← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ آخِرًا وَمِنْ تَوْجِيهِهِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا) بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا وُجِدَ ــ [حاشية العطار] الْمُبَاشَرَةِ. (قَوْلُهُ: وَرَجَعَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ آخِرًا) أَيْ فِي كِتَابِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ فَقَالَ وَالْقَوْلُ الْفَصْلُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يُنَافِي التَّكْلِيفَ ثُمَّ يَرِدُ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِرُجُوعِهِ إلَيْهِ مَعَ قَوْلِ الشَّارِحِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إلَخْ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسَمُّحٌ فِي نَفْيِ الْخِلَافِ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ تَوْجِيهِهِمَا إلَخْ) لِأَنَّ تَوْجِيهَ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى فَرْضِ كَلَامِهِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ وَتَوْجِيهَ الثَّانِي بِقَوْلِهِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ إلَخْ يَدُلُّ فَرْضَ كَلَامِهِ فِيمَا قَبْلَهَا (قَوْلُهُ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ إلَخْ) فِيهِ تَسَمُّحٌ وَالْمُرَادُ أَنَّ نِزَاعَ الْفَرِيقَيْنِ الْوَاقِعَ بِالْفِعْلِ لَمْ يَتَوَارَدُوا فِيهِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَالْخِلَافُ ثَابِتٌ فِيهِمَا حَقِيقَةً. (قَوْلُهُ: وَأَنَّ التَّحْقِيقَ مَعَ الْأَوَّلِ إلَخْ) فَإِنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْفِعْلِ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ فَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَهَا إلَّا كَانَ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ قُبَيْلَ التَّلَبُّسِ بِالْمُكْرَهِ عَلَيْهِ لَا تَكْلِيفَ بِهِ وَلَا بِنِقْضَيْهِ وَبَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالْفِعْلِ لِلْإِكْرَاهِ يَمْتَنِعُ الْإِتْيَانُ بِهِ امْتِثَالًا وَبِنَقِيضِهِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِرُجُوعِ الْمُصَنِّفِ إلَى الثَّانِي وَأَنَّ الْأَوَّلَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَمَبْنِيٌّ عَلَى أُصُولِهِمْ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّحْقِيقُ هُوَ الثَّانِي وَبِالْجُمْلَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ يَقَعْ لَهَا تَحْرِيرٌ عَلَى مَا يَنْبَغِي فِي هَذَا الْكِتَابِ وَلَا فِي مَوَادِّهِ فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ فِيهَا فَلْيُرْجِعْ لِمُطَوَّلَاتِ كُتُبِ الْكَلَامِ وَلِأَجْلِ هَذَا الِاضْطِرَابِ أَمَرَ الشَّارِحُ أَثْنَاءَ الْبَحْثِ بِالتَّأَمُّلِ. (قَوْلُهُ: وَيَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْمَعْدُومِ) قَالَ النَّاصِرُ الْأَمْرُ هُوَ الْإِيجَابُ وَالنَّدْبُ وَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا وَتَنْجِيزِيًّا مَعًا فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَمْرٌ بِالْمَعْدُومِ وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ ذَاتُ الْخِطَابِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْأَمْرَ هُنَا هُوَ الْأَمْرُ الْمَعْنَوِيُّ الْآتِي فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ أَيْ الْكَلَامُ فِي الْأَزَلِ إلَى أَمْرٍ وَغَيْرِهِ لَا الْأَمْرُ التَّنْجِيزِيُّ الَّذِي هُوَ قِسْمٌ مِنْ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَسَيَأْتِي تَنَوُّعُ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ إلَخْ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ أَيْضًا يَكُونُ مَعْنَوِيًّا كَمَا يَكُون تَنْجِيِزيًّا فَإِنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا وَمِنْ شَرْحِهِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ انْقِسَامُ كُلٍّ مِنْ الْحُكْمِ وَالْأَمْرِ إلَى تَنْجِيزِيٍّ وَمَعْنَوِيٍّ فَسَقَطَ الْإِشْكَالُ رَأْسًا وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ قَدْ تُسْتَشْكَلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُورًا فِي حَالِ الْغَفْلَةِ وَلَا يَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْمَوْجُودِ فِي حَالِ غَفْلَتِهِ. أَشْكَلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْدُومِ بَلْ الْغَافِلُ أَوْلَى بِالْجَوَازِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَعْدُومُ مَأْمُورًا بَعْدَ وُجُودِهِ بِالْأَمْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى وُجُودِهِ كَانَ الْغَافِلُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِد

стр. 107

بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْأَمْرِ النَّفْسِيَّ الْأَزَلِيَّ لَا تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا ــ [حاشية العطار] قَبْلَ تَذْكِيرِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَأْمُورًا حَالَ غَفْلَتِهِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي حَالِ غَفْلَتِهِ فَيَكُونُ حُكْمُ الْغَافِلِ كَحُكْمِ الْمَعْدُومِ سَوَاءٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَكُونُ مَأْمُورًا حَالَ عَدَمِهِ وَلَا حَالَةَ غَفْلَتِهِ وَيَكُونُ مَأْمُورًا بَعْدَ وُجُودِهِ أَوْ تَذَكُّرِهِ بِالْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي حَالَةِ الْعَدَمِ وَحَالَةِ الْغَفْلَةِ فِيهِمَا سَوَاءٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا وَجْهَ لِإِفْرَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا اهـ. مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَعْدُومِ هُوَ الْأَمْرُ الْمَعْنَوِيُّ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ حَالَ عَدَمِهِ تَعَلَّقَ بِالْغَافِلِ حَالَ غَفْلَتِهِ بِالْأَوْلَى بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الصَّوَابِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ فَيَشْمَلُ الْمَعْدُومَ حَقِيقَةً وَالْمَوْجُودَ الَّذِي لَمْ يَتَّصِفْ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ فَالْغَافِلُ قَبْلَ وُجُودِهِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ وَلَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ وُجُودِهِ حَالَ غَفْلَتِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِتَعَلُّقِهِ بِهِ حِينَئِذٍ ثُبُوتُ التَّعَلُّقِ بِطَرِيقِ اسْتِمْرَارِ التَّعَلُّقِ حَالَ الْعَدَمِ وَالْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ فِي مَسْأَلَةِ الْغَافِلِ الَّذِي نُفِيَ عَلَى الصَّوَابِ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ لَا تُشْكَلُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَلَا تَشْتَبِهُ هَذَا مُلَخَّصُ مَا قَالَهُ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ مَا يَشْمَلُ مَا وُجِدَ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ لَا يُسَوَّغُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْدُومِ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الْمَعْدُومِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِأَنْ وُجِدَ بِدُونِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ اهـ. بِقَوْلِهِ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّعْمِيمِ لِأَنَّ مَنْ وُجِدَ وَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الْأَمْرُ قَبْلَ وُجُودِهِ وَلَا مَعْنَى لِتَعَلُّقِهِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ وُجُودِهِ وَقَبْلَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ فِيهِ اهـ. لِأَنَّ هَذَا نَقْضٌ لِمَا بَنَى عَلَيْهِ جَوَابَ الْإِشْكَالِ تَأَمَّلْ وَنَعَمْ مَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا يَظْهَرُ تَعَلُّقُهَا بِهَذَا الْفَنِّ أَصْلًا وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ فُرُوعِ الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ. (قَوْلُهُ: بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ) وَمِنْهَا الْبَعْثَةُ لَكِنْ يَجِبُ كَوْنُ الْبَاءِ لِلْمَعِيَّةِ لَا لِلْمُلَابَسَةِ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ الْبَعْثَةُ وَلَا يَصِحُّ مُلَابَسَةُ الشَّخْصِ لَهَا بِخِلَافِ الْمُصَاحَبَةِ قَالَهُ النَّاصِرُ وَكَلَامُ سم هُنَا مَعَهُ بَعِيدٌ عَنْ مَذَاقِ كَلَامِهِ. (قَوْلُهُ: يَكُونُ مَأْمُورًا إلَخْ) إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا عَلَى وَجْهِ التَّنْجِيزِ لَزِمَ تَفْسِيرُ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ وَإِنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا إلَّا بِقَيْدٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَكُونَ مَأْمُورًا حَالَ عَدَمِهِ وَهُوَ نَقِيضُ الْمَطْلُوبِ مِنْ إثْبَاتِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا حَالّ الْعَدَمِ فَاللَّائِقُ بِالْإِيضَاحِ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَعْدُومَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَيُوجَدُ بِشَرْطِ التَّكْلِيفِ طَلَبٌ مِنْهُ فِي الْأَزَلِ مَا يَفْهَمُهُ وَيَعْقِلُهُ إذَا وُجِدَ بِتِلْكَ الشُّرُوطِ فَإِذَا وُجِدَ بِهَا تَعَلَّقَ بِهِ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ بِذَلِكَ الطَّلَبِ الْأَزَلِيِّ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ طَلَبٍ آخَرَ اهـ. وَمِثْلُهُ فِي الْعَضُدِ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّعَلُّقَ وَاحِدٌ فَلِذُلِّك قَالَ النَّاصِرُ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ بَلْ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمَبَاحِثِ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ إذَا اُعْتُبِرَ التَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ وَحْدَهُ كَافِيًا فِي تَحَقُّقِ مَفْهُومِ الْحُكْمِ اهـ. وَهُوَ وَجِيهٌ وَقَالَ النَّجَّارِيُّ ثُمَّ إنَّ هَذَا كُلَّهُ يَعْنِي لُزُومَ التَّنَاقُضِ وَغَيْرُهُ مَبْنِيٌّ كَمَا تَرَى عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ يُسَمَّى حُكْمًا بِدُونِ التَّعْلِيقَيْنِ أَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ مُسَمَّى الْحُكْمِ هُوَ الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ التَّعَلُّقُ بِفِعْلِ

стр. 108

بِأَنْ يَكُونَ حَالَةَ عَدَمِهِ مَأْمُورًا (خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِي نَفْيِهِمْ التَّعْلِيقَ الْمَعْنَوِيَّ أَيْضًا لَنَفِيهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَالنَّهْيَ وَغَيْرَهُ كَالْأَمْرِ وَسَيَأْتِي تَنَوُّعُ الْكَلَامِ فِي الْأَزَلِ عَلَى الْأَصَحِّ إلَى الْأَمْرِ وَغَيْرِهِ. (فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ) ــ [حاشية العطار] الْمُكَلَّفِ عِنْدَ وُجُودِهِ بِشَرَائِطِ التَّكْلِيفِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَا نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْكَمَالُ فَلَا إشْكَالَ اهـ. وَكَلَامُ سم يَقْتَضِي التَّعَدُّدَ فَإِنَّهُ أَجَابَ عَنْ التَّنَاقُضِ بِأَنَّ حَاصِلَ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ تَعْلِيقُ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ عَلَى الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ فَالْمُتَوَقِّفُ عَلَى الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ الْمُنْتَفِي قَبْلَهُ هُوَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَالْمَطْلُوبُ إثْبَاتُهُ قَبْلَ الْوُجُودِ الْمَذْكُورِ هُوَ التَّعَلُّقُ الْمَعْنَوِيُّ اهـ. وَنَازَعَ النَّاصِرُ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا يَثْبُتُ إلَخْ بِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي تَعَلُّقِ الْأَمْرِ لَا الْحُكْمِ وَأَنَّ تَعَلُّقَ الْأَمْرِ قِسْمَانِ مَعْنَوِيٌّ وَتَنْجِيرِيٌّ وَأَنَّ التَّعَلُّقَ الْمَعْنَوِيَّ غَيْرُ الْحُكْمِ التَّنْجِيزِيِّ الَّذِي هُوَ مُرَادُ الشَّارِحِ هُنَا بِالْحُكْمِ فَمِنْ أَيْنَ لَزِمَ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْمَبْحَثِ تَحَقُّقُ مَفْهُومِ الْحُكْمِ عِنْدَ تَحَقُّقِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ حَتَّى يَتَأَتَّى هَذَا الْكَلَامُ مِنْ الشَّيْخِ اهـ. وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ تَعْلِيقَ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لَيْسَ مِنْ التَّعَلُّقِ فِي شَيْءٍ بَلْ يَرْجِعُ لِتَخْصِيصِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ بِمَا بَعْدَ الْوُجُودِ فَلَيْسَ ثَمَّ إلَّا تَعَلُّقٌ وَاحِدٌ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ فَإِنَّ قَصُدَ التَّعَلُّقُ عَلَى حَالَةِ الْوُجُودِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ الشَّارِحِ لَيْسَ تَعَلُّقًا حَالَةَ الْعَدَمِ بَلْ هُوَ عَدَمُ التَّعَلُّقِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَصْلُحُ بَيَانًا لِلتَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَكَوْنِهِ عَدَمًا لِلتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لَا يَجْعَلُهُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا بَلْ هُوَ عَدَمٌ لِلتَّعَلُّقِ فَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَا يَصْلُحُ لِلْبَيَانِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ حَالَةَ عَدَمِهِ إلَخْ) يَنْبَغِي هُنَا إرَادَةُ عَدَمِهِ وَلَوْ حُكْمًا بِأَنْ يُوجَدَ هُوَ وَلَا تُوجَدَ شُرُوطُ التَّكْلِيفِ وَقَوْلُهُ مَأْمُورًا أَيْ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ تَعَلُّقًا تَنْجِيِزيًّا. (قَوْلُهُ: لِنَفْيِهِمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ) وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُقَسَّمِ نَفْيُ الْأَقْسَامِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الْأَمْرُ وَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَمْرِ نَفْيُ تَعَلُّقِهِ قَالَ سم لِبَاحِثٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا النَّفْيُ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ النَّفْيَ لِمَا سَيَأْتِي أَنَّ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ فَهَلَّا أَثْبَتُوا تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا بِمَعْنَى إرَادَةِ الْفِعْلِ مِنْهُ إذَا وُجِدَ بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ اهـ وَيُدْفَعُ بِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ وَنَفْيُهُمْ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ يَقْتَضِي نَفْيَ الْأَمْرِ الْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ يَقْتَضِي نَفْيَ تَعَلُّقِهِ وَأَمَّا أَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الْإِرَادَةِ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا فَشَيْءٌ آخَرُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَعَرُّضٌ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ وَغَيْرُهُ) النَّهْيُ يَشْمَلُ غَيْرَ الْجَازِمِ أَيْضًا فَيَنْحَصِرُ قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ فِي الْإِبَاحَةِ وَقَوْلُهُ كَالْأَمْرِ أَيْ فَيَتَعَلَّقَانِ بِالْمَعْدُومِ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَقَوْلُهُ سَيَأْتِي أَيْ فَتَسْمِيَةُ الْمُصَنِّفِ لَهُ أَمْرًا بِحَسَبِ الْأَزَلِ صَحِيحٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَصَحُّ مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ يَتَنَوَّعُ فِي الْأَزَلِ إلَى الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ لَا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَنَوَّعُ فِي الْأَزَلِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي تَرْكِ التَّعَرُّضِ لِتَعَلُّقِ النَّهْيِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ مَفْهُومٌ مِمَّا سَيَأْتِي وَلَا يَرِدُ أَنَّ تَعَلُّقَ الْأَمْرِ مَفْهُومٌ أَيْضًا مِمَّا سَيَأْتِي فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ لِأَنَّ وَجْهَ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ وَعَلَى مُخَالَفَةِ الْمُعْتَزِلَةِ لِئَلَّا يُغْفَلَ عَنْ ذَلِكَ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ الْفِعْلَ) قَالَ الْكُورَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ جَعَلَ الْمُقَسَّمَ نَفْسَ الْخِطَابِ دُونَ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ الْخِطَابَ جِنْسُ الْحُكْمِ فَالْعُدُولُ عَنْ الْحُكْمِ لَا وَجْهَ لَهُ الثَّانِي أَنَّهُ جَعَلَ التَّرْكَ فِي الْحَرَامِ مُتَعَلِّقَ الِاقْتِضَاءِ وَهُوَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ غَيْرُ مَقْدُورٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْكَفِّ الثَّالِثُ: أَنَّهُ جَعَلَ خِلَافَ الْأَوْلَى مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَوَّلِيَّةِ لِلْحُكْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ جَعَلَ تِلْكَ الْأَقْسَامَ لِلْخِطَابِ مِمَّا لَا مَانِعَ عَنْهُ وَكَوْنُهُ جِنْسًا لِلْحُكْمِ غَيْرُ مَانِعٍ وَوَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ تَقْسِيمِ الْحُكْمِ بَيَانُ صِحَّةِ جَعْلِهَا أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ رَدًّا لِمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ جَعْلِ بَعْضِهِمْ إيَّاهَا أَقْسَامًا لِلْحُكْمِ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةٌ وَالتَّعْبِيرُ الْوَاقِعُ هُنَا وَاقِعٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفِ الْمُرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ فَالْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ إلَخْ فَالْمُصَنِّفُ تَبِعَ الْقَوْمَ هُنَا فِي التَّعْبِيرِ بِالتَّرْكِ ثُمَّ حَقَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُ وَمِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ مِمَّا هُنَا. وَعَنْ

стр. 109

أَيْ طَلَبَ ــ [حاشية العطار] الثَّالِثِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ تَعَرُّضٌ لِكَوْنِ الْأَقْسَامِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَوَّلِيَّةٌ أَوْ ثَانَوِيَّةٌ بَلْ عِبَارَتُهُ مُحْتَمَلَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بَيَانَ الْأَقْسَامِ فِي الْجُمْلَةِ لِتَعَلُّقِ الْغَرَضِ بِبَيَانِهَا كَذَلِكَ إذْ لَا فَائِدَةَ لِلْأُصُولِيِّ فِي تَمْيِيزِ الْأُولَى مِنْهَا عَنْ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَجْعَلْهَا أَقْسَامًا لِلْحُكْمِ بَلْ لِلْخِطَابِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ مِمَّا أَطَالَ فِيهِ الْكَلَامَ وَيَرِدُ عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ فِي الْحَقِيقَةِ لِنَوْعٍ مِنْ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ لَا الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ فَإِنَّ أَقْسَامَهُ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذُكِرَ فَإِنَّ مِنْهُ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ. ثُمَّ إنَّ الْأُصُولِيَّ لَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْخِطَابِ الْعَامِّ وَإِنَّمَا تَعَلُّقُهُ بِنَوْعٍ مِنْهُ مُسَمًّى بِالْحُكْمِ فَأَيُّ دَاعٍ لِجَعْلِ الْمُقَسَّمِ مُطْلَقَ الْخِطَابِ مَعَ أَدَائِهِ إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَمِ الِانْحِصَارِ وَتَصْحِيحِ جَعْلِهَا أَقْسَامًا لِلْخِطَابِ مَا يَحْتَاجُ لِمَعُونَةٍ بِأَنْ يُرَادَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ إلَخْ فَيَعُودُ لِلْحُكْمِ وَعَلَى الثَّانِي أَنَّ الْمُوَرَّدَ نَفْسَهُ أَجَابَ مِمَّا يَرْجِعُ إلَيْهِ جَوَابُهُ فَلَا حَاجَةَ لِجَوَابِهِ الدَّاعِي لِلتَّكْرَارِ وَعَلَى الثَّالِثِ أَنَّ الْمُتَبَادِرَ فِي التَّقْسِيمَاتِ الَّتِي تُذْكَرُ أَوَّلَ الْمَبَاحِثِ هِيَ التَّقْسِيمَاتُ الْأَوَّلِيَّةُ كَمَا هُوَ الشَّائِعُ بَيْنَ أَرْبَابِ التَّدْوِينِ. وَفِي الْكَمَالِ أَنَّ إسْنَادَ الِاقْتِضَاءِ إلَى الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ مَجَازٌ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الِاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ النَّفْسِيَّيْنِ خِطَابٌ نَفْسِيٌّ لَا أَمْرٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ مُغَايِرٌ لَهُ وَكَتَبَ حَاشِيَةً عَلَى هَذَا نَصُّهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ جَعَلَ لِلِاقْتِضَاءِ اقْتِضَاءً أُسْنِدَ إلَيْهِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ جَدَّ جَدُّهُ حَيْثُ جَعَلُوا لِلْجَدِّ جَدًّا أَسْنَدُوهُ إلَيْهِ اهـ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِطَابِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فَلَيْسَ مَصْدَرًا أَصْلًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا اقْتَضَى وُقُوعَ الْخِطَابِ هُنَا عَلَى الِاقْتِضَاءِ يَمْنَعُ مِنْهُ قِسْمُ الْإِبَاحَةِ الْآتِي فِي الِاقْتِضَاءِ إذْ لَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ قَوْلُ الشَّارِحِ فِي اعْتِرَاضِهِ الْآتِي عَلَى الْمُصَنِّفِ. وَالصَّوَابُ أَوْ خُيِّرَ لِبَقَاءِ الْمَحْذُورِ بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ فِي خُيِّرَ إلَى الْخِطَابِ بِمَعْنَى الِاقْتِضَاءِ عَلَى هَذَا فَالْوَجْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاقْتِضَاءِ هُنَا الطَّلَبُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَيَرْجِعُ لِتَعَلُّقِ الْخِطَابِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اشْتِقَاقُ الْفِعْلِ وَهُوَ اقْتَضَى مِنْهُ لَا بِمَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الَّذِي هُوَ مَبْنَى الِاعْتِرَاضِ وَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخِطَابِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْإِسْنَادُ مِنْ قَبِيلِ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى مَا هُوَ كَالْآلَةِ لَهُ كَمَا قَالُوا فِي إسْنَادِ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ لِلْقُدْرَةِ لَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وُقُوعُ الْمَجَازِ فِي التَّعْرِيفِ لِأَنَّا نَقُولُ كَمَا فِي سم أَنَّ التَّعَارِيفَ الضِّمْنِيَّةَ لَا تَضَايُقَ

стр. 110

كَلَامِ اللَّهِ النَّفْسِيَّ (الْفِعْلُ) مِنْ الْمُكَلَّفِ لِشَيْءِ (اقْتِضَاءً جَازِمًا) بِأَنْ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ ــ [حاشية العطار] فِيهَا أَوْ يُدَّعَى شُهْرَةُ هَذَا الْمَجَازِ اهـ. وَوَجْهُ كَوْنِهِ تَعْرِيفًا ضِمْنِيًّا أَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ التَّقْسِيمِ إذْ التَّقَاسِيمُ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعَارِيفِ الْأَقْسَامِ وَوَجْهُ عَدَمِ الْمُضَايَقَةِ أَنَّ الْمَقْصُودَ التَّقْسِيمُ دُونَ التَّعْرِيفِ وَأَمَّا دَعْوَى أَشَهْرِيَّةِ الْمَجَازِ فَلَا تَتِمُّ فِي نَفْسِهَا هُنَا وَالْقَوْلُ بِذَلِكَ فِي كُلِّ اعْتِرَاضٍ عَلَى التَّعْرِيفِ بِوُقُوعِ الْمَجَازِ فِيهِ يَسُدُّ بَابَ الِاعْتِرَاضِ لِجَرَيَانِهِ فِي كُلِّ مَجَازٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ. (قَوْلُهُ: كَلَامُ اللَّهِ النَّفْسِيُّ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ اللَّامَ فِي الْخِطَابِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ وَالْمَعْهُودُ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ سَابِقًا فِي قَوْلِهِ وَالْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ إلَخْ لَكِنْ لَا بِاعْتِبَارِ الْقُيُودِ لِئَلَّا يَقَعَ تَكْرَارٌ إذَا طُلِبَ الْفِعْلُ مَثَلًا مِنْ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْقُيُودِ بِجَعْلِ مَا هُنَا تَفْصِيلًا لِلْإِجْمَالِ السَّابِقِ. (قَوْلُهُ: الْفِعْلُ) الْمُرَادُ بِهِ مَا يَشْتَمِلُ نَحْوَ الْقَوْلِ وَالنِّيَّةِ. (قَوْلُهُ: مِنْ الْمُكَلَّفِ لِشَيْءٍ) الْجَارَّانِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْفِعْلِ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي هُوَ الْإِيجَادُ مَعَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ إنَّمَا هُوَ الْأَثَرُ الْحَاصِلُ مِنْ الْفِعْلِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ. وَأَمَّا الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ فَأَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفَ قَوْلِهِ لِشَيْءٍ وَحَمْلُ الْفِعْلِ عَلَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ عِبَارَةَ الشَّارِحِ لَا تُنَافِي أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ لِأَثَرٍ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ تَعْلِيقَ الِاقْتِضَاءِ بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ إيجَادُ الْأَثَرِ لِتَوَسُّطِهِ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ الْأَثَرِ فَإِنَّ مَعْنَى وُجُوبِ الْأَثَرِ وُجُوبُ الْإِتْيَانِ بِهِ أَيْ إدْخَالُهُ فِي الْوُجُودِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْفِعْلِ بِالتَّرْكِ قَرِينَةٌ عَلَى إرَادَةِ فِعْلِ الشَّيْءِ وَكَوْنُ الْمُرَادِ مِنْ التَّرْكِ الْكَفُّ لَا يُنَافِي ذَلِكَ اهـ. وَفِيهِ اعْتِرَافٌ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ مُكَلَّفٌ بِهِ أَيْضًا لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِتَوَقُّفِ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُمْ التَّكْلِيفُ إنَّمَا هُوَ بِالْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ أَيْ بِالذَّاتِ فَلَا يُنَافِي أَنَّ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ مُكَلَّفٌ بِهِ تَبَعًا لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ بِهِ فَهُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ (قَوْلُهُ: اقْتِضَاءً جَازِمًا) الِاقْتِضَاءُ لَيْسَ بِجَازِمٍ حَقِيقَةً وَلَا مُنْقَسِمٌ إلَى مَجْزُومٍ بِهِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ كُلَّ طَلَبٍ حَاصِلٍ فَهُوَ مَجْزُومٌ بِحُصُولِهِ وَإِنْ كَانَ طَلَبَ نَدْبٍ بَلْ الطَّلَبُ مَجْزُوم فِيهِ بِمُتَعَلِّقِهِ أَيْ مَقْطُوعٌ فِيهِ بِأَنَّ مُتَعَلِّقَهُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَإِسْنَادُ جَازِمًا إلَى ضَمِيرِ الِاقْتِضَاءِ مَجَازٌ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلْفَاعِلِ

стр. 111

(فَإِيجَابٌ) أَيْ فَهَذَا الْخِطَابُ يُسَمَّى إيجَابًا (أَوْ) اقْتِضَاءً (غَيْرَ جَازِمٍ) بِأَنْ جَوَّزَ تَرْكَهُ (فَنُدِبَ) . (أَوْ) اقْتَضَى (التَّرْكَ) لِشَيْءٍ اقْتِضَاءً (جَازِمًا) بِأَنْ لَمْ يُجَوِّزْ فِعْلَهُ (فَتَحْرِيمٌ) . (أَوْ) اقْتِضَاءً غَيْرَ جَازِمٍ ــ [حاشية العطار] إلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ الْمَجَازِيِّ وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ الْإِدْرَاكُ الْجَازِمُ قَالَهُ النَّاصِرُ. (قَوْلُهُ: فَإِيجَابٌ) أَنْسَبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَوُجُوبٌ وَمِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَوَاجِبٌ لِأَنَّ الْإِيجَابَ هُوَ الْحُكْمُ وَالْوُجُوبُ أَثَرُهُ وَالْوَاجِبُ مُتَعَلِّقُهُ. وَقَوْلُهُ فَتَحْرِيمٌ أَنْسَبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَحُرْمَةٌ وَمِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ فَحَرَامٌ لِمَا عُرِفَ وَإِنْ كَانَ التَّعْبِيرُ بِكُلٍّ مِنْهَا صَحِيحًا إذْ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ خِطَابُ اللَّهِ إذَا أَنْسَبُ إلَى الْحَاكِمِ سُمِّيَ إيجَابًا أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ إلَى مَا فِيهِ الْحُكْمُ وَهُوَ الْفِعْلُ يُسَمَّى وُجُوبًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ حُرْمَةً أَوْ حَرَامًا فَالْوُجُوبُ وَالْإِيجَابُ مَثَلًا مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بِالِاعْتِبَارِ وَيَأْتِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ فِيمَنْ عَبَّرَ بِهَا وَمَنْ عَبَّرَ بِالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ وَالْمُبَاحِ اهـ. زَكَرِيَّا وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ بِالْخِطَابِ لَا نَفْسَ الْخِطَابِ وَإِنَّ جَعْلَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ تَسَامُحٌ لَا يُقَالُ لَا تَغَايُرَ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْحُكْمِ وَدَلِيلِهِ لِأَنَّهُ نَفْسُ قَوْلِهِ افْعَلْ لِأَنَّا نَقُولُ الْحُكْمُ هُوَ الْقَوْلُ النَّفْسِيُّ عَلَى مَا يُنَاسِبُ مَعْنَاهُ الْمَصْدَرِيَّ وَالدَّلِيلُ هُوَ الْقَوْلُ اللَّفْظِيُّ (أَوْ اقْتَضَى التَّرْكَ) أَيْ الْكَفَّ قَالَ الْعَضُدُ يَرِدُ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْكَفِّ فِي قَوْلِهِ كُفَّ نَفْسَك فَعَلَى حَدِّ الْوُجُوبِ عَكْسًا وَعَلَى حَدِّ التَّحْرِيمِ طَرْدًا أَيْ لِخُرُوجِهِ عَنْ حَدِّ الْوُجُوبِ وَدُخُولِهِ فِي حَدِّ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ إيجَابٌ لِلْكَفِّ تَحْرِيمٌ لِلْفِعْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ فِيهِمَا بِأَنْ يُقَالَ الطَّلَبُ إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ أَوْ مِنْ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِالْكَفِّ عَنْهُ اهـ. أَيْ فَيُعْتَبَرُ قَيْدُ الْحَيْثِيَّةِ فِيهِمَا بِأَنْ يُقَالَ هُوَ إيجَابٌ أَوْ نَدْبٌ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِفِعْلٍ هُوَ الْكَفُّ وَتَحْرِيمٌ أَوْ كَرَاهَةٌ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِالْكَفِّ عَنْ فِعْلٍ فَظَهَرَ أَنَّ الْفِعْلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُتَنَاوِلٌ لِلْكَفِّ وَأَنَّ إسْقَاطَ الْمُصَنِّفِ فِيهِ غَيْرَ الْكَفِّ الَّذِي زَادَهُ غَيْرُهُ فِي حَدَّيْ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ الْمُعْتَبَرِ قَالَ السَّيِّدُ وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَى الْوُجُوبِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ الصَّوْمُ وَاجِبًا لِأَنَّ صُومُوا طَلَبٌ لِفِعْلٍ هُوَ كَفٌّ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُمْنَعَ كَوْنُهُ كَفًّا لِأَنَّ جُزْأَهُ أَعْنِي النِّيَّةَ غَيْرُ كَفٍّ اهـ. وَالنَّاصِرُ أَوْرَدَ مَا أَوْرَدَهُ الْعَضُدُ سَاكَتَا

