← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 21601

التلخيص الحبير - ط قرطبة

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (1 939 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

أُقْتَلَ بَعْدَكَ فِي عَنَاقٍ أَوْ شَاةٍ مِنْ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهَا تُعْطَى فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ مَا أَخَذْتُهَا» . ١٥١١ - (٢٠) - حَدِيثُ أَنَسٍ: «غَدَوْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ، يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ١٥١٢ - (٢١) - حَدِيثُ جَابِرٍ فِي النَّهْيِ عَنْ الْوَسْمِ فِي الْوَجْهِ. أَبُو دَاوُد فِي التَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ، وَعِنْدَهُ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ لُعِنَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي الْبَابِ عَنْ طَلْحَةَ وَالْعَبَّاسِ، وَقَتَادَةَ، وَجُنَادَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَنَسٍ. ١٥١٣ - (٢٢) - وَحَدِيثُ عُمَرَ: " أَنَّهُ شَرِبَ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ فَاسْتَقَاءَهُ ". مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، وَالشَّافِعِيُّ عَنْهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ

стр. 1297

بِهِ، وَجَاءَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَيْضًا، قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: نَا سُفْيَانُ، عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ شَرِبَ لَبَنًا، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، فَتَقَيَّأَهُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: نَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ ابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ جَاءَ بِصَدَقَاتٍ تُسْعَى عَلَيْهَا، فَلَمَّا كَانَ بِالْحَرَّةِ خَرَجَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَرَّبَ إلَيْهِ تَمْرًا، وَلَبَنًا، وَزُبْدًا فَأَكَلُوا، وَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: وَاَللَّهِ أَصْلَحَك اللَّهُ إنَّا نَشْرَبُ أَلْبَانَهَا، قَالَ: إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكِ، إنَّكَ تَتْبَعُ أَذْنَابَهَا وَتَعْمَلُ فِيهَا. ١٥١٤ - (٢٣) - حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ أَعْطَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ كَمَا أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَمَّا إعْطَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَدِيٍّ فَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ، أَمَّا إعْطَاءُ أَبِي بَكْرٍ لَهُ فَذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ، قَالَ: الَّذِي أَحْفَظُ فِيهِ مِنْ مُتَقَدِّمِي الْأَخْبَارِ: أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ جَاءَ إلَى أَبِي بَكْرٍ بِثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ صَدَقَاتِ قَوْمِهِ، فَأَعْطَاهُ مِنْهَا ثَلَاثِينَ، لَكِنْ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ إعْطَاؤُهُ إيَّاهَا مِنْ أَيْنَ، غَيْرُ أَنَّ الَّذِي يَكَادُ أَنْ يُعْرَفَ بِالِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ أَعْطَاهُ إيَّاهَا مِنْ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ لِيَزِيدَهُ رَغْبَةً فِيمَا صَنَعَ، وَلِيَتَأَلَّفَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ لَا يَثِقُ مِنْهُ بِمَا وَثِقَ بِهِ مِنْ عَدِيٍّ، انْتَهَى. وَذَكَرَ أَبُو الرَّبِيعِ بْنُ سَالِمٍ فِي السِّيرَةِ لَهُ أَنَّ عَدِيًّا لَمَّا أَسْلَمَ وَأَرَادَ الرُّجُوعَ إلَى بِلَادِهِ، اعْتَذَرَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الزَّادِ، وَقَالَ: وَلَكِنْ تَرْجِعُ فَيَكُونُ خَيْرًا، فَذَلِكَ أَعْطَاهُ الصِّدِّيقُ ثَلَاثِينَ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ. ١٥١٥ - (٢٤) - حَدِيثُ: " أَنَّ مُشْرِكًا جَاءَ إلَى عُمَرَ يَلْتَمِسُ مِنْهُ مَالًا، فَلَمْ يُعْطِهِ، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ". وَهَذَا الْأَثَرُ لَا يُعْرَفُ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ وَزَادَ: " إنَّا لَا نُعْطِي عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا ". وَذَكَرَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ إلَى تَخْرِيجِ الْبَيْهَقِيّ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا قِصَّةُ الْأَقْرَعِ، وَعُيَيْنَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ حِينَ سَأَلَا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَقْطَعَ لَهُمَا، وَفِيهِ تَخْرِيقُ عُمَرَ الصَّحِيفَةَ، وَقَوْلُهُ لَهُمَا: " إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَأَلَّفُكُمَا وَالْإِسْلَامُ

стр. 1298

يَوْمَئِذٍ ذَلِيلٌ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ فَاذْهَبَا ". لَكِنْ فِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ: نَا الْقَاسِمُ: نَا الْحُسَيْنُ: نَا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ حِبَّانَ بْنِ أَبِي جَبَلَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ وَقَدْ أَتَاهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، يَعْنِي لَيْسَ الْيَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمْ يَبْقَ فِي النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ أَحَدٌ، إنَّمَا كَانُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَخْرَجَ عَنْ الْحَسَنِ نَحْوَهُ. ١٥١٦ - (٢٥) - حَدِيثُ بَعْثِ مُعَاذٍ وَفِيهِ: «وَأَنْبِئْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ» . - الْحَدِيثَ - تَقَدَّمَ. ١٥١٧ - (٢٦) - حَدِيثُ مُعَاذٍ: «مَنْ انْتَقَلَ مِنْ مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ، إلَى مِخْلَافِ غَيْرِ عَشِيرَتِهِ، فَصَدَقَتُهُ وَعُشْرُهُ فِي مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ» . أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ صَحِيحٍ إلَى طَاوُسٍ، قَالَ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ فَذَكَرَهُ. ١٥١٨ - (٢٧) - حَدِيثُ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِ الْيَمَنِ: " ائْتُونِي بِكُلِّ خَمِيسٍ وَلَبِيسٍ آخُذُهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الصَّدَقَةِ، فَإِنَّهُ أَرْفَقُ بِكُمْ، وَأَنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ ". الْبَيْهَقِيّ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ مُعَاذٍ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: هُوَ مُرْسَلٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ فِيهِ بَعْضُهُمْ: مِنْ الْجِزْيَةِ مَكَانَ الصَّدَقَةِ. (تَنْبِيهٌ) قَوْلُهُ: خَمِيسٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِهِ الْمُرَادُ بِهِ الثَّوْبُ الَّذِي طُولُهُ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ كَأَنَّهُ عَنَى الصَّغِيرَ مِنْ الثِّيَابِ وَقِيلَ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى خَمِيسِ مَالِكٍ كَانَ أَمَرَ بِعَمَلِ تِلْكَ الثِّيَابِ بِالْيَمَنِ وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ رُوِيَ بَدَلُ خَمِيسٍ خَمِيصٍ بِالصَّادِ فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ تَذْكِيرُ خَمِيصَةٍ.

стр. 1299

[بَابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ] ٥٠ - ١٥١٩ - (١) - حَدِيثُ: «لِيَتَصَدَّقْ الرَّجُلُ مِنْ دِينَارِهِ، وَلْيَتَصَدَّقْ مِنْ دِرْهَمِهِ، وَلْيَتَصَدَّقْ مِنْ صَاعِ بُرِّهِ» . مُسْلِمٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ، لَكِنْ لَمْ - يُكَرِّرْ قَوْلَهُ: «لِيَتَصَدَّقْ» . ١٥٢٠ - (٢) - حَدِيثُ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهُ. ٥٠ ١٥٢١ - (٣) - حَدِيثُ: «إنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْحَسَنِ. ١٥٢٢ - (٤) - حَدِيثُ: «إنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» . الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ فِي كِتَابِ الْفَضَائِلِ مِنْهُ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ،

стр. 1300

مِنْ رِوَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْهُ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَفِي الْبَابِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ: صَدَقَةُ السَّمِينُ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ فِيهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي الشُّعَبِ لِلْبَيْهَقِيِّ، وَفِيهِ الْوَاقِدِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ وَاتُّهِمَ أَحَدُ رُوَاتِهِ. وَعَنْ أَنَسٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَاهُ بِلَفْظِ: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مَيْتَةَ السُّوءِ» . وَأَعَلَّهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ، وَالْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ طَاهِرٍ، وَابْنُ الْقَطَّانِ، وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ لِلْقُضَاعِيِّ، وَفِي إسْنَادِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ، وَلَفْظُهُ: «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» . (تَنْبِيهٌ) : الرَّافِعِيُّ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ، وَأَوْلَى مِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ» . وَفِيهِ: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا» . ١٥٢٣ - (٥) - حَدِيثُ «عَائِشَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ لِي جَارَيْنِ

стр. 1301

فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إلَى أَقْرَبِهَا مِنْك بَابًا» الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ عَنْهَا. ١٥٢٤ - (٦) - حَدِيثُ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ، صَدَقَةٌ، وَصِلَةٌ» . أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْحَاكِمُ، مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الضَّبِّيِّ. وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ رَوَاهُمَا الطَّبَرَانِيُّ. ١٥٢٥ - (٧) - حَدِيثُ: «كَانَ ﷺ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.

