← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 215

التعريف بما أنست الهجرة من معالم دار الهجرة

جمال الدين المطري

Полный текст (203 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الله، حدثني نافع، عن ابن عمر قال: «كان النبي ﵌ يأتي قبا راكبًا وماشيًا» (١) زاد ابن نمير. وحدثنا عبيد الله، عن نافع فَيُصلي فيه ركعتين ونقل ابنُ النجار (٢) ﵀ قال: رَوى أبو عَزَيَّه: قال: «كان عمر بن الخطاب ﵁ يأتي قباء يوم الاثنين، ويوم الخميس، فجاء يومًا فلم يجد فيه أحدًا من أهله، فقال: والذي نفسي بيده لقد رأيتُ رسولَ الله ﵌ وأبا بكر في أصحابه ينقل حجارته على بطوننا، ويؤسسه رسول الله ﵌، وجبريل ﵌ يَؤُم به البيت، ويحلف عمر بالله، لو كان مسجدنا هذا بطرف من الأطراف لضربنا إليه أكباد الإبل» (٣). وروى البخاري في الصحيح (٤) قال: كان سالم مولى أبي حذيفة ﵁ ما يؤُم المهاجري الأولين من أصحاب رسول الله ﵌، ورضي عنهم أجمعين في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر. وروى أبو أمامة بن سهل بن حُنيف، عن أبيه، عن النبي ﵌ أنه قال: «من توضأ فأسبغ الوضوء، وجاء مسجد قباء، وصلى فيه ركعتين، كان له أجر عمرة» (٥) وروت عائشة بنت سعد بن أبي وقاص ﵁، عن أبيها قال: «والله لأن أُصلي في مسجد قباء ركعتين أحب إليَّ من أن آتي بيتَ المقدس مرتين، ولو يعلمون ما فيه لضربوا إليه أكباد الإبل» (٦).

стр. 107

وروى نافع عن ابن عمر أن النبي ﵌ صلى إلى الأسطوان الثالث في مسجد قُباء التي في الرَّحبةَ. قلت: والوارد في فضل مسجد قباء أكثر مما ذُكر، ولم يزلْ مسجد قباء على ما بناه رسول الله ﵌ إلى أن بناه عمر بن عبد العزيز ﵀ عند بناء مسجد المدينة على هذه الحالة التي هو عليها اليوم، فَتَشعثَ على طول الزمان وتهدم، فجدده الوزير جمال الدين محمد بن علي بن أبي منصور الأصفهاني وزير بني زنكي المدفون في رباطه المعروف، بإنشائه قبالة باب عثمان المعروف بباب جبريل، والرباط المذكور من بعض دار عثمان ﵁ وذلك في سنة خمس وخمسين وخمس مئة. وقباء على ثلاثة أميال من المدينة، وقال الباجي (١): هو على ميلين، وقال القاضي عياض (٢): بنو عمرو بن عوف، على ثُلثيْ فرسخ (٣) والصحيح الأول، وهو مروي عن مالك ﵀. وأما مسجد الضرار (٤) فلا له أثرٌ ولا نعرف له مكانًا (٥) فيما حول مسجد قباء، ولا في غير ذلك، من جهة المدينة. وما ذكره الشيخ محب الدين بن

стр. 108

النجار (١) أنه موجود قريب من مسجد قباء، وهو كبير وحيطانه عالية، وكان بناؤه مليحًا فهذا وهم (٢). ولا أصل له، والله أعلم. وبين مسجد قبا وبين المدينة ثلاثة أميال، هكذا ذكره القاضي عياض، ومحيي الدين النووي رحمهما الله تعالى وغيرهما (٣). ومسجد الجمعة أخبرنا الشيخ الفقيه العالم الصالح شهاب الدين أبو العباس أحمد بن الإمام أبي محمد إسحاق بن المؤيد الأبرقوهي الهمذاني، قال: أنا أبو البركات عبد القوي بن عبد الله بن الحباب التميمي السعدي سنة عشرين وست مئة، أنا أبو محمد عبد الله بن رفاعة بن غدير السعدي، أنا أبو الحسن الخَلعي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن النحاس، أنا أبو عبد الله بن جعفر بن محمد بن الورد، ثنا أبو سعيد عبد الرحيم بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، ثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، ثنا زياد بن عبد الله البكاري، عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: أقام رسول الله ﵌ بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس. وأسس مسجده ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنّه مكث فيهم أكثر من ذلك والله أعلم. قلت: وفي صحيح مسلم أنه أقام فيهم أربع عشرة ليلة (٤). قال ابنُ إسحاق (٥) فأدركَتْ رسول الله الجمعةُ في بني سالم بن عوف فصلاها في

стр. 109

بطن الوادي، وادي رانوناء (١) فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، قلت: وهذا المسجد عن يمين السالك إلى مسجد قباء (٢) شماليه أطم خراب يُقال له المُزدلف، أطم عتبان بن مالك (٣)، وهو في بطن الوادي كما تقدم، وهو مسجد صغير جدًّا مبني مُحوَّط بحجارةٍ قَدر نصف القَامة، وهو الذي كان السيل يحول بينه وبين عتبان بن مالك إذا سال، لأن منازل بني سالم بن عوف كانت غربي هذا الوادي على طرف الحرة، وآثارهم باقية هناك. فسأل عتبان رسول الله ﵌ أن يصلي له في بيته في مكان يتخذه مصلى، ففعل ﵌. ومسجد الفَضِيخ ويُعرف الآن بمسجد الشمس، وهو شرقي مسجد قباء على شَفير الوادي، على نشز من الأرض، مرضوم بحجارة سود، وهو صغير جدًّا. ذُكر عن محمد بن الحسن عن عبد الله بن الحارث بن الفُضيل، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁ ما، أن النبي ﵌ لما حاصر بني النضير ضرب قبته في موضع مسجد الفضيخ، وأقام بها ستًا، وقال: جاء تحريم الخمر وأبو أيوب في نفر من أصحاب رسول الله ﵌ في موضعه، معهم رَاويةُ خمرٍ من فضيخ،

стр. 110

فأمر أبو أيوب ﵁ بِعَزْلاء المزادة (١) ففُتحت فسال الفضيخُ فيه، فسُميَ مسجد الفضيخ (٢). ومسجد بني قريظة، وهو شرقي مسجد الشمس، بعيدًا عنه، بالقرب من الحرة الشرقية، على باب حديقة تُعرف الآن بحاجِزة، وقف للفقراء (٣) بين أبيات خراب، هي بعض دور بني قريظة، شمالي باب الحديقة، وحوله أُناس نزول من أهل العالية، وكان بناؤه مليحًا على شكل بناء مسجد قباء، وطوله نحو من خمسة وأربعين ذراعًا، وعرضه كذلك، وكان فيه أساطين وعقود ومنارة، في مثل موضع منارة قباء. قال الشيخ محب الدين بن النجار (٤): وكان فيه نحو من ست عشرة أسطوانة، فتهدم على طول الزمان، ووقعت منارته، وأثرها اليوم باقٍ يُعرف به، وأُخِذت أحجاره جميعها. قلت: وبقي أثره إلى العشر الأُول بعد السبع مئة، فجدد وبني عليه حظير (٥) مقدار نصف قامة./ وكان قد نُسي فمن ذلك التاريخ عُرف مكانه، وكان الذي بناه عمر بن عبد العزيز- ﵀ - عند بناء مسجد قباء بأمر الوليد بن عبد الملك، وهو واليه على المدينة. ونقل محمد بن الحسن عن المعلى بن عيسى من ولد