стр. 112

(بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ) بِالشَّيْءِ كَالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسُ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ «فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينَ» (فَكَرَاهَةٌ) أَيْ فَالْخِطَابُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالْمَخْصُوصِ يُسَمَّى كَرَاهَةً وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَخْصُوصِ دَلِيلُ الْمَكْرُوهِ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ أَوْ دَلِيلُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مِنْ الْمَخْصُوصِ (أَوْ بِغَيْرِ مَخْصُوصٍ) بِالشَّيْءِ ــ [حاشية العطار] عَنْ جَوَابِهِ فَشَنَّعَ عَلَيْهِ سم بِمَا رَأَيْنَا تَرْكَهُ خَيْرًا مِنْ نَقْلِهِ وَفِي حَاشِيَةِ السَّيِّدِ عَلَى الشَّمْسِيَّةِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالنَّهْيِ لَيْسَ هُوَ عَدَمَ الْفِعْلِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ إلَى الْفَهْمِ لِأَنَّ عَدَمَهُ مُسْتَمِرٌّ مِنْ الْأَزَلِ فَلَا يَكُونُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ وَلَا حَاصِلًا بِتَحْصِيلِهِ بَلْ الْمَطْلُوبُ بِهِ هُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ وَحِينَئِذٍ يُشَارِكُ الْأَمْرُ النَّهْيَ فِي أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْكَفُّ عَنْ فِعْلٍ آخَرَ وَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ إدْرَاجُهُ فِي الْأَمْرِ وَيُمْكِنُ إخْرَاجُهُ عَنْهُ بِأَنْ يُقَيَّدَ الْأَمْرُ بِأَنَّهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ كَمَا فَعَلَهُ بَعْضُهُمْ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى مِنْهُمْ إلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ بِالنَّهْيِ هُوَ عَدَمُ الْفِعْلِ وَهُوَ مَقْدُورٌ لِلْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ اسْتِمْرَارِهِ إذْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ الْفِعْلَ فَيَزُولُ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ وَلَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ فَيَسْتَمِرُّ. اهـ. قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ قَوْلُهُ طَلَبُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ أَيْ عَنْ فِعْلٍ آخَرَ سَوَاءٌ كَانَ طَلَبَ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ نَحْوُ اضْرِبْ أَوْ طَلَبَ الْكَفِّ لَكِنْ لَا يَكُونُ عَنْ فِعْلٍ آخَرَ بِأَنْ يَكُونَ طَلَبَ مُطْلَقِ الْكَفِّ نَحْوُ اُكْفُفْ أَوْ تَكُونُ الْخُصُوصِيَّةُ مُسْتَفَادَةً مِنْ ذِكْرِ الْمُتَعَلِّقِ نَحْوُ اُكْفُفْ عَنْ الزِّنَا قَالَ فَتَدَبَّرْ فَإِنَّهُ دَقِيقٌ. (قَوْله بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ) أَيْ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ لَفْظِيٍّ لِأَنَّهُ الدَّلِيلُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ فَالْخِطَابُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالْخُصُوصِ. (قَوْلُهُ: كَالنَّهْيِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ إلَخْ) مَثَّلَ بِحَدِيثَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي النَّهْيِ بَيْنَ اقْتِرَانِهِ بِعِلَّةِ حُكْمِهِ وَعَدَمِ اقْتِرَانِهِ بِهَا. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا) أَيْ الْإِبِلَ خُلِقَتْ مِنْ الشَّيَاطِينِ أَيْ طُبِعَتْ عَلَى طَبْعِهِمْ مِنْ النُّفُورِ وَالتَّوَحُّشِ فَهُوَ عَلَى حَدِّ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مِنْ عَجَلٍ أَيْ وَإِذَا كَانَتْ عَلَى طَبْعِ الشَّيَاطِينِ كَانَتْ أَعْطَانُهَا مَظِنَّةَ الشَّيَاطِينِ لِأَنَّ اتِّحَادَ الطِّبَاعِ مَظِنَّةُ ائْتِلَافِ الذَّوَاتِ كَمَا قِيلَ شَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَخْصُوصِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْكَرَاهَةَ الْمُتَحَقِّقَةَ حَيْثُ كَانَ دَلِيلُ الْمَكْرُوهِ إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا الْحَدُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ التَّقْسِيمِ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ كَوْنُ الِاقْتِضَاءِ بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ وَكُلٌّ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ لَيْسَ نَهْيًا فَقَوْلُهُ عَنْ الْمَخْصُوصِ أَيْ عَنْ النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ فَلَيْسَ مَنْشَأُ السُّؤَالِ مُجَرَّدَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَيْسَ مَخْصُوصًا وَإِلَّا فَالْإِجْمَاعُ عَلَى الْمَخْصُوصِ وَقِيَاسُ الْمَخْصُوصِ مَخْصُوصٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَنْشَأَ السُّؤَالِ مُجَرَّدُ مَا ذُكِرَ وَهُوَ ظَاهِرُ لَفْظِ الشَّارِحِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَلْحُوظُ مُجَرَّدَ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ خُصُوصِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالْمَقِيسِ فَتَأَمَّلْ اهـ. سم. وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّأَمُّلِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ الْمُثْبِتَيْنِ لِلْكَرَاهَةِ لَا مُطْلَقِ إجْمَاعٍ وَقِيَاسٍ حَتَّى يَتِمَّ مَا ذَكَرَهُ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ مُخَالَفَةُ مَنْشَأِ السُّؤَالِ لِمَوْرِدِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ فَإِنَّ مَوْرِدَ السُّؤَالِ هُنَا التَّعْرِيفُ الضِّمْنِيُّ الْمُسْتَفَادُ مِنْ التَّقْسِيمِ وَمَنْشَؤُهُ مَا ذَكَرَهُ فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: إجْمَاعًا أَوْ قِيَاسًا) حَالٌ مِنْ دَلِيلٍ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ دَلِيلَ الْمَكْرُوهِ. (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ أَوْ دَلِيلُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَخْصُوصِ قَالَ سم فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ اللَّازِمَ لِلْإِجْمَاعِ مُطْلَقُ الْمُسْتَنِدِ أَمَّا كَوْنُهُ نَهْيًا مَخْصُوصًا فَمِنْ أَيْنَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ غَيْرَ الْمَخْصُوصِ فَإِنْ قِيلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا يَكُونُ إلَّا لِمُسْتَنَدٍ مَخْصُوصٍ قُلْنَا هَذَا مَمْنُوعٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ خُصُوصًا وَتَخْصِيصُ الْكَرَاهَةِ بِمَا كَانَ بِنَهْيٍ مَخْصُوصٍ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ مُتَأَخِّرٌ عَنْ عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ حُدُوثَهُ لَا يُنَافِي اعْتِبَارَ الْمَخْصُوصِيَّةِ فِي الْكَرَاهَةِ عَلَى أَنَّ الِاصْطِلَاحَ الْقَدِيمَ تَفْسِيرُ الْمَخْصُوصِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي قَصَرَ الِاصْطِلَاحُ الْحَادِثُ اسْمَ الْكَرَاهَةِ عَلَيْهَا فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ) أَيْ النَّهْيُ اللَّفْظِيُّ وَمَعْنَى كَوْنِهِ لَفْظِيًّا أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ يُفِيدُهُ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ الْمُسْتَفَادُ إلَخْ لَا أَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ لَفْظًا لِعَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ هُنَا وَقَوْلُهُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ أَوَامِرِهَا أَيْ اللَّفْظِيَّةِ وَفِي كَلَامِهِ

стр. 113

فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِ (فَخِلَافُ الْأَوْلَى) أَيْ فَالْخِطَابُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ يُسَمَّى خِلَافَ الْأَوْلَى كَمَا يُسَمَّى مُتَعَلِّقُهُ بِذَلِكَ فِعْلًا كَانَ كَفِطْرِ مُسَافِرٍ لَا يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ كَمَا سَيَأْتِي أَوْ تَرْكًا كَتَرْكِ صَلَاةِ الضُّحَى وَالْفَرْقُ بَيْنَ قِسْمِي الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الطَّلَبَ ــ [حاشية العطار] مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ الْمُقْتَضِيَةُ لِلتَّوْزِيعِ أَيْ وَهُوَ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ هَذَا الْمَنْدُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ وَالنَّهْيُ عَنْ تَرْكِ ذَلِكَ الْمَنْدُوبِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْأَمْرِ بِهِ وَكَذَا سَيَأْتِي تَوْجِيهُ تَسْمِيَتِهِ غَيْرَ مَخْصُوصٍ مَعَ كَوْنِ مُتَعَلِّقِهِ خَاصًّا وَهُوَ تَرْكُ الْمَنْدُوبِ مَثَلًا قَالَ النَّاصِرُ السِّرُّ فِي جَمْعِ الْأَوَامِرِ وَإِفْرَادِ النَّهْيِ تَعَدُّدُ مُتَعَلِّقَاتِ الْأَوَامِرِ وَهِيَ الْأَفْعَالُ الْمُتَنَوِّعَةُ يَعْنِي الْمُعَبَّرَ عَنْهَا فِي كَلَامِهِ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَاتِّحَادُ مُتَعَلِّقِ النَّهْيِ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ تَرْكِ الْمَنْدُوبَاتِ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ لَفْظُهُ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِ) وَإِنَّمَا قَالَ هُنَا مُسْتَفَادٌ يُفِيدُ فِي مَبْحَثِ الْأَمْرِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ تَرْكِهِ أَوْ يَتَضَمَّنُهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ هُنَا اللَّفْظَانِ وَفِيمَا سَيَأْتِي النَّفْسِيَّانِ وَفِي الْأَوَّلَيْنِ تَنْتَفِي الْعَيْنِيَّةُ وَالتَّضْمِينُ وَفِي الْآخَرَيْنِ تَنْتَفِي الْإِفَادَةُ الَّتِي هِيَ الدَّلَالَةُ. اهـ. نَاصِرٌ. (قَوْلُهُ: الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ) قَالَ سم قَدْ يُسْتَشْكَلُ ذَلِكَ لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ لِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ صِيغَةً دَالَّةً عَلَى طَلَبِ التَّرْكِ الْمُسَمَّى بِخِلَافِ الْأَوْلَى مَعَ انْتِفَاءِ الصِّيغَةِ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ قَطْعًا. وَأَقُولُ سَلَّمْنَا هَذَا الِاقْتِضَاءَ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا الصِّيغَةُ بِالْقُوَّةِ لِأَنَّ وُرُودَ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْمَنْدُوبِ الْمُفِيدَةِ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فِي قُوَّةِ وُرُودِ صِيغَةِ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَلَا إشْكَالَ. (قَوْلُهُ: كَمَا يُسَمَّى مُتَعَلِّقُهُ بِذَلِكَ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ الْخِطَابَ الْمَذْكُورَ مُتَعَلِّقٌ بِتَرْكِ الشَّيْءِ وَالْمُسَمَّى بِخِلَافِ الْأَوْلَى ذَلِكَ الشَّيْءُ لَا تَرْكُهُ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْخِطَابِ فَإِنَّ ذَلِكَ التَّرْكَ هُوَ الْأَوْلَى لَا خِلَافُ الْأَوْلَى. وَأَجَابَ سم فَقَالَ كَمَا أَنَّ التَّرْكَ مُتَعَلَّقُ الْخِطَابِ كَذَلِكَ الشَّيْءُ نَفْسُهُ مُتَعَلَّقُهُ لِأَنَّهُ مُتَعَلَّقُ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُهُ وَمُتَعَلَّقُ الْمُتَعَلَّقِ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَاسِطَةِ فَالْمُتَعَلَّقُ صَادِقٌ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِالْوَاسِطَةِ وَهَذَا أَعْنِي الْمُتَعَلِّقَ بِالْوَاسِطَةِ هُوَ الْمُرَادُ هُنَا بِقَرِينَةِ تَمْثِيلِهِ لِلْمُتَعَلِّقِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلَّقُ الْمُتَعَلِّقِ فَإِنْ قُلْت قَدْ اُشْتُهِرَ أَنَّ الْمِثَالَ لَا يُخَصَّصُ فَالتَّمْثِيلُ لِمُتَعَلَّقِ الْمُتَعَلِّقِ لَا يَمْنَعُ إرَادَةَ نَفْسِ الْمُتَعَلِّقِ أَيْضًا قُلْت الِاقْتِصَارُ فِي التَّمْثِيلِ عَلَى مُتَعَلَّقِ الْمُتَعَلِّقِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ فِيهِ وَاعْلَمْ أَنَّ التَّرْكَ فِي قَوْلِهِ أَوْ تَرْكًا الْمُمَثَّلَ بِهِ لِلْمُتَعَلِّقِ بِالْوَاسِطَةِ غَيْرُ التَّرْكِ الَّذِي هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِلَا وَاسِطَةٍ فَالْأَمْرُ بِصَلَاةِ الضُّحَى يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ تَرْكِهَا وَالنَّهْيُ مَعْنَاهُ طَلَبُ التَّرْكِ فَحَاصِلُ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ تَرْكِهَا طَلَبُ تَرْكِ تَرْكِهَا فَالتَّرْكُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِلَا وَاسِطَةٍ. وَالثَّانِي هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْوَاسِطَةِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِلَا وَاسِطَةٍ لَا يَكُونُ إلَّا تَرْكًا وَأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْوَاسِطَةِ قَدْ يَكُونُ تَرْكًا كَمَا فِي تَرْكِ الضُّحَى وَقَدْ يَكُونُ فِعْلًا كَمَا فِي فِطْرِ الْمُسَافِرِ الْمَذْكُورِ وَبِمَا مَرَّ يُعْلَمُ انْدِفَاعُ الِاسْتِشْكَالِ بِأَنَّ فِي كَلَامِهِ تَقْسِيمَ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ) أَيْ الْفَارِقُ أَوْ عَلَى ظَاهِرِهِ. (قَوْلُهُ: بَيْنَ قِسْمَيْ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ) الْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةٌ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَقُلْ بَيْنَ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ أَخْصَرُ لِأَنَّ الْفَرْقَ لَيْسَ بَيْنَ قِسْمَيْهِمَا وَهُمَا الطَّلَبُ بِالْمَخْصُوصِ وَالطَّلَبُ بِغَيْرِهِ اهـ. وَقَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ يُرِيدُ بِالْقِسْمَيْنِ الشَّيْئَيْنِ الْمَطْلُوبَيْنِ بِالْمَخْصُوصِ وَبِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ إنَّ الطَّلَبَ فِي الْمَطْلُوبِ بِالْمَخْصُوصِ إلَخْ وَقَوْلُهُ فَالِاخْتِلَافُ فِي شَيْءٍ أَمَكْرُوه هُوَ إلَخْ وَنَقَلَ سم عَنْ النَّاصِرِ فِي دَرْسِهِ أَنَّ الْقِسْمَيْنِ هُمَا النَّهْيُ الْمَخْصُوصُ وَغَيْرُ الْمَخْصُوصِ الدَّالَيْنِ عَلَى الطَّلَبَيْنِ وَحِينَئِذٍ يُشْكَلُ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلَفْظِ قِسْمَيْ إلَّا أَنْ يُقَالَ فَائِدَتُهَا الْإِجْمَالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ وَتُجْعَلُ إضَافَتُهَا مِنْ إضَافَةِ الْأَعَمِّ اهـ. وَقَالَ النَّاصِرُ فِي الْحَاشِيَةِ فَرَّقَ بِذَلِكَ بَيْنَ النَّهْيَيْنِ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِهِ لِيُعْلَمَ مِنْهُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ

стр. 114

فِي الْمَطْلُوبِ بِالْمَخْصُوصِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الْمَطْلُوبِ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ فَالِاخْتِلَافُ فِي شَيْءٍ أَمَكْرُوهٌ هُوَ أَمْ خِلَافُ الْأَوْلَى اخْتِلَافٌ فِي وُجُودِ الْمَخْصُوصِ فِيهِ كَ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ خِلَافَ الْأَوْلَى وَقِيلَ مَكْرُوهٌ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ» وَأُجِيبَ بِضَعْفِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَتَقْسِيمُ خِلَافِ الْأَوْلَى زَادَهُ الْمُصَنِّفُ عَلَى الْأُصُولِيِّينَ أَخْذًا مِنْ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَابَلُوا الْمَكْرُوهَ بِخِلَافِ الْأَوْلَى فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا وَمِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ بِالنَّهْيِ ــ [حاشية العطار] الْخِطَابَيْنِ الْمَدْلُول عَلَيْهِمَا بِهِمَا. اهـ. وَمَا قَالَهُ الْأَوَّلَانِ أَوْفَقُ بِكَلَامِ الشَّارِحِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَعْلِيلِ الشِّهَابِ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَطْلُوبِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ أَنَّ الطَّلَبَ لِلتَّرْكِ الْكَائِنَ فِي نَهْيِ أَوْ تَرْكِ الْمَطْلُوبِ تَرْكُهُ بِالْمَخْصُوصِ وَمَعْنَى كَيْنُونَتِهِ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِهِ. (قَوْلُهُ: أَشَدُّ) وَجْهُ الْأَشَدِّيَّةِ أَنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَ مَا ثَبَتَ قَصْدًا وَمَا ثَبَتَ ضِمْنًا وَالْأَوَّلُ أَشَدُّ مِنْ الثَّانِي أَيْ آكَدُ (قَوْلُهُ: فَالِاخْتِلَافُ) تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَتْنِ وَقَوْلُهُ اخْتِلَافٌ فِي وُجُودِ الْمَخْصُوصِ أَيْ وَعَدَمِهِ. (قَوْلُهُ: خِلَافُ الْأَوْلَى) أَيْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى رَجَحَ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ لِأَنَّهُ أَنَّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ دَلِيلِ سَنِّ إفْطَارِهِ وَهُوَ فِعْلُهُ ﷺ فَإِنَّهُ أَفْطَرَ فِيهِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «أُمِّ الْفَضْلِ أُمَامَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أَنَّ نِسَاءً اخْتَلَفْنَ عِنْدَهَا فِي يَوْمِ عَرَفَةَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُنَّ هُوَ صَائِمٌ وَقَالَ بَعْضُهُنَّ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلْت إلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ» وَلَيْسَ النَّهْيُ مُسْتَفَادًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِمْ لِضَعْفِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: زَادَهُ الْمُصَنِّفُ) قَالَ الْكَمَالُ الْمَعْرُوفُ لِلْأُصُولِيَّيْنِ تَقْسِيمُ الْأَحْكَامِ إلَى الْخَمْسَةِ وَهِيَ مَا عَدَا خِلَافَ الْأَوْلَى وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ عِنْدَهُمْ طَلَبُ التَّرْكِ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ وَلَمَّا كَانَتْ الْكَرَاهَةُ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ ذُو النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ آكَدُ مِنْهَا فِي الثَّانِي وَهُوَ ذُو النَّهْيِ غَيْرِ الْمَخْصُوصِ وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي أَشْيَاءَ هَلْ هِيَ مِنْ الْأَوَّلِ أَوْ الثَّانِي خَصَّ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الثَّانِيَ بِاسْمِ خِلَافِ الْأَوْلَى تَمْيِيزًا لَهُ كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ التَّعَرُّضُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ فَظَهَرَ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْكَرَاهَةِ بِخِلَافِ الْأَوْلَى وَجَعْلَهُ اسْمًا لِنَوْعٍ مِنْ الْخِطَابِ النَّفْسِيِّ أَمْرٌ اخْتَرَعَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَنَّهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِطَرِيقَةِ الْأُصُولِيِّينَ مُخَالِفٌ لِطَرِيقَةِ الْبَعْضِ الْمَذْكُورِ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا سَمَّوْا بِخِلَافِ الْأَوْلَى مُتَعَلَّقُ الْحُكْمِ لَا الْحُكْمِ بَلْ تَسْمِيَةُ الطَّلَبِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى صَادِرٌ عَنْ غَفْلَةٍ عَنْ مُنَافَاتِهِ لِلْأَدَبِ اهـ. (قَوْلُهُ: أَخْذًا) قَالَ النَّاصِرُ أَخْذُ الْمُسَمَّى صَحِيحٌ وَأَمَّا أَخْذُ الِاسْمِ فَلَا لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ تَرْكُهُ بِذَلِكَ لَا تَسْتَلْزِمُ تَسْمِيَةَ طَلَبِ تَرْكِهِ بِذَلِكَ وَفِيهَا بَشَاعَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتُ الْعُلَى اهـ. وَهُوَ مِنْ نَاحِيَةِ كَلَامِ الْكَمَالِ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ تَسْمِيَةَ طَلَبِ التَّرْكِ بِذَلِكَ لَيْسَ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِتَسْمِيَةِ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ تَرْكُهُ بِذَلِكَ حَتَّى يُنَاقَشَ فِيهِ بِمَنْعِ الِاسْتِلْزَامِ بَلْ الْمُرَاد أَنَّهُمْ لَمَّا أَطْلَقُوا خِلَافَ الْأَوْلَى عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ صَحَّ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى ذَلِكَ إطْلَاقُهُ عَلَى نَفْسِ الطَّلَبِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُتَعَلَّقِ عَلَى الْمُتَعَلَّق وَكَأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ ذُو خِلَافٍ الْأَوْلَى أَيْ الطَّلَبُ الْمُتَعَلِّقُ بِتَرْكِ خِلَافِ الْأَوْلَى. وَأَمَّا الْبَشَاعَةُ فَقَدْ يُخَفِّفُ أَمْرَهَا أَنَّ الْأَسَامِيَ الِاصْطِلَاحِيَّةَ لَا يَلْزَمُ فِيهَا مُلَاحَظَةُ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَنْشَأُ الْمَحْذُورِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَخْفَى صُعُوبَةُ تَسْمِيَةِ الطَّلَبِ بِذَلِكَ عَلَى الْقُلُوبِ اهـ. أَقُولُ دَعْوَى أَنَّ الْأَسَامِيَ الِاصْطِلَاحِيَّةَ لَا يَلْزَمُ فِيهَا مُلَاحَظَةُ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ يُبْطِلُهَا اسْتِقْرَارَ الْمَنْقُولَاتِ كَيْف وَالْمَنْقُولُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِهِ فَتَأَمَّلْ لَا يُقَالُ إطْلَاقُ الْكَرَاهَةِ أَشْنَعُ مِنْ إطْلَاقِ خِلَافِ الْأَوْلَى لِأَنَّا نَقُولُ إنَّ خِلَافَ الْأَوْلَى اُشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُخَالِفِ الْأَوْلَى وَلَمْ يُشْتَهَرْ اسْتِعْمَالُهُ فِي شَيْءٍ غَيْرِهِ بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ فَإِنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي مُثْبِتِ الْحُرْمَةِ وَمُثْبِتُ الْكَرَاهَة فِي مُتَعَلَّقِهِمَا فَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ إطْلَاقِهِمَا الْمَذْكُورِ مُنَافَاةً لِلْأَدَبِ. (قَوْلُهُ: مِنْ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ) أَيْ مِنْ كَلَامِ مُتَأَخِّرِي الْفُقَهَاءِ فَهُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ وَحَيْثُ ظَرْفٌ لِهَذَا الْمَحْذُوفِ. (قَوْلُهُ: فِي النِّهَايَةِ) أَيْ فَرَّقَ فِي النِّهَايَةِ أَوْ فَارَقَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ إنَّمَا نُقِلَ فِيهَا الْفَرْقُ وَلَكِنْ لَمَّا أَقَرَّهُ كَانَ كَأَنَّهُ قَائِلٌ بِهِ فَنُسِبَ إلَيْهِ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّهُ مَا فَرَّقَ بَلْ نَقَلَ الْفَرْقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ عِبَارَةُ الْكَمَالِ حَيْثُ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ

стр. 115

الْمَقْصُودِ وَغَيْرِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْأَمْرِ وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِ الْمَخْصُوصِ أَيْ الْعَامِّ نَظَرًا إلَى جَمِيعِ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةِ وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَيُطْلِقُونَ الْمَكْرُوهَ عَلَى ذِي النَّهْيِ الْمَخْصُوصِ وَغَيْرِ الْمَخْصُوصِ وَقَدْ يَقُولُونَ فِي الْأَوَّلِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً كَمَا يُقَالُ فِي قِسْمِ الْمَنْدُوبِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَعَلَى هَذَا الَّذِي هُوَ مَبْنَى الْأُصُولِيِّينَ يُقَالُ أَوْ غَيْرُ جَازِمٍ فَكَرَاهَةٌ. (أَوْ) اقْتَضَى الْخِطَابُ (التَّخْيِيرَ) ــ [حاشية العطار] فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ النِّهَايَةِ التَّعَرُّضُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مِمَّا أَحْدَثَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ يُقَالُ فِيهِ مَكْرُوهٌ وَمَا لَا فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهٌ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ الْمَقْصُودِ أَنْ يَكُونَ مُصَرَّحًا بِهِ كَقَوْلِهِ لَا تَفْعَلُوا كَذَا أَوْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ كَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَمَرَ بِمُسْتَحَبٍّ فَإِنَّ تَرْكَهُ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ لِأَنَّا اسْتَفَدْنَاهُ بِاللَّازِمِ وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ. (قَوْلُهُ: الْمَقْصُودُ وَغَيْرُ الْمَقْصُودِ) قَالَ الشِّهَابُ فَسَّرُوا الْمَقْصُودَ بِالصَّرِيحِ وَغَيْرَ الْمَقْصُودِ بِغَيْرِ الصَّرِيحِ فِرَارًا مِمَّا يَقْتَضِي غَيْرُ الْمَقْصُودِ مِنْ كَوْنِ الشَّارِعِ لَمْ يَقْصِدْ النَّهْيَ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ لَا مَانِعَ أَنْ يُرَادَ الْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ وَغَيْرُ الْمَقْصُودِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ بَلْ بِالْقَصْدِ التَّبَعِيِّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ غَيْرُ الْمَقْصُودِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْعَامُّ نَظَرًا إلَى جَمِيعِ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةِ) قَالَ الشِّهَابُ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّهْيَ الطَّالِبَ لِتَرْكِ شَيْءٍ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْأَوَامِرِ وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ خَاصًّا لِأَنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِشَيْءٍ خَاصٍّ لَكِنَّهُ لِتَوَقُّفِ طَلَبِهِ لِتَرْكِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى عَامٍّ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ جَازَ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَامٌّ بِسَبَبِ تَوَقُّفِ تَوَقُّفِهِ عَلَى عَامٍّ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِصَلَاةِ الضُّحَى مَثَلًا نَهْيٌ عَنْ تَرْكِهَا وَهَذَا النَّهْيُ خَاصٌّ لِخُصُوصِ مُتَعَلِّقِهِ لَكِنَّ هَذَا النَّهْيَ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ بِشَيْءٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَلَمَّا تَوَقَّفَ ثُبُوتُهُ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْعَامِّ وُصِفَ بِأَنَّهُ عَامٌّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ هَذَا دَفْعُ مَا أَوْرَدَهُ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ وَرَدَ نَهْيٌ عَامٌّ مُتَعَلِّقٌ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَانَتْ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ كُلِّيَّةٌ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِنْهَا وَخَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَأَنَّ أَمْرَ النَّدْبِ نَهْيٌ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى ضِدِّهِ سِيَّمَا إنْ قُلْنَا إنْ عَيَّنَهُ كَمَا سَيَجِيءُ فَالْأَصْوَبُ تَعْبِيرُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ بِالْمَقْصُودِ وَغَيْرِ الْمَقْصُودِ اهـ. وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ لَا كَوْنُ النَّهْيِ مُتَعَلِّقًا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَالنَّهْيُ الصَّرِيحُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا أَيْ مُتَعَلِّقًا بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ غَيْرُ عَامٍّ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ لِثُبُوتِهِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْهَا بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ بِخِلَافِ الضِّمْنِيِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لِمُتَعَلِّقِهِ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْعَامِّ الْمُتَقَدِّمِ وَهُوَ قَوْلُنَا كُلُّ أَمْرٍ بِشَيْءٍ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ تَوَقُّفُ ثُبُوتِ النَّهْيِ لِمُتَعَلِّقِهِ عَلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ، وَعَدَمُ تَوَقُّفِهِ لَا الشُّمُولُ لِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ وَعَدَمُ الشُّمُولِ وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الشِّهَابِ أَنَّ قَوْلَهُ نَظَرًا إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ أَيْ الْعَامِّ وَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ خُلُوُّ قَوْلِهِ عُدِلَ عَنْ التَّعْلِيلِ وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ حِينَئِذٍ إذْ مُجَرَّدُ الْإِخْبَارِ بِالْعُدُولِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِظُهُورِهِ وَصَرِيحُ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ قَالَ يَعْنِي عَدَلَ الْمُصَنِّفُ إلَى الْمَخْصُوصِ نَظَرًا إلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ مَخْصُوصٌ بِمُتَعَلِّقِهِ وَإِلَى غَيْرِ الْمَخْصُوصِ أَيْ الْعَامِّ نَظَرًا إلَى دَلِيلٍ يَعُمُّ الْأَوَامِرَ النَّدْبِيَّةَ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَالنَّهْيُ فِيهِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنْ نَهْيٍ مَخْصُوصٍ بِمُتَعَلِّقِهِ بَلْ مِنْ الْأَمْرِ النَّدْبِيِّ بِوَاسِطَةِ هَذَا الدَّلِيلِ الْعَامِّ. اهـ. يَقْتَضِي أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ عَدَلَ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ عِلَّةٌ لِلْعُدُولِ نَظَرًا لِلْمَعْطُوفِ دُونَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ الشِّهَابُ وَيُمْنَعَ عَدَمُ الْفَائِدَةِ بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ بِاعْتِبَارِ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ تَفْسِيرِ غَيْرِ الْمَخْصُوصِ الْعَامِّ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ وَهِيَ دَفْعُ الِاعْتِرَاضِ السَّابِقِ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِغَيْرِ الْمَخْصُوصِ مَا يَشْمَلُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً حَتَّى يَتَوَجَّهَ هَذَا الِاعْتِرَاضُ بَلْ الْعَامُّ بِالْمَعْنَى الَّذِي قَرَّرَهُ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ اسْتِفَادَةَ الْأَحْكَامِ مِنْ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا تَحْتَاجُ إلَى قَوَاعِدِ الْأُصُولِ الْعَامَّةِ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ فِي كَوْنِهَا أَدِلَّةً مَخْصُوصَةً كَالنَّهْيِ الْمَخْصُوصِ فَفِي اعْتِبَارِ كَوْنِ هَذَا النَّهْيِ غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِمَا ذُكِرَ نَظَرٌ فَتَأَمَّلْ وَعَلَى كُلِّ حَالٍّ فَمَعْنَى قَوْلِ الشَّارِحِ نَظَرًا إلَى جَمِيعِ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةِ نَظَرًا إلَى مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْأَوَامِرِ النَّدْبِيَّةَ أَيْ نَظَرًا إلَى تَوَقُّفِهِ عَلَى

стр. 116

بَيْنَ فِعْلِ الشَّيْءِ وَتَرْكِهِ فَإِبَاحَةُ ذِكْرِ التَّخْيِيرِ سَهْوٌ إذْ لَا اقْتِضَاءَ فِي الْإِبَاحَةِ وَالصَّوَابُ أَوْ خُيِّرَ كَمَا فِي الْمِنْهَاجِ عَطْفًا عَلَى اقْتَضَى وَقَابَلَ الْفِعْلَ بِالتَّرْكِ نَظَرًا لِلْعُرْفِ وَإِلَّا فَالتَّرْكُ الْمُقْتَضَى فِي الْحَقِيقَةِ فِعْلٌ هُوَ الْكَفُّ كَمَا سَيَأْتِي أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ وَأَنَّهُ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ. (وَإِنْ وَرَدَ) الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ بِكَوْنِ الشَّيْءِ (سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا وَصَحِيحًا وَفَاسِدًا) الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ ــ [حاشية العطار] مَا يَعُمُّهَا. (قَوْلُهُ: بَيْنَ فِعْلِ الشَّيْءِ وَتَرْكِهِ) يَدْخُلُ فِيهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ كَخِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِأَنَّ تَرْكَ الشَّيْءِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ إلَى بَدَلٍ أَوْ لَا اهـ. نَاصِرٌ. (قَوْلُهُ: ذِكْرُ التَّخْيِيرِ سَهْوٌ) تَكَلَّفَ فِي دَفْعِهِ بِأَوْجُهٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاقْتِضَاءِ الْإِفَادَةُ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ لَا خُصُوصُ الطَّلَبِ كَمَا هُوَ مَبْنَى الْحُكْمِ بِالسَّهْوِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَمِنْهَا أَنَّ اقْتَضَى يَأْتِي بِمَعْنَى أَعْلَمَ وَبِمَعْنَى أَدَّى غَايَتُهُ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْمُشْتَرَكَ فِي مَعْنَيَيْهِ وَهُوَ جَائِزٌ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَلَى تَضْمِينِ اقْتَضَى مَعْنَى يَصْلُحُ لَأَنْ يَقَعَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا أَيْ إفَادَةِ الْخِطَابِ التَّخْيِيرَ مِنْ بَابِ عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا اهـ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْوَاوِ وَكُلُّهَا تَمَحُّلَاتٌ. (قَوْلُهُ: نَظَرًا لِلْعُرْفِ) أَيْ الَّذِي لَا يَعُدُّ التَّرْكَ فِعْلًا. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِلَّا نُفِلَ أَنَّ الْمُقَابَلَةَ الْمَذْكُورَةَ بِالنَّظَرِ لِلْعُرْفِ فَهِيَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَإِنَّ التَّرْكَ إلَخْ فَحَذَفَ الْجَوَابَ وَأَبْقَى عِلَّتَهُ. (قَوْلُهُ: وَأَنَّهُ) أَيْ الْفِعْلَ الْمُكَلَّفَ بِهِ. (قَوْلُهُ: الْخِطَابُ النَّفْسِيُّ) قُيِّدَ بِالنَّفْسِيِّ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهُ اللَّفْظِيُّ لِأَنَّ الشَّائِعَ إسْنَادُ الْوُرُودِ إلَيْهِ دُونَ النَّفْسِيِّ وَإِنْ كَانَ الْإِسْنَادُ إلَى كُلٍّ مَجَازًا لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْوُرُودِ الْمَجِيءُ وَالِانْتِقَالُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان وَذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ. (قَوْلُهُ: بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا إلَخْ) الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ مِنْ مُلَابَسَةِ الْمُتَعَلِّقِ لِمُتَعَلِّقِهِ لَا لِلتَّعَدِّيَةِ لِاقْتِضَائِهَا وُقُوعَ الْوُرُودِ عَلَى الْكَوْنِ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الْمَفْعُولِ (قَوْلُهُ: وَصَحِيحًا وَفَاسِدًا) جُعِلَ مِنْ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ كَوْنُ الشَّيْءِ صَحِيحًا أَوْ فَاسِدًا وَرَدَّهُ الْعَضُدُ تَبَعًا لِابْنِ الْحَاجِبِ فَقَالَ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يُظَنُّ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْبُطْلَانَ فِي الْعِبَادَاتِ مِنْ جُمْلَةِ أَقْسَامِ الْوَضْعِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إذْ بَعْدَ وُرُودِ أَمْرِ الشَّرْعِ بِالْفِعْلِ فَكَوْنُ الْفِعْلِ صَحِيحًا أَيْ مُوَافِقًا لِلْأَمْرِ أَوْ بَاطِلًا أَيْ مُخَالِفًا لَهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَوْقِيفٍ مِنْ الشَّارِعِ بَلْ يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ فَهُوَ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ هُوَ عَقْلِيٌّ. (قَوْلُهُ: الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ فَقَالَ جَعْلُهَا لِلتَّقْسِيمِ يَقْتَضِي وُرُودَ الْخِطَابِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ الْمَذْكُورِ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَأَنَّ الْوَضْعَ هُوَ الْخِطَابُ الْوَارِدُ بِذَلِكَ وَلَا خَفَاءَ فِي بُطْلَانِهِ إذْ الْوَارِدُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ أَحَدَهَا وَضْعٌ وَإِنْ لَمْ يَرِدْ غَيْرُهُ فَالصَّوَابُ بِشَهَادَةِ الذَّوْقِ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى أَوْ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَارَةِ إذَا كَانَتْ الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا حِينَئِذٍ وَإِنْ وَرَدَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بِأَنْ وَرَدَ كَوْنُهُ سَبَبًا مَثَلًا فَإِنَّ وُرُودَ كَوْنِهِ سَبَبًا يَسْتَلْزِمُ وُرُودَهُ بِكَوْنِهِ أَحَدَهَا فَلَا إشْكَالَ قَالَ وَنَظِيرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ قَوْلُهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ اهـ. وَلَمَّا أَوْرَدَ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَيْهِ أَنَّ أَوْ فِيهِ لِلتَّرْدِيدِ وَهُوَ يُنَافِي التَّحْدِيدَ أَجَابَ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ بِمَا حَاصِلُهُ كَمَا بَيَّنَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ فَلَوْ صَحَّ اعْتِرَاضُ الشَّيْخِ لَزِمَ بُطْلَانُ هَذَا الْجَوَابِ الَّذِي أَطْبَقُوا عَلَى قَبُولِهِ لِأَنَّ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُنْقَسِمُ تَعَلُّقُهُ إلَى الِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ مَعَ أَنَّهُ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فَقَطْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ ثُبُوتِ التَّعَلُّقِ بِالْوَجْهِ الْآخَرِ فَدَلَّ هَذَا الصَّنِيعُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى التَّقْسِيمِ مَا ادَّعَاهُ الشَّيْخُ اهـ. وَأَقُولُ كَلَامُ سم مَآلُهُ جَعْلُ الْوَاوِ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا لَا يَخْفَى فَهُوَ تَسْلِيمٌ لِلِاعْتِرَاضِ فَتَشْنِيعُهُ عَلَى شَيْخِهِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَلَا يَقْتَضِيه عَقْلٌ وَلَا نَقْلٌ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فَإِنَّهُ رَجَعَ إلَيْهِ وَأَلْجَأَ إلَّا الِاعْتِرَافَ بِهِ فِي تَقْرِيرِ الْجَوَابِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ ثُمَّ إنَّ بَعْضَ الْحَوَاشِي الْمُتَأَخِّرَةِ شَنَّعَ عَلَى سم وَبَعْضًا انْتَصَرَ لَهُ وَلَمْ يَأْتِيَا بِمَا

