← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مَا يُمَيِّزُ الشَّيْءَ عَمَّا عَدَاهُ كَالْعُرْفِ وَعِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ وَلَا يُمَيِّزُ كَذَلِكَ إلَّا مَا لَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهَا وَالْأَوَّلُ مُبَيِّنٌ لِمَفْهُومِ الْحَدِّ وَالثَّانِي مُبَيِّنٌ لِخَاصَّتِهِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ الْحَدُّ (الْجَامِعُ) أَيْ لِأَفْرَادِ الْمَحْدُودِ (الْمَانِعُ) أَيْ مِنْ دُخُولِ غَيْرِهَا فِيهِ وَيُقَالُ أَيْضًا الْحَدُّ (الْمُطَّرِدُ) أَيْ الَّذِي كُلَّمَا وُجِدَ وُجِدَ الْمَحْدُودُ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ فَيَكُونُ مَانِعًا (الْمُنْعَكِسُ) أَيْ الَّذِي كُلَّمَا وُجِدَ الْمَحْدُودُ وُجِدَ هُوَ فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ أَفْرَادِ الْمَحْدُودِ فَيَكُونُ جَامِعًا فَمُؤَدَّى الْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ وَالْأُولَى أَوْضَحُ فَتَصْدُقَانِ عَلَى الْحَيَوَانِ النَّاطِقِ حَدًّا لِلْإِنْسَانِ بِخِلَافِ حَدِّهِ بِالْحَيَوَانِ الْكَاتِبِ بِالْفِعْلِ ــ [حاشية العطار] عَلَى الْأَلْسِنَةِ) أَيْ أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ قَلِيلَةٌ فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ اللُّغَةِ فَقَوْلُهُ وَالْكَثِيرُ أَيْ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ (قَوْلُهُ: وَالْحَدُّ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ) احْتِرَازٌ عَنْهُ عِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ فَإِنَّهُ قَاصِرٌ عَلَى مَا كَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ فَهُوَ أَخَصُّ وَذَكَرَ الْحَدَّ هَاهُنَا بِاعْتِبَارِ مُقَابَلَتِهِ لِلدَّلِيلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ مَا يُوَصِّلُ إلَى التَّصْدِيقِ يُسَمَّى دَلِيلًا وَمَا يُوَصِّلُ إلَى التَّصَوُّرِ يُسَمَّى حَدًّا. (قَوْلُهُ: مَا يُمَيِّزُ إلَخْ) صَادِقٌ عَلَى الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالْإِعْلَامِ فَلَا يَطْرُدُ وَلَا يُمَيِّزُ الْمَاهِيَّةَ عَنْ أَفْرَادِهَا وَهِيَ غَيْرُ الْمَاهِيَّةِ فَإِنَّ الْجُزْئِيَّ غَيْرُ الْكُلِّيِّ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا يُمَيِّزُ كُلِّيٌّ مُحَوِّلٌ فَلَا يَصْدُقُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ كَمَا لَا يَخْفَى وَالْقَرِينَةُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُمْ فِي تَعْرِيفِ الْحَدِّ مَا يُقَالُ عَلَى الشَّيْءِ لِإِفَادَةِ تَصَوُّرِهِ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ لَا يَقَعُ فِيهَا اكْتِسَابٌ وَإِنَّمَا هُوَ بِالْكُلِّيَّاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّعْرِيفَ طَرِيقٌ لِاكْتِسَابِ التَّصَوُّرَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِالْمَفَاهِيمِ الْكُلِّيَّةِ فَانْدَفَعَ الِاعْتِرَاضُ بِعَدَمِ الطَّرْدِ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا عَدَا الْمَاهِيَّةَ وَمَا عَدَا أَفْرَادَهَا وَلَمَّا كَانَتْ الْمَاهِيَّةُ فِي ضِمْنِ أَفْرَادِهَا اكْتَفَى بِذِكْرِ الْمَاهِيَّةِ عَنْ الْأَفْرَادِ؛ لِأَنَّ الْأَفْرَادَ لَيْسَتْ أَجْنَبِيَّةً عَنْهَا وسم أَطَالَ الْكَلَامَ هُنَا بِذِكْرِ الْخِلَافِ فِي حَمْلِ الْجُزْئِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْمَقَامُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ. (قَوْلُهُ: وَالْأَوَّلُ) أَيْ قَوْلُهُ مَا يُمَيِّزُ الشَّيْءَ إلَخْ. (قَوْلُهُ: مُبَيِّنٌ لِمَفْهُومِ الْحَدِّ) أَيْ فَهُوَ حَدٌّ حَقِيقِيٌّ اسْمِيٌّ؛ لِأَنَّهُ بِالذَّاتِيَّاتِ. (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) أَيْ قَوْلُهُ مَا لَا يَخْرُجُ إلَخْ (قَوْلُهُ: مُبَيِّنٌ لِخَاصَّتِهِ) لِكَوْنِهِ بِالْعَرَضِيَّاتِ فَيَكُونُ رَسْمًا. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الثَّانِي. (قَوْلُهُ: الْجَامِعُ لِأَفْرَادِ الْمَحْدُودِ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ النَّاصِرُ لُزُومَ الدَّوْرِ؛ لِأَنَّ الْمَحْدُودَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَدِّ وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَحْدُودِ الشَّيْءُ لَا يُوصَفُ كَوْنُهُ مَحْدُودًا وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّهُ يَشْمَلُ قَوْلَنَا وَكُلُّ إنْسَانٍ كَاتِبٌ مَثَلًا بَعْدَ قَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ فَإِنَّ هَذِهِ الْكُلِّيَّةَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا جَامِعَةٌ لِأَفْرَادِ الْمَحْدُودِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ الْجَامِعُ لِأَفْرَادِ الْمَحْدُودِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَحْدُودٌ؛ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ الْمُشْتَقِّ يُؤْذِنُ بِالْعِلِّيَّةِ وَجَمْعُ الْكُلِّيَّةِ لِلْأَفْرَادِ لَا مِنْ هَذِهِ الْحِينِيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ

стр. 177

فَإِنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ وَغَيْرُ مُنْعَكِسٍ وَبِالْحَيَوَانِ الْمَاشِي فَإِنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ وَغَيْرُ مُطَّرِدٍ وَتَفْسِيرُ الْمُنْعَكِسِ الْمُرَادِ بِهِ عَكْسُ الْمُرَادِ بِالْمُطَّرِدِ بِمَا ذَكَرَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْعَضُدِ الْمُوَافِقُ فِي إطْلَاقِ الْعَكْسِ عَلَيْهِ لِلْعُرْفِ حَيْثُ يُقَالُ كُلُّ إنْسَانٍ نَاطِقٌ وَبِالْعَكْسِ وَكُلُّ إنْسَانٍ حَيَوَانٌ وَلَا عَكْسَ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ ــ [حاشية العطار] لِأَنَّ هَذَا يَكُرُّ عَلَيْهِ بِإِبْطَالِ الْجَوَابِ عَنْ الدَّوْرِ كَمَا لَا يَخْفَى وَإِنْ كَانَ تَامًّا فِي نَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ غَيْرُ جَامِعٍ) لِعَدَمِ شُمُولِهِ الْأُمِّيَّ وَقَوْلُهُ وَغَيْرُ مُنْعَكِسٍ عَطْفٌ لَازِمٌ وَقَوْلُهُ وَتَفْسِيرُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أَظْهَرُ وَالْمُرَادِ، بِالْجَرِّ نَعْتٌ لِلْمُنْعَكِسِ وَعَكْسُ بِالرَّفْعِ نَائِبُ الْفَاعِلِ وَقَوْلُهُ بِمَا ذَكَرَ مُتَعَلِّقٌ بِتَفْسِيرٍ وَهُوَ كُلَّمَا وُجِدَ الْمَحْدُودُ وُجِدَ الْحَدُّ وَالْمَأْخُوذُ وَالْمُوَافِقُ نَعْتَانِ لِتَفْسِيرٍ فَهُمَا بِالرَّفْعِ أَوْ بِالْجَرِّ نَعْتَانِ لِمَا فِي قَوْلِهِ بِمَا ذَكَرَ. (قَوْلُهُ: لِلْعُرْفِ) أَيْ وَلِلْإِصْلَاحِ فِي عَكْسِ الْقَضِيَّةِ وَقَدْ قِيلَ فِي الْمُطَّرِدِ كُلَّمَا وُجِدَ الْحَدُّ وُجِدَ الْمَحْدُودُ وَعَكَسَ الْقَضِيَّةَ بِتَبْدِيلِ طَرَفَيْهَا وَهُوَ كُلَّمَا وُجِدَ الْمَحْدُودُ وُجِدَ الْحَدُّ. (قَوْلُهُ: أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ) أَيْ بِالْمُنْعَكِسِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنْعَكِسِ عَكْسُ الْمُرَادِ بِالْمُطَّرِدِ. (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ) أَيْ الْمُنْعَكِسَ. (قَوْلُهُ: اللَّازِمُ) أَيْ تَفْسِيرُ ابْنِ الْحَاجِبِ فَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ وَإِنَّمَا كَانَ لَازِمًا؛ لِأَنَّهُ عَكْسُ

стр. 178

أَيْ مَعْنَى. الْجَامِعُ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ بِأَنَّهُ كُلَّمَا انْتَفَى الْحَدُّ انْتَفَى الْمَحْدُودُ اللَّازِمُ لِذَلِكَ التَّفْسِيرِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الِانْعِكَاسَ التَّلَازُمُ فِي الِانْتِفَاءِ كَالِاطِّرَادِ التَّلَازُمُ فِي الثُّبُوتِ. (وَالْكَلَامُ) النَّفْسِيُّ (فِي الْأَزَلِ قِيلَ لَا يُسَمَّى خِطَابًا) حَقِيقَةً لِعَدَمِ مَنْ يُخَاطِبُ بِهِ إذْ ذَاكَ وَإِنَّمَا يُسَمَّاهُ حَقِيقَةً فِيمَا لَا يَزَالُ عِنْدَ وُجُودِ مَنْ يَفْهَمُ وَإِسْمَاعِهِ إيَّاهُ بِاللَّفْظِ كَالْقُرْآنِ أَوْ بِلَا لَفْظٍ كَمَا وَقَعَ لِمُوسَى ﵊ كَمَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ. ــ [حاشية العطار] نَقِيضِ الْمُوَافِقِ وَعَكْسُ نَقِيضِ الْقَضِيَّةِ لَازِمٌ لَهَا. (قَوْلُهُ: نَظَرًا إلَخْ) عِلَّةٌ لِتَفْسِيرِ ابْنِ الْحَاجِبِ قَالَ النَّاصِرُ وَالْحَقُّ مَعَ ابْنِ الْحَاجِبِ؛ لِأَنَّ الِاطِّرَادَ وَالِانْعِكَاسَ وَصْفَانِ لِلْقَضِيَّةِ الْوَاقِعَةِ تَفْسِيرًا لِلْمُطَّرِدِ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ لِلْحَدِّ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ عَكْسُ الْحَدِّ لَا عَكْسُ الْقَضِيَّةِ الْوَاقِعَةِ صِفَةً لَهُ فَقَدْ اشْتَبَهَ عَلَى الشَّارِحِ عَكْسُ الشَّيْءِ بِعَكْسِ صِفَتِهِ. وَقَدْ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ نَفْسُهُ الِاطِّرَادَ وَالِانْعِكَاسَ صِفَتَيْنِ لِلْحَدِّ لَا لِلْقَضِيَّةِ هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِهِ وَخُلَاصَةُ جَوَابِ سم أَنَّ الصِّفَةَ وَالْمَوْصُوفَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَلَا مَانِعَ مِنْ جَعْلِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِلصِّفَةِ صِفَةً لِلْمَوْصُوفِ وَلَهُمْ هَاهُنَا تَشْنِيعَاتٌ عَدَمُ ذِكْرِهَا أَوْلَى مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْبَحْثِ وَالْجَوَابِ لَيْسَ مِمَّا يَقْتَضِي هَذَا كُلَّهُ فَإِنَّ مَا عَبَّرَ بِهِ الشَّارِحُ مُوَافِقٌ لِعِبَارَةِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ غَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ تَسَمُّحٌ وَمِثْلُهُ مُغْتَفَرٌ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ (قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ إلَخْ) مَنْ تَأَمَّلَ وَجَدَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ يَرْجِعَانِ لِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَا يُسَمَّى خِطَابًا أَنَّهُ لَا يَتَنَوَّعُ وَمِنْ كَوْنِهِ لَا يَتَنَوَّعُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى خِطَابًا. (قَوْلُهُ: فِي الْأَزَلِ) حَالٌ مِنْ الْكَلَامِ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا فِي الْأَزَلِ وَإِلَّا فَالْكَلَامُ مَوْجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا أَيْ هَلْ يُطْلَقُ لَفْظُ الْخِطَابِ حَقِيقَةً فِيمَا لَا يَزَالُ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ مَعَ اعْتِبَارِ وَمُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ فِي الْأَزَلِ أَيْ قَبْلَ وُجُودِ مَنْ يُخَاطَبُ وَلَا يَجُوزُ تَعَلُّقُهُ بِيُسَمَّى؛ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ حَادِثَةٌ وَقَوْلُ سم يُتَصَوَّرُ وُقُوعَ التَّسْمِيَةِ أَزَلًا عَلَى الْقَوْلِ بِقِدَمِ الْأَلْفَاظِ، وَهْمٌ فَإِنَّ الْمَقُولَ بِقِدَمِهِ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ لَا هَذِهِ التَّسْمِيَةُ وَهُوَ لَفْظُ خِطَابٍ؛ لِأَنَّهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ كَبَقِيَّةِ الْأَلْفَاظِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْمُصَنِّفَ خَالَفَ عَادَتَهُ وَحَكَى الْقَوْلَ الضَّعِيفَ وَطَوَى الصَّحِيحَ وَلَعَلَّ سِرَّهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَوِيٌّ أَيْضًا إذْ قَدْ رَجَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَجَرَى عَلَيْهِ الْآمِدِيُّ. (قَوْلُهُ: حَقِيقَةً) مُتَعَلِّقٌ بِيُسَمَّى وَهُوَ تَحْرِيرٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ وَأَنَّهُ فِي الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةٌ لَا فِي مُطْلَقِ الْإِطْلَاقِ الشَّامِلِ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ الْمَجَازِيَّةَ اعْتِبَارُ مَا تُؤَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: إذْ ذَاكَ) الْإِشَارَةُ لِلْأَزَلِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ إذْ ذَاكَ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّ إذْ إنَّمَا تُضَافُ لِلْجُمَلِ وَالْمُرَادُ بِالْوُجُودِ التَّحَقُّقُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَوْجُودٌ فَلَا خِطَابَ لِعَدَمِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَإِسْمَاعِهِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى وُجُودِ. (قَوْلُهُ: كَالْقُرْآنِ) أَدْخَلَتْ الْكَافُ بَقِيَّةَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ وَلَوْ غَيْرَ قُدْسِيَّةٍ فَإِنَّهُ ﵊ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى. (قَوْلُهُ: أَوْ بِلَا لَفْظٍ) كَوْنُ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ مِمَّا يُسْمَعُ هُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ كَمَا عُقِلَ رُؤْيَةَ مَا لَيْسَ بِلَوْنٍ وَلَا جِسْمٍ فَلْيُعْقِلْ سَمَاعُ مَا لَيْسَ بِصَوْتٍ، وَاسْتَحَالَ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ سَمَاعَ مَا لَيْسَ بِصَوْتٍ فَعِنْدَهُ سَمِعَ سَيِّدُنَا مُوسَى ﵊ صَوْتًا دَالًّا عَلَى كَلَامِ اللَّهِ

стр. 179

خَرْقًا لِلْعَادَةِ وَقِيلَ سَمِعَهُ بِلَفْظٍ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ الْعَادَةُ وَعَلَى كُلٍّ اخْتَصَّ بِأَنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُسَمَّاهُ حَقِيقَةً بِتَنْزِيلِ الْمَعْدُومِ ــ [حاشية العطار] تَعَالَى تَوَلَّى خَلْقَهُ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وَوَافَقَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فَقَالَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ سَمَاعُ غَيْرِ الصَّوْتِ إلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ بَتَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَمَّا كَانَ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ مَعْلُومًا بِوَاسِطَةِ سَمَاعِ الصَّوْتِ كَانَ مَسْمُوعًا فَالِاخْتِلَافُ لَفْظِيٌّ لَا مَعْنَوِيٌّ. (قَوْلُهُ: خَرْقًا لِلْعَادَةِ) أَيْ وَقَعَ فِي حَالِ كَوْنِهِ خَرْقًا أَيْ خَارِقًا لِلْعَادَةِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ سَمِعَهُ) وَعَلَيْهِ فَمِنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ الشَّجَرَةِ بِمَعْنَى عِنْدَ. (قَوْلُهُ: مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ) قَالَ سم لَعَلَّ وُقُوعَ السَّمَاعِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا لِمَحْذُورٍ فِي السَّمَاعِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي تَعَالِيَهُ عَنْ الْجِهَةِ وَإِنَّمَا يُنَافِيه لَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ الْمَسْمُوعَةُ قَائِمَةً بِذَاتِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ فِي مَحَلٍّ اهـ. وَلَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِجَمِيعِ الْجِهَاتِ لِأَجْلِ قَوْلِهِ بَعْدُ وَعَلَى كُلٍّ اخْتَصَّ بِأَنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ سَمِعَهُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ. (قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ الْعَادَةُ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَحْذُوفِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أَيْ وَقَعَ عَلَى خِلَافِ الْإِسْمَاعِ الَّذِي هُوَ الْعَادَةُ فَإِنَّ الْعَادَةَ أَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يُسْمَعُ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَعَبَّرَ بِهَذَا هُنَا وَفِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ خَرْقًا لِلْعَادَةِ إمَّا لِلتَّفَنُّنِ وَإِمَّا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمَّا كَانَ السَّمَاعُ فِيهِ مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَبَّرَ بِالْخَرْقِ وَالثَّانِي لَمَّا كَانَ السَّمَاعُ فِيهِ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْعَادَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ بِاللَّفْظِ، عَبَّرَ بِالْمُخَالَفَةِ الَّتِي هِيَ أَدْوَنُ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ. (قَوْلُهُ: وَعَلَى كُلٍّ اخْتَصَّ إلَخْ) فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْعِلْمِ بِالْغَلَبَةِ لِسَبْقِهِ فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، أَوْ لِأَنَّهُ سَمِعَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ أَوْ اللَّفْظِيَّ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ فَلَا يُرَادُ أَنَّ غَيْرَهُ خُوطِبَ بِالْكَلَامِ الْقَدِيمِ كَسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ . وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ فَإِنْ قِيلَ إذَا أُرِيدَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنْتَظِمُ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ تَعْيِينِ الْمَحَلِّ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَا إذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْأَزَلِيُّ وَأُرِيدَ بِسَمَاعِهِ فَهْمُهُ مِنْ الْأَصْوَاتِ الْمَسْمُوعَةِ فَمَا وَجْهُ اخْتِصَاصِ مُوسَى ﵇ بِأَنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ سَاقَ مَا ذَكَرَ الشَّارِحُ وَزَادَ قَوْلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ جِهَةٍ بِصَوْتٍ غَيْرِ مُكْتَسَبٍ لِلْعِبَادِ عَلَى مَا هُوَ شَأْنُ سَمَاعِنَا. (قَوْلُهُ: يُسَمَّاهُ حَقِيقَةً) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ يُسَمَّاهُ الْعَائِدِ عَلَى الْخِطَابِ. (قَوْلُهُ: بِتَنْزِيلِ الْمَعْدُومِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ مِنْ جِهَةِ الْمُخَالِفِ كَيْفَ يَتَأَتَّى خِطَابُ غَيْرِ الْمَوْجُودِ وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّهُ يَكْفِي تَقْدِيرُ وُجُودِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ بِالْفِعْلِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ التَّنْزِيلَ الْمَذْكُورَ يُنَافِي كَوْنَ التَّسْمِيَةِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا مَجَازٌ لِعَلَاقَةِ الْأَوَّلِ أَوْ إطْلَاقُ مَا بِالْفِعْلِ عَلَى مَا بِالْقُوَّةِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ نَزَّلَ الْمُخَاطَبُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ وَخُوطِبَ فَوَقَعَ الْخِطَابُ بَعْدَ التَّنْزِيلِ الْمَذْكُورِ بِالْفِعْلِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَالْمَجَازُ فِي التَّنْزِيلِ لَا فِيهِ وَكَوْنُ الْخِطَابِ حَقِيقَةً لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُخَاطَبِ بِالْفِعْلِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ تَنْزِيلُهُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ. هَذَا مُحَصِّلُ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ وَأَنَّ اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ فَبَعْدَ جَعْلِ الْمُشَبَّهِ هُوَ الْمُشَبَّهَ بِهِ يَكُونُ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا وُضِعَ لَهُ وَهُوَ خِلَافُ الْحَقِّ وَأَيْضًا التَّسْمِيَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى تَأْوِيلٍ وَتَجُوزُ لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ خِطَابًا بِتَأْوِيلِ أَنَّ مَنْ يُخَاطِبُ كَمَنْ خُوطِبَ فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِأَنَّهُ إذَا فَسَّرَ الْخِطَابَ بِالْكَلَامِ الَّذِي عُلِمَ أَنَّهُ يُفْهَمُ سُمِّيَ خِطَابًا بِالْفِعْلِ وَإِنْ فَسَّرَ بِمَا أَفْهَمَ بِالْفِعْلِ فَلَا كَمَا أَفَادَهُ الْعَضُدُ وَقَرَّرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَالْكَمَالُ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْكُورَانِيُّ إنَّهُ بَحْثٌ لَفْظِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى تَفْسِيرِ الْخِطَابِ. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا تَشَعَّبَتْ فِيهَا آرَاءُ الْفُضَلَاءِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ اُشْتُهِرَ مِنْ مَذْهَبِ شَيْخِنَا

стр. 180

الَّذِي سَيُوجَدُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ (وَ) الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فِي الْأَزَلِ (قِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ) إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَخَبَرٍ وَغَيْرِهَا ــ [حاشية العطار] أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ مَصِيرُهُ إلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ الَّذِي وَقَعَ فِي الْعِلْمِ وُجُودُهُ وَاسْتِجْمَاعُهُ شَرَائِطُ التَّكْلِيفِ فَهُوَ مَعْدُومٌ مَأْمُورٌ بِالْأَمْرِ الْأَزَلِيِّ. وَقَدْ تَمَادَى الْمُشَنِّعُونَ عَلَيْهِ وَانْتَهَى الْأَمْرُ إلَى انْكِفَافِ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ ثُمَّ ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مَسْلَكَيْنِ لِلْأَصْحَابِ فِي إثْبَاتِ كَوْنِ الْمَعْدُومِ مَأْمُورًا أَوْرَدَهَا ثُمَّ قَالَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إنَّمَا رُسِمَتْ لِسُؤَالِ الْمُعْتَزِلَةِ إذْ قَالُوا لَوْ كَانَ الْكَلَامُ أَزَلِيًّا لَكَانَ أَمْرًا وَلَوْ كَانَ أَمْرًا لَتَعَلَّقَ بِالْمُخَاطِبِ فِي حَالِ عَدَمِهِ، فَإِذَا أَوْضَحْنَا أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ ثُبُوتُ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ ارْتِبَاطٍ بِمُخَاطِبٍ فَقَدْ رُفِعَ السُّؤَالُ وَآلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ مَأْمُورٌ عَلَى شَرْطِ الْوُجُودِ وَهَذَا مُنْتَهَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ. وَأَنَا أَقُولُ: إنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْمَعْدُومَ مَأْمُورٌ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْمَعْقُولِ وَقَوْلُ الْقَائِلِ إنَّهُ مَأْمُورٌ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ تَلْبِيسٌ فَإِنَّهُ إذَا وُجِدَ لَيْسَ مَعْدُومًا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوُجُودَ شَرْطٌ فِي كَوْنِ الْمَأْمُورِ مَأْمُورًا أَوْ إذَا لَاحَ ذَلِكَ بَقِيَ النَّظَرُ فِي أَمْرٍ بِلَا مَأْمُورٍ وَهَذَا مُعْضِلٌ أَرِبٌ فَإِنَّ الْأَمْرَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ وَفَرْضُ مُتَعَلِّقٍ لَا مُتَعَلِّقَ لَهُ مُحَالٌ وَاَلَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ قِيَامِ الْأَمْرِ فَيُنَافِي غَيْبَةَ الْمَأْمُورِ فَهُوَ تَمْوِيهٌ وَمَا أَرَى ذَلِكَ أَمْرًا خَارِقًا وَإِنَّمَا هُوَ تَقْدِيرُ فَرْضِ الْأَمْرِ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَإِذَا حَضَرَ الْمُخَاطِبُ قَامَ بِنَفْسِ الْأَمْرِ إلْحَاقُ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، وَالْكَلَامُ الْأَزَلِيُّ لَيْسَ تَقْدِيرًا فَهَذَا مَا نَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ وَإِنْ أَسْعَفَ الزَّمَانُ أَمْلَيْنَا مَجْمُوعًا مِنْ الْكَلَامِ فِيهِ شِفَاءُ الْغَلِيلِ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ أَنَّ وُجُودَ الْمُخَاطِبِ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي الْكَلَامِ الْحِسِّيِّ، وَأَمَّا النَّفْسِيُّ فَيَكْفِيه وُجُودُ الْعَقْلِيِّ اهـ. وَعَلَيْهِ فَلَا حَاجَةَ لِدَعْوَى التَّنْزِيلِ وَلَكِنَّ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ دَعْوَى تَحْتَاجُ لِدَلِيلٍ وَلِذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ الْحَقُّ أَنَّ نَفْسَ الطَّلَبِ مِنْ الْمَعْدُومِ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ الْإِتْيَانَ بِهِ حَالَ الْوُجُودِ مَحَلُّ إشْكَالٍ إذْ الْمَعْدُومُ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَهُوَ غَيْرُ فَاهِمٍ الْخِطَابَ فَلَا بُدَّ لِلطَّلَبِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْإِتْيَانَ حَالَ الْوُجُودِ مِنْ فَهْمِ الْخِطَابِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ) هَذَا مَشْهُورٌ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ الْقَطَّانِ أَحَدِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ قَبْلَ الْأَشْعَرِيِّ. وَفِي الْبُرْهَانِ أَنَّ الْقَلَانِسِيَّ مِنْ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ يَقُولُ إنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ لَا يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا إلَخْ وَإِنَّمَا نُثْبِتُ لَهُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِيمَا لَا يَزَالُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُخَاطِبِينَ كَمَا يَتَّصِفُ الْبَارِي بِكَوْنِهِ خَالِقًا وَرَازِقًا فِيمَا لَا يَزَالُ وَإِيضَاحُ الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ لِلشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَنَّ الْكَلَامَ الْقَدِيمَ هُوَ الْقَائِمُ بِالنَّفْسِ وَهُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَخَاصِّيَّتِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَوْنُ الْكَلَامِ أَمْرًا مِنْ حَقِيقَتِهِ النَّفْسِيَّةِ وَصِفَتِهِ الذَّاتِيَّةِ وَالْحَقَائِقُ يَسْتَحِيلُ تَجَدُّدُهَا وَلَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ كَوْنِهِ خَالِقًا وَرَازِقًا حُكْمٌ حَقِيقَةً رَاجِعٌ إلَى ذَاتِهِ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى بِكَوْنِهِ خَالِقًا وُقُوعُ الْخَلْقِ بِقُدْرَتِهِ. وَنَقُولُ لِأَبِي الْعَبَّاسِ أَيْضًا قَدْ أَثْبَتَّ كَلَامًا خَارِجًا عَنْ كَوْنِهِ أَمْرًا وَنَهْيًا إلَخْ وَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ قَطْعًا فَلَئِنْ جَازَ ذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ الْمَصِيرِ إلَى أَنَّ الصِّفَةَ الْأَزَلِيَّةَ لَيْسَتْ كَلَامًا أَزَلًا ثُمَّ يَسْتَجِدُّ كَوْنُهَا كَلَامًا فِيمَا لَا يَزَالُ فَقَدْ لَاحَ سُقُوطُ مَذْهَبِهِ اهـ. وَهَذَا بِعَيْنِهِ يَرُدُّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي سَعِيدٍ غَيْرُ مَا أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فِي الْأَزَلِ قِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ إلَخْ) زَادَ الشَّارِحُ لَفْظَ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهَا فَيَتِمُّ لَهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدَّمَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: إلَى أَمْرٍ وَنَهْيٍ إلَخْ الْأَقْسَامِ) وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ هُوَ فِي الْأَصْلِ

