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا أَحَالَ عَلَى بَعْضِ دَيْنِهِ لَا عَلَى كُلِّهِ.
قَوْلُهُ: (إلْحَاقًا) عِلَّةٌ لِمَفْهُومِ الصِّفَةِ، أَيْ فَلَا تَصِحُّ بِالصَّحِيحَةِ عَلَى الْمُكَسَّرَةِ وَعَكْسُهُ إلْحَاقًا إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَفْهَمَ) حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِرَهْنٍ وَلَا ضَمَانٍ.
قَوْلُهُ: (بِهِ رَهْنٌ) رَاجِعٌ لِلِاثْنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (انْفَكَّ) فَإِنْ شَرَطَ بَقَاءَ الرَّهْنِ وَنَحْوَهُ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (وَالْخَامِسُ الْعِلْمُ) أَيْ الظَّنُّ، أَيْ أَنْ يَظُنَّ الْعَاقِدَانِ تُسَاوِيَ الدَّيْنَيْنِ. وَزَادَهُ الشَّارِحُ: كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِيمَا مَرَّ، وَلَا
стр. 1054
(وَتَبْرَأُ بِهَا) أَيْ بِالْحَوَالَةِ الصَّحِيحَةِ (ذِمَّةُ الْمُحِيلِ) عَنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ، وَيَسْقُطُ دَيْنُهُ عَنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُ دَيْنُ مُحْتَالٍ مُحَالًا عَلَيْهِ، أَيْ يَصِيرُ نَظِيرَهُ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُهُ مِنْهُ بِفَلَسٍ أَوْ غَيْرِهِ كَجَحْدٍ وَمَوْتٍ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَا لَوْ أَخَذَ عِوَضًا عَنْ الدَّيْنِ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ، وَإِنْ شَرَطَ يَسَارَ الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَوْ جَهْلَهُ فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُحِيلِ كَمَنْ اشْتَرَى شَيْئًا هُوَ مَغْبُونٌ فِيهِ. وَلَا عِبْرَةَ لِلشَّرْطِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الْفَحْصِ عَنْهُ، وَلَوْ شَرَطَ الرُّجُوعَ عِنْدَ التَّعَذُّرِ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ، وَلَوْ شَرَطَ الْعَاقِدُ فِي الْحَوَالَةِ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا هَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ رَجَّحَ ابْنُ الْمُقْرِي الْأَوَّلَ وَصَاحِبُ الْأَنْوَارِ الثَّانِيَ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَلَا يَثْبُتُ فِي عَقْدِهَا خِيَارُ شَرْطٍ لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ عَلَى الْمُعَايَنَةِ وَلَا خِيَارُ مَجْلِسٍ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لِأَنَّهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ فُسِخَ بَيْعٌ بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ كَإِقَالَةٍ وَقَدْ أَحَالَ مُشْتَرٍ بَائِعًا بِثَمَنٍ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ لِارْتِفَاعِ الثَّمَنِ بِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ، لَا إنْ أَحَالَ بَائِعٌ بِهِ ثَالِثًا عَلَى الْمُشْتَرِي فَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ بِخِلَافِهِ فِي الْأُولَى. وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَالَ بِثَمَنِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ أَوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا الْعَبْدُ، أَوْ شَهِدَتْ حِسْبَةٌ بَطَلَتْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
حَاجَةَ إلَيْهِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِمَا قَبْلَهُ وَهُوَ الرَّابِعُ. وَفِي إغْنَائِهِ عَنْهُ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِقَدْرِ الدَّيْنَيْنِ لَمْ يُعْلَمْ مِمَّا قَبْلَهُ، وَكَذَا عُلِمَ اتِّفَاقُهُمَا فِيمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِاتِّفَاقِهِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ كَمَا قَالَهُ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَتَبْرَأُ بِهَا) شُرُوعٌ فِي ثَمَرَةِ الْحَوَالَةِ بَعْدَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِهَا. قَوْلُهُ: (وَيَسْقُطُ دَيْنُهُ) أَيْ الْمُحِيلِ.
