← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 21608

حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع

حسن العطار

Полный текст (1 048 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

عَلَيْهِ بِظَنِّهِ، وَإِنْ بَانَ خَطَؤُهُ (وَمَنْ أَخَّرَ) الْوَاجِبَ الْمَذْكُورَ بِأَنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ أَوَّلَ الْوَقْتِ مَثَلًا (مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ) مِنْ الْمَوْتِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَمَاتَ فِيهِ قَبْلَ الْفِعْلِ (فَالصَّحِيحُ) أَنَّهُ (لَا يَعْصِي) ؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ جَائِزٌ لَهُ وَالْفَوَاتَ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ وَقِيلَ: يَعْصِي وَجَوَازُ التَّأْخِيرِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ (بِخِلَافِ مَا) أَيْ الْوَاجِبِ الَّذِي ــ [حاشية العطار] لِمَحْذُوفٍ وَلَيْسَ خَبَرًا عَنْ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ بَانَ خَطَؤُهُ) أَيْ فَتَبَيُّنُ خَطَأِ الظَّنِّ لَا يُؤَثِّرُ فِي التَّضْيِيقِ الْحَاصِلِ بِسَبَبِهِ وَيُجَابُ مِنْ طَرَفِ الرَّاجِحِ بِمَنْعِ التَّضْيِيقِ بِالظَّنِّ، فَقَدْ قَالَ الْآمِدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ جَمِيعِ الْوَقْتِ وَقْتًا لِلْأَدَاءِ كَمَا كَانَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ ظَنِّ الْمُكَلَّفِ مُوجِبًا لِلْعِصْيَانِ بِالتَّأْخِيرِ مُخَالَفَةَ هَذَا الْأَصْلِ وَتَضْيِيقُ الْوَقْتِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا بَقِيَ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي ظَنَّ مَوْتَهُ فِيهِ كَانَ فِعْلُ الْوَاجِبِ فِيهِ بَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ قَضَاءً اهـ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ فَرَضَ ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ حَيْثُ أَحْرَمَ مَعَ إمَامِهَا بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي تَضِيقُ بِظَنِّهِ وَأَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً هَلْ يَأْتِي بِهَا جُمُعَةً أَوْ يُصَلِّي ظُهْرًا؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى جُمُعَةً وَفِي نِيَّةِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ التَّعَرُّضِ لَهَا، وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَفِي الْقَصْرِ إذَا كَانَ ظَنُّهُ فِي السَّفَرِ وَقُلْنَا فَائِتَةُ السَّفَرِ لَا تُقْضَى فِي السَّفَرِ وَلَكِنَّ الرَّاجِحَ خِلَافُهُ. (تَنْبِيهٌ) مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا مَضَى مِنْ وَقْتِ الظَّنِّ إلَى حِينِ الْفِعْلِ زَمَنٌ يَسَعُ الْفَرْضَ حَتَّى يَتَّجِهَ الْقَوْلُ بِالْقَضَاءِ أَمَّا إذَا لَمْ يَمْضِ ذَلِكَ وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ مِنْ ذَلِكَ الْمِقْدَارِ فَشَرَعَ فِيهَا فَلْيَكُنْ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إذَا وَقَعَ بَعْضُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ وَبَعْضُهَا خَارِجَهُ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إذَا أَوْقَعَ رَكْعَةً فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ وَإِلَّا فَقَضَاءٌ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ إلَخْ) مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ مُتَدَافِعٌ فِي الشَّكِّ فِي ذَلِكَ وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ كَظَنِّ السَّلَامَةِ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يُؤَثِّمُ بِالشَّكِّ فِي الْفُرُوعِ. اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: مِنْ الْمَوْتِ) أَيْ مَثَلًا وَإِلَّا فَغَيْرُ الْمَوْتِ مِنْ مَوَانِعِ الْوُجُوبِ كَالْمَجْنُونِ وَغَلَبَةُ النَّوْمِ مُلْحَقٌ بِالْمَوْتِ. اهـ. سم. (قَوْلُهُ: إلَى آخِرِهِ) أَيْ آخِرِ الْوَقْتِ مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلَامَةِ قَالَ سم: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى ظَنِّ السَّلَامَةِ إلَى آخِرِهِ ظَنُّ السَّلَامَةِ إلَى مَا يَسَعُ مِثْلَيْهِ مَثَلًا وَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْقَدْرِ الْمَظْنُونِ مَا يَسَعُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ لِمَ قَيَّدَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ إلَى آخِرِهِ، وَلَعَلَّهُ اطَّلَعَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ فِي كَلَامِهِمْ بِمَا إذَا ظَنَّ السَّلَامَةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ فَذَكَرَهُ اقْتِدَاءً بِهِمْ اهـ. (قَوْلُهُ: وَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ) أَيْ وَقَبْلَ ضِيقِ الْوَقْتِ عَنْهُ، ثُمَّ التَّقْيِيدُ بِالْمَوْتِ زَادَهُ الشَّارِحُ وَأَفْصَحَ بِهِ غَيْرُهُ لِأَجْلِ مُقَابِلِ الصَّحِيحِ اهـ نَاصِرٌ. (قَوْلُهُ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعْصِي) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ عَزَمَ عَلَى الْفِعْلِ وَإِلَّا فَلَا يَعْصِي قَطْعًا كَمَا قَالَهُ الْآمِدِيُّ فَتَرْجِيحُ عَدَمِ عِصْيَانِهِ إذَا لَمْ يَعْزِمْ ظَاهِرٌ عَلَى مَا رَجَّحَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ الْعَزْمِ، أَمَّا عَلَى مَا رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ وُجُوبِهِ فَقَضِيَّتُهُ تَرْجِيحُ عِصْيَانِهِ، وَأَفَادَ كَلَامُ الشَّارِحِ كَالْمُصَنِّفِ أَنَّ مَحَلَّ الْعِصْيَانِ إذَا رَفَعَ السَّبَبُ الْوُجُوبَ، فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ كَنَوْمٍ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا نَامَ فِي الْوَقْتِ إلَى أَنْ خَرَجَ، فَإِنْ ظَنَّ تَيَقُّظَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَوْ غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ لَمْ يَعْصَ وَإِلَّا عَصَى اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: وَجَوَازُ التَّأْخِيرِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ)

стр. 247

(وَقْتُهُ الْعُمْرُ كَالْحَجِّ) فَإِنَّ مَنْ أَخَّرَهُ بَعْدَ أَنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَوْتِ أَيْ مُضِيِّ وَقْتٍ يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ فِيهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ يَعْصِي عَلَى الصَّحِيحِ وَإِلَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْوُجُوبُ وَقِيلَ: لَا يَعْصِي لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ لَهُ وَعِصْيَانِهِ فِي الْحَجِّ ــ [حاشية العطار] جَوَابٌ عَمَّا قَبْلَهُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ لِلصَّحِيحِ تَقْرِيرُ الِاسْتِدْلَالِ التَّأْخِيرُ جَائِزٌ لَهُ فَلَا يَعْصِي بِهِ إذْ لَا تَأْثِيمَ بِالْجَائِزِ، وَتَحْرِيرُ الْجَوَابِ قَوْلُكُمْ التَّأْخِيرُ جَائِزٌ لَهُ قُلْنَا: إنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ وَهِيَ مَنْفِيَّةٌ هَاهُنَا فَلِذَلِكَ عَصَى بِهِ وَالْأَوَّلُ يَقُولُ: ادِّعَاءُ أَنَّ جَوَازَ التَّأْخِيرِ مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَكُونَ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ فَائِدَةٌ إذْ لَا يُمْكِنُ الْمُكَلَّفُ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي هُوَ سَلَامَةُ الْعَاقِبَةِ أَمْرٌ لَا يُمْكِنُهُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ، فَلَوْ كُلِّفَ الْعَمَلَ بِمُقْتَضَاهُ لَكَانَ تَكْلِيفَ مُحَالٍ. وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ سَلَامَةَ الْعَاقِبَةِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ جَوَازِ التَّأْخِيرِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا بِهَا وَأَجَابَ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ بِعِلْمِ سَلَامَتِهَا، وَنَاقَشَهُ سم بِأَنَّ الْعِلْمَ بِالسَّلَامَةِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ جَوَازِ التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الْحَالِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ بَعْدُ وَالْجَوَازُ مَحْكُومٌ بِهِ فِي الْحَالِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ أَيْضًا لَا يُقَالُ الشَّيْخُ لَا يُسَلِّمُ أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ فِي الْحَالِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَحْكُومًا بِهِ فِي الْحَالِ مَا صَحَّ إيرَادُ الشَّيْخِ السُّؤَالَ. (قَوْلُهُ: وَقْتُهُ الْعُمْرُ) أَيْ زَمَنُ التَّكْلِيفِ بِهِ الْعُمْرُ وَمَعْنَى كَوْنِ الْعُمْرِ كُلِّهِ وَقْتًا لِلْحَجِّ كَوْنُ الشَّيْخِ مُخَاطَبًا بِهِ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ مِنْ الْبُلُوغِ إلَى آخِرِهِ، فَإِنْ عَاشَ الشَّخْصُ خَمْسِينَ عَامًا مَثَلًا بَعْدَ بُلُوغِهِ وَأَمْكَنَهُ الْفِعْلُ فِي خَمْسَةٍ مِنْهَا مَثَلًا وَلَمْ يَفْعَلْ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا وَهَلْ عِصْيَانُهُ بِآخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَهِيَ الْخَامِسَةُ فِي مِثَالِنَا لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ إلَيْهَا أَوْ بِأَوَّلِهَا لِاسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ حِينَئِذٍ وَالْعِصْيَانُ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلَى سُنَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ أَقْوَالٌ أَرْجَحُهَا الْأَوَّلُ. (قَوْلُهُ: بَعْدُ إنْ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ) الْمُرَادُ بِإِمْكَانِ الْفِعْلِ هُنَا الْقُدْرَةُ بِأَنْ تَتَحَقَّقَ الِاسْتِطَاعَةُ الْمُبَيَّنَةُ فِي الْفِقْهِ بِخِلَافِ الْإِمْكَانِ فِي قَوْلِهِ الْآتِي يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ تَسَعَهُ الْمُدَّةُ. (قَوْلُهُ: مَعَ ظَنِّ السَّلَامَةِ مِنْ الْمَوْتِ) وَبِالْأَوْلَى مَعَ الشَّكِّ فِي السَّلَامَةِ أَوْ ظَنِّ عَدَمِهَا. (قَوْلُهُ: إلَى مُضِيِّ وَقْتٍ) مُتَعَلِّقٌ بِالسَّلَامَةِ أَوْ بِآخِرِهِ وَلَمْ يَقُلْ إلَى آخِرِ الْعُمْرِ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ أَوَّلًا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ لِلْإِشَارَةِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِأَنَّ ظَنَّ السَّلَامَةِ إلَى آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ يَمْنَعُ عِصْيَانَ مَنْ مَاتَ فِيهِ قَبْلَ فِعْلِهَا حَيْثُ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ الْوَقْتِ يَسَعُهَا بِخِلَافِ ظَنِّ السَّلَامَةِ إلَى آخِرِ وَقْتِ الْحَجِّ وَهُوَ آخِرُ الْعُمْرِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ عِصْيَانَ مَنْ مَاتَ قَبْلَ فِعْلِهِ حَيْثُ كَانَ مَوْتُهُ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ تَسَعُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَكْفِي فِي عِصْيَانِ تَرْكِ الْحَجِّ الْمَوْتُ بِغَيْرِ فِعْلٍ بَعْدَ أَوَّلِ مُدَّةٍ تَسَعُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) وَإِلَّا نَقَلَ بِالْعِصْيَانِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْصِ بِتَأْخِيرِهِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا وَالْفَرْضُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْوَاجِبِ الْمُؤَقَّتِ بِوَقْتٍ مَعْلُومٍ وَالْمُؤَقَّتِ بِالْعُمْرِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرَهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْوُجُوبُ بِتَأْخِيرِهِ بِخِلَافِ نَحْوِ الظُّهْرِ، فَإِنَّ لِجَوَازِ تَأْخِيرِهِ غَايَةً مَعْلُومَةً يَتَحَقَّقُ مَعَهَا الْوُجُوبُ وَهُوَ أَنْ لَا يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ إلَّا مَا يَسَعُهُ فَقَطْ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ مَا قُدِّرَ لَهُ وَقْتٌ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى وَقْتِ أَدَائِهِ، وَأَنَّ مَا وَقْتُهُ الْعُمْرُ كَالْحَجِّ وَالْمَنْدُوبِ الَّذِي لَمْ يُؤَقَّتْ وَالْفَائِتُ بِعُذْرٍ غَيْرِ رَمَضَانَ لَا يُسَمَّى بِالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ وَمَنْ سَمَّاهُ بِذَلِكَ كَالْإِمَامِ الرَّازِيّ فَقَدْ تَجَوَّزَ لِشَبَهِهِ بِالْمُوَسَّعِ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ جَعَلَهُ الْحَنَفِيَّةُ قِسْمًا بِرَأْسِهِ وَسَمَّوْهُ الْمُشْكِلَ، فَإِنَّهُمْ قَسَّمُوا الْوَاجِبَ الْمُقَيَّدَ بِوَقْتٍ إلَى الْمُوَسَّعِ وَهُوَ مَا يَفْضُلُ عَنْهُ وَقْتُهُ وَيُسَمُّونَ وَقْتَهُ ظَرْفًا وَالْمُضَيَّقُ وَهُوَ مَا يُسَاوِيهِ وَقْتُهُ وَيُسَمُّونَ وَقْتَهُ مِعْيَارًا، أَوْ الْمُشْكِلَ وَهُوَ مَا لَا يُعْلَمُ زِيَادَتُهُ وَلَا مُسَاوَاتُهُ كَالْحَجِّ. (قَوْلُهُ:

стр. 248

مِنْ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ لِجَوَازِ التَّأْخِيرِ إلَيْهَا، وَقِيلَ مِنْ أَوَّلِهَا لِاسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ حِينَئِذٍ، وَقِيلَ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلَى سَنَةٍ بِعَيْنِهَا. ــ [حاشية العطار] وَعِصْيَانُهُ فِي الْحَجِّ) أَيْ لَا يَتَبَيَّنُ عِصْيَانُهُ إلَّا بِذَلِكَ، وَقَدْ اقْتَصَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَيْثُ قَالَ فَأَمَّا الْأَمْرُ الْمُسْتَرْسِلُ عَلَى الْعُمْرِ فَاَلَّذِي أَرَاهُ فِيهِ أَنَّ مِنْ آخِرِهِ لَا يَقْطَعُ الْقَوْلَ فِيهِ بِنَفْيِ الْإِثْمِ عَنْهُ وَلَا يُطْلَقُ ذَلِكَ إلَّا مَشْرُوطًا فَعَلَى هَذَا أَدَاءُ الْحَجِّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ مِنْ أَوَّلِ سَنَةِ الِاسْتِطَاعَةِ وَعَلَيْهِ لَوْ أَخَّرَ الْحَظْرَ فِي التَّعَرُّضِ لِلْمَأْثَمِ وَالْخَوْفُ فِي نَفْسِهِ أَلَمٌ نَاجِزٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ انْبَسَطَتْ الْمَعْصِيَةُ عَلَى جَمِيعِ سِنِي الْإِمْكَانِ اهـ. وَمِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ مَا لَوْ قَضَى بِشَهَادَتِهِ بَيْنَ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ مِنْ سِنِي الْإِمْكَانِ، فَإِنْ حَكَمَ بِعِصْيَانِهِ مِنْ الْأَخِيرَةِ لَمْ يُنْتَقَضْ ذَلِكَ الْحُكْمُ بِحَالٍ، وَإِنْ عَصَيْنَاهُ مِنْ الْأُولَى فَفِي نَقْضِهِ الْقَوْلَانِ فِيمَا إذَا بَانَ فِسْقُ الشَّاهِدَيْنِ. (قَوْلُهُ: مِنْ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ) أَيْ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي لَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُ لَمْ يَسَعْهُ مِنْ آخِرِهَا اهـ. زَكَرِيَّا وَآخِرُ وَصْفٍ لِعَامٍ مُقَدَّرٍ أَيْ مِنْ عَامِ آخِرِ سِنِي الْإِمْكَانِ وَلَوْ كَانَ وَصْفًا لِسَنَةٍ لَقَالَ أُخْرَى وَسِنِي الْإِمْكَانِ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ لَا بِتَشْدِيدِهَا؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ سِنِينَ حُذِفَتْ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ. (غَرِيبَةٌ) اطَّلَعْت عَلَى مُؤَلَّفَيْنِ عَظِيمَيْنِ كَبِيرَيْ الْحَجْمِ جِدًّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِدَّةُ مُجَلَّدَاتٍ ضَخْمَةٍ بِالْخُطُوطِ الْقَدِيمَةِ ظَفِرْت بِهِمَا حِينَ اطِّلَاعِي عَلَى الْخِزَانَةِ الْمُؤَيِّدِيَّةِ، وَهُمَا لِلْعَلَّامَةِ الْمُجْتَهِدِ حَافِظِ الْأَنْدَلُسِ أَحَدُهُمَا يُسَمَّى بِالْأَحْكَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ فِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ وَالثَّانِي بِالْمُحَلَّى فِي الْفُرُوعِ وَوَجَدْت فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُخَالَفَاتٍ كَثِيرَةً لِمَا عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ. وَقَدْ أَطَالَ الْقَوْلَ عِنْدَ مَوْضِعِ الْمُخَالَفَةِ لِغَيْرِهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ وَلَا بِشَأْنِ الْأَرْبَعَةِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَغَالِبُ مَا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْأَخْذُ بِظَوَاهِر الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعَ الْبَيَانِ الْفَصِيحِ الَّذِي لَا يُسْتَنْكَرُ مِثْلُهُ عَنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ، فَإِنَّهُمْ السَّابِقُونَ فِي مَيْدَانِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ يَشْهَدُ بِذَلِكَ مَنْ نَظَرَ فِي كَلَامِهِمْ، فَمَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِمَسْأَلَتِنَا هَذِهِ مَا لَخَّصْته مِنْ كَلَامٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُرْتَبِطَ بِوَقْتٍ لَا فُسْحَةَ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ تَعْجِيلُ أَدَائِهِ قَبْلَ وَقْتِهِ وَلَا تَأْخِيرُهُ عَنْهُ كَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ جَاءَ نَصٌّ بِالتَّعْوِيضِ عَنْهُ وَأَدَائِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ وُقِفَ عِنْدَهُ وَكَانَ ذَلِكَ عَمَلًا آخَرَ مَأْمُورًا بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدَّى شَيْءٌ مِنْهُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ مُرْتَبِطٍ بِوَقْتٍ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ كَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَمَا جَرَى هَذَا الْمَجْرَى فَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ وَلَا بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ وَمَنْ شَبَّهَ ذَلِكَ بِدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ لَزِمَهُ أَنْ يُجِيزَ صِيَامَ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ وَتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا، ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْوَقْتَ مِيزَانٌ لِلْعَمَلِ وَأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ

стр. 249

(مَسْأَلَةٌ) : الْفِعْلُ (الْمَقْدُورُ) لِلْمُكَلَّفِ (الَّذِي لَا يَتِمُّ) أَيْ لَا يُوجَدُ (الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ) بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ ــ [حاشية العطار] ﷺ اعْمَلُوا عَمَلًا فِي وَقْتِ كَذَا وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا إلَى حِينِ كَذَا، إلَّا أَنَّ هَذَا الزَّمَانَ الْمَحْدُودَ هُوَ الَّذِي أُمِرْنَا فِيهِ بِالْعَمَلِ الْمَذْكُورِ فَنَقُولُ حِينَئِذٍ لِلْمُخَالِفِ: إنَّ مَعْنَى خُرُوجِ الْوَقْتِ انْقِضَاءُ زَمَنِ الْعَمَلِ فَإِذَا ذَهَبَ زَمَانُ الْعَمَلِ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْعَمَلِ إذْ لَا يُسْتَشْكَلُ فِي الْعُقُولِ كَوْنُ شَيْءٍ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى زَمَانًا لَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ زَمَنًا غَيْرَهُ. فَإِنْ قَالَ الْمُخَالِفُ: كُلُّ وَقْتٍ فَهُوَ لِذَلِكَ الْعَمَلِ وَقْتٌ فَقَدْ أَبْطَلَ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ فِي حَدِّهِمَا الْوَقْتَ وَتَعَدَّى حُدُودَهُمَا فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَدَاءِ عَمَلٍ مَا فِي وَقْتٍ مَا فَعَمِلَهُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَإِنَّمَا عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ، وَمَنْ أَمَرَهُ بِعَمَلِهِ فَقَدْ شَرَعَ شَرِيعَةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ تَعَالَى بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهَا إذْ قَدْ نَهَى عَنْ تَعَدِّي حُدُودِهِ. وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِالْأَزْمَانِ وَبَيْنَ تَعَلُّقِهِ بِالْأَعْيَانِ أَوْ بِمَكَانٍ دُونَ مَكَان، فَإِنْ قَالُوا فَبِأَيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ صَلَاةٍ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا وَتَعَمَّدَ تَرْكَ صَوْمِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ سَفَرٍ وَمَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا قُلْنَا لَهُمْ: نَأْمُرُهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ إذْ يَقُولُ ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَبِمَا يَقُولُ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ﷺ إذْ يَقُولُ مَنْ فَرَّطَ فِي صَلَاةِ فَرْضٍ جُبِرَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ تَطَوُّعِهِ. وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ وَسَائِرُ الْأَعْمَالِ فَنَأْمُرُهُ بِالتَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْإِكْثَارِ مِنْ التَّطَوُّعِ لِيَثْقُلَ مِيزَانُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَسُدَّ مَا ثَلَمَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ نَأْمُرَهُ بِأَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً يَنْوِي بِهَا ظُهْرًا لَمْ يَأْمُرْهُ اللَّهُ بِهِ أَوْ عَصْرًا لَمْ يَأْتِ بِهِ نَصٌّ أَوْ نَأْمُرُهُ بِصِيَامِ يَوْمٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ فَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ سَأَلُونَا بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي نَاسِي الصَّلَاةِ وَالنَّائِمِ عَنْهَا وَالْمُفْطِرِ بِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ قُلْنَا لَهُمْ: قَدْ أَدَّى مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ كَمَا أَمَرَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أَمَرَهُ وَلَا نَدْرِي أَقُبِلَ مِنْهُ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُهُ فِي وَقْتِهِ وَلَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى عَامِدِ الْإِفْطَارِ لَقُلْنَا بِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إنَّمَا رَوَاهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الضَّعْفِ اهـ. وَفِي الْمَنْخُولِ لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ نَحْوُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ بِأَدَاءِ الصَّلَاةِ لَا يَتَلَقَّى مِنْهُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ عِنْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي إلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَاللَّفْظُ لَمْ يَتَنَاوَلْ إلَّا صَلَاةً فِي وَقْتٍ، وَقَدْ فَاتَ فَلَا تَدَارُكَ لَهُ، فَإِنْشَاؤُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ صَلَاةً أُخْرَى كَإِنْشَاءِ الْعِبَادَةِ فِي مَكَان آخَرَ إذَا تَعَذَّرَ أَدَاؤُهَا بِالْمَكَانِ الْمَأْمُورِ بِفِعْلِهَا فِيهِ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ مُبْتَدَأٍ فِي الشَّرِيعَةِ أَوْ بِقِيَاسٍ مُقْتَضِبٍ مِنْ أَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ خِلَافًا لِلْفُقَهَاءِ حَيْثُ قَالُوا: يَجِبُ الْقَضَاءُ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ بِالْأَدَاءِ اهـ. [مَسْأَلَةٌ الْفِعْلُ الْمَقْدُورُ لِلْمُكَلَّفِ الَّذِي لَا يُوجَدُ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ] (قَوْلُهُ: الْفِعْلِ الْمَقْدُورِ) أَيْ الْمُكْتَسِبِ كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ مَثَلًا أَوْ الْإِحْرَاقِ لِمُمَاسَّةِ النَّارِ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يُوجَدُ) أَيْ لَا تُوجَدُ صُورَتُهُ فِي الْخَارِجِ، وَأَشَارَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ يُتِمُّ أَيْ يُكْمِلُ. (قَوْلُهُ: الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ) أَيْ الْمُطْلَقُ وُجُوبُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ الْمَقْدُورِ، وَإِنْ تَقَيَّدَ بِغَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الْآيَةَ، فَإِنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ مُقَيَّدٌ بِالدُّلُوكِ لَا بِالْوُضُوءِ وَالتَّوَجُّهِ لِلْقِبْلَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَحْصِيلِ النِّصَابِ وَاجِبٌ مُقَيَّدٌ فَلَا يَجِبُ وَإِلَى نَفْسِهِ وَأَفْرَادِهِ مُطْلَقٌ فَيَجِبُ قَالَ السَّيِّدُ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ هُوَ مَا لَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى مُقَدِّمَةِ وُجُودِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ قَيْدَا الْحَيْثِيَّةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا مُطْلَقًا بِالْقِيَاسِ إلَى مُقَدِّمَةٍ وَمُقَيَّدًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أُخْرَى، فَإِنَّ الصَّلَاةَ بَلْ التَّكَالِيفُ بِأَسْرِهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ فَهِيَ بِالْقِيَاسِ إلَيْهَا مُقَيَّدَةٌ. وَأَمَّا بِالْقِيَاسِ إلَى الطَّهَارَةِ فَوَاجِبَةٌ مُطْلَقًا وَبِالْجُمْلَةِ الْإِطْلَاقُ وَالتَّقْيِيدُ أَمْرَانِ إضَافِيَّانِ وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الْحَيْثِيَّةِ فِي حُدُودِ الْأَشْيَاءِ الْإِضَافِيَّةِ. (قَوْلُهُ: إلَّا بِهِ) أَيْ لَا يُوجَدُ مَعَ عَدَمِهِ، وَإِنْ تَوَقَّفَ وُجُودُهُ عَلَى غَيْرِهِ أَيْضًا فَالْقَصْرُ فِي قَوْلِهِ إلَّا بِهِ إضَافِيٌّ أَيْ بِالْإِضَافَةِ إلَى عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لَا مُطْلَقًا اهـ. نَاصِرٌ. (قَوْلُهُ: وَاجِبٌ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ) تَحْرِيرٌ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ هَلْ يَكُونُ أَمْرًا بِشَرْطِهِ

стр. 250

سَبَبًا كَانَ أَوْ شَرْطًا (وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ) مِنْ الْعُلَمَاءِ إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَجَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ ــ [حاشية العطار] وَإِيجَابًا لَهُ أَوْ وُجُوبُهُ مُتَلَقًّى مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَإِلَّا فَوُجُوبُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لِلْوَاجِبِ مَعْلُومٌ قَطْعًا، فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِشَرْطِيَّتِهِ سِوَى حُكْمِ الشَّارِعِ بِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِذَلِكَ الْوَاجِبِ كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ كَمَا أَنَّ الشَّرْطَ الْعَقْلِيَّ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَازِمٌ عَقْلًا فَقَوْلُهُ: وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَاجِبٌ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ وَإِلَّا فَالشَّرْطُ وَاجِبٌ إجْمَاعًا، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ هَلْ وَجَبَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مُتَلَقًّى مِنْ نَفْسِ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْأَصْلِ فَتَكُونُ دَلَالَتُهَا عَلَيْهِ تَضْمِينُهُ أَوْ مِنْ دَلَالَةِ الصِّيغَةِ فَالْتِزَامِيَّةٌ ذَهَبَ إلَى هَذَا، وَنَصَرَهُ ابْنُ بَرْهَانٍ وَإِلَى الْأَوَّلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ كَمَا سَيَعْلَمُ مَنْ نَقَلَ عِبَارَتَهُ فِيمَا بَعْدُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ وُجُوبَهُ مُتَلَقًّى مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ هُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَمُتَابِعُوهُ حَيْثُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: إنَّا لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْأَسْبَابَ وَاجِبَةٌ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ وَسَيَأْتِي التَّعَرُّضُ لِذَلِكَ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ. (قَوْلُهُ: إذْ لَوْ لَمْ يَجِبْ إلَخْ) فِيهِ طَيُّ مُلَازَمَةٍ أَوْلَى وَطَيُّ بَيَانِ الْمُلَازَمَتَيْنِ وَبُطْلَانُ اللَّازِمِ لِظُهُورِهَا وَتَمَامُ الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ لَمْ يَجِبْ لَجَازَ تَرْكُهُ وَلَوْ جَازَ تَرْكُهُ لَجَازَ تَرْكُ الْوَاجِبِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ أَمَّا الْمُلَازَمَةُ فَلِأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ غَيْرَ وَاجِبٍ مَلْزُومٍ لِجَوَازِ تَرْكِهِ فَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمُتَوَقِّفِ لَا يُمْكِنُ بِدُونِهِ، وَأَمَّا بُطْلَانُ اللَّازِمِ فَلِأَنَّ جَوَازَ تَرْكِ الْوَاجِبِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ غَيْرَ وَاجِبٍ، وَقَدْ فَرَضَ وَاجِبًا اهـ. كَمَالٌ. وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ عَلَى الدَّلِيلِ مَا مُحَصِّلُهُ أَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي وَقَعَ مُقَدَّمًا إنْ كَانَ هُوَ الْمُقَيَّدُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ كَمَا هُوَ مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ فَالتَّالِي غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِدَلِيلٍ

стр. 251

وَقِيلَ: لَا يَجِبُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْوَاجِبِ سَاكِتٌ عَنْهُ (وَثَالِثُهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ يَجِبُ (إنْ كَانَ سَبَبًا كَالنَّارِ لِلْإِحْرَاقِ) أَيْ كَإِمْسَاسِ النَّارِ لِمَحَلٍّ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِإِحْرَاقِهِ عَادَةً بِخِلَافِ الشَّرْطِ كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَجِبُ بِوُجُوبِ مَشْرُوطِهِ وَالْفَرْقُ أَنَّ السَّبَبَ لِاسْتِنَادِ الْمُسَبَّبِ إلَيْهِ أَشَدُّ ارْتِبَاطًا بِهِ مِنْ الشَّرْطِ بِالْمَشْرُوطِ. (وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) يَجِبُ (إنْ كَانَا شَرْطًا شَرْعِيًّا) كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ (لَا عَقْلِيًّا) كَتَرْكِ ضِدِّ الْوَاجِبِ ــ [حاشية العطار] آخَرَ غَيْرَ دَلِيلِ الْوَاجِبِ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْجَوَازُ الْمُسْتَلْزِمُ لِجَوَازِ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُطْلَقُ أَيْ الْوُجُوبُ بِوَجْهٍ مَا فَاللَّازِمُ حِينَئِذٍ مِنْ الدَّلِيلِ وُجُوبُ الْفِعْلِ الْمَقْدُورِ بِوَجْهٍ مَا وَهُوَ غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْوُجُوبُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ كَمَا أَفَادَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ، وَمُحَصِّلُ مَا أَجَابَ بِهِ سم أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَخْتَارَ الشِّقَّ الْأَوَّلَ وَبِوَجْهِ لُزُومِ التَّالِي بِأَنَّ الْمُرَادَ جَوَازُ تَرْكِ الْوَاجِبِ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْإِيجَابِ فَلَا يَكُونُ هَذَا الْإِيجَابُ إيجَابًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ إيجَابِ الشَّيْءِ لَيْسَ إيجَابًا لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ عَدَمُ كَوْنِ ذَلِكَ الْإِيجَابِ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إيجَابًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ لَا يَتِمُّ بِدُونِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إيجَابُهُ إيجَابًا لَهُ لَمْ يَثْبُتْ إيجَابُهُ. وَأَمَّا إيجَابُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَلَا يُقَيَّدُ فِي كَوْنِ هَذَا الْإِيجَابِ الْمُسْتَقِلِّ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إيجَابًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ. اهـ. وَقَوْلُ بَعْضِ الْحَوَاشِي: إنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْوَاجِبِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُوبِ شَرْطِهِ مَنْظُورٌ فِيهِ بِأَنَّ الْكَلَامَ كَمَا عَلِمْت فِي وُجُوبِهِ مِنْ الْأَمْرِ الْمَخْصُوصِ لَا فِي وُجُوبِهِ مُطْلَقًا تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: لَا يَجِبُ) أَيْ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِدَلِيلٍ آخَرَ (قَوْلُهُ: مُطْلَقًا) أَيْ سَبَبًا كَانَ أَوْ شَرْطًا قَالَ النَّاصِرُ: هَذَا الْقَوْلُ، وَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَالشَّارِح يَنْفِيهِ صَرِيحُ كَلَامِ التَّفْتَازَانِيِّ قَالَ لَا خِلَافَ فِي إيجَابِ السَّبَبِ كَالْأَمْرِ بِالْقَتْلِ أَمْرٌ بِضَرْبِ السَّيْفِ مَثَلًا وَالْأَمْرُ بِالْإِشْبَاعِ أَمْرٌ بِالْإِطْعَامِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي غَيْرِهِ اهـ. وَأَجَابَ سم بَعْدَ تَشْنِيعِهِ عَلَى شَيْخِهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِشَأْنِهِمَا بِمَا حَصَّلَهُ أَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ قَالَ مَسْأَلَةُ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ إذَا كَانَ مَقْدُورًا لِلْمُكَلَّفِ غَيْرُ لَازِمٍ عَقْلًا كَتَرْكِ أَضْدَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَلَا عَادَةَ كَجُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ وَحَاصِلُهُ مَا جَعَلَهُ الشَّارِعُ شَرْطًا مِنْ مُمْكِنَاتِ الْمُكَلَّفِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَقِيلَ وَالسَّبَبُ فَقَدْ صَرَّحَ فِي السَّبَبِ وَرَجَّحَ عَدَمَ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ وَالسَّبَبُ وَالشَّارِحُ نَفْسُهُ صَرَّحَ بِهِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ الْآتِي فَلَا يَجِبْ أَيْ السَّبَبُ إلَخْ. اهـ. وَأَقُولُ: هَذَا لَا يَدْفَعُ كَلَامَ التَّفْتَازَانِيِّ، فَإِنَّ مُرَادَهُ الْخِلَافُ الْقَوِيُّ، وَلَمَّا كَانَ الْخِلَافُ فِي السَّبَبِ وَاهِيًا نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ. (قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْوَاجِبِ سَاكِتٌ عَنْهُ) ، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ مَعُونَةٍ أُخْرَى. (قَوْلُهُ: وَثَالِثُهَا إلَخْ) يَعْلَمُ كَوْنَ هَذَا ثَالِثًا مِنْ قَوْلِهِ وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ مُقَابِلَ الْأَكْثَرِ وَهُمْ الْأَقَلُّ يَقُولُونَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ فَهَذَانِ قَوْلَانِ ثَالِثُهُمَا مَا ذَكَرَهُ وَتَحْتَهُ قَوْلَانِ قَوْلُ الْإِمَامِ وَقَوْلُ غَيْرِهِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ: يَجِبُ أَخْذُهُ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَاجِبٌ. (قَوْلُهُ: أَيْ كَإِمْسَاسٍ) قَدَرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَيْسَ ذَاتَ النَّارِ وَإِنَّمَا هُوَ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ لِلْمُكَلَّفِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ التَّكْلِيفُ (قَوْلُهُ: كَالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ) أَيْ فِيمَا إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوُضُوءَ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ: بِوُجُوبِ مَشْرُوطِهِ) أَيْ وَإِنَّمَا وُجُوبُهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ. (قَوْلُهُ: أَشَدُّ ارْتِبَاطًا) ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْمُسَبِّبِ وَلَا كَذَلِكَ الشَّرْطُ مَعَ الْمَشْرُوطِ، فَصَارَ بِذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الصِّيغَةِ فِي الْمُسَبِّبِ كَأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهَا فِي السَّبَبِ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي الْبُرْهَانِ هَكَذَا مَسْأَلَةُ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ يَتَضَمَّنُ اقْتِضَاءَ مَا يُفْتَقَرُ الْمَأْمُورُ بِهِ إلَيْهِ فِي وُقُوعِهِ فَإِذَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ افْتِقَارُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ إلَى الطَّهَارَةِ فَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ يَتَضَمَّنُ أَمْرًا بِالطَّهَارَةِ لَا مَحَالَةَ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِطِ وَظُهُورِ ذَلِكَ مُغْنٍ عَنْ تَكَلُّفِ دَلِيلٍ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْمُخَاطَبِ إيقَاعٌ وَالْإِمْكَانُ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي قَاعِدَةِ التَّكْلِيفِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إيقَاعِ الْمَشْرُوطِ دُونَ الشَّرْطِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَى سُكَّانِ الْبَوَادِي أَنْ يَسْعَوْا فِي ابْتِنَاءِ مَدِينَةٍ لِيُقِيمُوا الْجُمُعَةَ فِيهَا قُلْنَا هَذَا الْآنَ مِنْ فَنِّ الْخَرْقِ، فَإِنَّ الْمُتَبَدِّينَ غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِالْجُمُعَةِ وَلَوْ أُمِرُوا بِهَا مَعَ كَوْنِ الْجُمُعَةِ مَشْرُوطَةً بِالْبُنْيَانِ لَوَجَبَ أَنْ يَسْعَوْا فِي تَحْصِيلِهِ. (قَوْلُهُ: كَتَرْكِ ضِدِّ الْوَاجِبِ) ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ عَقْلِيٌّ لِذَلِكَ الْوَاجِبِ وَذَلِكَ كَتَرْكِ الْعُقُودِ فِي الصَّلَاةِ الَّذِي هُوَ ضِدٌّ لِلْقِيَامِ لَهَا لِلْقَادِرِ

