Полный текст (1 048 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
كَحِلِّ الِانْتِفَاعِ فِي الْبَيْعِ وَالِاسْتِمْتَاعِ فِي النِّكَاحِ فَالصِّحَّةُ مَنْشَأُ التَّرْتِيبِ لَا نَفْسُهُ كَمَا قِيلَ قَالَ الْمُصَنِّفُ بِمَعْنَى أَنَّهُ حَيْثُمَا وُجِدَ فَهُوَ نَاشِئٌ عَنْهَا لَا بِمَعْنَى أَنَّهَا حَيْثُمَا وُجِدَتْ نَشَأَ عَنْهَا حَتَّى يَرِدَ الْبَيْعُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَتَوَقُّفِ التَّرَتُّبِ عَلَى انْقِضَاءِ الْخِيَارِ
ــ
[حاشية العطار]
عَارِضَةٌ فِيهِمَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَحِلِّ الِانْتِفَاعِ فِي الْبَيْعِ) لَمْ يَقُلْ كَالِانْتِفَاعِ لِأَنَّهُ قَدْ يَخْتَلِفُ عَنْ الصَّحِيحِ وَيُوجَدُ فِي الْفَاسِدِ.
(قَوْلُهُ: فَالصِّحَّةُ مَنْشَأُ التَّرْتِيبِ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَلَامِ الْمَتْنِ بَيَّنَ الْغَرَضَ مِنْهُ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ لُزُومَ التَّنَاقُضِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَعَلَ تَرَتُّبَ الْأَثَرِ مُسَبَّبًا عَنْ الصِّحَّةِ كَمَا تُفِيدُهُ بَاءُ السَّبَبِيَّةِ الدَّاخِلَةُ عَلَيْهَا وَجَعَلَ الْأَثَرَ مُسَبَّبًا عَنْ الْعَقْدِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى إضَافَةِ الْأَثَرِ إلَيْهِ وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الشَّيْءِ أَثَرَ الْآخَرِ إلَّا أَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ وَمُسَبَّبٌ عَنْهُ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ الصِّحَّةَ هِيَ السَّبَبُ حَقِيقَةً وَلَمَّا كَانَتْ صِفَةً لِلْعَقْدِ وَالصِّفَةُ وَالْمَوْصُوفُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ أُضِيفَ الْأَثَرُ إلَيْهِ مَجَازًا مِنْ إضَافَةِ مَا حَقُّهُ أَنْ يُضَافَ لِلْحَالِ وَهُوَ الصِّحَّةُ لِلْمَحَلِّ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ.
وَأَجَابَ سم بِجَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّا نَمْنَعُ أَنَّ إضَافَةَ الْأَثَرِ إلَى الْعَقْدِ تَقْتَضِي سَبَبِيَّتَهُ لَهُ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تِلْكَ الْإِضَافَةِ مُجَرَّدَ تَبَعِيَّةِ ذَلِكَ الْأَثَرِ لِلْعَقْدِ فِي الْحُصُولِ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ شَيْئًا آخَرَ فَمَعْنَى كَوْنِ حِلِّ الِانْتِفَاعِ أَثَرًا لِلْعَقْدِ مُجَرَّدُ أَنَّهُ يَتْبَعُهُ فِي الْحُصُولِ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ التَّبَعِيَّةِ فِي الْحُصُولِ الصِّحَّةَ (قَوْلُهُ: لَا نَفْسُهُ) كَمَا قِيلَ قَائِلُهُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ نَفْسَهُ أَنْ تَقُولَ لَوْ كَانَتْ نَفْسُهُ لَمْ تُوجَدْ بِدُونِهِ لَكِنَّ التَّالِيَ بَاطِلٌ فَبَطَلَ الْمُقَدَّمُ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَبَدِيهِيَّةٌ.
وَأَمَّا دَلِيلُ بُطْلَانِ التَّالِي فَلِأَنَّ الصِّحَّةَ قَدْ وُجِدَتْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَلَمْ يُوجَدْ الْأَثَرُ كَمَا فِي الْبَيْعِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ وَقَدْ يُمْنَعُ هَذَا بِأَنَّ تَرَتُّبَ الْأَثَرِ مَفْرُوضٌ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَالْمَانِعُ هُنَا وُجُودُ الْخِيَارِ إذْ لَوْلَاهُ لَتَرَتَّبَ الْأَثَرُ.
(قَوْلُهُ: بِمَعْنَى أَنَّهُ حَيْثُمَا وُجِدَ إلَخْ) أُورِدَ عَلَيْهِ الْخُلَعُ وَالْكِتَابَةُ الْفَاسِدَانِ فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمَا أَثَرُهُمَا مِنْ الْبَيْنُونَةِ وَالْعِتْقِ مَعَ أَنَّهُمَا غَيْرُ صَحِيحَيْنِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَرَتُّبَ أَثَرِهِمَا لَيْسَ لِلْعَقْدِ بَلْ لِلتَّعْلِيقِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَنَظِيرُهُ الْقِرَاضُ وَالْوَكَالَةُ الْفَاسِدَانِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ فِيهِمَا التَّصَرُّفُ لِوُجُودِ الْإِذْنِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ.
وَأَمَّا مَا أَوْرَدَهُ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْ التَّرْتِيبِ وَالصِّحَّةِ مِنْ الْأُمُورِ الِاعْتِبَارِيَّةِ الَّتِي لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْخَارِجِ فَالْوُجُودُ الْمُسْنَدُ إلَيْهِمَا إنْ كَانَ الْخَارِجِيَّ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ الذِّهْنِيَّ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يُثْبِتُونَهُ وَإِنْ أَثْبَتَهُ الْحُكَمَاءُ فَضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُودِ التَّحَقُّقُ وَالْأُمُورُ الِاعْتِبَارِيَّةُ تُوصَفُ بِهِ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ تَحَقُّقَهَا فِي نَفْسِهَا حَتَّى يُنَافِيَ مَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا بَلْ مَعْنَاهُ تَحَقُّقُ مَا اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ وَاعْتُبِرَتْ فِيهِ وَدَعْوَاهُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ لَا يُثْبِتُونَ الْوُجُودَ الذِّهْنِيَّ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْمُنْكِرَ لَهُ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ وَالْبَعْضُ أَثْبَتَهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي الْمَوَاقِفِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ سم مِمَّا لَا يَخْلُو بَعْضُهُ عَنْ الْقَدْحِ يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ وَقَفَ عَلَى كَلَامِهِ مَعَ اسْتِحْضَارِ مَا قَالَهُ الْحُكَمَاءُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ تَرَكْنَا ذِكْرَهُ هُنَا مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ.
(قَوْلُهُ: وَتَوَقَّفَ التَّرَتُّبُ إلَخْ) جَوَابُ اعْتِرَاضٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ الصِّحَّةُ مَنْشَأُ التَّرَتُّبِ بِأَنَّ الْمَنْشَأَ سَبَبٌ يَسْتَلْزِمُ مُقَارَنَةَ النَّاشِئِ عَنْهُ فَانْتِفَاءُ تِلْكَ الْمُقَارَنَةِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ السَّبَبِيَّةِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ مَنْعُ اسْتِلْزَامِ الْمُقَارَنَةِ لِأَنَّ الْمُسَبَّبَ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى انْتِفَاءِ مَانِعِهِ كَالْخِيَارِ وَوُجُودِ
стр. 142
الْمَانِعُ مِنْهُ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِ الصِّحَّةِ مَنْشَأَ التَّرَتُّبِ كَمَا لَا يَقْدَحُ فِي سَبَبِيَّةِ مِلْكِ النِّصَابِ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ تَوَقُّفُهُ عَلَى حَوَلَانِ الْحَوْلِ وَقُدِّمَ الْخَبَرُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِيَتَأَتَّى لَهُ الِاخْتِصَارُ فِيمَا يَلِيهِمَا وَالْأَصْلُ وَتَرَتُّبُ أَثَرِ الْعَقْدِ بِصِحَّتِهِ وَعِنْدَ التَّقْدِيمِ غُيِّرَ الضَّمِيرُ بِالظَّاهِرِ وَالْعَكْسُ لِيَتَقَدَّمَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ.
(وَ) بِصِحَّةِ (الْعِبَادَةِ) عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فِي مَعْنَاهَا (إجْزَاؤُهَا
ــ
[حاشية العطار]
شَرْطِهِ كَحَوَلَانِ الْحَوْلِ.
(قَوْلُهُ: الْمَانِعُ) صِفَةٌ لِلْخِيَارِ وَضَمِيرُ مِنْهُ يَعُودُ لِلتَّرَتُّبِ.
(قَوْلُهُ: كَمَا لَا يَقْدَحُ فِي سَبَبِيَّةِ مِلْكِ النِّصَابِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صِحَّةِ الْعَقْدِ بِأَنَّ مِلْكَ النِّصَابِ مُسْتَمِرُّ الْوُجُودِ حَالَةَ وُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ حَوَلَانُ الْحَوْلُ الَّتِي هِيَ حَالَةُ انْعِدَامِ الْمَانِعِ وَالصِّحَّةِ مُتَقَدِّمٌ لِانْعِدَامِ مَوْصُوفِهَا وَهُوَ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَهُوَ لَفْظٌ يَقْتَضِي بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ السَّبَبُ الْمُعَرِّفُ لِلْحُكْمِ بِجِهَةِ وُجُودِهِ مُعَرِّفًا وَهُوَ مَعْدُومٌ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ حَالَ وُجُودِهِ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ أَثَرَهُ يَقَعُ بَعْدَهُ مُتَّصِلًا بِهِ حَيْثُ لَا خِيَارَ وَمُنْفَصِلًا عَنْهُ بِالْخِيَارِ عِنْدَ وُجُودِ الْخِيَارِ فَلَمْ يُعْرَفْ السَّبَبُ الصَّحِيحُ هُنَا لَا بِجِهَةِ وُجُودِهِ حَالَ وُجُودِهِ لَا حَالَ عَدَمِهِ.
(قَوْلُهُ: لِيَتَأَتَّى لَهُ إلَخْ) قَدْ يُعَلَّلُ أَيْضًا بِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ لَكِنْ تَرَكَهُ الشَّارِحُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْقَصْدَ نَفْيُ مَا قِيلَ إنَّ الصِّحَّةَ هِيَ التَّرَتُّبُ لَا نَفْيُ أَنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا وَهُوَ نَظَرٌ دَقِيقٌ اهـ. نَاصِرٌ.
(قَوْلُهُ: الِاخْتِصَارُ فِيمَا يَلِيهِمَا) هُوَ قَوْلُهُ وَالْعِبَادَةُ إجْزَاؤُهَا إلَخْ وَالِاخْتِصَارُ فِيهِ بِحَذْفِ بِصِحَّةٍ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَقُولَ عَلَى تَقْدِيرِ تَأَخُّرِ الْخَبَزِ وَإِجْزَاءُ الْعِبَادَةِ بِصِحَّتِهَا لَكِنَّهُ لَزِمَ عَلَى صَنِيعِهِ الْعَطْفُ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ عَطْفٌ عَلَى الْعَقْدِ الْعَامِلِ فِيهِ صِحَّةٌ وَإِجْزَاؤُهَا عَطْفٌ عَلَى تَرَتُّبٍ الْعَامِلُ فِيهِ الِابْتِدَاءُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ لَا مِنْ عَطْفِ الْمُفْرَدَاتِ بِأَنْ يُقَدَّرَ الْخَبَرُ وَهُوَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ أَيْ بِصِحَّةٍ بَعْدَ الْعَاطِفِ لِتَتِمَّ الْجُمْلَةُ الْمَعْطُوفَةُ لِأَنَّ الْخَبَرَ يَجُوزُ حَذْفُهُ لِقَرِينَةٍ وَهِيَ هُنَا نَظِيرُهُ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّقْدِيرَ لَا يُنَافِي الِاخْتِصَارَ لِأَنَّ مَرْجِعَ الِاخْتِصَارِ إلَى اللَّفْظِ لَا التَّقْدِيرِ.
(قَوْلُهُ: وَالْعَكْسُ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ أَوْ مَفْعُولٌ بِهِ لِعَامِلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَفِعْلُ الْعَكْسِ.
(قَوْلُهُ: لِيَتَقَدَّمَ مَرْجِعُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ) قَالَ النَّاصِرُ عِلَّةٌ لِتَغْيِيرِ الضَّمِيرِ بِالظَّاهِرِ وَالْعَكْسِ مَعًا لَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّقَدُّمَ لِلْمَرْجِعِ غَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّهُ مَعَ التَّأَخُّرِ مُقَدَّمٌ رُتْبَةً وَهُوَ كَافٍ فِي الْجَوَازِ. اهـ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ ذَاكَ إذَا عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ نَفْسِهِ وَهُنَا يَعُودُ إلَى مَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْمُبْتَدَأُ وَلَيْسَ رُتْبَتُهُ التَّقَدُّمَ بِالذَّاتِ بَلْ بِالتَّبَعِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: إجْزَاؤُهَا) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْإِجْزَاءُ وَالِامْتِثَالُ وَهُوَ كَمَا مَرَّ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ أَيْ كَمَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ مُوَافَقَةُ الْعِبَادَةِ الشَّرْعَ الَّتِي هِيَ صِحَّتُهَا فَإِجْزَاءُ الْعِبَادَةِ صِحَّتُهَا لَا نَاشِئٌ كَمَا يَقْتَضِيه الْمَتْنُ وَصَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فَلْيُتَأَمَّلْ نَاصِرٌ قَالَ سم تَأَمَّلْنَاهُ فَعَلِمْنَا أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ مِمَّا لَا خَفَاءَ فِي فَسَادِهِ عَلَى أَحَدٍ لِأَنَّ حَاصِلَهُ رَدُّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُصَنِّفَ وَالشَّارِحَ لَيْسَا مُقَلِّدَيْنِ لَهُ وَلَا نَاقِلَيْنِ عَنْهُ وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ اطَّلَعَ عَلَى مَا قَالَهُ وَخَالَفَهُ عَنْ قَصْدٍ فَإِنَّهُ شَرَحَ الْمُخْتَصَرَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فَلَوْ ارْتَضَاهُ لَنَقَلَهُ وَهُوَ كَثِيرًا مَا يَسْتَدْرِكُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْهَا بِقَرِينَةِ عُدُولِهِ عَنْهُ اهـ.
وَالْحَقُّ أَنَّ تَشْنِيعَهُ عَلَى شَيْخِهِ تَحَامُلٌ مِنْهُ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ هَاهُنَا لِلْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ نَقُلْ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيرِ الصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ وَبَيَانِ أَنَّ الْإِجْزَاءَ هَلْ هُوَ عَيْنُ الصِّحَّةِ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى
стр. 143
أَيْ كِفَايَتُهَا فِي سُقُوطِ التَّعَبُّدِ) أَيْ الطَّلَبِ وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ (وَقِيلَ) إجْزَاؤُهَا (إسْقَاطُ الْقَضَاءِ) كَصِحَّتِهَا عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ فَالصِّحَّةُ مَنْشَأُ الْإِجْزَاءِ
ــ
[حاشية العطار]
مُقْتَضَى تِلْكَ الْأَقْوَالِ وَصَنِيعُ الْمُصَنِّفِ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِهَذَا الْمَطْلُوبِ إنْ كَانَ الْإِجْزَاءُ بِمَعْنَى الِامْتِثَالِ وَلَوْ عِنْدَ أَحَدٍ لِأَنَّهُ عَلَى قَوْلِهِ لَمْ يَكُنْ الْإِجْزَاءُ نَاشِئًا عَنْ الصِّحَّةِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فِي الصِّحَّةِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَنَّهُ عَلَى الرَّاجِحِ نَاشِئٌ عَنْهُ.
وَفِي الْمِنْهَاجِ مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْمُخْتَصَرِ قَالَ وَالْإِجْزَاءُ هُوَ الْأَدَاءُ الْكَافِي لِسُقُوطِ التَّعَبُّدِ بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْأَدَاءِ وَمَعْنَى السُّقُوطِ خُرُوجُ الْمُكَلَّفِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ تَكْلِيفٌ بِهِ وَالْأَدَاءُ الْكَافِي هُوَ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا أَمَرَ الشَّارِعُ. اهـ.
وَهَذَا عَيْنُ مَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ النَّاصِرُ فَاعْتِرَاضُهُ قَوِيٌّ لَا يَنْدَفِعُ بِمُجَرَّدِ التَّشْنِيعِ إنَّمَا يَنْدَفِعُ بِنَقْلٍ قَوِيٍّ يُؤَيِّدُ مَقَالَةَ الْمُصَنِّفِ أَوْ إبْدَاءِ وَجْهٍ مَرْضِيٍّ لِلْمُخَالَفَةِ كَمَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بَيْنَ الْفُضَلَاءِ.
وَأَمَّا رَدُّ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ بِمُجَرَّدِ الْإِطْرَاءِ فِي الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ فَعُدُولٌ عَنْ سَبِيلِ الْإِنْصَافِ نَعَمْ لَوْ أَشْعَرَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ اخْتِيَارٌ لَهُ كَأَنْ قَالَ وَعِنْدِي مَثَلًا ثُمَّ مَا قَالَهُ سم لَكِنْ بَعْدَ بَيَانِ سِرِّ الْمُخَالَفَةِ وَتَرْجِيحِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَا كَمَا هُوَ أُسْلُوبُهُ مِنْ الِالْتِفَاتِ لِلْإِطْرَاءِ وَدَعْوَى الِاطِّلَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ جَرَى مِثْلُهُ فِي مَجْلِسِ الْمُنَاظَرَةِ لَحُكِمَ عَلَى قَائِلِهِ بِالْإِفْحَامِ وَاعْتِرَاضِ بَعْضٍ مِنْ كُتُبٍ هُنَا بِأَنَّ الِامْتِثَالَ وَصْفٌ لِلْفَاعِلِ وَالْإِجْزَاءُ وَصْفٌ لِلْعِبَادَةِ فَكَيْفَ يُفَسَّرُ الْإِجْزَاءُ بِالِامْتِثَالِ سَاقِطٌ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ كَتَفْسِيرِ الدَّلَالَةِ بِالْفَهْمِ فَمَا يُجَابُ بِهِ هُنَاكَ يُجَابُ بِهِ هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَسْقُطْ الْقَضَاءُ) بِالتَّحْتِيَّةِ وَالْفَوْقِيَّةِ أَيْ الْإِجْزَاءُ أَوْ الْعِبَادَةُ وَذَلِكَ كَصَلَاةِ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَدَثُ وَفِيهِ تَأَمُّلٌ فَإِنَّهُ إذَا نَظَرَ فِيهِمَا لِلظَّنِّ سَقَطَ الطَّلَبُ وَالْقَضَاءُ وَإِنْ نُظِرَ لِلْوَاقِعِ فَلَا سُقُوطَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الطَّلَبَ لَا يُنْظَرُ فِيهِ لِمَا فِي الْوَاقِعِ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الظَّنِّ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إنَّمَا يُطَالَبُ بِمَا فِي وُسْعِهِ مِثْلُ سُقُوطِ الطَّلَبِ وَأَمْرِهِ بِالْقَضَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَبَيُّنِ عَدِمِ مَا ظَنَّهُ بِأَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَالسَّاقِطُ هُوَ الطَّلَبُ الْأَوَّلُ لَا مُطْلَقًا وَإِلَّا نَافَى وُجُوبَ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ: إسْقَاطُ الْقَضَاءِ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ وَرُدَّ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ لَمْ يَجِبْ لِعَدَمِ الْمُوجِبِ فَكَيْفَ سَقَطَ وَبِأَنَّهُمْ يُعَلِّلُونَ سُقُوطَ الْقَضَاءِ بِالْإِجْزَاءِ فَيَقُولُونَ سَقَطَ الْقَضَاءُ لِكَوْنِ الْفِعْلِ مُجْزِئًا فَلَوْ كَانَ هُوَ هُوَ لَمَّا عُلِّلَ بِهِ لِتَغَايُرِ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ بِالذَّاتِ وَالْمَفْهُومُ وَاجِبٌ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مُوجِبَ الْقَضَاءِ النَّصُّ الْجَدِيدُ هَاهُنَا لَا الْفَوَاتُ عَنْ الْوَقْتِ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِالتَّعْلِيلِ الْعِلَّةُ الْخَارِجِيَّةُ بَلْ الِاسْتِدْلَال بِتَحَقُّقِ الْإِجْزَاءِ عَلَى تَحَقُّقِ السُّقُوطِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّغَايُرُ بِالذَّاتِ كَمَا يُقَالُ الْإِنْسَانُ مَوْجُودٌ لِوُجُودِ الضَّاحِكِ.
(قَوْلُهُ: فَالصِّحَّةُ إلَخْ) الـ لِلْعَهْدِ أَيْ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ وَصْفٌ لَهَا لَا الصِّحَّةُ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَمَا يُفِيدُهُ
стр. 144
عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فِيهِمَا وَمُرَادِفَةٌ لِلْمَرْجُوحِ فِيهِمَا (وَيَخْتَصُّ الْإِجْزَاءُ بِالْمَطْلُوبِ) مِنْ وَاجِبٍ وَمَنْدُوبٍ أَيْ بِالْعِبَادَةِ لَا يَتَجَاوَزُهَا إلَى الْعَقْدِ الْمُشَارِكِ لَهَا فِي الصِّحَّةِ (وَقِيلَ) يَخْتَصُّ (بِالْوَاجِبِ) لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَى الْمَنْدُوبِ كَالْعَقْدِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِجْزَاءِ لَا يَتَّصِفُ بِهِ الْعَقْدُ وَتَتَّصِفُ بِهِ الْعِبَادَةُ الْوَاجِبَةُ وَالْمَنْدُوبَةُ وَقِيلَ الْوَاجِبَةُ فَقَطْ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ مَثَلًا «أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيّ»
ــ
[حاشية العطار]
قَوْلُهُ كَصِحَّتِهَا (قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ فِيهِمَا) أَيْ الْإِجْزَاءِ وَالصِّحَّةِ (قَوْلُهُ بِالْمَطْلُوبِ) الْبَاءُ دَاخِلَةٌ عَلَى الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنْ قَصْرِ الصِّفَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ وَالْقَصْرُ إضَافِيٌّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ وَأُورِدَ أَنَّ الْعَقْدَ قَدْ يُطْلَبُ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا فَيَكُونُ عِبَادَةً فَلَا يَتِمُّ مُقَابَلَةُ الْعِبَادَةِ بِالْعَقْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَادَةِ مَا أَصْلُ وَضْعِهِ التَّعَبُّدُ لَا مَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَالْعَقْدِ (قَوْلُهُ: كَالْعَقْدِ) أَيْ لَا يَتَجَاوَزُهُ إلَيْهِ أَيْضًا.
(قَوْلُهُ: لَا يَتَّصِفُ بِهِ الْعَقْدُ) أَيْ لَا يُسْتَعْمَلُ لَفْظُ الْإِجْزَاءِ فِيهِ إثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا وَقَوْلُهُ وَتَتَّصِفُ بِهِ الْعِبَادَةُ أَيْ يُسْتَعْمَلُ فِيهَا إثْبَاتًا وَنَفْيًا فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ أَنَّ قَوْلَهُ وَتَتَّصِفُ بِهِ الْعِبَادَةُ أَخَصُّ مِنْ الْمُدَّعِي لِلْمُصَنِّفِ لِأَنَّ مُرَادَهُ اخْتِصَاصُ إطْلَاقِ لَفْظِ الْإِجْزَاءِ بِالْعِبَادَةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْإِثْبَاتِ فَتَتَّصِفُ هِيَ بِمَعْنَاهُ أَوْ فِي النَّفْيِ فَلَا وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ فَاسْتَعْمَلَ الْإِجْزَاءَ إذْ الِاسْتِعْمَالُ الْإِطْلَاقُ إثْبَاتًا أَوْ نَفْيًا وَمَنْشَأُ اعْتِرَاضِهِ حَمْلُ الِاتِّصَافِ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ فَتَتَّصِفُ بِهِ الْعِبَادَةُ عَلَى الِاتِّصَافِ بِالْإِثْبَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَمُنْشَأُ الْخِلَافِ) مَعْنَى كَوْنِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا شَاكَلَهُ مَنْشَأَ الْخِلَافِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ كُلِّ مَا وُصِفَ فِيهَا بِالْإِجْزَاءِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنْ دَلِيلِ الْوُجُوبِ قَالَ لَا يُوصَفُ بِالْإِجْزَاءِ إلَّا الْوَاجِبُ وَمَنْ قَالَ بِالْمَنْدُوبِ وَلَوْ فِي حَدِيثٍ مِنْهَا لِمَا قَامَ عِنْدَهُ مِنْ دَلِيلِ النَّدْبِ قَالَ يُوصَفُ بِهِ كُلٌّ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ قَالَ الْكَمَالُ وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ لَك أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ كَوْنُ أَبِي حَنِيفَةَ قَائِلًا بِالْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ بِوُجُوبِ الْأُضْحِيَّةِ كَمَا قَدْ يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ فَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنْهُ فِي أُصُولِ الْحَنَفِيَّةِ وَلَوْ قَالَ بِهِ لَوَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ عِنْدَهُ مَنْدُوبٌ وَقَدْ وُصِفَ بِالْإِجْزَاءِ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» أَيْ تُجْزِيهِ اهـ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مَثَلًا إلَى أَنَّ مَنْشَأَ الْخِلَافِ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَطْ بَلْ هُوَ وَمَا شَاكَلَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَا يُقَالُ الْحَدِيثُ إنَّمَا يُفِيدُ اسْتِعْمَالَ الْإِجْزَاءِ فِي النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ لِأَنَّا نَقُولُ
стр. 145
فَاسْتُعْمِلَ الْإِجْزَاءِ فِي الْأُضْحِيَّةَ وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ عِنْدَنَا وَاجِبَةٌ عِنْدَ غَيْرِنَا كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَاجِبِ اتِّفَاقًا حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ «لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» .
(وَيُقَابِلُهَا) أَيْ الصِّحَّةَ (الْبُطْلَانُ) فَهُوَ مُخَالَفَةُ الْفِعْلِ ذِي الْوَجْهَيْنِ وُقُوعًا الشَّرْعَ وَقِيلَ فِي الْعِبَادَةِ عَدَمُ إسْقَاطِهَا الْقَضَاءَ (وَهُوَ) أَيْ الْبُطْلَانُ الَّذِي عُلِمَ أَنَّهُ مُخَالَفَةُ ذِي الْوَجْهَيْنِ الشَّرْعَ (الْفَسَادُ) أَيْضًا فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُخَالَفَةُ مَا ذَكَرَ الشَّرْعُ (خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ) فِي قَوْلِهِ مُخَالَفَةُ مَا ذَكَرَ الشَّرْعُ بِأَنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ إنْ كَانَتْ لِكَوْنِ النَّهْيِ عَنْهُ لِأَصْلِهِ
ــ
[حاشية العطار]
الِاسْتِدْلَال بِالْمَفْهُومِ وَهُوَ إثْبَاتٌ.
(قَوْلُهُ: فَاسْتُعْمِلَ الْإِجْزَاءُ فِي الْأُضْحِيَّةِ) فِيهِ تَجَوُّزٌ جَارَى فِيهِ لَفْظَ الْحَدِيثِ وَإِلَّا فَالْإِجْزَاءُ وَالْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْصَافٌ لِذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ لَا لَهَا نَفْسِهَا إذْ الذَّوَاتُ لَا تُوصَفُ بِالْأَحْكَامِ حَقِيقَةً بَلْ الْمَوْصُوفُ بِهَا الْأَفْعَالُ.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَاجِبِ اتِّفَاقًا) يَصِحُّ رُجُوعُهُ إلَى الْوَاجِبِ وَإِلَى الِاسْتِعْمَالِ (قَوْلُهُ: حَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ إلَخْ) أَيْ فَإِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي الصَّلَاةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ اتِّفَاقًا قُلْت هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحَدِيثِ هِيَ الْوَاجِبَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا لِكَوْنِهَا نَكِرَةً وَاقِعَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ فَاسْتِعْمَالُ الْإِجْزَاءِ فِيهَا إنَّمَا هُوَ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا الثَّانِي قُلْت لَا نُسَلِّمُ الْبِنَاءَ الْمَذْكُورَ إذْ الِاسْتِعْمَالُ الْمَذْكُورُ آتٍ بِتَقْدِيرِ الْعُمُومِ أَيْضًا وَبِكُلِّ حَالٍ فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْحَنَفِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ تُجْزِئُ بِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ اهـ. زَكَرِيَّا
وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ وَاجِبًا فِي الشَّيْءِ وَوُجُوبِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَالْكَلَامُ فِي الْأَوَّلِ وَالْفَاتِحَةُ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا وَلَيْسَ النَّظَرُ لِلصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ بَلْ مِنْ حَيْثُ الْقِرَاءَةُ فِيهَا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَيُقَابِلُهَا إلَخْ) لَكِنَّ الْمُقَابَلَةَ عَلَى الْأَوَّلِ مُقَابَلَةُ التَّضَادِّ وَعَلَى الثَّانِي مُقَابَلَةُ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي عُلِمَ إلَخْ) إنَّمَا خَصَّهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي مَعَ أَنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُ فِي الْعِبَادَةِ عَدَمُ إسْقَاطِ الْقَضَاءِ وَهُوَ الْفَسَادُ فِيهَا أَيْضًا لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَحَلُّ نِزَاعِ أَبِي حَنِيفَةَ بِخِلَافِ الثَّانِي لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِالْفَاسِدِ (قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَمَا يُسَمَّى بُطْلَانًا لَا يُقَالُ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي أَبْوَابٍ مِنْهَا الْحَجُّ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ فَلَا يَمْضِي فِيهِ وَيَفْسُدُ بِجِمَاعٍ فَيَمْضِي فِيهِ وَمِنْهُ الْخُلْعُ وَالْكِتَابَةُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ مِنْهُمَا مَا كَانَ بِعِوَضٍ غَيْرِ مُتَمَوِّلٍ أَوْ كَانَ الْخَلَلُ فِيهِ رَاجِعًا لِلْعَاقِدِ كَصِغَرٍ وَيَفْسُدُ مَا كَانَ الْخَلَلُ فِيهِ رَاجِعًا لِغَيْرِ ذَلِكَ وَحُكْمُ الْبُطْلَانِ فِيهِمَا أَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ غَيْرُ حُرْمَةِ الْعَقْدِ وَحُكْمُ الْفَسَادِ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَعَهَا الصَّدَاقُ وَالْعِتْقُ وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ بِالْبَدَلِ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ اصْطِلَاحٌ آخَرُ فَلَا يَضُرُّ فِي الِاصْطِلَاحِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ: مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ ذِي الْوَجْهَيْنِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ مَنْهِيَّا إلَخْ) تَصْوِيرٌ لِمُخَالَفَتِهِ الشَّرْعَ وَفِيهِ أَنَّ مُخَالَفَتَهُ الشَّرْعَ غَيْرُ قَاصِرَةٍ عَلَى الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَلْ تَشْمَلُ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَلَوْ بِنَهْيٍ عَامٍّ فَإِنَّ مُخَالَفَةَ خِطَابِ الْوَضْعِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالنَّهْيِ الْعَامِّ.