стр. 111

أبي الحكم عن محمد بن عقبة بن أبي مالك، قال: صلى رسول الله ﵌، في بيت امرأة من الخفر (١) في بني قريظة فَأدخَل الوليد بن عبد الملك ذلك (٢) البيت في المسجد حين بناه، وذكر محب الدين بن النجار (٣) قال: رُوِي عن علي بن رفاعة عن أشياخ من قومه أن النبي ﵌ صلى في بيت امرأة من بني قريظة، فأدخلَ ذلك البيت في مسجد بني قريظة (٤). ومِشربةُ أُم إبراهيمَ قال الشيخ محب الدين (٥) روى إبراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن ثابت، أن النبي ﵌ صلى في مشربة (٦) أم إبراهيم ﵇. قلت: وهذا الموضع شمالي مسجد بني قريظة، قريب من الحرة الشرقية، في موضع يُعرف بالدُّشت، بين نخل يُعرف بالأشراف القواسم من بني قاسم بن إدريس بن جعفر أخي الحسن العسكري، يقال لهم القواسم لأن آل شعيب بن جَمَّاز منهم.

стр. 112

وبالقرب من دار بني الحارث بن الخزرج التي كان أبو بكر ﵁ نازلًا فيها بزوجته حبيبة ابنة خارجة، وقيل مُلَيكة أخت زيد بن خارجة المتكلم (١) بعد الموت موضع يُعرف بِصُعيْب في بطن وادي بطحان (٢) في ركن الماجشونية (٣) الشرقي الشمالي في حفرة في بطن الوادي المذكور، يؤخذ من ترابها فَيُجعل في الماء ويُغسل به من الحمى. حدثنا السيد أبو الحسن قال: حدثنا الإمام أبو عبد الله، أخبرتنا عفيفة الفارقانية (٤) في كتابها عن علي المقري، عن أبي نعيم الحافظ، عن أبي محمد الخواص، أنا أبو يزيد المخزومي، ثنا الزبير بن بكار، ثنا محمد بن الحسن، عن محمد بن فضالة، عن إبراهيم بن الجهم، أن رسول الله ﵌ أتى بالحارث بن الخزرج فإذا هم رَوْبَى (٥) فقال: مالكم يا بني الحارث رَوبا؟ قالوا: نعم يا رسول الله، أصابتنا هذه الحمى، قال: فأين أنتم عن صُعيب (٦)؟ قالوا: يا رسول الله، ما نصنع به؟ قال:

стр. 113

«تأخذون من ترابه فتجعلونه في ماء، ثم يتفُل فيه أحدكم، ويقول: بسم الله، تراب أرضنا، بِريق بعضنا، شفاء لمريضنا بإذن ربنا» (١) قال الشيخ محب الدين (٢)، قال الشريف أبو القاسم طاهر بن يحي بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صُعيب وادي بطحان، دون الماجشونية وفيه حفرة مما يأخذ الناس منه، وهو اليوم إذا وَبِيَ إنسانُ أخذ منه، وقال ﵀ (٣): رأيت هذه الحفرة اليوم الناس يأخذون منها، وذكروا أنه قد جربوه فوجدوه صحيحًا، ثم قال ﵀ (٤): وأخذت منها أنا أيضًا. ومسجدُ بني ظَفَر من الأوس، وهو شرقي البقيع، مع طَرَف الحرة الشرقية، ويُعرف اليوم بمسجد البَغلة (٥). روى الزبير بن بكار قال:

стр. 114

حدثني محمد بن الحسن، عن إدريس بن محمد بن يونس بن محمد بن أنس بن فضالة الظفري، عن جده، أن رسول الله ﵌ جلس على الحجر الذي في مسجد بني ظفر، وأن زياد بن عبيد الله (١) أمر بقلعه حتى جاءت مشيخة بني ظفر، فأعلموه أن رسول الله ﵌ جلس عليه فرده، قال: فَقَلَّ امرأةٌ يَزِر (٢) ولدها تجلس عليه إلّا حَملَت (٣). وعنده آثار في الحرة، يُقال أنها آثار حافر بغلة النبي ﵌ من جهة القبلة، ومن غربيه أثر على حجر كانه أثر مِرفَق، وعلى حجر آخر أثر أصابع، والناس يتبركون بها والله تعالى أعلم. ومسجد بني معاوية بن مالك بن النجار من الخزرج، رَوينا بسندنا المتقدم إلى الموطأ قال مالك: ثنا عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتبك، عن عتيك بن الحارث أنه قال: جاءنا عبد الله بن عمر ﵁ ما في بني معاوية، وهي قرية من قُرى الأنصار، فقال: هل تدرون أين صلّى رسول الله ﵌ من مسجدكم هذا؟ قلتُ: نعم، وأشرت له إلى ناحية منه، قال: فهل تدري ما الثلاث التي دعا بهن؟ قلت/: نعم، قال: فأخبرني بهن، قلتُ: دعا أنْ لا يَظهر عليهم عدو من غيرهم، فأعطيها، وأن لا يُهلكهم بالسنين فأعطيها، وأن لا يجعل بأسهم بينهم فمُنِعها، قال عبد الله بن عمر: صدقتَ فلم يَزَلِ الهرج إلى يوم القيامة (٤).

стр. 115

قلت: ويعرف هذا المسجد اليوم بمسجد الإجابة وهو شمالي البقيع، على يسار طريق السالك إلى العُريْض (١) وسط تلول، وهي آثار قرية بني معاوية، وهو اليوم خراب (٢). ومسجد الفتح، ثنا أبو الحسن علي بن أحمد، ثنا أبو عبد الله محمد بن محمود، أنا حنبل بن عبد الله الرصافي، أنا أبو القاسم بن الحصين، أنا أبو علي الهمذب، أنا أبو بكر القُطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، ثنا أبو عامر، ثنا كثير يعني ابن زيد، ثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵁، قال: حدثني جابر ﵁ أن النبي ﵌ دعا (٣) في مسجد الفتح يوم الإثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعُرِف البِشر في وجهه ﵌ (٤). وحدثنا السيد تاج الدين، ثنا الإمام محب الدين، أنا أبو نعيم بن علي، أنا هبة الله بن أحمد، أنا أبو المنصور ابن شكرويه، أنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا أبو عبد الله المحاملي،