стр. 252

(أَوْ عَادِيًّا) كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِغَسْلِ الْوَجْهِ فَلَا يَجِبُ بِوُجُوبِ مَشْرُوطِهِ إذْ لَا وُجُودَ لِمَشْرُوطِهِ عَقْلًا أَوْ عَادَةً بِدُونِهِ فَلَا يَقْصِدُهُ الشَّارِعُ بِالطَّلَبِ بِخِلَافِ الشَّرْعِيِّ، فَإِنَّهُ لَوْلَا اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ لَوُجِدَ مَشْرُوطُهُ بِدُونِهِ وَسَكَتَ الْإِمَامُ عَنْ السَّبَبِ، وَهُوَ لِاسْتِنَادِ الْمُسَبَّبِ إلَيْهِ فِي الْوُجُودِ كَاَلَّذِي نَفَاهُ فَلَا يَقْصِدُهُ الشَّارِعُ بِالطَّلَبِ فَلَا يَجِبُ كَمَا أَفْصَحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ مُخْتَارًا لِقَوْلِ الْإِمَامِ ــ [حاشية العطار] (قَوْلُهُ: كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ) ، فَإِنَّ الْغَسْلَ إلَى حَدِّ الْوَجْهِ بِأَوَّلِ شَعْرَةٍ مِنْ الرَّأْسِ مُتَعَذِّرٌ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ بِوُجُوبِ إلَخْ) أَيْ وَإِنَّمَا يَجِبُ بِوَجْهٍ آخَرَ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَقْصِدُهُ الشَّرْعُ بِالطَّلَبِ) يَقْتَضِي أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ أَصْلًا مَعَ أَنَّ النِّزَاعَ فِي وُجُوبِهِ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ أَوْ بِوَجْهٍ مَا مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِهِ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ يُقَالُ الْمَعْنَى فَلَا يَقْصِدُهُ الشَّرْعُ بِالطَّلَبِ لِمَشْرُوطِهِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَصَدَهُ بِطَلَبٍ آخَرَ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَوْلَا اعْتِبَارُ الشَّرْعِ) أَيْ طَلَبِهِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ اعْتِبَارَهُ إنْ كَانَ بِاشْتِرَاطِهِ لَمْ يُفِدْ الدَّلِيلَ وُجُوبُهُ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ مَطْلُوبُ الدَّلِيلِ، وَإِنْ كَانَ بِإِيجَابِهِ بِوُجُوبِ الْوَاجِبِ مَنَعَ اللُّزُومَ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ اشْتِرَاطِهِ كَافٍ فِي انْتِفَاءِ وُجُودِ مَشْرُوطِهِ بِدُونِهِ اهـ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ اشْتِرَاطَهُ لِذَلِكَ الْوَاجِبِ فِي نَفْسِهِ لَا فِي هَذَا الطَّلَبِ الْجَدِيدِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَهُ فِي ذَلِكَ الْوَاجِبِ فِي حَدِّ نَفْسِهِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ إلَّا بِاعْتِبَارِ الشَّرْعِ، وَإِلَّا فَيُمْكِنُ وُجُودُ صُورَةِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ بِدُونِهِ كَانَ اللَّائِقُ قَصْدَ الشَّارِعِ لَهُ بِطَلَبِ الْوَاجِبِ لِلْحَاجَةِ إلَى قَصْدِهِ بِهِ لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِيهِ بِخِلَافِ الْعَقْلِيِّ وَالْعَادِيِّ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ وُجُودُ صُورَةِ الْوَاجِبِ بِدُونِهِمَا كَانَ فِي طَلَبِهِ غَنِيَّةٌ عَنْ قَصْدِهِمَا بِالطَّلَبِ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَ وُجُودِهِ عَلَيْهِمَا مُقْتَضٍ لَهُمَا وَمُغْنٍ عَنْ قَصْدِهِمَا فَتَأَمَّلْهُ اهـ. وَخُلَاصَتُهُ اخْتِيَارُ الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَتَتْمِيمُ الدَّلِيلِ بِأَنْ يُقَالَ فَاللَّائِقُ قَصْدُ الشَّارِعِ لَهُ بِطَلَبِ الْوَاجِبِ. (قَوْلُهُ: لَوُجِدَ) إذْ لَا تُوقَفُ عَلَيْهِ لَا عَادَةً وَلَا عَقْلًا (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ السَّبَبُ (قَوْلُهُ: كَاَلَّذِي نَفَاهُ) أَيْ كَالشَّرْطِ الَّذِي نَفَى وُجُوبَهُ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ وَهُوَ الشَّرْطُ الْعَقْلِيُّ وَالشَّرْطُ الْعَادِيُّ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ) أَيْ بِوُجُوبِ الْمُسَبِّبِ أَيْ لَا يَقْصِدُ بِالْأَمْرِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِالْمُسَبَّبِ وَإِلَّا فَهُوَ وَاجِبٌ قَطْعًا. (قَوْلُهُ: فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ) وَهُوَ الْمُسَمَّى بِمُنْتَهَى الْإِرَادَاتِ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ تَنْبِيهٌ عَلَى رَدِّ مَا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ، فَإِنَّهُ قَرَّرَ أَنَّ مُرَادَ ابْنِ الْحَاجِبِ بِقَوْلِهِ شَرَطَا الشَّرْطَ الشَّرْعِيَّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الِاحْتِرَازَ بِهِ عَنْ الشَّرْطِ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْطِ الْعَادِيِّ لَا عَنْ السَّبَبِ، وَإِنْ حَمَلَ كَلَامَهُ عَلَى اخْتِيَارِ وُجُوبِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ دُونَ السَّبَبِ أَيْضًا يَعْنِي كَمَا جَرَى عَلَيْهِ الْعَضُدُ إيقَاعٌ لَهُ فِي خَرْقِ الْإِجْمَاعِ الَّذِي نَقَلَهُ هُوَ فِيمَا بَعْدُ وَفِيمَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ قَالَ: فَإِنَّ السَّبَبَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ بِلَا شَكٍّ. وَقَدْ رَدَّهُ الشَّارِحُ بِأَنَّهُ أَفْصَحَ فِي مُخْتَصَرِهِ الْكَبِيرِ تَرْجِيحُ عَدَمِ وُجُوبِ السَّبَبِ فَانْدَفَعَ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى دَفْعِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ أَنَّ السَّبَبَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنْ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ بِلَا شَكٍّ فَدَفَعَهُ الشَّارِحُ بِالْمَنْعِ، وَأَيَّدَهُ بِأَنَّ السَّبَبَ يَنْقَسِمُ كَالشَّرْطِ إلَى شَرْعِيٍّ وَعَقْلِيٍّ وَعَادِيٍّ أَيْ وَوَجْهُ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ السَّبَبِ الْعَقْلِيِّ وَالْعَادِيِّ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنْ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ غَيْرُ ظَاهِرٍ نَعَمْ وَجْهُ كَوْنِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ أَوْلَى ظَاهِرُهُ مِنْ جِهَةِ

стр. 253

وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي دَفْعِهِ السَّبَبَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنْ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ مَمْنُوعٌ يُؤَيِّدُ الْمَنْعَ أَنَّ السَّبَبَ يَنْقَسِمُ كَالشَّرْطِ إلَى شَرْعِيٍّ كَصِيغَةِ الْإِعْتَاقِ لَهُ وَعَقْلِيٍّ كَالنَّظَرِ لِلْعِلْمِ عِنْدَ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَغَيْرِهِ وَعَادِيٍّ كَحَزِّ الرَّقَبَةِ لِلْقَتْلِ، نَعَمْ قَالَ بَعْضُهُمْ: الْقَصْدُ بِطَلَبِ الْمُسَبِّبَاتِ الْأَسْبَابُ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي فِي وُسْعِ الْمُكَلَّفِ وَاحْتَرَزُوا بِالْمُطْلَقِ عَنْ الْمُقَيَّدِ وُجُوبُهُ بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ وُجُوبُهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهُ وَبِالْمَقْدُورِ عَنْ غَيْرِهِ، قَالَ الْآمِدِيُّ: كَحُضُورِ الْعَدَدِ فِي الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِآحَادِ الْمُكَلَّفِينَ أَيْ وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْجُمُعَةِ كَمَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهَا عَلَى وُجُودِ الْعَدَدِ. ــ [حاشية العطار] أَنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبِّبِ الشَّرْعِيَّيْنِ مِنْ طَرَفِ الْعَدَمِ فَقَطْ اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ الْكَمَالِ. (قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ) أَيْ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ. (قَوْلُهُ: أَوْلَى بِالْوُجُوبِ) عِلَّةُ الْأَوْلَوِيَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ أَشَدُّ ارْتِبَاطًا. (قَوْلُهُ: مَمْنُوعٌ) وَذَلِكَ لِأَنَّ قُوَّةَ الِارْتِبَاطِ عِنْدَهُ مُقْتَضِيَةٌ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ لَا لِلْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ: يُؤَيِّدُ الْمَنْعَ) يُمْكِنُ إرْجَاعُ الْمَنْعِ لِلنَّقْضِ التَّفْصِيلِيِّ أَوْ الْإِجْمَالِيِّ فَالْمُؤَيِّدُ كَذَا وَشَاهِدٌ. (قَوْلُهُ: أَنَّ السَّبَبَ إلَخْ) أَيْ فَلَا يَصِحُّ الْإِطْلَاقُ بَلْ يُفَصَّلُ فِيهِ كَالشَّرْطِ. (قَوْلُهُ: كَصِيغَةِ الْإِعْتَاقِ لَهُ) أَيْ لِحُصُولِ الْعِتْقِ. (قَوْلُهُ: كَحَزِّ الرَّقَبَةِ) أَيْ كَمَا إذَا قَالَ الشَّارِعُ اُقْتُلْ هَذَا قِصَاصًا مَثَلًا كَانَ مَعْنَاهُ حُزَّ رَقَبَتَهُ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي فِي وُسْعِ الْمُكَلَّفِ إذْ قَدْ يَحُزُّ الرَّقَبَةَ وَلَا يَمُوتُ. (قَوْلُهُ: نَعَمْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى الْمَنْعِ أَفَادَ بِهِ أَنَّ لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَجْهًا بِاعْتِبَارِ مَا قَالَهُ الْبَعْضُ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى قَوْلِهِ سَابِقًا فَلَا يَقْصِدُهُ الشَّارِعُ إلَخْ. (قَوْلُهُ: بَعْضُهُمْ) هُوَ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْعَضُدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِبَارَتُهُ بِنَقْلِ النَّاصِرِ. (قَوْلُهُ: الْقَصْدُ بِطَلَبِ الْمُسَبِّبَاتِ إلَخْ) وَأَوْرَدَ الشِّهَابُ عَمِيرَةُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَقْتَضِي إخْرَاجَ الْأَسْبَابِ عَنْ كَوْنِهَا وَسِيلَةً فَلَا تَكُونُ مِنْ مُقَدِّمَةِ الْوَاجِبِ بَلْ هِيَ الْوَاجِبُ عَبَّرَ عَنْهَا بِالْمُسَبِّبَاتِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُرَادَ الْبَعْضُ أَنَّ الْأَسْبَابَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْمُبَاشَرَةِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي يُمْكِنُ مُبَاشَرَتُهَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ حُصُولُ مُسَبَّبَاتِهَا. (قَوْلُهُ: وَاحْتَرَزُوا) لَمْ يَقُلْ: وَاحْتَزِزْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لِغَيْرِهِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: عَنْ الْمُفِيدَةِ وُجُوبُهُ) فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ أَنَّ الْمُطْلَقَ وَاجِبٌ فِي حَدِّ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَى الْمَقْدُورِ الْمَذْكُورِ بَلْ يَتَوَقَّفُ فِعْلُهُ عَلَيْهِ، وَالْمُقَيَّدُ يَتَوَقَّفُ نَفْسُ وُجُوبِهِ عَلَى الْمَقْدُورِ فَالْجُمُعَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحُضُورِ بَعْدَ تَمَامِ الْعَدَدِ وَاجِبٌ مُطْلَقٌ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى وُجُودِ الْعَدَدِ وَاجِبٌ مُقَيَّدٌ فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُ الْعَدَدِ لِتَجِبَ الْجُمُعَةُ وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ) أَيْ مَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ تَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ كَالزَّكَاةِ إلَخْ فَضَمِيرُ يَتَوَقَّفُ عَائِدٌ عَلَى وُجُوبِهِ لَا عَلَى الْمُقَيَّدِ أَوْ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ. (قَوْلُهُ: كَالزَّكَاةِ) أَيْ وَكَالْحَجِّ وُجُوبُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الِاسْتِطَاعَةِ فَلَا يَجِبُ تَحْصِيلُهَا. (قَوْلُهُ: كَحُضُورِ الْعَدَدِ فِي الْجُمُعَةِ) أَيْ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي تُقَامُ بِهِ مِنْ مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِلْمُكَلَّفِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَى حُضُورِ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَيَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْجُمُعَةِ) فَلَا تَنْعَقِدُ بِدُونِهِ. (قَوْلُهُ: كَمَا يَتَوَقَّفُ وُجُوبُهَا عَلَى وُجُودِ الْعَدَدِ) وَهُوَ الْأَرْبَعُونَ بِصِفَاتِهِمْ الْمُعْتَبَرَةِ بِالْمِصْرِ أَوْ الْقُرْبَةَ تُقَامُ بِهَا، وَهَذَا وُجُوبٌ مُقَيَّدٌ فَنَظَرَ الْأَوَّلُ بِالثَّانِي؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِيهِ مُقَيَّدٌ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا نَظِيرٌ لِلْمُحْتَرَزِ عَنْهُ لَا أَنَّهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْوَاجِبِ كَالسَّيْرِ

стр. 254

(فَلَوْ تَعَذَّرَ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِتَرْكِ غَيْرِهِ) مِنْ الْجَائِزِ كَمَاءٍ قَلِيلٍ وَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ (وَجَبَ) تَرْكُ ذَلِكَ الْغَيْرِ لِتَوَقُّفِ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ (أَوْ اخْتَلَطَتْ) أَيْ اشْتَبَهَتْ (مَنْكُوحَةٌ) لِرَجُلٍ (بِأَجْنَبِيَّةٍ) مِنْهُ (حُرِّمَتَا) أَيْ حُرِّمَ قُرْبَانُهُمَا عَلَيْهِ (أَوْ طَلَّقَ مُعَيَّنَةً) مِنْ زَوْجَته مَثَلًا (ثُمَّ نَسِيَهَا) حُرِّمَ عَلَيْهِ قُرْبَانُهُمَا أَيْضًا أَمَّا الْأَجْنَبِيَّةُ وَالْمُطَلَّقَةُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْمَنْكُوحَةُ وَغَيْرُ الْمُطَلَّقَةِ فَلِاشْتِبَاهِهِمَا بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالْمُطَلَّقَةِ. وَقَدْ يَظْهَرُ الْحَالُ فَيَرْجِعَانِ إلَى مَا كَانَتَا عَلَيْهِ مِنْ الْحِلِّ فَلَمْ يَتَعَذَّرْ فِي ذَلِكَ تَرْكُ الْمُحْرِمِ وَحْدَهُ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ مَا ذَكَرَ قَبْلَهُ، وَتَرَكَ جَوَابَ ــ [حاشية العطار] إلَى مَكَّةَ بَعْدَ تَعَلُّقِ وُجُوبِ الْحَجِّ بِالسَّائِرِ لَا فِيمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُوبُ ذَلِكَ كَمِلْكِ النِّصَابِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ (قَوْلُهُ: فَلَوْ تَعَذَّرَ إلَخْ) أَتَى بِالْفَاءِ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْفُرُوعَ الثَّلَاثَةَ مُتَفَرِّعَةٌ عَنْ الْأَصْلِ السَّابِقِ وَهُوَ الْمَقْدُورُ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَخْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَعْلَمُ فِي كُلٍّ مِنْهَا وُجُودَ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِتَرْكِ شَيْءٍ آخَرَ يَتَوَقَّفُ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، قَالَ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَوَقِّفَ فِي الْحَقِيقَةِ فِي الْأَخِيرَيْنِ مِنْهَا تَعَيُّنُ التَّرْكِ وَهُوَ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْوَاجِبِ لَا نَفْسِ وُجُودِ الْوَاجِبِ، فَلَوْ فَسَّرَ الشَّارِحُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ لَا يَتِمُّ بِمَا يَتَنَاوَلُ الْعِلْمَ بِوُجُودِ الْوَاجِبِ فَقَالَ الْفِعْلُ الْمَقْدُورُ لِلْمُكَلَّفِ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ بِأَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ وُجُودُ الْوَاجِبِ أَوْ الْعِلْمِ بِوُجُودِهِ لِظُهُورِ وَجْهِ التَّفْرِيعِ اهـ. قَالَ سم وَسَلَكَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ هَذَا الْمَسْلَكَ فَقَالَ: الْمُقَدِّمَةُ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ نَفْسُ وُجُودِ الْوَاجِبِ. وَالثَّانِي: مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُمْكِنُ الْكَفُّ عَنْ الْمُحَرَّمِ إلَّا بِالْكَفِّ عَمَّا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ كَمَا إذَا خَلَطَتْ نَجَاسَةٌ إلَخْ. وَأَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ إعْرَاضَ الشَّارِحِ عَنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا يُصَدَّقُ فِي كُلٍّ مِنْ الْفَرْعَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مَا دَامَ الِاشْتِبَاهُ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ تَوَقَّفَ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ أَيْ عَلَى وَجْهٍ مُبَرِّئٍ شَرْعًا فَتَأَمَّلْهُ اهـ. (قَوْلُهُ: كَمَاءٍ قَلِيلٍ وَقَعَ فِيهِ بَوْلٌ) تَبِعَ الشَّارِحُ كَالزَّرْكَشِيِّ فِي التَّمْثِيلِ بِذَلِكَ الْمَحْصُولِ، وَقَدْ نَاقَشَ ابْنُ هَارُونَ فِي التَّمْثِيلِ بِهِ فَقَالَ: إنَّهُ لَا يَلِيقُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: بَلْ هُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَلْيَقُ بِأُصُولِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمَاءَ جَوْهَرٌ طَاهِرٌ وَالطَّاهِرُ إذَا أُلْقِيَتْ النَّجَاسَةُ فِيهِ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَصِيرَ بِذَلِكَ نَجِسًا فِي عَيْنِهِ؛ لِأَنَّ قَلْبَ الْأَعْيَانِ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْعِبَادِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ الطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ اسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ، وَاسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ اسْتِعْمَالِ شَيْءٍ مِنْهَا لِامْتِزَاجِ أَجْزَائِهَا امْتِزَاجًا تَقَاصَرَتْ مَعَهُ الْقُوَى عَنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ اجْتِنَابُهُ لِذَلِكَ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْقَوَاطِعِ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمَاءَ هَلْ يَصِيرُ كُلُّهُ نَجِسًا أَوْ أَنَّهُ إنَّمَا حُرِّمَ الْكُلُّ لِتَعَذُّرِ الْإِقْدَامِ عَلَى تَنَاوُلِ الْمُبَاحِ لِاخْتِلَاطِ الْمُحَرَّمِ بِهِ قَالَ: وَالْأَوَّلُ هُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِنَا وَالثَّانِي هُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ. وَمِمَّا يَظْهَرُ بِهِ كَوْنُ الثَّانِي غَيْرَ لَائِقٍ بِمَذْهَبِنَا أَنَّ عِلَّتَهُ مَوْجُودَةٌ فِيمَا إذَا وَقَعَ بَوْلٌ فِي مَاءٍ هُوَ قُلَّتَانِ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ مَعَ تَخَلُّفِ الْحُكْمِ عَنْهُ وَهُوَ وُجُوبُ الِاجْتِنَابِ إذْ يَجُوزُ عِنْدَنَا اسْتِعْمَالُ الْمُخْتَلَطِ كُلِّهِ بَلْ يَجِبُ عَلَى التَّعْيِينِ إذْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَأَيْضًا فَالْحُكْمُ مَوْجُودٌ بِدُونِ الْعِلَّةِ فِيمَا إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ، كَذَا فِي الْكَمَالِ وَالْمِثَالُ الْمُطَابِقُ لِمَذْهَبِنَا امْتِزَاجُ طَعَامِ إنْسَانٍ أَوْ مَائِهِ بِطَعَامِ الْغَيْرِ أَوْ مَائِهِ فِي كَوْنِ صَيْرُورَةِ الْمَاءِ نَجِسًا بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ قَلْبًا لِلْأَعْيَانِ نَظَرٌ يُدْرِكُهُ مَنْ مَارَسَ عِلْمَ الْكَلَامِ وَالْحِكْمَةِ وَلَيْسَ مَا هُنَا مَحَلُّهُ. (قَوْلُهُ: لِتَوَقُّفِ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ) أَيْ لِتَوَقُّفِ وُجُودِ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ لَا وُجُوبِ تَرْكِهِ، إذْ وُجُودُ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى شَيْءٍ. (قَوْلُهُ:) أَيْ اشْتَبَهَتْ أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الِاخْتِلَاطَ لَيْسَ بِمَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَدَاخُلُ الْأَشْيَاءِ فِي بَعْضِهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ عَلَاقَتُهُ السَّبِيبَةُ. (قَوْلُهُ: مَثَلًا) رَاجِعٌ لِطَلَّقَ فَغَيْرُ الطَّلَاقِ كَالْعِتْقِ كَذَلِكَ أَوْ لِلزَّوْجَيْنِ فَغَيْرُهُمَا مِمَّا زَادَ عَلَيْهِمَا كَذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ يَظْهَرُ الْمُحَالُ) دَفَعَ بِهِ مَا يُقَالُ كَأَنَّ الْمُنَاسِبَ حَذْفُ أَوْ اخْتَلَطَتْ إلَخْ لِيَتَنَاوَلَ مَا قَبْلَهُ أَوْ إبْدَالٌ أَوْ بَكَانِ لِيَكُونَ مَدْخُولُهَا أَمْثِلَةً لِمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُ، وَحَاصِلُ الدَّفْعِ إنَّمَا أَفْرَدَ هَذَا؛ لِأَنَّ التَّعَذُّرَ فِيهِ حَالٌّ، وَقَدْ يَزُولُ بِخِلَافِ مَا قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَزُولُ وَبَحَثَ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ يَزُولُ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُهُ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ، وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ مَا دَامَ لَمْ يَزُلْ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: فَلَمْ يَتَعَذَّرْ فِي ذَلِكَ) أَيْ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ صُورَتَيْ الْمَنْكُوحَةِ وَنِسْيَانِ الْمُطَلَّقَةِ تَرْكِ الْمُحَرَّمِ وَحْدَهُ وَذَلِكَ إذَا ظَهَرَ

стр. 255

مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ جَوَابِ مَا قَبْلَهَا وَلَوْ أَخَّرَهُ عَنْهُمَا لَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِ مَا زِدْتُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ مُعَيَّنَةً كَمَا لَا يَخْفَى فَيَفُوتُ الِاخْتِصَارُ الْمَقْصُودُ لَهُ (مَسْأَلَةُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ) بِمَا بَعْضُ جُزْئِيَّاتِهِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ ــ [حاشية العطار] الْحَالُ بِزَوَالِ الِاشْتِبَاهِ وَالنِّسْيَانِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ مَا ذَكَرَ قَبْلَهُ مِنْ قَوْلِهِ، فَلَوْ تَعَذَّرَ تَرْكُ الْمُحَرَّمِ إذْ الْمُتَعَذِّرُ لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ أَصْلًا. (قَوْلُهُ: وَتَرَكَ جَوَابَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ مَسْأَلَةَ الطَّلَاقِ مُصَدَّرَةٌ بِأَوْ وَهِيَ لَا جَوَابَ لَهَا وَالْجَوَابُ أَنَّ لَوْ مُقَدَّرَةٌ حُذِفَتْ لِلْعِلْمِ بِهَا مِنْ قَوْلِهِ، فَلَوْ تَعَذَّرَ إلَخْ وَالتَّقْدِيرُ أَوْ لَوْ طَلَّقَ إلَخْ. (قَوْلُهُ: لَاحْتَاجَ إلَى ذِكْرِ مَا زِدْته) يَعْنِي قَوْلَهُ مِنْ زَوْجَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ حُرِّمَتَا وَفِيهِ أَنَّهُ يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ. [مَسْأَلَةُ مُطْلَقُ الْأَمْرِ بِمَا بَعْضُ جُزْئِيَّاتِهِ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ] (قَوْلُهُ: بِمَا بَعْضُ) أَيْ بِكُلِّيٍّ، فَإِنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ الْمَاهِيَّةُ الصَّادِقَةُ بِأَيِّ فَرْدٍ لِمَا سَيَأْتِي فِي مَبْحَثِ الْأَمْرِ أَنَّهُ لِطَلَبِ الْمَاهِيَّةِ وَقَوْلُهُ: مِنْهَا أَيْ مِنْ الْجُزْئِيَّاتِ وَكُلٌّ مِنْهَا لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا بِالشَّخْصِ لِأَنَّهُ الْمَوْجُودُ فِي الْخَارِجِ

стр. 256

بِأَنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ (لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ) مِنْهَا (خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ) ــ [حاشية العطار] (قَوْلُهُ: لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ) أَيْ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَاهِيَّةَ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهَا فِي الْمَكْرُوهِ مِنْ جُزْئِيَّاتِهَا لِمَا عَلِمْت أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْأَمْرِ الْمَاهِيَّةُ لَا الْأَفْرَادِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ الْمَكْرُوهَ لِمَكَانِهِ مِنْ جُمْلَةِ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَكْرُوهِ وَسَيَأْتِي أَنَّهُ صَحِيحٌ فَيَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ فَلَا يَصِحُّ الْعُمُومُ. وَأَجَابَ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ لِلْفِعْلِ بَلْ لِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَالْمَكْرُوهُ ذَلِكَ الْكَوْنُ لَا الْفِعْلُ وَالْجُزْئِيُّ الْفِعْلُ لَا الْكَوْنُ، وَنَظَرَ فِيهِ سم بِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْأَفْعَالِ وَالْكَوْنِ الْمَذْكُورِ وَلَيْسَ مِنْهَا فَالْوَجْهُ اسْتِثْنَاءُ مَا ذَكَرَ أَوْ تَقْيِيدُ الْقَاعِدَةِ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ مَعْنَى الْكَوْنِ الْإِيقَاعُ وَهُوَ فِعْلٌ فَصَحَّ جَوَابُ النَّاصِرِ نَعَمْ تَقْيِيدُ الْقَاعِدَةِ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لِأَجْلِ الْمُقَابِلَةِ الْآتِيَةِ فِي قَوْلِهِ أَمَّا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَهُ جِهَتَانِ، وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَحَلُّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَكْرُوهِ مِنْهَا إذَا كَانَ لَهُ جِهَةٌ أَوْ جِهَتَانِ بَيْنَهُمَا لُزُومٌ لِمَا كَانَتْ الْجِهَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا مِنْ ضَرُورَاتِ الْجِهَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا كَانَتْ هِيَ أَيْضًا مَأْمُورًا بِهَا إذْ الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ أَمْرٌ بِمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِهِ وَالْمُرَادُ بِالْمَكْرُوهِ مَا يَشْمَلُ الْمَكْرُوهَ تَحْرِيمًا أَوْ تَنْزِيهًا. (قَوْلُهُ: بِأَنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْهُ) هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمَكْرُوهَ هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مُطْلَقًا لَا يَخُصُّ الْمَكْرُوهَ فَفِيهِ إحْدَاثُ اصْطِلَاحٍ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ) تَبِعَ فِيهِ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ وَإِمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرَهُمَا، وَكَذَلِكَ رَأَيْت فِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ خِلَافًا لَهُمْ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَلَمْ يَحْكِهِ إلَّا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ يَتَنَاوَلُ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ شَرْعًا مَعَ بَقَاءِ وَصْفِ الْكَرَاهَةِ وَاسْتَدَلَّ بِأَدَاءِ عَصْرِ يَوْمِهِ بَعْدَ تُغَيِّرْ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعًا وَهُوَ مَكْرُوهٌ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ طَوَافُ الْمُحْدِثِ يَتَنَاوَلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] وَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَالثَّانِي: قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ تَنَاوُلَ مُطْلَقِ الْأَمْرِ لِلْمَكْرُوهِ بِمَعْنَى أَنَّ وُرُودَهُ يَرْفَعُ الْكَرَاهَةَ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ الْكَرَاهَةُ رَاجِعَةً لِمَعْنًى خَارِجٍ فَالْكَرَاهَةُ لَيْسَتْ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ وَلَكِنْ لِلتَّشْبِيهِ بِعُبَّادِ الشَّمْسِ وَالْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الصَّلَاةُ وَلَيْسَتْ فِي الطَّوَافِ الَّذِي فِيهِ تَعْظِيمُ الْبَيْتِ بَلْ