(قَوْلُهُ: إنْ كَانَتْ إلَخْ) غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا قَبْلَهُ بَلْ هُوَ تَفْصِيلٌ لَهُ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ أَوْ اللَّامُ بِمَعْنَى مَعَ فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً لِمَا قَبْلَهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ يَقْتَضِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِذَاتِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا صِلَةٌ) أَيْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَاتِيًّا كَالرُّكْنِ أَوْ عَرَضِيًّا كَالشَّرْطِ فَلَا يُقَالُ إنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ مِنْ الْأَوْصَافِ
стр. 146
فَهِيَ الْبُطْلَانُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ بِدُونِ بَعْضِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ وَكَمَا فِي بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ وَهِيَ مَا فِي الْبُطُونِ مِنْ الْأَجِنَّةِ لِانْعِدَامِ رُكْنٍ مِنْ الْبَيْعِ أَيْ الْمَبِيعِ أَوْ لِوَصْفِهِ فَهِيَ الْفَسَادُ كَمَا فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ لِلْإِعْرَاضِ بِصَوْمِهِ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ لِلنَّاسِ بِلُحُومِ الْأَضَاحِيّ الَّتِي شَرَعَهَا فِيهِ وَكَمَا فِي بَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الزِّيَادَةِ فَيَأْثَمُ بِهِ وَيُفِيدُ بِالْقَبْضِ الْمِلْكَ الْخَبِيثَ وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ صَحَّ نَذْرُهُ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي فِعْلِهِ دُونَ نَذْرِهِ وَيُؤْمَرُ بِفِطْرِهِ وَقَضَائِهِ لِيَتَخَلَّصَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَيَفِيَ بِالنَّذْرِ وَلَوْ صَامَهُ خَرَجَ عَنْ عَهْدِ نَذْرِهِ لِأَنَّهُ أَدَّى الصَّوْمَ كَمَا الْتَزَمَهُ فَقَدْ اعْتَدَّ بِالْفَاسِدِ أَمَّا الْبَاطِلُ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ وَفَاتَ الْمُصَنِّفَ أَنْ يَقُولَ وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ كَمَا قَالَ فِي الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ إذْ حَاصِلُهُ أَنَّ مُخَالَفَةَ ذِي الْوَجْهَيْنِ لِلشَّرْعِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ لِأَصْلِهِ كَمَا تُسَمَّى بُطْلَانًا هَلْ تُسَمَّى فَسَادًا أَوْ لِوَصْفِهِ كَمَا تُسَمَّى فَسَادًا هَلْ تُسَمَّى بُطْلَانًا فَعِنْدَهُ وَعِنْدَنَا نَعَمْ
ــ
[حاشية العطار]
فَتَكُونُ الْمُخَالَفَةُ لِلنَّهْيِ عَنْهُ لِوَصْفِهِ.
(قَوْلُهُ: لِانْعِدَامِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ فَهُوَ بَاطِلٌ أَوْ فَالنَّهْيُ عَنْهُ وَقِسْ عَلَيْهِ نَظَائِرَهُ الْآتِيَةَ وَقَوْلُهُ أَيْ الْمَبِيعُ تَفْسِيرٌ لِرُكْنِ الْبَيْعِ لَا لِلْبَيْعِ.
(قَوْلُهُ: الْمِلْكُ الْخَبِيثُ) أَيْ الَّذِي يُطْلَبُ فَسْخُهُ شَرْعًا لِلتَّخَلُّصِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ إلَخْ) فَلَا يُقَالُ كَيْفَ صِحَّةُ النَّذْرِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ فَالْمَعْصِيَةُ إنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِلْإِعْرَاضِ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
(قَوْلُهُ: دُونَ نَذْرِهِ) أَيْ الْإِتْيَانِ بِصِيغَتِهِ.
(قَوْلُهُ: لِيَتَخَلَّصَ إلَخْ) فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ (قَوْلُهُ فَقَدْ اعْتَدَّ بِالْفَاسِدِ) وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ صَاحِبُهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
(قَوْلُهُ: خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ إلَخْ) وَإِنْ كَانَ لَا ثَوَابَ لَهُ نَظِيرَ مَنْ حَلَفَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَإِنَّهُ يَبَرُّ فِي يَمِينِهِ بِالْفِعْلِ وَمَعَ ذَلِكَ يَأْثَمُ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَعْتَدُّ) يَنْبَغِي أَنْ يُقْرَأَ بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ لِيُفِيدَ قَصْرَ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَبَعْضُ أَصْحَابِهِ كَمُحَمَّدٍ قَالَ بِالِاعْتِدَادِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ) وَالِاعْتِدَادُ وَعَدَمُهُ
стр. 147
(وَالْأَدَاءُ فِعْلُ بَعْضٍ وَقِيلَ كُلُّ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ) وَاجِبًا كَانَ أَوْ مَنْدُوبًا وَقَوْلُهُ فِعْلُ بَعْضٍ يُغْنِي
ــ
[حاشية العطار]
أَمْرٌ فِقْهِيٌّ لَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ كُلُّ مَا) حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِي الْحَدِّ لَيْسَتْ مَأْلُوفَةً وَسِيَاقُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْإِعَادَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ جَعَلَهَا أُمُورًا مُتَقَابِلَةً.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَغَايُرِ الْمَفَاهِيمِ بِالتَّعَارِيفِ الْمُتَبَايِنِ بَلْ يَجُوزُ صِدْقُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَالْإِعَادَةُ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَدَاءٌ وَإِعَادَةٌ وَبَعْدَ خُرُوجِهِ قَضَاءٌ وَإِعَادَةٌ.
(قَوْلُهُ: يَعْنِي مَعَ فِعْلِ إلَخْ) دَفَعَ بِهَذَا مَا أُورِدَ عَلَى الْمُصَنِّفِ مِنْ أَنَّ التَّعْرِيفَ الْأَوَّلَ لَا يَتَنَاوَلُ أَدَاءَ الصَّوْمِ وَلَا الْحَجَّ وَلَا أَدَاءَ الصَّلَاةِ إذَا فُعِلَتْ كُلُّهَا فِي الْوَقْتِ بِالتَّصْرِيحِ بَلْ بِفَحْوَى الْخِطَابِ وَذَلِكَ غَيْرُ لَائِقٍ بِالتَّعْرِيفِ وَبِأَنَّهُ يَصْدُقُ بِمَا إذَا فَعَلَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ مَعَ أَنَّهُ مَعَ الْعَمْدِ فَاسِدٌ وَمَعَ عَدَمِهِ يَنْقَلِبُ
стр. 148
عَنْ فِعْلِ الْبَعْضِ الْآخَرِ فِي الْوَقْتِ أَيْضًا صَلَاةً كَانَ أَوْ صَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ فِيهِ مِنْهَا رَكْعَةً كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ مَحَلِّهِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» وَقَوْلُهُ بَعْضُ بِلَا تَنْوِينٍ لِإِضَافَتِهِ إلَى مِثْلِ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْمَعْطُوفُ حُذِفَ اخْتِصَارًا كَقَوْلِهِمْ نِصْفُ وَرُبْعُ دِرْهَمٍ وَكَذَا قَوْلُهُ كُلٌّ فِي تَعْرِيفِ الْقَضَاءِ (وَالْمُؤَدَّى مَا فُعِلَ) مِنْ كُلِّ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَوْ فِيهِ وَبَعْدَهُ عَلَى الْأَوَّلِ
ــ
[حاشية العطار]
الْفَرْضُ نَفْلًا وَأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا فَعَلَ بَعْضَ الْعِبَادَةِ فِي الْوَقْتِ وَالْبَعْضَ الْآخَرَ خَارِجَهُ يَكُونُ أَدَاءً وَلَوْ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وَبِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا فَعَلَ بَعْضَ مَا يَكُونُ أَدَاءً لِأَنَّ الْبَعْضَ مُبْهَمٌ وَبِأَنَّهُ يَصْدُقُ بِعَدَمِ فِعْلِ الْبَعْضِ الْآخَرِ أَصْلًا وَلَا يَخْفَى أَنَّ دَفْعَ الشَّارِحِ هَذَا تَكَلُّفٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ يَدْفَعُ الْإِيرَادَ مُطْلَقًا وَفِيهِ كَلَامٌ.
(قَوْلُهُ: مَعَ فِعْلٍ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا قَيْدٌ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ الْأَدَاءِ مَعَ أَنَّ الْأَدَاءَ فِعْلُ الْجَمِيعِ الْوَاقِعُ بَعْضُهُ فِي الْوَقْتِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ بَعْدَهُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ دُونَ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا نَهَارًا.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ بِشَرْطِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الشَّرْطَ خَارِجٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ وَالْبَيَانُ لِمَاهِيَّةِ الْأَدَاءِ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ حَذْفَ شَرْطٍ وَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرْطَ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ أَيْ مِنْ حَمْلِهِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ قَالَ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ مُسْتَنَدًا لِأَنَّهُ إذَا فُرِضَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِالتَّعْرِيفِ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَعْضِ الْمُبْهَمِ فِيهِ بَعْضٌ مُعَيَّنٌ وَأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ خَاصَّةً وَأَنَّهُ مَعَ وُقُوعِ بَاقِيهَا فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ لَا قَبْلَهُ لَمْ يُفِدْهُ التَّعْرِيفُ شَيْئًا بَلْ رُبَّمَا تَكَلَّفَ فِي تَنْزِيلِ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَلْفَاظِ التَّعْرِيفِ هَذَا عَلَى أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا يَدْفَعُ الْحَجَّ وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لِأَنَّ فِعْلَ الْحَجِّ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ قَضَاءٌ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ الْمُكَلَّفُ بِهِ بَعْدَ وَقْتِهِ فَتَسْمِيَتُهُ أَدَاءً بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ مِنْ أَدَّيْت الدَّيْنَ بِمَعْنَى قَضَيْته لَا بِالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيِّ وَتَسْمِيَةُ الْمَفْعُولِ مِنْ بَعْدِ فَسَادِهِ قَضَاءً مَجَازٌ.
(قَوْلُهُ: الْمَعْطُوفُ) أَرَادَ بِهِ الْمُصَاحَبَةَ تَسَمُّحًا لِدُخُولِهِ فِي مَفَاعِيلِ الْجُمْلَةِ الْمَعْطُوفَةِ وَإِلَّا فَالْمَعْطُوفُ قَبْلَ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُؤَدَّى مَا فُعِلَ)
стр. 149
وَالْوَقْتُ لِمَا فُعِلَ كُلُّهُ فِيهِ أَوْ فِيهِ وَبَعْدَهُ أَدَاءٌ أَيْ لِلْمُؤَدَّى (الزَّمَانُ الْمُقَدَّرُ لَهُ شَرْعًا مُطْلَقًا) أَيْ مُوَسَّعًا كَزَمَانِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَسُنَنِهَا وَالضُّحَى وَالْعِيدِ أَوْ مُضَيَّقًا كَزَمَانِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَأَيَّامِ الْبِيضِ فَمَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ زَمَانٌ فِي الشَّرْعِ كَالنَّفْلِ وَالنَّذْرِ الْمُطْلَقَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ كَانَ فَوْرِيًّا كَالْإِيمَانِ لَا يُسَمَّى فِعْلُهُ أَدَاءً وَلَا قَضَاءً وَإِنْ كَانَ الزَّمَانُ ضَرُورِيًّا لِفِعْلِهِ.
(وَالْقَضَاءُ فِعْلُ كُلِّ - وَقِيلَ بَعْضِ -
ــ
[حاشية العطار]
فِيهِ أَنَّ هَذَا يُعْلَمُ وَيُعْرَفُ مِنْ تَعْرِيفِ الْأَدَاءِ إلَّا أَنْ يُقَالَ أَرَادَ التَّعْرِيضَ بِابْنِ الْحَاجِبِ عَلَى مَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: وَالْوَقْتُ لِمَا فُعِلَ) اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هُوَ صِفَةٌ لِلْوَقْتِ أَيْ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ.
(قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ الْعِبَادَةِ) لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ يُوهِمُ أَنَّ مَا فُعِلَ إشَارَةً بَعْضُ الْعِبَادَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَلِكُلِّهَا عَلَى الثَّانِي وَهُوَ فَاسِدٌ كَمَا عَلِمْت حَوَّلَ الشَّارِحُ الْعِبَارَةَ عَنْ ظَاهِرِهَا الْمُوهِمِ لِلْفَسَادِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فِيهِ وَبَعْدَهُ) لَا خُصُوصُ الْمَفْعُولِ فِي الْوَقْتِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ.
(قَوْلُهُ: الْمُقَدَّرُ لَهُ) أَيْ لِلْمُؤَدِّي لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ وَأُورِدَ أَنَّ فِيهِ دَوْرًا لِأَخْذِ الْوَقْتِ فِي تَعْرِيفِ الْأَدَاءِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْمُؤَدِّي وَقَدْ أَخَذَ الْمُؤَدِّي فِي تَعْرِيفِ الْوَقْتِ فَيَتَوَقَّفُ الْوَقْتُ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةٍ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ لَفْظِيٌّ لَا يَضُرُّهُ الدَّوْرُ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِأَنَّ هَذِهِ تَعَارِيفُ اصْطِلَاحِيَّةٌ فَهِيَ حُدُودٌ اسْمِيَّةٌ فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤَدِّي الْمَأْخُوذُ فِي تَعْرِيفِ الْوَقْتِ الشَّيْءُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْوَصْفِ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُقَدَّرِ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ أَوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَامِلُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ تَقْدِيرًا مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: الْبِيضُ) أَيْ اللَّيَالِي الْبِيضُ لِبَيَاضِهَا بِالْقَمَرِ.
(قَوْلُهُ: الْمُطْلَقَيْنِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُقَيَّدَيْنِ أَدَاءً وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي النَّفْلِ كَالْفَجْرِ وَلَا يَظْهَرُ فِي النَّذْرِ لِأَنَّ وَقْتَهُ مُقَدَّرٌ بِجَعْلِ النَّاذِرِ لَا بِالشَّرْعِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَوْنَهُ جَعْلِيًّا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ شَرْعِيًّا فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدَّرَهُ بِسَبَبِ الْتِزَامِ الْمُكَلَّفِ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرِهِمَا) أَيْ مِنْ عِبَادَةٍ لَمْ يُقَدَّرْ لَهَا وَقْتٌ فِي الشَّرْعِ وَلَيْسَتْ نَفْلًا وَلَا نَذْرًا مُطْلَقَيْنِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فَوْرِيًّا كَالْإِيمَانِ) لِأَنَّهُ لَا وَقْتَ لَهُ شَرْعِيًّا إذْ لَمْ يُعَيَّنْ لَهُ وَقْتٌ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ لِلْقَادِرِ لَا يُقَالُ قَدْ يَكُونُ الْإِيمَانُ غَيْرَ فَوْرِيٍّ كَمَا فِي الْكَافِرِ الْمُؤْمِنِ وَإِلَّا لَأُجْبِرَ عَلَيْهِ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ كَانَ غَيْرَ فَوْرِيٍّ لَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِمْرَارُ الْكُفْرِ وَإِنَّمَا لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ لَهُ مَعَ تَرَتُّبِ وُقُوعِهِ مِنْهُ وَلِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ عَلَيْنَا أَوْ عَلَيْهِ لِإِيمَانِهِ.
(قَوْلُهُ: لَا يُسَمَّى فِعْلُهُ أَدَاءً) لَمْ يَذْكُرْ الْبَعْضَ مَعَ أَنَّهُ أَوْفَقُ بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْبَعْضَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا لَهُ وَقْتٌ يَقَعُ بَعْضُهُ فِيهِ تَارَةً وَكُلُّهُ أُخْرَى.
[تَعْرِيفِ الْقَضَاء]
(قَوْلُهُ: وَالْقَضَاءُ فِعْلُ كُلِّ إلَخْ) قَدَّمَ الرَّاجِحَ هَهُنَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْجِيحِ أَنَّ الْأَدَاءَ فِعْلُ
стр. 150
مَا خَرَجَ وَقْتُ أَدَائِهِ) مِنْ الزَّمَانِ الْمَذْكُورِ مَعَ فِعْلِ بَعْضِهِ الْآخَرِ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ أَيْضًا صَلَاةً كَانَ أَوْ صَوْمًا أَوْ قَبْلَهُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ الْمَفْعُولُ مِنْهَا فِي الْوَقْتِ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ فِيهَا فِيمَنْ زَالَ عُذْرُهُ كَالْجُنُونِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً فَتَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ
ــ
[حاشية العطار]
بَعْضِ إلَخْ قَالَ النَّاصِرُ وَيَرِدُ عَلَى عَكْسِهِ فِعْلُ بَعْضِ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا وَبَاقِيهَا بَعْدَهُ وَالْكُلُّ قَضَاءٌ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الشَّارِحَ قَدْ دَفَعَ وُرُودَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَلَمَّا أَطْلَقَ الْبَعْضُ فِي الْقَضَاءِ إلَى قَوْلِهِ فَيَضُمُّ إلَيْهِ إلَخْ وَقَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ الصُّورَةَ الْمُورَدَةَ خَرَجَتْ بِمَنْطُوقِ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْبَاقِي يَسَعُ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُ أَدَائِهِ (قَوْلُهُ: مَا خَرَجَ وَقْتُ أَدَائِهِ) لَمْ يُقَيِّدْهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ لِعِلْمِهِ مِنْ قَوْلِهِ مَا خَرَجَ، فَإِنَّ اتِّصَافَ الْفِعْلِ بِدُخُولِ وَقْتِهِ أَوْ خُرُوجِهِ إنَّمَا يَكُونُ حَالَ فِعْلِهِ وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ خُرُوجِهِ فِي الْأَدَاءِ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الدُّخُولِ ظَرْفٌ مُتَّسِعٌ يَصْدُقُ بِمَا بَعْدَ الْخُرُوجِ (قَوْلُهُ: مِنْ الزَّمَانِ الْمَذْكُورِ) بَيَانٌ لِوَقْتِ أَدَائِهِ وَالْمُرَادُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ الزَّمَانِ الْمُقَدَّرُ لَهُ شَرْعًا وَعَلَى هَذَا فَإِطْلَاقُ الْقَضَاءِ فِي قَوْلِهِمْ قَضَاءُ الْحَجِّ الْفَاسِدِ مَجَازٌ مِنْ حَيْثُ الْمُشَابَهَةُ لِأَنَّ الْحَجَّ وَقْتُهُ الْعُمُرُ فَلَا يَخْرُجُ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ فِيهِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ وَهُوَ مَعْنَى الْأَدَاءِ فَلَا يُنَافِي الْأَدَاءَ الِاصْطِلَاحِيَّ وَقَالَ الْكُورَانِيُّ إنَّهُ لَمَّا تَلَبَّسَ بِهِ صَارَ وَقْتُهُ مُضَيَّقًا فَإِطْلَاقُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ.
وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ الْفَاسِدَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّ إعَادَتَهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ قَضَاءٌ وَلَا قَائِلَ بِهِ وَأَمَّا إطْلَاقُ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ فَقَالَ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ إنَّهُ حَقِيقَةٌ نَظَرًا إلَى أَنَّ وَقْتَهُ مَحْدُودٌ مُعَيَّنٌ بِأَشْهُرٍ مَعْلُومَةٍ (قَوْلُهُ: مَعَ فِعْلِ إلَخْ) تَتِمَّةٌ لِلتَّعْرِيفِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي مَعْلُومَةٌ مِنْ مَحَلِّهَا فَلَا يُقَالُ إنَّ التَّعْرِيفَ نَاقِصٌ وَلَا يَخْفَاك أَنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأُمُورِ مِمَّا لَا يَنْبَغِي ارْتِكَابُهَا فِي التَّعَارِيفِ وَهَذَا نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْقَضَاءَ فِعْلُ الْبَعْضِ فَقَطْ مَعَ أَنَّهُ لِلْكُلِّ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي مُسَمَّى الْقَضَاءِ هَلْ هُوَ وُقُوعُ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ (قَوْلُهُ: أَيْضًا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ بَعْضِهِ الْآخَرِ وَلَوْ أَتَى بِهِ عَقِبَهُ لَكَانَ أَحْسَنَ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمَفْعُولُ إلَخْ) مُبَالَغَةٌ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْبَعْضَ فِي هَذَا التَّعْرِيفِ عَلَى عُمُومِهِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالرَّكْعَةِ وَإِلَّا كَانَ تَعْرِيفًا لِلْقَضَاءِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ.
(قَوْلُهُ: وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ) أَيْ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ الْأَدَاءُ فِعْلُ بَعْضٍ هُوَ رَكْعَةٌ وَهَذَا جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَارِدٍ عَلَى الْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ رَكْعَةٌ أَوْ أَكْثَرُ فِي الْوَقْتِ وَالْبَاقِي بَعْدَهُ كَانَتْ الصَّلَاةُ قَضَاءً وَيَرُدُّهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ لَكِنَّهُ يُضْعِفُ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لُزُومَ التَّجَوُّزِ فِي لَفْظِ أَدْرَكَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَإِنَّ مَعْنَى أَدْرَكَ الْأَوَّلَ عَلَيْهِ أَمْكَنَهُ إدْرَاكُ رَكْعَةٍ وَمَعْنَى الثَّانِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ.
(قَوْلُهُ: فِيهَا) أَيْ فِي الرَّكْعَةِ أَيْ فِي شَأْنِهَا أَوْ الضَّمِيرُ لِلصَّلَاةِ.
(قَوْلُهُ: فِيمَنْ زَالَ عُذْرُهُ) فَمَعْنَى
стр. 151
وَلَوْ قَالَ وَقْتَهُ كَمَا قَالَ فِي الْأَدَاءِ كَفَى (اسْتِدْرَاكًا) بِذَلِكَ الْفِعْلِ (لِمَا) أَيْ لِشَيْءٍ (سَبَقَ لَهُ مُقْتَضًى لِلْفِعْلِ) أَيْ لَأَنْ يُفْعَلَ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا فَإِنَّ الصَّلَاةَ الْمَنْدُوبَةَ تُقْضَى فِي الْأَظْهَرِ وَيُقَاسُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ الْمَنْدُوبُ فَقَوْلُهُ مُقْتَضِي أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ وُجُوبٌ: لَكِنْ لَوْ قَالَ لِمَا سَبَقَ لِفِعْلِهِ مُقْتَضِي كَانَ أَوْضَحَ وَأَخْصَرَ
ــ
[حاشية العطار]
فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ أَدْرَكَ وُجُوبَهَا أَوْ أَدْرَكَ وَقْتَهَا الَّذِي هُوَ سَبَبٌ فِي وُجُوبِهَا بِهَا فَلَا يُعَارِضُ مَا هُنَا وَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً إلَخْ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَمَّا عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ فَتَجِبُ بِإِدْرَاكِ زَمَنٍ يَسَعُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ. (قَوْلُهُ: وَلَوْ قَالَ إلَخْ) قِيلَ إنَّمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَقْتُ أَدَائِهِ لِيَكُونَ التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ لِلْقَضَاءِ شَامِلًا لِمَا إذَا وَقَعَ أَقَلُّ مِنْ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ وَالْبَاقِي بَعْدَهُ فَإِنَّ هَذَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ مَا خَرَجَ وَقْتُ أَدَائِهِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ فِعْلُ كُلِّ مَا خَرَجَ وَقْتُهُ إذْ الزَّمَنُ الْمَفْعُولُ فِيهِ الْمَذْكُورُ وَقْتٌ لِفِعْلِ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ فِي دَفْعِ خُرُوجِ هَذِهِ الصُّورَةِ إلَى قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي لَمَّا أَطْلَقَ الْبَعْضُ إلَخْ (قَوْلُهُ: اسْتِدْرَاكًا) مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ عَامِلُهُ فِعْلٌ أَيْ لِأَجْلِ الِاسْتِدْرَاكِ بِهَذَا الْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ الْوَقْتِ لِلْفِعْلِ الَّذِي سَبَقَ طَلَبُ إيقَاعِهِ فِي الْوَقْتِ وَأَرَادَ بِالْفِعْلِ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ وَبِالشَّيْءِ الْوَاقِعَ عَلَيْهِ مَا الْفِعْلُ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَاللَّامُ لِلتَّقْوِيَةِ.
(قَوْلُهُ: لِلْفِعْلِ) بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَا أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَأَنْ يُفْعَلَ) نَبَّهَ بِكَوْنِ الْمَصْدَرِ مَسْبُوكًا مِنْ فِعْلِ الْمَفْعُولِ عَلَى أَنَّ الْمَلْحُوظَ فِي الِاقْتِضَاءِ السَّابِقِ هُوَ الْفِعْلُ الْمَطْلُوبُ دُونَ خُصُوصِيَّةِ الْفَاعِلِ مِنْ الْقَاضِي أَوْ غَيْرِهِ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ قَوْلُهُ مُطْلَقًا وَمِنْ فَوَائِدِ هَذَا التَّفْسِيرِ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ هُنَا الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ لَا الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْمَفْعُولُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ لَهُ الرَّاجِعِ ضَمِيرُهُ الْمَجْرُورُ لِمَا الْوَاقِعِ عَلَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ كَمَا أَنَّ كُلًّا وَبَعْضًا فِي التَّعْرِيفِ وَاقِعَانِ عَلَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ بِدَلِيلِ وُقُوعِهِمَا مُتَعَلِّقَ الْفِعْلِ الْمُصَدَّرِ بِهِ التَّعْرِيفُ لِأَنَّهُ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ. (قَوْلُهُ: وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ اقْتِضَاءَ وُجُوبٍ أَوْ اقْتِضَاءَ نَدْبٍ وَأَعْرَبَهُمَا النَّاصِرُ حَالَيْنِ مِنْ مُقْتَضَى فَيَكُونُ الْوُجُوبُ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ بِمَعْنَى الْمُوجِبِ وَالنَّدْبُ بِمَعْنَى النَّادِبِ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي الْأَوَّلِ ثَلَاثَةَ مَجَازَاتٍ أَحَدُهَا عَقْلِيٌّ لِأَنَّ الْمُوجِبَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ لَا الْخِطَابُ وَفِي الثَّانِي مَجَازَانِ أَحَدُهُمَا عَقْلِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الصَّلَاةَ الْمَنْدُوبَةَ تَقْتَضِي) قَالَ الزَّرْكَشِيُّ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَابِعَةً لِمَا لَا يُقْضَى كَنَفْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْضَى (قَوْلُهُ: وَيُقَاسُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ) مُقْتَضَى قِيَاسِ الصَّوْمِ عَلَيْهَا وُجُودُ الدَّلِيلِ عَلَى قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْمَنْدُوبَةِ وَلَعَلَّ الشَّارِحَ لَمْ يَذْكُرْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَدَدِهِ.
(قَوْلُهُ: فَقَوْلُهُ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ الْمَنْدُوبَةَ.
