← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَيُسَمَّى الْجَهْلُ الْبَسِيطُ أَوْ أُدْرِكَ عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ فِي الْوَاقِعِ وَيُسَمَّى الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ؛ لِأَنَّهُ جَهْلُ الْمُدْرِكِ بِمَا فِي الْوَاقِعِ مَعَ الْجَهْلِ بِأَنَّهُ جَاهِلٌ بِهِ كَاعْتِقَادِ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ. (وَقِيلَ) الْجَهْلُ (تَصَوُّرُ الْمَعْلُومِ) أَيْ إدْرَاكُ ــ [حاشية العطار] فَأَكْثَرَ وَإِلَّا لَكَانَ مَفْهُومُ التَّعْرِيفَيْنِ انْتِفَاءَ الْعِلْمِ بِكُلِّ مَقْصُودٍ وَتَصَوُّرُ كُلِّ مَعْلُومٍ عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ فَلَا يَتَنَاوَلَانِ إلَّا النَّزْرَ مِنْ أَفْرَادِ الْجَهْلِ (قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ أَصْلًا) تَفْسِيرٌ لِانْتِفَاءِ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ عَلَى وَجْهٍ يَظْهَرُ بِهِ تَنَاوُلُهُ لِتَسَمِّي الْجَهْلِ أَعْنِي الْبَسِيطَ وَالْمُرَكَّبَ وَقَصْرُ التَّعْرِيفِ الثَّانِي عَلَى الْمُرَكَّبِ فَقَطْ، فَقَوْلُهُ: انْتِفَاءُ الْعِلْمِ إلَخْ أَمْرٌ كُلِّيٌّ يَنْدَرِجُ تَحْتَهُ الْقِسْمَانِ. وَقَدْ بَيَّنَهُمَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ بِأَنْ لَمْ يُدْرِكْ إلَخْ أَوْ أَدْرَكَ، وَهَذَا الْأَمْرُ الْكُلِّيُّ وَقَعَ مَحْمُولًا عَلَى الْجَهْلِ فَيَكُونُ الْجَهْلُ شَامِلًا لِلْقِسْمَيْنِ وَصَادِقًا عَلَيْهِمَا صِدْقَ الْكُلِّيِّ عَلَى أَفْرَادِهِ وَلَا يَضُرُّ شُمُولُ هَذَا الْمَفْهُومِ لِلْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِهِ: أَوْ أَدْرَكَ إلَخْ فَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي شَرْحِهِ مِنْ أَنَّ الْمَعْرُوفَ تَقْسِيمُ الْجَهْلِ إلَى بَسِيطٍ وَمُرَكَّبٍ لَا نَقْلَ خِلَافٍ فِي تَعْرِيفِهِمَا وَمَا أَوْرَدَهُ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ الْإِدْرَاكَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ فَكَيْفَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ عَدَمِيٌّ اهـ. فَإِنَّ مَبْنَى الْإِيرَادِ عَلَى أَنَّ الِانْتِفَاءَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِدْرَاكِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ يَصْدُقُ الِانْتِفَاءُ عَلَيْهِ تَحَقُّقُهُ فِيهِ تَحَقُّقَ الْكُلِّيِّ فِي أَفْرَادِهِ، نَعَمْ لَوْ حُمِلَ عَلَيْهِ وَقِيلَ: الْإِدْرَاكُ انْتِفَاءٌ إلَخْ اتَّجَهَ مَا ذَكَرَهُ وَلَا حَمْلَ هَاهُنَا وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ لِمَا أَجَابَ بِهِ مِنْ جَوَازِ حَمْلِ الْعَدَمِيِّ عَلَى الْوُجُودِيِّ كَمَا فِي قَوْلِك: الْبَيَاضُ لَا سَوَادَ نَاقِلًا لَهُ عَنْ السَّيِّدِ فِي حَوَاشِي الْمُطَوَّلِ دَافِعًا بِهِ إشْكَالَ التَّفْتَازَانِيِّ تَفْسِيرَ الْفَصَاحَةِ بِالْخُلُوصِ بِأَنَّهَا وُجُودِيَّةٌ وَالْخُلُوصُ عَدَمِيٌّ وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْعَدَمِيِّ عَلَى الْوُجُودِيِّ وَلِمَا لَا تَكَلَّفَهُ سم فِي جَوَابِهِ بِمَا لَا يَخْلُو مَعَ طُولِهِ مِنْ سَقَامَةٍ وَمَا سَلَكَهُ مِنْ نَقْلِ كَلَامِ مَنْ تَعَسَّفَ. (قَوْلُهُ: وَيُسَمَّى الْجَهْلُ الْبَسِيطُ) التَّقَابُلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِلْمِ تَقَابُلُ الْعِلْمِ وَالْمَلَكَةِ وَالتَّقَابُلُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ تَقَابُلُ التَّضَادِّ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وُجُودِيٌّ. وَقَالَ الْكَثِيرُ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ: إنَّ الْجَهْلَ الْمُرَكَّبَ مُمَاثِلٌ لِلْعِلْمِ فَامْتِنَاعُ الِاجْتِمَاعِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمَا هُوَ لِلْمُمَاثَلَةِ لَا لِلْمُضَادَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُمَيَّزَ بَيْنَهُمَا لَيْسَ إلَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَعَلِّقِ وَهِيَ الْمُطَابِقَةُ وَعَدَمُ الْمُطَابَقَةِ وَالنِّسْبَةُ لَا تَدْخُلُ فِي حَقِيقَةِ الْمُنْتَسِبِينَ؛ لِأَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ طَرَفَيْهِمَا فَتَكُونُ خَارِجَةً عَنْهُمَا وَالِامْتِيَازُ بِالْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ لَا يُوجِبُ الِاخْتِلَافَ بِالذَّاتِ وَحَيْثُ لَا اخْتِلَافَ إلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ لَزِمَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي تَمَامِ الْمَاهِيَةِ فَيَكُونَانِ مُتَمَاثِلَيْنِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (قَوْلُهُ: أَوْ أَدْرَكَ عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ فِي الْوَاقِعِ) يَشْمَلُ ظَنَّ الْمُجْتَهِدِ الْغَيْرِ الْمُطَابِقِ فَيَكُونُ جَهْلًا مُرَكَّبًا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَحْذُوفَ فِي تَسَلُّمِ ذَلِكَ وَلَا يُنَافِيهِ تَرَتُّبُ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِمُوجِبِهِ فِي حَقِّهِ وَالْعِلْمُ بِأَنَّ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الْأَمَارَاتِ الَّتِي اسْتَنَدَ إلَيْهَا وَالْكَلَامُ هُنَا بِاعْتِبَارِ الْوَاقِعِ نَعَمْ قَوْلُ الْمَوَاقِفِ وَالْمَحْصُولِ وَغَيْرِهِمَا فِي الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ أَنَّهُ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الْغَيْرُ الْمُطَابِقُ يُخْرِجُ الظَّنَّ أَفَادَهُ سم. وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الشَّنَاعَةِ الْقَوِيَّةِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ وَجُمْهُورُ الْمُتَكَلِّمِينَ كَالْقَاضِي وَطَائِفَةٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي الْهُذَيْلِ وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُ الْمُجْتَهِدِ يَكُونُ ظَنُّ كُلِّ مُجْتَهِدٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ، وَلَكِنَّ الْمُخْتَارَ خِلَافُهُ وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ فَيَكُونُ الْمُصِيبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْحُكْمُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ. وَلَكِنَّ هَذَا مُجَرَّدُ احْتِمَالٍ جَارٍ فِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الظَّنِّيَّةِ وَمِثْلُهُ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ جَعْلُ الْحُكْمِ الظَّنِّيِّ الِاجْتِهَادِيِّ مِنْ أَفْرَادِ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَحَقَّقْ عَدَمَ مُطَابَقَتِهِ لِلْوَاقِعِ بَلْ ذَاكَ تَجْوِيزٌ عَقْلِيٌّ. وَفَرَّقَ بَيْنَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ اللَّازِمِ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ وَعَدَمِ الْعِلْمِ

стр. 212

مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ (عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ) فِي الْوَاقِعِ فَالْجَهْلُ الْبَسِيطُ عَلَى الْأَوَّلِ ــ [حاشية العطار] بِالْمُطَابِقَةِ، وَالْمَوْجُودُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ هَذَا دُونَ الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ) فِي التَّعْبِيرِ بِهَيْئَتِهِ إشَارَةٌ إلَى مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَنَّ الْجَهْلَ الْمُرَكَّبَ لَا يَكُونُ فِي التَّصَوُّرَاتِ وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي التَّصْدِيقَاتِ؛ لِأَنَّ الْهَيْئَةَ هِيَ الْحَالَةُ الثَّابِتَةُ لِلشَّيْءِ الَّتِي هِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ فَيَخْرُجُ تَصَوُّرُهُ عَلَى خِلَافِ حَقِيقَتِهِ كَتَصَوُّرِ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ صَاهِلٌ، فَإِنَّهُ لَا جَهْلَ فِي التَّصَوُّرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَوَّرْ الْإِنْسَانَ وَإِنَّمَا الْجَهْلُ فِي تَصْدِيقٍ ضِمْنِيٍّ وَهُوَ ثُبُوتُ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ لِلْإِنْسَانِ، وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ: إنَّ تَصَوُّرَ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ حَقِيقَتِهِ فِي الْوَاقِعِ كَإِدْرَاكِ الْإِنْسَانِ بِأَنَّهُ حَيَوَانٌ صَاهِلٌ جَهْلٌ قَطْعًا، فَلَوْ قَالَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ لَكَانَ أَشْمَلَ اهـ. وَلَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ سم فِي دَفْعِهِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ وَجَهْلُ الْمُدْرِكِ بِمَا فِي الْوَاقِعِ) أَيْ بِالْهَيْئَةِ الثَّابِتَةِ لِلشَّيْءِ فِي الْوَاقِعِ وَقَوْلُهُ: مَعَ الْجَهْلِ بِأَنَّهُ جَاهِلٌ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُصَاحِبًا وَلَازِمًا لَهُ الْجَهْلُ بِأَنَّهُ جَاهِلٌ لَهُ فَتَسْمِيَتُهُ جَهْلًا مُرَكَّبًا؛ لِأَنَّهُ تَصْحَبُهُ وَيَلْزَمُهُ جَهْلٌ آخَرُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ مُسَمَّى الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ مَجْمُوعُ هَذَيْنِ الْجَهْلَيْنِ كَمَا قَدْ يُتَوَهَّمُ، فَإِنَّ مُسَمَّاهُ الَّذِي هُوَ الِاعْتِقَادُ بَسِيطٌ، إذْ لَا يُعْقَلُ التَّرْكِيبُ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ. وَفِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ سُمِّيَ مُرَكَّبًا؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ الشَّيْءَ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فَهَذَا جَهْلٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فَهَذَا جَهْلٌ آخَرُ قَدْ تَرَكَّبَا مَعًا. (قَوْلُهُ: مَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ) أَفَادَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ انْدِفَاعَ إشْكَالِ أَنَّ تَصَوُّرَ الْمَعْلُومِ عُلِمَ بِهِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى عِلْمُ الْمَعْلُومِ وَالْمَعْلُومُ لَا يُعْلَمُ؛ لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ لِلْحَاصِلِ وَشُمُولُ التَّعْرِيفِ لِمَا فِي أَسْفَلِ الْأَرْضِ. وَقَدْ يُقَالُ: لَا وُرُودَ لِهَذَا الْأَشْكَالِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْمَوْصُوفَ مَعْلُومٌ وَالْمَجْهُولَ إنَّمَا هُوَ صِفَتُهُ مَثَلًا إذَا تَصَوَّرَ الْعَالَمَ بِأَنَّهُ قَدِيمٌ فَالْعَالَمُ مَعْلُومٌ وَالْجَهْلُ فِي إثْبَاتِ صِفَةِ الْقِدَمِ لَهُ، ثُمَّ إنَّ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ وَمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ مَرْجِعُهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ. وَادَّعَى النَّاصِرُ أَنَّ بَيْنهمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهِيًّا يَجْتَمِعَانِ فِيمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ وَأَنْ يُقْصَدَ كَالْمَعْلُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ

стр. 213

لَيْسَ جَهْلًا عَلَى هَذَا وَالْقَوْلَانِ مَأْخُوذَانِ مِنْ قَصِيدَةِ ابْنِ مَكِّيٍّ فِي الْعَقَائِدِ وَاسْتَغْنَى بِقَوْلِهِ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ عَنْ التَّقْيِيدِ فِي قَوْلِهِ غَيْرِهِ عَدَمُ الْعِلْمِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْعِلْمُ ــ [حاشية العطار] مَثَلًا وَيَنْفَرِدُ الْأَزَلُ فِيمَا شَأْنُهُ أَنْ يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ كَذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ شَأْنَهُ أَنْ يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ وَشَأْنُهُ أَنْ لَا يُعْلَمَ لِتَعَذُّرِ أَسْبَابِ عِلْمِهِ تَعَالَى وَيَنْفَرِدُ الثَّانِي فِيمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْصَدَ لِيُعْلَمَ كَأَسْفَلِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهِ اهـ. وَرُدَّ بِأَنْ قَصَدَ عِلْمَ مَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ عَاقِلٍ، وَأَنَّ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُعْلَمَ فَلَا انْفِرَادَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَادَّةٍ عَنْ الْآخَرِ. (قَوْلُهُ: لَيْسَ جَهْلًا عَلَى هَذَا) أَيْ بَلْ هُوَ وَاسِطَةٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ قَصِيدَةِ ابْنِ مَكِّيٍّ) الْمُسَمَّاةِ بِالصَّلَاحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَهْدَاهَا لِلسُّلْطَانِ يُوسُفَ صَلَاحِ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا وَأَمَرَ بِتَعْلِيمِهَا حَتَّى لِلصِّبْيَانِ فِي الْمَكَاتِبِ قَالَ فِي تِلْكَ الْقَصِيدَةِ: وَإِنْ أَرَدْت أَنْ تَحُدَّ الْجَهْلَا ... مِنْ بَعْدِ حَدِّ الْعِلْمِ كَانَ سَهْلَا وَهُوَ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ ... فَاحْفَظْ فَهَذَا أَوْجَزُ الْحُدُودِ وَقِيلَ فِي تَحْدِيدِهِ مَا أَذْكُرُ ... مِنْ بَعْدِ هَذَا وَالْحُدُودُ تَكْثُرُ تَصَوُّرُ الْمَعْلُومِ هَذَا جُزْؤُهُ ... وَجُزْؤُهُ الْآخَرُ يَأْتِي وَصْفُهُ مُسْتَوْعِبًا عَلَى خِلَافِ هَيْئَتِهِ ... فَافْهَمْ فَهَذَا الْقَيْدُ مِنْ تَتِمَّتِهِ (قَوْلُهُ: وَاسْتَغْنَى إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ الِانْتِفَاءَ لَا يَصِحُّ إلَّا حَيْثُ يَكُونُ الثُّبُوتُ بِخِلَافِ الْعَدَمِ، فَإِنَّهُ أَعَمُّ. (قَوْلُهُ: عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْعِلْمُ) قَالَ النَّاصِرُ: الْمَقَامُ لِمَنْ دُونَ مَا إلَّا أَنْ يُقَالَ: صِفَةٌ بِعَدَمِ الْعِلْمِ قُرْبُهُ إلَى غَيْرِ الْعَاقِلِ اهـ. قَالَ سم، وَأَيْضًا فَمَا تُطْلَقُ عَلَى الْعَاقِلِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَلَعَلَّ وَجْهَ إيثَارِ مَا نُقِلَ اجْتِمَاعُ مِنْ مَعَ حَرْفِ الْجَرِّ الْمُمَاثِلِ لَهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الشَّارِحَ نَاقِلٌ لِهَذِهِ الْعِبَارَةِ عَنْ غَيْرِهِ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوَاقِعَ الْكَلَامِ اهـ. وَوَجْهُهُ أَنَّ غَرَضَ النَّاصِرِ إبْدَاءُ مُنَاسَبَةٍ لِلتَّعْبِيرِ بِمَا دُونَ مِنْ لَا الِاعْتِرَاضُ عَلَى

стр. 214

لِإِخْرَاجِ الْجَمَادِ وَالْبَهِيمَةِ عَنْ الِاتِّصَافِ بِالْجَهْلِ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعِلْمِ إنَّمَا يُقَالُ فِيمَا مَنْ شَأْنُهُ الْعِلْمُ بِخِلَافِ عَدَمِ الْعِلْمِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ الْمَقْصُودُ مَا لَا يُقْصَدُ كَأَسْفَلِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهِ فَلَا يُسَمَّى انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِهِ جَهْلًا، وَاسْتِعْمَالُهُ التَّصَوُّرَ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْإِدْرَاكِ خِلَافُ مَا سَبَقَ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا وَيُقْسَمُ حِينَئِذٍ إلَى تَصَوُّرٍ سَاذَجٍ أَيْ لَا حُكْمَ مَعَهُ وَإِلَى تَصَوُّرٍ مَعَهُ حُكْمٌ ــ [حاشية العطار] الشَّارِحِ فَلَا حَاجَةَ لِقَوْلِ سم وَلَا يَخْفَى إلَخْ، فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ سَوْقِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّهُ فُهِمَ مِنْ كَلَامِ النَّاصِرِ الِاعْتِرَاضُ فَأَشَارَ بِهَا إلَى أَنَّ الشَّارِحَ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ نَاقِلُ عِبَارَةِ الْغَيْرِ فَاعْتِرَاضُ النَّاصِرِ يَتَوَجَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ فَقَدْ أَخْرَجَ الْكَلَامَ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَفُهِمَ مِنْهُ خِلَافُ مَا هُوَ الْغَرَضُ، فَكَانَ اللَّائِقُ أَنْ يَحْذِفَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَيَقْتَصِرَ عَلَى مَا زَادَهُ عَلَى النَّاصِرِ مِنْ التَّوْجِيهِ، فَقَوْلُ مَنْ قَالَ رَادًّا عَلَى الْمُتَعَقِّبِ. وَمِنْ الْمَصَائِبِ أَنَّ بَعْضَ مَنْ طَمَسَتْ غِشَاوَةُ التَّعَصُّبِ بَصِيرَتَهُ فَهِمَ أَنَّهُ تَعْقِيبٌ لِمَا قَالَهُ النَّاصِرُ وَقَالَ: إنَّ كَلَامَ سم كَلَامُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوَاقِعَ الْكَلَامِ فَانْظُرُوا مَنْ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ مَوَاقِعَ الْكَلَامِ وَاعْجَبُوا مِنْ اجْتِرَاءِ هَذَا الرَّجُلِ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامِ اهـ. خُرُوجٌ عَمَّا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَمَحْضُ تَشْنِيعٍ فِي الْمَقَالِ، وَمِثْلُهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَكِبَهُ فُحُولُ الرِّجَالِ، فَإِنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الْإِنْصَافِ إلَى سُلُوكِ طَرِيقِ الِاعْتِسَافِ وَقَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ: إنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَهِمَ أَنَّ كَلَامَ سم تَعَقَّبَ لِلنَّاصِرِ وَهْمٌ، فَإِنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّ فَحْوَى الْخِطَابِ تُفِيدُ أَنَّهُ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ سم الِانْتِصَارَ لِلشَّارِحِ بِنَاءً عَلَى مَا فَهِمَهُ مِنْ كَلَامِ النَّاصِرِ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: لِإِخْرَاجِ الْجَمَادِ) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّقْيِيدِ وَكَمَا يَخْرُجُ الْجَمَادُ وَالْبَهِيمَةُ يَخْرُجُ النَّائِمُ وَالْغَافِلُ وَنَحْوُهُمَا، فَإِنَّهُمْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِمْ الْعِلْمُ. (قَوْلُهُ: كَأَسْفَلِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهِ) أَيْ فِي الْأَسْفَلِ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِنْسِ دُونَ الْجِنِّ وَمِثْلُهُ مَا فَوْقَ السَّمَوَاتِ وَمَا فِيهَا. (قَوْلُهُ: وَاسْتِعْمَالٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ: صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ: خِلَافُهُ إلَخْ حَالٌ، وَحَاصِلُ مَا قَالَهُ إنَّ الْمُرَادَ بِالتَّصَوُّرِ التَّصَوُّرُ الْمُطْلَقُ الْمُرَادِفُ لِلْعِلْمِ الصَّادِقُ بِالتَّصَوُّرِ السَّاذَجِ، وَالتَّصْدِيقُ لَا التَّصَوُّرُ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ الْمُقَابِلِ لِلتَّصْدِيقِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَيَنْقَسِمُ حِينَئِذٍ أَيْ حِينَ إذْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مُطْلَقِ الْإِدْرَاكِ إلَى تَصَوُّرٍ سَاذَجٍ إلَخْ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِ غَيْرِهِ الْجَهْلُ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِقُصُورِهِ عَلَى التَّصْدِيقِ وَقَوْلُهُ: خِلَافُ مَا سَبَقَ أَيْ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي التَّصَوُّرِ السَّاذَجِ خَاصَّةً، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ لِلتَّصَوُّرِ اسْتِعْمَالَيْنِ وَإِنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي مُطْلَقِ التَّصَوُّرِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي التَّصَوُّرِ السَّاذَجِ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا فِي الشَّرْحِ هُنَا هُوَ بِمَعْنَى مَا فِي طَالِعَةِ الشَّمْسِيَّةِ وَلِلسَّرَّاجِ وَالْحَوَاشِي هُنَاكَ كَلَامٌ كَثِيرٌ لَمْ يَخُصَّنَا هُنَا وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ عَلَى أَنَّهُ سَبْقُ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِمَا هُنَا، وَتَكَلَّمْنَا هُنَاكَ بِمَا فِيهِ مُقْنِعٌ وَالنَّاصِرُ لِشَغَفِهِ بِالِاعْتِرَاضِ لَخَّصَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرُوهُ هُنَاكَ وَذَكَرَهُ هُنَا وَتَكَلَّمَ مَعَهُ سم وَمَنْ تَأَخَّرَ بَعْدَهُ أَيْضًا وَالْكُلُّ مُسْتَمَدٌّ مِنْ مَوَادِّ ذَلِكَ الْكِتَابِ. فَمَنْ أَرَادَ تَحْقِيقَ هَذَا الْمَبْحَثَ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ، وَمَسْأَلَةُ تَقْسِيمِ الْعِلْمِ إلَى التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ حَتَّى إنَّ الْقُطْبَ الرَّازِيَّ أَفْرَدَهَا

стр. 215

وَهُوَ التَّصْدِيقُ. (وَالسَّهْوُ الذُّهُولُ) أَيْ الْغَفْلَةُ (عَنْ الْمَعْلُومِ) الْحَاصِلِ فَيَتَنَبَّهُ لَهُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ بِخِلَافِ النِّسْيَانِ فَهُوَ زَوَالُ الْمَعْلُومِ فَيَسْتَأْنِفُ تَحْصِيلَهُ. (مَسْأَلَةُ الْحَسَنِ) فِعْلُ الْمُكَلَّفِ (الْمَأْذُونُ) فِيهِ (وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا وَمُبَاحًا) الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ وَالْمَنْصُوبَاتُ أَحْوَالٌ لَازِمَةٌ لِلْمَأْذُونِ أَتَى بِهَا لِبَيَانِ أَقْسَامِ الْحَسَنِ. (قِيلَ وَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ) أَيْضًا كَالصَّبِيِّ ــ [حاشية العطار] بِتَأْلِيفٍ مُسْتَقِلٍّ وَحَشَّاهُ الْعَلَّامَةُ مِيرْ زَاهِدْ الْهِنْدِيُّ بِحَاشِيَةٍ أَتَى فِيهَا بِنَفَائِسَ تَحْقِيقَاتٍ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا، وَنَحْنُ ذَكَرْنَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي حَوَاشِي الْخَبِيصِيِّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ التَّصْدِيقُ) الضَّمِيرُ رَاجِعٌ لِمَجْمُوعِ التَّصَوُّرِ وَالْحُكْمُ عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ مِنْ التَّأْوِيلِ لَا لِلتَّصَوُّرِ الْمُقَيَّدِ بِالْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أَحَدٌ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الظَّاهِرَ مِنْ الْعِبَارَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَالسَّهْوُ الذُّهُولُ) مَضْمُونُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِحِ أَنَّ الذُّهُولَ وَالْغَفْلَةَ مُتَرَادِفَانِ وَأَنَّهُمَا أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ السَّهْوِ وَأَنَّ الثَّلَاثَةَ مُبَايِنَةٌ لِلنِّسْيَانِ، وَقَدْ قَالَ النَّاصِرُ هَذَا قَوْلٌ لَا أَعْلَمُ لَهُ سَنَدًا، ثُمَّ سَاقَ مَا يُخَالِفُهُ عَنْ الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ اهـ. وَقَوْلُ سم فِي جَوَابِهِ أَنَّهُمَا لَمْ يَبْتَدِعَا ذَلِكَ بَلْ هُمَا نَاقِلَانِ لَهُ وَأَنَّهُمَا ثِقَتَانِ حُجَّتَانِ وَأَنَّهُمَا لَمْ يَنْقُلَا ذَلِكَ عَنْ الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ وَلَا الْتَزَمَا مُوَافَقَتَهُمَا حَتَّى يَضُرَّهُمَا مُخَالَفَتُهُمَا لَا يُجْدِي نَفْعًا بَلْ الْوَاجِبُ فِي صِنَاعَةِ التَّوْجِيهِ الْإِتْيَانُ بِنَقْلٍ عَنْ إمَامٍ ثِقَةٍ بِمَا يُؤَيِّدُ كَلَامَ الشَّارِحِ وَالْمُصَنِّفِ وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ تَكَرَّرَ مِنْهُ وَنَبَّهْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ نَافِعٍ فِي مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ بَلْ هُوَ مُخِلٌّ بِرُتْبَةِ قَائِلِهِ مِنْ الْعِلْمِ. (قَوْلُهُ: الْحَاصِلُ) أَيْ فِي الْحَافِظَةِ وَالذُّهُولِ مِنْ الْمُدْرِكَةِ فَلَا تَنَافِيَ. (قَوْلُهُ: فَيَتَنَبَّهُ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ الْحَاصِلِ. (قَوْلُهُ: زَوَالُ الْمَعْلُومِ) أَيْ مِنْ الْحَافِظَةِ وَالْمُدْرِكَةِ مَعًا، وَهَذَا إنَّمَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِ الْقُوَى الْبَاطِنَةِ، وَقَدْ أَثْبَتَهَا الْحُكَمَاءُ وَنَفَاهَا الْمُتَكَلِّمُونَ. (قَوْلُهُ: فِعْلُ الْمُكَلَّفِ إلَخْ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمَأْذُونَ صِفَةُ مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ وَلْتَحْسُنْ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ قِيلَ وَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَالْمُرَادُ بِالْمُكَلَّفِ الْمَلْزُومُ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ إلَّا الْبَالِغَ الْعَاقِلَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي وَالسَّاهِي إلَخْ. وَفِي تَفْسِيرِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ هُنَا بِالْمَأْذُونِ وَالْمَنْهِيِّ وَلَوْ بِالْعُمُومِ، وَفِيمَا سَبَقَ بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ إلَخْ الْأَخَصُّ مِمَّا تَقَدَّمَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ لَهُمَا إطْلَاقَيْنِ. (قَوْلُهُ: الْوَاوُ لِلتَّقْسِيمِ) وَهِيَ فِي تَقْسِيمِ الْكُلِّيِّ إلَى جُزْئِيَّاتٍ إنْ لُوحِظَ اجْتِمَاعُهَا تَحْتَهُ أَجْوَدُ. (قَوْلُهُ: أَحْوَالٌ لَازِمَةٌ) أَيْ لِأَنْوَاعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: أُتِيَ بِهَا لِبَيَانِ أَقْسَامِ الْحُسْنِ أَمَّا عَلَى وَجْهِ التَّوْزِيعِ بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا حَالٌ لَازِمَةٌ لِقِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَهُوَ نَظِيرُ مَا مَثَّلَ بِهِ النُّحَاةُ مِنْ قَوْلِهِمْ حَبَّذَا الْمَالُ فِضَّةً وَذَهَبًا أَوْ عَلَى وَجْهِ لُزُومِ مَجْمُوعِهَا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى الْحَسَنُ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مُتَنَوِّعًا إلَى مَا ذُكِرَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَازِمَةٌ لِمَفْهُومِ الْمَأْذُونِ حَتَّى يَرُدَّ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ أَنَّ الْحَالَ اللَّازِمَةَ هِيَ غَيْرُ الْمُنْفَكَّةِ عَنْ صَاحِبِهَا وَمِنْ الْبَيِّنِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوُجُوبِ وَغَيْرِهِ يَنْفَكُّ عَنْ الْمَأْذُونِ بِأَنْ يَتَّصِفَ الْمَأْذُونُ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأُخْرَى فَاللَّازِمُ وَاحِدٌ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ لَا كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَلَا مَجْمُوعِهَا. (قَوْلُهُ: قِيلَ) قَائِلُهُ الْبَيْضَاوِيُّ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ مَا نُهِيَ عَنْهُ شَرْعًا فَقَبِيحٌ وَإِلَّا فَحَسَنٌ كَالْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُبَاحِ وَفِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ وَهُوَ لِتَنَاوُلِهِ فِعْلَ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ أَعَمُّ مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالْمَأْذُونِ فِيهِ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ مَنْ كَتَبَ عَلَى الْمِنْهَاجِ اعْتَرَضَهُ بِأَنْ جَعَلَ فِعْلَ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ جِنْسًا غَيْرَ حَسَنٍ، فَإِنَّ تَقْسِيمَ الْحُكْمِ، وَإِنْ كَانَ بِوَاسِطَةِ الْمُتَعَلِّقِ يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا حَسَنَ إلَّا بِالشَّرْعِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَوُرُودُ الشَّرْعِ بِحُسْنِ أَفْعَالِ الْبَهَائِمِ مَمْنُوعٌ اهـ. وَحِينَئِذٍ فَيُقْرَأُ " وَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ " بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْمَأْذُونِ فِيهِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَعَلَى مَوْصُوفِهِ الْمَحْذُوفِ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ

стр. 216

وَالسَّاهِي وَالنَّائِمِ وَالْبَهِيمَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْحَسَنَ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ (وَالْقَبِيحُ) فِعْلُ الْمُكَلَّفِ (الْمَنْهِيُّ) عَنْهُ (وَلَوْ) كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ (بِالْعُمُومِ) أَيْ بِعُمُومِ النَّهْيِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ أَوَامِرِ النَّدْبِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَدَخَلَ) فِي الْقَبِيحِ (خِلَافُ الْأَوْلَى) كَمَا دَخَلَ فِيهِ الْحَرَامُ وَالْمَكْرُوهُ. (وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَيْسَ الْمَكْرُوهُ) أَيْ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِخِلَافِ الْأَوْلَى (قَبِيحًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُذَمُّ عَلَيْهِ (وَلَا حَسَنًا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسُوغُ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُبَاحِ فَإِنَّهُ يَسُوغُ الثَّنَاءُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَهُ وَاسِطَةً أَيْضًا نَظَرًا إلَى أَنَّ الْحَسَنَ مَا أُمِرَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَنَّ الْحَسَنَ وَالْقَبِيحَ بِمَعْنَى تَرْتِيبِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ شَرْعِيٌّ ــ [حاشية العطار] وَلَا يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى الْأَحْوَالِ السَّابِقَةِ، إذْ لَا يَصِحُّ إدْرَاجُهُ فِي الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا إذْنَ فِيهِ وَالْحَسَنُ أَحَدُ قِسْمَيْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ الْحُكْمُ فَيَحْتَاجُ لِلْجَوَابِ بِأَنَّهُ انْدَرَجَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ أَحَدَ قِسْمَيْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ النَّظَرَ فِيهِ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ إنَّ فِعْلَ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ يَشْمَلُ عِبَادَاتِهِ، وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَا تُوصَفُ بِالْحَسَنِ عَلَى الْقَوْلِ كَمَا لَا تُوصَفُ بِالْقُبْحِ فَيَكُونُ وَاسِطَةً عَلَيْهِ وَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا فِعْلَهُ الْمَنْهِيَّ عَنْ نَوْعِهِ نَحْوَ زِنَاهُ وَسَرِقَتِهِ وَمِنْ أَبْعَدِ الْبَعِيدِ ذَهَابُ أَحَدٍ إلَى حُسْنِ ذَلِكَ فَيُرَادُ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ أَيْ مَا لَمْ يُنْهَ عَنْ نَوْعِهِ فَيَخْرُجُ وَفِيهِ بُعْدٌ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِاسْتِثْنَائِهِ، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي التَّعْرِيفَاتِ غَيْرُ مَعْهُودٍ. (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُنْهَ عَنْهُ) يَتَنَاوَلُ التَّعْرِيفُ أَفْعَالَ اللَّهِ كَذَا قَالُوا وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْبُدَخْشِيُّ فِي شَرْحِ مِنْهَاجٍ الْبَيْضَاوِيِّ قَالَ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَفِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ النَّهْيِ عَنْهُ شَرْعًا إمَّا لِعَدَمِ صُلُوحِهِ لِتَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِفِعْلِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَذَلِكَ إمَّا لِتَعَالِيهِ كَفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلنُّقْصَانِ كَفِعْلِ السَّاهِي وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَالطِّفْلِ وَالْبَهِيمَةِ وَإِمَّا لِتَعَلُّقِ مُنَافِيَاتِ النَّهْيِ بِهِ مَعَ صُلُوحِهِ لِذَلِكَ كَالْمَذْكُورَاتِ الثَّلَاثَةِ. (قَوْلُهُ: لَيْسَ الْمَكْرُوهُ قَبِيحًا) فَعَلَى هَذَا لَيْسَ كُلُّ مَا نَهَى عَنْهُ قَبِيحٌ بَلْ يَخْتَصُّ بِالْحَرَامِ وَقَوْلُهُ: أَيْ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ إلَخْ الْمَحَلُّ لِلْعِنَايَةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْعِبَارَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَكْرُوهِ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ خَاصٍّ وَتَفْسِيرُهُ بِمَا يَشْمَلُ خِلَافَ الْأَوَّلِ الظَّاهِرِ فَلَا وَجْهَ لِلْإِتْيَانِ بِأَيٍّ. وَقَدْ يُوَجَّهُ نَظَرًا إلَى أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فِي الشَّامِلِ كَمَا تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ: أَيْ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِخِلَافِ الْأَوَّلِ) لَا يُقَالُ لَا قُصُورَ عَلَى إرَادَةِ مَعْنَاهُ الْأَخَصِّ لِاسْتِفَادَةِ نَفْيِ خِلَافِ الْأَوْلَى بِطَرِيقِ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ الْأَوْلَوِيِّ مِنْ نَفْيِ قُبْحِ الْمَكْرُوهِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا يَكْفِي اسْتِفَادَةُ نَفْيِ قُبْحِهِ بِالْأَوْلَى فِي جَعْلِهِ وَاسِطَةً بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نَفْيِ حُسْنِهِ أَيْضًا وَهُوَ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ نَفْيِ حُسْنِ الْمَكْرُوهِ لَا بِالْأَوْلَى وَلَا بِالْمُسَاوِي؛ لِأَنَّ الْمَكْرُوهَ أَعْلَى وَأَغْلَظُ وَالْمَفْهُومُ لَا يَكُونُ أَدْوَنَ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يُذَمُّ عَلَيْهِ) أَيْ وَإِنَّمَا يُلَامُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ) الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْمُبَاحِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ الْحَسَنُ مَا أُمِرَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَهُ وَاسِطَةً أَيْضًا) صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا فِي تَلْخِيصِ التَّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ فَيَكُونُ لَهُ فِي الْمُبَاحِ قَوْلَانِ، وَإِنْ أَوْهَمَ خِلَافَهُ اقْتِصَارُ الْمُصَنِّفِ فِي النَّقْلِ عَنْهُ عَلَى جَعْلِ الْمَكْرُوهِ وَاسِطَةً وَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ جَعَلَهُ وَاسِطَةً أَيْضًا لَأَفَادَ ذَلِكَ وَكَانَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ فَلِذَلِكَ قَالَ الْكَمَالُ: وَعَجِيبٌ نَقْلُ الشَّارِحِ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِهِمْ مَعَ تَصْرِيحِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرُ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ الْبِرْمَاوِيِّ ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْأَلْفِيَّةِ بَحْثًا لَهُ نَعَمْ وَقَعَ لِلْإِمَامِ فِي التَّلْخِيصِ فِي مَوْضُوعٍ آخَرَ أَنَّ الْمُبَاحَ حَسَنٌ. (قَوْلُهُ: نَظَرًا إلَى الْحَسَنِ إلَخْ) ، وَأَمَّا الْقُبْحُ فَبَاقٍ عَلَى تَعْرِيفِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ كَوْنُ الْمُبَاحِ وَاسِطَةَ تَغْيِيرِ تَعْرِيفِ الْمُبَاحِ. (قَوْلُهُ: تَرَتُّبِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ) قَالَ النَّاصِرُ التَّرَتُّبُ لُزُومُ شَيْءٍ عَنْ آخَرَ وَفِعْلُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ لَيْسَ لَازِمًا لِلْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ فَالْمُرَادُ هُنَا تَرَتُّبُ طَلَبِهِمَا أَوْ جَوَازُهُمَا، فَتَرَتُّبُ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا فَقَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ لَيْسَ بِظَاهِرٍ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ صَنِيعِ الشَّارِحِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالثَّنَاءِ عَلَى الشَّيْءِ تَابِعٌ لِلْأَمْرِ بِذَلِكَ الشَّيْءِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ

стр. 217

مَسْأَلَةٌ جَائِزُ التَّرْكِ) سَوَاءٌ كَانَ جَائِزَ الْفِعْلِ أَيْضًا أَمْ مُمْتَنِعَهُ (لَيْسَ بِوَاجِبٍ) ــ [حاشية العطار] وَبِمَعْنَى تَرَتُّبِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ شَرْعِيٌّ أَنَّ الشَّيْءَ الْحَسَنَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ مَا أُمِرَ بِالثَّنَاءِ لِكَوْنِ الشَّيْءِ مَأْمُورًا بِهِ بِدَلِيلِ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ. وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ تَنْظِيرٌ لِلْمُرَادِ بِالْحَسَنِ عِنْدَ هَذَا الْبَعْضِ بِالْمُرَادِ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَالتَّقْدِيرُ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْحَسَنَ مَا أُمِرَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ كَالْحَسَنِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي ضِمْنِ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ بِمَعْنَى تَرَتُّبِ الْمَدْحِ وَالذَّمِّ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّهُمْ نَظَرُوا فِيهِ إلَى مَا ذُكِرَ وَلَا إشْكَالَ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَ حَوَالَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ حَتَّى يُسْتَشْكَلَ بِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِذَلِكَ حَتَّى تَصِحَّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ كَمَا ظَنَّهُ الشَّيْخُ فَاسْتَشْكَلَهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَمْنَعُ تَوَقُّفَ الْحَوَالَةِ عَلَى التَّصْرِيحِ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَقَعُ الْحَوَالَةُ بِاعْتِبَارِهِ، وَلِمَ لَا يَكْفِي فِي الْحَوَالَةِ إرَادَتُهُ وَيَكُونُ تَنْبِيهًا عَلَى إرَادَتِهِ اهـ. وَأَثَرُ التَّكَلُّفِ عَلَيْهِ ظَاهِرٌ [مَسْأَلَةٌ جَائِزُ التَّرْكِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ] (قَوْلُهُ: جَائِزُ التَّرْكِ) أَيْ الَّذِي انْعَقَدَ سَبَبُ وُجُوبِهِ وَطَرَأَ الْعُذْرُ بَعْدَهُ أَوْ قَبْلَهُ وَاسْتَمَرَّ لِحِينِهِ كَالصَّلَاةِ فِي الْحَيْضِ. وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ سَبَبٌ فَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَزَادَ بَعْضٌ قَيْدًا مُطْلَقًا لِإِخْرَاجِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ وَالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَرْكُهُ فِي حَالَةٍ دُونَ الْأُخْرَى وَلَا حَاجَةَ لَهُ؛ لِأَنَّ مَا جَازَ تَرْكُهُ فِيهِمَا لَيْسَ الْوَاجِبُ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ إلَّا حَدُّ الْمُبْهَمُ وَهُوَ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُتَوَهَّمُ دُخُولُهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُ التَّرْكِ مَعَ قِيَامِ الْعُذْرِ وَهُمَا لَا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ كَانَ جَائِزَ إلَخْ) الْأَوَّلُ كَفِطْرِ الْمُسَافِرِ وَالثَّانِي كَصَوْمِ الْحَائِضِ، وَأَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْجَوَازِ اسْتِوَاءَ الطَّرَفَيْنِ بَلْ هُوَ بِمَعْنَى الْإِمْكَانِ الْعَامِّ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الْمَنَاطِقَةُ وَهُوَ سَلْبُ الضَّرُورَةِ عَنْ الطَّرَفِ الْمُخَالِفِ وَبَعْضُ النَّاظِرِينَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِ النَّاصِرِ فَهُوَ كَالْإِمْكَانِ الْعَامِّ عِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ أَنَّهُ يَصِحُّ تَخْرِيجُ مَا هُنَا عَلَيْهِ وَمَا دَرَى أَنَّ الْجَوَازَ وَالِامْتِنَاعَ هُنَا بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَكَذَلِكَ الْوُجُوبُ وَاَلَّذِي اعْتَبَرُوهُ هُنَاكَ هُوَ الْجَوَازُ الْعَقْلِيُّ كَالْوُجُوبِ وَالِامْتِنَاعِ فَكَيْفَ مَعَ تَخَالُفِ الِاصْطِلَاحَيْنِ يَنْطَبِقُ مَا هُنَا عَلَى مَا هُنَاكَ، وَأَيْضًا الْجَوَازُ هُنَا وَقَعَ مَوْضُوعَ الْقَضِيَّةِ وَالْجَوَازُ بِمَعْنَى الْإِمْكَانِ جِهَةً لِلْقَضِيَّةِ مُعْتَبَرٌ حُصُولُهُ بَعْدَ

стр. 218

(وَإِلَّا لَكَانَ مُمْتَنِعَ التَّرْكِ) وَقَدْ فُرِضَ جَائِزُهُ. (وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ــ [حاشية العطار] انْعِقَادِهَا وَلِذَلِكَ ارْتَبَكَ فِي تَقْرِيرِ الْإِمْكَانِ وَخَبَطَ خَبْطَ عَشْوَاءَ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَكَانَ إلَخْ) دَلِيلٌ اسْتِثْنَائِيٌّ حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ جَائِزَ التَّرْكِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِأَنْ كَانَ وَاجِبًا كَانَ مُمْتَنِعَ التَّرْكِ، لَكِنَّ التَّالِيَ بَاطِلٌ أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا بَيَانُ بُطْلَانِ التَّالِي فَقَدْ أَشَارَ لَهُ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ فَرَضَ إلَخْ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِ الِامْتِنَاعِ أَنْ لَا يَكُونَ جَائِزَ التَّرْكِ، وَالْغَرَضُ أَنَّهُ جَائِزُ التَّرْكِ فَيَجْتَمِعُ النَّقِيضَانِ وَهُوَ مُحَالٌ وَمَلْزُومُ الْمُحَالِ، وَهُوَ امْتِنَاعُ التَّرْكِ مُحَالٌ فَمَلْزُومُهُ وَهُوَ الْوُجُوبُ مُحَالٌ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ أَعْنِي عَدَمَ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمُدَّعِي. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ التَّنَاقُضِ، فَإِنَّ الْمُنَافِيَ لِلْوُجُوبِ هُوَ جَوَازُ التَّرْكِ مُطْلَقًا لَا جَوَازُهُ وَقْتَ الْعُذْرِ فَقَطْ كَمَا هُوَ الْمُرَادُ فَاللَّازِمُ كَوْنُهُ جَائِزَ التَّرْكِ وَقْتَ الْعُذْرِ وَغَيْرَ جَائِزِ التَّرْكِ فِي بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ، وَلَيْسَ هَذَا تَنَاقُضًا لِاخْتِلَافِ زَمَنَيْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. وَفِي قَوْلِ الشَّارِحِ الْآتِي: وَجَوَازُ التَّرْكِ إلَخْ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ وَجَعَلَهُ النَّاظِرُونَ هُنَا مِنْ قَبِيلِ قِيَاسِ الْحَلِفِ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا بَلْ هُوَ كَبَقِيَّةِ الْأَقْيِسَةِ الِاسْتِثْنَائِيَّة الَّتِي يُسْتَدَلُّ فِيهَا بِبُطْلَانِ التَّالِي فَيَبْطُلُ نَقِيضُهُ فَيَثْبُتُ الْمُدَّعِي كَمَا قَرَّرْنَاهُ إذْ لَيْسَ كُلُّ قِيَاسٍ أُبْطِلَ فِيهِ الْمُقَدَّمُ لِيَثْبُتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ الْمُدَّعِي قِيَاسَ الْخُلْفِ، قَالَ السَّعْدُ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ: وَلَمَّا كَانَ الْقِيَاسُ مُنْحَصِرًا فِي الِاقْتِرَانِيِّ وَالِاسْتِثْنَائِيّ وَجَبَ رَدُّ هَذَا الْقِيَاسِ يَعْنِي قِيَاسَ الْخُلْفِ وَتَحْلِيلُهُ إلَى ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ عَظِيمٌ وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الشَّيْخِ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ قِيَاسَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اقْتِرَانِيٌّ مُرَكَّبٌ مِنْ مُتَّصِلَتَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ الْمَطْلُوبِ الْمَوْضُوعِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ وَنَقِيضُ الْمَطْلُوبِ وَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ بَيِّنَةٌ بِذَاتِهَا وَالْأُخْرَى مِنْ الْمُلَازَمَةِ بَيْنَ نَقِيضِ الْمَطْلُوبِ الْمَوْضُوعِ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ وَبَيْنَ أَمْرٍ مُحَالٍ، وَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ رُبَّمَا تَحْتَاجُ إلَى الْبَيَانِ فَيَنْتِجُ مُتَّصِلَةٌ مِنْ الْمَطْلُوبِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ وَمِنْ الْأَمْرِ الْمُحَالِ. وَثَانِيهِمَا: اسْتِثْنَائِيٌّ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُتَّصِلَةٍ لُزُومِيَّةٍ هِيَ نَتِيجَةُ ذَلِكَ الِاقْتِرَانِيِّ وَاسْتِثْنَاءُ نَقِيضِ التَّالِي لِيَنْتِجَ نَقِيضُ الْمُقَدَّمِ فَيَلْزَمُ تَحَقُّقُ الْمَطْلُوبِ، وَتَلْخِيصُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَطْلُوبُ يَتَحَقَّقُ نَقِيضُهُ لِتَحَقُّقِ الْمُحَالِ، لَكِنْ الْمُحَالُ لَيْسَ بِمُتَحَقِّقٍ فَنَقِيضُ الْمَطْلُوبِ لَيْسَ بِمُتَحَقِّقٍ فَالْمَطْلُوبُ مُتَحَقِّقٌ اهـ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ فُرِضَ إلَخْ) ضَمِيرُهُ الْمُسْتَتِرُ يَعُودُ لِلشَّيْءِ الْمُتَّصِفِ بِجَوَازِ التَّرْكِ مُجَرَّدًا عَنْ صِفَتِهِ وَإِلَّا صَارَ الْمَعْنَى، وَقَدْ فُرِضَ جَائِزُ التَّرْكِ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إلَخْ) أَيْ خَالَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالُوا بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُهُ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى سَلَفٍ لِلْمُصَنِّفِ فِي نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ: إنَّ الْمُصَنِّفَ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْمَحْصُولَ مُنْتَقَدٌ، فَإِنَّ الَّذِي فِي الْمَحْصُولِ نَقَلَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا عَنْ أَكْثَرِهِمْ وَيُعَارِضُهُ فِي الْحَائِضِ نَقْلُ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ إلَّا وَجْهًا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَنَقَلَ مُقَابِلِهِ عَنْ الْجُمْهُورِ، فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ الصَّوْمُ فِي الْحَالِ، ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ لَيْسَتْ مُخَاطَبَةً بِهِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَتُؤْمَرُ بِتَأْخِيرِهِ اهـ. وَقَوْلُ الْبَيْضَاوِيِّ قَالَ الْفُقَهَاءُ: مُرَادُهُ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ كَمَا فِي الْمَحْصُولِ وَعَلَيْهِ حَمَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِهِ نَعَمْ نَقَلَ ابْنُ بَرْهَانٍ الْوُجُوبَ عَلَى الْحَائِضِ عَنْ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ نَقْلِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ خِلَافُهُ وَبِمَا سَبَقَ مِنْ نَقْلِ النَّوَوِيِّ خِلَافُهُ عَنْ الْجُمْهُورِ قَالَهُ الْكَمَالُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الزَّرْكَشِيَّ نَقَلَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ فِي كِتَابِهِ

стр. 219

يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَهَؤُلَاءِ شَهِدُوهُ وَجَوَازُ التَّرْكِ لَهُمْ لِعُذْرِهِمْ أَيْ الْحَيْضُ الْمَانِعُ مِنْ الْفِعْلِ أَيْضًا، وَالْمَرَضُ وَالسَّفَرُ اللَّذَيْنِ لَا يَمْنَعَانِ مِنْهُ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُمْ فَكَانَ الْمَأْتِيُّ بِهِ بَدَلًا عَنْ الْفَائِتِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ شُهُودَ الشَّهْرِ مُوجِبٌ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعُذْرِ لَا مُطْلَقًا وَبِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ هُنَا شُهُودُ الشَّهْرِ وَقَدْ تَحَقَّقَ ــ [حاشية العطار] الْأُصُولِ أَنَّ مَذْهَبَنَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي الْحَالِ إلَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ تَأْخِيرُهُ إلَى زَوَالِ الْعُذْرِ، وَيَكْفِي هَذَا مَعَ نَقْلِ ابْنِ بَرْهَانٍ سَلَفًا لِلْمُصَنِّفِ وَنَقْلِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ إنَّمَا يُعَارِضُ نَقْلَ ابْنِ بَرْهَانٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَنَفِيَّةِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِأَصْحَابِنَا. (قَوْلُهُ: يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى الْحَائِضِ إلَخْ) أَيْ فَيَكُونُونَ مُخَاطَبِينَ بِهِ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ بِمَعْنَى أَنَّ ذِمَّتَهُمْ مَشْغُولَةٌ بِهِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَلَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِهِ وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِمْ لِانْعِقَادِ السَّبَبِ فِي حَقِّهِمْ لَا لِكَوْنِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ فِي حَالَةِ الْعُذْرِ. (قَوْلُهُ: وَهَؤُلَاءِ شَهِدُوهُ) فِيهِ إشَارَةٌ لِقِيَاسٍ اقْتِرَانِيٍّ تَقْرِيرُهُ هَكَذَا الْحَائِضُ وَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ شَهِدُوا الشَّهْرَ وَكُلُّ مَنْ شَهِدَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَهَؤُلَاءِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ أَمَّا الصُّغْرَى فَظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا الْكُبْرَى فَدَلِيلُهَا الْآيَةُ؛ لِأَنَّ الْمَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ فِي مَعْنَى الْمُشْتَقِّ وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ مُؤْذِنٌ بِعِلِّيَّةِ مَبْدَأِ الِاشْتِقَاقِ فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ عِلَّةَ وُجُوبِ الصَّوْمِ شُهُودُ الشَّهْرِ أَيْ حُضُورُهُ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الدَّلِيلُ مُعَارَضًا بِالدَّلِيلِ السَّابِقِ احْتَاجَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ لِلْجَوَابِ عَنْهُ بِمَنْعِ التَّنَاقُضِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ سَابِقًا وَأَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَجَوَازُ التَّرْكِ لَهُمْ إلَخْ. (قَوْلُهُ: الْمَانِعُ مِنْ الْفِعْلِ) الْمَنْعُ فِي هَذَا وَفِي قَوْلِهِ اللَّذَيْنِ لَا يَمْنَعَانِ إلَخْ لَا يُرَادُ بِهِ الْمَنْعُ الْحِسِّيُّ لِظُهُورِ انْتِفَائِهِ وَلَا الْمَانِعُ الْمُرَادُ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَانِعُ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ وَهُوَ الْوُجُوبُ ثَابِتٌ عِنْدَهُمْ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُحَرَّمَ أَيْ سَبَبُ التَّحْرِيمِ، لَكِنْ يَرِدُ حِينَئِذٍ عَلَى عُمُومِ قَوْلِهِ الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ مَا أَدَّى إلَى التَّلَفِ مِنْهُمَا، فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ اهـ. نَاصِرٌ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُحَرَّمَ تَحْرِيمًا بِحَيْثُ لَوْ وَقَعَ كَانَ فَاسِدًا غَيْرَ مُجْزِئٍ، وَهَذَا لَيْسَ إلَّا فِي الْحَيْضِ، أَمَّا الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ فَإِنَّهُمَا يَصِحُّ صَوْمُهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَيُجْزِئُ مَعَ التَّحْرِيمِ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ. (قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَمَا أَنَّهُ عُذْرٌ فِي التَّرْكِ، وَهَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ أَمْ مُمْتَنِعَةٌ وَقَوْلُهُ: وَالْمَرَضُ إلَخْ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ سَوَاءٌ كَانَ جَائِزَ الْفِعْلِ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إلَخْ) عُطِفَ عَلَى مَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ أَيْ فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ لِشُهُودِهِمْ الشَّهْرَ وَلِوُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَهَذَا دَلِيلٌ ثَانٍ لِلْأَكْثَرِ حَاصِلُهُ أَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِهِ أَيْ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُمْ مِنْ الْأَيَّامِ وَهُوَ وَاجِبٌ فَيَكُونُ الْأَصْلُ وَاجِبًا لِأَنَّهُ لَا يُؤْتَى بِبَدَلِهِ إلَّا إذَا كَانَ هُوَ وَاجِبًا فَيَكُونُ الصَّوْمُ وَاجِبًا فِي حَقِّهِمْ حَالَةَ الْعُذْرِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَمَا قَالُوهُ هُنَا مِنْ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْآيَةِ عَلَى الْوُجُوبِ فِي مَحَلِّ الْعُذْرِ غَيْرُ صَحِيحٍ الْمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ وَقَعَ بِالْآيَةِ مَعَ أَنَّهَا ذُكِرَتْ سَنَدًا لِكُبْرَى الْقِيَاسِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى السَّنَدِ غَيْرُ مُوَجَّهٍ مِنْ طَرَفِ الْمَانِعِ وَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَالْوَجْهُ مَا قُلْنَا: إنَّهُ مَنْعٌ لِكُبْرَى الْقِيَاسِ. (قَوْلُهُ: مُوجِبٌ) أَيْ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْعُذْرِ لَا مُطْلَقًا وَالْعُذْرُ قَائِمٌ هُنَا. (قَوْلُهُ: وَبِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ) جَوَابٌ مِنْ طَرَفِهِمْ أَيْضًا عَنْ الدَّلِيلِ الثَّانِي حَاصِلُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ يَقْتَضِي أَصْلَ الْوُجُوبِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى تَحَقُّقِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ، وَقَدْ حَصَلَ وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ لَا يُلَاقِي مَا أُجِيبَ عَنْهُ وَهُوَ الدَّلِيلُ الثَّانِي لِأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ وُجُوبَ

стр. 220

لَا عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَإِلَّا لَمَا وَجَبَ قَضَاءُ الظُّهْرِ مَثَلًا عَلَى مَنْ نَامَ جَمِيعَ وَقْتِهَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي حَقِّهِ لِغَفْلَتِهِ (وَقِيلَ) يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى (الْمُسَافِرِ دُونَهُمَا) أَيْ دُونَ الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ لِقُدْرَةِ الْمُسَافِرِ عَلَيْهِ وَعَجْزِ الْحَائِضِ عَنْهُ شَرْعًا وَالْمَرِيضِ حِسًّا فِي الْجُمْلَةِ ــ [حاشية العطار] الْقَضَاءِ بِقَدْرِ الْفَائِتِ وَاجِبٌ كَبَدَلِهِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بَدَلًا بَلْ فِعْلًا مُقْتَضِيًا، وَأَمَّا كَوْنُ الْقَضَاءِ يَتَرَتَّبُ عَلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ أَوْ نَفْسِ الْوُجُوبِ فَشَيْءٌ آخَرُ لَا تَعَلُّقَ بِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ وَلَا تَعَرُّضَ لَهُ فِيهِ بِوَجْهٍ اهـ. قَالَ سم وَهُوَ إشْكَالٌ حَسَنٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ فِي قَوْلِهِ بِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ إلَخْ مَعْنَاهُ الْقَضَاءُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَعْنِي كَوْنَهُ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُمْ الْمُشْعِرُ ذَلِكَ بِبَدَلِيَّتِهِ فَحَاصِلُ الْجَوَابِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كَوْنَ الْقَضَاءِ بِقَدْرِ مَا فَاتَهُمْ الْمُشْعِرُ بِالْبَدَلِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى سَبْقِ نَفْسِ الْوُجُوبِ بَلْ يَكْفِي فِيهِ سَبْقُ إدْرَاكِ سَبَبِ الْوُجُوبِ أَيْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدُ إدْرَاكِ سَبَبِ الْوُجُوبِ مُصِحًّا لِكَوْنِ الْقَضَاءِ بِقَدْرِ مَا فَاتَ وَلِلْبَدَلِيَّةِ إذْ يَكْفِي فِي تَحَقُّقِهَا أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ لَوْلَا الْعُذْرُ وَلَا بُدَّ لِنَفْيِ ذَلِكَ مِنْ دَلِيلٍ. (قَوْلُهُ: لَا عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ) فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْوُجُوبَ فِي الْجُمْلَةِ أَعَمُّ مِنْ الْوُجُوبِ عَلَى الْقَاضِي أَوْ غَيْرِهِ مُنِعَتْ الْمُلَازَمَةُ فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا إلَخْ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْوُجُوبَ فِي حَقِّ الْقَاضِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ كَلَامِهِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ التَّوَقُّفَ إنَّمَا هُوَ السَّبَبُ لِجَوَازِ التَّوَقُّفِ عَلَى الْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ فِي تَعْرِيفِ الْقَضَاءِ حَيْثُ قَالُوا اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ لَهُ وُجُوبٌ مُطْلَقًا قَالَهُ النَّاصِرُ. قَالَ سم وَجَوَابُهُ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الثَّانِي وَقَوْلُهُ: لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ التَّوَقُّفَ إنَّمَا هُوَ عَلَى السَّبَبِ إلَخْ، قُلْنَا: الْحَصْرُ فِي قَوْلِهِ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ إضَافِيٌّ أَيْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِالْفِعْلِ عَلَى الْقَاضِي بَلْ يَكْفِي فِيهِ اسْتِدْرَاكُ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي تَعْرِيفِ الْقَضَاءِ الْوُجُوبَ فِي الْجُمْلَةِ؛ لِأَنَّهُ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ السَّبَبَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ تَحَقَّقَ الْوُجُوبُ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ قَدْ يَنْتَفِي الْوُجُوبُ فِي الْجُمْلَةِ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ لِإِدْرَاكِ السَّبَبِ كَمَا لَوْ عَمَّ الْعُذْرُ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ، فَإِنَّهُ لَا وُجُوبَ حِينَئِذٍ مُطْلَقًا مَعَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنْ أَدْرَكَ السَّبَبَ وَمِنْ هُنَا يُمْكِنُ جَعْلُ الْحَصْرِ حَقِيقِيًّا وَأَنْ لَا يَتَوَقَّفَ إلَّا عَلَى إدْرَاكِ السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ دَارَ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا بِخِلَافِ الْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَمَا وَجَبَ قَضَاءُ الظُّهْرِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِلَّةَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ عَلَى الْقَاضِي كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آخِرُ كَلَامِهِ أَمَّا عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ الْوُجُوبُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: لِعَدَمِ تَحَقُّقِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ إلَخْ) إنْ أَرَادَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الْوُجُوبِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُعْسِرَ بِالدَّيْنِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَعَ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَفِي حَالِ الْعُسْرِ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ تَأَمَّلْ. (قَوْلَهُ وَقِيلَ يَجِبُ الصَّوْمُ إلَخْ) نَقَلَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ. (قَوْلُهُ: حِسًّا أَوْ شَرْعًا مُطْلَقًا) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ فِي الْجُمْلَةِ. (قَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ) أَيْ لَا فِي التَّفْصِيلِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ الصَّوْمُ لِعَجْزِهِ عَنْهُ، وَقَدْ يُمْكِنُهُ لَكِنْ مَعَ مَشَقَّةٍ تُبِيحُ الْفِطْرَ، فَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الصَّوْمِ حِسًّا عَلَى الْإِجْمَالِ، صَحَّ ذَلِكَ نَظَرًا إلَى عَجْزِهِ فِي إحْدَى حَالَتَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحُّ نِسْبَةُ الْعَجْزِ إلَيْهِ تَفْصِيلًا