стр. 257

لَنَا تَنَاوَلَهُ لَكَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَطْلُوبَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ (فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ) أَيْ الَّتِي كُرِهَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ مِنْ النَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ كَعِنْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ وَاسْتِوَائِهَا حَتَّى تَزُولَ وَاصْفِرَارِهَا حَتَّى تَغْرُبَ إنْ كَانَ كَرَاهَتُهَا فِيهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عَمَلًا بِالْأَصْلِ فِي النَّهْيِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ (وَإِنْ كَانَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ) ــ [حاشية العطار] لِوَصْفٍ فِي الطَّائِفِ وَهُوَ الْحَدَثُ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الطَّوَافِ فِي شَيْءٍ، اهـ. مُلَخَّصًا. قَالَ الْكَمَالُ: وَعَلَى هَذَا فَالصِّحَّةُ وَالْإِجْرَاءُ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عِنْدَهُمْ لِرُجُوعِ النَّهْيِ فِيهِمَا إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَالصِّحَّةُ فِي الْعَصْرِ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِتَأْخِيرِهَا إلَى الِاصْفِرَارِ لَا بِفِعْلِهَا وَالطَّوَافُ لَا يَصِحُّ مَعَ الْحَدَثِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ الطَّوَافُ مِثْلُ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩] فَلَا يُجْزِئُ. (قَوْلُهُ: لَنَا) أَيْ يَدُلُّ لَنَا وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ قِيَاسٌ اسْتِثْنَائِيٌّ حُذِفَتْ اسْتِثْنَائِيَّتُهُ وَذَكَرَ دَلِيلَهَا بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ تَنَاقُضٌ، وَوَجْهُ التَّنَاقُضِ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مَأْمُورًا بِهِ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ وَمِنْ حَيْثُ النَّهْيُ مَطْلُوبُ التَّرْكِ فَيَئُولُ إلَى أَنَّهُ مَطْلُوبُ الْفِعْلِ وَلَيْسَ مَطْلُوبَهُ وَمَطْلُوبُ التَّرْكِ وَلَيْسَ مَطْلُوبَهُ. (قَوْلُهُ: فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ) تَفْرِيعٌ عَلَى عَدَمِ تَنَاوُلِ الْأَمْرِ لِلْمَكْرُوهِ، وَبَحَثَ فِيهِ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الصِّحَّةَ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَمْرِ مَعَ أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّهَا مُوَافَقَةُ ذِي الْوَجْهَيْنِ الشَّرْعِ وَالْأَمْرِ قَدْرَ زَائِدٍ إذْ لَوْ تَوَقَّفَتْ الصِّحَّةُ عَلَى الْأَمْرِ لَمْ تُوصَفْ الْمُبَاحَاتُ بِالصِّحَّةِ وَهُوَ مَطْلُوبٌ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَهِيَ تَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهَا مَأْمُورًا بِهَا لَا فِي مُطْلَقِ الصِّحَّةِ، وَنَاقَشَهُ بَعْضُ الْحَوَاشِي بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ عَلَى الْأَمْرِ وَإِنَّمَا الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْعِبَادَةِ فَاشْتَبَهَ عَلَى سم الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَنَفْسُ الصِّحَّةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ إنْ سَلَّمَ وُجُودَ عِبَادَةٍ مُسْتَجْمِعَةٍ لِلشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَمْرِ وَلَوْ الْعَامَّ كَمَا تَقَدَّمَ. (قَوْلُهُ: أَيْ الَّتِي كُرِهَتْ) إشَارَة إلَى إسْنَادِ الْمَكْرُوهِيَّةِ إلَى الْأَوْقَاتِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ مِنْ إسْنَادِ مَا لِلشَّيْءِ إلَى ظَرْفِهِ لِمُلَابَسَتِهِ لَهُ بِوُقُوعِهِ فِيهِ. (قَوْلُهُ: الْمُطْلَقَةِ) أَيْ غَيْرِ الْمُقَيَّدَةِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ. (قَوْلُهُ: كَعِنْدِ) أَيْ كَالصَّلَاةِ عِنْدَ، فَمَجْرُورُ الْكَافِ مَحْذُوفٌ فَلَا يُقَالُ: إنَّ عِنْدَ لَا تَخْرُجُ عَنْ الظَّرْفِيَّةِ إلَّا لِلْجَرِّ بِمِنْ. (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ كَرَاهَتُهَا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَلَا تَصِحُّ أَيْ لَا تَصِحُّ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْكَرَاهَةِ فِيهَا لِلتَّحْرِيمِ (قَوْلُهُ: عَمَلًا بِالْأَصْلِ) وَهُوَ الْحُرْمَةُ، وَهَذَا عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ الْكَرَاهَةُ لِلتَّحْرِيمِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ) فِيهِ أَنَّ ضَمِيرَ الْمُؤَنَّثِ الْمَجَازِيِّ مُذَكَّرٌ وَهُوَ مَمْنُوعٌ إلَّا فِي ضَرُورَةٍ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْكَرَاهَةَ نَهْيٌ مَخْصُوصٌ أَوْ خِطَابٌ مَخْصُوصٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ:

стр. 258

وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِي بَعْضِ كُتُبِهِ فَلَا تَصِحُّ أَيْضًا (عَلَى الصَّحِيحِ) إذْ لَوْ صَحَّتْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْكَرَاهَتَيْنِ أَيْ وَافَقَتْ الشَّرْعَ بِأَنْ تَنَاوَلَهَا الْأَمْرُ بِالنَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ الْمُسْتَفَادُ مِنْ أَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ فِيهَا لَزِمَ التَّنَاقُضُ فَتَكُونُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ مَعَ جَوَازِهَا فَاسِدَةً أَيْ غَيْرَ مُعْتَدٍ بِهَا لَا يَتَنَاوَلُهَا الْأَمْرُ فَلَا يُثَابُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: إنَّهَا عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيَةِ صَحِيحَةٌ يَتَنَاوَلَا الْأَمْرَ فَيُثَابُ عَلَيْهَا وَالنَّهْيُ عَنْهَا رَاجِعٌ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهَا كَمُوَافَقَةِ عُبَّادِ الشَّمْسِ فِي سُجُودِهِمْ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَسَيَأْتِي أَنَّ النَّهْيَ لِخَارِجٍ لَا يُفِيدُ الْفَسَادَ وَبِرُجُوعِ النَّهْيِ إلَى خَارِجٍ ــ [حاشية العطار] وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ أَيْضًا) أَيْ كَمَا صَحَّحَ الْقَوْلَ بِكَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ فَقَدْ صَحَّحَ فِي التَّحْقِيقِ وَفِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْمَجْمُوعِ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْهُ وَمِنْ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: بِأَنَّ تَنَاوُلَهَا الْأَمْرَ) الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الشَّرْعِ فِي الْعِبَادِ بِسَبَبِ الْأَمْرِ بِهَا فَيَرُدُّ حِينَئِذٍ أَنَّ تَنَاوُلَ الْأَمْرِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الصِّحَّةِ وَإِلَّا لِمَا تَأْتِي الصِّحَّةُ فِي الْمُبَاحِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّحَّةِ الْمَخْصُوصَةِ أَيْ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَهِيَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَنَاوُلِ الْأَمْرِ لَهَا. (قَوْلُهُ: لَزِمَ التَّنَاقُضُ) وَهِيَ كَوْنُهَا مَطْلُوبَةَ الْفِعْلِ وَمَطْلُوبَةَ التَّرْكِ وَفِي قَوْلِهِ إذْ لَوْ صَحَّتْ إلَخْ دَلِيلٌ اسْتِثْنَائِيٌّ تَقْرِيرُهُ لَوْ صَحَّتْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْكَرَاهَتَيْنِ لَزِمَ التَّنَاقُضُ وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَبَطَلَ الْمُقَدَّمُ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (قَوْلُهُ: فَتَكُونُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا أَفَادَهُ السَّابِقُ مِنْ أَنَّهَا لَوْ صَحَّتْ لَزِمَ التَّنَاقُضُ. (قَوْلُهُ: مَعَ جَوَازِهَا فَاسِدَةً) إشَارَةً إلَى رَدِّ اسْتِشْكَالِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إذَا جَازَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ فَكَيْفَ لَا يَصِحُّ، وَوَجْهُ الرَّدِّ مَا قَرَّرَهُ لُزُومُ التَّنَاقُضِ وَقَوْلُ الزَّرْكَشِيّ أَنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ لِكَوْنِهِ تَلَاعُبًا جَوَابُهُ أَنَّ الْحُرْمَةَ لِمَعْنًى آخَرَ قَالَهُ زَكَرِيَّا، وَنَقَلَ سم عَنْ حَوَاشِيهِ لِشَرْحِ الْبَهْجَةِ لِلْعِرَاقِيِّ أَنَّ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ عَلَى الْقَوْلِ بِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا لَا تُنَافِي حُرْمَةَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ مَعَ أَنَّهُ لَا بُعْدَ فِي إبَاحَةِ الْإِقْدَامِ عَلَى مَا لَا يَنْعَقِدُ إذَا كَانَ الْكَرَاهَةُ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ التَّلَاعُبَ اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ حَيْثُ لَمْ يَحْرُمْ الْإِقْدَامُ لَمْ يَحْرُمْ الِاسْتِمْرَارُ؛ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ فَحَيْثُ جَازَ الِابْتِدَاءُ جَازَ الدَّوَامُ بِالْأَوْلَى هَذَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الْحَقُّ عِنْدِي أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ جَزْمًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي نَقْلٍ لَا سَبَبَ لَهُ فَالْقَصْدُ بِهِ وَإِنَّمَا الْأَجْرُ وَتَحْرِيمُهَا أَوْ كَرَاهَتُهَا يَمْنَعُ حُصُولَهُ وَمَا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ بَاطِلٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: أَيْ غَيْرَ مُعْتَدٍ بِهَا) أَيْ وَالْفَسَادُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِي الْجَوَازَ يَعْنِي عَدَمَ الْمَنْعِ شَرْعًا. (قَوْلُهُ: فَلَا يُثَابُ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ مَانِعٌ مِنْ الثَّوَابِ. (قَوْلُهُ: دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ مُسْلِمٍ) أَيْ حَيْثُ عَلَّلَ فِيهِ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ بِقَوْلِهِ ﵊، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ بِقَوْلِهِ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ. (قَوْلُهُ: وَسَيَأْتِي) أَيْ فِي مَبْحَثِ النَّهْيِ سَيَأْتِي تَمْثِيلُهُ بِالْوُضُوءِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ لِإِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ الْحَاصِلِ بِغَيْرِ الْوُضُوءِ أَيْضًا وَكَالْبَيْعِ فِي وَقْتِ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ لِتَفْوِيتِهَا الْحَاصِلِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ أَيْضًا وَكَالصَّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْمَكْرُوهِ أَوْ الْمَغْصُوبِ، وَهَذَا تَتِمَّةٌ لِقَوْلِهِ وَالنَّهْيُ عَنْهَا إلَخْ. (قَوْلُهُ: أَنَّ النَّهْيَ لِخَارِجٍ) أَيْ خَارِجٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَذَا قَيَّدَهُ الشَّارِحُ فِي مَبْحَثِ النَّهْيِ وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا لِخَارِجٍ غَيْرِ لَازِمِ النَّهْيُ لِتَمَامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَالْمَنْهِيِّ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ أَوْ لِجُزْئِهِ كَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَلَاقِيحِ أَوْ لِخَارِجٍ غَيْرِ لَازِمٍ عَنْ الْبَيْعِ الرِّبَوِيِّ، فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ التَّفَاضُلُ وَمُرَادُهُمْ بِالْخَارِجِ اللَّازِمِ مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ الشَّيْءِ وَلَا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِهِ وَهُوَ اللَّازِمُ الْمُسَاوِي وَبِالْخَارِجِ غَيْرِ اللَّازِمِ مَا يُوجَدُ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَكَّ عَنْ الشَّيْءِ وَهُوَ اللَّازِمُ الْأَعَمُّ فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ النَّاصِرِ بِأَنَّ لَازِمَ الشَّيْءِ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّيْءِ وُجُودُهُ. وَقَدْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ مَوْجُودِ ذَلِكَ الشَّيْءِ لِجَوَازِ كَوْنِهِ أَعَمَّ مِنْ الْمَلْزُومِ، وَكُلٌّ مِنْ الْإِتْلَافِ وَالتَّفْوِيتِ وَالتَّعَرُّضِ بِالصَّلَاةِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ هُنَا لَازِمٌ لِلْوُضُوءِ وَالْبَيْعِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنْ تَحَقَّقَتْ بِغَيْرِهَا أَيْضًا وَالْحُكْمُ بِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ مِنْ اشْتِبَاهِ اللَّازِمِ بِالْمَلْزُومِ. اهـ. فَإِنَّهُ جَرَى عَلَى اصْطِلَاحِ الْمَنَاطِقَةِ فِي تَقْسِيمِ اللَّازِمِ إلَى الْمُسَاوِي وَالْأَعَمِّ، وَأَمَّا الْأُصُولِيُّونَ فَيَخُصُّونَهُ بِالْمُسَاوِي وَيَجْعَلُونَ الْأَعَمَّ مِنْ قَبِيلِ

стр. 259

انْفَصَلَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِمْ فِيهَا بِالصِّحَّةِ مَعَ كَرَاهَةِ التَّحْرِيمِ كَالصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ أَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْأَمْكِنَةِ الْمَكْرُوهَةِ فَصَحِيحَةٌ وَالنَّهْيُ عَنْهَا لِخَارِجٍ جَزْمًا كَالتَّعَرُّضِ بِهَا فِي الْحَمَّامِ لِوَسْوَسَةِ الشَّيَاطِينِ وَفِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ لِنِفَارِهَا وَفِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ لِمُرُورِ النَّاسِ وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ يَشْغَلُ الْقَلْبَ عَنْ الصَّلَاةِ وَيُشَوِّشُ الْخُشُوعَ فَالنَّهْيُ فِي الْأَمْكِنَةِ لَيْسَ لِنَفْسِهَا بِخِلَافِ الْأَزْمِنَةِ ــ [حاشية العطار] الْخَارِجِ هَذَا مَا حَرَّرَهُ سم وَنَقَلَ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ عِبَارَاتِ الْقَوْمِ (قَوْلُهُ: انْفَصَلَ الْحَنَفِيَّةُ) أَيْ تَخَلَّصُوا مِنْ اسْتِشْكَالِ كَوْنِهَا صَحِيحَةً مَعَ كَوْنِ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ وَمِثْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ، فَإِنَّهُمْ قَائِلُونَ بِالصِّحَّةِ مَعَ كَوْنِ الْكَرَاهَةِ تَحْرِيمِيَّةً وَوَجْهُ ذَلِكَ رُجُوعُ النَّهْيِ إلَى خَارِجٍ لَا إلَى ذَاتِ الصَّلَاةِ، وَقَوْلُهُ: أَيْضًا أَيْ كَمَا انْفَصَلَ الْقَائِلُ مِنَّا بِالصِّحَّةِ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ. (قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ) أَيْ فِي مَكَان أَوْ سُتْرَةٍ مَثَلًا، وَهَذَا تَنْظِيرٌ فِي كَوْنِهَا صَحِيحَةً اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لِأَمْرٍ خَارِجٍ. (قَوْلُهُ: أَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْأَمْكِنَةِ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ قَالَ زَكَرِيَّا، فَإِنْ قُلْت: لِمَ صَرَّحُوا بِالصِّحَّةِ هُنَا وَأَثْبَتُوا فِيهَا فِي الصَّلَاةِ فِي مَغْصُوبٍ خِلَافًا كَمَا سَيَأْتِي قُلْت: لِأَنَّ النَّهْيَ هُنَا لِلتَّنْزِيهِ وَثَمَّ لِلتَّحْرِيمِ. وَقَدْ رَأَيْت فِي رِحْلَةِ الْفَخْرِ الرَّازِيّ إلَى بِلَادِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ مَا صُورَتُهُ قَالَ: اجْتَزْت طُوسَ فَأَنْزَلُونِي فِي صَوْمَعَةِ الْغَزَالِيِّ وَاجْتَمَعُوا عِنْدِي فَقُلْت لَهُمْ: إنَّكُمْ أَفْنَيْتُمْ أَعْمَارَكُمْ فِي قِرَاءَةِ كِتَابِ الْمُسْتَصْفَى وَكُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ يَذْكُرَ دَلِيلًا مِنْ الدَّلَائِلِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْغَزَالِيُّ مِنْ أَوَّلِ كِتَابِ الْمُسْتَصْفَى إلَخْ وَيُقْرِرْهُ عِنْدِي بِعَيْنِ تَقْرِيرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهِ كَلَامًا آخَرَ أَجْنَبِيًّا عَنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ أَعْطَيْته مِائَةَ دِينَارٍ فَجَاءَ فِي الْغَدِ رَجُلٌ مِنْ أَذْكِيَائِهِمْ يُقَالُ لَهُ أَمِيرُ شَرَفِ شَاهْ، وَتَكَلَّمُوا فِي مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ لِظَنِّهِ أَنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِيهِ قَوِيٌّ. فَقُلْت لَهُمْ: إنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ جِهَةُ كَوْنِهَا صَلَاةً مُغَايِرٌ لِجِهَةِ كَوْنِهَا غَصْبًا وَلَمَّا تَغَايَرَتْ الْجِهَتَانِ لَمْ يَبْعُدَانِ يَتَفَرَّعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ مَا يَلِيقُ بِهِ، وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَاهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ حَرَكَاتٌ وَسَكَنَاتٌ وَالْحَرَكَةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْحُصُولِ فِي الْحَيِّزِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي حَيِّزٍ آخَرَ، وَالسُّكُونُ عِبَارَةٌ عَنْ الْحُصُولِ فِي الْحَيِّزِ الْوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ زَمَانٍ وَاحِدٍ فَالْحُصُولُ فِي الْحُصُولِ جُزْءُ مَاهِيَّةِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَهُمَا جُزْءَانِ مِنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ، إذَا عُرِفَ هَذَا. فَنَقُولُ: إنْ اعْتَبَرْنَا الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ كَانَ جُزْءُ مَاهِيَّتِهَا الْحُصُولَ فِي الْحَيِّزِ وَهِيَ الْأَرْضُ الْمَغْصُوبَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْحُصُولَ مُحَرَّمٌ فَكَانَتْ أَجْزَاءُ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ مُحَرَّمَةً فَالْغَصْبُ وَالْمُحَرَّمُ هُنَا جُزْءٌ مِنْ مَاهِيَّةِ الصَّلَاةِ فَيَمْتَنِعُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ يُوجِبُ الْأَمْرَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَشَغْلَ ذَلِكَ الْحَيِّزِ الَّذِي هُوَ جُزْءٌ مِنْهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَوَارُدُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلَى الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِاعْتِبَارٍ وَاحِدٍ وَأَنَّهُ مُحَالٌ، فَثَبَتَ أَنَّ مَا تَخَيَّلَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ كَلَامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَلَمَّا قَرَرْت هَذَا الْكَلَامَ انْقَطَعَ الْأَمِيرُ شَرَفُ شَاهْ اهـ. (قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ عَنْهَا لِخَارِجٍ) أَيْ خَارِجٍ غَيْرِ لَازِمٍ كَمَا مَرَّ وَقَوْلُهُ: كَالتَّعَرُّضِ إلَخْ تَمْثِيلٌ لِلْخَارِجِ الْغَيْرِ اللَّازِمِ، فَإِنَّ التَّعَرُّضَ لِلْوَسْوَسَةِ أَوْ نِفَارِ الْإِبِلِ أَوْ مُرُورِ النَّاسِ يَحْصُلُ بِغَيْرِ الصَّلَاةِ فِي الْأَمْكِنَةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا فَلَا يَكُونُ النَّهْيُ لِخَارِجٍ لَازِمٍ حَتَّى يَقْتَضِيَ الْفَسَادَ؛ لِأَنَّ بِاللَّازِمِ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. (قَوْلُهُ: لَيْسَ لِنَفْسِهَا) يَعْنِي لَيْسَ لِنَفْسِ الصَّلَاةِ وَلَا لِلَازِمِهَا بِخِلَافِهِ فِي الْأَزْمِنَةِ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَأَفَادَ كَلَامُهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي نَفْسِهَا لِلصَّلَاةِ وَهُوَ أَقْرَبُ مَعْنًى مِنْ جَعْلِهِ لِلْمَكَانِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْكَمَالِ وَصَرَّحَ بِهِ النَّاصِرُ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ الْأَزْمِنَةِ) أَيْ، فَإِنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لِنَفْسِ الْأَزْمِنَةِ أَوْ الصَّلَاةِ وَأَوْرَدَ أَنَّ مُوَافَقَةَ عُبَّادِ الشَّمْسِ فِي الزَّمَانِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ كَمَا أَنَّ الْوَسْوَسَةَ وَالنَّفَاذَ فِي الْأَمْكِنَةِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ فَلَمْ يَتَّضِحْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا

стр. 260

عَلَى الْأَصَحِّ فَأَفْرَقَتَا وَاحْتَرَزَ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ عَنْ الْمُقَيَّدِ بِغَيْرِ الْمَكْرُوهِ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ قَطْعًا. (أَمَّا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ لَهُ جِهَتَانِ) لَا لُزُومَ بَيْنَهُمَا ــ [حاشية العطار] وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُلَازَمَةَ فِي الْمَكَانِ أَعَمُّ؛ لِأَنَّ الشُّغْلَ وَالْوَسْوَسَةَ وَنَحْوَهَا قَدْ تُوجَدُ بِدُونِ الصَّلَاةِ. وَقَدْ تُوجَدُ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا بِخِلَافِ الْمُلَازَمَةِ فِي الْأَزْمِنَةِ، فَإِنَّهَا مُسَاوِيَةٌ لِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ لِعُبَّادِ الشَّمْسِ لَازِمَةٌ لِلصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، فَإِنْ قُلْت كَذَلِكَ إذَا الْتَفَتَ لِلصَّلَاةِ فِي الْأَمْكِنَةِ الْمَخْصُوصَةِ كَانَتْ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ لَازِمَةً لَهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُلَازَمَةَ أَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ زَوَالُ الْوَصْفِ عَنْهَا بِخِلَافِ الْأَمْكِنَةِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَزُولَ عَنْهَا الْوَصْفُ فِي الْحَالِ بِأَنْ يَنْتَقِلَ الْكَلَامُ لِلسَّجْدِيَّةِ أَوْ الْمِلْكِيَّةِ وَبِأَنَّ الْفِعْلَ فِي حَالِ إيقَاعِهِ يُمْكِنُ نَقْلُهُ لِمَكَانٍ آخَرَ بِخِلَافِ الزَّمَانِ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: عَلَى الْأَصَحِّ) مُقَابَلَةُ أَنَّ النَّهْيَ فِي الْأَزْمِنَةِ لِخَارِجٍ كَمُوَافَقَةِ عُبَّادِ الشَّمْسِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَأَيْضًا الْمُوَافَقَةُ الْمَذْكُورَةُ بَيَانٌ لِحِكْمَةِ النَّهْيِ وَلَيْسَتْ عِلَّةً لِعَدَمِ اطِّرَادِهَا وَإِلَّا لَحُرِّمَتْ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ وَمَعَ وُجُودِ السَّبَبِ، وَحِينَئِذٍ فَمَعْنَى قَوْلِهِمْ نَهَى عَنْ كَذَا لِنَفْسِهِ وَلَازِمُهُ إلَخْ نَهَى عَنْهُ بِاعْتِبَارِ نَفْسِهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ لَازِمِهِ. (قَوْلُهُ: بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ) وَهُوَ مَا أَخَذَ لَا بِقَيْدٍ لَكِنَّهُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَا يُحْتَرَزُ بِهِ عَنْ الْمُقَيَّدِ؛ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ مَا اُعْتُبِرَ مَعَهُ عَدَمُ التَّقْيِيدِ وَحِينَئِذٍ يُقَابِلُ الْمُقَيَّدُ فَصَحَّ الِاحْتِرَازُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: أَمَّا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ) مُقَابِلٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَيْ هَذَا إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ الَّذِي لَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ لَيْسَ لَهُ جِهَتَانِ أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ جِهَتَانِ إلَخْ فَمَحَطُّ الْمُقَابِلَةَ قَوْلُهُ: لَا لُزُومَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ الْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا تَقَدَّمَ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَكْرُوهَ أَيْ الَّذِي لَهُ جِهَةٌ أَوْ لَهُ جِهَتَانِ بَيْنَهُمَا لُزُومٌ فِي الْأَوَّلِ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ، فَإِنَّ لَهَا جِهَةً وَاحِدَةً وَهِيَ كَوْنُهَا صَلَاةً وَالثَّانِي كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَالْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ هُوَ الْجُزْئِيُّ الْحَقِيقِيُّ كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ التَّقْيِيدِ وَلَا يُنَافِيهِ أَنَّهُمْ قَابَلُوهُ بِالْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الْعَضُدُ وَغَيْرُهُ وَمُقَابِلُ الْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ، بَلْ يَشْمَلُ الْوَاحِدَ بِالنَّوْعِ يَدُلُّ لَهُ أَنَّ الْأَصْفَهَانِيَّ عَبَّرَ بَدَلَ الْوَاحِدِ بِالْجِنْسِ بِالْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ وَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ تَمْثِيلِهِمْ الصَّلَاةَ فِي الْمَغْصُوبِ بِقُيُودٍ تُصَيِّرُهَا وَاحِدًا بِالشَّخْصِ كَصَلَاةِ زَيْدٍ الْفُلَانِيَّةِ فِي يَوْمِ كَذَا فِي سَاعَةِ كَذَا فِي دَارِ عَمْرٍو بِغَيْرِ رِضَاهُ أَوْ يُقَدَّرُ الْمُضَافُ أَيْ كَجُزْءِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ أَيْ الْجُزْءِ الْحَقِيقِيِّ إلَّا أَنْ يُقَالَ تَرَكَ التَّقْيِيدَ لِظُهُورِ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْخَارِجِ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا بِالشَّخْصِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ سم أَيْ حَاجَةٌ إلَى فَرْضِ هَذَا الْكَلَامِ فِي الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ وَهَلَّا فَرْضٌ فِي الْوَاحِدِ بِالنَّوْعِ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ بِالنَّوْعِ كَمُطْلَقِ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ مَثَلًا يُنْظَرُ فِيهِ إلَى أَفْرَادِهِ الشَّخْصِيَّةِ لَا إلَى جِهَاتِهِ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ بِالنَّظَرِ لِفَرْدٍ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِالنَّظَرِ لِآخَرَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ. (قَوْلُهُ: لَا لُزُومَ بَيْنَهُمَا) وَإِلَّا كَانَا كَالْجِهَةِ الْوَاحِدَةِ وَذَلِكَ كَصَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْهُ لِلْإِعْرَاضِ عَنْ صِيَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ لَازِمٌ لِلصَّوْمِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ يَسْتَلْزِمُ الْمُطْلَقَ فَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَوْمٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُقَيَّدٌ بِيَوْمِ النَّحْرِ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ فَالْجِهَتَانِ فِيهَا مُنْفَكَّتَانِ وَلَمَّا كَانَ الزَّمَنُ دَاخِلًا فِي مَاهِيَّةِ الصَّوْمِ دُونَ الْمَكَانِ فِي الصَّلَاةِ قِيلَ بِاسْتِلْزَامِ الْمُقَيَّدِ لِلْمُطْلَقِ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ دُونَ الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ الْمُقَيَّدَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمُطْلَقِ فِيهَا أَيْضًا إذْ هِيَ صَلَاةٌ وَصَلَاةٌ فِي مَغْصُوبٍ لِانْفِكَاكِ الصَّلَاةِ فِي مِلْكِهِ مَثَلًا أَوْ الْمَسْجِدِ عَنْ الْغَصْبِ. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ الزَّمَانِ لِدُخُولِهِ فِي مَفْهُومِهِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ وَلَا يُشْكِلُ عَلَى مَا ذَكَرَ صَوْمُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مَعَ تَحَقُّقِ النَّهْيِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لَيْسَ لِأَمْرٍ لَازِمٍ بَلْ لِخَارِجٍ كَالضَّعْفِ عَنْ الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْعِبَادَةِ، وَالنَّهْيُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ إذَا كَانَ لِنَفْسِ الْعِبَادَةِ

стр. 261

(كَالصَّلَاةِ فِي) الْمَكَانِ (الْمَغْصُوبِ) فَإِنَّهَا صَلَاةٌ وَغَصْبٌ أَيْ شَغْلٌ أَيْ مِلْكُ الْغَيْرِ عُدْوَانًا وَكُلٌّ مِنْهُمَا يُوجَدُ بِدُونِ الْآخَرِ (فَالْجُمْهُورُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالُوا (تَصِحُّ) تِلْكَ الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ وَاحِدٌ بِالشَّخْصِ إلَخْ فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا نَظَرًا لِجِهَةِ الصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهَا (وَلَا يُثَابُ) فَاعِلُهَا عُقُوبَةً لَهُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ (وَقِيلَ يُثَابُ) مِنْ جِهَةِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ عُوقِبَ مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ فَقَدْ يُعَاقَبُ بِغَيْرِ حِرْمَانِ الثَّوَابِ أَوْ بِحِرْمَانِ بَعْضِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَالْأَوَّلُ تَقْرِيبُ رَادِعٍ ــ [حاشية العطار] أَوْ لَازِمَهَا. (قَوْلُهُ: كَالصَّلَاةِ) أَيْ صَلَاةِ زَيْدٍ هَذِهِ الْمُتَحَقِّقَةُ خَارِجًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْوَاحِدِ بِالشَّخْصِ وَالصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَاحِدٌ بِالنَّوْعِ. (قَوْلُهُ: فِي الْمَغْصُوبِ) أَيْ فِي ثَوْبٍ أَوْ مَكَان، وَقَدْ مَثَّلَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي الْأَوْسَطِ بِالدَّارِ وَالثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ وَالْإِنَاءِ وَالْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ وَالرَّاحِلَةِ الْمَغْصُوبَةِ فِي الْحَجِّ فَلَا وَجْهَ لِمَا فِي الشَّرْحِ مِنْ التَّخْصِيصِ بِالْمَكَانِ، فَإِنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ يُفِيدُ الْعُمُومَ لِحَذْفِهِ الْمَوْصُوفَ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مُجَرَّدُ التَّمْثِيلِ فَيَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِ الْأَفْرَادِ أَوْ أَنَّ تَقْدِيرَ الْمَكَانِ لِوُقُوعِ التَّصْرِيحِ بِهِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّهَا صَلَاةٌ إلَخْ) تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ ذَا جِهَتَيْنِ. (قَوْلُهُ: أَيْ شَغَلَ مِلْكَ الْغَيْرِ إلَخْ) فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ قَالُوا: الْغَصْبُ إزَالَةُ الْيَدِ الْمُحِقَّةِ وَوَضْعُ الْيَدِ الْمُبْطِلَةِ مَكَانَهَا، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ أَنَّ الْجُلُوسَ عَلَى بِسَاطِ زَيْدٍ مَثَلًا يُعَدُّ غَصْبًا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ مِلْكَ الْغَيْرِ وَعِنْدَهُمْ لَا يُعَدُّ غَصْبًا إلَّا إذَا نَقَلَهُ وَمَا دَامَ جَالِسًا عَلَيْهِ لَا يُقَالُ لَهُ: غَاصِبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ الْيَدَ الْمُحِقَّةَ، وَإِنْ كَانَ الْجُلُوسُ عِنْدَهُمْ حَرَامًا وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ ضَمِنَ عِنْدَنَا لَا عِنْدَهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْغَصْبَ شَامِلٌ لِشَغْلِ اسْتِحْقَاقِ الْغَيْرِ عُدْوَانًا أَيْضًا كَمَا إذَا أَزْعَجَهُ مِنْ مَكَان يَسْتَحِقُّ الْجُلُوسَ فِيهِ وَصَلَّى مَكَانَهُ وَإِنَّمَا بِالشَّغْلِ؛ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي مَعْنَى الْغَصْبِ. (قَوْلُهُ: وَكُلٌّ مِنْهَا يُوجَدُ) أَيْ يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ اللُّزُومِ. (قَوْلُهُ: فَالْجُمْهُورُ إلَخْ) هَذَا الْوَاحِدُ بِالشَّخْصِ وَفِيهِ خُلُوُّ الْجُمْلَةِ عَنْ رَابِطٍ، ثُمَّ الْمُنَاسِبُ لِلْمُقَابَلَةِ أَنْ يَقُولَ فَالْجُمْهُورُ قَالُوا: يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ فَتَصِحُّ تِلْكَ الصَّلَاةُ إلَّا أَنَّهُ عَبَّرَ بِاللَّازِمِ؛ لِأَنَّ الصِّحَّةَ فَرْعُ التَّنَاوُلِ. (قَوْلُهُ: أَوْ نَفْلًا) نَبَّهَ بِهِ عَلَى رَدِّ قَوْلِ ابْنِ الرِّفْعَةِ فِي مَطْلَبِهِ عِنْدِي أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَقْصُودَيْنِ: أَدَاءُ مَا وَجَبَ، وَحُصُولُ الثَّوَابِ فَيَحْكُمُ بِصِحَّتِهِ مَعَ انْتِفَاءِ الثَّوَابِ كَالزَّكَاةِ إذَا أُخِذَتْ مِنْ الْمَالِكِ قَهْرًا، فَإِنَّهُ لَا يُثَابُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْعِقَابُ أَمَّا النَّفَلُ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الثَّوَابُ فَقَطْ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ فَكَيْفَ يَنْعَقِدُ أَيْ فَلَا يَصِحُّ وَجَوَابُهُ أَوَّلًا مَنْعُ كَوْنِ الْمَقْصُودِ فِي النَّفْلِ الثَّوَابَ فَقَطْ بَلْ فِيهِ أَدَاءُ مَا نُدِبَ أَيْضًا وَثَانِيًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي أَنَّ مَنْ قَالَ: لَا يُثَابُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْجُزْءَ بِنَفْيِ الثَّوَابِ بَلْ أَطْلَقَهُ تَقْرِيبًا لِلرَّدْعِ عَنْ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ فَلَا يُنَافِي حُصُولَ ثَوَابٍ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ) كُلٌّ مِنْ الْمَجْرُورَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِعُقُوبَةٍ إذْ لَا مَعْنَى لِنَفْيِ الثَّوَابِ عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ اهـ. نَاصِرٌ. وَيُرْشِدُ إلَى مَا اخْتَارَهُ قَوْلُ الشَّارِحِ بَعْدُ، وَإِنْ عُوقِبَ مِنْ جِهَةِ الْغَصْبِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ عُوقِبَ) يَحْتَمِلُ الْمُبَالَغَةَ وَقَوْلُهُ: فَقَدْ يُعَاقَبُ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يُثَابُ مَعَ أَنَّهُ يُعَاقَبُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ: فَقَدْ يُعَاقَبُ، جَوَابُهُ وَهُوَ أَظْهَرُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ بَعْدُ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ) قَدْ يُعَارِضُهُ مَا تَقَرَّرَ فِي الْفُرُوعِ مِنْ سُقُوطِ الثَّوَابِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ كَالصَّلَاةِ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إلَيْهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا أَسْقَطَتْ كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ الثَّوَابَ فَكَيْفَ بِالتَّحْرِيمِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ السُّقُوطُ فِي هَذِهِ الْمَكْرُوهَاتِ عَلَى الرَّدْعِ وَالزَّجْرِ وَيَلْتَزِمُ حُصُولُ الثَّوَابِ عَلَى مَا هُنَا أَوْرَدَ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ هُنَا مِنْ التَّحْقِيقِ الْمَذْكُورِ إذْ لَا مَعْنَى لِسُقُوطِ الثَّوَابِ مَعَ التَّنْزِيهِ وَثُبُوتِهِ مَعَ التَّحْرِيمِ مَعَ رُجُوعِ النَّهْيِ لِخَارِجٍ فِيهِمَا، اهـ مِنْ سم. (قَوْلُهُ: تَقْرِيبُ) أَيْ لِلْفَهْمِ لِقِلَّةِ الِاحْتِمَالَاتِ؛ لِأَنَّ كَثْرَتَهَا فِيهِ إبْعَادٌ لِلْفَهْمِ. (قَوْلُهُ: رَادِعٍ) أَيْ زَاجِرٍ حَيْثُ ذَكَرَ