(قَوْلُهُ: أَحْسَنُ إلَخْ) لِأَنَّ تَعْرِيفَ مَنْ عَبَّرَ بِالْوُجُوبِ لَا يَشْمَلُ قَضَاءَ الْمَنْدُوبِ قَالَ النَّاصِرُ الْعُذْرُ لَهُ بِنَاءُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ اخْتِصَاصِ الْقَضَاءِ بِالْوَاجِبِ إلَّا الْفَجْرَ فَإِنَّهُ يُقْضَى فَقِيلَ حَقِيقَةٌ وَقِيلَ مَجَازٌ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الِاعْتِذَارَ لَا يَدْفَعُ الْأَحْسَنِيَّةَ إذْ شُمُولُ التَّعْرِيفِ لِسَائِرِ الْمَذَاهِبِ أَحْسَنُ مِنْ اخْتِصَاصِهِ بِبَعْضِهَا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ عَلَى نَفْسِ مَذْهَبِهِ بِالنَّظَرِ لِلْفَجْرِ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ قَضَاؤُهُ إلَى الزَّوَالِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِمَجَازِيَّةِ قَضَائِهِ بَلْ التَّعْبِيرُ بِالْحُسْنِ الْمُشْعِرِ بِجَوَازِ غَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ مَنْ لَا يَشْتَرِطُ فِي التَّعْرِيفِ كَوْنَهُ جَامِعًا وَيَجُوزُ التَّعْرِيفُ بِالْأَخَصِّ أَمَّا عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فَالتَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ مُقْتَضًى مُتَعَيِّنٌ.
(قَوْلُهُ: كَانَ أَوْضَحَ وَأَخْصَرَ) أَمَّا الْأَخْصَرِيَّةُ فَظَاهِرَةٌ وَأَمَّا الْأَوْضَحِيَّةُ فَلِاتِّحَادِ مُتَعَلِّقِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى هَذَا وَتَعَدُّدِهِ عَلَى صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ الْمُحْوِجِ لِخَفَاءِ مَعْنَاهُ إلَى جَعْلِ قَوْلِهِ لِلْفِعْلِ بَدَلَ اشْتِمَالٍ مِنْ قَوْلِهِ لَهُ بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقٍ لَهُ بِمُقْتَضًى وَقَدْ يُدَّعَى أَنَّ لَهُ يَتَعَلَّقُ بِسَبْقٍ جِيءَ بِهِ لِزِيَادَةِ الرَّبْطِ كَمَا قَالُوهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] هَذَا مَا أَفَادَهُ النَّاصِرُ مُوَضِّحًا.
وَفِي بَعْضِ رَسَائِلِ فُضَلَاءِ الرُّومِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] اهْتِمَامًا بِشَأْنِ مُنْكِرِي الْبَعْثِ بِأَنَّهُمْ مَدْنُوٌّ مِنْهُمْ وَمُقَرَّبٌ لَهُمْ وَمُنْذَرُونَ
стр. 152
(مُطْلَقًا) أَيْ مِنْ الْمُسْتَدْرَكِ كَمَا فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ الْمَتْرُوكَةِ بِلَا عُذْرٍ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا فِي قَضَاءِ النَّائِمِ الصَّلَاةَ وَالْحَائِضِ الصَّوْمَ فَإِنَّهُ سَبَقَ مُقْتَضًى لِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مِنْ غَيْرِ النَّائِمِ وَالْحَائِضِ لَا مِنْهُمَا وَإِنْ انْعَقَدَ سَبَبُ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ فِي حَقِّهِمَا لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمَا أَوْ نَدْبِهِ لَهُمَا وَخَرَجَ بِقَيْدِ الِاسْتِدْرَاكِ إعَادَةُ الصَّلَاةِ الْمُؤَدَّاةِ
ــ
[حاشية العطار]
بِاخْتِصَاصِهِمْ بِذَلِكَ الْوَعِيدِ لَا مُجَرَّدَ ذِكْرِ الْمُقْتَرِبِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] فَإِنَّ الْجِهَةَ الْمَنْظُورَ فِيهَا هُنَا بَيَانُ الْمُقْتَرِبِ دُونَ الْمَدْنُوِّ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ لِإِثْبَاتِ وُقُوعِ السَّاعَةِ وَاقْتِرَابِهَا بِآيَاتٍ تُنْذِرُ بِحُلُولِهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا انْشِقَاقُ الْقَمَرِ وَقِيلَ إنَّ اللَّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِعْلِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْفَاعِلِ لِلْمُسَارَعَةِ إلَى إدْخَالِ الرَّوْعَةِ فَإِنَّ نِسْبَةَ الِاقْتِرَابِ إلَيْهِمْ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ مِمَّا يَسُوءُهُمْ وَيُورِثُهُمْ رَهْبَةً وَانْزِعَاجًا مِنْ الْمُقْتَرِبِ وَجَعَلَهَا تَأْكِيدًا لِلْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْمُتَعَارَفَ بَيْنَ أَوْسَاطِ النَّاسِ اقْتَرَبَ حِسَابُ النَّاسِ ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ الْحِسَابُ ثُمَّ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ مَعَ أَنَّهُ تَعَسُّفٌ بِمَعْزِلٍ عَمَّا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ.
(قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) حَالٌ مِنْ الْفِعْلِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ مِنْ الْمُسْتَدْرَكِ أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْفِعْلِ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْقَاضِي.
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَيَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِمُقْتَضًى.
(قَوْلُهُ: سَبَبُ الْوُجُوبِ) وَهُوَ دُخُولُ الْوَقْتِ مَعَ التَّكْلِيفِ فَإِنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ وَلَوْ فِي حَقِّ النَّائِمِ وَالْحَائِضِ وَتَخَلُّفُ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ لِشَيْءٍ آخَرَ كَوُجُودِ الْمَانِعِ لَا يَنْفِي سَبَبِيَّتَهُ فِي نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ وَإِنْ انْعَقَدَ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْوُجُوبَ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ إذْ لَوْ كَانَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِمَا وَسَيَأْتِي التَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَضَاءَ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِقَيْدِ الِاسْتِدْرَاكِ إلَخْ) اسْتِدْرَاكُ الشَّيْءِ وَإِدْرَاكُهُ الْوُصُولُ إلَيْهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا جَمَاعَةً مَطْلُوبٌ وَأَنَّ فِعْلَهَا جَمَاعَةً بَعْدَ وَقْتِهَا الْمُؤَدَّاةِ فِيهِ فُرَادَى يُوصِلُ إلَى مَا سَبَقَ لَهُ مُقْتَضًى فَالْحَدُّ صَادِقٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ قَضَاءً فَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ وَإِخْرَاجُهُ مِنْهُ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ مَحَلُّ نَظَرٍ ثُمَّ إنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ وَقْتِهَا الْمُؤَدَّاةِ فِيهِ بِطَهَارَةٍ مَظْنُونَةٍ تَبَيَّنَ انْتِفَاؤُهَا لِسُقُوطِ الْمُقْتَضَى بِالْفِعْلِ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَتَوَصَّلْ بِالْفِعْلِ الثَّانِي إلَى مَا سَبَقَ لَهُ مُقْتَضًى وَهُوَ قَضَاءٌ بِلَا نِزَاعٍ فَيَكُونُ الْحَدُّ غَيْرَ مُنْعَكِسٍ أَفَادَهُ النَّاصِرُ.
وَأَجَابَ سم عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الِاسْتِدْرَاكَ لَيْسَ مُجَرَّدَ الْوُصُولِ إلَى مَا سَبَقَ لَهُ مُقْتَضًى بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْوُصُولُ إلَيْهِ مَطْلُوبًا عَلَى وَجْهِ الْجَبْرِيَّةِ لِلْخَلَلِ الْوَاقِعِ أَوْ لَا إمَّا بِتَرْكِ الْفِعْلِ رَأْسًا وَإِمَّا بِفِعْلِهِ عَلَى وَجْهٍ فِيهِ خَلَلٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِعَادَةَ جَمَاعَةً مَطْلُوبَةٌ كَذَلِكَ.
وَعَنْ الثَّانِي بِمَنْعِ عَدَمِ الصِّدْقِ الَّذِي ادَّعَاهُ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِانْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ طَلَبُ الْفِعْلِ مَرَّةً أُخْرَى بِدَلِيلٍ آخَرَ فَإِذَا فَعَلَهُ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ لِمَا سَبَقَ لِفِعْلِهِ مُقْتَضًى وَهُوَ الطَّلَبُ الَّذِي يَبْقَى بِانْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَقَوْلُهُ لِسُقُوطِ الْمُقْتَضَى بِالْفِعْلِ الْأَوَّلِ قُلْنَا السَّاقِطُ مُقْتَضَى الْفِعْلِ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ هُنَا مُقْتَضًى آخَرُ بِدَلِيلٍ آخَرَ عَامٍّ طَالِبٍ لِفِعْلِ مَا وَقَعَ عَلَى خَلَلٍ مَرَّةً أُخْرَى كَمَا قُلْنَا. اهـ.
وَنُوقِشَ جَوَابُهُ عَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ مَا سَبَقَ لِفِعْلِهِ مُقْتَضًى عِبَارَةً عَنْ الْفِعْلِ بَعْدَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْمُقْتَضِي الْآخَرُ الْجَدِيدُ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا سَبَقَ لِفِعْلِهِ مُقْتَضًى مَا سَبَقَ طَلَبُ إيقَاعِهِ فِي الْوَقْتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ نَفْسُهُ فِي أَحَدِ جَوَابَيْهِ عَنْ الْأَوَّلِ وَكَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الشَّارِحِ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ أَيْ مِنْ الْمُسْتَدْرَكِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ إذْ لَوْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَا سَبَقَ لِفِعْلِهِ مُقْتَضًى عِبَارَةً عَنْ الْفِعْلِ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى قَوْلِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْفِعْلَ بَعْدَ الْوَقْتِ مَطْلُوبٌ مِنْ نَفْسِ النَّائِمِ وَالْحَائِضِ فَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ لَمَّا تَبَيَّنَ بِانْتِفَاءِ الطَّهَارَةِ عَدَمُ إجْزَاءِ الصَّلَاةِ الْمَفْعُولَةِ فِي الْوَقْتِ لَمْ يَسْقُطْ بِتِلْكَ الصَّلَاةِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ لِفِعْلِهِ فِي الْوَقْتِ مُقْتَضٍ حُكْمًا
стр. 153
فِي الْوَقْتِ بَعْدَهُ فِي جَمَاعَةٍ مَثَلًا وَلَمَّا أَطْلَقَ الْبَعْضَ فِي تَعْرِيفِ الْأَدَاءِ لِلْعِلْمِ الْمُتَقَدِّمِ اقْتَصَرَ عَلَى الْكُلِّ فِي الْقَضَاءِ فَيُضَمُّ إلَيْهِ مَا خَرَجَ بِالْقَيْدِ مِنْ أَنَّ فِعْلَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ وَالْبَاقِي بَعْدَهُ قَضَاءٌ وَلِلْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ ذِي الرَّكْعَةِ أَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مُعْظَمِ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ إذْ مُعْظَمُ الْبَاقِي كَالتَّكْرِيرِ لَهَا فَجُعِلَ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ تَابِعًا لَهَا بِخِلَافِ مَا دُونَهَا.
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: بَعْدَهُ) ظَرْفٌ لِإِعَادَةِ أَيْ بَعْدَ الْوَقْتِ فَهَذِهِ بَاطِلَةٌ وَلَيْسَتْ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ وَقَوْلُهُ مَثَلًا أَوْ فُرَادَى وَالْأَوْلَى حَذْفُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَوْلُهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فُرَادَى بَعْدَ الْوَقْتِ.
(قَوْلُهُ: وَلَمَّا أَطْلَقَ) أَشَارَ بِذَلِكَ لِدَفْعِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ لِلْقَضَاءِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ لِعَدَمِ شُمُولِهِ لَهُ لِمَا إذَا فَعَلَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ وَالْبَاقِيَ بَعْدَهُ (قَوْلُهُ: بِقَيْدِهِ الْمُتَقَدِّمِ) وَهُوَ كَوْنُ ذَلِكَ الْبَعْضِ رَكْعَةً وَقَوْلُهُ فِي الْأَدَاءِ أَيْ فِي تَعْرِيفِهِ وَقَوْلُهُ فِي الْقَضَاءِ أَيْ فِي تَعْرِيفِهِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ.
(قَوْلُهُ: فَيُضَمُّ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْكُلِّ أَيْ إلَى قَوْلِهِ أَوْ إلَى الْقَضَاءِ أَيْ إلَى حَدِّهِ، وَجْهُ ضَمِّ مَا خَرَجَ بِالْقَيْدِ إلَى ذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ أَدَاءً أَوْ قَضَاءً فَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا أَدَاءً فَهُوَ قَضَاءٌ قَالَ الْعَلَّامَةُ أَحْمَدُ الْغُنَيْمِيُّ لَا حَاجَةَ إلَى الضَّمِّ الْمَذْكُورِ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَتْنِ فِعْلُ كُلِّ مَا خَرَجَ وَقْتُ أَدَائِهِ دُونَ أَنْ يَقُولَ خَرَجَ وَقْتُهُ إذْ وَقْتُ الْأَدَاءِ يَخْرُجُ بِكَوْنِ الْبَاقِي أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ الَّذِي حَدَّدَهُ الشَّارِحُ لَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ سَابِقًا وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَقْتُهُ إلَخْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الْوَقْتِ وَوَقْتِ الْأَدَاءِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ مَحَلُّ تَأَمُّلٍ.
(قَوْلُهُ: مِنْ أَنَّ فِعْلَ إلَخْ) قَالَ النَّاصِرُ الصَّوَابُ إسْقَاطُ أَنَّ وَقَضَاءٌ بِأَنْ يَقُولَ مِنْ فِعْلِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ وَالْبَاقِي بَعْدَهُ لِأَنَّ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ قَضَاءٌ وَيَخْرُجُ بِالْقَيْدِ مِنْ حَدِّ الْأَدَاءِ وَيُضَافُ إلَى حَدِّ الْقَضَاءِ الْمَذْكُورِ هُوَ هَذَا الْفِعْلُ لَا كَوْنُهُ قَضَاءً اهـ.
قَالَ سم يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ مِنْ الْجَانِبَيْنِ أَيْ فَيُضَمُّ إلَى حُكْمِهِ حُكْمُ مَا خَرَجَ وَلَا شَكَّ أَنَّ حُكْمَ الْخَارِجِ أَنَّهُ قَضَاءٌ فَيُضَمُّ إلَى حُكْمِ الْكُلِّ وَهُوَ أَنَّهُ قَضَاءٌ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ التَّعْلِيلِ أَيْ مَا خَرَجَ بِالْقَيْدِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ فِعْلَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا) أَيْ بَيْنَ فِعْلِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فِي الْوَقْتِ وَالْبَاقِي بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: وَبَيْنَ ذِي الرَّكْعَةِ) أَيْ الْفِعْلِ ذِي الرَّكْعَةِ فِي الْوَقْتِ وَالْبَاقِي بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: كَالتَّكْرِيرِ لَهَا) قَالَ النَّاصِرُ إنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ تَكْرِيرًا حَقِيقَةً
стр. 154
(وَالْمَقْضِيُّ الْمَفْعُولُ) مِنْ كُلِّ الْعِبَادَةِ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَوْ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ عَلَى الثَّانِي وَإِنَّمَا عَرَّفَ الْمَصْدَرَ وَالْمَفْعُولَ الْمُسْتَغْنِيَ بِأَحَدِهِمَا قَائِلًا فِي الْمُؤَدَّى مَا فُعِلَ، الَّذِي صَدَّرَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ تَعْرِيفَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ قَالَ إشَارَةً إلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ أَيْ الْمُحْوِجِ لِتَصْحِيحِهِ إلَى تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ بِالْمَفْعُولِ وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ شَائِعًا وَعَدَلَ فِي الْمَقْضِيِّ عَمَّا فَعَلَ إلَى الْمَفْعُولِ قَالَ لِأَنَّهُ أَخْصَرُ مِنْهُ أَيْ بِكَلِمَةٍ
ــ
[حاشية العطار]
لِأَنَّ التَّكْرِيرَ هُوَ الْإِتْيَانُ بِالشَّيْءِ ثَانِيًا مُرَادًا بِهِ تَأْكِيدُ الْأَوَّلِ وَهَذَا لَيْسَ كَذَلِكَ إذْ مَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي الصَّلَاةِ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ كَالْأُولَى.
(قَوْلُهُ: وَالْمَقْضِيُّ الْمَفْعُولُ) أَلْ لِلْعَهْدِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ مِنْ كُلِّ الْعِبَادَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْصُولَةً وَفِيهَا كَلَامٌ سَيَأْتِي (قَوْلُهُ: الْمُسْتَغْنِيَ بِأَحَدِهِمَا) أَيْ بِتَعْرِيفِ أَحَدِهِمَا عَنْ تَعْرِيفِ الْآخَرِ لَا يُقَالُ هَذَا الِاسْتِغْنَاءُ يُوقِعُ فِي التَّكْرَارِ لِأَنَّا نَقُولُ التَّكْرَارُ إنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ انْتَفَتْ الْفَائِدَةُ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْفَائِدَةُ هُنَا مَوْجُودَةٌ وَهِيَ الْإِشَارَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي صَدَّرَ) صِفَةٌ لِمَقُولِ قَائِلًا أَعْنِي مَا فَعَلٌ.
(قَوْلُهُ: قَالَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ (قَوْلُهُ: إشَارَةً إلَخْ) قَدْ يُقَالُ هَذِهِ الْإِشَارَةُ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ تَعْرِيفَيْ الْمَصْدَرِ وَالْمَفْعُولِ بَلْ يَكْفِي فِيهَا الِاقْتِصَارُ عَلَى تَعْرِيفِ الْمُؤَدَّى قَائِلًا فِيهِ الْمُؤَدَّى مَا فُعِلَ إلَخْ وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْإِشَارَةُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَبْيَنِ إذْ قَدْ لَا يُفْهَمُ مِنْ الِاقْتِصَارِ الْمَذْكُورِ إفَادَةُ الِاعْتِرَاضِ بَلْ مُجَرَّدُ إفَادَةِ عِبَارَةٍ أُخْرَى مُسَاوِيَةٍ لِعِبَارَةِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ الْكَمَالُ أَسْنَدَ الشَّارِحُ ذَلِكَ إلَى الْمُصَنِّفِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ وَكَأَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يُشِيرُ إلَى مَا قَالَهُ شَيْخُهُ الْعَلَّامَةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبِرْمَاوِيُّ فِي شَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْأُصُولِ مِنْ إطْلَاقِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي عِبَارَةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ إطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْمَفْعُولِ الَّذِي صَارَ لِشُهْرَتِهِ وَتَكْرَارِهِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَعْلُ التَّعْرِيفِ لِهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا فِي غَيْرِ الْمُخْتَصَرِ كَالْمِنْهَاجِ وَغَيْرِهِ اهـ.
وَحَيْثُ كَانَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فَلَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ إلَّا الْمُؤَدَّى وَالْمَقْضِيُّ، كَالْخَلْقِ إذَا أُطْلِقَ فَلَا يُفْهَمُ مِنْهُ إلَّا الْمَخْلُوقُ قَالَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ، لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَمْنَعَ صَيْرُورَةَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي الْمُؤَدَّى وَالْمَقْضِيِّ وَيَقُولَ إنَّهُمَا مِنْ الْمَجَازِ الشَّائِعِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ شَائِعًا أَوْ مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَعَلَى كُلٍّ يَبْقَى اعْتِرَاضُ الْمُصَنِّفِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ لِأَنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُ الْمَجَازِ وَلَوْ شَائِعًا وَالْمُشْتَرَكِ فِي مَقَامِ الْبَيَانِ خُصُوصًا فِي مَقَامِ التَّحْدِيدِ اهـ.
أَقُولُ هَذَا مَحْضُ تَحَامُلٍ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاشْتِرَاكِ وَدَعْوَى أَنَّهُ مَجَازٌ شَائِعٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا بَعْدَ تَصْرِيحِ الشَّيْخِ الْبِرْمَاوِيِّ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ وَهُوَ ثِقَةٌ فَلَا يَسُوغُ لَنَا أَنْ يُدْفَعَ كَلَامُهُ بِمُجَرَّدِ الِادِّعَاءِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نَقْلٍ قَوِيٍّ بِالْمَجَازِ وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ مَجَازٌ فَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَجَازَ الشَّائِعَ لَا يَتَحَاشَى عَنْ وُقُوعِهِ فِي التَّعْرِيفَاتِ بَلْ مُطْلَقُ الْمَجَازِ لَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ إذَا قَامَتْ الْقَرِينَةُ خُصُوصًا فِي تَعْرِيفِ الْأُصُولِيِّينَ وَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَغَايَةُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَجَازِ ذَهَابُ حُسْنِ التَّعْرِيفِ لَا صِحَّتِهِ.
وَنَحْنُ مِنْ أَوَّلِ الْكِتَابِ إلَى هُنَا يَمُرُّ بِنَا تَعْرِيفَاتٌ يَرْتَكِبُ الْمُصَنِّفُ فِيهَا أُمُورًا لَا يُسَوِّغُهَا الْمُحَقِّقُونَ مِنْ حَذْفِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ وَحِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي أَثْنَاءِ التَّعْرِيفِ كَمَا فِي تَعْرِيفَيْ الْقَضَاءِ عَلَى مَقُولَيْنِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَأَقْرَبُهَا هَذَا التَّعْرِيفُ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ حَيْثُ قَالَ وَالْمَقْضِيُّ الْمَفْعُولُ وَهَذَا لَا يَصْلُحُ تَعْرِيفًا بِدُونِ مَا ذَكَرَ فِيهِ مِنْ الْمَعُونَاتِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا الشَّارِحُ اتِّكَالًا عَلَى مَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِ الْقَضَاءِ، وَجَعَلَ أَلْ فِي الْمَقْضِيِّ مُعَرَّفَةً مَعَ أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ وَلَوْ أَنَّ إنْسَانًا خُوطِبَ بِهَذَا التَّعْرِيفِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لَمْ يَفْهَمْ شَيْئًا مِنْ حَقِيقَةِ الْمُعَرَّفِ سِوَى أَنَّهُ شَيْءٌ وَقَعَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ وَهَذَا الْمَعْنَى مُسْتَفَادٌ مِنْ نَفْسِ الصِّيغَةِ وَيُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى زِنَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ وَيَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ يَقُولُ
وَلَسْتُ بِالْمُوجِبِ حَقًّا لِمَنْ ... لَا يُوجِبُ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَخْصَرُ مِنْهُ أَيْ بِكَلِمَةٍ) وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَخْصَرَ مِنْ هَذَا حُرُوفًا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْغَرَضَ قَدْ يَتَعَلَّقُ
стр. 155
إذْ لَامُ التَّعْرِيفِ كَالْجُزْءِ مِنْ مَدْخُولِهَا فَلَا تُعَدُّ فِيهِ كَلِمَةً وَزَادَ مَسْأَلَةَ الْبَعْضِ عَلَى الْأُصُولِيِّينَ فِي تَعْرِيفَيْ الْأَدَاءِ
ــ
[حاشية العطار]
بِالِاخْتِصَارِ بِاعْتِبَارِ الْكَلِمَاتِ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِالِاخْتِصَارِ بِاعْتِبَارِ الْحُرُوفِ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: إذْ لَامُ التَّعْرِيفِ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ اللَّامَ فِي ذَلِكَ اسْمٌ مَوْصُولٌ عَلَى الصَّحِيحِ لَا حَرْفَ تَعْرِيفٍ اهـ.
وَهُوَ قَوِيٌّ وَجَوَابُ سم بِأَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ تَحْتَمِلُ الْمَوْصُولِيَّةَ لِأَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى تَعْيِينِ مُسَمَّاهَا فَالْمُرَادُ بِهَا الْمَوْصُولَةُ وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَ لَفْظَ الْمَفْعُولِ اسْمَ جِنْسٍ لِمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْفِعْلُ ثُمَّ عَرَّفَ فَاللَّامُ الْعَهْدِ إشَارَةً لِمَا فُهِمَ مِنْ تَعْرِيفِ الْقَضَاءِ فَلَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ اهـ.
لَا يَخْفَى فَسَادُهُ أَمَّا مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ تُحْمَلُ عَلَى الْمَوْصُولِيَّةِ فَاسْتِحْدَاثُ اصْطِلَاحٍ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ النُّحَاةِ كَيْفَ وَالْمُعَرَّفَةُ حَرْفٌ وَالْمَوْصُولَةُ اسْمٌ وَالْمُعَرَّفَةُ لِتَعْيِينِ مَدْخُولِهَا وَالْمَوْصُولَةُ لِتَعْيِينِ مُسَمَّاهَا بِقَرِينَةِ الصِّلَةِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَحْكَامٌ تَخُصُّهُ وَلَمْ تَرَ أَحَدًا مِنْ النُّحَاةِ يَسْتَعْمِلُ الْمُعَرَّفَةَ فِي الْمَوْصُولَةِ.
وَأَمَّا جَعْلُ لَفْظِ الْمَفْعُولِ اسْمَ جِنْسٍ فَدَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا كَيْفَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَفَادَ مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعَ لَهُ بِدُونِ هَذِهِ الضَّمِيمَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّارِحُ كَإِفَادَةِ أَسَدٍ لِلْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ وَنَحْنُ إذَا قِيلَ لَنَا الْمَقْضِيُّ الْمَفْعُولُ لَمْ نَفْهَمْ مِنْهُ إلَّا الْمَعْنَى الْوَصْفِيَّ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ وَلَا نَفْهَمُ شَيْئًا وَرَاءَ ذَلِكَ إلَّا إذَا ذُكِرَ بَعْدَهُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ فَتَفْهَمُ حِينَئِذٍ الْمَعْنَى الْمُرَادَ، وَأَيْضًا أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ مِنْ الْأَوْضَاعِ الْعَرَبِيَّةِ كَالْمُشْتَقَّاتِ فَالْإِقْدَامُ عَلَى جَعْلِ الْمُشْتَقِّ اسْمَ جِنْسٍ نَسْخٌ لِلْوَضْعِ الْعَرَبِيِّ عَلَى أَنَّ أَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ جَوَامِدُ وَالْمَفْعُولُ مُشْتَقٌّ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ اسْمَ مَفْعُولٍ حَتَّى يَلْتَئِمَ مَعَ مَا بَعْدَهُ وَيَرْتَبِطَ الْكَلَامُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَذِكْرُ حَرْفِ الْجَرِّ بَعْدَهُ يُنَادِي عَلَى فَسَادِ دَعْوَى أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ إذْ لَا يَتَعَلَّقُ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ بِالْجَامِدِ، تَأَمَّلْ مُنْصِفًا.
(قَوْلُهُ: كَالْجُزْءِ مِنْ مَدْخُولِهَا) أَيْ تُشْبِهُ الْجُزْءَ وَلَيْسَتْ جُزْءًا حَقِيقَةً فَهِيَ كَالْمِيمِ مَثَلًا فَقَوْلُ النَّاصِرِ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ مَدْخُولِهَا الَّتِي هِيَ خَارِجَةٌ عَنْهُ لَا يُتَّجَهُ إلَّا لَوْ قَالَ جُزْءٌ بِحَذْفِ الْكَافِ وَلَا حَاجَةَ لِمَا أَجَابَ بِهِ بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ مِنْ مَدْخُولِهَا مَعَهَا.
(قَوْلُهُ: وَزَادَ مَسْأَلَةَ الْبَعْضِ) بَيَانٌ لِعُذْرِ الْمُصَنِّفِ فِي إثْبَاتِهِ بِمَا لَمْ يُعْهَدْ مِنْ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ ذِكْرِ لَفْظِ الْبَعْضِ فِي تَعْرِيفَيْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ فَإِنَّهُمْ لَا يَصِفُونَ الصَّلَاةَ ذَاتَ الْبَعْضِ فِي الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ وَلَا بِالْقَضَاءِ لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَيْسَ مِنْ الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ بَلْ هُوَ مُرَكَّبٌ تَقْيِيدِيٌّ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْمَسْأَلَةِ عَلَيْهِ مَجَازٌ عَلَاقَتُهُ اللُّزُومُ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مَسْأَلَةً وَحُكْمًا. وَلَوْ أَنَّ الشَّارِحَ قَالَ وَزَادَ لَفْظَ الْبَعْضِ لَسَلِمَ مِنْ هَذَا وَقَدْ اُعْتُرِضَ عَلَى الْمُصَنَّفِ بِأَنَّهُ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَلْطَ اصْطِلَاحٍ بِاصْطِلَاحٍ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الظَّاهِرِ دُونَ التَّحْقِيقِ.