قَوْلُهُ: (كَجَحْدٍ) أَيْ لِلدَّيْنِ، أَيْ فَلَا يَرْجِعُ الْمُحْتَالُ لَكِنْ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُحِيلَ بِإِثْبَاتِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ الْحَوَالَةُ) وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ مِنْ شَرْطِ الْيَسَارِ بِأَنَّ شَرْطَ الرُّجُوعِ مُنَافٍ صَرِيحٌ فَأَبْطَلَهَا، بِخِلَافِ شَرْطِ الْيَسَارِ فَإِنَّهُ مُنَافٍ غَيْرُ صَرِيحٍ فَبَطَلَ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ شَرَطَ الْعَاقِدُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ عَلَى الْمُحِيلِ أَوْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ ضَمِينًا) أَيْ ضَامِنًا.
قَوْلُهُ: (هَلْ يَصِحُّ) أَيْ الشَّرْطُ أَوْ لَا؟ أَمَّا الْحَوَالَةُ فَصَحِيحَةٌ وَالشَّرْطُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَوْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الشَّرْطِ اُنْظُرْ م ر. وَمَحِلُّ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ دُونَ الشَّرْطِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ، أَمَّا إذَا شَرَطَ عَلَى الْمُحِيلِ فَإِنَّ الْحَوَالَةَ فَاسِدَةٌ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (رَجَّحَ ابْنُ الْمُقْرِي الْأَوَّلَ) أَيْ الصِّحَّةَ. قَالَ م ر: حَمَلَهُ الْوَالِدُ عَلَى مَا إذَا شَرَطَ الْمُحْتَالُ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ بِذَلِكَ فَتَصِحُّ وَلَا يَلْزَمُ الشَّرْطُ، وَحُمِلَ الثَّانِي عَلَى مَا إذَا شَرَطَهُ أَعْنِي الرَّهْنَ أَوْ الضَّمَانَ عَلَى الْمُحِيلِ فَيَبْطُلُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ بَرِئَتْ بِالْحَوَالَةِ وَالشَّرْطُ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ، وَبِهِ يُجْمَعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ شَرْحُ م ر بِإِيضَاحٍ. وَلَا خَلَلَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ، خِلَافًا لِلْقَلْيُوبِيِّ لِأَنَّ كُلَّ قَوْلٍ يُحْمَلُ عَلَى مَا ذُكِرَ فِيهِ، لَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْجَمْعِ لِتَرْجِيحِهِ أَحَدَهُمَا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ عَلَى الْمُعَايَنَةِ) أَيْ مُعَايَنَةِ الْعِوَضِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّمَا دَخَلَهُ الْخِيَارُ لِابْتِنَائِهِ عَلَى الْمُعَايَنَةِ أَيْ الْوَصْفِ الْقَائِمِ مَقَامَهَا فِي الْمَبِيعِ فِي الذِّمَّةِ اهـ م د. وَفِي نُسْخَةٍ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ الْمُغَابَنَةُ، أَيْ لَمْ تُبْنَ عَلَى الْغَبْنِ لِاتِّفَاقِ الدِّينَيْنِ فِيمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، أَيْ لِأَنَّهَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الِاتِّفَاقُ جِنْسًا وَقَدْرًا إلَخْ، فَلَا يَدْخُلُهَا خِيَارُ الشَّرْطِ.