стр. 262

عَنْ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي الْمَغْصُوبِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى. (وَ) قَالَ (الْقَاضِي) أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْإِمَامُ الرَّازِيّ (لَا تَصِحُّ) لِلصَّلَاةِ مُطْلَقَةً نَظَرًا لِجِهَةِ الْغَصْبِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ) لِلصَّلَاةِ (عِنْدَهَا) ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَأْمُرُوا بِقَضَائِهَا مَعَ عِلْمِهِمْ بِهَا (وَ) قَالَ الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لَا صِحَّةَ) لَهَا (وَلَا سُقُوطَ) لِلطَّلَبِ عِنْدَهَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ مُتَعَمِّقُونَ ــ [حاشية العطار] الِاحْتِمَالَ الْمُخِيفَ وَهُوَ حِرْمَانُ كُلِّ الثَّوَابِ دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ احْتِمَالُ أَنْ لَا يُعَاقَبَ أَصْلًا وَأَنْ يُعَاقَبَ بِغَيْرِ حِرْمَانِ الثَّوَابِ أَوْ بِحِرْمَانِ بَعْضِهِ فَقَطْ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى جَرَيَانِ الِاحْتِمَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَالثَّانِي قَرَّرَ الْأَمْرَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ وَالْأَوَّلُ اقْتَصَرَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ عَلَى بَعْضِهَا تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى) أَيْ لِأَنَّ نَفْيَ الثَّوَابِ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْصِيَةِ، وَإِثْبَاتَهُ عَلَى الثَّانِي مِنْ جِهَةِ الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ) فِي الْبُرْهَانِ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ مَا نَصُّهُ فَأَمَّا الْقَاضِي فَقَدْ سَلَكَ مَسْلَكًا آخَرَ فَسَلَّمَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ لَيْسَتْ تَقَعُ مَأْمُورًا بِهَا وَلَكِنْ يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَهَا كَمَا يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِأَعْذَارٍ تَطْرَأُ كَالْجُنُونِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا عِنْدِي حَائِدٌ عَنْ التَّحْصِيلِ غَيْرَ لَائِقٍ بِمَنْصِبِ هَذَا الرَّجُلِ الْخَطِيرِ، فَإِنَّ الْأَعْذَارَ الَّتِي يَنْقَطِعُ الْخِطَابُ عِنْدَهَا مَحْصُورَةٌ وَالْمَصِيرُ إلَى سُقُوطِ الْأَمْرِ عَنْ مُتَمَكِّنٍ مِنْ الِامْتِثَالِ ابْتِدَاءً وَدَوَامًا بِسَبَبِ مَعْصِيَةِ لَابِسِهَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ غَايَةُ الْقَاضِي فِي مَسْلَكِهِ هَذَا ادِّعَاءُ الْإِجْمَاعِ عَلَى سُقُوطِ الْأَمْرِ عَمَّنْ يُقِيمُ الصَّلَاةَ فِي الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ، ثُمَّ أَخَذَ يُطَوِّلُ دَعْوَاهُ وَيَعْرِضُهَا قَائِلًا لَمْ يَأْمُرْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ الْغُصَّابَ بِإِعَادَةِ الصَّلَوَاتِ الَّتِي أَقَامُوهَا فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ وَاَلَّذِي ادَّعَاهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ لَا يَسْلَمْ فَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ مُتَعَمِّقُونَ فِي التَّقْوَى يَأْمُرُونَ بِالْقَضَاءِ بِدُونِ مَا فَرَضَهُ الْقَاضِي وَتَقْدِيرُ الْإِجْمَاعِ مَعَ ظُهُورِ خِلَافِ السَّلَفِ عُسْرٌ، ثُمَّ إنْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ فَكَمَا نَقَلَ عَنْهُمْ سُقُوطَ الْأَمْرِ نَقَلَ عَنْهُمْ أَنَّ الْمَوْقِعَ صَلَاةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، فَلَئِنْ كَانَ يَعْتَصِمُ عَلَى الْخَصْمِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَهُ فِي غَيْرِ مَا يَنْقُلُهُ، وَلَعَلَّ مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ الْمُجْزِئَةَ لَيْسَتْ مَعْصِيَةً أَسْعَدُ حَالًا فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مِمَّنْ يَدَّعِي وِفَاقَ الْمَاضِينَ عَلَى إسْقَاطِ الْأَمْرِ بِسَبَبِ مَعْصِيَتِهِ اهـ. وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ، وَقَدْ كَانَ فِي السَّلَفِ. . . إلَخْ رَدٌّ لِدَلِيلِ الْقَاضِي حَسْبَمَا قَرَّرَهُ الْإِمَامُ فَذِكْرُهُ فِي خِلَالِ الْمَنْقُولِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ إخْلَالٌ. (قَوْلُهُ: وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَهَا) أَيْ لَا بِهَا كَمَا يَسْقُطُ غَسْلُ الْيَدِ عِنْدَ قَطْعِهَا كَذَا نَظَرَ الْحَوَاشِي وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ فِي نَقْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْقَاضِي التَّنْظِيرَ بِالْعُذْرِ الطَّارِئِ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ) فِي الْمَنْخُولِ لِلْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ هَذَا الْقَوْلُ لِأَبِي هَاشِمٍ الْجُبَّائِيُّ أَيْضًا قَالَ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّ الْمُكْثَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالصَّلَاةُ مُكْثٌ فِي الدَّارِ بِحَرَكَةٍ أَوْ سُكُونٍ وَيَسْتَحِيلُ وُقُوعُ النَّهْيِ طَاعَةً إذْ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى وَصْفِ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ بِالْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْبَيْعَ فِي وَقْتِ النِّدَاءِ وَتَحْرِيمِ الْمُودِعِ بِصَلَاةٍ. وَقَدْ طُولِبَ بِالرَّدِّ وَأَجْنَاسٍ لِهَذِهِ الْمَسَائِلِ فَارْتَبَكَ وَقَالَ: أَقْضِي بِفَسَادِ كُلِّ عَقْدٍ يُمْكِنُ التَّحْرِيمُ فِيهِ إنْ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ. (قَوْلُهُ: مُتَعَمِّقُونَ) أَيْ مُحْتَاطُونَ وَلَيْسَ مُرَادُهُ التَّعَمُّقَ الْمَذْمُومَ، فَإِنَّهُ غَيْرُ لَائِقٍ بِمَقَامِهِمْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إنَّ الْأَكْوَانَ الَّتِي بَنَى الْخَصْمُ الْكَلَامَ عَلَيْهَا مَعْصِيَةٌ مِنْ جِهَةِ وُقُوعِهَا غَصْبًا وَنَدَّعِي وَرَاءَ ذَلِكَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَقَدْ أَجْرَى الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ وَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِإِيضَاحِهَا، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَيْسَ تَحَيُّزُ مَكَان مَخْصُوصٍ مِنْ مَقْصُودِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ يُلَوِّحُ بِضَرْبِ مِثَالٍ، فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِعَبْدِهِ: خِطْ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ لَا تَقْعُدْ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَا تَدْخُلْ دَارِي هَذَا الْيَوْمَ، فَإِذَا عَصَاهُ وَجَاوَزَ حُكْمَ نَهْيِهِ وَتَعَدَّاهُ وَدَخَلَ دَارِهِ وَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا كَمَا أَمَرَهُ وَخَاطَ الثَّوْبَ الَّذِي رَسَمَ لَهُ خِيَاطَتَهُ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُعَدُّ مُمْتَثِلًا فِي الْخِيَاطَةِ وَهُوَ وَإِنْ عَصَاهُ بِدُخُولِ الدَّارِ فَإِنَّهُ فِي أَمْرِهِ بِالْخِيَاطَةِ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ لُزُومَ بُقْعَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَلِذَلِكَ يَحْسُنُ مِنْ الْعَبْدِ أَنْ يَقُولَ: إنْ عَصَيْتُك بِدُخُولِ الدَّارِ لَمْ أَعْصِك فِيمَا أَمَرْتنِي بِهِ مِنْ إدَامَةِ الْقِيَامِ طُولَ النَّهَارِ اهـ. ١ - (تَذْيِيلٌ) رَأَيْت فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ لِابْنِ حَزْمٍ مَا نَصُّهُ

стр. 263

فِي التَّقْوَى يَأْمُرُونَ بِقَضَائِهَا (وَالْخَارِجُ مِنْ) الْمَكَانِ (الْمَغْصُوبِ تَائِبًا) أَيْ نَادِمًا عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ عَازِمًا عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهِ (آتٍ بِوَاجِبٍ) لِتَحَقُّقِ التَّوْبَةِ الْوَاجِبَةِ بِمَا أَتَى بِهِ مِنْ الْخُرُوجِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ. (وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ) مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ هُوَ آتٍ (بِحَرَامٍ) ؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْخُرُوجِ شُغْلٌ بِغَيْرِ إذْنٍ كَالْمُكْثِ وَالتَّوْبَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ عِنْدَ انْتِهَائِهِ إذْ لَا إقْلَاعَ إلَّا حِينَئِذٍ. (وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ) ــ [حاشية العطار] كُلُّ أَمْرٍ عُلِّقَ بِوَصْفِ مَا لَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْعَمَلُ الْمَأْمُورُ بِهِ إلَّا بِمَا عُلِّقَ بِهِ، فَلَوْ لَمْ يَأْتِ الْمَأْمُورُ كَمَا أُمُرِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ وَهُوَ عَاصٍ بِمَا فَعَلَ وَالْمَعْصِيَةُ لَا تَنُوبُ عَنْ الطَّاعَةِ وَلَا يُشْكِلُ ذَلِكَ فِي عَقْلِ ذِي عَقْلٍ فَمِنْ ذَلِكَ مَنْ صَلَّى بِثَوْبٍ نَجِسٍ أَوْ مَغْصُوبٍ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ الْفِعْلُ أَصَلَّى فِي مَكَان نُهِيَ عَنْ الْإِقَامَةِ فِيهِ، كَمَكَانٍ نَجِسٍ أَوْ مَغْصُوبٍ أَوْ فِي عَطَنِ إبِلٍ أَوْ إلَى قَبْرٍ أَوْ مَنْ ذَبَحَ بِسِكِّينٍ مَغْصُوبَةٍ أَوْ حَيَوَانَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ أَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ بِآنِيَةِ فِضَّةٍ أَوْ بِإِنَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ بِإِنَاءِ ذَهَبٍ، فَكُلُّ هَذَا لَا يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضٌ فَمَنْ صَلَّى كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يُصَلِّ وَمَنْ تَوَضَّأَ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَمَنْ ذَبَحَ كَمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَذْبَحْ وَهِيَ مَيْتَةٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَكْلُهَا لَا لِرَبِّهَا وَلَا لِغَيْرِهِ وَعَلَى ذَابِحِهَا ضَمَانُ مِثْلِهَا حَيَّةً؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا أُمِرَ. وَقَالَ ﵊ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ اسْتِعْمَالِ تِلْكَ السِّكِّينِ وَعَنْ ذَبْحِ حَيَوَانِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ وَعَنْ إقَامَةٍ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ وَأَمَرَ بِالْإِقَامَةِ لِلصَّلَاةِ وَبِتَزْكِيَةِ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَبِضَرُورَةِ الْعَقْلِ عَلِمْنَا أَنَّ الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ غَيْرُ الْعَمَلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ إقَامَتَهُ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ لَيْسَتْ الْإِقَامَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ اللَّهُ آمِرًا بِهَا نَاهِيًا عَنْهَا إنْسَانًا وَاحِدًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا مِمَّا قَدْ تَنَزَّهَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ عَنْهُ فِي إخْبَارِهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَلَيْسَ اجْتِنَابُ الشَّيْءِ وَالْإِتْيَانُ بِهِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي وُسْعِ أَحَدٍ فَصَحَّ مَا قُلْنَا. اهـ. (قَوْلُهُ: نَائِبًا) أَيْ مَعَ السُّرْعَةِ وَسُلُوكِ أَقْرَبِ الطُّرُقِ وَأَقَلِّهَا ضَرَرًا فَإِذَا تَعَارَضَ طَرِيقٌ بَعِيدَةٌ أَقَلَّ ضَرَرًا وَطَرِيقٌ قَرِيبَةٌ أَكْثَرَ ضَرَرًا فَالظَّاهِرُ تَعْيِينُ سُلُوكِ الْأُولَى وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ فِي تَفْسِيرِ التَّوْبَةِ عَلَى جُزْأَيْنِ مِنْ أَجْزَاءِ مَفْهُومِهَا؛ لِأَنَّ الْإِقْلَاعَ وَهُوَ ثَالِثُهَا قَدْ تَحَقَّقَ بِقَوْلِهِ الْخَارِجِ وَلَوْ أُرِيدَ بِالتَّوْبَةِ حَقِيقَتُهَا الْمُتَنَاوِلُ لِلْإِقْلَاعِ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ قَيْدًا فِي جُزْأَيْهِ لِأَنَّ تَائِبًا حَالٌ وَهُوَ مُتَضَمَّنٌ لِلْإِقْلَاعِ وَصَاحِبُ الْحَالِ ضَمِيرُ الْخَارِجِ وَعَامِلُهَا خَارِجٌ وَالْحَالُ قَيْدٌ لِلْعَامِلِ قَالَهُ النَّاصِرُ. وَقَدْ يُقَالُ: الْإِقْلَاعُ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ الْكَفُّ امْتِثَالًا وَرَدَّهُ سم بِأَنَّ اعْتِبَارَ قَيْدِ الِامْتِثَالِ فِي الْإِقْلَاعِ مَمْنُوعٌ وَيَحْتَاجُ فِيهِ لِنَقْلٍ عَنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَلَوْ فَرَضَ اعْتِبَارَهُ فَتَحَقَّقَ النَّدَمُ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِهِ لِإِفَادَتِهِ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ النَّدَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يَقْتَضِي مُصَاحَبَةَ الْإِقْلَاعِ لِلِامْتِثَالِ عَلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِقْلَاعِ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ حَالَ الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ بِانْتِهَاءِ الْخُرُوجِ فَلِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ. (قَوْلُهُ: آتٍ بِوَاجِبٍ) فَتَكُونُ الْمَعْصِيَةُ قَدْ انْقَضَتْ عِنْدَ الْأَخْذِ فِي الْخُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ حَرَامًا لِلْقُدُومِ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: لِتَحَقُّقِ التَّوْبَةِ الْوَاجِبَةِ) أَيْ ثُبُوتِهَا وَحُصُولِ حَقِيقَتِهَا بِمَا أَتَى بِهِ إذْ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَالْعِبَارَةُ الْمُفِيدَةُ لِذَلِكَ مَعَ الْوُضُوحِ أَنْ يُقَالَ: إذْ لَا تَتَحَقَّقُ التَّوْبَةُ الْوَاجِبَةُ إلَّا بِمَا أَتَى بِهِ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْخُرُوجِ إجْمَاعًا وَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَطْلُوبًا بِفِعْلِهِ، فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَزِمَ أَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِتَرْكِهِ أَيْضًا فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَهُوَ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَالْمُعْتَزِلَةِ لَا يَقُولُونَ بِهِ فَلَزِمَ أَبَا هَاشِمٍ مُخَالَفَةُ أَصْلِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَإِنْ حَافَظَ هُنَا عَلَى أَصْلٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ إلَخْ قَبِيحٌ كَالْمُكْثِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَخْ) عِبَارَتُهُ فِي الْبُرْهَانِ هَكَذَا الَّذِي هُوَ الْحَقُّ عِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَعْرُوضٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ مِنْ أَحْكَامِ الْمَظَالِمِ، وَهِيَ أَنَّ مَنْ غَصَبَ مَالًا وَغَابَ عَنْهُ، ثُمَّ نَدِمَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَتَابَ وَاسْتَرْجَعَ وَأَنَابَ وَأَتَى بِتَوْبَتِهِ عَلَى شُرُوطِهَا فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُحَصِّلُونَ أَنَّ سُقُوطَ مَا يَتَعَلَّقُ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يُتَنَجَّزُ إمَّا مَقْطُوعًا بِهِ عَلَى رَأْيٍ أَوْ مَظْنُونًا عَلَى رَأْيٍ. وَأَمَّا

стр. 264

مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ (هُوَ مُرْتَبِكٌ) أَيْ مُشْتَبِكٌ (فِي الْمَعْصِيَةِ مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ) عَنْهُ مِنْ طَلَبِ الْكَفِّ عَنْ الشُّغْلِ بِخُرُوجِهِ تَائِبًا الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا يَخْلُصُ بِهِ مِنْهَا لِبَقَاءِ مَا تَسَبَّبَ فِيهِ بِدُخُولِهِ مِنْ الضَّرَرِ الَّذِي هُوَ حِكْمَةُ النَّهْيِ فَاعْتُبِرَ فِي الْخُرُوجِ جِهَةُ مَعْصِيَةٍ وَجِهَةُ طَاعَةٍ، وَإِنْ لَزِمَتْ الْأُولَى الثَّانِيَةَ ــ [حاشية العطار] مَا يَتَعَلَّقُ بِمُطَالَبَةِ الْآدَمِيِّينَ فَالتَّوْبَةُ لَا تُبْرِؤُهُ مِنْهَا وَلَسْت أَعْنِي بِهِ الْغُرْمَ وَإِنَّمَا أَعْنِي بِهِ إلْحَاقَهُ الطَّلَبَةَ فِي الْقِيَامَةِ فَأَمَّا الْمَغَارِمُ فَقَدْ تَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ امْتِثَالٍ إلَى الْمَأْثَمِ كَاَلَّذِي يَجِبُ عَلَى الطِّفْلِ بِسَبَبِ مَا جَنَى أَوْ أَتْلَفَ وَالسَّبَبُ فِي بَقَاءِ الْمَظْلَمَةِ مَعَ حَقِيقَةِ النَّدَمِ وَتَصْمِيمِ الْعَزْمِ عَلَى اسْتِفْرَاغِ كُنْهِ الْجَهْدِ فِي مُحَاوِلَةِ الْخُرُوجِ عَنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ أَنَّ الَّذِي تَوَرَّطَ فِيمَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ لَا يُنْجِيهِ النَّدَمُ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَمَّا خَاضَ فِيهِ فَإِذَا وَضَحَ ذَلِكَ انْعَطَفْنَا عَلَى غَرَضِ الْمَسْأَلَةِ قَائِلِينَ مَنْ تَخَطَّى أَرْضًا مَغْصُوبَةً نَظَرَ، فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ مُتَعَدِّيًا فَهُوَ مَأْمُورًا بِالْخُرُوجِ وَلَيْسَ خَارِجًا مِنْ الْعُدْوَانِ وَالْمَظْلَمَةِ؛ لِأَنَّهُ كَائِنٌ فِي الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمَعْصِيَةُ مُسْتَمِرَّةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي حَرَكَاتِهِ فِي صَوْبِ الْخُرُوجِ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ، وَهَذَا يَلْتَفِتُ عَلَى مَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّهَا تَقَعُ امْتِثَالًا مِنْ وَجْهٍ وَغَصْبًا وَاعْتِدَاءً مِنْ وَجْهٍ فَكَذَلِكَ الذَّاهِبُ إلَى صَوْبِ الْخُرُوجِ مُمْتَثِلٌ مِنْ وَجْهٍ عَاصٍ بِبَقَائِهِ مِنْ وَجْهٍ. فَإِنْ قِيلَ: إدَامَةُ حُكْمِ الْعِصْيَانِ عَلَيْهِ تُتَلَقَّى مِنْ أَرْتِكَابه نَهْيًا وَالْإِمْكَانُ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَنْهِيَّاتِ اعْتِبَارُهُ فِي الْمَأْمُورَاتِ فَكَيْفَ الْوَجْهُ فِي إدَامِهِ مَعْصِيَتَهُ فِيمَا لَا يَدْخُلُ فِي وُسْعِهِ الْخَلَاصُ مِنْهُ قُلْنَا: تُسَبِّبُهُ إلَى مَا تَوَرَّطَ فِيهِ آخِرًا سَبَبُ مَعْصِيَتِهِ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَنَا مَنْهِيًّا عَنْ الْكَوْنِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ مَعَ بَذْلِهِ الْمَجْهُودَ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا وَلَكِنَّهُ مُرْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَهَذَا تَمَامُ الْبَيَانِ فِي ذَلِكَ (قَوْلُهُ: مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ) فَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامُ التَّكْلِيفَ بِالْمُحَالِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ لَوْ تَعَلَّقَ عِنْدَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ مَعًا بِالْخُرُوجِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَعَلُّقُ النَّهْيِ مُنْتَفٍ عِنْدَهُ لِانْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ. (قَوْلُهُ: عَنْهُ) مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ وَالضَّمِيرُ لِلْخُرُوجِ وَيَصِحُّ تَعَلُّقُ الْجَارِّ بِانْقِطَاعِ وَرُجُوعِ الضَّمِيرِ لِلشَّخْصِ. (قَوْلُهُ: مِنْ طَلَبِ الْكَفِّ) بَيَانٌ لِتَكْلِيفِ النَّهْيِ وَالْأَوْلَى إبْدَالُ طَلَبٍ بِإِلْزَامٍ لِيُوَافِقَ مَا مَرَّ مِنْ أَنَّ التَّكْلِيفَ إلْزَامُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ لَا طَلَبُهُ. (قَوْلُهُ: بِخُرُوجِهِ) صِلَةُ انْقِطَاعٍ وَالْمُرَادُ بِخُرُوجِهِ أَخَذَهُ فِي السَّيْرِ لِلْخُرُوجِ فَهُوَ مَجَازٌ مُرْسَلٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ إذْ حَقِيقَةُ الْخُرُوجِ الِانْفِصَالُ عَنْ الْمَكَانِ. (قَوْلُهُ: الْمَأْمُورِ بِهِ) صِفَةٌ لِخُرُوجِهِ وَقَوْلُهُ: فَلَا يَخْلُصُ بِهِ أَيْ بِالْخُرُوجِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ وَقَوْلُهُ: مِنْهَا أَيْ الْمَعْصِيَةِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ مُشْتَبِكٌ فِي الْمَعْصِيَةِ وَتَفْرِيعُ عَدَمِ الْخُلُوصِ عَلَى الِاشْتِبَاكِ فِي الْمَعْصِيَةِ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ قَالَ سم وَكَأَنَّ النَّاصِرَ أَنَّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ فَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْمُنَاسِبَ لِلتَّفْرِيعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ هُوَ الْخُلُوصُ لَا عَدَمُهُ. (قَوْلُهُ: لِبَقَاءِ مَا تَسَبَّبَ فِيهِ) ، فَإِنْ قِيلَ: لَا مَعْصِيَةَ إلَّا بِفِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ انْقِطَاعَ تَكْلِيفِ النَّهْيِ لَمْ يَبْقَ لِلْمَعْصِيَةِ جِهَةٌ قُلْنَا: إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا يُسَلِّمُ أَنَّ دَوَامَ الْمَعْصِيَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِفِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ أَوْ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ بَلْ يَخُصُّ ذَلِكَ بِابْتِدَاءِ الْمَعْصِيَةِ قَالَهُ الْكَمَالُ وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ وَجَوَابَهُ مَذْكُورٌ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَوْرَدَ النَّاصِرُ السُّؤَالَ بِعَيْنِهِ سَاكِتًا عَنْ جَوَابِهِ. (قَوْلُهُ: مِنْ الضَّرَرِ) بَيَانٌ لِمَا أَيْ مِنْ ضَرَرٍ الْمَالِكِ يَشْغَلُهُ مِلْكُهُ عُدْوَانًا. (قَوْلُهُ: فَاعْتَبَرَ) أَيْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ جِهَةَ مَعْصِيَةٍ وَهِيَ أَضْرَارُ الْغَيْرِ بِشَغْلِ مِلْكِهِ عُدْوَانًا وَجِهَةَ طَاعَةٍ بِأَخْذِهِ فِي الْخُرُوجِ تَائِبًا. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَزِمَتْ الْأُولَى الثَّانِيَةَ) جَعَلَ اللَّازِمَ هُوَ الْأُولَى إذْ الْخُرُوجُ تَائِبًا يَلْزَمُهُ شَغْلُ مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا الثَّانِيَةُ إذْ الشَّغْلُ الْمَذْكُورُ لَا يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ تَائِبًا، ثُمَّ فِي قَوْلِهِ: وَإِنْ لَزِمَتْ الْأُولَى الثَّانِيَةَ تَنْبِيهٌ عَلَى فَسَادِ هَذَا الِاعْتِبَارِ بِأَنَّ لُزُومَ الْمَعْصِيَةِ لِلطَّاعَةِ يَصِيرُ الْفِعْلُ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَى الِامْتِثَالِ بِهِ كَذَا فِي النَّاصِرِ، قَالَ سم وَالتَّنْبِيهُ الْمَذْكُورُ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ اللُّزُومَ لَا يُرَدُّ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا يُوجِبُ كَوْنَ ذَلِكَ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْهُ لَوْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ هُنَا مَعْصِيَةً حَقِيقَةً وَهِيَ فِعْلُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعَ قِيَامِ النَّهْيِ عَنْهُ وَعَدَمِ انْقِطَاعِهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ

стр. 265

وَالْجُمْهُورُ أَلْغَوْا جِهَةَ الْمَعْصِيَةِ مِنْ الضَّرَرِ لِدَفْعِهِ ضَرَرَ الْمُكْثِ الْأَشَدِّ، كَمَا أُلْغِيَ ضَرَرُ زَوَالِ الْعَقْلِ فِي إسَاغَةِ اللُّقْمَةِ الْمَغْصُوصِ بِهَا بِخَمْرٍ حَيْثُ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهَا لِدَفْعِهِ ضَرَرَ تَلِفَ النَّفْسِ الْأَشَدِّ (وَهُوَ) أَيْ قَوْلُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ (دَقِيقٌ) كَمَا تَبَيَّنَ. وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: إنَّهُ بَعِيدٌ حَيْثُ اسْتَصْحَبَ الْمَعْصِيَةَ مَعَ انْتِفَاءِ تَعَلُّقِ النَّهْيِ وَيَدْفَعُ اسْتِبْعَادُهُ ــ [حاشية العطار] يَكُونُ مَأْمُورًا بِفِعْلِ مَا مُنِعَ مِنْهُ وَإِلْزَامِ تَرْكِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا هِيَ مَعْصِيَةٌ حُكْمِيَّةٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ اسْتَصْحَبَ حُكْمَ السَّابِقَةِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ لِإِضْرَارِهِ الْآنَ بِالْمِلْكِ إضْرَارًا نَاشِئًا عَنْ تَعَدِّيهِ السَّابِقِ مَعَ انْقِطَاعِ النَّهْيِ الْآنَ عَنْهُ وَعَنْ عَدَمِ إلْزَامِهِ بِالتَّرْكِ فَالْفِعْلُ مَقْدُورٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْهُ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْهُ وَلَا مُخَاطَبٌ بِتَرْكِهِ، غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ اسْتَصْحَبَهُ عِصْيَانُهُ السَّابِقُ تَغْلِيظًا وَمُجَرَّدُ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي عَجْزَهُ عَنْ الْفِعْلِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، فَالشَّارِحُ إنَّمَا قَصَدَ التَّنْبِيهَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْمُبَالَغَةِ فِي هَذَا السِّيَاقِ وَكَمَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِدَفْعِهِ الِاسْتِبْعَادَ الْآتِي، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ لَيْسَ قَصْدَهُ إلَّا تَوْجِيهُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَإِزَالَةُ الشُّبْهَةِ عَنْهُ وَبِمَا ذَكَرَ يَنْدَفِعُ أَيْضًا مَا يُقَالُ لَا يَجُوزُ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ جِهَتَا طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ مُتَلَازِمَتَانِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ الْجِهَتَيْنِ إذَا انْفَكَّتْ إحْدَاهُمَا عَنْ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُتَوَجَّهُ حَيْثُ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ حَقِيقِيَّةً وَهِيَ هُنَا اسْتِصْحَابِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ اهـ. مُلَخَّصًا. وَأَقُولُ: هَذَا السُّؤَالُ وَجَوَابُهُ مِنْ نَاحِيَةِ مَا تَقَدَّمَ وَلِلشَّيْخِ الْكَمَالِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ فِي غُنْيَةً عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإِنَّهُ قَرَّرَ السُّؤَالَ وَجَوَابَهُ، فَلَوْ أَنَّهُمْ وَقَفُوا عَلَى تَمَامِ كَلَامِهِ مَا أَطَالُوا بِهَذَا كُلِّهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ لَكِنَّ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ الِاخْتِصَارُ، وَقَوْلُ سم إنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ إلَخْ ذُهُولٌ عَمَّا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ فَصَوَابُ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ جِهَتَا طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ مُتَلَازِمَانِ وَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ لِلُزُومِ الْفَسَادِ بِالتَّنَاقُضِ وَمَا هُنَا مَأْمُورٌ بِهِ فَأَيْنَ الْفَارِقُ؟ فَيُجَابُ بِأَنَّ ذَاكَ فِيمَا إذَا كَانَ النَّهْيُ تَحْقِيقًا وَمَا هُنَا النَّهْيُ فِيهِ اسْتِصْحَابِيٌّ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وَالْجُمْهُورُ أَلْغَوْا إلَخْ) قَالَ الْكَمَالُ قَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُرُوقِ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى تَأْثِيمِ مَنْ دَخَلَ أَرْضًا غَاصِبًا، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا قَصَدَ الْخُرُوجَ مِنْهَا لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا بِخُرُوجِهِ؛ لِأَنَّهُ تَارِكٌ بِخُرُوجِهِ لِلْغَصْبِ اهـ. (قَوْلُهُ: دَقِيقٌ) حَيْثُ اعْتَبَرَ بَقَاءَ الْمَعْصِيَةِ لِبَقَاءِ مَا تَسَبَّبَ فِيهِ وَالطَّاعَةُ لِلْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ. (قَوْلُهُ: كَمَا تَبَيَّنَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ فَاعْتَبَرَ فِي الْخُرُوجِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَخْ) هَذَا عَلَى أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ دِقَّةُ الِاسْتِحْسَانِ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ دِقَّةَ الْخَفَاءِ فَهُوَ مُوَافِقٌ لَهُ. (قَوْلُهُ: حَيْثُ اسْتَصْحَبَ الْمَعْصِيَةَ إلَخْ) أَيْ وَاسْتِصْحَابُ حُكْمِ النَّهْيِ مَعَ انْقِطَاعِ تَعَلُّقِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَقَدْ دَفَعَهُ الشَّارِحُ بِإِيرَادِ نَظِيرٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَهُوَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ مَعْصِيَةِ الرِّدَّةِ مِنْ التَّغْلِيظِ بِإِيجَابِ قَضَاءِ مَا فَاتَ الْمُرْتَدُّ زَمَنَ جُنُونِهِ مَعَ انْقِطَاعِ تَعَلُّقِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مِنْ النَّهْيِ وَغَيْرِهِ بِالْجُنُونِ قَالَهُ الْكَمَالُ وَالْحَيْثِيَّةُ لِلتَّعْلِيلِ، وَقَدْ اعْتَرَضَ النَّاصِرُ بِأَنَّ كَلَامَ الشَّارِحِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْشَأَ الِاسْتِبْعَادِ عِنْدَ مُجَرَّدِ انْتِفَاءِ تَعَلُّقِ النَّهْيِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ عِنْدَهُ انْتِفَاءُ تَعَلُّقِ النَّهْيِ وَثُبُوتُ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ، وَنَصَّ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُرُوجُ لِلْأَمْرِ قَطَعَ بِنَفْيِ الْمَعْصِيَةِ بِشَرْطِهِ وَقَوْلُ الْإِمَامِ بِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ وَلَا نَهْيَ بَعِيدٌ. اهـ. قَالَ الْعَضُدُ فِي تَقْرِيرِهِ قَالَ الْإِمَامُ بِاسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ عَلَيْهِ مَعَ إيجَابِهِ الْخُرُوجَ وَهُوَ بَعِيدٌ اهـ. وَإِذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ الْمُسْتَبْعَدُ إنَّمَا هُوَ اسْتِصْحَابُ الْمَعْصِيَةِ حَالَ عَدَمِ سَبَبِهَا وَوُجُودِ ضِدِّهَا ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ غَيْرُ دَافِعٍ لِذَلِكَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ ضِدُّهَا التَّوْبَةُ مِنْهَا لَا الْجُنُونُ الَّذِي شَأْنُهُ فِي الشَّرْعِ أَيْ: يَجْرِي فِيهِ حُكْمُ مَا قَبْلَهُ مِنْ إسْلَامٍ أَوْ كُفْرٍ. وَالِاسْتِصْحَابُ عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّمَا هُوَ حَالُ الْجُنُونِ لَا التَّوْبَةِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَا يَصْلُحُ بِمُجَرَّدِهِ أَنْ يَكُونَ دَافِعًا لِقَوْلِ بَعْضٍ آخَرَ اهـ. وَرَدَّهُ سم بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ كَذَلِكَ وَاحْتِجَاجُهُ بِعِبَارَةِ الْمُخْتَصَرِ احْتِجَاجٌ مَمْنُوعٌ بَلْ ظَاهِرُهَا مَعَ