وَأَقُولُ
стр. 156
وَالْقَضَاءِ جَرْيًا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ الْوَاصِفِينَ لِذَاتِ الرَّكْعَةِ فِي الْوَقْتِ بِهِمَا وَإِنْ كَانَ وَصْفُهَا بِهِمَا فِي التَّحْقِيقِ الْمَلْحُوظِ لِلْأُصُولِيِّينَ بِتَبَعِيَّةِ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ لِمَا فِيهِ وَالْعَكْسِ، وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ
ــ
[حاشية العطار]
قَابِلَ هَذَا الصَّنِيعَ فِي التَّعْرِيفِ بِمَا اعْتَرَضَ بِهِ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ وَانْظُرْ أَيَّهُمَا يَسُوغُ دُونَ الْآخَرِ يَظْهَرُ لَك تَأْيِيدُ مَا ذَكَرْنَاهُ سَابِقًا مِنْ ارْتِكَابِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّعْرِيفَاتِ مَا لَا يَرْتَكِبُهُ غَيْرُهُ مِنْ الْمُسَامَحَاتِ وَمِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ هُنَا مَا قَالَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا وَادَّعَى أَنَّهُ حَسَنٌ أَنَّ إطْلَاقَ الْمَسْأَلَةِ بِاعْتِبَارِ مَجْمُوعِ الْمُعَرَّفِ وَالتَّعْرِيفِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْأَدَاءُ فِعْلُ إلَخْ وَمَجْمُوعُ الْمُعَرَّفِ وَالتَّعْرِيفِ مَسْأَلَةٌ وَالْمُرَكَّبُ التَّقْيِيدِيُّ هُوَ التَّعْرِيفُ فَقَطْ اهـ.
وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فِي نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّعْرِيفِ مُبَايِنٌ لِلْغَرَضِ مِنْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّعْرِيفِ بَيَانُ حَقِيقَةِ الْمُعَرَّفِ وَتَصَوُّرُهَا بِذِكْرِ التَّعْرِيفِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَعْرُوفُ مَجْهُولًا مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي يَطْلُبُ بِهَا شَرْحَهُ بِالتَّعْرِيفِ وَالْغَرَضُ مِنْ الْحُكْمِ إثْبَاتُ الْمَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ بَعْدَ تَصَوُّرِ كُلٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَقَضِيَّةُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا فَلَوْ كَانَ التَّعْرِيفُ مَحْمُولًا عَلَى الْمُعَرَّفِ وَمَقْصُودًا إثْبَاتُهُ لَهُ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ جَعْلِهِ مَسْأَلَةً كَانَ الْمَقْصُودُ لَيْسَ بَيَانَ حَقِيقَتِهِ بَلْ إثْبَاتَ هَذَا الْحُكْمِ لَهُ وَهَذَا تَنَافٍ، أَوْ لَيْسَ أَنَّ الْمَنَاطِقَةَ عَدُّوا الْمُعَرَّفَاتِ مِنْ التَّصَوُّرَاتِ فَلَوْ كَانَتْ مِنْ الْمَسَائِلِ لَعُدَّتْ مِنْ التَّصْدِيقَاتِ أَوَ لَيْسَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَطْلُوبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ فَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا نَظَرِيَّةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ وَغَلَّطُوا مَنْ قَالَ إنَّ الْبَدِيهِيَّ قَدْ يُعَدُّ مِنْ الْمَسَائِلِ وَإِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ نَظَرِيَّةً كَانَتْ مُسْتَفَادَةً مِنْ الدَّلِيلِ وَمِنْ الضَّرُورِيِّ أَنَّ الْمُعَرَّفَ مَعَ التَّعْرِيفِ لَيْسَ مِمَّا يُطْلَبُ بِالدَّلِيلِ وَأَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْمُعَرَّفِ حَمْلٌ صُورِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ.
(قَوْلُهُ: الْوَاصِفِينَ لِذَاتِ الرَّكْعَةِ) أَيْ لِلصَّلَاةِ ذَاتِ الرَّكْعَةِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ وَصْفُهَا) أَيْ ذَاتِ الرَّكْعَةِ بِهِمَا أَيْ بِالْأَدَاءِ عَلَى قَوْلٍ وَالْقَضَاءِ عَلَى آخَرَ وَقَوْلُهُ فِي التَّحْقِيقِ أَيْ عَلَى التَّحْقِيقِ الْمَلْحُوظِ لِلْأُصُولِيِّينَ مِنْ نَفْيِ الْوَصْفِ بِالْأَدَاءِ وَبِالْقَضَاءِ فَإِنَّ اصْطِلَاحَهُمْ أَنَّ مَا بَعْضَهُ فِي الْوَقْتِ وَبَعْضَهُ الْآخَرَ بَعْدَهُ لَا يُوصَفُ بِأَدَاءٍ وَلَا بِقَضَاءٍ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْمَلْحُوظَ فِي التَّبَعِيَّةِ لِمَا قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ عَكْسِهِ كَمَا فَهِمَ الْكَمَالُ وَالنَّجَّارِيُّ حَتَّى يُنَافِيَ قَوْلَهُ زَادَ مَسْأَلَةَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بِتَبَعِيَّةِ إلَخْ) خَبَرُ كَانَ وَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَقَوْلُهُ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ لِمَا فِيهِ أَيْ عَلَى قَوْلِ الْأَدَاءِ وَقَوْلُهُ وَلِلْعَكْسِ أَيْ عَلَى قَوْلِ الْقَضَاءِ وَهُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى تَبَعِيَّةٍ أَيْ وَبِعَكْسِ
стр. 157
حَقَّقَ فَوَصَفَ مَا فِي الْوَقْتِ مِنْهَا بِالْأَدَاءِ وَمَا بَعْدَهُ بِالْقَضَاءِ وَلَمْ يُبَالِ بِتَبْعِيضِ الْعِبَادَةِ فِي الْوَصْفِ بِذَلِكَ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ غَيْرُهُ وَعَلَى هَذَا وَالْقَضَاءِ يَأْثَمُ الْمُصَلِّي بِالتَّأْخِيرِ وَكَذَا عَلَى الْأَدَاءِ نَظَرًا لِلتَّحْقِيقِ وَقِيلَ لَا نَظَرًا لِلظَّاهِرِ الْمُسْتَنِدِ لِلْحَدِيثِ.
(وَالْإِعَادَةُ فِعْلُهُ) أَيْ الْمُعَادِ أَيْ فِعْلُ الشَّيْءِ ثَانِيًا (فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ) لَهُ (قِيلَ لِخَلَلٍ) فِي فِعْلِهِ أَوْ لَا مِنْ فَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ رُكْنٍ كَالصَّلَاةِ
ــ
[حاشية العطار]
هَذِهِ التَّبَعِيَّةِ وَهُوَ تَبَعِيَّةُ مَا فِي الْوَقْتِ لِمَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: حَقَّقَ) أَيْ تَحْقِيقًا آخَرَ مُغَايِرًا لِلتَّحْقِيقِ الْمَلْحُوظِ لِلْأُصُولِيِّينَ بِدَلِيلِ الْمُقَابَلَةِ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي فَرَّ مِنْهُ غَيْرُهُ) نَعْتٌ لِلتَّبْعِيضِ، وَوَجْهُ الْفِرَارِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ وَصْفَ بَعْضِ الْعِبَادَةِ بِوَصْفٍ وَوَصْفُ بَعْضِهَا الْآخَرِ بِضِدِّهِ غَيْرُ مَعْهُودٍ وَإِنْ كَانَ وَصْفُهَا كُلِّهَا بِوَصْفَيْنِ بِاعْتِبَارَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مَعْهُودًا كَمَا فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ.
(قَوْلُهُ: وَالْقَضَاءِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى هَذَا أَيْ وَعَلَى قَوْلِ الْقَضَاءِ.
(قَوْلُهُ: نَظَرًا لِلظَّاهِرِ) أَيْ ظَاهِرِ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ (قَوْلُهُ: لِلْحَدِيثِ) وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»
(قَوْلُهُ: وَالْإِعَادَةُ فِعْلُهُ إلَخْ) قِيَاسُ مَا مَرَّ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يُعَرِّفَ الْمُعَادَ بَعْدَ تَعْرِيفِ الْإِعَادَةِ وَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ لِمَا أَنَّ الْإِعَادَةَ قِسْمٌ مِنْ الْأَدَاءِ عِنْدَهُ أَوْ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فَالصَّلَاةُ الْمُكَرَّرَةُ مُعَادَةٌ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْمُعَادِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الضَّمِيرَ لَمَّا يُفْهَمُ مِنْ الْإِعَادَةِ وَقَوْلُهُ أَيْ فِعْلُ الشَّيْءِ ثَانِيًا دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ إنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى أَخْذِ الْمُعَادِ فِي تَعْرِيفِ الْإِعَادَةِ الدَّوْرُ وَأَنَّ الْمُعَادَ هُوَ الْمَفْعُولُ ثَانِيًا فَلَا يَصْدُقُ التَّعْرِيفُ إلَّا إذَا فُعِلَ الشَّيْءُ ثَالِثًا وَلَا يَصْدُقُ بِمَا فُعِلَ ثَانِيًا مَعَ أَنَّهُ الْمُرَادُ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُعَادِ الذَّاتُ مُجَرَّدَةً عَنْ الْوَصْفِ فَلَا دَوْرَ.
وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ بِفِعْلِ الْمُعَادِ الْفِعْلُ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الشَّيْءُ مُعَادًا وَهُوَ فِعْلُهُ ثَانِيًا وَأُورِدَ أَيْضًا أَنَّ التَّعْرِيفَ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ لَا يَشْمَلُ إلَّا الْإِعَادَةَ الْأُولَى دُونَ مَا زَادَ عَلَيْهَا وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْإِعَادَةَ مُقَيَّدَةٌ بِالْمَرَّةِ الْأُولَى كَمَا عَلَيْهِ الْكَثِيرُ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّانِي خِلَافُ الْأَوَّلِ فَيَشْمَلُ مَا زَادَ عَلَى الثَّانِي وَفِيهِ بُعْدٌ وَلَوْ أَنَّ الشَّارِحَ جَعَلَ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ الْمَفْعُولَ فِي قَوْلِهِ وَالْمَقْضِيُّ الْمَفْعُولُ لَسَلِمَ التَّعْرِيفُ مِنْ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ الْمُنْدَفِعِ بِهَا مَا أُورِدَ عَلَى التَّعْرِيفِ بِجَعْلِ الضَّمِيرِ عَائِدًا لِلْمُعَادِ وَاسْتَغْنَى عَنْ قَوْلِهِ أَيْ فِعْلُ الشَّيْءِ ثَانِيًا وَمَا أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ سم بِأَنَّ الْمَفْعُولَ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ فُعِلَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَيَسْتَحِيلُ مَعَ ذَلِكَ فِعْلُهُ ثَانِيًا فِي الْوَقْتِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إلَيْهِ مُجَرَّدًا عَنْ قَيْدِهِ وَارْتِكَابُ الِاسْتِخْدَامِ أَهْوَنُ مِنْ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ مَعَ أَنَّهُ كَثِيرٌ شَائِعٌ، وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ نَقُولُ هُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ تَكَلُّفٌ وَاحِدٌ سَهْلٌ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالرِّعَايَةِ مِنْ تَكَلُّفَاتٍ كَثِيرَةٍ بَعِيدَةٍ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلَى مَذْكُورٍ مُصَرَّحٍ بِهِ لَا مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لُزُومًا كَمَا صَنَعَ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ لَهُ) قَالَ النَّاصِرُ الْأَوْضَحُ وَالْأَخْصَرُ فِي وَقْتِهِ، وَدَفَعَهُ سم بِأَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ بِذَلِكَ
стр. 158
مَعَ النَّجَاسَةِ أَوْ بِدُونِ الْفَاتِحَةِ سَهْوًا (وَقِيلَ لِعُذْرٍ) مِنْ خَلَلٍ فِي فِعْلِهِ أَوْ لَا أَوْ حُصُولِ فَضِيلَةٍ لَمْ تَكُنْ فِي فِعْلِهِ أَوْ لَا (فَالصَّلَاةُ الْمُكَرَّرَةُ) وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْمَفْعُولَةُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فِي جَمَاعَةٍ بَعْدَ الِانْفِرَادِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ (مُعَادَةٌ) عَلَى الثَّانِي لِحُصُولِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ دُونَ الْأَوَّلِ لِانْتِفَاءِ الْخَلَلِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَإِنَّمَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ بِقِيلَ نَظَرًا لِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ الْأَوْفَقَ لَهُ الثَّانِيَ وَلَمْ يُرَجِّحْ الثَّانِيَ لِتَرَدُّدِهِ فِي شُمُولِهِ لِأَحَدِ قِسْمَيْ مَا أَطْلَقُوا عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فِي جَمَاعَةٍ بَعْدَ أُخْرَى الَّذِي هُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الصَّحِيحِ اسْتَوَتْ الْجَمَاعَتَانِ أَمْ زَادَتْ الثَّانِيَةُ بِفَضِيلَةٍ مِنْ كَوْنِ الْإِمَامِ أَعْلَمَ أَوْ أَوْرَعَ أَوْ الْجَمْعِ أَكْثَرَ أَوْ الْمَكَانِ أَشْرَفَ فَقَسَّمَ اسْتِوَاءَهَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ الْمُحْتَمِلِ لِاشْتِمَالِ الثَّانِيَةِ فِيهِ عَلَى فَضِيلَةٍ هِيَ حِكْمَةُ الِاسْتِحْبَابِ وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا، قَدْ يُقَالُ يُعْتَبَرُ احْتِمَالُهُ فَيَتَنَاوَلُهُ التَّعْرِيفُ وَقَدْ يُقَالُ لَا فَلَا وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ الشَّامِلُ حِينَئِذٍ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِ أَدَائِهَا ثَانِيًا لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
ــ
[حاشية العطار]
لَكَانَ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ جَمِيعِ الْمُعَادِ فِي الْوَقْتِ فَلَا يَشْمَلُ مَا لَوْ أَوْقَعَ رَكْعَةً مِنْهُ فِي الْوَقْتِ وَالثَّانِيَةَ خَارِجَهُ.
(قَوْلُهُ: مَعَ النَّجَاسَةِ إلَخْ) فِيهِ نَشْرٌ عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفِّ وَلَوْ قَالَ بِدُونِ الطَّهَارَةِ إلَخْ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْفَقَ بِقَوْلِهِ فَوَاتِ شَرْطٍ.
(قَوْلُهُ: سَهْوًا) قَيْدٌ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْعَمْدِ فَإِنَّ الْفِعْلَ مَعَهُ كَالْعَدَمِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَالْفِعْلُ بَعْدَهُ لَيْسَ ثَانِيًا فَلَا إعَادَةَ حِينَئِذٍ.
(قَوْلُهُ: قِيلَ لِخَلَلٍ إلَخْ) مِنْ تَتِمَّةِ التَّعْرِيفِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَهُوَ عَلَى طَرِيقَتِهِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مِنْ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ ضِمْنَ التَّعْرِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ لَا يُقَالُ التَّرْدِيدُ مُنَافٍ لِلتَّعْرِيفِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّرْدِيدِ الْمُنَافِي لَهُ بَلْ هُوَ إشَارَةٌ إلَى اخْتِلَافٍ فِي التَّعْرِيفِ وَأَنَّهُمَا تَعْرِيفَانِ قَالَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا قَائِلٌ وَكَأَنَّهُ قَالَ الْإِعَادَةُ قِيلَ فِعْلُهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ لِخَلَلٍ وَقِيلَ فِعْلُهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ لِعُذْرٍ.
(قَوْلُهُ: أَوْ حُصُولِ فَضِيلَةٍ) بِهَذَا الْقَدْرِ يَتَمَيَّزُ الْعُذْرُ عَنْ الْخَلَلِ فَالْعُذْرُ أَعَمُّ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ فِي الْأَصْلِ) أَيْ أَصْلِ وَضْعِهَا فِي عُرْفِهِمْ بِمَعْنَى أَنَّهَا وُضِعَتْ ابْتِدَاءً لِذَلِكَ الْمَعْنَى ثُمَّ أُلْحِقَ بِهِ غَيْرُهُ.
(قَوْلُهُ: نَظَرًا لِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْفُقَهَاءَ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهَذَا التَّعْرِيفِ وَإِنَّمَا هُوَ مُوَافِقٌ لِاسْتِعْمَالِهِمْ الْإِعَادَةَ فِيمَا كَانَ لِخَلَلٍ أَوْ حُصُولِ فَضِيلَةٍ.
(قَوْلُهُ: الْأَوْفَقَ لَهُ الثَّانِيَ) فِيهِ رَفْعُ أَفْعَلْ التَّفْضِيلِ لِلظَّاهِرِ فِي الْإِثْبَاتِ وَهُوَ قَلِيلٌ وَقَضِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِأَفْعَلِ التَّفْضِيلِ أَنَّ الْفُقَهَاءَ يُطْلِقُونَ الْإِعَادَةَ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ ثَانِيًا لِخَلَلٍ وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ سم.
(قَوْلُهُ: لِأَحَدِ قِسْمَيْ) الْمُرَادُ بِأَحَدِهِمَا اسْتِوَاءُ الْجَمَاعَتَيْنِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي زِيَادَةُ الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ بِفَضِيلَةٍ وَقَدْ ذَكَرَهُمَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ اسْتَوَتْ الْجَمَاعَتَانِ أَمْ زَادَتْ إلَخْ وَبَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ وَهُوَ مَا إذَا زَادَتْ الْأُولَى وَكَأَنَّهُ تَرَكَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ قَوْلَهُ لِعُذْرٍ إلَّا أَنَّ صَرِيحَ كَلَامِ فُقَهَائِنَا بِسَنِّ الْإِعَادَةِ وَإِنْ زَادَتْ الْأُولَى وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ يُعَدُّ مِنْ الْعُذْرِ أَيْضًا حُصُولُ فَضِيلَةِ الثَّانِيَةِ وَإِنْ كَانَتْ دُونَ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى فَضِيلَةِ الْأُولَى فَظَهَرَ أَنَّ التَّعْرِيفَ الثَّانِيَ يَشْمَلُ الْإِعَادَةَ الْوَاجِبَةَ وَالْمُسْتَحَبَّةَ قَطْعًا وَهِيَ إعَادَةُ مَا وَقَعَ أَوَّلًا فُرَادَى الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ وَالْمُسْتَحَبَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ وَهِيَ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْقِسْمَيْنِ وَالْقِسْمِ الْمُزَادِ فَتَمَّتْ الْأَقْسَامُ خَمْسَةً.
(قَوْلُهُ: مِنْ كَوْنِ الْإِمَامِ إلَخْ) بَيَانٌ لِلْفَضِيلَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْفَضِيلَةَ لَا تَنْحَصِرُ فِيمَا ذَكَرَ فَالْقَصْدُ مُجَرَّدُ التَّمْثِيلِ.
(قَوْلُهُ: يُعْتَبَرُ احْتِمَالُهُ) أَيْ احْتِمَالُ قِسْمِ اسْتِوَائِهِمَا اشْتِمَالَ الثَّانِيَةِ عَلَى فَضِيلَةٍ فَيَكُونُ عُذْرًا فَيَتَنَاوَلُهُ التَّعْرِيفُ فَضَمِيرُ احْتِمَالِهِ لِقِسْمٍ وَإِضَافَةُ احْتِمَالٍ لِلضَّمِيرِ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ كَمَا قَدَّرْنَاهُ.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ يُقَالُ لَا فَلَا) أَيْ وَقَدْ يُقَالُ لَا يُعْتَبَرُ احْتِمَالُ اشْتِمَالِهَا عَلَى فَضِيلَةٍ فَيَنْعَدِمُ الْعُذْرُ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ التَّعْرِيفُ (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ التَّعْرِيفُ الشَّامِلُ إلَخْ) مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ فَلَا وَأُورِدَ أَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ يَشْمَلُ مَا إذَا صُلِّيَتْ الثَّانِيَةُ فُرَادَى وَالْأُولَى فِي جَمَاعَةٍ مَعَ عَدَمِ جَوَازِهِ وَيُجَابُ بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ قَيْدًا مَتْرُوكًا لِظُهُورِهِ وَهُوَ كَوْنُ الثَّانِيَةِ فِي صُورَةِ غَيْرِ الْعُذْرِ جَمَاعَةً.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ) أَيْ حَيْثُ عَرَّفَ الْأَدَاءَ بِمَا يَصْدُقُ عَلَى الْإِعَادَةِ وَعَرَّفَ الْإِعَادَةَ بِمَا يَنْدَرِجُ فِي
стр. 159
أَنَّ الْإِعَادَةَ قِسْمٌ مِنْ الْأَدَاءِ وَهُوَ كَمَا قَالَ مُصْطَلَحُ الْأَكْثَرِينَ وَقِيلَ إنَّهَا قَسِيمٌ لَهُ كَمَا قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ الْعِبَادَةُ إنْ وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ وَلَمْ تُسْبَقْ بِأَدَاءٍ مُخْتَلٍّ فَأَدَاءٌ وَإِلَّا فَإِعَادَةٌ.
(وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ) أَيْ مِنْ الْمَأْخُوذِ مِنْ الشَّرْعِ (إنْ تَغَيَّرَ)
ــ
[حاشية العطار]
الْأَدَاءِ (قَوْلُهُ: إنَّ الْإِعَادَةَ قِسْمٌ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهَا أَدَاءٌ مُقَيَّدٌ بِالْفِعْلِ ثَانِيًا لِلْخَلَلِ أَوْ لِلْعُذْرِ وَالْأَدَاءُ أَعَمُّ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ كَمَا قَالَ) أَيْ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَالْعَضُدُ مُوَافِقٌ لَهُ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ الْإِعَادَةُ قِسْمٌ مِنْ الْأَدَاءِ فِي مُصْطَلَحِ الْقَوْمِ إلَّا أَنَّ التَّفْتَازَانِيَّ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ قَالَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهَا أَقْسَامٌ مُتَبَايِنَةٌ وَأَنَّ مَا فُعِلَ ثَانِيًا فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ لَيْسَ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ وَلَمْ نَطَّلِعْ عَلَى مَا يُوَافِقُ كَلَامَ الشَّارِحِ يَعْنِي الْعَضُدَ صَرِيحًا وسم انْتَصَرَ لِلشَّارِحِ بِمَا فِيهِ مَزِيدُ تَكَلُّفٍ وَالنَّفْسُ إلَى كَلَامِ التَّفْتَازَانِيِّ تَمِيلُ.
(قَوْلُهُ: مُصْطَلَحُ الْأَكْثَرِينَ) أَيْ مُصْطَلَحٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ فَحَذَفَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مَعَ أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْجَارَّ حُذِفَ أَوَّلًا فَارْتَفَعَ الضَّمِيرُ وَاسْتَتَرَ فِي اسْمِ الْمَفْعُولِ بَعْدَ اتِّصَالِهِ إلَيْهِ تَوَسُّعًا.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ إنَّهَا قِسْمٌ لَهُ) بِأَنْ يُقَيِّدَ الْأَدَاءَ بِالْأَوَّلِيَّةِ وَالْإِعَادَةَ بِالثَّانَوِيَّةِ وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا الْعِبَادَةُ الْوَاقِعَةُ فِي وَقْتِهَا الْمُعَيَّنِ وَأَمَّا تَقْيِيدُ الْإِعَادَةِ بِالْخَلَلِ أَوْ الْعُذْرِ فَهُوَ بَيَانٌ لِسَبَبِ الْإِعَادَةِ لَا فَصْلٌ مُمَيِّزٌ فَظَهَرَ أَنَّ الْإِعَادَةَ أَخَصُّ مِنْ الْأَدَاءِ عَلَى مُصْطَلَحِ الْمُصَنِّفِ وَالْأَكْثَرِينَ وَمُبَايِنَةٌ كَالْأَدَاءِ لِلْقَضَاءِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا قَسِيمٌ لِلْأَدَاءِ تَكُونُ الثَّلَاثَةُ مُتَبَايِنَةً.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ تُسْبَقْ بِأَدَاءٍ مُخْتَلٍّ) أَيْ بِأَنْ لَمْ يُسْبَقْ بِأَدَاءٍ أَصْلًا أَوْ سُبِقَ بِأَدَاءٍ صَحِيحٍ فَمَا سَبَقَ بِأَدَاءٍ صَحِيحٍ أَدَاءٌ لَا إعَادَةٌ، قَالَ النَّاصِرُ وَهُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ الْعَضُدِ وَالتَّفْتَازَانِي اهـ.
أَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِلْعَضُدِ فَلِأَنَّهُ يَقُولُ إنَّ الْإِعَادَةَ قِسْمٌ مِنْ الْأَدَاءِ وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِلتَّفْتَازَانِيِ فَلِأَنَّهُ يَقُولُ إنَّ مَا فُعِلَ ثَانِيًا فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ لَيْسَ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ بَلْ إعَادَةٌ فَقَطْ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا فَإِعَادَةٌ) قَضِيَّتُهُ إنَّهَا إذَا وَقَعَتْ بَعْدَ الْوَقْتِ وَكَانَتْ قَدْ سُبِقَتْ بِأَدَاءٍ مُخْتَلٍّ فَإِنَّهَا تُسَمَّى إعَادَةً لِدُخُولِ ذَلِكَ تَحْتَ إلَّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ قَطْعًا إذْ هَذِهِ قَضَاءٌ وَالْإِعَادَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا فُعِلَ فِي الْوَقْتِ كَمَا هِيَ لِلْمُصَنِّفِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ إنْ وَقَعَتْ لَمْ يُعْتَبَرْ لِلِاحْتِرَازِ بَلْ اُعْتُبِرَ مُقَسَّمًا وَمَوْضُوعًا وَالْمُعْتَبَرُ لِلِاحْتِرَازِ هُوَ قَوْلُهُ وَلَمْ تُسْبَقْ بِأَدَاءٍ مُخْتَلٍّ وَلَوْ قَالَ الْعِبَادَةُ الْوَاقِعَةُ فِي الْوَقْتِ إنْ لَمْ تُسْبَقْ إلَخْ كَانَ أَوْضَحَ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ) هَذَا الْقَيْدُ كَمَا لَا يَضُرُّ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اهـ. نَاصِرٌ وسم هَذَا تَكَلُّفٌ لِبَيَانِ الْحَاجَةِ بِمَا لَا دَاعِيَ إلَيْهِ وَغَايَةُ مَا يُقَالُ إنَّهُ ذُكِرَ لِلْإِيضَاحِ.
(قَوْلُهُ: الْمَأْخُوذِ مِنْ الشَّرْعِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ النِّسْبَةَ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الْأَخْذُ مِنْهُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحُكْمُ بِمَعْنَى النِّسْبَةِ التَّامَّةِ وَالْمَأْخُوذُ هُوَ الْحُكْمُ بِمَعْنَى الْخِطَابِ السَّابِقِ فَلَمْ يَلْزَمْ اتِّحَادُ الْمَأْخُوذِ وَالْمَأْخُوذِ مِنْهُ كَذَا قِيلَ.
وَأَقُولُ لَا مَعْنَى لِأَخْذِ الْحُكْمِ بِمَعْنَى الْخِطَابِ مِنْ الْحُكْمِ بِمَعْنَى النِّسْبَةِ التَّامَّةِ إذْ الْحُكْمُ
стр. 160
مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ مِنْ صُعُوبَةٍ لَهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ (إلَى سُهُولَةٍ) كَأَنْ تَغَيَّرَ مِنْ الْحُرْمَةِ لِلْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ إلَى الْحِلِّ لَهُ (لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ)
ــ
[حاشية العطار]
بِمَعْنَى الْخِطَابِ هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ، لَا يُقَالُ هُوَ بِمَعْنَى دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ؛ لِأَنَّ الدَّالَّ هُوَ الْخِطَابُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُرَادَ بِالْحُكْمِ الْمَأْخُوذِ الْحُكْمُ بِمَعْنَى النِّسْبَةِ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ هِيَ النُّصُوصُ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرُّسُلُ (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ) أَيْ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدِيمٌ لَا يَتَغَيَّرُ وَإِضَافَةُ التَّعْلِيقِ لِلضَّمِيرِ الرَّاجِعِ لِلْحُكْمِ مِنْ إضَافَةِ الْجُزْءِ إلَى كُلِّهِ لَا مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى فَاعِلِهِ لِاقْتِضَائِهَا عُرُوضَ التَّعَلُّقِ لَهُ وَخُرُوجَهُ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ وَنَبَّهَ الشَّارِحُ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ هُوَ جُزْءُ الْحُكْمِ وَإِنْ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ ثَانِيًا وَبِالْعَرَضِ بِتَغَيُّرِ جُزْئِهِ وَتَغَيُّرُ التَّعَلُّقِ انْعِدَامُهُ وَوُجُودُ تَعَلُّقِ خِطَابٍ آخَرَ بَدَلَهُ فَيَكُونُ هَذَا الْخِطَابُ حُكْمًا بَدَلَ الْحُكْمِ الْمُنْعَدِمِ بِانْعِدَامِ تَعَلُّقِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا دَرَجَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ سَابِقًا مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ مَجْمُوعُ الْخِطَابِ وَالتَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْكَمَالِ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الشَّارِحَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ إلَى أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ التَّعَلُّقُ لَا الْحُكْمُ وَتَغَيُّرُ الْحُكْمِ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ أَيْ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ الْقَدِيمُ فَلَا يُوَافِقُ مَا سَبَقَ لِلْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ وَإِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَسْلَفْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّعَلُّقَ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ الْحُكْمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: مِنْ صُعُوبَةٍ) مِنْ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَغَيُّرٍ أَوْ ابْتِدَائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ دَاخِلَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ إنْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا نَاشِئًا مِنْ تَعَلُّقٍ ذِي صُعُوبَةٍ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ مِنْهُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْمُتَغَيِّرِ إلَيْهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ ظَاهِرُهُ أَنَّ ذَاتَ الْحُكْمِ لَا تَغَيُّرَ فِيهَا بَلْ فِي وَصْفِهَا مِنْ الصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ وَذَلِكَ يُخَالِفُ قَوْلَهُ مِنْ الْحُرْمَةِ إلَى الْحِلِّ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّغَيُّرَ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ وَقَوْلُهُ أَيْ فَالْحُكْمُ الْمُتَغَيَّرُ إلَيْهِ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ فَإِنَّ الصِّفَةَ لِلْحُكْمِ فَإِذَا تَغَيَّرَ الْحُكْمُ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ وَكَذَا إذَا تَغَيَّرَتْ الصِّفَةُ أَوْ أَنَّ مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ وَهِيَ وَمَجْرُورُهَا حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ تَغَيَّرَ وَالصُّعُوبَةُ وَالسُّهُولَةُ بِمَعْنَى الصَّعْبِ وَالسَّهْلِ أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ ذِي صُعُوبَةٍ وَذِي سُهُولَةٍ وَالْمَعْنَى وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ إنْ تَغَيَّرَ حَالَ كَوْنِهِ كَائِنًا قَبْلَ التَّغَيُّرِ مِنْ الصَّعْبِ إلَى السَّهْلِ فَرُخْصَةٌ، فَقَوْلُهُ الْآتِي مِنْ الْحُرْمَةِ أَيْ كَائِنًا مِنْ الْحُرْمَةِ.
