Полный текст (1 974 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ. (وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي (حَقُّ الْآدَمِيِّ) إذَا أَقَرَّ بِهِ (لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنْ الْإِقْرَارِ بِهِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُقَرِّ لَهُ بِهِ، إلَّا إذَا كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي شُرُوطِ الْمُقَرِّ لَهُ.
ثُمَّ شَرَعَ فِي شُرُوطِ الْمُقِرِّ فَقَالَ: (وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ) فِي الْمُقِرِّ (إلَى ثَلَاثَةِ شَرَائِطَ) الْأَوَّلُ: (الْبُلُوغُ) فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ مَنْ هُوَ دُونَ الْبُلُوغِ وَلَوْ كَانَ مُمَيِّزًا لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ، فَإِنْ ادَّعَى بُلُوغًا بِإِمْنَاءٍ مُمْكِنٍ بِأَنْ اسْتَكْمَلَ تِسْعَ سِنِينَ صُدِّقَ فِي ذَلِكَ وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ، وَإِنْ فُرِضَ ذَلِكَ فِي خُصُومَةٍ بِبُطْلَانِ تَصَرُّفِهِ مَثَلًا لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى يَمِينٍ، وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا لِأَنَّ يَمِينَ الصَّغِيرِ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ. وَإِذَا لَمْ يَحْلِفْ فَبَلَغَ مَبْلَغًا يُقْطَعُ فِيهَا بِبُلُوغِهِ قَالَ الْإِمَامُ: فَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ لِانْتِهَاءِ الْخُصُومَةِ، وَكَالْإِمْنَاءِ فِي ذَلِكَ الْحَيْضُ. (وَ) الثَّانِي (الْعَقْلُ) فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ مَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِعُذْرٍ كَشُرْبِ دَوَاءٍ وَإِكْرَاهٍ عَلَى شُرْبِ خَمْرٍ لِامْتِنَاعِ تَصَرُّفِهِمْ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ السَّكْرَانِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
أَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ إقْرَارٍ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ ثُمَّ رَجَعَ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَا يُعْتَبَرُ رُجُوعُهُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ اُعْتُبِرَ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ الْحُكْمُ مِنْ الْحَاكِمِ اهـ مَدَابِغِيٌّ. فَإِنْ اسْتَنَدَ الْحُكْمُ إلَى الْإِقْرَارِ كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ وَإِنْ اسْتَنَدَ لِلْبَيِّنَةِ لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ كَذَّبَ رُجُوعَهُ، قَالَ الدَّارِمِيُّ: لَا يُقْطَعُ. وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا ثُمَّ قَالَ: لَا تَحُدُّونِي، فَفِي قَبُولِ قَوْلِهِ لِنَفْيِ الْحَدِّ احْتِمَالَانِ، قَالَ سم: وَلَوْ قَالَ لَا تَحُدُّونِي أَوْ امْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهِ أَوْ هَرَبَ فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ لَكِنْ يُكَفُّ عَنْهُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ رَجَعَ فَلَا حَدَّ وَإِلَّا حُدَّ، فَإِنْ لَمْ يُكَفَّ عَنْهُ وَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ. قَالَ سم: وَظَاهِرٌ أَنَّهُ حَيْثُ اُعْتُبِرَ الْإِقْرَارُ فَأَسْقَطَهُ بِالرُّجُوعِ جَازَ الْعَمَلُ بِالْبَيِّنَةِ بِشَرْطِهَا، وَقَدْ يَتَّجِهُ حَيْثُ لَمْ يُسْنِدْ الْحُكْمَ إلَى خُصُوصِ أَحَدِهِمَا اعْتِبَارُ الْبَيِّنَةِ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَقْوَى مِنْ الْإِقْرَارِ لِقَبُولِ الرُّجُوعِ عَنْهُ، بِخِلَافِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فَإِنَّ الْإِقْرَارَ فِيهِ أَقْوَى وَلِهَذَا يَثْبُتُ بِهِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ وَالْمُسْتَنَدُ إلَيْهِ مُطْلَقًا اهـ.
قَوْلُهُ: (بِمَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ) الْبَاءُ بِمَعْنَى " فِي " فَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ الْمُوجِبِ لِلْمَهْرِ وَالْحَدِّ يُقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَدِّ لَا لِلْمَهْرِ، وَإِذَا أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ رُجُوعِهِ بِالنِّسْبَةِ لِقَطْعِ يَدِهِ لَا لِغُرْمِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ: (وَحَقُّ الْآدَمِيِّ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ) نَعَمْ إنْ صَدَّقَهُ الْمُقِرُّ لَهُ فِي الرُّجُوعِ بَطَلَ الْإِقْرَارُ إنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ ثُمَّ رَجَعَ وَصَدَّقَهُ الْعَبْدُ أَوْ ادَّعَى جَارِيَةً وَحُكِمَ لَهُ بِهَا بِيَمِينِهِ فَأَوْلَدَهَا ثُمَّ كَذَّبَ نَفْسَهُ وَقَالَ: لَيْسَتْ لِي، وَصَدَّقَتْهُ الْجَارِيَةُ، لَمْ تَبْطُلْ الْحُرِّيَّةُ فِي الْأُولَى وَلَا يُحْكَمُ بِرِقِّ الْوَلَدِ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا تُرَدُّ الْجَارِيَةُ إلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ) أَيْ سَوَاءً كَانَ فِي حَقِّ اللَّهِ أَوْ الْآدَمِيِّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمُقِرِّ) " فِي " بِمَعْنَى " مِنْ " وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِصِحَّةٍ. قَوْلُهُ: (بِإِمْنَاءٍ) أَمَّا لَوْ ادَّعَاهُ بِالسِّنِّ فَيُكَلَّفُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ غَرِيبًا لِإِمْكَانِهَا وَسُهُولَتِهَا، فَلَوْ أَطْلَقَ دَعْوَى الْبُلُوغِ فَيُسْتَفْسَرُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَتَعَقَّبَهُ م ر بِأَنَّهُ يُقْبَلُ مُطْلَقًا وَيُحْمَلُ عَلَى الْبُلُوغِ بِالْإِمْنَاءِ حَتَّى لَا يَتَوَقَّفَ عَلَى بَيِّنَةٍ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَالْبَيِّنَةُ رَجُلَانِ، نَعَمْ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِوِلَادَتِهِ يَوْمَ كَذَا قُبِلَتْ وَثَبَتَ بِهَا السِّنُّ تَبَعًا م ر.
قَوْلُهُ: (صُدِّقَ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِي الْإِمْنَاءِ الْمُمْكِنِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ) أَيْ الْإِمْنَاءِ الْمُمْكِنِ؛ وَمَحِلُّهُ فِيمَا لَا مُزَاحِمَةَ فِيهِ، أَمَّا مَا فِيهِ مُزَاحِمَةٌ كَطَلَبِ سَهْمِ الْمُغَازَاةِ فَيَحْلِفُ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " صُدِّقَ " وَقَوْلُهُ " وَلِأَنَّهُ إلَخْ " رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ " وَلَا يَحْلِفُ ".
قَوْلُهُ: (لِانْتِهَاءِ الْخُصُومَةِ) أَيْ الْمُنَازَعَةِ فِي كَوْنِهِ بَلَغَ أَوْ لَا بِتَحَقُّقِ الْبُلُوغِ وَبِالْوُصُولِ إلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يَحْلِفُ أَنَّهُ كَانَ مُتَّصِفًا بِهَا حَالَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا حَاجَةَ لِلْيَمِينِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَلَا يُطْلَبُ إلْجَاؤُهُ إلَى الْكَذِبِ. قَوْلُهُ: (وَكَالْإِمْنَاءِ فِي ذَلِكَ الْحَيْضُ) أَيْ فَتُصَدَّقُ وَلَا تَحْلِفُ، نَعَمْ لَوْ عَلَّقَ زَوْجُهَا طَلَاقَهَا بِحَيْضِهَا فَادَّعَتْهُ فَلَا بُدَّ لِوُقُوعِهِ مِنْ تَحْلِيفِهَا إذَا اتَّهَمَهَا اهـ م د.
قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي حُكْمُ السَّكْرَانِ) وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، أَيْ فَهُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ:
стр. 1087
إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الطَّلَاقِ. (وَ) الثَّالِثُ (الِاخْتِيَارُ) فَلَا يَصِحُّ، وَيُمْكِنُ: إقْرَارُ مُكْرَهٍ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] جَعَلَ الْإِكْرَاهَ مُسْقِطًا لِحُكْمِ الْكُفْرِ فَبِالْأَوْلَى مَا عَدَاهُ.
وَصُورَةُ إقْرَارِهِ أَنْ يُضْرَبَ لِيُقِرَّ، فَلَوْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ فِي الْقَضِيَّةِ فَأَقَرَّ حَالَ الضَّرْبِ أَوْ بَعْدَهُ لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكْرَهًا إذْ الْمُكْرَهُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا إنَّمَا ضُرِبَ لِيَصْدُقَ. وَلَا يَنْحَصِرُ الصِّدْقُ فِي الْإِقْرَارِ، قَالَ الْأَذْرَعِيُّ. وَالْوُلَاةُ فِي هَذَا الزَّمَانِ يَأْتِيهِمْ مَنْ يُتَّهَمُ بِسَرِقَةٍ أَوْ قَتْلٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَيَضْرِبُونَهُ لِيُقِرَّ بِالْحَقِّ وَيُرَادُ بِذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذَا إكْرَاهٌ سَوَاءً أَقَرَّ فِي حَالِ ضَرْبِهِ أَمْ بَعْدَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقِرَّ بِذَلِكَ لَضُرِبَ ثَانِيًا انْتَهَى. وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ. (وَإِنْ كَانَ) بِحَقِّ آدَمِيٍّ كَإِقْرَارِهِ (بِمَالٍ) أَوْ نِكَاحٍ (اُعْتُبِرَ فِيهِ) مَعَ مَا تَقَدَّمَ (شَرْطٌ رَابِعٌ) أَيْضًا (وَهُوَ الرُّشْدُ) فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ سَفِيهٍ بِدَيْنٍ أَوْ إتْلَافِ مَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ، نَعَمْ يَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي الْبَاطِنِ فَيَغْرَمُ بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ إنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالْعَقْلُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ مُكْرَهٍ) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ م ر، قَالَ سم: اُنْظُرْ مَا صُورَةُ الْإِكْرَاهِ بِحَقٍّ، قَالَ شَيْخُنَا وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ بِمَا إذَا أَقَرَّ بِمُبْهَمٍ وَطُولِبَ بِالْبَيَانِ فَامْتَنَعَ فَلِلْقَاضِي إكْرَاهُهُ عَلَى الْبَيَانِ وَهُوَ إكْرَاهٌ بِحَقٍّ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (وَصُورَةُ إقْرَارِهِ) أَيْ الْمُكْرَهِ الَّذِي لَا يُعْتَدُّ بِإِقْرَارِهِ أَنْ يُضْرَبَ لِيُقِرَّ لَا أَنْ يَضْرِبَ لِيَصْدُقَ، فَإِنَّ هَذَا يُعْتَدُّ بِإِقْرَارِهِ. وَصُورَتُهُ أَنْ يُسْأَلَ فَلَا يُجِيبُ بِشَيْءٍ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا، فَيُضْرَبُ حِينَئِذٍ لِيَتَكَلَّمَ بِالصِّدْقِ، فَإِذَا أَجَابَ بِشَيْءٍ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا حَرُمَ التَّعَرُّضُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَالْكَلَامُ فِي الْإِقْرَارِ وَأَمَّا الضَّرْبُ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا م د.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَنْحَصِرُ الصِّدْقُ فِي الْإِقْرَارِ) بَلْ يَكُونُ فِي عَدَمِهِ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ عِنْدِي مَا ادَّعَيْت بِهِ.
قَوْلُهُ: (لِيُقِرَّ بِالْحَقِّ) أَيْ الْمُدَّعَى بِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بَعْدُ لَا الْحَقُّ الْمُوَافِقُ لِلْوَاقِعِ.
قَوْلُهُ: (وَيُرَادُ بِذَلِكَ) أَيْ بِإِقْرَارِهِ بِالْحَقِّ وَبِخَطِّ الْمَيْدَانِيِّ أَيْ بِضَرْبِهِ. قَوْلُهُ: (الْإِقْرَارُ بِمَا ادَّعَاهُ خَصْمُهُ) فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ. وَأَمَّا لَوْ أُرِيدَ بِالْحَقِّ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالْوَاقِعِ فَأَخْبَرَ بِمَا ادَّعَاهُ الْخَصْمُ فَيُعْمَلُ بِهِ. وَلَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَا إكْرَاهٍ وَاخْتِيَارٍ قُدِّمَتْ الْأُولَى لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ، إلَّا إنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ زَالَ الْإِكْرَاهُ ثُمَّ أَقَرَّ فَتَقَدَّمَ كَمَا فِي الْعُبَابِ، قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ وَأَقَرَّهُ شَيْخُنَا الْبَابِلِيُّ. وَلَوْ ادَّعَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهًا وَقْتَهُ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى تَصْدِيقِهِ كَحَبْسٍ وَتَرْسِيمٍ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَإِلَّا فَلَا بِرْمَاوِيٌّ مَعَ زِيَادَةٍ. وَالتَّرْسِيمُ التَّضْيِيقُ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَذْهَبَ مِنْ مَحِلٍّ إلَى الْآخَرِ.
قَوْلُهُ: (سَوَاءً أَقَرَّ إلَخْ) وَسَوَاءً أَضُرِبَ لِيُقِرَّ أَوْ لِيَصْدُقَ، فَمَحِلُّ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ مَا لَمْ يَكُنْ مُرَادُ الْمُكْرِهِ طَلَبَ الْإِقْرَارِ بِمَا ادَّعَاهُ الْخَصْمُ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الضَّرْبُ إكْرَاهًا مُطْلَقًا. قَوْلُهُ: (وَهَذَا مُتَعَيِّنٌ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ بِمَالٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ عَامٌّ فِي حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْآدَمِيِّ وَخَاصٌّ بِالْمَالِ، وَالشَّارِحُ صَرَفَهُ عَنْهُمَا فَزَادَ عَلَى الْمَالِ النِّكَاحَ وَخَصَّهُ بِحَقِّ الْآدَمِيِّ، فَلَوْ أَبْقَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَ أَوْلَى. وَالْعُمُومُ مُرَادٌ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ الْمَالِيَّ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرُّشْدُ كَحَقِّ الْآدَمِيِّ لِأَنَّ السَّفِيهَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ مِنْ الْوَلِيِّ لِلْقَدْرِ الْمَدْفُوعِ وَالشَّخْصِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: (أَوْ نِكَاحٍ) أَيْ أَنَّهُ تَزَوَّجَ.
قَوْلُهُ: (الرُّشْدُ) الْمُرَادُ بِهِ إطْلَاقُ التَّصَرُّفِ، فَيَشْمَلُ الرَّشِيدَ حَقِيقَةً وَالسَّفِيهَ الْمُهْمَلَ وَهُوَ الَّذِي بَلَغَ رَشِيدًا ثُمَّ بَذَّرَ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ الْقَاضِي.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَصِحُّ إقْرَارُ سَفِيهٍ) أَيْ سَوَاءً بَلَغَ غَيْرَ مُصْلِحٍ لِمَالِهِ وَدَيْنِهِ أَوْ بَلَغَ مُصْلِحًا وَبَذَّرَ وَحَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ. (بِدَيْنٍ) أَيْ وَلَا بِعَيْنٍ، وَأَمَّا الْمُفْلِسُ فَيَصِحُّ بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي أَعْيَانِ مَالِهِ؛ كَذَا قِيلَ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَنْهَجِ فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ أَيْ الْمُفْلِسِ بِعَيْنٍ أَوْ جِنَايَةٍ أَوْ بِدَيْنٍ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ لِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ اهـ.
وَقَالَ الْحَلَبِيُّ: أَمَّا الْمُفْلِسُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِعَيْنٍ أَوْ جِنَايَةٍ وَلَوْ بَعْدَ الْحَجْرِ أَوْ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ أَوْ إتْلَافٍ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ لِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ. وَأَمَّا السَّفِيهُ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ دُونَ غَيْرِهَا اهـ. وَفِي الْمَدَابِغِيِّ عَلَى التَّحْرِيرِ مَا نَصُّهُ: حَاصِلُ مَسْأَلَةِ الْمُفْلِسِ أَنَّهُ إنْ أَقَرَّ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ
стр. 1088
كَانَ صَادِقًا فِيهِ وَخَرَجَ بِالْمَالِ إقْرَارُهُ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ كَحَدٍّ وَقَوَدٍ وَإِنْ عُفِيَ عَنْهُ عَلَى مَالٍ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَالِ.
وَأَمَّا شُرُوطُ الْمُقَرِّ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ، فَمِنْهَا كَوْنُ الْمُقَرِّ لَهُ مُعَيَّنًا نَوْعَ تَعْيِينٍ بِحَيْثُ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الدَّعْوَى وَالطَّلَبُ، فَلَوْ قَالَ لِإِنْسَانٍ أَوْ لِوَاحِدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ: عَلَيَّ أَلْفٌ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمِنْهَا كَوْنُ الْمُقَرِّ لَهُ فِيهِ أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقُ الْمُقَرِّ بِهِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يُصَادِفُ مَحِلَّهُ وَصِدْقُهُ مُحْتَمَلٌ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِصَدَاقِهَا عَقِبَ النِّكَاحِ لِغَيْرِهَا أَوْ الزَّوْجُ بِبَدَلِ الْخُلْعِ عَقِبَ الْمُخَالَعَةِ لِغَيْرِهِ أَوْ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِالْأَرْشِ عَقِبَ اسْتِحْقَاقِهِ لِغَيْرِهِ، فَلَوْ قَالَ لِهَذِهِ الدَّابَّةِ: عَلَيَّ كَذَا لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِذَلِكَ، فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ بِسَبَبِهَا لِفُلَانٍ كَذَا صَحَّ حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ جَنَى عَلَيْهَا أَوْ اكْتَرَاهَا أَوْ اسْتَعْمَلَهَا تَعَدِّيًا كَصِحَّةِ الْإِقْرَارِ لِحَمْلِ هِنْدٍ. وَإِنْ أَسْنَدَهُ إلَى جِهَةٍ لَا تُمْكِنُ فِي حَقِّهِ كَقَوْلِهِ: أَقْرَضَنِيهِ وَبَاعَنِي بِهِ شَيْئًا وَيَلْغُو الْإِسْنَادُ الْمَذْكُورُ، وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحَيْهِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَمَا وَقَعَ فِي الْمِنْهَاجِ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَسْنَدَهُ إلَى جِهَةٍ لَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
جِنَايَةً قُبِلَ مُطْلَقًا، وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُعَامَلَةً فَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ لِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ قُبِلَ أَيْضًا، وَإِنْ أَسْنَدَ وُجُوبَهُ لِمَا بَعْدَ الْحَجْرِ وَقُيِّدَ بِمُعَامَلَةٍ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ لَمْ يُقْبَلْ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ أَوْ لَمْ يُقَيَّدْ بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا رُوجِعَ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْوُجُوبَ فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمُعَامَلَةٍ وَلَا جِنَايَةٍ وَلَا بِمَا قَبْلَ الْحَجْرِ وَلَا بَعْدَهُ رُوجِعَ أَيْضًا، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَتُهُ لَمْ يُقْبَلْ اهـ. وَقَوْلُهُ " فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ " بِخِلَافِهِ فِي حَقِّهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْحَجْرِ) أَيْ لَزِمَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ يَصِحُّ إلَخْ) ضَعِيفٌ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إقْرَارُهُ مُطْلَقًا م ر وز ي؛ أَيْ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ الْإِنْشَاءَ مَلَكَ الْإِقْرَارَ وَمَا لَا فَلَا، لَكِنَّ الْغُرْمَ لَازِمٌ لَهُ لَا مِنْ جِهَةِ الْإِقْرَارِ بَلْ مِنْ جِهَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ كَالصَّبِيِّ فَتَفْرِيعُ الْغُرْمِ عَلَى الْإِقْرَارِ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْغُرْمَ يَلْزَمُهُ وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ.
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِالْمَالِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَخَرَجَ بِإِقْرَارِهِ بِإِتْلَافِ الْمَالِ لِأَجْلِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمَخْرَجِ وَالْمَخْرَجِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ كَمَا فَعَلَ فِي الْمَنْهَجِ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْخُرُوجِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ لِأَنَّ جَعْلَهَا مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً أَوْلَى. قَوْلُهُ: (بِمُوجِبٍ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ بِشَيْءٍ يُوجِبُ عُقُوبَةً كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ. وَقَوْلُهُ " كَحَدٍّ " مِثَالٌ لِلْعُقُوبَةِ.
قَوْلُهُ: (لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَالِ) أَيْ ابْتِدَاءً فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الرُّشْدِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ابْتِدَاءً لِئَلَّا يُرَدَّ وُجُوبُ الْمَالِ عَنْهُ بِالْعَفْوِ عَلَيْهِ أَيْ عَلَى الْمَالِ اهـ م د.
قَوْلُهُ: (فَمِنْهَا كَوْنُ الْمُقَرِّ لَهُ إلَخْ) ذَكَرَ الشَّارِحُ مِنْهَا ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ.
قَوْلُهُ: (نَوْعَ تَعْيِينٍ) أَيْ وَلَوْ نَوْعَ تَعْيِينٍ، فَدَخَلَ قَوْلُهُ " عَلَيَّ مَالٌ " لِأَحَدِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ فَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَا الْمُرَادُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إنْ لَمْ يُكَذِّبْهُ الْمُقِرُّ اهـ م ر.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الدَّعْوَى) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ نَوْعُ تَعْيِينٍ خَاصٍّ بِحَالَةٍ وَهِيَ تَوَقُّعُ الدَّعْوَى وَالطَّلَبِ مِنْهُ، فَلِذَا خَرَجَ قَوْلُهُ لِوَاحِدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَيَّ أَلْفٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَعْيِينٍ، إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ قَرَّرَهُ شَيْخُنَا. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: مُعَيَّنًا تَعْيِينًا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ طَلَبٌ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) إلَّا إذَا كَانُوا مَحْصُورِينَ فِيمَا يَظْهَرُ، حَجّ شَوْبَرِيٌّ وم ر. فَيَصِحُّ وَيُعَيِّنُ مَنْ أَرَادَهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِقْرَارُ حِينَئِذٍ يُصَادِفُ مَحِلَّهُ.
قَوْلُهُ: (وَصَدَّقَهُ) أَيْ الْمُقِرُّ مُحْتَمِلٌ جُمْلَةً حَالِيَّةً، فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْعِلَّةِ، فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى شَرْطٍ فِي الْمُقِرِّ وَهُوَ كَوْنُ صِدْقِهِ مُحْتَمَلًا، فَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ لَمْ يَصِحَّ كَالْأَمْثِلَةِ الَّتِي قَالَهَا الشَّارِحُ؛ لَكِنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ مِنْ جِهَتَيْنِ: الْأُولَى: أَنَّ الْكَلَامَ فِي شُرُوطِ الْمُقَرِّ لَهُ وَهَذَا مِنْ شُرُوطِ الْمُقِرِّ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ ذَكَرَ مُحْتَرَزَ الشَّرْطِ الزَّائِدِ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ مُحْتَرَزَ الشَّرْطِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْمُقَرِّ لَهُ لِلْمُقَرِّ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَبِهَذَا يَخْرُجُ إلَخْ) أَيْ بِقَوْلِهِ " وَصِدْقُهُ مُحْتَمَلٌ " أَيْ فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُقِرِّ احْتِمَالُ صِدْقِهِ، فَلَوْ قُطِعَ بِكَذِبِهِ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ، وَحِينَئِذٍ تَعْلَمُ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ تَسَمُّحًا مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: ذِكْرُهُ هَذَا الْحُكْمَ فِي الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ مَعَ أَنَّهُ شَرْطٌ مُسْتَقِلٌّ، وَالثَّانِي: ذِكْرُهُ فِي مُعْرِضِ شُرُوطِ الْمُقَرِّ لَهُ مَعَ أَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ شُرُوطِ الْمُقِرِّ كَمَا عَلِمْت.
قَوْلُهُ: (عَقِبَ النِّكَاحِ) أَيْ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَبُولِ بِلَحْظَةٍ كَانَ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ وَلَمْ يَحْتَمِلْ فِي هَذَا الزَّمَانِ الضَّيِّقِ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ الزَّوْجِ إلَيْهَا وَمِنْهَا لِغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ قَالَ لِهَذِهِ الدَّابَّةِ) مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِهِ أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقِ، وَيَنْبَغِي فَرْضُ عَدَمِ الصِّحَّةِ فِي الْمَمْلُوكَةِ. أَمَّا لَوْ أَقَرَّ لِخَيْلٍ مُسَبَّلَةٍ فَالْأَشْبَهُ الصِّحَّةُ كَالْإِقْرَارِ لِمَقْبَرَةٍ أَيْ لِأَهْلِهَا، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ غَلَّةٍ وُقِفَ عَلَيْهَا أَوْ وَصِيَّةٍ ز ي أج. قَوْلُهُ: (لِفُلَانٍ) أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَالِكُهَا أَوْ غَيْرُهُ. قَوْلُهُ: (وَيَلْغُو الْإِسْنَادُ) أَيْ وَكَذَا الْإِقْرَارُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ:
стр. 1089
تُمْكِنُ فِي حَقِّهِ لَغْوٌ ضَعِيفٌ. وَمِنْهَا عَدَمُ تَكْذِيبِهِ لِلْمُقِرِّ فَلَوْ كَذَّبَهُ فِي إقْرَارِهِ لَهُ بِمَالٍ تُرِكَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ؛ لِأَنَّ يَدَهُ تُشْعِرُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا، وَسَقَطَ إقْرَارُهُ بِمُعَارَضَةِ الْإِنْكَارِ حَتَّى لَوْ رَجَعَ بَعْدَ التَّكْذِيبِ قَبْلَ رُجُوعِهِ سَوَاءً أَقَالَ غَلِطْت فِي الْإِقْرَارِ أَمْ تَعَمَّدْت الْكَذِبَ، وَلَوْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ عَنْ التَّكْذِيبِ لَمْ يُقْبَلْ فَلَا يُعْطَى إلَّا بِإِقْرَارٍ جَدِيدٍ.
وَأَمَّا شُرُوطُ الصِّيغَةِ وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُصَنِّفُ أَيْضًا فَيُشْتَرَطُ فِيهَا لَفْظٌ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ يُشْعِرُ بِالْتِزَامٍ، وَفِي مَعْنَاهُ الْكِتَابَةُ مَعَ النِّيَّةِ وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مُفْهِمَةٌ كَقَوْلِهِ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي كَذَا. أَمَّا لَوْ حَذَفَ " عَلَيَّ " أَوْ " عِنْدِي " لَمْ يَكُنْ إقْرَارًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ مُعَيَّنًا كَهَذَا الثَّوْبُ فَيَكُونُ إقْرَارًا وَعَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي لِلدَّيْنِ، وَمَعِي أَوْ عِنْدِي لِلْعَيْنِ. وَجَوَابُ لِي عَلَيْك أَلْفٌ أَوْ أَلَيْسَ لِي عَلَيْك أَلْفٌ بِبَلَى أَوْ نَعَمْ أَوْ صَدَقْت، أَوْ أَنَا مُقِرٌّ بِهَا أَوْ نَحْوُهَا كَأَبْرَأْتَنِي مِنْهُ، إقْرَارٌ كَجَوَابِ اقْضِ الْأَلْفَ الَّذِي عَلَيْك بِنَعَمْ، أَوْ بِقَوْلِهِ أَقْضِي غَدًا أَوْ أَمْهِلْنِي أَوْ حَتَّى أَفْتَحَ الْكِيسَ أَوْ أَجِدَ الْمِفْتَاحَ مَثَلًا أَوْ نَحْوَهَا كَابْعَثْ مَنْ يَأْخُذُهُ لَا جَوَابُ ذَلِكَ بِزِنْهُ أَوْ خُذْهُ أَوْ اخْتِمْ عَلَيْهِ أَوْ اجْعَلْهُ فِي كِيسِك أَوْ أَنَا مُقِرٌّ أَوْ أُقِرُّ بِهِ أَوْ نَحْوَهَا كَهِيَ صِحَاحٌ أَوْ رُومِيَّةٌ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُذْكَرُ لِلِاسْتِهْزَاءِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَإِنْ أَسْنَدَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمَا وَقَعَ) مُبْتَدَأً، وَقَوْلُهُ " ضَعِيفٌ " خَبَرٌ. وَقَوْلُهُ " مِنْ أَنَّهُ " بَيَانٌ لِمَا أَوْ بَدَلٌ مِنْهَا. وَقَوْلُهُ " لَغْوٌ " خَبَرُ " أَنَّ " وَإِذَا أَسْنَدَهُ إلَخْ مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ لَغْوٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (ضَعِيفٌ) هُوَ الضَّعِيفُ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا فِي الْمِنْهَاجِ أَنَّ الْإِقْرَارَ لَغْوٌ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا قَالَهُ سم.
قَوْلُهُ: (تُرِكَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ) إنْ كَانَ عَيْنًا وَلَمْ يُطَالَبْ بِهِ إنْ كَانَ دَيْنًا. قَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ رَجَعَ) أَيْ الْمُقِرُّ إلَخْ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ لَا حَاجَةَ لِهَذَا لِبُطْلَانِ إقْرَارِهِ بِمُعَارَضَةِ الْإِنْكَارِ اهـ، وَهَذَا ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (أَمَّا لَوْ حَذَفَ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي) أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا بُدَّ مِنْ حَذْفِهِمَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي دَعْوَاهُ مُسْقِطًا إذَا كَانَ مُقِرًّا بِعَيْنٍ كَمَا إذَا طُلِبَ مِنْهُ الْعَيْنُ فَقَالَ: كَانَتْ وَدِيعَةً وَتَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ، فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ وَلِبَعْضِهِمْ:
عَلَيَّ أَوْ فِي ذِمَّتِي لِلدَّيْنِ ... مَعِي وَعِنْدِي يَا فَتَى لِلْعَيْنِ
وَقِبَلِي إنْ قُلْته فَمُحْتَمِلْ ... لِلدَّيْنِ مَعَ عَيْنٍ كَمَا عَنْهُمْ نُقِلْ
قَوْلُهُ: (بِبَلَى أَوْ نَعَمْ) وَفِي نَعَمْ وَجْهٌ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّهَا فِي اللُّغَةِ تَصْدِيقٌ لِلنَّفْيِ الْمُسْتَفْهَمِ عَنْهُ، بِخِلَافِ " بَلَى " فَإِنَّهَا رَدٌّ لَهُ وَنَفْيُ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَلِهَذَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي آيَةِ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] لَوْ قَالُوا نَعَمْ لَكَفَرُوا. وَرُدَّ هَذَا الْوَجْهُ بِأَنَّ الْأَقَارِيرَ وَنَحْوَهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ الْمُتَبَادِرِ مِنْ اللَّفْظِ لَا عَلَى دَقَائِقِ الْعَرَبِيَّةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّحْوِيِّ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ شَرْحُ م ر، وَلِبَعْضِهِمْ:
بَلَى تُقَرِّرُ الِاسْتِفْهَامَ مِثْلَ نَعَمْ ... لَكِنْ جَوَابُ بَلَى فِي النَّفْيِ إثْبَاتُ
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوَهَا) كَمُرَادِفِ نَعَمْ وَهُوَ جَيْرَ وَأَجَلْ وَإِي اهـ ز ي.
قَوْلُهُ: (كَجَوَابِ اقْضِ الْأَلْفَ إلَخْ) جَعَلَ هَذِهِ مُشَبَّهَةً بِمَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَضُمَّهَا إلَيْهَا كَأَنْ يَقُولَ: وَاقْضِ الْأَلْفَ إلَخْ لِأَنَّ فِيهَا خِلَافًا، وَمَا قَبْلَهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ عَشْمَاوِيٌّ. قَوْلُهُ: (أَوْ أَنَا مُقِرٌّ) أَيْ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ وَإِلَّا فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْإِقْرَارِ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُذْكَرُ لِلِاسْتِهْزَاءِ) هُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا عَدَا الْخَامِسِ وَالسَّادِسِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: فَلَيْسَ إقْرَارًا بَلْ مَا عَدَا الْخَامِسَ وَالسَّادِسَ لَيْسَ إقْرَارًا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ لِلِاسْتِهْزَاءِ وَالْخَامِسُ مُحْتَمِلٌ لِلْإِقْرَارِ بِغَيْرِ الْأَلْفِ كَوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَالسَّادِسُ لِلْوَعْدِ بِالْإِقْرَارِ بِهِ بَعْدُ اهـ، أَيْ وَالْوَعْدُ لَا يَلْزَمُ
стр. 1090
وَأَمَّا شَرْطُ الْمُقَرِّ بِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَيْضًا فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ حِينَ يُقِرُّ، فَقَوْلُهُ: دَارِي أَوْ دَيْنِي لِعَمْرٍو لَغْوٌ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَيْهِ تَقْتَضِي الْمِلْكَ لَهُ فَتُنَافِي الْإِقْرَارَ لِغَيْرِهِ لَا قَوْلُهُ: هَذَا لِفُلَانٍ وَكَانَ مِلْكِي إلَى أَنْ أَقْرَرْت بِهِ، فَلَيْسَ لَغْوًا اعْتِبَارًا بِأَوَّلِهِ. وَكَذَا لَوْ عَكَسَ فَقَالَ: هَذَا مِلْكِي هَذَا لِفُلَانٍ غَايَتُهُ أَنَّهُ إقْرَارٌ بَعْدَ إنْكَارٍ، وَأَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ وَلَوْ مَآلًا لِيُسَلِّمَ بِالْإِقْرَارِ لَلْمُقَرِّ لَهُ حِينَئِذٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِهِ حَالًا ثُمَّ صَارَ بِهَا عُمِلَ بِمُقْتَضَى إقْرَارِهِ بِأَنْ يُسَلَّمَ لَلْمُقَرِّ لَهُ حِينَئِذٍ، فَلَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ شَخْصٍ بِيَدِ غَيْرِهِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ حُكِمَ بِهَا وَكَانَ شِرَاؤُهُ افْتِدَاءً لَهُ وَبَيْعًا مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ فَلَهُ الْخِيَارُ دُونَ الْمُشْتَرِي.
(وَإِذَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ) كَشَيْءٍ وَكَذَا صَحَّ إقْرَارُهُ وَ (رَجَعَ لَهُ فِي بَيَانِهِ) فَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ أَوْ كَذَا قَبْلَ تَفْسِيرِهِ بِغَيْرِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْوَفَاءُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بَدَلَ قَوْلِهِ " فَشَرْطُهُ إلَخْ " فَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ إلَخْ لِأَنَّ الْمُحَدَّثَ عَنْهُ الشَّرْطُ لَا الْمَشْرُوطُ وَقَدْ ذَكَرَ شَرْطَيْنِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَكُونَ مِلْكًا) أَيْ أَنْ لَا يَكُونَ فِي صِيغَتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مِلْكِهِ لَهُ ق ل. قَوْلُهُ: (فَقَوْلُهُ دَارِي أَوْ دَيْنِي لِعَمْرٍو إلَخْ) أَيْ وَلَمْ يُرِدْ الْإِقْرَارَ، فَلَوْ أَرَادَ بِالْإِضَافَةِ فِي دَارِي إضَافَةَ سَكَنِي صَحَّ كَمَا قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ. وَبَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ اسْتِفْسَارَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالْعَمَلِ بِقَوْلِهِ، شَرْحُ م ر أج. وَقَوْلُهُ: " أَوْ دَيْنِي " أَيْ الَّذِي عَلَيْك.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْإِضَافَةَ إلَيْهِ تَقْتَضِي الْمِلْكَ) أَيْ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ الْمُضَافُ مُشْتَقًّا وَلَا فِي حُكْمِهِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ اقْتَضَتْ الِاخْتِصَاصَ بِالنَّظَرِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَبْدَأُ الِاشْتِقَاقُ، فَمِنْ ثَمَّ كَانَ قَوْلُهُ دَارِي أَوْ دَيْنِي لِعَمْرٍو لَغْوًا لِأَنَّ الْمُضَافَ فِيهِ غَيْرُ مُشْتَقٍّ، فَأَفَادَتْ الْإِضَافَةُ الِاخْتِصَاصَ مُطْلَقًا، وَمِنْ لَازِمِهِ الْمِلْكُ بِخِلَافِ مَسْكَنِي وَمَلْبُوسِي فَإِنَّ إضَافَتَهُ إنَّمَا تُفِيدُ الِاخْتِصَاصَ مِنْ حَيْثُ السُّكْنَى لَا مُطْلَقًا لِاشْتِقَاقِهِ، اهـ ع ش م ر. قَوْلُهُ: (فَتُنَافِي الْإِقْرَارَ) لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ إزَالَةً عَنْ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ عَلَى الْخَبَرِ اهـ عَنَانِيٌّ. وَمَحِلُّ كَوْنِهِ لَغْوًا مَا لَمْ يُرِدْ بِهِ الْإِقْرَارَ بِمَعْنَى أَنَّ الدَّارَ الَّتِي كَانَتْ مِلْكِي قَبْلُ هِيَ لِزَيْدٍ الْآنَ غَايَتُهُ أَنَّهُ أَضَافَهَا لِنَفْسِهِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ مَجَازًا، اهـ ع ش.
قَوْلُهُ: (هَذَا مِلْكِي هَذَا لِفُلَانٍ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا حَيْثُ صَحَّحُوهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ سَابِقًا " دَارِي " أَوْ " دَيْنِي لِعَمْرٍو " حَيْثُ جَعَلُوهُ لَغْوًا، أَنَّ مَا تَقَدَّمَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَوَّلُهَا مُنَافٍ لِآخِرِهَا بِخِلَافِ هَذِهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِجُمْلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا تَضُرُّهُ وَالْأُخْرَى تَنْفَعُهُ عُمِلَ بِمَا يَضُرُّهُ مِنْهُمَا سَوَاءً تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَإِنْ أَتَى بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِيهَا مَا يَضُرُّهُ وَمَا يَنْفَعُهُ لَغَتْ إنْ قُدِّمَ النَّافِعُ كَقَوْلِهِ: دَارِي لِفُلَانٍ اهـ عَنَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يُسَلِّمَ لِلْمُقَرِّ لَهُ حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ كَوْنِهِ بِيَدِهِ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْمُقَرِّ بِهِ يُسَلَّمُ لِلْمُقَرِّ لَهُ فِي الْمِثَالِ الَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ أَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ الْحُرِّيَّةُ وَهِيَ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهَا تَسْلِيمَ نَفْسِهِ إلَيْهِ بِسَبَبِ الْحُكْمِ بِحُرِّيَّتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُخَلَّى سَبِيلُهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ شَخْصٍ إلَخْ) مِثْلُ الْإِقْرَارِ الشَّهَادَةُ، فَلَوْ شَهِدَ بِأَنَّ مَا فِي يَدِ زَيْدٍ مَغْصُوبٌ صَحَّ شِرَاؤُهُ مِنْهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُقْصَدُ اسْتِنْقَاذُهُ وَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمَنْ يَطْلُبُ الشِّرَاءَ مِلْكًا لِنَفْسِهِ أَوْ مُوَلِّيهِ اهـ شَرْحُ م ر. وَكَتَبَ ع ش عَلَى قَوْلِهِ " صَحَّ شِرَاؤُهُ " أَيْ حُكِمَ بِصِحَّةِ شِرَائِهِ مِنْهُ، وَلَا يَجِبُ رَدُّهُ لِمَنْ قَالَ إنَّهُ مَغْصُوبٌ مِنْهُ إنْ عُرِفَ وَإِلَّا انْتَزَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ اشْتَرَاهُ) أَيْ لِنَفْسِهِ أَوْ مِلْكه بِوَجْهٍ آخَرَ كَالْإِرْثِ. وَخَصَّ الشِّرَاءَ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْآتِيَةِ شَرْحُ م ر. فَلَوْ اشْتَرَاهُ لِمُوَكِّلِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِحُرِّيَّتِهِ.
قَوْلُهُ: (افْتِدَاءً لَهُ) لِاعْتِرَافِهِ بِحُرِّيَّتِهِ الْمَانِعَةِ مِنْ شِرَائِهِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ شِرَاءٌ صُورِيٌّ وَالْقَصْدُ مِنْهُ الِافْتِدَاءُ؛ لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ بِالْحُرِّيَّةِ يُوجِبُ بُطْلَانَ الشِّرَاءِ. قَالَ ع ش: وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْوَقْفِ، فَإِذَا عَلِمَ بِوَقْفِيَّتِهَا ثُمَّ اشْتَرَاهَا كَانَ شِرَاؤُهُ افْتِدَاءً فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا لِمَنْ لَهُ وِلَايَةُ حِفْظِهَا إنْ عُرِفَ وَإِلَّا سَلَّمَهَا لِمَنْ يَعْرِفُ الْمَصْلَحَةَ، فَإِنْ عَرَّفَهَا هُوَ وَأَبْقَاهَا فِي يَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَارَةُ كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَلَيْسَ مِنْ الْعِلْمِ بِوَقْفِيَّتِهَا مَا يُكْتَبُ بِهَوَامِشِهَا مِنْ لَفْظِ وَقْفٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَهُ الْخِيَارُ) أَيْ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ وَالْعَيْبِ، أَيْ عَيْبِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ. قَوْلُهُ: (دُونَ الْمُشْتَرِي) أَيْ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَلَوْ وَجَدَ فِيهِ عَيْبًا، فَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ وَلَا أَرْشَ لَهُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَإِذَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ إنْ أَقَرَّ بِمَعْلُومٍ، فَذَاكَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ مِنْ كُلِّ
стр. 1091
عِيَادَةِ مَرِيضٍ وَرَدِّ سَلَامٍ وَنَجَسٍ لَا يُقْتَنَى كَخِنْزِيرٍ سَوَاءً أَكَانَ مَالًا وَإِنْ لَمْ يَتَمَوَّلْ كَفَلْسٍ وَحَبَّةِ بُرٍّ أَمْ لَا كَقَوَدٍ وَحَقِّ شُفْعَةٍ وَحَدِّ قَذْفٍ وَزِبْلٍ لَصَدَقَ كُلٌّ مِنْهَا بِالشَّيْءِ مَعَ كَوْنِهِ مُحْتَرَمًا وَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ، وَإِنْ وَصَفَهُ بِنَحْوِ عِظَمٍ كَقَوْلِهِ: مَالٌ عَظِيمٌ أَوْ كَبِيرٌ أَوْ كَثِيرٌ قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِمَا قَلَّ مِنْ الْمَالِ وَإِنْ لَمْ يَتَمَوَّلْ كَحَبَّةِ بُرٍّ، وَيَكُونُ وَصْفُهُ بِالْعِظَمِ وَنَحْوِهِ مِنْ حَيْثُ إثْمُ غَاصِبِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: أَصْلُ مَا أَبْنِي عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ أَنْ أَلْزَمَ الْيَقِينَ وَأَطْرَحَ الشَّكَّ وَلَا أَسْتَعْمِلَ الْغَلَبَةَ. وَلَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي شَيْءٌ شَيْءٌ أَوْ كَذَا كَذَا. لَزِمَهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ الثَّانِيَ تَأْكِيدٌ. فَإِنْ قَالَ: شَيْءٌ وَشَيْءٌ أَوْ كَذَا وَكَذَا لَزِمَهُ شَيْئَانِ لِاقْتِضَاءِ الْعَطْفِ الْمُغَايِرَةَ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٍ بِرَفْعٍ أَوْ نَصْبٍ أَوْ جَرٍّ أَوْ سُكُونٍ، أَوْ كَذَا كَذَا بِالْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ، أَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمٍ بِلَا نَصْبٍ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ، فَإِنْ ذَكَرَهُ بِالنَّصْبِ بِأَنْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ؛
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْوُجُوهِ جِنْسًا وَقَدْرًا وَصِفَةً كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ أَوْ قَدْرًا وَصِفَةً لَا جِنْسًا كَقَوْلِهِ: لَهُ مَالٌ عَلَيَّ، وَسَوَاءً كَانَ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ ابْتِدَاءً أَوْ جَوَابًا لِدَعْوَى لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ فَيَصِحُّ مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا. قَوْلُهُ: (رَجَعَ لَهُ) فَإِنْ امْتَنَعَ حُبِسَ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَيِّنَ لِامْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ طُولِبَ بِهِ الْوَارِثُ وَوُقِفَ جَمِيعُ التَّرِكَةِ وَلَوْ بَيَّنَ بِمَا يُقْبَلُ وَكَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي أَنَّهُ حَقُّهُ فَلْيُبَيِّنْ أَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ جِنْسُ حَقِّهِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ وَلْيَدَّعِ بِهِ وَيَحْلِفْ الْمُقَرُّ عَلَى نَفْيِهِ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ) خَرَجَ مَا لَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِنَجَسٍ لَا يُقْتَنَى لِأَنَّهُ لَا يُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ. قَوْلُهُ: (سَوَاءً أَكَانَ) أَيْ غَيْرُ مَا ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (كَفَلْسٍ) مِثَالٌ لِلْمُتَمَوَّلِ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ سَوَاءً تَمَوَّلَ أَمْ لَا، وَالْمُتَمَوَّلُ مَا سَدَّ مَسَدًّا مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ.
قَوْلُهُ: (وَحَبَّةُ بُرٍّ) أَيْ وَقِمْعِ بَاذِنْجَانَةٍ اهـ سم.
قَوْلُهُ: (وَزِبْلٍ) أَيْ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَكِنَّهُ يُقْتَنَى.
قَوْلُهُ: (لِصِدْقِ كُلٍّ مِنْهَا) لَوْ قَالَ لِصِدْقِ الشَّيْءِ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا كَانَ أَوْلَى، وَإِنَّمَا لَمْ يَصْدُقْ الشَّيْءُ بِالسَّلَامِ وَالْعِيَادَةِ لِبُعْدِ فَهْمِهِمَا مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (مَعَ كَوْنِهِ مُحْتَرَمًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْعِلَّةَ مُرَكَّبَةٌ لِيَخْرُجَ النَّجِسُ الَّذِي لَا يُقْتَنَى كَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ.
قَوْلُهُ: (أَثِمَ غَاصِبُهُ) أَيْ وَكَفَرَ مُسْتَحِلُّهُ. وَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مَوْجُودٌ.
قَوْلُهُ: (أَصْلُ مَا أَبْنِي) مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ " أَنْ أَلْزَمَ الْيَقِينَ " وَمَا بَعْدَهُ عَطْفٌ لَازِمٌ عَلَى مَلْزُومٍ وَإِضَافَةُ أَصْلٍ لِمَا بَعْدَهُ بَيَانِيَّةٌ، أَيْ أَصْلٌ هُوَ مَا أَبْنِي عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ إلَخْ، أَوْ مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ لِلصِّفَةِ أَيْ الْأَصْلُ الَّذِي أَبْنِي عَلَيْهِ الْإِقْرَارَ. وَالْمُرَادُ بِالْيَقِينِ الظَّنُّ الْغَالِبُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ. وَقَالَ الَأُجْهُورِيُّ: الْمُرَادُ بِالْيَقِينِ الشَّيْءُ الْمُفَسَّرُ بِهِ وَهُوَ حَبَّةُ الْبُرِّ مَثَلًا وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَالْغَالِبُ أَنَّ وَصْفَهُ بِالْعِظَمِ لِكَثْرَتِهِ فَلَا يُعْمَلُ بِهَذَا الْغَالِبِ.
قَوْلُهُ: (وَأَطْرَحَ الشَّكَّ) مَثَلًا إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي عَشْرَةٍ وَأَطْلَقَ، فَإِنَّ الْمُتَيَقَّنَ دِرْهَمٌ وَاحْتِمَالُ كَوْنِ فِي بِمَعْنَى مَعَ حَتَّى يَلْزَمَهُ أَحَدَ عَشَرَ مَشْكُوكٌ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا أَسْتَعْمِلُ الْغَلَبَةَ) فِيهِ الشَّاهِدُ لِأَنَّهُ إذَا قُبِلَ تَفْسِيرُ الْمَالِ الْعَظِيمِ بِمَا قَلَّ مِنْهُ لَا يَكُونُ فِيهِ اسْتِعْمَالُ الْغَلَبَةِ، أَيْ مَا يَغْلِبُ فِي عُرْفِ النَّاسِ، وَهُوَ أَنَّهُ مَالٌ كَثِيرٌ؛ فَقَوْلُهُ: وَلَا أَسْتَعْمِلُ الْغَلَبَةَ " أَيْ لَا أُعَوِّلُ عَلَيْهَا. وَفِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ: فِي قَوْلِهِ: " وَلَا أَسْتَعْمِلُ الْغَلَبَةَ " تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ يَتْرُكُ الْحَقِيقَةَ فِي الْأَقَارِيرَ وَيَحْمِلُ اللَّفْظَ عَلَى غَيْرِ غَالِبِهِ وَهُوَ الْمَجَازُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ كَذَا) هِيَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ مَرْكَبٌ مِنْ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَكَافِ التَّشْبِيهِ، ثُمَّ نُقِلَ ذَلِكَ وَصَارَ كِنَايَةً عَنْ الْمُبْهَمِ مِنْ الْعَدَدِ؛ وَفِي كَلَامِ شَيْخِنَا عَنْ الْمُبْهَمِ مِنْ الْعَدَدِ وَغَيْرِهِ ح ل. قَالَ الزِّيَادِيُّ: وَهِيَ فِي مِثَالِ الْمُصَنِّفِ بِمَعْنَى شَيْءٍ وَلَيْسَتْ كِنَايَةً عَنْ الْعَدَدِ.
قَوْلُهُ: (بِرَفْعِ) أَيْ بَدَلًا أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَصْبٍ) أَيْ تَمْيِيزًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ جَرٍّ) أَيْ لَحْنًا عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ؛ لِأَنَّ تَمْيِيزَ كَذَا يَجِبُ نَصْبُهُ عِنْدَهُمْ وَيَجُوزُ جَرُّهُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ بِ " مِنْ " مُقَدَّرَةٍ. اهـ. ح ل.
قَوْلُهُ: (أَوْ سُكُونٍ) أَيْ وَقْفًا. قَوْلُهُ: (أَوْ كَذَا كَذَا بِالْأَحْوَالِ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ: أَوْ كَذَا كَذَا دِرْهَمٍ بِالْأَحْوَالِ الْأَرْبَعَةِ؛ فَلَعَلَّ لَفْظَ دِرْهَمٍ سَاقِطٌ مِنْ النَّاسِخِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ " كَذَا " إمَّا أَنْ يُؤْتَى بِهَا مُفْرَدَةً أَوْ مُكَرَّرَةً مَعَ الْعَطْفِ أَوْ بِدُونِهِ، وَالدِّرْهَمُ إمَّا أَنْ يُرْفَعَ أَوْ يُنْصَبَ أَوْ يُجَرَّ أَوْ يُسَكَّنَ. وَالْحَاصِلُ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي أَرْبَعَةٍ اثْنَا عَشَرَ، وَالْوَاجِبُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ دِرْهَمٌ إلَّا إذَا أَتَى بِكَذَا مَعْطُوفَةً وَنَصَبَ الدِّرْهَمَ فَالْوَاجِبُ دِرْهَمًا ح ل وز ي. قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ دِرْهَمٌ) لِأَنَّ كَذَا مُبْهَمٌ وَقَدْ فَسَّرَهُ بِدِرْهَمٍ فِي الْأُولَى
стр. 1092
لِأَنَّ التَّمْيِيزَ وَصْفٌ فِي الْمَعْنَى فَيَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ. وَلَوْ قَالَ: الدَّرَاهِمُ الَّتِي أَقْرَرْت بِهَا نَاقِصَةُ الْوَزْنِ أَوْ مَغْشُوشَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ دَرَاهِمُ الْبَلَدِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا كَذَلِكَ أَوْ وَصَلَ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ بِالْإِقْرَارِ قَبْلَ قَوْلِهِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي عَشْرَةٍ، فَإِنْ أَرَادَ مَعِيَّةً فَأَحَدَ عَشَرَ أَوْ حِسَابًا عَرَّفَهُ فَعَشْرَةٌ، وَإِنْ أَرَادَ ظَرْفًا أَوْ حِسَابًا لَمْ يُعَرِّفْهُ أَوْ أَطْلَقَ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.
(وَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ) بِإِلَّا أَوْ إحْدَى أَخَوَاتِهَا (فِي الْإِقْرَارِ) وَغَيْرِهِ لِكَثْرَةِ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ بِشُرُوطٍ: الْأَوَّلُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ (إذَا وَصَلَهُ بِهِ) أَيْ اتَّصَلَ بِالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عُرْفًا، فَلَا تَضُرُّ سَكْتَةُ تَنَفُّسٍ وَعِيٍّ وَتَذَكُّرٍ وَانْقِطَاعِ صَوْتٍ بِخِلَافِ الْفَصْلِ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ وَكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ وَلَوْ يَسِيرًا. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَالثَّانِيَةِ، وَتَخْتَصُّ الثَّانِيَةُ بِاحْتِمَالِ التَّأْكِيدِ هُوَ مُشْكِلٌ مَعَ الْعَطْفِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْمُغَايِرَةَ. وَأَجَابَ الْمَدَابِغِيُّ بِأَنَّ " دِرْهَمٍ " رَاجِعٌ لِأَحَدِهِمَا اهـ. فَيَكُونُ الْآخَرُ لَغْوًا وَهُوَ بَعِيدٌ. وَلَوْ قَالَ " رَاجِعٌ لِلثَّانِي " لَكَانَ أَوْلَى لِقُرْبِهِ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ بَيَانُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فَيَكُونُ مَجْمُوعُهُمَا دِرْهَمًا. وَانْظُرْ هَلْ هَذَا أَوْلَى مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ الْمَدَابِغِيِّ أَوْ لَا؟ تَأَمَّلْ وَحَرِّرْ. وَالدِّرْهَمُ فِي الثَّالِثَةِ لَا يَصْلُحُ لِلتَّمْيِيزِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ، أَيْ بَلْ هُوَ خَبَرٌ عَنْهُمَا فِي الرَّفْعِ أَيْ هُمَا دِرْهَمٌ أَوْ بَدَلٌ مِنْهُمَا أَوْ بَيَانٌ لَهُمَا، وَأَمَّا الْجَرُّ وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنَى لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْهُ عُرْفًا أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِجُمْلَةِ مَا سَبَقَ، وَكَذَا يُقَالُ فِي السُّكُونِ ح ل.
قَوْلُهُ: (فَيَعُودُ إلَى الْجَمِيعِ) فَهُوَ تَفْسِيرٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَالْعَطْفُ يَمْنَعُ احْتِمَالَ وَصْلِ إلَخْ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَرَادَ مَعِيَّةَ إلَخْ) . حَاصِلُهُ أَنَّ فِيهِ خَمْسَةَ أَحْوَالٍ، يَلْزَمُهُ أَحَدَ عَشَرَ فِي حَالَةٍ وَعَشْرَةٌ فِي حَالَةٍ وَدِرْهَمٌ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ.
قَوْلُهُ: (الِاسْتِثْنَاءُ) مَأْخُوذٌ مِنْ الثَّنْيِ وَهُوَ الرُّجُوعُ لِرُجُوعِ الْمُسْتَثْنِي عَمَّا اقْتَضَاهُ لَفْظُهُ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (لِكَثْرَةِ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ) مِنْ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ﴿إِلا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣١] وَفِي السُّنَّةِ «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ إلَّا أَرْبَعَةً» وَفِي كَلَامِ الْعَرَبِ:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ
قَوْلُهُ: (بِشُرُوطٍ) هِيَ فِي كَلَامِهِ صَرِيحًا ثَلَاثَةٌ، وَذَكَرَ رَابِعًا لَا بِعِنْوَانِ الشَّرْطِيَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: وَلَا يُجْمَعُ مُفَرَّقٌ إلَخْ. وَبَقِيَ مِنْ الشُّرُوطِ كَمَا قَالَهُ ق ل وَأَنْ يَتَلَفَّظَ بِهِ وَأَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ اهـ. وَقَالَ سم: وَأَنْ يُسْمِعَ بِهِ غَيْرَهُ. قَالَ فِي الْأَنْوَارِ: وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقَرِّ لَهُ بِيَمِينِهِ، أَيْ فِي نَفْيِ الْإِتْيَانِ بِهِ بِخِلَافِ نَفْيِ مُجَرَّدِ السَّمَاعِ فَلَا أَثَرَ لَهُ. قَوْلُهُ: (إذَا وَصَلَهُ) أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَعْنَى الْمُسْتَثْنَى فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يَضُرُّ سَكْتَةُ تَنَفُّسٍ) أَيْ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَا الْقَطْعَ.
قَوْلُهُ: (وَعِيٌّ) أَيْ تَعَبٌ. وَقَوْلُهُ " وَتَذَكُّرٌ " أَيْ تَذَكُّرُ قَدْرِ مَا يَسْتَثْنِيهِ، أَيْ إذَا كَانَ بِقَدْرِ سَكْتَةِ التَّنَفُّسِ ع ش، كَأَنْ سَكَتَ لِيَتَذَكَّرَ مَا يُخْرِجُهُ بِأَنْ دَفَعَ لَهُ شَيْئًا مِنْ الدَّيْنِ وَنَسِيَ فَقَالَ: لَهُ عِنْدِي عَشْرَةٌ وَسَكَتَ لِيَتَذَكَّرَ مَا دَفَعَهُ مِنْهَا لِيُخْرِجَهُ.
قَوْلُهُ: (وَانْقِطَاعُ صَوْتٍ) وَسُعَالٌ وَنَحْوُهُ. وَانْظُرْ وَلَوْ طَالَ زَمَنُهُ أَوْ لَا؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْأَوَّلُ تَأَمَّلْ، شَوْبَرِيٌّ ".
قَوْلُهُ: (وَكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ) مِنْ الْمُقِرِّ، نَعَمْ لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَّا مِائَةً فَإِنَّهُ يَصِحُّ كَمَا فِي الْبَيَانِ وَالْعُدَّةِ ز ي؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلتَّذَكُّرِ أَيْ تَذَكُّرِ قَدْرِ مَا يَسْتَثْنِيهِ، وَهُوَ أَيْضًا مُنَاسِبٌ لِلْمَقَامِ بِخِلَافِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ.
قَوْلُهُ: (الشَّرْطُ الثَّانِي إلَخْ) عِبَارَةُ سم: وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا أَنْ يَقْصِدَهُ قَبْلَ فَرَاغِ صِيغَةِ الْإِقْرَارِ وَإِنْ لَمْ يُقَارِنْ أَوَّلَهَا إنْ تَأَخَّرَ، فَإِنْ تَقَدَّمَ فَهَلْ يَسْقُطُ اعْتِبَارُ هَذَا الشَّرْطِ لِحُصُولِ الِارْتِبَاطِ بِدُونِهِ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُتَأَخِّرًا يُوجِبُ ارْتِبَاطَهُ بِالْمُسْتَثْنَى الْمُتَقَدِّمِ أَوَّلًا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي. وَعَلَيْهِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْإِخْرَاجِ بِهِ قَبْلَ التَّلَفُّظِ بِهِ أَوْ تَكْفِي مُقَارَنَتُهُ لِلتَّلَفُّظِ فِيهِ نَظَرٌ، وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي اهـ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَنْوِيَ قَبْلَ فَرَاغِ الْإِقْرَارِ) وَلَوْ مَعَ آخِرِ حَرْفٍ ع ش.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَصِحَّ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَاقُضِ الصَّرِيحِ ح ل.
стр. 1093
الْكَلَامَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِتَمَامِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَلَا يَكْفِي بَعْدَ الْفَرَاغِ وَإِلَّا لَزِمَ رَفْعُ الْإِقْرَارِ بَعْدَ لُزُومِهِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: عَدَمُ اسْتِغْرَاقِ الْمُسْتَثْنَى لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَإِنْ اسْتَغْرَقَهُ نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا عَشْرَةً لَمْ يَصِحَّ فَيَلْزَمُهُ عَشْرَةٌ، وَلَا يُجْمَعُ مُفَرَّقٌ فِي اسْتِغْرَاقٍ لَا فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَلَا فِي الْمُسْتَثْنَى وَلَا فِيهِمَا، فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إلَّا دِرْهَمَيْنِ وَدِرْهَمًا لَزِمَهُ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى إذَا لَمْ يُجْمَعْ مُفَرَّقُهُ لَمْ يُلْغَ إلَّا مَا يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ وَهُوَ دِرْهَمٌ فَيَبْقَى الدِّرْهَمَانِ مُسْتَثْنَيَيْنِ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمًا وَدِرْهَمًا وَدِرْهَمًا لَزِمَهُ دِرْهَمٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَخِيرِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إلَّا دِرْهَمًا وَدِرْهَمًا لَزِمَهُ دِرْهَمٌ لِجَوَازِ الْجَمْعِ هُنَا، إذْ لَا اسْتِغْرَاقَ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ إثْبَاتِ نَفْيٍ وَمِنْ نَفْيِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَمَحِلُّ عَدَمِ الصِّحَّةِ مَا لَمْ يُتْبِعْهُ بِاسْتِثْنَاءٍ آخَرَ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ نَحْوِ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا عَشْرَةً إلَّا خَمْسَةً، فَيَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ وَيَلْزَمُهُ خَمْسَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُجْمَعُ مُفَرَّقٌ) أَيْ لَا يُجْمَعُ مُفَرَّقٌ فِي حَالَةِ اسْتِغْرَاقٍ أَيْ لِدَفْعِهِ إنْ كَانَ الْجَمْعُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَلَا لِتَحْصِيلِهِ إنْ كَانَ فِي الْمُسْتَثْنَى أَوْ فِيهِمَا. قَوْلُهُ " أَيْ لِدَفْعِهِ إلَخْ " كَمَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، وَقَوْلُهُ " وَلَا لِتَحْصِيلِهِ " كَمَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ. قَوْلُهُ: (وَلَا فِيهِمَا) كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا وَدِرْهَمًا وَدِرْهَمًا فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ؛ لَكِنْ لَا فَائِدَةَ فِي عَدَمِ جَمْعِ الْمُفَرَّقِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ سَوَاءً جَمَعَ الْمُفَرَّقَ أَوْ لَا، فَالْأَوْلَى إسْقَاطُ قَوْلِهِ وَلَا فِيهِمَا كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُصَوَّرَ بِأَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمَانِ إلَّا دِرْهَمًا وَدِرْهَمَيْنِ فَيَكُونُ الدِّرْهَمُ مُسْتَثْنًى مِنْ الدِّرْهَمَيْنِ قَبْلَهُ وَيَلْغُو مَا بَعْدَهُ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الِاسْتِغْرَاقُ فَيَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ، وَلَوْ جَمَعَ الْمُفَرَّقَ لَزِمَهُ ثَلَاثُ. قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إذَا لَمْ يُجْمَعْ مُفَرَّقُهُ كَانَ الدِّرْهَمُ مُسْتَثْنًى مِنْ دِرْهَمٍ فَيَسْتَغْرِقُ فَيَلْغُو اهـ ع ن.
قَوْلُهُ: (لَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ إلَخْ) أَتَى بِمِثَالَيْنِ فِي اسْتِغْرَاقِ الْمُسْتَثْنَى، إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ مُفَرَّقَةً أَوْ بَعْضُهَا مُفَرَّقٌ وَبَعْضُهَا مَجْمُوعٌ كَالْمِثَالِ الْأَوَّلِ. قَوْلُهُ: (إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْأَخِيرِ) وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الدِّرْهَمِ الثَّالِثِ مِنْ الدِّرْهَمِ الْفَاضِلِ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ إثْبَاتٍ) أَيْ وَالْمُسْتَثْنَى مِنْ مُثْبَتٍ مَنْفِيٌّ وَمِنْ مَنْفِيٍّ مُثْبَتٌ. وَهَذَا إشَارَةٌ لِقَاعِدَةٍ يَنْبَنِي عَلَيْهَا اخْتِلَافُ الْحُكْمِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ إثْبَاتِ نَفْيٍ إلَخْ) أَيْ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِيهِمَا، وَقِيلَ فِي الْأَوَّلِ فَقَطْ فَقَالَ: إنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، فَنَحْوُ مَا قَامَ أَحَدٌ إلَّا زَيْدٌ وَقَامَ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَيَدُلُّ الْأَوَّلُ عَلَى إثْبَاتِ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ وَالثَّانِي عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا وَزَيْدٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الْقِيَامُ وَعَدَمُهُ، وَمَبْنَى الْخِلَافِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ مُخْرَجٌ مِنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ فَيَدْخُلُ فِي نَقِيضِهِ مِنْ قِيَامٍ أَوْ عَدَمِهِ مَثَلًا أَوْ مُخْرَجٌ مِنْ الْحُكْمِ فَيَدْخُلُ فِي نَقِيضِهِ أَيْ لَا حُكْمٍ إذْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ شَيْءٍ دَخَلَ فِي نَقِيضِهِ، وَجُعِلَ الْإِثْبَاتُ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ بِعُرْفِ الشَّرْعِ وَفِي الْمُفَرَّغِ نَحْوُ مَا قَامَ إلَّا زَيْدٌ بِالْعُرْفِ الْعَامِّ اهـ مَحَلِّيٌّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ.
وَقَوْلُهُ " وَمَبْنَى الْخِلَافِ إلَخْ " قَالَ السَّيِّدُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ إلَّا لِلْإِخْرَاجِ وَأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مُخْرَجٌ وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَرَجَ مِنْ نَقِيضٍ دَخَلَ فِي النَّقِيضِ الْآخَرِ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَبَقِيَ أَمْرٌ رَابِعٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: وَهُوَ أَنَّا إذَا قُلْنَا قَامَ الْقَوْمُ فَهُنَاكَ أَمْرَانِ الْقِيَامُ وَالْحُكْمُ، فَاخْتَلَفُوا هَلْ الْمُسْتَثْنَى مُخْرَجٌ مِنْ الْقِيَامِ أَوْ الْحُكْمِ بِهِ؟ فَنَحْنُ نَقُولُ بِالْقِيَامِ، فَيَدْخُلُ فِي نَقِيضِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْقِيَامِ، وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ هُوَ مُسْتَثْنًى مِنْ الْحُكْمِ فَيَخْرُجُ لِنَقِيضِهِ وَهُوَ عَدَمُ الْحُكْمِ، فَيَكُونُ غَيْرَ مَحْكُومٍ عَلَيْهِ، فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا وَأَنْ لَا يَكُونَ، فَعِنْدَنَا انْتَقَلَ إلَى عَدَمِ الْقِيَامِ، وَعِنْدَهُمْ انْتَقَلَ إلَى عَدَمِ الْحُكْمِ، وَعِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ مُخْرَجٌ وَدَاخِلٌ فِي نَقِيضِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ فَافْهَمْ ذَلِكَ حَتَّى يَتَحَرَّرَ لَك مَحِلُّ النِّزَاعِ. وَالْعُرْفُ فِي الِاسْتِعْمَالِ شَاهِدٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا قُصِدَ إخْرَاجُهُ مِنْ الْقِيَامِ لَا مِنْ الْحُكْمِ، وَلَا يَفْهَمُ أَهْلُ الْعُرْفِ إلَّا ذَلِكَ، فَيَكُونُ هُوَ اللُّغَةَ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ عَدَمَ النَّقْلِ وَالتَّغْيِيرِ، اهـ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ.
стр. 1094
إثْبَاتٍ؛ فَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا تِسْعَةً إلَّا ثَمَانِيَةً لَزِمَهُ تِسْعَةٌ، لِأَنَّ الْمَعْنَى إلَّا تِسْعَةً لَا تَلْزَمُ إلَّا ثَمَانِيَةً تَلْزَمُ فَتَلْزَمُهُ الثَّمَانِيَةُ وَالْوَاحِدُ الْبَاقِي مِنْ الْعَشَرَةِ. وَمِنْ طُرُقِ بَيَانِهِ أَيْضًا أَنْ تَجْمَعَ كُلًّا مِنْ الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ وَتُسْقِطَ الْمَنْفِيَّ مِنْهُ فَالْبَاقِي هُوَ الْمُقِرُّ بِهِ، فَالْعَشَرَةُ وَالثَّمَانِيَةُ فِي الْمِثَالِ مُثْبَتَانِ وَمَجْمُوعُهُمَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَالتِّسْعَةُ مَنْفِيَّةٌ فَإِنْ أَسْقَطْتهَا مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ بَقِيَ تِسْعَةٌ وَهُوَ الْمُقَرُّ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا تِسْعَةً إلَّا ثَمَانِيَةً إلَّا سَبْعَةً إلَّا سِتَّةً إلَّا خَمْسَةً إلَّا أَرْبَعَةً إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا اثْنَيْنِ إلَّا وَاحِدًا لَزِمَهُ خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ الْأَعْدَادَ الْمُثْبَتَةَ هُنَا ثَلَاثُونَ وَالْمَنْفِيَّةَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَيَلْزَمُ الْبَاقِي وَهُوَ خَمْسَةٌ. وَلَك طَرِيقٌ أُخْرَى: وَهِيَ أَنْ تُخْرِجَ الْمُسْتَثْنَى الْأَخِيرَ مِمَّا قَبْلَهُ وَمَا بَقِيَ مِنْهُ يُخْرِجُ مِمَّا قَبْلَهُ، فَتُخْرِجَ الْوَاحِدَ مِنْ الِاثْنَيْنِ وَمَا بَقِيَ تُخْرِجُهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ وَمَا بَقِيَ تُخْرِجُهُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ، وَهَكَذَا حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى الْأَوَّلِ. أَوْ لَك أَنْ تُخْرِجَ الْوَاحِدَ مِنْ الثَّلَاثَةِ ثُمَّ مَا بَقِيَ مِنْ الْخَمْسَةِ ثُمَّ مَا بَقِيَ مِنْ السَّبْعَةِ ثُمَّ مَا بَقِيَ مِنْ التِّسْعَةِ، وَهَذَا أَسْهَلُ مِنْ الْأَوَّلِ وَمُحَصِّلٌ لَهُ، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ إلَّا خَمْسَةً لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، أَوْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا خَمْسَةً لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ إلَّا خَمْسَةً خَمْسَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ خَمْسَةٌ، فَجَعَلَ النَّفْيَ الْأَوَّلَ مُتَوَجِّهًا إلَى مَجْمُوعِ الْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِنْ خَرَجَ عَنْ قَاعِدَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ، وَإِنَّمَا لَزِمَهُ فِي الْأَوَّلِ خَمْسَةٌ لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُجْمَلٌ فَيَبْقَى عَلَيْهِ مَا اسْتَثْنَاهُ. وَلَوْ قَدَّمَ الْمُسْتَثْنَى عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ صَحَّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَصَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَمِنْ طُرُقِ بَيَانِهِ أَيْضًا) أَيْ اللَّازِمِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ أَيْضًا إلَى ضَابِطٍ مُفِيدٍ لِلطَّرِيقِ الْأُولَى وَهِيَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ.
قَوْلُهُ: (هُوَ الْمُقَرُّ بِهِ) ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا شَفْعًا، فَالْأَشْفَاعُ مُثْبَتَةٌ، أَوْ وِتْرًا فَعَكْسُهُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْأَعْدَادَ الْمُثْبَتَةَ هُنَا) وَهِيَ الْأَزْوَاجُ وَالْمَنْفِيَّةَ الْأَفْرَادُ ق ل. قَوْلُهُ: (إلَى الْأَوَّلِ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ التِّسْعَةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَك أَنْ تُخْرِجَ الْوَاحِدَ إلَخْ) حَاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ الْأَفْرَادِ فَقَطْ فَتُخْرِجَ الْوَاحِدَ مِنْ الثَّلَاثَةِ، يَبْقَى اثْنَانِ تُخْرِجُهُمَا مِنْ الْخَمْسَةِ، وَيَبْقَى ثَلَاثَةٌ تُخْرِجُهَا مِنْ السَّبْعَةِ، يَبْقَى أَرْبَعَةٌ تُخْرِجُهَا مِنْ التِّسْعَةِ، يَبْقَى خَمْسَةٌ وَهِيَ اللَّازِمَةُ.
قَوْلُهُ: (لَهُ) أَيْ لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ: قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْعَشَرَةَ إلَّا خَمْسَةً خَمْسَةً) لِأَنَّ الْمَعْنَى لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ مُتَّصِفَةٌ بِكَوْنِهَا نَاقِصَةً خَمْسَةً. وَإِيضَاحُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَحَدَاتِ الْخَمْسَةَ لَهَا اسْمَانِ مُفْرَدٌ وَهُوَ لَفْظُ خَمْسَةٍ وَمُرَكَّبٌ وَهُوَ عَشْرَةٌ إلَّا خَمْسَةً، فَإِنَّ مَعْنَاهُ عَشْرَةٌ مُخْرَجٌ مِنْهَا خَمْسَةٌ أَوْ نَاقِصَةٌ مِنْهَا خَمْسَةٌ وَذَلِكَ هُوَ الْخَمْسَةُ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِعَدَمِ وُجُودِ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَالنَّفْيُ تَوَجَّهَ لِجَمِيعِ مَا بَعْدَهُ كُلِّهِ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُرَكَّبٌ مَمْزُوجٌ مَعْنَاهُ خَمْسَةٌ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ خَمْسَةٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مُثْبَتٌ يَبْقَى بَعْدَ النَّفْيِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ النَّفْيَ تَوَجَّهَ لِلَّفْظِ شَيْءٍ وَهُوَ عَامٌّ وَبَعْدَهُ مُثْبَتٌ فَيَبْقَى عَلَى الْقَاعِدَةِ وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى بَعْدَ النَّفْيِ يَكُونُ مُثْبَتًا، فَلِذَلِكَ قَالَ الشَّارِحُ: لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، وَقَوْلُ الشَّارِحِ " فَجَعَلَ النَّفْيَ مُتَوَجِّهًا إلَى مَجْمُوعِ الْمُسْتَثْنَى إلَخْ " فِيهِ مُسَامَحَةٌ لِأَنَّ مَا بَعْدَ النَّفْيِ كَلَامٌ مُرَكَّبٌ مَعْنَاهُ لَفْظُ خَمْسَةٍ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَلَا مُسْتَثْنًى إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَاكَ بِحَسَبِ الْأَصْلِ قَبْلَ النَّفْيِ.
قَوْلُهُ: (النَّفْيُ الْأَوَّلُ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ إلَّا نَفْيٌ وَاحِدٌ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَرَجَ عَنْ قَاعِدَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إلَخْ) أَيْ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْإِلْزَامِ، قَالَ ز ي: وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ ضَابِطٌ حَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ عَامًّا عُمِلَ بِالِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ إلَّا خَمْسَةً، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا أُلْغِيَ الِاسْتِثْنَاءُ كَقَوْلِهِ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَّا خَمْسَةً، فَلَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الْمِثَالِ، فَيَجْرِي فِيمَا لَوْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إلَّا مِائَةً فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ نَفْيٌ مُجْمَلٌ) أَيْ عَامٌّ، فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَعْدَادِ الَّتِي مِنْهَا الْخَمْسَةُ وَقَدْ اسْتَثْنَاهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ قَدَّمَ الْمُسْتَثْنَى) كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ إلَّا خَمْسَةَ عَشْرَةَ، وَلَا بُدَّ مِنْ الشُّرُوطِ وَالنِّيَّةُ حِينَئِذٍ تَكُونُ عِنْدَ الْمُسْتَثْنَى لِأَنَّهُ حَالٌّ مَحِلَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ. قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ جِنْسٍ إلَخْ) أَيْ أَوْ نَوْعِهِ أَوْ صِفَتِهِ فِيمَا يَظْهَرُ ع ش، وَدَلِيلُهُ: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧] ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلا سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢] اهـ م ر. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي خَاتَمٌ وَأَطْلَقَ دَخَلَ فِي الْإِقْرَارِ فَصُّهُ لِتَنَاوُلِ الْخَاتَمِ لَهُ، وَلَا
стр. 1095
مِنْهُ وَيُسَمَّى اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا، إنْ بُيِّنَ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ دُونَ أَلْفٍ فَإِنْ بُيِّنَ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ فَالْبَيَانُ لَغْوٌ وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّهُ بُيِّنَ بِمَا أَرَادَهُ بِهِ فَكَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِهِ وَهُوَ مُسْتَغْرِقٌ، وَصَحَّ أَيْضًا مِنْ مُعَيَّنٍ كَغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ لِزَيْدٍ إلَّا هَذَا الْبَيْتَ، أَوْ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدُ لَهُ إلَّا وَاحِدًا، وَحَلَفَ فِي بَيَانِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِمُرَادِهِ حَتَّى لَوْ مَاتُوا بِقَتْلٍ أَوْ دُونِهِ إلَّا وَاحِدًا وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمُسْتَثْنَى صُدِّقَ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ الَّذِي أَرَادَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ لِاحْتِمَالِ مَا ادَّعَاهُ. وَقَدْ ذَكَرْت فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ فَوَائِدَ مُهِمَّةً لَا يَحْتَمِلُهَا هَذَا الْمُخْتَصَرُ فَلْيُرَاجِعْهَا مَنْ أَرَادَ.
(وَهُوَ) أَيْ الْإِقْرَارُ (فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ) وَلَوْ مَخُوفًا (سَوَاءً) فِي الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ، فَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ وَفِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ لَمْ يُقَدَّمْ الْأَوَّلُ بَلْ يَتَسَاوَيَانِ، كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِإِنْسَانٍ وَأَقَرَّ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ لَمْ يُقَدَّمْ الْأَوَّلُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّ إقْرَارَ الْوَارِثِ كَإِقْرَارِ الْمُورَثِ لِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ فَكَأَنَّهُ أَقَرَّ بِالدَّيْنَيْنِ. تَتِمَّةٌ: لَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ لِإِنْسَانٍ بِدَيْنٍ وَلَوْ مُسْتَغْرِقًا ثُمَّ أَقَرَّ لِآخَرَ بِعَيْنٍ قُدِّمَ صَاحِبُهَا كَعَكْسِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ لَا يَتَضَمَّنُ حَجْرًا فِي الْعَيْنِ، بِدَلِيلِ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا بِغَيْرِ تَبَرُّعٍ. وَلَوْ أَقَرَّ بِإِعْتَاقِ أَخِيهِ فِي الصِّحَّةِ عَتَقَ وَوَرِثَهُ إنْ لَمْ يَحْجُبْهُ غَيْرُهُ، أَوْ بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ فِي الصِّحَّةِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِتَرِكَتِهِ عَتَقَ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ لَا تَبَرُّعٌ، وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي مَرَضِهِ لِوَارِثِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مُحِقٌّ لِأَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالَةٍ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيَتُوبُ فِيهَا الْفَاجِرُ، وَفِي قَوْلٍ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِحِرْمَانِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي إقْرَارِ الزَّوْجَةِ بِقَبْضِ صَدَاقِهَا مِنْ زَوْجِهَا فِي مَرَضِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
يُقْبَلُ مِنْهُ عَدَمُ إرَادَتِهِ الْفَصَّ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ عَمَّا أَقَرَّ بِهِ شَرْحُ م ر. وَلَا يُشْكِلُ عَلَى هَذِهِ عَدَمُ لُزُومِ الْفَصِّ فِيمَا لَوْ قَالَ: فِيهِ فَصٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَصَّ فِي لَفْظِهِ عَلَى الْفَصِّ كَانَ خَارِجًا وَلَمَّا أَطْلَقَ هُنَا كَانَ دَاخِلًا اهـ أج.
قَوْلُهُ: (إنْ بَيَّنَ إلَخْ) كَأَنَّهُ قَالَ: إلَّا قِيمَةَ ثَوْبٍ سم.
قَوْلُهُ: (بِمَا أَرَادَهُ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ وَمَا وَاقِعَةٌ عَلَى الثَّوْبِ. وَقَوْلُهُ " بِهِ " أَيْ بِالْأَلْفِ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِبَيَّنَ، أَيْ لِأَنَّهُ بَيَّنَ الثَّوْبَ الَّذِي أَرَادَهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِالْأَلْفِ أَيْ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَكَأَنَّهُ تَلَفَّظَ بِالْأَلْفِ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: لِأَنَّهُ بَيَّنَ مَا أَرَادَهُ بِهِ أَيْ بَيَّنَ الثَّوْبَ الَّذِي أَرَادَهُ بِالْأَلْفِ.
قَوْلُهُ: (كَغَيْرِهِ) وَهُوَ مَا فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ كَقَوْلِهِ: لَهُ عَلَيَّ عَشْرَةٌ إلَخْ، فَقَوْلُ ق ل: إنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ دَائِمًا مُعَيَّنٌ، وَقَوْلُهُ إنَّ " مِنْ " فِي قَوْلِهِ " مِنْ مُعَيَّنٍ " زَائِدَةٌ مَمْنُوعٌ.
قَوْلُهُ: (وَزَعَمَ) أَيْ ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ الَّذِي أَرَادَهُ) بَدَلٌ مِنْ بِيَمِينِهِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) مُبْتَدَأٌ وَقَوْلُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ حَالٌ، وَقَوْلُهُ " سَوَاءٌ " خَبَرٌ، أَيْ مُسْتَوِيَانِ، فَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْمُبْتَدَإِ الْمُفْرَدِ؛ وَذَلِكَ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ لَا يُخْبَرُ بِهِ إلَّا عَنْ مُتَعَدِّدٍ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَالتَّقْدِيرُ: وَحُكْمُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ وَحُكْمٌ مُضَافٌ لِمَعْرِفَةٍ فَيَعُمُّ حَالَ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَحُكْمُهُ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَحُكْمُهُ فِي حَالِ الْمَرَضِ سَوَاءٌ، نَظِيرُ مَا قَالُوهُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «هَذَانِ حَرَامٌ» أَيْ اسْتِعْمَالُ هَذَيْنِ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ مَا هُنَا عَلَى الْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: (قُدِّمَ صَاحِبُهَا) أَيْ الْعَيْنِ، أَيْ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا، نَعَمْ لِلْوَرَثَةِ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْمُقَرَّ بِهِ وَلَا تَسْقُطُ الْيَمِينُ بِإِسْقَاطِ الْوَارِثِ، فَإِنْ نَكَلَ حَلَفُوا وَبَطَلَ الْإِقْرَارُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ. اهـ. م ر ع ش. وَقَوْلُهُ " كَعَكْسِهِ " أَيْ بِأَنْ قُدِّمَ الْإِقْرَارُ بِالْعَيْنِ.
قَوْلُهُ: (بِدَلِيلِ نُفُوذِ تَصَرُّفِهِ) أَيْ الْمَرِيضِ أَيْ قَبْلَ إقْرَارِهِ بِهَا، أَيْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْعَيْنِ بَعْدَ إقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ، وَأَمَّا التَّبَرُّعُ بِهَا فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الدَّيْنِ نَفَذَ وَإِلَّا فَلَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَقَرَّ) أَيْ الْمَرِيضُ بِإِعْتَاقِ أَخِيهِ بِأَنْ كَانَ أَخُوهُ رَقِيقًا لَهُ فَأَقَرَّ بِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي الصِّحَّةِ عَتَقَ وَوَرِثَهُ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَحْجُبْهُ غَيْرُهُ) مِنْ ابْنٍ أَوْ أَبٍ وَهُوَ قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ وَوَرِثَهُ. قَوْلُهُ: (لِتَرِكَتِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمُسْتَغْرِقٍ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ إلَخْ) وَهَذِهِ الْعِلَّةُ تَجْرِي فِي الْقَوْلِ بِالصِّحَّةِ. وَيُجَابُ بِأَنَّهَا ضَعُفَتْ بِمَا قَالَهُ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالَةٍ إلَخْ؛ وَقَوْلُهُ " لِأَنَّهُ انْتَهَى إلَى حَالَةٍ إلَخْ " غَرَضُهُ بِهَذَا الرَّدِّ عَلَى الضَّعِيفِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ
стр. 1096
مَوْتِهَا وَفِي إقْرَارِهِ لِوَارِثِهِ بِهِبَةٍ أَقْبَضَهَا لَهُ فِي حَالِ صِحَّتِهِ، وَالْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الصِّحَّةِ وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَعِنْدَ قَصْدِ الْحِرْمَانِ لَا شَكَّ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ وَقَالَ: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَخْذُهُ انْتَهَى. وَالْخِلَافُ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، أَمَّا لَوْ أَقَرَّ بِنِكَاحٍ أَوْ عُقُوبَةٍ فَيَصِحُّ جَزْمًا وَإِنْ أَفْضَى إلَى الْمَالِ بِالْعَفْوِ أَوْ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ لِضَعْفِ التُّهْمَةِ.