стр. 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية العطار] يُؤَيِّدُ مَقَالَتَهُمَا حَتَّى إنِّي رَأَيْت تَقْرِيرًا مَنْسُوبًا لِبَعْضِ مَشَايِخِنَا أَطَالَ فِيهِ الْقَوْلَ مُعَقِّدًا لِلْعِبَارَةِ مُرْتَكِبًا وُجُوهًا مِنْ التَّكَلُّفِ الْتَحَقَ بِهَا كَلَامُهُ بِاللُّغْزِ وَالْمُعَمَّى وَأَعْجَبُ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَجْرَى احْتِمَالَيْ التَّقْسِيمِ وَغَيْرِهِ فِي الْوَاوِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ وَإِنْ وَرَدَ إلَخْ. وَأَنَّى بَعْدَ أَنْ أَوْضَحَ لَك الْمَقَامَ تَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي كَلَامِهِمْ مِنْ الْأَوْهَامِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ إلَخْ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حُكِمَ فِيهَا بِلُزُومِ تَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْخِطَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ وَضْعًا كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فَهَذَا الْخِطَابُ يُسَمَّى وَضْعًا عَلَى تَقْدِيرِ وُرُودِ الْخِطَابِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا إلَخْ فَعَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِ الْوَاوِ لِلتَّقْسِيمِ يَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّاصِرُ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ يُسَمَّى وَضْعًا وَهُوَ بَاطِلٌ فَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّ وُرُودَ الْخِطَابِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا إلَخْ يُسَمَّى وَضَعَا أَيْ يُسَمَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَعْطُوفَةِ بِالْوَاوِ الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى أَوْ وَضْعًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّاصِرِ إذْ الْوَارِدُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ أَحَدَهَا إلَخْ وَسَمِّ أَخَذَ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ وَرَدَّ بِهِ عَلَى النَّاصِرِ فَرَدَّ عَلَيْهِ كَلَامَهُ بِكَلَامِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ جَعْلِ الْوَاوِ لِلتَّقْسِيمِ وَبَيْنَ جَعْلِهَا بِمَعْنَى أَوْ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ تَسْمِيَةُ الْخِطَابِ وَضْعًا تَحَقُّقُهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ تَحَقُّقَ الْخِطَابِ فِي أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ وَالثَّانِي صَحِيحٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ النَّاصِرِ جَعْلُهَا لِلتَّقْسِيمِ إلَخْ. فَإِنْ قُلْت إذَا خَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى مُصْطَلَحِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ إنَّ الْكَلَامَ هُوَ جَوَابُ الشَّرْطِ وَفِعْلُ الشَّرْطِ قَيْدٌ لَهُ هَلْ يَسْتَقِيمُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَيَنْدَفِعُ الِاعْتِرَاضُ. قُلْت لَا فَإِنَّ الْمَحْذُورَ بَاقٍ بِعَيْنِهِ إذْ التَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْخِطَابِ بِالْوَضْعِ مُقَيَّدٌ بِوُرُودِ كَوْنِهِ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ أَيْ مُنْقَسِمًا إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَأَمَّا إنْ جُعِلَتْ الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ كَانَ مَعْنَى تَسْمِيَتِهِ وَضْعًا مُقَيَّدٌ بِتَحَقُّقِ كَوْنِهِ سَبَبًا أَوْ شَرْطًا إلَخْ فَيَنْدَفِعُ الْمَحْذُورُ فَظَهَرَ أَنَّ اسْتِقَامَةَ الْكَلَامِ إنَّمَا تَتِمُّ عَلَى جَعْلِهَا بِمَعْنَى أَوْ. وَأَمَّا جَعْلُهَا تَقْسِيمِيَّةً فَلَا سَوَاءٌ جَعَلْنَا الْقَضِيَّةَ شَرْطِيَّةً مُوَافِقَةً لِاصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ وَهُوَ التَّقْرِيرُ الْأَوَّلُ أَوْ جَعَلْنَاهَا حَمْلِيَّةً بِاعْتِبَارِ مَا تَئُولُ إلَيْهِ بِحَسَبِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ كَمَا هُوَ التَّقْرِيرُ الثَّانِي لِأَنَّهُ عَلَى التَّقْرِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ ارْتِبَاطُ الثَّانِي بِالْمُقَدَّمِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَعْطُوفَةِ لَا عَلَى الْمَجْمُوعِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ الْحُكْمُ مُقَيَّدًا بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَيْضًا لَا عَلَى الْمَجْمُوعِ فَالتَّقْرِيرَانِ سَوَاءٌ وَمَنْشَأُ هَذَا كُلِّهِ وُرُودُ حَرْفِ الشَّرْطِ فِي التَّقْسِيمِ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَتِهِ كَمَا هُوَ صَنِيعُ الشَّارِحِ فَإِنَّ قَوْلَهُ الْوَاوُ تَقْسِيمِيَّةٌ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَإِنْ وَرَدَ الْخِطَابُ إلَخْ التَّقْسِيمُ مَعَ أَنَّ مَقَامَ التَّقْسِيمِ يُنَافِي التَّعْلِيقَ لِتَبَايُنِ الْمَقَامَيْنِ فَإِنَّ فِي التَّعْلِيقِ حُكْمًا وَلَا حُكْمَ فِي التَّقْسِيمِ وَمَفَادُ التَّقْسِيمِ غَيْرُ مُفَادِ التَّعْلِيقِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَاكَ لَا يُقَالُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا يَقْتَضِي أَنَّ غَرَضَهُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ التَّقْسِيمُ لِأَنَّ التَّقَاسِيمَ تَتَضَمَّنُ حُدُودَ الْأَقْسَامِ. قُلْت لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَوْ سُلِّمَ فَالتَّقْسِيمُ حَاصِلٌ فِي ضِمْنِ التَّعْلِيقِ أَيْ عَرَفْت حُدُودَهَا مِنْ التَّقْسِيمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ التَّعْلِيقُ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ حَتَّى يَكُونَ حَامِلًا لِلشَّارِحِ عَلَى جَعْلِ الْوَاوِ تَقْسِيمِيَّةً. الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ الْمَحْذُورُ الْمَذْكُورُ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ قَوْلِ الشَّارِحِ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا نَبَّهَ بِتَكْرِيرِ مِنْ عَلَى أَنَّ حُدُودَ خِطَابِ الْوَضْعِ لَمْ تُعْرَفْ مِمَّا ذُكِرَ إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي هُنَاكَ فَلَوْ كَانَ غَرَضُ الْمُصَنِّفِ مِنْ سَوْقِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ التَّقْسِيمَ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ حُدُودَ أَقْسَامِ الْوَضْعِ لَمْ تُعْرَفْ مِمَّا ذُكِرَ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ لِأَنَّ التَّقَاسِيمَ تَتَضَمَّنُ تَعَارِيفَ الْأَقْسَامِ وَإِنْ كَانَ مَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ غَيْرَ مُسَلَّمٍ بَلْ اعْتَرَفَ هُوَ بِمَعْرِفَتِهَا فِي أَثْنَاءِ عِبَارَتِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَأَعْجَبُ مِنْ جَوَابِ سم تَمَسُّكُهُ فِي تَأْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ وَلَمَّا أَوْرَدَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَخْ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْحُكْمِ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِالِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ تَعْرِيفٌ لِلْحُكْمِ وَالتَّعْرِيفِ لَا حُكْمَ فِيهِ فَلَيْسَ قَضِيَّةً وَمَا هُنَا قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ أَوْ حَمْلِيَّةٌ عَلَى الِاعْتِبَارَيْنِ السَّابِقَيْنِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ بِلَفْظِ أَوْ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ. وَالْجَوَابُ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَحَدٍ احْتِمَالَيْ أَوْ وَدَعْوَى سم أَنَّ الْمَعْنَى عَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِ أَوْ تَنْوِيعِيَّةً أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ الْمُنْقَسِمُ تَعَلُّقُهُ إلَخْ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا كَيْف وَقَدْ لَزِمَ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَضَمُّنُ التَّعْرِيفِ لِلتَّقْسِيمِ وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فِي الْوَاقِعِ فَقَدْ أَخْرَجَ مَا قَالَهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْإِمَامُ اعْتِرَاضًا وَجَوَابًا عَنْ

стр. 118

وَهِيَ فِيهِ أَجْوَدُ مِنْ أَوْ كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَحَذْفُ مَا قَدَّرْته كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْمُخْتَصَرُ أَيْ كَوْنُ شَيْءٍ الْعِلْمُ بِهِ مَعْنًى مَعَ رِعَايَةِ الِاخْتِصَارِ وَوَصْفُ النَّفْسِيِّ بِالْوُرُودِ مَجَازٌ كَوَصْفِ اللَّفْظِيِّ بِهِ الشَّائِعُ ــ [حاشية العطار] مَوْضُوعِهِ وَتَثْبُتُ بِهِ فِي تَقْوِيَةِ كَلَامِهِ بَعْدَ صَرْفِهِ عَمَّا أَرَادُوهُ وَتَأْوِيلِهِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَإِنَّمَا مَعْنَى كَلَامِ الْإِمَامِ مَنْعُ كَوْنِ أَوْ لِلتَّرْدِيدِ وَجَعَلَهَا لِلتَّنْوِيعِ وَأَنَّ الْمُعَرِّفَ الْحُكْمُ بِنَوْعَيْهِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الْمَنَاطِقَةِ إنَّهُ يَمْتَنِعُ دُخُولُ أَوْ فِي التَّعَارِيفِ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالرَّسْمِ وَمِنْ كَوْنِ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلشَّكِّ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيَّنُوهُ هُنَاكَ فَأَيْنَ مَقَامُ التَّعْرِيفِ وَالِاخْتِلَافِ فِي أَوْ الْوَاقِعَةِ فِيهِ مِنْ مَقَامِ التَّعْلِيقِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الشَّرْطِ. وَفِي الْوَاوِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ الْمُدَّعَى أَنَّهَا تَقْسِيمِيَّةٌ فَصَحَّ أَنْ يُقَالَ صَارَتْ مُشَرِّقَةً وَصِرْت مُغَرِّبًا ... شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ وَمُغَرِّبِ رَحِمَ اللَّهُ الْجَمِيعَ وَرَحِمَنَا مَعَهُمْ وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ ثُمَّ إنَّ التَّقْسِيمَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ أَوْ التَّقْسِيمِيَّةِ عَلَى مَا زَعَمَهُ الشَّارِحُ إمَّا رَاجِعٌ إلَى الشَّيْءِ أَوْ إلَى كَوْنِ الشَّيْءِ أَوْ إلَى الْخِطَابِ الْوَارِدِ بِهَذَا الْكَوْنِ وَكُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ فِيهِ أَجْوَدُ مِنْ أَوْ) لِأَنَّهَا لِلْجَمْعِ فِي الْحُكْمِ فَهِيَ أَنْسَبُ بِجَمْعِ الْحُكْمِ فِي أَفْرَادِ الْمُقَسَّمِ وَهُوَ هُنَا الشَّيْءُ الْمُقَدَّرُ بِخِلَافِ أَوْ فَإِنَّهَا لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ فَقَدْ تُوُهِّمَ أَنَّ الْمُرَادَ وَاحِدٌ مِنْهَا فَقَطْ وَهَذَا فِي تَقْسِيمِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا هُنَا أَمَّا فِي تَقْسِيمِ الْكُلِّ إلَى أَجْزَائِهِ فَلَا يُقَالُ إنَّهَا أَجْوَدُ بَلْ مُتَعَيِّنَةٌ اهـ. زَكَرِيَّا وَإِنَّمَا قَالَ أَجْوَدُ لِأَنَّ لِأَوْ مُنَاسَبَةً بِالنِّسْبَةِ لِخُصُوصِ الْأَقْسَامِ لِإِفَادَتِهَا الِانْفِصَالَ الْحَقِيقِيَّ بَيْنَ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضِ الْمُفْضِي عَدَمُهُ إلَى فَسَادِ التَّقْسِيمِ فَظَهَرَ أَنَّ أَجْوَدِيَّةَ الْوَاوِ نَظَرًا إلَى الْمُقَسَّمِ مَعَ الْأَقْسَامِ وَأَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ فِي جَمِيعِهَا وَأَنَّ فِي الْوَاوِ جَوْدَةً أَيْضًا بِالنَّظَرِ لِحَالِ الْأَقْسَامِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ حَتَّى لَوْ لُوحِظَ هَذَا بِخُصُوصِهِ كَانَتْ هِيَ أَجْوَدَ مِنْ الْوَاوِ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: أَيْ كَوْنُ الشَّيْءِ) تَفْسِيرٌ لِمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ الَّذِي هُوَ الْمُشَبَّهُ بِهِ وَالتَّشْبِيهُ لَا يَقْتَضِي الْمُمَاثَلَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ ثُبُوتُ الْجَارِّ هُنَا لَا فِي عِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ لَا تَفْسِيرَ لِمَا قَدَّرَهُ لِأَنَّ الَّذِي قَدَّرَهُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ لَا كَوْنِ الشَّيْءِ فَقَطْ إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسَاهَلَ بِحَذْفِ الْجَارِّ مُرَاعَاةً لِعِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ. (قَوْلُهُ: لِلْعِلْمِ بِهِ مَعْنًى) أَيْ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْخِطَابَ النَّفْسِيَّ لَا يَكُونُ سَبَبًا وَشَرْطًا وَمَانِعًا وَصَحِيحًا وَفَاسِدًا وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ ذَلِكَ الْخِطَابُ لَا يُقَالُ مَقَامَ التَّعْرِيفِ لَا يَكْفِي فِيهِ الْقَرِينَةُ الْعَقْلِيَّةُ لِأَنَّ قَوْلَ الْمَقَامِ هُنَا لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلتَّعْرِيفِ وَإِنْ فُهِمَ فِي ضِمْنِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّعْرِيفَ الضِّمْنِيَّ لَا يُرَاعَى فِيهِ مَا يُرَاعَى فِي التَّعْرِيفِ الصَّرِيحِ. (قَوْلُهُ: وَوَصْفُ النَّفْسِيِّ بِالْوُرُودِ) أَيْ إسْنَادُ الْوُرُودِ إلَيْهِ فَالْوَصْفُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ وَقَوْلُهُ مَجَازٌ أَيْ عَقْلِيٌّ مِنْ بَابِ الْإِسْنَادِ إلَى السَّبَبِ فَإِنَّ الْخِطَابَ النَّفْسِيَّ الْمَذْكُورَ سَبَبٌ لِوُرُودِ الرَّسُولِ بِمَا ذُكِرَ وَيَصِحُّ جَعْلُ الْمَجَازِ مُرْسَلًا مِنْ إطْلَاقِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ فَإِنَّ مِنْ لَازِمِ الْوُرُودِ بِالشَّيْءِ التَّعَلُّقُ بِهِ فَالْمُرَادُ بِالْوُرُودِ التَّعَلُّقُ مَجَازًا لِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ وَالْقَرِينَةُ اسْتِحَالَةُ الْحَقِيقَةِ. (قَوْلُهُ: الشَّائِعِ)

стр. 119

وَالشَّيْءُ يَتَنَاوَلُ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ وَغَيْرَ فِعْلِهِ كَالزِّنَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الْحَدِّ وَالزَّوَالِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَإِتْلَافِ الصَّبِيِّ مَثَلًا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي مَالِهِ وَأَدَاءِ الْوَلِيِّ مِنْهُ (فَوَضْعٌ) أَيْ فَهَذَا الْخِطَابُ يُسَمَّى وَضْعًا وَيُسَمَّى خِطَابَ وَضْعٍ أَيْضًا لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ بِوَضْعِ اللَّهِ أَيْ بِجَعْلِهِ كَمَا يُسَمَّى الْخِطَابُ الْمُقْتَضَى أَوْ الْمُخَيَّرَ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ الْمُتَعَارَفُ كَمَا تَقَدَّمَ خِطَابُ تَكْلِيفٍ لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا) أَيْ حُدُودَ الْمَذْكُورَاتِ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَحَدُّ الْإِيجَابِ الْخِطَابُ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ اقْتِضَاءً جَازِمًا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ وَسَيَأْتِي حُدُودُ السَّبَبِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ ــ [حاشية العطار] نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ شَائِعٌ فِي الْخِطَابِ اللَّفْظِيِّ دُونَ النَّفْسِيِّ (قَوْله وَالشَّيْءُ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بِكَوْنِ الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ أَيْ وَقَوْلُهُ وَاعْتِقَادُهُ أَوْ أَرَادَ بِفِعْلِهِ مَا يَشْمَلُ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَغَيْرُ فِعْلِهِ) تَحْتَهُ شَيْئَانِ مَا لَيْسَ فِعْلًا أَصْلًا وَمَا لَيْسَ فِعْلًا لِلْمُكَلَّفِ بَلْ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ فَلِذَا مَثَّلَ الشَّارِحِ بِثَلَاثَةِ أَمْثِلَةٍ. (قَوْلُهُ: لِوُجُوبِ الضَّمَانِ إلَخْ) الْمُرَادُ بِالضَّمَانِ الْمَضْمُونُ بِهِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ الْمُضَافُ لِلضَّمَانِ الثُّبُوتُ لَا الطَّلَبُ الْجَازِمُ لِأَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِالْوُجُوبِ الْمُقَدَّرِ الْمُضَافِ لِأَدَاءِ الْوَلِيِّ الطَّلَبَ الْجَازِمَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ قَالَهُ النَّاصِرُ قَالَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ وَلَعَلَّ وَجْهَ عَدَمِ جَعْلِهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي مَعْنَيَيْهِ يُذْكَرُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَالْوُجُوبُ هُنَا ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا صَنَعَهُ مِنْ تَقْدِيرِ الْوُجُوبِ فِي الْمَعْطُوفِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُضَافَ تَسَلَّطَ عَلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْطُوفِ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ فِي الْمَعْطُوفِ وَأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمَعْطُوفِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَا هُنَا مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ لَا قَرِيبًا مِنْهُ اهـ. وَأَقُولُ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا فَهِمَهُ هَذَا الْقَائِلُ مِنْ أَنَّ سَبَبَ قُرْبِهِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ تَعَدُّدُ لَفْظِ الْوُجُوبِ الْمَذْكُورِ وَالْمُقَدَّرِ بَلْ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ وَنَحْوَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَحَدَ مَعْنَيَيْ الْوُجُوبِ هُنَا لُغَوِيٌّ وَالْآخَرُ عُرْفِيٌّ فَلَا اشْتَرَاك حَقِيقَةً وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْمَنْقُولَاتُ كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ وَبِهَذَا ظَهَرَ دَعْوَى كَوْنِهِ قَرِيبًا مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَفَسَادُ جَعْلِهِ مِنْهُ الْمَبْنِيُّ عَلَى التَّكْلِيفِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ تَفَطَّنَ لِذَلِكَ الْعَلَّامَةُ النَّجَّارِيُّ فَقَالَ وَإِنَّمَا قَالَ قَرِيبٌ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ الْمُشْتَرَكِ لِاخْتِلَافِ الْوَضْعَيْنِ إذْ الْوُجُوبُ الْأَوَّلُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالثَّانِي بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ. (قَوْله لِأَنَّ مُتَعَلَّقَهُ بِوَضْعِ اللَّهِ) أَيْ تَعْلِيلٌ لِتَسْمِيَتِهِ بِالْوَضْعِ وَبِخِطَابِ الْوَضْعِ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ فَقَالَ أَخْصَرُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لِأَنَّهُ أَيْ الْخِطَابَ وَضْعُ اللَّهِ أَيْ جَعْلُهُ اهـ. قَالَ سم لَا نُسَلِّمُ صِحَّةَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِ الْخِطَابِ وَضْعَ اللَّهِ أَيْ جَعْلَهُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ وَهُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ قَدِيمَةٌ فَلَيْسَتْ جَعْلًا وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْجَعْلُ اهـ. وَالْمُرَادُ بِمُتَعَلَّقِهِ كَوْنُ الشَّيْءِ سَبَبًا إلَخْ. (قَوْلُهُ: كَمَا يُسَمَّى الْخِطَابُ) الْأَنْسَبُ رُجُوعُهُ إلَى قَوْلِهِ وَيُسَمَّى خِطَابَ وَضْعٍ. (قَوْلُهُ: الْمُقْتَضَى أَوْ الْمُخَيَّرُ) الْإِسْنَادُ فِيهِمَا مَجَازِيٌّ إذْ الْمُقْتَضَى وَالْمُخَيَّرُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ) أَيْ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْحُكْمُ خِطَابُ اللَّهِ وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ الْمُتَعَارَفُ أَيْ مِنْ أَنَّهُ خِطَابٌ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُلْزَمٌ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ (قَوْلُهُ: وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ) نَبَّهَ بِتَكْرِيرِ مِنْ عَلَى أَنَّ مَقْصُودَ الْمُصَنِّفِ بِالسُّنَّةِ لِلْوَضْعِ خِطَابُ الْوَضْعِ لَا حُدُودُ أَقْسَامِهِ أَيْضًا وَإِنْ أَمْكَنَ مَعْرِفَتُهَا لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الشَّرْطِيَّةَ السَّابِقَةَ تَتَضَمَّنُ تَعَارِيفَ أَقْسَامِهِ فَيَكُونُ التَّقْسِيمُ غَيْرَ مَقْصُودٍ أَصَالَةً كَمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَمِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَقَوْلُهُ وَسَيَأْتِي حُدُودُ السَّبَبِ إلَخْ وَبِهَذَا يَظْهَرُ لَك مَا ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا فِي تَقْوِيَةِ اعْتِرَاضِ النَّاصِرِ وَرَدِّ مَا تَمَحَّلُوا بِهِ فِي دَفْعِهِ. (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي حُدُودُ السَّبَبِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ) فِي إطْلَاقِ الْمُتَعَلِّقِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُنْقَسِمِ إلَى السَّبَبِ وَغَيْرُهُ تَجَوَّزَ حَيْثُ أَطْلَقَ

стр. 120

وَكَذَا حَدُّ الْحَدِّ بِالْجَامِعِ الْمَانِعِ الدَّافِعِ لِلِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ مَا عُرِفَ رُسُومٌ لَا حُدُودٌ لِأَنَّ الْمُمَيَّزَ فِيهَا خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ ــ [حاشية العطار] الْمُتَعَلِّقَ عَلَى مُتَعَلِّقِ الْمُتَعَلِّقِ إذْ الْمُتَعَلِّقُ حَقِيقَةً هُوَ الْكَوْنُ وَفِي قَوْلِهِ وَسَيَأْتِي إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ حُدُودِ السَّبَبِ وَغَيْرِهِ حُدُودُ أَقْسَامِ مُتَعَلِّقِ خِطَابِ الْوَضْعِ لِكَوْنِ السَّبَبِ وَغَيْرِهِ مُتَعَلِّقَاتِ تِلْكَ الْأَقْسَامِ فَيُؤْخَذُ مِنْ حَدِّ السَّبَبِ أَنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ سَبَبًا مَعْنَاهُ جَعْلُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ وَمِنْ حَدِّ الشَّرْطِ أَنَّ جَعْلَ الشَّيْءِ شَرْطًا مَعْنَاهُ جَعْلُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ وَهَكَذَا. (قَوْلُهُ: وَكَذَا حَدُّ الْحَدِّ) الْحَدُّ الْمُضَافُ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّعْرِيفِ بِدَلِيلِ تَعَلُّقِ الْجَارِّ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ بِمَعْنَى الْمُعَرَّفِ وَقَوْلُهُ الدَّافِعُ لِلِاعْتِرَاضِ وَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الْحَدَّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِمَعْنَى الْمُعَرَّفِ سَوَاءٌ كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ أَوْ بِالْعَرَضِيَّاتِ فَلَا يَتَّجِهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ التَّعَارِيفَ الْمَذْكُورَةَ رُسُومٌ لَا حُدُودٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ وَقَدْ عَرَفْت حُدُودَهَا ثُمَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ رُسُومٌ وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنَّهَا حُدُودٌ اسْمِيَّةٌ وَقَوْلُ الْإِسْنَوِيِّ إنَّ هَذَا وَنَحْوَهُ حُدُودٌ حَقِيقِيَّةٌ مَمْنُوعٌ كَمَا سَتَطَّلِعُ عَلَى ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ الشَّارِحِ وَكَذَا حَدُّ الْحَدِّ إلَى قَوْلِهِ نَعَمْ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ كَوْنِهَا رُسُومًا. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ فِيهَا خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ) اعْتَرَضَهُ الشِّهَابُ بِأَنَّ تَعْرِيفَ الْإِيجَابِ بِأَنَّهُ الْخِطَابُ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ اقْتِضَاءً جَازِمًا بِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ نَفْسِيٌّ فَهُوَ نَفْسُ الْخِطَابِ فَلَا يَكُونُ خَارِجًا اهـ. وَبَعْدَ أَنْ قَوَّى هَذَا الِاعْتِرَاضَ سم وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمْ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَوَاشِي الْعَضُدِ صَرَّحُوا بِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ هُوَ نَفْسُ الْخِطَابِ وَإِنَّمَا أَسُنِدَ إلَى الْخِطَابِ مُبَالَغَةً كَمَا فِي جَدِّ جَدِّهِ وَيُوَافِقُهُ أَيْضًا قَوْلُ الشَّارِحِ نَعَمْ يُخْتَصَرُ فَيُقَالُ الْإِيجَابُ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ الْجَازِمِ إلَخْ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الِاقْتِضَاءُ غَيْرَ الْخِطَابِ لَمْ يَكُنْ هَذَا اخْتِصَارًا لَهُ بَلْ تَمَحُّلٌ فِي الْجَوَابِ بِمَا لَا تَقْبَلُهُ الْأَلْبَابُ فَقَالَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الشَّارِحَ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِنَقْلٍ عَنْهُمْ أَنَّ الْمُمَيِّزَ هُنَا خَارِجٌ أَوْ بِأَنَّهُ أَجَابَ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مَعَ الْمُعْتَرِضِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا حُدُودٌ لَا رُسُومٌ وَأَنَّ الْمُمَيِّزَ فِيهَا ذَاتِيٌّ لَا عَرَضِيٌّ اهـ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ دَعْوَى أَنَّ الشَّارِحَ اطَّلَعَ عَلَى نَقْلٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا كَيْفَ وَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِخِلَافِ ذَلِكَ وَأَنَّ سَوَقَ الْعِبَارَةِ يَأْبَى دَعْوَى التَّنَزُّلِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي الْكَلَامِ وَبَعْضُ مَنْ كَتَبَ هُنَا دَفَعَ إشْكَالَ الشِّهَابِ بِحَمْلِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى الطَّلَبِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَلَزِمَ عَلَيْهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لَهُمْ اضْطِرَارَهُ إلَى أَنَّ لِلِاقْتِضَاءِ مَعْنَيَيْنِ وَأَنَّهُ هُنَا بِمَعْنَى الطَّلَبِ. وَفِي قَوْلِ الشَّارِحِ فِي الِاخْتِصَارِ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادُوهُ وَأَنَّ تَصْرِيحَهُمْ بِأَنَّ الِاقْتِضَاءَ الْخِطَابُ لَمْ يُرِيدُوا بِهِ الْحَصْرَ أَوْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِمَعْنَى الْخِطَابِ وَبَعْدَ أَنْ تَكَلَّفَ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ الْبَعِيدَةَ رَجَعَ آخَرُ إلَى أَنَّ الطَّلَبَ ذَاتِيٌّ أَيْضًا فَلَمْ يَزِدْ شَيْئًا سِوَى إطَالَةِ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَرَامُ. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ سم عَنْ النَّاصِرِ فِي دَرْسِهِ مِنْ أَنَّ انْقِسَامَ التَّعْرِيفِ إلَى الْحَدِّ وَالرَّسْمِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ كَالْإِنْسَانِ وَأَمَّا الْأُمُورُ الْجَعْلِيَّةُ فَهِيَ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ يَعْتَبِرُهَا الْعَقْلُ فَإِذَا جَعَلَ لَهَا الْعَقْلُ جِنْسًا وَفَصْلًا وَعَرَّفَهَا بِذَلِكَ فَذَلِكَ حَدٌّ لَهَا وَالْأَجْنَاسُ وَالْفُصُولُ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الْعَقْلُ ذَاتِيَّاتٍ لَهَا فَلَيْسَ لَهَا شَيْءٌ دَاخِلٌ وَخَارِجٌ كَالْأُمُورِ الْحَقِيقِيَّةِ فَسَاقِطٌ جِدًّا بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْمَاهِيَّاتِ قِسْمَانِ مَاهِيَّاتٌ حَقِيقِيَّةٌ كَمَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ. وَمَعْنَى كَوْنِهَا مَاهِيَّاتٍ