قَوْلُهُ: (كَإِقَالَةٍ) أَوْ تَحَالُفٍ لَا بِخِيَارِ شَرْطٍ أَوْ مَجْلِسٍ؛ لِأَنَّ بِالْحَوَالَةِ يَبْطُلُ الْخِيَارُ وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ أَحَالَ مُشْتَرٍ بَائِعًا بِثَمَنٍ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّدَاقِ إذَا أَحَالَهَا بِهِ ثُمَّ فَسَخَ النِّكَاحَ حَيْثُ لَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ أَنَّ الصَّدَاقَ أَثْبَتُ وَأَقْوَى مِنْ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ) فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأُولَى كَذَلِكَ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ ثَلَاثَةٍ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ ثَالِثٌ لَهُ الْحَقُّ غَيْرُ الْعَاقِدَيْنِ فَلَا يَضِيعُ عَلَيْهِ حَقُّهُ، بِخِلَافِ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الْبَائِعُ، وَأَنَّ الثَّالِثَ عَلَيْهِ الْحَقُّ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِثَالِثٍ أَيْ غَيْرِ الْعَاقِدَيْنِ وَهُوَ الْمُحْتَالُ، أَيْ سَوَاءً قَبَضَ الْمُحْتَالُ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ قَبَضَهُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَإِلَّا فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ أَوْ لَا يَرْجِعُ إلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، مُعْتَمَدٌ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى حُرِّيَّتِهِ) أَوْ وَقْفِهِ أَوْ إيلَادِهِ، وَلِذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ مَثَلًا لَا لِكَوْنِهِ مُدَبَّرًا أَوْ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ
стр. 1055
الْحَوَالَةُ لِأَنَّهُ بَانَ أَنْ لَا ثَمَنَ حَتَّى يُحَالَ بِهِ فَيَرُدُّ الْمُحْتَالُ مَا أَخَذَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَيَبْقَى حَقُّهُ كَمَا كَانَ وَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ فِي الْحُرِّيَّةِ وَلَا بَيِّنَةَ حَلَّفَاهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِهَا، ثُمَّ بَعْدَ حَلِفِهِ يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْ الْمُشْتَرِي لِبَقَاءِ الْحَوَالَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِإِذْنِهِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الْحَوَالَةُ. وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِ لِلْمُسْتَحِقِّ: وَكَّلْتُك لِتَقْبِضَ لِي دَيْنِي مِنْ فُلَانٍ. وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ أَحَلْتنِي بِهِ. أَوْ قَالَ الْأَوَّلُ أَرَدْت بِقَوْلِي أُحِلُّك بِهِ الْوَكَالَةَ. وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: بَلْ أَرَدْت بِذَلِكَ الْحَوَالَةَ صُدِّقَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِإِرَادَتِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَقَّيْنِ وَإِنْ قَالَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أَحَلْتُك فَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ وَكَّلْتنِي، أَوْ قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي أُحِلْتُك الْوَكَالَةَ صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَقِّهِ. نَعَمْ لَوْ قَالَ أُحِلْتُك بِالْمِائَةِ الَّتِي لَك عَلَيَّ عَلَى عَمْرٍو فَلَا يَحْلِفُ مُنْكِرُ الْحَوَالَةِ لِأَنَّ هَذَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا حَقِيقَتَهَا فَيَحْلِفُ مُدَّعِيهَا، وَلِلْمُحْتَالِ أَنْ يُحِيلَ وَأَنْ يَحْتَالَ مِنْ الْمُحَالِ عَلَيْهِ عَلَى مَدِينِهِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِصِفَةٍ فَإِنَّ كُلًّا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
قَوْلُهُ: (يُقِيمُهَا) الْأَوْلَى أَقَامَهَا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالرِّقِّ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّ تَصْرِيحَهُ بِهِ يُكَذِّبُهَا.
قَوْلُهُ: (حِسْبَةً) أَيْ بِلَا سَبْقِ دَعْوَى.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَالُ وَالشَّأْنُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ بَانَ) أَيْ ظَهَرَ أَنْ لَا ثَمَنَ تُشْكِلُ بِمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنْ لَا ثَمَنَ أَيْضًا؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ التَّقْصِيرُ هُنَا مِنْ الْمُحْتَالِ حَيْثُ وَافَقَ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، وَأَمَّا فِيمَا قَبْلَهَا فَالتَّقْصِيرُ مِنْ الْبَائِعِ حَيْثُ أَقَالَ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ بَاعَ الْمَعِيبَ وَلَمْ يُخْبِرْ بِعَيْبِهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَبْقَى حَقُّهُ) أَيْ حَقُّ الْمُحْتَالِ كَمَا كَانَ أَيْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، أَيْ فِي ذِمَّةِ الْبَائِعِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (حَلَّفَاهُ) وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا بَلْ يَحْلِفُ لِمَنْ اسْتَحْلَفَهُ مِنْهُمَا، نَعَمْ لَوْ حَلَّفَهُ أَحَدُهُمَا لَمْ يَكُنْ لِلثَّانِي تَحْلِيفُهُ فِي أَوْجَهِ احْتِمَالَيْنِ كَمَا أَفَادَهُ الْوَالِدُ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ إذْ خُصُومَتُهُمَا مُتَّحِدَةٌ، شَرْحُ م ر. فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَا وَانْفَسَخَتْ الْحَوَالَةُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِهَا) قَوْلُهُ: أَيْ بِالْحُرِّيَّةِ فَيَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ حُرٌّ مَثَلًا، فَإِنْ نَكَلَ كَانَ مُقِرًّا بَحَرِيَّةِ الْعَبْدِ وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ.