стр. 266

قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ مَنْ جُنَّ بَعْدَ ارْتِدَادِهِ، ثُمَّ أَفَاقَ وَأَسْلَمَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَوَاتِ زَمَنِ الْجُنُونِ اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ مَعْصِيَةِ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ إسْقَاطَ الصَّلَاةِ عَنْ الْجُنُونِ رُخْصَةٌ وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الرُّخْصَةِ أَمَّا الْخَارِجُ غَيْرُ تَائِبٍ فَعَاصٍ قَطْعًا كَالْمَاكِثِ (وَالسَّاقِطُ) بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (عَلَى جَرِيحٍ) بَيْنَ جَرْحَى (يَقْتُلُهُ إنْ اسْتَمَرَّ) عَلَيْهِ (وَ) يُقْتَلُ (كُفْؤُهُ) فِي صِفَاتِ الْقِصَاصِ ــ [حاشية العطار] الشَّارِحِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُعَوِّلْ فِيهَا عَلَى ثُبُوتِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِوَجْهٍ بَلْ اقْتَصَرَ فِيهَا كَمَا تَرَى عَلَى انْتِفَاءِ النَّهْيِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِي بَيَانِ الِاسْتِبْعَادِ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا نَهْيَ فَأَيْنَ اعْتِبَارُهُ ثُبُوتَ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ، ثُمَّ سَرَدَ عِبَارَةَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ تَأْيِيدًا لِمَا قَالَهُ قَائِلًا: فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الصَّرَائِحِ ظُهُورًا أَلَا يَقْبَلُ الْمُدَافَعَةَ أَنَّ مَنْشَأَ الِاسْتِبْعَادِ لَيْسَ إلَّا مُجَرَّدُ انْتِفَاءِ تَعَلُّقِ النَّهْيِ كَمَا أَفَادَهُ كَلَامُ الشَّارِحِ وَأَنَّ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ الَّذِي حَكَاهُ الشَّارِحُ دَافِعٌ لِلِاسْتِبْعَادِ بِلَا ارْتِيَابٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَا يَصْلُحُ بِمُجَرَّدِهِ أَنْ يَكُونَ دَافِعًا لِقَوْلِ بَعْضٍ آخَرَ فَهُوَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَمَّا أَوَّلًا فَلَيْسَ الْمُدَّعَى أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ دَافِعٌ قَوْلَ بَعْضٍ آخَرَ بَلْ دَفَعَ اسْتِبْعَادِ قَوْلٍ آخَرَ عَلَى وَفْقِهِ وَفَرْقٌ كَثِيرٌ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاسْتِبْعَادِ شَيْءٍ عُهِدَ نَظِيرُهُ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فَأَنَّهُمْ قَدْ يَدْفَعُونَ اسْتِبْعَادَ الشَّيْءِ بِأَنَّهُ قِيلَ بِنَظِيرِهِ، وَأَمَّا ثَالِثًا، فَإِنَّ فُقَهَاءَ الشَّافِعِيَّةِ الَّذِينَ هُمْ حُذَّاقُ الْإِسْلَامِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ دَافِعًا لِاسْتِبْعَادِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ. وَالْإِنْصَافُ أَنَّ هَذَا تَحَمُّلٌ مِنْهُ، فَإِنَّ دَعْوَى أَنَّ عِبَارَةَ الْمُخْتَصَرِ لَمْ يُعَوَّلْ فِيهَا عَلَى ثُبُوتِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ مَمْنُوعٌ وَكَأَنَّهُ نَظَرَ لِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ وَلَا نَهْيَ قَاطِعًا النَّظَرَ عَمَّا قَبْلَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ:، وَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُرُوجُ لِلْأَمْرِ إلَخْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مَعْنَاهُ مَا أَفْصَحَ بِهِ الْعَضُدُ بِقَوْلِهِ مَعَ إيجَابِهِ الْخُرُوجَ إلَخْ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْأَمْرِ وَالْإِمَامُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُصَرِّحٌ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْخُرُوجِ حَاصِلٌ مَعَ انْقِطَاعِ تَكْلِيفِ النَّهْيِ بِقَوْلِهِ فِيمَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ سَابِقًا فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْخُرُوجِ وَلَيْسَ خَارِجًا عَنْ الْعُدْوَانِ إلَخْ وَمَا تَمَسَّكَ بِهِ عِبَارَاتُ الْجَمَاعَةِ لَا يَدُلُّ لِمُدَّعَاهُ، كَمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِلْمُتَأَمِّلِ فِي كَلَامِهِمْ فَتَشْنِيعُهُ عَلَى شَيْخِهِ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا نَعَمْ مَا تَكَلَّمَ بِهِ عَنْ الْعَلَاوَةِ مُسَلَّمٌ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: قَوْلُ الْفُقَهَاءِ) بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِنَا مُعَاشِرَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فَلَعَلَّ اسْتِبْعَادَهُ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ. (قَوْلُهُ: أَنَّ مَنْ جُنَّ) التَّنْظِيرُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِصْحَابُ، وَإِنْ كَانَ الْمَجْنُونُ لَا تَسَبُّبَ لَهُ بِخِلَافِ الدَّاخِلِ فِي الْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ. (قَوْلُهُ: رُخْصَةٌ) أَيْ تَخْفِيفٌ فَهِيَ هُنَا بِمَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَلَيْسَتْ بِمَعْنَاهَا الِاصْطِلَاحِيِّ؛ لِأَنَّهَا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ كَمَا مَرَّ فَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَالْإِسْقَاطُ فِي الْمَجْنُونِ لَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ. (قَوْلُهُ: وَالسَّاقِطُ إلَخْ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ أَبِي هَاشِمٍ: وَالْجَوَابُ عَنْهُ بِمَا نَقَلْنَاهُ سَابِقًا، وَيَظْهَرُ الْغَرَضُ مِنْهُ بِمَسْأَلَةٍ أَلْقَاهَا أَبُو هَاشِمٍ حَارَتْ فِيهَا عُقُولُ الْفُقَهَاءِ وَأَنَا ذَاكِرُهَا وَمُوَضِّحٌ مَا فِيهَا، وَهُوَ أَنَّ مَنْ تَوَسَّطَ جَمْعًا مِنْ الْجَرْحَى وَجَثَمَ عَلَى صُدُورِ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ لَهَلَكَ مَنْ تَحْتَهُ وَلَوْ انْتَقَلَ عَنْهُ لَمْ يَجِدْ مَوْقِعَ قَدَمٍ إلَّا بَدَنٍ آخَرَ وَفِي انْتِقَالِهِ هَلَاكُ الْمُنْقَلِ إلَيْهِ فَكَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَا الْوَجْهُ فِيهِ؟ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَمْ أَتَحَصَّلْ فِيهَا مِنْ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ عَلَى ثَبْتٍ وَالْوَجْهُ الْمَقْطُوعُ بِهِ سُقُوطُ التَّكْلِيفِ عَنْ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ مَعَ اسْتِمْرَارِ حُكْمِ سَخَطِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ عَلَيْهِ، أَمَّا وَجْهُ سُقُوطِ التَّكْلِيفِ فَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ تَكْلِيفُهُ مَا لَا يُطِيقُهُ وَوَجْهُ اسْتِمْرَارِ حُكْمِ الْعِصْيَانِ عَلَيْهِ تَسَبُّبُهُ إلَى مَا لَا مُخَلِّصَ لَهُ مِنْهُ وَلَوْ فُرِضَ إلْقَاءُ رَجُلٍ رَجُلًا عَلَى صَدْرِ وَاحِدٍ كَمَا سَبَقَ الْفَرْضُ وَالتَّصْوِيرُ بِحَيْثُ لَا يُنْسَبُ الْوَاقِعُ إلَى اخْتِيَارٍ فَلَا تَكْلِيفَ وَلَا عِصْيَانَ اهـ. (قَوْلُهُ: بِاخْتِيَارِهِ إلَخْ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ جَارٍ فِيهِمَا وَهُوَ مَا فِي الْبُرْهَانِ وَيُشِيرُ إلَيْهِ كَلَامُ الْمَنْخُولِ الْآتِي، فَمَا قَالَهُ الْكَمَالُ أَنَّ كَلَامَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِتَصْوِيرِهِ بِالسَّاقِطِ اخْتِيَارًا ذُهُولٌ عَنْ آخِرِ عِبَارَتِهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى جَرِيحٍ) مَحْضُ تَمْثِيلٍ وَإِلَّا فَغَيْرُهُ مِثْلُهُ. (قَوْلُهُ: وَيُقْتَلُ كُفْؤُهُ) أَيْ كُفُؤُ الْجَرِيحِ لَا كُفُؤٌ لِوَاقِعِ إذْ لَا يَتَفَاوَتُ الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: فِي صِفَاتِ الْقِصَاصِ) أَيْ لَا غَيْرِهَا فَلَا تُعْتَبَرُ وَمَا فَرَّعَهُ سم هُنَا مِنْ التَّفْصِيلِ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ

стр. 267

(إنْ لَمْ يَسْتَمِرَّ) عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَوْضِعٍ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ إلَّا بَدَنَ كُفْءٍ (قِيلَ: يَسْتَمِرُّ) عَلَيْهِ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى كُفْئِهِ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ (وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ) بَيْنَ الِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهِ وَالِانْتِقَالِ إلَى كُفْئِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الضَّرَرِ. (وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا حُكْمَ فِيهِ) مِنْ إذْنٍ أَوْ مَنْعٍ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهُ فِي الِاسْتِمْرَارِ وَالِانْتِقَالِ، وَأَحَدُهُمَا يُؤَدِّي إلَى الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ وَالْمَنْعُ مِنْهُمَا لَا قُدْرَةَ عَلَى امْتِثَالِهِ قَالَ مَعَ اسْتِمْرَارِ عِصْيَانِهِ بِبَقَاءِ مَا تَسَبَّبَ فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ بِسُقُوطِهِ إنْ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ وَإِلَّا فَلَا عِصْيَانَ. (وَتَوَقَّفَ الْغَزَالِيُّ) فَقَالَ فِي الْمُسْتَصْفَى يُحْتَمَلُ كُلٌّ مِنْ الْمَقَالَاتِ الثَّلَاثِ وَاخْتَارَ الثَّالِثَةَ فِي الْمَنْخُولِ وَلَا يُنَافِي فِي قَوْلِهِ كَإِمَامِهِ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُمَا بِالْحُكْمِ ــ [حاشية العطار] وَالْإِمَامِ وَغَيْرِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ إذْ الْكَلَامُ مَفْرُوضٌ فِي الْمُكَافَآتِ فِي الْقِصَاصِ وَلَا تَفْتَرِقُ الْأَشْخَاصُ فِيهِ. وَأَمَّا التَّرْدِيدُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ فَكَانَ الْأَوْلَى عَدَمُ ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَاقِعٍ وَلَا يَقَعُ، فَإِنَّ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ خُتِمَتَا بِهِ ﷺ وَهَذِهِ الصُّوَرُ ذِكْرُهَا فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ أَوْفَقُ مِنْهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلَى أَنَّ الْغَزَالِيَّ شَدَّدَ النَّكِيرَ عَلَى الْفُقَهَاءِ فِي اشْتِغَالِهِمْ بِالْبَحْثِ عَنْ الْفُرُوعِ النَّادِرَةِ الَّتِي لَا تَكَادُ تَقَعُ وَمَا هُنَا مِنْهَا. (قَوْلُهُ: قِيلَ يَسْتَمِرُّ) أَيْ وُجُوبًا وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ سَوَاءٌ كَانَ السُّقُوطُ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ اسْتِئْنَافُ فِعْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَتَكْمِيلُ الْفِعْلِ أَهْوَنُ مِنْ اسْتِئْنَافِهِ. (قَوْلُهُ: وَالْمَنْعُ مِنْهُمَا لَا قُدْرَةَ عَلَى امْتِثَالِهِ) يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ الْعَادِيِّ بِنَاءً عَلَى إمْكَانِ الِامْتِنَاعِ مِنْهُمَا عَقْلًا اهـ. سم. (قَوْلُهُ: يُحْتَمَلُ) أَيْ يَجُوزُ وَلِذَلِكَ رَفَعَ " كُلَّ " عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ. (قَوْلُهُ: وَاخْتَارَ الثَّالِثَةَ فِي الْمَنْخُولِ) كَانَتْ عِبَارَةُ الشَّارِحِ أَوَّلًا، ثُمَّ اخْتَارَ وَيَرُدُّ عَلَى التَّعْبِيرِ بِثُمَّ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ أَنَّ تَأْلِيفَ الْمَنْخُولِ قَبْلَ تَأْلِيفِ الْمُسْتَصْفَى لَا بَعْدَهُ، فَإِنَّ الْمُسْتَصْفَى مِنْ آخَرِ مَا أَلَّفَهُ الْغَزَالِيُّ كَمَا صَرَّحَ بِالْأَمْرَيْنِ فِي خُطْبَةِ الْمُسْتَصْفَى. وَقَدْ كُنْت ذَكَرْت ذَلِكَ لِلْأَخِ الشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ حِينَ قِرَاءَتِهِ هَذَا الْمَوْضِعَ عَلَيَّ، فَلَمَّا بَحَثَ الشَّارِحُ عَلَى مُؤَلِّفِهِ ذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأَزَالَ كَلِمَةَ " ثُمَّ " وَأَثْبَتَ الْوَاوَ بَدَلَهَا، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ دَعْوَاهُ اخْتِيَارَ الْغَزَالِيِّ الثَّالِثَةَ مَمْنُوعَةٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَنْخُولِ الْمُخْتَارِ أَنْ لَا حُكْمَ مَقُولٌ عَلَى لِسَانِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الْمَنْخُولَ فِي الْحَقِيقَةِ تَلْخِيصُ الْبُرْهَانِ لِلْإِمَامِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَسْمِيَةٌ بِالْمَنْخُولِ مِنْ تَعْلِيقِ الْأُصُولِ وَتَصْرِيحِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ فِي آخِرِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ عَلَى مَا فِي تَعْلِيقِ الْإِمَامِ يَعْنِي الْبُرْهَانَ. وَقَدْ أَعَادَ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْمَقَالَةَ الثَّالِثَةَ آخِرَ كِتَابِ الْفَتْوَى فِي الْمَنْخُولِ وَنَسَبَهَا إلَى الْإِمَامِ، ثُمَّ اعْتَرَضَهَا فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مَرْضِيَّةٍ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ خُلُوُّ وَاقِعَةٍ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ مَا نَصَّهُ. ، فَإِنْ قِيلَ: مَا قَوْلُكُمْ فِي السَّاقِطِ مِنْ سَطْحٍ عَلَى مَصْرُوعٍ إنْ تَحَوَّلَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ قَتَلَهُ، وَإِنْ مَكَثَ عَلَيْهِ قَتَلَهُ، فَمَاذَا يَفْعَلُ، وَقَدْ قَضَيْتُمْ بِأَنْ لَا حُكْمَ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ؟ قُلْنَا: حُكْمُ اللَّهِ أَنْ لَا حُكْمَ فِيهِ فَهَذَا أَيْضًا حُكْمٌ وَهُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ هَذَا مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فِيهِ، وَقَدْ كَرَّرْته عَلَيْهِ مِرَارًا وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: نَفْيُ الْحُكْمِ حُكْمٌ لَجَازَ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ وَبَعْدَ وُرُودِهِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ جَعْلُ نَفْيِ الْحُكْمِ حُكْمًا تَنَاقُضٌ، فَإِنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ إنْ كَانَ لَا يَعْنِي بِهِ تَخْيِيرَ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَتَرْكِهِ، وَإِنْ عَنَاهُ فَهُوَ إبَاحَةٌ مَحْضَةٌ لَا مُسْتَنَدَ لَهَا فِي الشَّرْعِ، هَذَا لَفْظُهُ فِي الْمَنْخُولِ وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ نِسْبَةَ اخْتِيَارِ الْمَقَالَةِ الثَّالِثَةِ إلَيْهِ مُنْتَقَدَةٌ وَإِنَّ التَّحْقِيقَ مَا فِي الْمَتْنِ مِنْ نَقْلِ التَّوَقُّفِ عَنْهُ وَنَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ إمَامِهِ اهـ. كَمَالٌ. قَالَ سم قَوْلُهُ: لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: نَفْيُ الْحُكْمِ حُكْمٌ إلَخْ لَا مَانِعَ مِنْ الْتِزَامِ جَوَازِ ذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمَيْنِ الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ وَهُوَ الْأَمْرُ الثَّابِتُ بِالثَّانِي أَحَدُ فَرْدَيْهِ وَهُوَ إذْنُ الشَّارِعِ أَوْ مَنْعُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ هُوَ الثَّانِي فَقَطْ حَتَّى يَمْتَنِعَ قَوْلُهُ: قَبْلَ الْبَعْثَةِ لِمُنَافَاتِهِ قَوْلَهُمْ لَا حُكْمَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ وَبِاخْتِلَافِ الْمُثْبَتِ وَالْمَنْفِيِّ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ يَنْدَفِعُ التَّنَاقُضُ فِي قَوْلِهِ حُكْمُ اللَّهِ أَنْ لَا حُكْمَ إلَخْ إذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ إثْبَاتِ الْعَامِّ وَنَفْيِ الْخَاصِّ اهـ. مُلَخَّصًا. وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ مَا دَفَعَ بِهِ الشَّارِحُ التَّنَافِي بَيْنَ (قَوْلِهِ لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمٍ لِلَّهِ تَعَالَى) وَقَوْلُ الْإِمَامِ لَا حُكْمَ فِيهِ فَفِي دَفْعِ الشَّارِحِ بِهِ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى دَفْعِ اعْتِرَاضِ الْغَزَالِيِّ بِهِ أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُ سم أَنَّ إصْرَارَهُ يَعْنِي الْغَزَالِيَّ هُنَا الْإِمَامَ عَلَيْهَا اخْتِيَارٌ لَهَا، وَإِنْ اعْتَرَضَهَا فِي مَحَلٍّ

стр. 268

فِيهِ مَا يَصْدُقُ بِالْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ وَبِانْتِفَائِهِ لِقَوْلِ إمَامِهِ لَمَّا سَأَلَهُ هُوَ أَوَّلًا عَنْ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ هُنَا أَنْ لَا حُكْمَ عَلَى أَنَّهُ نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ اخْتَارَ فِي بَابِ الصَّيْدِ مِنْ النِّهَايَةِ الْمَقَالَةَ الْأُولَى عَلَى الثَّالِثَةِ وَاحْتَرَزَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ كُفْأَهُ عَنْ غَيْرِ الْكُفْءِ كَالْكَافِرِ فَيَجِبُ الِانْتِقَالُ عَنْ الْمُسَلَّمِ إلَيْهِ لِأَنَّ قَتْلَهُ أَخَفُّ مَفْسَدَةً. (مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ مُطْلَقًا) : أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُحَالًا لِذَاتِهِ أَيْ مُمْتَنِعًا عَادَةً وَعَقْلًا ــ [حاشية العطار] آخَرَ إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ، فَمِمَّا لَا يُجْدِي نَفْعًا بَلْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرَ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ عَنْهُ. (قَوْلُهُ: لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمٍ) سَلْبٌ كُلِّيٌّ وَهُوَ سَلْبُ سَلْبٍ فَيَرْجِعُ لِلْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ أَيْ لِلَّهِ كُلُّ وَاقِعَةٍ فِي حُكْمٍ. (قَوْلُهُ: مَا يُصَدَّقُ بِالْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ) مِنْ الْإِذْنِ وَالْمَنْعِ وَقَوْلُهُ: وَبِانْتِفَائِهِ يَعْنِي بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَقَوْلُهُ: لِقَوْلِهِ: إمَامِهِ إلَخْ عِلَّةٌ لِكَوْنِ مُرَادِهِمَا مَا مَرَّ وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمُ اللَّهِ لَا حُكْمَ أَيْ فِيمَا يَظْهَرُ لَنَا وَقَوْلُهُ: لَا تَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمٍ أَيْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ نَحْنُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ عِلْمِنَا بِالْأَحْكَامِ وَبَيْنَ عِلْمِهِ حَتَّى نَنْفِيَ حُكْمَهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ عِنْدَ عَجْزِنَا عَنْ إدْرَاكِ الْحُكْمِ فِيهِ. (قَوْلُهُ: حُكْمُ اللَّهِ هُنَا أَنْ لَا حُكْمَ) اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ أَنْ لَا حُكْمَ عَارِضٌ لِلْحُكْمِ إذْ هُوَ انْتِفَاؤُهُ وَعَيْنُ الْحُكْمِ إذْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِهُوَ هُوَ فِي قَوْلِهِ: الْحُكْمُ أَنْ لَا حُكْمَ فَيَلْزَمُ أَنَّ الْحُكْمَ عَارِضٌ لِنَفْسِهِ وَمَعْرُوضٌ لَهَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُحَالٌ لِاسْتِلْزَامِهِ أَنَّ الشَّيْءَ خَارِجٌ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْحُكْمَ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: خَاصٌّ وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُتَعَارَفُ وَالْآخَرُ عَامٌّ وَهُوَ مَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنِهِ بِالْمَعْنَى. الثَّانِي: عَارِضًا لَهُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. نَاصِرٌ. وَعَنِيَ بِقَوْلِهِ مَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا هُوَ مَا كَتَبَهُ عَلَى قَوْلِهِ مَا يُصَدَّقُ بِالْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ وَبِانْتِفَائِهِ هُوَ مَا يُدْرَكُ أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْوَاقِعِ، وَهَذَا صَادِقٌ بِالْحُكْمِ الْمُتَعَارَفِ وَأَقْسَامِهِ وَبِثُبُوتِهَا وَانْتِفَائِهَا فَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الْمَحْكُومِ بِهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْغَزَالِيَّ، وَهَذَا اسْتِظْهَارٌ لِقَوْلِهِ لِأَنَّ مُرَادَهُمَا بِالْحُكْمِ إلَخْ قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَنَظَرَ فِيهِ سم بِأَنَّهُ لَا اسْتِظْهَارَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا فَهِمَ مِمَّا قَبْلَهُ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا مِنْ الْمَقَالَاتِ الْمَذْكُورَةِ. (قَوْلُهُ: عَنْ غَيْرِ الْكُفُؤِ) قَدْ يُقَالُ بَلْ غَيْرُ الْكُفُؤِ الْمُحْتَرَمِ كَالْكُفُؤِ لِيُوَافِقَ مَا قَالُوا فِيمَا لَوْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ عَلَى غَرَقٍ وَخِيفَ مِنْهُ الْمَوْتُ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا حَيْثُ لَمْ يَلْقَ غَيْرُ الْكُفُؤِ لِلْكُفُؤِ، وَيُجَابُ بِأَنَّ السَّاقِطَ بَعْدَ سُقُوطِهِ مِفْطَارِ إلَى ارْتِكَابِ إحْدَى مَفْسَدَتَيْنِ فَأُمِرَ بِارْتِكَابِ أَخَفِّهِمَا بِخِلَافِ طَالِبِ الْإِلْقَاءِ، ثُمَّ لَيْسَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ بَلْ لَهُ مَنْدُوحَةٌ إلَى تَرْكِهِ فَيَسْلَمُ مَنْ فِي السَّفِينَةِ أَوْ يَمُوتُ بِالْغَرَقِ شَهِيدًا اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: أَخَفُّ مَفْسَدَةً) أَوْ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرُ الْكُفُؤِ حَرْبِيًّا أَوْ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ السَّاقِطُ قَتْلَهُ بِهَذَا الطَّرِيقِ. [مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ مُطْلَقًا] (قَوْلُهُ: يَجُوزُ التَّكْلِيفُ) أَيْ يَجُوزُ عَقْلًا تَعَلُّقُ الطَّلَبِ النَّفْسِيِّ بِإِيجَادِهِ كَغَيْرِهِ وَخَرَجَ بِالتَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ التَّكْلِيفُ الْمُحَالُ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ يَرْجِعُ لِمُحَالِيَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالثَّانِي لِمُحَالِيَةِ التَّكْلِيفِ كَتَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ وَقَضِيَّةُ التَّغْبِيرِ بِالتَّكْلِيفِ اخْتِصَاصُ الْخِلَافِ بِالْوُجُوبِ وَلَا يَبْعُدُ جَرَيَانُهُ فِي النَّدْبِ، وَهَلْ يَتَصَوَّرُ فِي الْحَرَامِ وَالْكَرَاهَةِ بِأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ تَرْكَ مَا يَسْتَحِيلُ تَرْكُهُ طَلَبًا جَازِمًا أَوْ غَيْرَ جَازِمٍ كَأَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْمُكْثِ تَحْتَ السَّمَاءِ فِيهِ تَوَقُّفٌ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْوُجُوبِ يَقْتَضِيهِ فَإِنْ قِيلَ الْمُحَالُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ لَا يُكَلَّفُ بِهِ فَالْمُحَالُ لَا يُكَلَّفُ بِهِ أَمَّا الْكُبْرَى فَلِأَنَّ عِلْمَ الْمُكَلَّفِ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ. وَأَمَّا الصُّغْرَى فَلِأَنَّ كُلَّ مُتَصَوَّرٍ مُتَمَيِّزٌ وَكُلُّ مُتَمَيِّزٍ ثَابِتٌ فَكُلُّ مُتَصَوِّرٍ ثَابِتٌ وَيَنْعَكِسُ بِعَكْسِ النَّقِيضِ إلَى قَوْلِنَا مَا لَا يَكُونُ ثَابِتًا لَا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا وَالْمُعَارَضَةُ بِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ امْتَنَعَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِحَالَةِ لَكِنْ نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِهَا فَهُوَ مُتَصَوَّرٌ أَلَّا تُفِيدَ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْخَصْمِ لَيْسَ الْوُجُودَ الذِّهْنِيَّ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ صُدُورَ الْمُحَالِ فِي الْخَارِجِ مُحَالٌ فَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ مَنْعُ الْكُبْرَى بِإِنَّهَا مَحَلُّ النِّزَاعِ. (قَوْلُهُ: أَيْ مُمْتَنِعًا عَادَةً وَعَقْلًا) أَقْسَامُ الْمُحَالِ أَرْبَعَةٌ: الْمُحَالُ لِذَاتِهِ وَهُوَ مَا امْتَنَعَ لِنَفْسِ مَفْهُومِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ، وَالْمُحَالُ لِغَيْرِهِ وَهُوَ مَا امْتَنَعَ لَا لِنَفْسِ مَفْهُومِهِ بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ فِي ذَاتِهِ وَنَفْسِ مَفْهُومِهِ وَتَحْتَهُ أَقْسَامٌ ثَلَاثَةٌ مَا امْتَنَعَ لِكَوْنِهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ لَا عَقْلًا وَلَا عَادَةً كَخَلْقِ الْأَجْسَامِ أَمَّا الِاسْتِحَالَةُ عَادَةً

стр. 269

كَالْجَمْعِ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ أَمْ لِغَيْرِهِ أَيْ مُمْتَنِعًا عَادَةً لَا عَقْلًا كَالْمَشْيِ مِنْ الزَّمَنِ وَالطَّيَرَانِ مِنْ الْإِنْسَانِ أَوْ عَقْلًا لَا عَادَةً كَالْإِيمَانِ لِمَنْ عَلِمَ اللَّهَ، أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ (وَمَنَعَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ) الْإسْفَرايِينِيّ (وَالْغَزَالِيُّ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مَا) أَيْ الْمُحَالَ الَّذِي (لَيْسَ مُمْتَنِعًا لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ) أَيْ مَنَعُوا الْمُمْتَنِعَ لِغَيْرِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ لِظُهُورِ امْتِنَاعِهِ لِلْمُكَلَّفَيْنِ لَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِهِ مِنْهُمْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَائِدَتَهُ اخْتِبَارُهُمْ هَلْ يَأْخُذُونَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ أَوَّلًا فَالْعِقَابُ أَمَّا الْمُمْتَنِعُ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ فَالتَّكْلِيفُ بِهِ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ اتِّفَاقًا (وَ) مَنَعَ (مُعْتَزِلَةُ بَغْدَادَ وَالْآمِدِيُّ) الْمُحَالَ لِذَاتِهِ دُونَ الْمُحَالِ لِغَيْرِهِ. (وَ) مَنَعَ (إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كَوْنَهُ) أَيْ الْمُحَالِ يَعْنِي لِغَيْرِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ لِمَا سَبَقَ (مَطْلُوبًا) أَيْ مَنَعَ طَلَبَهُ مِنْ قِبَلِ ــ [حاشية العطار] فَظَاهِرَةٌ. وَأَمَّا عَقْلًا فَلِأَنَّهُ لَوْ جَازَ خَلْقُهَا لَكَانَ الشَّرِيكُ جَائِزًا عَقْلًا كَذَا قَالُوا وَلَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ أَوْ عَادَةٍ فَقَطْ كَالطَّيَرَانِ لِلسَّمَا أَوْ عَقْلًا لَا عَادَةً وَهُوَ الْمُمْتَنِعُ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ بِنَاءً عَلَى مَا فِي الشَّارِحِ مِنْ عِدَّةٍ مِنْ أَقْسَامِ الْمُحَالِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ وَالشَّارِحُ اقْتَصَرَ عَلَى هَذَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَلَعَلَّهُ أَدْرَجَ الْأَوَّلَ تَحْتَ الْمُمْتَنِعِ الذَّاتِيِّ وَفِيهِ تَسَامُحٌ لِمُخَالِفَتِهِ الِاصْطِلَاحَ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِمَا امْتَنَعَ لِنَفْسِ مَفْهُومِهِ. (قَوْلُهُ: أَوْ عَقْلًا لَا عَادَةً) كَالْإِيمَانِ مِمَّنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يُحِيلُ إيمَانَهُ لِاسْتِلْزَامِهِ انْقِلَابَ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ جَهْلًا وَلَوْ سُئِلَ عَنْهُ أَهْلُ الْعَادَةِ لَمْ يُحِيلُوا إيمَانَهُ، كَذَا جَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ كَجَمَاعَةٍ، وَاَلَّذِي قَالَ الْغَزَالِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَالِ بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ مَقْطُوعٌ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ عَادَةً مُمْكِنٌ عَقْلًا وَلَا يَنْعَكِسُ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الِاسْتِحَالَةَ الْعَرَضِيَّةَ لَا تُنَافِي الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ فَالِاسْتِحَالَةُ عَارِضَةٌ بِاعْتِبَارِ مُلَاحَظَةِ لُزُومِ انْقِلَابِ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ جَهْلًا، وَهَذَا مُجَرَّدُ اعْتِبَارٍ عَقْلِيٍّ لَا مَدْخَلَ لِلْعَادَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْظُرُ فِيهَا إلَى ظَاهِرِ الْحَالِ دُونَ شَيْءٍ آخَرَ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: أَيْ مَنَعُوا الْمُمْتَنِعَ لِغَيْرِ تَعَلُّقٍ إلَخْ) تَفْسِيرٌ لِظَاهِرِ الْمَتْنِ وَإِلَّا فَالْمَمْنُوعُ حَقِيقَةً إنَّمَا هُوَ التَّكْلِيفُ بِذَلِكَ. (قَوْلُهُ: لَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِهِ مِنْهُمْ) أَيْ لَا حِكْمَةَ فِيهِ وَأَفْعَالُهُ تَعَالَى لَا تَخْلُو عَنْ الْحُكْمِ وَالْمَصَالِحِ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِتَعْلِيلِ أَفْعَالِهِ تَعَالَى بِالْأَغْرَاضِ فَالْمُرَادُ بِالْفَائِدَةِ الْغَرَضُ. (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ) هَذَا الْجَوَابُ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ أَيْ بَعْدَ تَسْلِيمِ لُزُومِ الْفَائِدَةِ وَإِلَّا فَقَدْ يُمْنَعُ لُزُومُهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ عَلَى أَنَّنَا لَوْ سَلَّمْنَا فَلَا ظُهُورَهَا لَنَا. (قَوْلُهُ: هَلْ يَأْخُذُونَ) أَوْرَدَ أَنَّهُ كَيْفَ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِ امْتِنَاعِهِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ تَجْوِيزًا لِخَرْقِ الْعَادَةِ؛ لِأَنَّ لِلَّهِ خَرْقَ الْعَوَائِدِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي الْمُحَالِ الْعَقْلِيِّ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَدِّمَاتِ بِالنِّسْبَةِ لَهُ الرِّضَا وَتَوْطِينُ النَّفْسِ. (قَوْلُهُ: دُونَ الْمُحَالِ لِغَيْرِهِ) أَيْ بِقِسْمَيْهِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الشَّرْحِ. (قَوْلُهُ: أَيْ الْمُحَالُ) لَمَّا كَانَ الْمُتَبَادَرُ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلَى الْمُحَالِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ لِغَيْرِ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ جَرَى الشَّارِحُ أَوَّلًا عَلَى هَذَا الْمُتَبَادَرِ مُعَبِّرًا بِأَيْ لِتَبَادُرِهِ فَقَالَ أَيْ الْمُحَالُ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ هَذَا مُرَادًا بَلْ الْمُرَادُ الْمُحَالُ بِقَيْدِ كَوْنِهِ لِغَيْرِ تَعَلُّقٍ بَيَّنَ الشَّارِحُ الْمُرَادِ مُعَبِّرًا بِيَعْنِي لِخَفَائِهِ وَعَلَّلَ هَذِهِ الْعِنَايَةَ بِقَوْلِهِ لِمَا سَبَقَ أَيْ مِنْ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْمُمْتَنِعِ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ اتِّفَاقًا. (قَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْمَنْعِ وَضَمِيرُ نَفْسِهِ يَعُودُ لِلْمُحَالِ أَيْ مَنْعُهُ مِنْ قِبَلِ