стр. 116

ثنا علي بن سالم، ثنا إسماعيل بن أبي فديك عن معاذ بن سعيد السلمي، عن أبيه، عن جابر ﵁، أن رسول الله ﵌ مر بمسجد الفتح الذي على الجبل وقد حضرت صلاة العصر، فرقى فصلى فيه صلاة العصر (١). وروى هارون بن كثير عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﵌ دعا يوم الخندق على الأحزاب في موضع الأسطوانة الوسطى من مسجد الفتح، الذي على الجبل (٢). قلت: هذا المسجد على قِطعة من جبل سَلْع من جهة الغرب، وغربيه وادي بطحان، وفيه عيون تجري بعضها، وبعضها ليس فيها ماء، ويُعرف الموضع بالسَّيح (٣) بسين مُهملة وياء مثناة من تحت، يُصعد إليه من درجتين شمالية وشرقية، وكان في ثلاث أسطوانات قبل هذا البناء الذي هو عليه اليوم، من بناء عمر بن عبد العزيز، فلذلك قال في الحديث المتقدم موضع الأسطوانة الوسطى، فتهدم على طول الزمان، حتى جدد بناءه الأمير سيف الدين الحسين بن أبي الهيجا أحد وزراء العبيديين بمصر في سنة خمس وسبعين وخمس مئة. وكذلك جَدد بناء المسجدين اللذين تحته من جهة القبلة، يعرف الأول الذي يلي القبلة مسجد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، والثاني يلي الشمال ويعرف بمسجد سلمان الفارسي ﵁، جددهما في سنة سبع وسبعين وخمس مئة (٤).

стр. 117

قال الشيخ محب الدين بن النجار (١) أنه كان معهما مسجد ثالث قبلته خراب، وقد أخذت أحجاره وتهدم. فهذا لم يبقَ له أثر، وقال الشيخ محب الدين ﵀ (٢): ورَوَى عن مُعاذ بن سعد، أن رسول الله ﵌، صلى في مسجد الفتح في الجبل، وفي المساجد التي حوله ومسجد القبلتين. ذكر مسجد القبلتين: وقال ﵀ (٣): روى عثمان بن محمد بن الأخنس قال: زار رسول الله ﵌ امرأة من مَسلمة، يُقال لها أم بشر في بني سلمة، فصنعت له طعامًا فحانت الظهر، فصلى رسول الله ﵌ وأصحابه في مسجد القبلتين الظهر، فلما صلى ركعتين أُمِر أن يتوجه إلى الكعبة، فاستدار رسول الله ﵌ إلى الكعبة (٤)، فَسُمي بذلك مسجد القبلتين. وكانت الظهر يومئذ أربع ركعات منها اثنتان إلى بيت المقدس، واثنتان إلى الكعبة. قال سعيد بن المسيب: صُرفَت القبلة قبل بدر بشهرين، والثابت عندنا أنها صرفت في الظهر في مسجد القبلتين. قلت: وهذا المسجد بعيدٌ عن مسجد الفتح من جهة الغرب، على رابية على شُفير وادي العقيق، وحوله خَراب عَتيق على الحرة، ويُعرف موضعه بالقاع وحوله آبار ومزارع، تعرف بالعَوص (٥) في قبلة مزارع الجرف (٦) المعروف، والمسجد المذكور في قرية بني سلمة ويقال لها خرباء (٧).

стр. 118

قلت: وفي هذا المسجد وهو مسجد بني حرام من بني سلمة رأى رسول الله ﵌ نُخامة فحكها بعرجون (١) كان في يده، ثم دعا بِخلَوق (٢) فجعله على رأس العرجون، ثم جعله على موضع النُخامة فكان أول مسجد خُلِّق (٣).

стр. 119

ذكر مصلى رسول الله ﵌ مصلى العيد بالمدينة الشريفة رَوى الزبير بن بكار، عن محمد بن الحسن بن زَبالة، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك، عن هشام بن سعد، عن إبراهيم بن أبي أمية، وعن شيخ من أهل السن أن أول عيد صلَّاه رسول الله ﵌ صلى (١) في حارة الدوس (٢)، عند بيت ابن أبي الجنوب، ثم صلى العيد الثاني بفناء دار حكيم بن العدَّاء عند دار جَفْرة (٣) داخلًا في البيت الذي بفنائه المسجد. ثم صلّى العيد الثالث عند دار عبد الله بن دُرة المازني، داخلا بين الدارين، دار معاوية ودار كثير بن الصِّلْت. ثم صلى العيد الرابع عند أحجار كانت عند الحناطين (٤) بالمصلى، ثم صلى داخلا في منزل محمد بن عبد الله بن كثير بن الصلت، ثم صلى حيث يُصلي الناس اليوم. ورَوى عن أبي هريرة ﵁ أن أول فطر أو أضحى جَمعَ فيه رسول الله ﵌ بفناء دار حكيم ابن العدَّاء عند أصحاب المحامل (٥). أيضًا عن محمد بن

стр. 120

عمار بن ياسر أن رسول الله ﵌ كان يسلك إلى المصلى من الطريق العظمى على أصحاب الفساطيط (١). ويرجع من الطريق الأخرى، على دار عمار بين ياسر ﵁. ورَوَى أيضًا عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، عن أبيها ﵁، أن رسول الله ﵌ قال: «ما بين مسجدي إلى المصلى روضة من رياض الجنة» (٢). وروى عن عَمْرةَ عن عائشة ﵁ ا أن النبي ﵌ كان يذبح أضحيته بيده إذا انصرف من المُصلى على ناحية الطريق التي كان يَنصرف منها، وتلك الطريق والمكان الذي يذبح فيه مقابل المغرب، مما يلي طريق بني زُريق. قلت: أما الطريق العظمى، فهي طريق الناس اليوم، من باب المدينة إلى مسجد المُصلى، وهو الذي ذكره، وقال: ثم صلَّى حيث يُصلي الناس اليوم ولا يُعرف (٣) من المساجد التي ذَكَر لصلاة العيد إلّا هذا الذي يُصلي فيه العيد اليوم. وهو المشهور (٤)، ومسجد شماليه وسط الحديقة المعروفة بالعُريض (٥) المتصلة بقبة عين الأزرق. وهي تُسقى من العين المذكورة، ويُعرف اليوم بمسجد أبي بكر الصديق ﵁، ولعله صلى فيه في خلافته (٦). ومسجد كبير شمالي الحديقة

стр. 121

متصل بها، يسمى مسجد علي بن أبي طالب ﵁. ولم يرد أنه ﵁ صلى بالمدينة عيدًا في خلافته (١). فتكون هذه المساجد الموجودة اليومَ من الأماكن التي صلى فيها رسول الله ﵌ صلاة العيد سنة بعد سنة، وعيدًا بعد عيد، إذ لا يَختص أبو بكر وعلي ﵁ ما بمسجدين لأنفسهما، ويتركان المسجد الذي صلى به رسول الله ﵌. والنَّقا (٢) المذكور في الأشعار، هو من غَربِي المُصلَّى إلى منزلة الحجاج، غَربي وادي بطحان. والوادي يفصل بين المصلى والنَّقا. ومن أجل مجاورة المكانين قال بعضهم مُوريا (٣) عن الشيب ومُصلى الجنائز: ألا يا سائرًا في قَفْرِ عُمْرٍ … تُكابِد في السُّرى وعرًا وسهلا بَلغتَ نَقا المشيب وجُزتَ عنه … وما بَعد النقا إلا المُصلَّى (٤) وحاجر (٥) المذكور أيضًا في الأشعار من غربي النقا، إلى منتهى الحرة من وادي العقيق. وليس في المدينة الشريفة مسجد يُعرف غير ما ذُكِر إلّا مسجد على ثنية الوداع عن يسار الداخل للمدينة من طريق الشام. ومسجدٌ آخر صغير جدًا على طريق السافلة وهي الطريق اليمنى الشرقية إلى مشهد حمزة عن يسار