стр. 1302

حَدِيثُ: " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ ". أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَزَّارُ، مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا أَبْقَيْت لِأَهْلِكَ؟ فَقُلْتُ: مِثْلَهُ. فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَالِهِ» . - الْحَدِيثَ - صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، وَقَوَّاهُ الْبَزَّارُ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِهِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ صَدُوقٌ. ١٥٢٧ - (٩) - حَدِيثُ: «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِصَدَقَةٍ مِثْلِ الْبَيْضَةِ مِنْ الذَّهَبِ. فَقَالَ: خُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ» - الْحَدِيثَ - أَبُو دَاوُد، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. ١٥٢٨ - (١٠) - حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ مِنْ سِقَايَاتٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَقِيلَ: أَتَشْرَبُ مِنْ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: إنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ. الشَّافِعِيُّ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ،

стр. 1303

وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ.

стр. 1304

[كِتَابُ النِّكَاحِ] ١٥٢٩ - (١) - قَوْلُهُ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا أُبَاهِي بِكُمْ» . أَخْرَجَهُ صَاحِبُ مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حُجُّوا تَسْتَغْنُوا، وَسَافِرُوا تَصِحُّوا، وَتَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا، فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمْ الْأُمَمَ» . وَالْمُحَمَّدَانِ ضَعِيفَانِ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ، عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَهُ بَلَاغًا، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: «حَتَّى بِالسَّقْطِ» . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: «تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ، وَلَا تَكُونُوا كَرَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى» . وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَعَنْ أَنَسٍ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ: «تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَعَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ النُّعْمَانِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ، وَابْنُ قَانِعٍ فِي الصَّحَابَةِ بِلَفْظِ: «امْرَأَةٌ وَلُودٌ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ لَا تَلِدُ، إنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ عِلَلِ الدَّارَقُطْنِيِّ نَحْوُهُ. وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ: «لَا تَزَوَّجُنَّ عَاقِرًا وَلَا عَجُوزًا، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ» . وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ صِفَةِ الْمَخْطُوبَةِ. وَعَنْ عَائِشَةَ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا.

стр. 1305

٥٠ - ١٥٣٠ - (٢) - حَدِيثُ: «النِّكَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ وِجَاءٌ لَهُ» . وَفِي إسْنَادِهِ عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي ضِمْنِ حَدِيثِ: «لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُمَا مِنْ الْأَخْبَارِ، فَمِنْهَا: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: تَزَوَّجْت؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: تَزَوَّجْ، فَإِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَ أَكْثَرَهُمْ نِسَاءً يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَرْفُوعًا: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «حُبِّبَ إلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ: " إنَّمَا " وَقَدْ اُشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسُنِ بِزِيَادَةِ: " ثَلَاثٌ " وَشَرَحَهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ، وَلَمْ نَجِدْ لَفْظَ " ثَلَاثٌ " فِي

стр. 1306

شَيْءٌ مِنْ طُرُقِهِ الْمُسْنَدَةِ. وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا: «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ» ، فَذَكَرَ مِنْهَا النِّكَاحَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ. وَعَنْ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ التَّبَتُّلِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَعَنْهَا مَرْفُوعًا: «تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَكُمْ بِالْمَالِ» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ جُنَادَةَ، وَقَالَ: إنَّهُ تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ فِي ذِكْرِ عَائِشَةَ، وَرَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى الْمَوْصُولِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفْعُهُ: «ثَلَاثَةٌ حُقَّ عَلَى اللَّهِ إعَانَتُهُمْ: الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالنَّاكِحُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَعِفَّ، وَالْمُكَاتَبُ يُرِيدُ الْأَدَاءَ» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ،

стр. 1307

وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَعَنْ أَنَسٍ رَفْعُهُ: «مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ امْرَأَةً صَالِحَةً فَقَدْ أَعَانَهُ عَلَى شَطْرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي الشَّطْرِ الثَّانِي» . رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَعَنْهُ رَفْعُهُ: «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَدْ أُعْطِيَ نِصْفَ الْعِبَادَةِ» . إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ فِيهِ زَيْدٌ الْعَمِّيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفْعُهُ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ مَا يُكْنَزُ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ إذَا نَظَرَ إلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالْحَاكِمُ. وَعَنْ ثَوْبَانَ نَحْوُهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إلَّا أَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا. وَعَنْ أَبِي نَجِيحٍ رَفْعُهُ: «مَنْ كَانَ مُوسِرًا فَلَنْ يَنْكِحَ فَلَيْسَ مِنَّا» . رَوَاهُ الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: هُوَ مُرْسَلٌ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو دَاوُد، وَالدُّولَابِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفْعُهُ: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابِّينَ مِثْلُ التَّزْوِيجِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ، وَعَنْهُ رَفْعُهُ: «لَا صَرُورَةَ، فِي الْإِسْلَامِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُد، وَالْحَاكِمُ،

стр. 1308

وَالطَّبَرَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، وَلَمْ يَقَعْ مَنْسُوبًا، فَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ: هُوَ ابْنُ وَرَازٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ، لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ: ابْنُ أَبِي الْخَوَّارِ وَهُوَ مُوَثَّقٌ.

стр. 1309

[بَابُ خَصَائِصِ النَّبِيّ ﷺ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ] بَابُ الْخَصَائِصِ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ وَذُكِرَتْ فِي النِّكَاحِ لِكَوْنِهَا فِيهِ أَكْثَرَ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ خَبَرًا خَاصًّا، لِأَنَّ مُضَمَّنَهَا النَّقْلُ الْمَحْضُ، إذْ لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ، فَمَا وَجَدْت لَهُ دَلِيلًا مِنْ النَّقْلِ الْحَدِيثِيِّ ذَكَرْتُهُ، وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ مِنْ أَدِلَّةِ الْقُرْآنِ لَمْ أَتَعَرَّضْ لَهُ إلَّا إنْ وَجَدْتُ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ مَا يُخَالِفُهُ، فَأُشِيرُ إلَى ذَلِكَ، وَمَا لَمْ أَجِدْ لَهُ دَلِيلًا قُلْتُ: لَمْ أَجِدْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلًا

стр. 1310

بَابُ الْوَاجِبَاتِ ٥٠ ١٥٣١ - (١) - قَوْلُهُ: وَالْحِكْمَةُ فِيهِ زِيَادَةُ الزُّلْفَى، فَلَمْ يَتَقَرَّبْ الْمُتَقَرِّبُونَ إلَى اللَّهِ بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ. هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» - الْحَدِيثَ -. (فَائِدَةٌ) : نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي زِيَادَاتِ الرَّوْضَةِ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ، عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ ثَوَابَ الْفَرِيضَةِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ النَّافِلَةِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاسْتَأْنَسُوا فِيهِ بِحَدِيثٍ. انْتَهَى. وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ فِي نِهَايَتِهِ وَهُوَ حَدِيثُ سَلْمَانَ مَرْفُوعًا: «فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيهِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِي غَيْرِهِ» . انْتَهَى. وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَعَلَّقَ الْقَوْلَ بِصِحَّتِهِ، وَاعْتَرَضَ عَلَى اسْتِدْلَالِ الْإِمَامِ بِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ رَمَضَانَ، وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتَأْنَسُوا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١٥٣٢ - (٢) - قَوْلُهُ: فَمِنْهَا صَلَاةُ الضُّحَى، رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «كُتِبَ عَلَيَّ رَكْعَتَا الضُّحَى، وَهُمَا لَكُمْ سُنَّةٌ» . أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ إسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: «أُمِرْتُ بِرَكْعَتَيْ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا، وَأُمِرْتُ بِالْأَضْحَى وَلَمْ تُكْتَبْ» . وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ مِنْ أَجْلِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ شَرِيكٍ بِلَفْظِ: «كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا» . وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ: «أُمِرْتُ بِرَكْعَتَيْ