стр. 270

نَفْسِهِ أَيْ لِاسْتِحَالَتِهِ فَهِيَ عِنْدَهُ مَانِعَةٌ مِنْ طَلَبِهِ بِخِلَافِهَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي فَاخْتَلَفَا كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ مَأْخَذًا لَا حُكْمًا (لَا وُرُودَ صِيغَةِ الطَّلَبِ) لَهُ لِغَيْرِ طَلَبِهِ فَلَمْ يَمْنَعْهُ الْإِمَامُ كَمَا لَمْ يَمْنَعْهُ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ وَاقِعٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] وَالْإِمَامُ رَدَّ بِمَا قَالَهُ فِيمَا نُسِبَ إلَى الْأَشْعَرِيِّ مِنْ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ فَحَكَاهُ الْمُصَنِّفُ بِشِقَّيْهِ وَلَوْ تَرَكَهُ وَذَكَرَ الْإِمَامَ مَعَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي كَمَا فَعَلَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فَاتَتْهُ الْإِشَارَةُ إلَى اخْتِلَافِ الْمَأْخَذِ الْمَقْصُودِ لَهُ (وَالْحَقُّ وُقُوعُ الْمُمْتَنِعِ بِالْغَيْرِ لَا بِالذَّاتِ) . أَمَّا وُقُوعُ التَّكْلِيفِ بِالْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ تَعَالَى كَلَّفَ الثَّقَلَيْنِ بِالْإِيمَانِ وَقَالَ ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] فَامْتَنَعَ إيمَانُ أَكْثَرِهِمْ لِعِلْمِهِ تَعَالَى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ وَذَلِكَ مِنْ الْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ وَأَمَّا عَدَمُ وُقُوعِهِ ــ [حاشية العطار] نَفْسِهِ أَيْ الْحُكْمُ بِالِامْتِنَاعِ كَائِنٌ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لَا لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ وَلَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِطَلَبِهِ إذْ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ الطَّلَبُ الْكَائِنُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِهَا عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي) أَيْ الْمَنْقُولِ عَنْ أَكْثَرِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ الْمَانِعَةَ مِنْ الطَّلَبِ بَلْ الْمَانِعُ مِنْ طَلَبِهِ عَدَمُ الْفَائِدَةِ. (قَوْلُهُ: كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ) أَيْ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ. قَوْلُهُ: كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] الْأَوْلَى التَّثْمِيلُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلْإِهَانَةِ لَا لِلتَّكْوِينِ وَالْآيَةُ الَّتِي مَثَّلَ بِهَا الْأَمْرُ فِيهَا لِلتَّكْوِينِ، فَإِنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ كَانُوا هُمْ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَمَّا نَفَوْا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ عَنْ اللَّهِ جَعَلُوا هَذَا مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ. (قَوْلُهُ: وَالْإِمَامُ رَدَّ إلَخْ) قَالَ فِي الْبُرْهَانِ: نَقَلَ الرُّوَاةُ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَانَ يَجُوزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، ثُمَّ نَقَلُوا اخْتِلَافًا عَنْهُ فِي وُقُوعِ مَا جَوَّزَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا سُوءُ مَعْرِفَةٍ بِمَذْهَبِ الرَّجُلِ، فَإِنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِ أَنَّ التَّكَالِيفَ كُلَّهَا وَاقِعَةٌ عَلَى خِلَافِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَهَذَا يَتَقَرَّرُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ عِنْدَهُ لَا تَتَقَدَّمُ عَلَى الْفِعْلِ وَالْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمُكَلَّفِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَهُوَ إذْ ذَاكَ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ عِنْدَهُ وَاقِعٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعَبْدُ مُطَالَبٌ بِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ رَبِّهِ وَلَا يُنَجِّي مِنْ ذَلِكَ تَمْوِيهُ الْمُمَوِّهِ بِذِكْرِ الْكَسْبِ، فَإِنَّا سَنَذْكُرُ سِرَّ مَا نَعْتَقِدُهُ فِي خَلْقِ الْأَعْمَالِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الصَّحِيحُ عِنْدَكُمْ فِي تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ قُلْنَا: إنْ أُرِيدَ بِالتَّكْلِيفِ طَلَبُ الْفِعْلِ فَهُوَ فِيمَا لَا يُطَاقُ مُحَالٌ مِنْ الْعَالِمِ بِاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ الْمَطْلُوبِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ وُرُودُ الصِّيغَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ طَلَبًا كَقَوْلِهِ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ كَوْنُهُمْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَكَانُوا كَمَا أَرَدْنَاهُمْ اهـ. فَهَذَا الْكَلَامُ صَرِيحٌ كَمَا تَرَى فِي أَنَّ التَّرْدِيدَ هُوَ مُخْتَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ تَأْوِيلًا لِكَلَامِ الْأَشْعَرِيِّ فَقَوْلُ الشَّارِحِ رَدَّدَ بِمَا قَالَهُ إلَخْ يَحْتَاجُ لِتَأْوِيلٍ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ أَحَدٌ مِنْ الْحَوَاشِي لِذَلِكَ فَتَبَصَّرْ. (قَوْلُهُ: فَحَكَاهُ) أَيْ حَكَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَكَذَا الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَلَوْ تَرَكَهُ وَقَوْلُهُ: بِشِقَّيْهِ الشِّقُّ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ: كَوْنُهُ مَطْلُوبًا وَالثَّانِي وُرُودُ صِيغَةِ النَّهْيِ. (قَوْلُهُ: الْمَأْخَذِ) بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ أَيْ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ وَاحِدًا وَالْمَقْصُودُ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْإِشَارَةِ. (قَوْلُهُ: أَمَّا وُقُوعُ التَّكْلِيفِ بِالْأَوَّلِ) اعْلَمْ أَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ فِي مَقَامَيْنِ: الْأَوَّلُ: فِي جَوَازِهِ عَقْلًا، وَقَدْ انْتَهَى. وَالثَّانِي: فِي وُقُوعِهِ. وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَحْكِيَّةٌ فِي الشَّرْحِ وَمُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ مِنْهَا وُقُوعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ لَا بِالْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ وَالْمُمْتَنِعُ لِغَيْرِهِ قِسْمَانِ كَمَا مَرَّ، وَالدَّلِيلُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِأَحَدِهِمَا وَهُوَ الْمُتَّبَعُ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ. وَقَدْ مَرَّ أَنَّ وُقُوعَ

стр. 271

بِالثَّانِي فَلِلِاسْتِقْرَاءِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي وُقُوعُهُ بِالثَّانِي أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِقَوْلِهِ مَثَلًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] كَأَبِي جَهْلٍ وَلَهَبٍ وَغَيْرِهِمَا مُكَلَّفٌ فِي جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِينَ بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ مَا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ وَمِنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَيْ لَا يُصَدِّقُ النَّبِيَّ ﷺ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ فَيَكُونُ مُكَلَّفًا بِتَصْدِيقِهِ فِي خَبَرِهِ عَنْ اللَّهِ بِأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ وَفِي هَذَا التَّصْدِيقِ تَنَاقُضٌ حَيْثُ اشْتَمَلَ عَلَى إثْبَاتِ التَّصْدِيقِ فِي شَيْءٍ وَنَفْيِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَهُوَ مِنْ الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ ــ [حاشية العطار] التَّكْلِيفِ بِهِ مَحَلُّ وِفَاقٍ فَمَوْضِعُ النِّزَاعِ هُوَ الْقِسْمُ الْآخَرُ أَعْنِي الْمُمْتَنِعَ عَادَةً لَا عَقْلًا، وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يَتَنَاوَلُهُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَوْضِعِ النِّزَاعِ قَالَهُ الْكَمَالُ. وَأَجَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهُ قَدْ يَدُلُّ لَهُ مَا أَفْهَمَ دَلِيلُ وُقُوعِهِ بِالْمُمْتَنِعِ بِالذَّاتِ فِي الْقَوْلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ إذَا دَلَّ عَلَى وُقُوعِ الْمُمْتَنِعِ بِالذَّاتِ فَعَلَى وُقُوعِ الْمُمْتَنِعِ بِالْغَيْرِ بِالْأَوْلَى انْتَهَى وَلَا يَخْفَاكَ أَنَّ مُحَصِّلَ الِاعْتِرَاضِ أَنَّ الدَّلِيلَ غَيْرُ تَامِّ التَّقْرِيبِ فَالْجَوَابُ الْمَذْكُورُ خُرُوجٌ عَنْ سُنَنِ التَّوْجِيهِ، وَنَاقَشَهُ سم أَيْضًا بِمُنَاقَشَةٍ ضَعِيفَةٍ هِيَ أَيْضًا خَارِجَةٌ عَنْ قَانُونِ التَّوْجِيهِ وَمَا أَجَابَ بِهِ زَاعِمًا حُسْنَهُ بِأَنَّ الشَّارِحَ أَثْبَتَ بَعْضَ مُدَّعِي الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ كَانَ مَوْضِعَ وِفَاقٍ تَرَكَ الْبَاقِي لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّرْ وَلَهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَخْدُوشٌ بِأَنَّ مَحَلَّ الْوِفَاقِ غَنِيٌّ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ، وَدَعْوَى أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَتَحَرَّرْ لَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَمَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ نَافِعٍ فِي جَوَابِ مَنْعِ التَّقْرِيبِ إخْبَارٌ بِغَيْرِ مَعْلُومٍ، وَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَتَحَرَّرْ لَهُ ذَلِكَ وَمَا ذَكَرْنَاهُ كُلُّهُ يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُمَارَسَةٍ بِفَنِّ الْمُنَاظَرَةِ، وَتَعَرُّضُنَا لِبَيَانِهِ يَقْتَضِي بِنَا إلَى التَّطْوِيلِ هَذَا وَالْحَقُّ مَا أَفَادَهُ النَّاصِرُ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالْقِسْمِ الذَّاتِيِّ مَمْنُوعٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَبِالْقِسْمِ الرَّابِعِ جَائِزٌ وَوَاقِعٌ اتِّفَاقًا وَبِالْقِسْمَيْنِ الْأَوْسَطَيْنِ جَائِزٌ غَيْرَ وَاقِعٍ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمُصَنِّفِ عَلَى جَوَازِ الْجَمِيعِ وَوُقُوعِ غَيْرِ الذَّاتِيِّ اهـ. وَمُرَادُهُ بِالْقِسْمَيْنِ الْأَوْسَطَيْنِ مَا لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ لَا عَقْلًا وَلَا عَادَةً وَمَا لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ عَادَةً فَقَطْ الْكُورَانِيُّ وَجَعَلَهُمَا قِسْمًا وَاحِدًا فَقَالَ مُعْتَرِضًا عَلَى الْمُصَنِّفِ: إنَّ قَوْلَهُ وَالْحَقُّ لَيْسَ بِحَقِّ؛ لِأَنَّ قِسْمًا مِنْ الْمُمْتَنِعِ بِالْغَيْرِ وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ مُتَعَلِّقَ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ أَصْلًا كَخَلْقِ الْأَجْسَامِ أَوْ عَادَةً كَالطَّيَرَانِ إلَى السَّمَاءِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُقُوعِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُمْكِنًا فِي ذَاتِهِ اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ كَلَامُ النَّاصِرِ فَقَوْلُ سم أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ مِنْ مِثْلِ الْكُورَانِيِّ مَعَ ضَعْفِ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْمُصَنِّفِ مَعَ سَعَةِ اطِّلَاعِهِ مِمَّا لَا الْتِفَاتِ إلَيْهِ، فَإِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ، وَالْمُنَاسِبُ فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَى الْكُورَانِيِّ أَنْ يَذْكُرَ نَقْلًا عَمَّنْ يُعْتَدُّ بِكَلَامِهِ يُوَافِقُ الْمُصَنِّفَ وَإِلَّا فَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ مِنْهُ كَثِيرًا لَا يُجْدِي نَفْعًا وَهَبْ أَنَّ الْكُورَانِيَّ ضَعِيفُ الِاطِّلَاعِ وَالْمُصَنِّفَ وَسِعَهُ فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يَطَّلِعَ الضَّعِيفُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْقَوِيُّ وَهَلْ هَذَا إلَّا تَحْجِيرٌ فِي مَوَاهِبِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَكَمْ تَرَكَ الْأَوَّلُ لِلْآخَرِ عَلَى أَنَّهُ سَيَأْتِي نَقْلٌ عَنْ الْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ يُؤَيِّدُ اعْتِرَاضَ الْكُورَانِيِّ وَتَحْقِيقَ النَّاصِرِ (قَوْلُهُ: بِالثَّانِي) مُتَعَلِّقٌ بِالضَّمِيرِ الرَّاجِعِ لِلتَّكْلِيفِ، وَفِيهِ إعْمَالُ ضَمِيرِ الْمَصْدَرِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ وَمَا الْحَرْبُ إلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُو ... وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ الْمُرَجَّمِ وَيُمْكِنُ تَعْلِيقُهُ بِمَحْذُوفٍ حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ أَيْ مُلْتَبِسًا بِالثَّانِي أَوْ مُتَعَلِّقًا بِالثَّانِي. (قَوْلُهُ: لِلِاسْتِقْرَاءِ) إنَّمَا اسْتَدَلَّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي نَفْيِ وُقُوعِ الْجَائِزِ إذْ لَوْ مَنَعَ مِنْهُ مَانِعٌ عَقْلِيٌّ لَكَانَ مُمْتَنِعًا لَا جَائِزًا اهـ. نَاصِرٌ. قَالَ الْعُبْرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالنَّاقِصُ لَا يُفِيدُ وَأَجَابَ الْجَارْبُرْدِيُّ بِأَنَّهُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ وَرَدَّهُ الْخُجَنْدِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ ظَنِّيَّةً، قَالَ: وَادَّعَى بَعْضٌ فِيهِ الْإِجْمَاعَ وَحِينَئِذٍ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الِاسْتِقْرَاءِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجْعَلَ الِاسْتِقْرَاءُ سَنَدَ الْإِجْمَاعِ. (قَوْلُهُ: وَالْقَوْلُ الثَّانِي) أَيْ الْمُقَابِلُ هُوَ وَالثَّالِثُ لِلْقَوْلِ وَالْحَقُّ وَقَوْلُهُ: أَيْضًا أَيْ كَمَا وَقَعَ بِالْأَوَّلِ. (قَوْلُهُ: أَيْ لَا يُصَدِّقُ النَّبِيَّ فِي شَيْءٍ) حَمَلَهُ عَلَى السَّلْبِ الْكُلِّيِّ لِيَتَأَتَّى لَهُ دَعْوَى التَّنَاقُضِ. (قَوْلُهُ: وَفِي هَذَا التَّصْدِيقِ) أَيْ تَصْدِيقِهِ فِي خَبَرِهِ عَنْ اللَّهِ بِأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ فِي شَيْءٌ. (قَوْلُهُ: حَيْثُ اشْتَمَلَ) حَيْثِيَّةُ تَعْلِيلٍ. (قَوْلُهُ: فِي شَيْءٍ) وَهُوَ إخْبَارُهُ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ

стр. 272

وَأُجِيبَ بِأَنَّ مَنْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ لَمْ يَقْصِدْ إبْلَاغَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُكَلَّفَ بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ إبْلَاغَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَإِعْلَامَ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ لِيَيْأَسَ مِنْ إيمَانِهِ كَمَا قِيلَ لِنُوحٍ ﵇ ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] فَتَكْلِيفُهُ بِالْإِيمَانِ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ وَالثَّالِثُ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ عَدَمُ وُقُوعِهِ بِوَاحِدٍ مِنْهَا إلَّا فِي الْمُمْتَنِعِ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَالْمُمْتَنِعُ لِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ فِي وُسْعِ الْمُكَلَّفِينَ ظَاهِرًا. (مَسْأَلَةُ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى (أَنَّ ــ [حاشية العطار] (قَوْلُهُ: وَنَفْيِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ) وَهُوَ مُتَعَلِّقُ إيمَانِهِ، وَهَذَا سَالِبُهُ كُلِّيَّةً وَهِيَ تَنَاقُضُ الْمُوجَبَةِ الْجُزْئِيَّةِ وَاسْتَدَلَّ الْعَضُدُ عَلَى أَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ بِأَنَّ تَصْدِيقَهُ فِي أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ مُحَالٌ لِاسْتِلْزَامِهِ أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ وَمَا يَكُونُ وُجُودُهُ مُسْتَلْزِمًا لِعَدَمِهِ فَهُوَ مُحَالٌ وَبَيَّنَ التَّفْتَازَانِيُّ وَجْهَ الِاسْتِلْزَامِ بِأَنَّهُ إذَا صَدَّقَهُ فِي هَذَا الْإِخْبَارِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ بِالتَّصْدِيقِ فَقَدْ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّهُ صَدَّقَهُ وَجَزَمَ بِذَلِكَ، وَهَذَا حُكْمٌ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَنَّهُ لَا يُصَدِّقُهُ فِي شَيْءٍ أَصْلًا وَهُوَ مَعْنَى تَكْذِبِيهِ عَدَمَ تَصْدِيقِهِ. (قَوْلُهُ: لَمْ يَقْصِدْ إبْلَاغَهُ ذَلِكَ) أَيْ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا كُلِّفَ بِالْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَتَوَقَّفُ عَلَى إرَادَةِ تَبْلِيغِ الْمُخَاطَبِ وَبُلُوغِهِ مَا خُوطِبَ بِهِ اهـ. كَمَالٌ. وَيَلْزَمُ عَلَى جَوَابِ الشَّارِحِ اخْتِلَافُ الْإِيمَانِ بِاخْتِلَافِ الْمُكَلَّفِينَ مَعَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ وَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ أُخْرَى مِنْهَا إنَّمَا نَمْنَعُ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ وَنَحْوَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ أَنْ لَوْ أُمِرَ بِالْإِيمَانِ بَعْدَمَا أُنْزِلَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ وَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ سَبَقَ الْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ التَّصْدِيقُ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ أَوْ نَقُولُ: إنَّهُ مُكَلَّفٌ بِتَصْدِيقِهِ ﷺ فِي جَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ وَقَوْلُكُمْ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ فَيَكُونُ مُكَلَّفًا بِأَنْ يُصَدِّقَ أَنَّهُ لَا يُصَدِّقُ إنْ أَرَدْتُمْ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا بِالتَّصْدِيقِ بِأَنْ لَا يُؤْمِنَ عَلَى التَّعْيِينِ وَالْمُشَافَهَةِ لَهُ بِأَنْ يُخَاطَبَ أَنْ آمِنْ بِأَنَّك لَا تُؤْمِنُ فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا بِذَلِكَ التَّعْيِينِ بَلْ عَلَى الْوَجْهِ الْإِجْمَالِيِّ بِالِانْدِرَاجِ فِي التَّصْدِيقِ الْكُلِّيِّ بِحَقِيقَةِ جَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فَمُسَلَّمٌ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُؤْمِنَ وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كُلِّفَ بِهِ عَلَى التَّعْيِينِ كَمَا إذَا صَدَّقَ زَيْدٌ عَمْرًا فِي أَنَّهُ صَادِقٌ فِي جَمِيعِ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّ زَيْدًا لَا يُصَدِّقُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ زَيْدٌ ذَلِكَ عَلَى التَّعْيِينِ كَانَ زَيْدٌ مُصَدِّقًا لَهُ فِي ذَلِكَ الْإِخْبَارِ أَيْضًا تَصْدِيقًا انْدِرَاجِيًّا لَا تَفْصِيلِيًّا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ مُصَدِّقًا لَهُ حَتَّى يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ التَّصْدِيقُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ جَوَابِ الشَّارِحِ. (قَوْلُهُ: دَفْعًا) عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ لَمْ يَقْصِدْ وَقَوْلُهُ: لِلتَّنَاقُضِ أَيْ السَّابِقِ ذِكْرُهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ. (قَوْلُهُ: كَمَا قِيلَ لِنُوحٍ إلَخْ) لَمَّا كَانَ قَصْدُ إعْلَامِ النَّبِيِّ ﷺ دُونَ الْقَوْمِ أَظْهَرُ فِي قِصَّةِ نُوحٍ جُعِلَ مُشَبَّهًا بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ اهـ. كَمَالٌ (قَوْلُهُ: مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ) أَيْ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ أَيْ لَا مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ كَمَا زَعَمَهُ صَاحِبُ هَذَا الْقَبِيلِ. (قَوْلُهُ: وَالثَّالِثُ) صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّ مُخْتَارَ الْمُصَنِّفِ شَامِلٌ لِقِسْمَيْ الْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ فِي

стр. 273

حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ) بِمَشْرُوطِهِ فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِالْمَشْرُوطِ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ وَقِيلَ هُوَ شَرْطٌ فِيهَا فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ أَمْتِثَالُهُ لَوْ وَقَعَ ــ [حاشية العطار] شَرْحِ الْمِنْهَاجِ بِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْمُمْتَنِعِ لِتَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ وَبِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ لِلْعَادَةِ كَالْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِ الْوُقُوعِ اهـ. زَكَرِيَّا. وَبِهِ تَعْلَمُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ النَّاصِرِ وَالْكُورَانِيِّ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: ظَاهِرًا) تَمْيِيزًا وَظَرْفَ زَمَانٍ أَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ تَعَلُّقِ عِلْمِ اللَّهِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ فَلَيْسَ فِي وُسْعِ الْمُكَلَّفِينَ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا يُقَالُ: التَّكْلِيفُ لِلْعَبْدِ بِشَيْءٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ كَانَ وَاجِبًا، وَإِنْ عَلِمَ عَدَمَ وُقُوعِهِ كَانَ مُحَالًا وَكِلَاهُمَا لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ الِاسْتِحَالَةَ وَالْوُجُوبَ الْعَرْضِيَّانِ لَا يُنَافِي الْإِمْكَانَ الذَّاتِيَّ. [مَسْأَلَةُ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَشْرُوطِهِ] (قَوْلُهُ: حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ) الْمُرَادُ بِهِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ فَيَتَنَاوَلُ السَّبَبَ كَمَا يَتَنَاوَلُهُ الْمَقْدُورُ فِي قَوْلِهِ سَابِقًا الْمَقْدُورُ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا هُنَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّرْحِ وَالْمُرَادُ شَرْطُ صِحَّةِ الْمَشْرُوطِ لَا شَرْطُ وُجُوبِهِ أَوْ وُجُوبِ أَدَائِهِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ حُصُولَ الْأَوَّلِ كَحَوَلَانِ الْحَوْلِ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرَيْنِ وَالثَّانِي كَوُجُودِ الْمُسْتَحَقِّينَ بِالْبَلَدِ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ بِالثَّانِي وَخَرَجَ بِالشَّرْعِيِّ اللُّغَوِيُّ كَإِنْ دَخَلْت الْمَسْجِدَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَقْلِيُّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ وَالْعَادِيُّ كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ لِغَسْلِ الْوَجْهِ، فَإِنَّ حُصُولَ الْأَوَّلِينَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ اتِّفَاقًا وَحُصُولُ الثَّالِثِ لَيْسَ شَرْطًا اتِّفَاقًا. (قَوْلُهُ: لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ) أَيْ فِي جَوَازِهِ عَقْلًا وَمُرَادُهُ بِالتَّكْلِيفِ مَا يَشْمَلُ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ بِقَرِينَةِ مَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ثُمَّ أَنَّ مَا هُنَا مُخَالِفٌ لِمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتَوَجَّهُ إلَّا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ. وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ إذْ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ هُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِمَادِ مَا نَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَالصَّحِيحُ إلَخْ فِي اعْتِمَادِ قَوْلِهِمْ وَالْمُعْتَمَدُ مَا هُنَا دُونَ مَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: فَيَصِحُّ) أَيْ عَقْلًا التَّكْلِيفُ بِالْمَشْرُوطِ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ كَتَكْلِيفِ الْكَافِرِ حَالَ كُفْرِهِ بِالصَّلَاةِ وَالْمُحْدِثِ حَالَ حَدَثِهِ بِهَا. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا) نَفْيٌ لِقَوْلِهِ هُوَ شَرْطٌ فِيهَا أَيْ وَإِلَّا يَكُنْ شَرْطًا فِيهَا إلَخْ لَا لِقَوْلِهِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى هَكَذَا وَلَا تَنْتَفِي صِحَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ صَحِيحًا إلَخْ؛ لِأَنَّ لُزُومَ انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ لِلشَّرْطِ ضَرُورِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ إلَى اسْتِدْلَالٍ، وَتَقْرِيرُ الدَّلِيلِ هَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ لَمْ يُمْكِنْ امْتِثَالُ التَّكْلِيفِ لَوْ وَقَعَ حَالَ عَدَمِ

стр. 274

وَأُجِيبَ بِإِمْكَانِ أَمْتِثَالِهِ بِأَنْ يُؤْتِيَ بِالْمَشْرُوطِ بَعْدَ الشَّرْطِ وَقَدْ وَقَعَ وَعَلَى الصِّحَّةِ وَالْوُقُوعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الشَّرْطِ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ يَعْنِي مِنْ الْأَكْثَرِ هُنَا (وَهِيَ) أَيْ الْمَسْأَلَةُ (مَفْرُوضَةٌ) بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (فِي تَكْلِيفِ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ) أَيْ هَلْ يَصِحُّ تَكْلِيفُهُ بِهَا ــ [حاشية العطار] الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ وَاللَّازِمُ مُمْتَنِعٌ فَكَذَا الْمَلْزُومُ وَالْمُلَازَمَةُ ظَاهِرَةٌ. (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ) حَاصِلُ الْجَوَابِ مِنْهُ الْمُلَازَمَةُ بِإِثْبَاتِ إمْكَانِ الِامْتِثَالِ قَوْلُكُمْ فَلَا يُمْكِنُ امْتِثَالُهُ إنْ أُرِيدَ حَالًا فَمُسَلَّمٌ لَا يَضُرُّنَا إذَا كَانَ الِامْتِثَالُ يَتَحَقَّقُ وَلَوْ مَعَ التَّرَاخِي، وَإِنْ أُرِيدَ مَعَ التَّرَاخِي فَمَمْنُوعٌ لِإِمْكَانِ أَنْ يُؤْتَى بِالْمَشْرُوطِ بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِالشَّرْطِ وَيَصِحُّ الْجَوَابُ أَيْضًا بِمَنْعِ بُطْلَانِ اللَّازِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى امْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَهُوَ خِلَافُ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ مِنْ جَوَازِهِ فَحِينَئِذٍ تَسْلَمُ الْمُلَازَمَةُ وَيَمْنَعُ بُطْلَانَ اللَّازِمِ وَالشَّارِحُ سَلَكَ هَذَا الطَّرِيقَ لِأَقْوَمِيَّتِهِ إذْ مَنْعُ بُطْلَانِ اللَّازِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَلِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَهُ بِأَنْ لَا يَرَاهُ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يُؤْتَى بِالْمَشْرُوطِ إلَخْ) الْمُرَادُ أَنَّهُ يُكَلَّفُ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ بَعْدَ إيقَاعِ الشَّرْطِ فَحَالُ عَدَمِ الشَّرْطِ ظَرْفٌ لِلتَّكْلِيفِ وَحَالُ وُجُودِ الشَّرْطِ ظَرْفُ إيقَاعِ الْمُكَلَّفِ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ وَقَعَ) أَيْ وَالْوُقُوعُ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ فَهَذَا دَلِيلٌ ثَانٍ وَقَالَ الْكَمَالُ هُوَ تَتْمِيمٌ لِلدَّلِيلِ كَالتَّأْكِيدِ لِمَا قَبْلَهُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي مَقَامَيْنِ كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْ الْمَتْنِ الْأَوَّلِ صِحَّةُ التَّكْلِيفِ بِمَا ذَكَر عَقْلًا الثَّانِي وُقُوعُهُ اهـ. وَلَيْسَ قَوْلُهُ: وَقَدْ وَقَعَ مُكَرَّرًا مَعَ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ هَذَا فِي خُصُوصِ تَكْلِيفِ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ وَقَوْلَ الشَّارِحِ فِي مُطْلَقِ التَّكْلِيفِ بِالْمَشْرُوطِ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَهُ. (قَوْلُهُ: وَعَلَى الصِّحَّةِ وَالْوُقُوعِ) أَيْ وَيَبْنِي إلَخْ يَعْنِي أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُطْلَقَ يَجِبُ شَرْطُهُ بِوُجُوبِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا ذُكِرَ وَوُقُوعُهُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَإِنَّ أَكْثَرَ الْقَائِلِينَ بِالثَّانِي قَائِلٌ بِالْأَوَّلِ فَالْأَكْثَرُ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، ثُمَّ بَعْضٌ مِنْ الْأَكْثَرِينَ فِي عِبَارَتِهِ هُنَا كَمَا قَالَ الشَّارِحُ وَوَجْهُ هَذَا الْبِنَاءِ أَنَّهُ إذَا كَانَ وُجُوبُ الشَّرْطِ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ كَانَ مُقَارِنًا لَهُ فِي الزَّمَانِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ يَتَأَخَّرُ عَنْ وُجُوبِهِ فَيَلْزَمُ تَأَخُّرُهُ عَنْ وُجُوبِ الْمَشْرُوطِ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ عَنْ الْمُقَارِنِ لِشَيْءٍ مُتَأَخِّرٌ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَيْضًا، وَإِذَا تَأَخَّرَ وُجُودُ الشَّرْطِ عَنْ وُجُوبِ الْمَشْرُوطِ كَانَ وُجُوبُ الْمَشْرُوطِ حَالَ عَدَمِ الشَّرْطِ وَذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِالْمَشْرُوطِ قَبْلَ حُصُولِ الشَّرْطِ. (قَوْلُهُ: يَعْنِي مِنْ الْأَكْثَرِ هُنَا) لَعَلَّ هَذَا بِنَاءً عَلَى عِلْمِهِ مِنْ خَارِجٍ وَإِلَّا فَهُوَ فِي حَدِّ نَفْسِهِ غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرُ هُنَاكَ هُوَ الْأَكْثَرُ هُنَا فَيَكُونُ مُقَابِلُ الْأَكْثَرِ هُنَاكَ هُوَ مُقَابِلُهُمْ هُنَا. (قَوْلُهُ: وَهِيَ مَفْرُوضَةٌ إلَخْ) يَعْنِي أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ فِيهَا أَمْرٌ كُلِّيٌّ كَمَا عُلِمَ مِنْ صَدْرِهَا لَكِنَّهُمْ فَرَضُوا الْكَلَامَ فِي جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ لِيَقَعَ النَّظَرُ فِيهِ تَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ مَعَ ثُبُوتِ الْمَطْلُوبِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ فِي جُزْئِيٍّ ثَبَتَ فِي جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ لِاتِّحَادِ الْمَأْخَذِ، وَمِنْهَا تَكْلِيفُ الْمُحْدِثِ بِالصَّلَاةِ فَفِيهِ النِّزَاعُ كَمَا نَقَلَهُ الْبِرْمَاوِيُّ وَهُوَ بِالْأُصُولِ أُقْعَدُ، وَإِنْ نَازَعَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ وَقَالُوا: إنَّ الْمُحْدِثَ مُكَلَّفٌ بِالصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ بِمَعْنَى وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِهَا وَبِالطَّهَارَةِ قَبْلَهَا وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوا الْخِلَافَ السَّابِقَ فِي ذَلِكَ وَمَا قَالُوهُ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْعَضُدِ وَغَيْرِهِ