стр. 122

السالك إلى حدائق السافلة وإلى مشهد حمزة ﵁ يقال إنه مسجد أبي (١) ذر الغفاري ﵁. ولم يرد فيهما نقلٌ يعتمد عليه والله أعلم (٢)./

стр. 123

ذكر الآبار التي تنسب إلى النبي ﵌ - منها بئر أريس بقباء غربي المسجد الشريف، في حديقة الأشراف الكبرى من بني الحسين بن علي ﵁ ما. أخبرني الشيخ الإمام الحافظ شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، بقراءتي وقراءة الفقيه نجم الدين بن محمد بن محمد بن يحيى الواسطي عُرِف بابن المَقْرِي عليه في شهور سنة سبعة وتسعين وست مئة، بالمدرسة الظاهرية (١) من القاهرة المعزية (٢)، قال: ثنا الشيخان أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الله التميمي، وأبو البقا صالح بن شجاع بن سيدهم المَدْلجي، بسماعهما عن أبي المفاخر سعيد بن الحسين بن محمد الهاشمي المأموني بسماعه، عن الإمام أبي عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي، عن الشيخ الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري، عن الإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج ﵀ (٣)، قال: حدثنا محمد بن مسكين اليمامي، ثنا يحيى بن حسان، ثنا سليمان وهو ابن بلال عن شُريك بن أبي نمر، عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني أبو موسى الأشعري ﵁، أنه توضأ في بيته ثم خرج فقال: لألْزَمنَّ

стр. 124

رسول الله ﵌، ولأكُونَن معه يومي هذا. فجاء إلى المسجد فسأل [عن] النبي ﵌ فقالوا: خرج وجهة (١) ههنا. قال: فخرجتُ على أثره أسأل عنه ﵌ حتى دخل بئر أريس قال: فجلستُ عند الباب، وبابها من جريد حتى قضى رسول الله ﵌ حاجته وتوضأ. فقمتُ إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسط قُفها (٢) وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر. قال: فسلمتُ عليه ثم انصرفتُ فجلستُ عند الباب، فقلت: لأكونَنَّ بوَّاب رسولِ الله ﵌ اليومَ. فجاء أبو بكر الصديق ﵁ م فدفع الباب، فقلت: مَنْ هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلتُ: على رَسْلِك، قال: ثم ذهبت فقلتُ: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن، فقال: ائذن (٣) له، وبشره بالجنة، قال: فأقبلتُ حتى قلت لأبي بكر ﵁: ادخل، ورسول الله ﵌ يبشرك بالجنة. قال: فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﵌ معه في القُف، ودَلَّى رجليه في البئر كما صنع النبي ﵌ وكشف عن ساقيه. ثم رجعتُ فجلستُ وقد تركتُ أخي يتوضأ ويلحقني فقلتُ: إنْ يردِ اللهُ بفلان خيرًا يأتِ به، فإذا إنسان يُحرك البابَ فقلتُ: مَنْ هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب، فقلتُ: على رسلك، ثم جئت النبي ﵌ فسلمتُ عليه، وقلتُ: هذا عمر يستأذن، فقال: ائذن له وبشره بالجنة، فجئت عمر ﵁ وقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﵌ بالجنة، قال: فدخل وجلس مع رسول الله ﵌ في القف عن يساره، ودلى رجليه في البئر، ثم رجعتُ فجلستُ فقلت: إنْ يردِ اللهُ بفلان خيرًا- يعني أخاه- يأت به فجاء إنسانٌ فحرَّك الباب، فقلتُ: مَنْ

стр. 125

هذا؟ فقال: عثمان بن عفان، فقلتُ: على رَسْلك، وجئتُ النبي ﵌ فأخبرته فقال: ائذنْ له وبشره بالجنة، مع بلوى تُصيبه، فجئتُ فقلت: ادخل ويبشرك رسول الله ﵌ بالجنة مع بلوى تصيبك. قال: فدخل فوجد القُف قد مُلِئ فجلس وِجاههم من الشِّق الآخرة. قال شُريكٌ: قال سعيد بن المسيب: فأوَّلتُها قبورهم. وروى البخاري في الصحيح (١) من حديث أنس قال: كان خاتمُ رسولِ الله في يده، وفي يد أبي بكر بعده، وفي يد عمر بعد أبي بكر. قال: فلما كان عثمان جلس على بئر أريس فأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط، قال: فاختلفنا ثلاثة أيام مع عثمان، فنزح البئر فلم يجده. قلت: وكان ذلك لتمام ست سنين من خلافته فمن ذلك اليوم حصل في خلافته من اختلاف الأمر لفوات بركته في خاتمه ﵌ والله أعلم (٢). قال ابن النجار (٣): ذرعتُ طولَها فكان أربع عشرة ذراعًا وشبرًا، منها ذراعان ونصف ماء. وعرضها خمسة أذرع، وطول قُفِّها الذي جلس فيه رسول الله ﵌ وصاحباه ثلاثة أذرع تشف كفا (٤). قلت: وهي تحت أطم كان عاليًا من أعلى آطام المدينة (٥) /، وهو من جهة القبلة وقد بُني في أعلاه مسكنٌ يسكنه مَنْ يقوم بالحديقة، ويخدم مسجدَ قُباء، وحولها دور الأنصار وآثارهم ﵁ م. وقد جدد لها الشيخ صفي الدين أبو بكر بن

стр. 126

أحمد السلامي ﵁ درجًا يَنْزلُ إليها منه مَنْ يريد الشربَ والوضوء من الزوار وغيرهم. وعلى الدرج قَبْو، وذلك في سنة أربع عشرة وسبع مئة (١). ثم بئر غُرْس حدثنا أبو الحسن بن أحمد، نا أبو عبد الله بن محمود، نا أبو زكريا بن أسعد بخطه، أنا أبو علي الحداد، عن أبي نعيم الأصفهاني، قال: كتب إليَّ أبو محمد الخواص، أن محمد بن عبد الرحمن، أخبره أن الزبير بن بكار، نا محمد بن الحسن عبد العزيز بن محمد، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش. قال: جاءنا أنس بن مالك ﵁ بقباء فقال: أين بئركم هذه؟ يعني بئر غرس، فدللناه عليها، قال: رأيت النبي ﵌ جاءها وإنها لتُسنى (٢) على حمار بِسحر (٣). فدعا النبي ﵌ بدلو من مائها، فتوضأ منه، ثم سكبه فيها، فما نزفت (٤) بعد (٥). وحدثنا الشريف تاج الدين، نا الشيخ محب الدين بسنده، إلى محمد بن الحسن، نا القاسم بن محمد عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، قال: قال رسول الله ﵌: رأيتُ أني أصبحت على بئر من الجنة، فأصبح على بئر غُرْس فتوضأ منها وبزق فيها، وغُسل منها حين تُوفي ﵌. قال الشيخ محب الدين (٦)، بينها وبين مسجد قبا نحو نصف ميل.