فَصْلٌ
فِي الْعَارِيَّةِ وَهِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَقَدْ تُخَفَّفُ اسْمٌ لِمَا يُعَارُ وَلِعَقْدِهَا مِنْ عَارَ إذَا ذَهَبَ وَجَاءَ بِسُرْعَةٍ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْغُلَامِ الْخَفِيفِ عَيَّارٌ لِكَثْرَةِ ذَهَابِهِ وَمَجِيئِهِ. وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَفَسَّرَ جُمْهُورُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
إقْرَارُهُ لِبَعْضِ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِحِرْمَانِ بَاقِيهِمْ، قَالَ م ر فِي شَرْحِهِ: وَاخْتَارَ جَمْعٌ عَدَمَ قَبُولِهِ إنْ اُتُّهِمَ لِفَسَادِ الزَّمَانِ، بَلْ قَدْ تَقْطَعُ الْقَرَائِنُ بِكَذِبِهِ.
قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: فَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ يَخْشَى اللَّهَ أَنْ يَقْضِيَ أَوْ يُفْتِيَ بِالصِّحَّةِ وَلَا شَكَّ فِيهِ إذَا عَلِمَ أَنَّ قَصْدَهُ الْحِرْمَانُ وَقَدْ صَرَّحَ جَمْعٌ بِالْحُرْمَةِ حِينَئِذٍ وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَخْذُهُ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي إقْرَارِ الزَّوْجَةِ بِقَبْضِ صَدَاقِهَا مِنْ زَوْجِهَا، اهـ فَافْهَمْ ذَلِكَ فَهُوَ حَسَنٌ اهـ. قَوْلُهُ: (وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي إقْرَارِ الزَّوْجَةِ بِقَبْضِ صَدَاقِهَا مِنْ زَوْجِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهَا) هَذِهِ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ: " وَيَصِحُّ إقْرَارُهُ فِي مَرَضِهِ لِوَارِثِهِ " فَلَا حَاجَةَ لِذِكْرِهَا، وَيُمْكِنُ أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَيْهَا اهْتِمَامًا بِهَا لِكَثْرَةِ وُقُوعِهَا، وَقَدْ يُقَالُ: مَا مَرَّ فِي إقْرَارِهِ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لِوَارِثِهِ وَهَذَا إقْرَارٌ بِقَبْضِ مَا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فِي الصِّحَّةِ) أَيْ صِحَّةِ الْإِقْرَارِ. قَوْلُهُ: (لَا يَحِلُّ لِلْمُقَرِّ لَهُ أَخْذُهُ) يُحْمَلُ عَلَى مَا إذَا عَلِمَ الْمُقَرُّ لَهُ أَنَّهُ قَصَدَ الْمُقِرُّ بِذَلِكَ حِرْمَانَ الْوَرَثَةِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُ الْمُقَرَّ بِهِ. قَوْلُهُ: (وَالْخِلَافُ فِي الْإِقْرَارِ) أَيْ إقْرَارِ الْمَرِيضِ. قَوْلُهُ: (بِنِكَاحٍ) أَيْ بِأَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فُلَانَةَ مَثَلًا. قَوْلُهُ: (أَوْ عُقُوبَةً) أَيْ مُوجِبُ عُقُوبَةٍ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَفْضَى إلَى الْمَالِ بِالْعَفْوِ إلَخْ) عَلَى اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ، فَالْعَفْوُ رَاجِعٌ لِلْعُقُوبَةِ، وَالْمَوْتُ رَاجِعٌ لِلنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَإِنْ وَجَبَ بِالْعَقْدِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَقَرَّرُ إلَّا بِالْمَوْتِ أَوْ الدُّخُولِ، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ فَلَمْ يُوجَدْ دُخُولٌ فَيَكُونُ تَقَرُّرُهُ بِالْمَوْتِ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ) رَاجِعٌ لِلْمَوْتِ أَيْ مَاتَ الزَّوْجُ مَثَلًا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الزَّوْجَةِ الْمَهْرَ.
[فَصْلٌ فِي الْعَارِيَّةِ]
ِ ذَكَرَهَا عَقِبَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهَا تُشْبِهُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِي كُلِّ إزَالَةٍ مَا هُوَ تَحْتَ يَدِهِ لِغَيْرِهِ، لَكِنْ فِي الْإِقْرَارِ لَا عَوْدَ وَفِي الْعَارِيَّةِ عَوْدٌ وَذَكَرَهَا فِي التَّحْرِيرِ عَقِبَ الْإِجَارَةِ وَهُوَ أَنْسَبُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ، لَكِنَّ الْإِجَارَةَ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ بِمُقَابِلٍ وَالْعَارِيَّةُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ بِلَا مُقَابِلٍ، وَلِاتِّحَادِ شَرْطِ مَا يُؤَجَّرُ وَمَا يُعَارُ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا؛ وَلِذَا قَالَ الرُّويَانِيُّ: كُلُّ مَا جَازَتْ إجَارَتُهُ جَازَتْ إعَارَتُهُ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ بَعْضُ فُرُوعٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَدْ تُخَفَّفُ) وَفِيهَا لُغَةٌ ثَالِثَةٌ: بِوَزْنِ نَاقَةٍ م ر عَارَةٌ ع ش. قَوْلُهُ؛ (اسْمٌ لِمَا يُعَارُ) أَيْ شَرْعًا، وَلِعَقْدِهَا أَيْ فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا ع ش. وَعِبَارَةُ ح ل: قَوْلُهُ " اسْمٌ لِمَا يُعَارُ " أَيْ لُغَةً وَشَرْعًا أَوْ لُغَةً فَقَطْ أَوْ لُغَةً لِمَا يُعَارُ وَشَرْعًا لِلْعَقْدِ، لَكِنْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ مَا يُفِيدُ أَنَّ إطْلَاقَهَا عَلَى كُلٍّ مِنْ الْعَقْدِ وَمَا يُعَارُ لُغَوِيٌّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَحَقِيقَتُهَا الشَّرْعِيَّةُ إبَاحَةُ مَنْفَعَةِ مَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ.
قَوْلُهُ: (إذَا ذَهَبَ وَجَاءَ بِسُرْعَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهَا تُرَدُّ لِصَاحِبِهَا بِالسُّرْعَةِ، وَقِيلَ مِنْ التَّعَاوُرِ وَهُوَ التَّنَاوُبُ لِتَنَاوُبِ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَارِ أَيْ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَارٌ وَعَيْبٌ. وَرُدَّ بِأَنَّ عَيْنَ الْعَارِيَّةِ وَاوٌ وَعَيْنَ الْعَارِ يَاءٌ وَبِأَنَّهُ ﷺ اسْتَعَارَ فَرَسًا اهـ قَوْلُهُ: (عَيَّارٌ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]
стр. 1097
الْمُفَسِّرِينَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] مَا يَسْتَعِيرُهُ الْجِيرَانُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَالدَّلْوِ وَالْفَأْسِ وَالْإِبْرَةِ، وَخَبَرُ الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ اسْتَعَارَ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ فَرَكِبَهُ» وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَيْهَا وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَقَدْ تَجِبُ كَإِعَارَةِ الثَّوْبِ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، وَقَدْ تَحْرُمُ كَإِعَارَةِ الْأَمَةِ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَقَدْ تُكْرَهُ كَإِعَارَةِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ مِنْ كَافِرٍ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْبِرُّ فِعْلُ الْخَيْرِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي الْعَارِيَّةِ فِعْلُ الْخَيْرِ وَالتَّقْوَى امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي. وَسُمِّيَتْ تَقْوًى؛ لِأَنَّهَا تَقِي أَيْ تَحْفَظُ صَاحِبَهَا مِنْ الْمَهَالِكِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَفَسَّرَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ) أَيْ فَسَرُّوا الْمَاعُونَ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] وَغَيْرُ الْجُمْهُورِ فَسَّرَهُ بِالزَّكَاةِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ كُلُّ مَعْرُوفٍ. اهـ. سَمِّ. وَحَكَى الْبَيْضَاوِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ بِقِيلَ وَقَدَّمَ عَلَيْهِ تَفْسِيرَهُ بِالزَّكَاةِ اهـ. وَكَانَتْ وَاجِبَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِلْوَعِيدِ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهَا. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ. فَلَا حَاجَةَ لِمَا يُقَالُ إنَّ الْوَعِيدَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَجْمُوعِ مَا فِيهَا أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَمْنَعُ الْمَاعُونَ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إعَارَتُهُ. قَوْله: (كَإِعَارَةِ الثَّوْبِ إلَخْ) مَعَ وُجُوبِ الْأُجْرَةِ حَيْثُ كَانَ لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ ز ي وَهَلْ وَإِنْ لَمْ يُعْقَدْ بِذَلِكَ أَوْ حَيْثُ عُقِدَ بِهِ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِعَارِيَّةٍ بَلْ إجَارَةٍ، وَكَذَا تَجِبُ إعَارَةُ كُلِّ مَا فِيهِ إحْيَاءُ مُهْجَةٍ مُحْتَرَمَةٍ، وَكَذَا إعَارَةُ سِكِّينٍ لِذَبْحِ مَأْكُولٍ يُخْشَى مَوْتُهُ ح ل. وَلَا يُنَافِي وُجُوبَ الْإِعَارَةِ هُنَا أَنَّ الْمَالِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَبْحُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ؛ لِأَنَّهَا بِالتَّرْكِ هُنَا، وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ إسْعَافِهِ إذَا أَرَادَ حِفْظَ مَالِهِ كَمَا يَجِبُ الِاسْتِيدَاعُ إنْ تَعَيَّنَ وَإِنْ جَازَ لِلْمَالِكِ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ إلَى التَّلَفِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ الْمُنَافَاةَ. اهـ. عِ ش عَلَى م ر. قَوْلُهُ؛ (وَقَدْ تَحْرُمُ) وَلَا تَصِحُّ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ سم.
قَوْلُهُ: (كَإِعَارَةِ الْأَمَةِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ حِينَئِذٍ فَاسِدَةٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْعَقْدَ شَامِلٌ لِلْفَاسِدِ كَالصَّحِيحِ، تَدَبَّرْ. وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ اعْتِرَاضِ الْقَلْيُوبِيِّ. قَوْلُهُ: (مِنْ أَجْنَبِيٍّ) أَيْ لَهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ مَرِضَ الْأَجْنَبِيُّ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْدُمُهُ إلَّا أَمَةً فَاسْتَعَارَهَا لِذَلِكَ فَتَصِحُّ لِلضَّرُورَةِ. وَقَوْلُهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ وَكَالصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ وَالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ لِلْحَرْبِيِّ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ وَالْبَاغِي إذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عِصْيَانُهُمْ بِذَلِكَ اهـ ز ي.
قَوْلُهُ: (مِنْ كَافِرٍ) وَوَجْهُ الْكَرَاهَةِ مِنْ حَيْثُ الْعَقْدُ وَإِلَّا فَخِدْمَةُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ حَرَامٌ قَطْعًا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ وَلَوْ فِي حَمَّامٍ أَوْ حَلْقِ رَأْسِهِ فَلَا يُمْكِنُ مِنْ اسْتِخْدَامِهِ كَمَا قَالَهُ قِ ل. وَانْظُرْ مَا فَائِدَةُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعِيرُهُ وَلَا يُؤَجِّرُهُ، وَلَعَلَّ فَائِدَةَ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي الْأَيْمَانِ وَالتَّعَالِيقِ. اهـ. م د. أَقُولُ: فَائِدَةُ ذَلِكَ إذَا اسْتَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا تَعْتَرِيهَا الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ وَضْعِهَا السُّنَّةُ، قَالَ ع ش: وَيُمْكِنُ تَصْوِيرُهَا فِي إعَارَةِ شَيْءٍ لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ الْبَرِّ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَصَالَةً إجْمَاعًا، وَكَانَتْ وَاجِبَةً فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) ثُمَّ نُسِخَ وُجُوبُهَا بِقَوْلِهِ ﷺ : " لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ أَخِيهِ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ " وَقَدْ تَجِبُ كَإِعَارَةِ الثَّوْبِ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، وَكَإِعَارَةِ الْحَبْلِ لِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَالسِّكِّينِ لِذَبْحِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ يُخْشَى مَوْتُهُ. وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ إضَاعَةَ الْمَالِ إذَا كَانَ سَبَبُهَا تَرْكًا لَا تَحْرُمُ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْحَيَوَانَ قَدْ يَكُونُ لِمَحْجُورٍ بِحَضْرَةِ وَلِيِّهِ اهـ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ إعَارَةُ السِّكِّينِ لِذَبْحِ الْحَيَوَانِ الْمَذْكُورِ إلَّا إذَا كَانَ لِمَحْجُورٍ إلَخْ رَاجِعْهُ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَهِيَ سُنَّةٌ، وَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً كَإِعَارَةِ ثَوْبٍ لِدَفْعِ نَحْوِ مُؤْذٍ كَحَرٍّ وَمُصْحَفٍ لِمَنْ لَمْ يَحْفَظْ الْفَاتِحَةَ وَهُوَ يَعْرِفُ الْمُطَالَعَةَ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْعُبَابِ تَبَعًا لِلْكِفَايَةِ، أَوْ ثَوْبٍ تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ. وَالظَّاهِرُ مِنْ حَيْثُ الْفِقْهُ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ وُجُوبُ إعَارَةِ كُلِّ مَا فِيهِ إحْيَاءُ مُهْجَةٍ مُحْتَرَمَةٍ وَلَا أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ، وَكَذَا إعَارَةُ سِكِّينٍ لِذَبْحِ مَأْكُولٍ يُخْشَى مَوْتُهُ، وَكَإِعَارَةِ مَا كَتَبَ بِنَفْسِهِ أَوْ مَأْذُونِهِ فِيهِ سَمَاعُ غَيْرِهِ أَوْ رِوَايَتُهُ لِيَنْسَخَهُ مِنْهُ تَحْرُمُ كَإِعَارَةِ غَيْرِ صَغِيرَةٍ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَتُكْرَهُ كَإِعَارَةِ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ اهـ. وَتَعْتَرِيهَا الْإِبَاحَةُ بِأَنْ أَعَارَ لِغَنِيٍّ غَيْرِ مُحْتَاجٍ، كَمَا إذَا
стр. 1098
وَأَرْكَانُهَا أَرْبَعَةٌ: مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ وَمُعَارٌ وَصِيغَةٌ. وَقَدْ بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِالْمُسْتَعَارِ فَقَالَ وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ كَالْعَبْدِ وَالثَّوْبِ، فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَلَا يُعَارُ مَا لَا نَفْعَ فِيهِ كَالْحِمَارِ الزَّمِنِ، وَأَمَّا مَا يُتَوَقَّعُ نَفْعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَالْجَحْشِ الصَّغِيرِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ أَنَّ الْعَارِيَّةَ إنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً بِزَمَنٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ صَحَّتْ وَإِلَّا فَلَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَ ذَلِكَ، وَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الثَّانِي مَا لَوْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ مُحَرَّمَةً، فَلَا يُعَارُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ انْتِفَاعًا مُحَرَّمًا كَآلَاتِ الْمَلَاهِي، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَنْفَعَتُهُ قَوِيَّةً فَلَا يُعَارُ النَّقْدَانِ لِلتَّزَيُّنِ إذْ مَنْفَعَتُهُ بِهِمَا، أَوْ الضَّرْبُ عَلَى طَبْعِهِمَا مَنْفَعَةٌ ضَعِيفَةٌ قَلَّمَا تُقْصَدُ، وَمُعْظَمُ مَنْفَعَتِهِمَا فِي الْإِنْفَاقِ وَالْإِخْرَاجِ، نَعَمْ إنْ صَرَّحَ بِالتَّزَيُّنِ أَوْ الضَّرْبِ عَلَى طَبْعِهِمَا أَوْ نَوَى ذَلِكَ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُهُمْ صَحَّتْ لِاِتِّخَاذِهِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ مَقْصِدًا وَإِنْ ضَعُفَتْ، وَيَنْبَغِي مَجِيءُ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
كَانَ عِنْدَ شَخْصٍ ثِيَابٌ كَثِيرَةٌ مَثَلًا وَعِنْدَ آخَرَ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَقَطْ وَهُوَ مُسْتَغْنٍ بِهِ فَاسْتَعَارَ صَاحِبُ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مِنْ صَاحِبِ الثِّيَابِ ثَوْبًا، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْإِبَاحَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
قَوْلُهُ: (بِالْمُسْتَعَارِ) الْمُنَاسِبِ " بِالْمُعَارِ ". قَوْلُهُ: (وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَخْ) حَاصِلُ مَا فِي الْمَتْنِ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ، وَزَادَ الشَّارِحُ رَابِعًا وَخَامِسًا.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ) فِي هَذَا الْإِخْرَاجِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْجَوَازِ، فَكَانَ الْأَوْلَى تَقْدِيمُ قَوْلِهِ " جَازَتْ إعَارَتُهُ " عَلَى قَوْلِهِ " فَخَرَجَ إلَخْ " إلَّا أَنْ يُقَالَ لَاحَظَ الْإِخْبَارَ أَوَّلًا ثُمَّ أَخْرَجَ أَوْ اتَّكَلَ عَلَى الْمُعَلِّمِ. قَوْلُهُ: (مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ) الْمُنَاسِبُ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ: مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ إدْخَالُ مَا تَوَقَّعَ نَفْعَهُ، كَالْجَحْشِ الصَّغِيرِ إذَا كَانَتْ إعَارَتُهُ مُقَيَّدَةً فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (الزَّمِنِ) بِفَتْحِ الزَّاي وَكَسْرِ الْمِيمِ قَالَ فِي الْمِصْبَاح زَمِنَ الشَّخْصُ زَمِنًا وَزَمَانَةً فَهُوَ زَمِنٌ مِنْ بَابِ تَعِبَ وَهُوَ مَرَضٌ يَدُومُ زَمَانًا طَوِيلًا. قَوْلُهُ: (كَآلَاتِ الْمَلَاهِي) قَضِيَّةُ التَّمْثِيلِ بِمَا ذَكَرَ لِلْمُحَرَّمِ أَنَّ مَا يُبَاحُ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ الطُّبُولِ وَنَحْوِهَا لَا يُسَمَّى آلَةَ لَهْوٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَيْهِ فَالشِّطْرَنْجُ تُبَاحُ إعَارَتُهُ بَلْ إجَازَتُهُ. اهـ. عِ ش.
قَوْلُهُ: (قَوِيَّةً) عِبَارَةُ م ر: " مَقْصُودَةً " بَدَلَ " قَوِيَّةً " وَهِيَ أَوْلَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهَا قَوْلُهُ بَعْدُ: " قَلَّمَا تُقْصَدُ اهـ " وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَلَا بُدَّ إلَى قَيْدٍ آخَرَ. قَوْلُهُ: (لِلتَّزَيُّنِ) أَيْ أَوْ لِلضَّرْبِ عَلَى طَبْعِهِمَا، أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ وَالِاسْتِدْرَاكِ الْآتِي وَإِنْ لَمْ يُقَدِّرْ مَا ذَكَرَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَوْ الضَّرْبِ عِلَّةً بِلَا مُعَلِّلٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ " أَوْ الضَّرْبِ " بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى " لِلتَّزَيُّنِ " فَهُوَ مُؤَخَّرٌ مِنْ تَقْدِيمٍ، وَقَوْلُهُ " إذْ مَنْفَعَتُهُ " عِلَّةٌ لِذَلِكَ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ " لِلتَّزَيُّنِ " هِيَ لَامُ الْعَاقِبَةِ بِأَنْ اسْتَعَارَ النَّقْدَ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِجِهَةِ الِانْتِفَاعِ لِيُوَافِقَ مَا سَيَأْتِي أَنَّهُ إنْ صَرَّحَ بِالتَّزَيُّنِ أَوْ الضَّرْبِ عَلَى طَبْعِهِمَا صَحَّ لِجَعْلِهِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ مَقْصُودَةً؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً تَتَقَوَّى بِالْقَصْدِ. وَعِبَارَةُ الْمَرْحُومِيِّ: لَعَلَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ " لِلتَّزَيُّنِ " أَيْ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَتَّى لَا يُنَافِي الِاسْتِدْرَاكَ الْآتِي، وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: فَلَا يُعَارُ النَّقْدَانِ فَقَطْ، وَيُحْذَفُ قَوْلُهُ " لِلتَّزَيُّنِ " ثُمَّ يَسْتَدْرِكُ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (إذْ مَنْفَعَتُهُ) أَيْ الْمُسْتَعِيرِ بِهِمَا، أَيْ بِالنَّقْدَيْنِ، أَيْ لِلتَّزَيُّنِ كَمَا هُوَ الْفَرْضُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ضَمِيرَ مَنْفَعَتِهِ لِلتَّزَيُّنِ وَالْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ. وَقَوْلُهُ " أَوْ الضَّرْبُ " الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِالرَّفْعِ مَعْطُوفٌ عَلَى " مَنْفَعَتُهُ " مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، وَيَكُونُ " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَجَرُّهُ مَعْطُوفًا عَلَى " التَّزَيُّنِ " مِنْ بَابِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالْمُبْتَدَإِ وَهُوَ " مَنْفَعَتُهُ " وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمُبْتَدَإِ وَخَبَرِهِ بِقَوْلِهِ " أَوْ الضَّرْبُ " تَأَمَّلْ. نَعَمْ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلَى ضَمِيرِ مَنْفَعَتِهِ إذَا كَانَ رَاجِعًا لِلتَّزَيُّنِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ مَالِكٍ الْمُجَوِّزِ لِلْعَطْفِ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَخْفُوضِ بِدُونِ إعَادَةِ الْخَافِضِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ " أَوْ الضَّرْبُ " مَعْطُوفًا عَلَى " التَّزَيُّنِ " فَهُوَ مُؤَخَّرٌ مِنْ تَقْدِيمٍ وَحَقُّهُ أَنْ يُذْكَرَ بِجَنْبِهِ، وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فِي مَنْفَعَتِهِ لِلْمُسْتَعَارِ وَفِي بِهِمَا لِلتَّزَيُّنِ وَالضَّرْبِ، وَفِيهِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى مُتَأَخِّرٍ لَفْظًا لَكِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ رُتْبَةً، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ مُسَامَحَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالْمُبْتَدَإِ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الْمُبْتَدَإِ وَالْخَبَرِ بِالْمَعْطُوفِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي " مَنْفَعَتُهُ " عَائِدٌ عَلَى " التَّزَيُّنِ " وَقَوْلُهُ " أَوْ الضَّرْبِ " بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى ضَمِيرِ " التَّزَيُّنِ " وَلَكِنْ يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الضَّرْبَ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي الدَّعْوَى وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ فِيهَا التَّزَيُّنُ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الضَّرْبَ مُقَدَّرٌ أَيْضًا، وَالتَّقْدِيرُ: فَلَا يُعَارُ النَّقْدَانِ لِلتَّزَيُّنِ أَوْ الضَّرْبِ، فَحُذِفَ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي.
стр. 1099
فِي الْمَطْعُومِ الْآتِي. وَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الثَّالِثِ مَا لَوْ كَانَتْ مَنْفَعَتُهُ فِي إذْهَابِ عَيْنِهِ، فَلَا يُعَارُ الْمَطْعُومُ وَنَحْوُهُ فَإِنَّ الِانْتِفَاعَ بِهِ إنَّمَا هُوَ بِالِاسْتِهْلَاكِ، فَانْتَفَى الْمَقْصُودُ مِنْ الْإِعَارَةِ. فَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْمُعَارِ (جَازَتْ إعَارَتُهُ إذَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ آثَارًا) بِالْقَصْرِ أَيْ بَاقِيَةً كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ كَمَا مَرَّ، فَخَرَجَ بِالْمَنَافِعِ الْأَعْيَانُ، فَلَوْ أَعَارَهُ شَاةً لِلَبَنِهَا أَوْ شَجَرَةً لِثَمَرَتِهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ أَعَارَهُ شَاةً أَوْ دَفَعَهَا لَهُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَالْإِخْرَاجِ) أَيْ فِي الْمَصَالِحِ وَهُوَ عَطْفُ مُرَادِفٍ. قَوْلُهُ: (عَلَى طَبْعِهِمَا) أَيْ صُورَتِهِمَا.
قَوْلُهُ: (فِي الْمَطْعُومِ الْآتِي) أَيْ فَإِذَا اسْتَعَارَ طَعَامًا لِيَطْبُخَ مِثْلَهُ صَحَّ.
قَوْلُهُ: (فَلَا يُعَارُ الْمَطْعُومُ وَنَحْوُهُ) أَيْ كَالشَّمْعِ وَالصَّابُونِ. وَهَلْ يُنَزَّلُ الِاسْتِقْذَارُ مَنْزِلَةَ إذْهَابِ الْعَيْنِ فَلَا تَصِحُّ إعَارَةُ الْمَاءِ لِلْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَجَّسْ أَوْ تَصِحَّ نَظَرًا لِبَقَاءِ عَيْنِهِ مَعَ طَهَارَتِهِ؟ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَجَرَى ق ل عَلَى صِحَّةِ إعَارَةِ ذَلِكَ لَكِنْ تَبَعًا لِلظَّرْفِ، وَمَشَى الرَّمْلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى جَوَازِ إعَارَةِ الْمَاءِ لِلْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَالتَّبَرُّدِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى فِي ظَرْفِهِ وَالْأَجْزَاءُ الذَّاهِبَةُ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ مَا يَذْهَبُ مِنْ الثَّوْبِ الْمُعَارِ بِالِانْمِحَاقِ. اهـ. م د؛ وَعِبَارَتُهُ عَلَى التَّحْرِيرِ: وَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ مِنْ الْمُعَارِ أَيْ مِنْ ذَاتِهِ أَوْ وَصْفِهِ، فَلَوْ أَعَارَهُ ثَوْبًا لِلُبْسِهِ فَلَا يَضْمَنُ مَا انْسَحَقَ مِنْهُ أَوْ انْمَحَقَ وَإِنْ ذَهَبَ جَمِيعُهُ، أَوْ أَعَارَهُ مَاءً لِوُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ فَلَا يَضْمَنُ مَا تَشَرَّبَتْهُ الْأَعْضَاءُ مِنْهُ وَلَا نَقَصَ قِيمَتُهُ بِالِاسْتِعْمَالِ، وَلَوْ أَعَارَهُ دَوَاةً لِلْكِتَابَةِ مِنْهَا أَوْ دَابَّةً لِأَخْذِ لَبَنِهَا أَوْ شَجَرَةً لِأَخْذِ ثَمَرَتِهَا لَمْ يَضْمَنْ تِلْكَ الْأَعْيَانَ الْمَأْخُوذَةَ. نَعَمْ لَوْ قَالَ شَيْخُنَا: الْحَقُّ أَنَّ تِلْكَ الْأَعْيَانَ مَأْخُوذَةٌ بِالْإِبَاحَةِ وَأَنَّ الْمُعَارَ مَحَالُّهَا فَقَطْ لِأَخْذِهَا مِنْهَا ق ل. وَعِبَارَةُ م ر: وَحَقَّقَ الْأُشْمُونِيُّ فَقَالَ: إنَّ الدَّرَّ وَالنَّسْلَ لَيْسَا مُسْتَفَادَيْنِ بِالْعَارِيَّةِ بَلْ الْإِبَاحَةُ وَالْمُسْتَعَارُ هُوَ الشَّاةُ لِمَنْفَعَةٍ هُوَ التَّوَصُّلُ لِمَا أُبِيحَ وَكَذَا الْبَاقِي اهـ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فِي الْمُعَارِ إلَخْ) فِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ؛ لِأَنَّ جُمْلَةَ جَازَتْ إعَارَتُهُ خَبَرُ كُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ وَقَدْ جَعَلَهَا الشَّارِحُ جَوَابَ الشَّرْطِ، وَيَلْزَمُ عَلَى كَلَامِهِ خُلُوُّ الْمُبْتَدَإِ عَنْ الْخَبَرِ تَأَمَّلْ. وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَلَّ مَعْنًى.
قَوْلُهُ: (جَازَتْ إعَارَتُهُ) أَيْ وَاسْتِعَارَتُهُ، وَمُرَادُهُ بِالْجَوَازِ مَا قَابَلَ الْحُرْمَةَ فَيُصَدَّقُ بِالنَّدْبِ وَالْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ: (إذَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ) هَذَا الشَّرْطُ يُغْنِي عَنْهُ قَوْلُهُ: مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ. قَوْلُهُ: (بِالْقَصْرِ) فِيهِ نَظَرٌ، فَفِي الْمِصْبَاحِ: وَأَثَرُ الدَّارِ بَقِيَّتُهَا وَالْجَمْعُ آثَارٌ كَسَبَبٍ وَأَسْبَابٍ اهـ فَالْقَصْرُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمُفْرَدِ دُونَ الْجَمْعِ، فَلَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى الشَّارِحِ. وَفِي نُسْخَةٍ " أَثَرًا " بِالْإِفْرَادِ، وَلَا إشْكَالَ عَلَيْهَا فَيُمْكِنُ أَنَّ الشَّارِحَ شَرَحَ عَلَيْهَا؛ لَكِنْ يَرِدُ عَلَى هَذِهِ النُّسْخَةِ عَدَمُ الْمُطَابِقَةِ بَيْنَ اسْمِ كَانَ وَخَبَرِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ذَوَاتَ أَثَرٍ. قَوْلُهُ: (أَيْ بَاقِيَةً) فِيهِ مُسَامَحَةً؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْآثَارِ بِبَقَاءِ الْعَيْنِ فَيَكُونُ كَأَنَّهُ قَالَ: مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ مُسْتَدْرَكًا، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَيْ مَنَافِعَ غَيْرَ أَعْيَانٍ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ أَيْضًا وَاتِّحَادُ اسْمِ كَانَ وَخَبَرِهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إذَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ مَنَافِعَ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْأَوَّلِ الْمُرَادُ بِهَا مَا يُنْتَفَعُ بِهِ أَعَمُّ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْآثَارِ وَالثَّانِي الْمُرَادُ بِهِ الْآثَارُ فَقَطْ فَيَكُونُ الثَّانِي أَخَصَّ سم.
قَوْلُهُ: (فَخَرَجَ بِالْمَنَافِعِ إلَخْ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ، فَإِنَّ الْمَنَافِعَ الَّتِي فِي الْمَتْنِ لَمْ تُجْعَلْ شَرْطًا وَقَيْدًا. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ قَيَّدَ الْمَنَافِعَ وَهُوَ قَوْلُهُ آثَارًا، وَهَذَا الْإِخْرَاجُ ضَعِيفٌ، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعَارِيَّةَ صَحِيحَةٌ وَالْمُسْتَفَادُ مِنْهَا مَنَافِعُ وَهِيَ تُوَصِّلُك لِحَقِّك مِنْ اللَّبَنِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا اللَّبَنُ فَهُوَ مَأْخُوذٌ بِالْإِبَاحَةِ لَا الْعَارِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ق ل: لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعَارَ فِي ذَلِكَ هُوَ الشَّاةُ لِتُوَصِّلَك إلَى مَا أُبِيحَ لَك وَأَنَّ اللَّبَنَ مَأْخُوذٌ بِالْإِبَاحَةِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ فَقَوْلُهُ لَمْ يَصِحَّ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ إلَّا إنْ كَانَ مُرَادُهُ إعَارَةَ نَفْسِ اللَّبَنِ أَوْ نَفْسِ الثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهُ بَاطِلٌ. وَعِبَارَةُ ز ي: الْحَقُّ أَنَّ الدَّرَّ وَالنَّسْلَ لَيْسَا مُسْتَفَادَيْنِ بِالْعَارِيَّةِ بَلْ بِالْإِبَاحَةِ وَالْمُسْتَعَارُ هُوَ الشَّاةُ لِمَنْفَعَةٍ وَهِيَ إيصَالُك إلَى مَا أُبِيحَ لَك، فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَعَرْت مَجْرًى فِي أَرْضِ غَيْرِك لِتُوَصِّلَ مَاءَك إلَى أَرْضِك.
قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ) كَإِعَارَةِ دَوَاةٍ لِلْكِتَابَةِ مِنْهَا وَمَاءٍ لِلْوُضُوءِ بِهِ مَثَلًا أَوْ لِإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ بِهِ وَإِنْ تَنَجَّسَ أَوْ بُسْتَانٍ لِأَخْذِ ثَمَرِهِ، فَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ ق ل. وَقَوْلُهُ " وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ " أَيْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِلشَّارِحِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " لَمْ يَصِحَّ " ضَعِيفٌ، وَقَوْلُهُ " وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ " وَهُوَ أَنَّ الْحِبْرَ وَالْمَاءَ وَالثَّمَرَةَ مَأْخُوذَةٌ بِالْإِبَاحَةِ وَالْمُسْتَعَارُ إنَّمَا هُوَ ظَرْفُ الْحِبْرِ وَظَرْفُ
стр. 1100
وَمَلَّكَهُ دَرَّهَا وَنَسْلَهَا لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَضْمَنْ آخُذُهَا الدَّرَّ وَالنَّسْلَ لِأَنَّهُ أَخَذَهُمَا بِهِبَةٍ، فَاسِدَةٍ وَيَضْمَنُ الشَّاةَ بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ الْفَاسِدَةِ.
(وَتَجُوزُ) إعَارَةُ جَارِيَةٍ لِخِدْمَةِ امْرَأَةٍ أَوْ ذَكَرٍ مُحَرَّمٍ لِلْجَارِيَةِ لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ فِي ذَلِكَ. وَفِي مَعْنَى الْمَرْأَةِ وَالْمُحَرَّمِ الْمَمْسُوحُ وَزَوْجُ الْجَارِيَةِ وَمَالِكُهَا كَأَنْ يَسْتَعِيرَهَا مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا أَوْ الْمُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَتِهَا. وَيَلْحَقُ بِالْجَارِيَةِ الْأَمْرَدُ الْجَمِيلُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ، لَا سِيَّمَا مِمَّنْ عُرِفَ بِالْفُجُورِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَسَكَتُوا عَنْ إعَارَةِ الْعَبْدِ لِلْمَرْأَةِ وَهُوَ كَعَكْسِهِ بِلَا شَكٍّ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَعِيرُ أَوْ الْمُعَارُ خُنْثَى امْتَنَعَ احْتِيَاطًا وَيُكْرَهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ اسْتِعَارَةُ وَإِعَارَةُ فَرْعِ أَصْلِهِ لِخِدْمَةٍ وَاسْتِعَارَةُ، وَإِعَارَةُ كَافِرٍ مُسْلِمًا صِيَانَةً لَهُمَا عَنْ الْإِذْلَالِ.
تَنْبِيهٌ: سَكَتَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شُرُوطِ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ، فَيُشْتَرَطُ فِي الْمُعِيرِ صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ وَلِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بِإِبَاحَةِ الْمَنْفَعَةِ فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكَاتَبٍ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، وَمَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ وَفَلَسٍ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا فَلَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمَاءِ لِمَنْفَعَةٍ وَهِيَ إيصَالك لِمَا أُبِيحَ لَك، وَكَذَا الْبُسْتَانُ مُعَارٌ لِإِيصَالِك لِلثَّمَرِ تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ الْفَاسِدَةِ) ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى حِينَئِذٍ أَعْيَانٌ لَا مَنَافِعُ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (الْمَمْسُوحُ) أَيْ إذَا كَانَ عَفِيفًا، وَمِثْلُهُ الْمَرْأَةُ.
قَوْلُهُ: (وَزَوْجُ الْجَارِيَةِ) أَيْ بِأَنْ يَسْتَعِيرَهَا مِنْ سَيِّدِهَا وَلَا نَفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ وَإِنْ سَلِمَتْ لَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا؛ لِأَنَّ تَسَلُّمَهُ لَهَا إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْعَارِيَّةِ وَالْمُعَارُ نَفَقَتُهُ عَلَى مَالِكِهِ. اهـ. م د. وَيُلْغِزُ بِهَا وَيُقَالُ: لَنَا زَوْجَةٌ مُسْلِمَةٌ لِزَوْجِهَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (كَأَنْ يَسْتَعِيرَهَا) يَرْجِعُ لِقَوْلِهِ وَمَالِكُهَا. قَوْلُهُ: (وَيَلْحَقُ بِالْجَارِيَةِ إلَخْ) ذَكَرَ م ر هَذَا بَعْدَ أَنْ قَالَ بِخِلَافِ إعَارَتِهَا لِأَجْنَبِيٍّ وَلَوْ شَيْخَاهُمَا أَوْ مُرَاهِقًا أَوْ خَصِيًّا. وَقَدْ تَضَمَّنَتْ نَظَرًا أَوْ خَلْوَةً مُحَرَّمَةً وَلَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَظِنَّةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِحُرْمَتِهِ اهـ. وَهُوَ أَصْنَعُ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِلْحَاقُ فِي الْحُرْمَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَا سِيَّمَا إلَخْ، وَقَوْلُهُ: وَيَلْحَقُ إلَخْ؛ أَيْ فِي صِحَّةِ إعَارَتِهِ لِلْمُحْرِمِ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ وَهَذَا مَأْخُوذٌ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ مِمَّا ذَكَرَ فِي الْجَارِيَةِ. وَعِبَارَةُ الْمَدَابِغِيِّ: قَوْلُهُ " وَيَلْحَقُ إلَخْ " يَقْتَضِي حُرْمَةَ ذَلِكَ وَلَوْ لِعَدْلٍ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَدْلِ وَلَا يُقَالُ لَوْ نَظَرَ لِلْعَدَالَةِ لَجَازَتْ إعَارَةُ الْأَمَةِ لِغَيْرِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِالْجِنْسِيَّةِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ كَعَكْسِهِ) وَهُوَ إعَارَةُ الْجَارِيَةِ لِلرَّجُلِ أَيْ الْأَجْنَبِيِّ وَالْعَكْسُ وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِي كَلَامِهِ، لَكِنْ مُلَاحَظٌ فِيهِ تَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (امْتَنَعَ احْتِيَاطًا) فَلَا يُعَارُ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ وَلَا لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَلَا يَسْتَعِيرُ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً. قَوْلُهُ: (اسْتِعَارَةٍ إلَخْ) هَذَا مُصَوَّرٌ بِمَا إذَا كَانَ الْأَصْلُ رَقِيقًا فَيُكْرَهُ لِمَالِكِهِ إعَارَتُهُ لِفَرْعِهِ وَيُكْرَهُ لِلْفَرْعِ اسْتِعَارَتُهُ اهـ. فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِعَارَةِ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلْإِعَارَةِ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ، أَيْ إعَارَةُ الْمَالِكِ الْكَافِرِ مُسْلِمًا وَصَوَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ مُسْتَأْجِرًا لِلْأَصْلِ فَتُكْرَهُ لَهُ إعَارَتُهُ اهـ وَصَوَّرَهُ أج بِأَنْ يَشْتَرِيَ الْمُكَاتَبُ أَصْلَهُ فَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ وَتُكْرَهُ لَهُ إعَارَتُهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا خِلَافُ مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، وَإِنَّمَا الْكَرَاهَةُ فِي جَانِبِ الْوَلَدِ لِمَكَانِ الْوِلَادَةِ فَلَمْ يَتَعَدَّ لِغَيْرِهِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَصْلَ لَوْ أَعَارَ نَفْسَهُ لِفَرْعِهِ بِأَنْ كَانَ حُرًّا لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إعَانَةٌ عَلَى مَكْرُوهٍ وَهِيَ اسْتِعَارَتُهُ إيَّاهُ.