стр. 275

مَعَ انْتِفَاءِ شَرْطِهَا فِي الْجُمْلَةِ مِنْ الْإِيمَانِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى النِّيَّةِ الَّتِي لَمْ تَصِحَّ مِنْ الْكَافِرِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى صِحَّتِهِ وَيُمْكِنُ امْتِثَالُهُ بِأَنْ يُؤْتِيَ بِهَا بَعْدَ الْإِيمَانِ (وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ) أَيْضًا فَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ أَمْتِثَالِهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْقُطُ بِالْإِيمَانِ تَرْغِيبًا فِيهِ قَالَ تَعَالَى ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المدثر: ٤٠] ﴿عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٤١] ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت: ٦] ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الْآيَةَ وَتَفْسِيرُ الصَّلَاةِ بِالْإِيمَانِ لِأَنَّهَا شِعَارُهُ وَالزَّكَاةُ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَذَلِكَ لِأَفْرَادِهِ بِالشِّرْكِ فَقَطْ كَمَا قِيلَ خِلَافُ الظَّاهِرِ (خِلَافًا لِأَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ) فِي قَوْلِهِمْ لَيْسَ مُكَلَّفًا بِهَا (مُطْلَقًا) إذْ الْمَأْمُورَاتُ مِنْهَا لَا يُمْكِنُ مَعَ الْكُفْرِ فِعْلُهَا وَلَا يُؤْمَرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِقَضَائِهَا، وَالْمَنْهِيَّاتُ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا حَذَرًا مِنْ تَبْعِيضِ التَّكْلِيفِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَافَقُونَا (وَ) خِلَافًا (لِقَوْمٍ فِي الْأَوَامِرِ فَقَطْ) فَقَالُوا: لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ النَّوَاهِي لِإِمْكَانِ امْتِثَالِهَا مَعَ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَهَا مَتْرُوكٌ وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى الْإِيمَانِ (وَ) خِلَافًا (لِآخَرِينَ فِيمَنْ عَدَا الْمُرْتَدَّ) أَمَّا الْمُرْتَدُّ فَوَافَقُوا عَلَى تَكْلِيفِهِ بِاسْتِمْرَارِ تَكْلِيفِ الْإِسْلَامِ ــ [حاشية العطار] وَعَلَى هَذَا تُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ وَنَحْوَهَا كَالتَّكْلِيفِ بِالصَّلَاةِ وَبِالتَّكْبِيرِ قَبْلَ النِّيَّةِ فِيهِمَا. وَفِي الْبُرْهَانِ قَدْ نَقَلَ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَيْسَ الْمُحْدِثُ مُخَاطَبًا بِالصَّلَاةِ وَلَوْ اسْتَمَرَّ حَدَثُهُ دَهْرَهُ لَقَى اللَّهَ تَعَالَى غَيْرَ مُخَاطَبٍ بِصَلَاةٍ فِي عُمْرِهِ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فَإِنْ أَرَادَ الرَّجُلُ مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ الْحَقُّ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ لِتَرْكِهِ التَّوَصُّلَ إلَيْهَا فَقَدْ خَرَقَ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ وَيَعْنِي بِمَا ذَكَرَهُ قَوْلُهُ: قَبْلَ هَذَا النَّقْلِ أَنَّ الْمُحْدِثَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُطْلَبَ بِإِنْشَاءِ الصَّلَاةِ الصَّحِيحَةِ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ. (قَوْلُهُ: مَعَ انْتِفَاءِ شَرْطِهَا فِي الْجُمْلَةِ) لِكَوْنِهِ شَرْطًا فِي الْعِبَادَاتِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى النِّيَّةِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى الْإِيمَانِ لَا بِالنَّظَرِ إلَى كُلِّ فَرْعٍ فُرِّعَ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَهَذَا التَّوْجِيهُ يَرْجِعُ فِي التَّحْقِيقِ إلَى تَقْيِيدِ مَحَلِّ النِّزَاعِ بِبَعْضِ فُرُوعَ الشَّرِيعَةِ وَهُوَ الْعِبَادَاتُ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ لَا غَيْرَهَا مِنْ الْفُرُوعِ كَالْعِتْقِ وَنَحْوِهِ وَالْمُبَاحَاتِ وَالتُّرُوكِ أَوْ أَنَّ الْإِيمَانَ لَمَّا كَانَ شَرْطًا فِي الشَّرْطِ وَهُوَ النِّيَّةُ كَانَ شَرْطًا فِي الْجُمْلَةِ. (قَوْلُهُ: وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ) أَيْ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْفِعْلِ بِهَا بَعْدَ الْإِتْيَانِ بِشَرْطِهَا مِنْ الْإِيمَانِ لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْكَافِرَ مُطَالَبٌ بِالْإِتْيَانِ بِهَا حَالَةَ كُفْرِهِ لِعَدَمِ اتِّصَافِهِ بِشَرْطِ صِحَّتِهَا وَهُوَ الْإِيمَانُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ: إنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى مُسْلِمٌ فَلَا مُنَافَاةَ. (قَوْلُهُ: أَيْضًا) أَيْ كَمَا أَنَّ الصَّحِيحَ الصِّحَّةُ أَيْ الْجَوَازُ. (قَوْلُهُ: فَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِ امْتِثَالِهِ) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى فَائِدَةِ الْخِلَافِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِتَكْلِيفِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ فَقَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي حَالَةَ الْكُفْرِ وَلَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ: قَالَ تَعَالَى إلَخْ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْوُقُوعِ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ أَيْضًا بِأَنَّ الْآيَاتِ الْآمِرَةَ بِالْعِبَادَةِ تَتَنَاوَلُهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَيَجِبُ كَوْنُهُمْ مُكَلَّفِينَ بِالْفُرُوعِ لِلْمُقْتَضِي السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ إذْ لَا مَانِعَ يُفْرَضُ هُنَاكَ إلَّا الْكُفْرُ، وَالْكُفْرُ غَيْرُ مَانِعٍ لِإِمْكَانِ إزَالَتِهِ كَالْحَدَثِ الْمَانِعِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْجَامِعُ كَوْنُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَانِعًا مُمْكِنَ الزَّوَالِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ إرَادَةُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ النَّاسِ لَا الْجِنْسِ وَلَوْ سَلَّمَ فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِاعْبُدُوا آمِنُوا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُفَّارِ عَلَى مَا قِيلَ: إنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِالطَّاعَةِ وَالْكَافِرِينَ بِالْإِيمَانِ وَالْمُنَافِقِينَ بِالْإِخْلَاصِ أَوْ نَقُولُ عَلَى فَرْضِ تَسْلِيمِ الْعُمُومِ فِي كَلِمَةِ النَّاسِ أَنَّهُ خَصَّ مِنْهُ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ إجْمَاعًا فَخَصَّ الْكَافِرَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْعِبَادَةِ مَعَ الْكُفْرِ وَلَا إيجَابُ الْإِيمَانِ لِإِيجَابِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ لَكِنَّ الْإِيمَانَ أَصْلُ الْعِبَادَةِ فَلَا يَصِيرُ تَبَعًا لِغَيْرِهِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى حَالًا مِنْ الْمُقْتَضَى. (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ تَفْسِيرُ لَفْظِ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الثَّالِثَةِ وَهُوَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. (قَوْلُهُ: كَمَا قِيلَ) أَيْ فِي تَفْسِيرِ كُلٍّ مِنْ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثِ. (قَوْلُهُ: خِلَافُ الظَّاهِرِ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ حَمْلُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا الشَّرْعِيَّتَيْنِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ اسْمِ الْإِشَارَةِ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ جَمِيعُهُ لِيَكُونَ الْوَعِيدُ عَلَى الْقَتْلِ وَالزِّنَا مَذْكُورًا أَيْضًا. (قَوْلُهُ: إذْ الْمَأْمُورَاتُ مِنْهَا) أَيْ فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّكْلِيفِ بِهَا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فِعْلُهَا مَعَ الْكُفْرِ يُمْكِنُ بَعْدَ

стр. 276

(قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ) وَالِدُ الْمُصَنِّفِ (وَالْخِلَافُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ) مِنْ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ ــ [حاشية العطار] الْإِتْيَانِ بِالشَّرْطِ وَبِأَنَّ نَفْيَ الْفَائِدَةِ فِي الدُّنْيَا لَا يُنَافِي ثُبُوتَهَا فِي الْآخِرَةِ وَهِيَ الْعَذَابُ عَلَيْهَا فَفَائِدَةُ التَّكْلِيفِ لَا تَنْحَصِرُ فِي الِامْتِثَالِ، وَلِعِلْمِ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ سَابِقًا مِنْ قَوْلِهِ وَأُجِيبَ بِإِمْكَانِ امْتِثَالِهِ وَقَوْلُهُ: فَيُعَاقَبُ إلَخْ اسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِمَا. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الشِّقِّ الثَّانِي فَغَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ لِمُوَافَقَتِهِمْ فِيهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانِ لَا يُتَنَجَّزُ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ بِإِيقَاعِ الْمَشْرُوطِ قَبْلَ الشَّرْطِ وَلَكِنْ إذَا مَضَى مِنْ الزَّمَانِ مَا يَسَعُ الشَّرْطَ وَالْمَشْرُوطَ وَالْأَوَائِلَ وَالْأَوَاخِرَ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يُعَاقَبَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى حُكْمِ التَّكْلِيفِ مُعَاقَبَةَ مَنْ خَالَفَ أَمْرًا تَوَجَّهَ عَلَيْهِ نَاجِزًا وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ قَضَى عَلَيْهِ قَاطِعُ الْعَقْلِ بِالْفَسَادِ وَمَنْ جَوَّزَ تَنْجِيزَ الْخِطَابِ بِإِيقَاعِ الْمَشْرُوطِ قَبْلَ وُقُوعِ الشَّرْطِ فَقَدْ سَوَّغَ وُقُوعَ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، ثُمَّ قَالَ: وَاَلَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْكُفَّارَ مَأْمُورُونَ بِالْتِزَامِ الشَّرَائِعِ جُمْلَةً وَالْقِيَامِ بِمَعَالِمِهِ تَفْصِيلًا وَمَنْ أَنْكَرَ وُقُوعَ وُجُوبِ الْمُتَوَصَّلِ إلَيْهِ فَقَدْ جَحَدَ أَمْرًا مَعْلُومًا، فَإِنْ قِيلَ: أَتَقْطَعُونَ بِأَنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ فِي الْآخِرَةِ عَلَى تَرْكِ فُرُوعِ الشَّرْعِ قُلْنَا: أَجَلْ، وَالْمُوَصِّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ قَطْعًا وُجُوبُ التَّوَصُّلِ وَثَبَتَ أَنَّ تَارِكَ الْوَاجِبِ مُتَوَعَّدٌ بِالْعِقَابِ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَقَرَّرَ فِي أَصْلِ الدِّينِ وَمُسْتَفِيضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَعْفُو عَنْ الْكُفَّارِ اهـ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَإِنْ قِيلَ: لِمَ خَاطَبَ اللَّهُ الْعَاصِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ شَقِيٌّ لَا يُطِيعُهُ؟ قُلْنَا: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّ الْخِطَابَ لَهُ لَيْسَ طَلَبًا حَقِيقَةً بَلْ عَلَامَةٌ عَلَى شَقَاوَتِهِ وَتَعْذِيبِهِ. (قَوْلُهُ: قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ) اعْتَرَضَهُ الْكُورَانِيُّ بِأَنَّهُ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ أَنَّ مَا لَهُ شَرْطٌ شَرْعِيٌّ هَلْ يَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ أَوَّلًا كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا لَا خِطَابَ تَكْلِيفٍ فِيهِ لَا صَرِيحًا وَلَا ضِمْنًا خَارِجٌ عَنْ الْبَحْثِ وَمَسْأَلَةُ تَكْلِيفِ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ مِنْ جُزْئِيَّاتِ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَنَحْوُ الْإِتْلَافِ وَالْجِنَايَاتِ وَتَرَتُّبُ آثَارِ الْعُقُودِ خَارِجٌ عَنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْ التَّكْلِيفِ مَا كَانَ صَرِيحًا فَلَا يَشْمَلُ مَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ الْوَضْعِ فَنَبَّهَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ عَلَى عَدَمِ اخْتِصَاصِ الْخِلَافِ بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ الصَّرِيحِ كَمَا يُتَوَهَّمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالتَّكْلِيفِ بَلْ مِثْلُهُ بَعْضُ أَقْسَامِ الْوَضْعِ فَتَحْتَ مَا قَالَهُ طَائِلٌ أَيْ طَائِلٌ اهـ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْ وَالِدِهِ مِنْ التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ تَبِعَهُ عَلَيْهِ الْبِرْمَاوِيُّ وَاسْتَحْسَنَهُ لَكِنْ رَدَّهُ شَيْخُهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ فِي الْإِتْلَافِ وَالْجِنَايَةِ قَالَ: بَلْ الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ وَأَطَالَ فِي بَيَانِهِ. (قَوْلُهُ: فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ) هَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْخِطَابُ بِالْجِهَادِ نَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ بِي فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الَّتِي لَا أَسْتَحْضِرُهَا الْآنَ أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِمَا عَدَا الْجِهَادِ، وَأَمَّا الْجِهَادُ فَلَا لِامْتِنَاعِ قِتَالِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ اهـ. قَالَ سم وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَذَا التَّوْجِيهُ لَا يَجْرِي فِي تَكْلِيفِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِقِتَالِ الْحَرْبِيِّينَ وَلَا فِي تَكْلِيفِ بَعْضِ الْحَرْبِيِّينَ بِقِتَالِ بَعْضٍ اهـ. وَفِي الْأَخِيرِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُعَيَّنًا لَزِمَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجَّحٍ، وَإِنْ كَانَ مُبْهَمًا كَانَ مِنْ قَبِيلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَفِي كَوْنِ الْجِهَادِ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْكُفَّارِ تَوَقُّفٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ) يَخْرُجُ النَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ عَبَّرَ أَوَّلًا بِالتَّكْلِيفِ وَقَالَ: إنَّ الْفَائِدَةَ هِيَ الْعِقَابُ قَالَ: وَأَمَّا مَنْ عَبَّرَ بِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ، فَإِنَّ عِبَارَتَهُ شَامِلَةٌ لِلْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ اهـ. وَفِي شَرْحِ الْمُصَنِّفِ لِلْمِنْهَاجِ وَالظَّاهِرُ الْإِبَاحَةُ فِيمَا هُوَ مُبَاحٌ قَالَ وَالِدِي: وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ إقْدَامَهُمْ عَلَى الْمُبَاحِ وَهُمْ غَيْرُ مُسْتَنِدِينَ إلَى الشَّرْعِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ اتِّبَاعُهُ حَرَامٌ لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَحِلُّ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى فِعْلٍ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَهُمْ آثِمُونَ عَلَى جُمْلَةِ أَفْعَالِهِمْ، وَهَذَا الْبَحْثُ عَامٌّ فِي الْكِتَابِيِّينَ وَالْمُشْرِكِينَ قَالَ: وَالِدِي وَهُوَ مِمَّا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ وَفِيهِ

стр. 277

(وَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ الْوَضْعِ) كَكَوْنِ الطَّلَاقِ سَبَبًا لِحُرْمَةِ الزَّوْجَةِ فَالْخَصْمُ يُخَالِفُ فِي سَبَبِيَّتِهِ (لَا) مَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ نَحْوَ (الْإِتْلَافِ) لِلْمَالِ (وَالْجِنَايَاتِ) عَلَى النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَسْبَابٌ لِلضَّمَانِ (وَتَرَتُّبُ آثَارِ الْعُقُودِ) الصَّحِيحَةِ كَمِلْكِ الْمَبِيعِ وَثُبُوتِ النَّسَبِ وَالْعِوَضِ فِي الذِّمَّةِ فَالْكَافِرُ فِي ذَلِكَ كَالْمُسْلِمِ اتِّفَاقًا، نَعَمْ الْحَرْبِيُّ لَا يَضْمَنُ مُتْلِفَهُ وَمُجْنِيَهُ وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْمُسْلِمَ وَمَالَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ مُكَلَّفٌ بِالْفُرُوعِ وَرَدَّ بِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَيْسَتْ دَارَ ضَمَانٍ. ــ [حاشية العطار] عِنْدِي تَوَقُّفٌ وَلَا يُنَافِي الْقَوْلُ بِهِ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ أَنْكِحَتِهِمْ وَمُعَامَلَاتِهِمْ؛ لِأَنَّ أَثَرَهَا فِي الدُّنْيَا وَالْمَقْصُودُ عِقَابُهُمْ فِي الْآخِرَةِ اهـ. قَالَ سم وَمَا نَقَلَهُ عَنْ وَالِدِهِ يَنْبَغِي أَنْ يُلَاحَظَ مَعَهُ مَا يَأْتِي فِي الْكِتَابِ أَنَّ أَصْلَ الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ وَالْمَضَارَّ التَّحْرِيمُ وَمَا قَرَّرُوهُ فِي قَوْلِهِ ﷺ أَنَّ «الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» وَمَا بَيَّنُوهُ مِنْ أَقْسَامِ تِلْكَ الْمُشْتَبِهَاتِ إذْ الْكُفَّارُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ بِالْفُرُوعِ حُكْمُهُمْ فِيمَا ذَكَرَ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ. اهـ. . (قَوْلُهُ: وَمَا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِنْ الْوَضْعِ) بِأَنْ يَكُونَ مُتَعَلَّقُهُ سَبَبًا لِخِطَابِ التَّكْلِيفِ أَوْ شَرْطًا لَهُ أَوْ مَانِعًا وَرُجُوعُهُ إلَيْهِ بِأَنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ بِالذَّاتِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بِالِاعْتِبَارِ إذْ الْخِطَابُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ لِتَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ هُوَ الْخِطَابُ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِسَبَبِ الطَّلَاقِ اهـ. نَاصِرٌ. قَالَ سم هَذَا يَقْتَضِي حَمْلَ الْوَضْعِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ الْخِطَابُ الْمَخْصُوصُ فَيُحْمَلُ قَوْلُ الشَّارِحِ كَكَوْنِ الطَّلَاقِ سَبَبًا لِحُرْمَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى أَنَّ تَقْدِيرَهُ كَالْخِطَابِ يَكُونُ الطَّلَاقُ سَبَبًا لَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ حَمْلُ الْوَضْعِ هُنَا عَلَى مُتَعَلِّقِهِ مَجَازًا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُتَعَلِّقِ عَلَى مُتَعَلَّقِهِ أَوْ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ مِنْ مُتَعَلِّقِ الْوَضْعِ فَقَوْلُ الشَّارِحِ كَكَوْنِ الطَّلَاقِ إلَخْ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِهِ. فَإِنْ قُلْت: رُجُوعُهُ إلَى خِطَابِ التَّكْلِيفِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَطَّرِدُ إذْ الْخِطَابُ بِأَنَّ الْوُضُوءَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ لَا يَرْجِعُ إلَى خِطَابِ التَّكْلِيفِ إذْ مَرْجِعُهُ الْخِطَابُ بِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوُضُوءِ وَلَيْسَ هَذَا خِطَابُ تَكْلِيفٍ. قُلْت: لَا يَضُرُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُدَّعَى أَنَّ كُلَّ وَضْعٍ يَرْجِعُ إلَى التَّكْلِيفِ بَلْ أَنَّ مَا يَرْجِعُ مِنْهُ إلَيْهِ لَهُ حُكْمُهُ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ، نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: لَا حَاجَةَ إلَى تَفْسِيرِ الرُّجُوعِ بِمَا ذَكَرَهُ بَلْ يَكْفِي تَفْسِيرُهُ بِتَعَلُّقِهِ بِخِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَوْ بِوَاسِطَةٍ أَوْ وَسَائِطَ لَا مَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُهُ سَبَبًا لِغَيْرِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ كَالْخِطَابِ بِكَوْنِ الْإِتْلَافِ سَبَبًا لِلضَّمَانِ اهـ. نَاصِرٌ. (قَوْلُهُ: لَا مَا لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ) وَمُحَصِّلُ الْجَوَابِ أَنَّ لَهَا جِهَتَيْنِ كَوْنُهَا أَسْبَابًا لِلضَّمَانِ أَيْ شَغْلُ النِّيَّةِ بِهِ وَالتَّمْثِيلُ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا أَسْبَابًا لِوُجُوبِ أَدَاءِ بَدَلِ الْمُتْلَفِ. (قَوْلُهُ: مِنْ حَيْثُ) تَعْلِيلِيَّةٌ وَدَفَعَ الشَّارِحُ بِذَلِكَ مَا يُقَالُ: إنَّ الْإِتْلَافَاتِ وَالْجِنَايَاتِ أَسْبَابٌ لِوُجُوبِ أَدَاءِ بَدَلِ الْمُتْلَفِ وَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ مُطْلَقًا أَوْ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ فَقَدْ رَجَعْت أَيْضًا إلَى خِطَابِ التَّكْلِيفِ فَلَمْ يَصِحَّ. (قَوْلُهُ: وَتَرَتُّبُ آثَارِ الْعُقُودِ) مِثَالٌ لِلْوَضْعِ الْغَيْرِ الرَّاجِعِ وَفِي كَوْنِهِ مِنْ الْوَاضِعِ أَوْ مُتَعَلِّقِهِ نَظَرٌ إذْ التَّرْتِيبُ مُسَبَّبٌ عَنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ الَّتِي هِيَ مُتَعَلِّقُ الْوَضْعِ قَالَهُ النَّاصِرُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مُفَادَ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ التَّرَتُّبَ الْمَذْكُورَ مِنْ الْوَضْعِ الَّذِي مُتَعَلِّقُهُ سَبَبٌ لِغَيْرِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْوَضْعِ وَلَا مِنْ مُتَعَلَّقِهِ وَلَا هُوَ سَبَبٌ أَصْلًا لِشَيْءٍ أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مُتَعَلَّقَ الْوَضْعِ الْمَذْكُورِ كَوْنُ الْعَقْدِ صَحِيحًا. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ التَّرَتُّبَ الْمَذْكُورَ مُسَبَّبٌ عَنْ الْمُتَعَلَّقِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَقَدَّمَ لِلْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَبِصِحَّةِ الْعَقْدِ تَرَتَّبَ أَثَرُهُ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ فِي الْعِبَارَةِ تَسَاهُلًا وَالْمُرَادُ كَوْنُ الْعُقُودِ صَحِيحَةً تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا آثَارُهَا وَمَعْنَاهُ كَوْنُهَا سَبَبًا لِآثَارِهَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ التَّرَتُّبِ يُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ. (قَوْلُهُ: نَعَمْ) اسْتِدْرَاكٌ عَلَى عُمُومِ الْكَافِرِ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ: يَضْمَنُ الْمُسْلِمُ إلَخْ) نَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ أَتْلَفَ لَهُ مَالًا، ثُمَّ أَسْلَمَ يَجِبُ الضَّمَانُ إذَا قُلْنَا بِخِطَابِهِمْ بِالْفُرُوعِ وَحَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ عَنْهُ فِيمَا إذَا صَارَ ذِمِّيًّا قَالَهُ الْكَمَالُ. وَفِي الرَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ السِّيَرِ حِكَايَةٌ عَنْ تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا جَنَى عَلَى مُسْلِمٍ، ثُمَّ اُسْتُرِقَّ فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي ذِمَّتِهِ لَا تَتَحَوَّلُ إلَى رَقَبَتِهِ. (قَوْلُهُ: وَرُدَّ بِأَنَّ دَارَ الْحَرْبِ إلَخْ) وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ

стр. 278

(مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ) : وَبِهِ ظَاهِرٌ فِي الْأَمْرِ ــ [حاشية العطار] الْحَرْبِيَّ يَضْمَنُ مُتْلِفَهُ وَمُجْنِيَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَفِي شَرْحِ الزَّرْكَشِيّ وَنَقَلُوا وَجْهَيْنِ أَيْضًا فِيمَا لَوْ دَخَلَ الْكَافِرُ الْحَرَمَ وَقَتَلَ صَيْدًا هَلْ يَضْمَنُهُ؟ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ اهـ. فَلْيُتَأَمَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يُفْهِمُ قُوَّةُ كَلَامِ الْفُرُوعِ عَدَمَ ضَمَانِ الْحَرْبِيِّ وَلَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. [مَسْأَلَةٌ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ] (قَوْلُهُ: لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ) أَيْ كَمَا عُلِمَ مِنْ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ خِطَابُ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ لَا الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَهُوَ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا وُجُودَ لَهُ وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا هُوَ بِالْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلتَّكَالِيفِ بِالْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ إلَّا بِاعْتِبَارِ تَحْصِيلِهِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ وَأَوْرَدَ سم أَنَّ مَا هُنَا مُنَافٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ تَجْوِيزِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ نَفْيُ الْجَوَازِ أَيْ لَا يَجُوزُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِالْفِعْلِ نَافَى جَوَازَ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ، وَإِنْ أُرِيدَ لَا يَصِحُّ نَافَى قَوْلَهُمْ وَالصَّحِيحُ وُقُوعُهُ بِالْمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ اتِّفَاقًا عَلَى مَا عُلِمَ مِنْ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ. وَأَجَابَ بِأَنَّ مَا هُنَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِامْتِنَاعِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ جَارِيَةً عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَهُوَ خِلَافُ مَا يَأْتِي مِنْ النُّقُولِ وَنِسْبَتِهِ لِأَهْلِ الصَّحِيحِ مَعَ لُزُومِ التَّلْفِيقِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. فَالْأَوْلَى أَنَّنَا نَخْتَارُ الشِّقَّ الثَّانِيَ وَالْمُمْتَنِعُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ فِعْلًا كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ لَا وُرُودَ لَهُ أَصْلًا نَعَمْ لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ اتَّجَهَ مَا أَوْرَدَهُ وَمَا أَوْرَدَهُ النَّاصِرُ مِنْ أَنَّ الِاعْتِقَادَاتِ مُكَلَّفٌ بِهَا بِاعْتِبَارِ أَنْفُسِهَا لَا بِاعْتِبَارِ أَسْبَابِهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَهِيَ مِنْ قَبِيلِ الْكَيْفِ مُتَّجَهٌ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، فَإِنَّ الْمُتَبَادَرَ مِنْهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ نَفْسَهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ، وَمَا أَجَابَ بِهِ سم بِأَنَّ مِنْ يَلْتَزِمُ أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ لَا يُوَافِقُ عَلَى التَّصْحِيحِ الْمَذْكُورِ بَلْ الصَّحِيحُ عِنْدَهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الشَّرْحِ نَقْلًا عَنْ التَّفْتَازَانِيِّ مِنْ أَنَّ الْقَصْدَ بِطَلَبِ الْمُسَبَّبَاتِ الْأَسْبَابُ اهـ. لَا يُلَاقِي اعْتِرَاضَ النَّاصِرِ، فَإِنَّهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ لِلنَّفْسِ الِاعْتِقَادُ إلَّا بِالنَّظَرِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ. وَإِنْ قَالَ: إنَّ التَّكْلِيفَ بِالنَّظَرِ الْمُوجِبِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ بِحَيْثُ يَمْتَنِعُ تَخَلُّفُهُ عَنْهُ فَالْخِطَابُ الشَّرْعِيُّ، وَإِنْ تَعَلَّقَ فِي الظَّاهِرِ بِالْمُسَبَّبِ إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ بِالتَّأْوِيلِ إلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْمُسَبِّبِ لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ إلَّا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَالْأَحْسَنُ الْمَصِيرُ إلَى مَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ السَّيَالَكُوتِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْخَيَالِيِّ عَنْ الْمَوْلَى سَعْدِ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيِّ فِي رِسَالَةٍ مُؤَلَّفَةٍ فِي الْإِيمَانِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْمَأْمُورِ اخْتِيَارِيًّا وَمَقْدُورًا أَنْ يَكُونَ هُوَ فِي نَفْسِهِ مِنْ مَقُولَةِ الْفِعْلِ عَلَى مَا سَبَقَ إلَى بَعْضِ الْأَوْهَامِ بَلْ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُكَلَّفُ بِتَحْصِيلِهِ وَتَتَعَلَّقُ بِهِ قُدْرَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ هُوَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْأَوْضَاعِ وَالْهَيْئَاتِ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ أَوْ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ كَالْعِلْمِ وَالنَّظَرِ أَوْ الِانْفِعَالَاتِ كَالتَّسَخُّنِ وَالتَّبَرُّدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذَا نَظَرْت لِكَثِيرِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَجَدْته بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ اسْمٌ لِلْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي يَكُونُ الْقِيَامُ وَالْقُعُودُ وَالْأَلْفَاظُ وَالْحُرُوفُ مِنْ أَجْزَائِهَا وَلَا يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ كَسْبِهَا وَأَجْزَائِهَا وَمَعَ هَذَا لَا يَكُونُ الْوَاجِبُ الْمَقْدُورُ الْمُثَابُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ إلَّا نَفْسُ تِلْكَ الْهَيْئَةِ، وَإِذَا تَأَمَّلْت فَرَأْسُ الطَّاعَاتِ وَأَسَاسُ الْعِبَادَاتِ الْإِيمَانُ الْمُفَسَّرُ بِالتَّصْدِيقِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ مِنْ مَقُولَةِ الْكَيْفِ دُونَ الْفِعْلِ وَمَعْنَى كَوْنِ الْإِيمَانِ مِنْ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ، وَأَوْرَدَ أَيْضًا عَدَمَ شُمُولِ أَمْرِ النَّدْبِ وَنَهْيِ الْكَرَاهَةِ وَالتَّخْيِيرِ، فَإِنَّ لَفْظَ التَّكْلِيفِ لَا يَشْمَلُهَا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ فِيهَا عَلَى الْمُقَايَسَةِ وَالْعِلْمِ مِنْ تَعْرِيفِ الْحُكْمِ السَّابِقِ. (قَوْلُهُ: هَذَا ظَاهِرٌ فِي الْأَمْرِ) اعْتَرَضَهُ النَّاصِرُ بِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ ذَلِكَ فِي نَحْوِ اُتْرُكْ وَدَعْ وَذَرْ وَأَجَابَ سم بِجَوَابَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ الظُّهُورُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِطْلَاقَ بِنَاءٌ عَلَى الْغَالِبِ وَاقِعٌ حَتَّى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ الظُّهُورُ فِي غَيْرِ مَا يَكُونُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ بِقَرِينَةِ الْمَتْنِ وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْآتِي فِي شَرْحِ حَدِّ الْأَمْرِ بِأَنَّهُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِغَيْرِ كَفٍّ مَا نَصُّهُ وَسُمِّيَ مَدْلُولُ كَفٍّ أَمْرًا؛ لِأَنَّهُمَا مُوَافِقَةٌ لِلدَّالِ

стр. 279

لِأَنَّهُ مُقْتَضٍ لِلْفِعْلِ وَأَمَّا فِي النَّهْيِ الْمُقْتَضِي لِلتَّرْكِ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (فَالْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ الْكَفُّ) أَيْ الِانْتِهَاءُ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وِفَاقًا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ) أَيْ وَالِدِهِ وَذَلِكَ فِعْلٌ ــ [حاشية العطار] فِي اسْمِهِ، فَإِنَّ فِيهِ إشْعَارًا بِمُوَافَقَتِهِ فِي الْمَعْنَى لِلنَّهْيِ فَيُوَجَّهُ هَذَا الْقِسْمُ هُنَا بِمَا يُوَجَّهُ بِهِ النَّهْيُ. (قَوْلُهُ: وَأَمَّا فِي النَّهْيِ) أَيْ، وَأَمَّا الْفِعْلُ فِي النَّهْيِ إلَخْ. (قَوْلُهُ: الْمُقْتَضِي لِلتَّرْكِ، التَّرْكُ لُغَةً عَدَمُ فِعْلِ الْمُقَدَّرِ) سَوَاءٌ كَانَ هُنَاكَ قَصْدٌ مِنْ التَّارِكِ أَمْ لَا كَمَا فِي حَالِ الْغَفْلَةِ وَالنَّوْمِ وَسَوَاءٌ تَعَرَّضَ لِضِدِّهِ أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ، وَأَمَّا عَدَمُ مَا لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ فَلَا يُسَمَّى تَرْكًا، وَلِذَلِكَ لَا يُقَالُ: تَرَكَ فُلَانٌ خَلْقَ الْأَجْسَامِ نَقَلَهُ فِي الْمَوَاقِفِ وَشَرْحِهِ وَذَكَرَ لَهُ مَعَانٍ أُخَرَ. (قَوْلُهُ: أَيْ الِانْتِهَاءُ) لَا يُقَالُ: الِانْتِهَاءُ الِانْكِفَافُ وَهُوَ أَثَرُ الْكَفِّ لَا نَفْسُ الْكَفِّ فَلَا يَحْسُنُ تَفْسِيرُهُ بِهِ لِأَنَّا نَقُولُ: الِانْتِهَاءُ أَثَرُ النَّهْيِ لَا أَثَرُ الْكَفِّ يُقَالُ: نَهَاهُ فَانْتَهَى وَمَنْ نُهِيَ عَنْ شَيْءٍ فَكَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ فَقَدْ انْتَهَى بِذَلِكَ النَّهْيِ فَظَهَرَ أَنَّ الْكَفَّ هُوَ الِانْتِهَاءُ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: وِفَاقًا لِلشَّيْخِ الْإِمَامِ) حَيْثُ قَالَ: الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ الِانْتِهَاءُ وَيَلْزَمُ مِنْ الِانْتِهَاءِ فِعْلُ ضِدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَلَا يَنْعَكِسُ فَيُقَالُ الْمَطْلُوبُ فِعْلُ الضِّدِّ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَيَلْزَمُ مِنْهُ الِانْتِهَاءُ؛ لِأَنَّ الِانْتِهَاءَ مُتَقَدِّمٌ فِي الرُّتْبَةِ فِي التَّعَقُّلِ عَلَى فِعْلِ الضِّدِّ، وَإِنْ قَارَنَهُ فِي الزَّمَنِ فَهُوَ مَعَهُ كَالسَّبَبِ مَعَ الْمُسَبَّبِ، فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الِانْتِهَاءَ يَحْصُلُ بِدُونِ فِعْلِ الضِّدِّ حَصَلَ الْمَطْلُوبُ وَلَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ إلَى فِعْلِ الضِّدِّ لَكِنْ ذَلِكَ فَرْضٌ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَالْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ هُوَ الِانْتِهَاءُ. وَأَمَّا فِعْلُ الضِّدِّ فَلَا يُقْصَدُ إلَّا بِالِالْتِزَامِ بَلْ لَا يُقْصَدُ أَصْلًا وَلَا يَسْتَحْضِرُهُ الْمُتَكَلِّمُ وَمَتَى قَصَدَ فِعْلَ الضِّدِّ بِالذَّاتِ وَطَلَبَ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَانَ أَمْرًا لَا نَهْيًا عَنْ ضِدِّهِ فَقَوْلُ الْقَرَافِيِّ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ الْتِزَامًا صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ: الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ فِعْلُ الضِّدِّ مُطَابَقَةً لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا قَدَّمْنَاهُ اهـ. مِنْ سم. (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ فِعْلٌ) فِيهِ أَنَّهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الِاعْتِبَارِيَّةِ الَّتِي لَا تَحَقُّقَ لَهَا فِي الْخَارِجِ فَيَكُونُ عَدَمِيًّا فَكَيْفَ كُلِّفَ بِهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، هَذَا مُحَصِّلُ مَا فِي سم وَجَوَابُ بَعْضٍ بِأَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ، وَإِنْ كَانَ اعْتِبَارِيًّا فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ مِنْ الْعَدَمِ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى التَّكْلِيفِ بِهِ مِنْهُ سَفْسَطَةٌ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارِيَّاتِ لَا يُعْقَلُ فِيهَا تَفَاوُتٌ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ نَعَمْ هِيَ قِسْمَانِ اعْتِبَارِيَّاتٌ اخْتِرَاعِيَّةٌ وَاعْتِبَارِيَّاتٌ انْتِزَاعِيَّةٌ وَإِلَّا تَتَفَاوَتُ فِي نَوْعِهَا