стр. 127

قلت: وهذه البئر شرقي مسجد قباء إلى جهة الشمال، هي بين النخيل، ويُعرف مكانها اليوم (١) وما حولها بالمَغْرس (٢) وهي اليوم ملك لبعض أهل المدينة. وكانت قد خَربت فَجُددت بعد السبع مئة، وهي كثيرة الماء، وعرضها عشرة أذرع وطولها يزيد على ذلك، وأكثر مائها يغلب الخضرة، وهو طيب عذب (٣). ثم بئر البُصَّة حدثنا الشريف العدل علي بن العباس، نا الشيخ أبو عبد الله بن الفضل، أنا ذاكرُ الحذاء، عن الحسن بن أحمد الأصفهاني، عن أحمد بن عبد الله الحافظ، عن جعفر بن محمد، أنا محمد بن عبد الرحمن، نا الزبير بن بكار، نا محمد بن الحسن، عن محمد بن موسى عن سعيد بن أبي زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ﵁. قال: كان رسول الله ﵌ يأتي الشهداء وأبناءَهم، ويتعاهد عيالاتِهم، قال: فجاء يومًا أبا سعيد الخدري، فقال: هل عندك من سدرٍ أغسل به رأسي فإن اليومَ الجمعة، قال: نعم فأخرجَ له سدرًا، وخرج معه إلى البُصَّة، فغسل رسول الله ﵌ رأسه، وصب غُسالة رأسه، ومُراقة شعره في البُصة (٤). قلت: وهذه البئر قريبة من البقيع، على يسار السالك إلى قباء، وهي في حديقة كبيرة مُحوَّطٌ عليها بحائط، وعندها في الحديقة أيضًا بئر أصغر منها، والناس مختلفون فيهما، أيتهما بئر البُصة، إلّا إن ابن النجار (٥) ﵀

стр. 128

قطع بأنها الكبرى القِبلية، وذكر أن عرضها تسعة أذرع وأن طولها أحد عشر ذراعًا، والصغرى عرضُها ستة أذرع، وهي التي تلي الأطم من شرقيِّه وهو أطم مالك بن سنان أَبِ (١) أبي سعيد الخدري ﵁ ما. وسمعتُ بعض من أدركتُ من أكابر خدام الحرم الشريف وغيرهم، من أهل المدينة، يقولون إنها الكبرى القبلية، وإن الفقيه الصالح القدوة، أبا العباس أحمد بن موسى بن عجيل ﵀، وغيره من صلحاء اليمن إذا جاؤوها للتبرك (٢) بها، لا يقصدون إلّا البئر الكبرى القبلية، والحديقةُ التي فيها اليومَ وقفٌ على الفقراء والمساكين والواردين والصادرين لزيارة سيدنا (٣) رسول الله ﵌ وقفها الشيخ عزيز الدولة ريحان البدري الشهابي، شيخ خُدام الحرم الشريف، كان قبل وفاته بعامين أو ثلاثة، وتوفي سنة سبع وتسعين وست مئة (٤). ثم بئر حاء حدثنا الشيخ الإمام العالم الحافظ أمين الدين أبو اليمن، عبد الصمد بن أبي الحسن عبد الوهاب بن عساكر، نا الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين بن المبارك الزبيدي، نا شيخ الإسلام أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب، نا عبد الرحمن بن المظفر الداودي، أنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن حمويه، أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفَرْبرَي، أنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (٥) نا أبو محمد عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس ﵁، قال: كان أبو طلحة أكثر

стр. 129

أنصارِيْ المدينة مالًا من نخلٍ، وكان أحب أمواله بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﵌ يدخلها، ويشرب من ماءٍ فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون، قام أبو طلحة إلى رسول الله ﵌، فقال: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (١) وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو بِرَّها وذُخرَها عند الله، فضعْها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال رسول الله ﵌: بخٍ بخٍ، ذلك مالٌ رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، قال أبو طلحةَ: أَفعَلُ يا رسول الله فقسمها أبو طلحةُ في أقاربه وبني عمه (٢). قلت: هذه البئر وسط حديقةٍ صغيرة فيها نخل جيد وهي شمالي سور المدينة الشريفة بينها وبين السور الطريق وتعرف الآن بالنويرية (٣) اشتراها بعض نساء النويريين (٤) ووقَفها على الفقراء، والمساكين، والواردين، والصادرين لزيارة سيد المرسلين ﵌، وهي كما ورد فيها مستقبلة المسجد، قال الشيخ محب الدين بن النجار ﵀ (٥): ذرعتها، فكان طولها عشرين ذراعًا، منها أحد عشر ذراعًا ماء، والباقي بناء، وعرضها ثلاثة أذرع وشيئًا يسيرًا (٦).

стр. 130

ثم بئر بُضاعة حدثنا أبو الحسن بن أبي العباس العراقي، نا أبو عبد الله ابن أبي الفضل البغدادي، أنا أبو القاسم الصموت، عن الحسن بن أحمد، عن أحمد بن عبد الله بن جعفر بن محمد، أنا أبو يزيد المخزومي، نا الزبير بن بكَّار، نا محمد بن الحسن، عن حاتم بن إسماعيل، عن محمد بن أبي يحيى، عن أمه قالت: دخلت على سهل بن سعد في نسوة فقال: لو أنني سقيتُكُنَّ من بئر بضاعة لكرِهتنَّ ذلك. وقد والله سقيتُ رسولَ الله ﵌ بيدي منها. وروى أبو داود في السنن (١)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﵌، وهو يُقال له، إنه يُستقي لك من بئر بُضاعة وهي بئر تُلقى فيها لحوم الكلاب، والمحايض، وعُذَرُ النساء، فقال رسول الله ﵌: «إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء» (٢). وبإسناد أبي عبد الله بن النجار إلى محمد بن الحسن، عن إبراهيم بن محمد ابن أبي يحيى، عن مالك بن حمزة بن أبي أُسيد، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﵌ دعا لبئر بضاعة. وبإسناده إلى محمد بن الحسن، نا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﵌ بَصق في بئر بُضاعة، وروى أبو داوود السجستاني في السنن (٣) قال: سمعتُ قتيبة بن سعيد يقول: سألتُ قَيِّم بئر بُضاعة عن عمقها، فقال: أكثر ما يكون فيها الماء إلى