(قَوْلُهُ: إلَى الْحِلِّ لَهُ) أَيْ لِلْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَأَفْرَدَ الضَّمِيرَ؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ بِأَوْ هَاهُنَا نُكْتَةٌ يُتَنَبَّهُ لَهَا وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِتَغَيُّرِ الْحُكْمِ بِغَيْرِهِ تَغَيُّرَهُ بِالْفِعْلِ بِأَنْ تَثْبُتَ الصُّعُوبَةُ بِالْفِعْلِ ثُمَّ يَنْقَطِعَ تَعَلُّقُهَا إلَى السُّهُولَةِ بَلْ الْمُرَادُ مَا يَشْمَلُ وُرُودَ السُّهُولَةِ ابْتِدَاءً لَكِنْ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ مُقْتَضَى قِيَاسِ الشَّرْعِ كَمَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ كَلَامُ الْأَئِمَّةِ وَلِهَذَا عَبَّرَ غَيْرُ الْمُصَنِّفِ كَالْبَيْضَاوِيِّ بِقَوْلِهِ الْحُكْمُ إنْ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِعُذْرٍ فَرُخْصَةٌ إلَخْ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّيَمُّمِ فَقِيلَ رُخْصَةٌ وَقِيلَ عَزِيمَةٌ وَقِيلَ إنْ كَانَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَعَزِيمَةٌ وَلِنَحْوِ الْمَرَضِ فَرُخْصَةٌ اهـ.
(قَوْلُهُ: مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ) هَذَا الْقَيْدُ مُسْتَدْرَكٌ إذْ لَوْ زَالَ لَمْ يَكُنْ التَّغَيُّرُ لِعُذْرٍ بَلْ لِانْتِفَاءِ السَّبَبِ أَفَادَهُ النَّاصِرِ وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ سم أَنَّهُ كَمَا يَنْتَفِي الْحُكْمُ لِانْتِفَاءِ السَّبَبِ يَنْتَفِي لِلْعُذْرِ فَيَصِحُّ أَنْ يُسْنَدَ إلَيْهِمَا بَلْ رُبَّمَا كَانَ الْإِسْنَادُ لِلْعَدَمِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ الْمُعَيَّنَ يَكْفِي فِي التَّغَيُّرِ دُونَ انْتِفَاءِ السَّبَبِ الْمُعَيَّنِ إذْ قَدْ
стр. 161
الْمُتَخَلِّفِ عَنْهُ لِلْعُذْرِ (فَرُخْصَةٌ) أَيْ فَالْحُكْمُ الْمُتَغَيَّرُ إلَيْهِ السَّهْلُ الْمَذْكُورُ يُسَمَّى رُخْصَةً وَهِيَ لُغَةً السُّهُولَةُ (كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ) لِلْمُضْطَرِّ (وَالْقَصْرِ) الَّذِي هُوَ تَرْكُ الْإِتْمَامِ لِلْمُسَافِرِ (وَالسَّلَمِ) الَّذِي هُوَ بَيْعُ مَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ (وَفِطْرِ مُسَافِرٍ) فِي رَمَضَانَ (لَا يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا أَيْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً قَوِيَّةً (وَاجِبًا) أَيْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَقِيلَ هُوَ مُبَاحٌ (وَمَنْدُوبًا) أَيْ الْقَصْرُ، لَكِنْ فِي سَفَرٍ يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
ــ
[حاشية العطار]
يَخْلُفُهُ سَبَبٌ آخَرُ فَلَوْ حَذَفَ قَوْلَهُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لَشَمِلَ مَا إذَا كَانَ الْعُذْرُ مُصَاحِبًا لِانْتِفَاءِ السَّبَبِ مَعَ أَنَّ الْمُصَاحِبَ لِانْتِفَاءِ السَّبَبِ لَا يُقَالُ لَهُ رُخْصَةٌ وَكَفَى بِذَلِكَ فَائِدَةً لِهَذَا الْقَيْدِ.
(قَوْلُهُ: الْمُتَخَلِّفِ) اسْمُ فَاعِلٍ وَضَمِيرُهُ الْمُسْتَتِرُ يَعُودُ عَلَى أَلْ الْمَوْصُولَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فَالصِّلَةُ جَارِيَةٌ عَلَى مَا هِيَ لَهُ، وَقَوْلُهُ عَنْهُ أَيْ عَنْ السَّبَبِ وَيَصِحُّ فَتْحُ اللَّامِ اسْمُ مَفْعُولٍ صِفَةٌ لِلسَّبَبِ وَعَنْهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَقَصَدَ الشَّارِحُ بِهَذَا دَفْعَ مَا يُقَالُ كَيْفَ يَنْتَفِي الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ مَعَ قِيَامِ سَبَبِهِ.
(قَوْلُهُ: فَالْحُكْمُ الْمُتَغَيَّرُ إلَيْهِ) بِفَتْحِ الْيَاءِ اسْمُ مَفْعُولٍ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ لَيْسَتْ اسْمًا لِلْحُكْمِ الْمُتَغَيَّرِ كَمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّهُ الْمُحْدَثُ عَنْهُ بَلْ لِلْمُتَغَيَّرِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَّصِفُ بِالسُّهُولَةِ وَإِلَى أَنَّ الضَّمِيرَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِالرُّخْصَةِ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ لَا الْوَضْعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعَضُدُ وَالْآمِدِيُّ وَعَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ قَوْلِهِمَا لِإِطْبَاقِ الْكُلِّ عَلَى تَقْسِيمِ مُتَعَلِّقِهِمَا إلَى وَاجِبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَقْسَامِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ.
(قَوْلُهُ: الْمَذْكُورُ) أَيْ الَّذِي كَانَ التَّغَيُّرُ إلَيْهِ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ.
(قَوْلُهُ: يُسَمَّى إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِخْبَارَ مِنْ حَيْثُ التَّسْمِيَةُ لَا الْحُكْمُ وَالرُّخْصَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ وَبِالتَّحْرِيكِ وَيُقَالُ فِيهَا خُرْصَةٌ بِالسُّكُونِ وَالتَّحْرِيكِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ لُغَةً السُّهُولَةُ) أَيْ مُطْلَقًا وَنُقِلَ اصْطِلَاحًا إلَى سُهُولَةٍ خَاصَّةٍ وَهِيَ السُّهُولَةُ فِي الْحُكْمِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِالتَّعْبِيرِ بِالسُّهُولَةِ الْمُعَرَّفَةِ فَاللَّامُ الْعَهْدِ.
(قَوْلُهُ: وَالسَّلَمِ) أَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي السَّلَمِ الْإِبَاحَةُ وَلَمْ يُمْنَعْ أَصْلًا فَهُوَ عَزِيمَةٌ وَأَجَابَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ وَرَدَ فِيهِ بِالْفِعْلِ بِخُصُوصِهِ بَلْ يَكْفِي وَلَوْ مِنْ حَيْثُ انْدِرَاجُهُ تَحْتَ أَمْرٍ كُلِّيٍّ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْغَائِبِ الْمُحْتَوِي عَلَى غَرَرٍ الْمَنْعُ كَمَا يُشِيرُ لَهُ الشَّارِحُ.
وَفِي شَرْحِ الْإِسْنَوِيِّ عَلَى مِنْهَاجِ الْبَيْضَاوِيِّ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ السَّلَمَ رُخْصَةٌ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ وَخَرَجَ عَنْ الرُّخْصَةِ وُجُوبُ الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عِنْدَ فَقْدِ الرَّقَبَةِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ ابْتِدَاءً عَلَى فَاقِدِ الرَّقَبَةِ كَمَا أَنَّ الْإِعْتَاقَ هُوَ الْوَاجِبُ ابْتِدَاءً عَلَى وَاجِدِهَا وَكَذَا وُجُوبُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ فِي حَقِّهِ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ لِلْجُرْحِ وَنَحْوِهِ.
(قَوْلُهُ: الَّذِي هُوَ بَيْعُ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ) أَيْ بِلَفْظِ السَّلَمِ وَمِثْلُ السَّلَمِ الْإِجَارَةُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْعَرَايَا فَإِنَّ فِيهَا عَقْدًا عَلَى مَعْدُومٍ فِي الثَّلَاثَةِ وَالْعَرَايَا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لَكِنَّهَا جُوِّزَتْ لِلْحَاجَةِ.
(قَوْلُهُ: فِي رَمَضَانَ) تَصْوِيرٌ وَتَقْيِيدٌ بِاعْتِبَارَيْنِ فَفِي الْمَفْهُومِ تَفْصِيلٌ (قَوْلُهُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ مَعَ فَتْحِ الْهَاءِ) عَلَى أَخْذِهِ مِنْ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ وَقَوْلُهُ وَضَمِّهَا أَيْ مَعَ كَسْرِ الْهَاءِ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ الرُّبَاعِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَاجِبًا) أَيْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَإِذَا مَاتَ مَاتَ عَاصِيًا بِخِلَافِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مُبَاحٌ فَإِنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ فِي سَفَرٍ يَبْلُغُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ
стр. 162
فَصَاعِدًا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ مَحَلِّهِ فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهَا فَالْإِتْمَامُ أَوْلَى خُرُوجًا مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِوُجُوبِهِ وَمَنْ قَالَ الْقَصْرُ مَكْرُوهٌ كَالْمَاوَرْدِيِّ أَرَادَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً غَيْرَ شَدِيدَةٍ وَهُوَ بِمَعْنَى خِلَافِ الْأَوْلَى (وَمُبَاحًا) أَيْ السَّلَمُ (وَخِلَافُ الْأَوْلَى) أَيْ فِطْرُ مُسَافِرٍ لَا يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ فَإِنْ جَهِدَهُ فَالْفِطْرُ أَوْلَى وَأَتَى بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ اللَّازِمَةِ لِبَيَانِ أَقْسَامِ الرُّخْصَةِ يَعْنِي الرُّخْصَةُ كَحِلِّ الْمَذْكُورَاتِ
ــ
[حاشية العطار]
فَصَاعِدًا) أَيْ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي جَوَازِ قَصْرِهِ وَإِلَّا بِأَنْ كَانَ يُدِيمُ السَّفَرَ فَالْإِتْمَامُ أَوْلَى.
(قَوْلُهُ: كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ) اعْتِذَارٌ عَنْ تَرْكِ الْمُصَنِّفِ الْقَيْدَ الْمَذْكُورَ.
(قَوْلُهُ: خُرُوجًا مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ بِوُجُوبِهِ) أَيْ الْإِتْمَامِ فَإِنَّ سَفَرَ الْقَصْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَالْإِتْمَامُ فِيمَا دُونَهَا وَالْقَصْرُ فِيمَا يَبْلُغُهَا وَاجِبَانِ عِنْدَهُ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ إنَّ السَّيْرَ يُعْتَبَرُ مِنْ الصُّبْحِ لِلزَّوَالِ بِاعْتِبَارِ أَقْصَرِ الْأَيَّامِ كَأَيَّامِ الشِّتَاءِ وَبِهَذَا يَكُونُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا فَإِنَّ هَذَا مِقْدَارُ سَفَرِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَحِينَئِذٍ لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ الشَّارِحِ خُرُوجًا مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بِوُجُوبِهِ) أَيْ الْإِتْمَامِ فِيمَا دُونَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ قَالَ الْقَصْرُ مَكْرُوهٌ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أَنَّ قَضِيَّةَ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الرُّخْصَةَ لَا تُوصَفُ بِالْكَرَاهَةِ كَمَا لَا تُوصَفُ بِالْحُرْمَةِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَصَفَهَا بِهَا فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ مَرَاحِلَ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْكَرَاهَةِ خِلَافَ الْأَوْلَى لَا مَا اقْتَضَاهُ النَّهْيُ الْمَخْصُوصُ وَأَوْرَدَ أَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا لَمْ تُوصَفْ بِالْحُرْمَةِ لِصُعُوبَتِهَا مُطْلَقًا وَهَذَا مُنْتَفٍ فِي الْكَرَاهَةِ كَخِلَافِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُمَا سَهْلَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُرْمَةِ لَكِنَّ وَصْفَ الرُّخْصَةِ بِهِمَا يُنَافِي ظَاهِرَ خَبَرِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ» وَعَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمَاوَرْدِيِّ أَقْسَامُ الرُّخْصَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ حَاصِلَةٌ مِنْ الِانْتِقَالِ مِنْ حَرَامٍ إلَى الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ وَمِنْ وَاجِبٍ إلَى مَا عَدَاهُ وَالْحَرَامِ وَمِنْ مَنْدُوبٍ إلَى مُبَاحٍ وَمِنْ مَكْرُوهٍ إلَى خِلَافِ الْأَوْلَى إلَى مُبَاحٍ إلَى مَنْدُوبٍ وَمِنْ خِلَافِ الْأَوْلَى إلَى مُبَاحٍ إلَى مَنْدُوبٍ وَعَلَى مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ.
(قَوْلُهُ: وَمُبَاحًا أَيْ السَّلَمُ) قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ وَمَا قِيلَ إنَّهُ قَدْ يُنْدَبُ بِأَنَّهُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ عَارِضٍ كَكَوْنِهِ مَصْلَحَةً لَا لِخُصُوصِ كَوْنِهِ سَلَمًا (قَوْلُهُ: وَخِلَافُ الْأَوْلَى) أَيْ مُخَالِفُ الْأَوْلَى لِيَتِمَّ كَوْنُهُ حَالًا مِنْ فِطْرِ الْمُسَافِرِ وَيُوَافِقُ الْأَحْوَالَ قَبْلَهُ وَأَيْضًا بَقَاؤُهُ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ يَلْزَمُهُ عَلَيْهِ كَوْنُ خِلَافِ الْأَوْلَى وَصْفًا لِمُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ حَالٌ مِنْ فِطْرِ الْمُسَافِرِ وَخِلَافُ الْأَوْلَى اسْمٌ لِلْحُكْمِ نَفْسِهِ لَا لِمُتَعَلِّقِهِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِ يُطْلَقُ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: فَإِنْ جَهِدَهُ إلَخْ) بَلْ إذَا جَهِدَهُ جِدًّا وَجَبَ الْفِطْرُ.
(قَوْلُهُ: وَأَتَى بِهَذِهِ الْأَحْوَالِ) أَيْ عَلَى وَفْقِ ذَوِيهَا الْأُولَى لِلْأَوَّلِ وَهَكَذَا وَالْكَثِيرُ كَوْنُ الْأُولَى لِلْأَخِيرِ نَحْوُ لَقِيت هِنْدًا مُصَعِّدَةً مُنْحَدِرَةً وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الْغَالِبُ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِالْأَحْوَالِ اللَّازِمَةِ فَلِمَ أَتَى بِهَا الْمُصَنِّفُ.
(قَوْلُهُ: اللَّازِمَةِ) أَيْ لِأَصْحَابِهَا فَإِنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ الْوُجُوبُ لَازِمٌ لَهُ.
(قَوْلُهُ: لِبَيَانِ أَقْسَامِ الرُّخْصَةِ) أَيْ لُزُومٌ لَا صَرَاحَةٌ؛ لِأَنَّ أَقْسَامَ الرُّخْصَةِ الْإِيجَابُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بَعْدُ، وَالْمَذْكُورُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ أَقْسَامُ مُتَعَلِّقِهَا، نَعَمْ خِلَافُ الْأَوْلَى يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِ وَعَلَى مُتَعَلِّقِهِ أَوْ فِي الْعِبَارَةِ حَذْفُ مُضَافٍ أَيْ أَقْسَامُ مُتَعَلِّقِ الرُّخْصَةِ (قَوْلُهُ: يَعْنِي الرُّخْصَةُ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحِلِّ الْإِذْنُ فِي الْفِعْلِ الصَّادِقِ بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ لَا اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ السَّابِقُ بِالْإِبَاحَةِ فَقَطْ وَأَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ الرُّخْصَةُ إلَخْ وَقَوْلُهُ الرُّخْصَةُ كَحِلِّ الْمَذْكُورَاتِ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَهِيَ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ لِيَعْنِيَ وَقَوْلُ بَعْضٍ إنَّ نَصْبَ يَعْنِي لِلْجُمَلِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِأَنَّهَا لَا تَنْصِبُ إلَّا الْمُفْرَدَ.
(قَوْلُهُ: كَحِلِّ الْمَذْكُورَاتِ) يَعْنِي أَنَّ التَّمْثِيلَ لِلرُّخْصَةِ الَّتِي هِيَ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالٌ مَحْكُومٌ عَلَيْهَا إنَّمَا يَصِحُّ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ وَهُوَ حِلٌّ مُرَادٌ بِهِ الْإِذْنُ شَرْعًا لِيَصْدُقَ بِكُلٍّ مِنْ الْوُجُوبِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ
стр. 163
مِنْ وُجُوبٍ وَنَدْبٍ وَإِبَاحَةٍ وَخِلَافُ الْأَوْلَى وَحُكْمُهَا الْأَصْلِيُّ الْحُرْمَةُ وَأَسْبَابُهَا الْخَبَثُ فِي الْمَيْتَةِ وَدُخُولُ وَقْتَيْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ تَامَّةً وَالصَّوْمِ وَالْغَرَرِ فِي السَّلَمِ وَهِيَ قَائِمَةٌ حَالَ الْحِلِّ وَأَعْذَارُهُ الِاضْطِرَارُ وَمَشَقَّةُ السَّفَرِ وَالْحَاجَةُ إلَى ثَمَنِ الْغَلَّاتِ قَبْلَ إدْرَاكِهَا وَسُهُولَةُ الْوُجُوبِ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ لِمُوَافَقَتِهِ لِغَرَضِ النَّفْسِ فِي بَقَائِهَا وَقِيلَ إنَّهُ عَزِيمَةٌ لِصُعُوبَتِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وُجُوبٌ وَمِنْ الرُّخْصَةِ إبَاحَةُ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاةِ لِمَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِ وَحُكْمُهُ الْأَصْلِيُّ الْكَرَاهَةُ الصَّعْبَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِبَاحَةِ وَسَبَبُهَا قَائِمٌ حَالَ الْإِبَاحَةِ وَهُوَ الِانْفِرَادُ
ــ
[حاشية العطار]
وَلَوْ قَدَّرَ مَعَ كُلِّ مِثَالٍ مَصْدَرَ حَالِهِ الْمُبَيِّنَةِ لَهُ لَكَانَ صَحِيحًا إلَّا أَنَّهُ يَكْثُرُ التَّقْدِيرُ.
(قَوْلُهُ: مِنْ وُجُوبٍ) بَيَانٌ لِحِلٍّ.
(قَوْلُهُ: وَحُكْمُهَا) أَيْ الْمَذْكُورَاتِ وَكَذَا ضَمِيرُ أَسْبَابِهَا.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ تَامَّةً وَالصَّوْمِ) أَيْ وَكُلُّ مَا هُوَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ وَالصَّوْمِ فَهُوَ سَبَبٌ لِحُرْمَةِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هُوَ عَيْنُ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ الْأَسْبَابُ الْمَذْكُورَةُ.
(قَوْلُهُ: وَأَعْذَارُهُ) أَيْ الْحِلِّ.
(قَوْلُهُ: إلَى ثَمَنِ الْغَلَّاتِ) أَيْ بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ فَلَا يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ مُوفٍ بِأَنْوَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ إذْ مِنْهَا مَا لَيْسَ بِغَلَّةٍ كَأَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ.
(قَوْلُهُ: وَسُهُولَةُ الْوُجُوبِ) لَمَّا كَانَتْ السُّهُولَةُ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ قَدْ تَخْفَى لِمَا فِي وُجُوبِهِ مِنْ الصُّعُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ إلْزَامٌ وَتَكْلِيفٌ بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ وَسُهُولَةُ الْوُجُوبِ فِي أَكْلِ الْمَيْتَةِ. (قَوْلُهُ: فِي بَقَائِهَا) يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِفَرْضٍ إذْ هُوَ بِمَعْنَى الرَّغْبَةِ فَمُوَافَقَةُ الْوُجُوبِ لَهُ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَلَبٌ لِبَقَائِهَا إذْ أَكْلُ الْمَيْتَةِ سَبَبٌ لَهُ وَيُوَافِقُهُ فِي اشْتِرَاكِهِمَا فِي مُتَعَلِّقٍ وَاحِدٍ وَهُوَ بَقَاؤُهَا.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ الرُّخْصَةِ إبَاحَةُ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ إفَادَةَ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ كَانَ تَغَيُّرًا مِنْ الْحُرْمَةِ، فَإِنَّ الْمُنْتَقَلَ عَنْهُ كَمَا يَكُونُ الْحُرْمَةَ يَكُونُ غَيْرَهَا كَالْكَرَاهَةِ خِلَافًا لِمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُنْتَقَلَ عَنْهُ لَا يَكُونُ إلَّا الْحُرْمَةَ.
(قَوْلُهُ: وَحُكْمُهُ) أَيْ حُكْمُ التَّرْكِ الْمَذْكُورِ.
(قَوْلُهُ: الْكَرَاهَةُ الصَّعْبَةُ) ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي اللَّوْمَ عَلَى الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ وَإِنْ شَارَكَتْهَا فِي عَدَمِ الْإِثْمِ، وَالصَّعْبَةُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لَا مُخَصَّصَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَسَبَبُهَا) أَيْ الْكَرَاهَةِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ الِانْفِرَادُ) قَالَ النَّاصِرُ هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الِانْفِرَادَ هُوَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ فَهُوَ مُتَعَلِّقُ الْكَرَاهَةِ الَّذِي هُوَ الْمَكْرُوهُ وَمُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لَهُ وَأَيْضًا فَطَلَبُ الِاجْتِمَاعِ فِي شَيْءٍ نُهِيَ عَنْ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الِانْفِرَادُ فِيهِ فَهُوَ مُتَعَلِّقُ النَّهْيِ الَّذِي هُوَ أَيْ هَذَا النَّهْيُ الْكَرَاهَةُ لَا سَبَبُهَا.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ هَا هُنَا أَمْرَيْنِ قَدْ يَشْتَبِهُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَحَدُهُمَا نَفْسُ الِانْفِرَادِ وَالثَّانِي كَوْنُ ذَلِكَ الِانْفِرَادِ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ وَلِهَذَا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِهِ وَهُوَ الِانْفِرَادُ وَكَوْنُ
стр. 164
فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ كَمَا ذِكْرَ بِأَنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَصْلًا كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ أَوْ تَغَيَّرَ إلَى صُعُوبَةٍ كَحُرْمَةِ الِاصْطِيَادِ بِالْإِحْرَامِ بَعْدَ إبَاحَتِهِ قَبْلَهُ أَوْ إلَى سُهُولَةٍ لَا لِعُذْرٍ كَحِلِّ تَرْكِ الْوُضُوءِ لِصَلَاةٍ ثَانِيَةٍ مَثَلًا لِمَنْ يُحْدِثُ بَعْدَ حُرْمَتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى أَوْ لِعُذْرٍ لَا مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ كَإِبَاحَةِ تَرْكِ ثَبَاتِ الْوَاحِدِ مَثَلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِلْعَشَرَةِ مِنْ الْكُفَّارِ فِي الْقِتَالِ بَعْدَ حُرْمَتِهِ وَسَبَبُهَا قِلَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ تَبْقَ حَالَ الْإِبَاحَةِ لِكَثْرَتِهِمْ حِينَئِذٍ وَعُذْرُهَا مَشَقَّةُ الثَّبَاتِ الْمَذْكُورِ لَمَّا كَثُرُوا (فَعَزِيمَةٌ) أَيْ فَالْحُكْمُ غَيْرُ الْمُتَغَيِّرِ أَوْ الْمُتَغَيِّرُ إلَيْهِ الصَّعْبُ.
ــ
[حاشية العطار]
الثَّانِي لَيْسَ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ وَلَا مُتَعَلِّقَ النَّهْيِ بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِلْحُكْمِ وَكَرَاهَةُ الْأَوَّلِ مِمَّا لَا شُبْهَةَ فِي صِحَّتِهِ إذْ لَا شُبْهَةَ فِي صِحَّةِ قَوْلِنَا يُكْرَهُ الِانْفِرَادُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ انْفِرَادٌ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ فَاتَّضَحَ صِحَّةُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَسُقُوطُ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ وَقَدْ شَنَّعَ سم عَلَى النَّاصِرِ وَشَنَّعَ بَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ سم عَلَيْهِ، تَرَكْنَا ذَلِكَ لِقِلَّةِ جَدْوَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَصُّبٌ مَحْضٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ.
(قَوْلُهُ: فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ) أَيْ فِي مَحَلٍّ يُطْلَبُ فِيهِ الِاجْتِمَاعُ وَهُوَ صَلَاةُ الْفَرْضِ.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ التَّغَيُّرُ بِقُيُودِهِ السَّابِقَةِ بِأَنْ انْتَفَى مِنْ أَصْلِهِ أَوْ انْتَفَى فِيهِ مِنْ قُيُودِهِ السَّابِقَةِ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحُكْمُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا ذُكِرَ) أَيْ تَغْيِيرًا مِثْلَ مَا ذُكِرَ أَيْ إلَى سُهُولَةٍ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ بِأَنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَصْلًا أَوْ تَغَيَّرَ إلَّا كَمَا ذُكِرَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ إلَى سُهُولَةٍ أَوْ لَهَا لَا لِعُذْرٍ أَوْ لَهَا مَعَ عُذْرٍ لَا مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ فَالصُّوَرُ أَرْبَعٌ.
(قَوْلُهُ: كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ) فِيهِ بَحْثٌ فَإِنَّ وُجُوبَ الصَّلَوَاتِ تَغَيَّرَ فِي حَقِّ النَّائِمِ وَالْحَائِضِ وَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ لِسُقُوطِهِ عَنْهُمْ فَقَدْ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ إلَى سُهُولَةٍ فَإِنْ أُرِيدَ التَّغَيُّرُ الْعَامُّ وَالْمَنْقُوضُ بِهِ خَاصٌّ لَمْ يَصِحَّ قَوْلُهُ أَوْ تَغَيَّرَ إلَى صُعُوبَةٍ كَحُرْمَةِ الِاصْطِيَادِ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ تَغَيُّرًا عَامًّا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ عَلَى النَّائِمِ بِالْخِطَابِ الْأَصْلِيِّ لِقِيَامِ السَّبَبِ إذْ لَوْلَاهُ مَا وَجَبَ الْقَضَاءُ فَصَارَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ مِنْ آثَارِ الْوُجُوبِ الْأَصْلِيِّ وَتَوَابِعِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَمْ يَقَعْ تَغَيُّرٌ بِالْكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ مِنْ الْحُكْمِ، وَفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِيهِ الْحُكْمُ بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمُرَجَّحِ مِنْ مَذْهَبِنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّارِحِ.
(قَوْلُهُ: كَحُرْمَةِ الِاصْطِيَادِ) نَبَّهَ بِتَمْثِيلِهِ بِالْحُرْمَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى وَالْإِبَاحَةِ عَلَى أَنَّ الْعَزِيمَةَ تَكُونُ وَصْفًا لِكُلٍّ مِنْهَا كَمَا تَكُونُ وَصْفًا لِلْوَاجِبِ وَلِلْمَنْدُوبِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهَا بِهِمَا وَلِمَنْ خَصَّهَا بِالْوَاجِبِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكَرَاهَةِ كَمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الشَّارِحُ وَلَا لِلنَّدْبِ، وَفِي شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّهَا تَكُونُ وَصْفًا لِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ.