قَوْلُهُ: (لِخِدْمَةٍ) أَفْهَمَ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ لِلِاسْتِرَاحَةِ جَازَتْ. قَوْلُهُ: (وَاسْتِعَارَةِ وَإِعَارَةِ كَافِرٍ مُسْلِمًا) أَيْ يُكْرَهُ عَقْدُ الِاسْتِعَارَةِ، وَأَمَّا خِدْمَةُ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ فَحَرَامٌ فَلَا يُمْكِنُ مِنْهَا الْكَافِرُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِذْلَالِ. وَانْظُرْ أَيَّ فَائِدَةٍ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُمَا مَصْدَرَانِ مُضَافَانِ لِلْفَاعِلِ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْكَافِرَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُعِيرَ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَلَوْ لِمُسْلِمٍ وَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ. وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلِاسْتِعَارَةِ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَبِالنِّسْبَةِ لِلْإِعَارَةِ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَمُسْلِمًا مَفْعُولٌ ثَانٍ وَعَلَيْهِ فَلَا يَقْتَضِي مَا ذَكَرَ شَوْبَرِيٌّ. وَقَوْلُهُ " مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ " أَيْ يُكْرَهُ لِلْمَالِكِ أَنْ يُعِيرَ الْكَافِرَ الْمُسْلِمَ وَلَا يُوضَعُ عِنْدَهُ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ) أَيْ إلَّا إعَارَةَ نَفْسِهِ لِخِدْمَةِ نَحْوِ مُعَلِّمِهِ مِنْ وَلِيِّهِ، وَمِثْلُهُ الْمَجْنُونُ وَالسَّفِيهُ ق ل. أَوْ لِمَا لَا يُقْصَدُ مِنْ مَنَافِعِهِ بِأَنْ لَمْ يُقَابَلْ بِأُجْرَةٍ؛ وَلِذَلِكَ سُئِلَ م ر عَمَّنْ قَالَ لِوَلَدِ غَيْرِهِ: اقْضِ لِي هَذِهِ الْحَاجَةَ مَثَلًا، هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ
стр. 1101
يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ، وَأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِمَنْفَعَةِ الْمُعَارِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْعَيْنِ؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ إنَّمَا تَرِدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ، فَتَصِحُّ مِنْ مُكْتِرٍ لَا مِنْ مُسْتَعِيرٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْمَنْفَعَةِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ فَلَا يَمْلِكُ نَقْلَ الْإِبَاحَةِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَعِيرِ تَعْيِينٌ وَإِطْلَاقُ تَصَرُّفٍ، فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَنْ قَالَ: أَعَرْت أَحَدَكُمَا. وَلَا لِصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَسَفِيهٍ إلَّا بِعَقْدِ وَلِيِّهِمْ إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَارِيَّةُ مُضَمَّنَةً، كَأَنْ اسْتَعَارَ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ. وَلِلْمُسْتَعِيرِ إنَابَةُ مَنْ يَسْتَوْفِي لَهُ الْمَنْفَعَةَ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ رَاجِعٌ إلَيْهِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الصِّيغَةِ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالْإِذْنِ فِي الِانْتِفَاعِ كَأَعَرْتُكَ، أَوْ بِطَلَبِهِ كَأَعِرْنِي مَعَ لَفْظِ الْآخَرِ أَوْ فِعْلِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ وَعَلِمَ رِضَا وَلِيِّهِ جَازَ. وَفِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يُعِيرَ وَلَدَهُ الصَّغِيرَ فِي خِدْمَةٍ لَهَا أُجْرَةٌ أَوْ تَضُرُّ بِهِ الْخِدْمَةُ كَمَا لَا يُعِيرُ مَالَهُمَا بِخِلَافِ خِدْمَةٍ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، كَأَنْ يُعِيرَهُ لِخِدْمَةِ مَنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَجْنُونُ وَالْبَالِغُ السَّفِيهُ كَذَلِكَ،. اهـ. رَوْضٌ وَشَرْحُهُ. فَرْعٌ: لَوْ أَرْسَلَ بَالِغٌ صَبِيًّا لِيَسْتَعِيرَ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ، فَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ هُوَ وَلَا مُرْسِلُهُ؛ كَذَا فِي الْجَوَاهِرِ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي يَدِهِ أَيْ الْمُرْسِلِ وَنَظَرَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ وَالنَّظَرُ وَاضِحٌ إذْ الْإِعَارَةُ مِمَّنْ عُلِمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ تَقْتَضِي تَسْلِيطَهُ عَلَى الْإِتْلَافِ، فَلْيُحْمَلْ ذَلِكَ أَيْ عَدَمُ الضَّمَانِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ رَسُولٌ. اهـ. ابْنُ حَجَرٍ وَكَتَبَ ابْنُ قَاسِمٍ عَلَى قَوْلِهِ " فَلْيُحْمَلْ ذَلِكَ إلَخْ ". أَقُولُ فِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِعَارَةَ لَا تَقْتَضِي تَسْلِيطَ الْمُسْتَعِيرِ عَلَى الْإِتْلَافِ أَيْ فَيَضْمَنُ فِيهِ لَا فِي التَّلَفِ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا تَقْتَضِي الْمُسَامَحَةَ بِوَاسِطَةِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَفَلَسٍ) أَيْ إلَّا زَمَنًا لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ ق ل، كَإِعَارَةِ شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِ زَمَنًا يَسِيرًا. وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَلَوْ لِنَحْوِ دَارِهِ يَوْمًا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ، خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ التَّبَرُّعِ مُطْلَقًا وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ حَيْثُ لَا يُقَابَلُ بِأُجْرَةٍ.
قَوْلُهُ: (مَالِكًا لِمَنْفَعَةِ الْمُعَارِ) الْمُرَادُ بِالْمِلْكِ مَا يَشْمَلُ الِاخْتِصَاصَ بِهَا لِتَصْحِيحِهِمْ إعَارَةَ كَلْبٍ لِصَيْدٍ وَإِعَارَةِ أُضْحِيَّةٍ وَهَدْيٍ وَلَوْ مَنْذُورَيْنِ، وَإِعَارَةِ الْإِمَامِ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ ز ي أج. وَإِذَا أَعَارَ الْأُضْحِيَّةَ وَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا وَالْقَرَارُ عَلَى مَنْ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ. وَيُلْغَزُ بِهَذَا فَيُقَالُ: لَنَا مُعِيرٌ يَضْمَنُ سم.
قَوْلُهُ: (لَا مِنْ مُسْتَعِيرٍ) هَذَا مَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَالِكُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمَالِكُ صَحَّتْ الْإِعَارَةُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ثُمَّ إنْ لَمْ يُسَمِّ الْمَالِكُ مَنْ يُعِيرُ لَهُ فَالْأَوَّلُ عَلَى عَارِيَّتِهِ وَهُوَ الْمُعِيرُ لِلثَّانِي وَالضَّمَانُ بَاقٍ عَلَيْهِ وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا وَإِنْ رَدَّهَا الثَّانِي عَلَيْهِ بَرِيءَ أَيْ الثَّانِي، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَبَاقٍ عَلَى الضَّمَانِ، وَإِنْ سَمَّاهُ انْعَكَسَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ اهـ خ ض وَعِبَارَةُ م د عَلَى التَّحْرِيرِ: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْمَنْفَعَةِ وَلَوْ بِوَصِيَّةٍ أَوْ وَقْفٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْعَيْنِ؛ وَقَيَّدَ ابْنُ الرِّفْعَةِ جَوَازَ الْإِعَارَةِ مِنْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِمَا إذَا كَانَ نَاظِرًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ. اهـ. .
قَوْلُهُ: (تَعْيِينٌ) سَكَتَ عَنْ هَذَا فِي الْمُعِيرِ. وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعْيِينُ كَالْمُعَارِ، فَلَوْ قَالَ لِاثْنَيْنِ: لِيُعِرْنِي أَحَدُكُمَا كَذَا فَدَفَعَهُ أَحَدُهُمَا لَهُ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ صَحَّ، وَعَلَيْهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَعِيرِ بِأَنَّ الدَّفْعَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رِضًا بِإِتْلَافِ مَنْفَعَةِ مَتَاعِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالْمُسْتَعِيرِ فَلَا يَصِحُّ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ ع ش. قَوْلُهُ: (وَلَا لِصَبِيٍّ إلَخْ) وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ إنْ أَخَذُوا مِنْ رَشِيدٍ وَإِلَّا ضَمِنُوا. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ: فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ إلَخْ فَيَضْمَنُهَا مِنْ أَخْذِهَا مِنْهُ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (إذَا لَمْ تَكُنْ الْعَارِيَّةُ مُضَمَّنَةً) أَيْ فَتَصِحُّ حِينَئِذٍ، إذْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَحْجُورِ فِيهَا بِخِلَافِ الْمُضَمَّنَةِ كَالَّتِي مِنْ غَيْرِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَيَمْتَنِعُ عَلَى الْوَلِيِّ لِمَا فِيهَا مِنْ ضَمَانِ الْمَحْجُورِ لَوْ تَلِفَتْ. مَسْأَلَةٌ: فِي جَمَاعَةٍ مُشْتَرِكِينَ فِي سَاقِيَّةٍ أَوْ دِرَاسٍ أَوْ حَرْثٍ، فَهَلْ إذَا مَاتَتْ بَهِيمَةُ أَحَدِهِمْ فِي شُغْلِ ذَلِكَ تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَى بَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ؟ وَهَلْ إذَا كَانَ لِكُلِّ شَرِيكٍ حَيَوَانٌ يَكُونُ الْحُكْمُ كَذَلِكَ أَمْ لَا؟ أَجَابَ إذَا أَخَذَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ ثَوْرَ الْآخَرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهُوَ غَاصِبٌ لَهُ يَضْمَنُهُ ضَمَانَ الْمَغْصُوبِ وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ لَا فِي مُقَابَلَةِ شَيْءٍ ضَمِنَهُ ضَمَانَ الْعَارِيَّةِ وَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ ثَوْرِهِ كَانَتْ إجَارَةً فَاسِدَةً يَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَإِذَا مَاتَ لَا يَضْمَنُهُ.
стр. 1102
أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَمَا فِي الْإِبَاحَةِ، وَفِي مَعْنَى اللَّفْظِ الْكِتَابَةُ مَعَ نِيَّةِ وَإِشَارَةِ أَخْرَسَ مُفْهِمَةٍ. وَلَوْ قَالَ: أَعَرْتُك فَرَسِي مَثَلًا لِتَعْلِفَهُ بِعَلَفِك أَوْ لِتُعِيرَنِي فَرَسَك فَهُوَ إجَارَةٌ لَا إعَارَةٌ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى فَاسِدَةٌ لِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ وَالْعِوَضِ تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَمُؤْنَةَ رَدِّ الْمُعَارِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مِنْ مَالِكٍ أَوْ مِنْ نَحْوِ مُكْتَرٍ إنْ رَدَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عَلَى الْمَالِكِ فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ رَدَّ عَلَى الْمُكْتَرِي. وَخَرَجَ بِمُؤْنَةِ رَدِّهِ مُؤْنَتُهُ فَتَلْزَمُ الْمَالِكَ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ وَإِنْ خَالَفَ الْقَاضِي، وَقَالَ: إنَّهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ.
وَتَصِحُّ (الْعَارِيَّةُ مُطْلَقَةً) مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِزَمَنٍ (وَمُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ) كَشَهْرٍ فَلَا يُفْتَرَقُ الْحَالُ بَيْنَهُمَا. نَعَمْ الْمُؤَقَّتَةُ يَجُوزُ فِيهَا تَكْرِيرُ الْمُسْتَعِيرِ مَا اسْتَعَارَ لَهُ، فَإِذَا اسْتَعَارَ أَرْضًا لِبِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ أَوْ يَغْرِسَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْأُخْرَى مَا لَمْ تَنْقَضِ الْمُدَّةُ أَوْ يَرْجِعْ الْمُعِيرُ، وَفِي الْمُطْلَقَةِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ قَلَعَ مَا بَنَاهُ أَوْ غَرَسَهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ إعَادَتُهُ إلَّا بِإِذْنٍ جَدِيدٍ إلَّا إنْ صَرَّحَ لَهُ بِالتَّجْدِيدِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الْإِعَارَةُ مُطْلَقَةً أَمْ مُؤَقَّتَةً لِكُلٍّ مِنْ الْمُعِيرِ وَالْمُسْتَعِيرِ رُجُوعٌ فِي الْعَارِيَّةِ مَتَى شَاءَ؛ لِأَنَّهَا جَائِزَةٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَتَنْفَسِخُ بِمَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْوَكَالَةُ وَنَحْوُهَا مِنْ مَوْتِ أَحَدِهِمَا وَغَيْرِهِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ رُجُوعِ الْمُعِيرِ مَا إذَا أَعَارَ أَرْضًا لِدَفْنِ مَيِّتٍ مُحْتَرَمٍ، فَلَا يَرْجِعُ الْمُعِيرُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ وَامْتَنَعَ أَيْضًا عَلَى
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (لَفْظٌ يُشْعِرُ إلَخْ) يُسْتَثْنَى مِنْ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ مَا إذَا اشْتَرَى شَيْئًا وَسَلَّمَهُ لَهُ الْبَائِعُ فِي ظَرْفٍ فَالظَّرْفُ مُعَارٌ فِي الْأَصَحِّ، وَمَا لَوْ أَكَلَ الْمُهْدَى إلَيْهِ الْهَدِيَّةَ فِي ظَرْفِهَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ إنْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَكْلِهَا مِنْهُ كَأَكْلِ الطَّعَامِ مِنْ الْقَصْعَةِ الْمَبْعُوثِ فِيهَا، وَهُوَ مُعَارٌ، فَيَضْمَنُهُ بِحُكْمِ الْعَارِيَّةِ إلَّا إذَا كَانَ لِلْهَدِيَّةِ عِوَضٌ وَجَرَتْ الْعَادَةُ بِالْأَكْلِ مِنْهُ فَلَا يَضْمَنُهُ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِمَا ذَكَرَ ضَمَّنَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ بِحُكْمِ الْغَصْبِ سُلْطَانٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الظَّرْفَ أَمَانَةٌ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ مُطْلَقًا، وَمَغْصُوبٌ بِالِاسْتِعْمَالِ الْغَيْرِ الْمُعْتَادِ مُطْلَقًا، وَعَارِيَّةٌ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمُعْتَادِ إنْ لَمْ يَكُنْ عِوَضٌ وَإِلَّا فَمُؤَجَّرٌ إجَارَةً فَاسِدَةً اهـ وَيُؤْخَذ مِنْ هَذَا حُكْمُ مَا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ مُرِيدَ الشِّرَاءِ يَدْفَعُ ظَرْفَهُ لِزَيَّاتٍ مَثَلًا فَيَتْلَفُ مِنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ وَضْعِ الْمَبِيعِ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ وَضْعِ الْمَبِيعِ فِيهِ ضَمَّنَهُ؛ لِأَنَّهُ عَارِيَّةٌ اهـ ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ: (وَإِنْ تَأَخَّرَ أَحَدُهُمَا) أَيْ وَإِنْ تَرَاخَى وَإِلَّا فَالتَّأَخُّرُ مَوْجُودٌ قَطْعًا. قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْإِبَاحَةِ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ لَا تَتَوَقَّفُ مِنْ الطَّرَفِ الْآخَرِ عَلَى لَفْظٍ وَلَا فِعْلٍ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ م ر.
قَوْلُهُ: (نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى) رَاجِعٌ لِلْإِجَارَةِ الْمُثْبَتَةِ وَالْإِعَارَةُ الْمَنْفِيَّةُ، وَقَوْلُهُ " فَاسِدَةٌ " صِفَةٌ لِ " إجَارَةٌ ". وَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يُقَدِّمَ قَوْلَهُ " فَاسِدَةٌ " عَلَى قَوْلِهِ " لَا إعَارَةٌ ".
قَوْلُهُ: (لِجَهَالَةِ الْمُدَّةِ) عِبَارَةُ م ر لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ مَعَ التَّعْلِيقِ فِي الثَّانِيَةِ، وَقَوْلُهُ " وَالْعِوَضِ " أَيْ فِي الْأَوْلَى. قَوْلُهُ: (تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ) وَلَا تُضْمَنُ الْعَيْنُ وَيَرْجِعُ بِالْعَلَفِ عَلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ لِعَدَمِ تَبَرُّعِهِ. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مَالِكٍ) أَيْ اسْتَعَارَ مِنْ مَالِكٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (أَوْ مِنْ نَحْوِ مُكْتِرٍ) نَحْوَ الْمُكْتَرِي الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ. قَوْلُهُ " إنْ رَدَّ عَلَيْهِ " أَيْ عَلَى نَحْوِ الْمُكْتَرِي، وَقَوْلُهُ " فَالْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ " أَيْ الْمَالِكِ، وَقَوْلُهُ " كَمَا لَوْ وَرَدَ عَلَى الْمُكْتَرِي " أَيْ فَإِنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ، أَيْ وَالْمُسْتَعِيرُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُسْتَأْجِرِ، أَيْ وَالْمُسْتَأْجِرُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ. وَفِي ق ل عَلَى الْغَزِّيِّ: وَلَا ضَمَانَ فِي الدَّابَّةِ أَيْ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ مِنْ الْمُسْتَأْجِرِ إنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ وَلَوْ بِغَيْرِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا وَلَا مُؤْنَةُ رَدِّهَا. فَرْعٌ: وَقَعَ السُّؤَالُ أَيْضًا عَمَّا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ مُسْتَعِيرَ الدَّابَّةِ إذَا نَزَلَ عَنْهَا بَعْدَ رُكُوبِهِ لَهَا يُرْسِلُهَا مَعَ تَابِعِهِ فَيَرْكَبُهَا التَّابِعُ فِي الْعَوْدِ ثُمَّ تَتْلَفُ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، فَهَلْ يَضْمَنُهَا الْمُسْتَعِيرُ أَمْ التَّابِعُ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّ التَّابِعَ وَإِنْ رَكِبَهَا فَهُوَ فِي حَاجَةِ الْمُسْتَعِيرِ مِنْ إيصَالِهَا إلَى مَحَلِّ الْحِفْظِ. اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ أُجْرَةَ الْمُعَدِّيَةِ أَوْ مَنْ يَسُوقُهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ دُونَ الْمُعِيرِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ اهـ ع ش.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَالَفَ الْقَاضِي وَقَالَ إلَخْ) قَوْلُ الْقَاضِي ضَعِيفٌ فَلَوْ عَلَفَهَا الْمُسْتَعِيرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَّا إنْ عَلَفَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ أَوْ إشْهَادٍ ق ل.
قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ الْإِعَارَةُ إلَخْ) اسْتِئْنَافٌ. قَوْلُهُ: (مَيِّتٍ مُحْتَرَمٍ) وَهُوَ كُلُّ مَنْ وَجَبَ دَفْنُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ
стр. 1103
الْمُسْتَعِيرِ رَدُّهَا فَهِيَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَتِهِمَا حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ وَهُوَ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ فِي طَرَفِ الْعُصْعُصِ لَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ بِالْمُشَاهَدَةِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْمَيِّتِ، وَلَهُمَا الرُّجُوعُ قَبْلَ وَضْعِهِ فِي الْقَبْرِ لَا بَعْدَ وَضْعِهِ وَإِنْ لَمْ يُوَارَ بِالتُّرَابِ كَمَا رَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ خِلَافًا لِلْمُتَوَلِّي. وَذَكَرْت فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ مَسَائِلَ كَثِيرَةً مُسْتَثْنَاةً مِنْ الرُّجُوعِ فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا، فَمَنْ أَرَادَهَا فَلْيُرَاجِعْهَا مِنْ تِلْكَ الْكُتُبِ. وَلَكِنَّ الْهِمَمَ قَدْ قَصُرَتْ وَإِنْ أَعَارَ لِبِنَاءٍ أَوْ غِرَاسٍ وَلَوْ إلَى مُدَّةٍ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ بَنَى الْمُسْتَعِيرُ أَوْ غَرَسَ، فَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ قَلْعَ ذَلِكَ لَزِمَهُ قَلْعُهُ، فَإِنْ امْتَنَعَ قَلَعَهُ الْمُعِيرُ وَإِنْ لَمْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَتَارِكُ الصَّلَاةِ وَالذِّمِّيُّ ع ش.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَنْدَرِسَ) فَلَوْ أَقَّتَ الْعَارِيَّةَ بِمُدَّةٍ لَا يَبْلَى فِيهَا الْمَيِّتُ عَادَةً فَسَدَتْ، وَإِذَا أَعَارَ أَرْضًا لِلدَّفْنِ لَا يَجِبُ تَعْيِينُ كَوْنِ الْمَيِّتِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا. نَعَمْ إنْ كَانَ شَهِيدًا فَيَنْبَغِي تَعْيِينُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَبْلَى. وَهَلْ يَجُوزُ زِيَارَةُ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُعِيرِ؟ قَرَّرَ شَيْخُنَا أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ لِلْعَادَةِ. اهـ. ح ل. وَعُلِمَ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالِانْدِرَاسِ لُزُومُهَا فِي دَفْنِ النَّبِيِّ وَالشَّهِيدِ لِعَدَمِ بِلَائِهِمَا فَلَا يَرِدَانِ، اهـ شَرْحُ م ر وَجُمْلَةُ مَنْ لَا تَأْكُلُ الْأَرْضُ جَسَدَهُ نَظَمَهُمْ التَّتَّائِيُّ فَقَالَ:
لَا تَأْكُلْ الْأَرْضُ جِسْمًا لِلنَّبِيِّ وَلَا ... لِعَالِمٍ وَشَهِيدٍ قُتِلَ مُعْتَرِكْ
وَلَا لِقَارِئِ قُرْآنٍ وَمُحْتَسِبٍ ... أَذَانَهُ لِإِلَهٍ مُجْرِي الْفُلْك
وَنَظَمَهُمْ الشَّمْسُ الْبُرُلُّسِيُّ بِقَوْلِهِ:
أَبَتْ الْأَرْضُ أَنْ تُمَزِّقَ لَحْمًا ... لِشَهِيدٍ وَعَالِمٍ وَنَبِيٍّ
وَكَذَا قَارِئُ الْقُرْآنِ وَمَنْ ... أَذَّنَ لِلَّهِ حِسْبَةً دُونَ شَيْءٍ
قَوْلُهُ: (أَثَرُ الْمَدْفُونِ) فَيَرْجِعُ حِينَ الِانْدِرَاسِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي تَكْرِيرِ الدَّفْنِ وَإِلَّا فَالْعَارِيَّةُ انْتَهَتْ، شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: (عَجْبَ الذَّنَبِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِسُكُونِ الْجِيمِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ آخِرُهُ وَإِبْدَالُهَا مِيمًا لُغَةً كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ، وَقَوْلُهُ: الْعُصْعُصُ بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَيُضَمُّ وَقَدْ يُفْتَحُ تَخْفِيفًا مِثْلَ طُحْلُبٍ وَطُحْلَبٍ وَالْجَمْعُ عَصَاعِصُ. اهـ. مِصْبَاحٌ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ وَضْعِهِ فِي الْقَبْرِ) أَيْ قَبْلَ إدْلَائِهِ فِي الْقَبْرِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى أَسْفَلِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَإِلَّا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ فِي عَوْدِهِ إزْرَاءٌ بِهِ ق ل. وَإِذَا رَجَعَ قَبْلَ الْإِدْلَاءِ غَرِمَ لِوَلِيِّ الْمَيِّتِ مُؤْنَةَ حَفْرِهِ وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَعِيرُ رَدْمُ مَا حَفَرَهُ لِلْإِذْنِ فِيهِ. اهـ. م ر، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَحَرَثَهَا ثُمَّ رَجَعَ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ الْحَرْثِ؛ لِأَنَّ الدَّفْنَ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِالْحَفْرِ فَهُوَ مُوَرِّطٌ لَهُ فِيهِ، بِخِلَافِ زَرْعِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ بِدُونِ حَرْثٍ حَتَّى لَوْ لَمْ يُمْكِنْ زَرْعُهَا إلَّا بِالْحَرْثِ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الدَّفْنِ ز ي، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَفَرَ لِلْمَيِّتِ قَبْلَ مَوْتِهِ لَا غُرْمَ إذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْحَفْرَ إلَّا عِنْدَ مَوْتِهِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ امْتَنَعَ قَلَعَهُ) أَيْ وَإِذَا احْتَاجَ الْقَلْعُ إلَى مُؤْنَةٍ صَرَفَهَا الْمُعِيرُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ صَرَفَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ. اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ:
стр. 1104
يَشْرِطْ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَإِنْ اخْتَارَهُ الْمُسْتَعِيرُ قَلَعَ مَجَّانًا وَلَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ. وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ قَلْعَهُ خُيِّرَ الْمُعِيرُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ وَهِيَ تَمَلُّكُهُ بِعَقْدٍ بِقِيمَتِهِ مُسْتَحَقِّ الْقَلْعِ حِينَ التَّمَلُّكِ، أَوْ قَلْعِهِ بِضَمَانِ أَرْشِ نَقْصِهِ أَوْ تَبْقِيَتِهِ بِأُجْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ الْمُعِيرُ شَيْئًا تُرِكَا حَتَّى يَخْتَارَ أَحَدُهُمَا مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيْعُ مِلْكِهِ مِمَّنْ شَاءَ، وَإِذَا رَجَعَ الْمُعِيرُ قَبْلَ إدْرَاكِ زَرْعٍ لَمْ يُعْتَدْ قَلْعُهُ لَزِمَهُ تَبْقِيَتُهُ إلَى قَلْعِهِ، وَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً وَلَمْ يُدْرِكْ فِيهَا لِتَقْصِيرٍ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ قَلَعَهُ الْمُعِيرُ مَجَّانًا كَمَا لَوْ حَمَلَ نَحْوُ سَيْلٍ كَهَوَاءٍ بَذْرًا إلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَ فِيهَا فَإِنَّ لَهُ قَلْعَهُ مَجَّانًا.
(وَهِيَ) أَيْ الْعَيْنُ الْمُسْتَعَارَةُ (مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ) إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ كَتَلَفِهَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَلَعَ مَجَّانًا) أَيْ فَلَا يَغْرَمُ لَهُ الْمُعِيرُ أَرْشَ مَا نَقَصَ مِنْ الْبِنَاءِ أَوْ الْغِرَاسِ. قَوْلُهُ: (تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ) أَيْ الْحَفْرُ الْحَاصِلَةُ بِالْقَلْعِ دُونَ الْحَاصِلَةِ بِالْبِنَاءِ أَوْ الْغِرَاسِ لِحُدُوثِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (أَوْ قَلَعَهُ بِضَمَانٍ) أَيْ مَعَهُ. قَوْلُهُ: (أَرْشِ نَقْصِهِ) وَهُوَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ قَائِمًا مُسْتَحَقَّ الْقَلْعِ وَمَقْلُوعًا، فَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مُسْتَحَقَّ الْإِبْقَاءِ عَشَرَةً وَمُسْتَحَقَّ الْقَلْعِ تِسْعَةً وَمَقْلُوعًا ثَمَانِيَةً لَزِمَهُ وَاحِدٌ، فَإِذَا تَمَلَّكَهُ لَزِمَهُ تِسْعَةٌ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَأُجْرَةُ الْقَلْعِ عَلَى الْمُعِيرِ وَأُجْرَةُ نَقْلِ النَّقْضِ عَلَى مَالِكِهِ س ل، وَكَذَا أُجْرَةُ نَقْلِ الْمَغْرُوسِ. وَإِذَا اخْتَارَ مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ لَزِمَ الْمُسْتَعِيرَ مُوَافَقَتُهُ، فَإِنْ امْتَنَعَ كُلِّفَ تَفْرِيغَ الْأَرْضِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يَخْتَارَ أَحَدُهُمَا مَا لَهُ اخْتِيَارُهُ) فِيهِ أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَيْسَ لَهُ إلَّا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ الْقَلْعُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُخَيَّرًا؟ قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ تَبْقِيَتُهُ) أَيْ بِالْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ انْقَطَعَتْ بِالرُّجُوعِ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَهَلْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى عَقْدِ إيجَارٍ مِنْ إيجَابٍ وَقَبُولٍ أَمْ يَكْفِي مُجَرَّدُ اخْتِيَارِ الْمُعِيرِ فَتَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ بِمُجَرَّدِهِ؟ الْوَجْهُ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَقْدِ إيجَارٍ، ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي فَتْوَى وَاسْتَدَلَّ مِنْ كَلَامِهِمْ بِمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ، وَقَدْ يُقَالُ إنْ عَقَدَ فَلَا كَلَامَ وَإِلَّا وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. اهـ. سم عَلَى حَجّ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً) أَيْ قَبْلَ إدْرَاكِهِ.
قَوْلُهُ: (قَلَعَهُ الْمُعِيرُ مَجَّانًا) ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ حَقِّهِ حِينَئِذٍ أَنْ لَا يَزْرَعَ.
قَوْلُهُ: (بَذْرًا) اسْمٌ لِمَا يَشْمَلُ الْحَبَّ وَالنَّوَى وَأَصْلُهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الْمَبْذُورُ؛ لِأَنَّهُ سَيَصِيرُ مَبْذُورًا، فَفِيهِ مَجَازٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: إطْلَاقُ الْمَصْدَرِ عَلَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِمَا سَيَصِيرُ إلَيْهِ زي.
قَوْلُهُ: (أَيْ الْعَيْنُ) هَذَا تَفْسِيرٌ مُرَادٌ، وَإِلَّا فَالضَّمِيرُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَائِدٌ عَلَى الْإِعَارَةِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى؛ فَفِي كَلَامِهِ اسْتِخْدَامٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا الْعَارِيَّةَ بِمَعْنَى الْعَقْدِ وَأَعَادَ عَلَيْهَا الضَّمِيرَ بِمَعْنَى الشَّيْءِ الْمُعَارِ قَوْلُهُ: (مَضْمُونَةٌ) بَدَلًا وَأَرْشًا وَإِنْ شَرَطَا عَدَمَ ضَمَانِهَا. قَالَ الْقَفَّالُ: وَلَوْ أَخَذَ الْكُوزَ مِنْ السِّقَاءِ لِيَشْرَبَ فَانْكَسَرَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ فَإِنْ كَانَ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَالْمَاءُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِي يَدِهِ بِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ وَالْكُوزُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَارِيَّةٌ فِي يَدِهِ، وَأَمَّا إذَا شَرَطَ عِوَضًا فَالْمَاءُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ وَالْكُوزُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَالْعُرْفُ يَقْتَضِي الْبَدَلَ لِجَرَيَانِهِ بِهِ، فَإِنْ انْكَسَرَ الْكُوزُ بَعْدَ الشُّرْبِ فَإِنْ كَانَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ لَمْ يَضْمَنْ الْكُوزَ وَلَا بَقِيَّةَ الْمَاءِ الْفَاضِلَةِ فِي الْكُوزِ؛ لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ الْقَدْرُ الَّذِي شَرِبَهُ دُونَ الْبَاقِي فَيَكُونُ الْبَاقِي أَمَانَةً فِي يَدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْ الْعِوَضَ فَالْكُوزُ مَضْمُونٌ وَالْمَاءُ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ وَيَجْرِي هَذَا التَّفْصِيلُ فِي فِنْجَانِ الْقَهْوَةِ؛ اهـ ابْنُ الْعِمَادِ فِي أَحْكَامِ الْأَوَانِي وَالظُّرُوفِ وَمَا فِيهَا مِنْ الْمَظْرُوفِ. فَرْعٌ: لَوْ اسْتَعَارَ قِنْدِيلًا لِلِاسْتِضَاءَةِ بِزِينَتِهِ فَالْقِنْدِيلُ مَضْمُونٌ بِالْعَارِيَّةِ الْفَاسِدَةِ وَالزَّيْتُ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ لِأَنَّهُ هِبَةٌ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ اسْتَعَارَهُ لِيَقْضِيَ بِهِ حَاجَتَهُ وَيَرُدَّهُ فَالْقَدْرُ الزَّائِدُ مِنْ الزَّيْتِ عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ يَضْمَنُهُ إذَا فَرَّطَ، وَإِنْ اسْتَعَارَهُ لِيَقْضِيَ بِجَمِيعِ الزَّيْتِ فَتَلِفَ الزَّيْتُ قَبْلَ الِاسْتِضَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ هِبَةٌ فَاسِدَةٌ،. اهـ. ابْنُ الْعِمَادِ.
قَوْلُهُ: (إذَا تَلِفَتْ) خَرَجَ بِهِ الْإِتْلَافُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ لَزِمَهُ الْبَدَلُ الشَّرْعِيُّ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ كَانَ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ كُلٍّ، فَإِنْ غَرِمَ الْمُتْلِفُ بَرِئَ الْمُسْتَعِيرُ وَإِنْ غَرِمَ الْمُسْتَعِيرُ الْقِيمَةَ لِلْحَيْلُولَةِ رَجَعَ عَلَى الْمُتْلِفِ.
قَوْلُهُ: (بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ
стр. 1105
بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لِخَبَرِ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَحِينَئِذٍ يَضْمَنُهَا (بِقِيمَتِهَا) مُتَقَوِّمَةً كَانَتْ أَوْ مِثْلِيَّةً (يَوْمَ تَلَفِهَا) هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ. فِي الْأَنْوَار وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ جَمْعٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَصْرُونٍ: يَضْمَنُ الْمِثْلِيَّ بِالْمِثْلِ وَجَرَى عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ، وَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. وَلَوْ اسْتَعَارَ عَبْدًا عَلَيْهِ ثِيَابٌ لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا لِيَسْتَعْمِلَهَا بِخِلَافِ إكَافِ الدَّابَّةِ قَالَهُ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ.
تَنْبِيهٌ: يُسْتَثْنَى مِنْ ضَمَانِ الْعَارِيَّةِ مَسَائِلُ مِنْهَا: جِلْدُ الْأُضْحِيَّةِ الْمَنْذُورَةِ، فَإِنَّ إعَارَتَهُ جَائِزَةٌ وَلَا يَضْمَنُهُ الْمُسْتَعِيرُ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ. وَمِنْهَا الْمُسْتَعَارُ لِلرَّهْنِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. وَمِنْهَا مَا لَوْ اسْتَعَارَ صَيْدًا مِنْ مُحَرَّمٍ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ فِي الْأَصَحِّ. وَمِنْهَا مَا لَوْ أَعَارَ الْإِمَامُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ لَهُ حَقٌّ فِيهِ فَتَلِفَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمَأْذُونِ فِيهِ) حَاصِلُهُ أَنْ يُقَالَ إنْ تَلِفَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ لَا ضَمَانَ وَلَوْ بِالتَّعَثُّرِ مِنْ ثِقَلِ حَمْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ وَمَوْتٍ بِهِ وَانْمِحَاقِ ثَوْبِ بِلُبْسِهِ لَا نَوْمِهِ فِيهِ حَيْثُ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ تَعَثُّرِهِ بِانْزِعَاجٍ أَوْ عُثُورِهِ فِي وَهْدَةٍ أَوْ رَبْوَةٍ أَوْ تَعَثُّرِهِ لَا فِي الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ فِي هَذَا الْأُمُورِ، وَمِثْلُهُ سُقُوطُهَا فِي بِئْرٍ حَالَ السَّيْرِ كَمَا قَالَهُ م ر. وَمِنْهُ مَا لَوْ اسْتَعَارَ ثَوْرًا لِاسْتِعْمَالِهِ فِي سَاقِيَّةٍ فَسَقَطَ فِي بِئْرِهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ بِغَيْرِهِ لَا بِهِ، وَمَنْ عَدَمِ الضَّمَانِ تَزَايُدُ مَرَضٍ تَوَلَّدَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. اهـ. ع ش عَلَى م ر وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ أَيْ يَتْلَفُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ يَنْسَحِقُ أَيْ يَنْقُصُ بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ لِحُدُوثِهِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ؛ وَمَوْتِ الدَّابَّةِ كَالِانْمِحَاقِ، وَتَقَرُّحِ ظَهْرِهَا وَعَرَجِهَا بِاسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ وَكَسْرِهِ سَيْفًا أَعَارَهُ لِيُقَاتِلَ بِهِ كَالِانْمِحَاقِ كَمَا قَالَهُ الصَّيْمَرِيُّ فِي الْأَخِيرَةِ شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ " وَمَوْتُ الدَّابَّةِ " أَيْ بِالِاسْتِعْمَالِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشِّهَابُ سم، وَلَعَلَّ صُورَتَهُ أَنَّهُ حَمَلَهَا حَمْلًا ثَقِيلًا بِالْإِذْنِ فَمَاتَتْ بِسَبَبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ خَفِيفًا لَا تَمُوتُ بِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ فَاتَّفَقَ مَوْتُهَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا إذَا مَاتَتْ بِالِاسْتِعْمَالِ وَمَا إذَا مَاتَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ضَمَانِ الْمُسْتَعِيرِ كَوْنُ الْعَيْنِ فِي يَدِهِ بَلْ يُضَمَّنُ وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِ الْمَالِكِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، كَمَا لَوْ وَضَعَ مَتَاعَهُ عَلَيْهَا وَمَعَهَا مَالِكُهَا. وَلَوْ سَخَّرَ شَخْصٌ رَجُلًا وَدَابَّتَهُ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدِ صَاحِبِهَا لَمْ يَضْمَنْهَا الْمُسَخَّرُ؛ لِأَنَّهَا فِي يَدِ صَاحِبِهَا شَرْحُ م ر؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْغَصْبِ اسْتِيلَاءُ الْغَاصِبِ وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْمُعَارِ كَمَا فِي م ر.
قَوْلُهُ: (أَوْ مِثْلِيَّةً) كَالْخَشَبِ وَالْحَجَرِ، سم.
قَوْلُهُ: (هَذَا مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْمُعْتَمَدِ ضَعِيفٌ وَاقْتَصَرَ م ر فِي شَرْحِهِ عَلَى الضَّمَانِ فَقَطْ، وَفِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ الثَّانِيَ وَهُوَ الضَّمَانُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَفِ وَالْقَلْبُ إلَيْهِ أَمْيَلُ كَمَا فِي م د عَلَى التَّحْرِيرِ اهـ. فَرْعٌ: اسْتَامَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ سُوسِيَّةٍ مَثَلًا وَأَخَذَهَا لِيَقْلِبَهَا ثُمَّ تَلِفَتْ ضَمِنَ الْعَشَرَةَ فَقَطْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَامَ عَشَرَةً ظُهُورًا لِيَأْخُذَ مِنْهَا وَاحِدًا فَتَلِفَتْ بِيَدِهِ حَيْثُ يَضْمَنُ الْجَمِيعَ؛ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْأَوَّلَ الْمُسْتَامُ فِيهِ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ وَهُنَا الْمُسْتَامُ الْجَمِيعُ. اهـ. عَنَانِيٌّ، وَلِبَعْضِهِمْ:
ضَمَانُ عَيْبٍ أَوْ مَبِيعٍ فَسَدَا ... أَقْصَاهُ قِيمَةً وَمِثْلًا وُجِدَا
فِي السَّوْمِ قِيمَةً كَذَا الْعَوَارِيُّ ... زَمَانَ إتْلَافٍ عَلَى الْمُخْتَارِ
وَاحْكُمْ لَدَى الْإِتْلَافِ بِالْإِبْدَالِ ... شَرْعًا بِقِيمَةٍ أَوْ الْأَمْثَالِ
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ إكَافِ الدَّابَّةِ) أَيْ سَرْجِهَا وَوَلَدِ الدَّابَّةِ، وَلَوْ وَلَدَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ كَثِيَابِ الْعَبْدِ فَهُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ وَإِنْ تَبِعَهَا ق ل.
قَوْلُهُ: (صَيْدًا) أَيْ حَرَمِيًّا أَوْ لَا بِأَنْ أَخَذَهُ مَعَهُ مِنْ بَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ بِإِحْرَامِهِ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ. فَتَسْمِيَةُ هَذَا اسْتِعَارَةٌ فِيهَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالِكَ هُنَا، إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّهَا اسْتِعَارَةٌ صُورِيَّةٌ. هَذَا إذَا اسْتَعَارَ الْحَلَالُ مِنْ الْمُحْرِمِ أَمَّا عَكْسُهُ بِأَنْ اسْتَعَارَ الْمُحْرِمُ مِنْ الْحَلَالِ صَيْدًا بَرِّيًّا وَحْشِيًّا مَأْكُولًا فَتَلِفَ فِي يَدِهِ ضَمِنَ الْجَزَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى وَالْقِيمَةَ لِلْحَلَالِ، وَعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الْوَرْدِيِّ:
стр. 1106
فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ لَمْ يَضْمَنْهُ. وَمِنْهَا مَا لَوْ اسْتَعَارَ الْفَقِيهُ كِتَابًا مَوْقُوفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، أَمَّا مَا تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ لِلْإِذْنِ فِيهِ. تَتِمَّةٌ: لَوْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ عَيْنٌ كَدَابَّةٍ وَأَرْضٍ لِمَالِكِهَا. أَعَرْتَنِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ مَالِكُهَا: بَلْ أَجَرْتُك أَوْ غَصَبْتنِي. وَمَضَتْ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ صُدِّقَ الْمَالِكُ كَمَا لَوْ أَكَلَ طَعَامَ غَيْرِهِ وَقَالَ كُنْت أَبَحْته لِي وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ، إذَا لَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ فَيُصَدَّقُ مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ بِيَمِينِهِ فِي الْأُولَى، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الِاخْتِلَافِ فِي الثَّانِيَةِ وَلَوْ ادَّعَى الْمَالِكُ الْإِعَارَةَ وَذُو الْيَدِ الْغَصْبَ فَلَا مَعْنَى لِلنِّزَاعِ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً وَلَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ، فَإِنْ مَضَتْ فَذُو الْيَدِ مُقِرٌّ بِالْأُجْرَةِ لِمُنْكَرِهَا؛ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ فِي رَدِّ الْعَارِيَّةِ صُدِّقَ الْمُعِيرُ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الرَّدِّ، وَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمُسْتَعِيرُ الْعَارِيَّةَ جَاهِلًا بِرُجُوعِ الْمُعِيرِ لَمْ تَلْزَمْهُ أُجْرَةٌ. فَإِنْ قِيلَ: الضَّمَانُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْجَهْلِ وَعَدَمِهِ أُجِيبَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
عِنْدِي سُؤَالٌ حَسَنٌ مُسْتَظْرَفٌ ... فَرْعٌ عَلَى أَصْلَيْنِ قَدْ تَفَرَّعَا
قَابِضُ شَيْءٍ بِرِضَا مَالِكِهِ ... وَيَضْمَنُ الْقِيمَةَ وَالْمِثْلَ مَعَا
قَوْله: (لَمْ يَضْمَنْهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُحْرِمَ يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ وَعَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءُ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِالْإِعَارَةِ. قَوْلُهُ: (فَتَلِفَ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ لَمْ يَضْمَنْهُ) هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ جَوَازُ الْعَارِيَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ إنْ كَانَ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ فَهَذِهِ لَيْسَتْ عَارِيَّةً؛ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ يَمْلِكُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُسْتَحِقِّينَ امْتَنَعَتْ الْعَارِيَّةُ فَقَوْلُهُ لِمَنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ فِيهِ نَظَرٌ؛ تَأَمَّلْ شَيْخَنَا.
قَوْلُهُ: (أَمَّا مَا تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ) وَلَوْ بِدَعْوَى الْمُسْتَعِيرِ فَيُصَدَّقُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ كَمَا قَالَهُ ح ل وز ي، أَيْ وَلِعُسْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا لَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحَبَةٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَلَوْ اخْتَلَفَ فِي حُصُولِ التَّلَفِ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ أَوْ لَا صُدِّقَ الْمُسْتَعِيرُ بِيَمِينِهِ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، لِعُسْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ خِلَافًا لِمَا عُزِيَ لِلْجَلَالِ الْبُلْقِينِيُّ مِنْ تَصْدِيقِ الْمُعِيرِ اهـ.
قَوْلُهُ: (لَوْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ عَيْنٌ إلَخْ) يَحْصُلُ مِنْ هُنَا صُوَرٌ ثَمَانِيَةٌ؛ لِأَنَّ مَالِكَ الْعَيْنِ إمَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْإِجَارَةَ أَوْ الْغَصْبَ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَمْضِيَ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ أَوْ لَا، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ بَاقِيَةً أَوْ تَالِفَةً وَوَاضِعُ الْيَدِ يَدَّعِي الْإِعَادَةَ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَصَبَتْنِي) قَالَ فِي الْمُخْتَارِ تَقُولُ غَصَبَهُ مِنْهُ وَغَصَبَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا يُقَالُ غَصَبْته مِنِّي لَا غَصَبْتنِي اهـ ع ش.