стр. 181

لِعَدَمِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ إذْ ذَاكَ وَإِنَّمَا يَتَنَوَّعُ إلَيْهَا فِيمَا لَا يَزَالُ عِنْدَ وُجُودِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ فَتَكُونُ الْأَنْوَاعُ حَادِثَةً مَعَ قِدَمِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا وَالْأَصَحُّ تَنَوُّعُهُ فِي الْأَزَلِ إلَيْهَا بِتَنْزِيلِ الْمَعْدُومِ الَّذِي سَيُوجَدُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ وَمَا ذَكَرَ مِنْ حُدُوثِ الْأَنْوَاعِ مَعَ قِدَمِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا يَلْزَمُهُ مُحَالٌ مِنْ وُجُودِ الْجِنْسِ مُجَرَّدًا عَنْ أَنْوَاعِهِ إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنَّهَا أَنْوَاعٌ اعْتِبَارِيَّةٌ ــ [حاشية العطار] خَبَرٌ وَتَرْجِعُ الْبَوَاقِي إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ إخْبَارٌ بِاسْتِحْقَاقِ فَاعِلِهِ الثَّوَابَ وَتَارِكِهِ الْعِقَابَ وَالنَّهْيُ بِالْعَكْسِ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ وَضَعْفُهُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَازِمُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا حَقِيقَتَهُمَا. (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ إلَخْ) أَيْ وَعَدَمُهُ يَسْتَلْزِمُ انْعِدَامَ التَّعَلُّقِ وَإِذَا انْعَدَمَ فَلَا أَمْرَ وَلَا نَهْيَ وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ الْحَادِثُ فَانْدَفَعَ بَحْثُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْعِدَامِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ انْعِدَامُ التَّعَلُّقِ لِوُجُودِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَهُوَ الصُّلُوحِيُّ الْقَدِيمُ وَإِنْ أَرَادَ لِعَدَمِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ التَّنَوُّعِ لِثُبُوتِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ لَا يَرَى التَّنَوُّعَ إلَّا بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ الْحَادِثِ وَلَا يَرَى التَّعَلُّقَ الْمَعْنَوِيَّ بِالْمَعْدُومِ فِي الْأَزَلِ اهـ (قَوْلُهُ: عِنْدَ وُجُودِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ) أَيْ بِوُجُودِهِ بَعْدَ الْبِعْثَةِ مُتَّصِفًا بِشُرُوطِ التَّكْلِيفِ. (قَوْلُهُ: مَعَ قِدَمِ الْمُشْتَرَكِ) وَهُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ. (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ تَنَوُّعُهُ إلَخْ) هَذَا الْأَصَحُّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْأَصَحُّ إلَخْ وَالضَّعِيفُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَقِيلَ لَا يَتَنَوَّعُ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّعِيفِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ قِيلَ لَا يُسَمَّى خِطَابًا ثُمَّ إنَّ مُقْتَضَى هَذَا الْقَوْلِ وُجُودُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الْأَزَلِ وَوُجُودُهَا فِيهِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْحُكْمِ لِكَوْنِهِ فِي ضِمْنِهَا فَيُنَاقِضُ قَوْلَهُ فِيمَا مَرَّ وَلَا حُكْمَ قَبْلَ الشَّرْعِ. وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ وَمَا هُنَا بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ يَرَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْحُكْمِ مُجَرَّدُ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ قَدْ يُسْأَلُ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ قَوْلِنَا لَا حُكْمَ لِلْعُقَلَاءِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ فَإِنَّ الْأَزَلَ قَبْلَ وُرُودِ الرُّسُلِ بِالضَّرُورَةِ. وَقَدْ نَفَيْنَا الْأَحْكَامَ قَبْلَ وُرُودِهِمْ ثَمَّ وَأَثْبَتْنَاهَا هَاهُنَا فِي الْأَزَلِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ أَنَّ الْخِطَابَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا بَعْدَ الْبِعْثَةِ لَا بِمَا قَبْلَهَا فَالْمَنْعُ هُنَاكَ تَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ لَا ذَوَاتِهَا وَاَلَّذِي تَدَّعِيهِ هَاهُنَا فِي الْأَزَلِ ذَوَاتُهَا فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الْكَامِلَيْنِ. (قَوْلُهُ: بِتَنْزِيلِ الْمَعْدُومِ إلَخْ) أَرَادَ بِهِ دَفْعَ تَمَسُّكِ الْمُخَالِفِ بِعَدَمِ مَنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّهُ يَكْفِي تَقْدِيرُ وُجُودِ مَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ بِالْفِعْلِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ إنَّ كَلَامَ الْجُمْهُورِ مُتَرَدِّدٌ فِي مَعْنَى خِطَابِ الْمَعْدُومِ هَلْ هُوَ مَأْمُورٌ فِي الْأَزَلِ بِأَنْ يَمْتَثِلَ وَيَأْتِيَ بِالْفِعْلِ عَلَى تَقْدِيرِ الْوُجُودِ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ فِي الْأَزَلِ لَكِنْ لَمَّا اسْتَمَرَّ الْأَمْرُ الْأَزَلِيُّ إلَى زَمَانِ وُجُودِهِ صَارَ بَعْدَ الْوُجُودِ مَأْمُورًا اهـ. (قَوْلُهُ: مِنْ وُجُودِ الْجِنْسِ بِدُونِ أَنْوَاعِهِ) ضَرُورَةَ أَنَّ الْجِنْسَ قَدِيمٌ وَالْأَنْوَاعَ حَادِثَةٌ، وَالْحَادِثُ مُفَارِقٌ لِلْقَدِيمِ. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يُرَادَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ الْجِنْسَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ أَنْوَاعِهِ حَقِيقِيًّا كَانَ أَوْ اعْتِبَارِيًّا وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ لِدَفْعِ هَذِهِ بِقَوْلِهِ أَيْ عَوَارِضُ إلَخْ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَنْوَاعِ الصِّفَاتُ وَحِينَئِذٍ فَلَا جِنْسَ فِي الْحَقِيقَةِ حَتَّى يَرِدَ الْبَحْثُ الْمَذْكُورُ بَلْ الْكَلَامُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَقْبَلُ

стр. 182

أَيْ عَوَارِضُ لَهُ يَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنْهَا تَحْدُثُ بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ كَمَا أَنَّ تَنَوُّعَهُ إلَيْهَا عَلَى الثَّانِي بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ صِفَةً وَاحِدَةً كَالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ فَمِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُهُ فِي الْأَزَلِ أَوْ فِيمَا لَا يَزَالُ بِشَيْءٍ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ لِفِعْلِهِ يُسَمَّى أَمْرًا أَوْ لِتَرْكِهِ يُسَمَّى نَهْيًا وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ ــ [حاشية العطار] التَّعَدُّدَ فِي نَفْسِهَا وَلَا مَحَلَّ لِاعْتِرَاضِ سم بِأَنَّ مُجَرَّدَ هَذَا الْجَوَابِ لَا يُخَلِّصُ مِنْ الْإِشْكَالِ مَعَ فَرْضِ أَنَّ الْكَلَامَ جِنْسٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَسْلِيمَ وُجُودِ الْجِنْسِ مُجَرَّدًا مَعَ أَنَّ وُجُودَهُ كَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ. (قَوْلُهُ: أَيْ عَوَارِضُ لَهُ) يَعْنِي أَنَّ الْكَلَامَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ أَزَلِيَّةٌ وَالتَّعْلِيقُ لَيْسَ مِنْ حَقِيقَتِهِ فَيَجُوزُ خُلُوُّهُ عَنْهُ ثُمَّ يَتَكَثَّرُ إذَا حَدَثَ التَّعْلِيقُ تَكْثِيرًا اعْتِبَارِيًّا بِحَسَبِ اعْتِبَارِ التَّعَلُّقَاتِ فَهِيَ أَنْوَاعٌ اعْتِبَارِيَّةٌ لِلْكَلَامِ وَهُوَ الْمُصَرَّحُ بِهِ فِي كَلَامِهِمْ. وَقَالَ النَّاصِرُ إنَّهَا أَنْوَاعٌ اعْتِبَارِيَّةٌ لِلتَّعَلُّقِ وَبَيَّنَ ذَلِكَ بِأَنَّ التَّعَلُّقَ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ وَغَيْرُ دَاخِلٍ فِي حَقِيقَةِ الْكَلَامِ فَهُوَ عَارِضٌ لَهُ غَيْرُ لَازِمٍ بِدَلِيلِ خُلُوِّهِ عَنْهُ فِي الْأَزَلِ وَتِلْكَ الْأَنْوَاعُ لِهَذَا التَّعَلُّقِ فَتَكُونُ هِيَ أَيْضًا اعْتِبَارِيَّةً عَارِضَةً لِلْكَلَامِ كَجِنْسِهَا الَّذِي هُوَ التَّعَلُّقُ وَقَالَ وَإِيَّاكَ أَنْ تَفْهَمَ أَنَّهَا أَنْوَاعٌ اعْتِبَارِيَّةٌ لِلْكَلَامِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِيهِ قَوْلُ الشَّارِحِ أَيْ عَوَارِضُ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّوْعَ مُرَكَّبٌ مِنْ الْجِنْسِ لَا عَارِضَ لَهُ. اهـ. وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ النَّوْعَ الْمُرَكَّبَ مِنْ الْجِنْسِ هُوَ النَّوْعُ الْحَقِيقِيُّ لَا الِاعْتِبَارِيُّ أَيْ الْعَارِضُ اهـ. وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ فَإِنَّ النَّوْعَ مُطْلَقًا يُعْتَبَرُ فِي مَفْهُومِهِ الْجِنْسُ وَالْفَصْلُ حَقِيقِيًّا كَانَ أَوْ اعْتِبَارِيًّا وَقَدْ اعْتَرَفَ هُوَ بِذَلِكَ وَكَلَامُ النَّاصِرِ فِي نَفْسِهِ حَسَنٌ لَوْ سَاعَدَهُ اصْطِلَاحُ الْقَوْمِ وَعِبَارَةُ الشَّرْحِ وَبَعْدَ أَنْ سَمِعْت أَنْ لَا جِنْسَ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا نَوْعَ وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ وَقَعَ التَّسَمُّحُ بِذِكْرِهِمَا تَعْلِيمًا وَتَقْرِيبًا عَلِمْت اضْمِحْلَالَ جَمِيعِ مَا أَوْرَدَ هُنَا وَهَلْ يُعْقَلُ فِي الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ كَوْنُهَا جِنْسًا أَوْ نَوْعًا سَوَاءٌ جَرَيْنَا عَلَى اصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ أَوْ أَرْبَابِ اللُّغَةِ فَإِنَّ مَفْهُومَهُمَا كُلِّيٌّ وَلَا شَيْءَ مِنْ الصِّفَةِ مَفْهُومُهُ كُلِّيٌّ وَأَيْضًا النَّوْعُ مَفْهُومُهُ مُرَكَّبٌ وَيَسْتَحِيلُ التَّرْكِيبُ فِي الصِّفَةِ. (قَوْلُهُ: تَحْدُثُ بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ) أَيْ تَتَجَدَّدُ أَيْ يَتَجَدَّدُ اعْتِبَارُهَا بِحَسَبِ اعْتِبَارِ الْمُعْتَبَرِ وَهَذَا التَّعْبِيرُ شَائِعٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ فَانْدَفَعَ قَوْلُ النَّاصِرِ الْأُولَى تَتَجَدَّدُ بَلْ تَحْدُثُ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الِاعْتِبَارِيَّةَ لَا تُوصَفُ بِالْحُدُوثِ اهـ. وَهُوَ كَلَامٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ وَلَكِنْ لَمَّا شُغِفَ الشَّيْخُ بِالِاعْتِرَاضِ عَلَى الشَّارِحِ لَمْ يَتْرُكْ شَارِدَةً وَلَا وَارِدَةً وَمِثْلُ هَذِهِ الْمُنَاقَشَاتِ لَا يَنْبَغِي لِلْمُحَقِّقِينَ الْعِنَايَةُ بِهَا (قَوْلُهُ: كَمَا أَنَّ تَنَوُّعَهُ إلَخْ) فَهِيَ أَنْوَاعٌ اعْتِبَارِيَّةٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ إلَّا أَنَّهَا عَلَى الْأَصَحِّ أُمُورٌ لَازِمَةٌ غَيْرُ مُفَارِقَةٍ بِخِلَافِهَا عَلَى الْآخَرِ. (قَوْلُهُ: أَيْضًا) تَأْكِيدٌ لِمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ كَمَا. (قَوْلُهُ: فِي الْأَزَلِ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَقَوْلُهُ أَوْ فِيمَا لَا يَزَالُ أَيْ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: بِشَيْءٍ)

стр. 183

وَقَدَّمَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمُتَعَلِّقَتَيْنِ بِالْمَدْلُولِ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى النَّظَرِ الْمُتَعَلِّقِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ لِاسْتِتْبَاعِهِ مَا يَطُولُ. (وَالنَّظَرُ الْفِكْرُ) ــ [حاشية العطار] هُوَ الْفِعْلُ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ وَالْفِعْلُ الْمُضَافُ لِضَمِيرِهِ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ فَلَا إشْكَالَ فِي إضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى ضَمِيرِ الْفِعْلِ بِأَنَّ فِيهِ إضَافَةَ الشَّيْءِ إلَى نَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: وَقَدَّمَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ) أَيْ مَسْأَلَةَ تَسْمِيَةِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ خِطَابًا وَمَسْأَلَةَ تَنَوُّعِهِ وَفِي الْحَقِيقَةِ هُمَا مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا سَمِعْت وَهَذَا جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّهُمَا مُتَعَلِّقَانِ بِالْمَدْلُولِ فَذِكْرُهُمَا بَعْدَ الدَّلِيلِ وَإِنْ كَانَ مُنَاسِبًا؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ أَصْلٌ إلَّا أَنَّ النَّظَرَ مُتَعَلِّقٌ بِالدَّلِيلِ فَهُوَ مِنْ تَتِمَّةِ مَبَاحِثِهِ فَكَانَ الْأَوْلَى تَأْخِيرَهُمَا عَنْ مَبَاحِثِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ تَأْخِيرُ الْمَدْلُولِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عَنْ الدَّلِيلِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ. (قَوْلُهُ: الْمُتَعَلِّقَتَيْنِ بِالْمَدْلُولِ) إشَارَةٌ إلَى وَجْهِ مُنَاسَبَةِ ذِكْرِهِمَا هُنَا وَكَانَ مُقْتَضَى ذَلِكَ تَقْدِيمَهَا عَلَى الدَّلِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَدْلُولَ وَهُوَ الْحُكْمُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إنَّ تَقْدِيمَهُمَا بِمُقْتَضَى تَوْجِيهِ الْمَذْكُورِ عَلَى الدَّلِيلِ هُوَ الْأَصْلُ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُوَجِّهَ تَأْخِيرَهُمَا عَنْ الدَّلِيلِ. (قَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَدْلُولَ هُوَ الْمَطْلُوبُ الْخَبَرِيُّ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ أَوْ غَيْرَهُ وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ إنَّمَا تَعَلَّقَتَا بِهِ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَهُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْمَدْلُولِ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَلَهُ اعْتِبَارَاتٌ عَدِيدَةٌ وَأَبْحَاثٌ كَثِيرَةٌ وَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ إنَّمَا تَعَلَّقَتَا بِهِ بِاعْتِبَارِ بَعْضِ مَبَاحِثِهِ وَهُوَ الْخِطَابُ وَالتَّنَوُّعُ لَا بِاعْتِبَارِ كُلِّهَا وَفِي الْحَقِيقَةِ هَذَا لَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: لِاسْتِتْبَاعِهِ مَا يَطُولُ) أَيْ لِاسْتِتْبَاعِ النَّظَرِ مَا يَطُولُ مِنْ تَقْسِيمِ الْإِدْرَاكِ إلَى تَصَوُّرٍ وَتَصْدِيقٍ ثُمَّ التَّصْدِيقِ إلَى عِلْمٍ وَظَنٍّ وَاعْتِقَادٍ وَوَهْمٍ وَشَكٍّ وَالْكَلَامُ فِي تَعْرِيفِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ وَالسَّهْوِ (قَوْلُهُ: وَالنَّظَرُ الْفِكْرُ) قِيلَ إنَّهُ مُرَادِفٌ لَهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ فِي حَوَاشِي الدَّوَانِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ وَرُبَّمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْفِكْرَ مَجْمُوعُ الْحَرَكَتَيْنِ أَيْ عِنْدَ

стр. 184

أَيْ حَرَكَةُ النَّفْسِ فِي الْمَعْقُولَاتِ بِخِلَافِ حَرَكَتِهَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ ــ [حاشية العطار] الْمُتَقَدِّمِينَ أَوْ التَّرْتِيبُ اللَّازِمُ لَهُمَا أَيْ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالنَّظَرُ مُلَاحَظَةُ الْمَعْقُولَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي ضِمْنِ الْحَرَكَتَيْنِ أَوْ التَّرْتِيبِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ نَاقِلِهِ الْمُحَصِّلُ أَنَّهُمَا كَالْمُتَرَادَفِينَ. (قَوْلُهُ: أَيْ حَرَكَةُ النَّفْسِ) مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ أَوْ أَرَادَ جِنْسَ الْحَرَكَةِ الصَّادِقَةِ بِالْمُتَعَدِّدِ وَإِلَّا فَالنَّفْسُ فِي النَّظَرِ لَهَا ثَلَاثُ حَرَكَاتٍ حَرَكَةٌ مِنْ الْمَقَاصِدِ إلَى الْمَبَادِئِ وَحَرَكَةٌ فِي تَرْتِيبِ الْمَبَادِئِ وَحَرَكَةٌ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَبَادِئِ إلَى الْمَطَالِبِ هَكَذَا قِيلَ وَهُوَ كَلَامٌ ظَاهِرِيٌّ، وَالتَّحْقِيقُ أَنْ لَيْسَ ثَمَّ إلَّا حَرَكَتَانِ مَبْدَأُ الْأُولَى مِنْهُمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ الْمَشْعُورُ بِهِ بِذَلِكَ الْوَجْهِ النَّاقِصِ وَمُنْتَهَاهَا آخِرُ مَا يَحْصُلُ مِنْ تِلْكَ الْمَبَادِئِ وَمَبْدَأُ الثَّانِيَةِ أَوَّلُ مَا يُوضَعُ مِنْ التَّرْتِيبِ وَمُنْتَهَاهَا الْمَشْعُورُ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ فَالْحَرَكَةُ الْأُولَى لِتَحْصِيلِ مَادَّةِ الْفِكْرِ وَالثَّانِيَةُ لِتَحْصِيلِ صُورَتِهِ أَعْنِي التَّرْتِيبَ وَهِيَ مِنْ قَبِيلِ الْحَرَكَةِ

стр. 185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية العطار] الْوَاقِعَةِ فِي مَقُولَةِ الْكَيْفِ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَدِّلَ عِنْدَ الْحَرَكَتَيْنِ كَيْفِيَّاتُ النَّفْسِ الَّتِي هِيَ صُوَرُ الْمَعْلُومَاتِ لَكِنَّ إطْلَاقَ الْحَرَكَةِ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ التَّشْبِيهِ وَالتَّجَوُّزِ كَإِطْلَاقِ الْكَيْفِ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ فِي التَّحْقِيقِ وَإِلَّا فَلَيْسَ هُنَاكَ تَبَدُّلُ الْكَيْفِيَّاتِ حَقِيقَةً ثُمَّ الْمُرَادُ حَرَكَةُ النَّفْسِ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ فَيَخْرُجُ الْحَدَثُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِقَصْدِ النَّفْسِ وَاخْتِيَارِهَا بَلْ لِيُنْسَخَ بِغَيْرِ اخْتِيَارٍ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ فِي حَاشِيَةِ التَّهْذِيبِ. ثُمَّ إنَّ الْفِكْرَ الَّذِي يُقَابِلُهُ التَّخَيُّلُ هُوَ حَرَكَةُ النَّفْسِ فِي الْمَعْقُولَاتِ أَيَّ حَرَكَةٍ كَانَتْ قَالَ الْمُبِيدِيُّ فِي شَرْحِ الطَّوَالِعِ وَقَدْ يُطْلَقُ الْفِكْرُ عَلَى حَرَكَةِ النَّفْسِ فِي الْمَعْقُولَاتِ أَيَّ حَرَكَةٍ كَانَتْ وَيُقَابِلُهُ التَّخَيُّلُ وَهُوَ حَرَكَتُهَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ. وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فِي حَوَاشِينَا عَلَى الْخَبِيصِيِّ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيَّ عَرَّفَ النَّظَرَ بِقَوْلِهِ الْفِكْرُ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ فَقَالَ الْآمِدِيُّ فِي أَبْكَارِ الْأَفْكَارِ إنَّ الْفِكْرَ لَمْ يُذْكَرْ جِنْسًا لِلنَّظَرِ بَلْ لِبَيَانِ مُرَادَفَتِهِ لَهُ وَإِنَّ مَا بَعْدَهُمَا تَعْرِيفٌ لَهُمَا أَوْ لِلنَّظَرِ وَيُعْرَفُ مِنْهُ تَعْرِيفُ الْفِكْرِ وَاسْتُبْعِدَ كَلَامُ الْآمِدِيِّ بِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ فِي التَّعْرِيفَاتِ مَعَ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى حَمْلِ كَلَامِ الْقَاضِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ انْتِقَاضَهُ بِالْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ وَسَائِرِ آلَاتِ الْإِدْرَاكِ لِصِدْقِهِ عَلَيْهَا وَإِنْ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ بَاءِ السَّبَبِيَّةِ السَّبَبِيَّةُ الْقَرِيبَةُ فَإِنْ أَخَذَ الْفِكْرَ جِنْسًا فِي التَّعْرِيفِ فَلَا نَقْضَ لِعَدَمِ صِدْقِهِ حِينَئِذٍ عَلَى مَا ذَكَرَ؛ لِأَنَّ الْفِكْرَ حَرَكَةٌ وَهِيَ لَيْسَتْ بِحَرَكَةٍ، الشَّارِحِ ﵀ نَحَا هَذَا الْمَنْحَى حَيْثُ قَالَ فَخَرَجَ الْفِكْرُ غَيْرُ الْمُؤَدِّي إلَخْ فَفِيهِ إيمَاءٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْآمِدِيِّ فِي حَمْلِهِ عِبَارَةَ الْقَاضِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَتَخَلُّصَ عَنْ الِاعْتِرَاضِ الْمُورَدِ، هَذَا مُحَصِّلُ مَا أَطَالَ بِهِ سم. وَأَمَّا جَعْلُهُ الدَّلِيلَ نَفْسَهُ مِنْ جُمْلَةِ مَوَارِدِ النَّقْضِ فَلَا مَحَلَّ لَهُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مِنْ جُمْلَةِ أَفْرَادِ النَّظَرِ ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الشَّارِحَ وَإِنْ تَخَلَّصَ عَمَّا أَوْرَدَ عَلَى الْآمِدِيِّ لِجَعْلِهِ الْفِكْرَ جِنْسًا يَرِدُ عَلَيْهِ إشْكَالٌ قَوِيٌّ لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ كَتَبَ وَهُوَ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ الْفِكْرُ مُرَادِفًا لِلنَّظَرِ أَوْ كَالْمُرَادِفِ لَهُ عَلَى مَا سَبَقَ كَيْفَ يُجْعَلُ جِنْسًا صَادِقًا عَلَى النَّظَرِ وَغَيْرِهِ الْمُقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ فَإِنَّ شَأْنَ الْجِنْسِ الْوَاقِعِ فِي التَّعْرِيفِ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ الْمُعَرَّفِ كَتَعْرِيفِ الْإِنْسَانِ بِالْحَيَوَانِ وَلِذَلِكَ اُحْتِيجَ إلَى ذِكْرِ الْفَصْلِ، وَالْمُرَادِفُ لَا يَكُونُ أَعَمَّ مِنْ مُرَادِفِهِ، نَعَمْ قَدْ يَقَعُ فِي الرُّسُومِ النَّاقِصَةِ أَنْ يَكُونَ التَّعْرِيفُ مُسَاوِيًا لِلْمُعَرَّفِ كَتَعْرِيفِ الْإِنْسَانِ بِالضَّاحِكِ بِالْقُوَّةِ مَثَلًا وَلَيْسَ الضَّاحِكُ مُرَادِفًا لِلْإِنْسَانِ بَلْ لَازِمٌ لَهُ وَلَمْ يُعْهَدْ فِي كَلَامِ الْقَوْمِ جَعْلُ الْمُرَادِفِ جِنْسًا فَلَعَلَّ الْآمِدِيَّ ارْتَكَبَ مَا ذَكَرَهُ فِرَارًا مِنْ هَذَا وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّظَرُ الدَّقِيقُ بِأَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ

стр. 186

فَتُسَمَّى تَخْيِيلًا ــ [حاشية العطار] لَازِمٌ لِعِبَارَةِ الْقَاضِي فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فَيُسَمَّى تَخْيِيلًا) فِي الْآيَاتِ نَقْلًا عَنْ النَّاصِرِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ أُرِيدَ بِالْمَعْقُولَاتِ مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ ابْتِدَاءً بِلَا وَاسِطَةٍ خَرَجَ عَنْهَا الْوَهْمِيَّاتُ وَالْخَيَالِيَّاتُ فَتَخْرُجُ عَنْ حَدِّ النَّظَرِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ بِذَاتِهِ أَوْ بِوَاسِطَةٍ فَيَشْمَلُ الْوَهْمِيَّاتِ وَالْخَيَالِيَّاتِ فَقَوْلُهُ بِخِلَافِ حَرَكَتِهَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ فَيُسَمَّى تَخْيِيلًا لَا فِكْرًا مُشْكِلٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّارِحَ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ عَبَّرَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ ذَاهِبٌ مَعَ الْأَقْدَمِينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُدْرِكُ الْمَحْسُوسَاتِ أَصْلًا وَإِنَّمَا تُدْرِكُهَا الْحَوَاسُّ، وَأَمَّا عَلَى طَرِيقِ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْمَحْسُوسَاتِ أَيْضًا لَكِنْ بِوَاسِطَةِ الْحَوَاسِّ فَيَنْبَغِي أَنْ تُسَمَّى حَرَكَتُهَا فِي الْمَحْسُوسَاتِ فِكْرًا أَيْضًا اهـ. أَقُولُ: نَخْتَارُ الْأَوَّلَ وَلَا إشْكَالَ أَصْلًا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِحَرَكَةِ النَّفْسِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ مُطَالَعَتُهَا إيَّاهَا وَمُشَاهَدَتُهَا مِنْ قُوَاهَا الْبَاطِنَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّرْتِيبِ كَمَا هُوَ فِي الْمَعْقُولَاتِ؛ لِأَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ لَا يَقَعُ فِيهَا إيصَالٌ وَلَا تَرْتِيبٌ فَإِنَّ تَحْصِيلَ الْمَطَالِبِ إنَّمَا هُوَ بِالْكُلِّيَّاتِ قَالَ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ إنَّ الْجُزْئِيَّاتِ إنَّمَا تُدْرَكُ بِالْإِحْسَاسَاتِ إمَّا بِالْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ وَلَيْسَ الْإِحْسَاسُ مِمَّا يُؤَدِّي بِالنَّظَرِ إلَى إحْسَاسٍ آخَرَ بِأَنْ يُحَسَّ بِمَحْسُوسَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَتُرَتَّبُ عَلَى وَجْهٍ يُؤَدِّي إلَى الْإِحْسَاسِ بِمَحْسُوسٍ آخَرَ بَلْ لَا بُدَّ لِذَلِكَ الْمَحْسُوسِ الْآخَرِ مِنْ إحْسَاسٍ ابْتِدَاءً وَذَلِكَ ظَاهِرٌ لِمَنْ يُرَاجِعُ وُجْدَانَهُ وَكَذَلِكَ لَيْسَ تَرْتِيبُ الْمَحْسُوسَاتِ مُؤَدِّيًا إلَى إدْرَاكٍ كُلِّيٍّ وَذَلِكَ أَظْهَرُ فَالْجُزْئِيَّاتُ مِمَّا لَا يَقَعُ فِيهِ نَظَرٌ وَفِكْرٌ أَصْلًا وَلَا هِيَ مِمَّا يَحْصُلُ بِنَظَرٍ وَفِكْرٍ فَلَيْسَتْ كَاسِبَةً وَلَا مُكْتَسَبَةً اهـ. وَعَلَّلَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِيهِ بِأَنَّ الْأُمُورَ الْعَقْلِيَّةَ لِكَوْنِهَا مُنْتَزَعَةً مِنْ أَمْرٍ وَاحِدٍ حُذِفَ مِنْهُ الْمُشَخَّصَاتُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صُورَةُ بَعْضٍ مِنْهَا مِرْآةً لِمُشَاهَدَةِ بَعْضٍ آخَرَ لِتَصَادُقٍ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْأُمُورِ الْمَحْسُوسَةِ فَإِنَّهَا مُتَبَايِنَةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الصُّورَةُ الْجُزْئِيَّةُ لِوَاحِدٍ مِنْهَا مِرْآةً لِمُشَاهَدَةِ مَحْسُوسٍ آخَرَ بَلْ تَحْتَاجُ إلَى إحْسَاسٍ آخَرَ نَعَمْ إحْسَاسُ الْمَحْسُوسِ مُوجِبٌ لِلتَّخَيُّلِ وَالتَّوَهُّمِ أَيْ بِحُصُولِ صُورَةٍ فِي خَيَالٍ وَحُصُولِ صُورَةٍ جُزْئِيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِذَلِكَ وَالْمَحْسُوسُ فِي الْوَهْمِ وَلَيْسَ هَذَا تَحْصِيلًا بِالنَّظَرِ بَلْ إيجَابُ إحْسَاسٍ لِإِحْسَاسٍ آخَرَ اهـ. وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ شَارِحُ سُلَّمِ الْعُلُومِ الْمَوْلَى عَلِيٌّ الْهِنْدِيُّ إنَّ الْمَحْسُوسَاتِ هَلْ تَقَعُ مُقَدِّمَاتٍ بُرْهَانِيَّةً أَوْ لَا قَالُوا لَا تَقَعُ؛ لِأَنَّهَا عُلُومٌ جُزْئِيَّةٌ زَائِلَةٌ بِزَوَالِ الْحِسِّ فَلَا تُفِيدُ تَصْدِيقًا جَازِمًا ثَابِتًا نَعَمْ لِلْعَقْلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا كُلِّيًّا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَحْسُوسَاتِ الْمَحْسُوسَةِ بِالْحِسِّ وَيْحَكُمْ عَلَيْهِ حُكْمًا كَحُكْمِ الْحِسِّ عَلَى الْجُزْئِيَّاتِ الْمَحْسُوسَةِ بِتَجْرِبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهَذَا الْحُكْمُ يَقَعُ مُقَدِّمَةً فِي الْبُرْهَانِ وَلِلْحِسِّ دَخْلٌ مَا اهـ. فَظَهَرَ لَك مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَمْرَانِ: الْأَوَّلُ: مَعْنَى التَّخْيِيلِ وَالتَّوَهُّمِ الثَّانِي أَنَّ الْإِحْسَاسَاتِ لَا تُعَدُّ حَرَكَةُ النَّفْسِ فِيهَا فِكْرًا، وَأَمَّا جَوَابُهُ بِقَوْلِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّارِحَ إلَخْ فَلَا يُوَافِقُ كَلَامَ الْقَوْمِ كَيْفَ وَالنَّفْسُ حَاكِمَةٌ لَا بُدَّ أَنْ تُدْرِكَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ وَأَنَّ الْكُلِّيَّاتِ الْمُدْرِكَةَ لَهَا مُنْتَزَعَةٌ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا فَلَا بُدَّ أَنْ تُلَاحِظَ تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ أَوَّلًا حَتَّى لَا تَنْتَزِعَ مِنْهَا الْكُلِّيَّاتِ أَيْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا بَيَّنَّاهُ فِي حَوَاشِي الْمَقُولَاتِ الْكُبْرَى فَالْقَوْلُ بِأَنَّهَا لَا تُدْرِكُ الْجُزْئِيَّاتِ أَصْلًا غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأَعَاجِمِ هَلْ تُدْرِكُ النَّفْسُ الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمَعْقُولَاتِ بِمَعْنَى أَنَّهَا تُرْسَمُ فِيهَا وَهُوَ قَوْلٌ وَاهٍ أَوْ الْكُلِّيَّاتُ تُرْسَمُ فِيهَا وَالْمَحْسُوسَاتُ فِي قُوَاهَا وَهُوَ الْقَوِيُّ عِنْدَهُمْ لَا أَنَّهَا

стр. 187

(الْمُؤَدِّي إلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ) بِمَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ فِيهِمَا ــ [حاشية العطار] لَا تُدْرِكُ الْمَحْسُوسَاتِ أَصْلًا. وَأَمَّا قَوْلُ النَّاصِرِ مُقَابَلَةُ الْفِكْرِ بِالتَّخَيُّلِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي فَنِّ الْحِكْمَةِ وَالْكَلَامِ إنَّ مِنْ الْقُوَى الْبَاطِنَةِ إلَخْ فَكَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ لَا مَدْخَلَ لَهُ هَاهُنَا أَصْلًا وَإِنَّمَا قَصَدَ بِذِكْرِهِ صِنَاعَةَ الِاسْتِغْرَابِ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ بِهَذِهِ الْفُنُونِ إحَاطَةٌ مِنْ الطُّلَّابِ ثُمَّ رَأَيْتُ فِي حَاشِيَةِ الْعَلَّامَةِ الْكَلَنْبَوِيِّ عَلَى حَاشِيَةِ التَّهْذِيبِ لِلْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ مَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَالَ ﵀ إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَعْقُولِ فِي تَعْرِيفِ النَّظَرِ هُوَ الْمَعْقُولُ الصِّرْفُ الْمُقَابِلُ لِلْمَحْسُوسِ أَيْ مَا حَصَلَ صُورَتُهُ فِي إحْدَى الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ. وَالْمُخَيَّلُ أَيْ مَا حَصَلَ صُورَتُهُ فِي الْخَيَالِ الَّتِي هِيَ خِزَانَةُ الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ وَالْمَوْهُومُ أَيْ الَّذِي أَدْرَكَتْهُ الْقُوَّةُ الْوَاهِمَةُ وَأَلْقَتْهُ فِي خِزَانَتِهَا الَّتِي هِيَ الْحَافِظَةُ، وَتَوَجَّهَ النَّفْسَ إلَى الْمَحْسُوسِ وَالْمُخَيَّلِ إحْضَارُ صُورَتِهِمَا إلَى الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ وَتَوَجُّهِهَا إلَى الْمَوْهُومِ إحْضَارُ صُورَتِهِ مِنْ الْحَافِظَةِ إلَى الْوَاهِمَةِ فَصُوَرُ الْمَحْسُوسَاتِ إنْ أُحْضِرَتْ إلَى الْحِسِّ الْمُشْتَرَكِ مِنْ قِبَلِ الْحَوَاسِّ كَانَ ذَلِكَ الْإِحْضَارُ تَوَجُّهًا إلَى الْمَحْسُوسِ وَإِنْ أُحْضِرَتْ إلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْخَيَالِ كَانَ ذَلِكَ الْإِحْضَارُ تَوَجُّهًا إلَى الْمُخَيَّلِ وَكِلَا الْإِحْضَارَيْنِ يُسَمَّى تَخْيِيلًا وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِ الشَّرِيفِ الْجُرْجَانِيِّ فِي حَاشِيَةِ الْمُخْتَصَرِ الْعَضُدِيِّ إنَّ حَرَكَةَ النَّفْسِ فِي صُوَرِ الْمَحْسُوسَاتِ يُسَمَّى تَخْيِيلًا اهـ. وَهَذَا تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ يَتَّضِحُ لَك بِهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ اضْطَرَبَتْ أَفْهَامُهُمْ هُنَا وَسُبْحَانَ الْمُلْهِمِ الْمُنْعِمِ وَلِلسَّيِّدِ الشَّرِيفِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ حِكْمَةِ الْعَيْنِ تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ يَنْفَعُك فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ قَالَ اعْلَمْ أَنَّ الْجُزْئِيَّ الْمَادِّيَّ كَالْجِسْمِ وَالْجُسْمَانِيُّ أَوَّلُ إدْرَاكٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ هُوَ الْإِحْسَاسُ مُكْتَنِفًا بِالْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ وَالْغَوَاشِي الْغَرِيبَةِ مَعَ حُضُورِ الْمَادَّةِ ثُمَّ التَّخَيُّلُ مَعَ غَيْبَتِهِ، فَفِيهِ تَجْرِيدٌ مَا ثُمَّ النَّفْسُ بِالْقُوَّةِ الْوَهْمِيَّةِ تَنْتَزِعُ مِنْهُ مَعْنًى جُزْئِيًّا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُدْرَكَ بِالْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ وَبِالْقُوَّةِ الْمُتَصَرِّفَةِ تَنْتَزِعُ مِنْهُ أَمْرًا كُلِّيًّا يَصِيرُ مَعْقُولًا فَالْمَحْسُوسُ إنَّمَا يَصِيرُ مَعْقُولًا فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ أَوَّلُهَا الْإِحْسَاسُ بِهِ ثُمَّ التَّخَيُّلُ ثُمَّ الْعَقْلُ. وَأَمَّا التَّوَهُّمُ فَإِنَّمَا هُوَ مُعَدٌّ لِلْإِحْسَاسِ وَحْدَهُ أَوْ بَعْدَ التَّخَيُّلِ أَيْضًا لَكِنَّ مُدْرِكَهُ شَيْءٌ آخَرُ فَالتَّرْتِيبُ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الثُّلَاثِيِّ فَهَذِهِ هِيَ مَرَاتِبُ الْإِدْرَاكَاتِ. وَأَمَّا الْجُزْئِيُّ الْمُجَرَّدُ فَلَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ بَلْ بِالنَّفْسِ فَلَا مَانِعَ فِيهِ مِنْ التَّعْلِيقِ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُجَرَّدَاتِ كُلِّيَّةً كَانَتْ أَوْ جُزْئِيَّةً مَعْقُولَةٌ. وَأَمَّا الْمَادِّيَّاتُ فَإِنْ كَانَتْ كُلِّيَّةً فَكَذَلِكَ لَكِنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إلَى التَّجْرِيدِ عَنْ الْعَوَارِضِ الْخَارِجِيَّةِ الْمَانِعَةِ مِنْ التَّعَلُّقِ كَالْوَضْعِ وَالْمِقْدَارِ الْمَخْصُوصِ وَإِنْ كَانَتْ جُزْئِيَّةً فَإِنْ كَانَتْ صُوَرًا فَبِالْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَعَانِيَ فَبِالْوَهْمِ التَّابِعِ لِلْحِسِّ الظَّاهِرِ اهـ. (قَوْلُهُ: الْمُؤَدِّي إلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ) قَالَ فِي الْآيَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ بِالظَّنِّ مَا يَشْمَلُ الِاعْتِقَادَ؛ لِأَنَّ النَّظَرَ قَدْ يُؤَدِّي إلَيْهِ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ النَّاشِئَ عَنْ النَّظَرِ لَا يَخْلُو عَنْ كَوْنِهِ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا إذْ الِاصْطِلَاحُ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ نَاشِئًا عَنْ دَلِيلٍ مِنْ الْأَمْرِ الْمَجْزُومِ بِهِ يُسَمَّى اعْتِقَادًا كَاعْتِقَادَاتِ الْمُقَلِّدِينَ فِي الْعَقَائِدِ ثُمَّ إنَّ أَوْ لِلتَّقْسِيمِ فَجَازَ دُخُولُهَا فِي التَّعْرِيفِ. (قَوْلُهُ: بِمَطْلُوبٍ) لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَيْ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ فِيهِمَا وَلَا مَعْمُولًا لَهُمَا لِلُزُومِ تَوَارُدِ عَامِلَيْنِ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّا نَخْتَارُ الْأَوَّلَ وَنَقُولُ إنَّهُ حَذَفَ نَظِيرَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا لِدَلَالَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ فِيهِمَا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ نُقَدِّرُ ذَلِكَ فِيهَا أَوْ هُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ تَقْيِيدُ الْمَطْلُوبِ بِالْخَبَرِ جَارٍ فِيهِمَا أَيْ فِي الْعِلْمِ وَالظَّنِّ وَقَوْلُهُ فِي الْعِلْمِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ تَقْيِيدُ الْمَطْلُوبِ بِالتَّصَوُّرِيِّ جَارٍ فِي الْعِلْمِ دُونَ الظَّنِّ إذْ الظَّنُّ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَطْلُوبِ التَّصَوُّرِيِّ. (قَوْلُهُ: أَوْ تَصَوُّرِيٍّ فِي الْعِلْمِ) فَالتَّصَوُّرَاتُ لَا تَكُونُ إلَّا عِلْمًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مُطَابِقَةً

стр. 188

فَخَرَجَ الْفِكْرُ غَيْرُ الْمُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرَ كَأَكْثَرِ حَدِيثِ النَّفْسِ فَلَا يُسَمَّى نَظَرًا وَشَمِلَ التَّعْرِيفُ النَّظَرَ الصَّحِيحَ الْقَطْعِيَّ وَالظَّنِّيَّ وَالْفَاسِدَ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرَ بِوَاسِطَةِ اعْتِقَادٍ أَوْ ظَنٍّ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي تَعْرِيفِ الدَّلِيلِ ــ [حاشية العطار] لِلْوَاقِعِ وَلَا يَقَعُ فِيهَا الْخَطَأُ كَالتَّصْدِيقَاتِ وَمَا يُقَالُ إنَّهُ يَقَعُ فِيهَا الْخَطَأُ كَمَا إذَا رَأَيْنَا حَجَرًا مِنْ بَعِيدٍ فَحَصَلَ مِنْهُ صُورَةُ إنْسَانٍ فَهَذَا التَّصَوُّرُ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلْوَاقِعِ فَيَكُونُ خَطَأً فَجَوَابُهُ أَنَّ الْخَطَأَ هُنَا وَقَعَ فِي تَصْدِيقٍ ضِمْنِيٍّ وَهُوَ ثُبُوتُ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِ الْإِنْسَانِ وَتَصَوُّرُ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ لَا خَطَأَ فِيهِ فَالصُّورَةُ التَّصْدِيقِيَّةُ قَدْ لَا تَكُونُ مُطَابِقَةً لِلْوَاقِعِ كَمَا قَرَّرَنَا. وَقَدْ تَكُونُ كَمَا إذَا حَصَلَ مِنْ صُورَةِ الْحَجَرِيَّةِ فِي الذِّهْنِ وَحَكَمْنَا بِأَنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لِذَلِكَ الْمَرْئِيِّ كَانَ كُلٌّ مِنْ الصُّوَرِ التَّصَوُّرِيَّةِ والتصديقية مُطَابِقًا لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ضَرُورَةَ أَنَّ كِلَا الْمَعْلُومَيْنِ وَاقِعٌ فِيهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصُّورَةَ التَّصْدِيقِيَّةَ تَتَّصِفُ بِالْمُطَابَقَةِ وَعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالصُّورَةُ التَّصَوُّرِيَّةُ دَائِمًا تَتَّصِفُ بِمُطَابَقَتِهَا، لَهُ قَالَ الْخَيَالِيُّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الْعِلْمِ بِالْوَجْهِ وَالْعِلْمِ بِالشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ. اهـ. وَتَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لَيْسَ مِمَّا يَخُصُّنَا هُنَا وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ. (قَوْلُهُ: فَخَرَجَ الْفِكْرُ غَيْرُ الْمُؤَدِّي) تَعْرِيضٌ بِالْآمِدِيِّ حَيْثُ فَهِمَ أَنَّ الْفِكْرَ مُرَادِفٌ لِلنَّظَرِ عَلَى مَا سَبَقَ شَرْحُهُ. (قَوْلُهُ: الْقَطْعِيَّ وَالظَّنِّيَّ) مُقَابَلَةُ الْقَطْعِيِّ بِالظَّنِّيِّ قَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَشْمَلُ الِاعْتِقَادِيَّ اهـ. سم. وَفِيهِ مَا قَدْ سَمِعْت (قَوْلُهُ وَالْفَاسِدَ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرَ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ التَّأْدِيَةَ هِيَ الْإِيصَالُ لُغَةً وَعُرْفًا وَالتَّوَصُّلُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِصَحِيحِ النَّظَرِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَنْتَقِلَ الذِّهْنُ بِهَا إلَى الْمَطْلُوبِ فَالتَّأْدِيَةُ مِثْلُهُ فَالتَّقْيِيدُ بِالْمُؤَدِّي يُخْرِجُ الْفَاسِدَ قَطْعًا إفَادَةُ النَّاصِرِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ كَالْعَضُدِ وَالسَّعْدِ وَالسَّيِّدِ وَغَيْرِهِمْ صَرَّحُوا بِشُمُولِ التَّعْرِيفِ لِلنَّظَرِ الْفَاسِدِ وَأَنَّ التَّأْدِيَةَ تَكُونُ بِهِ كَمَا تَكُونُ بِالصَّحِيحِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْعَلَّامَةِ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الشَّمْسِيَّةِ وَإِنَّمَا قَالَ لِلتَّأَدِّي وَلَمْ يَقُلْ بِحَيْثُ يُؤَدِّي لِيَشْتَمِلَ الْفِكْرَ الْفَاسِدَ مَادَّةً أَوْ صُورَةً فَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَدِّ قَوْلِ النَّاصِرِ وَقَالُوا أَيْضًا إنَّ التَّعْرِيفَ شَامِلٌ لِأَفْرَادِ النَّظَرِ مُطْلَقًا مِنْ ظَنِّيَّاتٍ وَجَهْلِيَّاتٍ لِوُجُوبِ شُمُولِ التَّعْرِيفِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرَ) أَيْ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ وَظَاهِرُهُ فِي التَّصَوُّرَاتِ وَالتَّصْدِيقَاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ

стр. 189

وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَسْتَعْمِلُ التَّأْدِيَةَ إلَّا فِيمَا يُؤَدَّى بِنَفْسِهِ. (وَالْإِدْرَاكُ) أَيْ وُصُولُ النَّفْسِ إلَى الْمَعْنَى بِتَمَامِهِ مِنْ نِسْبَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ــ [حاشية العطار] يُقَيِّدَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوَّلُ كَلَامِهِ مِنْ قَصْرِهِ عَلَى التَّصْدِيقَاتِ إذْ التَّصَوُّرَاتُ لَا يَقَعُ فِيهَا ظَنٌّ وَلَا فَسَادٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ قَدْ يُقَالُ كَيْفَ يُؤَدِّي إلَى ذَلِكَ أَيْ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ مَعَ أَنَّهُ قِيلَ إنَّ الْفَاسِدَ يَسْتَلْزِمُ الْجَهْلَ وَيُجَابُ بِأَنْ قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ خَالٍ عَنْ الِاعْتِقَادِ أَوْ الظَّنِّ بِخِلَافِ مَا هُنَا ثُمَّ إنَّ تَأْدِيَةَ النَّظَرِ الْفَاسِدِ بِوَاسِطَةِ الظَّنِّ إلَى ظَنٍّ ظَاهِرٍ. وَأَمَّا تَأْدِيَتُهُ إلَى الْعِلْمِ بِوَاسِطَةِ الِاعْتِقَادِ فَفِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ ثَابِتٌ لَا يَزُولُ بِالتَّشْكِيلِ وَالْحَاصِلُ بِالنَّظَرِ الْفَاسِدِ يَزُولُ بِتَبَيُّنِ فَسَادِ النَّظَرِ، وَإِنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالتَّجَوُّزِ بِإِطْلَاقِ الْعِلْمِ عَلَى الِاعْتِقَادِ الدَّاخِلِ تَحْتَ قَوْلِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرَ كَانَ مُوهِمًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَا ذَكَرَ وَاقِعٌ عَلَى الْعِلْمِ وَالظَّنِّ إذْ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الِاعْتِقَادَ الْوَاقِعَ فِي النَّظَرِ قَدْ يَكُونُ طَرِيقًا فِي الْوُقُوفِ عَلَى مُوجِبِ الْعِلْمِ مِنْ عَقْلٍ أَوْ حِسٍّ أَوْ عَادَةٍ فَيَحْصُلُ لِلْعِلْمِ بِوَاسِطَةِ الِاعْتِقَادِ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا فِي الْوُقُوفِ عَلَى الْمُوجِبِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ سَبَبٌ لِلْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ. اهـ. وَجَوَابُ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذَكَرَ خُصُوصَ الظَّنِّ الشَّامِلِ لِلِاعْتِقَادِ بِقَرِينَةِ وُضُوحِ أَنَّهُ لَا يَتَصَوَّرُ حُصُولَ الْعِلْمِ بِوَاسِطَةِ اعْتِقَادٍ أَوْ ظَنٍّ فَلَمْ يَكُنْ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ أَنَّ الْمُؤَدِّيَ إلَيْهِ فِيمَا ذَكَرَ هُوَ الْعِلْمُ حَتَّى يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ شَيْءٌ اهـ. فِي غَايَةِ الْبُعْدِ؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ مَا ذَكَرَ بِلَا دَلِيلٍ وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ الْوُضُوحِ مُسَلَّمٌ فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ خَارِجٌ عَمَّا يُفِيدُهُ سَوْقُ الْكَلَامِ بَلْ هُوَ مَنْشَأُ الِاعْتِرَاضِ، وَمِنْ نَاحِيَةِ هَذَا الْجَوَابِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِمَا ذَكَرَ الْجِنْسُ الصَّادِقُ بِالْبَعْضِ وَهُوَ الظَّنُّ فَإِنَّهُ صَرْفٌ لِلْكَلَامِ عَنْ الْمُتَبَادِرِ الظَّاهِرِ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مِنْهُمْ إلَخْ) هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَعْمِلُهُ فِيمَا يُؤَدِّي مُطْلَقًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِوَاسِطَةٍ وَأَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ أَكْثَرُ مَعَ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي الْمُؤَدِّي بِذَاتِهِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ الْوُقُوفِ عَلَى كَلَامِ الْمَنَاطِقَةِ (قَوْلُهُ: وَالْإِدْرَاكُ) أَيْ الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ وَغَيْرِهِمَا وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُ بِمَا ذَكَرَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ شَائِعٍ لِقُرْبِهِ مِنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الْوُصُولُ يُقَالُ أَدْرَكَتْ الثَّمَرَةُ إذَا وَصَلَتْ وَبَلَغَتْ حَدَّ الْكَمَالِ وَلِذَلِكَ اعْتَبَرَ فِي مَفْهُومِهِ التَّمَامَ وَإِنْ كَانَ الشَّائِعُ فِي عِبَارَاتِهِمْ تَفْسِيرَ الْإِدْرَاكِ بِحُصُولِ صُورَةِ الشَّيْءِ فِي الْعَقْلِ أَيْ صُورَةِ الشَّيْءِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَ الْعَقْلِ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ التَّحْقِيقُ مِنْ أَنَّهُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى شَامِلٌ لِلتَّصَوُّرِ السَّاذَجِ وَلِلتَّصْدِيقِ. وَقَدْ يُقَيِّدُ بِعَدَمِ الْحُكْمِ فَيَخْتَصُّ بِالتَّصَوُّرِ السَّاذَجِ كَمَا وَقَعَ هُنَا (قَوْلُهُ: بِتَمَامِهِ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَشْمَلُ إدْرَاكَ الْبَسَائِطِ؛ لِأَنَّ التَّمَامَ لَا يُعْقَلُ إلَّا فِي الْمُرَكَّبَاتِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّمَامِ الْكُنْهُ وَإِدْرَاكُ الْحَقِيقَةِ وَفِيهِ كَلَامٌ سَيَأْتِي. (قَوْلُهُ: مِنْ نِسْبَةٍ) أَيْ النِّسْبَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَأَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّهَا مُغَايِرَةٌ لِلْحُكْمِ. (قَوْلُهُ: أَوْ غَيْرِهَا) وَهِيَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَالْمَحْكُومُ بِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ مُسَاوِيَةٌ لِعِبَارَةِ الشَّمْسِيَّةِ وَهِيَ الْعِلْمُ