стр. 131

العانة، قلتُ: فإذا نقص؟ قال: دون العورة، قال أبو داود: قدرتُ بئر بُضاعة بردائي مددتُه عليها، ثم ذرعتُها فإذا عرضه ستة أذرع. وسألت الذي فتح باب البستان فأدخلني إليه: هل غُيِّر بناؤُها عما كانت عليه؟ قال: لا (١). قلت: هذه البئر اليومَ في جانب حديقة شمالي سور المدينة، وغربي بئر حا إلى جهة الشمال. يَستقِي منها أهلُ الحديقة والحديقة في قبلة البئر، ويستقي منها أهل حديقة أخرى شمالي البئر، والبئر وسط بينهما، وهي بئر مليحة طيبة الماء، قال الشيخ محب الدين (٢): ذرعتها فكان طولها أحد عشر ذراعًا وشبرًا منها ذراعان راجحان ماء والباقي بناء، وعرضها ستة أذرع كما ذكر أبو داوود ﵀ (٣). ثم بئر رومة، حدثنا الشيخ الإمام أمين الدين أبو اليمن عبد الصمد، نا الشيخ الإمام أبو عبد الله الحسين، نا الشيخ الإمام أبو الوقت عبد الأول، نا الشيخ أبو الحسن عبد الرحمن، نا الإمام أبو محمد عبد الله، نا الشيخ الإمام، أبو عبد الله محمد، نا الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، قال: وقال عبدان: أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن السلمي أن عثمان ﵁ حيث حُوصر أشرف على الناس، وقال: أنشدكم الله ولا أنشُدُ إلّا أصحابَ النبي ﵌ ألستُم تعلمون أن رسول الله ﵌ قال: «مَنْ يحفر بئر رُومة فله الجنة» (٤)؟ فحفرتُها. ألستم تعلمون أنه قال: «من جَهَّز

стр. 132

جيشَ العُسرة (١) فله الجنة» (٢)؟ فجهزتُهم قال: فصدقوه بما قال. وحدثنا العدل الشريف أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد المحسن، نا الشيخ الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن محاسن، قال: كتبَتْ إليَّ عفيفةُ الأصفهانية أن أبا علي الحداد أخبرها بخطه عن أبي نعيم قال: كتب إلي جعفر الخلدي أن أبا يزيد المخزومي، أخبره عن الزبير بن بكار، عن محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة، عن إسحاق بن يحيى عن موسى بن طلحة، أن رسول الله ﵌ قال: «نعم الحفيرة حفيرة المزني» (٣) يعني رومة، فلما سمع بذلك عثمان بن عفان ﵁ ابتاع نصفها بمئة بكرة، وتصدق بها، فجعل الناسَ يَستقون منها، فلما رأى صاحبُها أن قد امتنع منه، ما كان يُصيب عليها، باع من عثمان النصفَ الباقي بشيء يسير، فتصدق بها كلها. وذكر أبو عمر بن عبد البر (٤) أن بئر رومة كانت رَكية ليهودي يبيع منَ المسلمين ماءها فقال رسول الله ﵌: «مَنْ يشتري رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم، وله بها مشرب في الجنة» (٥) فأتى عثمان اليهودي فساومه بها، فأبى أن يبيعها كلَّها، فاشترى عثمان نصفَها باثني عشر ألف درهم، فجعله للمسلمين فقال له عثمان ﵁: إن شئت جعلت لنصيبي قرنين (٦)، وإن شئت فلي يومٌ ولك يوم، فقال: بل لك يوم ولي يوم، فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى ذلك اليهودي قال: أفسدتَ علي ركيتي، فاشترِ النصف الآخر فاشتراه بثمانية آلاف درهم.

стр. 133

قلت: هذه البئر وسَط العقيق من أسفله، في براح (١) واسعٍ من الأرض، وعندها بناءٌ عالٍ بالحجارة والجص منهدم، يقال إنه كان ديرًا لليهود (٢) شمالي مسجد القبلتين، بعيدًا منه وحولها آبار كثيرة، ومزارع، وهي قبلي الجُرف المعروف بالمدينة وقد خُربت ونُقِضت حجارتها، وأُخذت، وانطَمَتْ ولم يبقَ اليومَ منها إلّا أثرها (٣). قال الشيخ محب الدين بن النجار (٤) ﵀: وقفتُ على بئر رومة وقد انتقضت خَرزتها (٥) وأعلامها، إلّا أنها بئر مليحة جدًا مبنية بالحجارة الموجّهة، وذرعتها فكان طولها ثمانية عشر ذراعًا منها ذراعان ماء، وباقيها مطموم بالرمل الذي تسفيه الريح. وعرضها ثمانية أذرع، وماؤها طيبٌ حلو. ثم قال: واعلم أن هذه الآبار المذكورة قد يزيد ماؤها في بعض الزمان عما ذكرنا، وقد ينتقص، وربما بقي منها ما كان مطمومًا.

стр. 134

ذكر عين النبي ﵌ - حدثنا السيد تاج الدين عن الشيخ محب الدين (١)، أنا يحيى بن أسعد، عن الحسن بن أحمد، عن أبي نعيم، عن جعفر بن محمد، نا محمد بن عبد الرحمن، نا الزبير، نا محمد بن الحسن، عن موسى بن إبراهيم بن بشير، عن طلحة بن خراش، قال: كانوا أيام الخندق يخرجون مع رسول الله ﵌، ويخافون البَيات (٢) فيدخلون به كهفَ بني حرام، فيبيت فيه، حتى إذا أصبح هبط، قال: ونقر رسول الله ﵌ العيينة التي عند الكهف، فلم تزلْ تجري حتى اليوم، ثم قال: وهذه العين في ظاهر المدينة، وعليها بناء، وهي مقابلة المُصلى. قلت: وأما الكهف الذي ذكره (٣) ﵀ فهو معروف في غربي جبل سَلع عن يمين السالك إلى مساجد الفتح، من الطريق القبلية. وعلى يسار السالك إلى المدينة إذا زار المساجد، ثم سلك إلى المدينة مستقبلَ القبلة، يُقابل حديقة نخلٍ تُعرف بالنعيمية (٤) في بطن وادي بطحان غربي الجبل، جبل سَلع، وفي الوادي عينٌ تأتي من عوالي المدينة تَسقِي ما حول المساجد من المزارع والنخيل، تعرف بعين الخيف، خيف شامي، وتعرف تلك الناحية بالسيح (٥)، وقد تقدم ذكرها، فأما العين التي ذكرها الشيخ محب الدين،

стр. 135

المقابلة للمُصلى، فهي عين الأزرق وهو مروان بن الحكم التي أجراها، بأمر معاوية ﵁، وهو واليه على المدينة. وأصلها من قباء معروف، من بئر كبير غربي مسجد قباء، في حديقة نخل، وهي تجري إلى المصلى، وعليها في المصلى قُبةٌ كبيرة مقسومة نصفين، يخرج الماء منها في وجهين مدرجين، وجه قِبلي ووجه شمالي، وتخرج العين من القُبة من جهة المشرق، ثم تأخذ إلى جهة الشمال وأخذ الأمير سيف الدين الحسين بن أبي الهيجاء في حدود الستين وخمس مئة منها شعبةً من عند مخرجها من القبة، فساقها إلى باب المدينة باب المصلى، ثم أوصلها إلى باب الرحمن (١) التي عند مسجد النبي ﵌ من جهة باب السلام، المعروف (٢) قديمًا بباب مروان وبني لها منهلًا بدرج من تحت الدور، يَستقي منه أهلُ المدينة، وينتفعون بها. وجعل لها مصرفًا من تحت الأرض يشق وسط المدينة على البلاط، ثم يخرج إلى ظاهر المدينة من جهة المشال، شرقي الحصن الذي يسكنه أمير المدينة، وكان قد جعل منها شعبة صغيرة تدخل إلى صحن المسجد، وجعل لها درجًا على عقدٍ يخرج الماء إليه من فوارة، يتوضأ منها مَنْ يحتاج إلى الوضوء، فحصل في ذلك انتهاك حرمة المسجد من كشف العورات والاستنجاء في المسجد، فَسُدت لذلك. وإذا خرجت العين من القبة التي بالمصلى سارت إلى جهة الشمال، حتى تصل إلى سور المدينة، فتدخل من تحته، فتصل إلى منهل آخر بوجهين مدَرَّجين، عند قبر النفس الزكية (٣)، ثم تخرجُ من هنالك، وقد تقدم ذكر