قَوْلُهُ: (صُدِّقَ الْمَالِكُ) أَيْ بِيَمِينِهِ إنْ تَعَيَّنَتْ الْعَيْنُ فَيَحْلِفُ إنَّهُ مَا أَعَارَهُ وَأَنَّهُ أَجَرَهُ أَوْ غَصَبَهُ وَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، أَيْ فَيَجْمَعُ فِي يَمِينِهِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا بِأَنْ يَنْفِيَ الْإِعَارَةَ وَيُثْبِتَ دَعْوَاهُ، فَإِذَا حَلَفَ أَخَذَ الْعَيْنَ فِي الصُّورَتَيْنِ وَيَأْخُذُ الْأُجْرَةَ أَيْضًا، فَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَخَذَ الْأُجْرَةَ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَأَمَّا الْقِيمَةُ فَهُوَ يَدَّعِي أَقْصَى الْقِيَمِ فِي الْغَصْبِ وَوَاضِعُ الْيَدِ يَدَّعِي الْقِيمَةَ إذَا تَلِفَتْ بِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْقِيمَةِ فَيَأْخُذُهَا وَيَتْرُكُ الزَّائِدَ إلَى الْبَيَانِ.
قَوْلُهُ: (وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ) فَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً فِي الْأُولَى فَهُوَ مُقِرٌّ بِالْقِيمَةِ لِمُنْكَرِهَا فَتُتْرَكُ فِي يَده، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (بِيَمِينِهِ فِي الْأُولَى) اُنْظُرْ أَيَّ فَائِدَةٍ فِي يَمِينِهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ وَعَدَمِ مُدَّةٍ لَهَا أُجْرَةٌ وَتَمَكَّنَ صَاحِبُهَا مِنْ أَخْذِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَا مَعْنَى إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ أَيْضًا وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ فَيَأْخُذُهَا الْمَالِكُ وَلَا أُجْرَةَ، فَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فَهُوَ يَدَّعِي أَقْصَى الْقِيَمِ وَالْمُسْتَعِيرُ يَدَّعِي الْقِيمَةَ فَاتَّفَقَا عَلَى الْقِيمَةِ فَيَأْخُذُهَا الْمَالِكُ وَيَتْرُكُ الزَّائِدَ إلَى الْبَيَانِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ ادَّعَى الْمَالِكُ إلَخْ) هَذَا عَكْسُ مَا تَقَدَّمَ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْعَيْنُ بَاقِيَةً وَلَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ فَيَأْخُذُ الْعَيْنَ صَاحِبُهَا، وَإِنْ تَلِفَتْ فَالْمَالِكُ يَدَّعِي الْقِيمَةَ وَالْغَاصِبُ يَدَّعِي أَقْصَى الْقِيَمِ فَيَأْخُذُ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ وَيَتْرُكُ الزَّائِدَ إلَى الْبَيَانِ، وَأَمَّا إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ وَالْعَيْنُ بَاقِيَةٌ فَيَأْخُذُ الْعَيْنَ صَاحِبُهَا وَيَتْرُكُ الْأُجْرَةَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ إلَى الْبَيَانِ، وَإِنْ تَلِفَتْ الْعَيْنُ فَيَأْخُذُ الْمَالِكُ الْقِيمَةَ وَيَتْرُكُ الزَّائِدَ عَنْ الْقِيمَةِ إلَى الْبَيَانِ.
قَوْلُهُ: (جَاهِلًا بِرُجُوعِ
стр. 1107
بِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ تَسْلِيطِ الْمَالِكِ وَهُنَا بِخِلَافِهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ السَّلْطَنَةِ وَبِأَنَّ الْمَالِكَ مُقَصِّرٌ بِتَرْكِ الْإِعْلَامِ
فَصْلٌ: فِي الْغَصْبِ
وَهُوَ لُغَةً أَخْذُ الشَّيْءِ ظُلْمًا وَقِيلَ أَخْذُهُ ظَلَمَا جِهَارًا وَشَرْعًا اسْتِيلَاءٌ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ بِلَا حَقٍّ. وَالْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ آيَاتٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] أَيْ لَا يَأْكُلْ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ بِالْبَاطِلِ وَأَخْبَارٌ كَخَبَرِ: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَدَخَلَ فِي التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْمُعِيرِ) خَرَجَ بِالرُّجُوعِ جَهْلُهُ بِالْمَوْتِ أَوْ الْجُنُونِ أَوْ الْإِغْمَاءِ فَتَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ لِعَدَمِ التَّقْصِيرِ مِنْ الْمَالِكِ حِينَئِذٍ، وَكَذَا لَوْ أَبَاحَ الطَّعَامَ ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ أَكَلَهُ الْمُبَاحُ لَهُ جَاهِلًا بِالرُّجُوعِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْمَنَافِعِ أَضْعَفُ مِنْ إبَاحَةِ الْأَعْيَانِ فَضَيَّقَ فِي الْأَعْيَانِ ز ي. وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ أَعَارَهُ شَاةً لِدَرِّهَا وَنَسْلِهَا أَوْ أَعَارَهُ شَجَرَةً لِأَخْذِ ثَمَرِهَا ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَعْلَمْ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ بَدَلَ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ، وَكَذَا نَقَلَ عَنْ الزِّيَادِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ بَقَاءُ السَّلْطَنَةِ) أَيْ سَلْطَنَةِ الْمُسْتَعِيرِ.
[فَصْلٌ فِي الْغَصْبِ]
ِ ذَكَرَهُ بَعْدَ الْعَارِيَّةِ لِمُنَاسَبَتِهِ لَهَا فِي الضَّمَانِ فِي الْجُمْلَةِ؛ وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ وَهُوَ كَبِيرَةٌ، قِيلَ: إنْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا أَيْ رُبُعَ دِينَارٍ، وَقِيلَ: إنْ بَلَغَهُ وَلَوْ حَبَّةَ بُرٍّ اهـ. وَاعْتَمَدَ م ر الْأَوَّلَ.
قَوْلُهُ: (جِهَارًا) لِإِخْرَاجِ السَّرِقَةِ. قَوْلُهُ: (اسْتِيلَاءً) أَيْ فِي الْوَاقِعِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، فَالْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ أَعَمُّ مِنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مِنْ جِهَتَيْنِ: أُولَاهُمَا قَوْلُهُ اسْتِيلَاءً يَشْمَلُ الْمَنَافِعَ كَإِقَامَةِ مَنْ قَعَدَ بِمَسْجِدٍ وَإِنْ لَمْ يَقْعُدْ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِيلَاءٌ حُكْمًا وَالثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: " بِلَا حَقٍّ " يَشْمَلُ مَا لَوْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ يَظُنُّهُ مَالَهُ وَالْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ مُقَيَّدٌ بِالْأَخْذِ ظُلْمًا فَيَكُونُ أَخَصَّ مِنْ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، عَلَى خِلَافِ الْغَالِبِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ أَعَمُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ) وَلَوْ مَنْفَعَةً كَإِقَامَةِ مَنْ قَعَدَ بِمَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْلِ عَلَى مَحَلِّهِ، أَوْ غَيْرَ مَالٍ كَكَلْبٍ نَافِعٍ وَزِبْلٍ؛ شَرْحُ الْمَنْهَجِ. وَقَوْلُهُ: كَإِقَامَةِ مَنْ قَعَدَ بِمَسْجِدٍ أَيْ فَيَصِيرُ أَحَقَّ بِمَحَلِّهِ، فَإِنْ فَارَقَهُ لِعُذْرٍ كَإِجَابَةِ دَاعٍ وَحَدَثٍ وَرُعَافٍ لِيَعُودَ لَمْ يَبْطُلْ اخْتِصَاصُهُ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَتَاعَهُ، وَإِنْ فَارَقَهُ لَا لِعُذْرٍ أَوْ لَهُ لَا لِيَعُودَ بَطَلَ اخْتِصَاصُهُ، وَالْقُعُودُ لِذِكْرٍ أَوْ تَسْبِيحٍ أَوْ سَمَاعِ قُرْآنٍ حُكْمُهُ كَالْجَالِسِ لِلصَّلَاةِ، وَإِذَا اعْتَادَ مَوْضِعًا لِيَقْرَأَ فِيهِ قُرْآنًا أَوْ عِلْمًا شَرْعِيًّا أَوْ يُفْتِيَ فِيهِ فَإِنْ فَارَقَهُ تَارِكًا لِحَقِّهِ أَوْ مُنْتَقِلًا لِغَيْرِهِ بَطَلَ حَقُّهُ وَإِلَّا فَلَا، وَمِثْلُهُ جُلُوسُ الطَّلَبَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُدَرِّسِ بِشَرْطِ أَنْ يَسْتَفِيدَ،. اهـ. مُنَاوِيٌّ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ. وَلَيْسَ مِنْ الِاسْتِيلَاءِ مَا لَوْ مَنَعَ شَخْصًا عَنْ سَقْيِ زَرْعِهِ أَوْ شَجَرِهِ حَتَّى تَلِفَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِعْلٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَتْلَفَ دَابَّةً فِيهَا لَبَنٌ فَمَاتَ وَلَدُهَا فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الْوَلَدَ لِلْفِعْلِ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ وَهُوَ إتْلَافُ غِذَائِهِ.
قَوْلُهُ: (الْغَيْرِ) دُخُولُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى " الْغَيْرِ " قَلِيلٌ فِي اللُّغَةِ كَثِيرٌ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ عَدَّهُ الْحَرِيرِيُّ لَحْنًا اهـ دَمِيرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (بِلَا حَقٍّ) خَرَجَ الْعَارِيَّةُ وَالسَّوْمُ وَنَحْوُهُمَا؛ زَادَ بَعْضُهُمْ " جِهَارًا " لِإِخْرَاجِ السَّرِقَةِ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِخُرُوجِهَا بِقَوْلِهِ " اسْتِيلَاءً "؛ لِأَنَّهُ مُنْبِئٌ عَنْ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ شَرْحُ م ر.
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٨] هُوَ مِنْ بَابِ الْكُلِّيَّةِ، أَيْ لَا يَأْكُلْ وَاحِدٌ مِنْكُمْ مَالَ غَيْرِهِ. وَعِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ: قَوْلُهُ لَا يَأْكُلْ بَعْضُكُمْ مَالَ بَعْضٍ أَيْ بِالْوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ لَهُ وَبَيْنَ مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ أَوْ الْحَالِ مِنْ الْأَمْوَالِ.
قَوْلُهُ: (بِالْبَاطِلِ) أَيْ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَمَّا إذَا كَانَ بِحَقٍّ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَالظَّافِرِ بِجِنْسِ حَقِّهِ أَوْ بِغَيْرِهِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ. قَوْلُهُ: (إنَّ دِمَاءَكُمْ) أَيْ سَفْكَ دِمَاءِ بَعْضِكُمْ وَأَكْلَ أَمْوَالِ بَعْضِكُمْ وَالْخَوْضَ فِي أَعْرَاضِ بَعْضِكُمْ، فَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ فِي الْكُلِّ. وَعِبَارَةُ ع ش: أَيْ إنَّ دِمَاءَ بَعْضِكُمْ إلَخْ حَرَامٌ عَلَى غَيْرِكُمْ، وَتَرَكَ الشَّارِحُ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِمَا قَبْلَهُ.
стр. 1108
مَا لَوْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ يَظُنُّهُ مَالَهُ فَإِنَّهُ غَصْبٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إثْمٌ. وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ: إنَّ الثَّابِتَ فِي هَذِهِ حُكْمُ الْغَصْبِ لَا حَقِيقَتُهُ مَمْنُوعٌ وَهُوَ نَاظِرٌ إلَى أَنَّ الْغَصْبَ. يَقْتَضِي الْإِثْمَ مُطْلَقًا وَلَيْسَ مُرَادًا وَإِنْ كَانَ غَالِبًا، فَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً لِغَيْرِهِ أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشِهِ فَغَاصِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْصِدْ الِاسْتِيلَاءَ.
(وَمَنْ غَصَبَ مَالًا) أَوْ غَيْرَهُ (لِأَحَدٍ) وَلَوْ ذِمِّيًّا وَكَانَ بَاقِيًا
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَدَخَلَ فِي التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ) أَيْ كَمَا دَخَلَ فِيهِ أَيْضًا مَا فِيهِ الضَّمَانُ وَالْإِثْمُ كَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الْمُتَمَوِّلِ عُدْوَانًا، وَمَا فِيهِ الْإِثْمُ فَقَطْ كَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ عُدْوَانًا.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ يَظُنُّهُ مَالَهُ إلَخْ) قَالَ م ر: وَقَدْ أَفَادَ الْوَالِدُ أَنَّ الَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فِي تَعْرِيفِ الْغَصْبِ أَنَّهُ: حَقِيقَةً وَإِثْمًا وَضَمَانًا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ عُدْوَانًا، وَضَمَانًا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَإِثْمًا الِاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْغَصْبُ فِيهِ الْإِثْمُ وَالضَّمَانُ كَمَا إذَا اسْتَوْلَى عَلَى مَالِ غَيْرِهِ عُدْوَانًا وَمِنْهُ الْقَبْضُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ، أَوْ الضَّمَانُ دُونَ الْإِثْمِ كَمَا إذَا اسْتَوْلَى عَلَى مَالِ غَيْرِهِ يَظُنُّ أَنَّهُ مَالُهُ، أَوْ الْإِثْمُ دُونَ الضَّمَانِ كَمَا إذَا اسْتَوْلَى عَلَى الِاخْتِصَاصِ غَيْرُهُ عَالِمًا بِهِ. وَمِثْلُ الِاخْتِصَاصِ الْمَالُ الَّذِي لَا يُتَمَوَّلُ كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ بِالْحَيَاءِ كَانَ لَهُ حُكْمُ الْغَصْبِ فَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ: مَنْ طَلَبَ مِنْ غَيْرِهِ مَالًا فِي الْمَلَإِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ لِبَاعِثِ الْحَيَاءِ فَقَطْ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) أَيْ فِي كُلِّ الصُّوَرِ. قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ مُرَادًا) أَيْ الِاقْتِضَاءُ. وَقَوْلُهُ: " وَإِنْ كَانَ " أَيْ اقْتِضَاؤُهُ الْإِثْمَ. وَبَعْدَ ذَلِكَ هَذَا الصَّنِيعُ مِنْ الشَّارِحِ فِيهِ مُسَامَحَةٌ؛ لِأَنَّ الرَّافِعِيَّ عَرَّفَ الْغَصْبَ بِاعْتِبَارِ الْإِثْمِ فَقَطْ فَخُرُوجُ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ تَعْرِيفِهِ صَحِيحٌ وَالْمُصَنِّفُ عَرَّفَ بِتَعْرِيفٍ عَامٍّ شَامِلٍ لَهَا وَلِغَيْرِهَا وَشُمُولُهُ لَهَا صَحِيحٌ وَلَا يُعْتَرَضُ بِتَعْرِيفٍ عَلَى تَعْرِيفٍ آخَرَ.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ رَكِبَ إلَخْ) مُفَرَّعٌ عَلَى التَّعْرِيفِ، وَالرُّكُوبُ لَيْسَ قَيْدًا أَيْ أَوْ سَحَبَهَا أَوْ سَاقَهَا أَوْ زَاوَلَ لَهَا بِشَيْءِ بِشَرْطِ عَدَمِ الرِّضَا مِنْ صَاحِبِهَا.
قَوْلُهُ: (أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشِهِ) أَيْ وَلَمْ تَدُلَّ قَرِينَةُ الْحَالِ عَلَى إبَاحَةِ الْجُلُوسِ مُطْلَقًا أَوْ لِنَاسٍ مَخْصُوصِينَ مِنْهُمْ هَذَا الْجَالِسُ كَفُرُشِ مَسَاطِبِ الْبَزَّازِينَ لِمُرِيدِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ، شَرْحُ م ر وحج. وَمِثْلُ الْجُلُوسِ مَا لَوْ تَحَامَلَ بِرِجْلِهِ وَإِنْ تَحَامَلَ مَعَهَا عَلَى الرِّجْلِ الْأُخْرَى الْخَارِجَةِ عَنْ الْفِرَاشِ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ كَثِيرًا مِنْ الْمَشْيِ عَلَى مَا يُفْرَشُ فِي صَحْنِ الْجَامِعِ الْأَزْهَرِ مِنْ الْفَرَاوِيّ وَالثِّيَابِ وَنَحْوِهِمَا. وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ الضَّمَانِ مَا لَمْ تَعُمَّ الْفَرَاوِيّ وَنَحْوُهَا الْمَسْجِدَ بِأَنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَثُرَتْ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ وَلَا حُرْمَةَ لِتَعَدِّي الْوَاضِعِ بِذَلِكَ كَمَا قَالَهُ ع ش عَلَى م ر. وَانْظُرْ لَوْ كَانَ الْفِرَاشُ كَبِيرًا هَلْ يَضْمَنُ جَمِيعَهُ أَوْ قَدْرَ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ؟ وَلَوْ تَعَدَّدَ الْغَاصِبُ عَلَى فِرَاشٍ كَبِيرٍ فَهَلْ يَضْمَنُ كُلٌّ مِنْهُمْ الْجَمِيعَ أَوْ قَدْرَ مَا عُدَّ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِ فَقَطْ؟ الَّذِي يَظْهَرُ الثَّانِي فِيهِمَا بِرْمَاوِيٌّ. وَلَوْ جَلَسَ عَلَيْهِ آخَرُ بَعْدَ قِيَامِ الْأَوَّلِ فَهُوَ غَاصِبٌ أَيْضًا وَهَكَذَا وَالْقَرَارُ عَلَى الْأَخِيرِ ق ل. وَعِبَارَةُ ع ش عَلَى م ر: وَلَوْ جَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهُ ثُمَّ جَلَسَ آخَرُ عَلَيْهِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا غَاصِبٌ، وَلَا يَزُولُ الْغَصْبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِانْتِقَالِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ إنَّمَا يَبْرَأُ بِالرَّدِّ لِلْمَالِكِ أَوْ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَوْ تَلِفَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنْ تَلِفَ فِي يَدِ الثَّانِي فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَ انْتِقَالِهِ أَيْضًا عَنْهُ فَعَلَى كُلٍّ الضَّمَانُ، لَكِنْ هَلْ لِلْكُلِّ أَوْ النِّصْفِ؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَظْهَرُ الْأَوَّلُ. وَمَعْنَى كَوْنِ الْقَرَارِ عَلَى كُلٍّ أَنَّ كُلًّا لَوْ غَرِمَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ لَا أَنَّ الْمَالِكَ يَغْرَمُ كُلَّ الْقِيمَةِ، وَلَوْ نَقَلَ الدَّابَّةَ وَمَالِكُهَا رَاكِبٌ عَلَيْهَا بِأَنْ أَخَذَ بِرَأْسِهَا وَسَيَّرَهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ غَاصِبًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهَا مَعَ اسْتِقْلَالِ مَالِكِهَا بِالرُّكُوبِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَاهَا حُكِمَ أَنَّهَا لِلرَّاكِبِ وَاخْتَصَّ بِهِ الضَّمَانُ إذَا أَتْلَفَتْ شَيْئًا سم. وَلَوْ غَصَبَ حَيَوَانًا فَتَبِعَهُ وَلَدُهُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَتْبَعَهُ أَوْ هَادِي الْغَنَمِ فَتَبِعَتْهُ الْغَنَمُ لَمْ يَضْمَنْ التَّابِعُ فِي الْأَصَحِّ لِانْتِفَاءِ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ غَصَبَ أُمَّ النَّحْلِ فَتَبِعَهَا النَّحْلُ لَا يَضْمَنُهُ إلَّا إنْ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ، وَلَوْ أَوْقَدَ نَارًا فِي مِلْكِهِ فَطَارَتْ شَرَارَةٌ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ وَأَحْرَقَتْ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ. اهـ. بِرْمَاوِيٌّ. وَلَوْ دَخَلَ عَلَى حَدَّادٍ يَطْرُقُ الْحَدِيدَ فَطَارَتْ شَرَارَةٌ أَحْرَقَتْ ثَوْبَهُ لَمْ يَضْمَنْ الْحَدَّادُ وَإِنْ دَخَلَ بِإِذْنِهِ. أَقُولُ: وَكَذَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَوْ طَارَتْ شَرَارَةٌ مِنْ الدُّكَّانِ وَأَحْرَقَتْ شَيْئًا حَيْثُ أَوْقَدَ الْكُورَ عَلَى الْعَادَةِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ جَلَسَ بِالشَّارِعِ، أَوْ أَوْقَدَ لَا عَلَى الْعَادَةِ وَتَوَلَّدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الِارْتِفَاقَ بِالشَّارِعِ
стр. 1109
(لَزِمَهُ رَدُّهُ) عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ وَإِنْ عَظُمَتْ الْمُؤْنَةُ فِي رَدِّهِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ كَحَبَّةِ بُرٍّ أَوْ كَلْبٍ يُقْتَنَى لِقَوْلِهِ ﷺ : «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» فَلَوْ لَقِيَ الْغَاصِبُ الْمَالِكَ بِمَفَازَةٍ وَالْمَغْصُوبُ مَعَهُ فَإِنْ اسْتَرَدَّهُ لَمْ يُكَلَّفْ أُجْرَةَ النَّقْلِ، وَإِنْ امْتَنَعَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ بَرِئَ إنْ لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، وَلَوْ أَخَذَهُ الْمَالِكُ وَشَرَطَ عَلَى الْغَاصِبِ مُؤْنَةَ النَّقْلِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُلُ مِلْكَ نَفْسِهِ؛ وَلَوْ رَدَّ الْغَاصِبُ الدَّابَّةَ لِإِصْطَبْلِ الْمَالِكِ بَرِيءَ إنْ عَلِمَ الْمَالِكُ بِهِ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ إخْبَارِ ثِقَةٍ وَلَا يَبْرَأُ قَبْلَ الْعِلْمِ، وَلَوْ غَصَبَ مِنْ الْمُودَعِ أَوْ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ بَرِئَ بِالرَّدِّ إلَى كُلِّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ لَا إلَى الْمُلْتَقَطِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ فِي الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَامِ وَجْهَانِ، أَوْجُهُهُمَا أَنَّهُ يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُمَا مَأْذُونٌ لَهُمَا مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ لَكِنَّهُمَا ضَامِنَانِ.
تَنْبِيهٌ: قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ بِحَالِهَا شَيْءٌ، وَيُسْتَثْنَى مَسْأَلَةٌ يَجِبُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ. اهـ. ع ش عَلَى م ر قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ إلَخْ) وَلَيْسَ مِنْ الْمَنْقُولِ مَا يُضْمَنُ بِلَا نَقْلٍ غَيْرِ هَذَيْنِ، وَمَحَلُّهُ فِي مَنْقُولٍ لَيْسَ بِيَدِهِ فَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ كَوَدِيعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَنَفْسُ إنْكَارِهِ غَصْبٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلٍ. وَأَفْهَمَ اشْتِرَاطُ النَّقْلِ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِيَدِ قِنٍّ وَلَمْ يُسَيِّرْهُ لَمْ يَضْمَنْهُ. اهـ. م ر قَالَ ع ش: وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَذَ بِزِمَامِ دَابَّةٍ أَوْ بِرَأْسِهَا وَلَمْ يُسَيِّرْهَا لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا.
قَوْلُهُ: (مَالًا) إنَّمَا قَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْآتِيَةَ إنَّمَا تَأْتِي فِي الْمَالِ، وَالشَّارِحُ زَادَ: " أَوْ غَيْرَهُ " وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْأَحْكَامَ كُلَّهَا لَا تُجْرَى عَلَيْهِ. وَيُجَابُ بِأَنَّهُ زَادَهُ بِالنِّسْبَةِ لِقَوْلِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (لَزِمَهُ رَدُّهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ فَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ لَهُ حُرْمَةٌ وَلَوْ مَأْكُولًا وَخِيفَ مِنْ نَزْعِهِ الضَّرَرُ الْمُبِيحُ لِلتَّيَمُّمِ غَيْرِ الشَّيْنِ الْفَاحِشِ فِي غَيْرِ الْآدَمِيِّ لَمْ يَلْزَمْهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ قَهْرًا لِحِفْظِ الْحَيَوَانِ ابْتِدَاءً، فَأَوْلَى أَنْ لَا يُنْزَعَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ كَالْمُرْتَدِّ وَلَوْ بَعْدَ الْخِيَاطَةِ وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ نُزِعَ وَلَزِمَهُ رَدُّهُ إنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ وَإِلَّا فَهُوَ مُسْتَهْلَكٌ فَلَا يُنْزَعُ بَلْ تَجِبُ قِيمَتُهُ كَمَا لَا يُنْزَعُ مِنْ الْآدَمِيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ وَإِنْ لِمَ يُسْتَهْلَكْ لِحُرْمَتِهِ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (فَلَوْ لَقِيَ الْغَاصِبُ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَلَامِ الْمَتْنِ لِشُمُولِهِ رَدَّهُ فِي، أَيْ مَحَلٍّ كَانَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُنَاسِبُ " وَلَوْ " وَقَوْلُهُ: " بِمَفَازَةٍ " لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّ الْغَصْبِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ اسْتَرَدَّهُ) أَيْ طَلَبَ الْمَالِكُ رَدَّهُ. قَوْلُهُ: (بَرِئَ إنْ لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ) أَيْ وَلَمْ يَضَعْ الْمَالِكُ يَدَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَدْفَعْ لَهُ الْغَاصِبُ مُؤْنَةَ النَّقْلِ ق ل. وَقَوْلُهُ: وَلَمْ يَضَعْ إلَخْ قَيْدٌ فِي الْمَنْفِيِّ، كَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ لَمْ يَبْرَأْ إنْ لَمْ يَضَعْ الْمَالِكُ يَدَهُ عَلَيْهِ إلَخْ. وَقَالَ أج: فَإِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ لَمْ يَبْرَأْ وَالْمُرَادُ بِمُؤْنَةِ النَّقْلِ ارْتِفَاعُ الْأَسْعَارِ بِسَبَبِ النَّقْلِ بِأَنْ كَانَ سِعْرُهُ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي ظَفِرَ بِهِ فِيهَا أَغْلَى مِنْ سِعْرِهِ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي غَصَبَهُ مِنْهَا، هَكَذَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيّ ز ي؛ لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْمُؤْنَةِ الْمُضَافَةِ إلَى النَّقْلِ الْأُجْرَةُ، بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَشْمَلُهُمَا؛ وَلِهَذَا أَفْتَى الشِّهَابُ الرَّمْلِيُّ فِي رَجُلٍ أَوْدَعَ آخَرَ فِي دَرْبِ الْحِجَازِ فُولًا وَدَقِيقًا فَتَصَرَّفَ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ بِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ فِي مَحَلِّ الْإِتْلَافِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِ الْمِثْلِ. اهـ. مَرْحُومِيٌّ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ أَخَذَهُ الْمَالِكُ وَشَرَطَ إلَخْ) هُوَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ فَإِنْ اسْتَرَدَّهُ الْمَالِكُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ اسْتَرَدَّهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ أُجْرَةٍ عَلَى الْغَاصِبِ وَلَا إجْبَارٍ عَلَى الْتِزَامِهَا كُلِّفَ الْغَاصِبُ حِينَئِذٍ رَدُّهُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَجُزْ) أَيْ بِطَرِيقِ الْإِجْبَارِ أَمَّا بِالرِّضَا فَلَا مَانِعَ مِنْهُ فَلْيُرَاجَعْ، وَلَعَلَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ " لَمْ يُجْبَرْ " فَحَرَّفَهَا النَّاسِخُ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَنْقُلُ مِلْكَ نَفْسِهِ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ نَقْلُ مِلْكِهِ.
قَوْلُهُ: (إنْ عَلِمَ الْمَالِكُ بِهِ) أَيْ بِالرَّدِّ.
قَوْلُهُ: (إلَى كُلِّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ) كَمَا لَوْ رَدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ. قَوْلُهُ (لَا إلَى الْمُلْتَقَطِ) وَيَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنْهُ بِالرَّدِّ إلَى الْحَاكِمِ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ) قَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ إنَّهُ لَوْ تَمَلَّكَهَا بَعْدَ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ الشَّرْعِيَّةِ كَفَاهُ الرَّدُّ عَلَيْهِ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ) بَلْ مِنْ الشَّارِعِ. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يَبْرَأُ) أَيْ بِالرَّدِّ إلَيْهِمَا. قَوْلُهُ: (لَكِنَّهُمَا ضَامِنَانِ) الْأُولَى أَنْ يَقُولَ وَإِنْ كَانَا ضَامِنَيْنِ.
قَوْلُهُ: (قَضِيَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى الرَّدِّ وَلَمْ يَقُلْ وَرَدَّ مَعَهُ غَيْرَهُ، قَالَ الَأُجْهُورِيُّ: مُقْتَضَى هَذِهِ
стр. 1110
فِيهَا مَعَ الرَّدِّ الْقِيمَةُ، وَهِيَ مَا لَوْ غَصَبَ أَمَةً فَحَمَلَتْ بِحُرٍّ فِي يَدِهِ ثُمَّ رَدَّهَا لِمَالِكِهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِلْحَيْلُولَةِ؛ لِأَنَّ الْحَامِلَ بِحُرٍّ لَا تُبَاعُ ذَكَرَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ. قَالَ: وَعَلَى الْغَاصِبِ التَّعْزِيرُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِيفَاؤُهُ لِلْإِمَامِ، وَلَا يَسْقُطُ بِإِبْرَاءِ الْمَالِكِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى الْفَوْرِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى مَا لَوْ غَصَبَ لَوْحًا وَأَدْرَجَهُ فِي سَفِينَةٍ وَكَانَتْ فِي لُجَّةٍ، وَخِيفَ مِنْ نَزْعِهِ هَلَاكٌ مُحْتَرَمٌ فِي السَّفِينَةِ وَلَوْ لِلْغَاصِبِ عَلَى الْأَصَحِّ فَلَا يُنْزَعُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. الثَّانِيَةُ: تَأْخِيرُهُ لِلْإِشْهَادِ وَإِنْ طَالَبَهُ الْمَالِكُ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مُشْكِلٌ لِاسْتِمْرَارِ الْغَصْبِ. أُجِيبُ بِأَنَّهُ زَمَنٌ يَسِيرٌ اُغْتُفِرَ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ قَدْ يُنْكِرُهُ وَهُوَ لَا يَقْبَلُ قَوْلَهُ فِي الرَّدِّ. (وَ) لَزِمَهُ مَعَ رَدِّهِ (أَرْشُ نَقْصِهِ) أَيْ نَقْصُ عَيْنِهِ كَقَطْعِ يَدِهِ أَوْ صِفَتِهِ كَنِسْيَانِ صَنْعَةٍ لَا
ــ
[حاشية البجيرمي]
الْقَضِيَّةِ أَنَّهَا مَا دَامَتْ بَاقِيَةً لَا يَجِبُ رَدُّ شَيْءٍ مَعَهَا إنْ نَقَصَ وَصْفُهَا أَوْ مَضَتْ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ، وَهُوَ نَصٌّ فِي مُخَالَفَةِ مَا يَأْتِي مِنْ كَلَامِهِ مَعَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: وَلَزِمَهُ مَعَ رَدِّهِ أَرْشُ نَقْصِهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَلَا مُخَالَفَةَ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِحَمْلِ مَا هُنَا عَلَى مَا إذَا بَقِيَتْ الْعَيْنُ عَارِيَّةً عَنْ النَّقْصِ وَلَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَهَا أُجْرَةٌ، وَمَا هُنَاكَ عَلَى مَا إذَا حَدَثَ نَقْصٌ فِيهِ أَوْ مَضَتْ مُدَّةٌ لِمِثْلِهَا أُجْرَةٌ فَلَا اعْتِرَاضَ عَلَى الشَّارِحِ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (مَا لَوْ غَصَبَ أَمَةً إلَخْ) وَالْحَالُ أَنَّهَا لَمْ يَحْدُثْ فِيهَا نَقْصٌ وَلَمْ تَمْضِ مُدَّةٌ لَهَا أُجْرَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَحَمَلَتْ بِحُرٍّ) أَيْ بِشُبْهَةٍ مِنْ الْغَاصِبِ أَوْ غَيْرِهِ وَيَلْزَمُهُ مَهْرٌ لَهَا وَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ وَعَلَى الْوَاطِئِ قِيمَتُهُ لِمَالِكِهَا. أَمَّا لَوْ كَانَ الْوَلَدُ مِنْ زِنًا فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَالْوَلَدُ حِينَئِذٍ رَقِيقٌ، اهـ قَوْلُهُ: (ثُمَّ رَدَّهَا) أَيْ وَهِيَ حَامِلٌ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَيْلُولَةِ) وَيَمْلِكُهَا الْمَغْصُوبُ مِنْهُ مِلْكَ قَرْضٍ فَيَتَصَرَّفُ فِيهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا بَعْدَ وِلَادَةِ الْجَارِيَةِ كَمَا فِي سم، فَإِنْ وَضَعَتْهُ اسْتَرْجَعَتْ الْقِيمَةَ وَإِنْ مَاتَتْ بِالْوِلَادَةِ اسْتَقَرَّتْ الْقِيمَةُ لَهُ م د.
قَوْلُهُ: (وَعَلَى الْغَاصِبِ التَّعْزِيرُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ فِي جَمِيعِ صُوَرِ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا التَّعْزِيرُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ، فَهَذَا مُرْتَبِطٌ بِمَسْأَلَةِ الْمَتْنِ.
قَوْلُهُ: (الْأَوْلَى مَا لَوْ غَصَبَ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ شَيْخُنَا بِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ فِي هَذِهِ مِنْ رَدِّهِ، وَقَدْ شَرَطَ الْفَوْرَ بِالتَّمَكُّنِ اهـ. وَيُجَابُ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ عَلَى الْفَوْرِ بِدُونِ مَا قَيَّدَ بِهِ الشَّارِحُ مِنْ قَوْلِهِ: " عِنْدَ التَّمَكُّنِ " وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ قَوْلُ الشَّارِحِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَى الْفَوْرِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ لِلْغَاصِبِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْمُحْتَرَمُ لِلْغَاصِبِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى صَاحِبِ الْبَهْجَةِ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ع ش.
قَوْلُهُ: (لِاسْتِمْرَارِ الْغَصْبِ) أَيْ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْغَصْبِ وَاجِبٌ فَوْرًا.
قَوْلُهُ: (زَمَنٌ يَسِيرٌ) أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ، حَتَّى لَوْ طَالَ كَانَ لَهُ التَّأْخِيرُ، أَوْ هُوَ لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (أَرْشُ نَقْصِهِ) فَلَوْ غَصَبَ فَرْدَتَيْ خُفٍّ قِيمَتُهُمَا عَشْرَةٌ فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا فَصَارَتْ قِيمَةُ الْبَاقِيَةِ دِرْهَمَيْنِ لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ، وَمِثْلُهُمَا مِصْرَاعَا الْبَابِ أَيْ الضَّرْفَتَانِ. وَقَدْ أَلْغَزَ فِيهِمَا بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ:
خَلِيلَانِ مَمْنُوعَانِ مِنْ كُلِّ لَذَّةٍ ... يَبِيتَانِ طُولَ اللَّيْلِ يَعْتَنِقَانِ
هُمَا يَحْفَظَانِ الْأَهْلَ مِنْ كُلِّ آفَةٍ ... وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَفْتَرِقَانِ
وَلَوْ مَشَى شَخْصٌ عَلَى فَرْدَةِ نَعْلِ غَيْرِهِ فَجَذَبَهَا صَاحِبُ النَّعْلِ فَانْقَطَعَتْ، فَتُقَوَّمُ النَّعْلُ سَلِيمَةً هِيَ وَرَفِيقَتُهَا ثُمَّ يُقَوَّمَانِ مَعَ الْعَيْبِ وَمَا نَقَصَ يُقَسَّمُ عَلَى الْمَاشِي وَصَاحِبِ النَّعْلِ، فَمَا يَخُصُّ صَاحِبَ النَّعْلِ سَقَطَ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ هَدَرٌ وَمَا يَخُصُّ الْآخَرَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ ع ش عَلَى م ر. وَلَوْ أَخَذَ شَيْئًا لِغَيْرِهِ مِنْ غَاصِبٍ أَوْ سَبُعٍ حِسْبَةً لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ إمْكَانِ رَدِّهِ لَمْ يَضْمَنْ إنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ غَيْرَ أَهْلٍ لِلضَّمَانِ كَحَرْبِيٍّ وَقِنٍّ لِلْمَالِكِ، وَإِلَّا ضَمِنَ وَإِنْ كَانَ مُعَرَّضًا لِلتَّلَفِ خِلَافًا لِلسُّبْكِيِّ؛ شَرْحُ م ر. قَالَ ع ش: بَقِيَ مَا يَقَعُ كَثِيرًا أَنَّ بَعْضَ الدَّوَابِّ يَفِرُّ مِنْ صَاحِبِهِ ثُمَّ إنَّ شَخْصًا يَحُوزُهُ عَلَى نِيَّةِ عَوْدِهِ لِمَالِكِهِ فَيَتْلَفُ حِينَئِذٍ، هَلْ يَضْمَنُ أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي لِلْعِلْمِ بِرِضَا صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، إذَا الْمَالِكُ لَا يَرْضَى بِضَيَاعِ مَالِهِ وَيُصَدَّقُ فِي أَنَّهُ نَوَى رَدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا تُعْرَفُ إلَّا مِنْهُ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الضَّمَانِ اهـ. وَقَوْلُهُ: " وَإِنْ كَانَ مُعَرَّضًا لِلتَّلَفِ " قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَ مَتَاعًا مَعَ سَارِقٍ أَوْ مُنْتَهِبٍ وَعَلِمَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْهُ مِنْهُ ضَاعَ عَلَى صَاحِبِهِ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ الْآخِذَ فَأَخَذَهُ مِنْهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَوْ بِصُورَةِ شِرَاءٍ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ حَتَّى لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ بِلَا تَقْصِيرٍ غَرِمَ بَدَلَهُ لِصَاحِبِهِ وَلَا
стр. 1111
نَقْصُ قِيمَتِهِ (وَ) لَزِمَهُ مَعَ الرَّدِّ وَالْأَرْشِ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) لِمُدَّةِ إقَامَتِهِ فِي يَدِهِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْفِ الْمَنْفَعَةَ، وَلَوْ تَفَاوَتَتْ الْأُجْرَةُ فِي الْمُدَّةِ ضَمِنَ فِي كُلِّ بَعْضٍ مِنْ أَبْعَاضِ الْمُدَّةِ أُجْرَةَ مِثْلِهِ فِيهِ، وَإِذَا وَجَبَتْ أُجْرَتُهُ فَدَخَلَهُ نَقْصٌ فَإِنْ كَانَ بِسَبَبِ الِاسْتِعْمَالِ كَلُبْسِ الثَّوْبِ وَجَبَ مَعَ الْأُجْرَةِ أَرْشُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ غَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ كَأَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ كَسُقُوطِ عُضْوٍ بِمَرَضٍ وَجَبَ مَعَ الْأُجْرَةِ الْأَرْشُ أَيْضًا ثُمَّ الْأُجْرَةُ حِينَئِذٍ لِمَا قَبْلَ حُدُوثِ النَّقْصِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ سَلِيمًا وَلِمَا بَعْدَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ مَعِيبًا، وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِذَلِكَ كُلِّهِ
(فَإِنْ تَلِفَ) الْمَغْصُوبُ الْمُتَمَوِّلُ عِنْدَ الْغَاصِبِ بِآفَةٍ أَوْ إتْلَافٍ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ (ضَمِنَهُ) الْغَاصِبُ بِالْإِجْمَاعِ، أَمَّا غَيْرُ الْمُتَمَوِّلِ كَحَبَّةِ بُرٍّ وَكَلْبٍ يُقْتَنَى وَزِبْلٍ وَحَشَرَاتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَضْمَنُهُ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحِقُّ الزِّبْلِ قَدْ غَرِمَ عَلَى نَقْلِهِ أُجْرَةً لَمْ يُوجِبْهَا عَلَى الْغَاصِبِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ ضَمَانِ الْمُتَمَوِّلِ إذَا تَلِفَ مَسَائِلُ: مِنْهَا مَا لَوْ غَصَبَ الْحَرْبِيُّ مَالَ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ عُقِدَتْ لَهُ ذِمَّةٌ بَعْدَ التَّلَفِ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ، وَلَوْ كَانَ بَاقِيًا وَجَبَ رَدُّهُ. وَمِنْهَا: مَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا وَجَبَ قَتْلُهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى بِرِدَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَقَتَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَصَحِّ وَمِنْهَا: مَا لَوْ قُتِلَ الْمَغْصُوبُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَاقْتَصَّ الْمَالِكُ مِنْ الْقَاتِلِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ أَخَذَ بَدَلَهُ قَالَهُ فِي الْبَحْرِ. تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ " تَلِفَ " لَا يَتَنَاوَلُ مَا إذَا أَتْلَفَهُ هُوَ أَوْ أَجْنَبِيٌّ لَكِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ بَابِ أَوْلَى، وَلِذَا قُلْت أَوْ إتْلَافٌ لَكِنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ الْمَالِكُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ أَوْ أَتْلَفَهُ مَنْ لَا يَعْقِلُ أَوْ مَنْ يَرَى طَاعَةَ الْأَمْرِ بِأَمْرِ الْمَالِكِ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ، نَعَمْ لَوْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
رُجُوعَ لَهُ بِمَا غَرِمَهُ فِي اسْتِخْلَاصِهِ عَلَى مَالِكِهِ لِعَدَمِ إذْنِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِيهِ حَيْثُ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ مَعْرِفَةُ مَالِكِهِ لَوْ بَقِيَ بِيَدِ السَّارِقِ فَإِنَّ مَا ذُكِرَ طَرِيقٌ لِحِفْظِ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَهُوَ لَا يَرْضَى بِضَيَاعِهِ اهـ. فَرْعٌ: مَنْ ضَلَّ نَعْلَهُ فِي مَسْجِدٍ وَوَجَدَ غَيْرَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُهُ وَإِنْ كَانَ لِمَنْ أَخَذَ نَعْلَهُ، وَلَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَيْعُهُ وَأَخْذُ قَدْرِ قِيمَةِ نَعْلِهِ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لِمَنْ أَخَذَ نَعْلَهُ وَإِلَّا فَهُوَ لُقَطَةٌ. فَرْعٌ: مَنْ أَخَذَ إنْسَانًا ظَنَّهُ عَبْدًا حِسْبَةً فَقَالَ: أَنَا حُرٌّ، وَهُوَ عَبْدٌ فَتَرَكَهُ فَأَبِقَ ضَمِنَهُ. اهـ. ع ش عَلَى م ر. قَوْله: (لَا نَقْصُ قِيمَتِهِ) أَيْ لِنَحْوِ رُخْصِ سِعْرٍ أَوْ كَسَادٍ ق ل.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْأَصَحِّ) وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ يَضْمَنُ أَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ نَقْصِهِ وَأُجْرَةِ مِثْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ غَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ) فَصَلَهَا عَمَّا قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا، لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِي الْأُولَى. قَوْلُهُ: (بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ) خَرَجَ مَا لَوْ نَقَصَتْ الْقِيمَةُ حِينَئِذٍ بِسَبَبِ رُخْصِ سِعْرٍ فَلَا ضَمَانَ، أج.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ مَعَ الْأُجْرَةِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ، قَدْ يُقَالُ: الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْأُولَى لَيْسَ فِيهَا خِلَافٌ وَيَكُونَ الْخِلَافُ فِي الثَّانِيَةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ الْأُجْرَةُ حِينَئِذٍ) رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ وَقَوْلُهُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَغْصُوبٍ نَقَصَ وَلَا يَخْتَصُّ نَقْصُهُ بِالْآفَةِ كَمَا أَطْلَقَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (وَإِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ) أَيْ قَوْلُهُ: وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ.