стр. 221

(وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُسَافِرِ دُونَهُمَا (أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ) الْحَاضِرِ أَوْ آخَرَ بَعْدَهُ فَأَيُّهُمَا أَتَى بِهِ فَقَدْ أَتَى بِالْوَاجِبِ كَمَا فِي خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ (وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ) أَيْ رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ تَرْكَ الصَّوْمِ حَالَةَ الْعُذْرِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَالْقَضَاءُ بَعْدَ زَوَالِهِ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا. (وَفِي كَوْنِ الْمَنْدُوبِ مَأْمُورًا بِهِ) أَيْ مُسَمًّى بِذَلِكَ حَقِيقَةً (خِلَافٌ) مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أَمَ رَ حَقِيقَةٌ فِي الْإِيجَابِ كَصِيغَةِ أَفْعَلَ فَلَا يُسَمَّى وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ أَوْ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ أَيْ طَلَبُ الْفِعْلِ فَيُسَمَّى وَرَجَّحَهُ الْآمِدِيُّ أَمَّا كَوْنُهُ مَأْمُورًا بِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ أَيْ صِيغَةُ أَفْعَلَ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّهَا مَجَازٌ فِي النَّدْبِ أَمْ حَقِيقَةٌ فِيهِ كَالْإِيجَابِ خِلَافٌ يَأْتِي (وَالْأَصَحُّ لَيْسَ) الْمَنْدُوبُ (مُكَلَّفًا بِهِ وَكَذَا الْمُبَاحُ) أَيْ الْأَصَحُّ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِهِ. (وَمِنْ ثَمَّ) أَيْ مِنْ هُنَا، وَهُوَ أَنَّ الْمَنْدُوبَ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِهِ أَيْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (كَانَ التَّكْلِيفُ إلْزَامَ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ) مِنْ فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ (لَا طَلَبُهُ) أَيْ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ أَوْ لَا ــ [حاشية العطار] لِعَدَمِ عَجْزِهِ فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى قَالَهُ الْكَمَالُ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ إلَخْ) هَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقٌ لِمَا قَبْلَهُ فِي الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ وَمُخَالِفٌ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: الشَّهْرُ الْحَاضِرُ لَا يَجِبُ لَا بِنَفْسِهِ وَلَا بِطَرِيقِ الْبَدَلِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِ قَوْلِ الْإِمَامِ فِي الْمَرِيضِ لِأَنَّ عُذْرَهُ كَالْمُسَافِرِ وَهُوَ الْمَشَقَّةُ إلَّا أَنْ يُفْرَضَ فِي مَرِيضٍ يُفْضِي بِهِ الصَّوْمُ لِهَلَاكِ نَفْسِهِ أَوْ عُضْوِهِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، فَلَوْ تَحَمَّلَ وَصَامَ صَحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ كَانَ حَرَامًا. (قَوْلُهُ: أَحَدُ الشَّهْرَيْنِ) فَيُخَاطَبُ حَالَ سَفَرِهِ بِالْأَحَدِ الدَّائِرِ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ يُخَاطَبُ بِرَمَضَانَ وَجَوَازُ التَّأْخِيرِ لِلْعُذْرِ. (قَوْلُهُ: دُونَ الْمَعْنَى) أَيْ فَلَا ثَمَرَةَ لَهُ وَفِيهِ أَنَّ لَهُ ثَمَرَةً فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الرِّفْعَةِ ظُهُورَ فَائِدَتِهِ فِي وُجُوبِ التَّعَرُّضِ لِلْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي النِّيَّةِ وَنُوقِشَ. (قَوْلُهُ: أَيْ مُسَمًّى بِذَلِكَ حَقِيقَةً) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ كَوْنُهُ يُسَمَّى مَأْمُورًا بِهِ تَسْمِيَةً حَقِيقِيَّةً لَا كَوْنُهُ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ أَيْ صِيغَةَ أَفْعَلَ إذْ لَا خِلَافَ فِيهِ. (قَوْلُهُ: مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ أم ر) كُتِبَتْ مُفَكَّكَةَ الْحُرُوفِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ هَذِهِ الْمَادَّةُ حَيْثُمَا وُجِدَتْ فِي فِعْلٍ أَوْ مَصْدَرٍ أَوْ مُشْتَقٍّ. (قَوْلُهُ: كَصِيغَةِ أَفْعَلَ) لَيْسَ التَّنْظِيرُ بِهَا فِي أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الْإِيجَابِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فِيمَا يَأْتِي سَوَاءٌ قُلْنَا: إنَّهَا مَجَازٌ فِي النَّدْبِ إلَخْ بَلْ التَّنْظِيرُ فِيهَا إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ أَمَرَ حَقِيقَةٌ فِيهَا. (قَوْلُهُ: وَالْأَصَحُّ لَيْسَ الْمَنْدُوبُ مُكَلَّفًا بِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَلْزُومًا بِهِ فَيَجُوزُ تَرْكُهُ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَحِينَئِذٍ لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى بَلْ الْخُلْفُ لَفْظِيٌّ مَبْنَاهُ الْخُلْفُ فِي تَفْسِيرِ التَّكْلِيفِ وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ لِذَلِكَ وَلَمْ يَكْتَنِفْ بِالْعِلْمِ بِالْخِلَافِ فِيهِ مَنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي التَّكْلِيفِ كَمَا تَرَكَ التَّعَرُّضَ لِلْمَكْرُوهِ وَخِلَافُ الْأَوْلَى اكْتِفَاءً بِذَلِكَ لِوُقُوعِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ فِي خُصُوصِ الْمَنْدُوبِ وَلَمْ يَقَعْ فِي خُصُوصِ الْمَكْرُوهِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى. (قَوْلُهُ: وَمِنْ ثَمَّ إلَخْ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَعْرِيفَ التَّكْلِيفِ بِمَا ذُكِرَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى انْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ بِالْمَنْدُوبِ مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْعَكْسِ وَهُوَ مَا سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْعَضُدِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ بَيْنَهُمَا تَلَازُمًا مُصَحِّحًا لِتَرَتُّبِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ الْعَكْسَ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنَّ الْمَنْدُوبَ) فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ الشَّارِحُ وَالْمُبَاحُ وَأَنَّ قَوْلَهُ أَيْ الْأَصَحُّ لِمُجَارَاةِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَخُصَّ الْمَنْدُوبُ دُونَ الْمُبَاحِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْعُدُولِ عَنْ أَحَدِ التَّعْرِيفَيْنِ إلَى الْآخَرِ. وَقَالَ سم بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ

стр. 222

(خِلَافًا لِلْقَاضِي) أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي قَوْلِهِ بِالثَّانِي فَعِنْدَهُ الْمَنْدُوبُ وَالْمَكْرُوهُ وَبِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِخِلَافِ الْأَوْلَى مُكَلَّفٌ بِهَا كَالْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ، وَزَادَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ عَلَى ذَلِكَ الْمُبَاحَ فَقَالَ: إنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ اعْتِقَادُ إبَاحَتِهِ تَتْمِيمًا لِلْأَقْسَامِ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ مِثْلُهُ فِي وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ (وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُبَاحَ لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ) وَقِيلَ: إنَّهُ جِنْسٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُمَا مَأْذُونٌ فِي فِعْلِهِمَا وَاخْتَصَّ الْوَاجِبَ بِفَصْلِ الْمَنْعِ مِنْ التَّرْكِ قُلْنَا وَاخْتَصَّ الْمُبَاحَ أَيْضًا بِفَصْلِ الْإِذْنِ فِي التَّرْكِ عَلَى السَّوَاءِ ــ [حاشية العطار] الْمُبَاحُ مُكَلَّفًا بِهِ مَا صَحَّ أَنَّ التَّكْلِيفَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَا إلْزَامَ فِيهِ فَيَكُونُ التَّعْرِيفُ غَيْرَ جَامِعٍ اهـ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِالْمُبَاحِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ وَهُوَ وَاجِبٌ فَيَكُونُ مَلْزُومًا بِهِ فَيَدْخُلُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ، فَأَمَّا التَّكْلِيفُ فَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنَّهُ الْأَمْرُ بِمَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَالنَّهْيُ عَمَّا فِي الِامْتِنَاعِ عَنْهُ كُلْفَةٌ، فَإِنْ جَمَعْتهمَا قُلْت: الدُّعَاءُ إلَى مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَعَدُّ الْأَمْرِ عَلَى النَّدْبِ وَالنَّهْيِ عَلَى الْكَرَاهَةِ مِنْ التَّكْلِيفِ وَالْأَوْجَهُ عِنْدَنَا فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ، فَإِنَّ التَّكْلِيفَ يُشْعِرُ بِتَطْوِيقِ الْمُخَاطَبِ الْكُلْفَةَ مِنْ غَيْرِ خِيرَةٍ مِنْ الْمُكَلَّفِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ يَفْتَرِقَانِ بِتَخْيِيرِ الْمُخَاطَبِ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ، فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ آيِلٌ إلَى الْمُنَاقَشَةِ فِي عِبَارَةِ نَعَمْ الشَّرْعُ يَجْمَعُ الْوَاجِبَ وَالنَّدْبَ وَالْحَظْرَ وَالْكَرَاهَةَ، فَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَلَا يَحْتَوِي عَلَيْهَا مَعْنَى التَّكْلِيفِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ ﵀: إنَّهَا مِنْ التَّكْلِيفِ وَهِيَ هَفْوَةٌ ظَاهِرَةٌ، ثُمَّ فَسَّرَ قَوْلَهُ بِأَنَّهُ يَجِبُ اعْتِقَادُ الْإِبَاحَةِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ رَدُّ الْكَلَامِ إلَى الْوَاجِبِ وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنْ التَّكْلِيفِ وَهُوَ مُوَافِقٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ قِيلَ: هَلْ تَعُدُّونَ الْإِبَاحَةَ مِنْ الشَّرْعِ قُلْنَا: نَعَمْ هِيَ مَعْدُودَةٌ عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِهَا اهـ. بِلَفْظِهِ. (قَوْلُهُ: كَالْوَاجِبِ وَالْحَرَامِ) ذِكْرُهُمَا إنْ كَانَ مُتَّفِقًا عَلَيْهِمَا مَعَ أَنَّ الْمَنْدُوبَ وَالْمَكْرُوهَ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِخِلَافِ الْأَوْلَى لِيَرْجِعَ إلَى الْأَرْبَعَةِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ. (قَوْلُهُ: تَتْمِيمًا لِلْأَقْسَامِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ زَادَ أَوْ بِقَوْلِهِ فَقَالَ وَقَوْلُهُ: وَإِلَّا، أَيْ: وَإِنْ لَمْ نَقُلْ: إنَّ زِيَادَتَهُ لِتَتْمِيمِ الْأَقْسَامِ فَلَا يَصِحُّ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِثْلُهُ فِي وُجُوبِ الِاعْتِقَادِ. (قَوْلُهُ: إنَّ الْمُبَاحَ) لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ بَلْ هُوَ نَوْعَانِ لِجِنْسٍ وَهُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فَهُمَا مَفْهُومَانِ مُتَبَايِنَانِ كَالْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَأَحَدُ الْمُتَبَايِنَيْنِ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْآخَرِ، فَلَوْ كَانَ جِنْسًا لَهُ لَوَجَبَ صِدْقُهُ عَلَيْهِ كَصِدْقِ الْحَيَوَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُمَا مَأْذُونٌ فِي فِعْلِهِمَا) أَفَادَ هَذَا التَّعْلِيلُ أَنَّ الْمُبَاحَ وَالْوَاجِبَ انْدَرَجَا تَحْتَ أَمْرٍ كُلِّيٍّ وَهُوَ إنَّمَا يُفِيدُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ قِسْمٌ لِلْوَاجِبِ وَلَيْسَ هُوَ الْمُدَّعِي وَالتَّعْلِيلُ الَّذِي يُفِيدُهُ هُوَ أَنَّ الْمُبَاحَ يَصْدُقُ عَلَى الْوَاجِبِ صِدْقَ الْجِنْسِ عَلَى نَوْعِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَحَطَّ التَّعْلِيلِ قَوْلُهُ: وَاخْتَصَّ الْوَاجِبُ إلَخْ. (قَوْلُهُ: بِفَصْلِ الْمَنْعِ مِنْ التَّرْكِ) أَيْ فَيَكُونُ مُنْدَرِجًا تَحْتَهُ مُمْتَازًا عَنْهُ بِهَذَا الْفَصْلِ، وَقَوْلُهُ: بِفَصْلِ الْمَنْعِ، الْإِضَافَةُ بَيَانِيَّةٌ. (قَوْلُهُ: قُلْنَا وَاخْتَصَّ الْمُبَاحَ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا لَهُ وَلَا يَصِحُّ إلَّا إذَا أُخِذَ الْمُبَاحُ عَلَى عُمُومِهِ فَحَيْثُ وُجِدَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَصْلٌ مُبَايِنٌ لِلْآخَرِ كَانَا مُتَبَايِنَيْنِ تَبَايُنًا كُلِّيًّا لَا يَصْدُقُ شَيْءٌ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَهُمَا نَوْعَانِ لِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى السَّوَاءِ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْمُبَاحِ الْوَاجِبَ سَوَاءً فِي

стр. 223

فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى إذْ الْمُبَاحُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَيْ الْمَأْذُونِ فِيهِ جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ اتِّفَاقًا وَبِالْمَعْنَى الثَّانِي أَيْ الْمُخَيَّرِ فِيهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ غَيْرُ جِنْسٍ لَهُ اتِّفَاقًا. (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّهُ) أَيْ الْمُبَاحَ (غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ) فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مَنْدُوبٍ وَقَالَ الْكَعْبِيُّ: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ أَيْ وَاجِبٌ إذْ مَا مِنْ مُبَاحٍ إلَّا وَيَتَحَقَّقُ بِهِ تَرْكُ حَرَامٍ مَا فَيَتَحَقَّقُ بِالسُّكُوتِ تَرْكُ الْقَذْفِ وَبِالسُّكُوتِ تَرْكُ الْقَتْلِ وَمَا يَتَحَقَّقُ بِالشَّيْءِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ كَمَا سَيَأْتِي فَالْمُبَاحُ وَاجِبٌ وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ ــ [حاشية العطار] اخْتِصَاصِ كُلٍّ بِقَيْدٍ أَوْ حَالٍ مِنْ الْإِذْنِ فِي التَّرْكِ أَيْ حَالَةَ كَوْنِهِ مُسَاوِيًا لِلْإِذْنِ فِي الْفِعْلِ. (قَوْلُهُ: فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى) تَفْرِيعٌ عَلَى مَجْمُوعِ تَعْلِيلِ الْمُخَالِفِ وَرَدِّهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمُبَاحَ بِمَعْنَى الْمَأْذُونِ فِيهِ جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ، وَأَمَّا بِمَعْنَى الْمُخَيَّرِ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ فَهُوَ مُقَابِلٌ لَهُ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا لَهُ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَمَفْهُومُ الْوَاجِبِ اُعْتُبِرَ فِيهِ مَنْعُ التَّرْكِ وَيَجِبُ تَحَقُّقُ مَفْهُومِ الْجِنْسِ فِي نَوْعِهِ، فَلَوْ كَانَ جِنْسًا لَهُ لَلَزِمَ اجْتِمَاعُ النَّقِيضَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَلِلْمُبَاحِ اسْتِعْمَالَانِ فَلَمْ يَتَوَارَدْ الْقَوْلَانِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَمَا قَالَهُ النَّاصِرُ أَنَّ الْخِلَافَ وَارِدٌ عَلَى الْمُبَاحِ بِمَعْنَى الْمُخَيَّرِ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ غَيْرُهُ مُعَارَضٌ بِمَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ، وَفُسِّرَتْ الْإِبَاحَةُ بِرَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَى الْفِعْلِ فَيَنْدَرِجُ فِيهَا الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمَكْرُوهُ وَالْمُبَاحُ وَلَا يَخْرُجُ سِوَى الْحَرَامِ، وَهَذَا هُوَ تَفْسِيرُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَإِنَّمَا فَسَّرَهَا بِمُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ الْمُتَأَخِّرُونَ نَعَمْ اعْتِرَاضُهُ بِأَنَّ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ يُفْضِي إلَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ وَالْأَصَحَّ غَيْرُ صَحِيحٍ مُتَوَجِّهٌ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ التَّصْحِيحَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْأَوَّلِ مُوَافِقًا لِلْمَشْهُورِ وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ) الضَّمِيرُ لِلْمَعْنَى الثَّانِي. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ هُوَ) أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ حَيْثُ لَا تُضَافُ إلَّا إلَى الْجُمَلِ وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يُوهِمُ تَقْيِيدَ مَحَلِّ الْخِلَافِ بِذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَاللَّائِقُ أَنْ يَقُولَ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ كَالَّتِي قَبْلَهَا تَنْبِيهًا بِالْفَاءِ وَأَيْ عَلَى وَجْهِ كَوْنِهِ لَفْظِيًّا مَعَ إفَادَةِ كَوْنِ الْخِلَافِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا أَيْضًا لَفْظِيًّا. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ هَذَا الْإِيهَامَ مُنْدَفِعٌ بِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ اتِّحَادِ مَحَلِّ الْخِلَافِ فَيَكُونُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ مِنْ حَيْثُ هُوَ بَيَانٌ مِنْهُ لِمُرَادِهِمْ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْحَيْثِيَّةَ لِلْإِطْلَاقِ فَلَا يَرِدُ شَيْءٌ. (قَوْلُهُ: أَيْ وَاجِبٌ) فُسِّرَ الْمَأْمُورُ بِهِ بِالْوَاجِبِ مَعَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ أَعَمُّ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمَنْدُوبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الَّذِي يُنْتِجُهُ دَلِيلُ الْكَعْبِيِّ (وَاعْلَمْ) أَنَّ دَلِيلَ الْكَعْبِيِّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ هَكَذَا فِعْلُ الْمُبَاحِ تَرْكُ الْحَرَامِ وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ فَأَوْرَدَ عَلَى الصُّغْرَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِعْلَ الْمُبَاحِ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَامِ بَلْ هُوَ شَيْءٌ يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ، فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ كَذَلِكَ مُنِعَتْ الْكُبْرَى بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الشَّيْءِ وُجُوبُ الْمُعَيَّنِ الَّذِي يَحْصُلُ الْوَاجِبُ بِهِ إذْ يُمْكِنُ حُصُولُهُ بِغَيْرِهِ وَهُنَا كَذَلِكَ لِإِمْكَانِ تَرْكِ الْحَرَامِ بِفِعْلِ غَيْرِ الْمُبَاحِ، فَأُجِيبَ عَنْ هَذَا الْمَنْعِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ بِمَعْنَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي تَرْكِ الْحَرَامِ هُوَ ذَلِكَ الْمُبَاحُ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَتَحَقَّقُ فِيهِ ذَلِكَ التَّرْكُ، فَذَلِكَ الْمُبَاحُ وَاجِبٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ بِكُلٍّ مِنْهَا الْوَاجِبُ الَّذِي هُوَ تَرْكُ الْحَرَامِ لَا مِنْ حَيْثُ

стр. 224

كَالْمَكْرُوهِ (وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ) أَيْ رَاجِعٌ إلَى اللَّفْظِ دُونَ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْكَعْبِيَّ قَدْ صَرَّحَ بِمَا يُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلِهِ مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ فَلَمْ يُخَالِفْ غَيْرَهُ وَمِنْ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ مَا عَرَضَ لَهُ مِنْ تَحَقُّقِ تَرْكِ الْحَرَامِ بِهِ، وَغَيْرُهُ لَا يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْإِبَاحَةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ) إذْ هِيَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ ــ [حاشية العطار] خُصُوصُهُ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُخَيَّرَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مِنْ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ لَا يُقَالُ يَكْفِي التَّعْيِينُ النَّوْعِيُّ وَهُوَ حَاصِلٌ بِكَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَوْ مُبَاحًا. قُلْنَا: لَا بُدَّ فِي التَّعْيِينِ النَّوْعِيِّ مِنْ تَعْيِينِ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ كَالصَّوْمِ وَالْإِعْتَاقِ مَثَلًا إذْ لَا يَكْفِي مُجَرَّدٌ اعْتِبَارِيٌّ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْعَامَّةِ وَالشَّارِحُ ﵀ لَمَّا رَأَى تَوَجُّهَ الْمَنْعِ عَلَى الصُّغْرَى عَدَلَ إلَى الْأُسْلُوبِ الَّذِي ذَكَرَهُ، ثُمَّ أَنَّهُ طَوَى الصُّغْرَى وَذَكَرَ ثَلَاثَ مُقَدِّمَاتٍ تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْأُولَى أَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ يَتَحَقَّقُ بِهِ تَرْكُ حَرَامٍ. الثَّانِيَةُ: تَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ. الثَّالِثَةُ: مَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الشَّيْءُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ فَهُوَ الْكُبْرَى فَنَظْمُ الْقِيَاسِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ هَكَذَا الْمُبَاحُ شَيْءٌ لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَكُلُّ شَيْءٍ لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ يُنْتِجُ الْمُبَاحُ وَاجِبٌ. (قَوْلُهُ: كَالْمَكْرُوهِ) ، فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ مُحَرَّمٌ وَمِثْلُهُ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ بِالْأَوْلَى قَالُوا: وَيَتَحَقَّقُ بِالْحَرَامِ أَيْضًا فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْجِهَتَانِ كَالصَّلَاةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ وَفِي كَوْنِ الْحَرَامِ الْمُتَلَبِّسِ بِهِ ذَا جِهَتَيْنِ تَوَقُّفٌ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّهَافُتِ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ حِينَئِذٍ طَلَبَ فِعْلٍ وَمَنْعٍ وَلَيْسَ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ. فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ دَرَجَاتِ الْحَرَامِ مُتَفَاوِتَةٌ كَالسُّكْرِ مَثَلًا وَالْقَتْلِ فَيُجْعَلُ الْأَوَّلُ وَسِيلَةً لِدَفْعِ الثَّانِي وَكَقُبْلَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ لِتَرْكِ الزِّنَا بِهَا مَثَلًا فَيُدْفَعُ أَشَدُّ الضَّرَرَيْنِ بِأَخَفِّهِمَا وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا إذَا تَسَاوَيَا، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ مُبَاحٍ يَتَحَقَّقُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْحَرَامِ هُوَ الْكَفُّ الْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ وَالْكَفُّ عَنْ شَيْءٍ يَقْتَضِي أَنْ يُقْصَدَ وَأَنْ يَخْطُرَ ذَلِكَ الشَّيْءُ بِالْبَالِ فَمَنْ لَمْ يَقْصِدْ الْكَفَّ عَنْ شَيْءٍ وَفَعَلَ مُبَاحًا مَثَلًا وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ الْحَرَامُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ كَفٌّ فَلَا يَكُونُ آتِيًا بِتَرْكِ الْحَرَامِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ آثِمٍ فَاجْتِمَاعُ تَرْكِ الْحَرَامِ وَفِعْلِ الْمُبَاحِ أَوْ غَيْرِهِ غَيْرُ لَازِمٍ، وَإِنْ اجْتَمَعَا فَالْوَاجِبُ الْكَفُّ لَا مَا يُقَارِنُهُ مِنْ مُبَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى وَالدَّلِيلَ فِي مُصَادَمَةِ الْإِجْمَاعِ فَلَا يُسْمَعَانِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُبَاحَ وَالْوَاجِبَ قِسْمَانِ مُتَبَايِنَانِ وَأَنَّ الْأَوَّلَ جَائِزُ التَّرْكِ دُونَ الثَّانِي، وَمِنْهَا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَا هُوَ تَرْكُ الْحَرَامِ يَكُونُ وَاجِبًا وَإِنَّمَا يَكُونُ وَاجِبًا إذَا حُمِدَ فَاعِلُهُ وَذُمَّ تَارِكُهُ فَالْفِعْلُ الَّذِي زَعَمْت أَنَّهُ فِعْلُ الْمُبَاحِ وَتَرْكُ الْحَرَامِ إنْ قُصِدَ بِهِ التَّعَبُّدُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ فِعْلُ الْمُبَاحِ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَا يُحْمَدُ فَاعِلُهُ، وَهَذَا يُحْمَدُ فَاعِلُهُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ) ظَاهِرُ تَقْرِيرِ الشَّارِحِ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْخُلْفِ بَيْنَ الْكَعْبِيِّ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ كَوْنَ الْخُلْفِ الَّذِي قَبْلَهُ لَفْظِيًّا مِمَّا أَفَادَهُ الشَّارِحُ، وَكَانَ مُسْتَنَدُهُ فِي ذَلِكَ كَوْنَ الْمُصَنِّفِ أَشَارَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ إلَى أَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ فِي مَسْأَلَةِ الْكَعْبِيِّ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمِثْلِ ذَلِكَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْخُلْفِ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْخُلْفِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً وَلَا مَانِعَ مِنْ الْحَمْلِ عَلَيْهِ قَالَهُ الْكَمَالُ. (قَوْلُهُ: قَدْ صَرَّحَ) أَيْ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ. (قَوْلُهُ: كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ) مِنْ هُنَا أَخَذَ سم جَوَابُهُ عَنْ بَحْثِ الْكَمَالِ السَّابِقِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالْأَصَحِّ بِمَعْنَى الْأَوْلَى وَإِلَّا إذَا كَانَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا لَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى. (قَوْلُهُ: إذْ هِيَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ) أَشَارَ بِهِ مَعَ قَوْلِهِ فِي تَعْلِيلِ مُقَابِلِ الْأَصَحِّ بِقَوْلِهِ: إذْ هِيَ انْتِفَاءُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ إلَى ابْتِنَاءِ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْخِلَافِ فِي تَفْسِيرِ الْإِبَاحَةِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ لَمْ

стр. 225

الْمُتَوَقِّفِ وُجُودُهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْعِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ لَا إذْ هِيَ انْتِفَاءُ الْحَرَجِ عَنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَهُوَ ثَابِتٌ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَهُ. (وَ) الْأَصَحُّ (أَنَّ الْوُجُوبَ) لِشَيْءٍ (إذَا نُسِخَ) كَأَنْ قَالَ الشَّارِعُ نَسَخْتُ وُجُوبَهُ (بَقِيَ الْجَوَازُ) لَهُ الَّذِي كَانَ فِي ضِمْنِ وُجُوبِهِ مِنْ الْإِذْنِ فِي الْفِعْلِ بِمَا يُقَوِّمُهُ مِنْ الْإِذْنِ فِي التَّرْكِ الَّذِي خَلَفَ الْمَنْعُ مِنْهُ إذْ لَا قِوَامَ لِلْجِنْسِ بِدُونِ فَصْلٍ وَلَا إرَادَةَ ذَلِكَ قَالَ (أَيْ عَدَمُ الْحَرَجِ) يَعْنِي فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِنْ الْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ بِالْمَعْنَى الشَّامِلِ لِخِلَافِ الْأَوْلَى إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا (وَقِيلَ) الْجَوَازُ الْبَاقِي بِمُقَوِّمِهِ (الْإِبَاحَةَ) إذْ بِارْتِفَاعِ الْوُجُوبِ يَنْتَفِي الطَّلَبُ فَيَثْبُتُ التَّخْيِيرُ (وَقِيلَ) هُوَ (الِاسْتِحْبَابُ) إذْ الْمُتَحَقِّقُ بِارْتِفَاعِ الْوُجُوبِ انْتِفَاءُ الطَّلَبِ الْجَازِمِ فَيَثْبُتُ الطَّلَبُ غَيْرُ الْجَازِمِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا يَبْقَى الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ نَسْخَ الْوُجُوبِ يَجْعَلُهُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ ــ [حاشية العطار] يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى، فَلَوْ أَخَّرَ الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ: وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ، عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِيَعُودَ إلَيْهَا أَيْضًا كَانَ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: إذْ هِيَ انْتِفَاءٌ إلَخْ) فَإِنَّ انْتِفَاءَ الْحَرَجِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِالسُّكُوتِ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ وَلَوْ فَسَّرَ هَذَا الْبَعْضُ الْإِبَاحَةَ بِالتَّخْيِيرِ مَا صَحَّ لَهُ نَفْيُ أَنَّهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلِذَلِكَ قِيلَ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ هُنَا أَيْضًا وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ عَلَى التَّعْرِيفِ أَنَّهُ يَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَجِ مَا يَشْمَلُ اللَّوْمَ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّ الْإِبَاحَةَ فِعْلٌ وَانْتِفَاءَ الْحَرَجِ انْفِعَالٌ فَلَا يَصِحُّ التَّفْسِيرُ وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ نَقْلِ الِاصْطِلَاحِ مَا هُوَ فِعْلٌ إلَى مَا هُوَ انْفِعَالٌ. (قَوْلُهُ: إذْ نُسِخَ) أَيْ مَعَ عَدَمِ بَيَانِ مَا نُسِخَ إلَيْهِ، فَإِنْ بَيَّنَ اُتُّبِعَ. (قَوْلُهُ: بِمَا) الْبَاءُ بِمَعْنَى مَعَ وَمَا وَاقِعَةٌ عَلَى فَصْلٍ. (قَوْلُهُ: إذْ لَا قِوَامَ) ، أَيْ: تَحَقُّقَ ضَرُورَةِ انْتِفَاءِ الْمَعْلُولِ لِانْتِفَاءِ عِلَّتِهِ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ عِلَّةٌ لِوُجُودِ حِصَّةِ النَّوْعِ مِنْ الْجِنْسِ فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُ الْجِنْسِ مُجَرَّدًا عَنْ الْفَصْلِ. وَقَدْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَطَالِعِ كَوْنُ الْفَصْلِ عِلَّةً لِحِصَّةِ النَّوْعِ مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ إنَّمَا يَتَخَصَّصُ بِمُقَارَنَةِ الْفَصْلِ، فَمَا لَمْ يُعْتَبَرْ الْفَصْلُ لَا يَصِيرُ حِصَّةً. (قَوْلُهُ: لِلْجِنْسِ) وَهُوَ الْإِذْنُ فِي الْفِعْلِ، فَإِنَّهُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْكَرَاهَةِ. (قَوْلُهُ: عَدَمُ الْحَرَجِ) أَيْ عَدَمُ الْإِثْمِ فَلَا يَرِدُ بَحْثُ النَّاصِرِ بِأَنَّ عَدَمَ الْحَرَجِ يُخْرِجُ الْمَكْرُوهَ فَلَا يَصِحُّ شُمُولُ الْجَوَازِ لَهُ وَحَاصِلُ رَدِّهِ أَنَّ الْجَوَازَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَهُوَ عَدَمُ الْإِثْمِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْجَوَازُ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ أَيْ عَدَمُ الْحَرَجِ فَالْخِلَافُ فِي التَّفْسِيرِ وَلَيْسَ مُقَابِلًا لِقَوْلِهِ بَقِيَ الْجَوَازُ وَيَأْتِي مُقَابِلُهُ فِي قَوْلِهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ (قَوْلُهُ: يَنْتَفِي الطَّلَبُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفْيَ يَنْصَبُّ عَلَى الْقَيْدِ وَالْمُقَيَّدِ مَعًا، وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْغَالِبِ مِنْ انْصِبَابِهِ عَلَى الْقَيْدِ. (قَوْلُهُ: فَيَثْبُتُ التَّخْيِيرُ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَالِبَ انْصِبَابُ النَّفْيِ عَلَى الْقَيْدِ. (قَوْلُهُ: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ كَأَنْ لَمْ يُوجَدْ وُجُوبٌ. (قَوْلُهُ:

стр. 226

وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ لِمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ تَحْرِيمٍ أَوْ إبَاحَةٍ أَيْ لِكَوْنِ الْفِعْلِ مَضَرَّةً أَوْ مَنْفَعَةً كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ الْخَامِسِ. (مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ) مُبْهَمٍ (مِنْ أَشْيَاءَ) مُعَيَّنَةٍ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَإِنَّ فِي أَيَّتِهَا الْأَمْرَ بِذَلِكَ تَقْدِيرًا (يُوجِبُ وَاحِدًا) مِنْهَا (لَا بِعَيْنِهِ) ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ ــ [حاشية العطار] لِمَا كَانَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ: مِنْ تَحْرِيمٍ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّحْرِيمُ الشَّرْعِيُّ وَالْإِبَاحَةُ الشَّرْعِيَّةُ لَا التَّحْرِيمُ وَالْإِبَاحَةُ الثَّابِتَتَانِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَلَا يُنَافِيهِ مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ حِكْمَةُ الْحُكْمِ لَا عِلَّةٌ مُثَبِّتَةٌ لَهُ كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ. [مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ يُوجِبُ وَاحِدًا مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ] (قَوْلُهُ: الْأَمْرُ بِوَاحِدٍ) فِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِوَاحِدٍ مَعْنَاهُ هُنَا إيجَابُهُ فَيَتَحَدَّ الْمَحْمُولُ وَالْمَوْضُوعُ وَذَلِكَ مَانِعٌ مِنْ الْحَمْلِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى اللَّفْظِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ يُوجِبُ دُونَ إيجَابٍ، هَذَا مُلَخَّصُ مَا فِي النَّاصِرِ وَقَالَ سم: يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ فِيهِمَا عَلَى اللَّفْظِيِّ أَوْ النَّفْسِيِّ لَكِنَّ الْأَوَّلَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ وَالثَّانِيَ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ أَيْ الْأَمْرُ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ ظَاهِرًا يُوجِبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ فِي الْوَاقِعِ، وَقَوْلُهُ: يُوجِبُ لَا يُعَيِّنُ الْحَمْلَ عَلَى اللَّفْظِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ لِلْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً أَوْ مَعْنَاهُ يَثْبُتُ أَوْ يَسْتَلْزِمُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلظَّاهِرِ إلَّا الْأَمْرُ اللَّفْظِيُّ وَلَا لِلْوَاقِعِ إلَّا الْأَمْرُ النَّفْسِيُّ فَلَمْ يَخْرُجْ عَمَّا قَالَهُ النَّاصِرُ. (قَوْلُهُ: مُبْهَمٌ) أَيْ فِي الظَّاهِرِ فَيُجَامِعُ الْأَقْوَالَ الْآتِيَةَ. (قَوْلُهُ: مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ) أَيْ بِنَوْعِهَا كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ أَوْ بِشَخْصِهَا كَقَوْلِ الشَّارِعِ أَعْتِقْ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ تَصَدَّقْ بِهَذَا الدِّينَارِ كَذَا قَالُوا. وَفِيهِ أَنَّ هَذِهِ صُورَةٌ فَرْضِيَّةٌ وَإِلَّا فَالْأَوَامِرُ الْوَاقِعَةُ مِنْ الشَّارِعِ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالنَّوْعِ، وَتَشَخُّصُهُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّلَبُّسِ فِيهِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ تَعَيُّنُهَا لِعَدَمِ وُقُوعِ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِأَمْرٍ مُبْهَمٍ مِنْ أُمُورٍ مُبْهَمَةٍ؛ لِأَنَّهُ وُقُوعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَهُوَ بَاطِلٌ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ إذَا شُرِعَ التَّخْيِيرُ بِنَصٍّ، فَإِنْ شُرِعَ بِغَيْرِهِ كَتَخْيِيرِ الْمُسْتَنْجِي بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ وَالتَّخْيِيرُ فِي الْحَجِّ بَيْنَ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ فَلَا مَدْخَلَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ لَكِنَّ الْجُوَيْنِيَّ جَعَلَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ مِنْهَا اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْوَجْهُ عَدَمُ تَقْيِيدِهَا بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْخِلَافُ فِي أَصْلِهَا، وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى فِعْلِ الْمُكَلَّفِ فَمَسْأَلَةُ الْحَجِّ خَارِجَةٌ عَنْ ذَلِكَ اهـ. قَالَ سم وَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ الْوَجْهُ مِنْ عَدَمِ التَّقْيِيدِ هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ الصَّوَابُ الَّذِي لَا مَعْنَى لِلْمُخَالَفَةِ فِيهِ فَيَكُونُ ضَابِطُ الْمَسْأَلَةِ سُقُوطَ الْوَاجِبِ بِوَاحِدٍ مِنْ أَمْرَيْنِ أَوْ أُمُورٍ سَوَاءٌ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ ذَلِكَ بِنَصٍّ أَوْ لَا إذْ لَا وَجْهَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ) وَمَسْأَلَةُ تَخْيِيرِ الْمُسْتَنْجِي بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ وَالتَّخْيِيرِ فِي الْحَجِّ بَيْنَ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: تَقْدِيرًا) أَيْ مَعْنًى، فَإِنَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ خَبَرًا فَالْمَعْنَى عَلَى الْأَمْرِ. (قَوْلُهُ: يُوجِبُ) مِنْ قَبِيلِ الْإِسْنَادِ لِلْمَصْدَرِ وَالْمُوجِبُ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ لَا الْأَمْرُ وَمِثْلُ هَذَا الْإِيجَابِ النَّدْبُ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْكَرَاهَةِ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْرِيمِ الْآتِيَةِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ)