стр. 136

ذلك، وتجتمعُ هي وما يتحصل من مصلها (١)، في قناة واحدة إلى البركة التي ينزلها الحجاج وقد تقدم ذكرها قبل هذا، والله أعلم. فأما عين النبي ﵌ التي ذكرها ابن النجار فليست تُعرف اليوم، وإن كانت كما قال عند الكهف المذكور، فقد دثُرت وعفا أثرها، والله أعلم. والآبار المذكورة ست والسابعة لا تعرف اليوم إلّا بما يُسمع من قول العامة أنها بئر جَمل، ولم يُعلم أين هي، ولا مَنْ ذكرَها، غير ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁: أقبلَ رسول الله ﵌ من نحو بئر جمل (٢). وروى ابنُ زَبالة أيضًا فيها، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله وأسامة بن زيد قالا: ذهب رسول الله ﵌ إلى بئر جمل، وذهبنا معه فدخل رسول الله ﵌، ودخل معه بلال فقلنا: لا نتوضأ حتى نسأل بلالًا، كيف توضأ رسول الله ﵌، فقال: توضأ رسول الله ﵌ ومسح الخفين والخمار (٣). ولم تذكر بئر جمل في السبع المشهورات والله أعلم. إلّا أني رأيت حاشية بخط الشيخ أمين الدين أبو اليمن (٤) ابن عساكر ﵀ على نسخة من الدرة الثمينة في أخبار المدينة، للشيخ محب الدين بن النجار، ما مثاله العدد، ينقص عن المشهور بئرًا واحدة. لأن المثبت ست والمأثور

стр. 137

المشهور سبع، والسابعة اسمها بئر العِهن بالعالية يزرع عليها اليوم، وعندها سدرة ولها اسم آخر مشهورة به. قلت: بئر العِهن هذه معروفة بالعوالي انتقلت بالشراء إلى الشهيد المرحوم علي بن المطرف العُمري ﵀ (١)، وهي بئر مليحة جدًا منقورة في الجبل، وعندها سدرة كما ذكر. ولا تكاد تنزف أبدًا (٢). وذكر ابن زبالة محمد بن الحسن في تاريخه عدة آبار المدينة، وسماها في دور الأنصار ونقل أن النبي ﵌ أتاها، وتوضأ من بعضها، وشرب منها، لا يعرف اليوم منها شيء، ومن جملة ما ذَكرَ بئر بالحرة الغربية في آخر منزلة النَّقا على يسار السالك إلى بئر علي المحَرَم (٣)، وعلى جانبها الشمالي بناءٌ مستطيل مُجصص، يُقال لها السقيا كانت لسعد بن أبي وقاص ﵁. ونُقِلَ أن النبي ﵌ عرض جيش بدر بالسقيا، التي كانت لسعد، وصلى في مسجدها، ودعا هنالك لأهل المدينة، أن يُبارك لهم في مدهم، وصاعهم، وأن يأتيهم بالرزق من ههنا، وههنا، وههنا. وشرب ﵌ من بئرها ويقال لأرضها الفُلجان (٤)؛ وهي اليوم معطلة خراب. وهي بئر مليحة كبيرة منقورة في الجبل (٥).

стр. 138

ونقل الحافظ عبد الغني أنه عرض جيشه على بئر أبي عنبة بالحرة، فوق هذه البئر إلى المغرب، ويقال إنها على ميل إلى المدينة. ومنها بئر أخرى إذا وقفت على هذه المذكورة وأنت على جادة الطريق وهي على يسارك كانت هذه على يمينك، ولكنها بعيدة عن الطريق قليلًا، وهي في سند من الحرة قد حُوّط عليها ببناء مجصص. وكان على شَفيرِها حوضٌ من حجارة تكسَّر. لم يزل أهل المدينة قديمًا وحديثًا يتبركون بها، ويشربون من مائها، ويُنقل إلى الآفاق منها، كما ينقل ماء زمزم، ويسمونها زمزم أيضًا لبركتها، .. ولم أعلم أحدًا ذكرَ فيها أثرًا يعتمد عليه. والله أعلم أيتهما هي السقيا، الأولى لقربها من الطريق، أمْ هذه لتواتر التبرك بها (١)، أو لعلها البئر التي احتفرتها فاطمة بنت الحسين بن علي زوجة الحسن بن الحسن بن علي حين أُخرِجت من بيت جدتها فاطمة الكبرى في أيام الوليد بن عبد الملك، حين أَمر بإدخال حجرات أزواج رسول الله ﵌، وبيت فاطمة ﵁ ا في المسجد، فإنها بنت دارَها بالحرة، وأمرت بحفر بئر فيها، فطلع لهم جبل فذكروا ذلك لها، فتوضأت وصلت ركعتين، ودعت ورشت موضع البئر بفضل وضوئها، وأمرتهم فحفروا، فلم يتوقف عليهم من الجبل شيء حتى ظهر لهم الماء، والله أعلم (٢)، فالظاهر أنها هذه (٣) وأن السقيا هي الأولى لأنها على جادة الطريق، وهو الأقرب، والله أعلم.

стр. 139

ذكر أودية المدينة وأسمائها وجهاتها منها وادي العقيق، وأصل مسيله (١) من النقيع (٢) بالنون والقاف والياء المثناة من تحت، قِبلي المدينة المشرفة، وهو طريق المشيان (٣)، بينه وبين قباء مقدار يوم ونصف، ويُعرف اليومَ بوادي النقيع، ويصل إلى بئر علي العليا المعروفة بالخليقة بالقاف والخاء المعجمة، ثم يأتي على غربي جبل عَيْر، ويصل إلى بئر علي ذي الحليفة محرم الحاج، ثم يأتي مشرقًا إلى قريب الحرة التي يُطلع منها إلى المدينة، ثم يُعرِّج يسارًا. ومن بئر المحرم يسمى العقيق فينتهي إلى غربي بئر رومة. وادي رانونة (٤) يأتي من شمالي جبل عير المذكور، إلى غربي مسجد قباء موضعٍ يُعرف بالعُصبة (٥) وهي منازل بني جَحْجَبَا من الأوس، ينتهي