قَوْلُهُ: (الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ) وَهُوَ الْمُحِيلُ لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: " لِلْمُسْتَحِقِّ " وَهُوَ الْمُحْتَالُ، وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُمَا بِلَفْظِ الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ لِإِنْكَارِ الْحَوَالَةِ ق ل. وَقَالَ ح ف: إنَّمَا لَمْ يُعَبِّرْ بِالْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ يَكُونُ مُوَكِّلًا وَالثَّانِي وَكِيلًا.
قَوْلُهُ: (صُدِّقَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ) وَهُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْحَاءِ، أَيْ وَبَطَلَتْ الْحَوَالَةُ وَبِإِنْكَارِ الْمُحْتَالِ الْوَكَالَةَ انْعَزَلَ، وَحِينَئِذٍ إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْقَبْضُ لِأَنَّهُ لَا مُحْتَالَ وَلَا وَكِيلَ فِي ظَنِّهِ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَ رَدَّ مَا قَبَضَهُ عَلَى الْمُحِيلِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي ظَنِّهِ وَيَبْقَى حَقُّهُ فِي ذِمَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَالَ) أَيْ الْمُسْتَحِقُّ أَرَدْت بِقَوْلِي، صَوَابُهُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: أَرَدْت بِفَتْحِ التَّاءِ بِقَوْلِك أَحَلْتُك الْوَكَالَةَ. وَعِبَارَةُ أج: قَوْلُهُ: " أَوْ قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي إلَخْ " هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِيهَا مُسَامَحَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، إذْ قَوْلُهُ أَرَدْت بِقَوْلِي أَحَلْتُك الْوَكَالَةَ هِيَ بِعَيْنِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَهِيَ مُكَرَّرَةٌ، وَأَيْضًا قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُصَدَّقَ فِيهَا الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، وَعِبَارَةُ الْمُؤَلَّفِ صَرِيحَةٌ فِي تَصْدِيقِ الْمُسْتَحِقِّ فِيهَا فَكَلَامُهُ فِيهِ تَنَاقُضٌ، فَالصَّوَابُ حَذْفُ قَوْلِهِ أَوْ أَرَدْت بِقَوْلِي إلَخْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: " أَوْ قَالَ أَرَدْت " بِفَتْحِ التَّاءِ " بِقَوْلِك " بِكَافٍ الْخِطَابِ، وَالضَّمِيرُ فِي " قَالَ " لِلْمُسْتَحِقِّ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَعَيِّنُ. وَهُنَاكَ نُسْخَةٌ أُخْرَى بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ " أَرَدْت " وَبِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ فِي قَوْلِهِ " بِقَوْلِي " وَتَقْدِيرُهَا: أَوْ قَالَ أَرَدْت بِضَمِّ التَّاءِ بِقَوْلِي أَحَلْتُك الْوَكَالَةَ. وَفِيهَا مُسَامَحَةٌ مِنْ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يُنَاسِبُ الْمُسْتَحِقَّ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ وَإِنَّمَا يُنَاسِبُ الْمُحِيلَ. وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَكُونُ عَيْنَ الثَّانِيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْقَسَمِ الْأَوَّلِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّ الشَّارِحَ نَصَّ عَلَى تَصْدِيقِ الْمُسْتَحِقِّ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ نَصٌّ عَلَى تَصْدِيقِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ، أَيْ مَحِلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَصْدِيقِ مُنْكِرِ الْحَوَالَةِ إذَا كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لَهَا وَلِلْوَكَالَةِ، فَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ وَكَالَةً صُدِّقَ مُدَّعِي الْحَوَالَةِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مَدِينِهِ) أَيْ مَدِينِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ.
следующие страницы →