стр. 121

نَعَمْ يُخْتَصَرُ فَيُقَالُ الْإِيجَابُ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ الْجَازِمِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ وَسَيَأْتِي حَدُّ الْأَمْرِ بِاقْتِضَاءِ الْفِعْلِ وَالنَّهْيُ بِاقْتِضَاءِ الْكَفِّ كَمَا يُحَدَّانِ بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ وَلِلْكَفِّ فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَا عَدَا الْإِبَاحَةِ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ــ [حاشية العطار] حَقِيقَةً أَنَّهَا مُحَقَّقَةُ الْوُجُود خَارِجًا إمَّا بِوُجُودِ أَفْرَادِهَا فِي الْخَارِجِ أَوْ بِوُجُودِهَا نَفْسِهَا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُودِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ وَهَذِهِ الْمَاهِيَّاتُ تَعَارِيفُهَا تُكَوِّنُ حُدُودًا وَرُسُومًا فَمَا كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ فَحَدٌّ أَوْ بِالْعَرَضِيَّاتِ فَرَسْمٌ وَتُسَمَّى هَذِهِ حُدُودًا وَرُسُومًا حَقِيقِيَّةً. وَأَمَّا الْمَاهِيَّاتُ الِاعْتِبَارِيَّةُ كَحَقَائِقِ الْأُمُورِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ كَمَا هُنَا فَلَهَا حُدُودٌ وَرُسُومٌ أَيْضًا وَتُسَمَّى حُدُودًا وَرُسُومًا اسْمِيَّةً لِأَنَّهَا بِحَسَبِ الِاسْمِ ثُمَّ إنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى ذَاتِيَّاتِ الْمَاهِيَّاتِ الْحَقِيقِيَّةِ وَعَرَضِيَّاتِهَا وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهَا عَسِرٌ جِدًّا وَاصِلٌ إلَى حَدِّ التَّعَذُّرِ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الشَّمْسِيَّةِ عَنْ ابْنِ سِينَا وَذَلِكَ لِاشْتِبَاهِ الْجِنْسِ بِالْعَرَضِ الْعَامِّ وَالْفَصْلِ بِالْخَاصَّةِ. وَأَمَّا الْمَاهِيَّاتُ الِاعْتِبَارِيَّةُ فَأَمْرُ الْفَرْقِ سَهْلٌ لِأَنَّ طَرِيقَ ذَلِكَ النَّقْلُ عَنْ الْوَاضِعِ فَمَا اعْتَبَرَهُ دَاخِلًا فِي مَفْهُومِ الْمُسَمَّى الَّذِي وُضِعَ لَهُ الِاسْمُ فَذَاتِيٌّ وَمَا لَا فَعَرَضِيٌّ وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ فِي كُتُبِ الْمَنْطِقِ وَالْمَسْأَلَةُ شَهِيرَةٌ فَكَيْفَ خَفِيَ عَلَى الشَّيْخِ الْحَالُ حَتَّى قَالَ مَا قَالَ وَتَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَالْكَمَالِ الْمُمَيِّزُ لِتَعَلُّقِ الِاقْتِضَاءِ بِالْفِعْلِ وَتَعَلُّقِهِ بِالتَّرْكِ وَتَعَلُّقِ التَّخْيِيرِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَتَفْسِيرُ الْمَاهِيَّةِ بِمَاهِيَّةِ الْحُكْمِ فَغَيْرُ دَافِعٍ لِاعْتِرَاضِ الشِّهَابِ أَيْضًا لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْخِطَابِ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِ الْحُكْمِ عِنْدَ الشَّارِحِ وَالْمُصَنِّفِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَبَقَ فَلَيْسَ خَارِجًا عَنْ مَاهِيَّتِه. (قَوْلُهُ: نَعَمْ يُخْتَصَرُ إلَخْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قَوْلِهِ الدَّافِعِ لِلِاعْتِرَاضِ دَفَعَ بِهِ تَوَهُّمَ أَنَّهُ لَا اعْتِرَاضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِوَجْهٍ فَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ اخْتِصَارُ حُدُودِ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ فَكَيْف يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ آخِرَ الْكِتَابِ إنَّ اخْتِصَارَهُ مُتَعَذِّرٌ وَرَوْمُ النُّقْصَانِ مِنْهُ مُتَعَذِّرٌ. (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي) مَقْصُودُهُ بِهَذَا بَيَانُ مُسَاوَاةِ الْمَحْدُودِ هُنَا مِمَّا عَدَا الْإِبَاحَةَ لِلْمَحْدُودِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الْمَعْنَى فَمُسَاوَاةُ التَّعَارِيفِ هُنَا لِلتَّعَارِيفِ بَعْدَ تَوْجِيهِ التَّعْبِيرِ عَنْ الْمَحْدُودِ هُنَا بِالْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى وَفِيمَا بَعْدُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. (قَوْلُهُ: كَمَا يُحَدَّانِ) أَيْ كَمَا يُحَدُّ الْأَمْرُ بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِلْفِعْلِ وَالنَّهْيِ بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِلْكَفِّ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ مُلَاحَظَةُ كُلٍّ عَلَى حِدَتِهِ وَإِفْرَادُهُ بِتَعْرِيفٍ يَخُصُّهُ فِي قَوْلِهِ وَسَيَأْتِي حَدُّ الْأَمْرِ إلَخْ وَحِينَئِذٍ فَالْمُنَاسِبُ لِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ التَّفْرِيعُ أَعْنِي قَوْلَهُ فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ إلَخْ عَلَى التَّوْزِيعِ أَيْضًا فَيَكُونُ الْمَعْنَى فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَجْمُوعِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالْأَمْرِ وَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَجْمُوعِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالنَّهْيِ وَإِنَّمَا أَجْمَلَ الشَّارِحُ إيثَارَ الِاخْتِصَارِ مَعَ وُضُوحِ الْمُرَادِ. (قَوْلُهُ: فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا) أَشَارَ بِالْفَاءِ إلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا نَتِيجَةُ مَا قَبْلَهَا مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ وَأَخَوَاتِهِ هُنَا بِالْخِطَابِ الْمُقْتَضِي وَبِالِاقْتِضَاءِ وَحَدِّ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِيمَا يَأْتِي بِالِاقْتِضَاءِ وَحَدِّهِمَا بِالْقَوْلِ الْمُقْتَضِي الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْخِطَابِ الْمُقْتَضِي وَهُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْحَدِّ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْمَحْدُودِ ثُمَّ الْمُنَاسِبُ لِسِيَاقِهِ السَّابِقُ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ هُنَا عَلَى التَّوْزِيعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَحْدُودَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِمَجْمُوعِ لَفْظَيْ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ هُوَ عَيْنُ الْمَعْنَى الْمَحْدُودِ الْمُعَبَّر عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَالْمَعْنَى الْمَحْدُودُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ هُنَا بِمَجْمُوعِ أَلْفَاظِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى هُوَ عَيْنُ الْمَعْنَى الْمَحْدُودِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِلَفْظِ النَّهْيِ وَاعْتَرَضَ النَّاصِرُ

стр. 122

نَظَرًا هُنَا إلَى أَنَّهُ حُكْمٌ وَهُنَاكَ إلَى أَنَّهُ كَلَامٌ. (وَالْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ ــ [حاشية العطار] عَلَى الشَّارِحِ بِأَنَّ كَلَامَهُ يَقْتَضِي مُرَادَفَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِمَا عَدَا الْإِبَاحَةَ مَعَ أَنَّ التَّرَادُفَ الِاتِّحَادُ فِي الْمَفْهُومِ وَالِاتِّحَادُ مَفْقُودٌ هُنَا لِأَنَّ الطَّلَبَ فِي الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ أَخَذَ بِشَرْطِ الْجَزْمِ وَفِي النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأُولَى أَخَذَ بِشَرْطِ عَدَمِهِ وَفِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَخْذٌ لَا بِشَرْطٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَغَايَةُ مَا هُنَاكَ التَّسَاوِي فِي الْمَاصَدَقِ لَا الِاتِّحَادُ فِي الْمَفْهُومِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَدَّعِ التَّرَادُفَ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَفْهُومُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الذَّاتُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِرَاضُ اهـ. وَهَذَا كَلَامٌ غَيْرُ تَامٍّ فَإِنَّ الشَّارِحَ فَرَّعَ عَلَى قَوْلِهِ فَالْمُعَبَّرُ عَنْهُ إلَخْ عَلَى أَنَّ اتِّحَادَ الْحَدِّ يُوجِبُ اتِّحَادَ الْمَحْدُودِ وَمَعْلُومٌ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الْمَحْدُودَ هُوَ الْمَفْهُومُ لَا الْأَفْرَادُ فَالشَّارِحُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّرَادُفِ فَقَدْ لَزِمَ مِنْ كَلَامِهِ وَدَعْوَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مُكَابَرَةٌ وَقَوْلُهُ فَإِنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ إلَخْ مُشَاغَبَةٌ فَإِنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِاللَّفْظِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنًى جُزَيْئًا أَوْ كُلِّيًّا فَالْأَوَّلُ يُرَادُ مِنْهُ الذَّاتُ إذْ هُوَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ فَلَفْظُ زَيْدٍ مَثَلًا يُرَادُ بِهِ الذَّاتُ الْمُشَخِّصَةُ. وَالثَّانِي يَتَعَيَّنُ إرَادَةُ الْمَفْهُومِ مِنْهُ وَإِنَّمَا يَجِيءُ قَصْدُ الذَّاتِ أَيْ الْإِفْرَادِ عِنْدَ انْعِقَادِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْقَضَايَا الْمَحْصُورَةِ وَقَدْ يُرَادُ الْمَفْهُومُ نَفْسُهُ كَمَا فِي الْمُعَرَّفِ، وَالْقَضِيَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ مُحَقِّقِي الْمَنَاطِقَةِ حَقَّقَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَحْصُورَاتِ عَلَى مَفْهُومِ الْكُلِّيِّ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ وَالْمَسْأَلَةُ شَهِيرَةٌ حَتَّى إنَّنَا فَرَدْنَاهَا بِرِسَالَةٍ فَتَمَّ إيرَادُ النَّاصِرِ. نَعَمْ تَمْهِيدُهُ لِذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ بِقَوْلِهِ إنَّ الْمَاهِيَّةَ قَدْ تُؤْخَذُ بِشَرْطِ شَيْءٍ إلَخْ لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ بَيَانُهُ يَسْتَدْعِي تَطْوِيلًا فَمَنْ رَجَعَ لِحَوَاشِينَا الْكُبْرَى عَلَى الْمَقَالَاتِ عَلِمَ مَا فِيهِ وَقَوْلُ بَعْضِ مَنْ كَتَبَ مُجِيبًا عَنْ اعْتِرَاضِ النَّاصِرِ إنَّ الْوَجْهَ فِي دَفْعِ الِاعْتِرَاضِ مَنْعُ قَوْلِهِ: لَا اتِّحَادَ هُنَا فِي الْمَفْهُومِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُدَّعَى اتِّحَادُ الْأَمْرِ وَمَجْمُوعُ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَاتِّحَادِ النَّهْيِ وَمَجْمُوعِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى وَلَا شَكَّ أَنَّ مَفْهُومَ الْأَمْرِ وَمَفْهُومَ مَجْمُوعِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ أَيْ الْمَفْهُومَ الَّذِي يَجْمَعُ وَيَعُمُّ الْإِيجَابَ وَالنَّدْبَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ وَمَفْهُومُ النَّهْيِ وَمَفْهُومُ مَجْمُوعِ التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى أَيْ الْمَفْهُومُ الَّذِي يَجْمَعُ وَيَعُمُّ الثَّلَاثَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اقْتِضَاءُ التَّرْكِ فَيَكُونُ لَفْظُ الْأَمْرِ مُرَادِفًا لِمَجْمُوعِ لَفْظَيْ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَلَفْظُ النَّهْيِ مُرَادِفًا لِمَجْمُوعِ أَلْفَاظٍ ثَلَاثَةٍ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَجْمُوعَ لَفْظِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ لَمْ يُوضَعْ لَهُ لَفْظٌ حَتَّى يَتَحَقَّقَ التَّرَادُفُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَفْظِ الْأَمْرِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الثَّانِي وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْمَجْمُوعَ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ مَفْهُومِ اقْتِضَاءِ الْفِعْلِ وَمَفْهُومِ اقْتِضَاءِ التَّرْكِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّدْبِ مُغَايِرٌ لِصَاحِبِهِ بِقَيْدٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ وَكَذَا الثَّلَاثَةُ فَانْدِرَاجُهَا تَحْتَ اقْتِضَاءِ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ انْدِرَاجُ النَّوْعِ تَحْتَ الْجِنْسِ وَالشَّارِحُ لَمْ يَدَّعِ اتِّحَادَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ الْمَفْهُومِ الَّذِي هُوَ الْجِنْسُ بَلْ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَمَفْهُومُ الْأَمْرِ مُطْلَقٌ وَهَذِهِ الْمَفَاهِيمُ مُقَيَّدَةٌ وَالْمُطْلَقُ لَا يُرَادِفُ الْمُقَيَّدَ وَأَيْضًا الْمَفْهُومُ الَّذِي يَعُمُّ ذَلِكَ الْمَجْمُوعَ وَهُوَ اقْتِضَاءُ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ لَمْ يُعَبَّرْ عَنْهُ بِلَفْظٍ مُفْرَدًا سم لِأَنَّ التَّرَادُفَ إنَّمَا يَكُونُ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ بَلْ دُلَّ عَلَيْهِ بِمُرَكَّبٍ إضَافِيٍّ فَاتِّحَادُ مَفْهُومِهِ بِمَفْهُومِ الْأَمْرِ أَوْ النَّهْيِ لَا يَنْفَعُ فِي دَعْوَى التَّرَادُفِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: نَظَرًا) مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ لِلْمُعَبَّرِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ فِي الْمَوْضُوعَيْنِ وَاحِدٌ وَاخْتَلَفَ الْعِبَارَةُ عَنْهُ فِيهِمَا لِلْمُنَاسَبَةِ فَعَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِالْإِيجَابِ وَغَيْرِهِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ حُكْمٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ وَالْإِيجَابِ وَغَيْرُهُ مُنَاسِبٌ لَهُ وَعُبِّرَ عَنْهُ فِيمَا سَيَأْتِي بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ كَلَامٌ وَالْكَلَامُ يُنَاسِبُهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ. [تَعْرِيف الْفَرْض وَالْوَاجِب] (قَوْلُهُ: وَالْفَرْضُ وَالْوَاجِبُ) أَيْ هَذَانِ اللَّفْظَانِ إذْ التَّرَادُفُ مِنْ صِفَاتِ الْأَلْفَاظِ وَانْجَرَّ الْكَلَامُ إلَيْهِمَا

стр. 123

مُتَرَادِفَانِ) أَيْ اسْمَانِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ كَمَا عُلِمَ مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ طَلَبًا جَازِمًا (خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ) فِي نَفْيِهِ تَرَادُفَهُمَا حَيْثُ قَالَ هَذَا الْفِعْلُ إنْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ كَالْقُرْآنِ فَهُوَ الْفَرْضُ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ الثَّابِتَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] وَبِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ فَهُوَ الْوَاجِبُ كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ الثَّابِتَةِ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا وَلَا تَفْسُدُ بِهِ الصَّلَاةُ بِخِلَافِ تَرْكِ الْقِرَاءَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْخِلَافُ (لَفْظِيٌّ) أَيْ عَائِدٌ إلَى اللَّفْظِ وَالتَّسْمِيَةِ إذْ حَاصِلُهُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ كَمَا يُسَمَّى فَرْضًا هَلْ يُسَمَّى وَاجِبًا وَمَا ثَبَتَ بِظَنِّيِّ كَمَا يُسَمَّى وَاجِبًا هَلْ يُسَمَّى فَرْضًا ــ [حاشية العطار] مِنْ جَعْلِ الْإِيجَابِ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الَّذِي إذَا أُضِيفَ إلَى مَا فِيهِ الْحُكْمُ سُمِّيَ وَاجِبًا وَوُجُوبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَوْ أَوَّلًا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا فَلَا يُقَالُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ الْوَاجِبَ. (قَوْلُهُ: مُتَرَادِفَانِ) أَيْ اصْطِلَاحًا لَا لُغَةً وَلَعَلَّ الْحُكْمَ بِالتَّرَادُفِ بِحَسَبِ الِاصْطِلَاحِ تَسَمُّحٌ لِمَا ذَكَرْنَا سَابِقًا الْأَحْكَامَ اللَّفْظِيَّةَ مُتَفَرِّعَةً عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَهُمَا بِحَسَبِهِ لَيْسَا مُتَرَادِفَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ وَمُتَرَادِفٌ بِمَعْنَى مُرَادِفٍ أَيْ مُرَادِفٌ كُلٌّ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فَلَا يَرِدُ الِاعْتِرَاضُ بِأَنَّ شَرْطَ التَّثْنِيَةِ صَلَاحِيَةُ الْمَعْنَى لِلتَّجْرِيدِ وَهُوَ هُنَا لَا يَصْلُحُ لَهُ لِأَنَّ التَّرَادُفَ تَفَاعُلٌ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ وَلَك أَنْ تَقُولَ أَيْضًا يَصِحُّ إطْلَاقُ مُتَرَادِفٍ عَلَى الْوَاحِدِ بِقَيْدِ مَعَ فَيُقَالُ مُتَرَادِفٌ مَعَ الْآخَرِ. (قَوْلُهُ: لِمَعْنًى وَاحِدٍ) أَيْ مَفْهُومٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ التَّرَادُفَ يُعْتَبَرُ فِيهِ اتِّحَادُ الْمَفْهُومِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَعَانِي الْكُلِّيَّةِ وَهِيَ مَفَاهِيمُ كَمَا قَرَّرْنَاهُ لَك. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ وَقَوْلُهُ كَمَا عُلِمَ إلَخْ الْمُرَادُ بِعِلْمِهِ مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ عِلْمُ ذَاتِهِ لَا بِوَصْفِ كَوْنِهِ وَاحِدًا سُمِّيَ بِلَفْظَيْنِ لِأَنَّ الْمَعْلُومَ مِمَّا سَبَقَ ذَاتُهُ لَا بِهَذَا الْوَصْفِ وَقَدْ يُسْتَشْكَلُ هَذَا التَّشْبِيهُ بِأَنَّ الْمَعْنَى الْمَعْلُومَ هُنَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ لَا شَيْءٌ آخَرُ يُشْبِهُ الْمَعْلُومَ مِنْهُ وَالتَّشْبِيهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ وَيُجَابُ بِتَغَايُرِهِمَا اعْتِبَارًا فَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ مُشَبَّهٌ بِاعْتِبَارِ ذِكْرِهِ هُنَا مُشَبَّهٌ بِهِ بِاعْتِبَارِ عِلْمِهِ مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ وَفِيهِ تَكَلُّفٌ فَالْأَحْسَنُ أَنْ تُجْعَلَ الْكَافُ بِمَعْنَى عَلَى وَمَا مَصْدَرِيَّةً أَيْ بِنَاءً عَلَى عِلْمِهِ مِنْ حَدِّ الْإِيجَابِ. (قَوْلُهُ: حَيْثُ قَالَ) ظَرْفٌ لِنَفْيِهِ وَالْحَيْثِيَّةُ تَعْلِيلِيَّةٌ فَهُوَ لَمْ يُصَرِّحْ بِنَفْيِ التَّرَادُفِ بَيْنَهُمَا بَلْ لَزِمَ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِ (قَوْلُهُ: هَذَا الْفِعْلُ) أَيْ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ طَلَبًا جَازِمًا. (قَوْلُهُ: إنْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ إلَخْ) هَذَا الِاصْطِلَاحُ وَإِنْ اُشْتُهِرَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَكِنْ يَكْثُرُ فِي اسْتِعْمَالِهِمْ مَا يُخَالِفُهُ وَهُوَ إطْلَاقُ الْفَرْضِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ وَالْوَاجِبِ عَلَى مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ كَقَوْلِهِمْ الْوِتْرُ فَرْضٌ وَتَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ فَرْضٌ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَيُسَمُّونَهُ فَرْضًا عَمَلِيًّا لَا عِلْمِيًّا يَلْزَمُ اعْتِقَادُهُ حَقِيقَةً وَكَقَوْلِهِمْ الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ قَالَهُ الْكَمَالُ. (قَوْلُهُ: فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِمْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَلَيْسَ مُفَرَّعًا عَلَى التَّسْمِيَةِ أَعْنِي قَوْلَهُ فَهُوَ الْوَاجِبُ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي حِينَئِذٍ أَنَّ لِلتَّسْمِيَةِ مَدْخَلًا فِي عَدَمِ الْفَسَادِ فَلَا يَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا وَلَا يَصِحُّ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: كَمَا يُسَمَّى إلَخْ) الْعَامِلُ فِي الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ وَمَا بَعْدَ هَلْ وَلَا يُقَالُ عَلَيْهِ إنَّ أَدَوَاتِ الِاسْتِفْهَامِ لَا يَعْمَلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا لِأَنَّ هَلْ ضَعِيفَةٌ فِي الِاسْتِفْهَامِ لِتَطَفُّلِهَا فِيهِ فَلَيْسَتْ كَالْهَمْزَةِ الْعَرِيقَةِ فِيهِ وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الدَّنَوْشَرِيُّ فَقَالَ

стр. 124

فَعِنْدَهُ لَا أَخْذًا لِلْفَرْضِ مِنْ فَرَضَ الشَّيْءَ بِمَعْنَى حَزَّهُ أَيْ قَطَعَ بَعْضَهُ، وَلِلْوَاجِبِ مِنْ وَجَبَ الشَّيْءُ وَجْبَةً سَقَطَ. وَمَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ سَاقِطٍ مِنْ قِسْمِ الْمَعْلُومِ. وَعِنْدَنَا نَعَمْ أَخْذًا مِنْ فَرَضَ الشَّيْءَ قَدَّرَهُ، وَوَجَبَ الشَّيْءُ وُجُوبًا ثَبَتَ، وَكُلٌّ مِنْ الْمُقَدَّرِ وَالثَّابِتِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ بِقَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ وَمَأْخَذُنَا أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ مِنْ الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا عِنْدَهُ أَيْ دُونَنَا لَا يَضُرُّ فِي أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ لِأَنَّهُ أَمْرٌ فِقْهِيٌّ ــ [حاشية العطار] وَهَلْ فِي الِاسْتِفْهَامِ قَبْلَ وَجَدْ ... مَعْمُولُ مَا بَعْدُ لِضَعْفٍ فَاعْتَمِدْ (قَوْلُهُ: فَعِنْدَهُ لَا أَخْذًا إلَخْ) عِنْدَهُ مُتَعَلِّقٌ بِلَا لِتَضَمُّنِهَا لِمَعْنَى الْفِعْلِ أَيْ انْتَفَتْ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ وَأَخْذًا مَفْعُولٌ لَهُ لَا لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى حَزَّهُ) أَيْ قَطَعَ بَعْضَهُ أَيْ فَالْفَرْضُ بِمَعْنَى الْمَفْرُوضِ أَيْ الْمَقْطُوعِ بِهِ وَاعْتَرَضَ النَّاصِرُ الْأَخْذَ الْمَذْكُورَ بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَوْجِيهَهُمْ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ إذَا أُرِيدَ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ لَكِنَّ أَمْثِلَتَهُمْ تُخَالِفُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْآيَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ لَيْسَتْ قَطْعِيَّةَ الدَّلَالَةِ. الثَّانِي: أَنَّ الْقَطْعَ بِالْأَحْكَامِ لَيْسَ مِنْ الْفِقْهِ الْمُعَرَّفِ بِالْعِلْمِ أَيْ الظَّنِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الِاعْتِرَاضَ الْأَوَّلَ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الشَّارِحِ لِأَنَّهُ حَاكٍ لَهُ عَنْهُمْ بَلْ وَلَا عَلَيْهِمْ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَطْعَ عِنْدَهُمْ بِجَامِعِ مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ وَهُوَ مَا لَا يَكُونُ احْتِمَالُهُ نَاشِئًا عَنْ الدَّلِيلِ كَمَا نَصُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي أُصُولِهِمْ. وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ لَزِمَ هَذَا الْكَلَامُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ يُسَمَّى فِقْهًا وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِذَلِكَ بِوَجْهٍ وَلَوْ سُلِّمَ فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ تَفَاسِيرِ الْفِقْهِ عِنْدَهُمْ مَا يَتَنَاوَلُ الْقَطْعِيَّ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي أُصُولِهِمْ. (قَوْلُهُمْ سَاقِطٌ مِنْ قِسْمِ الْمَعْلُومِ) لِأَنَّ الْمَعْلُومَ هُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ وَلِذَا يُسَمُّونَ مَا ثَبَتَ بِقَطْعِيٍّ بِالْفَرْضِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَمَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ بِالْفَرْضِ عَمَلًا فَقَطْ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَنَا نَعَمْ) يُقَالُ فِيهِ مَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ فَعِنْدَهُ لَا أَخْذًا. (قَوْلُهُ: وَوَجَبَ الشَّيْءُ وُجُوبًا ثَبَتَ) مِمَّا يُرَجِّحُ أَخْذَنَا لِلْوَاجِبِ مِنْ وَجَبَ بِمَعْنَى ثَبَتَ اتِّحَادُ الْوَاجِبِ وَمَأْخَذُهُ فِي الْمَصْدَرِ فَإِنَّ مَصْدَرَ كُلٍّ الْوُجُوبُ بِخِلَافِ أَخْذِهِمْ لَهُ مِنْ وَجَبَ بِمَعْنَى سَقَطَ فَإِنَّ الْمَصْدَرَ عَلَيْهِ مُخْتَلِفٌ لِأَنَّ مَصْدَرَ الْوَاجِبِ الْوُجُوبُ وَمَصْدَرُ مَأْخَذِهِ عِنْدَهُمْ الْوَجْبُ أَوْ الْوَجْبَةُ أَفَادَهُ الْكَمَالُ. (قَوْلُهُ: وَمَأْخَذُنَا أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا) أَيْ أَنَّ اسْتِعْمَالَ فَرْضٍ لُغَةً بِمَعْنَى قَدْرٍ أَكْثَرُ مِنْهُ بِمَعْنَى حَزٍّ وَاسْتِعْمَالَ وَجَبَ بِمَعْنَى ثَبَتَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِمَعْنَى سَقَطَ فَاصْطِلَاحُنَا أَوْلَى فَهَذَا بَيَانٌ لِمُرَجِّحِ مَأْخَذِنَا الَّذِي عَارَضَهُ مَأْخَذُهُمْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فَإِنْ قُلْت قَدْ فَرَّقَ عِنْدَكُمْ بَيْنَهُمَا فِي الطَّلَاقِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ الطَّلَاقُ وَاجِبٌ عَلَيَّ طَلُقَتْ زَوْجَتُهُ بِخِلَافِ الطَّلَاقُ فَرْضٌ عَلَيَّ. وَفِي الْحَجِّ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مَا يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ وَالرُّكْنُ بِخِلَافِهِ وَالْفَرْضُ يَشْمَلُهُمَا فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوَاجِبِ قُلْت ذَلِكَ لَيْسَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ حَقِيقَتِهِمَا بَلْ لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ وَلِاصْطِلَاحٍ آخَرَ فِي الْحَجِّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَيْنِ فِي الطَّلَاقِ لَيْسَا بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ بَلْ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مَعَ أَنَّ أَصْحَابَنَا نَقَضُوا أَصْلَ الْحَنَفِيَّةِ فِي أَشْيَاءَ مِنْهَا جَعْلُهُمْ مَسْحَ رُبْعِ الرَّأْسِ وَالْقَعْدَةِ آخِرَ الصَّلَاةِ فَرْضَيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا لَمْ يَثْبُتَا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ. (قَوْلُهُ: أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَثْبُتَ بِقَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ) أَيْ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الثَّابِتِ بِالْقَطْعِيِّ وَالثَّابِتِ بِالظَّنِّيِّ تَفَاوُتٌ فِي الرُّتْبَةِ إذْ التَّفَاوُتُ فِي الرُّتْبَةِ لَا يَقْتَضِي التَّفَاوُتَ فِي التَّسْمِيَةِ فَاتِّحَادُهُمَا تَسْمِيَةٍ لَا يُوجِبُ اتِّحَادَهُمَا رُتْبَةً كَمَا لَا يُوجِبُ اتِّحَادُ دَلِيلِهِمَا رُتْبَةً قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ وَالنِّزَاعُ لَفْظِيٌّ عَائِدٌ إلَى التَّسْمِيَةِ فَنَحْنُ نَجْعَلُ اللَّفْظَيْنِ اسْمًا لِمَعْنًى وَاحِدٍ لِتَفَاوُتِ أَفْرَادِهِ وَهُمْ يَخُصُّونَ كُلًّا مِنْهُمَا بِقِسْمٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَيَجْعَلُونَهُ اسْمًا لَهُ وَقَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّ مَنْ جَعَلَهُمَا مُتَرَادِفَيْنِ جَعَلَ خَبَرَ الْوَاحِدِ الظَّنِّيَّ بَلْ الْقِيَاسَ الْمَبْنِيَّ عَلَيْهِ فِي مَرْتَبَةِ الْكِتَابِ الْقَطْعِيِّ حَيْثُ جَعَلَ مَدْلُولَهُمَا وَاحِدًا وَهُوَ غَلَطٌ ظَاهِرٌ اهـ. وَفِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ كَالسُّيُوطِيِّ فِي طَبَقَاتِ النُّحَاةِ مِنْ أَنَّ السَّعْدَ التَّفْتَازَانِيَّ شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ وَكَلَامُهُ فِي حَاشِيَةِ التَّلْوِيحِ يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَنْتَصِرُ لِلشَّافِعِيَّةِ وَأَمَّا السَّيِّدُ فَحَنَفِيٌّ بِاتِّفَاقٍ. (قَوْلُهُ: وَمَا تَقَدَّمَ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ ظَاهِرٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ تَرْكَ الْفَاتِحَةِ) لَمْ يَقُلْ وَيَأْثَمُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ مِمَّا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ أَمْرٌ فِقْهِيٌّ أَيْ حُكْمٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي عَمِلَهَا وَهُوَ الْفِقْهُ وَجَعَلَ كَوْنَ صَلَاةِ تَارِكِهَا

стр. 125

لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّسْمِيَةِ الَّتِي الْكَلَامُ فِيهَا. (وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ مُتَرَادِفَةٌ) أَيْ أَسْمَاءٌ لِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ كَمَا عُلِمَ مِنْ حَدِّ النَّدْبِ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ (خِلَافًا لِبَعْضِ أَصْحَابَنَا) أَيْ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَغَيْرُهُ فِي تَفْهِيمِ تَرَادُفِهَا حَيْثُ قَالُوا هَذَا الْفِعْلُ إنْ وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَهُوَ السُّنَّةُ أَوْ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ كَأَنْ فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ــ [حاشية العطار] صَحِيحَةً الَّذِي هُوَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ خِطَابِ الْوَضْعِ مِنْ الْفِقْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ أَيْ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ صَحِيحُ لِأَنَّ الْفِقْهَ بَاحِثٌ عَنْ الْخِطَابَيْنِ التَّكْلِيفِيِّ وَالْوَضْعِيِّ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ تَحِلُّ وَتَحْرُمُ وَتَصِحُّ وَتَفْسُدُ. (قَوْلُهُ: لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّسْمِيَةِ) قَالَ النَّاصِرُ الْمُتَبَادِرُ أَنْ يُقَالَ لَا مَدْخَلَ لِلتَّسْمِيَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْ الدَّلِيلِ الَّذِي دَلَّ الْمُجْتَهِدَ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْفِقْهِيِّ لَا عَنْ التَّسْمِيَةِ فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ مَدْخَلِيَّةِ التَّسْمِيَةِ فِي عَدَمِ الْفَسَادِ إذْ لَوْ كَانَ لَهَا مَدْخَلٌ فِيهِ كَانَ النِّزَاعُ فِيهَا نِزَاعًا فِيهِ فَيَكُونُ الْخِلَافُ مَعْنَوِيًّا وَلَعَلَّ وَجْهَ مَا عَبَّرَ بِهِ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِعَدَمِ الْفَسَادِ مَدْخَلِيَّةُ التَّسْمِيَةِ كَانَ النِّزَاعُ فِيهَا فَرْعَ النِّزَاعِ فِيهِ فَيَكُونُ الْخِلَافُ مَعْنَوِيًّا وَأُورِدَ عَلَيْهِ أَنَّ ظَنِّيَّةَ الدَّلِيلِ لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلتَّسْمِيَةِ بِالْوَاجِبِ أَيْ السَّاقِطِ وَلِعَدَمِ الْفَسَادِ بِالتَّرْكِ وَكَانَتْ قَطْعِيَّةُ الدَّلِيلِ سَبَبًا لِضِدِّ ذَلِكَ كَانَ لِعَدَمِ الْفَسَادِ مَدْخَلٌ فِي التَّسْمِيَةِ بِاعْتِبَارِ سَبَبِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَعْتَبِرْ السَّبَبَ. [تَعْرِيفِ الْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ] (قَوْلُهُ: وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ) وَمِثْلُهُ الْحَسَنُ وَالنَّفَلُ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ (قَوْله مُتَرَادِفَةٌ) أَيْ اصْطِلَاحًا لُغَةً نَظِيرَ مَا مَرَّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ. (قَوْلُهُ: كَمَا عُلِمَ) أَيْ عَلَى مَا عُلِمَ أَيْ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ لَا بِوَصْفِ كَوْنِهِ مُسَمًّى بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ. (قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُ) كَالْبَغَوِيِّ فِي تَهْذِيبِهِ وَالْخُوَارِزْمِي فِي الْكَافِي وَالْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ (قَوْلُهُ: حَيْثُ قَالُوا) ظَرْفٌ لِنَفْيِهِمْ وَالْحَيْثِيَّةُ تَعْلِيلِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: هَذَا الْفِعْلُ) أَيْ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ ظُلْمًا غَيْرُ جَازِمٍ الَّذِي هُوَ كُلِّيٌّ وَفَائِدَةُ الْإِشَارَةِ بَيَانُ أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي الْفِعْلِ الْمَذْكُورِ لَا فِي مُطْلَقِ الْفِعْلِ وَلَيْسَتْ الْإِشَارَةُ لِلْفِعْلِ الْجُزْئِيِّ كَمَا تُوهِمُهُ الْإِشَارَةُ إذْ الْجُزْئِيُّ الْحَقِيقِيُّ لَا تُتَصَوَّرُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهِ وَلَا فِعْلُهُ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ مَتَى فَعَلَهُ مَرَّةً انْقَضَى فَالْمُعَادُ لَيْسَ هُوَ بِعَيْنِهِ بَلْ فِعْلٌ مُمَاثِلٌ لَهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ عَرَضٌ وَالْعَرَضُ لَا يَدُومُ وَقَدْ يُقَالُ هَذَا تَدْقِيقٌ فَلْسَفِيٌّ وَالْعُرْفُ الْعَامُّ لَا يَلْتَفِتُ لِمِثْلِهِ فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الشَّرْحِ مَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ مَنْدُوبًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ فَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ صَرِيحٌ فِي رَدِّ هَذَا الْمَنْقُولِ لِأَنَّهُمْ فَرَّقُوا فِي رَوَاتِبِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْمُؤَكَّدِ مِنْهَا وَغَيْرِهِ بِمُدَاوَمَتِهِ ﷺ وَعَدَمِهَا وَهَذَا صَرِيحٌ مِنْهُمْ فِي عَدَمِ مُدَاوَمَتِهِ ﷺ عَلَى غَيْرِ الْمُؤَكَّدِ وَلِأَنَّ فِي التِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَدَعُ الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ لَا يُصَلِّيهَا بَعْدُ» وَلِأَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الرِّوَايَةِ الدَّالَّةِ عَلَى «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَصُومُ جَمِيعَ شَعْبَانَ» وَالرِّوَايَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ بَعْضَهُ بِأَنَّهُ تَارَةً كَانَ يَصُومُ كُلَّهُ وَتَارَةً كَانَ يَصُومُ بَعْضَهُ وَاحْتِمَالُ أَنَّ مَرَّاتِ الْبَعْضِ تَقَدَّمَتْ وَمَرَّاتِ الْكُلِّ تَأَخَّرَتْ فَلَمْ يَلْزَمْ التَّرْكُ بَعْدَ الْفِعْلِ بَعِيدٌ نَعَمْ ذَكَرَ السُّيُوطِيّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ عَدَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّ جَمِيعَ نَوَافِلِهِ كَانَتْ فَرْضًا. وَقَضِيَّةُ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ خِلَافُ هَذَا أَيْضًا فَإِنَّهُمْ حَكَمُوا خِلَافًا فِي نَوَافِلَ مُعَيَّنَةٍ كَالضُّحَى هَلْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ﷺ أَوْ لَا فَلَوْ وَافَقُوا عَلَى وُجُوبِ جَمِيعِ نَوَافِلِهِ لَمْ يَتَّجِهْ تَخْصِيصُ بَعْضِ النَّوَافِلِ بِالْخِلَافِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يُنَافِي التَّفْصِيلَ فِي نَفْسِهِ لِجَوَازِ أَنَّ بَعْضَ نَوَافِلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْمُدَاوَمَةِ وَالْبَعْضَ وَجَبَ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُدَاوَمَةِ بَلْ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ. وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ إتْمَامَ كُلِّ تَطَوُّعٍ شُرِعَ فِيهِ أَيْ وُجُوبُ ذَلِكَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَضِيَّةَ ذَلِكَ عَدَمُ وُجُوبِ نَوَافِلِهِ وَإِلَّا فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ وُجُوبِ الْإِتْمَامِ مَعَ وُجُوبِ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: كَانَ فِعْلُهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) دَلَّتْ الْكَافُ عَلَى عَدَمِ الِانْحِصَارِ فِي الْمَرَّةِ وَالْمَرَّتَيْنِ وَلَعَلَّ الضَّابِطَ مَا لَمْ يَنْتَهِ إلَى حَدِّ الْمُوَاظَبَةِ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِي ضَابِطِ الْمُوَاظَبَةِ وَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يُتْرَكَ إلَّا لِعُذْرٍ وَبَقِيَ النَّظَرُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ ﷺ -