стр. 227

بَيْنَهَا فِي ضِمْنٍ أَيْ مُعَيَّنٍ لَهَا ــ [حاشية العطار] شَامِلٌ لِلْمُتَوَاطِئِ وَالْمُشَكِّكِ كَذَا قَالُوا أَوْ الْمُتَّجَهُ أَنَّهُ دَائِمًا مِنْ قَبِيلِ الْمُشَكِّكِ، وَأَمَّا تَمْثِيلُ الْمُتَوَاطِئِ بِقَوْلِهِ أَعْتِقْ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ ذَلِكَ الْعَبْدَ فَهُوَ أَمْرٌ فَرْضِيٌّ كَمَا قَدَّمْنَا وَإِلَّا فَمَوَارِدُ النُّصُوصِ كُلِّهَا مِنْ قَبِيلِ الْمُشَكِّكِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ أَشْيَاءَ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهَا ضَرُورَةً بَلْ كُلٌّ مِنْهَا وَاحِدٌ مِنْهُ اهـ. وَهُوَ إشْكَالٌ يَرِدُ عَلَى ظَاهِرِ الْعِبَارَةِ وَالشَّارِحُ صَرَفَهَا عَنْ الظَّاهِرِ مِمَّا يَنْدَفِعُ بِهِ هَذَا الْإِشْكَالُ وَإِشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْوَاحِدَ بِمَا هُوَ وَاحِدٌ إنَّمَا يُوجَدُ فِي الذِّهْنِ لَا فِي الْخَارِجِ فَلَا يُطْلَبُ وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْوَاحِدُ الْوُجُودِيُّ الْجُزْئِيُّ بِاعْتِبَارِ مُطَابَقَتِهِ لِلْحَقِيقَةِ الذِّهْنِيَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ جُزْئِيَّتِهِ، وَرَدَّهُ الْعَلَّامَةُ الشِّيرَازِيُّ بِأَنَّهُ يُنَافِي كَوْنَ الْوَاجِبِ هُوَ الْمُشْتَرَكُ بَلْ الْجَوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ طَلَبُهُ فِي ضِمْنِ الْأَفْرَادِ وَالْمُسْتَحِيلُ طَلَبُهُ دُونَهَا. وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي ضِمْنٍ أَيْ مُعَيَّنٍ إلَخْ وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَفْهُومَ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا ضَرُورَةَ تَحَقُّقِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَهُوَ أَمْرٌ كُلِّيٌّ صَادِقٌ عَلَى جُزْئِيَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَهُوَ فِي نَفْسِهِ لَا يَتَحَصَّلُ إلَّا فِي ضِمْنِهَا فَإِذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْوُجُوبُ وَالتَّخْيِيرُ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِهِ جَوَازُ التَّرْكِ وَعَدَمُهُ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: أَوْجَبْت عَلَيْك أَحَدَهُمَا وَأَجَزْت لَك تَرْكَ أَحَدِهَا، وَهَذَا لَيْسَ الْإِيجَابُ وَالتَّخْيِيرُ بِالْقِيَاسِ إلَى هَذَا الْكُلِّيِّ فِي نَفْسِهِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ أَيُّهَا فَعَلْت جَازَ لَك تَرْكُ الْبَاقِي فَلَيْسَ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ مِنْ تِلْكَ الْأَفْرَادِ مَوْصُوفًا بِجَوَازِ التَّرْكِ عَلَى التَّعْيِينِ أَوْ بِالْوُجُوبِ عَلَى التَّعْيِينِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ يَصْلُحُ عَلَى الْبَدَلِ بِهَذَا تَارَةً وَبِذَلِكَ أُخْرَى، وَلَيْسَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ بِهَذَا الْمَعْنَى مُمْتَنِعًا إنَّمَا الْمُمْتَنِعُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ وَاجِبٍ قَدْ اتَّصَفَ بِالْوُجُوبِ عَلَى التَّعْيِينِ كَالصَّلَاةِ وَأَكْلِ الْخُبْزِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ مَفْهُومَ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ فِي نَفْسِهِ مُعَيَّنٌ وَالْإِبْهَامُ إنَّمَا هُوَ مِنْ خُصُوصِيَّةِ مَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ فَلَا يَرِدُ

стр. 228

لِأَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِهِ (وَقِيلَ) يُوجِبُ (الْكُلَّ) فَيُثَابُ بِفِعْلِهَا ثَوَابَ فِعْلِ وَاجِبَاتٍ وَيُعَاقَبُ بِتَرْكِهَا عِقَابَ تَرْكِ وَاجِبَاتٍ (وَيَسْقُطُ) الْكُلُّ الْوَاجِبُ (بِوَاحِدٍ) مِنْهَا حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنْهَا بِخُصُوصِهِ عَلَى وَجْهِ الِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا قُلْنَا: إنْ سَلِمَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الْكُلِّ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ (وَقِيلَ الْوَاجِبُ) ــ [حاشية العطار] الْإِشْكَالُ بِأَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ مَجْهُولٌ لَا يُكَلَّفُ بِهِ وَبِأَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ، فَإِنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ فَهُوَ مُعَيَّنٌ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِهِ) ضَمِيرُهُ يَعُودُ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بِاعْتِبَارِ تَحَقُّقِهِ فِي ضِمْنٍ مِنْهَا، وَفِي صِيغَةِ الْحَصْرِ إشَارَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْحَاجِبِ فِي قَوْلِهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ الْوَاحِدُ الْوُجُودِيُّ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: فَيُثَابُ بِفِعْلِهَا ثَوَابَ فِعْلِ وَاجِبَاتٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَمَا قَبْلَهُ مَعْنَوِيٌّ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ كَالْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِمَا وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَى أَنَّهُ لَفْظِيٌّ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ نَقَلَ أَصْحَابُ الْمَقَالَاتِ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ قَالَ: الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا، وَإِنْ صَحَّ هَذَا النَّقْلُ فَلَيْسَ آيِلًا فِي التَّحْقِيقِ إلَى خِلَافٍ مَعْنَوِيٍّ وَقُصَارَاهُ نِسْبَةُ الْخَصْمِ إلَى الْحَيْفِ فِي الْعِبَارَةِ، فَإِنَّ أَبَا هَاشِمٍ اعْتَرَفَ بِأَنَّ تَارِكَ الْخِلَالِ لَا يَأْثَمُ إثْمَ مَنْ تَرَكَ وَاجِبَاتٍ وَمَنْ أَتَى بِهَا جَمِيعًا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ ثَوَابُ وَاجِبَاتٍ وَيَقَعُ الِامْتِثَالُ بِوَاحِدَةٍ فَلَا يَبْقَى مَعَ هَذَا لِوَصْفِ الْخِلَالِ بِالْوُجُوبِ تَحْصِيلٌ وَتَأْوِيلُ هَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ الْهَاشِمِيَّةِ أَنَّ مَا مِنْ خَصْلَةٍ مِنْ الْخِصَالِ الَّتِي وَقَعَ التَّخْيِيرُ فِيهَا إلَّا وَهِيَ لَوْ فُرِضَتْ وَاقِعَةً لَكَانَتْ وَاجِبَةً اهـ. كَمَا تَرَى رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، وَكَانَ مَنْ جَعَلَ الْخِلَافَ مَعْنَوِيًّا نَظَرَ لِظَاهِرِ مَقَالَتِهِمْ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ أَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ عَلَى الْكُلِّ، وَقَدْ نَقَلَ الْآمِدِيُّ أَيْضًا عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ إلَّا عَلَى الْبَعْضِ. (قَوْلُهُ: وَيُعَاقَبُ بِتَرْكِهَا) لَمْ يُقْبَلْ هُنَا إنْ عُوقِبَ كَمَا قَالَهُ فِيمَا سَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ تَقْرِيرِ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِتَخَلُّفِ الْعِقَابِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنْهَا) دَلِيلٌ لِدُخُولِ الْكُلِّ وَالسُّقُوطِ بِوَاحِدٍ وَاعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ يُخَالِفُ مَوْضُوعَ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الشَّارِحَ أَشَارَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ قُلْنَا: إنْ سَلِمَ إلَخْ، فَإِنَّهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ أَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ بِكُلِّ وَاحِدٍ بِخُصُوصِهِ فَهُوَ مَنْعٌ لَهُ وَمَنْعُهُ يُشِيرُ إلَى مُخَالَفَتِهِ لِغَرَضِ الْمَسْأَلَةِ اهـ. عَلَى أَنَّك قَدْ سَمِعْت أَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي التَّحْقِيقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلْفَ لَفْظِيٌّ. (قَوْلُهُ: إنْ سَلِمَ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّ الْأَمْرَ تَعَلَّقَ بِكُلٍّ مِنْهَا بِخُصُوصِهِ وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى مَنْعِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ تَنْزِيلًا لَا يَسْتَلْزِمُ الْمَطْلُوبَ وَهُوَ وُجُوبُ الْكُلِّ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُ يُثَابُ بِفِعْلِهَا ثَوَابَ فِعْلِ وَاجِبَاتٍ وَيُعَاقَبُ بِتَرْكِهَا عِقَابَ تَرْكِ وَاجِبَاتٍ. (قَوْلُهُ: لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُوبُ الْكُلِّ) لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا بَدَلِيًّا. (قَوْلُهُ: مَا ذُكِرَ) أَيْ مِنْ أَنَّهُ يُثَابُ بِفِعْلِهَا ثَوَابَ فِعْلِ وَاجِبَاتٍ وَيُعَاقَبُ بِتَرْكِهَا عِقَابَ تَرْكِ وَاجِبَاتٍ

стр. 229

فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهَا (مُعَيَّنٌ) عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى إذْ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْآمِرُ الْمَأْمُورَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ طَالَبَهُ وَيَسْتَحِيلُ طَلَبُ الْمَجْهُولِ. (فَإِنْ فَعَلَ) الْمُكَلَّفُ الْمُعَيَّنَ فَذَاكَ، وَإِنْ فَعَلَ (غَيْرُهُ) مِنْهَا (سَقَطَ) الْوَاجِبُ بِفِعْلِ ذَلِكَ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي الظَّاهِرِ بِغَيْرِ مُعَيَّنٍ قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ عِلْمِ الْآمِرِ الْمَأْمُورَ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا عِنْدَهُ بَلْ يَكْفِي فِي عِلْمِهِ بِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَمَيِّزًا عِنْدَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ عَلَى قَوْلِنَا: التَّمَيُّزُ أَحَدُ الْمُعَيَّنَاتِ الْمُبْهَمُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنُهَا (وَقِيلَ هُوَ) أَيْ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ (مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ) لِلْفِعْلِ ــ [حاشية العطار] (قَوْلُهُ: فِي ذَلِكَ) أَيْ أَنَّ الْأَمْرَ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ. (قَوْلُهُ: مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ) أَيْ وَلَا يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُكَلَّفِينَ بِخِلَافِهِ فِي الْقَوْلِ الْآتِي. (قَوْلُهُ: إذْ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْآمِرُ إلَخْ) إشَارَةً لِقِيَاسٍ اقْتِرَانِيٍّ مِنْ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ هَكَذَا الْوَاجِبُ شَيْءٌ يَلْزَمُ أَنْ يَعْلَمَهُ الْآمِرُ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا عِنْدَهُ إشَارَةً لِلصُّغْرَى بِقَوْلِهِ إذْ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ إلَخْ وَلِبَيَانِهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ طَالِبُهُ وَالْكُبْرَى مَطْوِيَّةٌ. وَقَوْلُهُ: قُلْنَا: لَا يَلْزَمُ إلَخْ مَنْعٌ لِلْكُبْرَى، وَقَوْلُهُ: بَلْ يَكْفِي بَيَانٌ لِسَنَدِ الْمَنْعِ، ثُمَّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ إذْ يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ إلَخْ أَنَّ الْمُرَادَ الْعِلْمُ التَّصَوُّرِيُّ أَيْ تَصَوُّرُ ذَاتِ الشَّيْءِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ ذَاتَ الْأَشْيَاءِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهَا مَعْلُومَةٌ لَهُ تَعَالَى مُتَمَيِّزَةٌ عِنْدَهُ، وَهَذَا غَيْرُ مُفِيدٍ لَهُ بَلْ الْمُرَادُ الْعِلْمُ التَّصْدِيقِيُّ أَيْ الْعِلْمُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ بِأَنَّ الْعِلْمَ الْآمِرَ الْوَاجِبَ حَسْبَمَا أَوْجَبَهُ، وَإِذَا أَوْجَبَ أَحَدَ الْأُمُورِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ أَنْ يَعْلَمَهُ كَذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا أَوْجَبَهُ، وَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ بِمَا يَفْعَلُهُ كُلُّ مُكَلَّفٍ مِنْ خِصَالِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ لَا يُوجِبُ وُجُوبَ ذَلِكَ الْمَفْعُولُ عَيْنًا عَلَى فَاعِلِهِ بَلْ هُوَ عِلْمٌ بِمَا يَسْقُطُ بِهِ عِنْدَ الطَّلَبِ لِأَحَدِهِمَا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا وَيَحْصُلُ بِهِ الِامْتِثَالُ. (قَوْلُهُ: فَذَاكَ) أَيْ فَذَاكَ هُوَ الْمَطْلُوبُ أَوْ ظَاهِرُ. (قَوْلِهِ: لِأَنَّ الْأَمْرَ فِي الظَّاهِرِ) أَيْ وَلَا اطِّلَاعَ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا عِنْدَهُ) بَلْ الْعِلْمُ بِهِ يَتْبَعُ الْأَمْرَ بِهِ. (قَوْلُهُ: عَنْ غَيْرِهِ) أَيْ عَنْ غَيْرِهِ الْمُبْهَمِ أَوْ عَنْ غَيْرِ أَحَدِ الْمُعَيَّنَاتِ الْمُبْهَمِ وَقَوْلُهُ: عَلَى قَوْلِنَا أَيْ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ وَقَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ تَعَيُّنُهَا مُتَعَلِّقٌ بِتَمْيِيزٍ وَالضَّمِيرُ لِلْمُعَيَّنَاتِ أَيْ أَنَّ أَحَدَ الْمُعَيَّنَاتِ الْمُبْهَمِ مُتَمَيِّزٌ مِنْ حَيْثُ تَعْيِينُ تِلْكَ الْمُعَيَّنَاتِ الَّتِي دَارَ بَيْنَهَا وَانْحَصَرَ فِيهَا أَيْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ مُبْهَمٌ مِنْ حَيْثِيَّةِ عَدَمِ تَشَخُّصِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَشَخَّصُ بِتَلَبُّسِ الْفَاعِلِ بِهِ كَمَا هُوَ شَأْنُ سَائِرِ الْأَفْعَالِ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ) الْأَوْضَحُ أَنْ يَقُولَ أَيْ ذَلِكَ الْوَاجِبُ الْمُعَيَّنُ عِنْدَ اللَّهِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُتَفَرِّعٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا

стр. 230

مِنْ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِأَنْ يَفْعَلَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ بِاخْتِلَافِ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِينَ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِأَيٍّ مِنْهَا يَفْعَلُ قُلْنَا الْخُرُوجُ بِهِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ لِكَوْنِهِ أَحَدَهَا لَا لِخُصُوصِهِ لِلْقَطْعِ بِاسْتِوَاءِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ وَالْأَقْوَالُ غَيْرُ الْأَوَّلِ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَهِيَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى نَفْيِ إيجَابِ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ كَنَفَيْهِمْ تَحْرِيمَ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ كَمَا سَيَأْتِي لِمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَ الشَّيْءِ أَوْ إيجَابَهُ لِمَا فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي يُدْرِكُهَا الْعَقْلُ وَإِنَّمَا يُدْرِكُهَا فِي الْمُعَيَّنِ، وَتُعْرَفُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ بِالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ لِتَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِأَيٍّ مِنْ الْأَشْيَاءِ يَفْعَلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ وَاجِبًا عِنْدَنَا. (فَإِنْ فَعَلَ) الْمُكَلَّفُ ــ [حاشية العطار] يُفِيدُهُ كَلَامُ الْعَضُدِ لَكِنَّ الشَّارِحَ فَسَّرَ الضَّمِيرَ بِذَلِكَ لِمُوَافَقَةِ نَظِيرِهِ قَبْلَهُ فَظَاهِرُ صَنِيعِهِ وَالْمُصَنِّفُ كَكَثِيرٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَفَارِيعِهِ وَدَعْوَى دَلَالَةِ قَوْلِ الشَّارِحِ أَنَّ الْأَقْوَالَ غَيْرُ الْأَوَّلِ مُتَّفِقَةٌ إلَخْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْوَاجِبُ الْمُعَيَّنُ عِنْدَ اللَّهِ مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ فَيَكُونُ مِنْ تَفَارِيعِهِ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ نَازَعَ فِيهَا سم. (قَوْلُهُ: مِنْ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا) بَيَانٌ لِمَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ (قَوْلُهُ: بِأَنَّهُ يَفْعَلُهُ) تَفْسِيرٌ لِاخْتِيَارِ بَعْضِهَا لِلْفِعْلِ فَبِفِعْلِهِ يَظْهَرُ وُجُوبُهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ اُخْتُلِفَ إلَخْ) حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ: مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ، أَيْ وَإِنْ لَزِمَ اخْتِلَافُ الْوَاجِبِ بِاخْتِلَافِ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِينَ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: لِلِاتِّفَاقِ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ. (قَوْلُهُ: لِكَوْنِهِ أَحَدَهَا) أَيْ لَا لِكَوْنِهِ صَارَ وَاجِبًا بِاخْتِيَارِهِ، وَهَذَا إبْطَالٌ لِدَعْوَى الْخَصْمِ وَقَوْلُهُ: لِلْقَطْعِ إلَخْ تَحْقِيقٌ لِمُدَّعَانَا. (قَوْلُهُ: لَا لِخُصُوصِهِ) أَيْ كَوْنِهِ مُخْتَارَ الْمُكَلَّفِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَقْوَالُ غَيْرُ الْأَوَّلِ) قَالَ الْكَمَالُ: الْقَوْلُ الْأَخِيرُ وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ وَهُوَ مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ يُسَمَّى قَوْلُ التَّرَاجِمِ لِمَا فِي الْمَحْصُولِ أَنَّهُ قَوْلٌ يَنْسُبُهُ أَصْحَابُنَا إلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَيَنْسُبُهُ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَصْحَابِنَا وَاتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى فَسَادِهِ قَالَ وَالِدُ الْمُصَنِّفِ فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى مِنْهَاجِ الْأُصُولِ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ قَائِلٌ اهـ. وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ ابْنَ الْقَطَّانِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ قَدْ حَكَاهُ عَنْ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ فَكَيْفَ يُنْكَرُ، وَقَدْ وَهَمَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ فَجَعَلَ قَوْلَ التَّرَاجِمِ هُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ. (قَوْلُهُ: لِمَا قَالُوا) عِلَّةٌ لِنَفْيِ إيجَابٍ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ وَتَحْرِيمٍ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ وَقَوْلِهِ مِنْ أَنَّ تَحْرِيمَ إلَخْ نَشْرٌ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِ اللَّفِّ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى نَفْيِ إيجَابٍ إلَخْ، وَقَوْلُهُ: لِمَا فِي فِعْلِهِ إلَخْ خَبَرَانِ وَهُوَ نَشْرٌ عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفِّ مِنْ قَوْلِهِ تَحْرِيمَ الشَّيْءِ أَوْ إيجَابَهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يُدْرِكُهَا فِي الْمُعَيَّنِ) فِيهِ نَظَرٌ إذْ قَدْ تَكُونُ الْمَفْسَدَةُ فِي فِعْلِ الْجَمِيعِ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ دُونَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَلَا يُمْتَنَعُ تَحْرِيمُ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ إذْ بِتَرْكِ أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا تَنْدَفِعُ الْمَفْسَدَةُ فَإِدْرَاكُ الْمَفْسَدَةِ فِي الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّعْيِينِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ادَّعَوْهُ. (قَوْلُهُ: بِالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ نَفْسُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَخْيِيرَ فِيهِ بَلْ فِي أَفْرَادِهِ، يُشِيرُ لِذَلِكَ قَوْلُ الشَّارِحِ لِتَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِ إلَخْ فَيَكُونُ وَصْفُهُ بِالتَّخْيِيرِ فِيهِ مِنْ وَصْفِ الشَّيْءِ بِوَصْفِ مُتَعَلِّقِهِ فَهُوَ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ وَاجِبًا عِنْدَنَا) أَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلِنَا) أَيْ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْفُقَهَاءِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ فِعْلَ الْمُكَلَّفِ إلَخْ)

стр. 231

عَلَى قَوْلِنَا (الْكُلُّ) وَفِيهَا أَعْلَى ثَوَابًا وَعِقَابًا وَأَدْنَى كَذَلِكَ (فَقِيلَ الْوَاجِبُ) أَيْ الْمُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابُ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ كَثَوَابِ سَبْعِينَ مَنْدُوبًا أَخْذًا مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ (أَعْلَاهَا) ثَوَابًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لَأُثِيبَ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ فَضَمُّ غَيْرِهِ إلَيْهِ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا ــ [حاشية العطار] هَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ بِخِلَافِهِ فِي غَيْرِهِ كَمَا فِي الْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ وَمِثْلُهُ مَا إذَا اسْتَعَدَّ جَمَاعَةٌ لِلْإِمَامَةِ الْعُظْمَى بَعْدَ مَوْتِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ نَصْبُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا يَسُوغُ لَهُمْ الزِّيَادَةُ. (قَوْلُهُ: عَلَى قَوْلِنَا) الْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى قَوْلِهِ، فَإِنْ فَعَلَ الْكُلَّ بِأَنْ يَقُولَ فَعَلَى قَوْلِنَا إنْ فَعَلَ الْكُلَّ أَوْ يُؤَخِّرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ فَقِيلَ الْوَاجِبُ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْمَبْنِيَّ عَلَى قَوْلِنَا هُوَ كَوْنُ الْوَاجِبِ مَاذَا لَا فِعْلُ الْكُلِّ. (قَوْلُهُ: أَعْلَى ثَوَابًا) أَيْ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، فَإِنَّ فِيهَا أَعْلَى ثَوَابًا وَهُوَ الْعِتْقُ وَأَعْلَى عِقَابًا وَهُوَ تَرْكُهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ عَاقَبَ بِتَرْكِ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَعْلَاهَا لَعَاقَبَ عَلَى تَرْكِ الْعِتْقِ إذْ الْعِقَابُ عَلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ الْعِقَابِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الْخِصَالِ وَأَدْنَاهَا الْإِطْعَامُ ثَوَابًا مِنْ حَيْثُ فِعْلِهِ وَعِقَابًا مِنْ حَيْثُ تَرْكِهِ. (قَوْلُهُ: كَذَلِكَ) أَيْ ثَوَابًا وَعِقَابًا. (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُثَابُ عَلَيْهِ) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَيْسَ أَعْلَاهَا وَإِنَّمَا هُوَ أَحَدُهَا وَالْعُلُوُّ عَارِضٌ لَهُ كَكَوْنِهِ أَكْثَرَ نَفْعًا أَوْ مُتَعَدِّيًا. (قَوْلُهُ: أَخْذًا مِنْ حَدِيثٍ) وَهُوَ حَدِيثُ سَلْمَانَ مَرْفُوعًا «فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِي غَيْرِهِ» قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ قَابَلَ النَّفَلَ فِيهِ بِالْفَرْضِ فِي غَيْرِهِ وَقَابَلَ الْفَرْضَ فِيهِ بِسَبْعِينَ فَرْضًا فِي غَيْرِهِ، فَأَشْعَرَ هَذَا بِأَنَّ الْفَرْضَ يَزِيدُ عَلَى النَّفْلِ بِسَبْعِينَ دَرَجَةً مِنْ طَرِيقِ الْفَحْوَى لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ إنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَأَيْضًا مَا ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّفَاوُتِ بَيْنَ فَرْضِ رَمَضَانَ وَنَفْلِهِ. وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ الْوَاقِعَيْنِ فِي غَيْرِهِ فَلَا فَكَانَ الْأَوْلَى لِلشَّارِحِ أَنْ يَقُولَ: وَاسْتَأْنَسُوا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ إلَخْ، كَمَا عَبَّرَ بِهِ النَّوَوِيُّ حِينَ ذَكَرَ أَنَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ كَثَوَابِ سَبْعِينَ مَنْدُوبًا وَإِلَّا فَقَوْلُهُ: أَخْذًا بَعْدَ جَزْمِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي هُوَ إلَخْ مُوهِمٌ صِحَّةَ الْحَدِيثِ أَوْ حُسْنَهُ، وَقَوْلُ سم لَا يَضُرُّ ضَعْفُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي جَزْمِ الشَّارِحِ بِهَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ التَّرْغِيبِ فِي الْفَضَائِلِ وَالْحَثِّ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِالْوَاجِبَاتِ وَمِثْلُ ذَلِكَ يَسُوغُ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ بِالضَّعِيفِ غَيْرُ دَافِعٍ لِلِاعْتِرَاضِ. فَإِنَّ قَوْلَهُمْ الْحَدِيثُ الضَّعِيفُ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا وَرَدَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فِي فَضِيلَةِ عَمَلٍ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَعْمَلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ لَا يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ وَلَمْ يُعَارِضْهُ خَبَرٌ صَحِيحٌ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ مِنْ هَذَا، فَإِنَّ الْمَقَامَ إثْبَاتُ حُكْمٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ فِي تَعْبِيرِ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ أَخْذًا الْمُقْتَضِي ذَلِكَ صِحَّةَ الْحَدِيثِ أَوْ ضَعْفَهُ، وَقَدْ كَانَ يَكْفِي الشَّارِحَ أَنْ يَقُولَ الَّذِي هُوَ أَيْ ثَوَابُ الْوَاجِبِ أَفْضَلُ مِنْ ثَوَابِ الْمَنْدُوبِ لِلْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْته عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: لَا يُثِيبُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ) أَيْ ثَوَابَ الْأَكْمَلِ وَإِلَّا، فَمَا قَالَهُ جَارٍ فِيمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى غَيْرِ الْأَعْلَى إذْ ثَوَابُ كُلٍّ مِنْهَا لَا يَنْقُصُ عَنْ ثَوَابِ السَّبْعِينَ إلَّا أَنَّهُ فِي الْأَعْلَى أَكْمَلُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ مُرَتَّبًا) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُتَأَخِّرُ هُوَ الْأَعْلَى فَيَكُونُ هُوَ الْمُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ وَمَا قَبْلَهُ ثَوَابُ الْمَنْدُوبِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ قَالَ الْكَمَالُ وَهُوَ غَرِيبٌ وَضَعْفُهُ ظَاهِرٌ هـ. وَهُوَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ الْوَاجِبُ بِالْأَوَّلِ وَقَوْلُ سم: إنَّ الْأَعْلَى لَمَّا كَانَ أَرْجَحَ وَأَكْمَلَ كَانَ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِهِ أَتَمَّ فَيُنْظَرُ إلَيْهِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ حَيْثُ وُجِدَ، وَإِنْ تَأَخَّرَ فِي غَايَةِ التَّهَافُتِ؛ لِأَنَّا إذَا نَظَرْنَا لِلظَّاهِرِ جَزَمْنَا يَقِينًا بِأَنَّ الْوَاجِبَ سَقَطَ بِفِعْلِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا بِالنَّظَرِ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَهُوَ تَرَتُّبُ الثَّوَابِ عَلَى الْأَعْلَى مَثَلًا أَوْ عَلَى غَيْرِهِ فَمِمَّا لَا نَعْلَمُهُ وَلَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: لَا يَنْقُصُهُ) مِنْ بَابِ نَصَرَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ كَمَا هُنَا وَكَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٤] وَيَلْزَمُ كَمَا فِي نَقَصَ الْمَالُ يَنْقُصُ، وَفِي الْمُتَعَدِّي لُغَةٌ أُخْرَى أَدْوَنُ