قَوْلُهُ: (كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ) بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ عَلَى الْمَغْصُوبِ وَالْمُبْدَلُ مِنْهُ فِي نِيَّةِ الطَّرْحِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ تَلِفَ كُلُّ الْمَغْصُوبِ أَوْ بَعْضُهُ. قَوْلُهُ: (مِنْهَا) إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ الْحَصْرِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا، فَمِنْهَا مَا أَفْتَى بِهِ السُّيُوطِيّ أَنَّ مَنْ قَطَعَ يَدَ عَبْدِهِ فَغَصَبَ ثُمَّ مَاتَ سِرَايَةً لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِاسْتِنَادِهِ لِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ) لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ لِلْأَحْكَامِ حَالَ حِرَابَتِهِ. قَوْلُهُ: (أَوْ نَحْوَهَا) كَتَرْكِ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَمْرِ الْإِمَامِ.
قَوْلُهُ: (فَقَتَلَهُ) وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ اسْتِيفَاءَ حَقِّ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الْإِمَامِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ.
قَوْلُهُ: (قَالَهُ فِي الْبَحْرِ) مُعْتَمَدٌ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، فَمَا قَالَهُ ق ل فِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (هُوَ) أَيْ الْغَاصِبُ.
قَوْلُهُ: (أَوْ أَجْنَبِيٌّ) أَيْ إذَا لَمْ يَقْتَصَّ مَالِكُ الْمَغْصُوبِ، فَإِنْ اُقْتُصَّ الْمَالِكُ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ كَمَا ذَكَرَهُ قَبْلُ اهـ أج. قَوْلُهُ: (وَلِذَا قُلْت أَوْ إتْلَافٌ) لَكِنَّ صَنِيعَ الشَّارِحِ فِيمَا سَبَقَ يَقْتَضِي شُمُولَهُ.
قَوْلُهُ: (لَكِنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ الْمَالِكُ إلَخْ) هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إتْلَافِ الْغَاصِبِ أَوْ أَجْنَبِيٍّ، فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَلَوْ أَتْلَفَهُ الْمَالِكُ. وَهَذَا، أَعْنِي
стр. 1112
صَالَ الْمَغْصُوبُ عَلَى الْمَالِكِ فَقَتَلَهُ دَفْعًا لِصِيَالِهِ لَمْ يَبْرَأْ الْغَاصِبُ سَوَاءً أَعَلِمَ أَنَّهُ عَبْدُهُ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ بِهَذِهِ الْجِهَةِ كَتَلَفِ الْعَبْدِ نَفْسِهِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا عِنْدَ الْغَاصِبِ مَا لَوْ تَلِفَ بَعْدَ الرَّدِّ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ رَدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ بِإِجَارَةٍ أَوْ رَهْنٍ أَوْ وَدِيعَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ الْمَالِكُ فَتَلِفَ عِنْدَ الْمَالِكِ، فَإِنَّ ضَمَانَهُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَمَا لَوْ قُتِلَ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى الْمَالِكِ بِرِدَّةٍ أَوْ جِنَايَةٍ فِي يَدِ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ. وَيَضْمَنُ مَغْصُوبَ تَلَفٍ (بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ) مَوْجُودٌ، وَالْمِثْلِيُّ مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ كَمَاءٍ وَلَوْ أَغْلَى وَتُرَابٍ وَنُحَاسٍ وَمِسْكٍ وَقُطْنٍ وَإِنْ لَمْ يُنْزَعْ حَبُّهُ وَدَقِيقٌ وَنُخَالَةٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَإِنَّمَا ضَمِنَ بِمِثْلِهِ لِآيَةِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ؛ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّالِفِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مُتَقَوِّمٌ، وَسَيَأْتِي كَالْمَذْرُوعِ وَالْمَعْدُودِ وَمَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ كَمَعْجُونٍ وَغَالِيَةٍ وَمَعِيبٍ، وَأَوْرَدَ عَلَى التَّعْرِيفِ الْبُرَّ الْمُخْتَلِطَ بِالشَّعِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ مَعَ أَنَّ الْوَاجِبَ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلَهُ: لَكِنَّهُ إلَخْ، شُرُوعٌ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ لَا ضَمَانَ فِيهَا أَيْضًا تُضَمُّ لِلثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَكُونُ سِتَّةً، وَلَوْ قَدَّمَهَا عَلَى التَّنْبِيهِ لَكَانَ أَوْلَى، وَتَعْبِيرُهُ بِ " لَكِنَّ " فِيهِ مُسَامَحَةٌ لِمَا عَلِمْتَ.
قَوْلُهُ: (بَرِئَ مِنْ الضَّمَانِ) أَيْ مِنْ قَرَارِ الضَّمَانِ وَإِنْ كَانَ يُطْلَبُ، وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْمَجْنُونِ وَعَلَى الْآمِرِ.
قَوْلُهُ: (بِأَمْرِ الْمَالِكِ) رَاجِعٌ لِلْمَسْأَلَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (فَقَتَلَهُ) أَيْ الْمَالِكُ. قَوْلُهُ: (كَتَلَفِ الْعَبْدِ إلَخْ) مُضَافٌ لِفَاعِلِهِ، وَنَفْسُهُ مَفْعُولٌ بِهِ أج؛ لَكِنْ كَانَ الْمُنَاسِبُ حِينَئِذٍ التَّعْبِيرَ بِالْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ مُتَعَدٍّ لَا التَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ، فَالْأَحْسَنُ جَرُّهُ تَوْكِيدًا لِلْعَبْدِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: كَتَلَفِ الْعَبْدِ نَفْسَهُ " أَيْ كَتَلَفِ الْعَبْدِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ فَاعِلٍ كَتَلَفِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ) أَيْ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ انْتَهَى بِالرَّدِّ، وَهَذَا مَعْلُومٌ وَأَتَى بِهِ تَوْطِئَةً لِمَا بَعْدُ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ نَفْيِ الضَّمَانِ بَعْدَ الرَّدِّ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَعْلَمْ) أَيْ بِكَوْنِهِ مِلْكَهُ وَتَسْمِيَةُ مَا ذَكَرَ إجَازَةً وَرَهْنًا وَدِيعَةً بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فَقَطْ. وَإِنَّمَا قَالَ: وَلَمْ يَعْلَمْ لِيَتَأَتَّى رَهْنُهُ لَهُ أَوْ إجَارَتُهُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنَّ ضَمَانَهُ عَلَى الْغَاصِبِ) لِبَقَاءِ يَدِهِ عَلَيْهِ حُكْمًا.
قَوْلُهُ: (أَوْ جِنَايَةٍ فِي يَدِ الْغَاصِبِ) فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَكَذَا لَوْ سَرَقَ فِي يَدِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ فِي السَّرِقَةِ فَإِنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ. قَوْلُهُ: (وَيَضْمَنُ مَغْصُوبَ إلَخْ) جَعَلَ كَلَامَ الْمَتْنِ مُتَعَلِّقًا بِذَلِكَ الْمَحْذُوفِ مَعَ أَنَّهُ فِي الْمَتْنِ مُتَعَلِّقٌ بِضَمِنَهُ، فَلَوْ أَبْقَاهُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ كَانَ أَوْلَى؛ إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ حَلَّ مَعْنًى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدَّرَهُ لِطُولِ الْفَصْلِ وَإِلَّا فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِضَمِنَهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
قَوْلُهُ: (مَوْجُودٌ) أَيْ مَا بَقِيَتْ لَهُ قِيمَةٌ كَمَا سَيَذْكُرُ مُحْتَرَزَهُمَا. وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى شَرْطٍ، وَسَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ الْإِشَارَةُ إلَى شَرْطَيْنِ فَلَا تَغْفُلْ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشُّرُوطَ خَمْسَةٌ: أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ مَوْجُودًا، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ قِيمَةٌ، وَأَنْ لَا يَصِيرَ الْمِثْلِيُّ مُتَقَوِّمًا، وَأَنْ لَا يَتَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ الْقِيمَةِ، وَأَنْ يَقَعَ التَّقْوِيمُ فِي مَكَانِ التَّلَفِ فَإِنْ وَقَعَ بِغَيْرِهِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مُؤْنَةٌ أَيْ أُجْرَةٌ وَمِثْلُهَا ارْتِفَاعُ الْأَسْعَارِ لَمْ يَضْمَنْ بِالْمِثْلِ وَإِلَّا ضَمِنَ بِالْمِثْلِ.
قَوْلُهُ: (مَا حَصْره كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ شَرْعًا قُدِّرَ بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا أَمْكَنَ فِيهِ ذَلِكَ، فَإِنَّ كُلَّ مَالٍ يُمْكِنُ وَزْنُهُ وَإِنْ لَمْ يُعْتَدَّ كَيْلُهُ. وَيُعْرَفُ بِهَذَا أَنَّ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ مِثْلِيَّانِ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ قُدِّرَا كَانَ تَقْدِيرُهُمَا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ. اهـ. حَجّ مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَمَاءٍ) أَيْ سَوَاءً كَانَ مِلْحًا أَوْ عَذْبًا أَغْلَى أَوْ لَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَقَوْلُهُ: " وَلَوْ أَغْلَى " لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ: إذَا أَغْلَى يَكُونُ مُتَقَوِّمًا قَوْلُهُ: (وَنُحَاسٍ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَشْهَرُ مِنْ كَسْرِهِ م ر قَوْلُهُ: (وَدَقِيقٍ) فِي صِحَّةِ السَّلَمِ فِيهِ نَظَرٌ لِاخْتِلَافِهِ بِالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونَةِ فَهُوَ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، تَأَمَّلْ وَحَرِّرْ. قَوْلُهُ: (أَقْرَبُ إلَى التَّالِفِ) أَيْ مِنْ غُرْمِ الْقِيمَةِ. قَوْلُهُ: (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) أَيْ مَا حَصْرُهُ كَيْلٌ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: " مُتَقَوِّمٌ " بِكَسْرِ الْوَاوِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا كَمَا قَالَهُ حَجّ.
قَوْلُهُ: (وَمَا لَا يَجُوزُ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: " كَالْمَذْرُوعِ ".
قَوْلُهُ: (وَمَعِيبٍ) ؛ لِأَنَّ الْعَيْبَ لَا يَنْضَبِطُ.
قَوْلُهُ: (وَأَوْرَدَ عَلَى التَّعْرِيفِ إلَخْ) الْمُورِدُ هُوَ الْإِسْنَوِيُّ.
стр. 1113
فِيهِ الْمِثْلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّالِفِ، فَيَخْرُجُ الْقَدْرُ الْمُحَقَّقُ مِنْهُمَا. وَأُجِيبُ بِأَنَّ إيجَابَ رَدِّ مِثْلِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مِثْلِيًّا كَمَا فِي إيجَابِ رَدِّ مِثْلِ الْمُتَقَوِّمِ فِي الْقَرْضِ، وَبِأَنَّ امْتِنَاعَ السَّلَمِ فِي جُمْلَتِهِ لَا يُوجِبُ امْتِنَاعَهُ فِي جُزْأَيْهِ الْبَاقِيَيْنِ بِحَالِهِمَا، وَرَدُّ الْمِثْلِ إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَيْهِمَا وَالسَّلَمُ فِيهِمَا جَائِزٌ، وَيَضْمَنُ الْمِثْلِيَّ بِمِثْلِهِ فِي أَيِّ مَكَان حَلَّ بِهِ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْمِثْلِيَّ بِمِثْلِهِ إذَا بَقِيَ لَهُ قِيمَةٌ فَلَوْ أَتْلَفَ مَاءً بِمَفَازَةٍ مَثَلًا ثُمَّ اجْتَمَعَا عِنْدَ نَهْرٍ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ بِالْمَفَازَةِ، وَلَوْ صَارَ الْمِثْلِيُّ مُتَقَوِّمًا أَوْ مِثْلِيًّا، أَوْ الْمُتَقَوِّمُ مِثْلِيًّا كَجَعْلِ الدَّقِيقِ خُبْزًا أَوْ السِّمْسِمِ شَيْرَجًا، أَوْ الشَّاةِ لَحْمًا ثُمَّ تَلِفَ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ أَكْثَرَ قِيمَةً فَيَضْمَنُ بِهِ فِي الثَّانِي وَبِقِيمَتِهِ فِي الْآخَرَيْنِ، وَالْمَالِكُ فِي الثَّانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ. أَمَّا لَوْ صَارَ الْمُتَقَوِّمُ مُتَقَوِّمًا كَإِنَاءِ نُحَاسٍ صِيغَ مِنْهُ حُلِيٌّ فَيَجِبُ فِيهِ أَقْصَى الْقِيَمِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ. وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْوُجُودِ مَا إذَا فَقَدَ الْمِثْلَ حِسًّا أَوْ شَرْعًا كَأَنْ لَمْ يُوجَدْ بِمَكَانِ الْغَصْبِ وَلَا حَوَالَيْهِ، أَوْ وُجِدَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ فَيَضْمَنُ بِأَقْصَى قِيَمِ الْمَكَانِ الَّذِي حَلَّ بِهِ الْمِثْلِيُّ مِنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَحَاصِلُ الْإِيرَادِ أَنَّهُ قَالَ لَنَا مِثْلِيٌّ يُضْمَنُ بِمِثْلِهِ مَعَ أَنَّ تَعْرِيفَ الْمِثْلِيِّ غَيْرُ شَامِلٍ لَهُ فَيَكُونُ غَيْرَ جَامِعٍ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْإِيرَادُ عَلَى مَنْطُوقِهِ لَا عَلَى مَفْهُومِهِ كَمَا فَهِمَ الْمُحَشِّي. اهـ. شَيْخُنَا عَشْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَيَخْرُجُ الْقَدْرُ الْمُحَقَّقُ) وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِإِخْرَاجِ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاجِبِ، فَإِذَا كَانَ الْوَاجِبُ إرْدَبًّا مَثَلًا وَبَعْضُهُ بُرٌّ وَبَعْضُهُ شَعِيرٌ وَشَكَّ هَلْ الْبُرُّ نِصْفٌ أَوْ ثُلُثٌ فَيُخْرِجُ مِنْ الْبُرِّ نِصْفًا وَمِنْ الشَّعِيرِ ثُلُثَيْنِ. اهـ. مَرْحُومِيٌّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ أَنَّنَا إنْ تَحَقَّقْنَا قَدْرَ كُلٍّ مِنْهُمَا أَخْرَجْنَاهُ وَإِلَّا عَدَلْنَا إلَى الْقِيمَةِ.
قَوْلُهُ: (وَأُجِيبُ إلَخْ) حَاصِلُ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ مَنْعُ كَوْنِهِ مِثْلِيًّا بَلْ هُوَ مُتَقَوِّمٌ، وَإِنْ وَجَبَ رَدُّ مِثْلِهِ فَهُوَ جَوَابٌ بِالْمَنْعِ. وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ مِثْلِيٌّ بِالنَّظَرِ إلَى جُزْأَيْهِ، أَيْ بِأَنَّهُ لَوْ مَيَّزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَتِهِ لَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ، وَامْتِنَاعُ السَّلَمِ فِيهِ لِعَارِضِ الِاخْتِلَاطِ؛ وَهَذَا أَوْلَى مِمَّا صَنَعَهُ الْمُحَشِّي.
قَوْلُهُ: (لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مِثْلِيًّا) أَيْ فَهُوَ مُتَقَوِّمٌ، وَرَدُّ الْمِثْلِيِّ فِيهِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَبِأَنَّ إلَخْ) جَوَابٌ بِالتَّسْلِيمِ وَالْأَوَّلُ بِالْمَنْعِ اهـ.
قَوْلُهُ: (فِي جُزْأَيْهِ الْبَاقِيَيْنِ) أَخْرَجَ الْمَعَاجِينَ الْمُرَكَّبَةَ لِاسْتِهْلَاكِ أَجْزَائِهَا، شَوْبَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيَضْمَنُ الْمِثْلِيَّ بِمِثْلِهِ فِي أَيِّ مَكَان حَلَّ) أَيْ الْمِثْلِيَّ أَيْ فِي أَيِّ مَكَان نَقَلَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ الْمِثْلِيَّ إلَيْهِ فَيُطَالَبُ بِهِ فِي ذَلِكَ، يَعْنِي أَنَّ الْغَاصِبَ إذَا نَقَلَ الْمَغْصُوبَ مِنْ كَذَا إلَى كَذَا ثُمَّ تَلِفَ ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الْمَالِكُ، فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِمِثْلِهِ فِي أَيِّ مَكَان حَلَّ بِهِ الْمِثْلَ وَلَوْ طَرِيقَ ذَلِكَ الْمَحَلُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يَضْمَنُ) شُرُوعٌ فِي قَيْدٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَوَّلًا.
قَوْلُهُ: (إذَا بَقِيَ لَهُ قِيمَةٌ) وَلَوْ تَافِهَةً ح ل. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: فَيَضْمَنُ الْمِثْلِيَّ بِمِثْلِهِ مَا لَمْ يَتَرَاضَيَا عَلَى قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى حَقِّهِ، فَإِنْ خَرَجَ الْمِثْلِيُّ عَنْ الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَاءً بِمَفَازَةٍ ثُمَّ اجْتَمَعَا بِمَحَلٍّ لَا قِيمَةَ فِيهِ لِلْمَاءِ أَصْلًا لَزِمَهُ قِيمَتُهُ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَقِيَتْ لَهُ قِيمَةٌ وَلَوْ تَافِهَةً؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمِثْلُ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَّا حَيْثُ زَالَتْ مَالِيَّتُهُ مِنْ أَصْلِهَا وَإِلَّا فَلَا كَمَا لَا نَظَرَ عِنْدَ رَدِّ الْعَيْنِ إلَى تَفَاوُتِ الْأَسْعَارِ، وَمَحَلُّهُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: " وَلَوْ ظَفِرَ بِالْغَاصِبِ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّلَفِ إلَخْ " فِيمَا لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ وَإِلَّا غَرَّمَهُ قِيمَتَهُ بِمَحَلِّ التَّلَفِ كَمَا لَوْ نَقَلَ الْمَالِكُ بُرًّا مِنْ مِصْرَ إلَى مَكَّةَ، ثُمَّ غَصَبَهُ آخَرُ هُنَاكَ، ثُمَّ طَالَبَ مَالِكُهُ بِمِصْرَ، فَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ بِمَكَّةَ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ ﵀ وَالْمُرَادُ بِمُؤْنَةِ النَّقْلِ الْأُجْرَةُ وَمِثْلُهَا ارْتِفَاعُ الْأَسْعَارِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ صَارَ الْمِثْلِيُّ مُتَقَوِّمًا) حَاصِلُهُ أَنَّ الصُّوَرَ أَرْبَعَةٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَصِيرَ الْمِثْلِيُّ مُتَقَوِّمًا أَوْ مِثْلِيًّا أَوْ يَصِيرَ الْمُتَقَوِّمُ مِثْلِيًّا أَوْ مُتَقَوِّمًا آخَرَ، وَالصُّورَةُ الرَّابِعَةُ تَأْتِي فِي قَوْلِهِ: أَمَّا لَوْ صَارَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (كَجَعْلِ الدَّقِيقِ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ.
قَوْلُهُ: (شَيْرَجًا) بِفَتْحِ الشِّينِ هُوَ دُهْنُ السِّمْسِمِ، وَلَا يَجُوزُ كَسْرُهَا كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ.
قَوْلُهُ: (ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ) فَيَضْمَنُ الدَّقِيقَ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ وَالسِّمْسِمَ أَوْ الشَّيْرَجَ فِي الثَّانِي وَاللَّحْمَ فِي الثَّالِثِ، فَالْمُرَادُ بِالْمِثْلِ بِالنِّسْبَةِ لِلثَّانِي جِنْسُ الْمِثْلِ الصَّادِقِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وع ش كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ بَعْدُ، وَالْمَالِكُ فِي الثَّانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمِثْلَيْنِ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ هَذَا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ) أَيْ أَحَدُ الْمِثْلَيْنِ فِي الْمِثْلِيِّ وَالْقِيمَةُ فِي الْآخَرِ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَيَضْمَنُ بِهِ) أَيْ الْأَكْثَرَ.
قَوْلُهُ: (وَبِقِيمَتِهِ فِي الْآخَرَيْنِ) هُمَا الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَالِكُ فِي الثَّانِي مُخَيَّرٌ) أَيْ إنْ اسْتَوَيَا فِي الْقِيمَةِ فَلَا يُنَافِي مَا قَبْلَهُ ع ش وَشَوْبَرِيٌّ. قَوْلُهُ: (فَيَجِبُ فِيهِ أَقْصَى الْقِيَمِ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الصَّنْعَةَ مُتَقَوِّمَةٌ وَذَاتُ الْإِنَاءِ مِثْلِيَّةٌ، فَيَضْمَنُ الْوَزْنَ بِمِثْلِهِ وَالصَّنْعَةَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ز ي.
стр. 1114
حِينَ غَصَبَ إلَى حِينِ فَقْدِ الْمِثْلِيِّ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمِثْلِ كَبَقَاءِ الْعَيْنِ فِي وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمُتَقَوِّمِ، وَلَا نَظَرَ إلَى مَا بَعْدَ الْفَقْدِ كَمَا لَا نَظَرَ إلَى مَا بَعْدَ تَلَفِ الْمُتَقَوِّمِ. وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمِثْلُ مَفْقُودًا عِنْدَ التَّلَفِ كَمَا صَوَّرَهُ الْمُحَرِّرُ وَإِلَّا ضَمِنَ الْأَكْثَرَ مِنْ الْغَصْبِ إلَى التَّلَفِ (أَوْ) يَضْمَنُ الْمَغْصُوبَ (بِقِيمَتِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ) بِأَنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ إنْ تَلِفَ بِإِتْلَافٍ. أَوْ بِدُونِهِ حَيَوَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ مُكَاتَبًا وَمُسْتَوْلَدَةً (أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ) أَيْ حِينِ (الْغَصْبِ إلَى يَوْمِ) أَيْ حِينِ (التَّلَفِ) وَإِنْ زَادَ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ لِتَوَجُّهِ الرَّدِّ عَلَيْهِ حَالَ الزِّيَادَةِ فَيَضْمَنُ الزَّائِدَ، وَالْعِبْرَةُ فِي ذَلِكَ بِنَقْدِ مَكَانِ التَّلَفِ إنْ لَمْ يَنْقُلْهُ وَإِلَّا فَيُتَّجَهُ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ اعْتِبَارُ نَقْدِ أَكْثَرِ الْأَمْكِنَةِ، وَتَضَمُّنُ أَبْعَاضِهِ بِمَا نَقَضَ مِنْ الْأَقْصَى إلَّا إنْ أُتْلِفَتْ بِأَنْ أَتْلَفَهَا الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ رَقِيقٍ، وَلَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مِنْ حُرٍّ كَيَدٍ وَرِجْلٍ فَيَضْمَنُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْوُجُودِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ: إنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ مَوْجُودٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا حَوَالَيْهِ) أَيْ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ ق ل وَحَوَالَيْهِ مُلْحَقٌ بِالْمَثْنَى وَالْمُرَادُ بِهِ التَّكْثِيرُ كَسَعْدَيْهِ وَدَوَالَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَيَضْمَنُ) أَيْ الْمِثْلَ الْمَفْقُودَ لَا الْمَغْصُوبَ؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ بَعْدَ تَلَفِهِ لَا تُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ فِيهِ بَعْدَ التَّلَفِ شَرْحُ م ر بِأَقْصَى قِيَمِ الْمَكَانِ، وَإِذَا غَرِمَ الْقِيمَةَ ثُمَّ وَجَدَ الْمِثْلَ فَلَا تَرَادَّ وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَنْتَظِرَ وُجُودَ الْمِثْلِ وَلَا يَأْخُذَ الْقِيمَةَ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْبَيَانِ سم.
قَوْلُهُ: (إلَى حِينِ فَقْدِ الْمِثْلِيِّ) صَوَابُهُ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ: إلَى حِينِ فَقْدِ الْمِثْلِ بِلَا يَاءِ النِّسْبَةِ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ حَجَرٍ: الْحَاصِلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَنْ غَصَبَ عَيْنًا مِثْلِيَّةً وَأَتْلَفَهَا يَلْزَمُهُ مِثْلُهَا، فَإِنْ فَقَدَهُ أَوْ وَجَدَهُ بِزِيَادَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ لَزِمَهُ أَقْصَى قِيَمِهِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إلَى وَقْتِ فَقْدِ الْمِثْلِ، فَلَوْ كَانَ وَقْتَ الْغَصْبِ يُسَاوِي مِائَةً وَوَقْتَ الْفَقْدِ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ وَفِيمَا بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ يُسَاوِي أَلْفًا لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُتَقَوِّمُ فَيَضْمَنُ بِأَقْصَى قِيَمِهِ مِنْ الْغَصْبِ إلَى التَّلَفِ اهـ م د. وَعِبَارَةُ الْمِنْهَاجِ مَعَ شَرْحِهِ لِلرَّمْلِيِّ: وَالْأَصَحُّ فِيمَا لَوْ كَانَ الْمِثْلُ مَوْجُودًا عِنْدَ التَّلَفِ فَلَمْ يُسَلِّمْهُ حَتَّى فَقَدَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْلُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَقْصَى قِيَمِهِ أَيْ الْمِثْلِ كَمَا صَحَّحَهُ السُّبْكِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّنْبِيهِ، وَجَرَى عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ، خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَيْ وَهُوَ ابْنُ حَجَرٍ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَقْصَى قِيَمِ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ بَعْدَ تَلَفِهِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الزِّيَادَةُ الْحَاصِلَةُ فِيهِ بَعْدَ التَّلَفِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إلَى تَعَذُّرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْمِثْلِ إلَى إلَخْ اهـ.
قَوْلُهُ: (فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ) أَيْ التَّسْلِيمُ.
قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْمُتَقَوِّمِ) فَإِنَّهُ مَتَى وُجِدَ فَالْوَاجِبُ رَدُّهُ وَالْقِيمَةُ إنَّمَا تَكُونُ عِنْدَ الْفَقْدِ. اهـ. ع ن.
قَوْلُهُ: (وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ) أَيْ مَسْأَلَةِ ضَمَانِهِ بِأَقْصَى قِيَمِ الْمَكَانِ الَّذِي حَلَّ بِهِ الْمِثْلِيُّ مِنْ حِينِ الْغَصْبِ إلَى فَقْدِ الْمِثْلِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمِثْلُ مَفْقُودًا عِنْدَ التَّلَفِ، فَإِنْ كَانَ مَفْقُودًا عِنْدَهُ انْتَهَى الْأَقْصَى إلَى وَقْتِ التَّلَفِ لَا إلَى وَقْتِ الْفَقْدِ فَقَطْ م د.
قَوْلُهُ: (كَمَا صَوَّرَهُ الْمُحَرَّرُ) أَيْ صَاحِبُهُ وَهُوَ الرَّافِعِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ بِأَنْ كَانَ الْمِثْلُ مَفْقُودًا عِنْدَ التَّلَفِ. وَقَوْلُهُ: " بِالْأَكْثَرِ " أَيْ بِأَكْثَرِ الْقِيَمِ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُكَاتَبًا وَمُسْتَوْلَدَةً) إنَّمَا أَخَذَهُمَا غَايَةَ إشَارَةٍ إلَى أَنَّ تَعَلُّقَ الْعِتْقِ بِهِمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِمَا مَضْمُونِينَ ع ش. قَوْلُهُ: (أَكْثَرَ مَا) أَيْ قِيمَةً، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ مِنْ " قِيمَةً " أَيْ حَالَ كَوْنِ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ الْقِيَمِ. وَقَوْلُهُ: " كَانَتْ " أَيْ وُجِدَتْ فَكَانَ تَامَّةً. قَوْلُهُ: (أَيْ حِينَ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمَنِ فَيَشْمَلُ اللَّيْلَ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ زَمَنُ الْغَصْبِ وَالتَّلَفِ لَا يَوْمَهُمَا.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ زَادَ) أَيْ الْأَكْثَرُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ فِيمَا لَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ رَقِيقًا.
قَوْلُهُ: (نَقَدَ أَكْثَرَ الْأَمْكِنَةِ) أَيْ أَكْثَرَهَا قِيمَةً كَمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ الْأَمْكِنَةُ الَّتِي حَلَّ بِهَا الْمَغْصُوبُ، أَيْ يُعْتَبَرُ أَقْصَى قِيَمِ الْمَكَانِ ثُمَّ نَقَدَ ذَلِكَ الْمَكَانَ ع ن؛ مَثَلًا إذَا تَلِفَ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَهُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان فَإِنَّنَا نَعْتَبِرُ أَكْثَرَ قِيَمِ مَكَان مِنْ الْأَمْكِنَةِ الْمَنْقُولِ لَهَا الْمَغْصُوبُ، وَإِذَا اعْتَبَرْنَا الْأَكْثَرَ فِيهِ اعْتَبَرْنَا نَقْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بِمَا نَقَصَ) أَيْ إنْ تَلِفَتْ بِآفَةٍ. وَأَفْهَمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ كَأَنْ سَقَطَ ذَكَرُهُ وَأُنْثَيَاهُ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ مِنْ عَدَمِ نَقْصٍ بِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ قَطْعًا، وَهُوَ كَذَلِكَ خَطِيبٌ عَلَى الْمِنْهَاجِ وم ر.
قَوْلُهُ: (إلَّا إنْ أُتْلِفَتْ) خَرَجَ مَا إذَا تَلِفَتْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَإِنَّهَا تُضْمَنُ بِمَا نَقَصَ مِنْ الْأَقْصَى فَتَكُونُ دَاخِلَةً فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ السَّاقِطَ مِنْ غَيْرِ جِنَايَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قِصَاصٌ وَلَا كَفَّارَةٌ وَلَا ضَرْبٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ فَأَشْبَهَ الْأَمْوَالَ اهـ شَرْحُ م ر
стр. 1115
مِمَّا نَقَصَ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ لِاجْتِمَاعِ الشَّبَهَيْنِ، فَلَوْ نَقَصَ بِقَطْعِهَا ثُلُثَا قِيمَتِهِ لَزِمَاهُ النِّصْفُ بِالْقَطْعِ وَالسُّدُسُ بِالْغَصْبِ. نَعَمْ إنْ قَطَعَهَا الْمَالِكُ ضَمِنَ الْغَاصِبُ الزَّائِدَ عَلَى النِّصْفِ فَقَطْ، وَزَوَائِدُ الْمَغْصُوبِ الْمُتَّصِلَةِ كَالسِّمْنِ وَالْمُنْفَصِلَةِ كَالْوَلَدِ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْغَاصِبِ كَالْأَصْلِ وَإِنْ لِمَ يَطْلُبْهَا الْمَالِكُ بِالرَّدِّ. وَيُضْمَنُ مُتَقَوِّمٌ أُتْلِفَ بِلَا غَصْبٍ بِقِيمَتِهِ وَقْتَ تَلَفٍ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَهُ مَعْدُومٌ، وَضَمَانُ الزَّائِدِ فِي الْمَغْصُوبِ إنَّمَا كَانَ بِالْغَصْبِ وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا. وَلَوْ أَتْلَفَ عَبْدًا مُغَنِّيًا لَزِمَهُ تَمَامُ قِيمَتِهِ أَوْ أَمَةً مُغَنِّيَةً لَمْ يَلْزَمْهُ مَا زَادَ عَلَى قِيمَتِهَا بِسَبَبِ الْغِنَاءِ عَلَى النَّصِّ الْمُخْتَارِ فِي الرَّوْضَةِ؛ لِأَنَّ اسْتِمَاعَهُ مِنْهَا مُحَرَّمٌ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ؛ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ الْعَبْدَ الْأَمْرَدَ الْحَسَنَ كَذَلِكَ فَإِنْ تَلِفَ بِسِرَايَةِ جِنَايَةٍ ضَمِنَ بِالْأَقْصَى مِنْ الْجِنَايَةِ إلَى التَّلَفِ؛ لِأَنَّا إذَا اعْتَبَرْنَا الْأَقْصَى فِي الْغَصْبِ فَفِي نَفْسِ الْإِتْلَافِ أَوْلَى. تَتِمَّةٌ: لَوْ وَقَعَ فَصِيلٌ فِي بَيْتٍ أَوْ دِينَارٌ فِي مَحْبَرَةٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ الْأَوَّلُ إلَّا بِهَدْمِ الْبَيْتِ وَالثَّانِي إلَّا بِكَسْرِ الْمَحْبَرَةِ فَإِنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مُلَخَّصًا. وَخَرَجَ أَيْضًا إذَا تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ رَقِيقٍ وَمَا إذَا تَلِفَتْ مِنْ رَقِيقٍ وَلَيْسَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مِنْ حُرٍّ، فَهِيَ تُضْمَنُ بِمَا نَقَصَ، كَذَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَبْعَاضَهُ إنْ تَلِفَتْ أَوْ أُتْلِفَتْ وَكَانَ غَيْرَ رَقِيقٍ أَوْ تَلِفَتْ وَكَانَ رَقِيقًا أَوْ أُتْلِفَتْ مِنْ رَقِيقٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُقَدَّرٌ مِنْ حُرٍّ، فَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ تُضْمَنُ الْأَبْعَاضُ بِمَا نَقَصَ مِنْ الْأَقْصَى فَقَطْ، وَأَمَّا الصُّورَةُ الْبَاقِيَةُ أَشَارَ لَهَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: " إلَّا إنْ تَلِفَتْ " وَقَيَّدَهَا بِقُيُودٍ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: " أُتْلِفَتْ " وَقَوْلُهُ: " مِنْ رَقِيقٍ " وَقَوْلُهُ: " وَلَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ مِنْ حُرٍّ " فَإِنْ انْتَفَى وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنَ بِمَا نَقَصَ مِنْ الْأَقْصَى فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (مِمَّا نَقَصَ إلَخْ) بَيَانٌ لِلْأَمْرَيْنِ وَالتَّعْبِيرُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ نَظَرًا لِلتَّمْثِيلِ بِالْيَدِ وَالرِّجْلِ، أَيْ بِأَحَدِهِمَا. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: فَتُضْمَنُ بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِمَّا نَقَصَ وَالْمُقَدَّرُ، فَفِي يَدِهِ أَكْثَرُ الْأَمْرَيْنِ بِمَا نَقَصَ وَنِصْفُ قِيمَتِهِ اهـ. فَلَعَلَّ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ سَقْطًا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِاجْتِمَاعِ الشَّبَهَيْنِ) أَيْ شَبَهِ الْآدَمِيِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ وَشَبَهِ الدَّابَّةِ مَثَلًا مِنْ حَيْثُ جَرَيَانُ التَّصَرُّفِ فِيهِ، شَوْبَرِيٌّ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ إنْ قَطَعَهَا الْمَالِكُ) أَيْ أَوْ أَجْنَبِيٌّ فَيَضْمَنُ الْأَجْنَبِيُّ النِّصْفَ وَالْغَاصِبُ مَا زَادَ عَلَيْهِ ع ش.
قَوْلُهُ: (كَالسِّمَنِ) وَإِنْ طَرَأَ سِمَنٌ آخَرُ كَأَنْ غَصَبَ دَابَّةً سَمِينَةً فَهَزَلَتْ ثُمَّ سَمِنَتْ رَدَّهَا وَأَرْشَ السِّمَنِ الْأَوَّلِ الَّذِي زَالَ عِنْدَهُ اهـ. وَيُجْبَرُ نِسْيَانُ صَنْعَةٍ تَذَكَّرَهَا لَا تَعْلَمُ أُخْرَى، شَرْحُ الْمَنْهَجِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا الْمَالِكُ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْ رَدَّهَا أَيْ الزَّوَائِدَ الْمُنْفَصِلَةَ وَكَذَا الْمُتَّصِلَةَ. قَوْلُهُ: (وَيُضْمَنُ مُتَقَوِّمٌ) ذَكَرَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِطْرَادِ لِمُنَاسَبَةِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْغَصْبِ.
قَوْلُهُ: (وَالزِّيَادَةُ إلَخْ) يُوهِمُ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْمَوْجُودَةَ بَعْدَ التَّلَفِ تُضْمَنُ وَلَيْسَ مُرَادًا، وَيُمْكِنُ أَنَّ الْمُرَادَ الزِّيَادَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْمَغْصُوبِ قَبْلَ تَلَفِهِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا تَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (بِسَبَبِ الْغِنَاءِ) بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَالْمَدِّ رَفْعُ الصَّوْتِ وَبِفَتْحِ الْغَيْنِ مَعَ الْمَدِّ أَيْضًا النَّفْعُ وَبِكَسْرِ الْغَيْنِ مَعَ الْقَصْرِ ضِدُّ الْفَقْرِ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (مُحَرَّمٌ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ) وَمَكْرُوهٌ عِنْدَ عَدَمِهَا.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَلِفَ بِسِرَايَةٍ إلَخْ) تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ التَّلَفِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا لَمْ يَكُنْ التَّلَفُ بِسِرَايَةِ جِنَايَةٍ وَإِلَّا فَيَضْمَنُ بِالْأَكْثَرِ مِنْ الْجِنَايَةِ إلَى التَّلَفِ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ هَذَا عَلَى قَوْلِهِ: وَلَوْ أَتْلَفَ عَبْدًا مُعَيَّنًا، لِتَعَلُّقِ هَذَا بِمَا قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (تَتِمَّةٌ) التَّتِمَّةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ثَلَاثِ مَسَائِلَ: الْأُولَى: وُقُوعُ فَصِيلٍ فِي بَيْتٍ أَوْ دِينَارٍ فِي مَحْبَرَةٍ أَيْ دَوَاةٍ وَلَمْ يَخْلُصْ الْفَصِيلُ أَوْ الدِّينَارُ إلَّا بِتَلَفِ الْبَيْتِ أَوْ الدَّوَاةِ، وَلَهَا ثَلَاثُ أَحْوَالٍ: التَّقْصِيرُ مِنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ أَوْ الدَّوَاةِ وَالتَّقْصِيرُ مِنْ صَاحِبِ الْفَصِيلِ أَوْ الدِّينَارِ وَالتَّقْصِيرُ مِنْهُمَا. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: لَوْ أَدْخَلَتْ بَهِيمَةٌ رَأْسَهَا فِي قِدْرٍ وَلَمْ تَخْرُجْ إلَّا بِكَسْرِهَا كُسِرَتْ لِتَخْلِيصِهَا رِعَايَةً لِحِفْظِ ذِي الرُّوحِ، وَلَهَا أَيْضًا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: التَّفْرِيطُ مِنْ مَالِكِ الدَّابَّةِ أَوْ مِنْ مَالِكِ الْقِدْرِ أَوْ مِنْهُمَا وَالْأَرْشُ تَابِعٌ لِذَلِكَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ابْتِلَاعُ بَهِيمَةٍ جَوْهَرَةً، وَلَهَا حَالَتَانِ: أَنْ يُنْسَبَ لِمَالِكِ الْبَهِيمَةِ التَّقْصِيرُ فَيَضْمَنُ الْجَوْهَرَةَ لِلْحَيْلُولَةِ، أَوْ لَا يُنْسَبُ فَلَا يَضْمَنُهَا وَعَلَى كُلٍّ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَبْحِ الْبَهِيمَةِ لِأَخْذِ الْجَوْهَرَةِ. قَوْلُهُ: (لَوْ وَقَعَ فَصِيلٌ) هُوَ وَلَدُ
стр. 1116
كَانَ الْوُقُوعُ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالْمَحْبَرَةِ فَلَا غُرْمَ عَلَى مَالِكِ الْفَصِيلِ وَالدِّينَارِ وَإِلَّا غَرِمَ الْأَرْشَ، فَإِنْ كَانَ الْوُقُوعُ بِتَفْرِيطِهِمَا فَالْوَجْهُ كَمَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ إنَّمَا يَغْرَمُ النِّصْفَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّفْرِيطِ كَالْمُتَصَادَمِينَ؛ وَلَوْ أَدْخَلَتْ بَهِيمَةٌ رَأْسَهَا فِي قِدْرٍ وَلَمْ تَخْرُجْ إلَّا بِكَسْرِهَا كُسِرَتْ لِتَخْلِيصِهَا وَلَا تُذْبَحُ الْمَأْكُولَةُ لِذَلِكَ. ثُمَّ إنْ صَحِبَهَا مَالِكُهَا فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ لِتَفْرِيطِهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا فَإِنْ تَعَدَّى صَاحِبُ الْقِدْرِ بِوَضْعِهَا بِمَوْضِعٍ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ أَوْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ لَكِنَّهُ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ الْبَهِيمَةِ فَلَمْ يَدْفَعْهَا فَلَا أَرْشَ لَهُ، وَلَوْ تَعَدَّى كُلٌّ مِنْ مَالِكِ الْقِدْرِ وَالْبَهِيمَةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا مَرَّ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ وَلَوْ ابْتَلَعَتْ بَهِيمَةٌ جَوْهَرَةً لَمْ تُذْبَحْ لِتَخْلِيصِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً بَلْ يَغْرَمُ مَالِكُهَا إنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا قِيمَةَ الْجَوْهَرَةِ لِلْحَيْلُولَةِ، فَإِنْ بَلَعَتْ مَا يَفْسُدُ، بِالِابْتِلَاعِ غَرِمَ قِيمَتَهُ لِلْفَيْصُولَةِ.