стр. 126

فَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ وَهُوَ مَا يُنْشِئُهُ الْإِنْسَانُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْ الْأَوْرَادِ فَهُوَ التَّطَوُّعُ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلْمَنْدُوبِ لِعُمُومِهِ لِلْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ بِلَا شَكٍّ (وَهُوَ) أَيْ الْخِلَافُ (لَفْظِيٌّ) أَيْ: عَائِدٌ إلَى اللَّفْظِ وَالتَّسْمِيَةِ إذْ حَاصِلُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ كَمَا يُسَمَّى بِاسْمٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ كَمَا ذَكَرَ هَلْ يُسَمَّى بِغَيْرِهِ مِنْهَا فَقَالَ الْبَعْضُ لَا إذْ السُّنَّةُ الطَّرِيقَةُ وَالْعَادَةُ وَالْمُسْتَحَبُّ الْمَحْبُوبُ وَالتَّطَوُّعُ الزِّيَادَةُ، وَالْأَكْثَرُ نَعَمْ وَيَصْدُقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ طَرِيقَةٌ وَعَادَةٌ فِي الدِّينِ وَمَحْبُوبٌ لِلشَّارِعِ بِطَلَبِهِ وَزَائِدٌ عَلَى الْوَاجِبِ. (وَلَا يَجِبُ) الْمَنْدُوبُ (بِالشُّرُوعِ) فِيهِ أَيْ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ ــ [حاشية العطار] صَرِيحًا وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَيُحْتَمَلُ دُخُولُهُ فِيمَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَوْ فِي الْمُسْتَحَبِّ لِأَنَّهُ مَحْبُوبٌ لِلشَّارِعِ بِطَلَبِهِ صَرِيحًا. وَأَمَّا مَا هَمَّ بِفِعْلِهِ وَمَنَعَهُ مِنْهُ مَانِعٌ كَمَا فِي تَحْوِيلِ الرِّدَاءِ فِي خُطْبَةِ الِاسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ حِينَ خَطَبَ وَكَانَ عَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ أَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَهَا فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ أَوْ عَزَمَ وَمَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ أَيْضًا كَمَا فِي صَوْمِ يَوْمِ تَاسُوعَاءَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْحَقَ بِمَا فَعَلَهُ ثُمَّ إنْ دَلَّ الْحَالُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَاظَبَ عَلَيْهِ أُلْحِقَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَإِلَّا فَبِالْقِسْمِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا رَغِبَ فِيهِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ صَرِيحًا وَلَا فَعَلَهُ فَهُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ (قَوْلُهُ: فَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ) وَلَا يُقَالُ إنَّهُ سُنَّةٌ لِأَنَّ السُّنَّةَ لُغَةً الطَّرِيقَةُ وَلَا يَكُونُ طَرِيقَةً إلَّا بِالتَّكْرَارِ حِينَئِذٍ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ مَا يُنْشِئُهُ) أَيْ وَجَعْلُهُ مَطْلُوبًا مِنْ حَيْثُ انْدِرَاجُهُ أَمْرٌ عَامٌّ وَالْإِنْشَاءُ مِنْ حَيْثُ الْخُصُوصُ. (قَوْلُهُ: لِعُمُومِهِ) يَعْنِي أَنَّهُ مُرَادِفٌ لِكُلٍّ مِنْهَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ صَادِقٌ عَلَيْهَا وَعَلَى غَيْرِهَا حَتَّى يُرَادِفَهَا لِأَنَّ الْأَعَمَّ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُرَادِفُهُ الْأَخَصُّ. (قَوْلُهُ: إذْ السُّنَّةُ) أَيْ وَهِيَ إنَّمَا تَكُونُ مَعَ التَّكْرَارِ (قَوْلُهُ: وَالْمُسْتَحَبُّ الْمَحْبُوبُ) أَيْ وَمَا فَعَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ مَحْبُوبٌ لِلنَّفْسِ لِعَدَمِ كَثْرَتِهِ إذْ لَوْ كَثُرَ لَرُبَّمَا حَصَلَ مِنْهُ الْمَلَلُ وَالسَّآمَةُ كَذَا قِيلَ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا تَثْبُتُ الْمَحَبَّةُ بِارْتِكَابِهِ وَفِعْلِهِ وَلَوْ مَرَّةً وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّ السُّنَّةَ يُقَالُ لَهَا مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ حُبًّا لِلشَّارِعِ وَهُوَ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَالتَّطَوُّعُ الزِّيَادَةُ) أَيْ عَلَى مَا فَعَلَهُ الشَّارِعُ. (قَوْلُهُ: وَيَصْدُقُ إلَخْ) فِي مَعْنَى التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ نَعَمْ (قَوْلُهُ: وَمَحْبُوبٌ لِلشَّارِعِ بِطَلَبِهِ) أَيْ هُوَ مَطْلُوبٌ لَهُ بِسَبَبِ الطَّلَبِ فَلَيْسَتْ الْمَحَبَّةُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْمَيْلِ بَلْ بِمَعْنَى الطَّلَبِ النَّفْسِيِّ لِأَنَّهَا وَصْفٌ لِلشَّارِعِ فَلَا يُنَاسِبُهُ مَعْنَى الْمَيْلِ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ الْمَنْدُوبُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ) أَيْ لَا يَصِيرُ الشُّرُوعُ فِيهِ سَبَبًا لِوُجُوبِ إتْمَامِهِ فَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَفِي الْمَنْدُوبِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْكُلِّ فِي الْبَعْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بِالشُّرُوعِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ وَإِنَّمَا فَسَّرَ ضَمِيرَ يَجِبُ بِالْمَنْدُوبِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ السُّنَّةِ وَمَا بَعْدَهَا لِعُمُومِهِ لِلْكُلِّ كَمَا سَبَقَ. (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ) فَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ مَا حَصَلَ بِهِ الشُّرُوعُ إذْ هُوَ لَا نِزَاعَ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ وَقَدْ يُوَجَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ وَاجِبَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ لِجَوَازِ تَرْكِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا أَنَّهُ بِالتَّلَبُّسِ بِهِ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ وَاجِبٌ فَهُوَ بَعِيدٌ مَعَ تَجْوِيزِ تَرْكِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ وَلُزُومِ تَبْعِيضِ الْعِبَادَةِ نَدْبًا وَوُجُوبًا لَا مَانِعَ مِنْهُ كَمَسْحِ جَمِيعِ الرَّأْسِ عِنْدَنَا وَعَلَّلَ النَّاصِرُ مَنْدُوبِيَّةَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْوُجُوبِ وَالسَّبَبُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ السَّبَبَ مُتَقَدِّمٌ بِالذَّاتِ مُقَارَنٌ بِالزَّمَانِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ عِنْدَهُمْ كَحَرَكَةِ الْيَدِ لِحَرَكَةِ الْخَاتَمِ اهـ. أَيْ فَلَا يَكُونُ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مَنْدُوبًا وَعَلَيْهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ مَبْنَى هَذَا النَّظَرِ أَنَّ ذَاتَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ سَبَبٌ فِي الْوُجُوبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَوْ كَانَ سَبَبًا أَيْ عِلَّةً فِي الْكُلِّ كَمَا قَالَ لَزِمَ تَوَقُّفُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ

стр. 127

لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ يَجُوزُ تَرْكُهُ وَتْرُكَ إتْمَامِهِ ــ [حاشية العطار] فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ الْكُلِّ نَفْسَ هَذَا الْجُزْءِ وَقَدْ جُعِلَ عِلَّةً لِلْكُلِّ فَيَكُونُ سَبَبًا فِي نَفْسِهِ أَيْضًا وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْمُرَكَّبَةَ لَا يَكُونُ بَعْضُ أَجْزَائِهَا عِلَّةً فِيهَا لِلْمَحْذُورِ الْمَذْكُورِ وَحِينَئِذٍ بَطَلَ قَوْلُهُ إنَّ السَّبَبَ مُتَقَدِّمٌ بِالذَّاتِ إلَخْ فَإِنَّ السَّبَبَ هُوَ نَفْسُ الشُّرُوعِ لِتَوَقُّفِ الْإِتْمَامِ عَلَيْهِ وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى الْإِتْمَامِ سَبْقًا زَمَانِيًّا لَا ذَاتِيًّا وَلَيْسَ مُقَارِنًا لِلْإِتْمَامِ لِأَنَّهُ أَتَى فَلَا يَمْتَدُّ زَمَنُهُ حَتَّى يُجَامِعَ الْإِتْمَامَ وَلَا يَلْزَمُ فِي السَّبَبِ مُقَارَنَتُهُ لِلْمُسَبَّبِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّنَا سَبَبٌ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَلَيْسَ مُقَارِنًا لَهُ وَكَذَلِكَ الزَّوَالُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَيَسْتَمِرُّ هَذَا الْوُجُوبُ بَعْدَهُ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْعُهْدَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْفَرْضَ وَإِنَّمَا الْمُقَارَنَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الشَّرْطِ كَالطُّهْرِ لِلصَّلَاةِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ مُتَقَدِّمٌ بِالذَّاتِ مُقَارِنٌ بِالزَّمَانِ جَرْيٌ عَلَى اصْطِلَاحِ الْحُكَمَاءِ فِي حُكْمِ الْعِلَّةِ وَهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبَبِ. وَأَمَّا الْأُصُولِيُّونَ فَإِنَّهُمْ يُعَبِّرُونَ عَنْ السَّبَبِ بِالْعِلَّةِ أَيْضًا وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ عِنْدَهُمْ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالسَّبَبُ مَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ إلَخْ لَكِنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْعِلَّةِ فَقَدْ خَلَطَ الشَّيْخُ ﵀ اصْطِلَاحًا بِاصْطِلَاحٍ لِيَتِمَّ لَهُ النَّظَرُ الْمَذْكُورُ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ كَتَبَ هَاهُنَا أَنَّهُمْ قَالُوا عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ كَمَا قُلْنَا وَبَعْدَ ذَلِكَ سَلَّمُوا السُّؤَالَ الْمَذْكُورَ وَأَجَابُوا عَنْهُ تَبَعًا لسم بِأَنَّ السَّبَبَ حُصُولُ الْجُزْءِ وَثُبُوتُهُ أَيْ كَوْنُهُ حَاصِلًا ثَابِتًا وَهُوَ مُقَارِنٌ لِلْوُجُوبِ بِأَزْمَانٍ وَهُوَ يَرْجِعُ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الشُّرُوعُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ حُصُولَ الْجُزْءِ وَثُبُوتَهُ لَازِمٌ لَهُ وَمُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ وَقَدْ كَانَ اللَّائِقُ فِي الْجَوَابِ بَيَانُ مَنْشَأِ الْغَلَطِ كَمَا بَيَّنَّا لِئَلَّا يَبْقَى حُصُولُ الِاشْتِبَاهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاصْطِلَاحَيْنِ فَافْهَمْ وَنُقِلَ عَنْ تَقْرِيرِ بَعْضِ مَشَايِخِنَا أَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ وُجُوبِ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ لِتَوَقُّفِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ وَأُورِدَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ وَاجِبًا لَا مَنْدُوبًا وَأَجَابَ بِأَنَّ النَّدْبَ مِنْ حَيْثُ الْقُدُومُ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يُنَافِي وُجُوبَهُ بِالْأَخْذِ فِيهِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ وَاجِبًا لَزِمَ أَنَّ كُلَّ مَنْدُوبٍ وَاجِبٌ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَيُنَافِي وَصْفَهُ بِالنَّدْبِ وَدَعْوَى أَنَّ النَّدْبَ وَصْفٌ لِلْقُدُومِ خُرُوجٌ عَنْ الِاصْطِلَاحِ فَإِنَّ الْمَوْصُوفَ بِالنَّدْبِيَّةِ ذَاتُ الْعِبَادَةِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ إلَخْ) إشَارَةٌ لِقِيَاسٍ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ أَشَارَ لِكُبْرَاهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ إلَخْ وَلِصُغْرَاهُ بِقَوْلِهِ وَتَرْكُ إتْمَامِهِ وَنَظْمُ الْقِيَاسِ هَكَذَا تَرْكُ إتْمَامِ الْمَنْدُوبِ تَرْكٌ لِلْمَنْدُوبِ وَتَرْكُ الْمَنْدُوبِ جَائِزٌ يُنْتِجُ تَرْكَ إتْمَامِ الْمَنْدُوبِ جَائِزٌ وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ تَرْكَ إتْمَامِ الْمَنْدُوبِ تَرْكٌ لَهُ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ وَهُوَ تَرْكُ مَا يَأْتِي وَإِبْطَالُ مَا مَضَى وَالتَّرْكُ الْجَائِزُ أُرِيدَ بِهِ التَّرْكُ ابْتِدَاءً لَمْ يَتَّحِدْ الْوَسَطُ لِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ فِي الصُّغْرَى تَرْكُ الْإِتْمَامِ وَإِنْ أُرِيدَ مَا هُوَ أَعَمُّ فَلَا نُسَلِّمُ جَوَازَهُ لِأَنَّ لِلْعِبَادَةِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهَا مِنْ الْحُرْمَةِ مَا لَيْسَ لَهَا قَبْلَهُ. وَالْجَوَابُ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الثَّانِي وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ حَدِيثُ الصَّائِمِ الْمُتَطَوِّعِ فَظَهَرَ أَنَّ الْبَحْثَ مَعَ تَكْرَارِ الْحَدِّ الْوَسَطِ عَلَى تَقْدِيرٍ أَوْ الْكُبْرَى عَلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ فَهُوَ نَقْضٌ تَفْصِيلِيٌّ لِوُرُودِهِ عَلَى مُقَدَّمَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَمَّا وُرُودُهُ عَلَى الْكُبْرَى فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا مَنْعُ تَكَرُّرِ الْحَدِّ الْوَسَطِ فَلِأَنَّ تَكَرُّرَهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ إنْتَاجِ الْقِيَاسِ وَالْمُقَدَّمَةُ عِنْدَهُمْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الدَّلِيلِ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِشُرُوطِ إنْتَاجِهِ وَإِنَّ الْجَوَابَ إثْبَاتٌ لِلْمُقَدَّمَةِ الْمَمْنُوعَةِ وَهِيَ الْكُبْرَى وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمَمْنُوعُ الصُّغْرَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّاصِرُ وَلَا الْكُبْرَى

стр. 128

الْمُبْطِلِ لِمَا فُعِلَ مِنْهُ تُرِكَ لَهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ بِوُجُوبِ إتْمَامِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] حَتَّى يَجِبَ بِتَرْكِ إتْمَامِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْهُ قَضَاؤُهُمَا وَعُورِضَ فِي الصَّوْمِ بِحَدِيثِ «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ ــ [حاشية العطار] فَقَطْ كَمَا قَالَهُ سم وَيَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ أَيْضًا لُزُومُ الْمُصَادَرَةِ لِأَنَّ الْكُبْرَى لَازِمَةٌ لِلْمُدَّعِي إذْ قَوْلُنَا الْمَنْدُوبُ لَا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ يَلْزَمُهُ أَنَّ تَرْكَهُ جَائِزٌ وَقَدْ جُعِلَ كُبْرَى الْقِيَاسِ. (قَوْلُهُ: الْمُبْطِلُ) صِفَةُ التَّرْكِ وَضَمِيرُ مِنْهُ هُنَا وَفِيمَا بَعْدَهُ لِلْمَنْدُوبِ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ) أَيْ فِي قَوْلِهِ بِوُجُوبِ إتْمَامِهِ اعْتَرَضَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْكُورَانِيُّ فَقَالَ لَا يَخْلُو مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ الْفِعْلِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى حَقِيقَةِ النَّفْلِ أَوْ الْقَلْبِ بِالشُّرُوعِ وَاجِبًا. وَالثَّانِي بَاطِلٌ إجْمَاعًا إذْ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ فِي الشَّرِيعَةِ يَكُونُ بَعْضُهُ نَفْلًا وَبَعْضُهُ وَاجِبًا وَأَيْضًا لَوْ كَانَ بِالشُّرُوعِ يَصِيرُ وَاجِبًا لَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ ثَوَابُ الْوَاجِبِ لَا ثَوَابُ النَّفْلِ وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ اهـ. قَالَ سم قَوْلُهُ وَالثَّانِي بَاطِلٌ إجْمَاعًا بَاطِلٌ أَمَّا أَوَّلًا فَمِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا الْإِجْمَاعُ وَهُوَ قَطْعًا لَيْسَ مِنْ أَهْلِ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ وَكَيْف يَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَةِ مَنْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَدَعْوَى تَقَدُّمِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ فَتَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ غَيْرَ مَسْمُوعَةٍ إلَّا بِنَقْلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ وَعَمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ وَمَا ذَكَرَهُ فِي إثْبَاتِ هَذِهِ الدَّعْوَى لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ اسْتِقْرَاءِ الشَّرِيعَةِ حَتَّى يَجْزِمَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا ذُكِرَ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَنْ نَذَرَ الْفِعْلَ الَّذِي يُشْرَعُ فِيهِ انْعَقَدَ نَذْرُهُ وَلَزِمَهُ إتْمَامُ مَا يَشْرَعُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ الشُّرُوعُ فِيهِ وَهَذَا نَظِيرُ مَا ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى بُطْلَانِهِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَأَيْضًا إلَخْ فَالْمُلَازَمَةُ الَّتِي ادَّعَاهَا مَمْنُوعَةٌ لِجَوَازِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَجِبُ الشُّرُوعُ فِيهِ وَمَا لَا يَجِبُ الشُّرُوعُ فِيهِ وَهَذَا إنْ لَمْ يَقُلْ الْمُوجِبُ بِلَا تَمَامٍ بِأَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ فَقَوْلُهُ فَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مُجَرَّدَ دَعْوَى. (قَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى) أُجِيبَ عَنْ الْآيَةِ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ فِيهَا مَخْصُوصَةٌ بِالْفُرُوضِ بِالْحَدِيثِ الْآتِي وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ حَتَّى يَجِبَ) حَتَّى بِمَعْنَى فَاءِ التَّفْرِيعِ فَيَجِبُ مَرْفُوعٌ. (قَوْلُهُ: وَعُورِضَ فِي الصَّوْمِ) الْمُعَارَضَةُ أَنْ يُورِدَ الْخَصْمُ فِي مُقَابَلَةِ دَلِيلِ الْمُسْتَدِلِّ دَلِيلًا دَالًا عَلَى نَقِيضِ مُدَّعَاهُ. (قَوْلُهُ: بِحَدِيثِ الصَّائِمِ الْمُتَطَوِّعِ) قَالَ النَّاصِرُ لِلْخَصْمِ أَنْ يَحْمِلَ الصَّائِمَ عَلَى مُرِيدِ الصَّوْمِ وَالْفَائِدَةُ فِي النَّصِّ عَلَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ أَنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا لَا يَلْزَمُ بِهَا شَيْءٌ لَا يُقَالُ فَيَكُونُ الصَّائِمُ مَجَازًا لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ أَيْضًا مَجَازٌ قَبْلَ تَمَامِهِ وَيَتَرَجَّحُ الْمَجَازُ الْأَوَّلُ

стр. 129

أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَيُقَاسَ عَلَى الصَّوْمِ الصَّلَاةُ ــ [حاشية العطار] يَعْنِي حَمْلُ الصَّائِمِ عَلَى مُرِيدِ الصَّوْمِ بِبَقَاءِ صَامَ فِي قَوْلِهِ إنْ شَاءَ صَامَ عَلَى حَقِيقَتِهِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي إذْ حَقِيقَةُ الْإِمْسَاكِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى الْغُرُوبِ اهـ. قَالَ سم مَا تَمَسَّكَ بِهِ لَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَمْلِ الصَّائِمِ عَلَى مُرِيدِ الصَّوْمِ تَجَوُّزَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي لَفْظِ الصَّائِمِ حَيْثُ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَى مُرِيدِ الصَّوْمِ. وَالثَّانِي: فِي لَفْظِ أَفْطَرَ حَيْثُ اُسْتُعْمِلَ عَلَى هَذَا فِي مَعْنَى اسْتَمَرَّ مُفْطِرًا وَذَلِكَ خِلَافُ حَقِيقَتِهِ قَطْعًا بِخِلَافِ حَمْلِ الصَّائِمِ عَلَى حَقِيقَتِهِ الَّذِي هُوَ قَوْلُنَا فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَجَوُّزٌ وَاحِدٌ فِي قَوْلِهِ إنْ شَاءَ صَامَ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ بِمَعْنَى اسْتَمَرَّ صَائِمًا وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّ تَقْلِيلَ الْمَجَازِ أَقْرَبُ إلَى الْأَصْلِ فَمَا قُلْنَاهُ أَرْجَحُ. وَأَمَّا دَعْوَاهُ أَنَّ الصَّائِمَ مَجَازٌ فِيمَا قَبْلَ التَّمَامِ فَمَمْنُوعٌ بَلْ إطْلَاقُ اسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى الْمُتَلَبِّسِ بِالْحَدَثِ قَبْلَ تَمَامِهِ حَقِيقَةٌ وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي حَنِثَ بِالشُّرُوعِ الصَّحِيحِ وَإِنْ أَفْسَدَ الصَّلَاةَ لِصِدْقِ اسْمِ الصَّلَاةِ وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَا يَكُونُ حَقِيقَةً إلَّا بَعْدَ التَّمَامِ وَلَا يَقُولُهُ أَحَدٌ بَلْ هُوَ حِينَئِذٍ مَجَازٌ قَطْعًا أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا مَضَى اهـ. وَبُحِثَ فِي كَلَامِ سم بِأَنَّ دَعْوَاهُ أَنَّ الصَّائِمَ حَقِيقَةٌ فِيمَا قَبْلَ التَّمَامِ مَمْنُوعَةٌ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ شَرْعًا الْإِمْسَاكَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ لَزِمَ أَنَّ الصَّائِمَ قَبْلَ تَمَامِ الصَّوْمِ مَجَازٌ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمُمْسِكِ جَمِيعَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَإِنَّ مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ مَنْ نَصَبَهُمْ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي التَّلَبُّسِ بِالْحَدَثِ قَبْلَ تَمَامِهِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَدَثٍ يَتَسَاوَى فِي إطْلَاقِ اسْمِهِ عَلَيْهِ بَعْضِهِ وَكُلِّهِ كَالضَّرْبِ لَا عَلَى خِلَافِهِ كَالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ. وَفِي قَوْلِهِ يَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ إلَخْ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ كُلِّيًّا مِنْ كَلَامِهِ أَصْلًا وَلَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ الصَّائِمُ لِصِدْقِ كَلَامِهِ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً مَعَ التَّمَامِ. وَأَقُولُ هَذِهِ تَدْقِيقَاتٌ لَا يَتَحَمَّلُهَا الِاسْتِعْمَالُ اللُّغَوِيُّ وَلَا الْعُرْفِيُّ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ إنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْمُتَلَبِّسِ بِالْفِعْلِ مَعْنَاهُ اسْمُ الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ مَا تَلَبَّسَ بِهِ مِنْ الْحَدَثِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ فِعْلٍ وَفِعْلٍ وَأَنَّ الْمُمْسِكَ عَنْ الْمُفْطِرِ مَعَ النِّيَّةِ مُتَلَبِّسٌ بِحَقِيقَةِ الصَّوْمِ قَطْعًا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَبَادُرُ لَفْظِ الصَّائِمِ فِيهِ أَيَّ وَقْتٍ وَالتَّبَادُرُ أَمَارَةُ الْحَقِيقَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِيمَنْ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ الْغُرُوبُ نَعَمْ لَا يُعْتَدُّ بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ شَرْعًا لِإِتْمَامِ الْغُرُوبِ وَهَذَا شَيْءٌ آخَرُ فَتَدَبَّرْ وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا تَجَوُّزٌ ثَالِثٌ وَهُوَ حَمْلُ الْمُتَطَوِّعِ عَلَى مُرِيدِ التَّطَوُّعِ قَالَ بَعْضٌ مِنْهُمْ لَا يَخْفَى أَنَّ حَدِيثَ الْآحَادِ وَإِنْ صَحَّ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارَضَةِ عُمُومِ الْقُرْآنِ لِكَوْنِهِ قَطْعِيًّا وَالْحَدِيثُ ظَنِّيٌّ مَعَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِيهِ كَلَامٌ مَتْنًا وَسَنَدًا. فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ وَتَسَاهُلُ الْحَاكِمِ مَعْلُومٌ فَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِ إنَّهُ صَحِيحٌ وَلَوْ سُلِّمَ فَالْحَدِيثُ يُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِحَيْثُ لَا يُعَارِضُ عُمُومَ الْقُرْآنِ فَتَجِبُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى عُمُومِهِ وَذَلِكَ إمَّا بِحَمْلِ الصَّائِمِ الْمُتَطَوِّعِ عَلَى مُرِيدِ الصَّوْمِ تَطَوُّعًا أَوْ بِحَمْلِ الْأَمِيرِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قَدْ غَلَبَ نَفْسَهُ وَقَهَرَهَا وَمَلَكَ زِمَامَهَا حَيْثُ صَبَّرَهَا عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ مِنْ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا وَكَانَ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَمَا كَانَ مُلْزَمًا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ وَمِثْلُ هَذَا التَّأْوِيلِ لِمُرَاعَاةِ عُمُومِ الْآيَةِ مَقْبُولٌ وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ إنْ أَفْطَرَ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إنَّهُ يَجُوزُ الْإِفْطَارُ مَعَ الْقَضَاءِ. اهـ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﵄ مَا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْقَضَاءِ اهـ. أَقُولُ وَمَا قَالَهُ مِنْ تَسَاهُلِ الْحَاكِمِ يُؤَيِّدُهُ مَا رَأَيْته فِي تَارِيخِ الْحَافِظِ الذَّهَبِيِّ فِي تَرْجَمَةِ الْحَاكِمِ نَقْلًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَالِينِيِّ يَقُولُ طَالَعْت كِتَابَ الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الشَّيْخَيْنِ الَّذِي صَنَّفَهُ الْحَاكِمُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ فَلَمْ أَرَ فِيهِ حَدِيثًا عَلَى شَرْطِهِمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ وَهَذَا إسْرَافٌ وَغُلُوٌّ مِنْ الْمَالِينِيِّ وَإِلَّا فَفِي الْمُسْتَدْرَكِ جُمْلَةٌ وَافِرَةٌ عَلَى شَرْطِهِمَا وَجُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى شَرْطِ أَحَدِهِمَا لَعَلَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ نَحْوُ نِصْفِ الْكِتَابِ وَفِيهِ نَحْوُ الرُّبْعِ مِمَّا صَحَّ سَنَدُهُ وَمَا بَقِيَ فَهُوَ مَنَاكِيرُ وَوَاهِيَاتٌ لَا تَصِحُّ وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ مَوْضُوعَاتٌ عُلِمَتْ لَك لَمَّا اخْتَصَرْت هَذَا الْمُسْتَدْرَكَ وَنَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ «أَمِيرُ نَفْسِهِ» رُوِيَ بِالرَّاءِ وَبِالنُّونِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَيُقَاسُ عَلَى الصَّوْمِ الصَّلَاةُ) لَعَلَّ الْجَامِعَ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا عِبَادَةً بَدَنِيَّةً مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَفِي

стр. 130

فَلَا تَتَنَاوَلُهُمَا الْأَعْمَالُ فِي الْآيَةِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. (وَوُجُوبُ إتْمَامِ الْحَجِّ) الْمَنْدُوبِ لِأَنَّ نَفْلَهُ أَيْ الْحَجِّ (كَفَرْضِهِ نِيَّةً) فَإِنَّهَا فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَصْدُ الدُّخُولِ فِي الْحَجِّ أَيْ التَّلَبُّسِ بِهِ (وَكَفَّارَةً) فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْجِمَاعِ الْمُفْسِد لَهُ (وَغَيْرَهُمَا) أَيْ غَيْرَ النِّيَّةِ وَالْكَفَّارَةِ كَانْتِفَاءِ الْخُرُوجِ بِالْفَسَادِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَحْصُلُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِفَسَادِهِ بَلْ يَجِبُ الْمُضِيُّ فِيهِ بَعْدَ فَسَادِهِ ــ [حاشية العطار] التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ خِلَافٌ طَوِيلٌ فَالْإِمَامُ الرَّازِيّ يَقُولُ بِالْمَنْعِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالتَّوَقُّفِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلَ كَثِيرَةٍ وَمَشَى الْمُصَنِّفُ عَلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ وَيُقَاسُ عَلَى الصَّوْمِ غَيْرُهُ لِيَشْمَلَ بَاقِيَ الْمَنْدُوبَاتِ. وَأَمَّا مَا اقْتَضَاهُ صَنِيعُهُ مِنْ أَنَّ الْمَخْرَجَ مِنْ الْأَعْمَالِ إنَّمَا هُوَ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ فَقَطْ فَيُفِيدُ أَنَّ غَيْرَهُمَا مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ مِمَّا تَتَنَاوَلُهُ الْأَعْمَالُ فِي الْآيَةِ حُكْمًا لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ حُجَّةٌ فِي الْبَاقِي. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ مَعَ عَدَمِ اخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ تَعَرَّضَ لَهُمَا الْخَصْمُ فِي كَلَامِهِ فَلَمْ يَرَ الشَّارِحُ أَنْ يَتَصَرَّفَ عَلَيْهِ بِالتَّصْرِيحِ بِغَيْرِهِمَا وَلَا تَخْصِيصَ الْمَتْنِ بِهِمَا عَلَى مَا هُوَ عَادَتُهُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِهِ عَنْ عَدَمِ اخْتِصَاصِ هَذَا الْحُكْمِ بِهِمَا. (قَوْلُهُ: فَلَا تَتَنَاوَلُهُمَا الْأَعْمَالُ) قَالَ النَّاصِرُ فِيهِ مُنَاقَشَةٌ لِأَنَّ الْعَامَّ الْمَخْصُوصَ سَيَأْتِي أَنَّ عُمُومَهُ مُرَادٌ تَنَاوُلًا لَا حُكْمًا اهـ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِصَرِيحِ قَرِينَةِ السِّيَاقِ لَا تَتَنَاوَلُهُمَا الْأَعْمَالُ حُكْمًا أَوْ مُطْلَقًا وَهَذَا ظَاهِرٌ. (قَوْلُهُ: جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ) وَهِيَ الْآيَةُ وَالْحَدِيثُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ وَلِلْجَمْعِ الْمَذْكُورِ جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ فِي قَوْلِهِ ﷺ لِلْقَائِلِ هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُمَا لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ مُنْقَطِعًا اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَوُجُوبُ إتْمَامِ الْحَجِّ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ أَنَّ تَمَامَ الْمَنْدُوبِ لَا يَجِبُ يَنْتَقِضُ بِوُجُوبِ إتْمَامِ الْحَجِّ الْمَنْدُوبِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ ذَلِكَ لِمَعْنًى يَخُصُّ الْحَجَّ وَهِيَ تَسْوِيَةُ الشَّارِحِ بَيْنَ فَرْضِهِ وَنَفْلِهِ كَذَا قَرَّرَ سم وَلَا يَخْفَى أَنَّ السُّؤَالَ وَارِدٌ عَلَى كُلِّيَّةِ كُبْرَى الْقِيَاسِ السَّابِقِ. وَالْجَوَابُ تَسْلِيمٌ لِانْتِقَاضِهَا فَيَخْتَلُّ نَظْمُ الْقِيَاسِ حِينَئِذٍ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَوُجُوبُ إتْمَامِ الْحَجِّ اسْتِثْنَاءٌ فِي الْمَعْنَى لَا جَوَابُ نَقْضٍ أَوْ جَوَابٌ عَنْ وَجْهِ إيجَابِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَبِهَذَا ظَهَرَ لَك صِحَّةُ كَلَامِ الْكُورَانِيِّ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ السُّؤَالِ وَأَنَّ مَا رَدَّ بِهِ عَلَيْهِ سم خِلَافُ الْإِنْصَافِ وَعُدُولٌ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الْمُنَاظَرَةِ وَأَوْرَدَ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْقَاعِدَةِ غَيْرُ الْحَجِّ كَالْأُضْحِيَّةِ فَإِنَّهَا سُنَّةٌ وَإِذَا ذُبِحَتْ لَزِمَتْ بِالشُّرُوعِ فَمَا وَجْهُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْحَجِّ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بِتَمَامِ الذَّبْحِ تَحْصُلُ الْأُضْحِيَّةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا وُجُوبُ الْإِتْمَامِ بِالشُّرُوعِ وَعَلَى فَرْضِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ فَوُجُوبُ الْإِتْمَامِ لِدَفْعِ تَلَفِ الْمَالِ لَا لِلشُّرُوعِ فِي الْمَنْدُوبِ لَكِنَّ عَدَمَ الْإِتْمَامِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّلَفَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يَحْصُلَ بِالشُّرُوعِ جُرْحٌ خَفِيفٌ تَعِيشُ بِهِ الْأُضْحِيَّةُ وَلَا يُنْقِصُ الْقِيمَةَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِاسْتِثْنَاءِ الْحَجِّ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ نَفْلًا بَلْ هُوَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ فَرْضُ عَيْنٍ. وَفِي حَقِّ مَنْ حَجَّ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَإِنَّ إقَامَةَ شَعَائِرِ الْحَجِّ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ اهـ وَنُوقِشَ بِأَنَّهُ يُصَوَّرُ بِحَجِّ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَبُحِثَ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَسْقُطُ بِهَؤُلَاءِ وَإِنْ لَمْ يَتَوَجَّهْ الْخِطَابُ إلَيْهِمْ فَإِنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ تَسْقُطُ بِالصِّبْيَانِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الرِّجَالِ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ فِعْلَهُمْ لَمْ يَقَعْ فَرْضًا بَلْ وَقَعَ نَفْلًا لَكِنَّهُ سَدَّ مَسَدَ الْفَرْضِ أَبَانَ الْكَلَامَ فِي نَفْلٍ يَصِحُّ أَنْ يَتَّصِفَ بِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ وَحَجُّ الصَّبِيِّ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُخَاطَبُ بِالْوُجُوبِ وَالْحَمْلُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَهُ بِإِتْمَامِهِ تَكَلُّفٌ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ثُبُوتِ أَنَّ الْقَائِلَ بِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ يَطْرُدُهُ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الصَّبِيِّ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ نَفْلَهُ كَفَرْضِهِ) ضَمِيرُ نَفْلِهِ يَعُودُ لِلْحَجِّ الْمُطْلَقِ عَنْ كَوْنِهِ نَفْلًا أَوْ فَرْضًا لَا لِلْحَجِّ النَّفْلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ اتِّحَادُ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ فَفِي كَلَامِهِ اسْتِخْدَامُ حَيْثُ أَطْلَقَ الْحَجَّ أَوَّلًا مُرَادًا بِهِ النَّفَلُ وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ مُرَادًا بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ وَالْأَعَمُّ يُغَايِرُ الْأَخَصَّ فَقَدْ ذَكَرَ الْحَجُّ بِمَعْنًى وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ بِمَعْنًى آخَرَ. (قَوْلُهُ: أَيْ التَّلَبُّسُ بِهِ) تَفْسِيرُ الدُّخُولِ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ هَاهُنَا بِالدُّخُولِ حَقِيقَتَهُ وَهُوَ الْعُبُورُ فِي الْجِسْمِ أَيْ مُجَاوَزَةُ أَوَّلِ أَجْزَائِهِ بَلْ التَّلَبُّسُ الْمَعْنَوِيُّ بِالْفِعْلِ جَمِيعِهِ لِأَنَّ جَمِيعَهُ مَنْوِيٌّ