стр. 1311

الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ» . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي خَبَّابٍ الْكَلْبِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ، بِلَفْظِ: «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرَائِضُ، وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ، وَالْوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الضُّحَى» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ عَدِيٍّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُهُ: «الْأَضْحَى» بَدَلُ «النَّحْرِ» وَ «رَكْعَتَا الْفَجْرِ» بَدَلُ «الضُّحَى» وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ، وَابْنُ شَاهِينَ فِي نَاسِخِهِ مِنْ طَرِيقِ وَضَّاحِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مِنْدَلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْهُ بِلَفْظِ: «ثَلَاثٌ عَلَيَّ فَرِيضَةٌ وَهُنَّ لَكُمْ تَطَوُّعٌ: الْوِتْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ وَرَكْعَتَا الضُّحَى» . وَالْوَضَّاحُ ضَعِيفٌ، فَتَلَخَّصَ ضَعْفُ الْحَدِيثِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ، وَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِهِ أَنْ يَقُولَ بِوُجُوبِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الْآمِدِيِّ، وَابْنِ الْحَاجِبِ، وَقَدْ وَرَدَ مَا يُعَارِضُهُ، فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ شَاهِينَ فِي نَاسِخِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرَّرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: «أُمِرْتُ بِالْوِتْرِ، وَالْأَضْحَى وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيَّ» وَلَفْظُ ابْنِ شَاهِينِ: وَلَمْ يُفْرَضْ عَلَيَّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَرَّرٍ مَتْرُوكٌ. (فَائِدَةٌ) : اخْتَارَ شَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْقَوْلَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الضُّحَى، وَأَدِلَّتُهُ ظَاهِرَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْهَا لِمُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا: «مَا

стр. 1312

رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا» . وَلِلْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ، وَلَهُ عَنْ أَنَسٍ «وَقِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: مَا رَأَيْتُهُ صَلَّاهَا غَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ» . وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى، حَتَّى نَقُولَ لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ لَا يُصَلِّيهَا» . وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلِأَبِي دَاوُد، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: «مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى الضُّحَى غَيْرَ أُمُّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا أَخْبَرَتْ بِهَا، ثُمَّ أُبِيحَ، وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ صَلَّاهُنَّ بَعْدُ» ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْمَاوَرْدِيِّ دَعْوَاهُ أَنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهَا بَعْدَ يَوْمِ الْفَتْحِ إلَى أَنْ مَاتَ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يُدَاوِمُ عَلَى صَلَاةِ الضُّحَى، مَخَافَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَى الْأُمَّةِ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَكَانَ يَفْعَلُهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ إظْهَارَهَا فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ لِيَجْمَعَ بَيْنَ كَلَامَيْهِ. قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْأُضْحِيَّةُ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ، وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ: السِّوَاكُ، وَالْوِتْرُ، وَالْأُضْحِيَّةُ» . لَمْ أَجِدْهُ هَكَذَا، وَالْمُخْتَصُّ بِالْأُضْحِيَّةِ يُوجَدُ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ طُرُقٍ فِيهَا ذِكْرُ الْأَضْحَى، وَالنَّحْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْوِتْرُ وَالسِّوَاكُ فَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ. (فَائِدَةٌ) : نَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيِّ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ. ١٥٣٣ - (٣) - قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْوِتْرُ، وَالتَّهَجُّدُ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] أَيْ زِيَادَةً عَلَى الْفَرَائِضِ، وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ هُنَّ عَلَيَّ فَرِيضَةٌ، وَلَكُمْ سُنَّةٌ: الْوِتْرُ، وَالسِّوَاكُ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ» . أَمَّا احْتِجَاجُهُ بِالْآيَةِ فَسَبَقَهُ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ، وَوَجْهُهُ أَنَّ النَّافِلَةَ لُغَةً الزِّيَادَةُ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ بِالتَّهَجُّدِ الْوُجُوبُ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فَإِنْ قِيلَ: النَّافِلَةُ هِيَ السُّنَّةُ، قُلْنَا: بَلْ

стр. 1313

النَّافِلَةُ هُنَا هِيَ الزِّيَادَةُ، وَقَدْ قِيلَ: مَا يَزِيدُهُ الْعَبْدُ مِنْ تَطَوُّعَاتِهِ، يُجْبِرُ بِهِ نُقْصَانَ مَفْرُوضَاتِهِ، وَصَلَاتُهُ ﷺ مَعْصُومَةٌ، فَكَانَ تَهَجُّدُهُ زَائِدًا عَلَى مَفْرُوضَاتِهِ، وَهَكَذَا قَالَ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ نَحْوَهُ، لَكِنْ يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ بِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الرَّوَاتِبَ الَّتِي وَاظَبَ عَلَيْهَا كَانَتْ وَاجِبَةً فِي حَقِّهِ، وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي زِيَادَاتِهِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ نُسِخَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّهِ. كَمَا نُسِخَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ أَوْ الصَّحِيحُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، انْتَهَى. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّنْعَانِيِّ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَدْ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: إنَّ مُوسَى تَفَرَّدَ بِهِ، وَأَشَارَ النَّوَوِيُّ إلَى مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي قِصَّةِ قِيَامِ اللَّيْلِ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرْضِهِ، وَفِي سِيَاقِهِ أَيْضًا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ حِينَ وَجَبَ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ أَيْضًا بِحَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي مُسْلِمٍ فِي صِفَةِ الْحَجِّ فَفِيهِ: «ثُمَّ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى حِينَ تَيَسَّرَ لَهُ الصُّبْحَ» . وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ تَرْكُ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْعِشَاءِ لِلْبَائِتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاسْتَدَلَّ أَيْضًا بِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ فِي اللَّيْلِ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ، وَيُصَلِّيهِ فِي الْحَضَرِ جَالِسًا، وَقَدْ اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي حَالِ الْحَضَرِ وَفِي حَالِ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ خَاصٍّ، وَإِنْ كَانَ الْحَلِيمِيُّ، وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْغَزَالِيُّ قَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْوِتْرَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: بِأَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ فِعْلَ هَذَا الْوَاجِبِ، مِنْ الْوِتْرِ وَالتَّهَجُّدِ، عَلَى الرَّاحِلَةِ. ١٥٣٤ - (٤) - قَوْلُهُ: وَمِنْهَا السِّوَاكُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ، يَعْنِي بِهِ الْخَبَرَ

стр. 1314

الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ عَائِشَةَ قَبْلَهُ، وَهُوَ وَاهٍ جِدًّا لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لِوُجُوبِهِ. ١٥٣٥ - (٥) - بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا وَغَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . وَفِي لَفْظٍ: «وُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءِ إلَّا مِنْ حَدَثٍ» . وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، وَالْمَشَقَّةَ إنَّمَا تَلْزَمُ عَنْ الْوَاجِبِ، فَكَانَ الْوُضُوءُ وَاجِبًا عَلَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ نُسِخَ إلَى السِّوَاكِ، وَالْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ أَوْضَحُ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا: «مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ إلَّا أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي» وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا: «أُمِرْتُ بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيَّ» . قَوْلُهُ: كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ وَيُغَيِّرَهُ، أَوْ يَعْتَرِضَ، بِأَنَّ كُلَّ مُكَلَّفٍ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ لَزِمَهُ تَغْيِيرُهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ لِلْخَوْفِ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَلَوْ أَقَرَّ عَلَى الْمُنْكَرِ لَاسْتُفِيدَ مِنْ تَقْرِيرِهِ أَنَّهُ جَائِزٌ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الصَّبَّاغِ. ١٥٣٦ - (٦) - قَوْلُهُ: لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَهُ بِالْعِصْمَةِ يُشِيرُ إلَى الْآيَةِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، أَوْ إلَى مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، عَنْ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ، حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنْ الْقُبَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ» . وَاحْتَجَّ الْبَيْهَقِيّ لِلْمَسْأَلَةِ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ عَائِشَةَ: «مَا