فَصْلٌ: فِي الشُّفْعَةِ
وَهِيَ إسْكَانُ الْفَاءِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا لُغَةً الضَّمُّ وَشَرْعًا حَقُّ تَمَلُّكٍ قَهْرِيٍّ يَثْبُتُ لِلشَّرِيكِ الْقَدِيمِ عَلَى الشَّرِيكِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
النَّاقَةِ إذَا كَانَ صَغِيرًا وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُفْصَلُ عَنْ أُمِّهِ وَالْجَمْعُ فُصْلَانٌ بِضَمِّ الْفَاءِ وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى فِصَالٍ بِالْكَسْرِ كَمَا فِي الْمِصْبَاحِ؛ وَالْفَصِيلُ لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (فِي مَحْبَرَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْبَاءِ وَهَذَا أَفْصَحُ اللُّغَاتِ فِيهَا وَيَجُوزُ ضَمُّ الْبَاءِ مِثْلَ الْمَقْبَرَةِ وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ مَعَ فَتْحِ الْبَاءِ لِأَنَّهَا اسْمُ آلَةٍ وَالْجَمْعُ مَحَابِرُ أَفَادَهُ فِي الْمِصْبَاحِ وَالْمِحْبَرَةُ الدَّوَاةُ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْحِبْرِ.
قَوْلُهُ: (بِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الْبَيْتِ) بِأَنْ فَرَّطَ فِي فَتْحِهِ مَعَ وُجُودِ الْفَصِيلِ وَفَرَّطَ صَاحِبُ الْمِحْبَرَةِ بِتَقْدِيمِهَا عِنْدَ مَنْ يَعُدُّ الدَّرَاهِمَ مِثْلًا. قَوْلُهُ: (فَلَا غُرْمَ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: وَجَبَ الْهَدْمُ وَالْكَسْرُ وَلَا غُرْمَ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَإِلَّا) أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ التَّفْرِيطُ مِنْ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَالْمَحْبَرَةِ بِأَنْ كَانَ مِنْ مَالِكِ الْفَصِيلِ وَالدِّينَارِ فَقَطْ أَوْ لَا بِتَفْرِيطٍ أَصْلًا لَا مِنْ مَالِكِ الْفَصِيلِ وَالدِّينَارِ وَلَا مِنْ مَالِكِ الْبَيْتِ وَالْمَحْبَرَةِ؛ وَبَقِيَ مِنْ مَصْدُوقِ قَوْلِهِ وَإِلَّا مَا إذَا كَانَ التَّفْرِيطُ مِنْ مَالِكِ الْفَصِيلِ وَالدِّينَارِ وَمِنْ مَالِكِ الْبَيْتِ وَالْمَحْبَرَةِ، وَإِلَّا أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ الثَّالِثَ لَيْسَ مُرَادًا مِنْ قَوْلِهِ: " وَإِلَّا " بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: " فَإِنْ كَانَ الْوُقُوعُ بِتَفْرِيطِهِمَا إلَخْ " أَيْ بِتَفْرِيطِ مَالِكِ الدِّينَارِ وَالْفَصِيلِ وَمَالِكِ الْبَيْتِ وَالْمَحْبَرَةِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَإِلَّا الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (غَرِمَ) أَيْ مَالِكُ الْفَصِيلِ وَالدِّينَارِ الْأَرْشَ أَيْ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ وَالْمَحْبَرَةَ إنَّمَا أُتْلِفَا لِتَخْلِيصِ مَالِهِمَا.
قَوْلُهُ: (إنَّهُ) أَيْ مَالِكَ الْفَصِيلِ وَالدِّينَارِ. وَقَوْلُهُ: " إنَّمَا يَغْرَمُ النِّصْفَ " أَيْ نِصْفَ أَرْشِ الْبَيْتِ الَّذِي هُدِمَ وَنِصْفَ أَرْشِ الْمَحْبَرَةِ. قَوْلُهُ: (وَلَا تُذْبَحُ) أَيْ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ إنْ صَحِبَهَا مَالِكُهَا إلَخْ) فِي شَرْحِ الرَّوْضِ؛ قَالَ، يَعْنِي الْبُلْقِينِيُّ: وَسَأَلْت عَنْ رَجُلٍ رَكِبَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الْمَرْعَى ثُمَّ نَزَلَ عَنْهَا فَجَاءَتْ إلَى الْجُرْنِ فَرَدَّهَا الْحَارِسُ فَرَفَسَتْهُ فَكَسَرَتْ أَسْنَانَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ وَذَلِكَ بِالنَّهَارِ، فَأَفْتَيْت بِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِهَا وَلَا عَلَى الَّذِي رَكِبَهَا اهـ. وَاعْتَمَدَهُ م ر، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى مَنْ رَكِبَهَا لِصَيْرُورَتِهِ غَاصِبًا بِالرُّكُوبِ، إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ رَدَّ الْحَارِسِ لَهَا قَطَعَ أَثَرَ يَدِ الْغَاصِبِ كَمَا لَوْ كَانَتْ فِي يَدِ مَالِكِهَا فَاسْتَقْبَلَهَا إنْسَانٌ وَرَدَّهَا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَإِنَّ الْمَالِكَ لَا يَضْمَنُ ذَلِكَ الشَّيْءَ، تَأَمَّلْ. وَالضَّمَانُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الرَّادِّ مَا دَامَ السَّيْرُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ، تَأَمَّلْ. كَذَا وَجَدْته بِخَطِّ الشِّهَابِ سم بِهَامِشِ الْعُبَابِ، وَقَرَّرَهُ شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (إنْ فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا) فَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ فَلَا ضَمَانَ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ بَلِعَتْ) بِكَسْرِ اللَّامِ.
[فَصْلٌ فِي الشُّفْعَةِ]
ِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ شَفَعْت كَذَا بِكَذَا: إذَا ضَمَمْته إلَيْهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِضَمِّ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إلَى نَصِيبِهِ. أَوْ مِنْ الشَّفْعِ وَهُوَ ضِدُّ الْوِتْرُ، فَكَأَنَّ الشَّرِيكَ يَجْعَلُ نَصِيبَهُ شَفْعًا بِضَمِّ نَصِيبِ شَرِيكِهِ إلَيْهِ. أَوْ مِنْ الشَّفَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ بِهَا أَيْ بِالشَّفَاعَةِ بِرْمَاوِيٌّ. وَسَيَأْتِي وَجْهُ مُنَاسَبَةٍ ذَكَرَهَا عَقِبَ الْغَصْبِ وَهُوَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْهُ. وَيُلْغِزُ بِهَا وَيُقَالُ: لَنَا شَيْءٌ يُؤْخَذُ قَهْرًا عَنْ مَالِكِهِ وَلَا حُرْمَةَ.
стр. 1117
الْحَادِثِ فِيمَا مَلَكَ بِعِوَضٍ. وَالْأَصْلُ فِيهَا خَبَرُ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " فِي أَرْضٍ أَوْ رِيعٍ أَوْ حَائِطٍ " وَالرَّبْعُ الْمَنْزِلُ، وَالْحَائِطُ الْبُسْتَانُ، وَالْمَعْنَى فِيهِ دَفْعُ ضَرَرِ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ وَاسْتِحْدَاثُ الْمَرَافِقِ كَالْمِصْعَدِ وَالْمُنَوِّرِ وَالْبَالُوعَةِ فِي الْحِصَّةِ الصَّائِرَةِ إلَيْهِ. وَذُكِرَتْ عَقِبَ الْغَصْبِ؛ لِأَنَّهَا تُؤْخَذُ قَهْرًا فَكَأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ تَحْرِيمِ أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ قَهْرًا
، وَأَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ آخُذ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَحُكِيَ ضَمُّهَا) قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَغَلِطَ مَنْ ضَمَّ الْفَاءَ وَفِي الْمِصْبَاحِ الشُّفْعَةُ وِزَانُ غُرْفَةٍ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يُشَفِّعُ مَالَهُ بِهَا، قَوْلُهُ: (حَقُّ تَمَلُّكٍ) أَيْ اسْتِحْقَاقٍ. وَهُوَ غَيْرُ التَّمَلُّكِ؛ لِأَنَّ التَّمَلُّكَ يَكُونُ بِالصِّيغَةِ بَعْدَ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْحَقُّ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى الْمَوْتِ وَعَلَى الْمُقْتَضَى وَالْمُسْتَحَقِّ، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا.
قَوْلُهُ: (قَهْرِيٌّ) بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِ " حَقٌّ " وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَيَصِحُّ بِالْجَرِّ صِفَةً لِ " التَّمَلُّكِ " وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ بِالِاخْتِيَارِ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ، أَيْ قَهْرِيٌّ سَبَبُهُ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُهَا لِثُبُوتِهِ لِلشَّرِيكِ قَهْرًا كَعِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أَيْ رَاضٍ صَاحِبُهَا. وَقَدْ اشْتَمَلَ التَّعْرِيفُ عَلَى الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ.
قَوْلُهُ: " لِلشَّرِيكِ الْقَدِيمِ " وَلَوْ حُكْمًا لِيَشْمَلَ مَا لَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ حِصَّتَهُ لِشَخْصٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا وَبَاعَ شَرِيكُهُ بَيْعَ بَتٍّ فَلِمَنْ بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ الشُّفْعَةُ عَلَى الثَّانِي كَمَا سَيَأْتِي، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ شَرِيكٍ لِعَدَمِ مِلْكِهِ، وَالشَّرِيكُ الْقَدِيمُ شَامِلٌ لِلذِّمِّيِّ. وَقَوْلُهُ: " لِلشَّرِيكِ " أَيْ الْمَالِكِ لِلرَّقَبَةِ لَا نَحْوَ مُوصَى لَهُ بِمَنْفَعَةٍ وَمَوْقُوفٍ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (بِعِوَضٍ) خَرَجَ بِهِ مَا لَوْ مَلَكَهَا بِهِبَةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَلَا شُفْعَةَ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصْلُ فِيهَا) أَيْ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ، شَرْحُ الْبَهْجَةِ. وَلَعَلَّهُ أَسْقَطَهُ هُنَا مُرَاعَاةً لِمَنْ شَذَّ فَمَنَعَ الْأَخْذَ بِهَا فَفِيهَا خِلَافُ الْجُمْلَةِ وَذَكَرَهُ هُنَاكَ تَنْزِيلًا لِلشَّاذِّ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ. اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (قَضَى) أَيْ أَجَازَ الشُّفْعَةَ فِي ذَلِكَ لَا فِي غَيْرِهِ أَوْ أَجَازَ أَنْ يَقْضِيَ كَذَلِكَ اهـ ق ل.
قَوْلُهُ: (فِيمَا) أَيْ فِي نَصِيبِ مِلْكٍ بِمُعَاوَضَةٍ لَمْ يُقَسَّمْ. وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، إذْ الْأَصْلُ فِيمَا نُفِيَ بِ " لَمْ " كَوْنُهُ فِي الْمُمْكِنِ، بِخِلَافِ مَا نُفِيَ بِ (لَا) نَحْوَ: لَا شَرِيكَ لَهُ، وَاسْتِعْمَالُ أَحَدِهِمَا مَكَانَ الْآخَرِ تَجَوُّزٌ أَوْ إجْمَالٌ قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ شَرْحُ م ر. وَإِنَّمَا قَالَ الْأَصْلُ أَيْ الْغَالِبُ؛ لِأَنَّ لَمْ قَدْ تَدْخُلُ عَلَى مَا لَا يُمْكِنُ نَحْوَ: (لَمْ يَلِدْ) وَقَدْ تَدْخُلُ لَا عَلَى مَا يُمْكِنُ نَحْوَ: " لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُطَهَّرُونَ " اهـ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ) أَيْ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ وَالْمُرَادُ بِالْحُدُودِ الْعَلَامَاتُ بِأَنْ وَقَعَتْ الْقِسْمَةُ، وَالْمُرَادُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْبَيْعِ قَوْلُهُ: (وَصُرِّفَتْ) بِالتَّشْدِيدِ: أَيْ بُيِّنَتْ، وَبِالتَّخْفِيفِ: فُرِّقَتْ، ح ل؛ بِأَنْ صَارَتْ الْحِصَصُ مُنْفَصِلَةً عَنْ بَعْضِهَا، وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ أَوْ مُرَادِفٍ. اهـ. ق ل. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفٌ مُغَايِرٌ أَوْ عَطْفٌ لَازِمٌ عَلَى مَلْزُومٍ نَظَرًا لِلتَّفْسِيرِ السَّابِقِ لِقَوْلِهِ: فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ اهـ.
قَوْلُهُ: (فَلَا شُفْعَةَ) ؛ لِأَنَّهُمَا صَارَا جَارَيْنِ. قَوْلُهُ (فِي أَرْضٍ) بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ مَا لَمْ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تَجْرِي فِي الْمَنْقُولِ أَصَالَةً بِخِلَافِهِ تَبَعًا.
قَوْلُهُ: (وَالْمَعْنَى فِيهِ) أَيْ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ أَمْرًا تَعَبُّدِيًّا بَلْ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى اهـ.
قَوْلُهُ: (وَاسْتِحْدَاثٍ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى قِسْمَةٍ، وَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَأْخُذْ بِالشُّفْعَةِ لَرُبَّمَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا قِسْمَةٌ وَطَلَعَتْ الْمَرَافِقُ لِلْجَدِيدِ فَيَحْتَاجُ الْقَدِيمُ إلَى الْمَرَافِقِ، فَإِذَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ انْدَفَعَ عَنْهُ ضَرَرُ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: " فِي الْحِصَّةِ " مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِحْدَاثٍ، وَبَقِيَّةُ الْعِبَارَةِ سَتَأْتِي فِي الشَّرْحِ، وَهِيَ: وَهَذَا الضَّرَرُ حَاصِلٌ قَبْلَ الْبَيْعِ إلَخْ، فَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَهَا هُنَا فَقَوْلُهُ: وَاسْتِحْدَاثُ الْمَرَافِقِ أَيْ الَّتِي تَحْدُثُ مِنْ الْمُشْتَرِي لَوْ لَمْ يَأْخُذْ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ قَوْلُهُ (الصَّائِرَةِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الشَّفِيعِ وَهُوَ الشَّرِيكُ الْقَدِيمُ، وَالْمُرَادُ بِالْحِصَّةِ الصَّائِرَةِ إلَيْهِ أَيْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنْ الشَّرِيكِ الْحَادِثِ لَوْ قُسِّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَدِيمِ، قَوْلُهُ: (تُؤْخَذُ قَهْرًا) وَالْعَفْوُ عَنْهَا أَفْضَلُ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي نَادِمًا أَوْ مَغْبُونًا، شَرْحُ م ر. وَقَوْلُهُ: " وَالْعَفْوُ عَنْهَا أَفْضَلُ " ظَاهِرُهُ وَإِنْ اشْتَدَّتْ إلَيْهَا حَاجَةُ الشَّرِيكِ الْقَدِيمِ وَيَنْبَغِي خِلَافُهُ وَيُحْتَمَلُ بَقَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِيثَارِ، وَهُوَ أَوْلَى حَيْثُ لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَالِاحْتِيَاجِ لِلْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَمَحَلُّهُ أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يَتَرَتَّبْ
стр. 1118
وَمَأْخُوذٌ مِنْهُ وَمَأْخُوذٌ وَالصِّيغَةُ إنَّمَا تَجِبُ فِي التَّمَلُّكِ. وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِشَرْطِ الْأَخْذِ فَقَالَ: (وَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ) أَيْ ثَابِتَةٌ لِلشَّرِيكِ (بِالْخُلْطَةِ) أَيْ خُلْطَةِ الشُّيُوعِ، وَلَوْ كَانَ الشَّرِيكُ مُكَاتَبًا أَوْ غَيْرَ عَاقِلٍ كَمَسْجِدٍ لَهُ شِقْصٌ لَمْ يُوقَفْ بَاعَ شَرِيكُهُ يَأْخُذُ لَهُ النَّاظِرَ بِالشُّفْعَةِ (دُونَ) خُلْطَةِ (الْجِوَارِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ، فَلَا تَثْبُتُ لِلْجَارِ وَلَوْ مُلَاصِقًا لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ الْمَارِّ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَارِ الشَّرِيكِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. وَلَوْ قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ حَنَفِيٌّ لَمْ يَنْقَضِ حُكْمُهُ وَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ بِهَا لِشَافِعِيِّ كَنَظَائِرِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ. وَلَا تَثْبُتُ أَيْضًا لِشَرِيكٍ فِي الْمَنْفَعَةِ فَقَطْ كَأَنْ مَلَكَهَا بِوَصِيَّةٍ، وَتَثْبُتُ لِذِمِّيٍّ عَلَى مُسْلِمٍ وَمُكَاتَبٍ عَلَى سَيِّدِهِ كَعَكْسِهِمَا، وَلَوْ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ شَرِيكٌ فِي أَرْضِ فَبَاعَ شَرِيكُهُ كَانَ لِلْإِمَامِ الْآخِذِ بِالشُّفْعَةِ إنْ رَآهُ مَصْلَحَةً، وَلَا شُفْعَةَ لِصَاحِبِ شِقْصٍ مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ إذَا بَاعَ شَرِيكُهُ نَصِيبَهُ، وَلَا لِشَرِيكِهِ إذَا بَاعَ شَرِيكٌ آخَرُ نَصِيبَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
عَلَى التَّرْكِ مَعْصِيَةٌ فَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَأَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي مَشْهُورًا بِالْفُجُورِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَخْذُ مُسْتَحَبًّا بَلْ وَاجِبًا إنْ تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِدَفْعِ مَا يُرِيدُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْفُجُورِ،. اهـ. ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: قَوْلُهُ: (فَكَأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ تَحْرِيمِ أَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ) وَهُوَ الشَّرِيكُ الْحَادِثُ، وَفِيهِ أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ حَقِيقَةً فَلَعَلَّ الْأَوْلَى حَذْفُ كَأَنْ وَعِبَارَةُ غَيْرِهِ: فَكَأَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ الْغَصْبِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ اُعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ.
قَوْلُهُ: (آخِذٌ) بِالْمَدِّ هُوَ أَحَدُ الْأَرْكَانِ، وَأَمَّا الْأَخْذُ بِلَفْظِ الْمَصْدَرِ فَهُوَ الصِّيغَةُ أَوْ مُفَادُهَا أَيْ مَا تُفِيدُهُ وَشَرْطُ الْآخِذِ كَوْنُهُ شَرِيكًا مَالِكًا، فَخَرَجَ بِالشَّرِيكِ الْجَارُ وَبِالْمَالِكِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُمْ. وَسَوَاءٌ كَانَ مِلْكُ الشَّرِيكِ بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ هِبَةٍ بِخِلَافِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ فَإِنَّ شَرْطَهُ أَنْ يُمْلَكَ بِعِوَضٍ كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَالصِّيغَةُ إنَّمَا تَجِبُ فِي التَّمَلُّكِ) أَيْ لَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ ثَابِتٌ بِلَا لَفْظٍ أَيْ فَلَا يَصِحُّ عَدُّهَا مِنْ الْأَرْكَانِ، أَيْ وَالشُّفْعَةُ حَقُّ التَّمَلُّكِ لَا الْمِلْكِ؛ فَقَوْلُهُ: " وَالصِّيغَةُ إنَّمَا تَجِبُ إلَخْ " جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: لِمَاذَا جَعَلْت الْأَرْكَانَ ثَلَاثَةً وَلَمْ تَعُدَّ الصِّيغَةَ مِنْهَا وَهِيَ قَوْلُهُ تَمَلَّكْت؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ كَلَامَنَا فِي أَرْكَانِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى صِيغَةٍ.
قَوْلُهُ: (أَيْ ثَابِتَةٌ لِلشَّرِيكِ) دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ حَمْلِ الْوُجُوبِ عَلَى حَقِيقَتِهِ الْمُوجِبَةِ لِتَحْرِيمِ تَرْكِهِ قَوْلُهُ: (بِالْخِلْطَةِ) أَيْ الشَّرِكَةِ فِي الْأَعْيَانِ، أَمَّا الشَّرِكَةُ فِي الْمَنَافِعِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُوقَفْ) بِأَنْ وُهِبَ لَهُ أَوْ اشْتَرَاهُ النَّاظِرُ مِنْ رِيعِ الْوُقُوفِ وَلَمْ يُوقَفْ، بِخِلَافِ مَا إذَا وُقِفَ عَلَى الْمَسْجِدِ فَلَيْسَ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَأْخُذَ الْحِصَّةَ الْأُخْرَى لِلْمَسْجِدِ ح ل. وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ لَيْسَ مُعْتَبَرًا وَلَا يَصِيرُ وَقْفًا إلَّا بِصِيغَةٍ مِنْ النَّاظِرِ وَلَهُ أَنْ يَصْرِفَ رِيعَهُ فِي مَصَالِحِهِ.
قَوْلُهُ: (دُونَ خَلْطِ الْجِوَارِ) الصَّوَابُ حَذْفُ خُلْطَةٍ ق ل؛ لِأَنَّ الْجِوَارَ لَيْسَ فِيهِ خُلْطَةٌ.
قَوْلُهُ: (فَلَا تَثْبُتُ لِلْجَارِ وَلَوْ مُلَاصِقًا) خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْأَخْبَارِ فَمَنْسُوخٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الْمَنْعِ أَوْ خُصُوصِيَّةٍ. وَعِبَارَةُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَثْبُتُ لِلْجَارِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُلَاصِقُ، وَكَذَا الْمُقَابِلُ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ الَّذِي بَيْنَهُمَا غَيْرَ نَافِذٍ لَنَا، أَيْ يَدُلُّ لَنَا حَدِيثُ: " الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ " قَوْلُهُ: (لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ) وَمَحَلُّ الشَّاهِدِ فِيهِ قَوْلُهُ: فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ إلَخْ، أَيْ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَارَ جَارًا.
قَوْلُهُ: (وَمَا وَرَدَ فِيهِ) أَيْ فِي الْجَارِ. قَوْلُهُ: (لِشَرِيكٍ فِي الْمَنْفَعَةِ) أَيْ عَلَى شَرِيكٍ فِي الْعَيْنِ، كَأَنْ أَوْصَى لَهُ بِنِصْفِ مَنْفَعَةِ الدَّارِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَرَادَ الْوَارِثُ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَ الدَّارِ فَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ بِنِصْفِ الْمَنْفَعَةِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: (عَلَى مُسْلِمٍ) أَيْ عَلَى مُشْتَرٍ مُسْلِمٍ، فَإِذَا اشْتَرَى مُسْلِمٌ حِصَّةَ الشَّرِيكِ وَمَالِكُ الْبَاقِي كَافِرٌ فَلَهُ الشُّفْعَةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ إلَخْ) كَأَنْ مَاتَ رَجُلٌ عَنْ بِنْتٍ فَنِصْفُ تَرِكَتِهِ لَهَا وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِبَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا بَاعَتْ الْبِنْتُ نِصْفَهَا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ مَثَلًا فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ لِبَيْتِ الْمَالِ بِالشُّفْعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا شُفْعَةَ لِصَاحِبِ شِقْصٍ إلَخْ) أَيْ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْآخِذِ بِالشُّفْعَةِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْعَيْنِ وَأَيْضًا الْمَالِكُ لِلْمَنْفَعَةِ دُونَ الْعَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ اخْتِلَاطٌ، فَيَكُونُ خَارِجًا بِقَوْلِهِ بِالْخُلْطَةِ وَالْمُرَادُ بِهَا الشَّرِكَةُ فِي الْأَعْيَانِ، وَلَوْ ذَكَرَ هَذَا عَقِبَ ذِكْرِ الْمَنْفَعَةِ لَكَانَ أَنْسَبَ ق ل.
قَوْلُهُ: (مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ) صِفَةُ شِقْصٍ. قَوْلُهُ: (إذَا بَاعَ شَرِيكُهُ) ؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ لِلشُّفْعَةِ فِي هَذِهِ
стр. 1119
الْبُلْقِينِيُّ لِامْتِنَاعِ قِسْمَةِ الْوَقْفِ عَنْ الْمِلْكِ، وَلِانْتِفَاءِ مِلْكِ الْأَوَّلِ عَنْ الرَّقَبَةِ. نَعَمْ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ وَالنَّوَوِيُّ مِنْ جَوَازِ قِسْمَتِهِ عَنْهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَخْذِ الثَّانِي وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ إنْ كَانَتْ الْقِسْمَةُ قِسْمَةَ إفْرَازٍ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَأْخُوذِ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ: (فِيمَا يَنْقَسِمُ) أَيْ فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ إذَا طَلَبَهَا الشَّرِيكُ بِأَنْ لَا يَبْطُلَ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ لَوْ قَسَمَ بِأَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ قَبْلَهَا، كَطَاحُونٍ وَحَمَّامٍ كَبِيرَيْنِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الْمُنْقَسِمِ كَمَا مَرَّ دَفْعُ ضَرَرِ مُؤْنَةِ الْقِسْمَةِ وَالْحَاجَةِ إلَى إفْرَادِ الْحِصَّةِ الصَّائِرَةِ لِلشَّرِيكِ بِالْمَرَافِقِ، وَهَذَا الضَّرَرُ حَاصِلٌ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَمِنْ حَقِّ الرَّاغِبِ فِيهِ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ أَنْ يُخَلِّصَ صَاحِبَهُ مِنْهُ بِالْبَيْعِ لَهُ، فَلَمَّا بَاعَ لِغَيْرِهِ سَلَّطَهُ الشَّرْعُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهُ (دُونَ مَا لَا يَنْقَسِمُ) بِأَنْ يَبْطُلَ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ لَوْ قُسِمَ كَحَمَّامٍ وَطَاحُونٍ صَغِيرَيْنِ؛ وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ لِمَالِكِ عُشْرِ دَارٍ صَغِيرَةٍ إنْ بَاعَ شَرِيكُهُ بَقِيَّتَهَا لَا عَكْسَهُ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُجْبَرُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
لَيْسَ مَالِكًا كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (إذَا بَاعَ شَرِيكٌ آخَرَ نَصِيبَهُ) كَأَنْ كَانَتْ الْأَرْضُ أَثْلَاثًا: ثُلُثُهَا وَقْفٌ عَلَى شَخْصٍ وَكُلُّ ثُلُثٍ مِنْ الثُّلُثَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ لِشَخْصٍ، ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمَا بَاعَ ثُلُثَهُ لِآخَرَ لَا يَأْخُذُ شَرِيكُهُ بِالشُّفْعَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَوَّلًا، وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ لَهُ الْآخِذَ كَمَا اعْتَمَدَهُ آخِرًا اهـ م د. قَوْلُهُ: (لِامْتِنَاعِ قِسْمَةِ الْوَقْفِ) أَيْ تَمْيِيزِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ شَائِعٌ أَيْ وَإِذَا امْتَنَعَتْ قِسْمَةُ الْوَقْفِ انْتَفَى الضَّرَرُ، وَإِذَا انْتَفَى الضَّرَرُ انْتَفَتْ الشُّفْعَةُ. وَهَذَا، أَعْنِي قَوْلَهُ: " لِامْتِنَاعٍ " تَعْلِيلٌ لِلصُّورَتَيْنِ، وَقَوْلُهُ: " وَلِانْتِفَاءِ إلَخْ " تَعْلِيلٌ لِلْأُولَى. قَوْلُهُ: (مِلْكِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ صَاحِبُ شِقْصٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ مِنْ أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ.
قَوْلُهُ: (نَعَمْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَلَا لِشَرِيكِهِ إلَخْ. وَأَمَّا الْأُولَى وَهِيَ الْمَوْقُوفَةُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا بِاتِّفَاقٍ، وَهَذَا الِاسْتِدْرَاكُ مُعْتَمَدٌ إنْ كَانَتْ قِسْمَةَ إفْرَازٍ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر: وَيَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ مِنْ الْمِلْكِ أَوْ وَقْفٍ آخَرَ إنْ كَانَتْ إفْرَازًا لَا بَيْعًا بِأَنْ كَانَتْ قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ أَوْ رَدٍّ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَنْ قَالَ يَجُوزُ قِسْمَةُ الْوَقْفِ مِنْ الْمِلْكِ أَيْ تَمْيِيزُهَا عَنْهُ. وَمَنْ مَنَعَهَا فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى قِسْمَةِ الْإِفْرَازِ وَالثَّانِي عَلَى قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ أَوْ الرَّدِّ، سَوَاءٌ كَانَ الطَّالِبُ الْمَالِكَ أَوْ النَّاظِرَ أَوْ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ الْأُضْحِيَّةُ أَنَّهُ إنْ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ لَمْ تَجُزْ الْقِسْمَةُ إنْ قُلْنَا إنَّهَا بَيْعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبَيْنَ أَرْبَابِ الْوَقْفِ تَمْتَنِعُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرًا لِشَرْطِهِ اهـ. وَقَوْلُهُ: " لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرًا لِشَرْطِهِ " كَأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مُقْتَضَى الْوَقْفِ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْهُ لِجَمِيعِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ وَعِنْدَ الْقِسْمَةِ يَخْتَصُّ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ. اهـ. سم.
قَوْلُهُ: (مِنْ جَوَازِ قِسْمَتِهِ) أَيْ قِسْمَةِ الْوَقْفِ عَنْ الْمِلْكِ.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ) أَيْ الْجَوَازُ الْمَذْكُورُ الْمُعْتَمَدُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (قِسْمَةَ إفْرَازٍ) أَيْ بِأَنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُسْتَوِيَةَ الْأَجْزَاءِ. بِوَاجِبَةٍ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَعَلَّقَهُ الشَّارِحُ بِمَحْذُوفٍ. وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمَتْنُ شَرْطَانِ: الْأَوَّلُ هَذَا، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ لَا يَبْطُلَ نَفْعُهُ لَوْ قُسِمَ. وَالثَّانِي: قَوْلُهُ " وَفِي كُلِّ مَا لَا يُنْقَلُ " وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ أَرْضًا أَوْ أَرْضًا مَعَ تَابِعِهَا، وَسَيَأْتِي شَرْطٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ بِعِوَضٍ.
قَوْلُهُ: (بِحَيْثُ يُنْتَفَعُ بِهِ) أَيْ بِالْقِسْمِ الصَّائِرِ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (كَالطَّاحُونِ) وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُعَدُّ لِلطَّحْنِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَجَرُ وَإِنَّمَا تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فِيهِ تَبَعًا لِلْمَكَانِ زي وَكَذَلِكَ كُلُّ مُنْفَصِلٍ: تَوَقَّفَ عَلَيْهِ نَفْعٌ مُتَّصِلٌ كَصُنْدُوقِ الطَّاحُونِ. قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ) أَيْ وَوَجْهُ اشْتِرَاطِ أَنْ لَا يَبْطُلَ نَفْعُهُ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: " دَفْعُ ضَرَرِ إلَخْ " أَيْ وَاَلَّذِي يَبْطُلُ نَفْعُهُ بِالْقِسْمَةِ لَا يُقْسَمُ فَلَا ضَرَرَ كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَشْمَاوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فِي الْمُنْقَسِمِ) أَيْ فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ.
قَوْلُهُ: (وَالْحَاجَةُ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى " دَفْعُ " وَبِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْقِسْمَةِ، أَيْ وَدَفْعُ ضَرَرِ مُؤْنَةِ الْحَاجَةِ إلَى أَفْرَادٍ إلَخْ. وَقَوْلُهُ: " بِالْمَرَافِقِ " مُتَعَلِّقٌ بِأَفْرَادٍ. قَوْلُهُ: (وَهَذَا الضَّرَرُ حَاصِلٌ) أَيْ عَلَى فَرْضِ وُقُوعِ الْقِسْمَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ حَقِّ الرَّاغِبِ فِيهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ عُرِضَ الْبَيْعُ عَلَيْهِ فَأَبَى ثُمَّ بَاعَ لِأَجْنَبِيٍّ لَيْسَ لَهُ أَيْ لِلشَّرِيكِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَمَا ذَكَرَهُ حِكْمَةً. اهـ. ع ش.
قَوْلُهُ: (وَبِذَلِكَ) أَيْ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ ثُبُوتِ إلَخْ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا مِنْ قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الشُّفْعَةَ لَا تَثْبُتُ فِيمَا لَا إجْبَارَ فِيهِ وَتَثْبُتُ فِيمَا فِيهِ إجْبَارٌ عَلَى الْقِسْمَةِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ،
стр. 1120
عَلَى الْقِسْمَةِ دُونَ الثَّانِي (وَ) أَنْ يَكُونَ (فِي كُلِّ مَا لَا يُنْقَلُ مِنْ الْأَرْضِ) بِأَنْ يَكُونَ أَرْضًا بِتَابِعِهَا كَشَجَرٍ وَثَمَرٍ غَيْرِ مُؤَبَّرٍ وَبِنَاءٍ وَتَوَابِعِهِ مِنْ أَبْوَابٍ وَغَيْرِهَا غَيْرِ نَحْوِ مَمَرٍّ، كَمَجْرَى نَهْرٍ لَا غِنًى عَنْهُ فَلَا شُفْعَةَ فِي بَيْتٍ عَلَى سَقْفٍ وَلَوْ مُشْتَرَكًا، وَلَا فِي شَجَرٍ أُفْرِدَ بِالْبَيْعِ أَوْ بِيعَ مَعَ مَغْرِسِهِ فَقَطْ، وَلَا فِي شَجَرٍ جَافٍّ شُرِطَ دُخُولُهُ فِي بَيْعِ أَرْضٍ لِانْتِفَاءِ التَّبَعِيَّةِ؛ وَلَا فِي نَحْوِ مَمَرِّ دَارٍ لَا غِنَى عَنْهُ؛ فَلَوْ بَاعَ دَارِهِ وَلَهُ شَرِيكٌ فِي مَمَرِّهَا الَّذِي لَا غِنَى عَنْهُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ حَذَرًا مِنْ الْإِضْرَارِ بِالْمُشْتَرِي
ــ
[حاشية البجيرمي]
وَفِيهِ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْمَتْنِ مُتَضَمِّنٌ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَصَحَّ قَوْلُهُ: وَبِذَلِكَ إلَخْ. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: فَعُلِمَ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إلَّا فِيمَا يُجْبَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ عَلَى الْقِسْمَةِ إذَا طَلَبَهَا شَرِيكُهُ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (صَغِيرَةً) هَذَا قَيْدٌ مُعْتَبَرٌ، أَمَّا لَوْ كَانَتْ كَبِيرَةً بِحَيْثُ يَكُونُ عُشْرُهَا دَارًا فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُجْبَرُ بِطَلَبِ صَاحِبِهِ. قَوْلُهُ: (لَا عَكْسُهُ) أَيْ لَا تَثْبُتُ لِمَالِكِ التِّسْعَةِ أَعْشَارٍ إذَا بَاعَ مَالِكُ الْعُشْرِ نَصِيبَهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مِنْهُ لَوْ طَلَبَ الْقِسْمَةَ لَمْ يَجِبْ إلَيْهَا فَهُوَ آمِنٌ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى الشَّرِكَةِ مِنْ طَلَبِ الْقِسْمَةِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي مِلْكٌ مُلَاصِقٌ لَهُ تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ حِينَئِذٍ لِصَاحِبِ التِّسْعَةِ أَعْشَارٍ؛ لِأَنَّ مُشْتَرِيَ الْعُشْرِ يُجَابُ حِينَئِذٍ لِطَلَبِ الْقِسْمَةِ كَمَا ذَكَرَهُ ع ش عَلَى م ر.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْأَوَّلَ) أَيْ وَهُوَ مَالِكُ الْعُشْرِ يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ، أَيْ فَالضَّرَرُ يَحْصُلُ لَهُ لَوْ قَسَمَ الْمُشْتَرِي مِنْ شَرِيكِهِ؛ فَلِذَلِكَ تَثْبُتُ لَهُ الشُّفْعَةُ يَعْنِي إذَا أَرَادَ شَرِيكُهُ الْحَادِثُ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي لِلتِّسْعَةِ أَعْشَارٍ الْقِسْمَةَ يُجَابُ إلَيْهَا وَيُجْبَرُ مَالِكُ الْعُشْرِ عَلَى الْقِسْمَةِ فَلِذَلِكَ ثَبَتَ لَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْ يَكُونَ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِيمَا يَنْقَسِمُ.
قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَكُونَ أَرْضًا بِتَابِعِهَا) أَيْ مَعَ تَابِعِهَا أَيْ إنْ كَانَ، فَلَا يُقَالُ مَفْهُومُهُ أَنَّ الْأَرْضَ الْخَالِيَةَ عَنْ التَّابِعِ لَا شُفْعَةَ فِيهَا ع ش. وَقَوْلُهُ: " بِتَابِعِهَا " أَيْ مَا يَتْبَعُهَا فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ أَيْ يَدْخُلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ حَلَبِيٌّ، فَالْمُرَادُ بِالتَّابِعِ مَا لَوْ سَكَتَ عَنْهُ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ. وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَلَوْ بِتَابِعِهَا لِيَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ مِنْ التَّوَابِعِ.
قَوْلُهُ: (شَجَرٍ) أَيْ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْأَرْضَ فِي الْبَيْعِ. فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ فَإِنَّهُ إذَا رَهَنَ أَرْضًا لَا يَدْخُلُ فِيهَا ذِكْرٌ؟ قُلْت: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ قَوِيٌّ يُسْتَتْبَعُ بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُسْتَتْبَعُ. اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ.
قَوْلُهُ: (غَيْرِ مُؤَبَّرٍ) أَمَّا مُؤَبَّرٌ بِشَرْطِ التَّوَابِعِ.
قَوْلُهُ (شَجَرٍ) أَيْ فَإِنَّهُ يَتْبَعُ الْأَرْضَ فِي الْبَيْعِ. فَإِذَا قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ فَإِنَّهُ إذَا رَهَنَ أَرْضًا لَا يَدْخُلُ فِيهَا ذِكْرٌ؟ قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْبَيْعَ قَوِيٌّ يُسْتَتْبَعُ بِخِلَافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يُسْتَتْبَعُ اهـ. م د عَلَى التَّحْرِيرِ. قَوْلُهُ: (غَيْرَ مُؤَبَّرٍ) أَمَّا مُؤَبَّرٌ بِشَرْطِ دُخُولِهِ فَلَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ لِانْتِفَاءِ التَّبَعِيَّةِ ع ش. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " غَيْرَ مُؤَبَّرٍ " أَيْ عِنْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَيُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ، وَلَوْ لَمْ يُتَّفَقْ الْأَخْذُ حَتَّى أَبَرَ أَوْ قَطَعَ. وَكَذَا كُلُّ مَا دَخَلَ فِي الْبَيْعِ ثُمَّ انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُهُ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ.
قَوْلُهُ: (وَبِنَاءٍ) يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْأَرْضَ لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ لِلشَّرِيكِ وَبَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ الْبِنَاءِ فَلَا شُفْعَةَ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَثْبُتُ فِي الْبِنَاءِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. اهـ. عَنَانِيٌّ.
قَوْلُهُ: (غَيْرَ نَحْوِ مَمَرٍّ) صِفَةٌ لِ " أَرْضًا ".
قَوْلُهُ: (لَا غِنًى عَنْهُ) رَاجِعٌ لَهُمَا، أَيْ الْمَمَرِّ وَنَحْوِهِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا شُفْعَةَ فِي بَيْتٍ عَلَى سَقْفٍ) لِعَدَمِ الْأَرْضِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ مُشْتَرَكًا) أَيْ وَلَوْ كَانَ السَّقْفُ مُشْتَرَكًا، وَأَمَّا الْبَيْتُ فَالْفَرْضُ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فِي شَجَرٍ أُفْرِدَ بِالْبَيْعِ) هَلْ الْمُرَادُ نَصَّ عَلَيْهِ مَعَ الْأَرْضِ أَوْ خُصَّ بِالْبَيْعِ دُونَ الْأَرْضِ ح ل، يَصِحُّ إرَادَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا فَلَا شُفْعَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَمَا فِي ع ش.
قَوْلُهُ: (أَوْ بِيعَ مَعَ مَغْرِسِهِ) ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ هُنَا تَابِعَةٌ لِلشَّجَرِ وَالْمَتْبُوعُ مَنْقُولٌ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ صَرَّحَ بِدُخُولِ الْأُسِّ وَالْمَغْرِسِ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَكُونَا مَرْئِيَّيْنِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَرَهُمَا وَصَرَّحَ بِدُخُولِهِمَا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا قَالُوهُ فِي الْبَيْعِ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ بِعْتُك الْجِدَارَ وَأَسَاسَهُ حَيْثُ يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يَرَ الْأَسَاسَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الَّذِي هُوَ بَعْضُ الْجِدَارِ كَحَشْوِ الْجُبَّةِ، أَمَّا الْأَسَاسُ الَّذِي هُوَ مَكَانُ الْبِنَاءِ فَهُوَ عَيْنٌ مُنْفَصِلَةٌ لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِذَا صَرَّحَ اُشْتُرِطَ فِيهِ شُرُوطُ الْبَيْعِ اهـ شَوْبَرِيٌّ. وَقَوْلُهُ: " كَحَشْوِ الْجُبَّةِ " أَيْ فِي أَنَّهُ يَكْفِي فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ رُؤْيَةُ بَعْضِهِ وَلَا تُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ جَمِيعِهِ، فَالْأُسُّ مَحَلُّ الْبِنَاءِ مِنْ الْأَرْضِ وَالْأَسَاسُ أَصْلُ الْجِدَارِ.