стр. 131

وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِيمَا ذَكَرَ وَغَيْرُهُمَا لَيْسَ نَفْلُهُ وَفَرْضُهُ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرَ فَالنِّيَّةُ فِي نَفْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ غَيْرِهَا فِي فَرْضِهِمَا وَالْكَفَّارَةُ فِي فَرْضِ الصَّوْمِ بِشَرْطِهِ دُونَ نَفْلِهِ وَدُونَ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَبِفَسَادِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ يَحْصُلُ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا مُطْلَقًا فَفَارَقَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ غَيْرَهُمَا مِنْ بَاقِي الْمَنْدُوبِ فِي وُجُوبِ تَمَامِهِمَا لِمُشَابِهَتِهِمَا لِفَرْضِهِمَا فِيمَا تَقَدَّمَ. (وَالسَّبَبُ مَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ) كَذَا فِي الْمُسْتَصْفَى زَادَ الْمُصَنِّفُ لِبَيَانِ جِهَةِ الْإِضَافَةِ قَوْلُهُ (لِلتَّعَلُّقِ) أَيْ لِتَعَلُّقِ الْحُكْمِ (بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ) مُعَرِّفٌ (لِلْحُكْمِ أَوْ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ مُعَرِّفٍ لَهُ أَيْ مُؤَثِّرٍ فِيهِ بِذَاتِهِ أَوْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بَاعِثٌ عَلَيْهِ الْأَقْوَالُ الْآتِيَةُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ. ــ [حاشية العطار] مَقْصُودٌ فَهُوَ مَجَازٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِيمَا ذُكِرَ) يَعْنِي مِنْ وُجُوبِ الْإِتْمَامِ لِأَنَّ نَفْلَهَا كَفَرْضِهَا نِيَّةً وَكَفَّارَةً وَغَيْرَهُمَا. (قَوْلُهُ: لِمُشَابَهَتِهِمَا لِفَرْضِهِمَا) بَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّ التَّشْرِيكَ فِي الْحُكْمِ لِلْمُشَابَهَةِ إنَّمَا يَصِحُّ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي عِلَّتِهِ كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي حَدِّ الْقِيَاسِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ النِّيَّةِ وَالْكَفَّارَةِ وَغَيْرِهِمَا لَيْسَ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ فِي الْفَرْضِ وَلَا مِنْ مُوجِبَاتِ عِلَّتِهِ حَتَّى يَكُونَ مِنْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ وَهُوَ مَا يُجْمَعُ فِيهِ بِلَازِمِ الْعِلَّةِ أَوْ أَثَرِهَا أَوْ حُكْمِهَا إذْ عِلَّةُ وُجُوبِ الْإِتْمَامِ فِي فَرْضِ الْحَجِّ إنَّمَا هُوَ كَوْنُهُ فَرْضًا وَهُوَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَإِلَّا لَتَبِعَتْهُ حَيْثُ كَانَ فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ قَالَ سم وَهُوَ بَحْثٌ قَوِيٌّ طَالَمَا ظَهَرَ لَنَا قَبْلَ اطِّلَاعِنَا عَلَى إبْدَاءِ شَيْخِنَا إيَّاهُ وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ الَّذِي أَشَارَ بِهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ قِيَاسِ الشَّبَهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ نَفْلَ الْحَجِّ فَرْعُ تَرَدُّدٍ بَيْنَ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فَرْضُهُ. وَالْآخَرُ: نَفْلُ غَيْرِهِ. فَأُلْحِقَ بِأَكْثَرِهِمَا شَبَهًا وَهُوَ فَرْضُ الْحَجِّ. [تَعْرِيفِ السَّبَب] (قَوْلُهُ: وَالسَّبَبُ) الـ فِيهِ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ لَكِنْ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مُتَعَلَّقَ خِطَابِ الْوَضْعِ لِأَنَّ الْمُرَادَ تَعْرِيفُ مُطْلَقِ السَّبَبِ وَأَخَوَاتِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الشَّارِحِ فِي الشَّرْطِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ إنَّ الْكُورَانِيَّ بَحَثَ فِي تَرْتِيبِ الْمَتْنِ وَرَدِّهِ سم وَكَلَامُهُمَا مِمَّا لَا يَنْبَغِي صَرْفُ الْعِنَايَةِ إلَى أَمْثَالِهِ فَإِنَّهَا أَبَدًا مُنَاسِبَاتٌ لَوْ سَلَكَ غَيْرُ مَا الْتَمَسَتْ لَهُ أَتَى بِمُنَاسِبَاتٍ غَيْرِهَا وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ عَظِيمُ فَائِدَةٍ (قَوْلُهُ: لِبَيَانِ جِهَةِ الْإِضَافَةِ) أَيْ لِبَيَانِ سَبَبِهَا الَّذِي هِيَ مِنْ قَبْلِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ لِلتَّعَلُّقِ مِنْ حَيْثُ إلَخْ فَقَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّعَلُّقِ يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ التَّعَلُّقُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَلَوْلَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَكَانَ الْحَجُّ غَيْرَ مُطَّرَدٍ لِصِدْقِهِ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ بِهَا كَمَا يُقَالُ وُجُوبُ الصَّلَاةِ مَثَلًا وَحُرْمَةُ الزِّنَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحُكْمَ أُضِيفَ إلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ لِأَنَّهَا مَعْرُوضَةٌ لَهُ لَا يُقَالُ يَكْفِي فِي بَيَانِ جِهَةِ الْإِضَافَةِ، وَتَصْحِيحُ الْحَدِّ أَنْ يُقَالَ مَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُعَرَّفٌ أَوْ غَيْرُهُ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِهِ لِلتَّعَلُّقِ لِإِغْنَاءِ قَيْدِ الْحَيْثِيَّةِ عَنْهُ لِأَنَّا نَقُولُ فِيهِ مِنْ الْبَيَانِ وَالْإِيضَاحِ مَا لَيْسَ فِي حَذْفِهِ. (قَوْلُهُ: مُؤَثِّرٌ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِلْغَيْرِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مُؤَثِّرٌ بِذَاتِهِ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَبِأَنَّهُ مُؤَثِّرٌ بِإِذْنِ اللَّهِ لِلْغَزَالِيِّ وَبِأَنَّهُ بَاعِثٌ عَلَيْهِ لِلْآمِدِيِّ فَالْأَقْوَالُ أَرْبَعَةٌ وَمَا فِي الْمَتْنِ لِجُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاسْتَشْكَلَ قَوْلُ الْغَزَالِيِّ بِأَنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ فَلَا يُؤَثِّر فِيهِ السَّبَبُ الْحَادِثُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ التَّأْثِيرَ مِنْ حَيْثُ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَهُوَ حَادِثٌ. (قَوْلُهُ: الْأَقْوَالُ) مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ أَيْ فِيهِ الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ الْآتِيَةُ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ فِي مَبْحَثِهَا وَقَوْلُهُ مَعْزُوًّا أَوَّلُهَا إلَخْ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي الْآتِيَةِ وَأَوَّلُهَا هُوَ الْمَذْكُورُ

стр. 132

أَيْ حَيْثُمَا أُطْلِقَتْ عَلَى شَيْءٍ مَعْزُوٍّ أَوَّلُهَا لِأَهْلِ الْحَقِّ وَتَعَرَّضَ لَهَا هُنَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ هُنَا بِالسَّبَبِ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْقِيَاسِ بِالْعِلَّةِ كَالزِّنَا لِوُجُوبِ الْجَلْدِ وَالزَّوَالِ لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَالْإِسْكَارِ لِحُرْمَةِ الْخَمْرِ وَإِضَافَةِ الْأَحْكَامِ إلَيْهَا كَمَا يُقَالُ يَجِبُ الْجَلْدُ بِالزِّنَا وَالظُّهْرُ بِالزَّوَالِ وَتَحْرُمُ الْخَمْرُ لِلْإِسْكَارِ ــ [حاشية العطار] فِي الْمَتْنِ. (قَوْلُهُ: حَيْثُمَا أُطْلِقَتْ عَلَى شَيْءٍ) أَيْ فِي كَلَامِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا تُطْلَقُ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي وُجُودِ الشَّيْءِ فِي التَّقْيِيدِ بِالْحَيْثِيَّةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ اخْتِلَافٌ فِيمَا هُوَ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَهَا مِنْ أَئِمَّةِ الشَّرْعِ لَا أَنَّهَا اصْطِلَاحَاتٌ مُتَخَالِفَةٌ لِقَائِلِهَا. (قَوْلُهُ: لِأَهْلِ الْحَقِّ) إنْ أُرِيدَ أَهْلُ الْحَقِّ عَقِيدَةً أُشْكِلَ مَا اقْتَضَاهُ مِنْ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِخِلَافِهِ غَيْرُ أَهْلِ الْحَقِّ عَقِيدَةً وَهُوَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَائِلِ بِالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَإِنْ أُرِيدَ أَهْلُ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا إشْكَالَ إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ الْآتِي الَّذِي هُوَ الْحَقُّ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ عَزَوْهُ لِأَهْلِ الْحَقِّ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ حَقًّا فَلِذَلِكَ قَالَ فِيمَا سَيَأْتِي الَّذِي هُوَ الْحَقُّ. (قَوْلُهُ: تَعَرَّضَ لَهَا) أَيْ بِقَوْلِهِ مُعَرِّفٌ أَوْ غَيْرُهُ وَهُوَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِأَنَّهُ جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ ظَاهِرٌ. (قَوْلُهُ: تَنْبِيهًا) وَجْهُ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ فِي كِلَا الْمَحَلَّيْنِ وَفِيهِ حَوَالَةٌ عَلَى مَجْهُولٍ لِأَنَّا لَمْ نَعْرِفْ هَذِهِ الْأَقْوَالَ حَتَّى نَصِلَ إلَيْهَا فِي الْكِتَابِ الرَّابِعِ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ الْمُعَبَّرَ إلَخْ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْعِلَّةِ مِنْ الْمُعَرَّفِ أَوْ غَيْرِهِ أُخِذَ عَارِضًا لِلْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالسَّبَبِ حَيْثُ قِيلَ مَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ لِلتَّعَلُّقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُعَرَّفٌ فَكَيْفَ يَتَّحِدُ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِهِمَا قَالَهُ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ سم بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الذَّاتَ الْمُعَبَّرَ عَنْهَا هُنَا بِالسَّبَبِ هِيَ الذَّاتُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا هُنَاكَ بِالْعِلَّةِ وَأَنَّ الْمَأْخُوذَ عَارِضًا لِذَاتِ السَّبَبِ هُوَ مَفْهُومُ الْعِلَّةِ لَا ذَاتُهَا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ السُّؤَالَ أَقْوَى لِمَنْ تَدَبَّرَ. (قَوْلُهُ: كَالزِّنَا إلَخْ) عَدَّدَ الْمِثَالَ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إمَّا مُنَاسِبَةٌ لِلْحُكْمِ أَوْ لَا فَالزَّوَالُ عِلَّةٌ غَيْرُ مُنَاسِبَةٍ لِلْحُكْمِ وَهُوَ وُجُوبُ الظُّهْرِ إذْ الزَّوَالُ مَيْلُ الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ، وَالزِّنَا وَالْإِسْكَارُ مُنَاسِبَانِ لِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ مِنْ جَلْدٍ أَوْ رَجْمٍ مُنَاسِبٌ لِلزِّنَا لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِاخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ الْمُنَاسِبِ لَهُ الزَّجْرُ وَحُرْمَةُ الْخَمْرِ مُنَاسِبٌ لِلْإِسْكَارِ لِكَوْنِهِ مُزِيلًا لِلْعَقْلِ الْمُنَاسِبِ لَهُ الْمَنْعُ وَمَثَّلَ لِلْمُنَاسَبَةِ بِمِثَالَيْنِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا قَائِمًا بِالْمُكَلَّفِ كَالزِّنَا أَوْ بِغَيْرِهِ كَالْإِسْكَارِ. (قَوْلُهُ: لِوُجُوبِ الْجَلْدِ) مِثَالٌ لَا قَيْدٌ لَا يُقَالُ بَلْ هُوَ قَيْدٌ لِأَنَّ عِلَّةَ الرَّجْمِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الزِّنَا بَلْ هُوَ مَعَ الْإِحْصَانِ لِأَنَّا نَقُولُ الْإِحْصَانُ شَرْطٌ فِي الْعِلَّةِ لَا شَطْرٌ مِنْهَا وَفِي التَّعْبِيرِ عَنْ الْحُكْمِ فِي هَذَا وَمَا بَعْدَهُ بِالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَة دُونَ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ السَّابِقُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَصْفٌ لَهُ تَعَالَى إيجَابٌ وَتَحْرِيمٌ وَبِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِالْفِعْلِ وُجُوبٌ وَحُرْمَةٌ فَهُمَا مُتَّحِدَانِ ذَاتًا مُخْتَلِفَانِ اعْتِبَارًا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَإِضَافَةُ الْأَحْكَامِ إلَيْهَا) كَمَا يُقَالُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَالْكَافُ بِمَعْنَى مِثْلٍ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ وَنَبَّهَ عَنْهُ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِضَافَةِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ الْإِضَافَةَ اللُّغَوِيَّةَ وَهِيَ الِاسْتِنَادُ وَالرَّبْطُ وَإِنَّ الِاسْتِنَادَ وَالرَّبْطَ هُنَا مَا يُفْهَمُ مِنْ نَحْوِ قَوْلِنَا قَتَلَهُ بِالرَّمْيِ وَعَتَقَ بِالشِّرَاءِ فَيَنْحَلُّ قَوْلُنَا السَّبَبُ مَا يُضَافُ الْحُكْمُ إلَيْهِ إلَى قَوْلِنَا السَّبَبُ مَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ الْحُكْمُ الِاسْتِنَادَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ فَاللَّامُ التَّعْلِيلِ أَوْ الْبَاءِ الَّتِي بِمَعْنَاهَا. (قَوْلُهُ: لِلْإِسْكَارِ) عَبَّرَ فِيهِ بِاللَّامِ وَبِالْبَاءِ فِيمَا قَبْلَهُ لِأَنَّ اللَّامَ بِشَهَادَةِ الذَّوْقِ تُشْعِرُ بِثُبُوتِ الْعِلَّةِ وَلُزُومِهَا لِمَحِلِّهَا وَالْبَاءُ تُشْعِرُ بِتَجَدُّدِهَا وَحُدُوثِهَا تَقُولُ يَحِلُّ بَيْعُ الثَّمَرَةِ بِزَهْرِهَا وَلَا تَقُولُ لِزَهْرِهَا وَتَقُولُ أَعْتَقْت سَالِمًا لِسَوَادِهِ وَلَا تَقُولُ بِسَوَادِهِ

стр. 133

وَمَنْ قَالَ لَا يُسَمَّى الزَّوَالُ وَنَحْوُهُ مِنْ السَّبَبِ الْوَقْتِيِّ عِلَّةً نَظَرَ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ فِي الْعِلَّةِ وَسَيَأْتِي أَنَّهَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى الْمُعَرِّفِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ وَمَا عَرَّفَ الْمُصَنِّفُ بِهِ السَّبَبَ هُنَا مُبَيِّنٌ لِخَاصَّتِهِ وَمَا عَرَّفَهُ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ كَالْآمِدِيِّ مِنْ الْوَصْفِ الظَّاهِرِ الْمُنْضَبِطِ ــ [حاشية العطار] وَلَا خَفَاءَ فِي لُزُومِ الْإِسْكَارِ لِمُسَمَّى الْخَمْرِ قَالَهُ النَّاصِرُ (قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ) أَيْ كَالْآمِدِيِّ وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ دَفْعُ اعْتِرَاضٍ يُورَدُ عَلَى قَوْلِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ هُنَا إلَخْ. (قَوْلُهُ: نَظَرٌ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُنَاسَبَةِ) أَيْ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ فِي السَّبَبِ الْوَقْتِيِّ لِأَنَّهَا كَمَا سَيَأْتِي مُلَاءَمَةُ الْوَصْفِ لِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ وَالْأَوْقَاتُ لَا مَدْخَلَ لِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ فِيهَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا. (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي أَنَّهَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا ذَلِكَ) لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ عِلَّةِ الْأَصْلِ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى حِكْمَةٍ مَقْصُودَةٍ لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ الْحِكْمَةِ وَالْحِكْمَةُ هِيَ الْمُنَاسَبَةُ بِدَلِيلِ التَّمْثِيلِ لَهَا بِالْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ الْمُعَلَّلِ بِهِ الْقَصْرُ اهـ. نَاصِرٌ أَقُولُ الْمَسْأَلَةُ خِلَافِيَّةٌ فَقَدْ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ وَإِيجَابُ الشَّرْعِ حُكْمًا لَا يَسْتَدْعِي فَائِدَةً قَالَ الْبُدَخْشِيُّ شَارِحُهُ لِأَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ وَأَحْكَامَهُ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ بِالْأَغْرَاضِ وَمَا قِيلَ إنَّ الْفِعْلَ لَا الْغَرَضَ عَبَثٌ وَهُوَ عَلَى الْحَكِيمِ مُحَالٌ فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْعَبَثِ الْخَالِي عَنْ الْغَرَضِ فَهَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ وَإِنْ أُرِيدَ غَيْرُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِهِ لِنَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ إنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى تَابِعَةٌ لِرِعَايَةِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا لَا إيجَابًا كَمَا هُوَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ فَهَذِهِ الْمَصَالِحُ ثَمَرَاتٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهَا وَغَايَاتٌ لَهَا لَا عِلَلٌ بَاعِثَةٌ. (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا بِمَعْنَى الْمُعَرَّفِ) أَيْ الْعَلَامَةِ وَهِيَ لَيْسَتْ ذَاتِيَّةً بَلْ بِجَعْلِ جَاعِلٍ وَلِلْجَاعِلِ أَنْ يَجْعَلَ الشَّيْءَ عَلَامَةً عَلَى شَيْءٍ آخَرَ بِخِلَافِهِ عَلَى أَنَّهَا مُؤَثِّرٌ وَبَاعِثٌ فَلَا بُدَّ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ. (قَوْلُهُ: وَمَا عُرِفَ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ مُبَيِّنٌ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ فِي الْمَتْنِ لِلسَّبَبِ رَسْمٌ لَا حَدٌّ لِأَنَّهُ بِالْخَاصَّةِ لِأَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ لِلسَّبَبِ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ مَاهِيَّتِه وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ مُعَرَّفًا إلَخْ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِهِ الْعَارِضَةِ لَهُ كَمَا يُفِيدُهُ التَّعْبِيرُ بِحَيْثُ ثُمَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بِخَاصَّتِهِ بِالْبَاءِ وَأَمْرُهَا ظَاهِرٌ. وَفِي الْأَكْثَرِ بِاللَّامِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهَا النَّاصِرُ أَنَّ الْمُبَيَّنَ عِنْدَ الْقَوْمِ هُوَ الْمَاهِيَّةُ وَالْمُبَيَّنُ بِهِ قَدْ يَكُونُ ذَاتِيًّا لَهَا وَقَدْ يَكُونُ عَرَضِيًّا لَهَا وَخَاصَّةٌ مِنْ خَوَاصِّهَا فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ مُبَيِّنٌ لِلْمَاهِيَّةِ بِخَاصَّتِهَا اهـ وَيُجَابُ بِأَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى الْبَاءِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَاصَّةِ الْمَاهِيَّةُ الْعَرَضِيَّةُ وَبَيَانُ الْمَاهِيَّةِ الْعَرَضِيَّةِ لِلسَّبَبِ بَيَانٌ لَهُ. (قَوْلُهُ: الظَّاهِرُ) خَرَجَ الْخَفِيُّ كَاللَّذَّةِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ حَيْثُ تَرَكْنَاهُ وَجَعَلْنَاهُ اللَّمْسَ وَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ تَجِبُ بِالطَّلَاقِ دُونَ الْعُلُوقِ لِأَنَّهُ خَفِيٌّ، وَقَوْلُهُ الْمُنْضَبِطُ خَرَجَ نَحْوُ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُنْضَبِطَةٍ لِاخْتِلَافِهَا بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ وَالْأَمْكِنَةِ فَأُنِيطَ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ

стр. 134

الْمُعَرِّفِ لِلْحُكْمِ مُبَيِّنٌ لِمَفْهُومِهِ وَالْقَيْدُ الْأَخِيرُ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمَانِعِ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْوَصْفَ بِالْوُجُودِيِّ كَمَا فِي الْمَانِعِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ. ــ [حاشية العطار] قَصَّرَ الصَّلَاةَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ (قَوْلُهُ: الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ) الْمُرَادُ بِالْحُكْمِ النِّسْبَةُ التَّامَّةُ فَدَخَلَ فِي التَّعْرِيفِ السَّبَبُ الْمُعَرِّفُ لِحُكْمٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ كَحِلِّ الشَّعْرِ بِالنِّكَاحِ وَحُرْمَتِهِ بِالطَّلَاقِ جَعَلَهُ عِلَّةً لِثُبُوتِ حَيَاتِهِ كَالْيَدِ فَلَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ مُعْتَرِضًا عَلَى تَعْرِيفَيْ الْمُصَنِّفِ وَالْآمِدِيِّ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي أَنَّ الْعِلَّةَ تَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَمَعْلُولُهَا ثُبُوتُ أَمْرٍ حَقِيقِيٍّ وَهَذِهِ لَمْ يَشْمَلْهَا التَّعْرِيفُ لِأَنَّهَا لَمْ تُعَرِّفْ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَقَوْلُهُ وَمَعْلُولُهَا ثُبُوتُ أَمْرٍ إلَخْ لَيْسَ الْمَعْنَى ثُبُوتَهُ فِي نَفْسِهِ بَلْ ثُبُوتَهُ لِمَوْضُوعِهِ إذْ لَا مَعْنَى لِجَعْلِ الْمَعْلُولِ ذَاتَ الْحَيَاةِ. (قَوْلُهُ: مُبَيِّنٌ لِمَفْهُومِهِ) أَيْ لِذَاتِيَّاتِهِ بِدَلِيلِ مُقَابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنٌ لِخَاصَّتِهِ وَإِلَّا فَالْمَفْهُومُ قَدْ يَكُونُ عَرَضِيًّا لِأَنَّ الْمَفْهُومَ قَدْ يُبَيَّنُ بِالْحَدِّ وَقَدْ يُبَيَّنُ بِالرَّسْمِ (قَوْلُهُ: وَالْقَيْدُ الْأَخِيرُ) أَيْ قَوْلُهُ مُعَرِّفٌ لِلْحُكْمِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْمَانِعِ بِقِسْمَيْهِ أَمَّا مَانِعُ الْحُكْمِ فَلِأَنَّهُ مُعَرِّفٌ نَقِيضَ الْحُكْمِ وَأَمَّا مَانِعُ السَّبَبِ فَلِأَنَّهُ مُعَرِّفٌ لِانْتِفَاءِ السَّبَبِيَّةِ لِاخْتِلَافِ حِكْمَة السَّبَبِ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُقَيَّدْ الْوَصْفُ بِالْوُجُودِيِّ) أَيْ كَمَا فِي الْمَانِعِ وَقَدْ يُطْلَبُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى حَيْثُ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ الْقَيْدُ فِي الْمَانِعِ دُونَ السَّبَبِ قَالَهُ سم. أَقُولُ لَعَلَّ الْفَرْقَ أَنَّ الْمَانِعَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ قَوِيٌّ لِأَنَّهُ رَافِعٌ لِلْحُكْمِ فَاعْتُبِرَ فِي مَفْهُومِهِ الْوُجُودُ لِيَظْهَرَ تَأْثِيرُهُ بَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْحُكْمِ وَأَمَّا السَّبَبُ فَهُوَ مُعَرِّفٌ وَعَلَامَةٌ وَكَثِيرًا مَا تَكُونُ الْعَلَامَةُ عَدَمِيَّةً كَعَدَمِ الشَّمْسِ لِوُجُودِ اللَّيْلِ مَثَلًا وَمِمَّا يُنَاسِبُ أَنْ يُذْكَرَ هَاهُنَا مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ يَحْيَى الشَّاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْعَارِفِ السَّنُوسِيِّ لِصُغْرَاهُ قَالَ حَصَلَتْ لِي مُنْذُ أَزْمِنَةٍ هُنَا وَقْفَةٌ فِي أَنَّ الْحُكْمَ لَا يُوجَدُ إلَّا بِمَجْمُوعِ سَبَبِهِ أَوْ شَرْطِهِ وَعِنْدَ وُجُودِهِمَا وَوُجُودِ الْحُكْمِ مَعَهُمَا رَبَطُوهُ بِالسَّبَبِ كَالزَّوَالِ مَثَلًا وَجَعَلُوهُ مُقْتَضِيًا لَهُ إلَّا لِمَانِعٍ أَوْ تَخَلُّفِ شَرْطٍ فَذَاتُ السَّبَبِ حَاكِمَةٌ وَمُقْتَضِيَةٌ لِوُجُودِ الْمُسَبَّبِ وَالشَّرْطُ لَا يَقْتَضِي كَالْحَوْلِ مَثَلًا فَتَخَلُّفُ الزَّكَاةِ عِنْدَ الْحَوْلِ لَيْسَ مَعَ اقْتِضَاءِ الْحَوْلِ لَهَا وَعَارِضَةِ الدَّيْنِ مَثَلًا بَلْ هُوَ لَا اقْتِضَاءَ لَهُ أَصْلًا هَذَا مُحَصَّلُ مَا لِجَمِيعِهِمْ وَمَحَلُّ الْوَقْفَةِ فِيهِ أَنَّا نَدَّعِي أَنَّ الْحَوْلَ اقْتَضَى الزَّكَاةَ وَعِنْدَ التَّخَلُّفِ نَدَّعِي أَنَّهُ لِدَيْنٍ أَوْ لِنَفْيِ نِصَابٍ فَالشَّرْطُ قَدْ اقْتَضَى لَوْلَا مَا ذُكِرَ كَمَا قُلْنَا فِي الزَّوَالِ أَنَّهُ اقْتَضَى وُجُوبَ الظُّهْرِ لَوْلَا الْحَيْضُ وَالْجُنُونُ مَثَلًا فَنَدَّعِي اتِّفَاقَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُهُمَا تَسْمِيَةً أَوْ نَدَّعِي أَنَّ الْجَمِيعَ سَبَبٌ مَثَلًا أَوْ شَرْطٌ فَلَا نَقُولُ الزَّوَالُ سَبَبٌ وَالْحَوْلُ شَرْطٌ بَلْ هُمَا سَبَبٌ أَوْ هُمَا شَرْطٌ. وَكَوْنُ

стр. 135

قَدْ تَكُونُ عَدَمِيَّةً كَمَا سَيَأْتِي (وَالشَّرْطُ يَأْتِي) فِي مَبْحَثِ الْمُخَصِّصِ أَخَّرَهُ إلَى هُنَاكَ لِأَنَّ اللُّغَوِيَّ مِنْ أَقْسَامِهِ مُخَصِّصٌ كَمَا فِي أَكْرِمْ رَبِيعَةَ إنْ جَاءُوا أَيْ الْجَائِينَ مِنْهُمْ وَمَسَائِلُهُ الْآتِيَةُ ــ [حاشية العطار] ذَلِكَ مِنْ اصْطِلَاحَاتِ الشَّرْعِ لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ بِالزَّوَالِ كَيْفَمَا سَمَّيْته وَأَوْجَبَ الزَّكَاةَ بِالْحَوْلِ وَإِلَيْك النَّظَرُ فِيهِ فَقَدْ طَالَ بَحْثِي فِيهِ مَعَ فُضَلَاءِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَمَا أَجِدُ مَنْ يَصِلُ إلَى الْإِشْكَالِ إلَّا بَعْدَ جَهْدٍ جَهِيدٍ فَيَحْصُلُ مِنْ الْجَوَابِ الْيَأْسُ الشَّدِيدُ وَالْمُنَاسَبَةُ الْفَارِقَةُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ بَيْنَ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوَالَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الظُّهْرِ مَعَ عَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا أَصْلًا وَلِأَجْلِ خَفَاءِ الْفَرْقِ وَعَدَمِ اطِّرَادِهِ وَجَدْنَا أَكَابِرَ الْأَئِمَّةِ كَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْقَرَافِيِّ يَخْتَلِفُونَ فِي أَمْرٍ يُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ سَبَبًا وَبَعْضُهُمْ شَرْطًا وَلَوْ وَضَحَ الدَّلِيلُ لَمْ يَكُنْ لِلِاخْتِلَافِ مِنْ سَبِيلٍ اهـ. رَحِمَ اللَّهُ الشَّيْخَ اسْتَهْوَلَ الْإِشْكَالَ وَحَطَّ مِنْ قَدْرِ مُعَاصِرِيهِ بِمَا لَا يُنَاسِبُ مِنْ الْمَقَالِ وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ الْأُصُولِيِّينَ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ حَقَّ التَّأَمُّلِ ظَهَرَ لَهُ مَا فِي ذَلِكَ الْإِشْكَالِ مِنْ الِاخْتِلَالِ رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ أَجْمَعِينَ (قَوْلُهُ: قَدْ تَكُونُ عَدَمِيَّةً) أَيْ عَدَمًا مُضَافًا فَيُقَالُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْمَجْنُونِ لِعَدَمِ عَقْلِهِ بِخِلَافِ الْعَدَمِ الْمُطْلَقِ فَلَا يَصِحُّ التَّعْرِيفُ بِهِ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ مَجْهُولٌ فَكَيْفَ يُعَرَّفُ بِهِ غَيْرُهُ. (قَوْلُهُ: إلَى هُنَاكَ) لَفْظَةُ هُنَا مِنْ الظُّرُوفِ الَّتِي لَا تَتَصَرَّفُ وَتُجَرُّ بِمِنْ وَإِلَى وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ فِي جَرِّهَا مَحَلًّا بِإِلَى هُنَا وَأَمَّا قَوْلُهُ إلَّا هُنَاكَ فَإِنْ جُعِلَتْ مَرْفُوعَةَ الْمَحَلِّ بَدَلًا مِنْ اسْمِ لَا مَعَ لَا فَإِنَّ مَحَلَّهُمَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ لَزِمَ أَنَّهَا تَصَرَّفَتْ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ مَنْصُوبَةَ الْمَحَلِّ بَدَلًا مِنْ مَحَلِّ اسْمِ لَا وَحْدَهُ لِأَنَّهَا مَعْرِفَةٌ وَلَا إنَّمَا تَعْمَلُ فِي النَّكِرَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ اسْتِثْنَاءً مُفَرَّغًا مِنْ ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ مُتَعَلِّقٍ بِذِكْرِهَا وَالْمَعْنَى لَا مَحَلَّ لِذِكْرِهَا فِي مَحَلٍّ مِنْ الْمَحَالِّ إلَّا هُنَاكَ أَيْ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى ظَرْفِيَّتِهَا وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْحَقِيقَةِ الْمَجْرُورُ فَقَطْ وَالْمُخْتَارُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ الْإِتْبَاعُ فَيَكُونُ مَحَلُّهَا جَرًّا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ فَيَعُودُ الْمَحْذُورُ فَإِنْ جَرَيْنَا عَلَى غَيْرِ الْمُخْتَارِ مِنْ النَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ وَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الظَّرْفَ تَصَرَّفَ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَصْبًا عَلَى الظَّرْفِيَّةِ فَيَعُودُ الْمَحْذُورُ أَيْضًا إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ مُرَادَهُمْ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ كَوْنُ الْكَلِمَةِ مَنْصُوبَةً وَهِيَ عَلَى مَعْنَى فِي وَإِنْ كَانَ النَّاصِبُ لَهَا أَدَاةَ الِاسْتِثْنَاءِ مَثَلًا وَفِيهِ تَوَقُّفٌ. وَأَمَّا قَوْلُهُ الْمُنَاسِبُ هُنَا فَلَفْظَةُ هُنَا فِيهِ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ الْمُنَاسِبُ ذِكْرُهُ هُنَا أَيْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ ثُمَّ حُذِفَ الْمُضَافُ فَانْفَصَلَ الضَّمِيرُ وَاسْتَتَرَ فِي الْمُنَاسِبِ فَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ الظَّرْفِيَّةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ مَفْعُولًا بِهِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْمُنَاسِبِ هُنَا الْمُنَاسِبُ هَذَا الْمَوْضِعَ وَقَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ جَعْلِهَا ظَرْفًا لِلْمَحْذُوفِ بِجَعْلِهَا ظَرْفًا لِلْمُنَاسِبِ بِمَعْنَى اللَّائِقِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ اللُّغَوِيَّ مِنْ أَقْسَامِهِ) قَالَ النَّاصِرُ فِي كَوْنِ اللُّغَوِيِّ مِنْ الشَّرْعِيِّ مَنْعٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الشَّرْعِيَّ هُوَ مُتَعَلَّقُ الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللُّغَوِيَّ كَذَلِكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَالشَّرْطُ مُطْلَقُ الشَّرْطِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ إنْ وَرَدَ سَبَبًا إلَخْ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مُطْلَقُ الشَّرْطِ وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ وَرَدَ سَبَبًا إلَخْ مَمْنُوعٌ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَوُقُوعُ الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ وَرَدَ سَبَبًا وَشَرْطًا إلَخْ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ لَا يَقْتَضِي الْحَوَالَةَ عَلَى مَا وَقَعَ فِيهِ وَلَا يَمْنَعُ الْحَوَالَةَ عَلَى وَجْهٍ أَعَمَّ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَا تَكَلَّمَ عَلَيْهِ مَعَ زِيَادَةِ الْفَائِدَةِ وَقَوْلُهُ مِنْ أَقْسَامِهِ صِفَةُ اللُّغَوِيِّ وَخَبَرُ إنَّ قَوْلُهُ مُخَصِّصٌ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْجَائِينَ) نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا كَانَ مُخَصِّصًا لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الصِّفَةِ بِدَلِيلِ الْإِخْرَاجِ بِهِ كَمَا يَأْتِي وَإِنْ كَانَ مَفْهُومُ الشَّرْطِ أَقْوَى. (قَوْلُهُ: وَمَسَائِلُهُ الْآتِيَةُ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إنَّ وَبِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ قَوْلُهُ لَا مَحَلَّ إلَخْ قِيلَ إنَّ ضَمِيرَ مَسَائِلِهِ يَعُودُ إلَى الشَّرْطِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ لُغَوِيًّا لِأَنَّ اللُّغَوِيَّ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَّصِلًا وَنُظِرَ فِيهِ بِأَنَّ اللُّغَوِيَّ يَنْقَسِمُ إلَى الْمُتَّصِلِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ مِنْهُ