стр. 1315

خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا، فَإِذَا كَانَ إثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ» . ١٥٣٧ - (٧) - قَوْلُهُ: كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ مُصَابَرَةُ الْعَدُوِّ وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ، لَمْ يُبَوِّبْ لَهُ الْبَيْهَقِيّ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا وَقَعَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ، فَإِنَّهُ أُفْرِدَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي يَوْمِ حُنَيْنٍ، فَإِنَّهُ أُفْرِدَ فِي عَشَرَةٍ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا. قَوْلُهُ: «كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ دَيْنِ مَنْ مَاتَ مُعْسِرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ» تَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ الضَّمَانِ. ١٥٣٨ - (٨) - قَوْلُهُ: وَقِيلَ: " كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَنْ يَقُولَ: لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ ". هَذَا بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ فِي الْخَصَائِصِ وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُظْهِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ» ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، حَتَّى إذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عَنْهُ، فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُوَ فِيهِ، فَزَادَ فِيهَا: «لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَحْسِبُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ عَرَفَةَ، قُلْت: وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ. (تَتِمَّةٌ) مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ الرَّافِعِيُّ، مِمَّا ادَّعَى بَعْضُهُمْ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ، كَانَ عَلَيْهِ إذَا فَرَضَ الصَّلَاةَ كَامِلَةً لَا خَلَلَ فِيهَا، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَكَاهُ ابْنُ الْقَاصِّ وَكَذَا مَا بَعْدَهُ، قَالَ: وَمِنْهَا: أَنَّهُ كُلِّفَ مِنْ الْعِلْمِ وَحْدَهُ بِمَا كُلِّفَ بِهِ النَّاسُ بِأَجْمَعِهِمْ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ يُغَانُ عَلَى قَلْبِهِ فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ إلَيْهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً. وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ يُؤْخَذُ عَنْ الدُّنْيَا عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِأَحْكَامِهَا

стр. 1316

عِنْدَ الْأَخْذِ عَنْهَا. وَمِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ مُطَالَبًا بِرُؤْيَةِ مُشَاهَدَةِ الْحَقِّ مَعَ مُعَاشَرَةِ النَّاسِ بِالنَّفْسِ وَالْكَلَامِ، انْتَهَى. وَهَذِهِ الْأُمُورُ تَحْتَاجُ دَعْوَى وُجُوبِهَا إلَى أَدِلَّةٍ وَكَيْفَ بِهَا، فَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ

стр. 1317

[خَصَائِصِهِ ﷺ فِي وَاجِبَاتِ النِّكَاحِ] وَمِنْ خَصَائِصِهِ فِي وَاجِبَاتِ النِّكَاحِ وُجُوبُ تَخْيِيرِ نِسَائِهِ لِلْآيَةِ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: مَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ: مِنْ أَنَّ اللَّهَ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ، فَاخْتَارَ الْفَقْرَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِتَخْيِيرِ نِسَائِهِ لِتَكُونَ مَنْ اخْتَارَتْهُ مِنْهُنَّ مُوَافِقَةً لِاخْتِيَارِهِ، وَهَذَا يُعَكَّرُ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي أَنَّ إبْلَاءَهُ مِنْ نِسَائِهِ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ، وَأَنَّ تَخْيِيرَهُنَّ وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ ﷺ فِي آخِرِ عُمْرِهِ قَدْ وُسِّعَ لَهُ فِي الْعَيْشِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ: " مَا شَبِعْنَا مِنْ التَّمْرِ حَتَّى فُتِحَتْ خَيْبَرُ ". ثَانِيهَا: أَنَّهُنَّ تَغَايَرْنَ عَلَيْهِ فَحَلَفَ أَلَّا يُكَلِّمَهُنَّ شَهْرًا، ثُمَّ أُمِرَ بِأَنْ يُخَيِّرَهُنَّ. حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُنَّ طَالَبْنَهُ مِنْ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ بِمَا لَيْسَ عِنْدَهُ فَتَأَذَّى بِذَلِكَ، فَأُمِرَ بِتَخْيِيرِهِنَّ، وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ طَلَبِ بَعْضِهِنَّ مِنْهُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَعَدَّ لَهَا خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَصَفَّرَهُ بِالزَّعْفَرَانِ فَتَسَخَّطَتْ. رَابِعُهَا: أَنَّ اللَّهَ امْتَحَنَهُنَّ بِالتَّخْيِيرِ لِيَكُونَ لِرَسُولِهِ خِيرَةُ النِّسَاءِ. خَامِسُهَا: أَنَّ سَبَبَ نُزُولِهَا قِصَّةُ مَارِيَةَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، أَوْ قِصَّةُ الْعَسَلِ الَّذِي شَرِبَهُ فِي بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَهَذَا يَقْرُبُ مِنْ الثَّانِي. ١٥٣٩ - (١) - قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ ﷺ آثَرَ لِنَفْسِهِ الْفَقْرَ وَالصَّبْرَ عَلَيْهِ، وَأَعَادَهُ بَعْدُ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ الْيَسَارَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْكَفَاءَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا» . وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ: «فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ فَإِذَا عَلَيْهِ إزَارُهُ وَلَيْسَ

стр. 1318

عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ: فَنَظَرْتُ فِي جِرَابِهِ وَإِذَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوَ الصَّاعِ، وَمِثْلُهَا قُرْطٌ فِي نَاحِيَةِ الْغَرْفَةِ، فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ» . - الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: «أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ، وَلَهُمْ الدُّنْيَا» . وَأَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ وَفِيهِ: «أُولَئِكَ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ: «كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَدَمٍ، وَحَشْوُهُ لِيفٌ» . وَمِنْ حَدِيثِهَا: «مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ حَتَّى قُبِضَ» . وَفِيهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا» . فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ اسْتِعَاذَتِهِ ﷺ مِنْ الْفَقْرِ كَمَا تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ، فَالْجَوَابُ: أَنَّ الَّذِي اسْتَعَاذَ مِنْهُ وَكَرِهَهُ فَقْرَ الْقَلْبِ، وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ وَارْتَضَاهُ طَرْحَ الْمَالِ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الَّذِي اسْتَعَاذَ مِنْهُ هُوَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ مَعَهُ الْقُوتُ، وَالْكَفَافُ، وَلَا يَسْتَقِرُّ مَعَهُ فِي النَّفْسِ غِنًى، لِأَنَّ الْغِنَى عِنْدَهُ ﷺ غِنَى النَّفْسِ، قَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨] وَلَمْ يَكُنْ غِنَاهُ أَكْثَرَ مِنْ ادِّخَارِهِ قُوتَ سَنَةٍ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَكَانَ الْغِنَى مَحَلُّهُ فِي قَلْبِهِ ثِقَةً بِرَبِّهِ، وَكَانَ يَسْتَعِيذُ مِنْ فَقْرٍ مُنْسٍ، وَغِنًى مُطْغٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْغِنَى وَالْفَقْرِ طَرَفَيْنِ

стр. 1319

مَذْمُومَيْنِ، وَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الْأَخْبَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى. ١٥٤٠ - (٢) - حَدِيثُ عَائِشَةَ: «مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ اللَّاتِي حُظِرْنَ عَلَيْهِ» . كَذَا وَقَعَ فِيهِ. وَقَوْلُهُ: اللَّاتِي حُظِرْنَ عَلَيْهِ، مُدْرَجٌ فِي الْحَدِيثِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أُحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَأَنَّهَا تَعْنِي اللَّاتِي حُظِرْنَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الْآيَةَ، وَهَكَذَا سَاقَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ دُونَ الزِّيَادَةِ وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وَلِلنَّسَائِيِّ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: «مَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ» . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شَهْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نُهِيَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أَصْنَافِ النِّسَاءِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ الْمُهَاجِرَاتِ، فَقَالَ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الْآيَةَ» ، فَأَحَلَّ اللَّهُ فَتَيَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ وَحَرَّمَ كُلَّ ذَاتِ دِينٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]- إلَى قَوْلِهِ - ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَحَرَّمَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ النِّسَاءِ. قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