قَوْلُهُ: (لِانْتِفَاءِ التَّبَعِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَنْقُولَاتِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا فِي نَحْوِ مَمَرٍّ) أَعَادَهُ
стр. 1121
بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ لَهُ غِنًى عَنْهُ بِأَنْ كَانَ لِلدَّارِ مَمَرٌّ آخَرُ، أَوْ أَمْكَنَهُ إحْدَاثُ مَمَرٍّ لَهَا إلَى شَارِعٍ أَوْ نَحْوِهِ وَمَثَّلَ الْمُصَنِّفُ لِمَا لَا يُنْقَلُ بِقَوْلِهِ كَالْعَقَارِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمَنْزِلِ وَلِلْأَرْضِ وَالضِّيَاعِ كَمَا فِي تَهْذِيبِ النَّوَوِيِّ وَتَحْرِيرِهِ حِكَايَةً عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ (وَغَيْرِهِ) أَيْ الْعَقَارِ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ كَالْحَمَّامِ الْكَبِيرِ إذَا أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَمَّامَيْنِ، وَالْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ.
تَنْبِيهٌ: قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ كُلَّ مَا يُنْقَلُ لَا يَثْبُتُ فِيهِ شُفْعَةٌ وَهُوَ كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَابِعًا كَمَا مَرَّ. وَمِنْ الْمَنْقُولِ الَّذِي لَا تَثْبُتُ فِيهِ شُفْعَةُ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الدَّمِيرِيُّ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ وَأَنْ يَمْلِكَ الْمَأْخُوذَ بِعِوَضٍ كَمَبِيعٍ وَمَهْرٍ وَعِوَضِ خُلْعٍ وَصُلْحِ دَمٍ، فَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْ، وَإِنْ جَرَى سَبَبُ مِلْكِهِ كَالْجُعْلِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ وَلَا فِيمَا مُلِكَ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَإِرْثٍ وَوَصِيَّةٍ وَهِبَةٍ بِلَا ثَوَابٍ، وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَهُوَ الرُّكْنُ الثَّالِثُ تَأْخِيرُ سَبَبِ مِلْكِهِ عَنْ سَبَبِ مِلْكِ الْآخِذِ، فَلَوْ بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ فَبَاعَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بَيْعَ بَتٍّ فَالشُّفْعَةُ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَشْفَعْ بَائِعُهُ لِتَقَدُّمِ سَبَبِ مِلْكِهِ عَلَى سَبَبِ مِلْكِ الثَّانِي لَا لِلثَّانِي، وَإِنْ
ــ
[حاشية البجيرمي]
ثَانِيًا لِأَجْلِ التَّصْوِيرِ. قَوْلُهُ: (فَلَوْ بَاعَ دَارِهِ) أَيْ الْخَاصَّةَ بِهِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ بُسْتَانَه الْخَاصَّ بِهِ وَلَهُ شَرِيكٌ فِي مَجْرَى النَّهْرِ الَّذِي لَا غِنَى عَنْهُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ. وَخَرَجَ مَا لَوْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً وَبَاعَ حِصَّتَهُ وَتَبِعَهَا حَقُّهَا فِي الْمَمَرِّ فَإِنَّ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَأْخُذَ الْحِصَّةَ مَعَ حَقِّهَا مِنْ الْمَمَرِّ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ إلَخْ) هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ: الثَّانِي تَثْبُتُ مُطْلَقًا وَالْمُشْتَرِي هُوَ الْمُضِرُّ بِنَفْسِهِ لِشِرَائِهِ هَذِهِ الدَّارَ، وَالثَّالِثُ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا إذَا كَانَ فِي اتِّخَاذِ الْمَمَرِّ عُسْرٌ أَوْ مُؤْنَةٌ لَهَا وَقْعٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرَرًا ظَاهِرًا.
وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَتَّسِعْ الْمَمَرُّ، فَإِنْ اتَّسَعَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَ لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ شَيْءٌ يَمُرُّ فِيهِ ثَبَتَتْ الشُّفْعَةُ فِي الْبَاقِي قَطْعًا. وَمَجْرَى النَّهْرِ كَالْمَمَرِّ فِيمَا ذَكَرَ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (كَالْعَقَارِ) مِثَالٌ لِلَّذِي لَا يُنْقَلُ الَّذِي هُوَ الْأَرْضُ وَتَوَابِعُهَا. قَوْلُهُ: (وَالضِّيَاعِ) بِكَسْرِ الضَّادِ جَمْعُ ضَيْعَةٍ وَهِيَ الْقَرْيَةُ الصَّغِيرَةُ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَتْرُكُهَا.
قَوْلُهُ: (قَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ) أَيْ مِنْ مَفْهُومِ كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَكُنْ تَابِعًا) فَإِنْ كَانَ تَابِعًا ثَبَتَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، أَيْ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ تَمَامُ الِانْتِفَاعِ بِالْعَقَارِ عَلَى ذَلِكَ الْمَنْقُولِ كَالْأَبْوَابِ وَمِفْتَاحِ الْغَلْقِ الْمُثَبَّتِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْ الْمَنْقُولِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا غَيْرُ مَنْقُولٍ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ: وَيُسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ الْمَنْقُولِ الْبِنَاءُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ، أَوْ يَقُولَ: وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِتَابِعِهَا الْبِنَاءُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِتَابِعٍ لِلْأَرْضِ. أُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَنْقُولِ مَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ.
قَوْلُهُ: (الْمُحْتَكَرَةِ) أَيْ الْمَجْعُولِ عَلَيْهَا أُجْرَةٌ مُؤَبَّدَةٌ. وَصُورَةُ الْمُحْتَكَرَةِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْآنَ أَنْ يُؤَذَّنَ فِي الْبِنَاءِ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ بِأُجْرَةٍ مُقَدَّرَةٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي مُقَابَلَةِ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، فَهِيَ كَالْخَرَاجِ الْمَضْرُوبِ عَلَى الْأَرْضِ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِكَذَا ع ش عَلَى م ر.
فَرْعٌ: قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ حَجَرٍ: أَرَاضِي مِصْرَ كُلُّهَا وَقْفٌ؛ لِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا. وَنُوزِعَ فِيهِ. وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا م ر خِلَافُهُ، وَهُوَ الْوَجْهُ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ النَّاسُ فِي الْأَعْصَارِ اهـ ق ل عَلَى الْجَلَالِ.
قَوْلُهُ: (كَمَبِيعٍ) مِثَالٌ لِلْمَأْخُوذِ بِعِوَضٍ.
قَوْلُهُ: (وَمَهْرٍ) كَأَنْ أَصْدَقَهَا نِصْفَ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ فَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَلَوْ زَادَ عَلَى ثَمَنِ نِصْفِ الدَّارِ أَوْ نَقَصَ. وَقَوْلُهُ: " وَعِوَضِ خُلْعٍ " بِأَنْ خَالَعَتْ زَوْجَهَا عَلَى نِصْفِ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ فَيَأْخُذُ الشَّرِيكُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ. وَقَوْلُهُ: " وَصُلْحِ دَمٍ " أَيْ عَمْدٍ، فَإِنْ أَرَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ قَتْلَ الْجَانِي فَصَالَحَهُ مِنْ الْقَوَدِ عَلَى نِصْفِ دَارِهِ الْمُشْتَرَكَةِ فَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ الدَّارِ بِقِيمَةِ الْإِبِلِ الْوَاجِبَةِ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا كَانَ مُتَقَوِّمًا يَأْخُذُ بِقِيمَتِهِ. قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ) وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعَمَلِ يَأْخُذُ، بِأُجْرَةِ مِثْلِ الرَّدِّ ح ل.
قَوْلُهُ: (كَإِرْثٍ) كَأَنْ مَاتَ الْمُوَرِّثُ عَنْ نِصْفِ عَقَارٍ فَمَلَكَهُ وَارِثُهُ بِالْإِرْثِ فَلَا شُفْعَةَ لِشَرِيكِ الْمُوَرِّثِ، أَمَّا لَوْ مَاتَ الْمُوَرِّثُ عَنْ أَخَوَيْنِ مَثَلًا ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمَا بَاعَ حِصَّتَهُ لِشَخْصٍ فَإِنَّ الشُّفْعَةَ لِلْأَخِ الثَّانِي. اهـ. م د.
قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ الْخِيَارِ) أَيْ لِلْبَائِعِ أَيْ أَوْ لَهُمَا سم. أَمَّا إذَا كَانَ
стр. 1122
تَأَخَّرَ عَنْ مِلْكِهِ مَلَّكَ الْأَوَّلَ لِتَأَخُّرِ سَبَبِ مِلْكِهِ عَنْ سَبَبِ مِلْكِ الْأَوَّلِ. وَكَذَا لَوْ بَاعَا مُرَتَّبًا بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا دُونَ الْمُشْتَرِي سَوَاءٌ أَجَازَا مَعًا أَمْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا أَوْ بَعْضَهَا مَعًا فَلَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِعَدَمِ السَّبَقِ.
وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ مِنْ الْمُشْتَرِي (بِالثَّمَنِ) الْمَعْلُومِ (الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ) عَقْدُ (الْبَيْعِ) أَوْ غَيْرُهُ، فَيَأْخُذُ فِي ثَمَنِ مِثْلِيٍّ كَنَقْدٍ وَجَبَ بِمِثْلِهِ إنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَبِقِيمَتِهِ. وَفِي مُتَقَوِّمٍ كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ بِقِيمَتِهِ كَمَا فِي الْغَصْبِ.
ــ
[حاشية البجيرمي]
بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي فَلَا تَوَقُّفَ فِي ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لَهُ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ لَهُ،. اهـ. رَشِيدِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فِي زَمَنِ الْخِيَارِ) أَيْ الثَّابِتِ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي أَوْ لِلْبَائِعِ فَقَطْ،. اهـ. مَرْحُومِيٌّ.
قَوْلُهُ: (فَالشُّفْعَةُ لِلْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ) أَيْ بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ فِي زَمَنِ خِيَارِ الْبَائِعِ لَيْسَ مَالِكًا، أَوْ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الشُّفْعَةِ لَهُ ثُبُوتُ حَقِّ الْأَخْذِ بِهَا لَا الْأَخْذُ بِالْفِعْلِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ ح ل. وَعِبَارَةُ مَتْنِ الْمَنْهَجِ: فَلَوْ ثَبَتَ خِيَارُ الْبَائِعِ لَمْ تَثْبُتْ إلَّا بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ اهـ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ لَمْ يَشْفَعْ بَائِعُهُ) أَيْ إنْ لَمْ يَفْسَخْ الْبَائِعُ الْبَيْعَ، وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ يَقُولُ أَخَذْتُ بِالشُّفْعَةِ وَيَكُونُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ فَسْخًا لِلْبَيْعِ، قَرَّرَهُ شَيْخُنَا الْعَزِيزِيُّ. وَالْأَوْلَى حَذْفُ الْوَاوِ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ، وَيُمْكِنُ جَعْلُهَا لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ جَعْلَهَا غَايَةً يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ الشُّفْعَةَ سَوَاءٌ شَفَعَ بَائِعُهُ أَوْ لَا مَعَ أَنَّ بَائِعَهُ إنْ شَفَعَ لَا يُتَصَوَّرُ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ لِانْفِسَاخِ الْبَيْعِ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: (لِتَقَدُّمِ سَبَبِ مِلْكِهِ) أَيْ وَهُوَ الْبَيْعُ.
قَوْلُهُ: (لِتَأَخُّرِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَا لِلثَّانِي. وَقَوْلُهُ: " عَنْ سَبَبِ الْأَوَّلِ " لَعَلَّهَا عَنْ سَبَبِ مِلْكِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا) أَيْ الْبَائِعَيْنِ. وَقَوْلُهُ: " دُونَ الْمُشْتَرِي " أَيْ وَحْدَهُ، وَقَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لَهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِلْكُ الْأَوَّلِ لَا سَبَبُهُ فَقَطْ كَمَا لَا يَخْفَى أَيْ وَالْحُكْمُ وَاحِدٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا لَوْ اشْتَرَى اثْنَانِ إلَخْ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ: تَأَخَّرَ سَبَبِ مِلْكِهِ إلَخْ. وَفِي هَذِهِ تَقَارَنَا
قَوْلُهُ: (بِالثَّمَنِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى شَرْطٍ فِي الْمَأْخُوذِ وَهُوَ أَنْ يُمْلَكَ بِعِوَضٍ، وَلَوْ قَالَ بِالْعِوَضِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ لَكَانَ أَعَمَّ لِشُمُولِهِ نَحْوَ الْمَهْرِ. اهـ. م د. وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتِهِ؛ لَكِنَّ مَحَلَّ هَذَا التَّقْدِيرِ مَا لَمْ يَرْجِعْ ذَلِكَ الثَّمَنُ لِلشَّفِيعِ الَّذِي هُوَ الشَّرِيكُ الْقَدِيمُ، فَإِنْ رَجَعَ إلَيْهِ وَصَارَ مَالِكًا لَهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ تَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَوَّزَ لَهُ الْأَخْذُ بِمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ لِتَعَذُّرِهِ فَلَمَّا رَجَعَ لَهُ تَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِهِ، هَكَذَا اعْتَمَدَهُ ز ي.
قَوْلُهُ: (عَقْدُ الْبَيْع) فِيهِ تَغْيِيرُ إعْرَابِ الْمَتْنِ، فَلَوْ حَذَفَ لَفْظَ " عَقْدُ " لَكَانَ أَوْلَى.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَيْرُهُ) عَطْفٌ عَلَى الثَّمَنِ لَا عَلَى الْبَيْعِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ.
قَوْلُهُ: (فَيَأْخُذُ فِي ثَمَنِ مِثْلِيٍّ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الْمِثْلِ بِأَنْ اشْتَرَى دَارًا بِمَكَّةَ بِحَبٍّ غَالٍ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهَا بِمِصْرَ بِقَدْرِ ذَلِكَ الْحَبِّ وَإِنْ رَخُصَ جِدًّا، وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ هُوَ الَّذِي لَزِمَ بِالْعَقْدِ شَرْحُ م ر اهـ.
قَوْلُهُ: (إنْ تَيَسَّرَ) ضَابِطُ التَّيَسُّرِ مَا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: " وَإِلَّا " أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ بِأَنْ فُقِدَ حِسًّا أَوْ شَرْعًا كَأَنْ وُجِدَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثْلِهِ بِرْمَاوِيٌّ.
قَوْلُهُ: (كَعَبْدٍ وَثَوْبٍ) أَيْ وَبُضْعٍ فِي النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِ بَعْدُ. قَوْلُهُ: (بِقِيمَتِهِ) أَيْ الْمُتَقَوِّمِ لَا قِيمَةِ الشِّقْصِ؛ لِأَنَّ مَا يَبْذُلُهُ الشَّفِيعُ فِي مُقَابَلَةِ مَا بَذَلَهُ الْمُشْتَرِي لَا فِي مُقَابَلَةِ الشِّقْصِ، وَلَوْ حُطَّ عَنْ الْمُشْتَرِي بَعْضُ الثَّمَنِ قَبْلَ اللُّزُومِ انْحَطَّ عَنْ الشَّفِيعِ، أَوْ كُلُّهُ فَلَا شُفْعَةَ لِانْتِفَاءِ الْبَيْعِ شَرْحُ م ر. وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: لِانْتِفَاءِ الثَّمَنِ، قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: أَمَّا لَوْ حُطَّ بَعْدَ اللُّزُومِ فَلَا يَنْحَطُّ عَنْ الشَّفِيعِ شَيْءٌ اهـ أج. قَوْلُهُ: (كَمَا فِي الْغَصْبِ) التَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ الْقِيمَةُ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الرَّوْضِ: وَاعْتِبَارُهُمْ الْمِثْلَ وَالْقِيمَةَ فِيمَا ذَكَرَ مَقِيسٌ عَلَى الْغَصْبِ اهـ. قَالَ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ: وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ يَأْتِي هُنَا نَظِيرُ مَا مَرَّ فِيمَا لَوْ ظَفِرَ الشَّفِيعُ بِالْمُشْتَرِي بِبَلَدٍ آخَرَ وَأَخَذَ فِيهِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِالْمِثْلِ أَوْ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي. عَلَى قَبْضِهِ هُنَاكَ إنْ لَمْ يَكُنْ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ وَالطَّرِيقُ آمِنٌ وَإِلَّا أَخَذَ بِالْقِيمَةِ لِحُصُولِ الضَّرَرِ بِقَبْضِ الْمِثْلِ وَأَنَّ الْقِيمَةَ حَيْثُ أُخِذَتْ تَكُونُ لِلْحَيْلُولَةِ. اهـ.
стр. 1123
وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْعَقْدِ مِنْ بَيْعٍ وَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ؛ وَلِأَنَّ مَا زَادَ زَادَ فِي مِلْكِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ. وَخُيِّرَ الشَّفِيعُ فِي ثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ بَيْنَ تَعْجِيلِهِ مَعَ أَخْذِهِ حَالًا وَبَيْنَ صَبْرِهِ إلَى الْحُلُولِ ثُمَّ يَأْخُذُ، وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ بِمَوْتِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ لِاخْتِلَافِ الذِّمَمِ، وَإِنْ أُلْزِمَ بِالْأَخْذِ حَالًا بِنَظِيرِهِ مِنْ الْحَالِ أَضَرَّ بِالشَّفِيعِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ يُقَابِلُهُ قِسْطٌ مِنْ الثَّمَنِ، وَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ لَوْ رَضِيَ بِذِمَّةِ الشَّفِيعِ لَمْ يُخَيَّرْ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَلَوْ بِيعَ شِقْصٌ وَغَيْرُهُ كَثَوْبٍ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ) وَالْمَأْخُوذُ بِهِ فِيهِمَا مَهْرُ الْمِثْلِ م ر.
قَوْلُهُ: (وَغَيْرِهَا) كَالْمُتْعَةِ فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِمُتْعَةِ الْمِثْلِ لَهَا وَقْتَ الْإِمْتَاعِ، وَكَالصُّلْحِ بِهِ أَيْ بِالشِّقْصِ عَنْ دَمٍ، فَيَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الدِّيَةِ وَقْتَ الصُّلْحِ، وَكَجَعْلِهِ أُجْرَةً فَيَأْخُذُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَقْتَ الِاسْتِئْجَارِ، وَكَجَعْلِهِ جُعْلًا فَيَأْخُذُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ وَقْتُ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ) أَيْ ثُبُوتِ سَبَبِهَا، فَلَا يَرِدُ أَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ سم ع ش. قَوْلُهُ: (فِي مِلْكِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ) أَيْ أَصَالَةً وَهُوَ الْبَائِعُ وَالزَّوْجُ فِي النِّكَاحِ وَالزَّوْجَةُ فِي الْخُلْعِ بِرْمَاوِيٌّ؛ فَلَا تُعْتَبَرُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الشَّفِيعِ. وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: قَوْلُهُ: "؛ وَلِأَنَّ مَا زَادَ زَادَ فِي مِلْكِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ " أَيْ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَهُوَ الْبَائِعُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَأْخُوذِ مِنْهُ الْمُشْتَرِيَ؛ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قِيمَةُ الشِّقْصِ لَا عِوَضُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَيَدُلُّ لِلتَّأْوِيلِ مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ؛ وَلِأَنَّ مَا زَادَ زَادَ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ. وَيُقَالُ فِي الصَّدَاقِ: إذَا كَانَ شِقْصًا مَشْفُوعًا وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَزَادَ مَهْرَ مِثْلِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ أَنَّ مَا زَادَ زَادَ فِي مِلْكِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَهُوَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَمَا زَادَ بَعْدَهُ زَادَ فِي مِلْكِهِ فَلَا يُعْتَبَرُ. وَيُقَالُ فِيهِ: إذَا كَانَ عِوَضُ الْخُلْعِ أَنَّ مَا زَادَ زَادَ فِي مِلْكِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَهُوَ الزَّوْجَةُ؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ مَنْفَعَةَ بُضْعِهَا.
قَوْلُهُ: (وَخُيِّرَ الشَّفِيعُ إلَخْ) مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا تَسَلَّطَ الشَّفِيعُ عَلَى الْأَخْذِ حَالًا، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا خُيِّرَ. قَالَ س ل: وَإِذَا خُيِّرَ لَمْ يَلْزَمْهُ إعْلَامُ الْمُشْتَرِي بِالطَّلَبِ أَيْ طَلَبِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا. قَوْلُهُ: (وَبَيْنَ صَبْرِهِ إلَى الْحُلُولِ) وَلَوْ اخْتَارَ الصَّبْرَ ثُمَّ عَنَّ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ وَيَأْخُذَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ الزَّمَنُ زَمَنَ نَهْبٍ يُخْشَى مِنْهُ ضَيَاعُ الثَّمَنِ الْمُعَجَّلِ س ل. " إلَى الْحُلُولِ " لَيْسَ الْمُرَادُ الْحُلُولَ بِالْفِعْلِ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: " وَإِنْ حَلَّ بِمَوْتِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ " بَلْ الْمُرَادُ وَقْتُ حُلُولِهِ لَوْ مَضَى الْأَجَلُ سم.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ) غَايَةٌ. وَقَوْلُهُ: " بِمَوْتِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ " أَيْ وَهُوَ الْمُشْتَرِي. وَصُورَةُ ذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَ الشَّرِيكُ الْحَادِثُ الشِّقْصَ لِأَجَلٍ ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَلِلشَّفِيعِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَخْذِ حَالًا وَبَيْنَ الصَّبْرِ إلَى الْأَجَلِ.
قَوْلُهُ: (لِاخْتِلَافِ الذِّمَمِ) أَيْ ذِمَّةِ الشَّفِيعِ وَذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، وَهُوَ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لِأَنَّهُ لَوْ أَلْزَمَ بِالْأَخْذِ حَالًا وَبَقَاءُ الثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ إلَى الْحُلُولِ أَضَرَّ بِالْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَهُوَ الْمُشْتَرِي لِاخْتِلَافِ الذِّمَمِ؛؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَتْ ذِمَّةُ الشَّفِيعِ صَعْبَةً، وَلَعَلَّ فِي كَلَامِهِ سَقْطًا. وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ بَعْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ حَلَّ بِمَوْتِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ " دَفْعًا لِلضَّرَرِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُوِّزَ لَهُ الْأَخْذُ أَيْ حَالًّا بِالْمُؤَجَّلِ أَضَرَّ بِالْمَأْخُوذِ مِنْهُ لِاخْتِلَافِ الذِّمَمِ، فَفِي الْعِبَارَةِ سَقْطٌ مِنْ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ إلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَدَفْعًا فِي عِبَارَةِ شَرْحِ الْمَنْهَجِ عِلَّةٌ لِلتَّخْيِيرِ، وَمُرَادُهُ بِالْجَانِبَيْنِ جَانِبُ الشَّفِيعِ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، وَمُرَادُهُ بِالذِّمَمِ ذِمَّةُ الشَّفِيعِ وَذِمَّةُ الْمُشْتَرِي أَيْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي الرِّضَا بِذِمَّةِ الشَّفِيعِ كَمَا رَضِيَ الْبَائِعُ بِذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَتْ ذِمَّةُ الشَّفِيعِ صَعْبَةً لَا يُوفِي عِنْدَ الْحُلُولِ بَلْ يُمَاطِلُ.
قَوْلُهُ: (بِنَظِيرِهِ) أَيْ بِقَدْرِهِ مِنْ الْحَالِّ وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ. وَلَوْ قَالَ: بِقَدْرِهِ حَالًا لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْضَحَ.
قَوْلُهُ: (بِالشَّفِيعِ) أَظْهَرُ فِي مَحَلِّ الْإِضْمَارِ لِلْإِيضَاحِ.
قَوْلُهُ: (وَعُلِمَ بِذَلِكَ) أَيْ بِقَوْلِهِ لِاخْتِلَافِ الذِّمَمِ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ) وَهُوَ الْمُشْتَرِي.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ رَضِيَ بِذِمَّةِ الشَّفِيعِ) أَيْ بِأَنْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي لَهُ الشِّقْصَ وَأَجَّلَ الثَّمَنَ إلَى مَحَلِّهِ وَأَبَى الشَّفِيعُ الصَّبْرَ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ: لَمْ يُخَيَّرْ اهـ أج.
قَوْلُهُ: (لَمْ يُخَيَّرْ) بِالْخَاءِ لَا بِالْجِيمِ أَيْ لَمْ يُخَيَّرْ الشَّفِيعُ بَلْ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ مُؤَجَّلًا، فَيَأْخُذُ حَالًا بِالشُّفْعَةِ وَلَا يُطَالَبُ إلَّا بَعْدَ الْحُلُولِ. وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ: سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ. وَقَالَ ع ش: لَمْ يُخَيَّرْ، أَيْ بَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْأَخْذِ حَالًا أَوْ يَتْرُكُ حَقَّهُ مِنْ الشُّفْعَةِ.
стр. 1124
أَخَذَ الشِّقْصَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، فَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مِائَتَيْنِ وَقِيمَةُ الشِّقْصِ ثَمَانِينَ وَقِيمَةُ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ عِشْرِينَ أَخَذَ الشِّقْصَ بِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الثَّمَنِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي بِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ لِدُخُولِهِ فِيهَا عَالِمًا بِالْحَالِ. وَخَرَجَ بِالْمَعْلُومِ الَّذِي قَدَّرْته فِي كَلَامِهِ مَا إذَا اشْتَرَى بِجُزَافٍ نَقْدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، امْتَنَعَ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى الثَّمَنِ وَالْأَخْذُ بِالْمَجْهُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَهَذَا مِنْ الْحِيَلِ الْمُسْقِطَةِ لِلشُّفْعَةِ، وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ إبْقَاءِ الضَّرَرِ.
وَصُوَرُهَا كَثِيرَةٌ: مِنْهَا أَنْ يَبِيعَهُ الشِّقْصَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ بِكَثِيرٍ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ عَرْضًا يُسَاوِي مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ عِوَضًا عَنْ الثَّمَنِ، أَوْ يَحُطُّ عَنْ الْمُشْتَرِي مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ. وَمِنْهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِمَجْهُولٍ مُشَاهَدٍ وَيَقْبِضَهُ وَيَخْلِطَهُ بِغَيْرِهِ بِلَا وَزْنٍ فِي الْمَوْزُونِ، أَوْ يُنْفِقَهُ أَوْ يُتْلِفَهُ. وَمِنْهَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الشِّقْصِ جُزْءًا بِقِيمَةِ الْكُلِّ ثُمَّ يَهَبَهُ الْبَاقِيَ. وَمِنْهَا أَنْ يَهَبَ كُلٌّ مِنْ مَالِكِ الشِّقْصِ وَآخِذُهُ لِلْآخَرِ بِأَنْ يَهَبَ لَهُ الشِّقْصَ بِلَا ثَوَابٍ، ثُمَّ يَهَبَ لَهُ الْآخَرُ قَدْرَ قِيمَتِهِ، فَإِنْ خَشِيَ عَدَمَ الْوَفَاءِ بِالْهِبَةِ وَكَّلَا أَمِينَيْنِ لِيَقْبِضَاهُمَا مِنْهُمَا مَعًا بِأَنْ يَهَبَهُ الشِّقْصَ وَيَجْعَلَهُ فِي يَدِ أَمِينٍ لِيَقْبِضَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ يَتَقَابَضَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمِنْهَا أَنْ يَشْتَرِيَ بِمُتَقَوِّمٍ قِيمَتَهُ مَجْهُولَةً كَفَصٍّ ثُمَّ يُضَيِّعُهُ أَوْ يَخْلِطُهُ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا لَمْ يَلْزَمْ الْبَائِعَ إحْضَارُهُ وَلَا الْإِخْبَارُ
ــ
[حاشية البجيرمي]
قَوْلُهُ: (وَلَوْ بِيعَ شِقْصٌ إلَخْ) تَعْمِيمٌ فِي الْمَتْنِ وَالتَّقْدِيرُ بِالثَّمَنِ أَيْ كُلِّهِ إنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ كُلَّ الْمَبِيعِ، أَوْ بَعْضَهُ إنْ كَانَ الْمَأْخُوذُ بَعْضَ الْمَبِيعِ كَمَا هُنَا.
قَوْلُهُ: (وَقِيمَةُ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ) أَيْ وَهُوَ الثَّوْبُ.
قَوْلُهُ: (بِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الثَّمَنِ) أَيْ ثَمَنِ الشِّقْصِ وَالثَّوْبِ مَعًا، وَهُوَ مِائَةٌ وَسِتُّونَ فِي هَذَا الْمِثَالِ.
قَوْلُهُ: (عَالِمًا بِالْحَالِ) هَذَا جَرْيٌ عَلَى الْغَالِبِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ كَمَا قَالَهُ الزِّيَادِيُّ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ فِي الْجُمْلَةِ إذَا كَانَ مِنْ حَقِّهِ السُّؤَالُ، وَحِينَئِذٍ فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: لِتَقْصِيرِهِ بِعَدَمِ الْبَحْثِ.
قَوْلُهُ: (الَّذِي قَدَّرْته) أَيْ عِنْدَ قَوْلِهِ بِالثَّمَنِ الْمَعْلُومِ الَّذِي إلَخْ.
قَوْلُهُ: (بِجُزَافٍ) بِتَثْلِيثِ الْجِيمِ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ جِيمُ الْجُزَافِ جُزَافٌ وَالْقِيَاسُ الْكَسْرُ وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ قَوْلُهُ بِجُزَافٍ أَيْ مُشَاهَدٍ لِيَصِحَّ الْبَيْعُ وَالْجُزَافُ بَيْعُ الشَّيْءِ وَشِرَاؤُهُ بِلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الْمُسَاهَلَةِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. اهـ. قَوْلُهُ: (لِتَعَذُّرِ الْوُقُوفِ) أَيْ بِتَلَفِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ. قَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ الْجَهْلُ، وَقَوْلُهُ " الْمُسْقِطَةِ " أَيْ الْحَامِلَةِ عَلَى تَرْكِهَا، فَدَخَلَ نَحْوُ الصُّورَةِ الْأُولَى. قَوْلُهُ: (وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ) أَيْ قَبْلَ ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، أَمَّا بَعْدَ ثُبُوتِهَا فَتَحْرُمُ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ م ر. وَوَجْهُ الْحُرْمَةِ فِي الثَّانِيَةِ تَفْوِيتُهُ الْحَقَّ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِخِلَافِهِ فِي الْأُولَى فَإِنَّ الْحَقَّ لَمْ يَثْبُتْ. وَقَوْلُهُ " مَكْرُوهَةٌ " أَيْ لَا فِي دَفْعِ شُفْعَةِ الْجَارِ الَّذِي يَأْخُذُ بِهَا عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَا، شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (وَصُوَرُهَا) أَيْ الْحِيَلِ كَثِيرَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ) أَيْ فَتَكُونُ كَثْرَةُ الثَّمَنِ مَانِعَةً لِلشَّفِيعِ مِنْ الْأَخْذِ، أَيْ بَاعِثَةً لَهُ عَلَى التَّرْكِ. فَسَقَطَ قَوْلُهُ ق ل: فِي جَعْلِهِ مِنْ الْحِيَلِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْحِيلَةَ مَا لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَى الشَّيْءِ مَعَهَا وَهَذِهِ يُمْكِنُ الْوُصُولُ مَعَهَا اهـ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِيلَةِ الْبَاعِثُ عَلَى التَّرْكِ. وَإِيضَاحُ عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنْ يَتَوَافَقَا بَاطِنًا عَلَى ثَمَنٍ قَلِيلٍ، ثُمَّ يُسَمِّيَا بَيْنَ النَّاسِ أَكْثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ يَدْفَعُ عَرْضًا يُسَاوِي مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ بَاطِنًا وَيَجْعَلَاهُ عِوَضًا عَنْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى ظَاهِرًا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ) أَيْ بَدَلِهِ.
قَوْلُهُ: (مَا تَرَاضَيَا عَلَيْهِ) أَيْ قَبْلَ الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا أَنْ يَبِيعَهُ بِمَجْهُولٍ) هَذِهِ مُكَرَّرَةٌ مَعَ صُورَةِ الْجُزَافِ وَهِيَ الْأُولَى. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ أُتِيَ بِهَا لِأَجْلِ مَا بَعْدَهَا. قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الشِّقْصِ إلَخْ) وَهَذِهِ الْحِيلَةُ فِيهَا غَرَرٌ فَقَدْ لَا يَفِي صَاحِبُهُ شَرْحُ الرَّوْضِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ خَشِيَ) أَيْ كُلٌّ. وَعِبَارَةُ الرَّوْضِ: خَشِيَا، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ " وَكَّلَا " نَعَمْ الْإِفْرَادُ يُنَاسِبُ قَوْلَهُ: أَنْ يَهَبَ. قَوْلُهُ: (لِيَقْبِضَاهُمَا) أَيْ الْأَمِينَانِ مِنْهُمَا أَيْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَقَوْلُهُ " مَعًا " لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (لِيَقْبِضَهُ إيَّاهُ) أَيْ وَيَهَبَهُ الْآخَرُ قَدْرَ قِيمَتِهِ وَيَجْعَلَهُ فِي يَدِ أَمِينٍ لِيَقْبِضَهُ إيَّاهُ كَذَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ. وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ الْكَتَبَةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ثُمَّ يَتَقَابَضَا شَيْخُنَا.
قَوْلُهُ: (فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ) لَيْسَ بِقَيْدٍ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهَا أَنْ يَشْتَرِيَ إلَخْ) فِيهِ مُسَامَحَةٌ لِأَنَّهَا مُكَرَّرَةٌ مَعَ الَّذِي تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (كَفَصٍّ) بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ وَوَهَمَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فِي جَعْلِهِ الْكَسْرَ لَحْنًا مُنَاوِيٌّ عَلَى الشَّمَائِلِ، وَعِبَارَةُ م د: قَوْلُهُ " كَفَصٍّ " وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَدَّعِيَ قَدْرًا بَعْدَ قَدْرٍ عَلَى الْمُشْتَرِي وَيُحَلِّفُهُ حَتَّى إذَا نَكَلَ حَلَفَ الشَّفِيعُ وَأَخَذَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ) أَيْ الثَّمَنُ غَائِبًا إلَخْ. وَهَذَا مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ثُمَّ إنْ كَانَ الثَّمَنُ
стр. 1125
بِقِيمَتِهِ؛ وَلَوْ عَيَّنَ الشَّفِيعُ قَدْرَ ثَمَنِ الشِّقْصِ كَقَوْلِهِ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْته بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِقَدْرِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلْمِهِ بِهِ، فَإِنْ ادَّعَى الشَّفِيعُ عِلْمَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَلَمْ يُعَيِّنْ لَهُ قَدْرًا لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ حَقًّا لَهُ.
تَنْبِيهٌ: لَوْ ظَهَرَ الثَّمَنُ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا كَأَنْ اشْتَرَى بِهَذِهِ الْمِائَةِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَالشُّفْعَةُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ، وَإِنْ اشْتَرَى بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَدَفَعَ عَمَّا فِيهَا فَخَرَجَ الْمَدْفُوعُ مُسْتَحَقًّا، أَبْدَلَ الْمَدْفُوعَ وَبَقِيَ الْبَيْعُ وَالشُّفْعَةُ. وَإِنْ دَفَعَ الشَّفِيعُ مُسْتَحَقًّا لَمْ تَبْطُلْ الشُّفْعَةُ. وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ فِي الطَّلَبِ وَالْأَخْذِ سَوَاءٌ أَخَذَ بِمُعَيَّنٍ أَمْ لَا، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي الْعَقْدِ احْتَاجَ تَمَلُّكًا جَدِيدًا. وَكَخُرُوجِ مَا ذَكَرَ مُسْتَحَقًّا خُرُوجُهُ نُحَاسًا. وَلِمُشْتَرٍ تَصَرُّفٌ فِي الشِّقْصِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَلِشَفِيعٍ فَسْخُهُ بِأَخْذِ الشِّقْصِ سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ شُفْعَةٌ كَبَيْعٍ أَمْ لَا كَوَقْفٍ وَهِبَةٍ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ عَلَى هَذَا التَّصَرُّفِ، وَلَهُ أَخْذٌ بِمَا فِيهِ شُفْعَةٌ مِنْ التَّصَرُّفِ كَبَيْعٍ لِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ الْعِوَضُ فِيهِ أَقَلَّ أَوْ مِنْ جِنْسٍ هُوَ عَلَيْهِ أَيْسَرُ.
(وَهِيَ) أَيْ الشُّفْعَةُ بَعْدَ عِلْمِ الشَّفِيعِ بِالْبَيْعِ (عَلَى الْفَوْرِ) ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ ثَبَتَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ. فَكَانَ عَلَى الْفَوْرِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهَا عَلَى الْفَوْرِ هُوَ طَلَبُهَا وَإِنْ تَأَخَّرَ التَّمَلُّكُ. وَاسْتَثْنَى مِنْ الْفَوْرِيَّةِ عَشَرَ صُوَرٍ ذَكَرْتهَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ
ــ
[حاشية البجيرمي]
مُعَيَّنًا مَعْلُومًا حَاضِرًا، فَظَاهِرٌ لِتَسَلُّطِ الشَّفِيعِ عَلَى الْأَخْذِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ مَجْهُولًا لَمْ يَلْزَمْ الْبَائِعَ إلَخْ. قَوْلُهُ: (كَقَوْلِهِ لِلْمُشْتَرِي اشْتَرَيْته) بِفَتْحِ التَّاءِ لِلْخِطَابِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ حَقًّا لَهُ) قَدْ يُقَالُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ عِلْمُهُ بِالثَّمَنِ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي فَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ.
قَوْلُهُ: (لَوْ ظَهَرَ الثَّمَنُ) أَيْ الَّذِي دَفَعَهُ الْمُشْتَرِي لِبَائِعِ الشِّقْصِ. وَقَوْلُهُ " مُسْتَحَقًّا " كَأَنْ كَانَ وَدِيعَةً عِنْدَهُ أَوْ مَغْصُوبًا عِنْدَهُ. قَوْلُهُ: (بِهَذِهِ الْمِائَةِ) أَيْ بِعَيْنِ هَذِهِ الْمِائَةِ. قَوْلُهُ: (وَدَفَعَ عَمَّا فِيهَا) أَيْ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ، وَإِلَّا فَالْمُعَيَّنُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ كَالْمُعَيَّنِ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنْ دَفَعَ الشَّفِيعُ مُسْتَحَقًّا) أَيْ ثَمَنًا مُسْتَحَقًّا، بِأَنْ اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ شَخْصٌ فَأَخَذَهَا وَدَفَعَ ثَمَنًا لَيْسَ مِلْكًا لَهُ بَلْ هُوَ مُسْتَحَقٌّ لِغَيْرِهِ أج. وَأَمَّا لَوْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي رَدِيئًا وَرَضِيَ بِهِ الْبَائِعُ لَمْ يَلْزَمْ الْمُشْتَرِي الرِّضَا بِمِثْلِهِ مِنْ الشَّفِيعِ بَلْ يَأْخُذُ مِنْهَا الْجَيِّدَ؛ قَالَهُ الْبَغَوِيّ شَرْحُ الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (تَمَلُّكًا جَدِيدًا) أَيْ عَقْدًا جَدِيدًا.
قَوْلُهُ: (خُرُوجُهُ نُحَاسًا) أَيْ فِي التَّفْصِيلِ الْمَارِّ فِي جَانِبِ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مِلْكُهُ) بِضَمِّ الْكَافِ خَبَرُ " أَنَّ " وَهُوَ أَوْلَى مِنْ قِرَاءَتِهِ مَاضِيًا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَبَرِ الْإِفْرَادُ.
قَوْلُهُ: (وَلِلشَّفِيعِ فَسْخُهُ إلَخْ) أَيْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ فَسَخْت، بَلْ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فَسْخٌ لِتَصَرُّفِهِ بِالْبَيْعِ أَوْ غَيْرِهِ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَخْذٌ بِالشُّفْعَةِ مِنْ هَذَا الْمُشْتَرِي لَا لِمَنْ اشْتَرَى مِنْهُ فِي صُورَةِ التَّصَرُّفِ بِالْبَيْعِ، بِخِلَافِ الشَّفِيعِ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَلَهُ أَخْذٌ بِمَا فِيهِ شُفْعَةٌ فَإِنَّهُ أَخْذٌ بِالشُّفْعَةِ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي فَتَأَمَّلْ. وَعِبَارَةُ الزِّيَادِيِّ: وَلِشَفِيعٍ فَسْخُهُ أَيْ فَسْخُ تَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي بِأَخْذِ الشِّقْصِ أَيْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقَدُّمِ فَسْخٍ عَلَى الْأَخْذِ اهـ.
قَوْلُهُ: (بِأَخْذِ الشِّقْصِ) الْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ أَوْ لِلتَّصْوِيرِ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَقَدُّمِ فَسْخٍ عَلَى الْأَخْذِ كَمَا قَالَهُ زي.
قَوْلُهُ: (سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ) أَيْ التَّصَرُّفِ. قَوْلُهُ: (وَلَهُ أَخْذُ) أَيْ فَيُخَيَّرُ الشَّفِيعُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي. وَقَوْلُهُ " بِمَا فِيهِ " أَيْ بِعِوَضٍ مَا، أَيْ تَصَرُّفٌ فِيهِ شُفْعَةٌ، أَوْ أَنَّ الْبَاءَ بِمَعْنَى " فِي ". وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ إنْ كَانَ وَقْفًا أَوْ هِبَةً تَعَيَّنَ عَلَى الشَّفِيعِ الْأَخْذُ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ بَيْعًا كَانَ الشَّفِيعُ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ الْعِوَضُ فِي الثَّانِي أَسْهَلَ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
قَوْلُهُ: (لِذَلِكَ) أَيْ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الشُّفْعَةُ) أَيْ طَلَبُهَا بِأَنْ يَقُولَ: أَنَا طَالِبٌ لِلشُّفْعَةِ.
قَوْلُهُ: (بِالْبَيْعِ) أَيْ مَثَلًا كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ فِيمَا يَأْتِي، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ هُنَا مُجَارَاةً لِقَوْلِ الْمَتْنِ سَابِقًا: بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ؛ وَلِأَنَّهُ الْغَالِبُ. قَوْلُهُ: (هُوَ طَلَبُهَا) أَيْ بِأَنْ يَأْخُذَ فِي السَّبَبِ
следующие страницы →