стр. 190

(بِلَا حُكْمٍ) مَعَهُ مِنْ إيقَاعِ النِّسْبَةِ أَوْ انْتِزَاعِهَا (تَصَوُّرٌ) وَيُسَمَّى عِلْمًا أَيْضًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَمَّا وُصُولُ النَّفْسِ إلَى الْمَعْنَى لَا بِتَمَامِهِ فَيُسَمَّى شُعُورًا (وَبِحُكْمٍ) ــ [حاشية العطار] إمَّا تَصَوُّرٌ فَقَطْ وَإِمَّا تَصَوُّرٌ مَعَهُ حُكْمٌ فَاعْتَرَضَتْ بِأُمُورٍ مِنْهَا مَا قَالَهُ النَّاصِرُ هُنَا إنَّ قَوْلَهُ بِلَا حُكْمٍ مَعَهُ يُخْرِجُ بِهِ إدْرَاكَ النِّسْبَةِ أَوْ طَرَفَيْهَا أَوْ أَحَدَهُمَا مَعَ الْحُكْمِ وَأَنَّهُ تَصَوُّرٌ فَهُوَ غَيْرُ مُنْعَكِسٍ وَيُدْخِلُ الْحُكْمَ نَفْسَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إدْرَاكٌ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَصَوُّرٍ فَهُوَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ اهـ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ حَاشِيَةِ السَّيِّدِ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابِ وَأَجَابَ عَبْدُ الْحَكِيمِ بِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ الْقَيْدِ الْمُقَارَنَةُ بِلَا وَاسِطَةٍ وَالتَّصَوُّرُ الَّذِي يُقَارِنُهُ الْحُكْمُ أَعْنِي إيقَاعَ النِّسْبَةِ أَوْ انْتِزَاعَهَا بِلَا وَاسِطَةٍ إدْرَاكُ النِّسْبَةِ الْخَبَرِيَّةِ أَوْ مَجْمُوعِ الْإِدْرَاكَاتِ الثَّلَاثَةِ إنْ قُلْنَا إنَّ الْإِدْرَاكَ الْحَاصِلَ حِينَ الْحُكْمِ إدْرَاكٌ وَاحِدٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَضِيَّةِ، وَالْمُقَارَنَةَ بِمَا عَدَاهَا بِالْعَرَضِ فَلَا انْتِقَاضَ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ دُخُولِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ بِمَنْعِ مَبْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ إدْرَاكٌ وَلَيْسَ تَصَوُّرًا بِأَنَّهُ تَصَوُّرٌ سَاذَجٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحُ الْمَطَالِعِ وَالسَّيِّدُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ وَصَاحِبُ الشَّمْسِيَّةِ فِي التَّصْدِيقِ وَالْمُصَنِّفُ تَبِعَهُمَا فِي ذَلِكَ وَعَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ تَصَوُّرٌ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مُتَرَدَّدٌ فِيهِ هَلْ هُوَ فِعْلٌ أَوْ إدْرَاكٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِي الشَّمْسِيَّةِ وَالتَّهْذِيبِ فَالتَّصْدِيقُ إمَّا التَّصَوُّرَاتُ الثَّلَاثَةُ مَعَ الْحُكْمِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ أَوْ مَجْمُوعُ التَّصَوُّرَاتِ الْأَرْبَعَةِ وَأَوْرَدَ عَلَى مَذْهَبِهِ أُمُورًا لَا تَخُصُّنَا هُنَا. (قَوْلُهُ: مَعَهُ) أَخَذَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْمُقَابِلِ؛ لِأَنَّ بَاءَ قَوْلِهِ وَبِحُكْمٍ بِمَعْنَى مَعَ فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِ إنَّ الْمُصَنَّفِينَ اعْتَادُوا الْمُسَامَحَةَ بِأَمْثَالِ ذَلِكَ وَالِاكْتِفَاءُ بِمُجَرَّدِ صَلَاحِيَةِ عِبَارَتِهِمْ لِحَمْلِهَا عَلَى الْمُرَادِ اعْتِذَارًا عَنْ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. (قَوْلُهُ: مِنْ إيقَاعِ النِّسْبَةِ) بَيَانٌ لِلْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ. (قَوْلُهُ: تَصَوُّرٌ) أَيْ تَصَوُّرٌ سَاذَجٌ؛ لِأَنَّهُ الْمُقَابِلُ لِلتَّصْدِيقِ. (قَوْلُهُ: كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ أَوْ تَصَوُّرِيٍّ فِي الْعِلْمِ (قَوْلُهُ: فَيُسَمَّى شُعُورًا) هَذِهِ التَّفْرِقَةُ لِبَعْضِهِمْ وَلَا تُوَافِقُ اصْطِلَاحَ الْمَنَاطِقَةِ فَإِنَّ الْإِدْرَاكَ عِنْدَهُمْ يَشْمَلُ مَا بِالْكُنْهِ وَمَا بِالْوَجْهِ فَلَوْ حُمِلَ الْوُصُولُ إلَى تَمَامِ الْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ خَرَجَ الثَّانِي فَلَوْ. أَنَّ الشَّارِحَ جَعَلَ قَيْدَ التَّمَامِ لِبَيَانِ كَمَالِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْمَعْنَى الْعُرْفِيِّ وَالْكَمَالُ لِلْإِيضَاحِ لَا لِلِاحْتِرَازِ لَوَافَقَ اصْطِلَاحَ الْجُمْهُورِ ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ أَنَّ الْإِمَامَ وَغَيْرَهُ ذَكَرُوا أَنَّ أَوَّلَ مَرَاتِبِ وُصُولِ النَّفْسِ إلَى الْمَعْنَى شُعُورٌ فَإِذَا حَصَلَ وُقُوفُ النَّفْسِ عَلَى تَمَامِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَتَصَوُّرٌ فَإِذَا بَقِيَ بِحَيْثُ لَوْ أَرَادَ اسْتِرْجَاعَهُ بَعْدَ ذَهَابِهِ أَمْكَنَ يُقَالُ لَهُ حِفْظٌ وَلِذَلِكَ الطَّلَبِ تَذَكُّرٌ وَلِذَلِكَ الْوِجْدَانِ ذِكْرٌ اهـ. فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الشُّعُورَ لَيْسَ تَصَوُّرًا أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَمَامِ الْمَعْنَى أَعَمُّ مِمَّا بِالْكُنْهِ وَبِغَيْرِهِ وَبِهَذَا اضْمَحَلَّتْ الشُّبَهُ

стр. 191

يَعْنِي وَالْإِدْرَاكُ لِلنِّسْبَةِ وَطَرَفَيْهَا مَعَ الْحُكْمِ الْمَسْبُوقِ بِالْإِدْرَاكِ لِذَلِكَ (تَصْدِيقٌ) ــ [حاشية العطار] الَّتِي هُنَا فَتَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي وَالْإِدْرَاكُ لِلنِّسْبَةِ إلَخْ) قَالَ النَّاصِرُ يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ ظَاهِرَ الْمَتْنِ، وَالْإِدْرَاكُ بِحُكْمٍ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ إدْرَاكَ النِّسْبَةِ أَوْ أَحَدِ طَرَفَيْهَا أَوْ اثْنَيْنِ مِنْهَا مَعَ الْحُكْمِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ التَّعْرِيفُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَصْدِيقٍ فَلَا يَطَّرِدُ فَعَدَلَ لِدَفْعِ ذَلِكَ إلَى مَا ذَكَرَهُ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ إنْ سُلِّمَ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا التَّصَوُّرَاتِ الثَّلَاثَةَ الْمَصْحُوبَةَ بِالْحُكْمِ لَا هَذِهِ التَّصَوُّرَاتِ وَالْحُكْمُ كَمَا هُوَ مُرَادُهُ فَلَا يَصْدُقُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ التَّصْدِيقِ عَلَى رَأْيِ أَحَدٍ اهـ. وَأَقُولُ: إنَّ فِي التَّصْدِيقِ مَذَاهِبَ مِنْهَا مَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبَيْ الْحُكَمَاءِ وَالْإِمَامِ وَمِنْهَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَمَنْ تَبِعَهُ كَصَاحِبِ الْمَطَالِعِ وَصَاحِبِ الشَّمْسِيَّةِ أَنَّ التَّصْدِيقَ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِدْرَاكِ الْمُجَامِعِ لِلْحُكْمِ أَوْ الْمَعْرُوضِ لِلْحُكْمِ وَتَعْرِيفُ الْمُصَنِّفِ مِنْهُ وَبِعِنَايَةِ الشَّارِحِ يَكُونُ جَارِيًا عَلَى طَرِيقَةِ الْإِمَامِ تَدَبَّرْ. (قَوْلُهُ: الْمَسْبُوقِ بِالْإِدْرَاكِ لِذَلِكَ) أَيْ لِلنِّسْبَةِ وَطَرَفَيْهَا، فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَقَدُّمُ إدْرَاكِ ذَلِكَ عَلَى إدْرَاكِ وُقُوعِ النِّسْبَةِ أَوْ لَا وُقُوعِهَا، وَأَمَّا تَصَوُّرُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْمَحْكُومِ بِهِ فَأَمْرٌ اسْتِحْسَانِيٌّ فَإِنَّ الْأَوْلَى أَنْ تُلَاحَظَ

стр. 192

كَإِدْرَاكِ الْإِنْسَانِ وَالْكَاتِبِ وَكَوْنِ الْكَاتِبِ ثَابِتًا لِلْإِنْسَانِ وَإِيقَاعِ أَنَّ الْكَاتِبَ ثَابِتٌ لِلْإِنْسَانِ أَوْ انْتِزَاعِ ذَلِكَ أَيْ نَفْيِهِ فِي التَّصْدِيقِ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ كَاتِبٌ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَاتِبٍ الصَّادِقَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ. وَقِيلَ الْحُكْمُ إدْرَاكُ أَنَّ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ ــ [حاشية العطار] الذَّاتُ أَوَّلًا ثُمَّ مَفْهُومُ الصِّفَاتِ. (قَوْلُهُ: وَكَوْنِ الْكَاتِبِ إلَخْ) النِّسْبَةُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ ثُبُوتُ الْكِتَابَةِ لِلْإِنْسَانِ فَتَسَامَحَ الشَّارِحُ فِي التَّعْبِيرِ. (قَوْلُهُ: وَإِيقَاعِ) عَطْفٌ عَلَى إدْرَاكٍ وَقَوْلُهُ أَوْ انْتِزَاعِ عَطْفٌ عَلَى إيقَاعٍ وَقَوْلُهُ فِي التَّصْدِيقِ أَيْ كَائِنَا فِيهِ. (قَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ) أَشَارَ بِهِ إلَى وَجْهِ تَسْمِيَةِ الْإِدْرَاكِ إلَّا الْمَخْصُوصَ بِالتَّصْدِيقِ وَأَنَّهَا بِاعْتِبَارِ أَشْرَفِ احْتِمَالِي الْخَبَرِ الْمُتَضَمِّنِ لَهُ وَهُوَ الصِّدْقُ؛ لِأَنَّ كُلَّ خَبَرٍ فِي نَفْسِهِ مُحْتَمِلٌ الصِّدْقَ وَالْكَذِبِ فَغَلَبَ احْتِمَالُ الصِّدْقِ وَسُمِّيَ مَا تَضَمَّنَّهُ الْخَبَرُ تَصْدِيقًا لَا تَكْذِيبًا فَقَوْلُهُ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فِي أَحَدِ احْتِمَالَيْهِمَا. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْحُكْمُ إدْرَاكُ) مُقَابِلٌ لِتَفْسِيرِهِ بِالْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ فِعْلٌ وَعَلَى هَذَا انْفِعَالٌ أَوْ كَيْفٌ قَالَ النَّاصِرُ يَقْتَضِي أَنَّ تَفْسِيرَهُ بِمَا قَدَّمَهُ مِنْ الْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ

стр. 193

قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ التَّحْقِيقُ وَالْإِيقَاعُ وَالِانْتِزَاعُ وَنَحْوُهُمَا كَالْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ عِبَارَاتٌ، ثُمَّ كَثِيرًا مَا يُطْلَقُ التَّصْدِيقُ عَلَى الْحُكْمِ وَحْدَهُ ــ [حاشية العطار] الصَّادِرَةِ عَنْهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ التَّفْسِيرُ بِذَلِكَ صَالِحٌ لِمَا ذَكَرَ " وَلِأَنَّهُ الْإِدْرَاكُ " وَلِذَلِكَ تَرَى كَثِيرًا مِمَّنْ ذَهَبَ إلَى إدْرَاكٍ عَرَّفَهُ بِمَا سَبَقَ وَأَشَارَ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عِبَارَاتٌ اهـ. وَأَقُولُ: تَفْسِيرُهُ هُنَا بِالْإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ نَقْلِ كَلَامِ الْحُكَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَهَذِهِ عِبَارَتُهُمْ وَغَيْرُهُمْ عَبَّرَ عَنْ الْحُكْمِ بِالْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ كَالْإِمَامِ وَمَنْ تَبِعَهُ فَالشَّارِحُ بِصَدَدِ نَقْلِ الْمَذَاهِبِ مُرَاعِيًا تَعْبِيرَ أَرْبَابِهَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ تَفْسِيرُهُ الْحُكْمَ بِمَا قَالَهُ هُوَ مَا عَلَيْهِ مُتَأَخِّرُو الْمَنَاطِقَةِ فَهُوَ فِعْلُ النَّفْسِ. وَأَمَّا مُتَقَدِّمُوهُمْ فَفَسَّرُوهُ بِمَا حَكَاهُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ الْحُكْمُ إدْرَاكُ أَنَّ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ فَلَيْسَ فِعْلًا بَلْ انْفِعَالٌ اهـ. وَجَوَابُ سم بِأَنَّ مُقَابَلَةَ الشَّارِحِ كَوْنُهُ إدْرَاكًا بِكَوْنِهِ الْإِيقَاعَ وَالِانْتِزَاعَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ كَوْنُهُمَا فِعْلَيْنِ بَلْ هُوَ الْأَلْيَقُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْجَارِي عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ فِي التَّصْدِيقِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الْحُكْمَ فِعْلٌ لَا إدْرَاكٌ اهـ. مُخَالِفٌ لِمَا اعْتَرَفَ بِهِ قَبْلَهُ مِنْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ تَبِعَ صَاحِبَ الْمَطَالِعِ فِي التَّصْدِيقِ وَمَذْهَبُهُ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ) هُوَ الْقُطْبُ الرَّازِيّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَطَالِعِ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّفْسِ هَاهُنَا يَعْنِي فِي مُسَمَّى التَّصْدِيقِ تَأْثِيرٌ وَفِعْلٌ بَلْ إذْعَانٌ وَقَبُولٌ لِلنِّسْبَةِ وَهُوَ إدْرَاكُ أَنَّهَا وَاقِعَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ قَالَ وَالْحُكْمُ وَإِيقَاعُ النِّسْبَةِ وَالْإِسْنَادُ كُلُّهَا عِبَارَاتٌ وَأَلْفَاظٌ أَيْ تُوهِمُ أَنَّ النَّفْسَ بَعْدَ تَصَوُّرِ النِّسْبَةِ وَطَرَفَيْهَا فِعْلٌ وَلَيْسَ مُرَادًا اهـ. وَعَلَى هَذَا الْمُحَقِّقُونَ كَالتَّفْتازانِيِّ وَالسَّيِّدِ الْجُرْجَانِيِّ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ التَّحْقِيقُ) عَلَّلَهُ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الشَّمْسِيَّةِ بِأَنَّا إذَا رَجَعْنَا إلَى وِجْدَانِنَا عَلِمْنَا أَنَّا بَعْدَ إدْرَاكِ النِّسْبَةِ الْحُكْمِيَّةِ الْحَمْلِيَّةِ أَوْ الِاتِّصَالِيَّةِ أَوْ الِانْفِصَالِيَّةِ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا سِوَى إدْرَاكِ أَنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَيْ مُطَابِقَةٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ أَيْ غَيْرَ مُطَابِقَةٍ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ اهـ. قَالَ النَّاصِرُ كَوْنُ الْحُكْمِ هُوَ الْإِدْرَاكَ يَسْتَلْزِمُ اسْتِحَالَةَ حُكْمِ النَّفْسِ بِغَيْرِ مُدْرِكِهَا فَلَا يَكُونُ فِي الْكَذِبِ عَمْدًا حُكْمٌ فَلَا يَكُونُ قِسْمًا مِنْ الْخَبَرِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ قَالَ سم هَذَا الْكَلَامُ مِنْ الْعَجَائِبِ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْكَذِبِ عَمْدًا حُكْمٌ بِالْمُخْبَرِ بِهِ فَبِمُجَرَّدِ هَذَا لَا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ انْتِفَاءُ كَوْنِهِ قِسْمًا مِنْ الْخَبَرِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حُكْمٌ بِنَقِيضِ الْمُخْبَرِ بِهِ مَثَلًا وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ كَلَامٌ كَاذِبٌ وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْخَبَرِ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِيهِ حُكْمٌ مُطْلَقًا فَتَفْرِيعُ هَذَا عَلَى مَا قَبْلَهُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِحَالَةِ حُكْمِ النَّفْسِ بِغَيْرِ مُدْرِكِهَا انْتِفَاءُ الْحُكْمِ عَنْ الْكَذِبِ عَمْدًا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ مِنْ لَازِمِ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِي الْإِخْبَارِ وُجُودُ حُكْمٍ مُخَالِفٍ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ تَفْرِيعَ قَوْلِهِ فَلَا يَكُونُ قِسْمًا مِنْ الْخَبَرِ عَلَى مَا قَبْلَهُ فِي غَايَةِ السُّقُوطِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ لَا يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُهُ عَلَى تَحَقُّقِ الْحُكْمِ بِدَلِيلِ كَلَامِ الشَّاكِّ فَإِنَّهُ لَا حُكْمَ مَعَهُ مَعَ أَنَّهُ خَبَرٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُطَوَّلِ. (قَوْلُهُ: عِبَارَاتٌ) أَيْ مُعَبَّرٌ بِهَا عَنْ الْإِدْرَاكِ الْمَخْصُوصِ غَيْرُ مُرَادٍ بِهَا مَا يُعْطِيهِ ظَاهِرُهَا مِنْ كَوْنِهَا أَفْعَالًا قَالَ السَّيِّدُ تَوَهَّمُوا أَنَّ الْحُكْمَ فِعْلٌ مِنْ الْأَفْعَالِ النَّفْسِيَّةِ الصَّادِرَةِ عَنْهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْحُكْمِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَالْإِسْنَادِ وَالْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ وَالْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ وَغَيْرِهَا وَالْحَقُّ أَنَّهُ إدْرَاكٌ. اهـ. قَالَ الْجَلَالُ الدَّوَانِيُّ هَذَا الْبَيَانُ لَا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ إذْ لَوْ كَانَ مَنْشَأُ وَهْمِهِمْ كَوْنَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ بِحَسَبِ مَعَانِيهَا الِاصْطِلَاحِيَّةِ مُتَعَدِّيَةً فَالْعِلْمُ وَالتَّصَوُّرُ أَيْضًا كَذَلِكَ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَهَّمُوا كَوْنَهَا فِعْلًا وَمِثْلُ ذَلِكَ يَبْعُدُ عَنْ الْعُقَلَاءِ فَضْلًا عَنْ الْفُضَلَاءِ وَلَوْ كَانَ مَنْشَأُ الْوَهْمِ كَوْنَهَا بِحَسَبِ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ دَالَّةً عَلَى مَا هُوَ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ فَلِذَلِكَ أَبْعَدُ إذْ بِنَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ مَعَ الْإِعْرَاضِ

стр. 194

كَمَا قِيلَ إنَّ مُسَمَّاهُ ذَلِكَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ــ [حاشية العطار] عَنْ الْمَعَانِي الِاصْطِلَاحِيَّةِ بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ الْعُلَمَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْشَأَ وَهْمِهِمْ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي التَّصْدِيقِ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى أَثَرِ التَّصَوُّرِ وَهُوَ اطْمِئْنَانُ النَّفْسِ وَاعْتِرَافُهَا فَحَسِبُوا أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ الزَّائِدَ هُوَ فِعْلٌ صَادِرٌ عَنْ النَّفْسِ حَتَّى يَكُونَ التَّصَوُّرُ السَّاذَجُ الْمُتَعَلِّقُ بِالنِّسْبَةِ خَالِيًا عَنْ هَذَا الْفِعْلِ فَهَذَا الْفِعْلُ أَمْرٌ زَائِدٌ مُنْضَمٌّ إلَيْهِ اهـ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الشَّمْسِيَّةِ التَّحْقِيقُ عِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَ بِفِعْلِيَّةِ الْحُكْمِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ وَمَنْ تَبِعَهُ مَبْنَاهُ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ وَهُوَ أَنَّ الْإِيمَانَ مُكَلَّفٌ بِهِ وَمَعْنَاهُ التَّصْدِيقُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُكَلَّفُ بِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا فَالتَّصْدِيقُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا فَقَالُوا إنَّ الْحُكْمَ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي التَّصْدِيقِ أَعْنِي إيقَاعَ النِّسْبَةِ أَوْ انْتِزَاعَهَا وَهُوَ أَنْ تَنْسُبَ بِاخْتِيَارِك الصِّدْقَ إلَى الْخَبَرِ أَوْ الْمُخْبِرِ وَتَسَلُّمُهُ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ وَالتَّكْلِيفُ بِاعْتِبَارِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي الْآمِدِيُّ إنَّ التَّكْلِيفَ بِالْإِيمَانِ تَكْلِيفٌ بِالنَّظَرِ الْمُوصِلِ إلَيْهِ وَهُوَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ. (قَوْلُهُ: مُسَمَّاهُ ذَلِكَ) أَيْ الْحُكْمُ وَأَنَّ الْإِدْرَاكَاتِ الثَّلَاثَةَ شُرُوطٌ لَا شُطُورٌ وَعَلَيْهِ فَالتَّصْدِيقُ بَسِيطٌ لَا مُرَكَّبٌ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ؛ لِأَنَّ تَقْسِيمَ الْعِلْمِ لِلتَّصَوُّرِ وَلِلتَّصْدِيقِ لِامْتِيَازِ كُلٍّ بِطَرِيقٍ مُوصِلٍ إلَيْهِ، فَالْمُوصِلُ إلَى التَّصْدِيقِ الْحُجَّةُ وَلِلتَّصَوُّرِ الْقَوْلُ. الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ)

стр. 195

فِي مَعْنَى الْحُكْمِ وَمِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ. (وَجَازِمُهُ) أَيْ جَازِمُ التَّصْدِيقِ بِمَعْنَى الْحُكْمِ إذْ هُوَ الْمُنْقَسِمُ إلَى جَازِمٍ وَغَيْرِهِ أَيْ الْحُكْمِ الْجَازِمِ (الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ) بِأَنْ كَانَ ــ [حاشية العطار] مُتَعَلِّقٌ بِيُطْلَقُ. (قَوْلُهُ: فِي مَعْنَى الْحُكْمِ) أَيْ هَلْ هُوَ فِعْلٌ أَوْ إدْرَاكُ أَنَّ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ. (قَوْلُهُ: وَمِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ) أَيْ إطْلَاقِ التَّصْدِيقِ عَلَى الْحُكْمِ إمَّا مَجَازٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَوْ حَقِيقَةٌ عَلَى مَذْهَبِ الْحُكَمَاءِ وَعِبَارَةُ النَّاصِرُ تُوهِمُ أَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِمَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَأَشَارَ الشَّارِحُ بِهَذَا إلَى أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ اسْتِخْدَامًا حَيْثُ ذَكَرَ التَّصْدِيقَ أَوَّلًا بِمَعْنَى الْمُرَكَّبِ مِنْ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ وَأَعَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ بِمَعْنَى الْحُكْمِ (قَوْلُهُ: إذْ هُوَ) أَيْ الْحُكْمُ لَا الْمُرَكَّبُ مِنْهُ وَمِنْ التَّصَوُّرَاتِ؛ لِأَنَّ التَّصَوُّرَاتِ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا غَيْرُ الْجَزْمِ. (قَوْلُهُ: الَّذِي لَا يَقْبَلُ إلَخْ) اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْعِلْمَ كَثِيرًا مَا يَتَغَيَّرُ بِمَا يُعَارِضُهُ مِنْ الشُّبَهِ وَالْأَوْهَامِ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ لَا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ أَصْلًا فَلَا يُسَلَّمُ وَإِنْ أَرَادَ لَا يَقْبَلُهُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْمُعَارِضِ لِقُوَّتِهِ

стр. 196

لِمُوجِبٍ مِنْ حِسٍّ أَوْ عَقْلٍ أَوْ عَادَةٍ ــ [حاشية العطار] فَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِقَادَ كَذَلِكَ وَحِينَئِذٍ لَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِعَدَمِ قَبُولِ التَّغَيُّرِ هُنَا مَعْنًى خَاصٌّ هُوَ كَوْنُهُ لِمُوجِبٍ وَمَتَى كَانَ لِمُوجِبٍ لَا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ بِخِلَافِ الِاعْتِقَادِ فَإِنَّهُ لِغَيْرِ مُوجِبٍ وَلِهَذَا قَبِلَ التَّغَيُّرَ وَقَدْ أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِأَنْ كَانَ لِمُوجِبٍ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لِمُوجِبٍ) أَيْ سَبَبٍ يَقْتَضِيه بِأَنْ يَخْلُقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهُ لِلْعَبْدِ لَا بِمَعْنَى التَّأْثِيرِ أَوْ التَّوَلُّدِ (قَوْلُهُ: مِنْ حِسٍّ) وَيُسَمَّى الْحُكْمُ الْحَاصِلُ مِنْهُ بِالْمُشَاهَدَاتِ إنْ كَانَ بِالْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ وَيُسَمَّى بِالْمَحْسُوسَاتِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَتْ الْمُشَاهَدَاتُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الْمُبْصَرَاتِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْمُرَادُ مَا يَعُمُّ الْإِحْسَاسَ بِالْبَصَرِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ قَالَ شَارِحُ سُلَّمِ الْعُلُومِ لَيْسَ كُلُّ تَصْدِيقٍ يَحْصُلُ بِالْحَوَاسِّ مِنْ الْمُشَاهَدَاتِ بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ حُكْمِ الْعَقْلِ أَيْضًا وَقَبُولِهِ وَإِلَّا لَكَانَ قَوْلُنَا لِلسَّرَابِ إنَّهُ مِنْ الْمُشَاهَدَاتِ وَكَذَا سَائِرُ أَغْلَاطِ الْوَهْمِ وَالْحِسِّ ثُمَّ قَالَ وَهِيَ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: مَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ. وَالثَّانِي: مَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ وَمِنْهَا الْوَهْمِيَّاتُ. الثَّالِثُ: مَا تُدْرِكُهُ نُفُوسُنَا وَالْأَخِيرَانِ يُسَمَّيَانِ وِجْدَانِيَّاتٍ. (قَوْلُهُ: أَوْ عَقْلٍ) أَيْ وَحْدَهُ فَإِنْ كَانَ حُكْمُهُ بِوَاسِطَةِ النَّظَرِ يُسَمَّى الْحُكْمُ نَظَرِيًّا وَإِنْ كَانَ بِمُجَرَّدِ تَصَوُّرِ الطَّرَفَيْنِ سُمِّيَتْ الْقَضَايَا الْمَحْكُومُ فِيهَا أَوَّلِيَّاتٍ كَالْوَاحِدِ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ وَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ بِوَاسِطَةٍ لَا تَغِيبُ عَنْ الذِّهْنِ وَهِيَ الْقَضَايَا الَّتِي قِيَاسَاتُهَا مَعَهَا كَقَوْلِنَا الْأَرْبَعَةُ زَوْجٌ. (قَوْلُهُ: أَوْ عَادَةٍ) وَهِيَ مَا يُوجَدُ دَائِمًا أَوْ غَالِبًا عِنْدَ وُجُودِ شَيْءٍ آخَرَ كَالْإِسْهَالِ مِنْ شُرْبِ السَّقَمُونْيَا وَهِيَ لَا تَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ بَلْ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ انْضِمَامِ الْحِسِّ إلَيْهَا فَإِنْ كَانَ السَّمْعَ فَهِيَ الْمُتَوَاتِرَاتُ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ تُحِيلُ تَوَاطُؤَ الْمُخْبِرِينَ عَلَى الْكَذِبِ وَيَنْدَرِجُ تَحْتَ الْعَادَةِ الْمُجْرَيَاتُ وَالْحَدْسِيَّاتُ، وَلَمَّا كَانَتْ الْعَادَةُ لَا تَسْتَقِلُّ بِالْحُكْمِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ انْضِمَامِ الْحِسِّ إلَيْهَا حَصَرَ قَوْمٌ الْحُكْمَ فِي الْعَقْلِ وَالْحِسِّ وَالْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا وَسَكَتُوا عَنْ الْعَادَةِ لِانْدِرَاجِهَا فِي قِسْمِ الْمُرَكَّبِ مِنْهُمَا. وَقَالَ النَّسَفِيُّ فِي مَتْنِ الْعَقَائِدِ أَسْبَابُ الْعِلْمِ ثَلَاثَةٌ الْحَوَاسُّ السَّلِيمَةُ وَالْخَبَرُ الصَّادِقُ وَالْعَقْلُ. وَفِي حَاشِيَةِ عَبْدِ الْحَكِيمِ عَلَى الْقُطْبِ طُرُقُ حُصُولِ الْعِلْمِ مُنْحَصِرَةٌ بِالِاسْتِقْرَاءِ فِي الْبَدَاهَةِ وَالْإِحْسَاسِ وَالتَّوَاتُرِ وَالتَّجْرِبَةِ وَالْحَدْسِ وَالنَّظَرِ اهـ. وَإِذَا تَأَمَّلْت وَجَدْت الْمَآلَ فِيهَا وَاحِدًا وَنَقَلَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ هُنَا عَنْ شَرْحِ السُّلَّمِ الْكَبِيرِ لِلشَّيْخِ الْمَلَوِيِّ أَنَّ الْحَدْسِيَّاتِ تَحْتَاجُ لِتُكَرِّر الْمُشَاهَدَةِ كالتجربيات اهـ. وَهُوَ مَا دَرَجَ عَلَيْهِ الطُّوسِيُّ فِي شَرْحِ الْإِشَارَاتِ أَوْ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ أَدْرَجَهَا الْجَمَاعَةُ هُنَا تَحْتَ الْعَادَةِ وَلَكِنْ قَالَ شَارِحُ سُلَّمِ الْعُلُومِ لَا يَجِبُ فِي الْحَدْسِ الْمُشَاهَدَةُ مَرَّةً فَضْلًا عَنْ تَكَرُّرِهَا فَإِنَّ الْمَطَالِبَ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي لَا يَكُونُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ مَوْضُوعِهَا مَحْسُوسًا وَلَا تُنَالُ بِالْحِسِّ حُكْمُهُ قَدْ تَكُونُ حَدْسِيَّةً، وَلَا يُمْكِنُ الْمُشَاهَدَةُ هُنَاكَ وَعَلَيْهِ فَلَا تَنْدَرِجُ ثُمَّ إنَّ الْقَضِيَّةَ مُنْفَصِلَةٌ مَانِعَةٌ خُلُوَّ تَجَوُّزِ الْجَمْعِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُتَوَاتِرَاتِ مِنْ الِانْتِهَاءِ بِالْحِسِّ وَالْعَادَةُ تُحِيلُ الْكَذِبَ فِيهِ وَالْعَقْلُ حَاكِمٌ فِي الْجَمِيعِ وَكَالْحُكْمِ بِأَنَّ الْجَبَلَ حَجَرٌ فَإِنَّهُ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ وَالنَّاصِرُ جَعَلَهَا مُنْفَصِلَةً