стр. 1320

حَدِيثٌ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ بَدَأَ بِعَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِهِ أَزْوَاجَهُ بَدَأَ بِي وَقَالَ: إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي» . - الْحَدِيثَ - وَفِيهِ: ثُمَّ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] الْآيَةَ» وَفِيهِ: «فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ» . وَاتَّفَقَا عَلَى طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا: «خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ، فَلَمْ يَعْدُدْهَا عَلَيْنَا» . وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمْ يَعُدَّ بَعْدَ ذَلِكَ طَلَاقًا. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُ الْأَوَّلِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: «وَأَسْأَلُكَ لَا تُخْبِرُ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِاَلَّذِي قُلْتُ. قَالَ: لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إلَّا أَخْبَرْتُهَا» وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُنْقَطِعٌ، فَإِنَّ فِيهِ قَالَ: مَعْمَرٌ وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: «لَا تَقُلْ إنِّي أَخْبَرْتُكَ» . (تَنْبِيهٌ) : اُحْتُجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ جَوَابَهُنَّ لَيْسَ الْفَوْرَ، وَاعْتَرَضَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِأَنَّهُ صَرَّحَ لِعَائِشَةَ بِالْإِمْهَالِ إلَى مُرَاجَعَةِ الْأَبَوَيْنِ، قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَفِي طَرْدِ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ أَزْوَاجِهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِعَائِشَةَ، لِمَيْلِهِ إلَيْهَا وَصِغَرِ سِنِّهَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: لَا تُبَادِرِي بِالْجَوَابِ خَشْيَةَ أَنْ تَبْتَدِرَ فَتَخْتَارَ الدُّنْيَا، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا. انْتَهَى. وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ.

стр. 1321

قَوْلُهُ: وَهَلْ حَرُمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَلَاقُهُنَّ بَعْدَمَا اخْتَرْنَهُ كَمَا لَوْ رَغِبَتْ عَنْهُ امْرَأَةٌ حَرُمَ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا. قُلْت: وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ. قَوْلُهُ: الْقِسْمُ الثَّانِي الْمُحَرَّمَاتُ الزَّكَاةُ وَالصَّدَقَةُ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَسْمِ الصَّدَقَاتِ. ١٥٤٢ - (٤) - قَوْلُهُ: مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ الْبَصَلَ، وَالثُّومَ، وَالْكُرَّاثَ، وَهَلْ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ، فِيهِ وَجْهَانِ، أَشْبَهُهُمَا لَا. وَقَوْلُهُ: وَالْأَشْبَهُ. إلَى آخِرِهِ يُؤْخَذُ مِمَّا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ نَحْوُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَزَادَ: «إنِّي أَسْتَحِي مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ» . وَلِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّهُ «أُرْسِلَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطَعَامٍ مِنْ خَضِرَةٍ فِيهِ بَصَلٌ أَوْ كُرَّاثٌ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إنِّي أَسْتَحِي مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ وَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ» . وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «لَمْ يَعُدْ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ وَقَعْنَا فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ الثُّومِ فَأَكَلْنَا أَكْلًا شَدِيدًا، قَالَ: وَنَاسٌ جِيَاعٌ، ثُمَّ قُمْنَا إلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ الرِّيحَ، فَقَالَ مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا فِي مَسْجِدِنَا. فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ لَيْسَ لِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي أَنْحَاءٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَأَكْرَهُ أَنْ يَشُمُّوا رِيحَهَا» . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ الْمُطْلَقَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ: «أَنَّهُ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ أَكْلِ الثُّومِ» مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ حُضُورَ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ زَادَ يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْكُلُهُ إذَا طُبِخَ. وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ أَكْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِحَرَامٍ عَلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ فِي

стр. 1322

أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامٌ فِيهِ بَصَلٌ. زَادَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَّهُ كَانَ مَشْوِيًّا فِي قِدْرٍ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: «فَمَنْ كَانَ آكِلَهُمَا وَلَا بُدَّ فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا» . وَلِأَبِي دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ عَلِيٍّ: «نَهَى عَنْ أَكْلِ الثُّومِ إلَّا مَطْبُوخًا» . ١٥٤٣ - (٥) - حَدِيثٌ: أَنَّهُ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ بُقُولٌ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَقَرَّبَهَا إلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ: «كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. ١٥٤٤ - (٦) - حَدِيثٌ: «كَانَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا» . الْبُخَارِيُّ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا آكُلُ

стр. 1323

مُتَّكِئًا» . ١٥٤٥ - (٧) - حَدِيثٌ: «إنَّمَا آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» . الْبَيْهَقِيّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ مُرْسَلًا، وَهُوَ فِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى، وَلَفْظُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ» . وَقَالَ الْبَزَّارُ، نَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الْآدَمِيُّ، نَا حَفْصُ بْنُ عَمَّارٍ الطَّاحِيُّ، نَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: «إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ» . وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ يُرْوَى بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا نَعْلَمُ رَوَاهُ إلَّا ابْنُ عُمَرَ، وَلَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ إلَّا مُبَارَكٌ، وَلَا عَنْ مُبَارَكٍ إلَّا حَفْصٌ وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ. قُلْت: وَحَفْصٌ فِيهِ مَقَالٌ، وَوَصَلَهُ ابْنُ شَاهِينِ فِي نَاسِخِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَلِأَبِي الشَّيْخِ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ نَحْوُهُ، وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَإِسْنَادُهُمَا ضَعِيفٌ، وَلِابْنِ شَاهِينِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا نَحْوُهُ، وَفِي ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا أَيْضًا قَالَ: «مَا أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ مُتَّكِئًا قَطُّ إلَّا مَرَّةً» . وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُك وَرَسُولُك» . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَنَا أَبُو النَّضْرِ، أَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِي جِبَالُ الذَّهَبِ، أَتَانِي مَلَكٌ إنَّ حُجْرَتَهُ لَتُسَاوِي الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: إنَّ رَبَّك يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَك: إنْ

стр. 1324

شِئْتَ كُنْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، وَإِنْ شِئْتَ عَبْدًا، فَأَشَارَ إلَيَّ جِبْرِيلُ: أَنْ ضَعْ نَفْسَك، فَقُلْتُ: نَبِيًّا عَبْدًا، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا، وَيَقُولُ: آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ» . وَلِلْبَيْهَقِيِّ فِي الشُّعَبِ وَالدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةٍ قَالَ فِيهَا: «فَمَا أَكَلَ ﷺ بَعْدَ تِلْكَ الْكَلِمَةِ طَعَامًا مُتَّكِئًا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ» . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِ «قَطُّ» بَدَلَ: «حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ» وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ، وَقَدْ صَرَّحَ، وَوَافَقَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا. (فَائِدَةٌ) : لَمْ يَثْبُتْ دَلِيلُ الْخُصُوصِيَّةِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ أَدَبٌ مِنْ الْآدَابِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُحَرَّمٍ عَلَيْهِ ابْنُ شَاهِينِ فِي نَاسِخِهِ. (تَنْبِيهٌ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُتَّكِئُ هُوَ الْجَالِسُ مُعْتَمِدًا عَلَى وِطَاءٍ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْمُرَادُ بِالِاتِّكَاءِ عَلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ. ١٥٤٦ - (٨) - قَوْلُهُ: وَمِمَّا عُدَّ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الْخَطُّ وَالشِّعْرُ، وَإِنَّمَا يُتَّجَهُ الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِهِمَا مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّهُ كَانَ يُحْسِنُهُمَا ثُمَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ الْأُولَى عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ، وَاسْتَدَلَّ غَيْرُهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُخَرَّجِ فِي الصَّحِيحِ بِلَفْظِ: «إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ» . - الْحَدِيثَ - وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ: قِيلَ: كَانَ يُحْسِنُ الْخَطَّ وَلَا يَكْتُبُ، وَيُحْسِنُ الشِّعْرَ وَلَا يَقُولُهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَانَ لَا يُحْسِنُهُمَا، وَلَكِنْ كَانَ يُمَيِّزُ بَيْنَ جَيِّدِ الشِّعْرِ وَرَدِيئِهِ. انْتَهَى. وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ صَارَ يَعْلَمُ الْكِتَابَةَ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يَعْلَمُهَا، وَأَنَّ عَدَمَ مَعْرِفَتِهِ