(قَوْلُهُ: بِالْإِحْرَامِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ أَمَّا صَيْدُ الْحَرَمِ فَيَحْرُمُ حَتَّى عَلَى الْحَلَالِ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ إبَاحَتِهِ) أَيْ الِاصْطِيَادِ قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ إلَى سُهُولَةٍ) سَكَتَ عَنْ التَّعْبِيرِ إلَى مُمَاثِلِ السُّهُولَةِ أَوْ الصُّعُوبَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ الرُّخْصَةِ كَانَ حَدُّهَا غَيْرَ جَامِعٍ أَوْ الْعَزِيمَةِ فَكَذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى تَقْرِيرِ الشَّارِحِ فِيهِمَا، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ فَلِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أَوْ أَنَّهُ مِنْ الْعَزِيمَةِ وَلَا يُنَافِيه كَلَامُ الشَّارِحِ بِنَاءً عَلَى حَمْلِ قَوْلِهِ بِأَنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ أَصْلًا إلَخْ عَلَى التَّمْثِيلِ بِمَعْنَى كَأَنْ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: مَثَلًا) أَيْ أَوْ ثَالِثَةٍ أَوْ رَابِعَةٍ وَهَكَذَا.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ حُرْمَتِهِ) أَيْ حُرْمَةِ تَرْكِ الْوُضُوءِ وَقَوْلُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى تَفْسِيرٌ لِحِلِّ التَّرْكِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: مَثَلًا) أَيْ أَوْ الِاثْنَيْنِ لِلْعِشْرِينَ أَوْ الثَّلَاثَةِ لِلثَّلَاثِينَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ حُرْمَتِهِ) أَيْ حُرْمَةِ تَرْكِ الثَّبَاتِ الْمَذْكُورِ (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَبْقَ) أَيْ السَّبَبُ وَقَوْلُهُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذَا بِيحَ تَرْكُ الثَّبَاتِ الْمَذْكُورِ وَقَوْلُهُ وَعُذْرُهَا أَيْ عُذْرُ الْإِبَاحَةِ.
(قَوْلُهُ: لَمَّا كَثُرُوا) قَيْدٌ لِلْمَشَقَّةِ فَإِنْ قِيلَ الْمَشَقَّةُ فِي الثَّبَاتِ لَا تُقَيَّدُ بِحَالِ الْكَثْرَةِ لِثُبُوتِهَا قَبْلَهُ فَالْجَوَابُ مَنْعُ ذَلِكَ إذْ لَوْلَا الْمُصَابَرَةُ الْمَذْكُورَةُ لَضَاعَ الدِّينُ وَلَا يَخْفَى سُهُولَةُ الْمُصَابَرَةِ لِحِفْظِ الدِّينِ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْكَثْرَةِ لِلْمَنْدُوحَةِ عَنْ الْمُصَابَرَةِ حِينَئِذٍ قَالَهُ النَّجَّارِيُّ.
(قَوْلُهُ: فَعَزِيمَةٌ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ
стр. 165
أَوْ السَّهْلُ الْمَذْكُورُ يُسَمَّى عَزِيمَةً وَهِيَ لُغَةً الْقَصْدُ الْمُصَمِّمُ لِأَنَّهُ عُزِمَ أَمْرُهُ أَيْ قُطِعَ وَحُتِمَ صَعُبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَوْ سَهُلَ وَأُورِدَ عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ وُجُوبُ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ فَإِنَّهُ عَزِيمَةٌ وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الرُّخْصَةِ وَيُجَابُ بِمَنْعِ الصِّدْقِ فَإِنَّ الْحَيْضَ الَّذِي هُوَ عُذْرٌ فِي التَّرْكِ مَانِعٌ مِنْ الْفِعْلِ وَمِنْ مَانِعِيَّتِهِ نَشَأَ وُجُوبُ التَّرْكِ وَتَقْسِيمُ الْمُصَنِّفِ كَالْبَيْضَاوِيِّ وَغَيْرِهِ الْحُكْمَ إلَى الرُّخْصَةِ وَالْعَزِيمَةِ
ــ
[حاشية العطار]
التَّفْتَازَانِيُّ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ عَزِيمَةً إلَّا إذَا وَقَعَ فِي مُقَابَلَةِ تَرْخِيصٍ وَإِلَّا فَلَا يُوصَفُ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا.
(قَوْلُهُ: أَوْ السَّهْلُ الْمَذْكُورُ) أَيْ لَا لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ لِلْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ (قَوْلُهُ: الْمُصَمِّمُ) اسْمُ فَاعِلٍ عَلَى أَنَّ الْإِسْنَادَ مَجَازِيٌّ أَوْ اسْمُ الْمَفْعُولِ عَلَى الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ أَيْ الْمُصَمَّمُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: عُزِمَ أَمْرُهُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَقَوْلُهُ أَيْ قُطِعَ وَحُتِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَعْنَى قُصِدَ قَصْدًا مُصَمَّمًا وَقَوْلُهُ صَعْبٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ وَالْمُتَغَيِّرُ إلَيْهِ الصَّعْبُ وَقَوْلُهُ أَوْ السَّهْلُ إشَارَةٌ إلَى قَوْلِهِ أَوْ السَّهْلُ الْمَذْكُورُ وَيَصِحُّ رُجُوعُهُ إلَى الْحُكْمِ غَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ أَيْضًا أَيْ أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ صَعْبًا عَلَى الْمُكَلَّفِ وَتَارَةً يَكُونُ سَهْلًا.
(قَوْلُهُ: وَأُورِدَ عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ) أَيْ اللَّذَيْنِ تَضَمَّنَهُمَا التَّقْسِيمُ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ عَزِيمَةٌ) أَيْ فِي الْوَاقِعِ لِمَا حَقَّقَهُ مِنْ أَنَّ الْحَيْضَ لَيْسَ بِعُذْرٍ بَلْ مَانِعٌ.
(قَوْلُهُ: وَيَصْدُقُ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الرُّخْصَةِ) أَيْ دُونَ تَعْرِيفِ الْعَزِيمَةِ فَلَا يَكُونُ تَعْرِيفُهَا جَامِعًا وَلَا تَعْرِيفُ الرُّخْصَةِ مَانِعًا؛ لِأَنَّ مَا دَخَلَ فِي تَعْرِيفِ الرُّخْصَةِ خَرَجَ عَنْ تَعْرِيفِ الْعَزِيمَةِ إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَصَدَقَ تَعْرِيفُ الرُّخْصَةِ عَلَيْهِ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْأَمْرِ فِي الْحَيْضِ مِنْ أَنَّهُ عُذْرٌ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ مَعَ وُجُوبِ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ أَنَّ الْحُكْمَ تَغَيَّرَ مِنْ صُعُوبَةٍ وَهِيَ وُجُوبُ الْفِعْلِ إلَى سُهُولَةٍ وَهِيَ وُجُوبُ التَّرْكِ لِعُذْرٍ وَهُوَ الْحَيْضُ مَعَ قِيَامِ سَبَبِ وُجُوبِ الْفِعْلِ وَهُوَ إدْرَاكُ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا كَانَ وُجُوبُ التَّرْكِ رُخْصَةً لِمُوَافَقَتِهِ لِغَرَضِ النَّفْسِ.
(قَوْلُهُ: وَيُجَابُ إلَخْ) حَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ وُجُوبَ التَّرْكِ عَلَيْهَا خَارِجٌ مِنْ تَعْرِيفِ الرُّخْصَةِ بِقَوْلِهِ لِعُذْرٍ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ فِي حَقِّهَا لِمَانِعٍ لَا لِعُذْرٍ وَدَاخِلٌ فِي تَعْرِيفِ الْعَزِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ تَغَيُّرٌ مِنْ صُعُوبَةٍ إلَى سُهُولَةٍ لَا لِعُذْرٍ بَلْ لِمَانِعٍ (قَوْلُهُ: مَانِعٌ مِنْ الْفِعْلِ) أَيْ وَشَرْطُ الْعُذْرِ الْمَأْخُوذِ فِي التَّعْرِيفِ أَنْ لَا يَكُونَ مَانِعًا
стр. 166
أَقْرَبُ إلَى اللُّغَةِ مِنْ تَقْسِيمِ الْإِمَامِ الرَّازِيّ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ إلَيْهِمَا.
(وَالدَّلِيلُ مَا) أَيْ شَيْءٌ (يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ) أَيْ الْوُصُولُ بِكُلْفَةٍ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ
ــ
[حاشية العطار]
(قَوْلُهُ: أَقْرَبُ إلَى اللُّغَةِ) أَيْ إلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالتَّعْبِيرُ بِأَفْعَلَ يَقْتَضِي أَنَّ فِي تَقْسِيمِ غَيْرِ الْمُصَنِّفِ قُرْنًا وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَيْسَ أَجْنَبِيًّا بَلْ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ
[تَعْرِيفِ الدَّلِيلُ]
(قَوْلُهُ: وَالدَّلِيلُ) أَيْ الَّذِي تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي تَعْرِيفِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
(قَوْلُهُ: مَا يُمْكِنُ) الْمُرَادُ بِهِ الْإِمْكَانُ الْخَاصُّ أَيْ أَنَّ التَّوَصُّلَ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ إلَى الْعِلْمِ لَيْسَ ضَرُورِيًّا وَلَا عَدَمَ التَّوَصُّلِ بِهِ إلَيْهِ ضَرُورِيٌّ أَيْ يَجُوزُ التَّوَصُّلُ وَعَدَمُهُ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ هَذَا التَّعْرِيفِ أَهْلُ السُّنَّةِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ فَيَضَانَ النَّتِيجَةِ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ جَرْيِ الْعَادَةِ وَلَيْسَ بِضَرُورِيٍّ وَيَصِحُّ إرَادَةُ الْإِمْكَانِ الْعَامِّ الْمُقَيَّدِ بِجَانِبِ الْوُجُودِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ عَدَمَ التَّوَصُّلِ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ إلَى الْعِلْمِ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ سَوَاءٌ كَانَ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَيْهِ ضَرُورِيًّا إمَّا بِطَرِيقِ الِاسْتِعْدَادِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْحُكَمَاءِ أَوْ بِطَرِيقِ التَّوَلُّدِ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ أَوْ لَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا بَلْ بِطَرِيقِ جَرْيِ الْعَادَةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فَيَنْطَبِقُ التَّعْرِيفُ عَلَى الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ كَذَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخَيَالِيِّ وَحَاشِيَةِ السَّيَالَكُوتِيِّ عَلَيْهِ إذَا عَلِمْت هَذَا تَعْلَمُ أَنَّ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ إنَّ حُصُولَ الْعِلْمِ عَنْ الدَّلِيلِ وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَ وُجُوبُهُ عَادِيًّا وَإِنَّ الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ بِالْغَيْرِ اهـ.
مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لُزُومَ النَّتِيجَةِ لِلدَّلِيلِ عَقْلِيٌّ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ عَادِيٌّ، وَأَمَّا الْإِمْكَانُ هُنَا فَهُوَ جِهَةٌ لِلْقَضِيَّةِ وَالْإِمْكَانُ الذَّاتِيُّ مُغَايِرٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ مُحْتَاجًا فِي حُصُولِهِ لِلْغَيْرِ كَالْإِمْكَانِ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ لِلْمُمْكِنِ وَإِرَادَتُهُ هُنَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ وَاجِبٌ بِالْغَيْرِ؛ لِأَنَّهُ جِهَةٌ لِلْقَضِيَّةِ فَقَدْ الْتَبَسَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ بِالْآخَرِ فَإِنْ قُلْتَ الْإِمْكَانُ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ مِنْ جِهَاتِ الْقَضِيَّةِ وَلَا قَضِيَّةَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَالدَّلِيلُ إلَخْ تَعْرِيفٌ وَلَيْسَ قَضِيَّةً قُلْتُ الْحَالُ كَمَا ذَكَرْتَ إلَّا أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ قَضِيَّةٌ تُوَجَّهُ بِالْإِمْكَانِ الْعَامِّ أَوْ الْخَاصِّ بِأَنْ يُقَالَ الدَّلِيلُ مُوَصِّلٌ بِالْإِمْكَانِ الْعَامِّ أَوْ الْخَاصِّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ الْوُصُولُ بِكُلْفَةٍ) حَمَلَ صِيغَةَ التَّفَعُّلِ عَلَى التَّكَلُّفِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَتَعَانَى الْفَاعِلُ الْفِعْلَ وَيَتَطَلَّبَهُ كَمَا يُقَالُ تَشَجَّعَ زَيْدٌ أَيْ اسْتَحْصَلَ الشَّجَاعَةَ وَكَلَّفَ نَفْسَهُ إيَّاهَا لِتَحْصُلَ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مُتَحَقِّقٌ فِي كُلِّ دَلِيلٍ إذْ لَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَةِ جِهَةِ الدَّلَالَةِ وَتَحْصِيلِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى وَالْهَيْئَةِ التَّأْلِيفِيَّةِ حَتَّى يَحْصُلَ الْمَطْلُوبُ وَقَوْلُ النَّاصِرِ إنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ كُلْفَةً فِي بَعْضِ الْأَدِلَّةِ كَالْعَالَمِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّانِعِ فَالْأَوْلَى حَمْلُ الصِّيغَةِ عَلَى التَّدْرِيجِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْفِعْلِ يَحْصُلُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَتَجَرُّعِهِ أَيْ شَرِبَ جُرْعَةً بَعْدَ جُرْعَةٍ اهـ.
مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْعَالَمَ مِنْ حَيْثُ نَفْسُهُ لَا يُؤَدِّي إلَى الْمَطْلُوبِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِي جِهَةِ دَلَالَتِهِ وَالْعَمَلِ الْمَذْكُورِ كَمَا سَيُصَرِّحُ بِهِ الشَّارِحُ كَيْفَ وَتَحْصِيلُ جِهَةِ الدَّلَالَةِ الَّتِي هِيَ الْحُدُوثُ أَوْ الْإِمْكَانُ مِنْ أَعْلَى الْمَطَالِبِ الَّتِي أَفْرَغَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِيهَا وُسْعَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّكَرُّرِ؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ إلَى الْمَطْلُوبِ عَقِبَ الدَّلِيلِ دَفْعِيٌّ، أَنَّى وَتَحْصِيلُ الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّكَرُّرُ بَلْ التَّكَلُّفُ، تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بِصَحِيحِ النَّظَرِ) مِنْ إضَافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ كَمَا يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ فَبِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ أَوْ عَلَى مَعْنَى مِنْ.
(قَوْلُهُ: فِيهِ) أَيْ فِي الدَّلِيلِ وَهُوَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ قَبِيلِ الْمُفْرَدِ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ كَالْعَالَمِ لِوُجُودِ الصَّانِعِ وَحِينَئِذٍ فَالْمُرَادُ النَّظَرُ فِي أَحْوَالِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى
стр. 167
بِأَنْ يَكُونَ النَّظَرُ فِيهِ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَنْتَقِلَ الذِّهْنُ بِهَا إلَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ الْمُسَمَّاةِ وَجْهَ الدَّلَالَةِ وَالْخَبَرِيُّ مَا يُخْبَرُ بِهِ وَمَعْنَى الْوُصُولِ إلَيْهِ بِمَا ذَكَرَ عِلْمُهُ أَوْ ظَنُّهُ فَالنَّظَرُ هُنَا الْفِكْرُ لَا بِقَيْدِ الْمُؤَدِّي إلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ كَمَا سَيَأْتِي حَذَرًا مِنْ التَّكْرَارِ، وَالْفِكْرُ حَرَكَةُ النَّفْسِ فِي الْمَعْقُولَاتِ، وَشَمِلَ التَّعْرِيفُ
ــ
[حاشية العطار]
وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ تَحْصِيلُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ كَالْحُدُوثِ فَإِنَّهُ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ الْعَالَمِ وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ فَإِنَّ النَّفْسَ إذَا حَاوَلَتْ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ فَتَّشَتْ فِي الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَهَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْعَالَمِ مِنْ الْأَحْوَالِ وَالصِّفَاتِ وَحَصَّلَتْ الْجِهَةَ الْمُوَصِّلَةَ لِلْمَطْلُوبِ وَهُوَ الْحُدُوثُ ثُمَّ تُحَصِّلُ الْمُقَدِّمَتَانِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى فَيَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ فَانْدَفَعَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَكُونَ النَّظَرُ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ بِصَحِيحٍ وَهَذَا يَرْجِعُ لِصِحَّةِ صُورَةِ الدَّلِيلِ.
(قَوْلُهُ: أَنْ يَنْتَقِلَ الذِّهْنُ بِهَا) أَيْ بِسَبَبِهَا وَقَوْلُهُ الْمُسَمَّاةِ نَعْتٌ ثَانٍ لِلْجِهَةِ وَقَوْلُهُ وَجْهَ الدَّلَالَةِ أَيْ سَبَبَهَا (قَوْلُهُ: مَا يُخْبَرُ بِهِ) أَيْ مَعْنًى يُخْبَرُ بِهِ بِأَنْ يَتَحَقَّقَ مَعْنَاهُ بِدُونِ النُّطْقِ بِهِ (قَوْلُهُ: وَمَعْنَى الْوُصُولِ إلَخْ) أَيْ فَهُوَ وُصُولٌ مَعْنَوِيٌّ لَا حِسِّيٌّ وَقَوْلُهُ بِمَا ذَكَرَ أَيْ بِصَحِيحِ النَّظَرِ.
(قَوْلُهُ: عِلْمُهُ أَوْ ظَنُّهُ) قِيلَ أَيْ أَوْ اعْتِقَادُهُ وَهُوَ سَهْوٌ فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ لَا يَكُونُ عَنْ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ إذْ هُوَ الْجَزْمُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ فَكَيْفَ يُجْعَلُ مِنْ نَتَائِجِ النَّظَرِ.
(قَوْلُهُ: فَالنَّظَرُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَمَعْنَى الْوُصُولِ وَقَوْلُهُ كَمَا سَيَأْتِي رَاجِعٌ لِلْمَنْفِيِّ لَا لِلنَّفْيِ وَقَوْلُهُ حَذَرًا مِنْ التَّكْرَارِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ وَإِنَّمَا صَرَفْت النَّظَرَ عَنْ ظَاهِرِهِ حَذَرًا مِنْ التَّكْرَارِ أَيْ تَكْرَارِ عِلْمِ الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ أَوْ ظَنِّهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي التَّوَصُّلِ الْمُفَسَّرِ بِذَلِكَ فِي كَلَامِهِ وَمَرَّةً فِي النَّظَرِ الَّذِي هُوَ الْفِكْرُ بِقَيْدِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ " الدَّلِيلُ
стр. 168
الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ كَالْعَالَمِ لِوُجُودِ الصَّانِعِ وَالظَّنِّيَّ كَالنَّارِ لِوُجُودِ الدُّخَانِ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ لِوُجُوبِهَا
ــ
[حاشية العطار]
مَا يُمْكِنُ عِلْمُ الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ أَوْ ظَنُّهُ بِصَحِيحِ الْفِكْرِ فِيهِ الْمُؤَدِّي إلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ ". قَالَ النَّاصِرُ التَّكْرَارُ مُنْدَفِعٌ؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا الدَّلِيلُ مَا يُمْكِنُ عِلْمُ الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ أَوْ ظَنُّهُ بِالْفِكْرِ فِيهِ الْمُؤَدِّي مِنْ حَيْثُ هُوَ إلَى عِلْمٍ مُطْلَقًا أَوْ ظَنٍّ مَحْصُولُهُ أَنَّ النَّظَرَ الَّذِي هُوَ فِي نَفْسِهِ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ مُطْلَقًا أَوْ الظَّنِّ مُفَادُهُ فِي الدَّلِيلِ الْعِلْمُ التَّصْدِيقِيُّ أَوْ الظَّنُّ وَهَذَا لَمْ يَتَكَرَّرْ فِيهِ حُكْمٌ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الشَّارِحَ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى مَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ جَعَلَ صِحَّةَ النَّظَرِ فِي الشَّيْءِ سَبَبًا لِلتَّوَصُّلِ إلَى الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ أَيْ لِعِلْمِ الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ أَوْ ظَنِّهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ الَّذِي يَتَسَبَّبُ عَنْهُ عِلْمُ الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ أَوْ ظَنُّهُ لَيْسَ إلَّا الْفِكْرَ الْمُؤَدِّيَ إلَى عِلْمِ الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ أَوْ ظَنِّهِ بِخِلَافِ الْفِكْرِ الْمُؤَدِّي إلَى الْمَطْلُوبِ التَّصَوُّرِيِّ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ عِلْمُ الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ أَوْ ظَنُّهُ فَلَوْ حَمَلَ النَّظَرَ هَاهُنَا عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ الْفِكْرُ بِقَيْدِ الْمُؤَدِّي إلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ لَزِمَ التَّكْرَارُ قَطْعًا فَالشَّارِحُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْعِبَارَةُ وَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْهَا.
(قَوْلُهُ: الدَّلِيلَ الْقَطْعِيَّ وَالظَّنِّيَّ) أَيْ الْمُفِيدَ لِلْقَطْعِ وَالظَّنِّ لَا الْمَقْطُوعَ بِهِ وَالْمَظْنُونَ وَقَوْلُهُ كَالْعَالَمِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الدَّلِيلَ مِنْ قَبِيلِ الْمُفْرَدِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ كَالْمُتَكَلِّمِينَ بِخِلَافِ الْمَنَاطِقَةِ.
وَقَالَ الْخَيَالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْعَقَائِدِ إنَّ الدَّلِيلَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ يَكُونُ مُفْرَدًا وَغَيْرَهُ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَمْثِلَةً ثَلَاثَةً:
الْأَوَّلُ: لِحُكْمٍ عَقْلِيٍّ.
وَالثَّانِي: لِحِسِّيٍّ.
وَالثَّالِثُ: لِشَرْعِيٍّ.
وَأَيْضًا الْأَوَّلُ دَلِيلٌ إنِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالْمَعْلُومِ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ وَالثَّانِي لَمِّيٌّ بِعَكْسِهِ وَالدَّلِيلُ الْأَوَّلُ قَطْعِيٌّ وَالِاثْنَانِ بَعْدَهُ ظَنِّيَّانِ، وَوَجْهُ كَوْنِ دَلَالَةِ النَّارِ عَلَى الدُّخَانِ ظَنِّيَّةً أَنَّهَا قَدْ تَخْلُو عَنْ الدُّخَانِ إذَا لَمْ تُخَالِطْ شَيْئًا مِنْ الْأَجْزَاءِ التُّرَابِيَّةِ وَقَوْلُهُ لِوُجُودِ الصَّانِعِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ دَلِيلًا وَمُوصِلًا
стр. 169
فَبِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي هَذِهِ الْأَدِلَّةِ أَيْ بِحَرَكَةِ النَّفْسِ فِيمَا تَعْقِلُهُ مِنْهَا مِمَّا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَنْتَقِلَ بِهِ إلَى تِلْكَ الْمَطْلُوبَاتِ كَالْحُدُوثِ فِي الْأَوَّلِ وَالْإِحْرَاقِ فِي الثَّانِي وَالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ فِي الثَّالِثِ تَصِلُ إلَى تِلْكَ الْمَطْلُوبَاتِ بِأَنْ تُرَتَّبَ هَكَذَا الْعَالَمُ حَادِثٌ وَكُلُّ حَادِثٍ لَهُ صَانِعٌ فَالْعَالَمُ لَهُ صَانِعٌ، النَّارُ شَيْءٌ مُحْرِقٌ وَكُلُّ مُحْرِقٍ لَهُ دُخَانٌ فَالنَّارُ لَهَا دُخَانٌ، أَقِيمُوا الصَّلَاةَ أَمْرٌ بِالصَّلَاةِ وَكُلُّ أَمْرٍ بِشَيْءٍ لِوُجُوبِهِ حَقِيقَةٌ فَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ لِوُجُوبِهَا.
وَقَالَ يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ دُونَ يَتَوَصَّلُ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ دَلِيلًا وَإِنْ لَمْ يُنْظَرْ فِيهِ النَّظَرُ الْمُتَوَصَّلُ بِهِ
ــ
[حاشية العطار]
لِوُجُودِ الصَّانِعِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا بَعْدَهُ.
(قَوْلُهُ: فَبِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ بَعْدُ، تَصِلُ إلَى تِلْكَ الْمَطْلُوبَاتِ، إنْ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْحَصْرِ.
(قَوْلُهُ: كَالْحُدُوثِ) فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُسْتَلْزِمَ لِلْمَطْلُوبِ هُوَ الْحَدُّ الْوَسَطُ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْأَمْثِلَةِ مُفْرَدٌ تَسْتَحِيلُ الْحَرَكَةُ الَّتِي هِيَ الِانْتِقَالُ فِيهِ بَلْ هِيَ وَاقِعَةٌ فِي الْحُدُودِ الثَّلَاثَةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ كَالْحُدُوثِ وَمَا بَعْدَهُ الذَّاتُ مِنْ حَيْثُ هِيَ بَلْ مِنْ حَيْثُ اعْتِبَارَاتُهَا وَهُوَ اعْتِبَارُ ثُبُوتِهَا لِلدَّلِيلِ الَّذِي هُوَ الْحَدُّ الْأَصْغَرُ وَاعْتِبَارُ الِانْتِقَالِ إلَى الْمَدْلُولِ بِوَاسِطَتِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَقَعُ الْحَرَكَةُ فِيهَا.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ مَبْنَى الْإِشْكَالِ حَمْلُ فِي مِنْ، قَوْلِهِ فِيمَا تَعْقِلُهُ فِيهَا عَلَى مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِجَوَازِ حَمْلِهَا عَلَى مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ، مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا، فَجَعَلَ تِلْكَ الْحَرَكَةَ سَبَبًا أَوْ آلَةً لِلِانْتِقَالِ مِنْهَا إلَى الْمَطْلُوبِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا مَحَلَّ الْحَرَكَةِ اهـ.
وَهُوَ صَرْفٌ لِلْكَلَامِ عَمَّا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْهُ بِلَا دَاعٍ وَقَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ الثَّانِي أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ تَسَامُحًا وَالتَّقْدِيرُ مَثَلًا فِيمَا تَعَلُّقُهُ فِيهَا مَعَ غَيْرِهِ، غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ مَعَ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيرَ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ تُرَتَّبَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ ضَمِيرُهُ الْعَائِدُ إلَى الْأَدِلَّةِ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِتَصِلُ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ التَّرْتِيبَ غَيْرُ النَّظَرِ بَلْ لَازِمُهُ وَهُوَ مُخْتَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ خِلَافَ مَا عَلَيْهِ الْكَثِيرُ مِنْ الْمَنَاطِقَةِ أَنَّهُ عَيْنُهُ ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ إمَّا بِالْفِعْلِ وَهُوَ الشَّكْلُ الْأَوَّلُ وَإِمَّا بِالْقُوَّةِ كَبَقِيَّةِ الْأَشْكَالِ، وَالْقِيَاسُ الِاسْتِثْنَائِيِّ لِتَوَقُّفِ إنْتَاجِهَا لِرُجُوعِهَا لِلْأَوَّلِ.
(قَوْلُهُ: فَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ) قَالَ النَّاصِرُ صَوَابُ الْعِبَارَةِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ لِوُجُوبِهَا حَقِيقَةٌ وَإِنَّمَا تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ لَوْ كَانَ صُورَةُ الْقِيَاسِ، الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ أَمْرٌ بِشَيْءٍ وَكُلُّ أَمْرٍ بِشَيْءٍ لِوُجُوبِهِ حَقِيقَةٌ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ أَلْ فِي الْأَمْرِ لِلْعَهْدِ أَيْ فَالْأَمْرُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ أَقِيمُوا فَكَأَنَّهُ قَالَ فَأَقِيمُوا لِلْوُجُوبِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ دَلِيلًا إلَخْ) ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مَعْرُوضُ الدَّلَالَةِ وَهِيَ كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُفِيدُ الْعِلْمَ أَوْ الظَّنَّ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهِ وَهَذَا حَاصِلٌ نَظَرَ فِيهِ أَوْ لَمْ يَنْظُرْ كَذَا قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فَقَوْلُ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ أَيْ الْكَائِنَ بِحَيْثُ يُفِيدُ إلَخْ وَقَوْلُهُ
стр. 170
وَقَيَّدَ النَّظَرَ بِالصَّحِيحِ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ لِانْتِفَاءِ وَجْهِ الدَّلَالَةِ عَنْهُ وَإِنْ أَدَّى إلَيْهِ بِوَاسِطَةِ اعْتِقَادٍ أَوْ ظَنٍّ كَمَا إذَا نَظَرَ فِي الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ الْبَسَاطَةُ وَفِي النَّارِ مِنْ حَيْثُ التَّسْخِينُ فَإِنَّ الْبَسَاطَةَ وَالتَّسْخِينَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمَا أَنْ يُنْقَلَ بِهِمَا إلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَالدُّخَانِ وَلَكِنْ يُؤَدِّي إلَى وُجُودِهِمَا هَذَانِ النَّظَرَانِ مِمَّنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْعَالَمَ بَسِيطٌ وَكُلُّ بَسِيطٍ لَهُ صَانِعٌ وَمِمَّنْ ظَنَّ أَنَّ كُلَّ مُسَخِّنٍ لَهُ دُخَانٌ
ــ
[حاشية العطار]
وَإِنْ لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ أَيْ النَّظَرَ الْمُتَوَصَّلَ بِهِ بِأَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ أَصْلًا أَوْ يَنْظُرَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ الدَّلَالَةِ أَوْ مِنْهُ لَا مَعَ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ اهـ. نَاصِرٌ.
وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الشَّارِحُ النَّفْيَ عَلَى النَّظَرِ دُونَ التَّوَصُّلِ مَعَ أَنَّهُ الْجَارِي عَلَى سَنَنِ مَا سَبَقَ لِئَلَّا تَصْدُقَ الْعِبَارَةُ بِصُورَةٍ بَاطِلَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ مَا إذَا نَظَرَ فِيهِ نَظَرًا صَحِيحًا لَكِنْ لَمْ يَتَوَصَّلْ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى نَظَرَ فِيهِ نَظَرًا صَحِيحًا فَقَدْ تَوَصَّلَ بِهِ إلَى الْمَطْلُوبِ.
(قَوْلُهُ: وَقَيَّدَ النَّظَرَ بِالصَّحِيحِ) قَالَ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ وَقَيَّدَ النَّظَرَ بِالصَّحِيحِ أَيْ الْمُشْتَمِلِ عَلَى شَرَائِطِهِ صُورَةً وَمَادَّةً؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ، إذًا لَيْسَ هُوَ سَبَبًا لِلتَّوَصُّلِ وَلَا آلَةً وَإِنْ كَانَ قَدْ يُفْضِي إلَيْهِ فَذَلِكَ اتِّفَاقِيٌّ وَلَيْسَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ وَسِيلَةً فَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ وَأُرِيدَ الْعُمُومُ خَرَجَتْ الدَّلَائِلُ بِأَسْرِهَا إذْ لَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِكُلِّ نَظَرٍ فِيهَا وَلَوْ أُرِيدَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَيْ نَظَرٍ مَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَنْبِيهٌ عَلَى افْتِرَاقِ الْفَاسِدِ عَنْ الصَّحِيحِ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
(قَوْلُهُ: لَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِهِ) أَيْ بِذَاتِهِ فَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ بَعْدُ وَإِنْ أَدَّى إلَيْهِ بِوَاسِطَةِ إلَخْ أَوْ يُقَالُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّوَصُّلِ وَبَيْنَ الْإِفْضَاءِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّوَصُّلِ يَقْتَضِي وُجُودَ وَجْهِ الدَّلَالَةِ بِخِلَافِ الْإِفْضَاءِ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّارِحُ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يُمْكِنُ إلَخْ فَانْدَفَعَ مَا يُقَالُ الْإِفْضَاءُ إلَى الْمَطْلُوبِ يَسْتَلْزِمُ إمْكَانَ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ لَا مَحَالَةَ.
(قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ وَجْهِ الدَّلَالَةِ عَنْهُ) إشَارَةٌ إلَى تَعْرِيفِ النَّظَرِ الْفَاسِدِ بِأَنَّهُ مَا انْتَفَى وَجْهُ الدَّلَالَةِ عَنْهُ.
(قَوْلُهُ: مِمَّنْ اعْتَقَدَ إلَخْ) لَمَّا كَانَ الْفَسَادُ فِي الْبَسَاطَةِ مِنْ جِهَتَيْنِ جِهَةِ ثُبُوتِهِ لِلْعَالَمِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الصُّغْرَى فَإِنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ لَيْسَ بَسِيطًا لِعَدَمِ بَسَاطَةِ الْمَوَالِيدِ الثَّلَاثَةِ الْحَيَوَانِ وَالْمَعْدِنِ وَالنَّبَاتِ لِتَرَكُّبِهَا مِنْ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ
стр. 171
أَمَّا الْمَطْلُوبُ غَيْرُ الْخَبَرِيِّ وَهُوَ التَّصَوُّرِيُّ فَيُتَوَصَّلُ إلَيْهِ أَيْ يُتَصَوَّرُ بِمَا يُسَمَّى حَدًّا بِأَنْ يُتَصَوَّرَ كَالْحَيَوَانِ النَّاطِقِ حَدًّا لِلْإِنْسَانِ وَسَيَأْتِي حَدُّ الْحَدِّ الشَّامِلِ لِذَلِكَ وَلِغَيْرِهِ.
(وَاخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا هَلْ الْعِلْمُ) بِالْمَطْلُوبِ الْحَاصِلِ عِنْدَهُمْ (عَقِيبَهُ) أَيْ عَقِيبَ صَحِيحِ النَّظَرِ عَادَةً عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَالْأَشْعَرِيِّ فَلَا يَتَخَلَّفُ إلَّا خَرْقًا لِلْعَادَةِ كَتَخَلُّفِ الْإِحْرَاقِ عَنْ مُمَاسَّةِ النَّارِ أَوْ لُزُومًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ فَلَا يَنْفَكُّ أَصْلًا.
ــ
[حاشية العطار]
عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَمِنْ الْهَيُولَى وَالصُّورَةِ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ.
وَأَمَّا الْعَنَاصِرُ وَالْأَفْلَاكُ وَالنُّفُوسُ فَبَسِيطَةٌ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ، وَجِهَةِ الِالْتِزَامِ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ الْكُبْرَى فَإِنَّ الْوُجُوبَ بَسِيطٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَيَتَّصِفُ بِهِ الْقَدِيمُ فَلَا يَكُونُ حَادِثًا وَفِي التَّسْخِينِ مِنْ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا دُخَانَ لِلشَّمْسِ مَعَ أَنَّهَا مُسَخِّنَةٌ دُونَ الْأُولَى، سَلَّطَ الِاعْتِقَادَ عَلَى الْجِهَتَيْنِ وَالظَّنَّ عَلَى الثَّانِيَةِ فَقَطْ وَعَبَّرَ بِالِاعْتِقَادِ فِي جَانِبِ الْبَسَاطَةِ وَبِالظَّنِّ فِي جَانِبِ التَّسْخِينِ لِضَعْفِ الِاعْتِقَادِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا عَنْ دَلِيلٍ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا الْمَطْلُوبُ غَيْرُ الْخَبَرِيّ إلَخْ) الْأَظْهَرُ فِي الْمُقَابَلَةِ أَنْ يَقُولَ أَمَّا مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إلَى مَطْلُوبٍ تَصَوُّرِيٍّ فَلَيْسَ بِدَلِيلٍ بَلْ يُسَمَّى حَدًّا.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يُتَصَوَّرَ) مُتَعَلِّقٌ بِيُتَوَصَّلُ وَلَمْ يَقُلْ وَتُرَتَّبُ كَمَا قَالَ فِي الْخَبَرِيِّ؛ لِأَنَّ التَّعَدُّدَ اللَّازِمَ لِلتَّرْتِيبِ غَيْرُ وَاجِبٍ لِجَوَازِ التَّعْرِيفِ بِالْمُفْرَدِ وَحْدَهُ كَالْفَصْلِ وَالْخَاصَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ بِمَا يُسَمَّى حَدًّا وَقَوْلُهُ الشَّامِلِ نَعْتٌ لِلْحَدِّ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ لِذَلِكَ أَيْ لِحَدِّ الْإِنْسَانِ وَلِغَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِ الْحَدِّ
(قَوْلُهُ: وَاخْتَلَفَ أَئِمَّتُنَا إلَخْ) ذَكَرَهُ لِتَعَلُّقِهِ بِذِكْرِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ.
(قَوْلُهُ: هَلْ الْعِلْمُ) أَيْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ هَذَا الِاسْتِفْهَامِ أَوْ الْمُرَادُ لَيْسَ حَقِيقَةَ الِاسْتِفْهَامِ وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمَطْلُوبَ بِالْخَبَرِيِّ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ التَّصَوُّرَ وَالتَّصْدِيقَ.
(قَوْلُهُ: الْحَاصِلِ عِنْدَهُمْ) تَقْدِيرُ الْحُصُولِ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ الظَّرْفِ بِالْعِلْمِ وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ لِمُجَرَّدِ الْإِيضَاحِ وَلِيَتَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ عَادَةً أَوْ لُزُومًا وَتَقْدِيرُ عِنْدَهُمْ تَعْرِيضٌ بِمَنْ نَفَى حُصُولَ الْعِلْمِ عَنْ النَّظَرِ مُطْلَقًا وَهُمْ السُّمَنِيَّةُ " أَوْ لَا يُفِيدُ إلَّا فِي الْهَنْدَسِيَّاتِ وَالْحِسَابِيَّاتِ وَهُمْ الْمُهَنْدِسُونَ أَوْ لَا يُفِيدُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَهُمْ الْمَلَاحِدَةُ وَلَا يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ تَفْصِيلٌ بَعْدَ إجْمَالٍ.
(قَوْلُهُ: عَادَةً) أَيْ أَنَّ الْعَادَةَ الْإِلَهِيَّةَ جَرَتْ بِخَلْقِ الْعِلْمِ عَقِبَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مَعَ جَوَازِ الِانْفِكَاكِ عَقْلًا لِجَوَازِ أَنْ لَا يَخْلُقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ خَرْقِ الْعَادَةِ.
(قَوْلُهُ: لُزُومًا) أَيْ عَقْلِيًّا بِدَلِيلِ الْمُقَابَلَةِ لِلْعَادِيِّ وَهَذَا هُوَ الْمَرْضِيُّ عِنْدَهُمْ.
(قَوْلُهُ: كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ) فَإِنَّهُ يَقُولُ حُصُولُ الْعِلْمِ عَقِيبَ النَّظَرِ وَاجِبٌ أَيْ لَازِمٌ عَقْلًا يَسْتَحِيلُ انْفِكَاكُهُ
стр. 172
كَوُجُودِ الْجَوْهَرِ لِوُجُودِ الْعَرَضِ (مُكْتَسَبٌ) لِلنَّاظِرِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ نَعَمْ لِأَنَّ حُصُولَهُ عَنْ نَظَرِهِ الْمُكْتَسَبِ لَهُ وَقِيلَ لَا لِأَنَّ حُصُولَهُ اضْطِرَارِيٌّ لَا قُدْرَةَ عَلَى دَفْعِهِ وَلَا انْفِكَاكَ عَنْهُ وَلَا خِلَافَ إلَّا فِي التَّسْمِيَةِ
ــ
[حاشية العطار]
وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمْ.
(قَوْلُهُ: كَوُجُودِ الْجَوْهَرِ) أَيْ فَإِنَّ وُجُودَ الْعَرَضِ بِعَيْنِهِ هُوَ وُجُودُ الْجَوْهَرِ لَا أَنَّ لِلْجَوْهَرِ وُجُودًا مُغَايِرًا لِوُجُودِ الْعَرَضِ فَلُزُومُ الْمَطْلُوبِ لِلنَّظَرِ كَلُزُومِ الْعَرَضِ لِلْجَوْهَرِ حَيْثُ يَمْتَنِعُ انْفِكَاكُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ.
(قَوْلُهُ: فَقَالَ الْجُمْهُورُ نَعَمْ) وَلِذَلِكَ صَحَّ التَّكْلِيفُ بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَقَالُوا مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَاجِبَةٌ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا) وَعَلَيْهِ تَكُونُ الْعُلُومُ كُلُّهَا ضَرُورِيَّةً وَإِنْ تَوَقَّفَ بَعْضُهَا عَلَى النَّظَرِ.
(قَوْلُهُ: لَا قُدْرَةَ عَلَى دَفْعِهِ) أَيْ عِنْدَ حُصُولِهِ وَقَوْلُهُ وَلَا انْفِكَاكَ عَنْهُ أَيْ بَعْدَ حُصُولِهِ فَلَا تَكْرَارَ وَعَدَمُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِذَلِكَ لَا يُعَدُّ عَجْزًا؛ لِأَنَّ ذَاكَ إذَا كَانَ لِمَعْنًى فِي الْقُدْرَةِ لَا لِمَعْنًى فِي الْمَقْدُورِ هُنَا فَإِنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوجَدَ الْعِلْمُ بِالْمُقَدِّمَاتِ بِدُونِ النَّتِيجَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا خِلَافَ) تَفْرِيعٌ عَلَى التَّعْلِيلَيْنِ حَيْثُ عَلَّلَ كُلَّ قَوْلٍ بِمَا لَا يُخَالِفُ فِيهِ الْآخَرَ فَإِنَّ النَّظَرَ مُكْتَسَبٌ اتِّفَاقًا وَحُصُولُ النَّتِيجَةِ بَعْدَهُ لَازِمٌ لَا يَتَخَلَّفُ اتِّفَاقًا.
(قَوْلُهُ: إلَّا فِي التَّسْمِيَةِ) أَيْ لَا فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ التَّوَجُّهَيْنِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَالْأَوَّلُ يُوَافِقُ الثَّانِيَ فِي أَنَّ حُصُولَ الْمَطْلُوبِ عَقِبَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ اضْطِرَارِيٌّ وَالثَّانِي يُوَافِقُ الْأَوَّلَ فِي أَنَّ حُصُولَهُ عَنْ نَظَرٍ وَكَسْبٍ وَمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ اكْتِسَابَ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ رَاجِعٌ إلَى اكْتِسَابِ سَبَبِهِ وَأَنَّهُ نَفْسَهُ اضْطِرَارِيٌّ غَيْرُ مَقْدُورٍ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِهِ يَرْجِعُ فِي الْحَقِيقَةِ لِلتَّكْلِيفِ بِسَبَبِهِ وَهُوَ النَّظَرُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْدُورُ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمَوَاقِفِ تَبَعًا
стр. 173
وَهِيَ بِالْمُكْتَسَبِ أَنْسَبُ وَالظَّنُّ كَالْعِلْمِ فِي قَوْلِ الِاكْتِسَابِ وَعَدَمِهِ دُونَ قَوْلَيْ اللُّزُومِ وَالْعَادَةِ لِأَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ
ــ
[حاشية العطار]
لِلْآمِدِيِّ قَالَ السَّيِّدُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبَةٌ فَتَكُونُ مُكَلَّفًا بِهَا وَجَعْلُ إيجَابِهَا رَاجِعًا إلَى إيجَابِ النَّظَرِ فِيمَا يُوَصِّلُ إلَيْهَا عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرَةِ الْأُولَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ مِنْ أَنَّ النَّظَرَ الْوَاجِبُ الْحُصُولِ، حُكْمُهُ حُكْمُ الضَّرُورِيِّ إلَّا فِي الْمَقْدُورِيَّةِ وَمَا يَتْبَعُهَا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْتَقِدَ مَا يُنَاقِضُ الضَّرُورِيَّ إذْ الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ فِيهِ تَصَوُّرُ طَرَفَيْهِ فَإِذَا أَوْجَبَ تَصَوُّرُهُمَا حُكْمًا إيجَابِيًّا لَمْ يُمْكِنْهُ بَعْدَ تَصَوُّرِهِمَا أَنْ يَعْتَقِدَ السَّلْبَ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ النَّظَرِيِّ فَإِنَّ مُوجَبَهُ النَّظَرُ فَإِذَا غَفَلَ عَنْهُ أَمْكَنَهُ إذْ يَعْتَقِدَ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ النَّظَرِيَّ فَيَكُونُ ذَلِكَ النَّظَرِيُّ مَعَ وُجُوبِ حُصُولِهِ عَنْ النَّظَرِ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ اهـ.
ثُمَّ لَا يُتَوَهَّمُ مِنْ قَوْلِهِ فَإِذَا غَفَلَ عَنْهُ إلَخْ أَنَّهُ بَعْدَ حُصُولِ الْعِلْمِ عَنْ النَّظَرِ يَغْفُلُ عَنْ النَّظَرِ فَتَرْجِعُ الْمَقْدُورِيَّةُ حِينَئِذٍ عَلَى اسْتِمْرَارِ حُصُولِهِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ إنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْمَقْدُورِيَّةِ عَلَى تَحْصِيلِهِ، بَلْ مَعْنَى كَلَامِ الْإِمَامِ كَمَا أَفَادَهُ الْمَوْلَى عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَاشِيَةِ الْمَوَاقِفِ أَنَّ الْعِلْمَ الْأَوْلَى بَعْدَ تَصَوُّرِ الطَّرَفَيْنِ وَالنِّسْبَةِ لَازِمُ الْحُصُولِ لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ تَرْكِهِ فَيَكُونُ غَيْرَ مَقْدُورٍ بِخِلَافِ الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ فَإِنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ تَرْكِهِ بَعْدَ تَصَوُّرِ الطَّرَفَيْنِ وَالنِّسْبَةِ بِتَرْكِ النَّظَرِ فِي تَحْصِيلِهِ فَهُوَ مَقْدُورٌ.
وَأَمَّا قَبْلَ تَصَوُّرِ الطَّرَفَيْنِ فَكِلَاهُمَا يَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِهِ لِامْتِنَاعِ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالْمَجْهُولِ قَالَ فَتَدَبَّرْ فَإِنَّهُ قَدْ زَلَّ فِيهِ أَقْدَامُ الْفُضَلَاءِ اهـ.
وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا قَالَهُ سم وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ إنَّ قَوْلَهُ إذَا غَفَلَ عَنْهُ إلَخْ يُعَارِضُ قَوْلَ الشَّارِحِ وَلَا قُدْرَةَ عَلَى الِانْفِكَاكِ عَنْهُ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَهُّمِ الَّذِي نَفَيَاهُ فَمَا قَالُوهُ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ وَالْمُنَاقَشَةِ فِي ذَلِكَ الْجَوَابِ بِنَاءٌ لِلْفَاسِدِ عَلَى الْفَاسِدِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ التَّسْمِيَةُ بِالْمُكْتَسَبِ أَنْسَبُ مِنْ التَّسْمِيَةِ بِغَيْرِ الْمُكْتَسَبِ لِوُجُودِ سَبَبِهَا وَهُوَ الِاكْتِسَابُ وَلِلنَّاصِرِ وسم هُنَا كَلَامٌ قَلِيلُ الْجَدْوَى مَبْنِيٌّ عَلَى تَقْدِيرٍ فِي الْكَلَامِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَمَا عَلَيْهِ تَعْوِيلٌ.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ الْحَوَاشِيُّ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ إنَّمَا يُتَّجَهُ كَوْنُهُ دَلِيلًا عَلَى
стр. 174
بَيْنَ الظَّنِّ وَبَيْنَ أَمْرٍ مَا بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُهُ عَنْهُ عَقْلًا أَوْ عَادَةً فَإِنَّهُ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ قَدْ يَزُولُ لِعَارِضٍ كَمَا إذَا أَخْبَرَ عَدْلٌ بِحُكْمٍ وَآخَرُ بِنَقِيضِهِ أَوْ لِظُهُورِ خِلَافِ الْمَظْنُونِ كَمَا إذَا ظَنَّ أَنَّ زَيْدًا فِي الدَّارِ لِكَوْنِ مَرْكَبِهِ وَخَدَمِهِ بِبَابِهَا ثُمَّ شُوهِدَ خَارِجَهَا.
وَأَمَّا غَيْرُ أَئِمَّتِنَا فَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا النَّظَرُ
ــ
[حاشية العطار]
عَدَمِ ثُبُوتِ الظَّنِّ بَعْدَ حُصُولِهِ لَا عَلَى انْتِفَاءِ حُصُولِهِ عَقِبَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ إذَا كَانَ صَحِيحَ الصُّورَةِ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْمَطْلُوبُ ظَنًّا كَانَ أَوْ عِلْمًا فَيَكُونُ مُرْتَبِطًا بِالْمُقَدَّمَتَيْنِ قَطْعًا وَيَجْرِي فِيهِ قَوْلَا اللُّزُومِ وَالْعَادَةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الظَّنِّ وَالْعِلْمِ أَوْ لَيْسَ أَنَّ النَّظَرَ سَبَبٌ فِي حُصُولِ الْمَطْلُوبِ، وَالسَّبَبُ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ.
وَهُوَ إشْكَالٌ قَوِيٌّ وَمَا تَكَلَّفَ بِهِ سم فِي رَدِّهِ بِقَوْلِهِ مَنْ تَأَمَّلَ وَأَنْصَفَ عَلِمَ أَنَّ حَاصِلَ فَرْقِ الشَّارِحِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ النَّظَرِ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ أَصْلًا إلَّا خَرْقًا لِلْعَادَةِ بِخِلَافِ الظَّنِّ فَإِنَّهُ يَتَخَلَّفُ كَثِيرًا وَالْفَرْقُ أَنَّ النَّظَرَ الْمُؤَدِّيَ لِلْعِلْمِ قَطَعَ التَّأْدِيَةَ إلَيْهِ وَالْقَطْعِيُّ لَا يُعَارِضُهُ شَيْءٌ مِنْ قَطْعٍ أَوْ ظَنٍّ فَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الْعِلْمُ أَبَدًا بِخِلَافِ النَّظَرِيِّ الْمُؤَدِّي إلَى الظَّنِّ فَإِنَّهُ ظَنِّيُّ التَّأْدِيَةِ وَالظَّنُّ يُمْكِنُ مُعَارَضَتُهُ بِقَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ فَتَنْتَفِي التَّأْدِيَةُ وَانْتِفَاؤُهَا لَا يُنَافِي سَبَبِيَّةَ النَّظَرِ فَالْمُعَارَضَةُ إذَا كَانَتْ مَنْشَأً لِسُقُوطِ الظَّنِّ بَعْدَ حُصُولِهِ كَانَتْ مَنْشَأً لِعَدَمِ حُصُولِهِ، آخِرُ مَا أَطَالَ بِهِ مِمَّا يَرْجِعُ أَكْثَرُهُ إلَى مَا نَقَلْنَاهُ وَرَحِمَهُ اللَّهُ فَلَقَدْ أَتَى فِي هَذَا الْمَقَامِ بِمَا لَا يَرْتَضِيهِ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ فِي عِلْمِ الْمَعْقُولِ، أَمَّا قَوْلُهُ حَاصِلُ فَرْقِ الشَّارِحِ إلَى قَوْلِهِ وَالْفَرْقُ فَهُوَ مَحَلُّ الْإِشْكَالِ وَقَوْلُهُ وَالْفَرْقُ إلَخْ إنْ أَرَادَ الْمُعَارَضَةَ بَعْدَ حُصُولِ الظَّنِّ فَقَدْ رَجَعْنَا إلَى مَا قَالَهُ الْجَمَاعَةُ إنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ إنَّمَا يَتَّجِهُ عَلَى عَدَمِ ثَبَاتِ الظَّنِّ بَعْدَ حُصُولِهِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنْ أَرَادَ قِيَامَ الْمُعَارِضِ حِينَ النَّظَرِ فِي مُقَدِّمَاتِ الدَّلِيلِ وَتَرْتِيبِهَا.
فَالْعِلْمُ وَالظَّنُّ فِيهِ سِيَّانِ لَكِنَّهُ مَتَى سَلِمَتْ الْمُقَدِّمَتَانِ وَتَرَتَّبَتْ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ مُطْلَقًا عِلْمًا كَانَ أَوْ ظَنًّا عَلَى أَنَّ الْمُعَارِضَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ قِيَامُهُ إذْ عِنْدَ النَّظَرِ فِي مَبَادِئِ الْمَطْلُوبِ لَا تَلْتَفِتُ النَّفْسُ إلَى غَيْرِهَا لِاسْتِحَالَةِ تَوَجُّهِ النَّفْسِ إلَى شَيْئَيْنِ مَعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ فَالْمُعَارِضُ لَا يَقُومُ إلَّا بَعْدَ حُصُولِ النَّتِيجَةِ وَبَعْدَ حُصُولِهَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ إنَّ التَّأْدِيَةَ انْتَفَتْ وَقَوْلُهُ إنَّ الْمُعَارَضَةَ إذَا كَانَتْ مَنْشَأً لِسُقُوطِ الظَّنِّ بَعْدَ حُصُولِهِ كَانَتْ مَنْشَأً لِعَدَمِ حُصُولِهِ دَعْوَى بَدِيهِيَّةِ الْبُطْلَانِ إذْ كَيْفَ تَقُومُ الْمُعَارَضَةُ حَالَةَ تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ؟ نَعَمْ قَدْ تَحْصُلُ الْمُعَارَضَةُ فِي بَعْضِ الْمُقَدِّمَاتِ لَكِنَّ ذَلِكَ حَالَةَ النَّظَرِ إلَيْهَا وَقَبْلَ تَرْتِيبِهَا وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ فَالْحَقُّ أَنَّ حُصُولَ الْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ مُنْفَكَّةٌ عَنْ النَّتِيجَةِ بِأَمْرٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ فَإِنَّ النَّتِيجَةَ لَازِمَةٌ لِلْمُقَدِّمَاتِ لُزُومًا غَيْرَ مُنْفَكٍّ فِي الْعِلْمِ وَفِي الظَّنِّ، نَعَمْ تَعَارُضُ الظَّنِّيَّاتِ إنَّمَا يُوجِبُ عَدَمَ قَطْعِيَّةِ الْمَظْنُونِ لَا عَدَمَ اللُّزُومِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ بَلْ النَّتِيجَةُ لَازِمَةٌ فَإِذَا زَالَتْ الْمُقَدِّمَاتُ لِمُعَارِضٍ زَالَتْ النَّتِيجَةُ وَهَذَا لَا يُنَافِي التَّلَازُمَ وَالِارْتِبَاطَ بَيْنَهُمَا فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ كَمَا قَالَهُ الْجَمَاعَةُ فَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ وَبَعْضُ الْحَوَاشِي نَقَلَ كَلَامَ سم مُسْتَحْسِنًا لَهُ قَائِلًا وَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ كَلَامَهُ نَاقَشَهُ بِمَا لَا يُسْمَعُ وَمَنْ نَظَرَ بِعَيْنِ الْإِنْصَافِ فِيمَا قُلْنَاهُ وَمَا قَالَهُ سم وَالْمُنْتَصِرُ لَهُ وَالْمُتَعَقِّبُ ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ عِيَانًا.
(قَوْلُهُ: بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُهُ) حَيْثِيَّةُ تَقْيِيدٍ أَيْ لَا ارْتِبَاطَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
(قَوْلُهُ: وَآخَرُ بِنَقِيضِهِ) أَيْ فَتَخَلَّفَ مَدْلُولُ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ عَنْهُ لِوُجُودِ الْمُعَارِضِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يَنْفِي لُزُومَ الْمَدْلُولِ لِلدَّلِيلِ الْأَوَّلِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا غَيْرُ أَئِمَّتِنَا) مُقَابِلُ قَوْلِ
стр. 175
يُوَلِّدُ الْعِلْمَ كَتَوْلِيدِ حَرَكَةِ الْيَدِ لِحَرَكَةِ الْمِفْتَاحِ عِنْدَهُمْ وَعَلَى وِزَانِهِ يُقَالُ الظَّنُّ الْحَاصِلُ مُتَوَلِّدٌ عَنْ النَّظَرِ عِنْدَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَنْهُ وَقَوْلُهُ عَقِيبَهُ بِالْيَاءِ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ جَرَتْ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَالْكَثِيرُ تَرْكُ الْيَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي تَحْرِيرِهِ.
(وَالْحَدُّ) عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ
ــ
[حاشية العطار]
الْمُصَنِّفِ أَئِمَّتُنَا، وَغَيْرُ مُبْتَدَأٌ، وَجُمْلَةُ قَوْلِهِ فَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا خَبَرٌ وَالرَّابِطُ مَحْذُوفٌ أَيْ فَالْمُعْتَزِلَةُ مِنْهُمْ وَبَقِيَ قَوْلٌ رَابِعٌ لِلْحُكَمَاءِ وَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْمَطْلُوبِ لِلنَّظَرِ فَالنَّظَرُ عِلَّةٌ فِي حُصُولِهِ وَفَيَضَانِهِ عَنْ الْمَبْدَأِ الْفَيَّاضِ الَّذِي هُوَ الْعَقْلُ الْعَاشِرُ عِنْدَهُمْ.
(قَوْلُهُ: يُوَلِّدُ الْعِلْمَ إلَخْ) التَّوْلِيدُ أَنْ يُوجِبَ الْفِعْلُ لِفَاعِلِهِ فِعْلًا آخَرَ كَحَرَكَةِ الْيَدِ وَحَرَكَةِ الْمِفْتَاحِ فَكِلْتَاهُمَا صَادِرَتَانِ عَنْهُ الْأُولَى بِالْمُبَاشَرَةِ وَالثَّانِيَةُ بِالتَّوَلُّدِ وَكَذَا يُقَالُ هُنَا فَالْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ عِنْدَهُمْ أَوْجَدَتْ النَّظَرَ فَتَوَلَّدَ عَنْهُ الْعِلْمُ.
(قَوْلُهُ: الظَّنُّ الْحَاصِلُ مُتَوَلِّدٌ عَنْ النَّظَرِ عِنْدَهُمْ) الْمُنَاسِبُ لِعَدِيلِهِ أَنْ يَقُولَ النَّظَرُ يُوَلِّدُ الظَّنَّ فَعَدَلَ عَنْهُ لِمَا أَسْلَفَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَ الظَّنِّ وَبَيْنَ أَمْرٍ مَا بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُهُ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ بَلْ عَلَى أَنَّ الظَّنَّ إذَا حَصَلَ كَانَ مُتَوَلِّدًا عَنْ النَّظَرِ.
وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَجِبْ) أَيْ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَا ارْتِبَاطَ بَيْنَ الظَّنِّ وَبَيْنَ أَمْرٍ مَا وَفِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا تَوَلُّدَ كَمَا عُلِمَ مِنْ مَعْنَى التَّوْلِيدِ هَذَا مُحَصِّلُ مَا فِي النَّاصِرِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيجَابِ الْمَأْخُوذِ فِي تَعْرِيفِ التَّوْلِيدِ مُطْلَقُ التَّسَبُّبِ وَالتَّأْثِيرِ وَهَذَا خِلَافُ الْوُجُوبِ الْمَنْفِيِّ فَإِنَّهُ التَّلَازُمُ. اهـ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَا يَقُولُونَ بِالتَّلَازُمِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي قَالَ بِهِ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْحَقُّ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِهِ بَلْ هُوَ لَازِمٌ لِقَاعِدَةِ الْقَوْلِ بِالتَّوَلُّدِ فِي الْفِعْلِ الصَّادِرِ بِطَرِيقَةِ ضَرُورَةِ عَدَمِ انْفِكَاكِ الْمَعْلُولِ عَنْ عِلَّتِهِ فَمَا قَالَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ هُنَا إنَّ التَّوَلُّدَ عَادِيٌّ يَجُوزُ تَخَلُّفُهُ ذُهُولٌ عَنْ قَاعِدَةِ التَّوَلُّدِ وَلِذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْبُرْهَانِ إنَّ النَّظَرَ يَسْتَعْقِبُ الْعِلْمَ عِنْدَهُمْ اسْتِعْقَابًا، لَا دَفْعَ لَهُ وَإِنَّ النَّظَرَ يُوَلِّدُهَا تَوْلِيدَ الْأَسْبَابِ مُسَبَّبَاتِهَا وَالْمَقْدُورُ الَّذِي هُوَ مُرْتَبِطُ التَّكْلِيفِ وَالثَّوَابِ عَدَمُ النَّظَرِ عِنْدِي اهـ.
وَإِنَّمَا قَالَ الشَّارِحُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَنْهُ لِمَا أَسْلَفَهُ مِنْ عَدَمِ الِارْتِبَاطِ فِي الظَّنِّيَّاتِ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ وَقَوْلُ بَعْضٍ وَقَدْ عَلِمْت صِحَّتَهُ تَقْلِيدٌ لسم.
وَقَدْ نَقَلَ كَلَامَهُ السَّابِقَ مُسْتَحْسِنًا لَهُ وَنَحْنُ أَبْطَلْنَاهُ وَالْحَقُّ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ وَبِالْجُمْلَةِ الْمَطْلُوبُ لَازِمٌ لِلنَّظَرِ عَلَى قَوْلِ مُحَقِّقِي الْأَشَاعِرَةِ وَكَلَامُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْحُكَمَاءِ وَالْفَارِقُ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ كَالنَّظَرِ لَكِنْ جَرَتْ الْعَادَةُ الْإِلَهِيَّةُ بِخَلْقِهِمَا مَعًا أَوْ بِعَدَمِهِمَا مَعًا وَلَا تَتَعَلَّقُ الْقُدْرَةُ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَعَلَى الثَّانِي بِطَرِيقِ التَّوَلُّدِ وَعَلَى الثَّالِثِ بِالتَّعْلِيلِ.
(قَوْلُهُ: جَرَتْ
стр. 176
مَا يُمَيِّزُ الشَّيْءَ عَمَّا عَدَاهُ كَالْعُرْفِ وَعِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ وَلَا يُمَيِّزُ كَذَلِكَ إلَّا مَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهَا وَالْأَوَّلُ مُبَيِّنٌ لِمَفْهُومِ الْحَدِّ وَالثَّانِي مُبَيِّنٌ لِخَاصَّتِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ الْحَدُّ (الْجَامِعُ) أَيْ لِأَفْرَادِ الْمَحْدُودِ (الْمَانِعُ) أَيْ مِنْ دُخُولِ غَيْرِهَا فِيهِ وَيُقَالُ أَيْضًا الْحَدُّ (الْمُطَّرِدُ) أَيْ الَّذِي كُلَّمَا وُجِدَ وُجِدَ الْمَحْدُودُ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ فَيَكُونُ مَانِعًا (الْمُنْعَكِسُ) أَيْ الَّذِي كُلَّمَا وُجِدَ الْمَحْدُودُ وُجِدَ هُوَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ فَيَكُونُ جَامِعًا فَمُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ وَالْأُولَى أَوْضَحُ فَتَصْدُقَانِ عَلَى الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ حَدًّا لِلْإِنْسَانِ بِخِلَافِ حَدِّهِ بِالْحَيَوَانِ الْكَاتِبِ بِالْفِعْلِ
ــ
[حاشية العطار]
عَلَى الْأَلْسِنَةِ) أَيْ أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ قَلِيلَةٌ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ اللُّغَةِ فَقَوْلُهُ وَالْكَثِيرُ أَيْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ
(قَوْلُهُ: وَالْحَدُّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ) احْتِرَازٌ عَنْهُ عِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ فَإِنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى مَا كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ فَهُوَ أَخَصُّ وَذَكَرَ الْحَدَّ هَاهُنَا بِاعْتِبَارِ مُقَابَلَتِهِ لِلدَّلِيلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا يُوَصِّلُ إلَى التَّصْدِيقِ يُسَمَّى دَلِيلًا وَمَا يُوَصِّلُ إلَى التَّصَوُّرِ يُسَمَّى حَدًّا.
(قَوْلُهُ: مَا يُمَيِّزُ إلَخْ) صَادِقٌ عَلَى الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالْإِعْلَامِ فَلَا يَطْرُدُ وَلَا يُمَيِّزُ الْمَاهِيَّةَ عَنْ أَفْرَادِهَا وَهِيَ غَيْرُ الْمَاهِيَّةِ فَإِنَّ الْجُزْئِيَّ غَيْرُ الْكُلِّيِّ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا يُمَيِّزُ كُلِّيٌّ مُحَوِّلٌ فَلَا يَصْدُقُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ كَمَا لَا يَخْفَى وَالْقَرِينَةُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْحَدِّ مَا يُقَالُ عَلَى الشَّيْءِ لِإِفَادَةِ تَصَوُّرِهِ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ لَا يَقَعُ فِيهَا اكْتِسَابٌ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْكُلِّيَّاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّعْرِيفَ طَرِيقٌ لِاكْتِسَابِ التَّصَوُّرَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالْمَفَاهِيمِ الْكُلِّيَّةِ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِعَدَمِ الطَّرْدِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا عَدَا الْمَاهِيَّةَ وَمَا عَدَا أَفْرَادَهَا وَلَمَّا كَانَتْ الْمَاهِيَّةُ فِي ضِمْنِ أَفْرَادِهَا اكْتَفَى بِذِكْرِ الْمَاهِيَّةِ عَنْ الْأَفْرَادِ؛ لِأَنَّ الْأَفْرَادَ لَيْسَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهَا وسم أَطَالَ الْكَلَامَ هُنَا بِذِكْرِ الْخِلَافِ فِي حَمْلِ الْجُزْئِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْمَقَامُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ) أَيْ قَوْلُهُ مَا يُمَيِّزُ الشَّيْءَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: مُبَيِّنٌ لِمَفْهُومِ الْحَدِّ) أَيْ فَهُوَ حَدٌّ حَقِيقِيٌّ اسْمِيٌّ؛ لِأَنَّهُ بِالذَّاتِيَّاتِ.
(قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) أَيْ قَوْلُهُ مَا لَا يَخْرُجُ إلَخْ (قَوْلُهُ: مُبَيِّنٌ لِخَاصَّتِهِ) لِكَوْنِهِ بِالْعَرَضِيَّاتِ فَيَكُونُ رَسْمًا.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ: الْجَامِعُ لِأَفْرَادِ الْمَحْدُودِ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ النَّاصِرُ لُزُومَ الدَّوْرِ؛ لِأَنَّ الْمَحْدُودَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَدِّ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْدُودِ الشَّيْءُ لَا يُوصَفُ كَوْنُهُ مَحْدُودًا وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يَشْمَلُ قَوْلَنَا وَكُلُّ إنْسَانٍ كَاتِبٌ مَثَلًا بَعْدَ قَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْكُلِّيَّةَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا جَامِعَةٌ لِأَفْرَادِ الْمَحْدُودِ.
وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ الْجَامِعُ لِأَفْرَادِ الْمَحْدُودِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَحْدُودٌ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ الْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِالْعِلِّيَّةِ وَجَمْعُ الْكُلِّيَّةِ لِلْأَفْرَادِ لَا مِنْ هَذِهِ الْحِينِيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ
стр. 177
فَإِنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ وَغَيْرُ مُنْعَكِسٍ وَبِالْحَيَوَانِ الْمَاشِي فَإِنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ وَغَيْرُ مُطَّرِدٍ وَتَفْسِيرُ الْمُنْعَكِسِ الْمُرَادِ بِهِ عَكْسُ الْمُرَادِ بِالْمُطَّرِدِ بِمَا ذَكَرَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْعَضُدِ الْمُوَافِقُ فِي إطْلَاقِ الْعَكْسِ عَلَيْهِ لِلْعُرْفِ حَيْثُ يُقَالُ كُلُّ إنْسَانٍ نَاطِقٌ وَبِالْعَكْسِ وَكُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ وَلَا عَكْسَ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ
ــ
[حاشية العطار]
لِأَنَّ هَذَا يَكُرُّ عَلَيْهِ بِإِبْطَالِ الْجَوَابِ عَنْ الدَّوْرِ كَمَا لَا يَخْفَى وَإِنْ كَانَ تَامًّا فِي نَفْسِهِ.
(قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ) لِعَدَمِ شُمُولِهِ الْأُمِّيَّ وَقَوْلُهُ وَغَيْرُ مُنْعَكِسٍ عَطْفٌ لَازِمٌ وَقَوْلُهُ وَتَفْسِيرُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَظْهَرُ وَالْمُرَادِ، بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِلْمُنْعَكِسِ وَعَكْسُ بِالرَّفْعِ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَقَوْلُهُ بِمَا ذَكَرَ مُتَعَلِّقٌ بِتَفْسِيرٍ وَهُوَ كُلَّمَا وُجِدَ الْمَحْدُودُ وُجِدَ الْحَدُّ وَالْمَأْخُوذُ وَالْمُوَافِقُ نَعْتَانِ لِتَفْسِيرٍ فَهُمَا بِالرَّفْعِ أَوْ بِالْجَرِّ نَعْتَانِ لِمَا فِي قَوْلِهِ بِمَا ذَكَرَ.
(قَوْلُهُ: لِلْعُرْفِ) أَيْ وَلِلْإِصْلَاحِ فِي عَكْسِ الْقَضِيَّةِ وَقَدْ قِيلَ فِي الْمُطَّرِدِ كُلَّمَا وُجِدَ الْحَدُّ وُجِدَ الْمَحْدُودُ وَعَكَسَ الْقَضِيَّةَ بِتَبْدِيلِ طَرَفَيْهَا وَهُوَ كُلَّمَا وُجِدَ الْمَحْدُودُ وُجِدَ الْحَدُّ.
(قَوْلُهُ: أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ) أَيْ بِالْمُنْعَكِسِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْعَكِسِ عَكْسُ الْمُرَادِ بِالْمُطَّرِدِ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ) أَيْ الْمُنْعَكِسَ.
(قَوْلُهُ: اللَّازِمُ) أَيْ تَفْسِيرُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ وَإِنَّمَا كَانَ لَازِمًا؛ لِأَنَّهُ عَكْسُ
стр. 178
أَيْ مَعْنَى. الْجَامِعُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ كُلَّمَا انْتَفَى الْحَدُّ انْتَفَى الْمَحْدُودُ اللَّازِمُ لِذَلِكَ التَّفْسِيرِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الِانْعِكَاسَ التَّلَازُمُ فِي الِانْتِفَاءِ كَالِاطِّرَادِ التَّلَازُمُ فِي الثُّبُوتِ.
(وَالْكَلَامُ) النَّفْسِيُّ (فِي الْأَزَلِ قِيلَ لَا يُسَمَّى خِطَابًا) حَقِيقَةً لِعَدَمِ مَنْ يُخَاطِبُ بِهِ إذْ ذَاكَ وَإِنَّمَا يُسَمَّاهُ حَقِيقَةً فِيمَا لَا يَزَالُ عِنْدَ وُجُودِ مَنْ يَفْهَمُ وَإِسْمَاعِهِ إيَّاهُ بِاللَّفْظِ كَالْقُرْآنِ أَوْ بِلَا لَفْظٍ كَمَا وَقَعَ لِمُوسَى ﵊ كَمَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ.
ــ
[حاشية العطار]
نَقِيضِ الْمُوَافِقِ وَعَكْسُ نَقِيضِ الْقَضِيَّةِ لَازِمٌ لَهَا.
(قَوْلُهُ: نَظَرًا إلَخْ) عِلَّةٌ لِتَفْسِيرِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ النَّاصِرُ وَالْحَقُّ مَعَ ابْنِ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ الِاطِّرَادَ وَالِانْعِكَاسَ وَصْفَانِ لِلْقَضِيَّةِ الْوَاقِعَةِ تَفْسِيرًا لِلْمُطَّرِدِ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ لِلْحَدِّ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ عَكْسُ الْحَدِّ لَا عَكْسُ الْقَضِيَّةِ الْوَاقِعَةِ صِفَةً لَهُ فَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى الشَّارِحِ عَكْسُ الشَّيْءِ بِعَكْسِ صِفَتِهِ.
وَقَدْ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ الِاطِّرَادَ وَالِانْعِكَاسَ صِفَتَيْنِ لِلْحَدِّ لَا لِلْقَضِيَّةِ هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِهِ وَخُلَاصَةُ جَوَابِ سم أَنَّ الصِّفَةَ وَالْمَوْصُوفَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَلَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِلصِّفَةِ صِفَةً لِلْمَوْصُوفِ وَلَهُمْ هَاهُنَا تَشْنِيعَاتٌ عَدَمُ ذِكْرِهَا أَوْلَى مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْبَحْثِ وَالْجَوَابِ لَيْسَ مِمَّا يَقْتَضِي هَذَا كُلَّهُ فَإِنَّ مَا عَبَّرَ بِهِ الشَّارِحُ مُوَافِقٌ لِعِبَارَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ غَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ تَسَمُّحٌ وَمِثْلُهُ مُغْتَفَرٌ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ
(قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ إلَخْ) مَنْ تَأَمَّلَ وَجَدَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ يَرْجِعَانِ لِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُسَمَّى خِطَابًا أَنَّهُ لَا يَتَنَوَّعُ وَمِنْ كَوْنِهِ لَا يَتَنَوَّعُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى خِطَابًا.
(قَوْلُهُ: فِي الْأَزَلِ) حَالٌ مِنْ الْكَلَامِ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا فِي الْأَزَلِ وَإِلَّا فَالْكَلَامُ مَوْجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا أَيْ هَلْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْخِطَابِ حَقِيقَةً فِيمَا لَا يَزَالُ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ مَعَ اعْتِبَارِ وَمُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ فِي الْأَزَلِ أَيْ قَبْلَ وُجُودِ مَنْ يُخَاطَبُ وَلَا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِيُسَمَّى؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ حَادِثَةٌ وَقَوْلُ سم يُتَصَوَّرُ وُقُوعَ التَّسْمِيَةِ أَزَلًا عَلَى الْقَوْلِ بِقِدَمِ الْأَلْفَاظِ، وَهْمٌ فَإِنَّ الْمَقُولَ بِقِدَمِهِ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ لَا هَذِهِ التَّسْمِيَةُ وَهُوَ لَفْظُ خِطَابٍ؛ لِأَنَّهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ كَبَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ خَالَفَ عَادَتَهُ وَحَكَى الْقَوْلَ الضَّعِيفَ وَطَوَى الصَّحِيحَ وَلَعَلَّ سِرَّهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَوِيٌّ أَيْضًا إذْ قَدْ رَجَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَجَرَى عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ.
(قَوْلُهُ: حَقِيقَةً) مُتَعَلِّقٌ بِيُسَمَّى وَهُوَ تَحْرِيرٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ وَأَنَّهُ فِي الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةٌ لَا فِي مُطْلَقِ الْإِطْلَاقِ الشَّامِلِ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ الْمَجَازِيَّةَ اعْتِبَارُ مَا تُؤَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
(قَوْلُهُ: إذْ ذَاكَ) الْإِشَارَةُ لِلْأَزَلِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ إذْ ذَاكَ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ إذْ إنَّمَا تُضَافُ لِلْجُمَلِ وَالْمُرَادُ بِالْوُجُودِ التَّحَقُّقُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَوْجُودٌ فَلَا خِطَابَ لِعَدَمِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِسْمَاعِهِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى وُجُودِ.
(قَوْلُهُ: كَالْقُرْآنِ) أَدْخَلَتْ الْكَافُ بَقِيَّةَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ وَلَوْ غَيْرَ قُدْسِيَّةٍ فَإِنَّهُ ﵊ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِلَا لَفْظٍ) كَوْنُ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ مِمَّا يُسْمَعُ هُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ كَمَا عُقِلَ رُؤْيَةَ مَا لَيْسَ بِلَوْنٍ وَلَا جِسْمٍ فَلْيُعْقِلْ سَمَاعُ مَا لَيْسَ بِصَوْتٍ، وَاسْتَحَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ سَمَاعَ مَا لَيْسَ بِصَوْتٍ فَعِنْدَهُ سَمِعَ سَيِّدُنَا مُوسَى ﵊ صَوْتًا دَالًّا عَلَى كَلَامِ اللَّهِ
стр. 179
خَرْقًا لِلْعَادَةِ وَقِيلَ سَمِعَهُ بِلَفْظٍ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ الْعَادَةُ وَعَلَى كُلٍّ اخْتَصَّ بِأَنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُسَمَّاهُ حَقِيقَةً بِتَنْزِيلِ الْمَعْدُومِ
ــ
[حاشية العطار]
تَعَالَى تَوَلَّى خَلْقَهُ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وَوَافَقَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فَقَالَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ سَمَاعُ غَيْرِ الصَّوْتِ إلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ بَتَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ مَعْلُومًا بِوَاسِطَةِ سَمَاعِ الصَّوْتِ كَانَ مَسْمُوعًا فَالِاخْتِلَافُ لَفْظِيٌّ لَا مَعْنَوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: خَرْقًا لِلْعَادَةِ) أَيْ وَقَعَ فِي حَالِ كَوْنِهِ خَرْقًا أَيْ خَارِقًا لِلْعَادَةِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ سَمِعَهُ) وَعَلَيْهِ فَمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ الشَّجَرَةِ بِمَعْنَى عِنْدَ.
(قَوْلُهُ: مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ) قَالَ سم لَعَلَّ وُقُوعَ السَّمَاعِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا لِمَحْذُورٍ فِي السَّمَاعِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي تَعَالِيَهُ عَنْ الْجِهَةِ وَإِنَّمَا يُنَافِيه لَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ الْمَسْمُوعَةُ قَائِمَةً بِذَاتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ فِي مَحَلٍّ اهـ.
وَلَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِجَمِيعِ الْجِهَاتِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَعَلَى كُلٍّ اخْتَصَّ بِأَنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ سَمِعَهُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
(قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ الْعَادَةُ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَحْذُوفِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أَيْ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ الْإِسْمَاعِ الَّذِي هُوَ الْعَادَةُ فَإِنَّ الْعَادَةَ أَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يُسْمَعُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَعَبَّرَ بِهَذَا هُنَا وَفِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ إمَّا لِلتَّفَنُّنِ وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا كَانَ السَّمَاعُ فِيهِ مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَبَّرَ بِالْخَرْقِ وَالثَّانِي لَمَّا كَانَ السَّمَاعُ فِيهِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ بِاللَّفْظِ، عَبَّرَ بِالْمُخَالَفَةِ الَّتِي هِيَ أَدْوَنُ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى كُلٍّ اخْتَصَّ إلَخْ) فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْعِلْمِ بِالْغَلَبَةِ لِسَبْقِهِ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، أَوْ لِأَنَّهُ سَمِعَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ أَوْ اللَّفْظِيَّ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ فَلَا يُرَادُ أَنَّ غَيْرَهُ خُوطِبَ بِالْكَلَامِ الْقَدِيمِ كَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ فَإِنْ قِيلَ إذَا أُرِيدَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنْتَظِمُ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَا إذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْأَزَلِيُّ وَأُرِيدَ بِسَمَاعِهِ فَهْمُهُ مِنْ الْأَصْوَاتِ الْمَسْمُوعَةِ فَمَا وَجْهُ اخْتِصَاصِ مُوسَى ﵇ بِأَنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ سَاقَ مَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَزَادَ قَوْلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ جِهَةٍ بِصَوْتٍ غَيْرِ مُكْتَسَبٍ لِلْعِبَادِ عَلَى مَا هُوَ شَأْنُ سَمَاعِنَا.
(قَوْلُهُ: يُسَمَّاهُ حَقِيقَةً) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يُسَمَّاهُ الْعَائِدِ عَلَى الْخِطَابِ.
(قَوْلُهُ: بِتَنْزِيلِ الْمَعْدُومِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الْمُخَالِفِ كَيْفَ يَتَأَتَّى خِطَابُ غَيْرِ الْمَوْجُودِ وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّهُ يَكْفِي تَقْدِيرُ وُجُودِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ بِالْفِعْلِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّنْزِيلَ الْمَذْكُورَ يُنَافِي كَوْنَ التَّسْمِيَةِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا مَجَازٌ لِعَلَاقَةِ الْأَوَّلِ أَوْ إطْلَاقُ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ نَزَّلَ الْمُخَاطَبُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ وَخُوطِبَ فَوَقَعَ الْخِطَابُ بَعْدَ التَّنْزِيلِ الْمَذْكُورِ بِالْفِعْلِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَالْمَجَازُ فِي التَّنْزِيلِ لَا فِيهِ وَكَوْنُ الْخِطَابِ حَقِيقَةً لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُخَاطَبِ بِالْفِعْلِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ تَنْزِيلُهُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ.
هَذَا مُحَصِّلُ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ وَأَنَّ اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ فَبَعْدَ جَعْلِ الْمُشَبَّهِ هُوَ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَهُوَ خِلَافُ الْحَقِّ وَأَيْضًا التَّسْمِيَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى تَأْوِيلٍ وَتَجُوزُ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ خِطَابًا بِتَأْوِيلِ أَنَّ مَنْ يُخَاطِبُ كَمَنْ خُوطِبَ فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ إذَا فَسَّرَ الْخِطَابَ بِالْكَلَامِ الَّذِي عُلِمَ أَنَّهُ يُفْهَمُ سُمِّيَ خِطَابًا بِالْفِعْلِ وَإِنْ فَسَّرَ بِمَا أَفْهَمَ بِالْفِعْلِ فَلَا كَمَا أَفَادَهُ الْعَضُدُ وَقَرَّرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَالْكَمَالُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكُورَانِيُّ إنَّهُ بَحْثٌ لَفْظِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْخِطَابِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَشَعَّبَتْ فِيهَا آرَاءُ الْفُضَلَاءِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ اُشْتُهِرَ مِنْ مَذْهَبِ شَيْخِنَا
стр. 180
الَّذِي سَيُوجَدُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ (وَ) الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فِي الْأَزَلِ (قِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ) إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَخَبَرٍ وَغَيْرِهَا
ــ
[حاشية العطار]
أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ مَصِيرُهُ إلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْعِلْمِ وُجُودُهُ وَاسْتِجْمَاعُهُ شَرَائِطُ التَّكْلِيفِ فَهُوَ مَعْدُومٌ مَأْمُورٌ بِالْأَمْرِ الْأَزَلِيِّ.
وَقَدْ تَمَادَى الْمُشَنِّعُونَ عَلَيْهِ وَانْتَهَى الْأَمْرُ إلَى انْكِفَافِ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ ثُمَّ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مَسْلَكَيْنِ لِلْأَصْحَابِ فِي إثْبَاتِ كَوْنِ الْمَعْدُومِ مَأْمُورًا أَوْرَدَهَا ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إنَّمَا رُسِمَتْ لِسُؤَالِ الْمُعْتَزِلَةِ إذْ قَالُوا لَوْ كَانَ الْكَلَامُ أَزَلِيًّا لَكَانَ أَمْرًا وَلَوْ كَانَ أَمْرًا لَتَعَلَّقَ بِالْمُخَاطِبِ فِي حَالِ عَدَمِهِ، فَإِذَا أَوْضَحْنَا أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ ارْتِبَاطٍ بِمُخَاطِبٍ فَقَدْ رُفِعَ السُّؤَالُ وَآلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ مَأْمُورٌ عَلَى شَرْطِ الْوُجُودِ وَهَذَا مُنْتَهَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ.
وَأَنَا أَقُولُ: إنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْمَعْدُومَ مَأْمُورٌ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْمَعْقُولِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ إنَّهُ مَأْمُورٌ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ تَلْبِيسٌ فَإِنَّهُ إذَا وُجِدَ لَيْسَ مَعْدُومًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوُجُودَ شَرْطٌ فِي كَوْنِ الْمَأْمُورِ مَأْمُورًا أَوْ إذَا لَاحَ ذَلِكَ بَقِيَ النَّظَرُ فِي أَمْرٍ بِلَا مَأْمُورٍ وَهَذَا مُعْضِلٌ أَرِبٌ فَإِنَّ الْأَمْرَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ وَفَرْضُ مُتَعَلِّقٍ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُ مُحَالٌ وَاَلَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ قِيَامِ الْأَمْرِ فَيُنَافِي غَيْبَةَ الْمَأْمُورِ فَهُوَ تَمْوِيهٌ وَمَا أَرَى ذَلِكَ أَمْرًا خَارِقًا وَإِنَّمَا هُوَ تَقْدِيرُ فَرْضِ الْأَمْرِ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَإِذَا حَضَرَ الْمُخَاطِبُ قَامَ بِنَفْسِ الْأَمْرِ إلْحَاقُ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، وَالْكَلَامُ الْأَزَلِيُّ لَيْسَ تَقْدِيرًا فَهَذَا مَا نَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ وَإِنْ أَسْعَفَ الزَّمَانُ أَمْلَيْنَا مَجْمُوعًا مِنْ الْكَلَامِ فِيهِ شِفَاءُ الْغَلِيلِ اهـ.
وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ أَنَّ وُجُودَ الْمُخَاطِبِ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي الْكَلَامِ الْحِسِّيِّ، وَأَمَّا النَّفْسِيُّ فَيَكْفِيه وُجُودُ الْعَقْلِيِّ اهـ.
وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ لِدَعْوَى التَّنْزِيلِ وَلَكِنَّ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ دَعْوَى تَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ الْحَقُّ أَنَّ نَفْسَ الطَّلَبِ مِنْ الْمَعْدُومِ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ الْإِتْيَانَ بِهِ حَالَ الْوُجُودِ مَحَلُّ إشْكَالٍ إذْ الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَهُوَ غَيْرُ فَاهِمٍ الْخِطَابَ فَلَا بُدَّ لِلطَّلَبِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْإِتْيَانَ حَالَ الْوُجُودِ مِنْ فَهْمِ الْخِطَابِ.
(قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ) هَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ الْقَطَّانِ أَحَدِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ قَبْلَ الْأَشْعَرِيِّ.
وَفِي الْبُرْهَانِ أَنَّ الْقَلَانِسِيَّ مِنْ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ يَقُولُ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا إلَخْ وَإِنَّمَا نُثْبِتُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِيمَا لَا يَزَالُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُخَاطِبِينَ كَمَا يَتَّصِفُ الْبَارِي بِكَوْنِهِ خَالِقًا وَرَازِقًا فِيمَا لَا يَزَالُ وَإِيضَاحُ الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ هُوَ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ وَهُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَخَاصِّيَّتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَوْنُ الْكَلَامِ أَمْرًا مِنْ حَقِيقَتِهِ النَّفْسِيَّةِ وَصِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَالْحَقَائِقُ يَسْتَحِيلُ تَجَدُّدُهَا وَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ كَوْنِهِ خَالِقًا وَرَازِقًا حُكْمٌ حَقِيقَةً رَاجِعٌ إلَى ذَاتِهِ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى بِكَوْنِهِ خَالِقًا وُقُوعُ الْخَلْقِ بِقُدْرَتِهِ.
وَنَقُولُ لِأَبِي الْعَبَّاسِ أَيْضًا قَدْ أَثْبَتَّ كَلَامًا خَارِجًا عَنْ كَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا إلَخْ وَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ قَطْعًا فَلَئِنْ جَازَ ذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى أَنَّ الصِّفَةَ الْأَزَلِيَّةَ لَيْسَتْ كَلَامًا أَزَلًا ثُمَّ يَسْتَجِدُّ كَوْنُهَا كَلَامًا فِيمَا لَا يَزَالُ فَقَدْ لَاحَ سُقُوطُ مَذْهَبِهِ اهـ.
وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَرُدُّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرُ مَا أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ.
(قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فِي الْأَزَلِ قِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ إلَخْ) زَادَ الشَّارِحُ لَفْظَ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهَا فَيَتِمُّ لَهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدَّمَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ إلَخْ الْأَقْسَامِ) وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ هُوَ فِي الْأَصْلِ
следующие страницы →