стр. 232

لَا يُنْقِصُهُ عَنْ ذَلِكَ. (وَإِنْ تَرَكَهَا) بِأَنْ لَمْ يَأْتِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا (فَقِيلَ: يُعَاقَبُ عَلَى أَدْنَاهَا) عِقَابًا إنْ عُوقِبَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ فَقَطْ لَمْ يُعَاقَبْ، فَإِنْ تَسَاوَتْ فَثَوَابُ الْوَاحِدِ وَالْعِقَابُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا فُعِلَتْ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا، وَقِيلَ فِي الْمُرَتَّبِ الْوَاجِبُ ثَوَابًا أَوَّلُهَا تَفَاوَتَتْ أَوْ تَسَاوَتْ لِتَأَدِّي الْوَاجِبِ بِهِ قَبْلَ غَيْرِهِ وَيُثَابُ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ عَلَى كُلٍّ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ لِثَوَابِ الْوَاجِبِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ثَوَابِ الْوَاجِبِ وَالْعِقَابِ أَحَدُهَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ الَّذِي يَقَعُ نَظَرُ التَّأَدِّي الْوَاجِبِ بِهِ وَالتَّحْقِيقُ الْمَأْخُوذُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَحَدُهَا لَا مِنْ حَيْثُ ذَلِكَ الْخُصُوصُ وَإِلَّا لَكَانَ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ وَاجِبًا ــ [حاشية العطار] مِنْ الْأُولَى وَهُوَ التَّشْدِيدُ فِي الْقَافِ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ. (قَوْلُهُ: عَنْ ذَلِكَ) أَيْ ثَوَابِ الْوَاجِبِ. (قَوْلُهُ: فَقِيلَ يُعَاقَبُ عَلَى أَدْنَاهَا) ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى ثَوَابِهِ عَلَى الْأَعْلَى أَنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ لَا يُعَاقَبُ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ الْأَدْنَى كَانَ آتِيًا بِالْوَاجِبِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مُقَابِلَهُ، وَقَدْ ذَكَرَ الشَّارِحُ لَهُ مُقَابِلًا فِي ضِمْنِ التَّحْقِيقِ الْآتِي. (قَوْلُهُ: إنْ عُوقِبَ) إنَّمَا قَالَ: ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ بِخِلَافِ الثَّوَابِ فَلِذَا لَمْ يُقَيِّدْهُ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ فَقَطْ لَمْ يُعَاقَبْ) أَيْ فَضَمُّ غَيْرِهِ إلَيْهِ لَا يَزِيدُهُ عُقُوبَةً. (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَسَاوَتْ) هَذَا مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِهِ وَفِيهَا أَعْلَى ثَوَابًا. (قَوْلُهُ: عَلَى وَاحِدٍ مِنْهَا خَبَرُ) ثَوَابٍ أَيْ عَلَى وَاحِدٍ فِعْلًا فِي الثَّوَابِ أَوْ تَرْكًا فِي الْعِقَابِ. (قَوْلُهُ: فُعِلَتْ مَعًا إلَخْ) أَيْ أَوْ تُرِكَتْ وَلَا يُقَالُ تُرِكَتْ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا؛ لِأَنَّ التَّرْكَ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِالشَّيْءِ وَلَا يُعْقَلُ فِيهِ التَّرْتِيبُ، وَهَذَا تَعْمِيمٌ فِي الِاسْتِوَاءِ وَعَدَمِهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُقَابِلُ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ فِي الْمُرَتَّبِ إلَخْ) هَذَا مُقَابِلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى التَّفْصِيلِ بَيْنَ التَّفَاوُتِ وَالتَّسَاوِي وَعَدَمِ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْمَعِيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَوْجَهُ. وَقَالَ الْكَمَالُ إنَّهُ الظَّاهِرُ الَّذِي يُتَّجَهُ الْجَزْمُ بِهِ، وَإِنَّمَا مَحَلُّ النَّظَرِ فِيمَا إذَا فُعِلَتْ الْخِصَالُ كُلُّهَا مَعًا كَأَنْ قِيلَ لِلْمُكَلَّفِ: وَكَّلْت فُلَانًا فِي الْإِعْتَاقِ وَفُلَانًا فِي الْإِطْعَامِ وَفُلَانًا فِي الْكِسْوَةِ فَقَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ وَضَعَ الطَّعَامَ وَالْكِسْوَةَ وَأَمَرَ الْفُقَرَاءَ الْعِشْرِينَ بِالْأَخْذِ فَأَخَذُوا مَعًا وَاقْتَرَنَ بِذَلِكَ قَوْلُ وَكِيلِ الْعِتْقِ: أَنْتَ حُرٌّ وَتَصَوَّرَ الْمَعِيَّةَ أَيْضًا بِمُبَاشَرَتِهِ الْجَمِيعَ وَبِمُبَاشَرَةِ بَعْضٍ وَالتَّوْكِيلُ فِي بَعْضٍ. (قَوْلُهُ: وَيُثَابُ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ) لَكِنْ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْمُبْهَمِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَدْبِ غَيْرِ الْوَاجِبِ. (قَوْلُهُ: الثَّوَابُ الْوَاجِبُ) مُتَعَلِّقٌ بِذُكِرَ وَاَلَّذِي ذُكِرَ لِثَوَابِ الْوَاجِبِ أَعْلَاهَا فِي الْمُتَفَاوِتَةِ وَأَحَدُهَا فِي الْمُتَسَاوِيَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَأَوَّلُهَا مُطْلَقًا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَقَوْلُهُ: وَيُثَابُ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ يَرْجِعُ لِلْقَوْلَيْنِ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا كُلُّهُ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَتَفَاصِيلِهِمَا وَالْإِثَابَةُ ثَوَابُ الْمَنْدُوبِ عَلَى كُلٍّ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ لِثَوَابِ الْوَاجِبِ وَقَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ وَهُوَ كَوْنُهُ أَعْلَى أَوْ أَوَّلُ فِي الثَّوَابِ أَوْ أَدْنَى فِي الْعِقَابِ وَقَوْلُهُ: الَّذِي يَقَعُ صِفَةً لِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الْأَعْلَى أَوْ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ: نَظَرُ التَّأَدِّي إلَخْ أَيْ لَا لِكَوْنِهِ هُوَ الْوَاجِبَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ لَا هُوَ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ فَهَذَا تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ مَحَلِّ الثَّوَابِ الْوَاجِبِ وَالْعِقَابِ أَحَدَهَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ. (قَوْلُهُ: الْمَأْخُوذُ مَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ يُوجِبُ وَاحِدًا لَا بِعَيْنِهِ يَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ ثَوَابِ الْوَاجِبِ وَالْعِقَابِ تَرْكُهُ هُوَ أَحَدُ خِصَالِ الْمُخَيَّرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ فَمَنْ أَتَى بِالْإِطْعَامِ مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ مَثَلًا وَصَارَ بِفِعْلِهِ مُتَعَيِّنًا لِثَوَابِ الْوَاجِبِ لَا يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُ كَوْنِهِ إطْعَامًا بَلْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ أَحَدَ خِصَالِ الْمُخَيَّرِ، حَتَّى إنَّ الْوَاجِبَ ثَوَابًا فِيمَا إذَا أَتَى بِخِصَالِ الْمُخَيَّرِ كُلِّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ بِقَصْدِ الِامْتِثَالِ هُوَ أَوَّلُهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ، وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْ ثَانِيهَا وَثَالِثِهَا: إنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا الَّذِي تُؤَدَّى الْوَاجِبُ بِغَيْرِهِ مِنْهَا لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا لَكَانَ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ وَاجِبًا) أَيْ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ أَحَدَهَا لَا مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ وَفِيهِ

стр. 233

حَتَّى أَنَّ الْوَاجِبَ ثَوَابًا فِي الْمُرَتَّبِ أَوَّلُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ وَكَذَا يُقَالُ فِي كُلٍّ مِنْ الزَّائِدِ عَلَى مَا يَتَمَادَى بِهِ الْوَاجِبُ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصِهِ. (وَيَجُوزُ تَحْرِيمٌ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ) مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ، وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا فِي ضِمْنٍ أَيْ مُعَيَّنٍ مِنْهَا فَعَلَى الْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ فِي أَيِّ مُعَيَّنٍ مِنْهَا وَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ إذْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ (خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ) فِي مَنْعِهِمْ ذَلِكَ كَمَنْعِهِمْ إيجَابَ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ فِيهِمَا (وَهِيَ كَالْمُخَيَّرِ) أَيْ وَالْمَسْأَلَةُ كَمَسْأَلَةِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهَا فَيُقَالُ عَلَى قِيَاسِهِ النَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ نَحْوَ لَا تَتَنَاوَلْ السَّمَكَ أَوْ اللَّبَنَ أَوْ الْبَيْضَ، يَحْرُمُ وَاحِدٌ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ وَقِيلَ يَحْرُمُ جَمِيعُهَا فَيُعَاقَبُ بِفِعْلِهَا عِقَابَ فِعْلِ مُحَرَّمَاتٍ وَيُثَابُ بِتَرْكِهَا امْتِثَالًا ــ [حاشية العطار] أَنَّ الْمُلَازَمَةَ مَمْنُوعَةٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يُجْعَلْ وَاجِبًا مِنْ حَيْثُ الْخُصُوصُ بَلْ لِتَأَدِّي الْوَاجِبِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَحُصُولُ ثَوَابِهِ الْخَاصِّ بِهِ بَعْدَ إيقَاعِهِ وَتَعَيُّنُهُ لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَلُّقَ الْإِيجَابِ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْخُصُوصُ. (قَوْلُهُ: حَتَّى إنَّ الْوَاجِبَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى التَّحْقِيقِ. (قَوْلُهُ: فِي الْمُرَتَّبِ) أَيْ فِيمَا إذَا أَتَى بِخِصَالِ الْمُخَيَّرِ مُرَتَّبَةً. (قَوْلُهُ: لَا مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ) أَيْ خُصُوصُ كَوْنِهِ أَوَّلَهَا وَفِيهِ أَنَّهُ وَإِنْ قِيلَ: الْوَاجِبُ أَوَّلُهَا فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْأَوَّلِيَّةُ بَلْ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُ الْوَاجِبِ فِيهِ وَهُوَ الْوَاحِدُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا) أَيْ الَّذِي تَأَدَّى الْوَاجِبُ بِغَيْرِهِ، وَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ زَائِدٌ عَلَى أَحَدِهَا إلَّا أَنْ تُجْعَلَ الْإِضَافَةُ لِلْعَهْدِ أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا الزَّائِدُ. (قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ تَحْرِيمٌ إلَخْ) عَبَّرَ بِهَذَا دُونَ أَنْ يَقُولَ: وَالنَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ بِالْأَمْرِ أَيْ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَيَسْتَغْنِي عَنْ قَوْلِهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَعَنْ قَوْلِهِ وَهِيَ كَالْمُخَيَّرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ لَا فِي الْوُقُوعِ، وَيُقَاسُ عَلَى التَّحْرِيمِ الْكَرَاهَةُ فِي الْجُمْلَةِ وَإِلَّا فَالْعِقَابُ خَاصٌّ بِالْحَرَامِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ) فِيهِ مَا تَقَدَّمَ بَحْثًا وَجَوَابًا. (قَوْلُهُ: فَعَلَى الْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ) أَيْ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ. (قَوْلُهُ: وَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ) لَا يُقَالُ الْكَفُّ عَنْ أَحَدِ الْمُعَيَّنَاتِ الَّذِي هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا يَقْتَضِي الْكَفَّ عَنْهَا كُلِّهَا فَيَنْتَفِي الْحَرَامُ الْمُخَيَّرُ كَمَا قَالَ بِهِ الْقَرَافِيُّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: إذَا اسْتَحْضَرْت تَقْيِيدَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهَا بِكَوْنِهِ فِي ضِمْنٍ أَيْ مُعَيَّنٍ مِنْهَا ظَهَرَ لَك أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهِ فِي ضِمْنِ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يُنَافِي الْكَفَّ عَنْهُ فِي ضِمْنِ آخَرَ كَمَا أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَعَلَى الْمُكَلَّفِ تَرْكُهُ أَيْ لِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ إنَّمَا يَحْصُلُ فِي ضِمْنِ مُعَيَّنٍ. (قَوْلُهُ: إذْ لَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ فِعْلِ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ وَاحِدٌ فَتَحْرِيمُ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ بَلْ مِنْ بَابِ سَلْبِ الْعُمُومِ فَيَتَحَقَّقُ فِي وَاحِدٍ فَلَيْسَ النَّهْيُ كَالنَّفْيِ. (قَوْلُهُ: فِي مَنْعِهِمْ ذَلِكَ) أَيْ تَحْرِيمُ وَاحِدٍ لَا يُعَيِّنُهُ. (قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ فِيهِمَا) وَهُوَ أَنَّ تَحْرِيمَ الشَّيْءِ أَوْ إيجَابَهُ لِمَا فِي فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي يُدْرِكُهَا الْعَقْلُ وَإِنَّمَا يُدْرِكُهَا فِي الْمُعَيَّنِ. (قَوْلُهُ: فَيُقَالُ) تَفْصِيلٌ لِلْإِجْمَالِ فِي قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: النَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ إلَخْ) فِيهِ تَوَرُّكٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ حَقَّ مُقَابَلَةِ الْأَمْرِ النَّهْيُ لَا التَّحْرِيمُ. (قَوْلُهُ: بِالْمَعْنَى السَّابِقِ) أَيْ مُفَسِّرًا ذَلِكَ الْوَاحِدَ بِالْمَعْنَى السَّابِقِ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهَا فِي ضِمْنِ أَيِّ مُعَيَّنٍ مِنْهَا. (قَوْلُهُ: امْتِثَالًا) قَيَّدَ التَّرْكَ بِالِامْتِثَالِ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ فِيهِ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَصْدِ الِامْتِثَالِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ حَاصِلًا بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ. (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ أَنَّ التَّحْرِيمَ لِوَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ. (قَوْلُهُ:

стр. 234

ثَوَابَ تَرْكِ مُحَرَّمَاتٍ وَيَسْقُطُ تَرْكُهَا الْوَاجِبُ بِتَرْكِ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَقِيلَ: الْمُحَرَّمُ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ مِنْهَا مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَسْقُطُ تَرْكُهُ الْوَاجِبُ بِتَرْكِهِ أَوْ تَرْكِ غَيْرِهِ مِنْهَا، وَقِيلَ: الْمُحَرَّمُ فِي ذَلِكَ مَا يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ لِلتَّرْكِ مِنْهَا بِأَنْ يَتْرُكَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ بِاخْتِلَافِ اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِينَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ تُرِكَتْ كُلُّهَا امْتِثَالًا أَوْ فُعِلَتْ وَهِيَ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ بَعْضُهَا أَخَفُّ عِقَابًا وَثَوَابًا فَقِيلَ: ثَوَابُ الْوَاجِبِ وَالْعِقَابُ فِي الْمُتَسَاوِيَةِ عَلَى تَرْكٍ وَفِعْلٍ وَاحِدٍ مِنْهَا وَفِي الْمُتَفَاوِتَةِ عَلَى تَرْكِ أَشَدِّهَا وَفِعْلِ أَخَفِّهَا سَوَاءٌ أَفُعِلَتْ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا وَقِيلَ: الْعِقَابُ فِي الْمُرَتَّبِ عَلَى فِعْلِ آخِرِهَا تَفَاوَتَتْ أَوْ تَسَاوَتْ لِارْتِكَابِ الْحَرَامِ بِهِ، وَيُثَابُ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ عَلَى تَرْكِ كُلٍّ مِنْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ تَرْكُهُ لِثَوَابِ الْوَاجِبِ وَلِتَحْقِيقِ أَنَّ ثَوَابَ الْوَاجِبِ وَالْعِقَابَ عَلَى تَرْكِ وَفِعْلِ أَحَدِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا، حَتَّى أَنَّ الْعِقَابَ فِي الْمُرَتَّبِ عَلَى آخِرِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا وَيُثَابُ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ عَلَى تَرْكِ كُلٍّ مِنْ غَيْرِ مَا يَتَأَدَّى بِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ مِنْهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا (وَقِيلَ) زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي الْمُخَيَّرِ مِنْ طَرَفِ الْمُعْتَزِلَةِ (لَمْ تَرِدْ بِهِ) أَيْ بِتَحْرِيمِ مَا ذُكِرَ (اللُّغَةُ) حَيْثُ لَمْ تَرِدْ بِطَرِيقَةٍ مِنْ النَّهْيِ عَنْ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ كَمَا وَرَدَتْ بِالْأَمْرِ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] نَهْيٌ عَنْ طَاعَتِهِمَا إجْمَاعًا قُلْنَا الْإِجْمَاعُ ــ [حاشية العطار] وَهِيَ مُتَسَاوِيَةٌ) حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْفِعْلَيْنِ قَبْلَهُ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَوَارُدُ عَامِلَيْنِ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ وَدَعْوَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّنَازُعِ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْحَالِ لِاقْتِضَائِهِ إلَى الْإِضْمَارِ وَالْحَالُ لَا يَكُونُ ضَمِيرًا فَالْأَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ فُعِلَتْ وَحُذِفَ مِثْلُهَا مِنْ قَوْلِهِ تُرِكَتْ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ مِنْ الْأَوَائِلِ لِدَلَالَةِ الثَّوَانِي. (قَوْلُهُ: عِقَابًا وَثَوَابًا) نَشْرٌ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِ اللَّفِّ مِنْ قَوْلِهِ ثَوَابُ الْوَاجِبِ وَالْعِقَابُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: عَلَى تَرْكِ أَشَدِّهَا وَفِعْلِ أَخَفِّهَا. (قَوْلُهُ: سَوَاءٌ فُعِلَتْ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا) رَاجِعٌ لِقِسْمَيْ الْمُتَسَاوِيَةِ وَالْمُتَفَاوِتَةِ وَلَمْ يَزِدْ أَوْ تُرِكَتْ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ لَا تَرْتِيبَ فِيهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى فِعْلِ آخِرِهَا) هَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ. (قَوْلُهُ: لِارْتِكَابِ الْحَرَامِ بِهِ) أَيْ دُونَ مَا قَبْلَهُ إذْ الْفَرْضُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ وَاحِدٌ مِنْهَا لَا بِعَيْنِهِ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالْأَخِيرِ. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَحَدُهَا) أَيْ مِنْ خُصُوصِ كَوْنِهِ آخِرَهَا وَأَشَدَّهَا. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ زِيَادَةٌ) أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْإِمَامِ فِي التَّلْخِيصِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ أَنْكَرَ مُعْظَمُ الْمُعْتَزِلَةِ النَّهْيَ عَنْ شَيْئَيْنِ عَلَى التَّخْيِيرِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَبُحَ أَحَدُهُمَا قَبُحَ الْآخَرُ اهـ. زَكَرِيَّا. ثُمَّ إنَّ هَذَا اخْتِلَافٌ فِي الْوُقُوعِ وَعَدَمِهِ لَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِهِ. (قَوْلُهُ: لَمْ تَرِدْ بِطَرِيقَةٍ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْمُرَادَ بِوُرُودِ اللُّغَةِ بِطَرِيقَةٍ أَيْ بِصِيغَةٍ لَا وُرُودِهَا بِهِ نَفْسِهِ فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ: لَا بَحْثَ لِلُّغَةِ عَنْ تَحْرِيمٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَظَائِفِ الشَّرِيعَةِ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ يَعْنِي لَمْ تَرِدْ بِطَرِيقَةِ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْحَيْثِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّ عَدَمَ وُرُودِهَا بِطَرِيقَةٍ عِلَّةٌ لِعَدَمِ وُرُودِهَا بِالتَّحْرِيمِ إذْ الْأَقْرَبُ هُنَا مِنْ مَعَانِي الْحَيْثِيَّةِ التَّعْلِيلُ لَا أَنَّهُ مَعْنَى وُرُودِهَا بِالتَّحْرِيمِ. (قَوْلُهُ: عَلَى مَا فِي الْمُخَيَّرِ) أَيْ الْأَقْوَالُ الَّتِي فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ. (قَوْلُهُ: مِنْ النَّهْيِ) أَيْ اللَّفْظِيِّ بَيَانٌ لِطَرِيقَةٍ. (قَوْلُهُ: وقَوْله تَعَالَى) جَوَابٌ مِنْ طَرَفِ هَذَا الْقَائِلِ عَمَّا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ اللُّغَةُ بِطَرِيقِ ذَلِكَ، فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] صِيغَةُ نَهْيٍ عَنْ طَاعَةِ وَاحِدٍ مِنْ شَيْئَيْنِ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ طَرِيقًا لِذَلِكَ لَوْ كَانَ نَهْيًا عَنْ طَاعَةِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ نَهْيٌ عَنْ طَاعَتِهِمَا إجْمَاعًا. وَقَدْ رَدَّ الشَّارِحُ هَذَا الْجَوَابَ بِقَوْلِهِ قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ إلَخْ وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ يُفْهَمُ مِنْهَا النَّهْيُ عَنْ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ فَهِيَ طَرِيقَةٌ لِذَلِكَ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ صَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا بِإِجْمَاعٍ، فَقَدْ ثَبَتَ وُرُودُ اللُّغَةِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْ حَمْلِهَا عَلَى مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ

стр. 235

لِمُسْتَنِدِهِ صَرْفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ. (مَسْأَلَةُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ) الْمُنْقَسِمِ إلَيْهِ وَإِلَى فَرْضِ الْعَيْنِ مُطْلَقُ الْفَرْضِ الْمُتَقَدِّمُ حَدُّهُ (مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ) ــ [حاشية العطار] مَانِعٌ. (قَوْلُهُ: لِمُسْتَنِدِهِ) عِلَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَعْلُولِهَا. [فَرْضِ الْكِفَايَةِ مُهِمٌّ يُقْصَدُ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ] (قَوْلُهُ: الْمُنْقَسِمِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى مُنَاسَبَةِ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَا؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِبَعْضِ مَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: مُطْلَقُ الْفَرْضِ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ شَيْءٍ وَلَا بِاعْتِبَارِ عَدَمِ شَيْءٍ. (قَوْلُهُ: الْمُتَقَدِّمُ حَدُّهُ) مَرْفُوعٌ نَعْتًا لِمُطْلَقٍ أَوْ مَجْرُورٌ نَعْتًا لِفَرْضٍ إشَارَةً إلَى مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ، فَإِنْ اقْتَضَى الْخِطَابُ الْفِعْلَ اقْتِضَاءً جَازِمًا فَإِيجَابٌ وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ مُتَرَادِفَانِ فَيَكُونُ حَدُّ الْوَاجِبِ حَدًّا لِلْفَرْضِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ حَدُّهُ هُوَ الْوَاجِبُ. (قَوْلُهُ: مُهِمٌّ) الْمُهِمُّ مَا حَرَّكَ الْهِمَّةَ وَلَا يَكُونُ إلَّا مُعْتَنًى بِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَمْرٌ مُعْتَنًى بِهِ فَظَهَرَ أَنَّ الْأَخْصَرَ أَنْ (يَقُولَ مُهِمٌّ) لَا يُنْظَرُ إلَى فَاعِلِهِ بِالذَّاتِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُهِمًّا أَنْ يُقْصَدَ حَوْلَهُ وَبِالْعَكْسِ، ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ أَصْلُهُ لِلْغَزَالِيِّ لَكِنَّهُ قَالَ: كُلُّ مُهِمٍّ دِينِيٍّ فَحَذَفَ الْمُصَنِّفُ لَفْظَةَ كُلٍّ؛ لِأَنَّهَا لِشُمُولِ الْأَفْرَادِ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْمَاهِيَةِ وَلَفْظَةُ دِينِيٍّ لِيَدْخُلَ الدُّنْيَوِيُّ كَالْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَالْغَزَالِيُّ يَرَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ؛ لِأَنَّ فِي بَوَاعِثِ الطِّبَاعِ عَلَيْهَا مَنْدُوحَةً عَنْ الْإِيجَابِ كَمَا قَالَهُ فِي الْوَسِيطِ تَبَعًا لِإِمَامِهِ فَلِذَلِكَ أَخْرَجَهَا بِقَوْلِهِ دِينِيٍّ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ عَدُّهُ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْوَجِيزِ الْحِرَفَ وَالصِّنَاعَاتِ الْمُهِمَّةَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. (قَوْلُهُ: يَقْصِدُ حُصُولَهُ) أَيْ يَقْصِدُ الشَّارِعُ حُصُولَهُ مِنْ الْمُكَلَّفِ وَالْمُرَادُ بِالْقَصْدِ الطَّلَبُ إطْلَاقًا لِلسَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْقَصْدِ الْإِرَادَةُ وَلَوْ أَرَادَ الشَّارِعُ الْوَاجِبَ لَمَا تَخَلَّفَ عَنْ الْوُجُودِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّهُ كَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ تَحْصِيلُهُ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْفِعْلِ وَفِيهِ أَنَّ الْحُصُولَ ثَمَرَةُ التَّحْصِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِذَاتِهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ ثَمَرَتِهِ فَالْحُصُولُ هُوَ الْمَقْصُودُ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ بِخِلَافِ التَّحْصِيلِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُكَلَّفَ بِهِ وَأَوْرَدَ أَيْضًا أَنَّ الْحَدَّ يَتَنَاوَلُ مُطْلَقَ الْفَرْضِ فَلَا يَطَّرِدُ، وَأَجَابَ بِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الْفَاعِلِ فِي الْكِفَايَةِ وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِتَرْكِهِ وَفِي مُطْلَقِ الْفَرْضِ وَقَعَ تَرْكُ التَّقْيِيدِ بِهِ وَلِذَا صَدَقَ عَلَى قِسْمَيْهِ اهـ. وَمُحَصِّلُهُ رُجُوعُ الْأَوَّلِ لِلْمَاهِيَةِ بِشَرْطِ لَا شَيْءَ وَالثَّانِي لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ أَخَصُّ وَالثَّانِيَ أَعَمُّ وَلِذَلِكَ قَالَ: وَلِذَا صَدَقَ إلَخْ. وَأَجَابَ سم أَيْضًا بِتَسْلِيمِ شُمُولِهِ لَهُ وَأَنَّهُ تَعْرِيفٌ بِالْأَعَمِّ أَوْ بِمَنْعِ الشُّمُولِ إذْ لَا يَصْدُقُ عَلَى مُطْلَقِ الْفَرْضِ هَذَا السَّلْبُ الْكُلِّيُّ أَعْنِي مَضْمُونَ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ لِثُبُوتِ الْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ وَهُوَ النَّظَرُ إلَى فَاعِلِهِ فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَهُوَ الْفَرْضُ الْعَيْنِيُّ، وَجَوَابُ النَّاصِرِ أَدَقُّ، فَإِنَّهُ كَشَفَ عَنْ مَاهِيَّتِهَا الْمُرَادِ مِنْهُمَا وَهُوَ اللَّائِقُ بِحَالِ التَّعْرِيفِ وسم أَخْرَجَ التَّعْرِيفَ الَّذِي هُوَ مِنْ بَابِ التَّصَوُّرَاتِ إلَى التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّ السَّلْبَ الْكُلِّيَّ إنَّمَا يَكُونُ فِي التَّصْدِيقَاتِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ سُقُوطُ قَوْلِهِ. وَقَدْ يَتَعَسَّفُ فِي حَمْلِ جَوَابِ الشَّيْخِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُلَاقِيهِ فَكَيْفَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لِتَبَايُنِ الْمَلْحَظَيْنِ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ نَظَرِ الذَّاتِ) قَرَّرَ النَّاصِرُ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ التَّعْرِيفِ نَتِيجَةً لَهُ وَلَازِمٌ عَنْهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إسْنَادَ الْقَصْدِ إلَى الْحُصُولِ يُشْعِرُ عُرْفًا بِقَصْرِهِ عَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ مَعْنَاهَا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ أَنَّ الْحُصُولَ مِنْ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ مُبْهَمًا أَوْ مُعَيَّنًا اهـ. وَأَقُولُ: إنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَصْرِ يَكُونُ الْمَعْنَى هَكَذَا مُهِمٌّ لَا يُقْصَدُ إلَّا حُصُولُهُ أَيْ لَا غَيْرُهُ فَقَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَخْ تَصْرِيحٌ بِلَازِمِ الْحُكْمِ السَّلْبِيِّ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْقَصْرِ إلَّا أَنَّ دَعْوَى الْقَصْرِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ قَوْلَهُ يُقْصَدُ حُصُولُهُ وَقَعَ نَعْتًا لِقَوْلِهِ مُهِمٌّ فَجُمْلَةُ يَقْصِدُ حُصُولَهُ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهَا إسْنَادٌ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فَعَلَى تَقْدِيرِ الْحَصْرِ يَلْزَمُ الْإِسْنَادُ بِالْأَخْبَارِ فَيَلْزَمُ التَّنَاقُضُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ بَلْ هُوَ أَمْرٌ ادِّعَائِيٌّ فَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ التَّعْرِيفِ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي وَخَرَجَ فَرْضُ الْعَيْنِ، فَإِنَّهُ مَنْظُورٌ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ لِصَرَاحَتِهِ فِي أَنَّ الْمَخْرَجَ لَهُ قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَخْ وَإِلَّا لَقَالَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ حُصُولَهُ أَيْ لَمْ يَخْتَصَّ الْقَصْدُ بِحُصُولِهِ. (قَوْلُهُ: بِالذَّاتِ) مُتَعَلِّقٌ بِنَظَرٍ وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ وَالْمُرَادُ بِالنَّظَرِ الذَّاتِيِّ مَا هُوَ بِالْأَصَالَةِ وَالْأَوَّلِيَّةِ وَالْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ مُلْتَبِسٌ

стр. 236

أَيْ يُقْصَدُ حُصُولَهُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنْظَرُ إلَى فَاعِلِهِ إلَّا بِالتَّبَعِ لِلْفِعْلِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ فَاعِلٍ فَيَتَنَاوَلُ مَا هُوَ دِينِيٌّ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَدُنْيَوِيٌّ كَالْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ وَخَرَجَ فَرْضُ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ مَنْظُورٌ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ حَيْثُ قَصَدَ حُصُولَهُ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ أَيْ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ أَوْ مِنْ عَيْنٍ مَخْصُوصَةٍ كَالنَّبِيِّ ﷺ فِيمَا فُرِضَ عَلَيْهِ دُونَ أُمَّتِهِ وَلَمْ يُقَيِّدْ قَصْدَ الْحُصُولِ بِالْجَزْمِ احْتِرَازًا عَنْ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ تَمْيِيزُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِمَا ذُكِرَ. (وَزَعَمَهُ) أَيْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ (الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَأَبُوهُ) الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ (أَفْضَلَ مِنْ) فَرْضِ (الْعَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ يُصَانُ لِقِيَامِ الْبَعْضِ بِهِ الْكَافِي فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ عَنْ الْإِثْمِ الْمُرَتَّبِ عَلَى تَرْكِهِمْ لَهُ وَفَرْضُ الْعَيْنِ إنَّمَا يُصَانُ بِالْقِيَامِ بِهِ عَنْ الْإِثْمِ الْقَائِمِ بِهِ فَقَطْ وَالْمُتَبَادَرُ إلَى الْأَذْهَانِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ فِيمَا عَلِمْت أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ أَفْضَلُ لِشِدَّةِ اعْتِنَاءِ الشَّارِعِ بِهِ بِقَصْدِ حُصُولِهِ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ ــ [حاشية العطار] بِالْأَصَالَةِ وَالْأَوَّلِيَّةِ إلَى الْفَاعِلِ بَلْ بِالتَّبَعِ. (قَوْلُهُ: فِي الْجُمْلَةِ) هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى الْفَاعِلِ وَلَعَلَّ فَائِدَةَ قَوْلِ الشَّارِحِ أَنْ يَقْصِدَ حُصُولَهُ فِي الْجُمْلَةِ مَعَ كَوْنِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَوْضَحَ مِنْهَا الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ عِبَارَةَ مَنْ قَالَ: يُقْصَدُ حُصُولُهُ فِي الْجُمْلَةِ بِمَعْنَى عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ. (قَوْلُهُ: ضَرُورَةَ أَنَّهُ إلَخْ) عِلَّةٌ لِمَا بَعْدَ الِاسْتِثْنَاءِ أَيْ إلَّا بِالتَّبَعِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ لِلْفَاعِلِ. (قَوْلُهُ: كَالْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ) الْعَطْفُ تَفْسِيرِيٌّ، فَإِنَّ مَعْنَاهُمَا لُغَةً الْعَمَلُ وَاصْطِلَاحًا الْمَلَكَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ التَّمَرُّنِ عَلَى الْعَمَلِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَخَرَجَ) عَطْفٌ عَلَى تَنَاوَلَ. (قَوْلُهُ: حَيْثُ قَصَدَ إلَخْ) تَعْلِيلٌ (قَوْلُهُ: أَيْ وَاحِدٌ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَيْنِ الذَّاتُ. (قَوْلُهُ: كَالنَّبِيِّ ﷺ ) أُدْخِلَتْ الْكَافُ آلَةً فِيمَا فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِخُصُوصِهِمْ وَلَا يَصِحُّ مَا قِيلَ: إنَّهَا أَدْخَلَتْ خُزَيْمَةَ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ وَمَا يُقَالُ: إنَّهَا قَدْ تَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ إذَا تَعَيَّنَتْ يُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا عَارِضٌ وَالْأَصْلُ فِيهَا غَيْرُ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: احْتِرَازًا) عِلَّةً لِلْمَنْفِيِّ أَعْنِي قَوْلَهُ بِقَيْدٍ وَقَوْلُهُ: لِأَنَّ الْغَرَضَ عِلَّةٌ لِلنَّفْيِ (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ إلَخْ) يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ التَّعْرِيفَ حِينَئِذٍ يَكُونُ غَيْرَ مَانِعٍ لِعَدَمِ تَمْيِيزِهِ الْمُعَرَّفَ عَنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ جَرَى عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمُجَوِّزِينَ لِلتَّعْرِيفِ بِالْأَعَمِّ وَاشْتِرَاطُ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ طَرِيقَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا يُقَالُ مَا الْمَانِعُ مِنْ زِيَادَةٍ جَزْمًا وَيَكُونُ الْفَرْضُ تَمْيِيزَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يَمْنَعُ مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ الْحَوَالَةِ فِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ، وَسُنَّةُ الْكِفَايَةِ كَفَرْضِهَا وَمِنْ جُمْلَةِ مَا شُبِّهَ بِهِ التَّعْرِيفُ وَهُوَ لَا يَصِحُّ فِي جَانِبِ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ عَلَى هَذَا الْفَرْضِ. (قَوْلُهُ: أَيْ فَرْضَ الْكِفَايَةِ) أَرْجَعَ الشَّارِحُ الضَّمِيرَ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّهُ نَصُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: لِأَنَّهُ يُصَانُ بِقِيَامِ الْبَعْضِ بِهِ إلَخْ إشَارَةً لِمَا قَالَهُ الشَّمْسُ الْبِرْمَاوِيُّ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ الْمُصَنِّفَ قَدْ وَهَمَ فِي نَقْلِهِ عَنْ الْأُسْتَاذِ وَالْإِمَامِ وَابْنِهِ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ فَرْضِ الْعَيْنِ وَأَنَّ صَوَابَ النَّقْلِ عَنْهُمْ أَنَّ الْقِيَامَ بِهِ أَفْضَلُ كَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَاتِهِمْ لَا أَنَّهُ نَفْسُهُ أَفْضَلُ. قَالَ الْكَمَالُ وَلَك أَنْ تَقُولَ لَمْ يَهُمَّ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ هُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الطَّلَبِ الْجَازِمِ وَمُتَعَلِّقُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَهُوَ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ كَالْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْقِيَامُ بِهِ فِعْلٌ بِالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ وَوَصَفَهُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ لِكَوْنِهِ آتِيًا بِمَا هُوَ أَفْضَلُ فَوَصْفُ الْفَرْضِ بِالْأَفْضَلِيَّةِ بِالْأَصَالَةِ وَالْقَصْدِ وَوَصْفُ الْإِتْيَانِ بِهِ بِهَا بِالتَّبَعِيَّةِ بَلْ مَا صَنَعَهُ أَجْوَدُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ مَقْصُودُ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ اهـ. مُلَخَّصًا. (قَوْلُهُ: الْكَافِي) صِفَةٌ لِقِيَامٍ وَقَوْلُهُ: عَنْ عُهْدَتِهِ أَيْ عُهْدَةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَقَوْلُهُ: جَمِيعٌ نَائِبُ فَاعِلِ يُصَانُ، وَقَوْلُهُ: عَنْ الْإِثْمِ مُتَعَلِّقٌ بِيُصَانُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ)