стр. 1325

كَانَ بِسَبَبِ الْمُعْجِزَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَاشْتَهَرَ الْإِسْلَامُ، وَكَثُرَ الْمُسْلِمُونَ، وَظَهَرَتْ الْمُعْجِزَةُ، وَأُمِنَ الِارْتِيَابُ فِي ذَلِكَ، عَرَفَ حِينَئِذٍ الْكِتَابَةَ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: " مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى كَتَبَ وَقَرَأَ ". قَالَ مُجَالِدٌ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلشَّعْبِيِّ فَقَالَ: صَدَقَ، قَدْ سَمِعْت أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ ذَلِكَ. انْتَهَى قَالَ: وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأَيْت لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشْرَ» . قَالَ: وَالْقُدْرَةُ عَلَى قِرَاءَةِ الْمَكْتُوبِ فَرْعُ مَعْرِفَةِ الْكِتَابَةِ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ أَقْدَارِ اللَّهِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ تَقَدُّمَةِ مَعْرِفَةِ الْكِتَابَةِ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ، وَبِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حُذِفَ مِنْهُ شَيْءٌ، وَالتَّقْدِيرُ فَسَأَلْتُ عَنْ الْمَكْتُوبِ فَقِيلَ لِي: هُوَ كَذَا، وَمِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَمَرَ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَكْتُبَ لِلْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، قَالَ عُيَيْنَةُ: أَتَرَانِي أَذْهَبُ إلَى قَوْمِي بِصَحِيفَةٍ كَصَحِيفَةِ الْمُلْتَمِسِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيفَةَ فَنَظَرَ فِيهَا، فَقَالَ: قَدْ كَتَبَ لَك بِمَا أُمِرَ فِيهَا» . قَالَ يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ أَحَدُ رُوَاتِهِ: فَيَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ. وَمِنْ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ ظَاهِرُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي قِصَّةِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ: «فَأَخَذَ الْكِتَابَ فَكَتَبَ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» - الْحَدِيثَ - وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ: صَارَ بَعْضُ النَّاسِ إلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 1326

كَتَبَ، مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ، وَأَبُو الْفَتْحِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَأَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ، وَصَنَّفَ فِيهِ كِتَابًا، قَالَ: وَسَبَقَ إلَى ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْكِتَابِ لَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: «كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ» . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي سِرَاجِهِ: لَمَّا قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ ذَلِكَ طَعَنُوا عَلَيْهِ وَرَمَوْهُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَكَانَ الْأَمِيرُ مُتَثَبِّتًا فَأَحْضَرَهُمْ لِلْمُنَاظَرَةِ، فَاسْتَظْهَرَ الْبَاجِيُّ بِبَعْضِ الْحُجَّةِ، وَطَعَنَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَنَسَبَهُمْ إلَى عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْأُصُولِ، وَقَالَ: اُكْتُبْ إلَى الْعُلَمَاءِ بِالْآفَاقِ فَكَتَبَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ، وَصِقِلِّيَةَ وَغَيْرِهِمَا، فَجَاءَتْ الْأَجْوِبَةُ بِمُوَافَقَةِ الْبَاجِيِّ، وَمُحَصَّلُ مَا تَوَارَدُوا عَلَيْهِ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ الْكِتَابَةَ بَعْدَ أُمِّيَّتِهِ لَا يُنَافِي الْمُعْجِزَةَ، بَلْ تَكُونُ مُعْجِزَةً أُخْرَى، لِأَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ تَحَقَّقُوا أُمِّيَّتَهُ وَعَرَفُوا مُعْجِزَتَهُ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ تُنَزَّلُ الْآيَةُ السَّابِقَةُ، صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ يَعْلَمُ الْكِتَابَةَ بِغَيْرِ تَقَدُّمِ تَعْلِيمٍ، فَكَانَتْ مُعْجِزَةً أُخْرَى، وَعَلَيْهِ يُنَزَّلُ حَدِيثُ الْبَرَاءِ. انْتَهَى. وَقَدْ رَدَّ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مُعْوَرٍ عَلَى أَبِي الْوَلِيدِ الْبَاجِيِّ، وَبَيَّنَ خَطَأَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي تَصْنِيفٍ مُفْرَدٍ، وَوَقَعَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ الْهَوَّارِيِّ مَعَهُ قِصَّةٌ فِي مَنَامٍ رَآهُ، مُلَخَّصُهُ: أَنَّهُ كَانَ يَرَى مِمَّا قَالَ الْبَاجِيُّ، فَرَأَى فِي النَّوْمِ قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ يَنْشَقُّ وَيَمِيدُ وَلَا يَسْتَقِرُّ، فَانْدَهَشَ لِذَلِكَ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: لَعَلَّ هَذَا بِسَبَبِ اعْتِقَادِي، ثُمَّ عَقَدْت التَّوْبَةَ مَعَ نَفْسِي فَسَكَنَ وَاسْتَقَرَّ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَصَّ الرُّؤْيَا عَلَى ابْنِ مُعْوَرٍ فَعَبَّرَهَا لَهُ كَذَلِكَ، وَاسْتَظْهَرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] الْآيَاتِ، وَمُحَصَّلُ مَا أَجَابَ بِهِ الْبَاجِيُّ عَنْ ظَاهِرِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ، وَالْكَاتِبَ فِيهَا كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَيْضًا بِلَفْظِ: «لَمَّا صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، كَتَبَ عَلِيٌّ بَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَكَتَبَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» . فَتُحْمَلُ الرِّوَايَةُ الْأُولَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَكَتَبَ، أَيْ فَأَمَرَ الْكَاتِبَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمِسْوَرِ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَفِيهَا: «وَاَللَّهِ وَإِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اُكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» . وَقَدْ وَرَدَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي

стр. 1327

الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ إطْلَاقُ لَفْظِ كَتَبَ بِمَعْنَى أَمَرَ. مِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إلَى قَيْصَرَ» . وَحَدِيثُهُ: «كَتَبَ إلَى النَّجَاشِيِّ» . وَحَدِيثُهُ: «كَتَبَ إلَى كَسْرَى» . وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ كَتَبَ إلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ. وَغَيْرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ الْكَاتِبَ، وَيُشْعِرُ بِذَلِكَ هُنَا قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ لَمَّا «امْتَنَعَ الْكَاتِبُ أَنْ يَمْحُوَ لَفْظَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : أَرِنِي فَمَحَاهُ» . فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ لَمَا احْتَاجَ إلَى قَوْلِهِ: «أَرِنِي» فَكَأَنَّهُ أَرَاهُ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَبَى أَنْ يَمْحُوَهُ، فَمَحَاهُ هُوَ ﷺ بِيَدِهِ، ثُمَّ نَاوَلَهُ لِعَلِيٍّ فَكَتَبَ بِأَمْرِهِ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، بَدَلَ: رَسُولُ اللَّهِ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ الْيَوْمَ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْكِتَابَةِ، وَلَا بِتَمْيِيزِ حُرُوفِهَا، لَكِنَّهُ أَخَذَ الْقَلَمَ بِيَدِهِ فَخَطَّ بِهِ، فَإِذَا هُوَ كِتَابَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى حَسْبِ الْمُرَادِ، وَذَهَبَ إلَى هَذَا الْقَاضِي أَبُو جَعْفَرٍ السَّمْنَانِيُّ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي ظَاهِرِ الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ كَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهَذَا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكْتُبَهُ الْأُمِّيُّ كَمَا يَكْتُبُ الْمُلُوكُ عَلَامَتَهُمْ وَهُمْ أُمِّيُّونَ. ١٥٤٧ - (٩) -[فَصْلٌ] وَأَمَّا الشِّعْرُ فَكَانَ نَظْمُهُ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ بِاتِّفَاقٍ، لَكِنْ فَرَّقَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بَيْنَ الرَّجَزِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْبُحُورِ، فَقَالَ: يَجُوزُ لَهُ الرَّجَزُ دُونَ غَيْرِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الرَّجَزَ ضَرْبٌ مِنْ الشِّعْرِ، وَإِنَّمَا ادَّعَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ الْأَخْفَشُ، وَأَنْكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا جَرَى الْبَيْهَقِيُّ لِذَلِكَ ثُبُوتُ قَوْلِهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» . فَإِنَّهُ مِنْ بُحُورِ الرَّجَزِ، وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا تَمَثَّلَ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي لِأَنَّ غَيْرَهُ: لَا يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ، وَيُزِيلُ عَنْهُ الْإِشْكَالَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الشِّعْرَ فَخَرَجَ مَوْزُونًا، وَقَدْ ادَّعَى ابْنُ الْقَطَّانِ وَأَقَرَّهُ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ شِعْرًا أَنْ يَقْصِدَ لَهُ قَائِلُهُ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ الْأَوَّلُ قَالَ: أَنْتَ النَّبِيُّ لَا كَذِبَ، فَلَمَّا تَمَثَّلَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ غَيَّرَهُ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى هَذَا كُلِّهِ فِي إنْشَائِهِ، وَيَتَأَيَّدُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ بِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ؛ قَالَ: لَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا مِنْ الشِّعْرِ قِيلَ قَبْلَهُ، أَوْ يُرْوَى عَنْ غَيْرِهِ، إلَّا هَذَا، وَهَذَا يُعَارِضُ مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ الزُّهْرِيِّ

стр. 1328

أَيْضًا: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ، زَادَ ابْنُ عَائِذٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ الزُّهْرِيِّ إلَّا الْأَبْيَاتُ الَّتِي كَانَ يَرْتَجِزُ بِهِنَّ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ لِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا إنْشَادُهُ مُتَمَثِّلًا فَجَائِزٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا أُبَالِي شَرِبْت تِرْيَاقًا، أَوْ تَعَلَّقْت بِتَمِيمَةٍ، أَوْ قُلْت الشِّعْرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، فَقَوْلُهُ: «مِنْ قِبَلِ نَفْسِي» احْتِرَازٌ عَمَّا إذَا أَنْشَدَهُ مُتَمَثِّلًا، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مِنْ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ قَوْلُ لَبِيدٍ، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ ابْنِ رَوَاحَةَ» . وَحَدِيثُهَا: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَرَابَ الْخَبَرَ يَتَمَثَّلُ بِقَوْلِ طَرَفَةَ: وَيَأْتِيك بِالْأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدْ» . صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَمَثَّلُ بِهَذَا الْبَيْتِ: كَفَى بِالْإِسْلَامِ وَالشَّيْبِ نَاهِيًا ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا، فَأَعَادَهَا كَالْأَوَّلِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ، وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ» . فَهُوَ مَعَ إرْسَالِهِ فِيهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ رَاوِيهِ عَنْ الْحَسَنِ: عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ: «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ: أَنْتَ الْقَائِلُ: أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعَبِيدِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ ، فَقَالَ:

стр. 1329

إنَّمَا هُوَ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ، فَقَالَ: هُمَا سَوَاءٌ» . فَإِنَّ السُّهَيْلِيَّ قَالَ فِي الرَّوْضِ: إنَّهُ ﷺ قَدَّمَ الْأَقْرَعَ، عَلَى عُيَيْنَةَ، لِأَنَّ عُيَيْنَةَ وَقَعَ لَهُ أَنَّهُ ارْتَدَّ وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ لِلْأَقْرَعِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ النَّحْوِيِّ مُؤَدِّبِ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ شِعْرٍ قَطُّ إلَّا بَيْتًا وَاحِدًا: تَفَاءَلْ بِمَا تَهْوَى يَكُنْ ... فَلَقَلَّ مَا يُقَالُ لِشَيْءٍ كَانَ إلَّا تَحَقَّقُ قَالَتْ عَائِشَةُ: لَمْ يَقُلْ تَحَقَّقَا، لِئَلَّا يُعْرِبَهُ فَيَصِيرَ شِعْرًا» ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ أَكْتُبْ إلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِيهِ مَنْ يُجْهَلُ حَالُهُ، وَقَالَ الْخَطِيبُ: غَرِيبٌ جِدًّا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١٥٤٨ - (١٠) - قَوْلُهُ: «كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ، أَنْ يَنْزِعَهَا حَتَّى يَلْقَى الْعَدُوَّ» . عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا، وَوَصَلَهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ» . وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَأَخْرَجَهَا أَصْحَابُ الْمَغَازِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ شُيُوخِهِ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، وَفِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ: «لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذَا أَخَذَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ، وَاكْتَفَى النَّاسُ بِالْخُرُوجِ إلَى الْعَدُوِّ، أَنْ يَرْجِعَ حَتَّى يُقَاتِلَ» . وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِمِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (فَائِدَةٌ) : اللَّأْمَةُ مَهْمُوزَةٌ سَاكِنَةٌ الدِّرْعُ وَالْجَمْعُ لَأْمٌ كَتَمْرَةٍ وَتَمْرٍ.

стр. 1330

حَدِيثٌ: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» . أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي قِصَّةِ الَّذِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِهِمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَفِيهِ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ مِنْهُمْ، وَأَنَّ عُثْمَانَ اسْتَأْمَنَ لَهُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَبَى أَنْ يُبَايِعَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ بَايَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إلَى هَذَا، حَيْثُ رَآنِي كَفَفْت يَدَيَّ عَنْهُ فَيَقْتُلُهُ. قَالُوا: وَمَا يُدْرِينَا مَا فِي نَفْسِك يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَّا أَوْمَأْت إلَيْنَا بِعَيْنِك، قَالَ: إنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ» . إسْنَادُهُ صَالِحٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «غَزَوْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمَلَ عَلَيْنَا الْمُشْرِكُونَ حَتَّى رَأَيْنَا خَيْلَنَا وَرَاءَ ظُهُورِنَا، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يَحْمِلُ عَلَيْنَا فَيَدُقُّنَا وَيَحْطِمُنَا، فَهَزَمَهُمْ اللَّهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ عَلَيَّ نَذْرًا إنْ جَاءَ اللَّهُ بِالرَّجُلِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَجَاءَ الرَّجُلُ ثَانِيًا، فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ لَا يُبَايِعُهُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي حَلَفَ يَتَصَدَّى لَهُ وَيَهَابُهُ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا بَايَعَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: نَذْرِي: فَقَالَ: إنِّي لَمْ أُمْسِكْ عَنْهُ مُنْذُ الْيَوْمِ إلَّا لِتُوفِيَ بِنَذْرِك، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَوْمَضْت إلَيَّ، فَقَالَ: إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِضَ»