стр. 140

إلى مسجد الجمعة، منازل بني سالم بن عوف من الخزرج، ثم يصب في بطحان. ثم وادي جَفاف وهو أعلى موضع بالعوالي شرقي مسجد قباء. ثم وادي مذينب وهو شرقي جفاف يلتقي وهو جفاف فوق مسجد الشمس، المعروف قديمًا بمسجد الفضيخ، ثم يصبان في بطحان، يلتقيان هما ورانوناء ببطحان، فيمران بالمدينة غربي المصلى، ويصلان إلى مساجد الفتح سيلًا واحدًا، ويلتقي هو والعقيق عند بئر رومة. ثم وادي مهزور وهو أيضًا شرقي العوالي، شمالي مذينب، ويشق في الحرة الشرقية إلى العُريض (١)، ثم يصب في وادي الشظاة. ثم وادي الشظاة يأتي من شرقي المدينة من أماكن بعيدة عنها، إلى أن يصلَ إلى السد، الذي أحدثته النار نار الحرة، التي ظهرت في المدينة الشريفة في جمادى الآخرة من سنة أربع وخمسين وست مئة. ظهرت من وادٍ يقال له وادي أَحْيَلَين (٢) في الحرة الشرقية، وسارت من مخرجها إلى جهة الشمال،

стр. 141

مدة ثلاثة أشهر تدب دبيب النمل، تأكل كل ما مرت عليه من جبل وحجر ولا تأكل الشجر (١) فَتُثير كلما مرت عليه فيصير سدًا لا مسلك فيه، لإنسان ولا دابة، إلى منتهى الحرة من جهة الشمال، فقطعت في وسط وادي الشظاة المذكور إلى جهة جبل وعيرة، فسدت الوادي المذكور بسد عظيم بالحجر المسبوك بالنار، ولا كسد ذي القرنين، لا يصفه إلّا من يراه طولًا وعرضًا وارتفاعًا، وانقطع وادي الشظاة، بسببه وصار السيل إذا سال ينحبس خلف السد المذكور، وهو واد عظيم فتجتمع خلفه المياه حتى يصير بحرًا مد البصر عرضًا وطولًا، كأنه نيل مصر عند زيادته، شاهدته (٢) كذلك في شهر رجب من سنة سبع وعشرين وسبع مئة. وأخبرني الشيخ صالح علم الدين سنجر العزي، من عتقاء الأمير عز الدين منيف بن شيحة صاحب المدينة ﵀، قال: أرسلني مولاي الأمير المذكور بعد ظهور النار بأيام، ومعي شخص من العرب يسمى خطيب بن سنان، وقال لنا، ونحن فارسان: اقْرُبَا من هذه النار فانظرا هل يقدر أحد على القرب منها، فإن الناس هابوها لعظمها، فخرجت أنا وصاحبي إلى أن قربنا منها، فلم نجد لها حرًا، فنزلت عن فرسي، وسرت إلى أن وصلت إليها، وهي تأكل الصخر والحجر فأخذت سهمًا، من كنانتي ومددت بيدي

стр. 142

إلى أن وصل النصل إليها فلم أجد لذلك ألمًا، ولا حرًا فحرق النصل، ولم يحترق العود. فأدرت السهم فأدخلت فيها الريش فاحترق ولم يؤثر في العود. وأخبرني بعض مَنْ أدركتها من النساء أنهن كنَّ يغزلنَ على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت بالمدينة، وظهرت بظهورها معجزة من معجزات رسول الله ﵌، وهي ما ورد في الصحيح عنه (١) ﵌ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى تظهر نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببُصرى» (٢) فكانت هي هذه النار إذ لم يظهر قبلها من أيامه ﵌، ولا بعدها نار مثلها، وظهر لي في معنى أنها كانت تأكل الحجر ولا تأكل الشجر أن ذلك لتحريم سيدنا رسول الله ﵌ شجر المدينة، فمنعت من أكل شجرها إكرامًا له، لوجوب طاعته ﵌ على كل مخلوق. وهذه أيضًا من واضح معجزاته ﵌ (٣). وانخرق هذا السد من تحت في سنة تسعين وست مئة لتكاثر الماء من خلفه فجرى في الوادي المذكور سنة كاملة سيلًا يملأ ما بين جانبي الوادي وسنة دون ذلك، ثم انخرق مرة أخرى في العشر الأول بعد السبع مئة، فجرى سنة كاملة أو أزيدْ، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وكان ذلك بعد تواتر أمطار عظيمة في الحجاز في تلك السنة، وكثر الماء وعلا من جانبي السد، ومن دونه مما يلي جبل وعيره وتلك النواحي، فجاء

стр. 143

سيلٌ طامٍ لا يوصف ومجراه على مشهد حمزة ﵁، وحفر واديًا آخر قبلي الوادي ومشهد حمزة (١)، وقبلي جبل عينين وبقي المشهد الشريف وجبل عينين في وسط السيل أربعة أشهر أو نحو ذلك، لا يقدر أحد على الوصول إلى قبر حمزة ولا إلى الجبل المذكور إلّا بمشقة، ولو زاد مقدار ذراع آخر وصل إلى المدينة الشريفة. وكنا نقف عند باب البقيع على التل الذي هناك فنراه ونسمع خريرَه، ثم استقر في الوادي بين القبلي الذي أحدثه، والشمالي قريبًا من سنة. وكشف عن عينٍ قديمة قِبلي الوادي، فجددها الأمير وُدِّي صاحب المدينة. ويصب (٢) وادي الشظاة أيضًا في رومة بمجتمع السيول فيها: سيل بطحان، والعقيق، والزغابة (٣)، والنَّقَمى (٤) وسيل غراب من جهة الغابة، فيصير سيلًا واحدًا، ويأخذ في وادي الضيقة (٥) إلى إضَم (٦) جبل

стр. 144

معروف ثم إلى منزلة أكرا (١) من طريق مصر، وتصب في البحر المالح (٢)، فهذه جميع أودية المدينة الشريفة.

стр. 145

ذكر الخندق حفر رسول الله ﵌ الخندق يوم الأحزاب، حين بلغه قدوم بني النضير من اليهود على قريش ومظاهرتهم لهم ومخالفتهم على رسول الله ﵌ وأصحابه، وذلك بعد أن أجلاهم رسول الله ﵌ من المدينة وقدموا معهم (١) لحرب رسول الله ﵌، ثم سعى حيي بن أخطب (٢) حتى قطع الحلفَ الذي كان بين بني قريظة وبين رسول الله ﵌، واشتد الحصار على المسلمين ونجم النفاق، وكان في ذلك ما قَصَّ الله في كتابه العزيز في قوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ (٣). يعني بني قريظة، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، يعني بني أسد وغطفان. وكانوا نازلين ما بين طرف وادي النقمي، إلى أحد، وقريش وكنانة ومن معهم من الأحابيش برومة، من وادي العقيق. فحفره رسول الله ﵌ طولًا من أعلى وادي بطحان غربي الوادي مع الحرة، إلى غربي المُصلى مصلى رسول الله ﵌ يوم العيد، ثم إلى مسجد الفتح، ثم إلى الجبلين الصغيرين اللذين في غربي الوادي، يقال لأحدهما رابح، وللآخر جبل بني عبيد. وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سَلْع، وضرب رسول الله ﵌ قُبَّته على القَرْن الذي في غربي جبل سلع، موضع مسجده الذي ذكرناه قبل، والخندق بينهم وبين المشركين، وقد عفى
следующие страницы →