стр. 237

فِي الْأَغْلَبِ وَلِمُعَارَضَةِ هَذَا دَلِيلَ الْأَوَّلِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى النَّظَرِ فِيهِ بِقَوْلِهِ زَعَمَهُ، وَإِنْ أَشَارَ كَمَا قَالَ إلَى تَقْوِيَةٍ يَعْزُوهُ إلَى قَائِلِيهِ الْأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ، الْمُفِيدُ أَنَّ لِلْإِمَامِ سَلَفًا عَظِيمًا فِيهِ فَإِنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ فَقَطْ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَى عَزْوِهِ إلَيْهِ النَّوَوِيُّ الْأَكْثَرُ (وَهُوَ) أَيْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ (عَلَى الْبَعْضِ وِفَاقًا لِلْإِمَامِ) الرَّازِيّ لِلِاكْتِفَاءِ بِحُصُولِهِ مِنْ الْبَعْضِ (لَا) عَلَى (الْكُلِّ خِلَافًا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ) وَالِدِ الْمُصَنِّفِ (وَالْجُمْهُورِ) فِي قَوْلِهِمْ: إنَّهُ عَلَى الْكُلِّ لِإِثْمِهِمْ بِتَرْكِهِ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ ــ [حاشية العطار] أَيْ صَرِيحًا وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ إمَامِنَا الشَّافِعِيِّ ﵀ وَالْأَصْحَابِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقَدْ قَالُوا: إنَّ قَطْعَ الطَّوَافِ الْمَفْرُوضِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَكْرُوهٌ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ تَرْكُ فَرْضِ الْعَيْنِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ أَفْضَلُ وَلَا يُنَافِيهِ تَقْدِيمُ إنْقَاذِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْغَرَقِ عَلَى الصِّيَامِ فِي حَقِّ صَائِمٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إنْقَاذِهِ إلَّا بِالْإِفْطَارِ؛ لِأَنَّ هَذَا التَّقْدِيمَ لَيْسَ لِلْأَفْضَلِيَّةِ بَلْ لِخَوْفِ الْفَوَاتِ وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا بِدَلِيلِ تَقْدِيمِ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ لِذَلِكَ كَتَقْدِيمِ خُسُوفٍ خِيفَ فِيهِ الِانْجِلَاءُ عَلَى مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَضِقْ وَقْتُهَا. (قَوْلُهُ: فِي الْأَغْلَبِ) احْتِرَازًا عَمَّا خُصَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: وَلِمُعَارَضَةِ هَذَا) يَعْنِي شِدَّةَ اعْتِنَاءِ الشَّارِعِ بِهِ الَّذِي هُوَ دَلِيلُ أَفْضَلِيَّةِ فَرْضِ الْعَيْنِ وَقَوْلُهُ: دَلِيلُ الْأَوَّلِ مَفْعُولُ الْمَصْدَرِ الْمُضَافِ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ الَّذِي هُوَ الْفَاعِلُ وَدَلِيلُ الْأَوَّلِ هُوَ أَنَّهُ يُصَانُ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الدَّلِيلَيْنِ مُعَارِضٌ لِلْآخَرِ فَيَتَسَاقَطَانِ وَيَتَسَاوَى الْقَوْلَانِ وَمَا قِيلَ: إنَّ هَذَا الدَّلِيلَ أَقْوَى فَلَا يُعَارِضُهُ الضَّعِيفُ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَشَارَ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ بِوَجْهٍ آخَرَ وَالنِّكَاتُ لَا تَتَزَاحَمُ، فَإِنَّ التَّقْوِيَةَ مِنْ حَيْثُ الْعَزْوُ لَا تُنَافِي النَّظَرَ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى إشَارَةٍ الْأُولَى وَقَوْلُهُ: كَمَا قَالَ أَيْ فِي مَنْعِ الْمَوَانِعِ وَبَاءٌ بِعَزْوِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِتَقْوِيَةٍ وَقَوْلُهُ: الْمُفِيدُ نَعْتٌ لِعَزْوِهِ. (قَوْلُهُ: وِفَاقًا لِلْإِمَامِ الرَّازِيّ) تَبِعَ فِيهِ الْمَرَاغِيَّ وَاَلَّذِي فِي مَحْصُولِ الْإِمَامِ إنَّمَا هُوَ وُجُوبُهُ عَلَى الْكُلِّ كَمَا فَهِمَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ اهـ. زَكَرِيَّا. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْإِمَامَ ذَكَرَ فِي غَيْرِ الْمَحْصُولِ مَا يُخَالِفُ مَا فِيهِ. (قَوْلُهُ: لِلِاكْتِفَاءِ بِحُصُولِهِ مِنْ الْبَعْضِ) أَيْ وَلَوْ وَجَبَ عَلَى الْكُلِّ لَمْ يَكْتَفِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ إذْ يُسْتَبْعَدُ سُقُوطُ الْوَاجِبِ عَنْ الْمُكَلَّفِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَأُجِيبَ مِنْ طَرَفِ الْجُمْهُورِ بِأَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِفِعْلِ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَمَا عُلِمَ وُجُودُ الْفِعْلِ لَا ابْتِلَاءَ كُلِّ مُكَلَّفٍ كَمَا فِي فَرْضِ الْعَيْنِ وَلَا اسْتِبْعَادَ فِي سُقُوطِ الْوَاجِبِ عَنْ الْمُكَلَّفِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَسُقُوطِ مَا عَلَى زَيْدٍ مِنْ الدَّيْنِ بِأَدَاءِ عُمَرَ وَعَنْهُ. (قَوْلُهُ: لِإِثْمِهِمْ بِتَرْكِهِ) وَلِئَلَّا يَلْزَمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَعَلَى مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ (قَوْلُهُ: وَيَسْقُطُ) أَيْ الْفَرْضُ الْمُرَادُ سُقُوطُهُ لَازِمُهُ وَهُوَ الْإِثْمُ بِتَرْكِهِ. (قَوْلُهُ: بِفِعْلِ الْبَعْضِ) أَيْ بِتَمَامِ فِعْلِهِ فَلَا يَكْفِي الشُّرُوعُ لِاحْتِمَالِ انْقِطَاعِهِ بِجُنُونٍ وَنَحْوِهِ قَالَ سم، فَإِنْ قِيلَ عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ وَالْجُمْهُورِ بِمَاذَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ فَرْضِ الْعَيْنِ قُلْت بِسُقُوطِهِ عَنْ الْجَمِيعِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ بِخِلَافِ فَرْضِ الْعَيْنِ وَفَرَّقَ الْكَمَالُ بِأَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ يُقْصَدُ فِيهِ عَيْنُ الْفَاعِلِ ابْتِلَاءً لَهُ بِتَحْصِيلِ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ

стр. 238

وَأُجِيبَ بِأَنَّ إثْمَهُمْ بِالتَّرْكِ لِتَفْوِيتِهِمْ مَا قَصَدَ حُصُولَهُ مِنْ جِهَتِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ لَا لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَيَدُلُّ لِمَا اخْتَرْنَاهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَذَكَرَ وَالِدُهُ مَعَ الْجُمْهُورِ مُقَدَّمًا عَلَيْهِمْ قَالَ تَقْوِيَةً لَهُمْ فَإِنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ (وَالْمُخْتَارُ) عَلَى الْأَوَّلِ (الْبَعْضُ مُبْهَمٌ) إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ مُعَيَّنٌ فَمَنْ قَامَ بِهِ ــ [حاشية العطار] يُقْصَدُ فِيهِ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْفَاعِلِ إلَّا بِالتَّبَعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفِعْلَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ فَاعِلٍ. (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ) أَيْ مِنْ طَرَفِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ إثْمَهُمْ بِالتَّرْكِ أَيْ إثْمَ الْكُلِّ بِتَرْكِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِتَفْوِيتِهِمْ أَيْ تَفْوِيتِ الْكُلِّ مَا قُصِدَ حُصُولُهُ مِنْ جِهَتِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ يَقُومَ بِهِ بَعْضُهُمْ لَا لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ الْحُصُولُ مَقْصُودٌ بِالذَّاتِ وَكَوْنُهُ مِنْ جِهَتِهِمْ فِي الْجُمْلَةِ مَقْصُودٌ بِالتَّبَعِ فَلَا يُخَالِفُ مَا مَرَّ فِي التَّعْرِيفِ قَالَ الْكَمَالُ يُقَالُ عَلَيْهِ مِنْ طَرَفِ الْجُمْهُورِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقِيقُ بِالِاسْتِبْعَادِ أَعْنِي إثْمَ طَائِفَةٍ بِتَرْكِ أُخْرَى فِعْلًا كُلِّفَتْ بِهِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَأَتَّى لَوْ ارْتَبَطَ التَّكْلِيفُ فِي الظَّاهِرِ بِتِلْكَ الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى بِعَيْنِهَا وَحْدَهَا لَكِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَانِ فِي احْتِمَالِ الْأَمْرِ لَهُمَا وَتَعَلُّقُهُ بِهِمَا مِنْ غَيْرِ مَزِيَّةٍ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي التَّأْثِيمِ الْمَذْكُورِ تَأْثِيمُ طَائِفَةٍ بِتَرْكِ أُخْرَى فِعْلًا كُلِّفَتْ بِهِ إذْ كَوْنُ الْأُخْرَى كُلِّفَتْ بِهِ غَيْرَ مَعْلُومٍ بَلْ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُكَلَّفَةُ عَلَى التَّسْوِيَةِ، بَلْ إذَا قُلْنَا بِالْمُخْتَارِ الْآتِي مِنْ أَنَّ الْبَعْضَ مُبْهَمٌ آلَ الْأَمْرُ إلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ طَائِفَةٌ لَا بِعَيْنِهَا فَيَكُونُ الْمُكَلَّفُ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الطَّوَائِفِ الصَّادِقِ بِكُلِّ طَائِفَةٍ عَلَى الْبَدَلِ فَجَمِيعُ الطَّوَائِفِ مُسْتَوُونَ فِي تَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِهِمْ بِوَاسِطَةِ تَعَلُّقِهِ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الْمُسْتَوِي فِيهِمْ فَلَا إشْكَالَ عَلَى هَذَا فِي إثْمِ الْجَمْعِ وَالْفَرْقُ عَلَى هَذَا بَيْنَ مُخْتَارِ الْمُصَنِّفِ وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْخِطَابَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ تَعَلَّقَ ابْتِدَاءً بِكُلِّ وَاحِدٍ لَا بِعَيْنِهِ وَعَلَى مُخْتَارِ الْمُصَنِّفِ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِكُلٍّ بِطَرِيقِ السِّرَايَةِ مِنْ تَعَلُّقِهِ بِالْمُشْتَرَكِ. (قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ لِمَا اخْتَرْنَاهُ) أَيْ لِدَلَالَةِ مِنْ التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ قِيلَ لِيَفْعَلَ بَعْضُكُمْ وَبَحَثَ فِيهِ بِأَنَّ الْقَائِلَ بِوُجُوبِهِ عَلَى الْبَعْضِ يَكْتَفِي بِالْوَاحِدِ لِصِدْقِ الْبَعْضِ بِهِ، وَالْآيَةُ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِجَمَاعَةٍ إذْ الْأُمَّةُ الْجَمَاعَةُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى تَمَامِ الْمُدَّعِي بَلْ عَلَى الْمُدَّعِي فِي الْجُمْلَةِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِبَعْضِ مَاصَدَقَاتِ الْبَعْضِ. وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: وَيَدُلُّ لِمَا اخْتَرْنَاهُ، مُعَبِّرًا بِاللَّامِ الدَّالَّةِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ مُجَاوَزَةِ الْمَقْصُورِ وَهُوَ الْآيَةُ عَنْ الْمَقْصُورِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْوُجُوبُ عَلَى الْبَعْضِ، وَإِنْ كَانَ مَقْصُورًا عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ عَلَى الْمُشْعِرَةِ بِالِاسْتِعْلَاءِ وَالْإِحَاطَةِ حُسْنًا أَوْ حُكْمًا إشَارَةً إلَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ اسْتِئْنَاسِيٌّ لَا يَصْلُحُ لِإِلْزَامِ الْغَيْرِ لِإِمْكَانِ الْمُعَارَضَةِ مِنْ طَرَفِ الْجُمْهُورِ بِدَلَالَتِهَا عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ خُوطِبَ الْجَمِيعُ بِالْأَمْرِ عَلَى وَجْهِ الِاكْتِفَاءِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ، وَأَيْضًا الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ وَنَحْوِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الْآيَةُ يُؤَوَّلُ بِالسُّقُوطِ بِفِعْلِ الطَّاعَةِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] وَنَحْوِهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَأْوِيلَ أَدِلَّةِ الْمُصَنِّفِ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ وَضُعِّفَ هَذَا الْجَوَابُ بِأَنَّ تَأْوِيلَ أَدِلَّةِ الْمُصَنِّفِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخِطَابِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لَا يَخْتَصُّ بِهِ بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ، ثُمَّ إنَّ كَوْنَ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ الْفِعْلُ الْكُلُّ أَوْ الْبَعْضُ لَا يَقْتَضِي أَنَّ الْفَاعِلَ مَنْظُورٌ إلَيْهِ بِالذَّاتِ لَا بِالتَّبَعِ مِنْ حَيْثُ تَوَقُّفُ الْفِعْلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ زَعَمَهُ النَّاصِرُ. (قَوْلُهُ: أَهْلٌ لِذَلِكَ) أَيْ لَأَنْ يَتَقَوَّى بِهِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. (قَوْلُهُ: الْبَعْضُ مُبْهَمٌ) مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ قَوْلُهُ: الْمُخْتَارُ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى رَابِطٍ؛ لِأَنَّهَا عَيْنُ الْمُبْتَدَأِ فِي الْمَعْنَى وَالْقَوْلُ بِأَنَّ بَعْضَ مُبْهَمٍ هُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَبْعَاضِ كَمَا هُوَ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ، فَاسْتِدْلَالُ الْقَرَافِيِّ بِآيَةِ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] عَلَى الْوُجُوبِ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِعْلُ إحْدَى الطَّوَائِفِ وَمَفْهُومُ أَحَدِهَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا لَا يُعَكِّرُ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْبَعْضِ بَلْ يُؤَيِّدُهُ. (قَوْلُهُ: فَمَنْ قَامَ بِهِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ فَالْأَوْلَى أَنْ

стр. 239

سَقَطَ الْفَرْضُ بِفِعْلِهِ (وَقِيلَ) الْبَعْضُ (مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى) يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِفِعْلِهِ وَبِفِعْلِ غَيْرِهِ كَمَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ الشَّخْصِ بِأَدَاءِ غَيْرِهِ عَنْهُ (وَقِيلَ) الْبَعْضُ (مَنْ قَامَ بِهِ) لِسُقُوطِهِ بِفِعْلِهِ، ثُمَّ مَدَارُهُ عَلَى الظَّنِّ فَعَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَفْعَلْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَمَنْ لَا فَلَا، وَعَلَى قَوْلِ الْكُلِّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ فَعَلَهُ سَقَطَ عَنْهُ وَمَنْ لَا فَلَا. (وَيَتَعَيَّنُ) فَرْضُ الْكِفَايَةِ (بِالشُّرُوعِ) فِيهِ أَيْ يَصِيرُ بِذَلِكَ فَرْضَ عَيْنٍ يَعْنِي مِثْلَهُ فِي وُجُوبِ الْإِتْمَامِ (عَلَى الْأَصَحِّ) بِجَامِعِ الْفَرْضِيَّةِ ــ [حاشية العطار] يُفَرَّعَ عَلَيْهِ مَا هُوَ خَاصٌّ بِهِ فَيَقُولُ فَمَنْ قَامَ بِهِ تَحَقَّقَ بِهِ الْبَعْضُ الْمُبْهَمُ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ. (قَوْلُهُ: سَقَطَ الْفَرْضُ) أَيْ الْحَرَجُ بِتَرْكِهِ كَمَا عَبَّرَ جَمَاعَةٌ فَلَا يُنَافِي وُقُوعَ صَلَاةِ فِرْقَةٍ عَلَى جِنَازَةٍ بَعْدَ صَلَاةٍ أُخْرَى فَرْضًا وَلِهَذَا يَنْوِي الْفَرْضَ وَيُثَابُ عَلَيْهَا ثَوَابَهُ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ) فِيهِ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ مُبْهَمًا عِنْدَنَا كَمَا أَنَّهُ عَلَى الثَّانِي مُبْهَمٌ عِنْدَنَا أَيْضًا فَلَا تَظْهَرُ الْمُقَابَلَةُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُلَاحَظَ فِي الْأَوَّلِ جِهَةُ الْإِبْهَامِ وَفِي الثَّانِي جِهَةُ التَّعْيِينِ وَبِهَذَا يَرْجِعُ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا. (قَوْلُهُ: وَبِفِعْلِ غَيْرِهِ) أَيْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ فَلَا يُجْزِئُ رَدُّ صَبِيٍّ مِنْ الْجَمَاعَةِ السَّلَامَ، وَيُسْتَثْنَى مَا إذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِتَمَامِهِ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ كَصَلَاتِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَحَمْلِهِ الْمَيِّتَ وَدَفْنِهِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ قَالَهُ الْكَمَالُ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الْبَعْضُ مَنْ قَامَ بِهِ) قَالَ زَكَرِيَّا هَذَا مِنْ تَفَارِيعِ الْقَوْلِ قَبْلَهُ، وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُهُ كَكَثِيرٍ خِلَافَهُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ مَدَارُهُ عَلَى الظَّنِّ) أَيْ مَبْنَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ التَّعَلُّقِ بِالْمُكَلَّفِ أَوْ السُّقُوطِ عَنْهُ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِالتَّفْرِيعِ بِقَوْلِهِ فَعَلَى قَوْلِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: فَعَلَى قَوْلِ الْبَعْضِ إلَخْ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى فَائِدَةِ الْخِلَافِ. (قَوْلُهُ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَفْعَلْهُ) أَيْ وَلَا يَفْعَلُهُ أَيْضًا اهـ. زَكَرِيَّا وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُصَمِّمَ غَيْرُهُ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ بَلْ مَتَى مَا ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا زَالَ الْخِطَابُ مُتَوَجِّهًا لَهُ فِي ضِمْنِ الْبَعْضِ الْمُبْهَمِ. (قَوْلُهُ: وَجَبَ عَلَيْهِ) اسْتَشْكَلَهُ الْإِسْنَوِيُّ بِالِاجْتِهَادِ، فَإِنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَلَا إثْمَ فِي تَرْكِهِ وَإِلَّا لَزِمَ تَأْثِيمُ أَهْلِ الدُّنْيَا فَإِنْ قِيلَ: إنَّمَا انْتَفَى الْإِثْمُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ قُلْنَا: فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ فَرْضًا. وَأَقُولُ: الْوَجْهُ حَيْثُ انْتَفَتْ الْقُدْرَةُ حَتَّى قُدْرَةُ التَّوَصُّلِ إلَيْهِ الْتِزَامُ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: وَمَنْ لَا فَلَا) أَيْ وَمَنْ لَمْ يَظُنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَفْعَلْهُ بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ فَعَلَهُ وَأَوْلَى عَلِمَ أَوْ لَمْ يَظُنَّ شَيْئًا أَصْلًا إذْ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ مَسْأَلَةُ الشَّكِّ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَيَجِبُ عَلَى الثَّانِي وَالْفَرْقُ أَنَّهُ خُوطِبَ بِهِ ابْتِدَاءً عَلَى قَوْلِ الْكُلِّ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا إنْ ظَنَّ فِعْلَ الْغَيْرِ بِخِلَافِهِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ. (قَوْلُهُ: أَيْ يَصِيرُ بِذَلِكَ فَرْضَ عَيْنٍ) هُوَ بَيَانٌ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَلِذَا عَبَّرَ فِيهِ بِأَيٍّ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا مُرَادًا لِمَا يَلْزَمْ عَلَيْهِ مِنْ قَلْبِ الْحَقَائِقِ أَرْدَفَهُ بِبَيَانِ الْمَقْصُودِ فَقَالَ: يَعْنِي مِثْلَهُ وَلِذَا عَبَّرَ فِيهِ بِالْعِنَايَةِ وَقَيَّدَ الْمُمَاثَلَةَ بِوُجُوبِ الْإِتْمَامِ إشَارَةً إلَى افْتِرَاقِهِمَا بِوُجُوبِ الشُّرُوعِ فِي الْعَيْنِيِّ وَعَدَمِهِ فِي الْكِفَايَةِ فِي الْجُمْلَةِ. (قَوْلُهُ: بِجَامِعِ الْفَرْضِيَّةِ) قَدْ يُعْتَرَضُ كَوْنُهَا جَامِعًا بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَزِمَ اشْتِرَاكُهُمَا فِي وُجُوبِ الشُّرُوعِ، وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ قَالَهُ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ سم بِمَنْعِ انْتِفَاءِ اللَّازِمِ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الشُّرُوعِ الْوَاجِبِ هُوَ شُرُوعُ مَنْ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي أَدَاءِ الْفَرْضِ لَكِنَّهُ فَرْضُ الْعَيْنِ هُوَ الْجَمِيعُ وَفِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ هُوَ الْبَعْضُ، فَإِنَّ شُرُوعَ طَائِفَةٍ فِيهِ وَقِيَامَهُمْ بِهِ أَمْرٌ لَازِمٌ بِحَيْثُ لَوْ انْتَفَى أَثِمُوا فَقَدْ اشْتَرَكَ الْفَرْضَانِ فِي أَنَّ الشُّرُوعَ فِيمَا يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ أَمْرٌ وَاجِبٌ، وَإِنْ اُخْتُلِفَ مَنْ يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ فِيهِمَا فَظَهَرَ بِذَلِكَ ثُبُوتُ اللَّازِمِ وَعَدَمُ انْتِفَائِهِ اهـ. وَقَدْ يُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ هَذَا جَامِعٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الْفَارِقِ كَمَا أَشَارَ لِذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَصْدَ

стр. 240

وَقِيلَ: لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَصْدَ بِهِ حُصُولُهُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يَتَعَيَّنُ حُصُولُهُ مِمَّنْ شَرَعَ فِيهِ فَيَجِبُ إتْمَامُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا يَجِبُ الِاسْتِمْرَارُ فِي صَفِّ الْقِتَالِ جَزْمًا لِمَا فِي الِانْصِرَافِ عَنْهُ مِنْ كَسْرِ قُلُوبِ الْجُنْدِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ الِاسْتِمْرَارُ فِي تَعَلُّمِ الْعِلْمِ لِمَنْ آنَسَ الرُّشْدَ فِيهِ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مَطْلُوبَةٍ بِرَأْسِهَا مُنْقَطِعَةٌ عَنْ غَيْرِهَا بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَمَا ذَكَرَهُ تَبَعًا لِابْنِ الرِّفْعَةِ فِي مَطْلَبِهِ فِي بَابِ الْوَدِيعَةِ مِنْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ عَلَى الْأَصَحِّ بِالنَّظَرِ إلَى الْأُصُولِيِّ أَقْعَدُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْبَارِزِيُّ فِي التَّمْيِيزِ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا الْجِهَادَ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ، وَإِنْ كَانَ بِالنَّظَرِ إلَى الْفُرُوعِ أَضْبَطَ. (وَسُنَّةُ الْكِفَايَةِ) الْمُنْقَسِمُ إلَيْهَا وَإِلَى سُنَّةِ الْعَيْنِ مُطْلَقُ السُّنَّةِ الْمُتَقَدِّمِ حَدُّهُ (كَفَرْضِهَا) فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أُمُورٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا مِنْ حَيْثُ التَّمْيِيزُ عَنْ سُنَّةِ الْعَيْنِ مُهِمٌّ بِقَصْدِ حُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالتَّسْمِيَةِ لِلْأَكْلِ مِنْ جِهَةِ جَمَاعَةٍ فِي الثَّلَاثِ مَثَلًا ثَانِيهَا أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ سُنَّةِ الْعَيْنِ عِنْدَ الْأُسْتَاذِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ لِسُقُوطِ الطَّلَبِ بِقِيَامِ الْبَعْضِ بِهَا عَنْ الْكُلِّ الْمَطْلُوبِينَ بِهَا ثَالِثُهَا أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ مِنْ الْكُلِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ مِنْ بَعْضٍ مُبْهَمٍ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَقِيلَ: مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يَسْقُطُ الطَّلَبُ بِفِعْلِهِ وَبِفِعْلِ غَيْرِهِ ــ [حاشية العطار] حُصُولُهُ فِي الْجُمْلَةِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: لَا يَجِبُ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ يَتَعَيَّنُ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَوْلِهِ عَلَى الْأَصَحِّ لِمَا يَأْتِي أَنَّ التَّصْحِيحَ مُخْتَلِفٌ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَتَعَيَّنُ حُصُولُهُ) وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْفَرَاغِ مِنْهُ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ تَمَامُ إلَخْ) فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ التَّصْحِيحِ، وَإِنْ كَانَتْ مَحَلَّ الْخِلَافِ. (قَوْلُهُ: كَمَا يَجِبُ الِاسْتِمْرَارُ فِي صَفِّ الْقِتَالِ جَزْمًا) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي تَعْيِينِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي غَيْرِ الْجِهَادِ أَمَّا هُوَ فَمُتَّفَقٌ عَلَى تَعَيُّنِهِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، ثُمَّ هَذَا الِاسْتِمْرَارُ إتْمَامٌ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ الَّذِي هُوَ الْجِهَادُ فَيَحْتَاجُ لِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ فِي صَفِّ الْقِتَالِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْكَوْنُ فِيهِ إذْ هُوَ فَرْضُ الْكِفَايَةِ أَوْ الْمُرَادُ بِالصَّفِّ الِاصْطِفَافُ، ثُمَّ إنَّ هَذَا بِظَاهِرِهِ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّفِّ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِنِيَّةِ الْفِرَارِ مَعَ أَنَّ الْحَرَامَ إنَّمَا هُوَ تَرْكُ الْقِتَالِ فِرَارًا وَإِمَّا لِعُذْرٍ أَوْ لِرَاحَةٍ أَوْ تَحَيُّزٍ إلَى فِئَةٍ مَثَلًا مَعَ نِيَّةِ الْعَوْدِ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ. (قَوْلُهُ: لِمَا فِي الِانْصِرَافِ إلَخْ) تَعْلِيلٌ بِحَسَبِ الْمَظِنَّةِ فَلَا يُشْتَرَطُ حُصُولُهُ بِالْفِعْلِ وَمِثْلُ الْجِهَادِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ كِفَايَةٌ يَتَعَيَّنَانِ بِالشُّرُوعِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُمَا هُنَا اكْتِفَاءً بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ إتْمَامِ نَفْلِهِمَا. (قَوْلُهُ: لِمَنْ آنَسَ) وَإِلَّا فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الشُّرُوعُ حَتَّى يَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالتَّعَيُّنِ أَوْ عَدَمِهِ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ) هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاسْتِمْرَارِ فِي تَعَلُّمِ الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ وَإِطْلَاقُهُمْ يُنَافِيهِ قُلْنَا: الْمُرَادُ بِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ تَحْصِيلُ عِلْمِ مَا تَضَمَّنَهُ مَسَائِلُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ إذْ هِيَ الْمُثَبِّتَةُ بِالدَّلِيلِ فِي الْعِلْمِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الشُّرُوعُ فِيهِ بِأَقَلَّ مِنْ عِلْمِ حُكْمِ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ فَهُوَ لَمْ يَشْرَعْ بَعْدُ وَإِعْرَاضُهُ بَعْدَ تَصَوُّرِ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ وَالتَّرَدُّدِ فِي الْحُكْمِ إعْرَاضٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ لَا بَعْدَهُ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: أَقْعَدُ) أَيْ أَحْسَنُ وَضْعًا لِإِفَادَتِهِ قَاعِدَةً كُلِّيَّةً مُنَاسِبَةً قَوَاعِدِ الْأُصُولِ وَهِيَ كُلُّ فَرْضٍ كِفَائِيٍّ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ وَلَا يَضُرُّ اسْتِثْنَاءُ الْجِهَادِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ جَزْمًا؛ لِأَنَّ الْقَوَاعِدَ شَأْنُهَا أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهَا وَالْقَاعِدَةُ تُنَاسِبُ الْأُصُولَ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ هِيَ الْقَوَاعِدُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ الْبَارِزِيُّ بِالنَّظَرِ إلَى الْفُرُوعِ أَضْبَطَ أَيْ مِنْ جِهَةِ إفَادَتِهِ مَا يَتَعَيَّنُ وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى وَجْهِ الْحَصْرِ. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ التَّمْيِيزُ عَنْ سُنَّةِ الْعَيْنِ) ذَكَرَ الْحَيْثِيَّةَ دَفْعًا لِمَا قَدْ يُقَالُ: إنَّهُ عَرَّفَهَا بِمَا عَرَّفَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ فَيَلْزَمُ اخْتِلَالُ أَحَدِ التَّعْرِيفَيْنِ. (قَوْلُهُ: جَمَاعَةٌ) أَرَادَ بِهَا مَا فَوْقَ الْوَاحِدِ. (قَوْلُهُ: مَثَلًا) تَأْكِيدٌ لِلْكَافِ أَوْ أَحَدُهُمَا لِلْأَفْرَادِ الذِّهْنِيَّةِ وَالْآخَرُ لِلْأَفْرَادِ الْخَارِجِيَّةِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ سُنَّةَ الْكِفَايَةِ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ كَمَا قَالَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ الشَّاشِيُّ، فَإِنَّ مِنْهَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ الْآذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَمَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ مِمَّا نُدِبَ إلَيْهِ وَتَضْحِيَةُ الْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ بِالشَّاةِ الْوَاحِدَةِ لِتَأَدِّي شِعَارَ التَّضْحِيَةِ بِهَا (قَوْلُهُ: لِسُقُوطِ الطَّلَبِ) وَذَلِكَ كَافٍ فِي تَفْضِيلِ سُنَّةِ الْكِفَايَةِ فَانْدَفَعَ قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ لَا يَصِحُّ أَنَّ