стр. 1331

وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَابْنِ الزِّبَعْرِي، وَابْنِ خَطَلٍ» . فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ: «وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ نَذَرَ إنْ رَأَى ابْنَ أَبِي سَرْحٍ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَذَكَرَ قِصَّةَ اسْتِيمَانِ عُثْمَانَ لَهُ، وَكَانَ أَخَاهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَنْصَارِيِّ: هَلَّا وَفَّيْت بِنَذْرِك؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَنْظَرْتُك فَلَمْ تُومِضْ لِي، فَقَالَ: الْإِيمَاءُ خِيَانَةٌ، وَلَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِئَ» . (فَائِدَةٌ) : حَكَى سِبْطُ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مِرْآةِ الزَّمَانِ، أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ عَبَّادُ بْنَ بِشْرٍ. قَوْلُهُ: وَقِيلَ بِنَاءً عَلَيْهِ: إنَّهُ كَانَ لَا يَبْتَدِي مُتَطَوِّعًا إلَّا لَزِمَهُ إتْمَامُهُ، قُلْت: لَمْ أَرَ لِهَذَا دَلِيلًا إلَّا أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ حَدِيثِ صَلَاتِهِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ: «كَانَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ» وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ. ١٥٥٠ - (١٢) - حَدِيثٌ: «كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا وَرَّى بِغَيْرِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ. ١٥٥١ - (١٣) - قَوْلُهُ: عَنْ صَاحِبِ التَّلْخِيصِ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَخْدَعَ فِي الْحَرْبِ، مَرْدُودٌ بِمَا اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» . ١٥٥٢ - (١٤) - قَوْلُهُ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُطْلَقًا أَوْ مَعَ وُجُودِ الضَّامِنِ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي زِيَادَاتِهِ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِجَوَازِهِ مَعَ الضَّامِنِ، ثُمَّ نُسِخَ

стр. 1332

التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا، إلَى أَنْ قَالَ: وَالْأَحَادِيثُ مُصَرِّحَةٌ بِذَلِكَ، انْتَهَى. وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: «كَانَ ﷺ لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا وَفَاءَ لَهُ» ثُمَّ نُسِخَ، وَاحْتَجَّ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِالْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟ فَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً، صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَامَ، فَقَالَ أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ وَفَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ» . وَفِي الْبَابِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ فِي أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَأَسْمَاءَ فِي الْكَبِيرِ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي النَّاسِخِ لِلْحَازِمِيِّ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ. وَفِي حَدِيثِ سَلَمَةَ أَنَّ الضَّامِنَ كَانَ قَتَادَةَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ الضَّامِنَ كَانَ عَلِيًّا وَيُحْمَلُ عَلَى تَعَدُّدِ الْقِصَّةِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ: كَانَ تَأْدِيبًا لِلْأَحْيَاءِ لِئَلَّا يَسْتَأْكِلُوا أَمْوَالَ النَّاسِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ صَلَاتَهُ تَطْهِيرٌ لِلْمَيِّتِ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ ثَابِتٌ فَلَا تَطْهِيرَ مِنْهُ، فَيَتَنَافَيَانِ وَقِيلَ: كَانَتْ عُقُوبَةً فِي أَمْرِ الدَّيْنِ أَصْلُهَا

стр. 1333

الْمَالُ، ثُمَّ نُسِخَ التَّأْدِيبُ بِالْمَالِ وَمَا تَفَرَّعَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: ذَاكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، يَعْنِي تَحْرِيمَ الْمَنِّ لِيَسْتَكْثِرَ، قُلْت: هُوَ قَوْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ رَجُلٍ، عَنْهُ قَالَ: هِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، وَلِلنَّاسِ مُوَسَّعٌ عَلَيْهِمْ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَطَاوُسٍ، وَأَبِي الْأَحْوَصِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالسُّدِّيِّ، وَمَطَرٍ، وَالضَّحَّاكِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ: أَنَّ الْمُرَادَ لَا يُهْدِي الْهَدِيَّةَ فَيَنْتَظِرَ بِمِثْلِهَا، ثُمَّ سَاقَ عَنْ غَيْرِهِمْ أَقْوَالًا مُخْتَلِفَةً فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ.

стр. 1334

[خَصَائِصِهِ ﷺ فِي مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ] وَمِنْ خَصَائِصِهِ فِي مُحَرَّمَاتِ النِّكَاحِ: ٥٠ - ١٥٥٣ - (١) - إمْسَاكُ مَنْ كَرِهَتْ نِكَاحَهُ، وَاسْتُشْهِدَ لَهُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَكَحَ امْرَأَةً ذَاتَ جَمَالٍ، فَلُقِّنَتْ أَنْ تَقُولَ لَهُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك، فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ قَالَ: لَقَدْ اسْتَعَذْتِ بِمَعَاذٍ الْحَقِي بِأَهْلِك» . انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُشْكِلِهِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ دُونَ مَا فِيهِ أَنَّ نِسَاءَهُ عَلَّمْنَهَا ذَلِكَ، قَالَ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ بَاطِلَةٌ وَقَدْ رَوَاهَا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ. انْتَهَى. قُلْت: فِيهِ الْوَاقِدِيُّ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالضَّعْفِ، وَمِنْ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ: عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَاءَ بِنْتَ النُّعْمَانِ الْجَوْنِيَّةَ فَأَرْسَلَنِي فَجِئْت بِهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: اخْضِبِيهَا أَنْتِ، وَأَنَا أَمْشُطُهَا، فَفَعَلَتَا ثُمَّ قَالَتْ لَهَا إحْدَاهُمَا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُعْجِبُهُ مِنْ الْمَرْأَةِ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَنْ تَقُولَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَغْلَقَ الْبَابَ وَأَرْخَى السِّتْرَ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إلَيْهَا فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك. فَقَالَ بِكُمِّهِ عَلَى وَجْهِهِ فَاسْتَتَرَ بِهِ، وَقَالَ: عُذْت بِمَعَاذٍ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا أُسَيْدٍ أَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا، وَمَنِّعْهَا بِرَازِقِيَّيْنِ، فَكَانَتْ تَقُولُ: اُدْعُونِي الشَّقِيَّةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْوَاقِدِيِّ أَيْضًا مُنْقَطِعَةٍ: «أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ دَاخِلٌ مِنْ النِّسَاءِ وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، فَقَالَتْ: إنَّك مِنْ الْمُلُوكِ فَإِنْ كُنْت تُرِيدِينَ أَنْ تَحْظَيْ عِنْدَهُ فَاسْتَعِيذِي مِنْهُ» - الْحَدِيثَ - وَأَصْلُ حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَعِنْدَهُ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نَحْوُهُ، وَسَمَّاهَا أُمَيْمَةَ بِنْتَ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ، وَفِي ظَاهِرِ

стр. 1335

سِيَاقِهِ مُخَالَفَةٌ لِسِيَاقِ أَبِي أُسَيْدٍ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى التَّعَدُّدِ فِي الْجَوْنِيَّةِ. وَلِلشَّيْخَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ: «أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْك» . وَسَمَّاهَا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَمْرَةَ. وَرَجَّحَ ابْنُ مَنْدَهْ: أُمَيْمَةَ، وَقِيلَ: اسْمُهَا الْعَالِيَةُ، وَقِيلَ: فَاطِمَةُ. وَوَقَعَ مِثْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي النَّسَائِيّ، وَقَالَ: إنَّهَا مِنْ كَلْبٍ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا غَيْرُهَا، لِأَنَّ الْجَوْنِيَّةَ كِنْدِيَّةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَأَمَّا الْكَلْبِيَّةُ فَهِيَ سَنَاءُ بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ، حَكَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ. ١٥٥٤ - (٢) - حَدِيثٌ: «زَوْجَاتِي فِي الدُّنْيَا زَوْجَاتِي فِي الْآخِرَةِ» . لَمْ أَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ ذَكَرَ عَائِشَةَ فَقَالَ: «إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ» . وَأَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ مِنْ حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا وَفِي الْبَيْهَقِيّ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: " إنْ سَرَّك أَنْ تَكُونِي زَوْجَتِي فِي الْجَنَّةِ فَلَا تَتَزَوَّجِي بَعْدِي، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لِآخِرِ أَزْوَاجِهَا فِي الدُّنْيَا ". فَلِذَلِكَ حَرُمَ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَنْكِحْنَ بَعْدَهُ، لِأَنَّهُنَّ زَوْجَاتُهُ فِي الْجَنَّةِ. وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى مَرْفُوعًا: «سَأَلْت رَبِّي أَلَّا أُزَوِّجَ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي، وَلَا أَتَزَوَّجَ إلَيْهِ إلَّا كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ، فَأَعْطَانِي» . أَخْرَجَهُ فِي تَرْجَمَةِ عَلِيٍّ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ، وَفِي مُلَاقَاتِهِ لِحَدِيثِ الْبَابِ تَكَلُّفٌ.
следующие страницы →