стр. 280

يَحْصُلُ بِفِعْلِ الضِّدِّ لِلنَّهْيِ عَنْهُ (وَقِيلَ) هُوَ (فِعْلُ الضِّدِّ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ. (وَقَالَ قَوْمٌ) مِنْهُمْ أَبُو هَاشِمٍ هُوَ غَيْرُ فِعْلٍ، وَهُوَ (الِانْتِفَاءُ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَذَلِكَ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ ــ [حاشية العطار] فَالْأَحْسَنُ الْجَوَابُ بِمَنْعِ أَنَّهُ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ بَلْ هُوَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ النَّفْسِ وَالْأَفْعَالُ النَّفْسِيَّةُ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ الْخَارِجِيَّةِ كَمَا بَيَّنَ فِي مَحَلِّهِ كَيْفَ وَجَمِيعُ الِاعْتِقَادَاتِ مُكَلَّفٌ بِهَا وَهِيَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. (قَوْلُهُ: يَحْصُلُ بِفِعْلِ الضِّدِّ) قَدْ يَخْفَى الْمُرَادُ بِحُصُولِهِ بِفِعْلِ الضِّدِّ، فَإِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ مَثَلًا إذَا تَرَكَ الشُّرْبَ وَسَائِرَ الْأَفْعَالِ كَالْأَكْلِ وَشُرْبِ الْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ضِدٌّ لِشُرْبِ الْخَمْرِ فَعَلَهُ حَتَّى حَصَلَ لَهُ الِانْتِهَاءُ عَنْ شُرْبِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ هُنَا إلَّا انْتِفَاءُ الشُّرْبِ وَلَمْ يُوجَدْ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ مُضَادٌّ يَتَحَقَّقُ حُصُولُ الِانْتِهَاءِ بِفِعْلِ الضِّدِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالضِّدِّ مَا يَشْمَلُ النَّقِيضَ الَّذِي هُوَ النَّفْيُ انْتَهَى كَذَا فِي سم وَفِيهِ أَنَّ النَّقِيضُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ لَا يُكَلَّفُ بِهِ بَلْ الْجَوَابُ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ حَرَكَةٌ وَتَرْكُهُ عَدَمُ تِلْكَ الْحَرَكَةِ فَإِذَا لَمْ يَتَعَاطَ شَيْئًا أَصْلًا فَقَدْ سَكَنَ وَحِينَئِذٍ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الضِّدَّ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ فِيمَا سَيَأْتِي فِيهِ أَيْ السُّكُونِ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ. (قَوْلُهُ: وَذَلِكَ) أَيْ انْتِفَاءُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُهُ مَقْدُورٌ لِلْمُكَلَّفِ بِأَنْ لَا يَشَاءَ فِعْلَ الَّذِي يُوجَدُ بِمَشِيئَتِهِ وَهُوَ جَوَابٌ عَنْ ذَلِكَ، دَلِيلُ الْأَصْحَابِ عَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِ أَبِي هَاشِمٍ وَمُوَافِقِيهِ تَقْرِيرُ الدَّلِيلِ لَوْ كَانَ الْمُكَلَّفُ بِهِ فِي النَّهْيِ انْتِفَاءَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَكَانَ مُسْتَدْعَى حُصُولِهِ مِنْ الْمُكَلَّفِ مُتَصَوِّرًا وُقُوعَهُ بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْمُحَالِ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَدَمٌ وَالْعَدَمُ غَيْرُ مَقْدُورٍ وَتَقْدِيرُ الْجَوَابِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَدَمَ غَيْرُ مَقْدُورٍ كَيْفَ وَنِسْبَةُ الْقُدْرَةِ إلَى الطَّرَفَيْنِ سَوَاءٌ وَنَحْنُ نُفَسِّرُ الْقَادِرَ بِأَنَّهُ إنْ شَاءَ فَعَلَ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَا نَقُولُ: وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ تَفْسِيرَ الْقَادِرِ بِمَا ذَكَرَ وَكَوْنُهُ لَمْ يَشَأْ فَلَمْ يَفْعَلْ لَا يُوجِبُ كَوْنَ اسْتِمْرَارِ

стр. 281

بِأَنْ لَا يَشَاءَ فِعْلَهُ الَّذِي يُوجَدُ بِمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا قِيلَ: لَا تَتَحَرَّكُ فَالْمَطْلُوبُ مِنْهُ عَلَى الْأَوَّلِ الِانْتِهَاءُ عَنْ التَّحَرُّكِ الْحَاصِلِ بِفِعْلِ ضِدِّهِ مِنْ السُّكُونِ وَعَلَى الثَّانِي فِعْلُ ضِدِّهِ وَعَلَى الثَّالِثِ انْتِفَاؤُهُ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُهُ مِنْ السُّكُونِ فِيهِ يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ عَلَى الْجَمِيعِ (وَقِيلَ يُشْتَرَطُ) فِي الْإِتْيَانِ بِالْمُكَلَّفِ بِهِ فِي النَّهْيِ ــ [حاشية العطار] الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ أَثَرًا لِقُدْرَتِهِ لِيَكُونَ مُمْتَثِلًا لِلنَّهْيِ إنَّمَا مَقْدُورُهُ التَّرْكُ الَّذِي مَعَهُ يَسْتَمِرُّ الْعَدَمُ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ نِسْبَةُ عَدَمِ الْفِعْلِ لَا عَدَمُ نِسْبَةِ الْفِعْلِ، وَإِنْ عَبَّرَ بِهَذَا تَسَاهُلًا عَنْهُ اهـ كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: الَّذِي يُوجَدُ بِمَشِيئَتِهِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا خَارِجٌ عَمَّا الْكَلَامُ فِيهِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ لَا فِي تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْقُدْرَةِ تَابِعٌ لِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ فَالْبَاءُ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ لِلسَّبَبِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْ سَبَبِيَّةِ الْفَاعِلِ أَوْ مَشِيئَتِهِ. (قَوْلُهُ: الْحَاصِلُ) بِالرَّفْعِ نَعْتٌ لِلِانْتِهَاءِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَسْتَمِرَّ عَدَمُهُ) غَيْرُ لَازِمٍ إذْ لَا يَظْهَرُ هَذَا إلَّا إذَا خُوطِبَ وَهُوَ سَاكِنٌ إذْ مَنْ خُوطِبَ وَهُوَ مُتَحَرِّكٌ مَطْلُوبٌ بِتَجَدُّدِ الْعَدَمِ كَذَا أَوْرَدَ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّ مُعْتَادَ الشَّارِحِ تَبَعًا لِشَيْخَيْ مَذْهَبِهِ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ اسْتِعْمَالُ بِأَنْ بِمَعْنَى كَافِ التَّمْثِيلِ، وَهَذَا مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ سم نَحْوَهُ وَهُوَ جَوَابٌ هَيِّنٌ. (قَوْلُهُ: مِنْ السُّكُونِ) لَيْسَتْ مِنْ بَيَانِهِ وَإِلَّا لَاتَّحَدَ هَذَا الْقَوْلُ بِالثَّانِي وَلَا تَعْلِيلِيَّةٌ وَإِلَّا لَاتَّحَدَ بِالْأَوَّلِ بَلْ هِيَ ابْتِدَائِيَّةٌ وَالْمَعْنَى أَنَّ عَدَمَ الْفِعْلِ نَاشِئٌ مِنْ السُّكُونِ لَا نَفْسِهِ وَلَا حَاصِلَ بِهِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: فِيهِ يَخْرُجُ) أَيْ بِالسُّكُونِ لَا يُقَالُ: إنَّمَا يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ عَنْ الْأَوَّلِ بِالْكَفِّ الَّذِي يَحْصُلُ بِالسُّكُونِ بَعْدَ الدَّاعِيَةِ لَا بِالسُّكُونِ نَفْسِهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا إنَّمَا يُتَّجَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الظَّاهِرِ الَّذِي يَحْكُمُ بِهِ فَالْكَفُّ خَفِيٌّ لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهِ وَالصَّالِحُ لِإِنَاطَةِ الْخُرُوجِ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ هُوَ السُّكُونُ لِظُهُورِهِ اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ يُشْتَرَطُ) قَالَ الْبِرْمَاوِيُّ: هَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ مَحْكِيٌّ فِي الْمُسْوَدَّةِ الْأُصُولِيَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُكَلَّفَ بِهِ فِي النَّهْيِ الِانْتِهَاءُ مَشْرُوطًا بِقَصْدِ التَّرْكِ امْتِثَالًا وَاَلَّذِي حَكَاهُ الزَّرْكَشِيُّ شَيْخُ الْبِرْمَاوِيِّ عَنْ الْمُسْوَدَّةِ مَا نَصُّهُ وَقِيلَ: إنْ قَصَدَ الْكَفَّ مَعَ التَّمَكُّنِ أُثِيبَ وَإِلَّا فَلَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ اهـ. نَقَلَهُ الْكَمَالُ وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ اعْتِرَافَ الْكُورَانِيِّ بِقَوْلِهِ: لَا وَجْهَ لَا يُرَادِ الْمُصَنِّفِ هَذَا؛ لِأَنَّ

стр. 282

مَعَ الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (قَصَدَ التَّرْكَ) لَهُ امْتِثَالًا فَيَتَرَتَّبُ الْعِقَابُ إنْ لَمْ يَقْصِدْ وَالْأَصَحُّ (لَا) وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ الْمَشْهُورِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَالْأَمْرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ) لَهُ (بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ إلْزَامًا وَقَبْلَهُ إعْلَامًا وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْجُمْهُورِ قَالُوا (يَسْتَمِرُّ) تَعَلُّقُهُ الْإِلْزَامِيُّ بِهِ (حَالَ الْمُبَاشَرَةِ) لَهُ (وَ) قَالَ (إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ يَنْقَطِعُ) التَّعَلُّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ وَإِلَّا يَلْزَمُ طَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَلَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِهِ ــ [حاشية العطار] الْكَلَامَ فِي الْمُكَلَّفِ بِهِ فِي النَّهْيِ وَاشْتِرَاطَ الْقَصْدِ إنَّمَا هُوَ لِتَحْصِيلِ الثَّوَابِ مُتَّجِهٌ، فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِمَا نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ فَقَوْلُ سم إنَّ قَصْدَ التَّرْكِ امْتِثَالًا عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُكَلَّفِ بِهِ فِي النَّهْيِ وَإِنَّ اعْتِرَاضَ الْكُورَانِيِّ نَاشِئٌ عَنْ عَدَمِ مُرَادِ فَهْمِ هَذَا الْقَائِلِ تَحَامُلٌ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: مَعَ الِانْتِهَاءِ) اعْتَرَضَهُ الْكَمَالُ بِأَنَّ فِيهِ إيهَامَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الِانْتِهَاءِ وَالْقَصْدِ شَرْطٌ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ فَلْيَكُنْ قَوْلُهُ: يُشْتَرَطُ بِمَعْنَى لَا بُدَّ لِيَصِيرَ الْمَعْنَى وَقِيلَ: لَا بُدَّ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ مَعَ الِانْتِهَاءِ إلَخْ، وَقَدْ يُدْفَعُ بِأَنَّ " مَعَ " تَدْخُلُ عَلَى الْمَتْبُوعِ فَلَا تَقْتَضِي كَوْنَ الْقَصْدِ مَشْرُوطًا مُصَاحَبَتُهُ لِلِانْتِهَاءِ أَنَّ الِانْتِهَاءَ شَرْطٌ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَصْدُ التَّرْكِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ النِّيَّةَ الْقَصْدُ، وَالْأَعْمَالُ جَمْعُ عَمَلٍ وَهُوَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ الْمُقَابِلِ لِلتَّرْكِ، وَقَدْ اقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْأَعْمَالِ أَوْ لِاعْتِبَارِهَا فَكَانَتْ التُّرُوكُ عَلَى الْأَصْلِ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ لَهَا اهـ. كَمَالٌ. (قَوْلُهُ: وَالْأَمْرُ) تَعْبِيرُ غَيْرِهِ بِالتَّكْلِيفِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْأَمْرِ اهـ. زَكَرِيَّا. (قَوْلُهُ: يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعَلُّقَيْنِ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْ التَّعَلُّقِ الْإِعْلَامِيِّ اعْتِقَادُ وُجُوبِ إيجَادِ الْفِعْلِ كَأَنَّهُ قِيلَ لِلْمُكَلَّفِ: افْعَلْ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ، فَإِنَّ هَذَا الْفِعْلَ وَاجِبٌ إذَا دَخَلَ وَقْتُهُ وَمِنْ الِالْتِزَامِيِّ الِامْتِثَالُ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِكُلٍّ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْإِيجَادِ فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا فِي الْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ وَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَالتَّعَلُّقِ الْإِعْلَامِيِّ تَغَايُرُ التَّعَلُّقِ الْمَعْنَوِيِّ وَالتَّعَلُّقِ الْإِعْلَامِيِّ وَإِنَّ الْمَعْنَوِيَّ أَزَلِيٌّ وَالْإِعْلَامِيَّ حَادِثٌ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ التَّعَلُّقَاتُ ثَلَاثَةً: تَنْجِيزِيٌّ وَمَعْنَوِيٌّ وَإِعْلَامِيٌّ، وَأَمَّا الِالْتِزَامِيُّ: فَهُوَ التَّنْجِيزِيُّ. وَقَدْ يُقَالُ: وُجُوبُ الْإِعْلَامِيِّ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْفِعْلِ بَلْ يَكْفِي دُخُولُهُ فِي الْأَمْرِ بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ وَأَوْرَدَ النَّاصِرُ أَنَّ الْأَمْرَ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ وَالْحُكْمُ اُعْتُبِرَ فِيهِ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ الْأَمْرُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ وُجُودُ النَّوْعِ بِدُونِ جِنْسِهِ وَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْكَلَامُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ الَّذِي يَئُولُ إلَى كَوْنِهِ أَمْرًا بِالْفِعْلِ وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ فَلَا حَاجَةَ لِمَا أَطَالَ بِهِ سم مِنْ التَّكَلُّفَاتِ. (قَوْلُهُ: إلْزَامًا) قَاصِرٌ عَلَى أَمْرِ الْإِيجَابِ وَيُعْلَمُ أَمْرَ النَّدْبِ الْمُؤَقَّتِ بِالْمُقَايَسَةِ وَهُوَ وَإِعْلَامًا نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ أَوْ الْحَالِ بِتَقْدِيرِ ذَا أَوْ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ أَيْ تَعَلُّقُ إعْلَامٍ وَإِلْزَامٍ. (قَوْلُهُ: بِهِ) أَيْ بِالْفِعْلِ وَالْجَارِّ مُتَعَلِّقٌ بِتَعَلُّقٍ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ وَصْفُ الْمَصْدَرِ قَبْلَ عَمَلِهِ لَكِنَّهُ مُغْتَفَرٌ فِي الظُّرُوفِ وَيُحْتَمَلُ تَعَلُّقُهُ بِالْإِلْزَامِيِّ. (قَوْلُهُ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَخْ) مُقَابِلُ الْأَكْثَرِ. (قَوْلُهُ: وَإِلَّا يَلْزَمُ) تَقْرِيرُ الدَّلِيلِ هَكَذَا لَوْ اسْتَمَرَّ التَّعَلُّقُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ وَالتَّالِي بَاطِلٌ فَبَطَلَ الْمُقَدَّمُ فَثَبَتَ نَقِيضُهُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (قَوْلُهُ: وَلَا فَائِدَةَ

стр. 283

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ كَالصَّلَاةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْفَرَاغِ مِنْهُ لِانْتِفَائِهِ بِانْتِفَاءِ جُزْءٍ مِنْهُ. (وَقَالَ قَوْمٌ) مِنْهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيّ (لَا يَتَوَجَّهُ) الْأَمْرُ بِأَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْفِعْلِ إلْزَامًا (إلَّا عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ) لَهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ (، وَهُوَ التَّحْقِيقُ) إذْ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ إلَّا حِينَئِذٍ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَدَمُ الْعِصْيَانِ بِتَرْكِهِ فَجَوَابُهُ قَوْلُهُ (فَالْمَلَامُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ اللَّوْمُ وَالذَّمُّ (قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ بِأَنَّ تَرْكَ الْفِعْلِ ــ [حاشية العطار] إلَخْ) مِنْ تَتِمَّةِ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ مَحْذُورٌ وَاحِدٌ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَحْذُورٌ آخَرُ. (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفِعْلَ إلَخْ) بَيَانُهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمَطْلُوبَ ذُو أَجْزَاءٍ، وَالْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَوَّلًا وَبِالذَّاتِ وَبِأَجْزَائِهِ ثَانِيًا وَبِالْعَرَضِ وَالتَّعَلُّقُ بِهِ لَا يَنْقَطِعُ مَا لَمْ يَحْصُلْ الْفِعْلُ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ حُصُولِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَحِينَئِذٍ فَالْفِعْلُ حَالَ الْمُبَاشَرَةِ لَمْ يَحْصُلْ لِبَقَاءِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ فَالْمُلَازَمَةُ فِي قَوْلِهِمْ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مَمْنُوعَةٌ هَذَا إذَا نَظَرْنَا لِمَجْمُوعِ الْأَجْزَاءِ، فَإِنْ نَظَرْنَا لِكُلِّ جُزْءٍ جُزْءٍ فَنَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ وَإِنْ كَانَ حَصَلَ حِسًّا لَمْ يَحْصُلْ شَرْعًا؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ الشَّرْعِيَّ الْمُعْتَبَرَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِتَمَامِ الْأَجْزَاءِ كُلِّهَا. وَأُجِيبَ أَيْضًا بِالتَّرْدِيدِ بَيْنَ مَنْعِ الْمُلَازَمَةِ عَلَى تَقْدِيرٍ وَبُطْلَانِ اللَّازِمِ عَلَى تَقْدِيرٍ آخَرَ؛ لِأَنَّكُمْ إنْ أَرَدْتُمْ تَحْصِيلَ حَاصِلٍ بِحُصُولٍ سَابِقٍ عَلَى الطَّلَبِ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ تَحْصِيلَهُ بِحُصُولٍ مُقَارِنٍ لِلطَّلَبِ فَهُوَ غَيْرُ مُحَالٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ التَّحْصِيلَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ الْحَاصِلُ مَازَالَ مَطْلُوبًا وَالْفَائِدَةُ وَصْفُ ذَلِكَ التَّحْصِيلِ بِالْوُجُوبِ فَعُلِمَ أَنَّهُ فِي هَذَا الْجَوَابِ أَيْضًا تَعَرَّضَ لِإِثْبَاتِ الْفَائِدَةِ الَّتِي نَفَوْهَا وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَيَّنِ كَافٍ فِي الرَّدِّ فَسُلُوكُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ لَا يَحْتَاجُ لِطَلَبٍ مُرَجَّحٍ؛ لِأَنَّ إرَادَةَ الْفَاعِلِ مُرَجَّحَةٌ كَمَا بَيَّنَ فِي مَحَلِّهِ فَسَقَطَ مَا أَطَالَ بِهِ سم. (قَوْلُهُ: وَقَالَ قَوْمٌ إلَخْ) مُقَابِلُ الْجُمْهُورِ. (قَوْلُهُ: بِأَنْ يَتَعَلَّقَ) تَصْوِيرٌ لِلتَّوْجِيهِ. (قَوْلُهُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ) إنَّمَا تَبَرَّأَ مِنْهُ لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ لِمَا يَأْتِي أَوْ لِلْإِشَارَةِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَقُولِ الْقَوْلِ. (قَوْلُهُ: إذْ لَا قُدْرَةَ) ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ هِيَ الْعَرَضُ الْمُقَارِنُ لِلْفِعْلِ فَقَبْلُهُ لَا قُدْرَةَ؛ لِأَنَّ الْعَرَضَ عِنْدَهُمْ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ فَلَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ قَبْلَهَا وَقَالَ الْجُمْهُورُ الَّذِي يَعْتَرِضُهُ التَّكْلِيفُ هُوَ الِاسْتِطَاعَةُ بِمَعْنَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لَا الْقُدْرَةِ بِمَعْنَى الْعَرَضِ الْمُقَارِنِ. (قَوْلُهُ: وَمَا قِيلَ) اعْتِرَاضًا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: إنَّهُ يَلْزَمُ إلَخْ) لِعَدَمِ تَوَجُّهِ الْإِلْزَامِ إلَيْهِ، وَأَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْقُدْرَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ وَمُتَابِعِيهِ يَلْزَمُ أَنَّ الْقَاعِدَ بَعْدَ دُخُولِ الْقُوتِ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَا اتِّفَاقًا وَلِأَنَّ مَفْهُومَ الْأَمْرِ وَهُوَ الطَّلَبُ يَسْتَدْعِي تَحْصِيلَ الْمَطْلُوبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَالتَّكْلِيفُ الَّذِي هُوَ الطَّلَبُ سَابِقٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ الْمَقْدُورِ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لُزُومُ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَبْنَى هَذَا الْخِلَافِ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ الْعَرَضَ هَلْ يَبْقَى زَمَانَيْنِ أَمْ لَا فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ جَوَازُ اسْتِمْرَارِ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي نَفَاهُ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ، وَإِنْ قِيلَ: إنَّهُ سَفْسَطَةٌ احْتَاجَ إلَى الْقَوْلِ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ عِلَّةَ احْتِيَاجِ الْعَالِمِ إلَى الصَّانِعِ الْحُدُوثُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْحُدُوثِ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ يَلْزَمُ اسْتِغْنَاءُ الْعَالَمِ عَنْ الصَّانِعِ فَاضْطَرَّ إلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ بَقَاءِ الْأَعْرَاضِ لِتَسْتَمِرَّ الْحَاجَةُ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ الْإِمْكَانُ كَمَا عَلَيْهِ الْحُكَمَاءُ وَطَائِفَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي الْمُتَكَلِّمِينَ لَمْ يَضْطَرُّوا إلَى ذَلِكَ الْإِمْكَانِ وَصْفٌ قَائِمٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ فِي حَوَاشِي شَرْحِ التَّجْرِيدِ وَالْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي حَوَاشِينَا الْكُبْرَى عَلَى الْمَقُولَاتِ. (قَوْلُهُ: فَالْمَلَامُ) أَيْ فَالْعِصْيَانُ إنَّمَا هُوَ بِارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا بِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَإِنْ حَصَلَ النَّهْيُ بِالْأَمْرِ كَمَا أَفَادَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ إلَخْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ: وَهُوَ عَجِيبٌ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ النَّهْيِ عَنْ تَرْكِ الْفِعْلِ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ بِهِ، فَمَا لَمْ

стр. 284

أَيْ اللَّوْمِ حَالَ التَّرْكِ (عَلَى التَّلَبُّسِ بِالْكَفِّ) عَنْ الْفِعْلِ (الْمَنْهِيِّ) ذَلِكَ الْكَفِّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ تَرْكِهِ. (مَسْأَلَةٌ: يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وَيُوجَدُ مَعْلُومًا لِلْمَأْمُورِ آثَرَهُ) : أَيْ عَقِبَ الْأَمْرِ الْمَسْمُوعِ الدَّالِّ عَلَى التَّكْلِيفِ (مَعَ عِلْمِ الْأَمْرِ وَكَذَا الْمَأْمُورُ) أَيْضًا (فِي الْأَظْهَرِ انْتِفَاءُ شَرْطِ وُقُوعِهِ) أَيْ شَرْطِ وُقُوعِ الْمَأْمُورِ بِهِ (عِنْدَ وَقْتِهِ كَأَمْرِ رَجُلٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ عَلِمَ مَوْتَهُ قَبْلَهُ) لِلْآخَرِ فَقَطْ أَوَّلُهُ وَلِلْمَأْمُورِ بِهِ بِتَوْقِيفٍ مِنْ الْآمِرِ فَإِنَّهُ عَلِمَ فِي ذَلِكَ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِ الصَّوْمِ الْمَأْمُورِ مِنْ الْحَيَاةِ وَالتَّمْيِيزِ عِنْدَ وَقْتِهِ (خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُعْتَزِلَةِ) فِي قَوْلِهِمْ لَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ ــ [حاشية العطار] يَتَعَلَّقْ الْأَمْرُ لَمْ يَتَعَلَّقْ النَّهْيُ فَلَا يَلْزَمُ قَبْلَ فِعْلِهِ اهـ. وَهُوَ اعْتِرَاضٌ قَوِيٌّ وَحَاوَلَ سم الْجَوَابَ عَنْهُ بِمَا لَا يَدْفَعُهُ كَمَا يَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ فِي كَلَامِهِ، فَإِنْ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ وُجُودِ النَّهْيِ بِدُونِ الْأَمْرِ وَلَوْ أَنَّهُ لَازِمٌ لَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا أَعَمُّ مَنَعْنَاهُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي النَّهْيِ الْحَاصِلِ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ كَمَا يُفِيدُهُ قَوْلُ الشَّارِحِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ. (قَوْلُهُ: أَيْ اللَّوْمُ حَالَ التَّرْكِ) دَفْعٌ لِمَا تُوهِمُهُ ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ مِنْ تَحَقُّقِ اللَّوْمِ أَوَّلًا وَالْمُبَاشَرَةِ ثَانِيًا وَهُوَ فَاسِدٌ إذْ اللَّوْمُ إنَّمَا هُوَ مَعَ التَّرْكِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ قَالَهُ سم، وَقَدْ يُتَصَوَّرُ اللَّوْمُ أَوَّلًا وَالْمُبَاشَرَةُ ثَانِيًا فِيمَا إذَا وَقَعَتْ الْمُبَاشَرَةُ بَعْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ. (قَوْلُهُ: ذَلِكَ الْكَفُّ) هُوَ بَيَانٌ لِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي الْمَنْهِيِّ الَّذِي هُوَ نَائِبُ فَاعِلِهِ لِمُعَامَلَتِهِ مُعَامَلَةَ الْمُتَعَدِّي بِنَفْسِهِ تَوَسُّعًا وَالْأَصْلُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ فَحُذِفَ الْجَارُ وَاتَّصَلَ الضَّمِيرُ وَاسْتَتَرَ وَقَوْلُ الشَّارِحِ عَنْهُ صِلَةُ الْكَفِّ وَالضَّمِيرُ لِلْفِعْلِ. [مَسْأَلَةٌ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ وَيُوجَدُ مَعْلُومًا لِلْمَأْمُورِ آثَرَهُ] (قَوْلُهُ: مَسْأَلَةٌ يَصِحُّ إلَخْ) : تَضَمَّنَ كَلَامُهُ مَسْأَلَتَيْنِ الْأُولَى يَصِحُّ التَّكْلِيفُ مَعَ عِلْمِ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ الثَّانِيَةُ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَمْرِ وَسَمَاعِهِ بِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِ وَالثَّانِيَةُ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَى الْأُولَى فَقَوْلُهُ: مَعَ عِلْمِ الْأَمْرِ إلَخْ قَيْدٌ فِي قَوْلِهِ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ لَا فِي قَوْلِهِ وَيُوجَدُ، فَإِنَّ مُتَعَلِّقَهُ قَوْلُهُ: مَعْلُومًا وَلَا يَخْفَى مَا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مِنْ الْخَفَاءِ. (قَوْلُهُ: عَقِبَ الْأَمْرِ) أَيْ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ كَذَا قِيلَ وَهُوَ بَعِيدٌ فَالْأَحْسَنُ أَنَّهُ رَاجِعٌ لِلْأَمْرِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ عَلِمَ) عِلَّةً لِصِحَّةِ التَّمْثِيلِ. (قَوْلُهُ: مِنْ الْحَيَاةِ) إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّرْطِ الْجِنْسُ (قَوْلُهُ: عِنْدَ وَقْتِهِ) ، فَإِنَّهُ مَيِّتٌ لَا حَيَاةَ عِنْدَهُ وَلَا تَمْيِيزَ. (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ) ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْبُرْهَانِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ مَسْلَكَيْنِ لِلْقَاضِي: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ قَاطِبَةً قَبْلَ أَنْ تُظْهِرَ الْمُعْتَزِلَةُ هَذَا الرَّأْيَ عَلَى أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ عَلَى عِلْمٍ بِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ وَمَنْ أَبَى ذَلِكَ وَالْتَزَمَ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْبَسِيطَةِ مَنْ يَعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا فَقَدْ بَاهَتَ الشَّرِيعَةَ وَرَاغَمَ أَهْلَ الْإِجْمَاعِ. الثَّانِي: يَلْتَفِتُ عَلَى أَصْلِهِ فِي النُّسَخِ، فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ قَطْعًا، ثُمَّ يُرْفَعُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالنُّسَخِ فَقَالَ بَاقِيًا عَلَى ذَلِكَ إذَا تَوَجَّهَ الْأَمْرُ إلَى الْمُخَاطَبِ، ثُمَّ فُرِضَ مَوْتُهُ أَوَّلَ زَمَانِ إمْكَانِهِ فَقَدْ تَحَقَّقَ حُكْمُ الْخِطَابِ أَوَّلًا قَطْعًا، فَإِنْ انْقَطَعَ الْإِمْكَانُ انْقَطَعَ بِانْقِطَاعِهِ مَا ثَبَتَ قَطْعًا وَبَالَغَ الْإِمَامُ فِي رَدِّهِمَا، ثُمَّ قَالَ: فَقَدْ لَاحَ عَنْ الْمُبَاحَثَةِ أَنَّ الْمُخْتَارَ مَا عُزِيَ إلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: فِي قَوْلِهِمْ لَا يَصِحُّ)

стр. 285

مَعَ مَا ذَكَرَ لِانْتِفَاءِ فَائِدَةٍ مِنْ الطَّاعَةِ أَوْ الْعِصْيَانِ بِالْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ وَأُجِيبَ بِوُجُودِهَا بِالْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ. وَفِي قَوْلِهِمْ لَا يَعْلَمُ الْمَأْمُورُ بِشَيْءٍ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِ عَقِبَ سَمَاعِهِ لِلْأَمْرِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهِ لِمَوْتٍ قَبْلَ وَقْتِهِ أَوْ عَجْزٍ عَنْهُ وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ ذَلِكَ وَبِتَقْدِيرِ وُجُوبِهِ يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ الْأَمْرِ الدَّالِّ عَلَى التَّكْلِيفِ كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ غَدًا إذَا مَاتَ أَوْ عَزَلَ قَبْلَ الْغَدِ يَنْقَطِعُ التَّوْكِيلُ، وَمَسْأَلَةُ عِلْمِ الْمَأْمُورِ حَكَى الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ فِيهَا عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهِ ــ [حاشية العطار] إشَارَةً إلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الْأُولَى وَقَوْلُهُ: وَقَوْلُهُمْ إلَخْ إشَارَةً إلَى الْمُخَالَفَةِ فِي الثَّانِيَةِ. (قَوْلُهُ: مَعَ مَا ذَكَرَ) أَيْ مَعَ عِلْمِ الْآمِرِ بِانْتِفَاءِ الشَّرْطِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّرْطِ فِي الشَّاهِدِ قَطْعًا لِجَهْلِهِ بِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ، وَأَمَّا فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَقَالَ الْمُعْتَزِلَةُ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ الْحُصُولَ فَلَا شَرْطَ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ وَإِنْ عَلِمَ الْعَدَمَ فَلَا أَمْرَ وَرَدَّهُ الْأَشَاعِرَةُ بِأَنَّ الْمَنْظُورَ لَهُ حَالَ الْمَأْمُورِ عَلَى أَنَّهُ إذَا نَظَرَ لِلْأَمْرِ فَفَائِدَتُهُ الْعَزْمُ وَلَيْسَ هَذَا بِأَبْعَدَ مِنْ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ الْمُتَقَدِّمِ. (قَوْلُهُ: بِالْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ) فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ. (قَوْلُهُ: وَأُجِيبَ إلَخْ) عَلَى الْتِزَامِ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلتَّكْلِيفِ مِنْ فَائِدَةٍ يَعْلَمُهَا وَإِلَّا قُلْنَا أَنْ نَمْنَعَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْفَائِدَةُ سَلَّمْنَا فَجَازَ أَنْ لَا نَعْلَمَهَا نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ، وَأَيْضًا كُلُّ فِعْلٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْمُكَلَّفُ لَا بُدَّ مِنْ انْتِفَاءِ شَرْطِهِ كَتَعَلُّقِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ، فَلَوْ كَانَ عِلْمُ الْآمِرِ بِانْتِفَاءِ شَرْطِ وُقُوعِهِ مَانِعًا مِنْ التَّكْلِيفِ لَمْ يَكُنْ تَارِكُ الصَّلَاةِ مَثَلًا عَمْدًا عَاصِيًا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهَا؛ لِأَنَّ الْآمِرَ عَالِمٌ بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ فِي وَقْتِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ إجْمَاعًا. (قَوْلُهُ: وَفِي قَوْلِهِمْ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ فِي قَوْلِهِمْ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَتَمَكَّنُ إلَخْ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ مَعَ انْتِفَاءِ الشُّرُوطِ وَلَا ثِقَةَ عِنْدَهُ بِهَا. (قَوْلُهُ: وُجُودِهِ) أَيْ الْمَوْتِ أَوْ الْعَجْزِ. (قَوْلُهُ: لَا يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ إلَخْ) وَفَرَّقَ بَيْنَ انْقِطَاعِ الْمَوْجُودِ وَعَدَمِهِ مِنْ أَصْلِهِ كَمَا قَالُوا: إنَّهُ تَبَيَّنَ عَدَمُهُ. (قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْأَصْلَ إلَخْ) فِيهِ أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِي احْتِمَالَ عَدَمِ الِاسْتِمْرَارِ وَحِينَئِذٍ فَلَا عِلْمَ إذْ لَا عِلْمَ مَعَ الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْجَزْمَ وَحَمْلَ الْعِلْمِ عَلَى الظَّنِّ بَعِيدٌ كَذَا قَالَ النَّاصِرُ. وَأَجَابَ سم بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَنِدْ لِلْأَصْلِ فَقَطْ بَلْ مَعَ تَقْدِيرِ وُجُودِهِ وَذَلِكَ لَا يَنْفِي الْعِلْمَ إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُمْ الِاحْتِمَالُ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ وُجِدَ الِاحْتِمَالُ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ لَا تَبَيُّنَ عَدَمِهِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَبَيَّنَ بِهِ الْعَدَمَ لَا الِانْقِطَاعَ إذْ كَمَا يَحْتَمِلُ هَذَا يَحْتَمِلُ
следующие страницы →