стр. 241

وَقِيلَ مِنْ بَعْضٍ قَامَ بِهَا رَابِعُهَا أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهَا أَيْ تَصِيرُ بِهِ سُنَّةَ عَيْنٍ يَعْنِي مِثْلَهَا فِي تَأَكُّدِ طَلَبِ الْإِتْمَامِ عَلَى الْأَصَحِّ. (مَسْأَلَةُ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْفُقَهَاءِ وَمِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى (أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ جَوَازًا وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ الظُّهْرِ كَبَاقِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (وَقْتَ الْأَدَاءِ) ــ [حاشية العطار] سُنَّةَ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ سُنَّةِ الْعَيْنِ كَمَا قِيلَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِعَدَمِ تَأَتِّي سُقُوطِ الْإِثْمِ إذْ لَا إثْمَ فِي تَرْكِهَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَوْجَهُ تَفْضِيلُ سُنَّةِ الْعَيْنِ بِمِثْلِ مَا تَقَدَّمَ فِي دَلِيلِ تَفْضِيلِ فَرْضِ الْعَيْنِ قَالَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ: يَلْزَمُ عَلَى سُقُوطِ الطَّلَبِ أَنَّ الْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ إذَا فَعَلَتْ سُنَّةَ الْكِفَايَةِ لَا تَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ عَلَى فِعْلِهَا كَالْفِرْقَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الْمُدْرَكَ هُنَاكَ بَقَاءُ الطَّلَبِ، وَإِنْ سَقَطَ الْحَرَجُ وَالْغَرَضُ هُنَا سُقُوطُ الطَّلَبِ فَلَا ثَوَابَ وَعَلَى ذَلِكَ مَنْعٌ ظَاهِرٌ، وَلَوْ قِيلَ: إنَّ سُنَّةَ الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ مِنْ سُنَّةِ الْعَيْنِ لِسُقُوطِ اللَّوْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى تَرْكِهَا بِفِعْلِ الْقَائِمِ بِهَا لَكَانَ مُلَائِمًا لِمَا سَلَفَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ اهـ. وَعَلَيْهِ مَنْعٌ ظَاهِرٌ وَهُوَ أَنَّ الطَّلَبَ سَقَطَ عَنْ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِفِعْلِ الْأُولَى فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ مِنْ بَعْضِ إلَخْ) لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ هَذَا تَفْصِيلٌ فِي الْبَعْضِ. (قَوْلُهُ: فِي تَأَكُّدِ الطَّلَبِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ سُنِّيَّتَهَا لَا تَقْوَى عَنْ قَبْلُ، كَمَا فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ إذَا تَعَيَّنَ فَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ يَعْنِي مِثْلَهَا فِي تَخْصِيصِ الطَّلَبِ بِمَنْ شَرَعَ. [مَسْأَلَةُ الْأَكْثَرِ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ جَوَازًا وَقْتَ الْأَدَاءِ] (قَوْلُهُ: الْأَكْثَرِ أَنَّ جَمِيعَ وَقْتٍ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَقْتٌ لِأَدَائِهِ وَسَبَبِ وُجُوبِهِ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوَقْتِ لِسَبْقِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى تَعَلُّقِ الْفِعْلِ بِالْمُكَلَّفِ مُخَيَّرًا فِي أَجْزَاءِ الْوَقْتِ كَالتَّخْيِيرِ فِي الْمَفْعُولِ فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ شَارِحُ الْمِنْهَاجِ إنَّ حَقِيقَةَ الْمُوَسَّعِ تَرْجِعُ لِلْمُخَيَّرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَقْتِ كَأَنَّهُ قِيلَ لِلْمُكَلَّفِ: أَفْعَلُ أَمَّا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا. وَتَعْبِيرُهُ بِالْجَوَازِ يُفْهِمُ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ يَخْرُجُ إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْجَوَازِ وَهُوَ مُرَادُ الْأُصُولِيِّينَ، فَإِنَّ مُرَادَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُونُ الْفِعْلُ فِيهِ أَدَاءً اتِّفَاقًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ: إنَّ هَذَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَالْأَدَاءُ فِعْلُ بَعْضِ مَا دَخَلَ وَقْتُهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ يَمْتَدُّ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ مَعَ أَنَّ وَقْتَ الْجَوَازِ خَرَجَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الِاتِّفَاقِ بَلْ هُوَ زِيَادَةٌ جَرَى فِيهَا عَلَى طَرِيقِ الْفُقَهَاءِ وَكَرَّرَ مَنْ فِي قَوْلِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَمِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ لِيُفِيدَ أَنَّ الْأَكْثَرَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا مِنْ مَجْمُوعِهِمَا فَيَصْدُقُ بِالْأَقَلِّ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْأَكْثَرِ مِنْ الْآخَرِ وَالْمُرَادُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ مُتَكَلِّمُونَ إذْ لَا ارْتِبَاطَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعِلْمِ الْكَلَامِ بَلْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ أُصُولِيُّونَ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُمْ بِالْمُتَكَلِّمِينَ لِاشْتِهَارِهِمْ بِهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ جَمِيعَ إلَخْ) قَدَّرَ الشَّارِحُ عَلَى لِيَصِحَّ الْإِخْبَارُ بِهَا مَعَ مَا بَعْدَهَا عَنْ الْأَكْثَرِ وَحَذْفُ الْجَارِّ مُطَّرِدٌ قَبْلَ أَنْ، وَإِنْ وَالْمَعْنَى الْأَكْثَرُ مُتَّفِقُونَ أَوْ جَارُونَ عَلَى أَنَّ إلَخْ. (قَوْلُهُ: جَوَازًا) تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنْ الْمُضَافِ وَالْأَصْلُ وَقْتُ جَوَازِ الظُّهْرِ فَحَذَفَ الْمُضَافَ، ثُمَّ أَتَى بِهِ تَمْيِيزًا لِإِجْمَالِ النِّسْبَةِ الْحَاصِلِ بِحَذْفِهِ. (قَوْلُهُ: وَنَحْوِهِ) عَطْفٌ عَلَى الظُّهْرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ قَالَ النَّاصِرُ وَالْأَوْلَى تَقْدِيمُهُ عَلَى جَوَازًا؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَاتِ الْمُضَافِ إنَّمَا تُذْكَرُ بَعْدَهُ تَعَلُّقَاتُ الْمُضَافِ إلَيْهِ

стр. 242

فَفِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْهُ وَقَعَ فَقَدْ أُوقِعَ فِي وَقْتِ أَدَائِهِ الَّذِي يَسَعُهُ وَغَيْرُهُ وَلِذَلِكَ يُعْرَفُ بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَقَوْلُهُ جَوَازًا رَاجِعٌ إلَى الْوَقْتِ لِبَيَانِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي وَقْتِ الْجَوَازِ لَا فِي الزَّائِدِ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ فِيهِ أَدَاءً بِشَرْطِهِ (وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُؤَخِّرِ) أَيْ مُرِيدِ التَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ (الْعَزْمُ) فِيهِ عَلَى الْفِعْلِ بَعْدُ فِي الْوَقْتِ (خِلَافًا لِقَوْمٍ) كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِمْ ــ [حاشية العطار] (قَوْلُهُ: فَفِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْهُ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ بِجَمِيعٍ مِنْ اسْتِغْرَاقِ أَجْزَاءِ الْمُؤَكَّدِ وَهُوَ مَجْمُوعُ وَقْتِ الظُّهْرِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: الَّذِي يَسَعُهُ وَغَيْرُهُ الْوَاقِعُ نَعْتًا لِلْوَقْتِ الْمَذْكُورِ لَا أَيَّ جُزْءٍ مِنْهُ أُوقِعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسَعُهُ وَغَيْرُهُ وَالْمُرَادُ بِوَقْتِ الظُّهْرِ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَجْمُوعُ وَقْتِهِ الْعَائِدُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي مِنْهُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِجَمِيعِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْمُوعِ لَا الْمَجْمُوعَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَفِي أَيِّ جُزْءٍ إلَخْ، فَإِنَّهُ بَيَانٌ لِجَمِيعِ الْوَاقِعَةِ تَأْكِيدًا لِوَقْتِ الظُّهْرِ ذِي الْأَجْزَاءِ وَقْتَ أَدَائِهِ خَبَرٌ عَنْ جَمِيعِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْأَجْزَاءِ، فَيَصْدُقُ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَإِنَّ مَجْمُوعَ الْوَقْتِ وَقْتٌ مُوَسَّعٌ فَقَدْ أَتَى الشَّارِحُ بِمَا يُطَابِقُ مُقْتَضَى التَّأْكِيدِ بِجَمِيعٍ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قَالَهُ النَّاصِرُ أَنَّ فِي قَوْلِهِ الَّذِي يَسَعُهُ وَغَيْرِهِ إيمَاءً إلَى أَنَّ جَمِيعَ مُرَادًا بِهِ الْمَجْمُوعُ، وَأَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ هُوَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَنَّ أَجْزَاءَهُ هِيَ أَجْزَاءٌ لَهُ وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّأْكِيدُ بِجَمِيعَ أَنَّ الْمُؤَكَّدَ بِهَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَا أَجْزَاءٍ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا بِقَصْدِ شُمُولِ الْحُكْمِ لَهَا فَالْمُطَابِقُ لَهُ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ وَقْتِ الظُّهْرِ وَنَحْوِهِ جَوَازًا وَقْتٌ لِأَدَائِهِ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي أَنَّ مَجْمُوعَهَا وَقْتُ أَدَاءً أَيْضًا لِصِدْقِ حَدِّ الْوَقْتِ بِمَا سَبَقَ مِنْ الزَّمَانِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا عَلَيْهِ وَعَلَى كُلٍّ مِنْهَا. (قَوْلُهُ: وَلِذَلِكَ يُعْرَفُ إلَخْ) ضَمِيرُ يُعْرَفُ يَعُودُ لِلْمُؤَدَّى أَيْ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْأَدَاءِ وَقَوْلُهُ: الْمُوَسَّعُ وَقْتُهُ. (قَوْلُهُ: مِنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ مَا لَا يَسَعُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الْجَوَازِ هُوَ مَا يَسَعُهَا، فَمَا زَادَ عَلَيْهِ الَّذِي جَعَلَهُ وَقْتَ ضَرُورَةٍ هُوَ مَا لَا يَسَعُهَا سَوَاءٌ وَسِعَ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ أَوْ لَمْ يَسَعْ رَكْعَةً. وَقَدْ يُطْلِقُ الْفُقَهَاءُ وَقْتَ الضَّرُورَةِ عَلَى مِقْدَارِ تَكْبِيرَةٍ فَأَكْثَرَ مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ فِي حَقِّ مَنْ زَالَ عُذْرُهُ حِينَئِذٍ مِنْ أَرْبَابِ الْأَعْذَارِ كَحَيْضٍ وَجُنُونٍ وَإِغْمَاءٍ وَصِبًا فِي الْمَنْهَجِ وَلَوْ زَالَتْ الْمَوَانِعُ وَبَقِيَ قَدْرُ تَحَرُّمٍ وَخَلَا مِنْهَا قَدْرُ الطُّهْرِ وَالصَّلَاةِ لَزِمَتْ مَعَ فَرْضٍ قَبْلَهَا إنْ صَلَحَ لِجَمْعِهِ مَعَهَا وَخَلَا قَدْرُهُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ فِيهِ أَدَاءً) أَيْ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لَا عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ وَقَوْلُهُ: بِشَرْطِهِ هُوَ كَوْنُ الْمَفْعُولِ فِي الْوَقْتِ رَكْعَةً لَا أَقَلَّ. (قَوْلُهُ: أَيْ مُرِيدِ إلَخْ) وَإِلَّا فَبَعْدَ التَّأْخِيرِ بِالْفِعْلِ لَا يُعْقَلُ الْعَزْمُ لِمُضِيِّ مَا يَقَعُ فِيهِ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ فَنَبَّهَ بِمُرِيدٍ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْمُؤَخَّرِ مَجَازٌ. (قَوْلُهُ: الْعَزْمُ فِيهِ) أَيْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَقَوْلُهُ: بَعْدُ أَيْ بَعْدَ أَوَّلِ الْوَقْتِ. (قَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِمْ إلَخْ) قَالُوا: لَوْ جَازَ التَّرْكُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ وَهُوَ الْبَدَلُ عَنْ الْوَاجِبِ لَجَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ بِلَا بَدَلٍ وَالْمُلَازَمَةُ ظَاهِرَةٌ وَالتَّالِي بَاطِلٌ لِاسْتِلْزَامِهِ كَوْنَ الْوَاجِبِ غَيْرَ وَاجِبٍ وَرُدَّ بِأَنَّ الْعَزْمَ لَا يَصْلُحُ بَدَلًا عَنْ الْوَاجِبِ إذْ لَوْ صَحَّ بَدَلًا عَنْهُ لَتَأَدَّى بِهِ الْوَاجِبُ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ وَفِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّ بَدَلِيَّةَ الْعَزْمِ إنَّمَا هِيَ قَبْلَ التَّضْيِيقِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِتَأَدِّي الْوَاجِبِ بِالْعَزْمِ عِنْدَ تَحَقُّقِهِ سُقُوطُهُ أَصْلًا مُنِعَ اللُّزُومُ كَيْفَ وَالْفِعْلُ يَتَعَيَّنُ عِنْدَ التَّضْيِيقِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ تَحَقُّقَهُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ يَقُومُ مَقَامَ الْإِتْيَانِ بِهِ فِيهِ سَلِمَ اللُّزُومُ وَمَنَعَ بُطْلَانَ اللَّازِمِ كَيْفَ وَالْإِتْيَانُ بِهِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ عَلَى تَقْدِيرِ الْعَزْمِ فِيهِ غَيْرُ لَازِمٍ فَالرَّاجِحُ عِنْدَنَا مَعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، إمَّا الْفِعْلُ أَوْ الْعَزْمُ قِيلَ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَاَلَّذِي رَأَيْته بِخَطِّ بَعْضِ فُضَلَائِهِمْ أَنَّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عِنْدَهُمْ وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَإِنَّمَا يَضُرُّ الْعَزْمُ عَلَى التَّرْكِ وَيَكْفِي أَنَّهُ لَوْ سُئِلَ أَجَابَ بِالْفِعْلِ، ثُمَّ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُ الْقَاضِي أَنَّهُ يَجِبُ الْفِعْلُ أَوْ الْعَزْمُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ كَمَا فَهِمَ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ شَارِحِي الْمُخْتَصَرِ فَشَنَّعَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ هَفَوَاتِهِ وَمِنْ

стр. 243

بِوُجُوبِ الْعَزْمِ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ عَنْ الْمَنْدُوبِ فِي جَوَازِ التَّرْكِ وَأُجِيبَ بِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّ تَأْخِيرَ الْوَاجِبِ عَنْ الْوَقْتِ يُؤْثِمُ. (وَقِيلَ) وَقْتُ أَدَائِهِ (الْأَوَّلُ) مِنْ الْوَقْتِ لِوُجُوبِ الْفِعْلِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ (فَإِنْ أَخَّرَ) عَنْهُ (فَقَضَاءٌ) ، وَإِنْ فَعَلَ فِي الْوَقْتِ حَتَّى يَأْثَمَ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِهِ كَمَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَإِنْ نَقَلَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى نَفْيِ الْإِثْمِ وَلِنَقْلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ قَضَاءٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الْأَدَاءِ (وَقِيلَ) وَقْتُ أَدَائِهِ (الْآخَرُ) مِنْ الْوَقْتِ لِانْتِفَاءِ وُجُوبِ ــ [حاشية العطار] الْعَظَائِمِ فِي الدِّينِ وَمَا فَهِمَهُ الشَّارِحُ هُوَ مَا فَهِمَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ فِي طَرِيقَةِ الْقَاضِي أَنَّهُ إنَّمَا يُوجِبُ الْعَزْمَ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ وَلَا يُوجِبُ تَحْدِيدَهُ، ثُمَّ يَحْكُمُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْعَزْمَ يَنْسَحِبُ حُكْمُهُ عَلَى جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ الْمُسْتَقِلَّةِ، وَهَذَا كَانْبِسَاطِ النِّيَّةِ عَلَى الْعِبَادَةِ الطَّوِيلَةِ مَعَ عُزُوبِ النِّيَّةِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ بِهَذَا الرَّجُلِ الْعَظِيمِ غَيْرَ هَذَا غَيْرَ أَنَّا لَا نَرَى ذَلِكَ رَأْيًا اهـ. (قَوْلُهُ: فِي جَوَازِ التَّرْكِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةً لِلْمَنْدُوبِ أَيْ الْمُشَارِكِ لَهُ فِي جَوَازِ التَّرْكِ وَالْمُرَادُ بِالتَّرْكِ الْجَائِزِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاجِبِ التَّرْكُ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْفَرْضَ وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمَنْدُوبِ التَّرْكُ مُطْلَقًا فَلَمْ يَحْصُلْ تَمْيِيزٌ بَيْنَهُمَا فِي مُطْلَقِ التَّرْكِ إلَّا بِالْعَزْمِ فَتَرْكُ الْمَنْدُوبِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ وَتَرْكُ الْوَاجِبِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْعَزْمِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ أَنَّ تَأْخِيرَ الْوَقْتِ إلَخْ) أَيْ بِخِلَافِ الْمُنْدَبِ فَالْجَوَازُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ مُعَيَّنٌ دُونَ الْمَنْدُوبِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الِاشْتِرَاكَ فِي جَوَازِ التَّأْخِيرِ عَنْ زَمَنِ تَعَلُّقِ الطَّلَبِ وَهُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ فَانْدَفَعَ مَا قَالَهُ الْكَمَالُ: إنَّ الْمُرَادَ فِي الْجَوَابِ التَّأْخِيرُ عَنْ جُمْلَةِ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ كَلَامُهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي التَّأْخِيرِ عَنْ زَمَنِ تَعَلُّقِ الْوُجُوبِ وَمُرَادُهُمْ مِنْ التَّعْلِيلِ التَّمْيِيزُ الْحَاصِلُ بِتَمْيِيزِ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ أَنْ يُمَيِّزَ الْمُكَلَّفُ تَأْخِيرَهُ الْجَائِزَ عَنْ غَيْرِهِ وَمَا ذُكِرَ فِي الْجَوَابِ لَيْسَ مِنْ تَمْيِيزِ الْمُكَلَّفِ، ثُمَّ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ مَحَلُّهُ فِي الْعَزْمِ الْخَاصِّ عَلَى فِعْلِ الْفَرْضِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ كَمَا هُوَ الْمَفْرُوضُ، أَمَّا الْعَزْمُ الْعَامُّ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فِي جَمِيعِ التَّكَالِيفِ وَهُوَ أَنْ يَعْزِمَ الْمُكَلَّفُ عَلَى فِعْلِ كُلِّ وَاجِبٍ إجْمَالًا عِنْدَ مُلَاحَظَتِهِ مُجْمَلًا مَعَ غَيْرِهِ وَتَفْصِيلًا عِنْدَ تَذَكُّرِهِ بِخُصُوصِهِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: وَقْتُ أَدَائِهِ الْأَوَّلُ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ مَحْكُومٌ بِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْعِبَارَةِ الْأُولَى قَلْبًا وَقَوْلُهُ: الْأَوَّلُ مِنْ الْوَقْتِ أَيْ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ هُوَ الْقَدْرُ الَّذِي يَسَعُ فِعْلَ الْعِبَادَةِ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ دُونَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَالْفِعْلُ فِي ذَلِكَ الزَّائِدِ قَضَاءً عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ فَعَلَ فِي الْوَقْتِ) أَيْ وَقْتِ الْجَوَازِ عِنْدَ غَيْرِ هَذَا الْقَائِلِ أَمَّا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَوَقْتُ الْأَدَاءِ الْأَوَّلُ فَقَطْ لِمَا يَأْتِي لِلشَّارِحِ فِي قَوْلِهِ وَالْأَقْوَالُ إلَخْ. ١ - (قَوْلُهُ: حَتَّى يَأْثَمَ إلَخْ) حَتَّى تَفْرِيعِيَّةٌ فِي فَيَأْثَمُ مَرْفُوعٌ. (قَوْلُهُ: عَنْ بَعْضِهِمْ) أَيْ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْكَمَالُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمَعَالِمِ حِكَايَةُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَلَا يُعْرَفُ عِنْدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُتَّهَمُ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ نَقَلَ الْقَاضِي إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ نَقْلَ الشَّافِعِيِّ أَثْبَتُ وَأَوْلَى وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ (قَوْلُهُ: وَلِنَقْلِهِ) أَيْ نَقْلِ الْقَاضِي (قَوْلُهُ: يَسُدُّ مَسَدَّ الْأَدَاءِ) أَيْ فِي نَفْيِ الْإِثْمِ. (قَوْلُهُ: الْآخَرُ) أَيْ الْمِقْدَارُ الْآخَرُ الَّذِي يَسَعُ الصَّلَاةَ بِتَمَامِهَا فَقَطْ. (قَوْلُهُ: لِانْتِفَاءِ وُجُوبِ

стр. 244

الْفِعْلِ قَبْلَهُ (فَإِنْ قُدِّمَ) عَلَيْهِ بِأَنْ فُعِلَ قَبْلَهُ فِي الْوَقْتِ (فَتَعْجِيلٌ) أَيْ فَتَقْدِيمُهُ تَعْجِيلٌ لِلْوَاجِبِ مُسْقِطٌ لَهُ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ وُجُوبِهَا (وَ) قَالَتْ (الْحَنَفِيَّةُ) وَقْتَ أَدَائِهِ (مَا) أَيْ الْجُزْءَ الَّذِي (اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ مِنْ الْوَقْتِ) أَيْ لَاقَاهُ الْفِعْلُ بِأَنْ وَقَعَ فِيهِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ الْأَدَاءُ بِجُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ بِأَنْ لَمْ يَقَعْ الْفِعْلُ فِي الْوَقْتِ (فَالْآخَرُ) أَيْ فَوَقْتُ أَدَائِهِ الْجُزْءُ الْآخَرُ مِنْ الْوَقْتِ لِتَعَيُّنِهِ لِلْفِعْلِ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَقَعْ فِيمَا قَبْلَهُ. (وَ) قَالَ (الْكَرْخِيُّ: إنْ قُدِّمَ) الْفِعْلُ عَلَى آخِرِ الْوَقْتِ بِأَنْ وَقَعَ قَبْلَهُ فِي الْوَقْتِ (وَقَعَ) مَا قُدِّمَ (وَاجِبًا بِشَرْطِ بَقَائِهِ) أَيْ بَقَاءِ الْمُقَدِّمِ لَهُ (مُكَلَّفًا) إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ كَذَلِكَ كَأَنْ مَاتَ أَوْ جُنَّ وَقَعَ مَا قَدَّمَهُ نَفْلًا فَشَرْطُ الْوُجُوبِ عِنْدَهُ أَنْ يَبْقَى مِنْ إدْرَاكِهِ الْوَقْتُ بِصِفَةِ التَّكْلِيفِ إلَى آخِرِهِ الْمُتَبَيِّنِ بِهِ ــ [حاشية العطار] إلَخْ) أَيْ الْوُجُوبُ التَّخْيِيرِيُّ فَلَا يَرِدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ فِي مَحَلِّ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ مُوَسَّعٌ وَبِتَضْيِيقٍ فِي آخِرِ الْوَقْتِ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ) أَيْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَإِلَّا فَجُمْهُورُهُمْ قَائِلٌ بِمَا قُلْنَا مِنْ إثْبَاتِ الْوُجُوبِ الْمُوَسَّعِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ كَمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ اهـ. زَكَرِيَّا قَالَ بَعْضُ مَنْ كَتَبَ عَلَى الْمِنْهَاجِ: إنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مُتَعَيِّنٌ لِسَبَبِيَّةِ الْوُجُوبِ إذَا اتَّصَلَ الْأَدَاءُ بِهِ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ وَإِلَّا تَنْتَفِلُ السَّبَبِيَّةُ مِنْهُ إلَى الثَّانِي، ثُمَّ إلَى الثَّالِثِ وَهَكَذَا، فَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْأَدَاءُ إلَى الْآخَرِ تَقَرَّرَتْ السَّبَبِيَّةُ فِيهِ لِعَدَمِ مَا يَنْتَقِلُ إلَيْهِ بَعْدَهُ، فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فَالسَّبَبُ كُلُّ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ وَذَكَرُوا أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ بِآخِرِهِ فَصِحَّةُ الصَّلَاةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ قَدْ تَوَجَّهَ لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ التَّأْخِيرِ. وَأَمَّا عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَصِحَّةُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَأَوْسَطُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى انْعِقَادِ السَّبَبِ لَا لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ إذْ الْخِطَابُ عِنْدَهُمْ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ فِي الْوَقْتِ لَا فِي أَوَّلِهِ. (قَوْلُهُ: مَا اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ مِنْ الْوَقْتِ) يَصْدُقُ بِكُلِّ الْوَقْتِ إذَا اسْتَغْرَقَ فِيهِ الصَّلَاةَ وَبِأَوَّلِهِ وَبِآخِرِهِ. (قَوْلُهُ: أَيْ لَاقَاهُ) تَفْسِيرٌ لِلِاتِّصَالِ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَلَمَّا كَانَتْ الْمُلَاقَاةُ صَادِقَةً بِالْمُلَاقَاةِ عَلَى وَجْهِ الْحُلُولِ وَعَلَى مُجَرَّدِ اللُّصُوقِ وَالْمُرَادُ الْأُولَى فَسَّرَهَا بَعْدُ بِقَوْلِهِ بِأَنْ وَقَعَ فِيهِ إلَخْ وَانْدَفَعَ مَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ مِنْ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ مَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ. (قَوْلُهُ: وَقَعَ وَاجِبًا بِشَرْطِ بَقَائِهِ مُكَلَّفًا) قَالَ النَّاصِرُ: فِيهِ إشْكَالٌ؛ لِأَنَّ وَاجِبًا حَالٌ، فَإِنْ كَانَتْ مُقَارِنَةً لِعَامِلِهَا لَزِمَ أَنَّ شَرْطَ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْبَقَاءُ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ وَالشَّرْطُ إنَّمَا يَتَقَدَّمُ أَوْ يُقَارِنُ، وَإِنْ كَانَتْ مُقَدَّرَةً لَزِمَ أَنَّ صِفَةَ الْفِعْلِ أَيْ وُجُوبَهُ يُوجَدُ بَعْدَ انْعِدَامِهِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْبَقَاءَ شَرْطٌ لِلْحُكْمِ عَلَى الْمَعْدُومِ بِالْوُجُوبِ لَا لِلْوُجُوبِ وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ الْعَضُدِ، وَأَمَّا إذَا بَقِيَ فَيُعْلَمُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ كَانَ وَاجِبًا وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْمُتَبَيِّنُ بِهِ الْوُجُوبُ فَقَوْلُهُ: فَشَرْطُ الْوُجُوبِ عِنْدَهُ أَيْ الْحُكْمُ بِهِ اهـ. قَالَ سم وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ مَعْنَى وَقَعَ تَبَيَّنَ أَيْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وُقُوعُهُ وَاجِبًا، وَلَا يَخْفَى مُغَايِرَةُ هَذَا الْجَوَابِ لِجَوَابِ الشَّيْخِ وَأَنَّهُ أَوْفَقُ بِقَوْلِ الشَّارِحِ الْمُتَبَيِّنِ بِهِ الْوُجُوبُ وَأَنَّ مَبْنَى جَوَابِ الشَّيْخِ عَلَى اخْتِيَارِ أَنَّ الْحَالَ مُنْتَظِرَةٌ أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مَحْكُومًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِوُجُوبِهِ بِشَرْطِ بَقَائِهِ فَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّ الْبَقَاءَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ آخِرَ الْوَقْتِ وَهُوَ وَقْتُ الْحُكْمِ لِيَتَقَارَنَ الشَّرْطُ وَالْمَشْرُوطُ. وَأَمَّا جَعْلُ وَاجِبًا بِهَذَا الْمَعْنَى حَالًّا مُقَارَنَةً فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْبَقَاءِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الْحَالِ فَكَيْفَ يَتَحَقَّقُ الْحُكْمُ فِي الْحَالِ وَجَعْلُ الشَّرْطِ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَبْقَى لَا يَخْلُصُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ فِي الْحَالِ لِلْحُكْمِ هَذَا. وَقَدْ أَوْرَدَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنَّ الْفِعْلَ حَالَ الْوُقُوعِ لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِآخِرِ الْوَقْتِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُنْتَفَى وَصْفُنَا لَهُ وَحُكْمُنَا عَلَيْهِ لَا فِي الْوَاقِعِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَعَدَمُ الْوَصْفِ بِاعْتِبَارِ مَا عِنْدَنَا لَا ضَرَرَ فِيهِ. (قَوْلُهُ: الْمُتَبَيَّنُ بِهِ) بِالْفَتْحِ أَيْ الْمُحَقَّقُ وَبِالْكَسْرِ أَيْ الْمُتَحَقِّقُ قَالَ النَّاصِرُ هُوَ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ الْمُنْسَبِكِ مِنْ أَنْ وَالْفِعْلِ أَيْ الْبَقَاءُ فَهُوَ مَرْفُوعٌ وَلَيْسَ مَجْرُورًا صِفَةً لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ التَّبَيُّنَ بِالْبَقَاءِ لَا بِالْآخَرِ وَصَحَّحَ سم جَعْلَهُ صِفَةً لَهُ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ مُقَيَّدٌ