стр. 136

مِنْ الِاتِّصَالِ وَغَيْرِهِ لَا مَحَلَّ لِذِكْرِهَا إلَّا هُنَاكَ ثُمَّ الشَّرْعِيُّ الْمُنَاسِبُ هُنَا كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَالْإِحْصَانِ لِوُجُوبِ الرَّجْمِ. (وَالْمَانِعُ) الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَانِعُ الْحُكْمِ (الْوَصْفُ الْوُجُودِيُّ الظَّاهِرُ الْمُنْضَبِطُ الْمُعَرِّفُ نَقِيضَ الْحُكْمِ) أَيْ حُكْمَ السَّبَبِ (كَالْأُبُوَّةِ فِي) بَابِ (الْقِصَاصِ) وَهِيَ ــ [حاشية العطار] هُوَ الْمُتَّصِلُ. (قَوْلُهُ: مِنْ الِاتِّصَالِ) أَيْ لَا يُفْصَلُ إلَّا بِسَكْتَةِ تَنَفُّسٍ أَوْ خُلْعٍ إلَى آخِرِ مَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: ثُمَّ الشَّرْعِيُّ إلَخْ) الشَّرْعِيُّ مُبْتَدَأٌ وَالْمُنَاسِبُ صِفَتُهُ وَكَالطَّهَارَةِ خَبَرٌ وَالْكَافُ بِمَعْنَى مِثْلٍ أَوْ الْمُنَاسِبُ خَبَرُهُ وَكَالطَّهَارَةِ تَمْثِيلٌ فَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَذَلِكَ كَالطَّهَارَةِ وَوَجْهُ كَوْنِهِ الْمُنَاسِبَ هُنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ بَيَانُ أَقْسَامِ مُتَعَلَّقِ الْخِطَابِ الْوَضْعِيِّ السَّابِقِ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ وَرَدَ سَبَبًا وَاَلَّذِي مِنْ مُتَعَلِّقِهِ لَيْسَ إلَّا الشَّرْعِيَّ وَالشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: شَرْطُ السَّبَبِ وَهُوَ مَا يُخِلُّ عَدَمُهُ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ فَإِنَّهَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَهُوَ سَبَبُ ثُبُوتِ الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ حُكْمُهُ وَحِكْمَةُ سَبَبِهِ حِلُّ الِانْتِفَاعِ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ يُخِلُّ بِهِ. وَثَانِيهِمَا: شَرْطُ الْحُكْمِ وَهُوَ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ نَقِيضِ حُكْمِ السَّبَبِ وَلَمْ يُخِلَّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّ عَدَمَهُ يَقْتَضِي نَقِيضَ حُكْمِ السَّبَبِ وَهُوَ عَدَمُ الثَّوَابِ وَحُكْمُ السَّبَبِ حُصُولُ الثَّوَابِ وَحِكْمَةُ السَّبَبِ التَّوَجُّهُ إلَى اللَّهِ وَلَمْ يُخِلَّ بِهِ عَدَمُ الطُّهْرِ اهـ. زَكَرِيَّا (قَوْلُهُ: كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ) أَيْ لِجَوَازِهَا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ السَّبَبِ وَالْأَوْلَى تَقْدِيرُ لَفْظِ الصِّحَّةِ أَيْ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ إذْ الطَّهَارَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا ذَاتُ الصَّلَاةِ أَيْ وُجُودُ حَقِيقَتِهَا هَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ تُطْلَقُ عَلَى الْفَاسِدِ كَالصَّحِيحِ وَأَمَّا إنْ قُلْنَا أَنَّهَا لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى الصَّحِيحِ فَلَا يُحْتَاجُ لِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ ثُمَّ فِي تَقْدِيرِ لَفْظِ الصِّحَّةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ الْوَضْعِيَّةَ يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. (قَوْلُهُ: الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ) فَلَا يَرِدُ أَنَّ مِنْهُ مَانِعَ السَّبَبِ وَالتَّعْرِيفُ لَا يَشْمَلُهُ فَيَكُونُ فَاسِدًا وَمَانِعُ السَّبَبِ هُوَ مَا يَسْتَلْزِمُ حِكْمَةً تُخِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ إنْ قُلْنَا إنَّهُ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِهَا فَإِنَّ حِكْمَةَ السَّبَبِ وَهُوَ مِلْكُ النِّصَابِ اسْتِغْنَاءُ الْمَالِكِ بِهِ وَلَيْسَ مَعَ الدَّيْنِ اسْتِغْنَاءٌ. وَفِي قَوْلِ الشَّارِحِ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَخْ وَقَوْلُهُ أَمَّا مَانِعُ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ إلَخْ دَلَالَةٌ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ التَّعْرِيفِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْرِيفِ مَعَ بَقَاءِ حِكْمَةِ السَّبَبِ لِيَخْرُجَ بِهِ مَانِعُ السَّبَبِ أَجَابَ عَنْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ نَقِيضُ الْحُكْمِ بَلْ انْتِفَاءُ السَّبَبِيَّةِ وَإِنْ اسْتَلْزَمَ نَقِيضَ الْحُكْمِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ كَلَامٍ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ مَانِعَ السَّبَبِ مُسْتَلْزِمٌ لِمَانِعِ الْحُكْمِ. (قَوْلُهُ: الْوُجُودِيُّ) خَرَجَ بِهِ عَدَمُ الشَّرْطِ فَإِطْلَاقُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ عَلَيْهِ لَفْظَ الْمَانِعِ تَسَمُّحٌ. (قَوْلُهُ: الْمُعَرِّفُ نَقِيضَ الْحُكْمِ) نَقِيضُ الْحُكْمِ رَفْعُهُ لَكِنَّهُ لَمَّا أُرِيدَ بِهِ هُنَا حُكْمٌ مُعَيَّنٌ مُضَادٌّ لِحُكْمِ السَّبَبِ لِوَصْفِ الْمَانِعِ إشْعَارًا بِخُصُوصِهِ كَحُرْمَةِ الْقِصَاصِ الْمُرَادَةِ مِنْ نَفْيِ وُجُوبِهِ لِإِشْعَارِ الْأُبُوَّةِ بِهَا فَيَصْدُقُ حِينَئِذٍ عَلَى الْمَانِعِ حَدُّ السَّبَبِ مُطْلَقًا أَيْ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ الصِّدْقُ اعْتِبَارَ وُجُودِيَّةِ الْوَصْفِ فِي الْمَانِعِ دُونَ السَّبَبِ لِأَنَّهُ فِي السَّبَبِ أَعَمُّ فَيَصْدُقُ بِالْوُجُودِيِّ فَيَخْتَلُّ التَّحْدِيدُ

стр. 137

كَوْنُ الْقَاتِلِ أَبَا الْقَتِيلِ فَإِنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاص الْمُسَبَّبِ عَنْ الْقَتْلِ لِحِكْمَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْأَبَ كَانَ سَبَبًا فِي وُجُودِ ابْنِهِ فَلَا يَكُونُ الِابْنُ سَبَبًا فِي عَدَمِهِ وَإِطْلَاقُ الْوُجُودِيِّ عَلَى الْأُبُوَّةِ الَّتِي هِيَ أَمْرٌ إضَافِيٌّ صَحِيحٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عَدَمَ شَيْءٍ وَإِنْ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْإِضَافِيَّاتُ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ لَا وُجُودِيَّةٌ كَمَا سَيَأْتِي تَصْحِيحُهُ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ أَمَّا مَانِعُ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ وَلَا يُذْكَرُ إلَّا مُقَيَّدًا بِأَحَدِهِمَا فَسَيَأْتِي فِي مَبْحَثِ الْعِلَّةِ. (وَالصِّحَّةُ) ــ [حاشية العطار] بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ أَنَّ الْمَانِعَ سَبَبٌ لِحُكْمٍ وَمَانِعٌ لِحُكْمٍ آخَرَ اهـ. نَاصِرٌ قَالَ سم قَوْلُهُ لِوَصْفِ الْمَانِعِ إلَخْ صِفَةٌ ثَالِثَةٌ لِقَوْلِهِ حُكْمٌ وَمَا أَجَابَ بِهِ صَحِيحٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ أَيْضًا بِمَنْعِ قَوْلِهِ أُرِيدَ بِهِ هُنَا حُكْمٌ مُعَيَّنٌ بَلْ لَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا مُجَرَّدَ الرَّفْعِ وَالنَّفْيِ. وَأَمَّا الْحُكْمُ الْآخَرُ فَإِنَّمَا ثَبَتَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَعَلَى مَا أَجَابَ بِهِ نَقُولُ الْأُبُوَّةُ مِنْ حَيْثُ نَفَتْ وُجُوبَ الْقِصَاصِ مَانِعٌ وَمِنْ حَيْثُ أَثْبَتَتْ حُرْمَتَهُ سَبَبٌ وَعَلَى مَا قُلْنَاهُ هِيَ نَفَتْ الْوُجُوبَ وَأَمَّا ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ فَبِالدَّلِيلِ الَّذِي أَثْبَتَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَتْلٌ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ كَوْنُ الْقَاتِلِ إلَخْ) هُوَ تَعْرِيفٌ لِلْأُبُوَّةِ فِي بَابِ الْقِصَاصِ لَا لِلْأُبُوَّةِ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: فَلَا يَكُونُ الِابْنُ سَبَبًا فِي عَدَمِهِ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ النَّاصِرُ مَا لَمْ تَزَلْ الْفُضَلَاءُ تَلْهَجُ بِهِ فَقَالَ قَدْ يُعْتَرَضُ هَذَا بِأَنَّ السَّبَبَ فِي عَدَمِهِ هُوَ الْقَتْلُ الَّذِي هُوَ فِعْلُهُ لَا الِابْنُ فَلَا يَنْهَضُ ذَلِكَ حِكْمَةً اهـ. وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا السَّبَبُ الْبَعِيدُ فَإِنَّ الْوَلَدَ سَبَبٌ بَعِيدٌ فِي الْقَتْلِ إذْ لَوْلَاهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ قَتْلُهُ إيَّاهُ فَلَهُ مَدْخَلُ فِي الْقَتْلِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ أَفَادَهُ سم وَلَا يَخْفَاك سُقُوطُهُ لِجَرَيَانِهِ فِي الْمَفْعُولِ بِهِ إذْ لَوْلَا وُجُودُهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْفِعْلُ الْمُتَعَدِّي فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا بَعِيدًا فِيهِ وَلَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ فَلَا يَكُونُ الِابْنُ أَيْ مِنْ حَيْثُ قَتْلُهُ فَقَيْدُ الْحَيْثِيَّةِ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْمَقَامِ قَيْدُ مُلَاحَظَةٍ فِيهِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: أَمْرٌ إضَافِيٌّ) لِأَنَّهَا نِسْبَةٌ يَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُهَا عَلَى نِسْبَةٍ أُخْرَى وَذَلِكَ مَعْنَى الْإِضَافَةِ وَلَمْ يَقُلْ نَسِيَ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ الَّتِي هِيَ الْمَقُولَةُ أَخَصُّ مِنْ النِّسْبَةِ وَهِيَ أَمْرٌ يَتَوَقَّفُ تَعَقُّلُهُ عَلَى تَعَقُّلِ غَيْرِهِ نِسْبَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا بِخِلَافِ الْإِضَافَةِ فَإِنَّهَا النِّسْبَةُ الْمُتَكَرِّرَةُ (قَوْلُهُ: نَظَرًا إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عَدَمَ شَيْءٍ) أَيْ وَلَا دَاخِلًا الْعَدَمُ فِي مَفْهُومِهَا زَادَهُ النَّاصِرُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ كَلَامَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي مَعْنَى الْوُجُودِيِّ وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ وَفِيهِ خَلْطُ اصْطِلَاحٍ بِاصْطِلَاحٍ فَذِكْرُ أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ هُنَا تَشْوِيشٌ عَلَى الطَّالِبِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ) أَيْ فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ هُنَا وَبَيْنَ تَصْحِيحِهِ فِي آخِرِ الْكِتَابِ أَنَّ الْأُمُورَ الِاعْتِبَارِيَّةَ لَيْسَتْ وُجُودِيَّةً لِأَنَّ مَا هُنَاكَ جَرَى عَلَى اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَا هُنَا عَلَى اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ. (قَوْلُهُ: أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ) لِلِاعْتِبَارِيِّ مَعْنَيَانِ مَا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ اعْتِبَارِ مُعْتَبَرٍ لَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ كَالْإِمْكَانِ وَمَا يَكُونُ تَحَقُّقُهُ بِاعْتِبَارِهَا وَلَوْ قَطَعَ النَّظَرَ عَنْ اعْتِبَارِنَا لَا يَكُونُ لَهُ تَحَقُّقٌ اهـ. سم. وَهُوَ كَلَامٌ مَشْهُورٌ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَالْحَقُّ أَنَّ الِاعْتِبَارِيَّاتِ لَا تَحَقُّقَ لَهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَأَنَّ نَحْوَ الْإِمْكَانِ تَحَقُّقُهُ إنَّمَا هُوَ بِتَحَقُّقِ مَعْرُوضِهِ وَهُوَ الْمَاهِيَّةُ بِخِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ الْمَحْضَةِ كَأَنْيَابِ أَغْوَالٍ فَلَيْسَ لَهَا فِي الْخَارِجِ أَمْرٌ تَسْتَنِدُ إلَيْهِ وَلِذَلِكَ قِيلَ إنَّ الْأَوَّلَ مَوْجُودٌ بِوُجُودٍ انْتِزَاعِيٍّ وَالثَّانِي بِوُجُودٍ اخْتِرَاعِيٍّ وَقَدْ بَسَطْت الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَاشِيَةِ الْمَقُولَاتِ الصُّغْرَى. (قَوْلُهُ: وَالصِّحَّةُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ الصِّحَّةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِكَوْنِ الشَّيْءِ صَحِيحًا وَفَاسِدًا وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْعَضُدِ أَنَّ الصِّحَّةَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ بِعَرْضِ

стр. 138

مِنْ حَيْثُ هِيَ الشَّامِلَةُ لِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَصِحَّةِ الْعَقْدِ (مُوَافَقَةُ) الْفِعْلِ (ذِي الْوَجْهَيْنِ) وُقُوعًا (الشَّرْعَ) وَالْوَجْهَانِ مُوَافَقَةُ الشَّرْعِ وَمُخَالَفَتُهُ أَيْ الْفِعْلِ الَّذِي يَقَعُ تَارَةً مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ لِاسْتِجْمَاعِهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَرْعًا وَتَارَةً مُخَالِفًا لَهُ لِانْتِفَاءِ ذَلِكَ عِبَادَةً كَانَ كَالصَّلَاةِ أَوْ عَقْدًا كَالْبَيْعِ لِصِحَّةِ مُوَافَقَتِهِ الشَّرْعَ بِخِلَافِ مَا لَا يَقَعُ إلَّا مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى ــ [حاشية العطار] الْعِبَادَةِ مَثَلًا عَلَى الْأَوَامِرِ فَكَوْنُ الْفِعْلِ مُوَافِقًا لِلْأَمْرِ أَوْ مُخَالِفًا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَوْقِيفٍ مِنْ الشَّارِعِ بَلْ يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ كَكَوْنِهِ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ أَوْ تَارِكًا لَهُمَا فَلَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ عَقْلِيًّا وَتَمَحَّلَ سم بِأَجْوِبَةٍ أَحْسَنُهَا أَنَّ الْخِطَابَ إذَا وَرَدَ بِاعْتِبَارِ الشُّرُوطِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ كَأَنَّهُ وَرَدَ بِأَنَّ مَا اسْتَجْمَعَ هَذِهِ الْأُمُورَ مُوَافِقٌ وَمَا لَا مُخَالِفٌ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا مَأْخُوذٌ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ فَيَكُونُ مِنْ اسْتِنْبَاطِ الْعَقْلِ فَالْحَقُّ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ لَمْ يَرِدْ بِهَا الْخِطَابُ وَعَلَى هَذَا فَالْأَحْكَامُ الْوَضْعِيَّةُ ثَلَاثَةٌ. وَأَمَّا بَقِيَّةُ كَلَامِ سم فَمِمَّا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَطَّرَ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ هِيَ إلَخْ) هِيَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ مِنْ حَيْثُ هِيَ صِحَّةٌ وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِإِضَافَةِ حَيْثُ إلَيْهَا فَلَمْ تُضَفْ حَيْثُ إلَى الْجُمْلَةِ وَالْحَيْثِيَّةُ لِلْإِطْلَاقِ وَالشَّارِحُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَقِيلَ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: الشَّامِلَةُ لِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ إلَخْ) أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ وَقِيلَ فِي الْعِبَادَةِ إلَخْ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا ثُمَّ إنَّهُ فَرَّقَ غَيْرُ وَاحِدٍ بَيْنَ الطَّاعَةِ وَالْقُرْبَةِ وَالْعِبَادَةِ بِأَنَّ الطَّاعَةَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقُرْبَةُ مَا تُقُرِّبَ بِهِ بِشَرْطِ مَعْرِفَةِ الْمُتَقَرَّبِ إلَيْهِ وَالْعِبَادَةُ مَا تُعُبِّدَ بِهِ بِشَرْطِ النِّيَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْمَعْبُودِ فَالطَّاعَةُ تُوجَدُ بِدُونِهِمَا فِي النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى إذْ مَعْرِفَتُهُ إنَّمَا تَحْصُلُ بِتَمَامِ النَّظَرِ وَالْقُرْبَةُ تُوجَدُ بِدُونِ الْعِبَادَةِ فِي الْقُرَبِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ فَعَلَى هَذِهِ مُتَفَرِّقَةٌ لَمْ يَتَنَاوَلْ كَلَامَ الشَّارِحِ نَحْوَ الْعِتْقِ وَالْوَقْفِ مَعَ أَنَّهُمَا يُوصَفَانِ بِالصِّحَّةِ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ تَحَكُّمٌ فَنَحْوُ الصَّلَاةِ يُقَالُ لَهُ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ وَعِبَادَةٌ بِاعْتِبَارَاتٍ وَكَذَا الْوَقْفُ وَنَحْوُهُ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وُقُوعًا) يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ مُوَافَقَةُ وُقُوعِ الْفِعْلِ ذِي الْوَجْهَيْنِ فَحُذِفَ الْوُقُوعُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مُقَامَهُ فَأُضِيفَتْ الْمُوَافَقَةُ إلَيْهِ ثُمَّ جِيءَ بِالْوُقُوعِ تَمْيِيزًا فَالْمُتَّصِفُ بِذِي الْوَجْهَيْنِ حَقِيقَةً هُوَ الْوُقُوعُ لَا الْفِعْلُ. (قَوْلُهُ: لِاسْتِجْمَاعِهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَرْعًا) هَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ الصِّحَّةَ أَمْرٌ عَقْلِيٌّ وَالْمُرَادُ بِمَا يَعْتَبِرُ الشُّرُوطَ وَالْأَرْكَانَ وَانْتِفَاءَ الْمَوَانِعِ وَالْمُرَادُ اسْتِجْمَاعُهُ مَا ذُكِرَ وَلَوْ بِحَسَبِ ظَنِّ الْفَاعِلِ فَصَحَّ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تُسْقِطْ الْقَضَاءَ أَيْ بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ وَانْدَفَعَ اعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِأَنَّ تَفْسِيرَ الْمُوَافَقَةِ بِهِ يَقْتَضِي انْتِفَاءَهَا عَنْ صَلَاةِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ حَدَثُهُ فَتَنْتَفِي صِحَّتُهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَيَأْتِي أَنَّهَا صَحِيحَةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ أَمْرُ الشَّارِعِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ لَتَنَاوَلَ الْحَدُّ صِحَّةَ الْعِبَادَةِ وَالْعَقْدِ أَيْضًا بِدُونِ تَفْسِيرِ الْمُوَافَقَةِ بِالِاسْتِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ اهـ وَوَجْهُ الدَّفْعِ أَنَّ الطَّهَارَةَ الْمُعْتَبَرَةَ شَرْعًا فِي الصَّلَاةِ أَعَمُّ مِنْ الْمُتَيَقَّنَةِ وَالْمَظْنُونَةِ فَدَعْوَى الِاقْتِضَاءِ الْمَذْكُورِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ وَمِنْ ذَلِكَ صَلَاةُ فَاقِدِ الطَّهُورِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ لِاسْتِجْمَاعِهَا مَا يُعْتَبَرُ فِيهَا شَرْعًا إذْ الطَّهَارَةُ مُطْلَقًا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِيهَا إذْ هِيَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَصَلَاةُ مَرِيضٍ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ لِعَدَمِ مَنْ يُوَجِّهُهُ إلَيْهَا. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا لَا يَقَعُ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ ذِي الْوَجْهَيْنِ. (قَوْلُهُ: إلَّا مُوَافِقًا) وَكَذَا مَا لَا يَقَعُ إلَّا مُخَالِفًا كَالشِّرْكِ فَلَا يُوصَفُ بِالْبُطْلَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ ذَا وَجْهَيْنِ وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ

стр. 139

إذْ لَوْ وَقَعَتْ مُخَالِفَةً لَهُ أَيْضًا كَانَ الْوَاقِعُ جَهْلًا لَا مَعْرِفَةً فَإِنَّ مُوَافَقَتَهُ الشَّرْعَ لَيْسَتْ مِنْ مُسَمَّى الصِّحَّةِ فَلَا يُسَمَّى هُوَ صَحِيحًا فَصِحَّةُ الْعِبَادَةِ أَخْذًا مِمَّا ذُكِرَ مُوَافَقَةُ الْعِبَادَاتِ ذَاتِ الْوَجْهَيْنِ وُقُوعًا الشَّرْعَ وَإِنْ لَمْ تُسْقِطْ الْقَضَاءَ. (وَقِيلَ) الصِّحَّةُ (فِي الْعِبَادَةِ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ) أَيْ إغْنَاؤُهَا عَنْهُ ــ [حاشية العطار] النَّاصِرُ أَنَّ هَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ إيمَانُ الْمُقَلِّدِ صَحِيحٌ أَوْ غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْإِيمَانُ لَا يَقَعُ إلَّا مُوَافِقًا وَقَدْ وُصِفَ بِالصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] أَيْ الشِّرْكُ فَقَدْ وُصِفَ بِالْبُطْلَانِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا مُخَالِفًا. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصِّحَّةِ وَعَدَمِهَا فِي مَسْأَلَةِ إيمَانِ الْمُقَلِّدِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ أَيْ الْكِفَايَةُ وَعَدَمُ الْكِفَايَةِ لَا الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَعْرِفَةَ هِيَ الْإِيمَانُ وَقَدْ يُمْنَعُ ذَلِكَ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ أَيْ إدْرَاكَهُ عَلَى مَا هُوَ بِهِ لَا تَكُونُ إلَّا مُوَافِقَةً بِخِلَافِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ تَصْدِيقٌ مَخْصُوصٌ بِأُمُورٍ مَخْصُوصَةٍ بِشُرُوطٍ مَخْصُوصَةٍ فَهُوَ ذُو وَجْهَيْنِ لِأَنَّهُ تَارَةً يَسْتَجْمِعُ تِلْكَ الْأُمُورَ وَتَارَةً لَا بِخِلَافِ الْمَعْرِفَةِ فَإِنَّهَا ذَاتُ وَجْهٍ وَاحِدٍ فَإِنْ قِيلَ قَدْ اُعْتُبِرَ فِي الْمُوَافِقِ كَوْنُ مَوْصُوفِ الصِّحَّةِ فِعْلًا وَبِهِ أَفْصَحَ كَلَامُ الشَّارِحِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ مَا يَشْمَلُ الِاعْتِقَادَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ إطْلَاقَ الْبَاطِلِ عَلَى الشِّرْكِ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ لَيْسَ بِهَذَا الِاصْطِلَاحِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا أَوْ بِاصْطِلَاحٍ آخَرَ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: إذْ لَوْ وَقَعَتْ) أَيْ الْمَعْرِفَةُ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْإِدْرَاكِ وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الْمَعْرِفَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ مُخَالِفَةً فَفِيهِ اسْتِخْدَامٌ قِيلَ إنَّ لِلْمَعْرِفَةِ أَيْضًا جِهَتَيْنِ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ اسْتِدْلَالِيَّةً وَقَدْ تَكُونُ تَقْلِيدِيَّةً وَالْأُولَى مُسْتَجْمِعَةٌ لِلشُّرُوطِ دُونَ الثَّانِيَةِ وَلِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مُكْتَسَبَةً بِمُقَدِّمَاتٍ اخْتِيَارِيَّةٍ كَصَرْفِ الْقُوَّةِ وَرَفْعِ الْمَوَانِعِ وَغَيْرِهِمَا وَقَدْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ كَمَا لَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ إذَا سَمِعَ ذَلِكَ عَنْ قَائِلٍ بِدُونِ عَقْدِ الْقَلْبِ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْإِذْعَانِ وَالثَّانِيَةُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْمَعْرِفَةُ لَيْسَتْ بِإِيمَانٍ وَالْأُولَى قَدْ تَكُونُ مَقْرُونَةً بِالْإِنْكَارِ بِاللِّسَانِ وَالْإِصْرَارِ عَلَى الْفَسَادِ وَالِاسْتِنْكَارُ ظَاهِرٌ أَوْ قَدْ لَا يَكُونُ وَالْأُولَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ أَيْضًا وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِي حَدِّ ذَاتِهَا لَا تَكُونُ إلَّا مُوَافِقَةً وَهَذِهِ أُمُورٌ عَرَضِيَّةٌ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فَصِحَّةُ الْعِبَادَةِ إلَخْ) أَيْ إذَا عَرَفْت تَعْرِيفَ الصِّحَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ فَصِحَّةُ الْعِبَادَةِ فَهَذَا تَوْطِئَةٌ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْآتِي. (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِمَّا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالصِّحَّةُ إلَخْ زَادَ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ عَامٌّ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَخْذًا حَالٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا وَهُوَ الْمُوَافِقَةُ وَلَيْسَ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَهُوَ اتِّحَادُ الْفَاعِلِ إذْ فَاعِلُ الْمُوَافَقَةِ الْعِبَادَةُ وَفَاعِلُ الْأَخْذِ الشَّخْصُ (قَوْلُهُ: مُوَافَقَةُ الْعِبَادَةِ إلَخْ) أُخِذَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْفَاسِدَ يُقَالُ لَهُ عِبَادَةٌ وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ الْحَقَائِقُ الشَّرْعِيَّةُ تَشْمَلُ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وَخَصَّهَا بَعْضُهُمْ بِالصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ تُسْقِطْ الْقَضَاءَ) أَيْ كَصَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَصَلَاةِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ مُحْدِثٌ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِي الْعِبَادَةِ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ إلَخْ) عُزِيَ هَذَا الْقَوْلُ فِي الْمِنْهَاجِ لِلْفُقَهَاءِ وَالْأَوَّلُ لِلْمُتَكَلِّمَيْنِ فَصَلَاةُ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ ثُمَّ بَانَ حَدَثُهُ صَحِيحَةٌ عَلَى رَأْيِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِمُوَافَقَتِهَا أَمْرَ الشَّارِعِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ هَذَا الظَّنِّ دُونَ رَأْيِ الْفُقَهَاءِ لِعَدَمِ إسْقَاطِهَا الْقَضَاءَ قَالَ الشَّارِحُ الْبُدَخْشِيُّ. وَأَمَّا الثَّوَابُ فَلَيْسَ بِأَثَرٍ لَهَا عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ فَلَا يُرَدُّ اعْتِرَاضُ الْعَلَّامَةِ الشِّيرَازِيِّ بِأَنَّ الثَّوَابَ قَدْ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُ تَرْتِيبِ الْأَثَرِ لَا وُجُودُهُ اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ الْكَمَالِ إنَّمَا لَمْ يَعْزُ الشَّارِحُ هَذَا الْقَوْلَ إلَى الْفُقَهَاءِ كَمَا فِي الْمَحْصُولِ وَالْأَحْكَامِ وَغَيْرِهِمَا لِتَصْرِيحِ أَصْحَابِنَا الْفُقَهَاءِ بِخِلَافِهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى شُرُوطِ الِاقْتِدَاءِ فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةً فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مُغْنِيَةً