стр. 197

فَيَكُونُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ ــ [حاشية العطار] حَقِيقَةً بِنَاءً عَلَى تَكَلُّفٍ ذَكَرَهُ. (قَوْلُهُ: فَيَكُونُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ) قَالَ النَّاصِرُ فِيهِ نَظَرٌ دَقِيقٌ؛ لِأَنَّ الْمُطَابِقَ لِلْوَاقِعِ إنَّمَا هُوَ الْحُكْمُ بِمَعْنَى النِّسْبَةِ التَّامَّةِ الَّتِي هِيَ مَدْلُولُ الْكَلَامِ وَهِيَ ثُبُوتُ الْمَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ أَوْ انْتِفَاؤُهُ عَنْهُ لَا الْحُكْمُ بِمَعْنَى الْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ إذَا كَانَ فِعْلًا لَا إدْرَاكًا إذْ لَيْسَ فِي الْوَاقِعِ شَيْءٌ يُخَالِفُهُ تَارَةً وَيُوَافِقُهُ أُخْرَى بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْوَاقِعِ لِمَوْصُوفِهِ دَائِمًا صَحِيحًا كَانَ أَمْ لَا اهـ. وَهُوَ نَظَرٌ قَوِيٌّ وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ أَيْ مُطَابِقًا مُتَعَلِّقَهُ، وَهُوَ النِّسْبَةُ الْحُكْمِيَّةُ وَمِثْلُهُ مِنْ الْمُسَامَحَاتِ كَثِيرٌ لَا يَتَحَاشَى عَنْهُ وَمَا تَكَلَّفَهُ سم فِي الْجَوَابِ بِتَصْحِيحِ أَنَّ الْمُطَابَقَةَ تَقَعُ بَيْنَ الْحُكْمِ بِمَعْنَى الْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ وَبَيْنَ النِّسْبَةِ الْوَاقِعَةِ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ قَالَ مِيرْ زَاهِدْ فِي حَوَاشِي الْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ الْمُرَادُ مُطَابَقَةُ النِّسْبَةِ الَّتِي هِيَ حِكَايَةٌ عَنْ الْوَاقِعِ وَمَرْجِعُ هَذِهِ الْمُطَابَقَةِ هُوَ الْوُقُوعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُطَابَقَةَ أَوَّلًا بِالذَّاتِ لِلنِّسْبَةِ وَثَانِيًا وَبِالْعَرَضِ لِلْخَبَرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا اهـ. وَقَالَ الْخَلْخَالِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْجَلَالِ إنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْمُحَاكَاةُ عَمَّا فِي الْوَاقِعِ فَلَا يَكُونُ حِكَايَةً عَنْ نَفْسِهَا إذْ مُحَاكَاةُ الشَّيْءِ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ صَارَ احْتِمَالُ الْمُطَابَقَةِ واللامطابقة مِنْ خَوَاصِّ التَّصْدِيقَاتِ فَإِنَّ الصُّورَةَ مَا لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْمُحَاكَاةُ عَنْ أَمْرٍ وَاقِعٍ لَا تَجْرِي فِيهَا التَّخْطِئَةُ وَالتَّغْلِيطُ اهـ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الشَّمْسِيَّةِ الْمُرَادُ الْمُدْرِكُ فَمَآلُ قَوْلِنَا إنَّ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ وَقَوْلِنَا إنَّهَا مُطَابِقَةٌ وَاحِدٌ وَالْمُرَادُ الْحَالَةُ الْإِجْمَالِيَّةُ الَّتِي يُقَالُ لَهَا

стр. 198

(عِلْمٌ ــ [حاشية العطار] الْإِذْعَانُ وَالتَّسْلِيمُ اهـ. وَكُتُبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْأَعَاجِمِ الَّذِينَ هُمْ الْعُمْدَةُ فِي هَذِهِ الْفُنُونِ طَافِحَةٌ بِأَنَّ الْمُطَابَقَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بَيْنَ النِّسْبَةِ الذِّهْنِيَّةِ وَالْخَارِجِيَّةِ وَأَنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَهُمَا اعْتِبَارِيٌّ بَلْ اعْتِبَارُ الْمُطَابَقَةِ واللامطابقة بَيْنَ الْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ وَبَيْنَ النِّسْبَةِ الْوَاقِعَةِ بِمَا يُنْكِرُهُ الْوِجْدَانُ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ لَا تُتَعَقَّلُ فِيهِ الْحِكَايَةُ عَمَّا فِي الْخَارِجِ وَلَا يُعْقَلُ كَوْنُهُ ثُبُوتِيًّا أَوْ سَلْبِيًّا؛ لِأَنَّهُمَا وَصْفَانِ لِلنِّسْبَةِ تَأَمَّلْ وَلَا تَكُنْ أَسِيرَ التَّقْلِيدِ وَلَا مِمَّنْ يَحْمِلُهُ التَّعَصُّبُ عَلَى مَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ. (قَوْلُهُ: عِلْمٌ) قَالَ النَّاصِرُ إطْلَاقُ الْعِلْمِ عَلَى الْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ لَا إدْرَاكٌ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ لَا يُعْرَفُ لِأَحَدٍ فِيمَا أَعْلَمُ، ثُمَّ الْعِلْمُ الْإِلْهَامِيُّ كَعِلْمِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ يَتَنَاوَلُهُ تَعْرِيفُ الْمَتْنِ بِدُونِ زِيَادَةِ الشَّارِحِ أَيْ قَوْلُهُ بِأَنْ كَانَ لِمُوجِبٍ إلَخْ فَتَرْكُهَا أَصْوَبُ ثُمَّ كُلُّ عِلْمٍ قَابِلٌ لِلتَّغْيِيرِ أَيْ الزَّوَالِ بِمَا يُضَادُّهُ كَالنَّوْمِ، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ فِي التَّعْرِيفِ قَوْلَنَا بِالتَّشْكِيكِ لَمْ يَصْدُقْ عَلَى عِلْمٍ أَصْلًا اهـ. أَقُولُ: حَاصِلُ كَلَامِهِ اعْتِرَاضَاتٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ: مِنْهَا أَنَّهُ جَرَى هُنَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْحُكْمَ إدْرَاكٌ وَلَئِنْ قُلْنَا إنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ بِمَعْنَى الْإِيقَاعِ قَدَّرْنَا مُضَافًا أَيْ، مُلَابِسَ عِلْمٍ، فَالْعِلْمُ حِينَئِذٍ هُوَ النِّسْبَةُ الْحُكْمِيَّةُ لَا الْإِيقَاعُ. وَجَوَابُ الثَّانِي أَنَّ الْكَلَامَ هَاهُنَا فِي الْعِلْمِ ذِي السَّبَبِ وَهُوَ الْحَاصِلُ لِلْبَشَرِ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْعِلْمِ الْحُصُولِيِّ، وَأَمَّا عِلْمُ الْمَلَائِكَةِ فَمِنْ قَبِيلِ الْعِلْمِ الْحُضُورِيِّ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فَحَقِيقَةُ عِلْمِهِمْ مُغَايِرَةٌ لِحَقِيقَةِ عِلْمِ الْبَشَرِ. وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ عِلْمَهُمْ بَلَغَ الدَّرَجَةَ الْقُصْوَى فِي كَمَالِ الْعِلْمِ الْبَشَرِيِّ فَلَا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ شَارِحُ حِكْمَةِ الْعَيْنِ إنَّهُ كَمَا يُمْكِنُ الِانْتِهَاءُ فِي طُرُقِ النُّقْصَانِ إلَى بَلِيدٍ غَبِيٍّ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ أَنْ يَفْهَمَ شَيْئًا مِنْ الْعُلُومِ أَصْلًا فَكَذَلِكَ يُمْكِنُ الِانْتِهَاءُ فِي طُرُقِ الْكَمَالِ إلَى وُجُودِ نَفْسٍ بَالِغَةٍ إلَى الدَّرَجَةِ الْقُصْوَى فِي الْقُوَّةِ وَسُرْعَةِ الِاسْتِعْدَادِ لِإِدْرَاكِ الْحَقَائِقِ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ يُحِيطُ عِلْمًا بِحَقَائِق الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ وَشَوْقٍ، وَهَذِهِ الْقُوَّةُ لَوْ وُجِدَتْ كَانَ صَاحِبُهَا نَبِيًّا أَوْ حَكِيمًا اهـ. وَجَوَابُ الثَّالِثِ أَنَّ الْعِلْمَ لَا يَزُولُ بِالنَّوْمِ وَنَحْوِهِ كَالْإِغْمَاءِ بَلْ الزَّائِلُ الشُّعُورِ بِهِ وَهُوَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ الْمُتَعَلِّقُ بِذَلِكَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ لِلنَّفْسِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا بِالْعِلْمِ الْحَاصِلِ لَهَا نَظَرِيًّا كَانَ أَوْ ضَرُورِيًّا وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ هُوَ أَنَّ النَّوْمَ ضِدٌّ لِإِدْرَاكِ الْأَشْيَاءِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِبَقَاءِ الْإِدْرَاكَاتِ الْحَاصِلَةِ حَالَةَ الْيَقَظَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا بِهِ أَطَالَ سم مِنْ التَّكَلُّفَاتِ الَّتِي لَا تُجْدِي نَفْعًا مِنْهَا تَجْوِيزُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يُطْلِقُ الْعِلْمَ عَلَى الْإِيقَاعِ وَالِانْتِزَاعِ وَأَنَّ الشَّارِحَ تَبِعَهُ فَلَا وَجْهَ لِلطَّعْنِ فِيهِمَا يَنْقُلُهُ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَوْ فُرِضَ وُجُودُ قَائِلٍ بِهِ كَانَ مَرْدُودًا عَلَيْهِ كَيْفَ وَالْعِلْمُ إدْرَاكٌ وَلَا شَيْءَ مِنْ الْإِيقَاعِ الَّذِي هُوَ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ بِإِدْرَاكٍ فَلَا شَيْءَ مِنْ الْعِلْمِ بِإِيقَاعٍ أَوْ انْتِزَاعٍ وَيَنْعَكِسُ إلَى لَا شَيْءٍ مِنْ الْإِيقَاعِ أَوْ الِانْتِزَاعِ

стр. 199

كَالتَّصْدِيقِ) أَيْ الْحُكْمُ بِأَنَّ زَيْدًا مُتَحَرِّكٌ مِمَّنْ شَاهَدَهُ مُتَحَرِّكًا أَوْ أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ أَوْ أَنَّ الْجَبَلَ حَجَرٌ (وَ) التَّصْدِيقُ أَيْ الْحُكْمُ الْجَازِمُ (الْقَابِلُ) لِلتَّغَيُّرِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لِمُوجِبٍ طَابَقَ الْوَاقِعَ أَوْ لَا إذْ يَتَغَيَّرُ الْأَوَّلُ بِالتَّشْكِيكِ وَالثَّانِي بِهِ أَوْ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (اعْتِقَادٌ) وَهُوَ اعْتِقَادٌ (صَحِيحٌ إنْ طَابَقَ) الْوَاقِعَ كَاعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ أَنَّ الضُّحَى مَنْدُوبٌ (فَاسِدٌ إنْ لَمْ يُطَابِقْ) أَيْ الْوَاقِعَ كَاعْتِقَادِ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ (وَ) التَّصْدِيقُ أَيْ الْحُكْمُ (غَيْرُ الْجَازِمِ) ــ [حاشية العطار] بِعِلْمٍ وَلَا مَطْعَنَ فِي مُقَدِّمَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ. وَقَدْ صَرَّحَ مِيرْ أَبُو الْفَتْحِ فِي حَوَاشِي الْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ بِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِلْمَ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ وَقَوْلُهُ إنَّ الشَّارِحَ ثِقَةٌ وَإِنَّهُ لَا وَجْهَ لِلطَّعْنِ فِي نَقْلِهِ إلَخْ قَدْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَنْفَعُ فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَرِضِ وَأَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ غَيْرُ جَادَّةٍ فِي الْمُنَاظَرَةِ بَلْ هِيَ مُبَاهَتَةٌ سَادَّةٌ لِسَبِيلِ تَحْقِيقِ الْحَقِّ، وَأَمَّا الْتِزَامُهُ دُخُولَ عِلْمِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ بِالتَّكَلُّفِ الَّذِي سَلَكَهُ فِي بَيَانِ الدُّخُولِ فَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ وَلَا حَاجَةَ لِتَنَاوُلِ التَّعْرِيفِ لَهُ لِمَا سَبَقَ مِنْ الْبَيَانِ. وَأَمَّا جَوَابُهُ عَنْ الثَّالِثِ فَفِيهِ مَقْنَعٌ وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ مَا ذَكَرْنَاهُ تَدَبَّرْ (قَوْلُهُ: كَالتَّصْدِيقِ إلَخْ) فِيهِ مَعَ قَوْلِهِ مِنْ حِسٍّ أَوْ عَقْلٍ أَوْ عَادَةٍ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ (قَوْلُهُ: مِمَّنْ شَاهَدَهُ مُتَحَرِّكًا) أَيْ فَالْمُشَاهَدَةُ وَالْإِبْصَارُ لِزَيْدٍ لَا لِلْحَرَكَةِ وَنَقَلَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَوَاشِي الْخَيَالِيِّ أَنَّ الْجُبَّائِيَّ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ يُدْرَكَانِ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ وَاللَّمْسِ. (قَوْلُهُ: إذْ يَتَغَيَّرُ الْأَوَّلُ) هُوَ مَا لَمْ يَكُنْ لِمُوجِبٍ وَطَابَقَ الْوَاقِعَ وَقَوْلُهُ وَالثَّانِي هُوَ مَا لَمْ يَكُنْ لِمُوجِبٍ وَلَمْ يُطَابِقْ الْوَاقِعَ. (قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ) هُوَ الْمُرَادُ بِالْوَاقِعِ وَالْخَارِجِ وَهُوَ الشَّيْءُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إدْرَاكِ مُدْرِكٍ وَاعْتِبَارِ مُعْتَبِرٍ (قَوْلُهُ: وَهُوَ اعْتِقَادٌ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ قَوْلَهُ صَحِيحٌ لَيْسَ صِفَةً لِاعْتِقَادٍ بَلْ مُسْتَأْنَفٌ إشَارَةً لِتَقْسِيمٍ آخَرَ لِلِاعْتِقَادِ (قَوْلُهُ: كَاعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ) قَالَ النَّاصِرُ فِي جَعْلِهِمْ التَّقْلِيدَ يُفِيدُ الْمُقَلِّدَ الِاعْتِقَادَ وَالدَّلِيلَ يُفِيدُ الْمُجْتَهِدَ الظَّنَّ الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ مِنْ الِاعْتِقَادِ إشْكَالٌ لَا يَخْفَى وَجْهُهُ. اهـ. قَالَ سم لَا إشْكَالَ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ خَالٍ عَنْ الْمُزَاحَمَاتِ بِخِلَافِ الْمُجْتَهِدِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فِي الْأَدِلَّةِ الَّتِي تَتَعَارَضُ وَتَتَزَاحَمُ عِنْدَهُ فَغَايَةُ مَا يَتِمُّ لَهُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِخِلَافِ الْمُقَلِّدِ فَإِنَّهُ لَا شُغْلَ لَهُ بِالْمُزَاحِمِ فَلَا يَزَالُ يَأْنَسُ بِمُعْتَقَدِهِ فَيَقْوَى ثُمَّ نَقَلَ عِبَارَةَ الْإِحْيَاءِ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا اسْتَفَادَ الْحُكْمَ مِنْ الدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ كَانَ اعْتِقَادُهُ لَهُ لِمُوجِبٍ فَيَكُونُ ظَنُّهُ لَهُ قَوِيًّا بَالِغًا مَبْلَغَ الْيَقِينِ فَهُوَ قَطْعِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَا يُفِيدُ إلَّا ظَنًّا وَلَكِنَّ الظَّنَّ الَّذِي حَصَلَ لِلْمُجْتَهِدِ لَا يَزُولُ إلَّا بِقَاطِعٍ قَوِيٍّ وَلَا كَذَلِكَ اعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ لِمُوجِبٍ كَانَ عُرْضَتُهُ الزَّوَالَ وَالتَّشْكِيكَ فَرُسُوخُهُ عِنْدَهُ لِعَدَمِ طَرَيَان الْمُعَارِضِ أَوْ التَّشْكِيكِ حَتَّى لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ زَالَ اعْتِقَادُهُ وَلِذَلِكَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ عَقْدُ الْمُقَلِّدِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُسْتَنَدٌ عَقْلِيٌّ فَهُوَ عَلَى الْقَطْعِ مِنْ جِنْسِ الْجَهْلِ. وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ الْجُبَّائِيُّ فِي كِتَابِ الْأَبْوَابِ إنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ مُمَاثِلٌ لِلْجَهْلِ وَعَنَى بِالْعَقْدِ اعْتِقَادَ الْمُقَلِّدِ اهـ. فَظَهَرَ أَنْ لَا أَثَرَ لِلْإِشْكَالِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ النَّاصِرَ قَالَ سَيَأْتِي عِنْدَ تَعْرِيفِ الْجَهْلِ أَنَّ ظَنَّ الْمُجْتَهِدِ يُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِمُوجِبِ الْأَمَارَةِ فَلَا يَنْدَرِجُ فِي الظَّنِّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَالتَّصْدِيقُ غَيْرُ الْجَازِمِ إلَخْ) مَا سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَعْلِ التَّصْدِيقِ الْغَيْرِ الْجَازِمِ مُقَسَّمًا لِلظَّنِّ وَالشَّكِّ وَالْوَهْمِ قَالَ الْكَمَالُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كَلَامِ الرَّازِيّ وَمَنْ تَبِعَهُ وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الشَّكَّ وَالْوَهْمَ لَا حُكْمَ فِيهِمَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّارِحِ. وَالشَّيْخُ ابْنِ الْحَاجِبِ جَعَلَ الْمُقَسَّمَ مَا عَنَّهُ الذِّكْرُ الْحُكْمِيُّ فَقَالَ الْعَضُدُ فِي شَرْحِهِ جَعَلَهُ مُقَسَّمًا دُونَ الِاعْتِقَادِ أَوْ الْحُكْمِ لِيَتَنَاوَلَ الشَّكَّ وَالْوَهْمَ مِمَّا لَا اعْتِقَادَ وَلَا حُكْمَ لِلذِّهْنِ فِيهِ اهـ. فَقَدْ جَرَى الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ عَلَى طَرِيقَةٍ ضَعِيفَةٍ، وَالتَّحْقِيقُ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ وَقِيلَ لَيْسَ الْوَهْمُ إلَخْ قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ تَوَهَّمَ الْبَعْضُ أَنَّ الشَّكَّ وَالْوَهْمَ مِنْ قَبِيلِ التَّصْدِيقِ فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ تَصَوُّرَاتِ النِّسْبَةِ وَاقِعَةً أَوْ لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ وَبَيْنَ الْإِذْعَانِ بِهِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ مَعَهُ احْتِمَالُ نَقِيضَ إلَخْ) وَذَلِكَ النَّقِيضُ هُوَ الطَّرَفُ الْمَرْجُوحُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ مُرَكَّبًا مِنْ اعْتِقَادَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ

стр. 200

إنْ كَانَ مَعَهُ احْتِمَالُ نَقِيضِ الْمَحْكُومِ بِهِ مِنْ وُقُوعِ النِّسْبَةِ أَوْ لَا وُقُوعِهَا (ظَنٌّ وَوَهْمٌ وَشَكٌّ) (لِأَنَّهُ) أَيْ غَيْرَ الْجَازِمِ (إمَّا رَاجِحٌ) لِرُجْحَانِ الْمَحْكُومِ بِهِ عَلَى نَقِيضِهِ فَالظَّنُّ (أَوْ مَرْجُوحٌ) لِمَرْجُوحِيَّةِ الْمَحْكُومِ بِهِ لِنَقِيضِهِ فَالْوَهْمُ (أَوْ مُسَاوٍ) لِمُسَاوَاةِ الْمَحْكُومِ بِهِ مِنْ كُلِّ النَّقِيضَيْنِ عَلَى الْبَدَلِ لِلْآخَرِ فَالشَّكُّ فَهُوَ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ ــ [حاشية العطار] مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ بَسِيطٌ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِأَحَدِ النَّقِيضَيْنِ مَعَ تَجْوِيزِ الْآخَرِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ خَطَرَ بِالْبَالِ لَكَانَ مَرْجُوحًا. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ مَعَهُ ذَلِكَ وَلَوْ بِالْقُوَّةِ وَقَوْلُ سم إنَّ الظَّنَّ لِلطَّرَفِ الرَّاجِحِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ مَرْجُوحًا فَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِهِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّاجِحِ مَا قَابَلَهُ مَرْجُوحٌ بَلْ مَا قَامَ عَلَيْهِ مُوجِبٌ غَيْرُ جَازِمٍ وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ حُضُورُ النَّقِيضِ بِالْفِعْلِ قَالَ عَبْدُ الْحَكِيمِ فِي حَاشِيَةِ الْقُطْبِ الظَّنُّ إدْرَاكٌ بَسِيطٌ وَمُتَوَهَّمُ أَمْرٍ مُغَايِرٍ لَهُ حَاصِلٍ بَعْدَ مُلَاحَظَةِ الطَّرَفِ الْآخَرِ وَمَا قَالُوا إنَّ الظَّنَّ إدْرَاكٌ يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَذَلِكَ بِالْقُوَّةِ وَنَصَّ عَلَيْهِ السَّيِّدُ فِي حَاشِيَةِ الْمُخْتَصَرِ اهـ. وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الشَّارِحَ اطَّلَعَ عَلَى الْمُخْتَصَرِ وَشَرْحِهِ إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّعَلُّلِ بِمَا لَا يَشْفِي غَلِيلًا وَلَقَدْ تَكَرَّرَ مِنْهُ أَمْثَالُ ذَلِكَ وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ ارْتِكَابُهُ فَضْلًا عَنْ تَكْرَارِهِ الْمُورِثِ لِلسَّائِمَةِ الْمُشْعِرِ بِضَعْفِ حُجَّةِ الْمُتَمَسِّكِ بِهِ فَإِنَّ الرِّجَالَ تُعْرَفُ بِالْحَقِّ لَا أَنَّ الْحَقَّ يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ وَالْمُرَادُ بِنَقِيضِ الْمَحْكُومِ بِهِ الطَّرَفُ الْمُقَابِلُ لِلنِّسْبَةِ مِنْ الْوُقُوعِ أَوْ اللَّا وُقُوعِ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ كَمَا أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مِنْ وُقُوعِ النِّسْبَةِ إلَخْ إلَّا أَنَّهُ تَسَمَّحَ فِي التَّعْبِيرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَحْكُومًا بِهِ بَلْ هُوَ مَحَلٌّ لِلْحُكْمِ فَجَعَلَهُ مَحْكُومًا بِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الْعِبَارَةِ وَهُوَ الْمَحْمُولُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ النَّقِيضَ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ وَلِذَلِكَ كَانَ التَّعْبِيرُ الشَّائِعُ بَيْنَهُمْ نَقِيضَ الْحُكْمِ وَلَوْ عَبَّرَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: لِرُجْحَانِ الْمَحْكُومِ بِهِ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِمَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ وَنَقِيضَهُ لَا رُجْحَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ طَرَفِي الْمُمْكِنِ لَيْسَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْآخَرِ فَإِنْ أُرِيدَ هَذَا فَقَدْ ظَهَرَ بُطْلَانُهُ وَإِنْ أُرِيدَ الرُّجْحَانُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ فَرُجْحَانُ الدَّلِيلِ إنَّمَا يُفِيدُ رُجْحَانَ الْحُكْمِ لَا الْمَحْكُومِ بِهِ فَلَوْ قَالَ إمَّا رَاجِحٌ لِرُجْحَانِ دَلِيلِهِ لَكَانَ صَوَابًا اهـ. وَيُجَابُ بِأَنَّا نَخْتَارُ الشِّقَّ الثَّانِيَ وَأَنَّ الْمَعْنَى رُجْحَانُ الْمَحْكُومِ بِهِ أَيْ الَّذِي هُوَ الْوُقُوعُ وَاللَّاوُقُوعُ كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ رُجْحَانُ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْإِيقَاعُ وَالِانْتِزَاعُ لِرُجْحَانِ دَلِيلِهِ، وَمُحَصَّلُهُ أَنَّ الْوُقُوعَ وَاللَّاوُقُوعَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَا يَقْبَلُ التَّفَاوُتَ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَالْقَابِلُ لِذَلِكَ هُوَ الْحُكْمُ وَالْوُقُوعُ وَاللَّاوُقُوعُ أَثَرُهُ فَيُتَخَيَّلُ فِيهِ قَبُولُ ذَلِكَ فَالدَّلِيلُ وَاسِطَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ لَا فِي الثُّبُوتِ وَلِتَلَازُمِهِمَا أَثْبَتَ لِأَحَدِهِمَا مَا أَثْبَتَ لِلْآخَرِ وَمَا شَنَّعَ بِهِ سم عَلَى النَّاصِرِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَقَوْلُهُ إنَّ رُجْحَانَ الْحُكْمِ تَابِعٌ لِرُجْحَانِ الْمَحْكُومِ بِهِ مُكَابَرَةٌ وَأَنَا أُوَضِّحُ لَك ذَلِكَ بِمِثَالٍ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْعِلْمُ ثَابِتًا لِزَيْدٍ فِي الْوَاقِعِ وَقُلْنَا زَيْدٌ عَالِمٌ فَهَذَا الثُّبُوتُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي الْإِثْبَاتِ وَهُوَ حُكْمُنَا بِذَلِكَ الثُّبُوتِ فَإِنَّهُ تَارَةً يَكُونُ رَاجِحًا وَتَارَةً يَكُونُ مَرْجُوحًا وَتَارَةً لَا وَلَا، كَمَا فِي الشَّكِّ فَقَدْ تَفَاوَتَتْ الْإِدْرَاكَاتُ مَعَ وَحْدَةِ الْمُدْرَكِ، مِنْ ذَلِكَ مَا قَالُوا إنَّ مَسَائِلَ الْعُلُومِ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ نَظَرِيَّةً مَعَ أَنَّ مَحْمُولَاتِهَا أَعْرَاضٌ ذَاتِيَّةٌ لِلْمَوْضُوعَاتِ وَالْعَرَضُ الذَّاتِيُّ لَا يَحْتَاجُ لِوَاسِطَةٍ فِي الْعُرُوضِ وَإِلَّا كَانَ عَرَضًا غَرِيبًا وَأَجَابُوا بِأَنَّ الدَّلِيلَ وَاسِطَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ لَا الثُّبُوتِ وَبِالْجُمْلَةِ الثُّبُوتُ وَالنَّفْيُ لَا يُعْقَلُ فِيهِمَا تَفَاوُتٌ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِي الْحُكْمِ بِهِمَا وَالْعَجَبُ مِمَّنْ نَقَلَ كَلَامَ سم قَائِلًا وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ جَعَلَ هَذَا الْكَلَامَ تَعَسُّفًا لَا فَائِدَةَ فِيهِ. اهـ. وَأَنَا أَقُولُ: الْحَقُّ مَعَ الْجَاعِلِ لَا مَعَ الْمُتَعَجِّبِ (قَوْلُهُ: لِنَقِيضِهِ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِنَقِيضِهِ وَإِنَّمَا أَتَى بِاللَّامِ دُونَ عَلَى؛ لِأَنَّ عَلَى لِلِاسْتِعْلَاءِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الرُّجْحَانِ دُونَ الْمَرْجُوحِيَّةِ. (قَوْلُهُ: مِنْ كُلٍّ مِنْ النَّقِيضَيْنِ) أَيْ الْوُقُوعِ وَاللَّاوُقُوعِ وَقَوْلُهُ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَحْكُومِ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْحُكْمَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِيَّةِ لِاسْتِحَالَةِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمَعِيَّةِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ) اعْتِرَاضٌ