стр. 245

الْوُجُوبُ، وَإِنْ أَخَّرَ الْفِعْلَ عَنْهُ وَيُؤْمَرُ بِهِ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ صِفَةُ التَّكْلِيفِ فَحَيْثُ وَجَبَ فَوَقْتُ أَدَائِهِ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ، وَإِنْ خَالَفَهُمْ فِيمَا شَرَطَهُ فَذَكَرُهُ الْمُصَنِّفُ دُونَ الْأَوَّلِ الْمَعْلُومِ مِمَّا قَدَّمَهُ وَالْأَقْوَالُ غَيْرُ الْأَوَّلِ مُنْكِرَةٌ لِلْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ لِاتِّفَاقِهَا عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ لَا يَفْضُلُ عَنْ الْوَاجِبِ (وَمَنْ أَخَّرَ) الْوَاجِبَ الْمَذْكُورَ بِأَنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ مَثَلًا (مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ) عَقِبَ مَا يَسَعُهُ مِنْهُ مَثَلًا (عَصَى) لِظَنِّهِ فَوَاتَ الْوَاجِبِ بِالتَّأْخِيرِ (فَمَنْ عَاشَ وَفَعَلَهُ) فِي الْوَقْتِ (فَالْجُمْهُورُ) قَالُوا: فِعْلُهُ (أَدَاءً) ؛ لِأَنَّهُ فِي الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا. (وَ) قَالَ (الْقَاضِيَانِ أَبُو بَكْرٍ) الْبَاقِلَّانِيُّ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ (وَالْحُسَيْنُ) مِنْ الْفُقَهَاءِ فِعْلُهُ (قَضَاءً) ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي تُضَيِّقَ ــ [حاشية العطار] بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ بِحُصُولِ الْبَقَاءِ إلَيْهِ أَيْ الْمُتَبَيِّنُ بِالْآخِرِ الَّذِي حَصَلَ الْبَقَاءُ إلَيْهِ وَمَا قَالَهُ النَّاصِرُ أَوْضَحُ مَعَ سَلَامَتِهِ عَنْ التَّكَلُّفِ الْمَذْكُورِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَخَّرَ الْفِعْلَ عَنْهُ) مُبَالَغَةً عَلَى التَّبَيُّنِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْآخَرَ الْحَاصِلَ الْبَقَاءُ إلَيْهِ يَتَبَيَّنُ بِهِ وُجُوبُ الْفِعْلِ قُدِّمَ عَلَيْهِ أَوَاخِرُ. (قَوْلِهِ وَيُؤْمَرُ بِهِ قَبْلَهُ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: إنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ قِيلَ: الْآخَرُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ قَبْلَهُ وَعَلَى كَلَامِ الْكَرْخِيِّ هَذَا إذَا ظَنَّ الْمَوْتَ آخِرَ الْوَقْتِ لَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَكْسَ كَلَامِ الْقَوْمِ الْآتِي؛ لِأَنَّ ظَنَّ الْمَوْتِ عَارِضُ الْأَصْلِ. (قَوْلُهُ: فَحَيْثُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَشَرْطُ الْوُجُوبِ مَعَ الْمُبَالَغَةِ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَخَّرَ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَوَقْتُ أَدَائِهِ إلَخْ) ؛ لِأَنَّهُ اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ. (قَوْلُهُ: كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ) الْأَوْلَى حَذْفُ الْكَافِ. (قَوْلُهُ: فَذَكَرَهُ) أَيْ الشَّرْطَ الَّذِي خَالَفَ فِيهِ (قَوْلُهُ: دُونَ الْأَوَّلِ) وَهُوَ أَنَّ وَقْتَ الْأَدَاءِ عِنْدَهُ مَا مَرَّ وَوُصِفَ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ ذُكِرَ قَبْلَ مَا شَرَطَهُ فِي قَوْلِ الشَّارِحِ فَوَقْتُ أَدَائِهِ إلَى قَوْلِهِ فِيمَا شَرَطَهُ. (قَوْلُهُ: الْمَعْلُومُ مِمَّا قَدَّمَهُ) فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ أَيْ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِمَّا قَدَّمَهُ فِي بَيَانِ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْكَرْخِيِّ مِنْهُمْ فَقَوْلُهُ: قَوْلُهُمْ: وَلَمَّا انْفَرَدَ عَنْهُمْ بِالشَّرْطِ تَعَرَّضَ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَالْأَقْوَالُ غَيْرُ الْأَوَّلِ مُنْكَرَةٌ) لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ وَقْتٌ مُوَسَّعٌ يُوقَعُ فِيهِ الْفِعْلُ، وَقَدْ يُقَالُ: هَذَا لَا يَظْهَرُ عَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْكَرْخِيِّ لِوُجُودِ السَّعَةِ بِعَدَمِ تَعْيِينِ الْوَقْتِ الَّذِي يُوقَعُ فِيهِ بِخِلَافِ مَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ أَوْ الْآخِرِ نَعَمْ بَعْدَ الْوُقُوعِ بِالْفِعْلِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ صَارَ الْوَقْتُ مُضَيَّقًا وَالْكَلَامُ فِيمَا قَبْلَ الْفِعْلِ عَلَى أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالتَّوْسِيعِ عَدَمُ الْحَرَجِ كَانَ حَاصِلًا عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي نَقَلَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (قَوْلُهُ: وَمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ فُرُوعِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، وَقَوْلُهُ: مَثَلًا الْأَوَّلُ رَاجِعٌ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ أَيْ أَوْ ثَانِيهِ وَمَثَلًا الثَّانِيَةُ رَاجِعَةٌ إلَى الْمَوْتِ أَيْ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ حَيْضٍ لِعَادَةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: عَقِبَ مَا يَسَعُهُ مِنْهُ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ عَقِبَ مَا لَا يَسَعُهُ مِنْهُ لَمْ يَأْثَمْ وَلَيْسَ بَعِيدًا لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلٍ فِيهِ اهـ. سم. (قَوْلُهُ: بِالتَّأْخِيرِ) أَيْ بِالشُّرُوعِ فِي التَّأْخِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِفَوَاتٍ أَوْ ظَنَّ وَجَعَلَهُ الْكَمَالُ مُتَعَلِّقًا بِعَصَى، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ تَرَكَ الِاشْتِغَالَ بِهِ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ سَوَاءٌ كَانَ تَرْكُ الِاشْتِغَالِ مَعَ ذَلِكَ الظَّنِّ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ ثَانِيهِ، وَهَكَذَا فَمَنْ تَرَكَ الِاشْتِغَالَ بِهِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ وَهُوَ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الْعِبَادَةَ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ عَقِبَ ذَلِكَ الْجُزْءِ كَانَ عَاصِيًا بِذَلِكَ التَّأْخِيرِ وَمِثْلُهُ لَوْ تَرَكَ الِاشْتِغَالَ بِهِ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مَعَ ظَنِّهِ الْمَوْتَ عَقِبَهُ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ وَهَكَذَا (قَوْلُهُ: فَالْجُمْهُورُ قَالُوا) إشَارَةً إلَى أَنَّ خَبَرَ الْجُمْهُورِ مَحْذُوفٌ وَأَنَّ أَدَاءً خَبَرٌ

стр. 246

عَلَيْهِ بِظَنِّهِ، وَإِنْ بَانَ خَطَؤُهُ (وَمَنْ أَخَّرَ) الْوَاجِبَ الْمَذْكُورَ بِأَنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ مَثَلًا (مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ) مِنْ الْمَوْتِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَمَاتَ فِيهِ قَبْلَ الْفِعْلِ (فَالصَّحِيحُ) أَنَّهُ (لَا يَعْصِي) ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ جَائِزٌ لَهُ وَالْفَوَاتَ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ وَقِيلَ: يَعْصِي وَجَوَازُ التَّأْخِيرِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ (بِخِلَافِ مَا) أَيْ الْوَاجِبِ الَّذِي ــ [حاشية العطار] لِمَحْذُوفٍ وَلَيْسَ خَبَرًا عَنْ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَانَ خَطَؤُهُ) أَيْ فَتَبَيُّنُ خَطَأِ الظَّنِّ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّضْيِيقِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِهِ وَيُجَابُ مِنْ طَرَفِ الرَّاجِحِ بِمَنْعِ التَّضْيِيقِ بِالظَّنِّ، فَقَدْ قَالَ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ جَمِيعِ الْوَقْتِ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ كَمَا كَانَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ مُوجِبًا لِلْعِصْيَانِ بِالتَّأْخِيرِ مُخَالَفَةَ هَذَا الْأَصْلِ وَتَضْيِيقُ الْوَقْتِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا بَقِيَ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي ظَنَّ مَوْتَهُ فِيهِ كَانَ فِعْلُ الْوَاجِبِ فِيهِ بَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ قَضَاءً اهـ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ فَرَضَ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ حَيْثُ أَحْرَمَ مَعَ إمَامِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي تَضِيقُ بِظَنِّهِ وَأَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً هَلْ يَأْتِي بِهَا جُمُعَةً أَوْ يُصَلِّي ظُهْرًا؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى جُمُعَةً وَفِي نِيَّةِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ التَّعَرُّضِ لَهَا، وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَفِي الْقَصْرِ إذَا كَانَ ظَنُّهُ فِي السَّفَرِ وَقُلْنَا فَائِتَةُ السَّفَرِ لَا تُقْضَى فِي السَّفَرِ وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ. (تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا مَضَى مِنْ وَقْتِ الظَّنِّ إلَى حِينِ الْفِعْلِ زَمَنٌ يَسَعُ الْفَرْضَ حَتَّى يَتَّجِهَ الْقَوْلُ بِالْقَضَاءِ أَمَّا إذَا لَمْ يَمْضِ ذَلِكَ وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ مِنْ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ فَشَرَعَ فِيهَا فَلْيَكُنْ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إذَا وَقَعَ بَعْضُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا أَوْقَعَ رَكْعَةً فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ وَإِلَّا فَقَضَاءٌ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ إلَخْ) مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ مُتَدَافِعٌ فِي الشَّكِّ فِي ذَلِكَ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ كَظَنِّ السَّلَامَةِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يُؤَثِّمُ بِالشَّكِّ فِي الْفُرُوعِ. اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: مِنْ الْمَوْتِ) أَيْ مَثَلًا وَإِلَّا فَغَيْرُ الْمَوْتِ مِنْ مَوَانِعِ الْوُجُوبِ كَالْمَجْنُونِ وَغَلَبَةُ النَّوْمِ مُلْحَقٌ بِالْمَوْتِ. اهـ. سم. (قَوْلُهُ: إلَى آخِرِهِ) أَيْ آخِرِ الْوَقْتِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلَامَةِ قَالَ سم: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى ظَنِّ السَّلَامَةِ إلَى آخِرِهِ ظَنُّ السَّلَامَةِ إلَى مَا يَسَعُ مِثْلَيْهِ مَثَلًا وَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْقَدْرِ الْمَظْنُونِ مَا يَسَعُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ لِمَ قَيَّدَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَلَعَلَّهُ اطَّلَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ فِي كَلَامِهِمْ بِمَا إذَا ظَنَّ السَّلَامَةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَذَكَرَهُ اقْتِدَاءً بِهِمْ اهـ. (قَوْلُهُ: وَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ) أَيْ وَقَبْلَ ضِيقِ الْوَقْتِ عَنْهُ، ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِالْمَوْتِ زَادَهُ الشَّارِحُ وَأَفْصَحَ بِهِ غَيْرُهُ لِأَجْلِ مُقَابِلِ الصَّحِيحِ اهـ نَاصِرٌ. (قَوْلُهُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعْصِي) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَزَمَ عَلَى الْفِعْلِ وَإِلَّا فَلَا يَعْصِي قَطْعًا كَمَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ فَتَرْجِيحُ عَدَمِ عِصْيَانِهِ إذَا لَمْ يَعْزِمْ ظَاهِرٌ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْعَزْمِ، أَمَّا عَلَى مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ وُجُوبِهِ فَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ عِصْيَانِهِ، وَأَفَادَ كَلَامُ الشَّارِحِ كَالْمُصَنِّفِ أَنَّ مَحَلَّ الْعِصْيَانِ إذَا رَفَعَ السَّبَبُ الْوُجُوبَ، فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ كَنَوْمٍ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا نَامَ فِي الْوَقْتِ إلَى أَنْ خَرَجَ، فَإِنْ ظَنَّ تَيَقُّظَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ لَمْ يَعْصَ وَإِلَّا عَصَى اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَجَوَازُ التَّأْخِيرِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ)

стр. 247

(وَقْتُهُ الْعُمْرُ كَالْحَجِّ) فَإِنَّ مَنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ أَنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَوْتِ أَيْ مُضِيِّ وَقْتٍ يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ فِيهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ يَعْصِي عَلَى الصَّحِيحِ وَإِلَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْوُجُوبُ وَقِيلَ: لَا يَعْصِي لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ لَهُ وَعِصْيَانِهِ فِي الْحَجِّ ــ [حاشية العطار] جَوَابٌ عَمَّا قَبْلَهُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ لِلصَّحِيحِ تَقْرِيرُ الِاسْتِدْلَالِ التَّأْخِيرُ جَائِزٌ لَهُ فَلَا يَعْصِي بِهِ إذْ لَا تَأْثِيمَ بِالْجَائِزِ، وَتَحْرِيرُ الْجَوَابِ قَوْلُكُمْ التَّأْخِيرُ جَائِزٌ لَهُ قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَهِيَ مَنْفِيَّةٌ هَاهُنَا فَلِذَلِكَ عَصَى بِهِ وَالْأَوَّلُ يَقُولُ: ادِّعَاءُ أَنَّ جَوَازَ التَّأْخِيرِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَكُونَ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ فَائِدَةٌ إذْ لَا يُمْكِنُ الْمُكَلَّفُ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي هُوَ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ أَمْرٌ لَا يُمْكِنُهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، فَلَوْ كُلِّفَ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ لَكَانَ تَكْلِيفَ مُحَالٍ. وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ جَوَازِ التَّأْخِيرِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِهَا وَأَجَابَ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِعِلْمِ سَلَامَتِهَا، وَنَاقَشَهُ سم بِأَنَّ الْعِلْمَ بِالسَّلَامَةِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ جَوَازِ التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدُ وَالْجَوَازُ مَحْكُومٌ بِهِ فِي الْحَالِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ أَيْضًا لَا يُقَالُ الشَّيْخُ لَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ فِي الْحَالِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَحْكُومًا بِهِ فِي الْحَالِ مَا صَحَّ إيرَادُ الشَّيْخِ السُّؤَالَ. (قَوْلُهُ: وَقْتُهُ الْعُمْرُ) أَيْ زَمَنُ التَّكْلِيفِ بِهِ الْعُمْرُ وَمَعْنَى كَوْنِ الْعُمْرِ كُلِّهِ وَقْتًا لِلْحَجِّ كَوْنُ الشَّيْخِ مُخَاطَبًا بِهِ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ مِنْ الْبُلُوغِ إلَى آخِرِهِ، فَإِنْ عَاشَ الشَّخْصُ خَمْسِينَ عَامًا مَثَلًا بَعْدَ بُلُوغِهِ وَأَمْكَنَهُ الْفِعْلُ فِي خَمْسَةٍ مِنْهَا مَثَلًا وَلَمْ يَفْعَلْ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا وَهَلْ عِصْيَانُهُ بِآخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَهِيَ الْخَامِسَةُ فِي مِثَالِنَا لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ إلَيْهَا أَوْ بِأَوَّلِهَا لِاسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ حِينَئِذٍ وَالْعِصْيَانُ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلَى سُنَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ أَقْوَالٌ أَرْجَحُهَا الْأَوَّلُ. (قَوْلُهُ: بَعْدُ إنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ) الْمُرَادُ بِإِمْكَانِ الْفِعْلِ هُنَا الْقُدْرَةُ بِأَنْ تَتَحَقَّقَ الِاسْتِطَاعَةُ الْمُبَيَّنَةُ فِي الْفِقْهِ بِخِلَافِ الْإِمْكَانِ فِي قَوْلِهِ الْآتِي يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ تَسَعَهُ الْمُدَّةُ. (قَوْلُهُ: مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَوْتِ) وَبِالْأَوْلَى مَعَ الشَّكِّ فِي السَّلَامَةِ أَوْ ظَنِّ عَدَمِهَا. (قَوْلُهُ: إلَى مُضِيِّ وَقْتٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلَامَةِ أَوْ بِآخِرِهِ وَلَمْ يَقُلْ إلَى آخِرِ الْعُمْرِ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ أَوَّلًا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ ظَنَّ السَّلَامَةِ إلَى آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ يَمْنَعُ عِصْيَانَ مَنْ مَاتَ فِيهِ قَبْلَ فِعْلِهَا حَيْثُ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُهَا بِخِلَافِ ظَنِّ السَّلَامَةِ إلَى آخِرِ وَقْتِ الْحَجِّ وَهُوَ آخِرُ الْعُمْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ عِصْيَانَ مَنْ مَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ حَيْثُ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ تَسَعُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي عِصْيَانِ تَرْكِ الْحَجِّ الْمَوْتُ بِغَيْرِ فِعْلٍ بَعْدَ أَوَّلِ مُدَّةٍ تَسَعُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) وَإِلَّا نَقَلَ بِالْعِصْيَانِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْصِ بِتَأْخِيرِهِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَاجِبِ الْمُؤَقَّتِ بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ وَالْمُؤَقَّتِ بِالْعُمْرِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْوُجُوبُ بِتَأْخِيرِهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الظُّهْرِ، فَإِنَّ لِجَوَازِ تَأْخِيرِهِ غَايَةً مَعْلُومَةً يَتَحَقَّقُ مَعَهَا الْوُجُوبُ وَهُوَ أَنْ لَا يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ إلَّا مَا يَسَعُهُ فَقَطْ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ مَا قُدِّرَ لَهُ وَقْتٌ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى وَقْتِ أَدَائِهِ، وَأَنَّ مَا وَقْتُهُ الْعُمْرُ كَالْحَجِّ وَالْمَنْدُوبِ الَّذِي لَمْ يُؤَقَّتْ وَالْفَائِتُ بِعُذْرٍ غَيْرِ رَمَضَانَ لَا يُسَمَّى بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَمَنْ سَمَّاهُ بِذَلِكَ كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ فَقَدْ تَجَوَّزَ لِشَبَهِهِ بِالْمُوَسَّعِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَهُ الْحَنَفِيَّةُ قِسْمًا بِرَأْسِهِ وَسَمَّوْهُ الْمُشْكِلَ، فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا الْوَاجِبَ الْمُقَيَّدَ بِوَقْتٍ إلَى الْمُوَسَّعِ وَهُوَ مَا يَفْضُلُ عَنْهُ وَقْتُهُ وَيُسَمُّونَ وَقْتَهُ ظَرْفًا وَالْمُضَيَّقُ وَهُوَ مَا يُسَاوِيهِ وَقْتُهُ وَيُسَمُّونَ وَقْتَهُ مِعْيَارًا، أَوْ الْمُشْكِلَ وَهُوَ مَا لَا يُعْلَمُ زِيَادَتُهُ وَلَا مُسَاوَاتُهُ كَالْحَجِّ. (قَوْلُهُ:

стр. 248

مِنْ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ إلَيْهَا، وَقِيلَ مِنْ أَوَّلِهَا لِاسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ حِينَئِذٍ، وَقِيلَ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلَى سَنَةٍ بِعَيْنِهَا. ــ [حاشية العطار] وَعِصْيَانُهُ فِي الْحَجِّ) أَيْ لَا يَتَبَيَّنُ عِصْيَانُهُ إلَّا بِذَلِكَ، وَقَدْ اقْتَصَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ فَأَمَّا الْأَمْرُ الْمُسْتَرْسِلُ عَلَى الْعُمْرِ فَاَلَّذِي أَرَاهُ فِيهِ أَنَّ مِنْ آخِرِهِ لَا يَقْطَعُ الْقَوْلَ فِيهِ بِنَفْيِ الْإِثْمِ عَنْهُ وَلَا يُطْلَقُ ذَلِكَ إلَّا مَشْرُوطًا فَعَلَى هَذَا أَدَاءُ الْحَجِّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ مِنْ أَوَّلِ سَنَةِ الِاسْتِطَاعَةِ وَعَلَيْهِ لَوْ أَخَّرَ الْحَظْرَ فِي التَّعَرُّضِ لِلْمَأْثَمِ وَالْخَوْفُ فِي نَفْسِهِ أَلَمٌ نَاجِزٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ انْبَسَطَتْ الْمَعْصِيَةُ عَلَى جَمِيعِ سِنِي الْإِمْكَانِ اهـ. وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ مَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَتِهِ بَيْنَ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ، فَإِنْ حَكَمَ بِعِصْيَانِهِ مِنْ الْأَخِيرَةِ لَمْ يُنْتَقَضْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِحَالٍ، وَإِنْ عَصَيْنَاهُ مِنْ الْأُولَى فَفِي نَقْضِهِ الْقَوْلَانِ فِيمَا إذَا بَانَ فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ. (قَوْلُهُ: مِنْ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ) أَيْ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي لَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُ لَمْ يَسَعْهُ مِنْ آخِرِهَا اهـ. زَكَرِيَّا وَآخِرُ وَصْفٍ لِعَامٍ مُقَدَّرٍ أَيْ مِنْ عَامِ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَلَوْ كَانَ وَصْفًا لِسَنَةٍ لَقَالَ أُخْرَى وَسِنِي الْإِمْكَانِ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ لَا بِتَشْدِيدِهَا؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ سِنِينَ حُذِفَتْ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ. (غَرِيبَةٌ) اطَّلَعْت عَلَى مُؤَلَّفَيْنِ عَظِيمَيْنِ كَبِيرَيْ الْحَجْمِ جِدًّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِدَّةُ مُجَلَّدَاتٍ ضَخْمَةٍ بِالْخُطُوطِ الْقَدِيمَةِ ظَفِرْت بِهِمَا حِينَ اطِّلَاعِي عَلَى الْخِزَانَةِ الْمُؤَيِّدِيَّةِ، وَهُمَا لِلْعَلَّامَةِ الْمُجْتَهِدِ حَافِظِ الْأَنْدَلُسِ أَحَدُهُمَا يُسَمَّى بِالْأَحْكَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ فِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ وَالثَّانِي بِالْمُحَلَّى فِي الْفُرُوعِ وَوَجَدْت فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُخَالَفَاتٍ كَثِيرَةً لِمَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. وَقَدْ أَطَالَ الْقَوْلَ عِنْدَ مَوْضِعِ الْمُخَالَفَةِ لِغَيْرِهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ وَلَا بِشَأْنِ الْأَرْبَعَةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَغَالِبُ مَا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْأَخْذُ بِظَوَاهِر الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعَ الْبَيَانِ الْفَصِيحِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ مِثْلُهُ عَنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ، فَإِنَّهُمْ السَّابِقُونَ فِي مَيْدَانِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ يَشْهَدُ بِذَلِكَ مَنْ نَظَرَ فِي كَلَامِهِمْ، فَمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَسْأَلَتِنَا هَذِهِ مَا لَخَّصْته مِنْ كَلَامٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُرْتَبِطَ بِوَقْتٍ لَا فُسْحَةَ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ تَعْجِيلُ أَدَائِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ وَلَا تَأْخِيرُهُ عَنْهُ كَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ جَاءَ نَصٌّ بِالتَّعْوِيضِ عَنْهُ وَأَدَائِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ وُقِفَ عِنْدَهُ وَكَانَ ذَلِكَ عَمَلًا آخَرَ مَأْمُورًا بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدَّى شَيْءٌ مِنْهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ مُرْتَبِطٍ بِوَقْتٍ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى فَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ وَلَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ وَمَنْ شَبَّهَ ذَلِكَ بِدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ وَتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوَقْتَ مِيزَانٌ لِلْعَمَلِ وَأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

стр. 249

(مَسْأَلَةٌ) : الْفِعْلُ (الْمَقْدُورُ) لِلْمُكَلَّفِ (الَّذِي لَا يَتِمُّ) أَيْ لَا يُوجَدُ (الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ) بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ ــ [حاشية العطار] ﷺ اعْمَلُوا عَمَلًا فِي وَقْتِ كَذَا وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا إلَى حِينِ كَذَا، إلَّا أَنَّ هَذَا الزَّمَانَ الْمَحْدُودَ هُوَ الَّذِي أُمِرْنَا فِيهِ بِالْعَمَلِ الْمَذْكُورِ فَنَقُولُ حِينَئِذٍ لِلْمُخَالِفِ: إنَّ مَعْنَى خُرُوجِ الْوَقْتِ انْقِضَاءُ زَمَنِ الْعَمَلِ فَإِذَا ذَهَبَ زَمَانُ الْعَمَلِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْعَمَلِ إذْ لَا يُسْتَشْكَلُ فِي الْعُقُولِ كَوْنُ شَيْءٍ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى زَمَانًا لَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ زَمَنًا غَيْرَهُ. فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: كُلُّ وَقْتٍ فَهُوَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ وَقْتٌ فَقَدْ أَبْطَلَ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فِي حَدِّهِمَا الْوَقْتَ وَتَعَدَّى حُدُودَهُمَا فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَدَاءِ عَمَلٍ مَا فِي وَقْتٍ مَا فَعَمِلَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنَّمَا عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، وَمَنْ أَمَرَهُ بِعَمَلِهِ فَقَدْ شَرَعَ شَرِيعَةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ تَعَالَى بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهَا إذْ قَدْ نَهَى عَنْ تَعَدِّي حُدُودِهِ. وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِالْأَزْمَانِ وَبَيْنَ تَعَلُّقِهِ بِالْأَعْيَانِ أَوْ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان، فَإِنْ قَالُوا فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ صَلَاةٍ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا وَتَعَمَّدَ تَرْكَ صَوْمِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ سَفَرٍ وَمَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا قُلْنَا لَهُمْ: نَأْمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ إذْ يَقُولُ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَبِمَا يَقُولُ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ﷺ إذْ يَقُولُ مَنْ فَرَّطَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ جُبِرَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَطَوُّعِهِ. وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ فَنَأْمُرُهُ بِالتَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْإِكْثَارِ مِنْ التَّطَوُّعِ لِيَثْقُلَ مِيزَانُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَسُدَّ مَا ثَلَمَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ نَأْمُرَهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً يَنْوِي بِهَا ظُهْرًا لَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ بِهِ أَوْ عَصْرًا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ أَوْ نَأْمُرُهُ بِصِيَامِ يَوْمٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ فَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ سَأَلُونَا بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي نَاسِي الصَّلَاةِ وَالنَّائِمِ عَنْهَا وَالْمُفْطِرِ بِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ أَدَّى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ كَمَا أَمَرَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَهُ وَلَا نَدْرِي أَقُبِلَ مِنْهُ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ فِي وَقْتِهِ وَلَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى عَامِدِ الْإِفْطَارِ لَقُلْنَا بِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إنَّمَا رَوَاهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الضَّعْفِ اهـ. وَفِي الْمَنْخُولِ لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ نَحْوُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا يَتَلَقَّى مِنْهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عِنْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي إلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَاللَّفْظُ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا صَلَاةً فِي وَقْتٍ، وَقَدْ فَاتَ فَلَا تَدَارُكَ لَهُ، فَإِنْشَاؤُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ صَلَاةً أُخْرَى كَإِنْشَاءِ الْعِبَادَةِ فِي مَكَان آخَرَ إذَا تَعَذَّرَ أَدَاؤُهَا بِالْمَكَانِ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِهَا فِيهِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ فِي الشَّرِيعَةِ أَوْ بِقِيَاسٍ مُقْتَضِبٍ مِنْ أَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَالُوا: يَجِبُ الْقَضَاءُ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ بِالْأَدَاءِ اهـ. [مَسْأَلَةٌ الْفِعْلُ الْمَقْدُورُ لِلْمُكَلَّفِ الَّذِي لَا يُوجَدُ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ] (قَوْلُهُ: الْفِعْلِ الْمَقْدُورِ) أَيْ الْمُكْتَسِبِ كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ مَثَلًا أَوْ الْإِحْرَاقِ لِمُمَاسَّةِ النَّارِ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يُوجَدُ) أَيْ لَا تُوجَدُ صُورَتُهُ فِي الْخَارِجِ، وَأَشَارَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ يُتِمُّ أَيْ يُكْمِلُ. (قَوْلُهُ: الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ) أَيْ الْمُطْلَقُ وُجُوبُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَقْدُورِ، وَإِنْ تَقَيَّدَ بِغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الْآيَةَ، فَإِنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ مُقَيَّدٌ بِالدُّلُوكِ لَا بِالْوُضُوءِ وَالتَّوَجُّهِ لِلْقِبْلَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَحْصِيلِ النِّصَابِ وَاجِبٌ مُقَيَّدٌ فَلَا يَجِبُ وَإِلَى نَفْسِهِ وَأَفْرَادِهِ مُطْلَقٌ فَيَجِبُ قَالَ السَّيِّدُ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ هُوَ مَا لَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى مُقَدِّمَةِ وُجُودِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ قَيْدَا الْحَيْثِيَّةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مُطْلَقًا بِالْقِيَاسِ إلَى مُقَدِّمَةٍ وَمُقَيَّدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أُخْرَى، فَإِنَّ الصَّلَاةَ بَلْ التَّكَالِيفُ بِأَسْرِهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ فَهِيَ بِالْقِيَاسِ إلَيْهَا مُقَيَّدَةٌ. وَأَمَّا بِالْقِيَاسِ إلَى الطَّهَارَةِ فَوَاجِبَةٌ مُطْلَقًا وَبِالْجُمْلَةِ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ أَمْرَانِ إضَافِيَّانِ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْحَيْثِيَّةِ فِي حُدُودِ الْأَشْيَاءِ الْإِضَافِيَّةِ. (قَوْلُهُ: إلَّا بِهِ) أَيْ لَا يُوجَدُ مَعَ عَدَمِهِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ وُجُودُهُ عَلَى غَيْرِهِ أَيْضًا فَالْقَصْرُ فِي قَوْلِهِ إلَّا بِهِ إضَافِيٌّ أَيْ بِالْإِضَافَةِ إلَى عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَا مُطْلَقًا اهـ. نَاصِرٌ. (قَوْلُهُ: وَاجِبٌ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ) تَحْرِيرٌ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هَلْ يَكُونُ أَمْرًا بِشَرْطِهِ

стр. 250

سَبَبًا كَانَ أَوْ شَرْطًا (وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ) مِنْ الْعُلَمَاءِ إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَجَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ ــ [حاشية العطار] وَإِيجَابًا لَهُ أَوْ وُجُوبُهُ مُتَلَقًّى مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَإِلَّا فَوُجُوبُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لِلْوَاجِبِ مَعْلُومٌ قَطْعًا، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِشَرْطِيَّتِهِ سِوَى حُكْمِ الشَّارِعِ بِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ الْعَقْلِيَّ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَازِمٌ عَقْلًا فَقَوْلُهُ: وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَاجِبٌ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ وَإِلَّا فَالشَّرْطُ وَاجِبٌ إجْمَاعًا، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ وَجَبَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُتَلَقًّى مِنْ نَفْسِ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْأَصْلِ فَتَكُونُ دَلَالَتُهَا عَلَيْهِ تَضْمِينُهُ أَوْ مِنْ دَلَالَةِ الصِّيغَةِ فَالْتِزَامِيَّةٌ ذَهَبَ إلَى هَذَا، وَنَصَرَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَإِلَى الْأَوَّلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ كَمَا سَيَعْلَمُ مَنْ نَقَلَ عِبَارَتَهُ فِيمَا بَعْدُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ وُجُوبَهُ مُتَلَقًّى مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ هُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمُتَابِعُوهُ حَيْثُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: إنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْأَسْبَابَ وَاجِبَةٌ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ وَسَيَأْتِي التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ. (قَوْلُهُ: إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ إلَخْ) فِيهِ طَيُّ مُلَازَمَةٍ أَوْلَى وَطَيُّ بَيَانِ الْمُلَازَمَتَيْنِ وَبُطْلَانُ اللَّازِمِ لِظُهُورِهَا وَتَمَامُ الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَجِبْ لَجَازَ تَرْكُهُ وَلَوْ جَازَ تَرْكُهُ لَجَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ غَيْرَ وَاجِبٍ مَلْزُومٍ لِجَوَازِ تَرْكِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمُتَوَقِّفِ لَا يُمْكِنُ بِدُونِهِ، وَأَمَّا بُطْلَانُ اللَّازِمِ فَلِأَنَّ جَوَازَ تَرْكِ الْوَاجِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَقَدْ فَرَضَ وَاجِبًا اهـ. كَمَالٌ. وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ عَلَى الدَّلِيلِ مَا مُحَصِّلُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي وَقَعَ مُقَدَّمًا إنْ كَانَ هُوَ الْمُقَيَّدُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ فَالتَّالِي غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِدَلِيلٍ
следующие страницы →