стр. 140

بِمَعْنَى أَنْ لَا يُحْتَاجَ إلَى فِعْلِهَا ثَانِيًا فَمَا وَافَقَ مِنْ عِبَادَةٍ ذَاتِ وَجْهَيْنِ الشَّرْعَ وَلَمْ يُسْقِطْ الْقَضَاءَ كَصَلَاةِ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ حَدَثُهُ يُسَمَّى صَحِيحًا عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي (وَبِصِحَّةِ الْعَقْدِ) الَّتِي هِيَ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ مُوَافَقَتُهُ الشَّرْعَ (تَرَتَّبَ أَثَرُهُ) أَيْ أَثَرُ الْعَقْدِ وَهُوَ مَا شُرِعَ الْعَقْدُ لَهُ ــ [حاشية العطار] عَنْ الْقَضَاءِ أَوْ لَا فَجَعَلُوا مِنْ الصَّحِيحَةِ مَا لَا يُغْنِي عَنْ الْقَضَاءِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ حَكَوْا وَجْهَيْنِ فِي وَصْفِ صَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ بِالصِّحَّةِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ مَعَ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْجَدِيدِ. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَنْ لَا يَحْتَاجَ) بِبِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ لِلْمُكَلَّفِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْمَقَامِ وَلِمَجْهُولٍ فَنَائِبُ الْفَاعِلِ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ وَكَانَ الْأَنْسَبُ أَنْ يَقُولَ بِأَنْ لَا يُحْوِجَ لِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ وَصْفٌ لِلْمُكَلَّفِ وَعَدَمَ الْإِحْوَاجِ وَصْفٌ لِلْعِبَادَةِ كَمَا أَنَّ الْإِغْنَاءَ وَصْفُهَا وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْإِحْوَاجِ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ لِلْعِبَادَةِ بِلَازِمِهِ وَهُوَ الِاحْتِيَاجُ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ لِلْمُكَلَّفِ وَمِثْلُهُ شَائِعٌ كَثِيرٌ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنْ يَحْتَاجَ بِالتَّحْتِيَّةِ أَمَّا إنْ قُرِئَ بِالْفَوْقِيَّةِ فَضَمِيرُهُ حِينَئِذٍ يَعُودُ لِلْعِبَادَةِ وَلَا يُرَدُّ مَا ذُكِرَ، غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ الْإِسْنَادَ مَجَازِيٌّ. (قَوْلُهُ: يُسَمَّى صَحِيحًا عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي) فِي ذِكْرِ التَّسْمِيَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الْقَرَافِيِّ وَغَيْرِهِ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ فِي صَلَاتِهِ الْمَذْكُورَةِ مُوَافِقٌ لِلْأَمْرِ وَأَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ إنْ تَبَيَّنَ حَدَثُهُ وَإِلَّا فَلَا وَرَدُّ الزَّرْكَشِيُّ لِهَذَا غَيْرُ مُتَّجَهٍ كَمَا بَيَّنَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ: وَبِصِحَّةِ الْعَقْدِ) فَسَّرَ الْآمِدِيُّ صِحَّةَ الْعَقْدِ بِتَرَتُّبِ أَثَرِهِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُهُ كَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْعَضُدِ وَغَيْرِهِ مِنْ شَارِحِي الْمُخْتَصَرِ وَنَبَّهَ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ تَسَاهُلًا وَأَنَّ التَّحْقِيقَ هُوَ أَنْ صِحَّةَ الْعَقْدِ وَصْفٌ لِلْعَقْدِ وَهُوَ مُوَافَقَتُهُ الشَّرْعَ فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ الْوَصْفُ تَرَتَّبَ الْأَثَرُ فَهُوَ مَنْشَأٌ لِتَرَتُّبِ الْأَثَرِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فَالصِّحَّةُ مَنْشَأُ التَّرَتُّبِ فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ وَبِصِحَّةِ الْعَقْدِ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ وَلَيْسَ مِنْ الْقِيلِ وَاتَّضَحَ سِرُّ مُغَايَرَةِ الْأُسْلُوبِ. (قَوْلُهُ: مُوَافَقَتُهُ الشَّرْعَ) لَمْ يَقُلْ مُوَافَقَةُ الْعَقْدِ ذِي الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَالَ فِي الْعِبَادَةِ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَكُونُ إلَّا ذَا وَجْهَيْنِ فَقَوْلُهُ ذِي الْوَجْهَيْنِ فِي تَعْرِيفِ مُطْلَقِ الصِّحَّةِ لِلِاحْتِرَازِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعِبَادَةِ وَلِبَيَانِ الْوَاقِعِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَقْدِ قَالَ النَّاصِرُ هَذَا التَّعْرِيفُ يَرِدُ عَلَى عَكْسِهِ الطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ مَعَ أَنَّهُ صَحِيحٌ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِلشَّرْعِ فَإِنْ قِيلَ الطَّلَاقُ حِلٌّ لَا عَقْدٌ قُلْت فَيَرِدُ عَلَى التَّعْرِيفِ الْمُتَقَدِّمِ لِمُطْلَقِ الصِّحَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ. وَأَجَابَ ابْنُ قَاسِمٍ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمُوَافَقَةِ الشَّرْعِ اسْتِجْمَاعُ أَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ وَالطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ قَدْ اسْتَكْمَلَ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ شَرْعًا مِنْ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ. وَأَمَّا خُلُوُّهُ عَنْ الْحَيْضِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ لَا رُكْنًا وَلَا شَرْطًا وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فِي نَفْسِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّيْءِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا وَمَا يَجِبُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِهِ فِيهِ فَالِاعْتِدَادُ بِالطَّلَاقِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ وَحِلُّهُ عَلَى الْخُلُوِّ عَنْ الْحَيْضِ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ يُعْتَبَرُ فِي الِاعْتِدَادِ بِهَا اجْتِنَابُ غَصْبِ سُتْرَةٍ أَوْ مَكَان وَإِنْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ فِي حِلِّهَا فَتَصِحُّ بِسُتْرَةٍ مَغْصُوبَةٍ وَمَكَانٍ مَغْصُوبٍ وَتَكُونُ مُعْتَدًّا بِهَا مَعَ الْحُرْمَةِ فَالْحُرْمَةُ

стр. 141

كَحِلِّ الِانْتِفَاعِ فِي الْبَيْعِ وَالِاسْتِمْتَاعِ فِي النِّكَاحِ فَالصِّحَّةُ مَنْشَأُ التَّرْتِيبِ لَا نَفْسُهُ كَمَا قِيلَ قَالَ الْمُصَنِّفُ بِمَعْنَى أَنَّهُ حَيْثُمَا وُجِدَ فَهُوَ نَاشِئٌ عَنْهَا لَا بِمَعْنَى أَنَّهَا حَيْثُمَا وُجِدَتْ نَشَأَ عَنْهَا حَتَّى يَرِدَ الْبَيْعُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَتَوَقُّفِ التَّرَتُّبِ عَلَى انْقِضَاءِ الْخِيَارِ ــ [حاشية العطار] عَارِضَةٌ فِيهِمَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: كَحِلِّ الِانْتِفَاعِ فِي الْبَيْعِ) لَمْ يَقُلْ كَالِانْتِفَاعِ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِفُ عَنْ الصَّحِيحِ وَيُوجَدُ فِي الْفَاسِدِ. (قَوْلُهُ: فَالصِّحَّةُ مَنْشَأُ التَّرْتِيبِ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَلَامِ الْمَتْنِ بَيَّنَ الْغَرَضَ مِنْهُ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ لُزُومَ التَّنَاقُضِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ تَرَتُّبَ الْأَثَرِ مُسَبَّبًا عَنْ الصِّحَّةِ كَمَا تُفِيدُهُ بَاءُ السَّبَبِيَّةِ الدَّاخِلَةُ عَلَيْهَا وَجَعَلَ الْأَثَرَ مُسَبَّبًا عَنْ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى إضَافَةِ الْأَثَرِ إلَيْهِ وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الشَّيْءِ أَثَرَ الْآخَرِ إلَّا أَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ وَمُسَبَّبٌ عَنْهُ. وَأَجَابَ بِأَنَّ الصِّحَّةَ هِيَ السَّبَبُ حَقِيقَةً وَلَمَّا كَانَتْ صِفَةً لِلْعَقْدِ وَالصِّفَةُ وَالْمَوْصُوفُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ أُضِيفَ الْأَثَرُ إلَيْهِ مَجَازًا مِنْ إضَافَةِ مَا حَقُّهُ أَنْ يُضَافَ لِلْحَالِ وَهُوَ الصِّحَّةُ لِلْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ. وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ إضَافَةَ الْأَثَرِ إلَى الْعَقْدِ تَقْتَضِي سَبَبِيَّتَهُ لَهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تِلْكَ الْإِضَافَةِ مُجَرَّدَ تَبَعِيَّةِ ذَلِكَ الْأَثَرِ لِلْعَقْدِ فِي الْحُصُولِ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ شَيْئًا آخَرَ فَمَعْنَى كَوْنِ حِلِّ الِانْتِفَاعِ أَثَرًا لِلْعَقْدِ مُجَرَّدُ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْحُصُولِ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ التَّبَعِيَّةِ فِي الْحُصُولِ الصِّحَّةَ (قَوْلُهُ: لَا نَفْسُهُ) كَمَا قِيلَ قَائِلُهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ نَفْسَهُ أَنْ تَقُولَ لَوْ كَانَتْ نَفْسُهُ لَمْ تُوجَدْ بِدُونِهِ لَكِنَّ التَّالِيَ بَاطِلٌ فَبَطَلَ الْمُقَدَّمُ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَبَدِيهِيَّةٌ. وَأَمَّا دَلِيلُ بُطْلَانِ التَّالِي فَلِأَنَّ الصِّحَّةَ قَدْ وُجِدَتْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَلَمْ يُوجَدْ الْأَثَرُ كَمَا فِي الْبَيْعِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ وَقَدْ يُمْنَعُ هَذَا بِأَنَّ تَرَتُّبَ الْأَثَرِ مَفْرُوضٌ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَالْمَانِعُ هُنَا وُجُودُ الْخِيَارِ إذْ لَوْلَاهُ لَتَرَتَّبَ الْأَثَرُ. (قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَنَّهُ حَيْثُمَا وُجِدَ إلَخْ) أُورِدَ عَلَيْهِ الْخُلَعُ وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَانِ فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا أَثَرُهُمَا مِنْ الْبَيْنُونَةِ وَالْعِتْقِ مَعَ أَنَّهُمَا غَيْرُ صَحِيحَيْنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَرَتُّبَ أَثَرِهِمَا لَيْسَ لِلْعَقْدِ بَلْ لِلتَّعْلِيقِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَنَظِيرُهُ الْقِرَاضُ وَالْوَكَالَةُ الْفَاسِدَانِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِيهِمَا التَّصَرُّفُ لِوُجُودِ الْإِذْنِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ. وَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّرْتِيبِ وَالصِّحَّةِ مِنْ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ الَّتِي لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْخَارِجِ فَالْوُجُودُ الْمُسْنَدُ إلَيْهِمَا إنْ كَانَ الْخَارِجِيَّ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ الذِّهْنِيَّ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يُثْبِتُونَهُ وَإِنْ أَثْبَتَهُ الْحُكَمَاءُ فَضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُودِ التَّحَقُّقُ وَالْأُمُورُ الِاعْتِبَارِيَّةُ تُوصَفُ بِهِ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ تَحَقُّقَهَا فِي نَفْسِهَا حَتَّى يُنَافِيَ مَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا بَلْ مَعْنَاهُ تَحَقُّقُ مَا اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ وَاعْتُبِرَتْ فِيهِ وَدَعْوَاهُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يُثْبِتُونَ الْوُجُودَ الذِّهْنِيَّ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمُنْكِرَ لَهُ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ وَالْبَعْضُ أَثْبَتَهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمَوَاقِفِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ سم مِمَّا لَا يَخْلُو بَعْضُهُ عَنْ الْقَدْحِ يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ وَقَفَ عَلَى كَلَامِهِ مَعَ اسْتِحْضَارِ مَا قَالَهُ الْحُكَمَاءُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ تَرَكْنَا ذِكْرَهُ هُنَا مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ. (قَوْلُهُ: وَتَوَقَّفَ التَّرَتُّبُ إلَخْ) جَوَابُ اعْتِرَاضٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ الصِّحَّةُ مَنْشَأُ التَّرَتُّبِ بِأَنَّ الْمَنْشَأَ سَبَبٌ يَسْتَلْزِمُ مُقَارَنَةَ النَّاشِئِ عَنْهُ فَانْتِفَاءُ تِلْكَ الْمُقَارَنَةِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ السَّبَبِيَّةِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ اسْتِلْزَامِ الْمُقَارَنَةِ لِأَنَّ الْمُسَبَّبَ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْتِفَاءِ مَانِعِهِ كَالْخِيَارِ وَوُجُودِ

стр. 142

الْمَانِعُ مِنْهُ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الصِّحَّةِ مَنْشَأَ التَّرَتُّبِ كَمَا لَا يَقْدَحُ فِي سَبَبِيَّةِ مِلْكِ النِّصَابِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ تَوَقُّفُهُ عَلَى حَوَلَانِ الْحَوْلِ وَقُدِّمَ الْخَبَرُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِيَتَأَتَّى لَهُ الِاخْتِصَارُ فِيمَا يَلِيهِمَا وَالْأَصْلُ وَتَرَتُّبُ أَثَرِ الْعَقْدِ بِصِحَّتِهِ وَعِنْدَ التَّقْدِيمِ غُيِّرَ الضَّمِيرُ بِالظَّاهِرِ وَالْعَكْسُ لِيَتَقَدَّمَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ. (وَ) بِصِحَّةِ (الْعِبَادَةِ) عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فِي مَعْنَاهَا (إجْزَاؤُهَا ــ [حاشية العطار] شَرْطِهِ كَحَوَلَانِ الْحَوْلِ. (قَوْلُهُ: الْمَانِعُ) صِفَةٌ لِلْخِيَارِ وَضَمِيرُ مِنْهُ يَعُودُ لِلتَّرَتُّبِ. (قَوْلُهُ: كَمَا لَا يَقْدَحُ فِي سَبَبِيَّةِ مِلْكِ النِّصَابِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صِحَّةِ الْعَقْدِ بِأَنَّ مِلْكَ النِّصَابِ مُسْتَمِرُّ الْوُجُودِ حَالَةَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ حَوَلَانُ الْحَوْلُ الَّتِي هِيَ حَالَةُ انْعِدَامِ الْمَانِعِ وَالصِّحَّةِ مُتَقَدِّمٌ لِانْعِدَامِ مَوْصُوفِهَا وَهُوَ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَهُوَ لَفْظٌ يَقْتَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ السَّبَبُ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ بِجِهَةِ وُجُودِهِ مُعَرِّفًا وَهُوَ مَعْدُومٌ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ حَالَ وُجُودِهِ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَثَرَهُ يَقَعُ بَعْدَهُ مُتَّصِلًا بِهِ حَيْثُ لَا خِيَارَ وَمُنْفَصِلًا عَنْهُ بِالْخِيَارِ عِنْدَ وُجُودِ الْخِيَارِ فَلَمْ يُعْرَفْ السَّبَبُ الصَّحِيحُ هُنَا لَا بِجِهَةِ وُجُودِهِ حَالَ وُجُودِهِ لَا حَالَ عَدَمِهِ. (قَوْلُهُ: لِيَتَأَتَّى لَهُ إلَخْ) قَدْ يُعَلَّلُ أَيْضًا بِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ لَكِنْ تَرَكَهُ الشَّارِحُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَصْدَ نَفْيُ مَا قِيلَ إنَّ الصِّحَّةَ هِيَ التَّرَتُّبُ لَا نَفْيُ أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا وَهُوَ نَظَرٌ دَقِيقٌ اهـ. نَاصِرٌ. (قَوْلُهُ: الِاخْتِصَارُ فِيمَا يَلِيهِمَا) هُوَ قَوْلُهُ وَالْعِبَادَةُ إجْزَاؤُهَا إلَخْ وَالِاخْتِصَارُ فِيهِ بِحَذْفِ بِصِحَّةٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ عَلَى تَقْدِيرِ تَأَخُّرِ الْخَبَزِ وَإِجْزَاءُ الْعِبَادَةِ بِصِحَّتِهَا لَكِنَّهُ لَزِمَ عَلَى صَنِيعِهِ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ عَطْفٌ عَلَى الْعَقْدِ الْعَامِلِ فِيهِ صِحَّةٌ وَإِجْزَاؤُهَا عَطْفٌ عَلَى تَرَتُّبٍ الْعَامِلُ فِيهِ الِابْتِدَاءُ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ لَا مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ بِأَنْ يُقَدَّرَ الْخَبَرُ وَهُوَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ أَيْ بِصِحَّةٍ بَعْدَ الْعَاطِفِ لِتَتِمَّ الْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفَةُ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَجُوزُ حَذْفُهُ لِقَرِينَةٍ وَهِيَ هُنَا نَظِيرُهُ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يُنَافِي الِاخْتِصَارَ لِأَنَّ مَرْجِعَ الِاخْتِصَارِ إلَى اللَّفْظِ لَا التَّقْدِيرِ. (قَوْلُهُ: وَالْعَكْسُ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِعَامِلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَفِعْلُ الْعَكْسِ. (قَوْلُهُ: لِيَتَقَدَّمَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ) قَالَ النَّاصِرُ عِلَّةٌ لِتَغْيِيرِ الضَّمِيرِ بِالظَّاهِرِ وَالْعَكْسِ مَعًا لَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّقَدُّمَ لِلْمَرْجِعِ غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّهُ مَعَ التَّأَخُّرِ مُقَدَّمٌ رُتْبَةً وَهُوَ كَافٍ فِي الْجَوَازِ. اهـ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ ذَاكَ إذَا عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ نَفْسِهِ وَهُنَا يَعُودُ إلَى مَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْمُبْتَدَأُ وَلَيْسَ رُتْبَتُهُ التَّقَدُّمَ بِالذَّاتِ بَلْ بِالتَّبَعِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: إجْزَاؤُهَا) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْإِجْزَاءُ وَالِامْتِثَالُ وَهُوَ كَمَا مَرَّ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ كَمَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ مُوَافَقَةُ الْعِبَادَةِ الشَّرْعَ الَّتِي هِيَ صِحَّتُهَا فَإِجْزَاءُ الْعِبَادَةِ صِحَّتُهَا لَا نَاشِئٌ كَمَا يَقْتَضِيه الْمَتْنُ وَصَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فَلْيُتَأَمَّلْ نَاصِرٌ قَالَ سم تَأَمَّلْنَاهُ فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ مِمَّا لَا خَفَاءَ فِي فَسَادِهِ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّ حَاصِلَهُ رَدُّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ لَيْسَا مُقَلِّدَيْنِ لَهُ وَلَا نَاقِلَيْنِ عَنْهُ وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اطَّلَعَ عَلَى مَا قَالَهُ وَخَالَفَهُ عَنْ قَصْدٍ فَإِنَّهُ شَرَحَ الْمُخْتَصَرَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فَلَوْ ارْتَضَاهُ لَنَقَلَهُ وَهُوَ كَثِيرًا مَا يَسْتَدْرِكُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْهَا بِقَرِينَةِ عُدُولِهِ عَنْهُ اهـ. وَالْحَقُّ أَنَّ تَشْنِيعَهُ عَلَى شَيْخِهِ تَحَامُلٌ مِنْهُ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هَاهُنَا لِلْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ نَقُلْ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيرِ الصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ وَبَيَانِ أَنَّ الْإِجْزَاءَ هَلْ هُوَ عَيْنُ الصِّحَّةِ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى

стр. 143

أَيْ كِفَايَتُهَا فِي سُقُوطِ التَّعَبُّدِ) أَيْ الطَّلَبِ وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ (وَقِيلَ) إجْزَاؤُهَا (إسْقَاطُ الْقَضَاءِ) كَصِحَّتِهَا عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ فَالصِّحَّةُ مَنْشَأُ الْإِجْزَاءِ ــ [حاشية العطار] مُقْتَضَى تِلْكَ الْأَقْوَالِ وَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِهَذَا الْمَطْلُوبِ إنْ كَانَ الْإِجْزَاءُ بِمَعْنَى الِامْتِثَالِ وَلَوْ عِنْدَ أَحَدٍ لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ الْإِجْزَاءُ نَاشِئًا عَنْ الصِّحَّةِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فِي الصِّحَّةِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَنَّهُ عَلَى الرَّاجِحِ نَاشِئٌ عَنْهُ. وَفِي الْمِنْهَاجِ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْمُخْتَصَرِ قَالَ وَالْإِجْزَاءُ هُوَ الْأَدَاءُ الْكَافِي لِسُقُوطِ التَّعَبُّدِ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْأَدَاءِ وَمَعْنَى السُّقُوطِ خُرُوجُ الْمُكَلَّفِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ بِهِ وَالْأَدَاءُ الْكَافِي هُوَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا أَمَرَ الشَّارِعُ. اهـ. وَهَذَا عَيْنُ مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ النَّاصِرُ فَاعْتِرَاضُهُ قَوِيٌّ لَا يَنْدَفِعُ بِمُجَرَّدِ التَّشْنِيعِ إنَّمَا يَنْدَفِعُ بِنَقْلٍ قَوِيٍّ يُؤَيِّدُ مَقَالَةَ الْمُصَنِّفِ أَوْ إبْدَاءِ وَجْهٍ مَرْضِيٍّ لِلْمُخَالَفَةِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ الْفُضَلَاءِ. وَأَمَّا رَدُّ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ بِمُجَرَّدِ الْإِطْرَاءِ فِي الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ فَعُدُولٌ عَنْ سَبِيلِ الْإِنْصَافِ نَعَمْ لَوْ أَشْعَرَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ اخْتِيَارٌ لَهُ كَأَنْ قَالَ وَعِنْدِي مَثَلًا ثُمَّ مَا قَالَهُ سم لَكِنْ بَعْدَ بَيَانِ سِرِّ الْمُخَالَفَةِ وَتَرْجِيحِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَا كَمَا هُوَ أُسْلُوبُهُ مِنْ الِالْتِفَاتِ لِلْإِطْرَاءِ وَدَعْوَى الِاطِّلَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ جَرَى مِثْلُهُ فِي مَجْلِسِ الْمُنَاظَرَةِ لَحُكِمَ عَلَى قَائِلِهِ بِالْإِفْحَامِ وَاعْتِرَاضِ بَعْضٍ مِنْ كُتُبٍ هُنَا بِأَنَّ الِامْتِثَالَ وَصْفٌ لِلْفَاعِلِ وَالْإِجْزَاءُ وَصْفٌ لِلْعِبَادَةِ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ الْإِجْزَاءُ بِالِامْتِثَالِ سَاقِطٌ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ كَتَفْسِيرِ الدَّلَالَةِ بِالْفَهْمِ فَمَا يُجَابُ بِهِ هُنَاكَ يُجَابُ بِهِ هُنَا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ) بِالتَّحْتِيَّةِ وَالْفَوْقِيَّةِ أَيْ الْإِجْزَاءُ أَوْ الْعِبَادَةُ وَذَلِكَ كَصَلَاةِ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَدَثُ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ فَإِنَّهُ إذَا نَظَرَ فِيهِمَا لِلظَّنِّ سَقَطَ الطَّلَبُ وَالْقَضَاءُ وَإِنْ نُظِرَ لِلْوَاقِعِ فَلَا سُقُوطَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الطَّلَبَ لَا يُنْظَرُ فِيهِ لِمَا فِي الْوَاقِعِ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الظَّنِّ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إنَّمَا يُطَالَبُ بِمَا فِي وُسْعِهِ مِثْلُ سُقُوطِ الطَّلَبِ وَأَمْرِهِ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَبَيُّنِ عَدِمِ مَا ظَنَّهُ بِأَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَالسَّاقِطُ هُوَ الطَّلَبُ الْأَوَّلُ لَا مُطْلَقًا وَإِلَّا نَافَى وُجُوبَ الْقَضَاءِ. (قَوْلُهُ: إسْقَاطُ الْقَضَاءِ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ وَرُدَّ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ لَمْ يَجِبْ لِعَدَمِ الْمُوجِبِ فَكَيْفَ سَقَطَ وَبِأَنَّهُمْ يُعَلِّلُونَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ بِالْإِجْزَاءِ فَيَقُولُونَ سَقَطَ الْقَضَاءُ لِكَوْنِ الْفِعْلِ مُجْزِئًا فَلَوْ كَانَ هُوَ هُوَ لَمَّا عُلِّلَ بِهِ لِتَغَايُرِ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ بِالذَّاتِ وَالْمَفْهُومُ وَاجِبٌ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مُوجِبَ الْقَضَاءِ النَّصُّ الْجَدِيدُ هَاهُنَا لَا الْفَوَاتُ عَنْ الْوَقْتِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالتَّعْلِيلِ الْعِلَّةُ الْخَارِجِيَّةُ بَلْ الِاسْتِدْلَال بِتَحَقُّقِ الْإِجْزَاءِ عَلَى تَحَقُّقِ السُّقُوطِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّغَايُرُ بِالذَّاتِ كَمَا يُقَالُ الْإِنْسَانُ مَوْجُودٌ لِوُجُودِ الضَّاحِكِ. (قَوْلُهُ: فَالصِّحَّةُ إلَخْ) الـ لِلْعَهْدِ أَيْ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ وَصْفٌ لَهَا لَا الصِّحَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَمَا يُفِيدُهُ

стр. 144

عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فِيهِمَا وَمُرَادِفَةٌ لِلْمَرْجُوحِ فِيهِمَا (وَيَخْتَصُّ الْإِجْزَاءُ بِالْمَطْلُوبِ) مِنْ وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ أَيْ بِالْعِبَادَةِ لَا يَتَجَاوَزُهَا إلَى الْعَقْدِ الْمُشَارِكِ لَهَا فِي الصِّحَّةِ (وَقِيلَ) يَخْتَصُّ (بِالْوَاجِبِ) لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى الْمَنْدُوبِ كَالْعَقْدِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِجْزَاءِ لَا يَتَّصِفُ بِهِ الْعَقْدُ وَتَتَّصِفُ بِهِ الْعِبَادَةُ الْوَاجِبَةُ وَالْمَنْدُوبَةُ وَقِيلَ الْوَاجِبَةُ فَقَطْ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ مَثَلًا «أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيّ» ــ [حاشية العطار] قَوْلُهُ كَصِحَّتِهَا (قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فِيهِمَا) أَيْ الْإِجْزَاءِ وَالصِّحَّةِ (قَوْلُهُ بِالْمَطْلُوبِ) الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ وَالْقَصْرُ إضَافِيٌّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ وَأُورِدَ أَنَّ الْعَقْدَ قَدْ يُطْلَبُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا فَيَكُونُ عِبَادَةً فَلَا يَتِمُّ مُقَابَلَةُ الْعِبَادَةِ بِالْعَقْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادَةِ مَا أَصْلُ وَضْعِهِ التَّعَبُّدُ لَا مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَالْعَقْدِ (قَوْلُهُ: كَالْعَقْدِ) أَيْ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَيْهِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: لَا يَتَّصِفُ بِهِ الْعَقْدُ) أَيْ لَا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الْإِجْزَاءِ فِيهِ إثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا وَقَوْلُهُ وَتَتَّصِفُ بِهِ الْعِبَادَةُ أَيْ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا إثْبَاتًا وَنَفْيًا فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَتَتَّصِفُ بِهِ الْعِبَادَةُ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعِي لِلْمُصَنِّفِ لِأَنَّ مُرَادَهُ اخْتِصَاصُ إطْلَاقِ لَفْظِ الْإِجْزَاءِ بِالْعِبَادَةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِثْبَاتِ فَتَتَّصِفُ هِيَ بِمَعْنَاهُ أَوْ فِي النَّفْيِ فَلَا وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ فَاسْتَعْمَلَ الْإِجْزَاءَ إذْ الِاسْتِعْمَالُ الْإِطْلَاقُ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا وَمَنْشَأُ اعْتِرَاضِهِ حَمْلُ الِاتِّصَافِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ فَتَتَّصِفُ بِهِ الْعِبَادَةُ عَلَى الِاتِّصَافِ بِالْإِثْبَاتِ. (قَوْلُهُ: وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ) مَعْنَى كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا شَاكَلَهُ مَنْشَأَ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ كُلِّ مَا وُصِفَ فِيهَا بِالْإِجْزَاءِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنْ دَلِيلِ الْوُجُوبِ قَالَ لَا يُوصَفُ بِالْإِجْزَاءِ إلَّا الْوَاجِبُ وَمَنْ قَالَ بِالْمَنْدُوبِ وَلَوْ فِي حَدِيثٍ مِنْهَا لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنْ دَلِيلِ النَّدْبِ قَالَ يُوصَفُ بِهِ كُلٌّ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ قَالَ الْكَمَالُ وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ لَك أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كَوْنُ أَبِي حَنِيفَةَ قَائِلًا بِالْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ بِوُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ كَمَا قَدْ يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ فَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنْهُ فِي أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ وَلَوْ قَالَ بِهِ لَوَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ عِنْدَهُ مَنْدُوبٌ وَقَدْ وُصِفَ بِالْإِجْزَاءِ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» أَيْ تُجْزِيهِ اهـ. وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا إلَى أَنَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَطْ بَلْ هُوَ وَمَا شَاكَلَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَا يُقَالُ الْحَدِيثُ إنَّمَا يُفِيدُ اسْتِعْمَالَ الْإِجْزَاءِ فِي النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ لِأَنَّا نَقُولُ

стр. 145

فَاسْتُعْمِلَ الْإِجْزَاءِ فِي الْأُضْحِيَّةَ وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ عِنْدَنَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ غَيْرِنَا كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَاجِبِ اتِّفَاقًا حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» . (وَيُقَابِلُهَا) أَيْ الصِّحَّةَ (الْبُطْلَانُ) فَهُوَ مُخَالَفَةُ الْفِعْلِ ذِي الْوَجْهَيْنِ وُقُوعًا الشَّرْعَ وَقِيلَ فِي الْعِبَادَةِ عَدَمُ إسْقَاطِهَا الْقَضَاءَ (وَهُوَ) أَيْ الْبُطْلَانُ الَّذِي عُلِمَ أَنَّهُ مُخَالَفَةُ ذِي الْوَجْهَيْنِ الشَّرْعَ (الْفَسَادُ) أَيْضًا فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُخَالَفَةُ مَا ذَكَرَ الشَّرْعُ (خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ) فِي قَوْلِهِ مُخَالَفَةُ مَا ذَكَرَ الشَّرْعُ بِأَنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ إنْ كَانَتْ لِكَوْنِ النَّهْيِ عَنْهُ لِأَصْلِهِ ــ [حاشية العطار] الِاسْتِدْلَال بِالْمَفْهُومِ وَهُوَ إثْبَاتٌ. (قَوْلُهُ: فَاسْتُعْمِلَ الْإِجْزَاءُ فِي الْأُضْحِيَّةِ) فِيهِ تَجَوُّزٌ جَارَى فِيهِ لَفْظَ الْحَدِيثِ وَإِلَّا فَالْإِجْزَاءُ وَالْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْصَافٌ لِذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ لَا لَهَا نَفْسِهَا إذْ الذَّوَاتُ لَا تُوصَفُ بِالْأَحْكَامِ حَقِيقَةً بَلْ الْمَوْصُوفُ بِهَا الْأَفْعَالُ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَاجِبِ اتِّفَاقًا) يَصِحُّ رُجُوعُهُ إلَى الْوَاجِبِ وَإِلَى الِاسْتِعْمَالِ (قَوْلُهُ: حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ إلَخْ) أَيْ فَإِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ اتِّفَاقًا قُلْت هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحَدِيثِ هِيَ الْوَاجِبَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا لِكَوْنِهَا نَكِرَةً وَاقِعَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ فَاسْتِعْمَالُ الْإِجْزَاءِ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي قُلْت لَا نُسَلِّمُ الْبِنَاءَ الْمَذْكُورَ إذْ الِاسْتِعْمَالُ الْمَذْكُورُ آتٍ بِتَقْدِيرِ الْعُمُومِ أَيْضًا وَبِكُلِّ حَالٍ فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْحَنَفِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تُجْزِئُ بِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ اهـ. زَكَرِيَّا وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ وَاجِبًا فِي الشَّيْءِ وَوُجُوبِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَالْكَلَامُ فِي الْأَوَّلِ وَالْفَاتِحَةُ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا وَلَيْسَ النَّظَرُ لِلصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ بَلْ مِنْ حَيْثُ الْقِرَاءَةُ فِيهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَيُقَابِلُهَا إلَخْ) لَكِنَّ الْمُقَابَلَةَ عَلَى الْأَوَّلِ مُقَابَلَةُ التَّضَادِّ وَعَلَى الثَّانِي مُقَابَلَةُ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ. (قَوْلُهُ: الَّذِي عُلِمَ إلَخْ) إنَّمَا خَصَّهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي مَعَ أَنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُ فِي الْعِبَادَةِ عَدَمُ إسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَهُوَ الْفَسَادُ فِيهَا أَيْضًا لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحَلُّ نِزَاعِ أَبِي حَنِيفَةَ بِخِلَافِ الثَّانِي لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِالْفَاسِدِ (قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَمَا يُسَمَّى بُطْلَانًا لَا يُقَالُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي أَبْوَابٍ مِنْهَا الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ فَلَا يَمْضِي فِيهِ وَيَفْسُدُ بِجِمَاعٍ فَيَمْضِي فِيهِ وَمِنْهُ الْخُلْعُ وَالْكِتَابَةُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ مِنْهُمَا مَا كَانَ بِعِوَضٍ غَيْرِ مُتَمَوِّلٍ أَوْ كَانَ الْخَلَلُ فِيهِ رَاجِعًا لِلْعَاقِدِ كَصِغَرٍ وَيَفْسُدُ مَا كَانَ الْخَلَلُ فِيهِ رَاجِعًا لِغَيْرِ ذَلِكَ وَحُكْمُ الْبُطْلَانِ فِيهِمَا أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ حُرْمَةِ الْعَقْدِ وَحُكْمُ الْفَسَادِ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَعَهَا الصَّدَاقُ وَالْعِتْقُ وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ بِالْبَدَلِ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ اصْطِلَاحٌ آخَرُ فَلَا يَضُرُّ فِي الِاصْطِلَاحِ الْمَذْكُورِ. (قَوْلُهُ: مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ ذِي الْوَجْهَيْنِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ مَنْهِيَّا إلَخْ) تَصْوِيرٌ لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْعَ وَفِيهِ أَنَّ مُخَالَفَتَهُ الشَّرْعَ غَيْرُ قَاصِرَةٍ عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَلْ تَشْمَلُ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَلَوْ بِنَهْيٍ عَامٍّ فَإِنَّ مُخَالَفَةَ خِطَابِ الْوَضْعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالنَّهْيِ الْعَامِّ. (قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ إلَخْ) غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا قَبْلَهُ بَلْ هُوَ تَفْصِيلٌ لَهُ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ أَوْ اللَّامُ بِمَعْنَى مَعَ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً لِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ يَقْتَضِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِذَاتِهِ. (قَوْلُهُ: لَا صِلَةٌ) أَيْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَاتِيًّا كَالرُّكْنِ أَوْ عَرَضِيًّا كَالشَّرْطِ فَلَا يُقَالُ إنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ مِنْ الْأَوْصَافِ
следующие страницы →