стр. 201

حُكْمَانِ، كَمَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا الشَّكُّ اعْتِقَادُ أَنْ يَتَقَاوَمَ سَبَبُهُمَا وَقِيلَ لَيْسَ الْوَهْمُ وَالشَّكُّ مِنْ التَّصْدِيقِ إذْ الْوَهْمُ مُلَاحَظَةُ الطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ وَالشَّكُّ التَّرَدُّدُ فِي الْوُقُوعِ وَاللَّاوُقُوعِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ التَّحْقِيقُ فَمَا أُرِيدَ بِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ بِالْمَرْجُوحِ أَوْ الْمُسَاوِي عِنْدَهُ مَمْنُوعٌ. ــ [حاشية العطار] بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ. (قَوْلُهُ: اعْتِقَادِ أَنَّ) الْمُرَادُ بِالِاعْتِقَادِ هُنَا مُطْلَقُ الْإِدْرَاكِ وَقَوْلُهُ يَتَقَاوَمُ أَيْ يَتَعَادَلُ قَالَهُ النَّجَّارِيُّ وَلَا يُلَائِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ جَعَلَ التَّصْدِيقَ مُقَسَّمًا وَعَدَّ الشَّكَّ وَالْوَهْمَ مِنْ أَقْسَامِهِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ لَيْسَ الْوَهْمُ إلَخْ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ. (قَوْلُهُ: إذْ الْوَهْمُ مُلَاحَظَةُ الطَّرَفِ الْمَرْجُوحِ) أَيْ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِالرَّاجِحِ لِكَوْنِهِ نَقِيضَهُ وَالنَّقِيضُ أَسْرَعُ خُطُورًا بِالْبَالِ مِنْ النَّظِيرِ فَلَا تَصْدِيقَ فِيهِ وَإِنَّمَا التَّصْدِيقُ فِي مُقَابِلِهِ وَهُوَ مُجَرَّدُ تَصَوُّرٍ. (قَوْلُهُ: وَالشَّكُّ التَّرَدُّدُ فِي الْوُقُوعِ وَاللَّاوُقُوعِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ بِأَحَدِهِمَا قَالَ الْكَلَنْبَوِيُّ فِي حَوَاشِي الدَّوَانِيِّ عَلَى التَّهْذِيبِ الشَّكُّ هُوَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ طَرَفِي النَّقِيضِ وَهُوَ الْوُقُوعُ وَاللَّاوُقُوعُ فَوُجُودُ طَرَفَيْ النَّقِيضِ فِي الذِّهْنِ فِي صُورَةِ الشَّكِّ مِمَّا يَشْهَدُ بِهِ الْوِجْدَانُ الْعَامُّ لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ. (قَوْلُهُ: قَالَ بَعْضُهُمْ) كَأَنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْمَوْلَى سَعْدَ الدِّينِ فَقَدْ قَالَ فِي حَوَاشِي الشَّرْحِ الْعَضُدِيِّ إنَّ جَعْلَ الشَّكِّ وَالْوَهْمِ مِنْ أَقْسَامِ التَّصْدِيقِ مُخَالِفٌ لِلتَّحْقِيقِ. (قَوْلُهُ: مَمْنُوعٌ) قَالَ النَّاصِرُ الْمَنْعُ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ إذْ الْحُكْمُ هُوَ إدْرَاكُ أَنَّ النِّسْبَةَ وَاقِعَةٌ أَوْ لَيْسَتْ بِوَاقِعَةٍ وَهَذَا الْإِدْرَاكُ مُنْتَفٍ فِي الشَّكِّ وَالْوَهْمِ قَطْعًا وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ اهـ. وَمِثْلُهُ لِلسَّيِّدِ الشَّرِيفِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ قَالَ الْمَشْهُورُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ يُجْعَلَ الْمُقَسَّمُ الِاعْتِقَادَ الْمُرَادِفَ لِلتَّصْدِيقِ أَوْ الْحُكْمِ وَيُعَدُّ الشَّكُّ وَالْوَهْمُ مِنْ أَقْسَامِهِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا اعْتِقَادَ وَلَا حُكْمَ فِيهِمَا أَمَّا فِي الشَّكِّ فَلِأَنَّ طَرَفَيْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مُتَسَاوِيَانِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ حُكْمٌ بِهِمَا فَفَسَادُهُ ظَاهِرٌ أَوْ بِأَحَدِهِمَا فَيَلْزَمُ الْحُكْمُ، وَأَمَّا فِي الْوَهْمِ فَلِأَنَّ الْمَرْجُوحَ أَوْلَى مِنْ الْمُسَاوِي وَأَيْضًا فِي الرَّاجِحِ حُكْمٌ فَيَلْزَمُ اعْتِقَادُ النَّقِيضَيْنِ مَعًا وَبِالْجُمْلَةِ لَا بُدَّ فِي الْحُكْمِ مِنْ رُجْحَانٍ وَلَا رُجْحَانَ فِي الْوَهْمِ وَالشَّكِّ اهـ. وَمَا أَطَالَ بِهِ سم هُنَا مِنْ الْكَلَامِ مُصَادِمٌ لِمَا نَقَلْنَاهُ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ وَقَدْ أَسْلَفْنَا فِي صَدْرِ الْمَبْحَثِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَرَى عَلَى طَرِيقَةٍ مَرْجُوحَةٍ وَأَنَّ

стр. 202

عَلَى هَذَا (وَالْعِلْمُ) أَيْ الْقِسْمُ الْمُسَمَّى بِالْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرُهُ بِحَقِيقَتِهِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ (قَالَ الْإِمَامُ) الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ (ضَرُورِيٌّ) ــ [حاشية العطار] الرَّاجِحَ هُوَ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي نَقَلَهَا الشَّارِحُ فَهِيَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ كَمَا قَالَهُ النَّاصِرُ. [تَعْرِيف الْعِلْم] (قَوْلُهُ: أَيْ الْقِسْمُ الْمُسَمَّى إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَهْدِيَّةَ وَالْمَعْهُودَ الْعِلْمُ التَّصْدِيقِيُّ الْمُشَارُ لَهُ بِقَوْلِهِ وَجَازِمُهُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ عِلْمٌ فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ لِنَوْعٍ مِنْ الْعِلْمِ لَا لِمُطْلَقِ الْعِلْمِ، وَقَضِيَّةُ كَلَامِ غَيْرِهِ الْإِطْلَاقُ وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى التَّخْصِيصِ قَوْلَهُ بَعْدُ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ حُكْمُ الذِّهْنِ إلَخْ، وَأَيْضًا لِلتَّخْصِيصِ نُكْتَةٌ وَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ التَّصْدِيقِيَّ نَوْعٌ مِنْ الِاعْتِقَادِ فَلَيْسَ بِغَيْرِهِ وَلَا كَذَلِكَ الْعِلْمُ التَّصَوُّرِيُّ، فَإِنَّهُ نَوْعٌ وَاحِدٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرُهُ بِحَقِيقَتِهِ) وَذَلِكَ التَّصَوُّرُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الذَّاتِيَّاتِ وَقَيْدُ الْحَيْثِيَّةِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ الْحُصُولُ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى ضَرُورِيٍّ وَنَظَرِيٍّ، وَمِنْ حَيْثُ تَصَوُّرُهُ بِالرَّسْمِ الْمُمَيَّزِ عَنْ غَيْرِهِ بِدُونِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُ سَهْلٌ. وَقَدْ ظَنَّ الْآمِدِيُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي مُطْلَقِ التَّعْرِيفِ فَاسْتَبْعَدَ كَلَامَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ الْآتِي، فَأَفَادَ الشَّارِحُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ لَا الرَّسْمِيُّ، وَقَدْ نَبَّهَ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ كَوْنَ ذَلِكَ مَحَلَّ الْخِلَافِ مُسْتَفَادٌ مِنْ سِيَاقِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. (قَوْلُهُ: بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ) أَيْ سِيَاقِ الْمَتْنِ وَقَوْلِ النَّاصِرِ وَالْمُرَادُ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ قَوْلُ الشَّارِحِ فِي الِاسْتِدْلَالِ الْآتِي وَمِنْهَا تَصَوُّرٌ إلَخْ وَقَوْلُهُ: فِي جَوَابِهِ بَلْ يَكْفِي إلَخْ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الِاسْتِدْلَال بِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ لَهُ وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ إلَخْ) ذَكَرَ فِي شَرْحَيْ الْمَقَاصِدِ وَالْمَوَاقِفِ أَنَّ الْإِمَامَ اسْتَدَلَّ عَلَى ضَرُورِيَّتِهِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، إلَّا أَنَّهُ تَصَرَّفَ فِيهِ ثَانِيهِمَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُكْتَسَبًا فَأَمَّا بِغَيْرِهِ مَعْلُومًا ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ اكْتِسَابِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ مَجْهُولًا، وَالْغَيْرُ إنَّمَا يُعْلَمُ بِالْعِلْمِ، فَلَوْ عُلِمَ الْعِلْمُ بِالْغَيْرِ لَزِمَ الدَّوْرُ فَتَعَيَّنَ طَرِيقُ الضَّرُورَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَأَجَابَ بِأَنَّ تَصَوُّرَ الْعِلْمِ عَلَى تَقْدِيرِ اكْتِسَابِهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِ غَيْرِهِ، وَتَصَوُّرُ الْغَيْرِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصَوُّرِهِ لِيَلْزَمَ الدَّوْرُ بَلْ عَلَى حُصُولِهِ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ حُصُولِ الْمُقَيَّدِ بِدُونِ الْمُطْلَقِ حَتَّى لَوْ لَمْ نَقُلْ بِوُجُودِ الْكُلِّيِّ فِي ضِمْنِ الْجُزْئِيَّاتِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى حُصُولِهِ أَيْضًا اهـ. فَهَذَا الْوَجْهُ اسْتِدْلَالٌ عَلَى بَدَاهَةِ مُطْلَقِ الْعِلْمِ لَا الْعِلْمِ التَّصْدِيقِيِّ، نَعَمْ الْوَجْهُ الثَّانِي خَاصٌّ بِالْعِلْمِ التَّصْدِيقِيِّ وَلِذَلِكَ قَصَرَ الشَّارِحُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَاَلَّذِي دَعَاهُ إلَى ذَلِكَ صَنِيعُ الْمُصَنِّفِ. (قَوْلُهُ: ضَرُورِيٌّ) فِي النَّاصِرِ يَجُوزُ إطْلَاقُ الضَّرُورِيِّ عَلَى الْعِلْمِ وَعَلَى مُتَعَلِّقِهِ، كَقَوْلِنَا الْعِلْمُ بِالْوُجُودِ ضَرُورِيٌّ وَقَوْلِنَا الْوُجُودُ ضَرُورِيٌّ، وَإِطْلَاقُهُ فِي الْمَتْنِ عَلَى الْعِلْمِ مِنْ إطْلَاقِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ وَإِلَّا لَقَالَ: وَالْعِلْمُ بِالْعِلْمِ ضَرُورِيٌّ وَعَلَى الْإِطْلَاقِ الْأَوَّلِ جَرَى الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ عِلْمَ كُلِّ أَحَدٍ اهـ. وَرَدَّهُ سم بِأَنَّهُ غَفْلَةٌ عَنْ قَوْلِ الشَّارِحِ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرُهُ بِحَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ تَصَوُّرَ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ ضَرُورِيٌّ فَرَجَعَ الْحَالُ إلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْعِلْمِ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّ تَصَوُّرَ الْعِلْمِ عِلْمٌ بِالْعِلْمِ اهـ. ، ثُمَّ قَدْ يَتَوَقَّفُ فِي إطْلَاقِ الضَّرُورِيِّ عَلَى مُتَعَلِّقِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمَعْلُومُ، فَإِنَّ الضَّرُورِيَّ وَالنَّظَرَ وَصْفَانِ لِلْعِلْمِ لَا لِلْمَعْلُومِ

стр. 203

أَيْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْتِفَاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَاكْتِسَابٍ؛ لِأَنَّ عِلْمَ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى مَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ النَّظَرُ كَالْبُلْهِ وَالصِّبْيَانِ بِأَنَّهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ أَوْ مُلْتَذٌّ أَوْ مُتَأَلِّمٌ ضَرُورِيٌّ ــ [حاشية العطار] اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، لَكِنَّ الْعِبَارَةَ تُوهِمُ أَنَّهُ مَعْنًى اصْطِلَاحِيٌّ فَلْيُنْظَرْ. (قَوْلُهُ: بِمُجَرَّدِ الْتِفَاتِ النَّفْسِ إلَيْهِ) قَالَ النَّاصِرُ يَعْنِي بَعْدَ تَصَوُّرِ الطَّرَفَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ بِالْأَوْلَوِيَّاتِ وَالْبَدِيهِيَّاتِ وَهُوَ أَخَصُّ الضَّرُورِيَّاتِ الْمُعَرِّفَةِ بِمَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، فَقَوْلُهُ: بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَاكْتِسَابٍ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إذْ هُوَ أَعَمُّ بَعْدَ أَخَصَّ. وَأَجَابَ سم بِمَنْعِ قَوْلِهِ لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ فِيهِ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ وَهِيَ بَيَانُ الْمُرَادِ هُنَا بِالضَّرُورَةِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَأَنَّهُ الضَّرُورِيُّ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ عِلْمَ كُلِّ أَحَدٍ) قُرِّرَ فِي شَرْحَيْ الْمَقَاصِدِ وَالْمَوَاقِفِ هَذَا الدَّلِيلُ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ عِلْمَ كُلِّ أَحَدٍ بِوُجُودِهِ بَدِيهِيٌّ، وَهَذَا عِلْمٌ خَاصٌّ مَسْبُوقٌ بِمُطْلَقِ الْعِلْمِ لِتَرَكُّبِهِ مِنْهُ وَمِنْ الْخُصُوصِيَّةِ، وَالسَّابِقُ عَلَى الْبَدِيهِيِّ بَدِيهِيٌّ فَمُطْلَقُ الْعِلْمِ بَدِيهِيٌّ

стр. 204

بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَمِنْهَا تَصَوُّرُ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَمُلْتَذٌّ أَوْ مُتَأَلِّمٌ ــ [حاشية العطار] وَهُوَ الْمَطْلُوبُ اهـ. وَالشَّارِحُ قَرَّرَ الدَّلِيلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ اسْتِدْلَالًا عَلَى بَدَاهَةِ الْعِلْمِ التَّصْدِيقِيِّ لِقَصْرِ الْمُصَنِّفِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ) أَيْ وَهِيَ إدْرَاكُ النِّسْبَةِ وَطَرَفَيْهَا مَعَ الْحُكْمِ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْإِمَامِ، وَإِذَا رُكِّبَتْ الْقَضِيَّةُ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ قُلْت: عِلْمِي بِأَنِّي مَوْجُودٌ أَوْ مُلْتَذٌّ أَوْ مُتَأَلِّمٌ مَعْلُومٌ لِي بِالضَّرُورَةِ، فَقَوْلُهُ: وَهُوَ أَيْ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ إلَخْ عِلْمٌ تَصْدِيقِيٌّ خَاصٌّ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْلُومٍ خَاصٍّ هُوَ وُجُودُهُ أَوْ الْتِذَاذُهُ أَوْ تَأَلُّمُهُ، قَالَهُ زَكَرِيَّا وَمِثْلُهُ فِي الْكَمَالِ وَالنَّجَّارِيِّ وَهُوَ، وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ شَرْحَيْ الْمَوَاقِفِ وَالْمَقَاصِدِ لَكِنَّهُ لَا يُلَائِمُ تَقْرِيرَ الشَّارِحِ وَاَلَّذِي يُلَائِمُهُ أَنْ تَقُولَ: قَوْلُنَا مَثَلًا: أَنَا عَالِمٌ بِأَنِّي مَوْجُودٌ أَوْ مُتَأَلِّمٌ أَوْ مُلْتَذٌّ قَضِيَّةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَوْضُوعٍ وَمَحْمُولٍ وَنِسْبَةٍ، وَمَجْمُوعُ التَّصَوُّرَاتِ الثَّلَاثَةِ وَالْحُكْمِ وَالْأَرْبَعَةِ ضَرُورِيَّةٌ وَمِنْ جُمْلَتِنَا تَصَوُّرُ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ إلَخْ فَيَكُونُ ضَرُورِيًّا، وَهُوَ أَعْنِي الْعِلْمَ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ إلَخْ عِلْمٌ تَصْدِيقِيٌّ مُتَعَلِّقٌ بِقَضِيَّةٍ هِيَ أَنَا مَوْجُودٌ خَاصٌّ لِتَعَلُّقِهِ بِمَعْلُومٍ خَاصٍّ وَهُوَ كَوْنُهُ مَوْجُودًا جُزْئِيٌّ لِمُطْلَقِ الْعِلْمِ التَّصْدِيقِيِّ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ تَصَوُّرُ الْعِلْمِ التَّصْدِيقِيِّ لِتَضَمُّنِ الْجُزْئِيِّ لِكُلِّيَّةٍ، فَمَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ ضَرُورَةِ تَصَوُّرِهِ يَثْبُتُ لِكُلِّيَّةٍ فَثَبَتَ الْمَطْلُوبُ فَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِأَنَّ عِلْمَ كُلِّ أَحَدٍ إلَخْ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي وَقَعَ مَحْمُولًا فِي أَنَا عَالِمٌ، وَقَوْلُهُ: بِأَنَّهُ عَالِمٌ مَصْدُوقُهُ التَّصْدِيقُ الْمُشْتَمِلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إنِّي مَوْجُودٌ، فَالْعِلْمُ الْأَوَّلُ تَصَوُّرٌ وَالثَّانِي تَصْدِيقٌ. وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ فَيَكُونُ الضَّرُورِيُّ تَصَوُّرَ مُطْلَقِ الْعِلْمِ التَّصْدِيقِيِّ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَعَلُّقِ التَّصَوُّرِ بِالتَّصْدِيقِ، فَإِنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ التَّصَوُّرَاتِ لَا حَجْرَ فِيهَا فَتَتَعَلَّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ إنَّ الشَّارِحَ سَلَكَ فِي الِاسْتِدْلَالِ طَرِيقَةَ الْإِمَامِ مِنْ أَنَّ التَّصْدِيقَ مُرَكَّبٌ؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ تَقْرِيرِ دَلِيلِهِ وَالتَّصْدِيقُ عِنْدَهُ هُوَ الْإِدْرَاكَاتُ الْأَرْبَعَةُ أَوْ الثَّلَاثَةُ وَالْحُكْمُ، وَلَا يَكُونُ بَدِيهِيًّا إلَّا إذَا كَانَ كُلٌّ مِنْ أَجْزَائِهِ بَدِيهِيًّا وَلِذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِبَدَاهَةِ التَّصْدِيقَاتِ عَلَى بَدَاهَةِ التَّصَوُّرَاتِ. وَأَمَّا عِنْدَ الْحُكَمَاءِ فَمَنَاطُ الْبَدَاهَةِ وَالْكَسْبِ هُوَ نَفْسُ الْحُكْمِ فَقَطْ، وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ تَامٌّ أَيْضًا، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ: إنَّ هَذَا التَّصْدِيقَ بَدِيهِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَظَرٍ وَكَسْبٍ أَصْلًا لَا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِي طَرَفَيْهِ سَوَاءٌ جُعِلَ تَصَوُّرُ الطَّرَفَيْنِ شَطْرًا أَوْ شَرْطًا وَذَلِكَ

стр. 205

بِالْحَقِيقَةِ، وَهُوَ عِلْمٌ تَصْدِيقِيٌّ خَاصٌّ فَيَكُونُ تَصَوُّرُ مُطْلَقِ الْعِلْمِ التَّصْدِيقِيِّ بِالْحَقِيقَةِ ضَرُورِيًّا، وَهُوَ الْمُدَّعِي. وَأُجِيبَ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَجْزَاءِ ذَلِكَ تَصَوُّرُ الْعِلْمِ الْمَذْكُورِ بِالْحَقِيقَةِ بَلْ يَكْفِي تَصَوُّرُهُ بِوَجْهٍ، فَيَكُونُ الضَّرُورِيُّ تَصَوُّرَ مُطْلَقِ الْعِلْمِ التَّصْدِيقِيِّ بِالْوَجْهِ لَا بِالْحَقِيقَةِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. (ثُمَّ قَالَ) فِي الْمَحْصُولِ أَيْضًا (هُوَ) أَيْ الْعِلْمُ (وَحُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِمُوجِبٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فَحَدُّهُ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَكِنْ بَعْدَ حَدِّهِ فَ، ثُمَّ هُنَا لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لَا الْمَعْنَوِيِّ. (وَقِيلَ هُوَ ضَرُورِيٌّ فَلَا يُحَدُّ) ــ [حاشية العطار] لِحُصُولِهِ لَهُ لِمَنْ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ النَّظَرُ كَالْبُلْهِ وَالصِّبْيَانِ هَذَا هُوَ تَحْرِيرُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى وَجْهٍ خَالٍ مِنْ شَوَائِبِ الْأَوْهَامِ. (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ إلَخْ) وَأُجِيبَ أَيْضًا بِأَنَّ الْبَدِيهِيَّ لِكُلِّ أَحَدٍ لَيْسَ تَصَوُّرَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ بَلْ حُصُولَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ وَهُوَ لَا يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَ الْعِلْمِ بِهِ فَضْلًا عَنْ بَدَاهَتِهِ، كَمَا أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ نَفْسًا وَلَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْعِلْمِ إلَّا وُصُولُ النَّفْسِ إلَى الْمَعْنَى وَحُصُولُهُ فِيهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ الْمَعَانِي النَّفْسِيَّةِ فَحُصُولُهُ فِي النَّفْسِ عِلْمٌ بِهِ وَتَصَوُّرٌ لَهُ، فَإِذَا كَانَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ بَدِيهِيًّا كَانَ تَصَوُّرُ الْعِلْمِ بِهِ بَدِيهِيًّا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ تَصَوُّرُ مُطْلَقِ الْعِلْمِ بَدِيهِيًّا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ حُصُولَ الْمَعَانِي النَّفْسِيَّةِ فِي النَّفْسِ قَدْ يَكُونُ بِأَعْيَانِهَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوُجُودِ الْأَصْلِيِّ وَهُوَ الِاتِّصَافُ بِتِلْكَ الْمَعَانِي لَا التَّصَوُّرُ لَهَا. وَقَدْ يَكُونُ بِصُوَرِهَا وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِالْوُجُودِ الطَّلِيِّ وَذَلِكَ تَصَوُّرٌ لَهَا لَا اتِّصَافٌ، يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْكَافِرَ يَتَّصِفُ بِالْكُفْرِ لِحُصُولِ الْإِنْكَارِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَصَوَّرْهُ وَيَتَصَوَّرْ الْإِيمَانَ بِحُصُولِ مَفْهُومِهِ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اتِّصَافٍ بِهِ، فَحُصُولُ عَيْنِ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ لَا يَكُونُ اتِّصَافًا بِالْعِلْمِ بِهِ بَلْ رُبَّمَا يَسْتَلْزِمُهُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ فِي الْمَحْصُولِ) حِكَايَةً لِكَلَامِ الْإِمَامِ بِنَوْعِ تَصَرُّفٍ فِيهَا، وَقَدْ نَصَّ الرَّضِيُّ عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي لَفْظِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُ وَإِلَّا فَهَذِهِ لَيْسَتْ عِبَارَةَ الْمَحْصُولِ بَلْ تُؤْخَذُ مِنْ تَقْسِيمٍ ذَكَرَهُ، وَخَرَجَ بِحُكْمِ الذِّهْنِ الشَّكُّ وَالْوَهْمُ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ فِيهِمَا إذْ هُمَا تَصَوُّرَانِ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَبِالْجَازِمِ الظَّنُّ وَبِالْمُطَابِقِ الِاعْتِقَادُ التَّقْلِيدِيُّ الْغَيْرُ الْمُطَابِقُ وَبِقَوْلِهِ لِمُوجِبِ التَّقْلِيدِ الْمُطَابِقِ. (قَوْلُهُ: فَحَدُّهُ مَعَ قَوْلِهِ إلَخْ) أَشَارَ الشَّارِحُ بِهِ إلَى بَيَانِ مَقْصُودِ الْمُصَنِّفِ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ الْإِمَامُ: إنَّهُ ضَرُورِيٌّ، ثُمَّ قَالَ إلَخْ وَهُوَ الِاعْتِرَاضُ عَلَى الْإِمَامِ بِتَنَافِي كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى حَدِّهِ أَنْ لَا يَكُونَ ضَرُورِيًّا، وَقَدْ قَالَ: إنَّهُ ضَرُورِيٌّ وَأَجَابَ الشَّارِحُ عَنْ الْإِمَامِ بِقَوْلِهِ وَصَنِيعُ الْإِمَامِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: بَعْدَ حَدِّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَاَلَّذِي وَقَعَ مِنْ الْإِمَامِ التَّحْدِيدُ أَوَّلًا، ثُمَّ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ خِلَافُ مَا يُفْهِمُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ

стр. 206

إذْ لَا فَائِدَةَ فِي حَدِّ الضَّرُورِيِّ لِحُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ وَصَنِيعُ الْإِمَامِ لَا يُخَالِفُ هَذَا، وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ بِخِلَافِهِ؛ لِأَنَّهُ حَدَّهُ أَوَّلًا بِنَاءً عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ نَظَرِيٌّ مَعَ سَلَامَةِ حَدِّهِ عَمَّا وَرَدَ عَلَى حُدُودِهِمْ الْكَثِيرَةِ، ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ ضَرُورِيٌّ اخْتِيَارًا، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْمُحَصَّلِ اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْعِلْمِ عِنْدِي أَنَّ تَصَوُّرَهُ بَدِيهِيٌّ أَيْ ضَرُورِيٌّ، نَعَمْ قَدْ يُحَدُّ الضَّرُورِيُّ لِإِفَادَةِ الْعِبَارَةِ عَنْهُ. (وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) هُوَ نَظَرِيٌّ (عُسْرٌ) أَيْ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِنَظَرٍ دَقِيقٍ لِخَفَائِهِ (فَالرَّأْيُ) بِسَبَبِ عُسْرِهِ مِنْ حَيْثُ تَصَوُّرُهُ بِحَقِيقَتِهِ (الْإِمْسَاكُ عَنْ تَعْرِيفِهِ) الْمَسْبُوقِ بِذَلِكَ التَّصَوُّرِ الْعُسْرُ صَوْنًا لِلنَّفْسِ عَنْ مَشَقَّةِ الْخَوْضِ فِي الْعُسْرِ، قَالَ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ تَابِعًا لَهُ وَيُمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ الْمُلْتَبِسِ بِهِ مِنْ أَقْسَامِ الِاعْتِقَادِ بِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ مُطَابِقٌ ــ [حاشية العطار] مِنْ الْعَكْسِ فَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ. (قَوْلُهُ: إذْ لَا فَائِدَةَ) الْمَنْفِيُّ الْفَائِدَةُ الْأَصْلِيَّةُ لِلتَّحْدِيدِ، وَهِيَ تَصَوُّرُ الْحَقِيقَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لِحُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ حَدٍّ وَقَوْلُهُ: الْآتِي نَعَمْ قَدْ يُحَدُّ الضَّرُورِيُّ إلَخْ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَصَنِيعُ الْإِمَامِ) أَيْ فِي الْمَحْصُولِ لَا يُخَالِفُ هَذَا أَيْ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَا يُحَدُّ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ إلَخْ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ وَالْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ صَنِيعُ الْإِمَامِ أَيْ، وَإِنْ كَانَ سِيَاقُ الْمُصَنِّفِ صَنِيعُ الْإِمَامِ " مُلَابِسًا بِخِلَافِ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ لَا يُحَدُّ حَيْثُ قَابَلَ صَنِيعَ الْإِمَامِ بِهَذَا الْقَوْلِ. (قَوْلُهُ: اخْتِيَارًا) أَيْ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: اخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الْعِلْمِ) أَنَّ فِيمَا يُحَدُّ بِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي حَدِّهِ وَعَدَمِهِ. (قَوْلُهُ: لِإِفَادَةِ الْعِبَارَةِ عَنْهُ) مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِمَفْعُولِهِ الثَّانِي وَفَاعِلُهُ وَمَفْعُولُهُ مَحْذُوفَانِ أَيْ لِإِفَادَةِ الْحَدِّ الشَّخْصُ الَّذِي يَعْرِفُ الشَّيْءَ بِحَقِيقَتِهِ وَلَا يُحْسِنُ التَّعْبِيرَ عَنْهُ تَفْصِيلًا الْعِبَارَةُ عَنْهُ، فَإِنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَعْلَمُ حَقِيقَةَ الضَّرُورِيِّ وَيَعْجِزُ عَنْ التَّعْبِيرِ عَمَّا فِي نَفْسِهِ؛ فَحَدُّهُ لَا يُنَافِي بَدَاهَتَهُ فَهَذَا مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ سَابِقًا لَا فَائِدَةَ فِي حَدِّ الضَّرُورِيِّ. (قَوْلُهُ: عُسْرٌ) أَيْ جِدًّا فَلَا يَرُدَّانِ جَمِيعَ الْحُدُودِ عُسْرَةً؛ لِأَنَّهَا كَشْفٌ عَنْ ذَاتِيَّاتِ الشَّيْءِ وَامْتِيَازُ الذَّاتِيِّ عَنْ الْعَرْضِيِّ عُسْرٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ سَابِقًا. (قَوْلُهُ: الْمَسْبُوقُ بِذَلِكَ) أَيْ الْمَسْبُوقُ مِنْ الشَّخْصِ الْمُعَرِّفِ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ التَّصَوُّرُ سَابِقًا عَلَى التَّعْرِيفِ مَعَ أَنَّ التَّعْرِيفَ يُؤَدِّي إلَيْهِ (قَوْلُهُ: فَالرَّأْيُ) قِيلَ: إنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ وَلَكِنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ قَالَ كَمَا أَفْصَحَ إلَخْ يَقْضِي بِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. (قَوْلُهُ: تَابِعًا لَهُ) أَيْ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تِلْمِيذُهُ، وَمَقُولُ الْقَوْلِ وَيُمَيِّزُ إلَخْ أَيْ يُمَيِّزُ تَمْيِيزًا رَسْمِيًّا، وَقَوْلُهُ: مِنْ أَقْسَامِ

стр. 207

ثَابِتٌ فَلَيْسَ هَذَا حَقِيقَتَهُ عِنْدَهُمَا. وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَنِيعِ الْإِمَامِ الرَّازِيّ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَهُ (ثُمَّ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ ــ [حاشية العطار] الِاعْتِقَادِ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ لَا لِمَحْضِ الْبَيَانِ إذْ الْعِلْمُ مِنْ أَقْسَامِهِ لِكَوْنِهِ أَخَذَ جِنْسًا فِي تَعْرِيفِهِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: رُبَّمَا يَعْسُرُ تَحْدِيدُهُ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِيقِيِّ بِعِبَارَةٍ مُحَرَّرَةٍ جَامِعَةٍ لِلْجِنْسِ وَالْفَصْلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُتَعَسِّرٌ فِي أَكْثَرِ الْأَشْيَاءِ بَلْ أَكْثَرِ الْمُدْرَكَاتِ الْحِسِّيَّةِ فَكَيْفَ فِي الْإِدْرَاكَاتِ، وَإِنَّمَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ بِتَقْسِيمٍ أَوْ مِثَالٍ إلَخْ. (قَوْلُهُ: ثَابِتٌ) أَيْ لَا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ بِأَنْ كَانَ لِمُوجِبٍ. (قَوْلُهُ: إنَّهُ حَقِيقَةٌ عِنْدَهُ) فِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يُعَرِّفْهُ بِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ إلَخْ بَلْ أَنَّهُ حُكْمُ الذِّهْنِ إلَخْ، وَقَدْ يُقَالُ بِاتِّحَادِ مَآلِ الْعِبَارَتَيْنِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ) ، ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الْإِخْبَارِيِّ أَيْ ثُمَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَا تَقَدَّمَ أُخْبِرُك بِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ إلَخْ، وَقَدْ نَقَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْعِلْمِ الْحَادِثِ بِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ: لَا يَتَفَاوَتُ فِي جُزْئِيَّاتِهِ وَهُوَ وَمُقَابِلُهُ الَّذِي هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ بِالتَّفَاوُتِ جَارٍ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلِ بِاتِّحَادِ الْعِلْمِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْمَعْلُومِ وَالْقَوْلُ بِتَعَدُّدِهِ بِتَعَدُّدِ الْمَعْلُومِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى كِلَيْهِمَا لَهُ جُزْئِيَّاتٌ، أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالِاتِّحَادِ فَلَهُ جُزْئِيَّاتٌ بِاعْتِبَارِ الْمَحَالِّ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعَدُّدِ فَلَهُ جُزْئِيَّاتٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَجُزْئِيَّاتٌ أُخْرَى بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَتَفَاوَتُ بِكَثْرَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ، وَهَذَا إنَّمَا يَجْرِي عَلَى الْقَوْلِ بِاتِّحَادِ الْعِلْمِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الْمَعْلُومِ لَا عَلَى مُقَابِلِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ لَيْسَ لِلْعِلْمِ مُتَعَلِّقَاتٌ تَفَاوَتُ قِلَّةً وَكَثْرَةً بَلْ كُلُّ مَعْلُومٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمٌ يَخُصُّهُ، نَعَمْ يَتَفَاوَتُ الْعِلْمُ عَلَى هَذَا بِقِلَّةِ الْغَفْلَةِ وَكَثْرَتِهَا وَأُلْفِ النَّفْسِ وَعَدَمِهِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ بِنَاءً عَلَى اتِّحَادِ الْعِلْمِ مَعَ تَعَدُّدِ الْمَعْلُومِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ بِكَثْرَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ دُونَ قَوْلِهِ لَا يَتَفَاوَتُ وَأَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ فِي قَوْلِهِ لَا يَتَفَاوَتُ الْعِلْمُ فِي جُزْئِيَّاتِهِ هِيَ الْجُزْئِيَّاتُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَالِّ فَقَطْ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاتِّحَادِ، وَبِاعْتِبَارِ الْمَحَالِّ وَالْمُتَعَلِّقَاتِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعَدُّدِ وَأَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ فِيهَا بِكَثْرَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ هِيَ الْجُزْئِيَّاتُ بِاعْتِبَارِ الْمَحَالِّ فَقَطْ لِابْتِنَائِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاتِّحَادِ وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك

стр. 208

لَا يَتَفَاوَتُ) الْعِلْمُ ــ [حاشية العطار] أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاتِّحَادِ لَا يُوَافِقُ تَفْسِيرَ الْحُكَمَاءِ الْعِلْمَ بِأَنَّهُ حُصُولُ الصُّورَةِ أَيْ الصُّورَةِ بِاعْتِبَارِ حُصُولِهَا بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ التَّحْقِيقُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنَّ الْعِلْمَ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ غَايَةَ الْبَيَانِ فِي حَوَاشِي الْخَبِيصِيِّ، فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْمَعْلُومِ قَطْعًا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعِلْمَ هُوَ عَيْنُ الْمَعْلُومِ وَالتَّفَاوُتُ اعْتِبَارِيٌّ، فَإِنَّهُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِالْقُوَّةِ الْغَافِلَةِ عِلْمٌ، وَبِاعْتِبَارِهِ فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ مَعْلُومٌ كَذَا قَالَ بَعْضُ مَنْ حَقَّقَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا. وَفِي بَعْضِ حَوَاشِي شَرْحِ الدَّوَانِيِّ عَلَى الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى الِاتِّحَادِ بِالذَّاتِ وَالتَّغَايُرِ بِالِاعْتِبَارِ فِي الْعِلْمِ وَالْمَعْلُومِ أَنَّ الْحَاصِلَ فِي الْعَقْلِ لَوْ عَرَى عَنْ اعْتِبَارِ حُصُولِهِ فِي الْعَقْلِ وَكَوْنِهِ مَوْجُودًا ظِلِّيًّا لَاتَّحَدَ مَعَ الْمَوْجُودِ الْعَيْنِيِّ الْمَعْلُومِ فَالِاعْتِبَارُ دَاخِلٌ فِي مَاهِيَةِ الْعِلْمِ، وَإِلَّا فَاخْتِلَافُهُمَا بِالْحَقِيقَةِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِ شَارِحِ الْإِشَارَاتِ حَيْثُ قَالَ السَّمَاءُ الْمَعْقُولُ لَيْسَ السَّمَاءَ الْمَوْجُودَ اهـ. وَلَنِعْمَ مَا قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ الْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ الْخِلَافَ مُتَفَرِّعٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْعِلْمِ، فَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ نَفْسُ التَّعَلُّقِ، فَلَا شَكَّ أَنَّ التَّعَلُّقَ بِهَذَا غَيْرُ التَّعَلُّقِ بِذَاكَ فَلَا يَتَعَلَّقُ عِلْمٌ وَاحِدٌ بِمَعْلُومَيْنِ، وَإِنْ قُلْنَا: إنَّهُ صِفَةٌ ذَاتُ تَعَلُّقٍ، جَازَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ صِفَةً وَاحِدَةً لِتَعَدُّدِ تَعَلُّقَاتِهِ، وَكَثْرَةُ التَّعَلُّقَاتِ الْخَارِجَةِ عَنْ حَقِيقَةِ الصِّفَةِ لَا تَجْعَلُ الصِّفَةَ مُتَكَثِّرَةً فِي ذَاتِهَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لَا يَتَفَاوَتُ) بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَوَاطِئِ لَا تَتَفَاوَتُ أَفْرَادُهُ فِي حَقِيقَتِهِ، فَالْحُكْمُ بِأَنَّ زَيْدًا أَعْلَمُ مِنْ عَمْرٍو مَثَلًا لَيْسَ التَّفَاضُلُ فِيهِ مِنْ حَيْثُ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ بَلْ مِنْ حَيْثُ الْمُتَعَلِّقَاتُ، وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ زِيَادَةَ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانَهُ وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ يَقْبَلُهُمَا فَفِي نِسْبَةِ عَدَمِ التَّفَاوُتِ لِلْمُحَقِّقِينَ نَظَرٌ اهـ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الزِّيَادَةَ وَالنَّقْصَ فِي الْإِيمَانِ بِحَسَبِ الْمُتَعَلِّقَاتِ وَهُوَ الْمُصَدَّقُ بِهِ، وَأَمَّا التَّصْدِيقُ فَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ، قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ: إنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ؛ لِأَنَّهُ التَّصْدِيقُ الْقَلْبِيُّ الَّذِي بَلَغَ حَدَّ الْجَزْمِ وَالْإِذْعَانِ، وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نَقْصٌ وَالْآيَاتُ الدَّالَّةُ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُمْ كَانُوا آمَنُوا فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَيْهِ فَرْضٌ بَعْدَ فَرْضٍ فَكَانُوا يُؤْمِنُونَ بِكُلِّ فَرْضٍ خَاصَّةً، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ حَقِيقَةَ التَّصْدِيقِ لَا تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ بَلْ تَتَفَاوَتُ قُوَّةً وَضَعْفًا لِلْقَطْعِ بِأَنَّ تَصْدِيقَ آحَادِ الْأُمَّةِ لَيْسَ كَتَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ ؛ وَلِهَذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ ﵇ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. اهـ. فَإِيرَادُ النَّاصِرِ ﵀ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْأَخِيرِ فَيُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحَقِّقِينَ هُنَا الْمُحَقِّقُونَ فِي الْأُصُولِ وَذَاكَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفًا جِدًّا. وَأَجَابَ الْكَمَالُ بِأَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَتَفَاوَتُ قَائِلٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ الْمَخْصُوصُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَالْمُصَنِّفُ تَابِعٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي النَّقْلِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَائِلٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَصَوِّرِ لِأَصْحَابِنَا اهـ. وَلَكِنَّ الَّذِي فِي الْخَيَالِيِّ عَلَى الْعَقَائِدِ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ يَقُولُ بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ فَلْيُحَرَّرْ النَّقْلُ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ مُسَمَّى الْإِيمَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ الْمَنْطِقِيُّ وَهُوَ مَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ، فَيَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْعُلُومِ لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِقُيُودٍ وَخُصُوصِيَّاتٍ كَالتَّحْصِيلِ وَالِاخْتِيَارِ وَتَرْكِ الْجُحُودِ وَالِاسْتِكْبَارِ وَيَدُلُّ لَهُ مَا ذَكَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّ الْإِيمَانَ مَعْرِفَةٌ وَالْمَعْرِفَةَ تَسْلِيمٌ وَالتَّسْلِيمَ تَصْدِيقٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْإِيمَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ الِاخْتِيَارِيُّ وَمَعْنَاهُ نِسْبَةُ الصِّدْقِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ اخْتِيَارًا، وَبِهَذَا الْقَيْدِ يَمْتَازُ عَنْ التَّصْدِيقِ الْمَنْطِقِيِّ الْمُقَابِلِ لِلتَّصَوُّرِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَخْلُو عَنْ الِاخْتِيَارِ كَمَا إذَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ وَأَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ فَوَقَعَ فِي الْقَلْبِ صَدَّقَهُ ضَرُورَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْسُبَهُ إلَيْهِ اخْتِيَارًا، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: إنَّهُ صَدَّقَهُ فَلَا يَكُونُ إيمَانًا شَرْعًا، كَيْفَ وَالتَّصْدِيقُ مَأْمُورٌ بِهِ فَيَكُونُ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا زَائِدًا عَلَى الْعِلْمِ لِكَوْنِهِ كَيْفِيَّةً نَفْسَانِيَّةً أَوْ انْفِعَالًا وَهُوَ

стр. 209

فِي جُزْئِيَّاتِهِ فَلَيْسَ بَعْضُهَا، وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا أَقْوَى فِي الْجَزْمِ مِنْ بَعْضِ الْأُمُورِ، وَإِنْ كَانَ نَظَرِيًّا (وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ) فِيهَا (بِكَثْرَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ) فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ كَمَا فِي الْعِلْمِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَالْعِلْمِ بِشَيْئَيْنِ ــ [حاشية العطار] حُصُولُ الْمَعْنَى فِي الْقَلْبِ، وَالْفِعْلُ الْقَلْبِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ إيقَاعُ النِّسْبَةِ اخْتِيَارًا الَّذِي هُوَ كَلَامُ النَّفْسِ وَيُسَمَّى عَقْدَ الْقَلْبِ اهـ. وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْإِيمَانُ مِنْ جِنْسِ الْعِلْمِ أَصْلًا لِكَوْنِهِ فِعْلًا اخْتِيَارِيًّا، وَالْعِلْمُ كَيْفٌ أَوْ انْفِعَالٌ فَهُوَ أَمْرٌ وَرَاءَ الْعِلْمِ وَعَلَيْهِ لَا سُؤَالَ وَلَا جَوَابَ لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُزَيَّفٌ بِمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْجَلَالِ الدَّوَانِيِّ عَلَى الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ. وَبَقِيَ هَاهُنَا بَحْثٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى الْقَوْلِ بِاتِّحَادِ الْعِلْمِ أَنْ تَكُونَ عُلُومُ آحَادِ الْأُمَمِ مُمَاثِلَةً لِعُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْ لَا يَتَرَجَّحَ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعِرْفَانِ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - فِي الْعِرْفَانِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ فَوْقَ مَقَامِ الْأُمَمِ، وَلَا شَكَّ أَيْضًا فِي تَفَاوُتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْعِرْفَانِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اطَّلَعُوا مِنْ صِفَاتِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، فَالتَّفَاوُتُ بِحَسَبِ الْمُتَعَلِّقِ، وَأَيْضًا فَحُضُورُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يُدَانِيهِ حُضُورُ غَيْرِهِمْ فَالتَّفَاوُتُ بِاعْتِبَارِ عُرُوضِ الْغَفْلَةِ لِغَيْرِهِمْ دُونَهُمْ، وَكَذَلِكَ رُجْحَانُ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعِرْفَانِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ زِيَادَةِ الْمَعَارِفِ وَقِلَّةِ الْغَفَلَاتِ عَنْهَا بَعْدَ حُصُولِهَا. وَقَدْ أَشَارَ أَكْمَلُ الْعَارِفِينَ ﷺ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» إلَى أَنَّ التَّفَاوُتَ بِكَثْرَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ إذْ لَوْ قُصِدَتْ الْإِشَارَةُ إلَى التَّفَاوُتِ فِي الْعِلْمِ الْوَاحِدِ لَكَانَتْ الْعِبَارَةُ عَنْ ذَلِكَ، لَوْ تَعْلَمُونَ كَمَا أَعْلَمُ وَأَشَارَ ﷺ إلَى التَّفَاوُتِ بِاعْتِبَارِ اعْتِرَاضِ الْغَفَلَاتِ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ «لَوْ تَدُومُونَ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ فِي الطُّرُقِ» فَنَبَّهَ أَنَّ الْغَفْلَةَ تَخْتَلِسُهُمْ فِي غَيْبَتِهِمْ عَنْهُ وَتَتَحَاشَاهُمْ بِحَضْرَتِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ . (قَوْلُهُ: فِي جُزْئِيَّاتِهِ) الْمُرَادُ بِهَا أَفْرَادُ الْعِلْمِ الْقَائِمَةُ بِذَوَاتِ الْعَالَمِينَ. (قَوْلُهُ: فِي الْجَزْمِ) أَيْ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ بِاعْتِبَارِ أُلْفِ النَّفْسِ وَعَدَمِهِ فَلَا يُنَافِي هَذَا أَنَّ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ مُسَاوٍ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ وَلَكِنْ يُقَالُ عَلَيْهِ إنَّ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ يُعَارَضُ بِخِلَافِ الضَّرُورِيِّ فَالْحَقُّ أَنَّ الْجَزْمَ الضَّرُورِيَّ أَقْوَى لِأَنَّهُ لَا يُعَارَضُ. (قَوْلُهُ: بِكَثْرَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ) وَالتَّفَاوُتُ

стр. 210

بِنَاءً عَلَى اتِّحَادِ الْعِلْمِ مَعَ تَعَدُّدِ الْمَعْلُومِ كَمَا هُوَ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ قِيَاسًا عَلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَشْعَرِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى تَعَدُّدِ الْعِلْمِ بِتَعَدُّدِ الْمَعْلُومِ فَالْعِلْمُ بِهَذَا الشَّيْءِ غَيْرُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْقِيَاسِ بِأَنَّهُ خَالٍ عَلَى الْجَامِعِ وَعَلَى هَذَا لَا يُقَالُ: يَتَفَاوَتُ الْعِلْمُ بِمَا ذَكَرَهُ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَتَفَاوَتُ الْعِلْمُ فِي جُزْئِيَّاتِهِ إذْ الْعِلْمُ مَثَلًا بِأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْجَزْمِ مِنْ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ لَيْسَ مِنْ حَيْثُ الْجَزْمُ بَلْ مِنْ حَيْثُ غَيْرُهُ كَإِلْفِ النَّفْسِ بِأَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ دُونَ الْآخَرِ. (وَالْجَهْلُ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ) أَيْ مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ بِأَنْ لَمْ يُدْرَكْ أَصْلًا ــ [حاشية العطار] بِحَسَبِ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ تَفَاوُتًا فِي الْحَقِيقَةِ. (قَوْلُهُ: بِنَاءً إلَخْ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ بِكَثْرَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ، فَإِنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ فِيهَا دُونَ الْعِلْمِ. (قَوْلُهُ: بِنَاءً إلَخْ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ بِكَثْرَةِ الْمُتَعَلِّقَاتِ، وَأَمَّا عَلَى التَّعَدُّدِ فَلَا يُعْقَلُ التَّفَاوُتُ فِي الْمُتَعَلِّقَاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُتَعَلِّقٍ لَهُ عِلْمٌ. (قَوْلُهُ: قِيَاسًا عَلَى عِلْمِ اللَّهِ) أَيْ، فَإِنَّهُ وَاحِدٌ مَعَ تَعَدُّدِ الْمَعْلُومَاتِ خِلَافًا لِقَوْلِ أَبِي سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيِّ بِتَعَدُّدِهِ. (قَوْلُهُ: خَالٍ عَنْ الْجَامِعِ) لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قَدِيمٌ وَعِلْمَ الْمَخْلُوقَاتِ حَادِثٌ فَلَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا، وَالِاشْتِرَاكُ فِي التَّسْمِيَةِ لَا يُسَوِّغُ الْقِيَاسَ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقُدْرَةَ الْحَادِثَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِمَقْدُورَيْنِ عَلَى أَصْلِنَا، مَعَ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْقَدِيمَةَ يَجُوزُ تَعَلُّقُهَا بِمَقْدُورَيْنِ فَصَاعِدًا وَالرِّفْقُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فِي ذَلِكَ مُتَعَذَّرٌ، وَأَيْضًا تَعَدُّدُ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَعَدُّدُ الْقُدَمَاءِ بَلْ عَدَمُ تَنَاهِيهَا؛ لِأَنَّ مَعْلُومَاتِهِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ. (قَوْلُهُ: وَعَلَى هَذَا) أَيْ قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ. (قَوْلُهُ: وَنَحْوُهُ) أَيْ مِنْ النَّظَرِيَّاتِ الَّتِي بَعْضُهَا أَخْفَى مِنْ بَعْضٍ. (قَوْلُهُ: كَأَلْفِ النَّفْسِ بِأَحَدِ الْمَعْلُومَيْنِ) أَيْ لِوُضُوحِهِ وَعَدَمِ خَفَائِهِ. [تَعْرِيف الْجَهْل] (قَوْلُهُ: انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ) صَدَقَ بِاعْتِقَادِ الْمَقْصُودِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ وَيَظُنُّهُ كَذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ: صِدْقُهُ عَلَى الظَّنِّ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ ظَنَّ الْمُجْتَهِدِ لِلْأَحْكَامِ مِنْ الْأَمَارَاتِ جَهْلٌ. قُلْت: قَدْ مَرَّ أَنَّهُ ظَنٌّ يُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِمُوجِبِ الْأَمَارَةِ فَلَا يَنْدَرِجُ فِي الظَّنِّ الَّذِي يَصْدُقُ بِهِ الْحَدُّ، قَالَهُ النَّاصِرُ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ الْمَنْفِيِّ الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ، فَلَوْ حُمِلَ عَلَى مُطْلَقِ الْإِدْرَاكِ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لَمْ يَرِدْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ بِمَعْنَى الْإِدْرَاكِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ مَجَازٌ فَوُقُوعُهُ فِي التَّعْرِيفِ مُحْتَاجٌ لِقَرِينَةٍ وَلَا قَرِينَةَ هُنَا. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْأُصُولِيِّينَ لَا يَتَحَاشَوْنَ عَنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ فِي التَّعْرِيفَاتِ، وَقَدْ يَدَّعِي وُجُودَ الْقَرِينَةِ وَهِيَ ظُهُورُ أَنَّ الِاعْتِقَادَ الْجَازِمَ الْمُطَابِقَ لِغَيْرِ مُوجِبٍ وَالظَّنَّ لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا جَهْلًا، ثُمَّ لَا يَخْفَى شُمُولُ التَّعْرِيفِ لِلتَّصَوُّرِ السَّاذَجِ فَيَكُونُ انْتِفَاؤُهُ جَهْلًا بَسِيطًا وَلَيْسَ فِي التَّصَوُّرَاتِ جَهْلٌ مُرَكَّبٌ، فَإِنَّهُ إذَا تَصَوَّرَ الْإِنْسَانُ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ صَاهِلٌ مَثَلًا لَيْسَ فِيهِ خَطَأٌ فِي نَفْسِ التَّصَوُّرِ بَلْ فِي الْحُكْمِ الْمُتَضَمِّنِ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ شَرْحُهُ. (قَوْلُهُ: بِالْمَقْصُودِ) اللَّامُ فِيهِ وَفِي الْمَعْلُومِ لِلْجِنْسِ أَيْ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مِنْ فَرْدٍ

стр. 211

وَيُسَمَّى الْجَهْلُ الْبَسِيطُ أَوْ أُدْرِكَ عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ فِي الْوَاقِعِ وَيُسَمَّى الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ؛ لِأَنَّهُ جَهْلُ الْمُدْرِكِ بِمَا فِي الْوَاقِعِ مَعَ الْجَهْلِ بِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِهِ كَاعْتِقَادِ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ. (وَقِيلَ) الْجَهْلُ (تَصَوُّرُ الْمَعْلُومِ) أَيْ إدْرَاكُ ــ [حاشية العطار] فَأَكْثَرَ وَإِلَّا لَكَانَ مَفْهُومُ التَّعْرِيفَيْنِ انْتِفَاءَ الْعِلْمِ بِكُلِّ مَقْصُودٍ وَتَصَوُّرُ كُلِّ مَعْلُومٍ عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ فَلَا يَتَنَاوَلَانِ إلَّا النَّزْرَ مِنْ أَفْرَادِ الْجَهْلِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ أَصْلًا) تَفْسِيرٌ لِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ بِهِ تَنَاوُلُهُ لِتَسَمِّي الْجَهْلِ أَعْنِي الْبَسِيطَ وَالْمُرَكَّبَ وَقَصْرُ التَّعْرِيفِ الثَّانِي عَلَى الْمُرَكَّبِ فَقَطْ، فَقَوْلُهُ: انْتِفَاءُ الْعِلْمِ إلَخْ أَمْرٌ كُلِّيٌّ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الْقِسْمَانِ. وَقَدْ بَيَّنَهُمَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَخْ أَوْ أَدْرَكَ، وَهَذَا الْأَمْرُ الْكُلِّيُّ وَقَعَ مَحْمُولًا عَلَى الْجَهْلِ فَيَكُونُ الْجَهْلُ شَامِلًا لِلْقِسْمَيْنِ وَصَادِقًا عَلَيْهِمَا صِدْقَ الْكُلِّيِّ عَلَى أَفْرَادِهِ وَلَا يَضُرُّ شُمُولُ هَذَا الْمَفْهُومِ لِلْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ أَدْرَكَ إلَخْ فَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي شَرْحِهِ مِنْ أَنَّ الْمَعْرُوفَ تَقْسِيمُ الْجَهْلِ إلَى بَسِيطٍ وَمُرَكَّبٍ لَا نَقْلَ خِلَافٍ فِي تَعْرِيفِهِمَا وَمَا أَوْرَدَهُ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ الْإِدْرَاكَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ فَكَيْفَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ عَدَمِيٌّ اهـ. فَإِنَّ مَبْنَى الْإِيرَادِ عَلَى أَنَّ الِانْتِفَاءَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِدْرَاكِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ يَصْدُقُ الِانْتِفَاءُ عَلَيْهِ تَحَقُّقُهُ فِيهِ تَحَقُّقَ الْكُلِّيِّ فِي أَفْرَادِهِ، نَعَمْ لَوْ حُمِلَ عَلَيْهِ وَقِيلَ: الْإِدْرَاكُ انْتِفَاءٌ إلَخْ اتَّجَهَ مَا ذَكَرَهُ وَلَا حَمْلَ هَاهُنَا وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ لِمَا أَجَابَ بِهِ مِنْ جَوَازِ حَمْلِ الْعَدَمِيِّ عَلَى الْوُجُودِيِّ كَمَا فِي قَوْلِك: الْبَيَاضُ لَا سَوَادَ نَاقِلًا لَهُ عَنْ السَّيِّدِ فِي حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ دَافِعًا بِهِ إشْكَالَ التَّفْتَازَانِيِّ تَفْسِيرَ الْفَصَاحَةِ بِالْخُلُوصِ بِأَنَّهَا وُجُودِيَّةٌ وَالْخُلُوصُ عَدَمِيٌّ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْعَدَمِيِّ عَلَى الْوُجُودِيِّ وَلِمَا لَا تَكَلَّفَهُ سم فِي جَوَابِهِ بِمَا لَا يَخْلُو مَعَ طُولِهِ مِنْ سَقَامَةٍ وَمَا سَلَكَهُ مِنْ نَقْلِ كَلَامِ مَنْ تَعَسَّفَ. (قَوْلُهُ: وَيُسَمَّى الْجَهْلُ الْبَسِيطُ) التَّقَابُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِلْمِ تَقَابُلُ الْعِلْمِ وَالْمَلَكَةِ وَالتَّقَابُلُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ تَقَابُلُ التَّضَادِّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وُجُودِيٌّ. وَقَالَ الْكَثِيرُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: إنَّ الْجَهْلَ الْمُرَكَّبَ مُمَاثِلٌ لِلْعِلْمِ فَامْتِنَاعُ الِاجْتِمَاعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمَا هُوَ لِلْمُمَاثَلَةِ لَا لِلْمُضَادَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُمَيَّزَ بَيْنَهُمَا لَيْسَ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَعَلِّقِ وَهِيَ الْمُطَابِقَةُ وَعَدَمُ الْمُطَابَقَةِ وَالنِّسْبَةُ لَا تَدْخُلُ فِي حَقِيقَةِ الْمُنْتَسِبِينَ؛ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ طَرَفَيْهِمَا فَتَكُونُ خَارِجَةً عَنْهُمَا وَالِامْتِيَازُ بِالْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ لَا يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ بِالذَّاتِ وَحَيْثُ لَا اخْتِلَافَ إلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ لَزِمَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي تَمَامِ الْمَاهِيَةِ فَيَكُونَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (قَوْلُهُ: أَوْ أَدْرَكَ عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ فِي الْوَاقِعِ) يَشْمَلُ ظَنَّ الْمُجْتَهِدِ الْغَيْرِ الْمُطَابِقِ فَيَكُونُ جَهْلًا مُرَكَّبًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَحْذُوفَ فِي تَسَلُّمِ ذَلِكَ وَلَا يُنَافِيهِ تَرَتُّبُ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ فِي حَقِّهِ وَالْعِلْمُ بِأَنَّ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الْأَمَارَاتِ الَّتِي اسْتَنَدَ إلَيْهَا وَالْكَلَامُ هُنَا بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ نَعَمْ قَوْلُ الْمَوَاقِفِ وَالْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِمَا فِي الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ أَنَّهُ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْغَيْرُ الْمُطَابِقُ يُخْرِجُ الظَّنَّ أَفَادَهُ سم. وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الشَّنَاعَةِ الْقَوِيَّةِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ كَالْقَاضِي وَطَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْهُذَيْلِ وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ يَكُونُ ظَنُّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ، وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ خِلَافُهُ وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ فَيَكُونُ الْمُصِيبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْحُكْمُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ. وَلَكِنَّ هَذَا مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ جَارٍ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الظَّنِّيَّةِ وَمِثْلُهُ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ جَعْلُ الْحُكْمِ الظَّنِّيِّ الِاجْتِهَادِيِّ مِنْ أَفْرَادِ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ عَدَمَ مُطَابَقَتِهِ لِلْوَاقِعِ بَلْ ذَاكَ تَجْوِيزٌ عَقْلِيٌّ. وَفَرَّقَ بَيْنَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ اللَّازِمِ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ وَعَدَمِ الْعِلْمِ

стр. 212

مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ (عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ) فِي الْوَاقِعِ فَالْجَهْلُ الْبَسِيطُ عَلَى الْأَوَّلِ ــ [حاشية العطار] بِالْمُطَابِقَةِ، وَالْمَوْجُودُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ هَذَا دُونَ الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ) فِي التَّعْبِيرِ بِهَيْئَتِهِ إشَارَةٌ إلَى مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّ الْجَهْلَ الْمُرَكَّبَ لَا يَكُونُ فِي التَّصَوُّرَاتِ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي التَّصْدِيقَاتِ؛ لِأَنَّ الْهَيْئَةَ هِيَ الْحَالَةُ الثَّابِتَةُ لِلشَّيْءِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ فَيَخْرُجُ تَصَوُّرُهُ عَلَى خِلَافِ حَقِيقَتِهِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ صَاهِلٌ، فَإِنَّهُ لَا جَهْلَ فِي التَّصَوُّرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ الْإِنْسَانَ وَإِنَّمَا الْجَهْلُ فِي تَصْدِيقٍ ضِمْنِيٍّ وَهُوَ ثُبُوتُ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ لِلْإِنْسَانِ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ: إنَّ تَصَوُّرَ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ حَقِيقَتِهِ فِي الْوَاقِعِ كَإِدْرَاكِ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ صَاهِلٌ جَهْلٌ قَطْعًا، فَلَوْ قَالَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ لَكَانَ أَشْمَلَ اهـ. وَلَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ سم فِي دَفْعِهِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ وَجَهْلُ الْمُدْرِكِ بِمَا فِي الْوَاقِعِ) أَيْ بِالْهَيْئَةِ الثَّابِتَةِ لِلشَّيْءِ فِي الْوَاقِعِ وَقَوْلُهُ: مَعَ الْجَهْلِ بِأَنَّهُ جَاهِلٌ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُصَاحِبًا وَلَازِمًا لَهُ الْجَهْلُ بِأَنَّهُ جَاهِلٌ لَهُ فَتَسْمِيَتُهُ جَهْلًا مُرَكَّبًا؛ لِأَنَّهُ تَصْحَبُهُ وَيَلْزَمُهُ جَهْلٌ آخَرُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ مُسَمَّى الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ مَجْمُوعُ هَذَيْنِ الْجَهْلَيْنِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ، فَإِنَّ مُسَمَّاهُ الَّذِي هُوَ الِاعْتِقَادُ بَسِيطٌ، إذْ لَا يُعْقَلُ التَّرْكِيبُ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ. وَفِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ سُمِّيَ مُرَكَّبًا؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ الشَّيْءَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَهَذَا جَهْلٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَهَذَا جَهْلٌ آخَرُ قَدْ تَرَكَّبَا مَعًا. (قَوْلُهُ: مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ) أَفَادَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ انْدِفَاعَ إشْكَالِ أَنَّ تَصَوُّرَ الْمَعْلُومِ عُلِمَ بِهِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى عِلْمُ الْمَعْلُومِ وَالْمَعْلُومُ لَا يُعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ وَشُمُولُ التَّعْرِيفِ لِمَا فِي أَسْفَلِ الْأَرْضِ. وَقَدْ يُقَالُ: لَا وُرُودَ لِهَذَا الْأَشْكَالِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْمَوْصُوفَ مَعْلُومٌ وَالْمَجْهُولَ إنَّمَا هُوَ صِفَتُهُ مَثَلًا إذَا تَصَوَّرَ الْعَالَمَ بِأَنَّهُ قَدِيمٌ فَالْعَالَمُ مَعْلُومٌ وَالْجَهْلُ فِي إثْبَاتِ صِفَةِ الْقِدَمِ لَهُ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ وَمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ مَرْجِعُهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ. وَادَّعَى النَّاصِرُ أَنَّ بَيْنهمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهِيًّا يَجْتَمِعَانِ فِيمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ وَأَنْ يُقْصَدَ كَالْمَعْلُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ

стр. 213

لَيْسَ جَهْلًا عَلَى هَذَا وَالْقَوْلَانِ مَأْخُوذَانِ مِنْ قَصِيدَةِ ابْنِ مَكِّيٍّ فِي الْعَقَائِدِ وَاسْتَغْنَى بِقَوْلِهِ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ عَنْ التَّقْيِيدِ فِي قَوْلِهِ غَيْرِهِ عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْعِلْمُ ــ [حاشية العطار] مَثَلًا وَيَنْفَرِدُ الْأَزَلُ فِيمَا شَأْنُهُ أَنْ يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ كَذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ شَأْنَهُ أَنْ يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ وَشَأْنُهُ أَنْ لَا يُعْلَمَ لِتَعَذُّرِ أَسْبَابِ عِلْمِهِ تَعَالَى وَيَنْفَرِدُ الثَّانِي فِيمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ كَأَسْفَلِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهِ اهـ. وَرُدَّ بِأَنْ قَصَدَ عِلْمَ مَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ عَاقِلٍ، وَأَنَّ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ فَلَا انْفِرَادَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَادَّةٍ عَنْ الْآخَرِ. (قَوْلُهُ: لَيْسَ جَهْلًا عَلَى هَذَا) أَيْ بَلْ هُوَ وَاسِطَةٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ قَصِيدَةِ ابْنِ مَكِّيٍّ) الْمُسَمَّاةِ بِالصَّلَاحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَهْدَاهَا لِلسُّلْطَانِ يُوسُفَ صَلَاحِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا وَأَمَرَ بِتَعْلِيمِهَا حَتَّى لِلصِّبْيَانِ فِي الْمَكَاتِبِ قَالَ فِي تِلْكَ الْقَصِيدَةِ: وَإِنْ أَرَدْت أَنْ تَحُدَّ الْجَهْلَا ... مِنْ بَعْدِ حَدِّ الْعِلْمِ كَانَ سَهْلَا وَهُوَ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ ... فَاحْفَظْ فَهَذَا أَوْجَزُ الْحُدُودِ وَقِيلَ فِي تَحْدِيدِهِ مَا أَذْكُرُ ... مِنْ بَعْدِ هَذَا وَالْحُدُودُ تَكْثُرُ تَصَوُّرُ الْمَعْلُومِ هَذَا جُزْؤُهُ ... وَجُزْؤُهُ الْآخَرُ يَأْتِي وَصْفُهُ مُسْتَوْعِبًا عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ ... فَافْهَمْ فَهَذَا الْقَيْدُ مِنْ تَتِمَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَاسْتَغْنَى إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الِانْتِفَاءَ لَا يَصِحُّ إلَّا حَيْثُ يَكُونُ الثُّبُوتُ بِخِلَافِ الْعَدَمِ، فَإِنَّهُ أَعَمُّ. (قَوْلُهُ: عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْعِلْمُ) قَالَ النَّاصِرُ: الْمَقَامُ لِمَنْ دُونَ مَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: صِفَةٌ بِعَدَمِ الْعِلْمِ قُرْبُهُ إلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ اهـ. قَالَ سم، وَأَيْضًا فَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْعَاقِلِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلَعَلَّ وَجْهَ إيثَارِ مَا نُقِلَ اجْتِمَاعُ مِنْ مَعَ حَرْفِ الْجَرِّ الْمُمَاثِلِ لَهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّارِحَ نَاقِلٌ لِهَذِهِ الْعِبَارَةِ عَنْ غَيْرِهِ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوَاقِعَ الْكَلَامِ اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّ غَرَضَ النَّاصِرِ إبْدَاءُ مُنَاسَبَةٍ لِلتَّعْبِيرِ بِمَا دُونَ مِنْ لَا الِاعْتِرَاضُ عَلَى

стр. 214

لِإِخْرَاجِ الْجَمَادِ وَالْبَهِيمَةِ عَنْ الِاتِّصَافِ بِالْجَهْلِ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعِلْمِ إنَّمَا يُقَالُ فِيمَا مَنْ شَأْنُهُ الْعِلْمُ بِخِلَافِ عَدَمِ الْعِلْمِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ الْمَقْصُودُ مَا لَا يُقْصَدُ كَأَسْفَلِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهِ فَلَا يُسَمَّى انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِهِ جَهْلًا، وَاسْتِعْمَالُهُ التَّصَوُّرَ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْإِدْرَاكِ خِلَافُ مَا سَبَقَ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَيُقْسَمُ حِينَئِذٍ إلَى تَصَوُّرٍ سَاذَجٍ أَيْ لَا حُكْمَ مَعَهُ وَإِلَى تَصَوُّرٍ مَعَهُ حُكْمٌ ــ [حاشية العطار] الشَّارِحِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ سم وَلَا يَخْفَى إلَخْ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ سَوْقِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ فُهِمَ مِنْ كَلَامِ النَّاصِرِ الِاعْتِرَاضُ فَأَشَارَ بِهَا إلَى أَنَّ الشَّارِحَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ نَاقِلُ عِبَارَةِ الْغَيْرِ فَاعْتِرَاضُ النَّاصِرِ يَتَوَجَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْكَلَامَ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَفُهِمَ مِنْهُ خِلَافُ مَا هُوَ الْغَرَضُ، فَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَحْذِفَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَيَقْتَصِرَ عَلَى مَا زَادَهُ عَلَى النَّاصِرِ مِنْ التَّوْجِيهِ، فَقَوْلُ مَنْ قَالَ رَادًّا عَلَى الْمُتَعَقِّبِ. وَمِنْ الْمَصَائِبِ أَنَّ بَعْضَ مَنْ طَمَسَتْ غِشَاوَةُ التَّعَصُّبِ بَصِيرَتَهُ فَهِمَ أَنَّهُ تَعْقِيبٌ لِمَا قَالَهُ النَّاصِرُ وَقَالَ: إنَّ كَلَامَ سم كَلَامُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوَاقِعَ الْكَلَامِ فَانْظُرُوا مَنْ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ مَوَاقِعَ الْكَلَامِ وَاعْجَبُوا مِنْ اجْتِرَاءِ هَذَا الرَّجُلِ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامِ اهـ. خُرُوجٌ عَمَّا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَمَحْضُ تَشْنِيعٍ فِي الْمَقَالِ، وَمِثْلُهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَكِبَهُ فُحُولُ الرِّجَالِ، فَإِنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الْإِنْصَافِ إلَى سُلُوكِ طَرِيقِ الِاعْتِسَافِ وَقَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ: إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَهِمَ أَنَّ كَلَامَ سم تَعَقَّبَ لِلنَّاصِرِ وَهْمٌ، فَإِنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّ فَحْوَى الْخِطَابِ تُفِيدُ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ سم الِانْتِصَارَ لِلشَّارِحِ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِ النَّاصِرِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: لِإِخْرَاجِ الْجَمَادِ) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّقْيِيدِ وَكَمَا يَخْرُجُ الْجَمَادُ وَالْبَهِيمَةُ يَخْرُجُ النَّائِمُ وَالْغَافِلُ وَنَحْوُهُمَا، فَإِنَّهُمْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمْ الْعِلْمُ. (قَوْلُهُ: كَأَسْفَلِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهِ) أَيْ فِي الْأَسْفَلِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسِ دُونَ الْجِنِّ وَمِثْلُهُ مَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَمَا فِيهَا. (قَوْلُهُ: وَاسْتِعْمَالٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ: خِلَافُهُ إلَخْ حَالٌ، وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ إنَّ الْمُرَادَ بِالتَّصَوُّرِ التَّصَوُّرُ الْمُطْلَقُ الْمُرَادِفُ لِلْعِلْمِ الصَّادِقُ بِالتَّصَوُّرِ السَّاذَجِ، وَالتَّصْدِيقُ لَا التَّصَوُّرُ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ الْمُقَابِلِ لِلتَّصْدِيقِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَيَنْقَسِمُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْإِدْرَاكِ إلَى تَصَوُّرٍ سَاذَجٍ إلَخْ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ الْجَهْلُ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِقُصُورِهِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَقَوْلُهُ: خِلَافُ مَا سَبَقَ أَيْ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي التَّصَوُّرِ السَّاذَجِ خَاصَّةً، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ لِلتَّصَوُّرِ اسْتِعْمَالَيْنِ وَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي مُطْلَقِ التَّصَوُّرِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي التَّصَوُّرِ السَّاذَجِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا فِي الشَّرْحِ هُنَا هُوَ بِمَعْنَى مَا فِي طَالِعَةِ الشَّمْسِيَّةِ وَلِلسَّرَّاجِ وَالْحَوَاشِي هُنَاكَ كَلَامٌ كَثِيرٌ لَمْ يَخُصَّنَا هُنَا وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ عَلَى أَنَّهُ سَبْقُ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِمَا هُنَا، وَتَكَلَّمْنَا هُنَاكَ بِمَا فِيهِ مُقْنِعٌ وَالنَّاصِرُ لِشَغَفِهِ بِالِاعْتِرَاضِ لَخَّصَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرُوهُ هُنَاكَ وَذَكَرَهُ هُنَا وَتَكَلَّمَ مَعَهُ سم وَمَنْ تَأَخَّرَ بَعْدَهُ أَيْضًا وَالْكُلُّ مُسْتَمَدٌّ مِنْ مَوَادِّ ذَلِكَ الْكِتَابِ. فَمَنْ أَرَادَ تَحْقِيقَ هَذَا الْمَبْحَثَ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ، وَمَسْأَلَةُ تَقْسِيمِ الْعِلْمِ إلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ حَتَّى إنَّ الْقُطْبَ الرَّازِيَّ أَفْرَدَهَا

стр. 215

وَهُوَ التَّصْدِيقُ. (وَالسَّهْوُ الذُّهُولُ) أَيْ الْغَفْلَةُ (عَنْ الْمَعْلُومِ) الْحَاصِلِ فَيَتَنَبَّهُ لَهُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ بِخِلَافِ النِّسْيَانِ فَهُوَ زَوَالُ الْمَعْلُومِ فَيَسْتَأْنِفُ تَحْصِيلَهُ. (مَسْأَلَةُ الْحَسَنِ) فِعْلُ الْمُكَلَّفِ (الْمَأْذُونُ) فِيهِ (وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا وَمُبَاحًا) الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ وَالْمَنْصُوبَاتُ أَحْوَالٌ لَازِمَةٌ لِلْمَأْذُونِ أَتَى بِهَا لِبَيَانِ أَقْسَامِ الْحَسَنِ. (قِيلَ وَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ) أَيْضًا كَالصَّبِيِّ ــ [حاشية العطار] بِتَأْلِيفٍ مُسْتَقِلٍّ وَحَشَّاهُ الْعَلَّامَةُ مِيرْ زَاهِدْ الْهِنْدِيُّ بِحَاشِيَةٍ أَتَى فِيهَا بِنَفَائِسَ تَحْقِيقَاتٍ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا، وَنَحْنُ ذَكَرْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي حَوَاشِي الْخَبِيصِيِّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ التَّصْدِيقُ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِمَجْمُوعِ التَّصَوُّرِ وَالْحُكْمُ عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ مِنْ التَّأْوِيلِ لَا لِلتَّصَوُّرِ الْمُقَيَّدِ بِالْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الظَّاهِرَ مِنْ الْعِبَارَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالسَّهْوُ الذُّهُولُ) مَضْمُونُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ أَنَّ الذُّهُولَ وَالْغَفْلَةَ مُتَرَادِفَانِ وَأَنَّهُمَا أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ السَّهْوِ وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ مُبَايِنَةٌ لِلنِّسْيَانِ، وَقَدْ قَالَ النَّاصِرُ هَذَا قَوْلٌ لَا أَعْلَمُ لَهُ سَنَدًا، ثُمَّ سَاقَ مَا يُخَالِفُهُ عَنْ الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ اهـ. وَقَوْلُ سم فِي جَوَابِهِ أَنَّهُمَا لَمْ يَبْتَدِعَا ذَلِكَ بَلْ هُمَا نَاقِلَانِ لَهُ وَأَنَّهُمَا ثِقَتَانِ حُجَّتَانِ وَأَنَّهُمَا لَمْ يَنْقُلَا ذَلِكَ عَنْ الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ وَلَا الْتَزَمَا مُوَافَقَتَهُمَا حَتَّى يَضُرَّهُمَا مُخَالَفَتُهُمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا بَلْ الْوَاجِبُ فِي صِنَاعَةِ التَّوْجِيهِ الْإِتْيَانُ بِنَقْلٍ عَنْ إمَامٍ ثِقَةٍ بِمَا يُؤَيِّدُ كَلَامَ الشَّارِحِ وَالْمُصَنِّفِ وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ تَكَرَّرَ مِنْهُ وَنَبَّهْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ نَافِعٍ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ بَلْ هُوَ مُخِلٌّ بِرُتْبَةِ قَائِلِهِ مِنْ الْعِلْمِ. (قَوْلُهُ: الْحَاصِلُ) أَيْ فِي الْحَافِظَةِ وَالذُّهُولِ مِنْ الْمُدْرِكَةِ فَلَا تَنَافِيَ. (قَوْلُهُ: فَيَتَنَبَّهُ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ الْحَاصِلِ. (قَوْلُهُ: زَوَالُ الْمَعْلُومِ) أَيْ مِنْ الْحَافِظَةِ وَالْمُدْرِكَةِ مَعًا، وَهَذَا إنَّمَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِ الْقُوَى الْبَاطِنَةِ، وَقَدْ أَثْبَتَهَا الْحُكَمَاءُ وَنَفَاهَا الْمُتَكَلِّمُونَ. (قَوْلُهُ: فِعْلُ الْمُكَلَّفِ إلَخْ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَأْذُونَ صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ وَلْتَحْسُنْ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ قِيلَ وَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ الْمَلْزُومُ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ إلَّا الْبَالِغَ الْعَاقِلَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي وَالسَّاهِي إلَخْ. وَفِي تَفْسِيرِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ هُنَا بِالْمَأْذُونِ وَالْمَنْهِيِّ وَلَوْ بِالْعُمُومِ، وَفِيمَا سَبَقَ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ إلَخْ الْأَخَصُّ مِمَّا تَقَدَّمَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ لَهُمَا إطْلَاقَيْنِ. (قَوْلُهُ: الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ) وَهِيَ فِي تَقْسِيمِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتٍ إنْ لُوحِظَ اجْتِمَاعُهَا تَحْتَهُ أَجْوَدُ. (قَوْلُهُ: أَحْوَالٌ لَازِمَةٌ) أَيْ لِأَنْوَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: أُتِيَ بِهَا لِبَيَانِ أَقْسَامِ الْحُسْنِ أَمَّا عَلَى وَجْهِ التَّوْزِيعِ بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَالٌ لَازِمَةٌ لِقِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَهُوَ نَظِيرُ مَا مَثَّلَ بِهِ النُّحَاةُ مِنْ قَوْلِهِمْ حَبَّذَا الْمَالُ فِضَّةً وَذَهَبًا أَوْ عَلَى وَجْهِ لُزُومِ مَجْمُوعِهَا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى الْحَسَنُ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مُتَنَوِّعًا إلَى مَا ذُكِرَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَازِمَةٌ لِمَفْهُومِ الْمَأْذُونِ حَتَّى يَرُدَّ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ أَنَّ الْحَالَ اللَّازِمَةَ هِيَ غَيْرُ الْمُنْفَكَّةِ عَنْ صَاحِبِهَا وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ يَنْفَكُّ عَنْ الْمَأْذُونِ بِأَنْ يَتَّصِفَ الْمَأْذُونُ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأُخْرَى فَاللَّازِمُ وَاحِدٌ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ لَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَلَا مَجْمُوعِهَا. (قَوْلُهُ: قِيلَ) قَائِلُهُ الْبَيْضَاوِيُّ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ مَا نُهِيَ عَنْهُ شَرْعًا فَقَبِيحٌ وَإِلَّا فَحَسَنٌ كَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ وَفِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ وَهُوَ لِتَنَاوُلِهِ فِعْلَ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ أَعَمُّ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ مَنْ كَتَبَ عَلَى الْمِنْهَاجِ اعْتَرَضَهُ بِأَنْ جَعَلَ فِعْلَ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ جِنْسًا غَيْرَ حَسَنٍ، فَإِنَّ تَقْسِيمَ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ بِوَاسِطَةِ الْمُتَعَلِّقِ يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَسَنَ إلَّا بِالشَّرْعِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَوُرُودُ الشَّرْعِ بِحُسْنِ أَفْعَالِ الْبَهَائِمِ مَمْنُوعٌ اهـ. وَحِينَئِذٍ فَيُقْرَأُ " وَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَعَلَى مَوْصُوفِهِ الْمَحْذُوفِ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ
следующие страницы →